← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

قَرْيَة من الْقرى وَلَا أقدر على المشى قَالَ فَنحْن واقفون اذا بِرَجُل مكارى رَاكب على حمَار وَهُوَ يسحب بغلين فَقَالَ لنا ان أردتم التَّوَجُّه الى سبينه فاركبا هذَيْن البغلين قَالَ فَرَكبْنَا ومضينا الى سبينة فطلع أَهلهَا الى لِقَاء الشَّيْخ وأنزلوه فنزلنا وَحصل لنا اكرام زَائِد وبتنا تِلْكَ اللَّيْلَة هُنَاكَ ثمَّ خرجنَا فى الصَّباح وَمَا زلنا سَبْعَة أَيَّام وَنحن طائفون على قرى ومتنعمون بولائم حَتَّى جِئْنَا الى دمشق قَالَ فَقَالَ لى الشَّيْخ أَرَأَيْت حَقِيقَة التَّوَكُّل قلت بلَى وَله وقائع وكرامات كَثِيرَة جدا وَكَانَ يستسقى بِهِ الْغَيْث وَلِلنَّاسِ فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَهُوَ مَحل الِاعْتِقَاد وَكَانَت وِلَادَته فى سنة سِتّ بعد الالف وَتوفى نَهَار الاحد سَابِع صفر سنة ثَمَان وَتِسْعين وَألف قبيل الْغُرُوب بهنيئة وفى ثانى يَوْم صلى عَلَيْهِ فى الْجَامِع الاموى وَدفن بمقبرة بَاب الفراديس وَكَانَ تمرض مُدَّة طَوِيلَة وأخبرنى بعض الاخوان انه قبل أَن يَمُوت بيومين أسكت فَلم يتَكَلَّم بشئ الا صَبِيحَة وَفَاته فَسَمعهُ ابْنه الشَّيْخ مُحَمَّد يَقُول ديننَا حق ودينكم شكّ قَالَ فَقَالَ لَهُ يَا سيدى أَلَسْت عَن رَبك براض فَقَالَ بلَى وَكَانَ هَذَا آخر كَلَام قَالَه وَاتفقَ يَوْم دَفنه وُصُول الْعَالم الربانى الشَّيْخ مُرَاد الازبكى الى دمشق من الرّوم وَحكى أستاذنا الْعَلامَة المنلا عبد الرَّحِيم الهندى الكابلى نزيل دمشق وَكَانَ خرج الى اسْتِقْبَال الشَّيْخ مُرَاد الى القطيفة قَالَ قصد الشَّيْخ الرحيل مِنْهَا قبل رفقائه بِنَحْوِ أَربع سَاعَات قَالَ فَقلت لَهُ ان الطَّرِيق مخوف وَلَا يُمكن التَّوَجُّه الا مَعَ الرّفْقَة قَالَ فَقَالَ لى عرضت مهمة وَلَا يُمكن التَّخَلُّف عَنْهَا وَقَامَ وَركب فى التخت ثمَّ توجه وتوجهنا مَعَه فَلم يمض الاحصة حَتَّى نزل من التخت وَركب فرسا وأسرع فى السّير فنكا لَا نقدر على اللحاق بِهِ من شدَّة المشى حَتَّى وصلنا الى دومة فَقيل لنا ان الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الهادى قد مَاتَ فوصلنا الى دمشق وَلم ينزل الشَّيْخ مُرَاد الا فى الْجَامِع الاموى وَحضر الصَّلَاة على الشَّيْخ مُحَمَّد ثمَّ توجه الى الْمَكَان الذى هيئ لَهُ وَهَذِه من أجل الكرامات للرجلين مُحَمَّد صَاحب الْخَال ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن عمر بن أَحْمد بن مُوسَى بن أَبى بكر صَاحب الْخَال الاكبر وَقد تقدم ذكر بَقِيَّة النّسَب لصَاحب الْخَال الاكبر جد صَاحب التَّرْجَمَة الامام الْعَلامَة الْفَقِيه قاضى اللِّحْيَة وَشَيخ الشَّافِعِيَّة بديار الْيمن وأعلمهم بالحلال وَالْحرَام مَعَ التَّقْوَى والتحرى والاحاطة والزهد والقناعة والانكفاف عَن النَّاس الى خلق عَظِيم وطبع لطيف وجلالة قدر ونفوذ

стр. 1367

كلمة ولد بِمَدِينَة اللِّحْيَة فى سنة أَربع عشرَة وَألف وَبهَا نَشأ وَحفظ الْقُرْآن والارشاد والملحة والرحبيبة وَغَيرهَا وَأخذ عَن وَالِده وتأدب بأدبه ولازم الْعَلامَة الشهير جمال الدّين مُحَمَّد بن عمر حشيبر وَالشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبَا بكر بن مُحَمَّد القمرى وَالشَّيْخ الْعَالم مُحَمَّد باوزير الحضرمى وَالشَّيْخ الْجَلِيل مُحَمَّد بن الطَّاهِر فجم وَقدم مَكَّة سنة أَرْبَعِينَ وَألف وَأخذ بالحرمين عَن السَّيِّد الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَحْمد الهادى باعلوى والحافظ الْمُحدث مُحَمَّد على بن عَلان والفقيه مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم الطائفى وَالشَّيْخ الْعَلامَة اسمعيل بن مُحَمَّد بن عمر حشيبر والفاضل ذهل بن على الحشيبرى وَكَانَت وَفَاته بِبَلَدِهِ لَيْلَة السبت سادس وعشرى صفر سنة مائَة وَألف وَصلى عَلَيْهِ غَائِبَة بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام يَوْم الْجُمُعَة خَامِس جُمَادَى الاولى من السّنة الْمَذْكُورَة مُحَمَّد بن اسمعيل الْفَتى الزبيدى كَانَ من عُلَمَاء الظَّاهِر أَولا فحصلت لَهُ جذبة بعد الاربعين وسلك عِنْد بعض الْمَشَايِخ حَتَّى وصل الى غَايَة مَا يتمناه وَهُوَ مُسْتَغْرق منجمع عَن النَّاس وَله كرامات ظَاهِرَة وأحوال سنية يُقَال انه غوث هَذَا الْعَصْر وَمن جملَة حَاله انه كَانَ يكْشف أَحْوَال الرِّجَال الَّذين يزورونه بِمُجَرَّد مَا يراهم قَالَ الْمولى فروخ المكى وصلت الى خدمته سنة أَربع بعد الالف وأقمت عِنْده مُدَّة ثمَّ قلت لَهُ يَا سيدى أُرِيد السّفر الى الْيمن لازور الْمَشَايِخ فَقَالَ الذى تُرِيدُ من الْمَشَايِخ عندنَا مَوْجُود وَلَا ينبغى لنا أَن يكون محبنا مُحْتَاجا الى آخر فَقلت لابد من الرواح فَقَالَ تروح وَلَكِن تتعب كثيرا قَالَ فَكَانَ كَمَا قَالَ قَالَ أَيْضا وَقلت لَهُ عِنْد الْمُفَارقَة يَا سيدى قد أنست بك والآن أذهب الى الْحَرَمَيْنِ فَكيف يكون حالى بهما اذا غلب على الشوق الى لقائك قَالَ يُمكن أَن ترانى تَحت الْمِيزَاب أَو عِنْد الْمُلْتَزم قلت أَنا أُرِيد الارتحال الى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة قَالَ وَأَنا أصلى بهَا الْعَصْر يَوْم الْخَمِيس واشتغل بِالصَّلَاةِ على النبى من الْعَصْر الى آخر النَّهَار عِنْد بَاب السَّلَام مُحَمَّد بن اسماعيل بَافضل الحضرمى التريمى الامام الْفَقِيه الشافعى أحد الْعلمَاء الْمَشْهُورين ولد بِمَدِينَة تريم وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن والارشاد وَعرضه على مشايخه وتفقه بالشيخ حُسَيْن بن عبد الله بَافضل وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن حسن وَأخذ عَن شهَاب الدّين وَحج وَأخذ الْفِقْه عَن الشهَاب أَحْمد بن حجر الهيفى ولازمه فى دروسه الْفِقْهِيَّة وَغَيرهَا وَأخذ عَن تِلْمِيذه الشَّيْخ عبد الرؤف وَسمع بِمَكَّة من خلق كثيرين

стр. 1368

وَأذن لَهُ بالافتاء والتدريس غير وَاحِد من مشايخه وَأثْنى عَلَيْهِ جمَاعَة من الاولياء وَكَانَ لَهُ ذهن ثاقب وحافظة ضابطة وقريحة وقادة وفكر قويم مَعَ عقل وافر وأدب ظَاهر وَكَمَال مُرُوءَة وَحسب وفتوة ودرس وَأفْتى وَتَقْرِيره أمتن من كِتَابَته واشتغل عَلَيْهِ جمَاعَة من الْفُضَلَاء وتفقه بِهِ كَثِيرُونَ مِنْهُم القاضى أَحْمد بن حُسَيْن بلفقيه وَالسَّيِّد أَبُو بكر بن مُحَمَّد بافقيه صَاحب قيدون وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بافقيه وَبَنُو عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين وَغير هَؤُلَاءِ وَله فَتَاوَى كَثِيرَة لَكِنَّهَا غير مَجْمُوعَة وهى مفيدة جدا وَكَانَ من أورع أهل زمانة متقللا من الدُّنْيَا زاهدا فِيهَا وفى مناصبها وَكَانَ متقشفا فى مأكله وملبسه ومسكنه وَكَانَ لَهُ خطّ حسن وَيضْرب بِهِ الْمثل فى الصِّحَّة وَكتب بِخَطِّهِ عدَّة كتب وَجمع بَين الْعلم وَالْعِبَادَة والمجاهدة والزهادة وَكَانَ أعجوبة الدَّهْر فى الانابة واشتهر فى الديار الحضرمية بِانْفِرَادِهِ بتحقيق الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَكَانَت وَفَاته بِمَدِينَة تريم فى سنة سِتّ بعد الالف وَدفن بمقبرة الفويط والمنيرة وحزن النَّاس لفقده رَحمَه الله تَعَالَى الامام مُحَمَّد بن الامام اسمعيل المتَوَكل على الله بن الامام الْقسم بن مُحَمَّد بن على الامام الْمُؤَيد بِاللَّه كَانَ اماما جَلِيلًا عَالما عَاملا كثير الْخَوْف من الله سُبْحَانَهُ محبا للْفُقَرَاء صارفا بَيت المَال لمصارفة نَشأ على طَاعَة الله تَعَالَى من صغره لم يعْهَد لَهُ صبوة وَتَوَلَّى الاعمال المهمة فى زمن وَالِده وَولى صنعاء مُدَّة مديدة وكل بلد تولاها رفع عَنْهَا المكوس والمظالم قَرَأَ فى بدايته على القاضى أَحْمد بن سعد الدّين وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن المطهر الجرموزى وَأخذ الحَدِيث عَن مُحدث الشَّافِعِيَّة بِالْيمن الشَّيْخ عبد الْعَزِيز الْمُفْتى وَأخذ عَن الشَّيْخ الْعَلامَة أَحْمد بن عمر الحبيشى وَغَيرهم وَحج فى سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف وزار النبى وعمره نَحْو سبع عشرَة سنة وَمَعَهُ جمَاعَة من الاعيان وَأخذ عَن عُلَمَاء الْحَرَمَيْنِ وَلما توفى وَالِده عرضت عَلَيْهِ الامامة فأباها وتولاها الامام أَحْمد بن الْحسن الْمُقدم ذكره فَلَمَّا توفى أَحْمد بن الْحسن أجمع الائمة وَالْعُلَمَاء وَالنَّاس عَلَيْهِ وَلم يخْتَلف عَلَيْهِ أحد فتولاها وَسَار سيرة الائمة الهادين وَعم النَّاس بِظِل عدله وَأمر باحياء الْعُلُوم والمدارس وَقرب الْعلمَاء وتعهد أَحْوَال الْفُضَلَاء وَأدّى حُقُوق الضُّعَفَاء وَأمر بِرَفْع الْمَظَالِم وَلَكِن لِكَثْرَة علمه وَعدم بطشه وتوقفه عَن الاقدام على الفتك لم تمتثل أمره بَاطِنا الائمة من بنى الْقَاسِم من اخوانه وَبنى عَمه فَكَانَ اذا أَمر بِرَفْع الْمَظَالِم وَأرْسل

стр. 1369

أحدا فى شَأْنه يمتثلون أمره ظَاهرا فاذا رَجَعَ مأموره رجعُوا لما هم عَلَيْهِ من الظُّلم وكل مِنْهُم بسط يَده على بِلَاد فكثرت الْفِتَن بِسَبَب ذَلِك وَكَانَ مُرَاده أَخذهم بالحيلة والسياسة فَلم تطل مدَّته وَتوفى وَكَانَت وَفَاته فى ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَتِسْعين وَألف وَتَوَلَّى بعده الامامة مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن وَبَايَعَهُ غَالب الائمة والاعيان ودانت لَهُ الْبِلَاد وَالنَّاس أشهرا فَلَمَّا لم تحمد سيرته لعدم ترويه فى الامور قَامَ عَلَيْهِ وَلَده عبد الله مَعَ جملَة من اخوانه وَمن بنى الامام المتَوَكل اسماعيل وخلعوه من الامامة وولوا الامامة يُوسُف بن المتَوَكل وَبَايَعَهُ النَّاس وغالب الائمة وَبسط عماله يدهم على الْبِلَاد وجهز الجيوش على الامام مُحَمَّد بن أَحْمد الْمَذْكُور فحصروه بقلعة الْحصن الْمَشْهُور بالمنصورة ثمَّ قويت شوكته وَقَامَ ثَانِيًا ودانت لَهُ الْيمن واستقل بالامر وَبَايَعَهُ غَالب النَّاس طَوْعًا أوكرها مُحَمَّد بن الياس المدنى الْخَطِيب قَالَ بعض الْفُضَلَاء فى حَقه أحد الْفُضَلَاء الاكياس المثرين من نقود الادب الفائقة على نقود الاكياس طابت أنفاسه بِأَنْفَاسِ طابه وملأ من نفائس الْآدَاب والفضائل وطابه فَهُوَ اذا خطب خطب عرائس الافكار وَأجِيب اليها ونصت عَلَيْهِ فى أرائك البلاغة فَبنى علينا واذا كتب كبت الْعَدو والحسود وَأقر بفضله السَّيِّد والمسود لم يزل فى جوَار رَسُول الله حَتَّى انْتقل الى جوَار الله فَمن شعره مَا كتب بِهِ مجيبا للقاضى تَاج الدّين المالكى وَقد أرسل اليه بهدية قَوْله (مولاى قدرك أَعلَى ... من كل شئ وأغلى) (وَقد بعثت بِمَا ان ... ينمى لقدرك قلا) (وَلَا أرَاهُ يوازى ... بِذَاكَ حاشا وكلا) (من ذَا يُبَارى كَرِيمًا ... فى الْجُود حَاز الْمُعَلَّى) (أم من يجارى جوادا ... فى حلبة الْفضل جلى) (فاقبل لتشفع فضلا ... بِهِ تطولت فضلا) فَأَجَابَهُ القاضى تَاج الدّين بقوله (يَا سيدا واماما ... قد طَابَ فرعا وأصلا) (خرت المكارم قدما ... وطبت قولا وفعلا) (غمرت بالجود عبدا ... لَا زلت للفضل أَهلا)

стр. 1370

(ودمت مولى كَرِيمًا ... فَأَنت أَحْرَى وَأولى) وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الاحد ثانى شهر ربيع الثانى سنة سِتّ وَسبعين وَألف بِالْمَدِينَةِ وَدفن بِالبَقِيعِ قلت وَلِهَذَا الاديب أَخ اسْمه عبد الله ذكره ابْن مَعْصُوم لَكِن لم يذكر وَفَاته وَأَنا لم أَقف عَلَيْهَا فَأَرَدْت أَن أذكرهُ هُنَا لِئَلَّا يَخْلُو كابى من ذكره فَأَقُول قَالَ ابْن مَعْصُوم فى تَرْجَمته أديب يرفل فى حلل الْجمال ويرتع فى رياض الْكَمَال الى شمائل لرقة الشُّمُول ناسخة وآداب فى مقرّ الاحسان راسخة رَأَيْته فَرَأَيْت الْبشر مجلوا فى صورته والظرف متلوا من سورته وَله نثر ونظم يملكَانِ المسامع لطفا ويشبهان قائلهما رقة وظرفا فَمن شعره قَوْله فى الْعرُوض (ان الْعرُوض لبحر ... تعوم فِيهِ الخواطر) (وكل من عَام فِيهِ ... دارت عَلَيْهِ الدَّوَائِر) وقرأت بِخَط السَّيِّد مُحَمَّد كبريت مَا نَصه أنشدنى اجازة لنَفسِهِ سيدى الْعَفِيف عبد الله بن الْخَطِيب الياس سلما من الْمَكْرُوه والباس (يَا سيدى قُم لى وَلَا ... تخشى بحرمتك الْعِنَب) (كَيْلا يُقَال مقصر ... فَأَكُون فِيهِ أَنا السَّبَب) فَقلت وان لم يبلغ الظالع شأو الظليع (لم لَا أقوم لسيدى ... من غير أَن أخْشَى العتب) (وَهُوَ الذى قَامَت لَهُ ... بثنائها عليا الرتب) قَالَ وَقلت فى الْمَعْنى (أقوم على الرَّأْس لما بدا ... جمالك لَا لاجتناب العتب) (وَلم لَا أقوم وَأَنت الذى ... لعلياه قَامَت كرام الرتب) ولبعضهم فى الْمَعْنى (قيامى للعزيز على فرض ... وَترك الْفَرْض مَالا يَسْتَقِيم) (فَهَل أحد لَهُ عقل ولب ... وَمَعْرِفَة يراك وَلَا يقوم) وَمَا ألطف قَول بَعضهم معتذرا عَن عدم الْقيام (عِلّة سميت ثَمَانِينَ عَاما ... منعتنى للاصدقاء القياما) (فاذا عمروا تمهد عذرى ... عِنْدهم بالذى ذكرت وقاما) ذكرت بِهَذَا مَا حَكَاهُ أَرْبَاب السّير عَن الصاحب اسماعيل بن عباد انه لما كَانَ

стр. 1371

بِبَغْدَاد قصد القاضى أَبَا السَّائِب عَتبه بن عبيد لقَضَاء حَقه فتثاقل فى الْقيام لَهُ وتحقر تحقرا أرَاهُ بِهِ ضعف حركته وقصور نهضته فَأخذ الصاحب بضبعه وَقَالَ نعين القاضى على حُقُوق اخوانه فَخَجِلَ القاضى واعتذار اليه وَرَأَيْت بِخَط السَّيِّد مُحَمَّد كبريت الى سدته الْعلية أعنى الْخَطِيب الْمَذْكُور (يأيها الْمولى الذى فاق الورى ... بِبَيَان مَنْطِقه البديع الزين) (هَات افتنا فى زيد المخفوض فى ... مَا قَامَ الا زيد الْمِسْكِين) فَكتب مجيبا (يَا من بشمس علومه زَالَ المرا ... فغدا بمصباح الْهدى كَالْعَيْنِ) (انى أَقُول جوابكم وبى الجوى ... فى فَرد بَيت زَان فى الْعَينَيْنِ) (زيد تصور جَرّه باضافة ... للال وَهُوَ الْعَهْد للاثنين) حاكته أيدى الوداد بأنامل الاخلاص وسبكتها فى قوالب الِاتِّحَاد فَمَا حاكتها سبائك الْخَلَاص الى الحضرة الَّتِى يحِق لى أَن أحن اليها وأشتاق ويليق لى أَن أطير مَعَ حمائم البطائق لأفد عَلَيْهَا لَو أَن ذَلِك مِمَّا يُطَاق تهدلت أَغْصَان دوحة رياسته وتهللت جباه جلالته ونفاسته حب موثوق بالعرى وقلب منبوذ بالعرا (أأتخذ الْعرَاق هوى ودارا ... وَمن أهواه فى أَرض الشآم) بيد أَن لَهُ فى سَعَة الْفضل رجا وفى اجْتِمَاع الشمل مَا تحار فِيهِ عقول أولى الحجا وَلَا يزَال بتذكر سويعات مرت مَا كَانَ أحلاها وأويقات لَيْسَ فى يَده الا أَنه يتمناها (فياما كَانَ أحْسنه زَمَانا ... وياما كَانَ أطيبه وياما) وَبعد كل حَال فسلامة الْمولى هى مُنْتَهى الطّلب اذا كَانَ فى صِحَة فَمَا أَنا الا فِيهَا أتقلب مُحَمَّد بن أَيُّوب بن أَحْمد بن أَيُّوب الخلوتى الحنفى الدمشقى تقدم ذكر وَالِده وَكَانَ مُحَمَّد هَذَا من فضلاء وقته أديبا مطبوع الطَّبْع حسن المعاشرة خَفِيف الرّوح مَعَ صَلَاح وتقوى وَعبادَة أَخذ الْعلم عَن وَالِده وَغَيره من عُلَمَاء عصره وَلزِمَ الشَّيْخ أَحْمد ابْن على العسالى مَعَ وَالِده فى طَرِيق الخلوتية وَكَانَ ينظم الشّعْر وَلم أَقف لَهُ الا على هَذَا الْمَقْطُوع فى ذمّ العذار وَهُوَ (يَا صَاح ان الشّعْر يزرى بذى الْحسن وان كَانَ بهى الْجمال ... ) (أما ترى الانفس من شَعْرَة ... تعاف للْمَاء الْفُرَات الزلَال)

стр. 1372

وَهَذَا معنى تداولته الشُّعَرَاء وَالسَّابِق اليه أَبُو اسحق الغزى فى قَوْله (يَقُولُونَ مَاء الْحسن تَحت عذاره ... على الْحَالة الاولى وَذَاكَ غرور) (أَلسنا نعاف الشّرْب من أجل شَعْرَة ... اذا وَقعت فى المَاء وَهُوَ نمير) وَكَانَ مغرما بالجمال وَله مجون مستعذب يُؤثر عَنهُ الْكثير مِنْهُ حكى لى بعض الاخوان قَالَ دخل دمشق شخص من أهالى حلب وَكَانَ ذَا مَال وافر وَلكنه جَاهِل فأنزله وَالِد المترجم عِنْده وَكَانَ يعتنى بالتمشدق فى الالفاظ يظنّ أَنه يجريها على قَاعِدَة الاعراب فَرُبمَا قَالَ فى سُبْحَانَهُ بِكَسْر النُّون وَكَانَ الشَّيْخ صَاحب التَّرْجَمَة يكرههُ فاتفق انه دَعَا جمَاعَة وَمَعَهُمْ غُلَام كَانَ يهواه فَدخل عَلَيْهِم الحلبى وَثقل عَلَيْهِم وَبدل صُورَة مجلسهم بِذكر مَا مَعَه من المَال فَقَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد سُبْحَانَ الله الرجل يملك مائَة ألف قِرْش وَيَقُول سُبْحَانَهُ بِكَسْر النُّون ويتطفل وَأَنا أقولها صَحِيحَة وَلَا أتطفل وَمَا معى وَلَا الدِّرْهَم الْفَرد وَله من هَذَا النَّوْع أَشْيَاء أخر وَلما مَاتَ وَالِده صَار شَيخا بعده وَأقَام ميعادهم بالجامع لكنه لم تطل مدَّته وَبِالْجُمْلَةِ فانه كَانَ من الْفُضَلَاء أهل الذَّوْق وَكَانَت وِلَادَته فى سنة سِتّ عشرَة بعد الالف وَتوفى فى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وَدفن عِنْد وَالِده بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن بدر الدّين الملقب محيى الدّين الشهير بالمنشى الرومى الاقحصارى الحنفى الْمُفَسّر كَانَ من أجلاء الْعلمَاء الْمُحَقِّقين صنف تَفْسِيره الْمَشْهُور وَاقْتصر فِيهِ على قِرَاءَة حَفْص وَشرع فى تأليفه ببلدته اقحصار من أَعمال صَار وخان فى مستهل شهر رَمَضَان سنة احدى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَله فى هَذَا التَّفْسِير لطائف كَثِيرَة مِنْهَا انه استخرج معميين أَحدهمَا اسْم مُحَمَّد استخرجه من أول سُورَة الْحَمد وَأول سُورَة الْبَقَرَة وَفِيه عمل عَجِيب وحله سهل مُمْتَنع اذ استخراجه على أَن تكون ألف وَلَام الْحَمد ميما والثانى فى اسْم هود واستخرجه من سُورَة هود من قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة الا هُوَ آخذ بناصيتها﴾ واشارته ظَاهِرَة قلت قَوْله تَعَالَى ﴿مَا فرطنا فى الْكتاب من شئ﴾ يرشد الى أَمْثَال هَذَا الاستخراج على الْوَجْه الذى لَا يبعد عَن الطَّبْع من غير احْتِيَاج الى مَعُونَة خارجية على ان بَعضهم استخرج اسْم هَاشم من قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْقَمَر إِذا تَلَاهَا﴾ بِالْعَمَلِ العددى وَهُوَ ان عدد قمر ثلثمِائة وَأَرْبَعُونَ وهى عدد تَلَاهَا فَهُوَ هَاشم وَهَذَا الاستخراج قريب الى الِاسْتِحْسَان لَا كاستخراج اسْم شهَاب من قَوْله تَعَالَى

стр. 1373

﴿وَاللَّيْل إِذا يَغْشَاهَا﴾ على أَن يُرَاد من لَفْظَة ليل مرادفه الفارسى وَهُوَ شب غشى هَا فَهَذَا وان كَانَ صَحِيحا الا ان اسْتِعْمَال الفارسى فِيهِ بعد وَالْفَقِير وقفت على تَفْسِير المنشى هَذَا فَرَأَيْت لَهُ عِبَارَات لَطِيفَة مستحسنة وَقد قرظ لَهُ عَلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم شيخ الاسلام مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الياس الْمَعْرُوف بجوى زَاده فَقَالَ فِيهِ (أكْرم بتفسير كروض ناضر ... لم يمل حبر مثله بمحابر) (حاو لكل فَوَائِد كقلائد ... وبدائع خطرت ببال عاطر) (بِعِبَارَة قد أحكمت وبراعة ... قد ابكمت لسن البليغ الماهر) (شمس المعارف والفضائل أشرقت ... يهدى سناها كل قلب حائر) (مولَايَ محيى الدّين دمت منولا ... من يم فضلك كل در فاخر) وَمِمَّا ينْسب الى المنشى من الشّعْر قَوْله يمدح البيضاوى (أولُوا الالباب لم يألوا ... بكشف قناع مَا يُتْلَى) (وَلَكِن فِيهِ للقاضى ... يَد بَيْضَاء لن تبلى) وَكَانَ صَار شيخ الْحرم النبوى فى آخر الربيعين من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة ورحل الى الْمَدِينَة وسكنها وَكَانَت وَفَاته وَهُوَ بِالْحرم المكى فى سنة احدى بعد الالف مُحَمَّد بن بدر الدّين بن بلبان البعلى الاصل الدمشقى الصالحى الْفَقِيه الْمُحدث الحنبلى الْمَذْهَب المعمر أحد الائمة الزهاد من كبار أَصْحَاب الشهَاب بن أَبى الْوَفَاء الوفائى الحنبلى الْمُقدم ذكره فى الحَدِيث وَالْفِقْه ثمَّ زَاد عَلَيْهِ فى معرفَة فقه الْمذَاهب زِيَادَة على مذْهبه وَكَانَ يقرى فى الْمذَاهب الاربعة وَسمع ببعلبك وبدمشق على الشهَاب العيثاوى وَالشَّمْس الميدانى وَأفْتى مُدَّة عمره وانتهت اليه رياسة الْعلم بالصحالية بعد وَفَاة الشَّيْخ على القبودى وَكَانَ عَالما ورعا عابدا قطع أوقاته فى الْعِبَادَة وَالْعلم وَالْكِتَابَة والدرس والطلب حَتَّى مكن الله تَعَالَى مَنْزِلَته من الْقُلُوب وأحبه الْخَاص وَالْعَام وَكَانَ دينا صَالحا حسن الْخلق والصحبة متواضعا حُلْو الْعبارَة كثير التحرى فى أَمر الدّين وَالدُّنْيَا مُنْقَطِعًا الى الله تَعَالَى وَكَانَ كثيرا مَا يُورد كَلَام الْحَافِظ أَبى الْحسن على بن أَحْمد الزيدى نِسْبَة لزيد بن على بن الْحُسَيْن لانه من ذُريَّته ويستحسنه وَهُوَ قَوْله اجعلوا النَّوَافِل كالفرائض والمعاصى كالكفر والشهوات كالسم ومخالطة النَّاس كالنار والغذاء كالدواء وَكَانَ فى أَحْوَاله

стр. 1374

مُسْتَقِيمًا على أسلوب وَاحِد مُنْذُ عرف فَكَانَ يأتى من بَيته الى الْمدرسَة العمرية فى الصَّباح فيجلس فِيهَا وأوقاته منقسمة الى أَقسَام اما صَلَاة أَو قِرَاءَة قُرْآن أَو كِتَابَة أَو اقراء وانتفع بِهِ خلق كثير وَأخذ عَنهُ الحَدِيث جمع من أَعْيَان الْعلمَاء مِنْهُم الامام الْمُحَقق مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان المغربى والوزير الْكَبِير مصطفى باشا بن مُحَمَّد باشا الكوبرى وَابْن عَمه حُسَيْن الْفَاضِل وأشياخنا الثَّلَاثَة أَبُو الْمَوَاهِب الحنبلى وَعبد القادرين عبد الهادى وَعبد الحى العكرى وَغَيرهم وحضرته أَنا وقرأت عَلَيْهِ فى الحَدِيث وَاتفقَ أهل عصرنا على تفضيله وتقديمه وَله من التآليف مُخْتَصر فى مذْهبه صَغِير الحجم كثير الْفَائِدَة وَله محَاسِن ولطائف مَعَ الْعلمَاء وَولى خطابة الْجَامِع المظفرى الْمَعْرُوف بِجَامِع الْحَنَابِلَة وَكَانَ النَّاس يقصدون الْجَامِع الْمَذْكُور للصَّلَاة وللتبرك بِهِ وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ بَقِيَّة السّلف وبركة الْخلف وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بالسفح وَكَانَت جنَازَته حافلة جدا رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن بَرَكَات أبي الوفا الشَّيْخ الصَّالح القانت مربى المريدين أَبُو الْفضل الموصلى الاصل الشيبانى الدمشقى الميدانى الشافعى الصوفى القادرى كَانَ كأبيه جوادا سخيا حسن الاخلاق لَهُ صَبر على جماعته وَكَانَ يتَرَدَّد اليه كأبيه أكَابِر النَّاس وعلماؤهم وَكَانُوا يعظمونه وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ مِمَّن تجمل بِهِ وقته وَكَانَ بَيته موردا للواردين ومنزلا للوافدين ورزق الْحَظ فى الجاه وَالْولد والعمر وَأكْثر أَوْلَاده أَسْبَاط فَقِيه الشَّام فى وقته الشّرف يُونُس العيثاوى وَهُوَ وَالِد القاضى بدر الدّين حسن الموصلى الْمُقدم ذكره وَكَانَت وَفَاته فى آخر لَيْلَة الْجُمُعَة رَابِع عشرى شعْبَان سنة ثَمَان بعد الالف وَصلى عَلَيْهِ بِجَامِع متجك بميدان الْحَصَا وَدفن بتربتهم جوَار مَسْجِد النارنج الملاصق للمصلى عَن نَحْو ثَمَانِينَ سنة أَو يزِيد عَلَيْهَا وتأسف النَّاس عَلَيْهِ كثيرا رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن بَرَكَات بن مُحَمَّد المنعوت كَمَال الدّين بن الكيال الدمشقى الْكَاتِب البارع أحد الافراد فى جودة الْخط وَحسن الضَّبْط وَكَانَ خطه فى وقته أغْلى قيمَة من الْجَوْهَر وَكَانَ يكْتب أَنْوَاع الاقلام على اختلافها وَهُوَ فى كل مِنْهَا محسن مجيد واستاذ وحيد وَكتب كتبا كَثِيرَة وتغالى النَّاس فى أثمانها وَحكى انه كتب مرّة تَفْسِير شيخ الاسلام أَبى السُّعُود العمادى وَبَاعه وَتوجه بِثمنِهِ الى الْقُسْطَنْطِينِيَّة ودخلها فى أَيَّام السُّلْطَان مُرَاد بن سليم وانتسب الى شيخ الاسلام سعد الدّين بن حسن جَان معلم

стр. 1375

السُّلْطَان الْمَذْكُور فأسكنه عِنْده فى دَاره وهيأ لَهُ لوازمه وأسبابه وَأَعْطَاهُ نَفَقَة كَثِيرَة وَكتب لَهُ تَفْسِير أَبى السُّعُود الْمَذْكُور فى مُدَّة سنتَيْن وَهُوَ مُقيم عِنْده وَقد كَانَ تأنق فى كِتَابَته جهده فَلَمَّا رَآهُ السعد مَال اليه بكليته وَأَعْطَاهُ مَالا فَوق مَا يتمناه وانتظم حَاله ثمَّ بعد مُدَّة مل الغربة فهرب وَقدم الى دمشق وفطن بِهِ السعد فتألم لغيبته وَأقَام بعد ذَلِك بِدِمَشْق وَتزَوج بهَا وَكَانَ لَا يفتر عَن كِتَابَة الْكتب مُدَّة حَيَاته وَبِالْجُمْلَةِ فانه كَانَ من الْمشَار اليهم فى الْكِتَابَة وانْتهى اليه الظّرْف فى حسن التناسق وَجمع من خطوط أساتذة الْكتاب من الْعَجم وَالروم مَا لم يجمعه غَيره وَكَانَ مَعَ ذَلِك حسن الاخلاق لطيف الطَّبْع لين الْجَانِب كثير الْفَوَائِد وَكَانَت وَفَاته فى سنة سبع وَعشْرين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَاتفقَ مَوته لَيْلَة النوروز وَهُوَ انْتِقَال الشَّمْس الى برج الْحمل فَقَالَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى مؤرخا وَفَاته بقوله (لقد نسخ الْكَمَال بِلَا مِثَال ... عَشِيَّة قيل للشمس انْتِقَال) (تعجب لاتِّفَاقهمَا وأرخ ... لبرج الْجنَّة انْتقل الْكَمَال) قلت وَقد أجْرى التَّاء المربوطة هَاء فليتنه لَهُ وَهَذَا من التواريخ اللطيفة مُحَمَّد بن بَرَكَات بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ابراهيم بن عبد الرَّحْمَن السقاف الحضرمى الْمَعْرُوف جده بكريشة أحد أَوْلِيَاء زَمَنه وأصفياء وقته وَله الكرامات الجمه والمناقب الْعَظِيمَة ذكره الشلى فى تَارِيخه الْمُرَتّب على السنين وَقَالَ فى تَرْجَمته ولد بِمَدِينَة تريم وَنَشَأ بهَا وَصَحب جمَاعَة من أكَابِر العارفين ثمَّ حصلت لَهُ جذبة وَرُبمَا حصلت مِنْهُ أُمُور مَمْنُوعَة فى ظَاهر الشَّرْع كاتلاف الاموال بالنَّار ورميها فى الْبَحْر بِلَا سَبَب ظَاهر وَكَانَ لَا يُقيم بِبَلَد سنة كَامِلَة بل ينْتَقل فى الْبلدَانِ فَرَحل الى الْهِنْد والحبشة والسواحل واليمن والحجاز وَكَانَ يتَرَدَّد الى مَكَّة وَكَانَ قاضيها ورئيسها القاضى حُسَيْن الْمَشْهُور وَكَانَ يُحِبهُ ويعتقده وأملكه على ابْنَته وَكَانَ كلما دخل بَلْدَة تصرف فى أَهلهَا لَا سِيمَا ولاتها وحكامها تصرف الْملاك وَكَانَ كل حَاكم يأتى الى الْيمن يكون تَحت أمره الْمُطلق والمقيد ويستبد بالامر على خدمه وخاصته وَكَانُوا يعطونه من الاموال والجواهر والملابس الفاخرة وَالْخَيْل والامتعة مَا لَا يُحْصى كَثْرَة وَكَانَ كثير الانفاق على أَصْحَابه لَا سِيمَا اذا خرج الى حَضرمَوْت وَكَانَ لَا ينَام الا قَلِيلا وَكَانَ عَظِيم الهيبة على جماعته وَرُبمَا أنكر عَلَيْهِ انه اذا جَاءَ وَقت الصَّلَاة أَمرهم بهَا وَلَا يصلى بل يغيب عَنْهُم وكل من أنكر عَلَيْهِ حَاله اذا اجْتمع بِهِ زَالَ عَنهُ ذَلِك وَكَانَ لَا يجمتع

стр. 1376

الا بآحاد النَّاس وَكَانَ قَلِيل الشطح وَكَانَت الْمُلُوك والسلاطين تعتقده وتعظمه واذا كتب لَاحَدَّ فى شئ لَا يُسْتَطَاع رده وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من عجائب الدُّنْيَا وَله كرامات خارقة كَمَا أخبر من شَاهدهَا من الثِّقَات مِنْهَا انه كَانَ يَأْخُذ من التُّرَاب والمدر وَالْحجر وَيُعْطِيه من يَشَاء من أَصْحَابه فيجده نَقْدا أَو سكرا أَو حلوى على حسب مَا طلبه مِنْهُ ذَلِك الشَّخْص قَالَ الشلى وَهَذِه الْكَرَامَة سَمعتهَا من جمَاعَة من أهل مَكَّة وَمن أهل حَضرمَوْت شاهدوها وَمِنْهَا ان حَاكم الْيمن أَتَى الى بَيته لزيارته بخيله فأكرمهم وَقَالَ لَهُ خادمه لَيْسَ عِنْد نَاشِئ من البخور فَأدْخل يَده تَحت ثِيَابه وَأخرج قِطْعَة عنبر وَقَالَ بخرهم بِهَذَا وَمِنْهَا انه اشْترى بقرة وَلم يكن عِنْده شئ من ثمنهَا فاستمهل صَاحبهَا فَامْتنعَ فَضرب صَاحب التَّرْجَمَة قرن الْبَقَرَة ضربات على عدد ثمن الْبَقَرَة فَتَنَاثَرَ مِنْهَا قدر ثمنهَا أخبرنى بِهَاتَيْنِ الكرامتين السَّيِّد عيدروس بن حُسَيْن الْبَار وَمِنْهَا مَا أخبرنى خادمه عبد الله بن كُلَيْب قَالَ أرسلنى السَّيِّد الى السُّلْطَان عبد الله بن عمر الكثيرى يستشفع فى رجل فَامْتنعَ وَقَالَ هَذَا رجل لنا عَلَيْهِ أَمْوَال وَفعل أفعالا قبيحة قَالَ فَأخْبرت سيدى فَسكت واذا بالسلطان يدق الْبَاب فَفتح لَهُ فَاعْتَذر واستغفر وَقَالَ أصابتنى ريح فى بطنى كَادَت أَن تهلكنى فَمسح بِيَدِهِ على بَطْنه فَعُوفِيَ لوقته وَمِنْهَا انه لما سَافر الى الْمَدِينَة نزل خَارِجهَا وَلم يدخلهَا وَخرج لَهُ أكابرها وَوَقع فى نفس شيخ الْحَرَام شئ على السَّيِّد من عدم دُخُوله وساء ظَنّه بِهِ فَدخل تِلْكَ اللَّيْلَة الْحُجْرَة الشَّرِيفَة فَوجدَ صَاحب التَّرْجَمَة عِنْد الْقَبْر الشريف دَاخل الْحُجْرَة فبهت واستعظم ذَلِك فَلَمَّا أصبح خرج اليه معتذر فكاشفه السَّيِّد وَقَالَ أتظن ان هَذِه الجدران تحجبنا وَله غير ذَلِك من الكرامات ثمَّ رَحل الى بندر المخا وَاسْتقر فِيهِ الى ان مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَدفن خَارج الْعمرَان وَعمل على قَبره عَرِيش من القضبان وقبره مَعْرُوف يزار ويتبرك بِهِ وَمن أَسَاءَ الادب عِنْده عوجل بالعقوبة الا أَن يُبَادر بالاستغفار وَالتَّوْبَة وَوَقع لبَعض الْعَجم انه أَسَاءَ الادب فى حَضرته فَنَهَاهُ الْخَادِم فَلم ينْتَه فتزحلقت رجله وَصَارَ يَتَحَرَّك كالطير الْمَذْبُوح وَمَات لوقته مُحَمَّد بن بَرَكَات بن مفرج الشهير بالكوافى الحمصى الدمشقى الشَّافِعِي كَانَ من الْعلمَاء الصلحاء قدم الى دمشق فى أَيَّام كهولته وقطن بِالْمَدْرَسَةِ الطبية بمحلة القيمرية مُدَّة أَرْبَعِينَ سنة وَأخذ عَن أجلاء الْعلمَاء واشتغل على جمَاعَة من أهل الْعلم مِنْهُم الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الله الخباز الْمَعْرُوف بالبطنينى فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآن وَالْفِقْه وَغَيرهمَا

стр. 1377

ورحل الى مصر خمس مَرَّات وَأخذ عَن علمائها وَكَانَ صوفى المشرب قادري الطَّرِيقَة وَكَانَ أَعْيَان دمشق يذهبون اليه ويقصدون زيارته والتبرك بِهِ وَاسْتمرّ مُقيما بِالْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَة هَذِه الْمدَّة لَا يخرج الا لصَلَاة الْجُمُعَة أَو أَمر مُهِمّ وَكَانَ يقرئ الْقُرْآن والنحو وَغَيرهمَا وَكتب بِخَطِّهِ الْكثير من الْكتب هُوَ وتلاميذه وَاتفقَ لَهُ من الْعَجَائِب انه أَقرَأ النَّحْو وَسمع الْقُرْآن وَكتب الْفِقْه فى آن وَاحِد وَمن عجائبه انه كَانَ يكْتب صحيفَة من الْوَرق بغطة قلم وَاحِدَة وَختم الْقُرْآن ختمتين وَثمن ختمة فى يَوْم وَاحِد وَكَانَ ينظم الشّعْر فَمن شعره قَوْله فى التوسل (رباه رباه أَنْت الله معتمدى ... فى كل حَال اذ حَالَتْ بى الْحَال) (يَا وَاسع اللطف قد قدمت معذرتى ... ان كَانَ يغنى عَن التَّفْصِيل اجمال) (مَاذَا أَقُول وَمنى كل مَعْصِيّة ... ومنك يَا سيدى حلم وامهال) (وَمَا أكون وَمَا قدرى وَمَا عملى ... فى يَوْم تُوضَع فى الْمِيزَان أَعمال) وَكتب الى بعض اصحابه (وفوض لمولاك كل الامور ... فتفويض أَمرك خلق حسن) (وان جَاءَ يَوْم بِهِ شدَّة ... فَلَا تجزعن وَلَا تيأسن) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فى سنة خمس بعد الالف وَتوفى بعد عشَاء لَيْلَة الاحد السَّابِع وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة سِتّ وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة الشَّيْخ أرسلان السَّيِّد مُحَمَّد بن برهَان الدّين الشهير بشريف الحميدى نقيب السَّادة الطالبية بممالك آل عُثْمَان أحد فصحاء الرّوم وبلغائهم وَكَانَ عَالما فَاضلا مَشْهُورا بالذكاء والتبحر فى الْعُلُوم لَازم من شيخ الاسلام زَكَرِيَّا بن بيرام وَكَانَ فى خدمَة نيابته بحلب لما كَانَ قَاضِيا بهَا وَلما صَار قاضى الْعَسْكَر أعطَاهُ خدمَة التذاكر ثمَّ زوجه ابْنَته وتنقل فى الْمدَارِس ثمَّ ولى قَضَاء الشَّام فى سنة ثَمَان عشرَة وَألف ودخلها وَأحسن فى قَضَاءَهُ ومدحه شعراؤها بالقصائد والمقطعات وَلم أسمع بقاض فى دمشق مدح بِمِقْدَار مَا مدح بِهِ هَذَا وَكَانَ محبا للادباء مقربا لَهُم متهافتا على التَّلَذُّذ بمجالستهم وقرأت فى أَخْبَار الاديب عبد اللَّطِيف بن يحيى المنقارى انه كَانَ نديم مَجْلِسه وَكَانَ يقربهُ ويدنيه وَمرض أَبوهُ فى أَيَّام قَضَائِهِ فَأَرَادَ وَلَده أَن يستفرغه عَن وظائفه فتمنع ثمَّ انه لما أحس بِالْمَوْتِ أَرَادَ الْفَرَاغ فَمَا أمكنه فَذَهَبت الْوَظَائِف وَلم يحصل لَهُ مِنْهَا الا الْقَلِيل وَكَانَ بِيَدِهِ تدريس العزية الَّتِى بالشرف الاعلى بِجَانِب دمشق الغربى

стр. 1378

فَأَخذه الْجمال يُوسُف ابْن كريم الدّين كَاتب المحكمة وَعجز المنقارى عَن أَخذه لقرب الكريمى من القاضى فَكتب المنقارى الى قاضى الْقُضَاة السَّيِّد صَاحب التَّرْجَمَة هَذِه الابيات معاتبة على تَوْجِيه مدرسة أَبِيه للكريمى وهى أَبْيَات لَطِيفَة وغالبها تضمين من شعر الْغَيْر (غيرت يَا دهر من ودى غَدا لَهُم ... ملازما فنأت عَنى لَهُم نعم) (قد كنت أَرْجُو وجودا الْجُود مَعَ شرف ... أسمو بِهِ فَوق أقرانى اذا حكمُوا) (فَصَارَ جودهم للْغَيْر وانخفضت ... مَرَاتِب شأوها الاخلاص عِنْدهم) (وفى فؤادى من عكس الردى حرق ... قد أضرمتها ريَاح شابها الالم) (مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُ ... تجرى الرِّيَاح بِمَا لَا يشتهى الارم) (لَعَلَّهَا تنطفى من برد حكمته ... ويشتقى الْقلب من نَار لَهَا ضرم) (فان عكس الرجا مر مذاقته ... على كئيب عرته فى الورى نعم) (مولاى يَا من غَدا سر الْوُجُود وَمن ... سواهُ عندى وان أولى الجفا عدم) (لأَنْت انسان عين الرّوم حزت على ... مَا نالها قطّ لَا عرب وَلَا عجم) (وفقت غَيْرك فى حكم ومعدلة ... وشدت ربعا وَمن سكانه الْكَرم) (طلعت فى أفقنا بَدْرًا وَلَيْسَ يرى ... لِليْل جهل وظلم فى الملا ظلم) (لَكِن مَوضِع رحلى أسود وفمى ... فِيهِ لهيب الظما دون الورى وَدم) (سقيت جرعة عَيْش كُله كدر ... ووردهم من نداك السلسل الشبم) (تعلّقت بحبال الشَّمْس مِنْك يدى ... ثمَّ انْثَنَتْ وهى صفر ملؤُهَا نَدم) (هَل فى الْقَضِيَّة يَا من فضل دولته ... وَعدل سيرته بَين الورى علم) (يضيع وَاجِب حقى بعد مَا شهِدت ... بِهِ النَّصِيحَة والاخلاص والخدم) (وَلم أقصر لَدَى حفظ الوداد وَلَا ... جرت الى نَحْو اخلاصى لَك التهم) (وَمَا ظننتك تنسى حق معرفتى ... ان المعارف فى أهل النهى ذمم) (وَلم أضيع عهودا مِنْك لى سلفت ... وَمَا غدرت فَلم للود احترم) (حرمت مَا كنت أَرْجُو من ودادك لى ... مَا الرزق الا الذى تجرى بِهِ الْقسم) (بِاللَّه يَا ابْن الالى سَارُوا الى رتب ... مَا نالها أحد فى الْخلق غَيرهم) (مَا مر يَوْمًا بفكرى مَا يريبكم ... ولاسعت بى الى مَا سَاءَ كم فدم) (أحببتكم لخلال كنت أعرفهَا ... وانما تعشق الاخلاق والشيم)

стр. 1379

(اذا محاسنى اللاتى أدل بهَا ... كَانَت ذنوبا فوصلى مِنْك منصرم) (مَعَ ذَا فَأَنت منى قلبى فلست الى ... سواك ان عبس التبريح أبتسم) (وَبعد لَو قيل لى مَاذَا تحب وَمَا ... هَوَاك من زِينَة الدُّنْيَا لَقلت هم) (وَمَا سخطت بعادى اذ رضيت بِهِ ... فَكل جرح اذا أرضاك ملتئم) (فَاسْلَمْ على أَي حَال شِئْت يَا أمْلى ... وَأَنت ذُو حِكْمَة بَين الورى حكم) (مدى الزَّمَان وَمَا أبدى كئيب أسى ... شكاية من شرِيف دَاره حرم) وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة ينظم الشّعْر العربى وَمن نظمه مَا قَالَه لما ولى الْحَافِظ أَحْمد حُكُومَة الشَّام وقدمها وَكَانَ ظَالِما عاتيا وَكَانَ تقدمه حَاكم أَلين مِنْهُ فَقَالَ (أرسل السُّلْطَان بِالْعَدْلِ الْمُبين ... حَاكما وافى لقمع الظَّالِمين) (أَحْمد وافى دمشقا حَافِظًا ... بَيْضَة الاسلام بالرأى الرزين) (دَامَ فى عدل واقبال وفى ... عزة من لطف رب الْعَالمين) (مذر أوه لَيْسَ من جنس الذى ... قد خلا من قبله فى الْحَاكِمين) (قَالَ أهل الظُّلم مِنْهُ رهبة ... لَيْسَ هَذَا الكعك من ذَاك الْعَجِين) وعارض هَذِه جمَاعَة من الادباء وَلَيْسَ فى ايراد معارضاتهم كَبِير فَائِدَة الا تضمين هَذَا الْمثل فَلِذَا أَعرَضت عَن ذكرهَا ثمَّ عزل السَّيِّد مُحَمَّد عَن قَضَاء الشَّام وَولى قَضَاء مصر وقسطنطينية ثمَّ ولى قَضَاء الْعَسْكَر بِأَنا طولى مرَّتَيْنِ نقل فى ثانيتهما الى نقابة الاشراف وَذَلِكَ فى جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف وَهُوَ حادى عشر نَقِيبًا ولى فى الدولة العثمانية فانه من عهد السُّلْطَان عُثْمَان الْكَبِير الى عهد السُّلْطَان يلدرم بايزيد لم يتَعَيَّن نقيب للاشراف ثمَّ ان أَمِير سُلْطَان كَانَ صحب مَعَه الى بروسه لما دَخلهَا السَّيِّد على النطاع وَهُوَ جد عاشق حلبى فعين نَاظرا على الاشراف وَلما مَاتَ ولى مَكَانَهُ وَلَده زين العابدين فى زمن السُّلْطَان مُرَاد وَالسُّلْطَان مُحَمَّد الاولين فَلَمَّا مَاتَ بقى هَذَا المنصب خَالِيا الى أَوَائِل عصر السُّلْطَان بايزيد فَقدم فى زَمَانه السَّيِّد مَحْمُود الْمَعْرُوف بأمير مخلص وَكَانَ ساح فى الْعَرَب والعجم وَكَانَ قدومه الى الرّوم فى أَوَائِل الْقرن التَّاسِع فَوَقع من بعض الاشراف أَمر اقْتضى تأديبه من أَجله فعين السَّيِّد مَحْمُود الْمَذْكُور لنظارة الاشراف بِاخْتِيَار الْجُمْهُور وَكَانَ يعرف أَن فى بِلَاد الْعَرَب يُطلق على هَذَا النَّاظر نقيب الاشراف فَأَشَارَ أَن يكْتب فى منشوره هَذَا اللَّفْظ وابتدأوا وظيفته أَولا بِعشْرين عثمانيا ثمَّ ترقت الى أَن

стр. 1380

صَارَت سبعين وَلَا زَالَ السَّيِّد مُحَمَّد شرِيف نَقِيبًا الى أَن توفى فى سنة أَرْبَعِينَ وَألف تَقْرِيبًا وَدفن بقسطنطينية مُحَمَّد بن تَاج الدّين بن أَحْمد المحاسنى الدمشقى الحنفى الْخَطِيب بِجَامِع دمشق تقدم أَبوهُ وَأَخُوهُ عبد الرَّحِيم وَهَذَا أشهر آل بَيته وأفضلهم وَكَانَ فَاضلا كَامِلا أديبا لبيبا لطيف الشكل وَجها سَاكِنا جَامعا لمحاسن الاخلاق حسن الصَّوْت نَشأ فى نعْمَة وافرة وَكَانَ أَبوهُ ذَا ثروة عَظِيمَة فَكَانَ يصله بِكُل مَا يحْتَاج اليه من مَال ومتاع وَقَرَأَ على عُلَمَاء عصره مِنْهُم الشّرف الدمشقى وَالشَّيْخ عبد اللَّطِيف الجالقى والعمادى الْمُفْتى وَالْجمال الفتحى امام السُّلْطَان وَأخذ عَن الشَّيْخ عمر القارى والنجم الغزى وأبى الْعَبَّاس المقرى وسافر الى الرّوم صُحْبَة وَالِده وَأخذ عَن علمائها مِنْهُم الشَّمْس مُحَمَّد المحبى ثمَّ رَجَعَ وَأعْطى بقْعَة تدريس بالجامع الاموى عَن شَيْخه الشّرف لما مَاتَ ولازم من الْمولى مُحَمَّد بن أَبى السُّعُود ولى خطابه جَامع السُّلْطَان سليم بصالحية دمشق واشتهر بِحسن الحطابة ثمَّ صَار اماما بِجَامِع بنى أُميَّة وَلما توجه شَيْخه الفتحى الى الرّوم وَكَانَ عين لامامة السُّلْطَان مُرَاد فوض اليه أَمر حِصَّته فى الخطابة بِجَامِع دمشق ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الجوهرية وَكَانَ يدرس فى الْجَامِع فى غَالب الايام والليالى سِيمَا فى الاشهر الثَّلَاثَة رَجَب وَشَعْبَان ورمضان وأقرأ صَحِيح مُسلم وَكتب عَلَيْهِ بعض تعاليق وَسكن أَولا فى دَار جده لامه الْحسن البوريتى ثمَّ وقف عَلَيْهِ رجل يعرف بالصنجقدار بَيْتا قبالة الْمدرسَة العادلية الْكُبْرَى فسكن فِيهِ وسافر الى الرّوم فى سنة خمسين وَأخذ تَوْلِيَة الْجَامِع الاموى وَولى قسْمَة الْعَسْكَر مرَّتَيْنِ ثمَّ بعد وَفَاة وَالِده سكن بداره قرب بَاب الفراديس وَفرغ لَهُ الشهَاب أَحْمد البهنسى عَن نصف الخطابة بالجامع الاموى ثمَّ لما مَاتَ شَيْخه الفتحى اسْتَقل بِجَمِيعِ الخطابة أَصَالَة وبقى الى أَن ولى على الْقصير دفتريه الشَّام فَادّعى أَن الخطابة الَّتِى للفتحى كَانَت فى السَّابِق نظارة للسلطانة وَأحسن بهَا اليه السُّلْطَان عُثْمَان وَجعلهَا خطابة مَكَان النظارة وَأظْهر صُورَة التَّوْجِيه فَرفع يَده عَنْهَا وَبقيت فى يَده الحطابة الاصلية الَّتِى فرغ لَهُ عَنْهَا البهنسى وَلما توفى الشَّيْخ سعودى الغزى وَجه اليه درس الحَدِيث تَحت قبَّة النسْر من جَامع دمشق كَمَا أسلفته فى تَرْجَمَة مُحَمَّد بن أَحْمد الاسطوانى قَرِيبا وَهَذَا الدَّرْس وَظِيفَة حَادِثَة بعد الْخمسين وَألف رتبها بهْرَام أغاكتخدا وَالِدَة السُّلْطَان ابراهيم وَبنى السُّوق الْجَدِيد والخان

стр. 1381

قرب بَاب الْجَابِيَة لاجلها وَعين للمدرس سِتِّينَ قرشا وللمعيد ثَلَاثِينَ ولقارئ الْعشْر عشرَة قروش ودرس المحاسنى وَكَانَ فصيح الْعبارَة وانتفع بِهِ خلق من عُلَمَاء دمشق مِنْهُم شَيخنَا الْعلَا مُحَمَّد بن على الحصكفى مفتى الشَّام وَشَيخنَا الْمُحَقق ابراهيم بن مَنْصُور الفتال وَغَيرهمَا وَله تحريرات تدل على علمه وَله شعر حسن مطبوع فَمِنْهُ قَوْله من قصيدة (يَا سَقَاهَا مرابعا للتلاقى ... كل سَار من الحيا غيداق) (حَيْثُ تبدو قَالَه تخجل الْغُصْن ... وَوجه يزِيد فى الاشراق) (ورعى الله عهدنا بالمصلى ... حَيْثُ ذَات اللمى على الْمِيثَاق) (حَيْثُ أَشْكُو لَهَا الغرام ووجدا ... قد أسَال الدُّمُوع من أماقى) (يَا حداة المطى رفقا بقلبى ... ان طعم الْفِرَاق مر المذاق) (جبلت طينتى على محنة الْحبّ فحسبى من الْهوى مَا ألاقى ... ) (كل يَوْم قطيعة وبعاد ... واكتئاب وفيض دمع مآقى) (شَاب فودى يَتْلُو مشيب فؤادى ... فأمانا من هول يَوْم الْفِرَاق) (لست شعرى مَتى تعيد الليالى ... مَا أتاحت من صفو عَيْش التلاقى) (مَا أَظن الايام تحكم الا ... بامتناع الارفاق للارفاق) وَمن // جيد شعره // قَوْله (وتنفسى الصعداء لَيْسَ شكاية ... مِمَّا قضته سوابق الاقدار) (لَكِن بقلبى جملَة تفصيلها ... صَعب لَدَى الْعُقَلَاء والاحرار) (فَجعلت مَوضِع كل ذَلِك أَنه ... ضمنت مرادى من عَطاء البارى) وَكتب الى بعض أَصْحَابه بِدِمَشْق وَهُوَ بِمصْر (لَو كنت بمرأى من خليط نزحا ... مَا كَانَ دخيل الوحد منى وضحا) (لَكِن بعدوا فَصَارَ سرى عليا ... من بعدهمْ وَصَارَ كأسى قدحا) وَمن ملحه هَذَا الموشح نظمه على أسلوب موشح لبِنْت العرندس الشيعى ومطلع موشحه (أهواه مهفهفا من الْولدَان ... ساجى الحدق) (قد فر من الْجنان من رضوَان ... تَحت الغسق) (من ريقته سكرت لَا من راحى ... كم جدد لى رحيقها أفراحى) (كم أسكرنى بخمرها يَا صَاح ... كم أرقنى بطرفه الْوَسْنَان)

стр. 1382

حَتَّى الفلق (لَو عَامله بعدله ذَا الجانى ... أطفا حرقى) (من باهر حسنه يغار الْقَمَر ... فى روض جماله يحار النّظر) (قد عز لَدَى ان بدا المصطبر ... مَا اهتز يمِيل مَيْلَة الاغصان) للمعتنق (الا وأتاح للمحب العانى ... كل القلق) (يَا وَيْح محبه اذا مَا خطرا ... كالبدر يلوح فى الدياجى قمرا) (ان أقض وَلم يقْض لقلبى وطرا ... فالويل اذ المغرم ولهان) فى الْحبّ شقى (قد حمل الْعِشْق من الهجران ... مَا لم يطق) (الْقدر شيق مثل خوط البان ... واللحظ كَيفَ الْهِنْد فى الاجفان) (وَالْخَال شَقِيق الْمسك فى الالوان ... والخد مورد أسيل قانى) شبه الشَّفق (والعارض قد سلسل كالريحان ... للورد يقى) (يَا عاذل لَو أَبْصرت من أهواه ... ناديت تبَارك الذى سواهُ) (قد أحسن خلقه وَقد نماه ... اذ كمله وَخص بِالنُّقْصَانِ) بدر الافق (قد أفرغه فى قالب الاحسان ... زاكى الْخلق) (المصبر على هَوَاهُ مثل الصَّبْر ... وَالْقلب غَدا من هجره فى جمر) (مَا ألطفه فى وَصله والهجر ... لم ألق لَهُ فى وَصله من ثانى) حُلْو الملق (مَا وَاصل بعد بعده أجفانى ... غير الارق) ومطلع موشح بنت العرندس هُوَ هَذَا (مَا رنحت الصِّبَا غصون البان ... بَين الْوَرق) (الا وشجى الْهوى لقلبى العانى ... نَار الحرق) (مَا هَب صبا ... لنحوك الْقلب صبا ... لَاقَى وصبا ... يَا بدر سما ... سما على بدر سما ... للنَّاس سبا ... صلنى فَعَسَى ... تنَال منى ذَهَبا ... عقلى ذَهَبا

стр. 1383

وَالْقلب منى مواقد النيرَان نامى القلق والناظر قد أسَال من أجفانى مَاء الغدق) وَمن شعر المحاسنى قَوْله (أودعكم وأودعكم جنانى ... وأنثر أدمعى مثل الجمان) (وَلَو نعطى الْخِيَار لما افترقنا ... وَلَكِن لَا خِيَار مَعَ الزَّمَان) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فى سنة اثنتى عشرَة وَألف وَتوفى عَشِيَّة الاربعاء غرَّة شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس بِالْقربِ من جده لامه الْحسن البورينى ورثاه شَيخنَا عبد الْغنى بن اسماعيل النابلسى بقصيدة مطْلعهَا (لتهن رعاع النَّاس وليفرح الْجَهْل ... فبعدك لَا يَرْجُو البقا من لَهُ عقل) (أيا جنَّة قرت عُيُون أولى النهى ... بهازمنا حَتَّى تداركها الْمحل) وهى قصيدة // جَيِّدَة // غَايَة وَلَوْلَا طولهَا لذكرتها برمتها مُحَمَّد بن تَاج الدّين بن مُحَمَّد المقدسى الاصل الرملى المولد والمنشأ الحنفى مفتى الرملة الامام الْعَالم الصَّالح التقى الْخَيْر نادرة الزَّمَان وَهُوَ ابْن ابْن أُخْت شيخ الاسلام خير الدّين الرملى أَخذ بِبَلَدِهِ عَن خَال أَبِيه وَابْنه الشَّيْخ محيى الدّين ثمَّ رَحل الى مصر فى حُدُود سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف وَأقَام بهَا الى سنة سبعين وَقَرَأَ بالروايات على الشَّيْخ سُلْطَان المزاحى جَمِيع الْقُرْآن للسبعة ثمَّ ختمة أُخْرَى للعشرة من طَرِيق الدرة وَأخذ عَنهُ الحَدِيث وَقَرَأَ عَلَيْهِ شرح ألفية ابْن الهائم للشَّيْخ زَكَرِيَّا فى الْفَرَائِض وَأَجَازَهُ بمروياته وَأخذ الحَدِيث أَيْضا عَن الشَّمْس البابلى قَرَأَ عَلَيْهِ شرح ألفية العراقى للشَّيْخ زَكَرِيَّا وَسمع عَلَيْهِ بعض البخارى وَبَعض سيرة ابْن سيد النَّاس وَشرح عقيدة شَيْخه اللقانى فى العقائد وَأخذ أَيْضا الحَدِيث عَن الْمُحدث عبد السَّلَام اللقانى ولازم النُّور الشبراملسى فى شرح ألفية العراقى للشَّيْخ زَكَرِيَّا وفى الْمُخْتَصر للسعد مَعَ حاشيتيه للحفيد وَابْن قَاسم وَقَرَأَ عَلَيْهِ بالروايات من طَرِيق السَّبْعَة وَأَجَازَهُ بمروياته وَأخذ الْفِقْه عَن فَقِيه الْحَنَفِيَّة بِمصْر حسن الشرنبلالى قَرَأَ عَلَيْهِ الدُّرَر بحاشيته عَلَيْهِ وَكَانَ معيد درسه وَعَن الشهَاب الشوبرى قَرَأَ عَلَيْهِ من أول الْهِدَايَة الى بَاب الْعتْق فَقَرَأَ الشَّيْخ حِينَئِذٍ الْفَاتِحَة ثَلَاثًا قَائِلا بعْدهَا اللَّهُمَّ اعْتِقْ رقابنا من النَّار وَكَانَ ذَلِك آخر قِرَاءَته وَمكث أَيَّامًا قَليلَة وَمَات وَقَرَأَ على الشَّيْخ عبد الباقى حفيد شيخ الاسلام بن غَانِم شرح الْكَنْز المنظوم لِابْنِ الفصيح وَأَجَازَهُ جلّ

стр. 1384

شُيُوخه وَرجع الى بَلَده ولازم خَال وَالِده زِيَادَة على عشر سِنِين ولحظه بنظره وَأَجَازَهُ بمروياته ثمَّ نزل لَهُ عَن افتاء الرملة وَكتب الى شيخ الاسلام يحيى المنقارى مفتى الرّوم يطْلب مِنْهُ الاجازة لَهُ بالفتوى وَأَن يكون بدله فِيهَا لاهليه لذَلِك فَأَجَابَهُ الى طلبته وَصَارَ هُوَ الْمُفْتى فى زمَان أستاذه الْمَذْكُور وَلم يزل ملازما لَهُ الى أَن مَاتَ فَانْفَرد بعده بالرياسة وَصَارَ هُوَ الْعُمْدَة فى تِلْكَ الخطة وَأخذ عَن الشَّيْخ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان المغربى نزيل مَكَّة لما مر على الرملة وَأَجَازَهُ بمروياته وَلما مر شَيخنَا الشَّيْخ يحيى المغربى أَيْضا على الرملة سمع مِنْهُ الحَدِيث المسلسل بالاولية وَقَرَأَ عَلَيْهِ طرفا من الْكَشَّاف وَغَيره وَأَجَازَهُ بمروياته وَمن اجازته لَهُ ولولده (أجزت أخانا الْفَاضِل الْعلم الذى ... تسمى بِمن فى النَّاس فى الْحَشْر يشفع) (ونجلا لَهُ وَالله ينجح قَصده ... أَبَا للهدى والشخص بِالِاسْمِ يرفع) (وَقَالَ بذا يحيى ونجل مُحَمَّد ... وَمن مغرب الاوطان وَالله ينفع) وَكَانَت وَفَاته عقب الْحَج وَهُوَ رَاجع الى بَلَده صُحْبَة الركب المصرى عَاشر الْمحرم افْتِتَاح سنة سبع وَتِسْعين وَألف بالينبع وَدفن بهَا مُحَمَّد بن جمال الدّين بن أَحْمد الملقب حَافظ الدّين العجمى القدسى الحنفى القاضى الاجل الْفَاضِل الاديب كَانَ من أَفْرَاد الزَّمَان فى الْفضل وَكَثْرَة الاحاطة باللغة والآداب قَرَأَ بِبَلَدِهِ وَحصل وتفوق وسافر مرَارًا الى الرّوم ولازم من شيخ الاسلام مُحَمَّد بن سعد الدّين وَولى الْقَضَاء فى اقليم مصر وَتصرف بعدة مناصب الى ان انْفَصل عَن قَضَاء المنصورة ثمَّ صَار مفتيا بالقدس ومدرسا بِالْمَدْرَسَةِ العثمانية بهَا وَقدم اليها فَلم يمتزج مَعَ أَهلهَا لطول غيبته عَنْهُم فَترك المنصب وَورد الى الشَّام وَأقَام بهَا مُدَّة فى محلّة القنوات ثمَّ بمحلة بنى كريم الدّين وَتزَوج بابنة القاضى برهَان الدّين البهنسى الْمُقدم ذكره بعد مُدَّة قَليلَة طَلقهَا وتنازع هُوَ وأبوها وَطَالَ بَينهمَا النزاع وَكَانَ عِنْده غُلَام جميل يدعى بخندان لم ير نَظِيره فى الْخلق والخلق وَكَانَ مَمْلُوكا مَالِكًا فَوَقع بَينه وَبَينه منافرة فهرب الْغُلَام وأعياه تطلبه فَتوجه الى القاضى وشكا اليه حَاله وَكَانَ لَهُ بِهِ علاقَة قلبية وَأظْهر مَا كَانَ يضمره من شغفه فَكثر عَلَيْهِ الِاعْتِرَاض وَبعد أَيَّام ظهر الْغُلَام وَجَاء اليه فعطف عَلَيْهِ وتغاضى عَمَّا أسلفه ثمَّ لم يقر لَهُ بِدِمَشْق قَرَار فسافر الى الرّوم وَأقَام بهَا ثمَّ أعْطى قَضَاء طرابلس الشَّام وَبَعْدَمَا عزل عَنْهَا ورد الى دمشق وَأقَام بهَا مُدَّة وَكَانَ ذَلِك فى سنة

стр. 1385

أَربع وَأَرْبَعين وَألف ثمَّ سَار الى دَار الْخلَافَة وَولى الْقَضَاء ببوسنه وصوفيه وَكَانَ كثير الْآثَار وَرَأَيْت لَهُ أشعارا كَثِيرَة فَمِنْهَا هَذِه القصيدة مدح بهَا شيخ الاسلام يحيى ابْن زَكَرِيَّا ومطلعها (كل لَهُ فى طَرِيق الْمجد أَسبَاب ... وكل حكم لَهُ أهل وأرباب) (وَأَنت لى سَبَب مَا فَوْقه سَبَب ... ان عددت فى طَرِيق السعى أَسبَاب) (وَأَنت لى سَنَد مَا مثله سَنَد ... وَأَنت قطبى الذى والته أقطاب) (لولاك ضَاعَت حُقُوق النَّاس قاطبة ... وَكَانَ يغلب رب الْعلم حطاب) (لولاك مَا قفل البواب مُنْهَزِمًا ... كلا وَلَا فتحت للفضل أَبْوَاب) (كسرت بالجبر أَنْيَاب النوائب اذ ... أدمت فؤادى فَلم ينْبت لَهَا نَاب) (لبيْك لبيْك يَا لب اللّبَاب وَمن ... مِنْهُ استضاءت لحسن الرأى ألباب) (سرادق الشّعْر فى أَبْوَاب عزتها ... لَهَا على حيك الْمَرْفُوع أطناب) (جلبت من بَحر فكرى كل لؤلؤة ... مَا كل من جلب المنظوم جلاب) (هَذَا وَكم جَوْهَر لى فِيك مُنْتَظم ... فى اللَّوْن والشكل للرائين غلاب) (كل غَدا موجزا فى شكر سَيّده ... ان الْمُحب لَهُ فى الشُّكْر اطناب) (مَا كل من كَانَ فَوق النَّجْم مَسْكَنه ... كمن لَهُ تَحت وَجه الارض سرداب) (جَزَاك مَوْلَاك خيرا عَن فقيرك اذ ... فى عَالم الْغَيْب ردَّتْ عَنهُ أحزاب) (هابوك لما رَأَوْا بِالْقَلْبِ ميلك لى ... وَالْعَبْد عبد وَكم للْعَبد أحباب) (مَا ثمَّ يرفع شان الْعلم غَيْرك يَا رفيع مجدله فى الْمجد أَنْسَاب ... ) (أيدعى الْعلم من فى الْبَاب يعرفهُ ... طِفْل وكهل وجمال وتراب) (فى ذَلِك الْبَيْت كل الْكتب تعرفنى ... وخدمتى فِيهِ تَحْرِير ومحراب) (من قَاس بالشمس فى أوج العلى رجلا ... فَذَاك من فقه نور الْعين مرتاب) (لَو لم يكن يَوْم حشر النَّاس مقتربا ... مَا عارص الْحَافِظ القدسى بواب) (لَو كَانَ يعلم علما كَانَ أظهره ... حَتَّى يُقَال لَهُ علم وآداب) (الْمُدعى لَا ببرهان تكذبه ... شَوَاهِد الْحسن والكذاب كَذَّاب) (من نَازل الْحَرْب لَا يَنْفَكّ فى يَده ... لاجل طَاعَته قَوس ونشاب) (وقوس عبدكم علم يحرره ... وقوس دى الْجَهْل والنشاب أخشاب) (مَا كل من نقل الاقوال يعرفهَا ... كم مُعرب مَاله فى الْبَحْث اعراب)

стр. 1386

(مَا كل عين لَهَا نور تنير وَلَا ... كل الجفون لَهَا كحل وأهداب) (الْفضل كَالشَّمْسِ لَا يخفى وَصَاحبه ... كالبدر لَيْسَ لَهُ ستر وجلباب) (الى مَتى الدَّهْر يبدى من متاعبه ... مَا آن أَن ينقضى للدهر اتعاب) (أما درى أَن مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا ... لى فى مدائحه العلياء اسهاب) (أَنا الذى نلْت آمالى بدولته ... وَكم توالت على داعيه آرَاب) (كل لَهُ سيدى عمر يؤب لَهُ ... وَالْعَبْد مَا عَاشَ للابواب أواب) (قد تبت عَن غير بَاب الْجُود أقصده ... وَالْحق من بعد كسب الذَّنب تواب) وَله غير ذَلِك وفى هَذَا الْقدر من شعره غنى وَكَانَت وَفَاته فى سنة خمس وَخمسين وَألف مُحَمَّد بن حَافظ الدّين بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالسرورى المقدسى الحنفى الْبَصِير من أَوْلَاد غَانِم الْفَاضِل النبيه كَانَ محققا بارعا حَدِيد الذِّهْن قوى الادراك مشاركا فى عدَّة فنون وَكَانَ لطيف الطَّبْع حُلْو المكالمة لَا يمل الخاطر من تحفه ونوادره ولد بِبَيْت الْمُقَدّس وَنَشَأ فى حجر وَالِده وَأخذ عَنهُ الْعُلُوم وَكَذَلِكَ أَخذ بِبَلَدِهِ عَن الشَّيْخ مَنْصُور السطوحى الْمحلى المقرى حِين اقامته بهَا ورحل الى مصر مرَّتَيْنِ وَأخذ عَن علمائها مِنْهُم الشَّيْخ حسن الشرنبلالى وَأَجَازَهُ بالافتاء والتدريس وَمن مشايخه الشهَاب أَحْمد وَأَخُوهُ الشَّمْس مُحَمَّد الشوبريان والنور الشبراملسى وَالشَّيْخ يس الحمصى وبرع وَتوجه الى الرّوم مرَّتَيْنِ فلقى من أَعْيَان علمائها قبولا وَكَانَ الْمُفْتى الاعظم يحيى بن عمر المنقارى يعظمه ويجله وَحكى أَنه كَانَ وَهُوَ بالروم تأتى اليه الْجِنّ وَقت الِاضْطِجَاع تَأْخُذ عَنهُ الْعلم فأقلقوه فَذكر أمره للْمولى أَبى السُّعُود الشعرانى فَأمره أَن يطْلب مِنْهُم شَيْئا من أَمر الدُّنْيَا فَلَمَّا فعل ذَلِك انكفوا عَنهُ وَلم يعودوا اليه وَولى بالقدس مدرستين وهما التذكيرية والمأمونية وَرجع من الْمرة الثَّانِيَة فى سنة احدى وَثَمَانِينَ وَألف وَدخل دمشق وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من أَهلهَا ثمَّ رَحل الى الْقُدس وَانْقطع للتدريس فدرس الْكَنْز مرَّتَيْنِ وَالْهِدَايَة من أَولهَا الى الْبيُوع والدرر بطرفيها وَقَرَأَ متن التَّلْخِيص وَكَانَ يقْرَأ فى الْحرم بَين العشاءين المغنى وَلم يتمه وأقرأ متن الْمنَار وَكتاب ابْن الصّلاح فى المصطلح ومختصره للنووى وَشرع فى اقراء البخارى فعاجلته الْمنية وَكَانَ يحفظ كثيرا من الاشعار والشواهد والامثال خُصُوصا ديوَان المتنبى وَيعرف مَا أوخذ بِهِ المتنبى ويجيب عَن كثير وَكَانَ شيخ الاسلام خير الدّين الرملى يعرف حَقه ويصفه بِالْفَضْلِ التَّام

стр. 1387

وَيَقُول مَا فى بَيت الْمُقَدّس أفضل مِنْهُ وَذكر صاحبنا الْفَاضِل ابراهيم الجينينى انه قَرَأَ عَلَيْهِ فى أَوَائِل الْهِدَايَة مَعَ ولد الشَّيْخ خير الدّين الشَّيْخ محيى الدّين وَكَانَ يبْحَث مَعَه كثيرا فى الابحاث الدقيقة من الْفِقْه وَغَيره وابتدأه الْمَرَض فى رَجَب سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف فبقى مَرِيضا الى لَيْلَة الْجُمُعَة رَابِع عشر شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة فَمَاتَ الى رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن حجازى بن أَحْمد بن مُحَمَّد الرقباوى بِفَتْح الرَّاء وَالْقَاف الانبابى أحد شعراء الْعَصْر وأدباء الدَّهْر ولد بانبابه وَنَشَأ بِمصْر واشتغل بُرْهَة من الزَّمَان بعلوم الادب حَتَّى فاق أقرانه فنظم ونثر ورحل الى الْحَرَمَيْنِ وتوطنها مُدَّة ومدح الشريف زيد بن محسن بمدائح كَثِيرَة بليغة وَكَانَ يُعْطِيهِ العطايا الجمة وَجعل لَهُ فى كل سنة مُرَتبا ومعلوما ثمَّ توجه الى الْيمن فمدح الائمة بنى الْقَاسِم وانثالت عَلَيْهِ جوائزهم وَكَانَ لَهُ اخْتِصَاص بِمُحَمد بن الْحسن وَله فِيهِ مدائح كَثِيرَة وَله بِالْيمن شهرة عَظِيمَة وَمن شعره الشَّائِع قصيدته الَّتِى عَارض بهَا حائية ابْن النّحاس الَّتِى مطْلعهَا (بَات ساجى الطّرف والشوق يلح ... والدجى ان يمض جنح يَأْتِ جنح) ٥ مدح بهَا الشريف زيد بن محسن ومستهلها (كل صب مَاله فى الخد سفح ... لم يرق فى عينه نجد وسفح) (وَمَتى يَعْلُو بشأن فى الْهوى ... وَله شَأْن بِهِ فِيهِ يشح) (انما الدمع دَلِيل ظَاهر ... ان يكن للحب متن فَهُوَ شرح) (والذى يصبو لاغصان النقا ... لم يكن عَنْهَا بِغَيْر الطّرف يصحو) (يستحى من أَن يوافيها الحيا ... وَهُوَ اوفى منَّة والغيم يمحو) (كَيفَ يستسقى لَهَا مَاء السما ... وَله جفن مَتى شَاءَ يسح) (رَوْضَة للغيد كَانَت ملعبا ... وهى فى لبة جيد الشرق وضح) (كلما نقطها قطر الندى ... رشف الطل بهَا رند وطلح) (واذا مرت بهَا ريح الصِّبَا ... سحرًا أرجها بالمسك نفح) (وتغنت فَوْقهَا ورق الْحمى ... ولداعى بلبل الاشواق صدح) (رب ريم ذَات لحظ فاتن ... فاتك بِالْكَسْرِ والسقم يَصح) (كنست فى ظلّ ذياك النقا ... وأذابت كل قلب فِيهِ جرح) (طنبت فى مهجتى واستحكمت ... فى قطعا ليتها بالوصل تنحو)

стр. 1388

(أتراها استعذبت يَوْم النَّوَى ... لعذابى كاس بَين وَهُوَ ملح) (مَا لَهَا لاعبث الدَّهْر بهَا ... لَا ترى الهجران كَاف وَهُوَ ذبح) (كنت أَشْكُو صدها من قبل أَن ... تنتوى والآن عندى فِيهِ شح) (يَا نوار اصطنعينى باللقا ... فلكم قاليت من فى الْعِشْق يلحو) (ان تكونى شمت فى ليل الصِّبَا ... بارقا فَهُوَ لروض الْحلم فتح) (كم جليت الشَّمْس فى غربيه ... وسمحتى وَجَنَاح الفود جنح) (فاجعليه شافعا فِيمَا بدا ... أى ليل مَاله يَا بدر صبح) (وَلَقَد أعلم حَقًا لم يكن ... مِنْك عَن ذَنْب ظُهُور الشيب صفح) (غير أَنى أرتجى مِنْك الوفا ... وَهُوَ فى شرع ذَوَات الْحسن قبح) (كم أدارى فِيك عذالى وَكم ... ساءنى فِيك على التبريح كشح) (واذا فعل الغوانى هَكَذَا ... كل ذى سكر بهم لاشك يصحو) (سأذودن فُؤَادِي رَاغِبًا ... عَن هوى من جده بِالصّدقِ مزح) (يَا خليلي اعذرانى ان لى ... نَار وجد مَالهَا بالعشق لفح) (خليانى والذى القا مِمَّن ... زند شوقى مَاله بالغيد قدح) (أَنا عَن ألحاظهم فى معزل ... وحديثى ظَاهر وَهُوَ الاصح) (قد نَسِينَا مَا حفظنا مِنْهُم ... ورأينا أَن بعض العذل نصح) (لَا أرى الْعَيْش صفا مَا لم أعش ... وفؤادى من حُرُوف اللَّهْو ممحو) (وَعَن التشبيب مَا أغْنى ولى ... فى علا زيد الْعلَا شكر ومدح) (سيد السادات سُلْطَان الملا ... فَارس الخيلين يَوْم الروع سمح) (قامع الاقران فى يَوْم الوغى ... تَحت ظلّ السمر وَالْحَرب يفح) (أَبيض الْوَجْه اذا النَّقْع دجا ... وَاضح الْبشر اذا الفرسان كلح) (كم لَهُ يَوْم فخار منتمى ... ولوقع الْبيض بالهامات رضح) (صبح الاقيال حَربًا وَلكم ... شَرقَتْ من خيله حَرْب وَصلح) (يَوْم أورى بقديح المصطلى ... قدح زند وريه بالفوز قدح) (وعَلى الْعمرَة أربت يَده ... وَله فى يَوْمهَا عَفْو وصفح) (أذكر الصِّنْفَيْنِ اذ ذَاك بهَا ... يَوْم صفّين وللخيلين ضبح) (ولغا عَنى ضلال بَعْدَمَا ... طاش من تصحيفه فى فِيهِ صمح)

стр. 1389

(وَلَكِن سارع بِالْخَيْلِ على ... حرم الله وللاعمار دلح) (مَانع الْجَار فَلَو لَاذَ الدجا ... بعواليه لما جلاه صبح) (وَلَو ان الشَّمْس تحكى نوره ... مَا علاها فى ظلام اللَّيْل جنح) (واهب الارواح فى يَوْم الوغى ... لاعاديه الالى بِالْمَالِ شحوا) (وَلَقَد كَانَ ابوه هَكَذَا ... ولماء الْورْد بعد الْورْد نضح) (أشغلت هيبته فكر العدا ... فهم فى غمرة الاشفاق طرح) (لَو رَأَوْهُ فى الْكرَى لانتبهوا ... وَلَهُم من خَوفه بِالرُّعْبِ قزَح) (واذا شاموا بروقا أيقنوا ... أَن أَعْنَاقهم بالبيض مسح) (وان انْقَضتْ نُجُوم فى الْهوى ... زَعَمُوا أَن مطار الشهب رزح) (بأبى أفديك يَا بَحر الندى ... يَا مضئ الرأى ان أظلم قدح) (يَا عتيد الْخَيل يَوْم الْمُلْتَقى ... يَا شَدِيد الْبَأْس والاقران طلح) (يَا عريض الجاه يَا حامى الْحمى ... يَا ملاذ الْكَوْن ان لم يغن كدح) (يَا جميم الْفضل وَالسيف لَهُ ... بغدادين الطلى حصد وَمسح) (خُذ حديثى واستمع قولى فَمَا ... كل من قَالَ قريضا فِيهِ صَحَّ) (انت أولى النَّاس بالمدح وَلَو ... لم يكن للبحر عَن وصفك نزح) (هاك نظم الدّرّ من معدنه ... رائق الْمَعْنى لَهُ بالمدح مزح) (وَاجعَل الابكار فى نور الوفا ... واختبرها فهى بالعرفان فصح) (ضمن الدَّهْر لَهَا التخليد فى ... صفحات الْكَوْن والايام فسح) (وهى كالجرد السلاهيب لَهَا ... بمجال الشُّكْر فى علياك مرح) (حاصرت مَا شاد فتح قبلهَا ... وتلت نصر من الله وَفتح) (أحرز السَّبق وَلَكِن فقته ... بك يَا ابْن الطُّهْر والآيات وضح) (لَا يروق الْمَدْح الا فى الالى ... لَهُم الانساب كالاحساب رجح) (أَيْن من جداه طه الْمُصْطَفى ... وعَلى المرتضى مِمَّن يزح) (برز الفال بهَا من منطقى ... لَك بالايراد والاسعاد سنح) (وَأَنا مِنْك أيا غوث الورى ... لم يكن صوتى كَمَا قيل أبح) (وَلَقَد أغنيتنى عَن مطلبى ... مِنْك بدا ونظيرى لَا يلح) (لَو درى النّحاس انى بعده ... أصنع الابريز لم يمسسه قرح)

стр. 1390

(لَا أرى الغربة ألوت ساعدى ... ولباعى بنداك الجم سبح) (طالعى بالسعد وضاح الحجى ... بك فى برج الهنا والرجو ضح) (وَلَقَد بلغتنى كل المنى ... بِأَحَادِيث لَهَا فى النَّفس سرح) (نعْمَة مِنْك علينا لم تزل ... يقتفى آثَار هافوز وَربح) (دمت يَا شمس الْهدى مَا ابتسمت ... بك أَفْوَاه الدجا وافتر صبح) (مَا هَمت عين الغوادى وبدا ... بك فى وَجه الزَّمَان الغض رشح) وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَمَان وَسبعين وَألف بِمَدِينَة أَبى عَرِيش من الْيمن والانبانى بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون ثمَّ مُوَحدَة بعْدهَا ألف فموحدة نِسْبَة لانبابة قَرْيَة من بحرى جيزة مصر على شاطئ النّيل انتسب اليها جمَاعَة من الْمُتَأَخِّرين وَمن أشهر المنسوبين اليها الاستاذ الشَّيْخ اسمعيل بن يُوسُف بن اسمعيل وَرُبمَا قيل لَهَا أنبوبة على وزن أفعولة وَكَأَنَّهُ لما يزرع فِيهَا من الْقصب فالانبوبة مَا بَين كل عقدتين من الْقصب مُحَمَّد بن حسن جَان الْمَدْعُو سعد الدّين بن حسن جَان التبريزى الاصل القسطنطينى المولد والمنشأ والوفاة مفتى الدولة ومعلم السُّلْطَان مُرَاد بن سليم أستاذ الاستاذين ورونق عُلَمَاء الدُّنْيَا واكليل تَاج السَّعَادَة كَانَ من الْعلم فى مرتبَة يعز الْوُصُول اليها وَقد وَقع الِاتِّفَاق على تفرده بأنواع الْفُنُون وَأَعْطَاهُ الله من الْعِزَّة وَالْحُرْمَة والاقبال مالم يُعْطه لأحد من عصره ومدح بالمدائح السيارة ورزق الابناء الَّذين هم تَاج مفرق الايام وَقد بلغُوا فى حَيَاته الرتب الَّتِى قصر غَيرهم عَنْهَا وَلم يخلف أحد من الكبراء أمثالهم فى نجابتهم وبسالتهم ومعرفتهم وعلوهممهم ودانت لَهُم الْعلمَاء وولوا أرفع المناصب وَحكى انه قيل لوالدتهم بِمَاذَا لقى أبناؤك هَذِه الْعِزَّة فَقَالَت كنت لَا أرضع أحدا مِنْهُم الا على طَهَارَة كَامِلَة وَكنت أذبح عَن كل وَاحِد فى كل جُمُعَة قربانا وَبِالْجُمْلَةِ فهم فَخر بِلَاد الرّوم وَقد تقدم فى تَرْجَمَة أَبى سعيد أسعد بن سعد الدّين هَذَا ان أول من قدم مِنْهُم الى الرّوم هُوَ حسن جَان وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة ونبغ وَلَده سعد الدّين هَذَا وَقَرَأَ ودأب وَلزِمَ درس الْمولى شيخ الاسلام أَبى السُّعُود العمادى وَأخذ عَنهُ وانتفع بِهِ ولازم مِنْهُ ثمَّ ترقى فى الْمدَارِس وطنت حَصَاة فَضله فنصبه السُّلْطَان مُرَاد معلما لنَفسِهِ وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا بكليتهما وَلم يبْقى أحد الانقاد اليه وعول عَلَيْهِ فى أمره وَلما توفى السُّلْطَان مُرَاد تسلطن

стр. 1391

بعده ابْنه السُّلْطَان مُحَمَّد فأبقاه معلما لنَفسِهِ أَيْضا ثمَّ ولاده الافتاء وَذكره الاديب عبد الْكَرِيم المنشى فَقَالَ فى وَصفه مولده دَار الْخلَافَة العليه لَا زَالَت كاساتها من قذى الاكدار صَفيه نَشأ بهَا فى ظلال نوال وَالِده مترددا بَين مصَادر الْعلم وموارده وَبعد مَا تحلى جيده بقلائد الْعُلُوم وعقدت فى عقده عرائس الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم تحرّك على الرَّسْم العادى حَتَّى ورد الى منهل الْمولى المرحوم أَبى السُّعُود العمادى فأدار عَلَيْهِ على عاداته كاسات افاداته وَلم يزل مُتَقَلِّدًا فى الدُّرُوس بعقود خطابه الى أَن فَازَ بشرف الْمُلَازمَة من جنابه وَمَا بَرحت الْمدَارِس تتحلى بآثار ملكاته حَتَّى غَدَتْ احدى الثمان صدفا للآلى كَلِمَاته وَبعد ذَلِك عينه اسْتِحْقَاقه للسلطنة المرادية معلما وَأصْبح طراز ملك الدولة بوشى آرائه معلما فَلَمَّا تشرف بهَا سَرِير الخلافه وانتشى الدَّهْر اذ أدَار عَلَيْهِ السِّرّ ورسلامه ألْقى اليه الْمجد قياده وَأصْبح جموح الدَّهْر منقاده وَدلّ عَلَيْهِ لفظ الْمجد صَرَاحَة وكناية وَنزلت فِيهِ سُورَة السودد آيَة فآيه الى أَن قَالَ وَكَانَ فى عَهده شَمل الْفضل ملتئما وثغر الْعلم مُبْتَسِمًا وَكَانَ الْعَالم مستنيرا من شموس علومه وآدابه كَيفَ لَا وَلَا ينظم شَمل الْفضل الا بِهِ وَكَانَ كَرِيمًا على الاحسان مثابرا وحكيما لكسير اكسير الْقلب جَابِرا تحلت الاجياد بقلائد وده وولائه وواظبت الالسنة على سور فَضله وعلائه تقصرهمم الافكار عَن بُلُوغ أدنى فواضله وتعجز سوابق الْبَيَان عَن الْوُصُول الى أَوَائِل فضائله وَبِالْجُمْلَةِ لَا تصاد عنقاء وَصفه بحبائل الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَلَو تعدى الواصف الاعجاب وَبلغ الاعجاز وَلما أشرقت أنوار السلطنة المحمدية من فلك سريرها وَرفعت فى الْخَافِقين ألوية سرورها رأى ان الْكفْر قد احْتَاجَ الى ذوقة من كأسه وحرقة من جمرات بأسه فَرفعت راياته خافقة كقلوب أعدائه عالية كهمم أوليائه وَهُوَ يلازمه مُلَازمَة الشَّمْس لاشراقها والحمائم ثمَّ لَا طواقها وفلك الامور يَدُور على محور رَأْيه وترتيب نتائج الْفَتْح على مُقَدمَات سَعْيه وَلما أَرَادَ الله تَعَالَى أَن يُنَبه لحاظ سيوف الاسلام من جفونها ويوفى للنصرة مَا وَجب على الايام من ديونها وتقابل الملكات والاعدام والنور والظلام فاستوت الصُّفُوف وجردت السيوف وأطلقت أَعِنَّة أَفْرَاس الحتوف وَحمى الْوَطِيس واستوى المرؤس والرئيس وَقَامَت قِيَامَة الْحَرْب على سَاقهَا وأحدق الْكفْر بالاسلام احداق الجفون بأحداقها فى موقف فِيهِ ينسى الْوَالِد الْوَلَد توجه الى قبْلَة الثَّبَات وَثَبت

стр. 1392

ثبات الْجبَال الراسيات وَلَو لم تكن فى ذَلِك الْوَقْت وثباته وثباته وتحريضه على الْحَرْب وفتكاته لما تورد بِدَم الْكفْر خد الاسلام وَلما شفى غليل صُدُور الْمُسلمين من عَبدة الصلبان والاصنام فَللَّه دره قد عَم الْعَالمين خَيره وَسَار بالجميل ذكره فعادوا بِالْفَتْح الْجَلِيل الى دَار السلطنة الْعلية وَالْعود أَحْمد ونظموا عُقُود الاسلام بَعْدَمَا تناثر وتبدد فوزع سَاعَات أوقاته الى الْعلم والعباده وتحلى جيده بقلادتى السِّيَادَة والسعاده الى أَن تفيأت الْفَتْوَى فى ظلال أقلامه وتزينت صُدُور الطروس بعقود أرقامه الى أَن أفل من سَمَاء الدُّنْيَا كَوْكَب عمره وأودع ذَلِك السَّيْف فى غمد قَبره انْتهى قلت وَلم أر لَهُ من الْآثَار الا هَذِه الابيات قرظ بهَا على رِسَالَة للشَّيْخ مُحَمَّد الشهير بمجنكزى الصوفى (مجلة قد حوت مَعنا حلا وَصفا ... من رام وَصفا يَرَاهَا فَوق مَا وَصفا) (فِيهَا التصوف والعرفان مندرج ... كم من زَوَايَا الزوايا وصفهَا كشفا) (تَعْبِيره كعبير والاداء لَهُ ... حلاوة الشهد فِيهِ للقلوب شفا) (من مشرب قادرى قد بَدَت وهدت ... قلبا غَدا عَن طَرِيق الْحق منحرفا) (فِيهَا رموز من الاسرار أظهرها ... نشر اسمى لشيخ السَّادة العرفا) (أذاع فِيهَا من الاسرار مَا خفيت ... كَأَنَّمَا هَاتِف فى اذنه هتفا) ثمَّ رَأَيْت لَهُ هَذِه الابيات من تقريظ لطبقات تقى الدّين التميمى (كتاب طَابَ تعبيرا يحاكى ... عبيرا فائحا فى الرّوح سَار) (كنشر الْقطر عطر كل قطر ... وكالدارى فاح بِكُل دَار) (بيمن دَار مِنْهُ على تَمِيم ... يَلِيق بِأَن يكون تَمِيم دارى) وَكَانَت وَفَاته وَهُوَ مفت فَجْأَة فى ربيع الاول سنة ثَمَان بعد الالف وَدفن بِالْقربِ من أَبى أَيُّوب الانصارى رضى الله عَنهُ مُحَمَّد بن حسن الملقب جمال الدّين بن دراز المكى الاديب المنشى الشَّاعِر الْمَشْهُور ذكره ابْن مَعْصُوم فَقَالَ فى حَقه جمال الْعُلُوم والمعارف المتفيء ظَلِيل ظلها الوارف أشرقت بِالْفَضْلِ أقماره وشموسه وزخر بِالْعلمِ عبابه وقاموسه فدوخ صيته الاقطار وطار ذكره فى مناكب الارض واستطار وتهادت أخباره الركْبَان وَظهر فى كل صقع فَضله وَبَان وَله الادب الذى مَا قَامَ بِهِ مضطلع وَلَا ظهر على مكنونه مطلع استنزل عصم البلاغة من صياصيها واستذل صعاب البراعة فسفع بنواصيها

стр. 1393

ان نثر فَمَا اللُّؤْلُؤ المنثور انفصم نظامه أَو نظم فَمَا الدّرّ الْمَشْهُور نسقه نظامه بِخَط يزدرى بِخَط العذار اذا بقل وتحسد سَائِر الْجَوَارِح على مُشَاهدَة حسنه الْمقل وَلما دخل الْيمن فى دولة الرّوم أَقَامَ لَهُ رئيسها بِمَا يحب ويروم فولاه منصب الْقَضَاء وسطع نور أمله هُنَاكَ وأضاء وَلم يزل مجتليا وُجُوه أمانيه الحسان مجتنيا من رياضه أزاهر المحاسن والاحسان الى أَن انْقَضتْ مُدَّة ذَلِك الامير وَمنى الْيمن بعده بِالْفَسَادِ والتدمير فَانْقَلَبَ الى وَطنه وَأَهله وكابد خزن الْعَيْش بعد سهله كَمَا أنبأ بذلك قَوْله فى بعض كتبه وَلما قفلت عَائِدًا من الْيمن بعد وَفَاة المرحوم سِنَان باشا وانقضاء ذَلِك الزَّمن اخْتَرْت الاقامة فى الوطن بعد التشرف بِمَجْلِس الْقَضَاء فى ذَلِك العطن الا أَنه لم يحل لى التخلى عَن تذكر مَا كَانَ فى تذكرة الخيال مرسوما وتفكر مَا كَانَ فى لوح المفكرة موسوما فاخترت أَن أكون مدرسا فى الْبَلَد الْحَرَام وممار سالما آذن غب الْحُصُول بالانضمام وَلم يكن فى الْبَلَد الامين كفايه وَلَا مَا يقوم بِهِ الاتمام والوقاية انْتهى وَمَا زَالَ مُقيما فى وَطنه وبلده متدرعا جِلْبَاب صبره وَجلده حَتَّى انصرمت من الْعَيْش مدَّته وتمت من الْحَيَاة عدته ثمَّ أورد لَهُ فصلا من نثره فَقَالَ كتب من كتاب إِلَى بعض أَصْحَابه ينْهَى الْمُلُوك لَا يزَال ذَاكِرًا لتِلْك الايام الْمَاضِيَة شاكرا لهاتيك الاعوام الَّتِى حلت بِفضل مَوْلَانَا وَلَا أَقُول مرت بمسرات لَا تزَال النَّفس لدينها متقاضيه (كم أردنَا هَذَا الزَّمَان بذم ... فشغلنا بمدح ذَاك الزَّمَان) أقفر الصَّفَا من اخوان الصَّفَا وخلا الْحطيم من رَضِيع الادب والفطيم وأقوت المشاعر من أَرْبَاب الادراك والمشاعر (كَأَن لم يكن بَين الْحجُون الى الصَّفَا ... أنيس وَلم يسمر بِمَكَّة سامر) وَكَانَ علم مَوْلَانَا محيطا بحالى اذ كنت آنس بأولئك الجلة وأرباب المعالى فَلم يبْق من يدانيهم فضلا عَمَّن يساويهم وَلَا من يباريهم فَكيف بِمن يجاريهم وَلَقَد ذكرت هُنَا قَول بَعضهم (دجا اللَّيْل حَتَّى مَا يبين طَرِيق ... وَخَوف حَتَّى مَا يقر فريق) (وجردت يَا برق الْمنون مناصلا ... لَهَا فى قُلُوب المبصرين بريق) (وزعزعت يَا ريح الردى كل شَاهِق ... عَلَيْهِ لانفاس النُّفُوس شهيق) (سَلام على الايام ان صنيعها ... أَسَاءَ فَهَل لى بالنجاة لُحُوق)

стр. 1394

وَمن آخر كتب بِهِ الى كَاتب الحضرتين الشريفتين الحسنية والطالبية يعزيه بسُلْطَان الْحجاز الشريف أَبى طَالب سنة ١٠١٣ كتبت اليك كتب الله لَك سَعْدا لَا يزَال يَتَجَدَّد ومجدا لَا يَنْقَطِع بِانْقِضَاء ملك الا واتصل بِملك لمكى مؤيد وانما كتبت بِدَم الْفُؤَاد وأمددت اليراع سويداى وشفعها اللحظ بِمَا فى انسانه من السوَاد والمكون علم الله كَأَنَّمَا هُوَ بَحر من مداد والقلوب وَلَا أَقُول الاجساد مسر بلة بلباس الْحداد لَا يسمع الا الانين وَلَا يصغى الا لمن تفضح بنعيها ذَوَات الحنين أضحى النَّفْع من مثار النَّقْع كليلة من جُمَادَى وربات الْخُدُور يلطمن الخدود مثنى وفرادى وذ الحجى يغوص فى لجة الْفِكر فَيسمع لَهُ زفير وَلَيْث العرين كَاد من صدمة هَذَا الْمُصَاب أَن يتفطر من الزئير وشارف الْحطيم أَن يتحطم وَأَبُو قبيس أَن يتقطم وَبَيت الله لَوْلَا التقى لَقلت ود أَن يتهدم وأخال ان الْحجر أَسف حَيْثُ لم يكن تابوتا لذَلِك الجثمان وتندم أى داهية دهياء أَصَابَت قطان ذَلِك الْحرم وأى بلية نزلت بِلَازِم أذيال ذَلِك الْمُلْتَزم انا لله وانا اليه رَاجِعُون كلمة تقال عِنْد المصائب وَلَا نجد لهَذِهِ الْمُصِيبَة مثلا وَلم تشاركنا فِيهِ حزينة وَلَا ثَكْلَى بأى لِسَان نناجى وَقد أخرسنا هَذَا النَّازِل بأى قلب نحاجى وَقد بلغنَا هَذَا الْجد الهازل بَينا نَحن فى سرُور وَفَرح اذ نَحن فى هموم وترح أَشْكُو الى مخدومى ضحوة يَوْم شمسه كاسفه أزفت الآزفة لَيْسَ لَهَا من دون الله كاشفه أقبل نعش لابس أَثوَاب المرحمة بعد الْخلَافَة المتلقى روحه الْمَلَائِكَة مَعَ الْحور على الارائك تتحفهم السلافه والايدى ممتدة تُشِير اليه بالعويل وَالْحجاج أَرْبَاب الفجاج يضجون بالنحيب الطَّوِيل وكادت آماقنا وَالله أَن تسيل وأضحت جلاميد الْقُلُوب كضحضاح المسيل فَلم نجد شخصا من الرعايا الا وَهُوَ محرور وَذُو قرَابَته فى الحى مسرور انا لله من هَذِه الطامة الَّتِى أدهشت الْعَامَّة وأذهبت الشامة لَيْت شعرى أبعده السلاهب تركب أم الجنائب تجنب أم المقربات تقرب أم المنابر يُتْلَى عَلَيْهَا غير اسْمه ويخطب (واحر قلبا مِمَّن قلبه شبم ... ) (مضى من أَقَامَ النَّاس فى ظلّ عدله ... وآمن من خطب تدب عقاربه) (فكم من حمى صَعب أَبَاحَتْ سيوفه ... وَمن مستباح قد حمته كتائبه) (أرى الْيَوْم دست الْملك أصبح خَالِيا ... أما فِيكُم من مخبر أَيْن صَاحبه) (فَمن سائلى عَن سَائل الدمع لم جرى ... لَعَلَّ فؤادى بالوجيب يجاوبه)

стр. 1395

(فكم من يدوب فى قُلُوب نضيجة ... بِنَار كروب أججتها نوادبه) (سقت قَبره الغرا الغوادى وجادها ... من الْغَيْث ساريه الملث وساربه) فَمَا كَانَ الا كلمحة طرف أَو حُلُول حتف وَقد وضع على الْبَاب الشريف وَسمع من أَجْنِحَة الْمَلَائِكَة حفيف وتليت ولكنت أود أَن أكون الْمصلى وَلَا أكون التالى فى جَمِيع ذَلِك الترصيف فَمَا ترك الرئيس لقبا من الالقاب الا وحلاه بدره وَعلمه بدره حَتَّى كَاد النَّهَار أَن ينتصف والمقل أَن تسح بالدموع وتكف وَمن عدم انصاف الدَّهْر الخؤن أَن لم يطف بِهِ سبعا وَهُوَ لمليك هَذَا الْبَيْت مسنون ثمَّ ازْدحم على رفع جنَازَته قاضى الشَّرْع والساده فذادوه عَنْهَا ورفعوه على أَعْنَاق السلاطين والقاده وَقلت فى ذَلِك الْمقَام وعيناى تهمل وَلَا همول الْغَمَام يعز على أَن أَرَاك على غير صهوه وَأَن تنادى بامر غم الانوف وَلَا تجيب دَعوه وان تحف بك الصُّفُوف وَلَا تدع لكرك فِيهَا فجوه فطالما ضرعت لَك السلاطين وخضعت لَك الاساطين وأرعدت الفرائص وأوهنت القلائص وحميت الْحمى وَلم يرعك جساس واقتنصت حَتَّى لم تدع شادنا فى كناس أَو ليثا فى افتراس فَللَّه جدث ضمك وَقد ضَاقَتْ الارض عَن علاك وَللَّه لحد علاك وَقد اتَّخذت نعلك من السماك وَكَيف بك تحل فى الثرى وبالاثير ملعب جردك والسدرة مضمار اسلافك والنبوه لحْمَة بردك فلك بجدك فى ارتقائك الى الْعَالم العلوى أسوه وَلنَا بفقدك الْجزع الذى لَا يعقبه سلوه فَأَنت لقِيت الحبيب ولقينا بعْدك مَا يلقى الكئيب فلك الْبُشْرَى بلقيا رَبك وَنَرْجُو بك اللقيا على الْكَوْثَر وَأَنت فَرح بشرابك وشربك ثمَّ يَا عفيف لَا تسل عَن نعش حفه الْوَقار وتقدمه الرّوح الامين وَالْمَلَائِكَة الابرار فوائح الْمسك الاذفر تنفح من كل جَانب كَأَنَّمَا ينْقض من غدائر خرعوبة كاعب وَبِاللَّهِ أقسم ان طيبه نفحنى وَأَنا فى الخلوه وهم فى تجهيز تِلْكَ الذَّات على هاتيك العلوه وَحَاصِل مَا أقص عَلَيْك من الْقَصَص انا أودعنا فى كنف الرَّحْمَن ذَلِك القفص وعدنا وَنحن كَمَا يُقَال شَاهَت الْوُجُوه حيارى وَلَا نعلم من نؤمله ونرجوه وَقد أظلم قتام العثير ودجا النَّقْع حَتَّى خيل لنا انه لم يكن قطّ صبح أَسْفر وَحين هجوم هَذَا الْخَبَر المهيل كَادَت الْبِلَاد تنهب لَوْلَا تسهيل بعض السادات مَا صَعب فى التسهيل والنداء من الْحَاكِم بالعافيه والاعين قد امْتَلَأت من الهاربين بالسافيه وغلقت الابواب وانقطعت الاسباب حَتَّى

стр. 1396

وَالله كَأَن الْقِيَامَة قد قَامَت وحقت كَرِيمَة يَوْم يفر الْمَرْء والانفس قد حامت وَحَال بينى وَبَين الْخلْوَة طَرِيق طالما صلحت للزبا وسبيل وبيل صرت أقطعه وثبا فَكل من لاقيته لَا يُجيب وَمن كَانَ من ورائى فكانما هُوَ طريد أَو سليب وَبعد الدّفن كثر القال والقيل ونودى كَمَا بَلغَكُمْ وصليل السيوف منعنَا المقيل وزف المنادى عصبَة مَشْهُورَة القواضب مسنونة الشواذب والاسواق من السكان خاليه فكانما هى خود أضحت عاطلة بعد أَن كَانَت حاليه ودور مَكَّة كَأَنَّهَا وَبِاللَّهِ أقسم دور البرامكه وَكَأَنَّهَا لم يتغزل فِيهَا بُرْهَة كدار عاتكه وَلَقَد تذكرت فِيهَا قينة الامين وَقَوْلها كَانَ لم يكن بَين الْحجُون الى الصَّفَا أنيس غير الانين هَذَا وَقد أطلت عَلَيْك مَا ينبغى أَن يقْتَصر فِيهِ مَعَ علو مَكَان ومشيد مَكَانك فى البلاغة وأركانك وَالله تَعَالَى يلهمك صبرا جميلا على هَذَا الْمُصَاب ويوليك أجرا جزيلا على فقد ذَلِك المليك المهاب وَلَا يسمعنا واياك بعْدهَا صَوت عزاء وَلَا أحدا من الاعزاء وَلَا يحملنا مَالا طَاقَة لنا بِهِ من مثل هَذِه الارزاء فو الرَّحْمَن لَهو الرزء الذى كل رزء بِالنِّسْبَةِ اليه أقل الاجزاء وَالسَّلَام وَمن شعره قَوْله فى صدر كتاب (هَذَا كتابك أم در بمتسق ... أم الدرارى الَّتِى لاحت على الافق) (وَذَا كلامك أم سحر بِهِ سلبت ... نهى الْعُقُول فتتلو سُورَة الفلق) (وَذَا بيانك أم صهباء شعشها ... أغن ذُو مقلة مكحولة الحدق) (بتاج كل مليك مِنْهُ لامعة ... وجيد كل مجيد مِنْهُ فى أفق) (روض من الزهر والانوار زاهية ... كأنجم الافق فى اللألاء والنمق) (وذى حمائم أَلْفَاظ سجعن ضحى ... على الخمائل غب الْعَارِض الغدق) (رِسَالَة كفراديس الْجنان بهَا ... من كل مؤتلق يلهى ومنتشق) (كَأَنَّمَا الالفات المائدات بهَا ... غصون بَان على أيك من الْوَرق) (تعلو منا برهَا الهمزات صادحة ... كالورق ناحت على الافنان من حرق) (ميماتها كثغور يبتسمن بِمَا ... يزرى على الدراديز هى على الْعُنُق) (فطرسها كبياض الصُّبْح من يقق ... ونقشها كسواد اللَّيْل فى غسق) (يَا ذَا الرسَالَة قد أرْسلت معْجزَة ... ردَّتْ بلاغتها الدَّعْوَى من الْفرق) (وَيَا مليك ذوى الالباب قاطبة ... وَيَا اماما هدَانَا أوضح الطّرق) (من ذَا يُعَارض مَا قد صاغ فكرك من ... حلى الْبَيَان وَمن يقفوك فى السَّبق)

стр. 1397

(أَنْت المجلى بمضمار الْعُلُوم اذا ... أضحى قروم أولى التَّحْقِيق فى قلق) (صلى أَئِمَّة أهل الْفضل خَلفك يَا ... مولى الموالى وَرب الْمنطق الذلق) (مُسلمين لما قد حزت من أدب ... مُصدقين بِمَا شرفت من خلق) (مهلا فباعى من التَّقْصِير فى قصر ... وَأَنت فى الطول والاحسان ذُو عمق) (سُبْحَانَ بارئ هذى الذَّات من همم ... سُبْحَانَ فاطر ذَا الانسان من علق) (يَا لَيْت شعرى هَل شبه يرى لكم ... كلا وربى وَلَا الاملاك فى الْخلق) (عذرا فَمَا فكرتى صواغه دررا ... حَتَّى أصوغ لَك الاسلاك فى نسق) (واسلم وَدم وَتَعَالَى فى مشيد على ... تستنزل الشهب للانشا فَلم تعق) وَقَوله (سَلام على الدَّار الَّتِى قد تَبَاعَدت ... ودمعى على طول الزَّمَان سفوح) (يعز علينا ان تشط بِنَا النَّوَى ... ولى عنْدكُمْ دون الْبَريَّة روح) (اذا نسمت من جَانب الرمل نفحة ... وفيهَا عرار للغو يرو شيح) (تذكرتكم والدمع يستر مقلتى ... وقلبى مشوق بالبعاد جريح) (فَقلت ولى من لاعج الوجد زفرَة ... لَهَا لوعة تَغْدُو بهَا وَتَروح) (أَلا هَل يُعِيد الله أيامنا الَّتِى ... نعمنا بهَا والكاشحون نزوح) وَقَوله فى صدر كتاب (بِحَق الوفا بالود بالشيمة الَّتِى ... عَرَفْتُمْ بهَا بالجود وَالْكَرم الجم) (بِتِلْكَ الْخِصَال الاشرفيات بالنهى ... بعزتك الْعليا على قمة النَّجْم) (بِذَاكَ الْمحيا الهش بالْمَنْطق الشهى ... بِمَا فِيك من خلق رضى وَمن عزم) (أجرنى من التَّكْلِيف وَاقْبَلْ تحيتى ... بتقبيل أَرض لم تزل مُنْتَهى همى) (فدهرى من الاسهاب أمنع مَانع ... ووقتى عَن الاطناب أضيق من سم) (وماذا عَسى فى الْوَصْف يبلغ مقولى ... وَلَو مدت الاقلام من مدد اليم) وَوجدت الْفَقِير فى تذكرة المرشدى مِمَّا كتبه الْجمال مُحَمَّد درازالى الامام عبد الْقَادِر الطبرى سَائِلًا عَمَّا يرد على كَلَام للسبكى فى الطَّبَقَات الْكُبْرَى فى اسْتِخْرَاج الْملك الْعلقَة الَّتِى فى صَدره مَوْلَانَا الامام الذى اليه هَذَا الحَدِيث يساق الْهمام الذى تشد اليه يعملات البلاغة ببدائع السِّيَاق فيسفر عَن بدر فضل حسن الاتساق ودرنبل مُنْتَظم عُقُود الانتساق فَلهُ السّلف الَّذين تتنازل الثريا دون مقاماتهم الرفيعه وينحط الاثير عَن مكاناتهم الى هى للفخار شفيعه على

стр. 1398

انه العصامى الذى بِهِ تفتخر الابناء وتتبختر فى مطارف سودده الاعمام والاصناء فالمزنى لَا يُبَارى جود مزنه والرازى أضحى رزية من حزنه هدَانَا الله تَعَالَى بِهِ الى سَوَاء السَّبِيل وأغنانا بسلسال فَوَائده عَن رقراق السلسبيل قَالَ السبكى سَمِعت الْوَالِد يَقُول وَقد سُئِلَ عَن الْعلقَة السَّوْدَاء الَّتِى أخرجت من قلب النبى فى صغره حِين شقّ فُؤَاده وَقَول الْملك هَذَا حَظّ الشَّيْطَان مِنْك ان تِلْكَ الْعلقَة الَّتِى خلقهَا الله تَعَالَى فى قُلُوب الْبشر قَابِلَة لما يلقيه الشَّيْطَان فِيهَا فأزيلت من قلبه فَلم يبْق فِيهِ مَكَان قَابل لَان يلقى الشَّيْطَان فِيهِ شَيْئا قَالَ هَذَا معنى الحَدِيث وَلم يكن للشَّيْطَان فِيهِ حَظّ قطّ وانما الذى نَفَاهُ الْملك أَمر هُوَ فى الجبلات البشرية فأزيل الْقَابِل الذى لم يكن يلْزم من حُصُوله حُصُول الْقَذْف فى الْقلب قَالَ فان قلت فَلم خلق هَذَا الْقَابِل فى هَذِه الذَّات الشَّرِيفَة وَكَانَ يُمكن أَن لَا يخلق فِيهَا قلت لانها من جملَة الاجزاء الانسانية فخلقة تَكْمِلَة لِلْخلقِ الانسانى فلابد مِنْهُ ونزعه أَمر ربانى طَرَأَ بعده انْتهى كَلَام السبكى أَقُول يُعَارض هَذَا بختانه فخلقه تَكْمِلَة لِلْخلقِ الانسانى وَلَا شكّ ان بَقَاءَهُ على تِلْكَ الْفطْرَة الانسانية ثمَّ ازالتها بعد ذَلِك فِيهِ تَعْلِيم لِلْخلقِ باتباعه فان قلت ثمَّ فَارق وَهُوَ الْقَابِل الذى تُؤثر فِيهِ الوسوسة قلت الاكمل والاشرف عدم خلق الْقَابِل كَعَدم خلق القلفة وسلامته من الانزعاج الذى حصل لَهُ عِنْد شقّ الْملك صَدره خُصُوصا فى أَوَان سنّ الطفولية فالمسؤل خلاصكم للسبكى والخلاص من شباك سيدنَا السبكى ولمولانا مُنَاسبَة بِهَذَا الْفَنّ موروثه وفى الْبَقِيَّة دُرَر على طنافس الْفضل مبثوثه وَالسَّلَام فَأَجَابَهُ الطبرى مَوْلَانَا الذى اليه مطايا آمال الافاضل تزجى وَمن سحائب سَمَاء فَضله الغيوث المغدقة تؤمل وترجى فيهطل يواكف ترفع لتلقيه الاكف المبسوطه وتتألق عَن بارق يضئ بِهِ مظلم وَجه الارض البسيطه ويرعد بِمَا ينتجع اليه اذا سمع ثِقَة بوعده ويشرق بذكاء ذكاء أكسبت الْبَدْر سَاطِع ضيائه وطالع سعده ويرهف سمهرى الْقَلَم فى كَتِيبَة الْكِتَابَة بالمداد الاسود والاحمر ويرعف عضب اللِّسَان فى معرك المناظرة والمناضلة فنال مَا لم ينله اللدن الاسمر امام البلاغة رب الْكَلِمَات المصاغة دَامَت فرائد فَوَائده عقوداً للنحور واستمرت وطفاء غيثه ممدة للبحور وافى المشوق المشرف المدبج المفوف فوقفت لَهُ أَقْدَام الافهام حيارى وأضحت تالية وَترى النَّاس سكارى

стр. 1399

وَمَا هم بسكارى غير انها درأت مَا ألم بهَا بارتشاف سلسبيله واستضأت بمصباحه لسلوك سَوَاء سَبيله فَرَأَيْت بعد التَّكَلُّف فى التَّوْفِيق بَين عبارَة مَوْلَانَا وَبَين مُرَاده انه لَا مُعَارضَة بِمَا أَشَارَ اليه من ختان من منح الله تَعَالَى الْخلق باسعافه واسعاده أما أَولا فلانهم اخْتلفُوا فى أَنه هَل ولد مختونا أَو انه ختن بعد وِلَادَته وَقد قَالَ بِكُل من الْقَوْلَيْنِ طَائِفَة فَأَما على القَوْل الثانى فَلَا اعْتِرَاض بالمعارضة الْمَذْكُورَة واما على الاول فَالْكَلَام فى جُزْء من الْخلقَة البشرية من الاجزاء الشَّرِيفَة الَّتِى لَا تمكن الْحَيَاة بِدُونِهَا فى الْعَادة فانها هى المكملة للخلقة فى الْحَقِيقَة وَأما القلفة فهى كالاظفار والشعور مِمَّا لَا يَتَرَتَّب على وجوده مَا يَتَرَتَّب على مثل الْعلقَة المستكنة فى ذَلِك الْموضع بِالنِّسْبَةِ الى الْحَيَاة وَأَيْضًا الْكَلَام فِيمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الاحكام فان الْعلقَة حَيْثُ كَانَت مَحل وَسْوَسَة الشَّيْطَان فى الْبشر رُبمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ عدم الايمان عياذا بِاللَّه وَلَا كَذَلِك القلفة وَأَيْضًا خلق القلفة وازالتها بعد ذَلِك قد وَقع لغيره كابراهيم ﵇ فَلَو وجدت فِيهِ ثمَّ أزيلت لم يكن فى ذَلِك كَبِير مزية بِخِلَاف الشق الْمَذْكُور واخراج الْعلقَة الْمَذْكُورَة نعم يرد على كَلَام السبكى حَيْثُ قرر انه لم يكن للشَّيْطَان مِنْهُ حَظّ وان خلق الْعلقَة فِيهِ لتكميل الْخلق انه لَا معنى لازالتها بعد ذَلِك حَيْثُ لم تكن مِنْهُ مَظَنَّة لَهُ فَلَا يتم حِينَئِذٍ مَا قَرَّرَهُ على ذَلِك النمط هَذَا مالاح ودعا اليه داعى الْفَلاح قلت فِيهِ بعض مناقشة أما نَقله الِاخْتِلَاف فى كَونه ولد مختونا فَلم يكن اليه دَاع اذ الاشكال انما هُوَ وَارِد على مُقَابِله فَلَا معنى لنفى الِاعْتِرَاض وَدَعوى كَون الْعلقَة من الاجزاء الَّتِى لَا يُمكن بَقَاء الْحَيَاة بِدُونِهَا مَمْنُوعَة وَمَا أورد على كَلَام السبكى لَيْسَ بوارد عَلَيْهِ فان فى ازالتها مَعَ منع الشَّيْطَان عَنْهَا حِكْمَة هى قطع طمع وُصُوله اليه وَالله أعلم بِالصَّوَابِ وَلَقَد فحصت عَن وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة فَلم أظفر بهَا وَقد علم انه كَانَ فى سنة اثنتى عشرَة وَألف مَوْجُودا وَمَا عَاشَ بعْدهَا كثيرا رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن حسن الْمَعْرُوف بِابْن تركمان حسن التركمانى الاصل الدمشقى من أَعْيَان جند الشَّام وسراتهم وَكَانَ شجاعا عَاقِلا مهذبا حسن الاخلاق معاشرا سنحى النَّفس كَانَ وَالِده كتخدا الْجند الشامى وَسكن فى محلّة بَاب الْمصلى وَأَنْشَأَ دَارا عَظِيمَة وهى الْآن أكبر دَار بِدِمَشْق ورزق أَوْلَادًا كَثِيرَة وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة

стр. 1400

عينهم وأنبلهم وأوجههم صَار أَولا من آحَاد الْجند بِالشَّام واشتهر بالفروسية وينقل عَنهُ فِيهَا أَشْيَاء غَرِيبَة جدا مِنْهَا ان الْحَافِظ نَائِب الشَّام كَانَ قصد أَن يُمَيّز بَينه وَبَين كنعان الْكَبِير الْمَشْهُور بالفروسية والشجاعة فَخرج بهما الى ميدان الوادى الاخضر وَأمر أَن يوضع تَحت قدم كل وَاحِد مِنْهُمَا فَوق ركابه وَهُوَ رَاكب دِرْهَم وَأَمرهمَا بالسباق فَمَا برحا يتسابقان من بعيد الظّهْر الى قبيل الْغُرُوب ثمَّ استدناهما وَنظر الى الدرهمين فَوجدَ الذى كَانَ تَحت قدم كنعان قد وَقع والذى تَحت قدم مُحَمَّد بَاقِيا فى الْمَكَان الذى وضع فِيهِ فأنعم عَلَيْهِ وقربه وَبلغ من ثمَّ الشُّهْرَة الْبَالِغَة وَاخْتَلَطَ بالعقلاء وعاشر الْفُضَلَاء ثمَّ صَار بلو كباشى وَولى السردارية بِبَاب قاضى الْقُضَاة وخدم الْمولى مصطفى بن عزمى قاضى الْقُضَاة بِدِمَشْق وعاشره فاكتسب من آدابه ثمَّ سَافر مَعَ وَالِده الى بِلَاد الْعَجم فى زمن السُّلْطَان أَحْمد وَلما دارت رحى الْحَرْب بَين الْفَرِيقَيْنِ طرح بعض الاعاجم أَبَاهُ فخلصه مُحَمَّد مِنْهُ وَقتل عَدو وَالِده لكنه أُصِيب فى عينه بِسَهْم أَصَابَهُ وَاتفقَ لَهُ انه سَافر إِلَى روان فى بِلَاد الْعَجم أَيَّام السُّلْطَان مُرَاد فَوَقع لَهُ مَا وَقع لابيه وَقبض عَلَيْهِ بعض الاعجام فخلصه ثانى اولاده وأشجعهم مُوسَى الذى صَار آخرا أَمِير الْحَاج وسيأتى ذكره ان شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ رَجَعَ الى دمشق وَصَارَ كتخدا الْجند فى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَلما ولى حُكُومَة الشَّام عُثْمَان باشا جفتلر لى عَزله وحبسه فى قلعة دمشق ثمَّ اطلقه بشفاعة شيخ الاسلام مُحَمَّد البهائى قاضى الشَّام وَجعل لَهُ علوفة فى الخزينة الشامية ثمَّ صاريياً باشى وَعظم قدره بَين الْعَسْكَر وَصَارَ كَبِيرهمْ وَصَارَت أَوْلَاده كباشيه وأخواه يباباشيين وطنت حَصَاة شهرتهم فى الْآفَاق وَكَانُوا فى الْجُمْلَة زِينَة المواكب وَرُبمَا انهم كَانُوا مَعَ توابعهم ولواحقهم يقاربون ربع الْعَسْكَر وَسَار الى الْحَج سردارا سبع مَرَّات ثمَّ بعد ان قتل عبد السَّلَام السَّابِق ذكره تنزل عَن سموهُ وَانْفَرَدَ بَين الْعَسْكَر وَلم يبْق من أقرانه أحد وَأُصِيب بولدين كَانَا أَنْجَب أَوْلَاده وهما رَجَب وخضر وَأخذ مِنْهُ مَال كَانَ لزمَه من مَال المقاطعات الَّتِى بِيَدِهِ ونفدت جَمِيع عقاراته وأمواله وغدر بِهِ الزَّمَان فبقى منزويا الى أَن مَاتَ وَكَانَت وِلَادَته فى سنة أَربع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى فى سنة احدى وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير عِنْد أَبِيه تجاه دَارهم بِالْقربِ من الْمصلى الامام مُحَمَّد بن الْحسن بن الامام الْقَاسِم بن مُحَمَّد على قَالَ القاضى أَحْمد بن ابى

стр. 1401

الرِّجَال فى تَرْجَمته قَائِد الجحافل وَوَاحِد المحافل السُّلْطَان المسعود وانسان الاعلام الْمَحْمُود كَانَ سريا حولا قلبا حنكته التجازب وَعرف المصادر والموارد وصحبته السَّعَادَة فى الصغر وَالْكبر وَلم يزل حميدا فى الْحَالين واستمرت أَيَّامه على نمط وَاحِد غير مَا لابد مِنْهُ فى أَوَائِل الْعُمر من الْوُقُوف فى الْكتاب للْقِرَاءَة وَأما مذ اميطت عَنهُ التمائم فَمَا هُوَ الا مسود مقدم محفوف بالجنود والبنود تولى صعده ونواحيها وَمَا ذَر الشّعْر بعارضيه فحمدت سيرته واتصل بِهِ الْفُضَلَاء وفداليه الاخيار وَنكى الاعداء فى ذَلِك الاقليم على شراستهم وابائهم وغزا مغازى محمودة الاثر وَقَرَأَ فى اثناء هَذِه الْمدَّة أَكثر الْكتب الْمُعْتَمدَة على شُيُوخ كالقاضى أَحْمد بن يحيى بن حَابِس والفقيه صديق بن رسام السوادى وَمَا ترك من مهمات الْعُلُوم فَنًّا الا وابلغ جهده فى الطّلب وقيلت فِيهِ المدائح الغر أَيَّام اقامته بصعدة وَأَجَازَ الجوائز السنيات وَلما توفى وَالِده وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة يَوْمئِذٍ آيبا من زيارته الى عَمه الامام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقسم فَلَمَّا بلغ امام مَرضه نفذه الى جِهَة ضوران فَوَقفهُ فى الديار اليمنية مترددا بَين ضوران وذمار ثمَّ سكن مدينتى آب وذى جيله وَجمع جندا جرارا من وُجُوه الْعَسْكَر وكبراء الامراء من أَعْيَان دولة أَبِيه حَتَّى توفى الامام الْمُؤَيد فَدَعَا صَاحب التَّرْجَمَة الى مُحَمَّد الامام المتَوَكل على الله اسماعيل بن الْقسم وَسلم الامر طَوْعًا لَهُ على يَد أَخِيه السَّيِّد أَحْمد بن الْحسن وولاه الامام ولَايَة عظمى فى أقاليم وحصون ومدن فاستمر على خَال حميدة محفوفا بعساكر يضيق عَنْهَا الرحب فى رفاهية ودعة لما لَهُ من الاسعاد وَاسْتمرّ حَاله كَذَلِك على نمو وازدياد من حُدُود سنة أَربع وَخمسين الى سنة تسع وَسبعين وَكَانَ يَجْعَل شطر الاقامة بذمار واليمن الاسفل وشطرها بِصَنْعَاء كَمَا كَانَ يفعل طَاوس الْفَقِيه من الاقامة أَيَّام الشتَاء بالحبذ وَأَيَّام الرّبيع وَمَا وَرَاءَهَا بصنعا وَقَرَأَ فى هَذِه الْمدَّة الْمُتَأَخِّرَة تذكرة الْعَلامَة النحوى على عَلامَة الْيمن مُحَمَّد بن صَلَاح السلامى وكملها على أَحْمد بن سعيد الهبل وَقَرَأَ الْفُصُول اللؤلؤية على ابراهيم السحولى وَمن مؤلفاته سَبِيل الرشاد الى معرفَة رب الْعباد مُخْتَصر مُفِيد فى علم الْكَلَام وَشرح مرقاة الْوُصُول الى علم الاصول لجده الامام الْقَاسِم سَمَّاهُ بالتسهيل وَجَوَاب مَبْسُوط فى حَدِيث سَتَفْتَرِقُ أمتى سَأَلَهُ عَنهُ الْعَلامَة أَحْمد بن مطير الشافعى وفى سنة تسع وَسبعين طلع من الْيمن الى صنعاء وصادف قدوم عَمه الامام اسمعيل من شهارة مُتَوَجها الى ضوران

стр. 1402

فامتلأت الساحات بالخلائق وامتلأت الْقُلُوب بالمسرة فَمَا كَانَ أسْرع من ان أَصَابَهُ ألم أَحْسبهُ ذَات الْجنب وَاخْتَارَ الله لَهُ جواره بداره بدرب السلاطين من أَعمال الرَّوْضَة فى الثُّلُث الاول من لَيْلَة الْخَمِيس ثامن عشر شهر ربيع الاول سنة تسع وَسبعين وَألف فَاجْتمع السادات بداره والامام هُنَالك وَدفن بِقرب دَاره وَكَانَ الْخطب جسيما لَوْلَا حُضُور الامام فانه جبر الخواطر واشتغل بصلاح شَأْن أَوْلَاده وَعرض عَلَيْهِم الْولَايَة وحاول أَن أَخَاهُ السَّيِّد أَحْمد بن الْحسن يلم الشعث ويحفظ الْبِلَاد والجند فعف عَن الْبِلَاد قبل أَن يعرف الامام قدرهَا فَتَأَخر عَن الْجَمِيع وبقى أَوْلَاد مُحَمَّد بن الْحسن وهما يحيى واسمعيل بعد أَن بعد صيتهما وذكرا فى النَّاس ذكر آبائهما وَقد كَانَا توليا ولايات من والدهمافلذلك كَانَ مقامهما قد كبر فَاخْتَارَ الله ليحيى جواره وَكَانَ قد ناهز الاشد وَمهر فى علم الطِّبّ خُصُوصا وَلما مَاتَ بقى فى يَد أَخِيه اسمعيل جِهَة العدين من مخلاف جَعْفَر فَتوجه اليها عَن امْر الامام فَلم يصل اليها الا وَقد ألم بِهِ الالم وَتوفى فى مذيخرة فَكَانَ ذَلِك أنكى للقلوب وأبكى للعيون فسبحان من لَهُ الْبَقَاء والدوام وَلما كَانَ ذَلِك كَذَلِك أوت العساكر الى أَخِيه احْمَد بن الْحسن وَأَعْطَاهُ الامام الى بِلَاده بلادا فاستوثق الامر وانتظم ونظمت فى صَاحب التَّرْجَمَة المراثى البليغة ووصلت التعازى الى الامام من مَكَّة وَمِمَّنْ رثاه وَلَده اسمعيل وَذكر فى مرثيته الْحَال وَذكر صنوه يحيى وَمَا أجد أوقع فى النُّفُوس مِنْهَا لانها عين الْحَقِيقَة وَلَا كلفة فِيهَا وَعَلَيْهَا مسحة الْحزن وَرب شَاعِر يشْعر ويجيد وَلَا نجد تِلْكَ المسحة على غَيرهَا من مرثية أَو موعظة أَو غزل وَأما هَذِه فَانْظُر بقلبك وهى (هَل أقَال الْمَوْت ذَا حذره ... سَاعَة عِنْد انتها عمره) (أَو ترَاخى عَن كحيل رنا ... فاق كل الغيد فى حوره) (أَو رثى يَوْمًا لمرضعة ... طفلها مَا دب فى حجره) (أَو ترَاهُ هائبا ملكا ... صائلا قد عز فى نفره) (أَو تناسى من لَهُ نظر ... تصدر الاشياء عَن نظره) (أَو تحامى روح سيدنَا ... مصطفى الرَّحْمَن فى بشره) (وأبى السبطين حيدرة ... وكبار الْآل من عتره) (بل دهى من كَانَ منتظرا ... قربه أَو غير منتظره) (وسقاه كأس سطوته ... مدهقا من كف مقتدره)

стр. 1403

(مَا ترى عَن الانام ثوى ... حُفْرَة اذ آب من سَفَره) (لم يقم فى قصره زَمنا ... غير وَقت زَاد فى قصره) (بعد مَا قد كَانَ عزته ... ترشد السارى الى وطره) (وندى كفيه منهمرا ... مذهلا للروض عَن مطره) (كَانَ طودا لَا يحركه ... أى خطب جلّ فى خطره) (كَانَ بحرا طالما الْتقط الطَّالِب الْمُحْتَاج من درره ... ) (شادركن الدّين ملتمسا ... لرضى الرَّحْمَن من صغره) (وحوى الدُّنْيَا وديدنه ... طلب الاخرى الى كبره) (فسقى الرَّحْمَن تربته ... صيبا ينهل فى سحره) (وعماد الدّين أزعجه ... بعده يَغْدُو على أَثَره) (لم ينل فى الْعُمر بغيته ... لَا وَلَا أفْضى الى وطره) (لم يذقْ فى دهره أبدا ... صفو عَيْش صين عَن كدره) (مَا أرَاهُ الدَّهْر مطلبه ... ليته أخلاه من غَيره) (رحم الرَّحْمَن مصرعه ... ووقاه الْحر من سقره) (كَيفَ أنسى شمس مفخرنا ... وَأرى السلوان عَن قمره) (فهما قد أضرّ مَا لهبا ... فى فؤادى طَار من شرره) (وأسالا مدمعا بخلت ... أدمعى دهرا بمهمره) (لَا أفى يَوْمًا بحقهما ... لَو أسلت الرّوح عَن قطره) (غير أَن الصَّبْر شِيمَة من ... صوب الرَّحْمَن فى قدره) (لينال الاجر مِنْهُ اذا ... ذاق طعم الصاب من صبره) (نسْأَل الرَّحْمَن خَاتِمَة ... بِرِضا الرَّحْمَن فى صَدره) ورثاه الشَّيْخ البليغ صارم الدّين ابراهيم الهندى المهتدى بقصيدة فجيمة مِنْهَا (قضى الفخار فَلَا عين وَلَا أثر ... واحلو لَك الْخطب لَا شمس وَلَا قمر) (أمهبط الوحى مَا هَذَا الذى صنعت ... يَد الْقَضَاء وماذا أحدث الْقدر) (وَمَا الذى مادت الدُّنْيَا لصدمته ... تفجعا وتوارى النَّجْم وَالشَّجر) (وَمَا الذى مِنْهُ ماج الْكَوْن واضطربت ... لَهُ الْجبَال وريع الرَّاد وَالسحر) (وَمَا الذى جزر الْبَحْر الكهام لَهُ ... واستشعر الْحَشْر مِنْهُ البدو والحضر)

стр. 1404

(ياناعى الْجُود وَالْمجد الاثيل صه ... مَاذَا زعمت لفيك للترب وَالْحجر) (أفق فان جنَاح الْجَيْش منخفض ... مِمَّا ذكرت وقلب الْملك منكسر) (مهلا رويدك فِيمَا قد صدعت بِهِ ... دهياء يذهب مِنْهَا السّمع وَالْبَصَر) (مَاتَ الامام أيو يحيى وحسبك من ... رزية تتحامى حرهَا سقر) (مَاتَ الذى كَانَ للوراد منتجعا ... وللعفاة اذا مَا أخلف الْمَطَر) (مَاتَ المليك الذى كَانَت موارده ... للورادين عذَابا مابها كدر) (هدت مبانى المعالى يَوْم مصرعه ... ومربع الْمجد والعلياء مندمر) (وأقلعت يَا لعمرى من أنامله ... سحب شآبيبها الابريز والبدر) (وغاض بَحر عُلُوم مِنْهُ كم حفظت ... مسَائِل هن فى جيد العلى دُرَر) (وَكَانَ فى صَدره حلم يحقر مَا ... يجى المسئ وَلَكِن لات يقْتَصر) (من للرعيل وللبخيل الْعتاق وَمن ... يزهو لَدَيْهِ بهَا التحجيل وَالْغرر) وَمِنْهَا (لم أنس نعشا لَهُ أمست تشيعه الافلاك والشهب والاملاك والبشر ... ) (وَمن دُعَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ لَهُ ... وَسِيلَة وهى الزلفاء وَالظفر) (طود تحمله ظهر السرير وَمَا ... تحملت جبلا من قبله السرر) مِنْهَا (يَا أَيهَا الْملك الْمولى الْخَلِيفَة يَا ... من بقاه لنا المأمول والوطر) (تعز فى عز دين الله سَيْفك من ... كَانَت بِهِ تزهر الآصال وَالْبكْر) (وآس فِيهِ أَخَاهُ الاحمدى وَقل ... يَا أَحْمد الْقَوْم أَنْت الصارم الذّكر) (وَشد أزر عماد الدّين خير فَتى ... لَهُ مخائل فضل كلهَا غر) (وآس أَيْضا ضِيَاء المكرمات تَجِد ... مهذبا طَابَ من الْخَبَر وَالْخَبَر) مُحَمَّد بن حسن بن على بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِالْحرِّ العاملى الشامى الاديب الْمَشْهُور ذكره ابْن مَعْصُوم فى السلافة فَقَالَ فى حَقه لَهُ شعر يستلب نهى الْعُقُول بسحره وَيحل من الْبَيَان بَين صَدره ونحره فَهُوَ أرق من خصر هيفاء مجدولة وادق وأصفى من صهباء يشعشعها اغن ذُو مقلة مكحولة الحدق قدم مَكَّة فى سنة سبع أَو ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف وفى الثَّانِيَة مِنْهُمَا قتلت الاتراك بِمَكَّة جمَاعَة من الْعَجم لما اتهموهم بتلويث الْبَيْت الشريف حِين وجد ملوثا بالعذرة وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة قد أَنْذرهُمْ قبل الْوَاقِعَة بيومين وَأمرهمْ بِلُزُوم بُيُوتهم لمعرفته على مَا زَعَمُوا بالرمل فَلَمَّا حصلت المقتلة فيهم خَافَ على نَفسه فالتجأ الى السَّيِّد مُوسَى بن سُلَيْمَان أحد أَشْرَاف مَكَّة

стр. 1405

الحسنيين وَسَأَلَهُ أَن يُخرجهُ من مَكَّة الى نواحى الْيمن فَأخْرجهُ مَعَ أحد رِجَاله اليها قلت وَهَذِه الْقِصَّة الَّتِى قد ذكرهَا أفضح فضيحة وَمَا أَظن أَن أحدا مِمَّن فِيهِ شمة من الاسلام بل فِيهِ شمة من الْعقل يجترى على مثلهَا وحاصلها أَن بعض سدنة الْبَيْت شرفه الله تَعَالَى اطلع على التلويث فأشاع الْخَبَر وَكثر اللَّغط بِسَبَب ذَلِك وَاجْتمعَ خَاصَّة أهل مَكَّة وشريفها الشريف بَرَكَات وقاضيها مُحَمَّد ميرزا وتفاوضوا فى هَذَا الامر فانقدح فى خواطرهم ان يكون هَذَا التجرى من الرفضة وجزموا بِهِ وأشاروا فِيمَا بَينهم أَن يقتل كل من وجد مِمَّن اشْتهر عَنهُ الرَّفْض ووسم بِهِ فجَاء الاتراك وَبَعض أهل مَكَّة الى الْحرم فصادفوا خَمْسَة أَنْفَار من الْقَوْم وَفِيهِمْ السَّيِّد مُحَمَّد مُؤمن وَكَانَ كَمَا أخْبرت بِهِ رجلا مسنا متعبدا متزهدا الا أَنه مَعْرُوف بالتشيع فَقَتَلُوهُ وَقتلُوا الاربع الاخر وَفَشَا الْخَبَر فاختفى الْقَوْم المعروفون بأجمعهم وَوَقع التفتيش على بعض المتعينين مِنْهُم وَمِنْهُم صَاحب التَّرْجَمَة فالتجأوا الى الاشراف ونجوا وَرَأَيْت بِخَط بعض الْفُضَلَاء أَن صَاحب التَّرْجَمَة رَجَعَ بعد الْقِصَّة الى الْعَجم وَأنْشد لَهُ من شعره قَوْله (فضل الْفَتى بالجود والاحسان ... والجود خير الْوَصْف للانسان) (أَو لَيْسَ ابراهيم لما أَصبَحت ... أَمْوَاله وَقفا على الضيفان) (حَتَّى اذا أفنى اللهى أَخذ ابْنه ... فسخا بِهِ للذبح والقربان) (ثمَّ ابْتغى النمرود احراقا لَهُ ... فسخا بمهجته على النيرَان) (بِالْمَالِ جاد وبابنه وبنفسه ... وبقلبه للْوَاحِد الديَّان) (أضحى خَلِيل الله ﷻ ... ناهيك فضلا خلة الرَّحْمَن) (صَحَّ الحَدِيث بِهِ فيالك رُتْبَة ... تعلو بأخمصها على التيجان) أصل هَذَا حَدِيث قدسى رَوَاهُ أَبُو الْحسن المسعودى فى أَخْبَار الزَّمَان قَالَ ان الله أوحى الى ابراهيم ﵇ انك لما سلمت مَالك للضيفان وولدك للقربان ونفسك للنيران وقلبك للرحمن اتخذناك خَلِيلًا وَمن شعره قَوْله (يراكم بِعَين الشوق قلبى على النَّوَى ... فيحسده طرفى فتنهل أدمعى) (ويحسد قلبى مسمعى عِنْد ذكركُمْ ... فتذكو حرارات الجوى بَين أضلعى) وَقَوله موريا بلقبه (قلت لما لجئت فى هجود هر ... بذلك الْجهد فى احتفاظ الجهول) (كَيفَ لَا أشتكى صروف زمَان ... ترك الحسر فى زَوَايَا المخول)
следующие страницы →