Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
الرِّجَال فى تَرْجَمته قَائِد الجحافل وَوَاحِد المحافل السُّلْطَان المسعود وانسان الاعلام الْمَحْمُود كَانَ سريا حولا قلبا حنكته التجازب وَعرف المصادر والموارد وصحبته السَّعَادَة فى الصغر وَالْكبر وَلم يزل حميدا فى الْحَالين واستمرت أَيَّامه على نمط وَاحِد غير مَا لابد مِنْهُ فى أَوَائِل الْعُمر من الْوُقُوف فى الْكتاب للْقِرَاءَة وَأما مذ اميطت عَنهُ التمائم فَمَا هُوَ الا مسود مقدم محفوف بالجنود والبنود تولى صعده ونواحيها وَمَا ذَر الشّعْر بعارضيه فحمدت سيرته واتصل بِهِ الْفُضَلَاء وفداليه الاخيار وَنكى الاعداء فى ذَلِك الاقليم على شراستهم وابائهم وغزا مغازى محمودة الاثر وَقَرَأَ فى اثناء هَذِه الْمدَّة أَكثر الْكتب الْمُعْتَمدَة على شُيُوخ كالقاضى أَحْمد بن يحيى بن حَابِس والفقيه صديق بن رسام السوادى وَمَا ترك من مهمات الْعُلُوم فَنًّا الا وابلغ جهده فى الطّلب وقيلت فِيهِ المدائح الغر أَيَّام اقامته بصعدة وَأَجَازَ الجوائز السنيات وَلما توفى وَالِده وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة يَوْمئِذٍ آيبا من زيارته الى عَمه الامام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقسم فَلَمَّا بلغ امام مَرضه نفذه الى جِهَة ضوران فَوَقفهُ فى الديار اليمنية مترددا بَين ضوران وذمار ثمَّ سكن مدينتى آب وذى جيله وَجمع جندا جرارا من وُجُوه الْعَسْكَر وكبراء الامراء من أَعْيَان دولة أَبِيه حَتَّى توفى الامام الْمُؤَيد فَدَعَا صَاحب التَّرْجَمَة الى مُحَمَّد الامام المتَوَكل على الله اسماعيل بن الْقسم وَسلم الامر طَوْعًا لَهُ على يَد أَخِيه السَّيِّد أَحْمد بن الْحسن وولاه الامام ولَايَة عظمى فى أقاليم وحصون ومدن فاستمر على خَال حميدة محفوفا بعساكر يضيق عَنْهَا الرحب فى رفاهية ودعة لما لَهُ من الاسعاد وَاسْتمرّ حَاله كَذَلِك على نمو وازدياد من حُدُود سنة أَربع وَخمسين الى سنة تسع وَسبعين وَكَانَ يَجْعَل شطر الاقامة بذمار واليمن الاسفل وشطرها بِصَنْعَاء كَمَا كَانَ يفعل طَاوس الْفَقِيه من الاقامة أَيَّام الشتَاء بالحبذ وَأَيَّام الرّبيع وَمَا وَرَاءَهَا بصنعا وَقَرَأَ فى هَذِه الْمدَّة الْمُتَأَخِّرَة تذكرة الْعَلامَة النحوى على عَلامَة الْيمن مُحَمَّد بن صَلَاح السلامى وكملها على أَحْمد بن سعيد الهبل وَقَرَأَ الْفُصُول اللؤلؤية على ابراهيم السحولى وَمن مؤلفاته سَبِيل الرشاد الى معرفَة رب الْعباد مُخْتَصر مُفِيد فى علم الْكَلَام وَشرح مرقاة الْوُصُول الى علم الاصول لجده الامام الْقَاسِم سَمَّاهُ بالتسهيل وَجَوَاب مَبْسُوط فى حَدِيث سَتَفْتَرِقُ أمتى سَأَلَهُ عَنهُ الْعَلامَة أَحْمد بن مطير الشافعى وفى سنة تسع وَسبعين طلع من الْيمن الى صنعاء وصادف قدوم عَمه الامام اسمعيل من شهارة مُتَوَجها الى ضوران
стр. 1402
فامتلأت الساحات بالخلائق وامتلأت الْقُلُوب بالمسرة فَمَا كَانَ أسْرع من ان أَصَابَهُ ألم أَحْسبهُ ذَات الْجنب وَاخْتَارَ الله لَهُ جواره بداره بدرب السلاطين من أَعمال الرَّوْضَة فى الثُّلُث الاول من لَيْلَة الْخَمِيس ثامن عشر شهر ربيع الاول سنة تسع وَسبعين وَألف فَاجْتمع السادات بداره والامام هُنَالك وَدفن بِقرب دَاره وَكَانَ الْخطب جسيما لَوْلَا حُضُور الامام فانه جبر الخواطر واشتغل بصلاح شَأْن أَوْلَاده وَعرض عَلَيْهِم الْولَايَة وحاول أَن أَخَاهُ السَّيِّد أَحْمد بن الْحسن يلم الشعث ويحفظ الْبِلَاد والجند فعف عَن الْبِلَاد قبل أَن يعرف الامام قدرهَا فَتَأَخر عَن الْجَمِيع وبقى أَوْلَاد مُحَمَّد بن الْحسن وهما يحيى واسمعيل بعد أَن بعد صيتهما وذكرا فى النَّاس ذكر آبائهما وَقد كَانَا توليا ولايات من والدهمافلذلك كَانَ مقامهما قد كبر فَاخْتَارَ الله ليحيى جواره وَكَانَ قد ناهز الاشد وَمهر فى علم الطِّبّ خُصُوصا وَلما مَاتَ بقى فى يَد أَخِيه اسمعيل جِهَة العدين من مخلاف جَعْفَر فَتوجه اليها عَن امْر الامام فَلم يصل اليها الا وَقد ألم بِهِ الالم وَتوفى فى مذيخرة فَكَانَ ذَلِك أنكى للقلوب وأبكى للعيون فسبحان من لَهُ الْبَقَاء والدوام وَلما كَانَ ذَلِك كَذَلِك أوت العساكر الى أَخِيه احْمَد بن الْحسن وَأَعْطَاهُ الامام الى بِلَاده بلادا فاستوثق الامر وانتظم ونظمت فى صَاحب التَّرْجَمَة المراثى البليغة ووصلت التعازى الى الامام من مَكَّة وَمِمَّنْ رثاه وَلَده اسمعيل وَذكر فى مرثيته الْحَال وَذكر صنوه يحيى وَمَا أجد أوقع فى النُّفُوس مِنْهَا لانها عين الْحَقِيقَة وَلَا كلفة فِيهَا وَعَلَيْهَا مسحة الْحزن وَرب شَاعِر يشْعر ويجيد وَلَا نجد تِلْكَ المسحة على غَيرهَا من مرثية أَو موعظة أَو غزل وَأما هَذِه فَانْظُر بقلبك وهى
(هَل أقَال الْمَوْت ذَا حذره ... سَاعَة عِنْد انتها عمره)
(أَو ترَاخى عَن كحيل رنا ... فاق كل الغيد فى حوره)
(أَو رثى يَوْمًا لمرضعة ... طفلها مَا دب فى حجره)
(أَو ترَاهُ هائبا ملكا ... صائلا قد عز فى نفره)
(أَو تناسى من لَهُ نظر ... تصدر الاشياء عَن نظره)
(أَو تحامى روح سيدنَا ... مصطفى الرَّحْمَن فى بشره)
(وأبى السبطين حيدرة ... وكبار الْآل من عتره)
(بل دهى من كَانَ منتظرا ... قربه أَو غير منتظره)
(وسقاه كأس سطوته ... مدهقا من كف مقتدره)
стр. 1403
(مَا ترى عَن الانام ثوى ... حُفْرَة اذ آب من سَفَره)
(لم يقم فى قصره زَمنا ... غير وَقت زَاد فى قصره)
(بعد مَا قد كَانَ عزته ... ترشد السارى الى وطره)
(وندى كفيه منهمرا ... مذهلا للروض عَن مطره)
(كَانَ طودا لَا يحركه ... أى خطب جلّ فى خطره)
(كَانَ بحرا طالما الْتقط الطَّالِب الْمُحْتَاج من درره ... )
(شادركن الدّين ملتمسا ... لرضى الرَّحْمَن من صغره)
(وحوى الدُّنْيَا وديدنه ... طلب الاخرى الى كبره)
(فسقى الرَّحْمَن تربته ... صيبا ينهل فى سحره)
(وعماد الدّين أزعجه ... بعده يَغْدُو على أَثَره)
(لم ينل فى الْعُمر بغيته ... لَا وَلَا أفْضى الى وطره)
(لم يذقْ فى دهره أبدا ... صفو عَيْش صين عَن كدره)
(مَا أرَاهُ الدَّهْر مطلبه ... ليته أخلاه من غَيره)
(رحم الرَّحْمَن مصرعه ... ووقاه الْحر من سقره)
(كَيفَ أنسى شمس مفخرنا ... وَأرى السلوان عَن قمره)
(فهما قد أضرّ مَا لهبا ... فى فؤادى طَار من شرره)
(وأسالا مدمعا بخلت ... أدمعى دهرا بمهمره)
(لَا أفى يَوْمًا بحقهما ... لَو أسلت الرّوح عَن قطره)
(غير أَن الصَّبْر شِيمَة من ... صوب الرَّحْمَن فى قدره)
(لينال الاجر مِنْهُ اذا ... ذاق طعم الصاب من صبره)
(نسْأَل الرَّحْمَن خَاتِمَة ... بِرِضا الرَّحْمَن فى صَدره)
ورثاه الشَّيْخ البليغ صارم الدّين ابراهيم الهندى المهتدى بقصيدة فجيمة مِنْهَا
(قضى الفخار فَلَا عين وَلَا أثر ... واحلو لَك الْخطب لَا شمس وَلَا قمر)
(أمهبط الوحى مَا هَذَا الذى صنعت ... يَد الْقَضَاء وماذا أحدث الْقدر)
(وَمَا الذى مادت الدُّنْيَا لصدمته ... تفجعا وتوارى النَّجْم وَالشَّجر)
(وَمَا الذى مِنْهُ ماج الْكَوْن واضطربت ... لَهُ الْجبَال وريع الرَّاد وَالسحر)
(وَمَا الذى جزر الْبَحْر الكهام لَهُ ... واستشعر الْحَشْر مِنْهُ البدو والحضر)
стр. 1404
(ياناعى الْجُود وَالْمجد الاثيل صه ... مَاذَا زعمت لفيك للترب وَالْحجر)
(أفق فان جنَاح الْجَيْش منخفض ... مِمَّا ذكرت وقلب الْملك منكسر)
(مهلا رويدك فِيمَا قد صدعت بِهِ ... دهياء يذهب مِنْهَا السّمع وَالْبَصَر)
(مَاتَ الامام أيو يحيى وحسبك من ... رزية تتحامى حرهَا سقر)
(مَاتَ الذى كَانَ للوراد منتجعا ... وللعفاة اذا مَا أخلف الْمَطَر)
(مَاتَ المليك الذى كَانَت موارده ... للورادين عذَابا مابها كدر)
(هدت مبانى المعالى يَوْم مصرعه ... ومربع الْمجد والعلياء مندمر)
(وأقلعت يَا لعمرى من أنامله ... سحب شآبيبها الابريز والبدر)
(وغاض بَحر عُلُوم مِنْهُ كم حفظت ... مسَائِل هن فى جيد العلى دُرَر)
(وَكَانَ فى صَدره حلم يحقر مَا ... يجى المسئ وَلَكِن لات يقْتَصر)
(من للرعيل وللبخيل الْعتاق وَمن ... يزهو لَدَيْهِ بهَا التحجيل وَالْغرر)
وَمِنْهَا
(لم أنس نعشا لَهُ أمست تشيعه الافلاك والشهب والاملاك والبشر ... )
(وَمن دُعَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ لَهُ ... وَسِيلَة وهى الزلفاء وَالظفر)
(طود تحمله ظهر السرير وَمَا ... تحملت جبلا من قبله السرر)
مِنْهَا
(يَا أَيهَا الْملك الْمولى الْخَلِيفَة يَا ... من بقاه لنا المأمول والوطر)
(تعز فى عز دين الله سَيْفك من ... كَانَت بِهِ تزهر الآصال وَالْبكْر)
(وآس فِيهِ أَخَاهُ الاحمدى وَقل ... يَا أَحْمد الْقَوْم أَنْت الصارم الذّكر)
(وَشد أزر عماد الدّين خير فَتى ... لَهُ مخائل فضل كلهَا غر)
(وآس أَيْضا ضِيَاء المكرمات تَجِد ... مهذبا طَابَ من الْخَبَر وَالْخَبَر)
مُحَمَّد بن حسن بن على بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِالْحرِّ العاملى الشامى الاديب الْمَشْهُور ذكره ابْن مَعْصُوم فى السلافة فَقَالَ فى حَقه لَهُ شعر يستلب نهى الْعُقُول بسحره وَيحل من الْبَيَان بَين صَدره ونحره فَهُوَ أرق من خصر هيفاء مجدولة وادق وأصفى من صهباء يشعشعها اغن ذُو مقلة مكحولة الحدق قدم مَكَّة فى سنة سبع أَو ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف وفى الثَّانِيَة مِنْهُمَا قتلت الاتراك بِمَكَّة جمَاعَة من الْعَجم لما اتهموهم بتلويث الْبَيْت الشريف حِين وجد ملوثا بالعذرة وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة قد أَنْذرهُمْ قبل الْوَاقِعَة بيومين وَأمرهمْ بِلُزُوم بُيُوتهم لمعرفته على مَا زَعَمُوا بالرمل فَلَمَّا حصلت المقتلة فيهم خَافَ على نَفسه فالتجأ الى السَّيِّد مُوسَى بن سُلَيْمَان أحد أَشْرَاف مَكَّة
стр. 1405
الحسنيين وَسَأَلَهُ أَن يُخرجهُ من مَكَّة الى نواحى الْيمن فَأخْرجهُ مَعَ أحد رِجَاله اليها قلت وَهَذِه الْقِصَّة الَّتِى قد ذكرهَا أفضح فضيحة وَمَا أَظن أَن أحدا مِمَّن فِيهِ شمة من الاسلام بل فِيهِ شمة من الْعقل يجترى على مثلهَا وحاصلها أَن بعض سدنة الْبَيْت شرفه الله تَعَالَى اطلع على التلويث فأشاع الْخَبَر وَكثر اللَّغط بِسَبَب ذَلِك وَاجْتمعَ خَاصَّة أهل مَكَّة وشريفها الشريف بَرَكَات وقاضيها مُحَمَّد ميرزا وتفاوضوا فى هَذَا الامر فانقدح فى خواطرهم ان يكون هَذَا التجرى من الرفضة وجزموا بِهِ وأشاروا فِيمَا بَينهم أَن يقتل كل من وجد مِمَّن اشْتهر عَنهُ الرَّفْض ووسم بِهِ فجَاء الاتراك وَبَعض أهل مَكَّة الى الْحرم فصادفوا خَمْسَة أَنْفَار من الْقَوْم وَفِيهِمْ السَّيِّد مُحَمَّد مُؤمن وَكَانَ كَمَا أخْبرت بِهِ رجلا مسنا متعبدا متزهدا الا أَنه مَعْرُوف بالتشيع فَقَتَلُوهُ وَقتلُوا الاربع الاخر وَفَشَا الْخَبَر فاختفى الْقَوْم المعروفون بأجمعهم وَوَقع التفتيش على بعض المتعينين مِنْهُم وَمِنْهُم صَاحب التَّرْجَمَة فالتجأوا الى الاشراف ونجوا وَرَأَيْت بِخَط بعض الْفُضَلَاء أَن صَاحب التَّرْجَمَة رَجَعَ بعد الْقِصَّة الى الْعَجم وَأنْشد لَهُ من شعره قَوْله
(فضل الْفَتى بالجود والاحسان ... والجود خير الْوَصْف للانسان)
(أَو لَيْسَ ابراهيم لما أَصبَحت ... أَمْوَاله وَقفا على الضيفان)
(حَتَّى اذا أفنى اللهى أَخذ ابْنه ... فسخا بِهِ للذبح والقربان)
(ثمَّ ابْتغى النمرود احراقا لَهُ ... فسخا بمهجته على النيرَان)
(بِالْمَالِ جاد وبابنه وبنفسه ... وبقلبه للْوَاحِد الديَّان)
(أضحى خَلِيل الله ﷻ ... ناهيك فضلا خلة الرَّحْمَن)
(صَحَّ الحَدِيث بِهِ فيالك رُتْبَة ... تعلو بأخمصها على التيجان)
أصل هَذَا حَدِيث قدسى رَوَاهُ أَبُو الْحسن المسعودى فى أَخْبَار الزَّمَان قَالَ ان الله أوحى الى ابراهيم ﵇ انك لما سلمت مَالك للضيفان وولدك للقربان ونفسك للنيران وقلبك للرحمن اتخذناك خَلِيلًا وَمن شعره قَوْله
(يراكم بِعَين الشوق قلبى على النَّوَى ... فيحسده طرفى فتنهل أدمعى)
(ويحسد قلبى مسمعى عِنْد ذكركُمْ ... فتذكو حرارات الجوى بَين أضلعى)
وَقَوله موريا بلقبه
(قلت لما لجئت فى هجود هر ... بذلك الْجهد فى احتفاظ الجهول)
(كَيفَ لَا أشتكى صروف زمَان ... ترك الحسر فى زَوَايَا المخول)
стр. 1406
قلت للشعراء الْمُتَقَدِّمين أشعار كَثِيرَة تتَعَلَّق بِأَسْمَائِهِمْ وألقابهم من ذَلِك قَول السراج الْوراق
(بنى اقْتدى بِالْكتاب الْعَزِيز ... فَزَاد سُرُورًا وزدت ابتهاجا)
(فَمَا قَالَ لى أُفٍّ فى عمره ... لكونى أَبَا ولكونى سِرَاجًا)
وَقَول الشهَاب الخفاجى
(قَالُوا نرَاك سَقَطت من رتب ... أَتَرَى الزَّمَان بِمثل ذَا غَلطا)
(قلت الشَّيَاطِين اللئام علوا ... وَلذَا الشهَاب من العلى سقطا)
وَرَأَيْت للْحرّ هَذِه الابيات وفيهَا لُزُوم مَالا يلْزم فأثبتها لَهُ وهى
(لَاحَ وَجه من ربع ليلى جميل ... وركاب الركاب والركب ميل)
(بَعْدَمَا كَاد أَن يلم بِنَا الْيَأْس فَزَاد الرَّجَاء والتأميل ... )
(وظننا الحبيب لَاحَ وَقُلْنَا ... ذَاك مَا تشْتَهى النُّفُوس فَمِيلُوا)
(ذَلِك السؤل والهوى والامانى ... للبرايا وَالْقَصْد والمأمول)
(حدثونا فَذا حَدِيث عَجِيب ... حسن مُجمل رَوَاهُ جميل)
(كل دمع فرض على كل عين ... وعَلى العيس وخدها والزميل)
(ثمَّ ملنا الى ربيع ربوع ... نَحْوهَا أنفس الجماد تميل)
(وَكَأن السهاد للْقَوْم كحل ... وَكَانَ الطَّرِيق للْقَوْم ميل)
(بى نقص من الْكَمَال وَمِنْهُم ... للمحب التتميم والتكميل)
(كل حى فى ذَلِك الحى نشوان هوى وَهُوَ عَامل مَعْمُول ... )
(عمهم يَا ابْن عمى من ألم الْحبّ عُمُوم من الْهوى وشمول ... )
(كلهم عاشق يمِيل ومعشوق أمالته من هَوَاهُ شُمُول)
(كل شخص مِنْهُم بدا قلت هَذَا ... مستمال فى الْحبّ بل مستميل)
(كل من مَاتَ فى الْهوى اكسبوه ... شهرة لَيْسَ يعتريها خمول)
(من رَآهُمْ فى النّوم أَو يقظة هام وأضحى ودمعه مهمول ... )
(جنَّة قد تجمعت فى حماها ... شهوات النُّفُوس والمأمول)
(كم بِتِلْكَ المحامل استأسروا قلبا غَدا وَهُوَ فى الْحمال حميل ... )
(حملوه وَحَمَلُوهُ البلايا ... فى الْهوى فَهُوَ حَامِل مَحْمُول)
(بعدوا بالحمول عَنَّا فَلم تبْق احْتِمَالا للقرب تِلْكَ الحمول ... )
стр. 1407
وَقَوله
(وغانية شكل الْعَرُوس بوجهها ... يُقيم عَلَيْهَا لحظها كل برهَان)
(يبين خداها لنا باشارة ... الى رَابِع الاشكال أوضح تبيان)
(بسالفها مَعَ حاجبيها بَدَت لنا ... براهين أشكال تُشِير الى الثانى)
(وحاجبها لِلْحسنِ شكل متمم ... فيا ليته مقرون حسن باحسان)
وَقَوله
(قد كنت أستنشق من مطلكم ... عرف شذا خيبة آمالى)
(فَالْآن قد بَان بتصريحكم ... انى لنيران الجفا صالى)
(انى رَأَيْت الْيَأْس عزا وفى ... كل رَجَاء نوع اذلال)
(رجاؤكم غل وَهَا أَنْتُم ... أطلقتم عَنى أغلالي)
(وَالْمَال ظلّ حَائِل زائل ... لَا دردر الْجَامِع المَال)
(فى مَذْهَب المجدودين العلى ... سيان اكثارى واقل الى)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بِالْيمن أَو الْعَجم فى سنة تسع وَسبعين وَألف
مُحَمَّد بن حسن القسطمونى الاصل القسطنطينى المولد الْمَعْرُوف بِحسن زَاده أحد أفاضل موالى الرّوم ثمَّ أَخذ طَرِيق مَوْلَانَا خدا وندكار وَصَارَ شَيخا بزاويتهم بِالْقَاهِرَةِ كَانَ من السراة النحارير وَله شهرة بِالْفَضْلِ طنانة وَكَانَ شَاعِرًا بليغا لَهُ بالتركية أشعار كَثِيرَة ونظم الشّعْر العربى وَله مخلص على طَريقَة شعراء الرّوم وَهُوَ شفائى نَشأ فى تربية أَبِيه وَكَانَ أَبوهُ فى الذرْوَة الْعَالِيَة من الْعلم وَهُوَ أستاذ الاستاذين أَخذ عَنهُ كثير من الْعلمَاء وَمِنْهُم وَلَده هَذَا وَبِه برع واشتهر صيته من حِين بلغ الْحلم ثمَّ لَازم من شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا وَأخذ طَرِيق الخلوتية عَن الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد الْمجِيد السيواسى ولازمه مُدَّة وَحكى عَن السيواسى انه قَالَ سَوف يحصل لهَذَا وعناه فيض فى طَرِيق الصُّوفِيَّة وَكَانَ النَّاس يعْجبُونَ من قَوْله لِأَنَّهُ كَانَ فى أَوَائِله مُتَّهمًا بِبَعْض الْمُنْكَرَات ثمَّ درس بمدارس قسطنطينية الى أَن وصل الى مدرسة السُّلْطَان سليم الْقَدِيم وَاسْتمرّ مدرسا بهَا سِتَّة أَعْوَام لعذر حصل لَهُ ثمَّ نقل الى السليمانية وَولى مِنْهَا قَضَاء ازمير برتبة الْمَدِينَة المنورة ثمَّ ولى قَضَاء أَيُّوب برتبة بروسه وَلما صَار الْمولى حُسَيْن الرمال معلما للسُّلْطَان ابراهيم وَكَانَ أَولا من جملَة طلبة صَاحب التَّرْجَمَة نَهَضَ بِهِ الْحَظ وَصَارَ مرجعا فى المهام وَأعْطى قَضَاء الغلطة برتبة أدرنه وَنقل الى مصر فَأَقَامَ بهَا ثَلَاثَة أشهر وعزل وَلما ولى البهائى الافتاء كَانَ لَهُ بِهِ علاقَة كُلية من حَالَة الصغر واتحاد تَامّ فصيرة قَاضِيا بِالشَّام فى سنة سِتِّينَ وَأقَام بهَا
стр. 1408
ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا ثمَّ أعْطى قَضَاء مصر ثَانِيًا ثمَّ عزل وَجَاء الى دمشق وَأقَام بهَا مُدَّة أَرْبَعَة أشهر وَكَانَ قصد أَن يحجّ فَمَا تيَسّر لَهُ وأعيد البهائى الى الْفتيا فَوجه اليه رُتْبَة قَضَاء قسطنطينية ثمَّ ولى قضاءها اسْتِقْلَالا فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَأعْطى رُتْبَة قَضَاء الْعَسْكَر بانا طولى ثمَّ ارتحل بنية الْحَج وَلما وصل الى قونية أَخذ طَرِيق المولوية عَن ابْن مَوْلَانَا وَلبس تاجهم وَقدم الى دمشق فى سنة احدى وَسبعين وَسَار الى الْحَج مَعَ الركب الشامى وَعَاد الى مصر صُحْبَة ركبهَا والقى بهَا عَصا ترحاله وَأعْرض عَن الدُّنْيَا واستوطن مصر وَاشْترى بهَا دَارا وَبَاعَ دَاره الَّتِى بقسطنطينية بمحلة السُّلْطَان سليم وطلق زَوجته الَّتِى بالروم ولازم على الْعِبَادَة والاوراد وَلم يزل بِمصْر الى أَن مَاتَ وَكَانَ بَينه وَبَين أَبى محبَّة وصداقة وَكَانَت رسائل كل مِنْهُمَا لَا تنفك عَن الآخر ومنشآته بالتركية فى غَايَة اللطافة وَأما آثاره الْعَرَبيَّة فَلم أر لَهُ مِنْهَا الا هَذِه الابيات كتبهَا على مؤلف للقاضى عمر المغربى المالكى خَليفَة الحكم بِمصْر سَمَّاهُ المصابيح على الْجَامِع الصَّحِيح وهى
(كتاب لانواع الْمسَائِل جَامع ... وَجمع لَا شتات المباحث نَافِع)
(وَفِيه لطلاب الحَدِيث كِفَايَة ... كَمَا فِيهِ للشَّيْخ النبيه مَنَافِع)
(جزى رَبنَا خير الجامعه غَدا ... باذن لمن يَوْم الجزا هُوَ شَافِع)
﵇ التَّام مِنْهُ وَآله ... وَأَصْحَابه مَا دَامَ يشفع شَافِع)
وَكَانَت وِلَادَته سنة أَربع عشرَة وَألف وَتوفى بعد الْخمس والثمانين بِقَلِيل رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد مُحَمَّد بن حسن الشهير بِابْن عجلَان الحسينى الشافعى الدمشقى نقيب الاشراف بِدِمَشْق كَانَ غزير الْفضل فصيح الْعبارَة حسن الْفَهم كثير الْمَحْفُوظ وَله فى التَّفْسِير يَد طائلة اشْتغل على الشَّمْس مُحَمَّد بن مُحَمَّد العيثى وعَلى الشَّيْخ مَنْصُور السطوحى الصابونى وَأخذ عَن جمَاعَة وَحصل ودأب ثمَّ ولى نقابة الاشراف فى سنة احدى وَثَمَانِينَ وَألف وعزل بعد مُدَّة فارتحل الى الرّوم وَولى الْمدرسَة السليمية وَرجع وتملك دَارا بِالْقربِ من الشَّيْخ عَمُود دَاخل بَاب الْجَابِيَة وسكنها وَلما مَاتَ السَّيِّد مُحَمَّد بن حَمْزَة نقيب الشَّام نَهَضَ بِهِ حَظه فَكَانَ تَارَة يلى النقابة وَتارَة يعْزل الى أَن اسْتَقل بهَا مُدَّة وروجع فى الامور كثيرا وَكَانَ كَامِل الْعقل خَبِيرا بِمَا يصنع ونفذت كَلمته عِنْد الاعيان وأرباب الحكومات وَولى نِيَابَة الْقَضَاء وَقَضَاء الْمَوَارِيث وَوَقع فى
стр. 1409
آخر أَيَّامه ان رجلا سبّ النبى
وتعصب جمَاعَة فى تبرئته وَأَرَادُوا أَن يرغموا الشُّهُود فى كتم الشَّهَادَة فَقَامَ بِهَذَا الامر وَأثبت عَلَيْهِ السب عِنْد القاضى فَقتل وَكَانَ ذَا مفاكهة عذبة ممتعا فى حَدِيثه وتملك كتبا كَثِيرَة واقرأ التَّفْسِير فى السليمية والبخارى فى بَيته وَكَانَ كثير المطالعة لَا يمل من الْبَحْث وَلَا يفتر عَن المذاكرة وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من المميزين فى الْفضل وَكَانَت وِلَادَته فى سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف وَتوفى بكرَة نَهَار الِاثْنَيْنِ ثامن عشر الْمحرم سنة سِتّ وَتِسْعين وَألف وَدفن بمدفن خَاص بهم بِالْقربِ من مَسْجِد الذبان وَكَانَ آخر درس أقرأه فى تَفْسِير سُورَة مَرْيَم قَوْله تَعَالَى ﴿واذا مت فَسَوف أبْعث حَيا﴾ وَلم يخلف ذكرا وَبَنُو عجلَان طَائِفَة بِالشَّام مَشْهُورُونَ بِصِحَّة النّسَب واسلافهم كَانُوا قدمُوا من مصر وَسَكنُوا بزاوية الرفاعية بمحلة ميدان الْحَصَى وهى الزاوية الْمَعْرُوفَة بزاوية شيخ الْمَشَايِخ عِنْد مَزَار سيدى حسن بن الرفاعى وهى زَاوِيَة كَبِيرَة فسيحة وَكَانَت خربَتْ بِسَبَب فتْنَة صدرت فى أَوَاخِر دولة الجراكسه فى سنة عشْرين وَتِسْعمِائَة وَذَلِكَ ان السُّلْطَان الغورى أرسل حَاكما الى دمشق يُقَال لَهُ النَّائِب وَكَانَ بهَا حَاكم غَيره فَمَا أَرَادَ تَسْلِيمه فتحصن النَّائِب الْمَذْكُور فى زَاوِيَة ابْن الرفاعى الْمَذْكُورَة فَرمى نَائِب القلعة على الزاوية بأحجار المدافع الْكَبِيرَة فَهد ايوان الزاوية قَالَه البورينى وَالله أعلم
مُحَمَّد بن حسن بن أَحْمد بن أَبى يحيى الكواكبى الحلبى الحنفى مفتى حلب ورئيسها والمقدم فِيهَا فى الْفُنُون النقلية والعقلية مَعَ سَعَة الجاه وَالْمَال وشهرة الصيت والاناة والحلم وَكَانَ أعظم رجل جمع كل صفة حميدة وألم بِكُل منقبة سامية انْتَهَت اليه مَكَارِم الاخلاق والبشاشة وَصدق الْوَعْد وَكَانَ مَعَ علمه الزاخر وعلو سنه وَقدره لين قشرة المعاشرة مخالطا يحضر مجَالِس المداعبة والغنا وَيَقُول رب مَعْصِيّة أورثت ذلا وافتقارا خير من طَاعَة أورثت عزا واستكباراً نَشأ بحلب وَأخذ بهَا عَن جمع من مُحَقّق عصره مِنْهُم الشَّيْخ جمال الدّين البابولى وجد كثيرا حَتَّى نَالَ الرُّتْبَة الْعَظِيمَة وَكَانَ حَدِيد الْفَهم سريع الاخذ للاشياء الغامضة حكى انه دخل يَوْمًا الى مجْلِس النَّجْم مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد الحلفاوى خطيب حلب فَسَأَلَهُ عَن مسئلة فى الاصول فَلم يدرها وَكَانَ النَّجْم قصد أَن يظْهر زيفه وَيعرف انه لم يشْتَغل فى الاصول فَقَامَ من الْمجْلس وَانْفَرَدَ بِنَفسِهِ مُدَّة فى دَاره وانكب على مطالعة الاصول حَتَّى عرف من نَفسه انه حصله وَأخذ باطراً فَمه ثمَّ ذهب الى النَّجْم وناطره فى مسَائِل كَثِيرَة من هَذَا الْعلم فأربى عَلَيْهِ وَشهد لَهُ
стр. 1410
النَّجْم بمعرفته وَكَانَ النَّجْم الْمَذْكُور فى هَذَا الْعلم مِمَّن لَا يدْرك شاوه وَمَا زَالَ بعد ذَلِك يترقى فى الْفضل حَتَّى انْفَرد وَولى افتاء حلب وتصدر بهَا وَأفَاد ودرس وَأَلْقَتْ اليه علماؤها أَعِنَّة التَّسْلِيم وتواتر خبر فَضله وبلغنى ان السَّيِّد عبد الله بن الحجازى الْمُقدم ذكره كَانَ طلب من الْوَزير الْفَاضِل ايام انضمامه اليه أَن يشفع لَهُ فى منصب الْفتيا عَن الكواكبى عِنْد شيخ الاسلام يحيى المنقارى فَلَمَّا فاوضه الْوَزير فى ذَلِك قَالَ لَهُ المنقارى اذا عزل الكواكبى نضطر الى ان نوجه اليه منصبا يَلِيق بِهِ وَلَا يَلِيق بِهِ الا منصبى وَقصد بذلك أَن يكف الْوَزير عَن هَذَا الامر فَلم يذكرهُ لَهُ بعد ذَلِك وَبقيت عَلَيْهِ الْفَتْوَى الى أَن مَاتَ وَألف المؤلفات العديدة مِنْهَا نظم الْوِقَايَة فى الْفِقْه وَشرح نظمه شرحا مُفِيدا وَله نظم الْمنَار وَشَرحه فى الاصول وحاشية على تَفْسِير البيضاوى الْتزم فِيهَا مناقشة سعدى وَأُخْرَى ناقش فِيهَا عِصَام الدّين وحاشية عل شرح المواقف للسَّيِّد وَغير ذَلِك من التحريرات وَله نظم ونثر فى غَايَة اللطافة فَمن شعره قَوْله
(أورقاء عَن عهد الحبيب تترجم ... لِيَهنك الف بالغوير مخيم)
(لَئِن تندبى الْفَا وَمَا شط حيه ... فانى على شط المزار متيم)
(وهب سجعك الْمَوْزُون باللحن مطرب ... فدمعى أَو فى صَامت يتَكَلَّم)
(لكى مثل فى العندليب وسجعه ... ولى بالفراش الشّبَه وَالْفرق يعلم)
وَقَوله
(يَا أَيهَا الْبَدْر الْمُنِير اذا بدا ... واذا رنا يَا ايهذا الريم)
(ومعلم الْغُصْن الرطيب تمايلا ... رق النسيم لَهَا فكاد يهيم)
(كم ذاتموه عَن صبَابَة عاشق ... صب على طول الصدود مُقيم)
(فَارْحَمْ ضنى جسدى وَحسن تصبرى ... وارع الْجَمِيل فَمَا الْجمال يَدُوم)
وَله هَذَا الْمُفْرد
(فَلَا تعجبوا من لكنة فى لِسَانه ... فَمن حُلْو فِيهِ لَا يُفَارِقهُ الْحَرْف)
وَهَذَا الْمَعْنى أَصله بالتركية وَكنت عربته قبل ان أرى بَيت الكواكبى بقولى
(مَا لكنة فِيهِ تشين وانما ... تأبى الْحُرُوف فِرَاق شهد لِسَانه)
وللكواكبى مضمنا بيتى أَبى الْعَبَّاس المرسى
(حتام فى ليل الهموم زناد فكرك تقتدح ... )
(قلب تحرق بالاسى ... ودموع عين تنسفح)
(ارْفُقْ بِنَفْسِك واعتصم ... بحمى الْمُهَيْمِن تَنْشَرِح)
стр. 1411
(واضرع لَهُ ان ضَاقَ عَنْك خناق حالك تنفسح ... )
(مَا أم ساحة جوده ... ذُو محنة الا فح)
(أَو جَاءَهُ ذُو المعضلات بمغلق الا فتح ... )
(فدع السوى وانهج على ... نهج السوى المتضح)
(واسمع مقَالَة نَاصح ... ان كنت مِمَّن ينتصح)
(مَا تمّ الا مَا يُرِيد ... فدع مرادك واطرح)
(واترك وساوسك الَّتِي ... شغلت فُؤَادك تسترح)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فى سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَتوفى يَوْم الْخَمِيس ثَالِث ذى الْقعدَة سنة سِتّ وَتِسْعين وَألف
السَّيِّد مُحَمَّد بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن حَمْزَة الدمشقى الشافعى نقيب الشَّام وَتقدم تَمام نسبه فى تَرْجَمَة حفيده السَّيِّد حُسَيْن كَانَ السَّيِّد مُحَمَّد الْمَذْكُور شافعيا على مَذْهَب آبَائِهِ اشْتغل هُوَ وَأَخُوهُ السَّيِّد زين العابدين فى الْفِقْه على الشهَاب العيثاوى وَحصل طرفا من الْفِقْه وَكَانَ مشاركا فى غَيره ثمَّ ولى نقابة الاشرف بعد أَخِيه السَّيِّد زين العابدين الْمَذْكُور وَكَانَ شهما عَاقِلا حازما صَاحب رأى وخبرة فى الامور وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَحصل جاها ومالا وعقارا فَوق مَا يُوصف وَكَانَ موفورا الحشمة زَائِد المهابة وَلما كَانَ الْوَزير مُرَاد باشا بحلب فى قصَّة الامير على بن جانبولاذ قَصده بهَا فَلَمَّا ذهب الشهَاب العيثاوى وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن سعد الدّين وَالشَّيْخ عِيسَى الصمادى الى حلب للشكاية على ابْن معن بِسَبَب مساعدته لِابْنِ جانبولاذ كَانَ السَّيِّد مُحَمَّد الْمَذْكُور والقاضى تَاج الدّين التاجى بهَا وَكَانَ كيوان الطاغية الْمُقدم ذكره ثمَّة فى تبريد الامر عَن ابْن معن فاستعان بهما واستشدهما عِنْد مُرَاد باشا ان الْمَشَايِخ انما جاؤا اليه مكرهين من قبل جند الشَّام وفى الْحَقِيقَة كَانَ للجند باعث كلى على ذَلِك فان ابْن معن كَانَ سَبَب انحطاطهم وَكسر شوكتهم ثمَّ رَجَعَ السَّيِّد مُحَمَّد فَمَرض فى الطَّرِيق فَلَمَّا كَانَ بقرية الطّيبَة من قرى حماة زَاد بِهِ الْمَرَض فَحمل على بغل فَمَاتَ فى أثْنَاء الطَّرِيق وَكَانَت وَفَاته فى رَابِع صفر سنة سبع عشرَة بعد الالف وَحمل الى حماه وَدفن بهَا وَلم يُجَاوز أَرْبَعِينَ سنة من عمره وَهُوَ وَالِد السَّيِّد كَمَال الدّين مُحَمَّد الآتى ذكره ان شَاءَ الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن حُسَيْن الملقب شمس الدّين الحمامى الدمشقى العاتكى الحنفى من أنبل
стр. 1412
فضلاء عصره وأجمعهم لفنون مُتعَدِّدَة وَكَانَ فَاضلا كَامِلا صَالحا دينا خيرا برع وفَاق وَشهد لَهُ أهل وقته بالبراعة والسبق فى مضمار الْجد وَالِاجْتِهَاد اشْتغل فى الْفِقْه وَغَيره على الشَّمْس بن المنقار وَحضر دروسه كثيرا وَلزِمَ دروس جدى القاضى محب الدّين فى التَّفْسِير وَغَيره وَقَرَأَ على المنلا مُحَمَّد بن عبد الْملك البغدادى وَحضر الحَدِيث عِنْد الشَّمْس مُحَمَّد الداودى وَبحث مَعَ الافاضل وَكَانَ لين العريكة منصفا وَكَانَ عِنْد مشايخه الْمَذْكُورين مَقْبُولًا ملتفتا وَصَحب ولى الله تَعَالَى الْعَارِف بِهِ الشَّيْخ مُحَمَّد بن أَبى بكر الْيَتِيم العاتكى السالف ذكره وانتفع بِهِ وَحصل لَهُ بِصُحْبَتِهِ خير كثير دينا وَدُنْيا وَكَانَ يلازم مَعَه الاوراد وَقيام اللَّيْل وَولى من الْوَظَائِف الدِّينِيَّة خطابة جَامع المراديه وامامتها وانتفع بِهِ جمَاعَة وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من خير خلق الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته نَهَار الاربعاء رَابِع عشر شعْبَان سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن حُسَيْن بن عبد الصَّمد الملقب بهاء الدّين بن عز الدّين الحارثى العاملى الهمدانى صَاحب التصانيف والتحقيقات وَهُوَ أَحَق من كل حقيق بِذكر أخباره وَنشر مزاياه واتحاف الْعَالم بفضائله وبدائعه وَكَانَ أمة مُسْتَقلَّة فى الاخذ باطراف الْعُلُوم والتضلع بدقائق الْفُنُون وَمَا أَظن الزَّمَان سمح بِمثلِهِ وَلَا جاد بنده وَبِالْجُمْلَةِ فَلم تتشنف الاسماع بِأَعْجَب من أخباره وَقد ذكره الشهَاب فى كِتَابيه وَبَالغ فى الثَّنَاء عَلَيْهِ وَذكره السَّيِّد على بن مَعْصُوم وَقَالَ ولد ببعلبك عِنْد غرُوب شمس يَوْم الاربعاء لثلاث عشرَة بَقينَ من ذى الْحجَّة سنة ثَلَاث وَخمسين وَتِسْعمِائَة وانتقل بِهِ أَبوهُ الى بِلَاد الْعَجم وَأخذ عَن وَالِده وَغَيره من الجهابذة كالعلامة عبد الله اليزدى حَتَّى أذعن لَهُ كل مناظر ومنابذ فَمَا اشْتَدَّ كَاهِله وصفت لَهُ من الْعلم مناهله ولى بهَا مشيخة الاسلام ثمَّ رغب فى الْفقر والسياحة واستهب من مهاب التَّوْفِيق رياحه فَترك المناصب وَمَال لما هُوَ لحاله مُنَاسِب فحج بَيت الله الْحَرَام وزار النبى ﵊ ثمَّ أَخذ فى السياحة فساح ثَلَاثِينَ سنة وَاجْتمعَ فى أثْنَاء ذَلِك بِكَثِير من أهل الْفضل ثمَّ عَاد وقطن بِأَرْض الْعَجم وَهُنَاكَ همى غيث فَضله وانسجم فألف وصنف وقرط المسامع وشنف وقصدته عُلَمَاء تِلْكَ الامصار واتفقت على فَضله أسماعهم والابصار وغالت تِلْكَ الدولة فى قِيمَته واستمطرت غيث الْفضل من ديمته فَوَضَعته على مفرقها تاجا وأطلعته فى مشرقها سِرَاجًا وهاجا وتبسمت بِهِ دولة سلطانها شاه عَبَّاس
стр. 1413
واستنارت بشموس رَأْيه عِنْد اعتكار حنادس الباس فَكَانَ لَا يُفَارِقهُ سفرا وحضرا وَلَا يعدل عَنهُ سَمَاعا ونظرا الى اخلاق لَو مزج بهَا الْبَحْر لعذب طعما وآراء لَو كحلت بهَا الجفون لم يلف أعمى وشيم هى فى المكارم غرر وأوضاح وكرم بَاقٍ جوده لشائمه لامع وضاح تتفجر ينابيع السماح من نواله ويضحك ربيع الافضال من بكاء عُيُون آماله وَكَانَت لَهُ دَار مشيدة الْبناء رحبة الفناء يلجأ اليها الايتام والارامل ويفد عَلَيْهَا الراحى والآمل فكم مهدبها وضع وَكم طِفْل بهَا رضع وَهُوَ يقوم بنفقتهم بكرَة وعشيا ويوسعهم من جاهه جنَانًا مغشيا مَعَ تمسك من التقى بالعروة الوثقى وايثار الْآخِرَة على الدُّنْيَا وَالْآخِرَة خير وَأبقى وَلم يزل أنفًا من الانحياز الى السُّلْطَان رَاغِبًا فى الغربة عَن الاوطان يؤمل الْعود الى السياحة ويرجو الاقلاع عَن تِلْكَ الساحة فَلم يقدر لَهُ حَتَّى وافاه حمامه وترنم على أفنان الْجنان حمامه وَقد أَطَالَ أَبُو المعالى الطالوى فى الثَّنَاء عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ البديعى وَنَصّ عبارَة الطالوى فى حَقه ولد بقزوين فَانْظُرْهُ مَعَ قَول ابْن مَعْصُوم ببعلبك وَأخذ عَن عُلَمَاء تِلْكَ الدائرة ثمَّ خرج من بَلَده وتنقلت بِهِ الاسفار الى ان وصل الى أصفهان فوصل خَبره الى سلطانها شاه عَبَّاس فَطَلَبه لرياسة علمائها فوليها وَعظم قدره وارتفع شَأْنه الا انه لم يكن على مَذْهَب الشاه فى زندقته لانتشار صيته فى سداد دينه الا أَنه غالى فى حب آل الْبَيْت وَألف المؤلفات الجليلة مِنْهَا التَّفْسِير الْمُسَمّى بالعروة الوثقى والصراط الْمُسْتَقيم وَالتَّفْسِير الْمُسَمّى بِعَين الحياه وَالتَّفْسِير الْمُسَمّى بالحبل المتين فى مزايا الْفرْقَان الْمُبين ومشرق الشمسين وَشرح الاربعين وَالْجَامِع العباسى فارسى ومفتاح الْفَلاح والزبدة فى الاصول والتهذيب فى النَّحْو والملخص فى الْهَيْئَة والرسالة الْهِلَالِيَّة والائنى عشريات الْخمس وخلاصة الْحساب والمخلاة وتشريح الافلاك والرسالة الاسطرلابية وحواشى الْكَشَّاف وحواشى البيضاوى وحاشية على خُلَاصَة الرِّجَال ودراية الحَدِيث والفوائد الصمدية فى علم الْعَرَبيَّة وحاشية الْفَقِيه وَغير ذَلِك من الرسائل المختصرة والفوائد المحرره وَأما اشعاره فسأورد لَك مِنْهَا مَا يعظم عنْدك موقفه وتقف أمانيك عِنْده وَلَا تتجاوزه قَالَ ثمَّ خرج سائحا فجاب الْبِلَاد وَدخل مصر وَألف بهَا كتابا سَمَّاهُ الكشكول جمع فِيهِ كل نادرة من عُلُوم شَتَّى قلت وَقدر رَأَيْته وطالعته مرَّتَيْنِ مرّة بالروم وَمرَّة بِمَكَّة ونقلت مِنْهُ أَشْيَاء غَرِيبَة وَكَانَ يجْتَمع مُدَّة اقامته بِمصْر بالاستاذ مُحَمَّد بن أَبى الْحسن
стр. 1414
البكرى وَكَانَ الاستاذ يُبَالغ فى تَعْظِيمه فَقَالَ لَهُ مرّة يَا مَوْلَانَا أنادر وش فَقير كَيفَ تعظمنى هَذَا التَّعْظِيم قَالَ شممت مِنْك رَائِحَة الْفضل وامتدح الاستاذ بقصيدته الْمَشْهُورَة الَّتِى مطْلعهَا
(يَا مصر سقيا لَك من جنَّة ... قطوفها يانعة دانيه)
(ترابها كالتبر فى لطفه ... وماؤها كالفضة الصافيه)
(قد أخجل الْمسك نسيم لَهَا ... وزهرها قد أرخص الغاليه)
(دقيقة أَصْنَاف أوصافها ... وَمَالهَا فى حسنها ثَانِيه)
(مُنْذُ أنخت الركب فى أرْضهَا ... أنسيت أصحابى وأحبابيه)
(فيا حماها الله من رَوْضَة ... بهجتها كَافِيَة شافيه)
(فِيهَا شِفَاء الْقلب أطيارها ... بنغمة القانون كالداريه)
وَمِنْهَا
(من شَاءَ أَن يحيا سعيدا بهَا ... منعما فى عيشة راضيه)
(فَليدع الْعلم وَأَصْحَابه ... وليجعل الْجَهْل لَهُ غاشيه)
(والطب والمنطق فى جَانب ... والنحو وَالتَّفْسِير فى زاويه)
(وليترك الدَّرْس وتدرية ... والمتن وَالشَّرْح مَعَ الحاشيه)
(الام يَا دهر وَحَتَّى مَتى ... تشقى بأيامك أياميه)
(تحقق الآمال مستعطفا ... وتوقع النَّقْص بآماليه)
(وَهَكَذَا تفعل فى كل ذى ... فَضِيلَة أَو همة عاليه)
(فان تكن تحسبنى مِنْهُم ... فهى لعمرى ظنة واهيه)
(دع عَنْك تعذيبى والا فأشكوك الى ذى الحضرة العاليه ... )
ثمَّ قدم الْقُدس وَحكى الرضى بن أَبى اللطف المقدسى قَالَ ورد علينا من مصر رجل من مهابته مُحْتَرم فَنزل من بَيت الْمُقَدّس بِفنَاء الْحرم عَلَيْهِ سِيمَا الصّلاح وَقد اتسم بلباس السياح وَقد تجنب النَّاس وَأنس بالوحشة دون الايناس وَكَانَ يألف من الْحرم فنَاء الْمَسْجِد الاقصى وَلم يسند اليه أحد مُدَّة الاقامة اليه نقصا فَألْقى فى روعى انه من كبار الْعلمَاء الاعاظم وأجلة أفاضل الاعاجم فَمَا زلت لخاطره أَتَقَرَّب وَلما لَا يرضيه أتجنب فاذا هُوَ مِمَّن يرحل اليه للاخذ عَنهُ وتشد لَهُ الرّحال للرواية عَنهُ يُسمى بهاء الدّين مُحَمَّد الهمدانى الحارثى فَسَأَلته عِنْد ذَلِك الْقِرَاءَة فى بعض الْعُلُوم فَقَالَ بِشَرْط أَن يكون ذَلِك مَكْتُوم وقرأت عَلَيْهِ شَيْئا من
стр. 1415
الْهَيْئَة والهندسة ثمَّ سَار الى الشَّام قَاصِدا بِلَاد الْعَجم وَقد خفى عَنى أمره واستعجم قلت وَلما ورد دمشق نزل بمحلة الخراب عِنْد بعض تجارها الْكِبَار وَاجْتمعَ بِهِ الْحَافِظ الْحُسَيْن الكربلائى القزوينى أَو التبريزى نزيل دمشق صَاحب الروضات الذى صنفه فى مزارات تبريز فاستنشده شَيْئا من شعره وَكَثِيرًا مَا سَمِعت انه كَانَ تطلب الِاجْتِمَاع بالْحسنِ البورينى فَأحْضرهُ لَهُ التَّاجِر الذى كَانَ عِنْده بدعوة وتأنق فى الضِّيَافَة ودعا غَالب فضلاء محلتهم فَلَمَّا حضر البورينى الى الْمجْلس رأى فِيهِ صَاحب التَّرْجَمَة بهيئة السياح وَهُوَ فى صدر الْمجْلس وَالْجَمَاعَة محدقون بِهِ وهم متأدبون غَايَة التأدب فَعجب البورينى وَكَانَ لَا يعرفهُ وَلم يسمع بِهِ فَلم يعبأ بِهِ ونحاه عَن مَجْلِسه وَجلسَ غير ملتفت اليه وَشرع على عَادَته فى بَث رقائقه ومعارفه الى أَن وصلوا الْعشَاء ثمَّ جَلَسُوا فابتدر البهائى فى نقل بعض المناسبات وانجر الى الابحاث فأورد بحثا فى التَّفْسِير عويصا فَتكلم عَلَيْهِ بِعِبَارَة سهلة فهمها الْجَمَاعَة كلهم ثمَّ دقق فى التَّعْبِير حَتَّى لم يبْق يفهم مَا يَقُول الا البورينى ثمَّ أغمض فى الْعبارَة فبقى الْجَمَاعَة كلهم والبورينى مَعَهم صموتا جموداً لَا يَدْرُونَ مَا يَقُول غير انهم يسمعُونَ تراكيب واعتراضات وأجوبة تَأْخُذ بالالباب فَعندهَا نَهَضَ البورينى وَاقِفًا على قديمه وَقَالَ ان كَانَ ولابد فانت البهائى الحارثى اذ لَا أجد فى هَذِه المثابة الا ذَاك واعتنقا وأخذا بعد ذَلِك فى ايراد أنفس مَا يحفظان وَسَأَلَ البهائى من البورينى كتمان أمره وافترقا تِلْكَ اللَّيْلَة ثمَّ لم يقم البهائى فأقلع الى حلب وَذكر الشَّيْخ أَبُو الوفا العرضى فى تَرْجَمته قَالَ قدم حلب مستخفيا فى زمن السُّلْطَان مُرَاد بن سليم مغيرا صورته بِصُورَة رجل درويش فَحَضَرَ دروس الْوَالِد يعْنى الشَّيْخ عمر وَهُوَ لَا يظْهر انه طَالب علم حَتَّى فرغ من الدَّرْس فَسَأَلَهُ عَن أَدِلَّة تَفْضِيل الصّديق على المرتضى فَذكر حَدِيث مَا طلعت الشَّمْس وَلَا غربت على أحد بعد النَّبِيين أفضل من أَبى بكر وَأَحَادِيث مثل ذَلِك كَثِيرَة فَرد عَلَيْهِ ثمَّ أَخذ يذكر أَشْيَاء كَثِيرَة تقتضى تَفْضِيل المرتضى فشتمه الْوَالِد وَقَالَ لَهُ رافضى شيعى وسبه فَسكت ثمَّ ان صَاحب التَّرْجَمَة أَمر بعض تجار المعجم أَن يصنع وَلِيمَة وَيجمع فِيهَا بَين الْوَالِد وَبَينه فَاتخذ التَّاجِر وَلِيمَة ودعاهما فَأخْبرهُ ان هَذَا هُوَ المنلا بهاء الدّين عَالم بِلَاد الْعَجم فَقَالَ للوالد شتمتونا فَقَالَ لَهُ مَا علمت انك المنلا بهاء الدّين وَلَكِن ايراد مثل هَذَا الْكَلَام بِحُضُور الْعَوام لَا يَلِيق ثمَّ قَالَ أَنا سنى أحب الصَّحَابَة وَلَكِن كَيفَ أفعل سلطاننا شيعى وَيقتل الْعَالم السنى قَالَ وَكَانَ كتب قِطْعَة
стр. 1416
على التَّفْسِير باسم شاه عَبَّاس فَلَمَّا دخل بِلَاد السّنة قطع الديباجة وبدلها وَذكر أَنه كتب ذَلِك باسم السُّلْطَان مُرَاد وَلما سمع بقدومه أهل جبل بنى عَامل تواردوا عَلَيْهِ أفوجاً فخاف ان يظْهر أمره فَخرج من حلب انْتهى وَسِيَاق كَلَام العرضى يقتضى ان دُخُوله الى حلب كَانَ فى قَدمته من الْعَجم قَاصِدا الْحَج وَالله أعلم وأملى لبَعض الادباء بِالشَّام لغزه الذى جعله لامتحان أفكار الاذكياء من فحول الْعلمَاء وَهَذَا يدل على تبحره فى الْعُلُوم وَقد أوردته برمتِهِ فى كتابى هَذَا تطرية وتنشيطا لمن يعرف مزية الْكَلَام وَهُوَ يَا أَصْحَاب الفطنة القويمه والفطرة المستقيمه والطبيعة الالمعية والروية اللوذعية أخبرونى عَن كتاب بعضه من الْحُرُوف النورانية وَأَكْثَره من حُرُوف الزِّيَادَة وبأحد نصفيه يكمل الرجل وبالنصف الآخر تتمّ الشَّهَادَة ثَانِيَة قَابل لانواع النقط وأوله لَا يقبل الا وَاحِدَة فَقَط تالى أَوله بالكمال مَعْرُوف ومتلو ثَانِيه بالاستحداب مَوْصُوف مضعفه لوسطيه كَمَال شعورى ومضعف آخِره لثالثه كَمَال ظهورى التحسين من مُقَارنَة طَرفَيْهِ مَعْلُوم والتجرب من مقايسة ذَلِك مَفْهُوم ثانى كل حرف مِنْهُ بهيولاتية الْحُرُوف مَشْهُور وَهُوَ فِيمَا بَينهَا بالقطبية مذكوران أعْطى أَوله حليته لثانيه تَسَاويا فى الْعد وان انعكست الْقَضِيَّة زَاد التَّفَاضُل بَينهمَا عَن الْحَد ثالثه اسْم فَاعل ورابعه من أَسمَاء الافعال وَكِلَاهُمَا أَسمَاء الْعدَد الْمَوْصُوف بالكمال ان ضربت أعظم وسطيه فى مجموعهما حصل عدد جمع الافلاك المحدبة بمحدد الْجِهَات وان نقصت من ربعه الرَّابِع عقيم ضروب الشكل الثَّالِث بقى عدد القضايا الموجهات أحد نصفيه فَرد يعادل عدد الاعراض وَالنّصف الآخر زوج يعادل الْعُقُول وَهَذَا مِمَّا لَا ريب فِيهِ وان كَانَ بِحَسب الظَّاهِر غير مَعْقُول كل يساوى انحطاط الشَّمْس من الافق فى آخر غرُوب الشَّفق وَأول الصُّبْح الكذوب ومضروب صَدره فى ضعف عَجزه يعادل عرضا يتَحَقَّق فِيهِ معكوس الطُّلُوع والغروب ان أضفت ثَانِيه الى مضعف ثالثه سَاوَى الْحُرُوف المهموسه وان طرحت مِنْهُ مكعب ثَانِيه عَادل الْمنَازل المنحوسه حرفان مِنْهُ متقاربان يعادلان طَبَقَات الْعين وحرفان متعانقان يساويان أَرْكَان حِسَاب الخطأين مُكَرر نصفه فى ضروب المويسيقى مَعْدُود فان قلبته فَهُوَ طَائِر مَعْهُود وان زِدْت على مربع أَوله مهمله الا نصف ثَانِيه عَادل عِظَام بدن الانسان وان نقصت من مكعب ثالثه مضعف أَوله بقى دِيَة كل من مقاديم الاسنان مضعف أَوله
стр. 1417
بِعَدَد أَنْوَاع الْخِيَار ومكعب آخِره كعدد التَّكْبِيرَات فى فَرَائض اللَّيْل وَالنَّهَار مضروبه فى طرفه يساوى فَرِيضَة أَب وَثَلَاث بَنَات ومضروب وسطيه فى ثَانِيهمَا كفريضة الاخوة الْعشْرَة وَالثَّمَانِيَة مَعَ سِتّ زَوْجَات ان أضفت آخِره الى أَوله سَاوَى أَحْوَال الْمسند اليه وان جمعت ثَانِيه مَعَ ثالثه عَادل من يحجّ فى الشَّرْع عَلَيْهِ وان ضعفت رابعه سَاوَى كلم المجازات وان زِدْت على مربع ثالثه نصفه عَادل علاقات المجازات وان نقصت من مربع أَوله خمس آخِره بقى عدد صور الْكَوَاكِب المرصوده وان زِدْت ثَانِيه على طرفه حصل الْمَشْهُور من الْعُرُوق المفصوده مَجْمُوع آخريه يساوى عدد مقادير النبضات وَثلث أوليه يعدل الاجناس الْعَالِيَة للمحميات وان ضممت الى طَرفَيْهِ مربع بعضه سَاوَى بعض الاعداد التامه وان زِدْت عَلَيْهَا وَسطه عَادل الوف القوائم كَمَا اشْتهر على أَلْسِنَة العامه شكله شكل العقلة بَين الاشكال الرمليه وان نصفت ثالثه لم تكذب القضيه ان زِدْت على مضعف آخِره مسطح طَرفَيْهِ سَاوَى رقم المربع الميمون وعادل ارتفاعا يساوى فِيهِ الظل للشاخص أَيْنَمَا يكون مهمل أَوله رمز الى مَا يُوجب للثلج الاشتعال ومعجمه الى مَا هُوَ فى زراعة الذَّهَب كثير الِاسْتِعْمَال ان نقصت من آخِره نصف ثَانِيه سَاوَى الباقى أَنْوَاع التَّرْجِيح وعادل عدد المخصصات الموصولات وفى كل من نصفيه ايماء الى برهَان الزَّوْج والفرد على امْتنَاع تسلسل الْعِلَل والمعلولات ان نقصت من سطح طَرفَيْهِ ثانى مبانيه سَاوَى عرض بلد يساوى غَايَة ارْتِفَاع أول الجدى فِيهِ بعض حُرُوفه يُشِير شكله الى الْبُرْهَان السلمى على تناهى الابعاد فان جعلت زاويته قَائِمَة دلّ على مَا فَوق المُرَاد وان وضعت خُرُوج ضلعها العالى الى غير النِّهَايَة وَمن طرف السافل آخر مثله مقاطعا لَهُ متحركا عَلَيْهِ تمّ الدَّلِيل على ذَلِك الْمطلب بطرِيق لم يسبقنا أحد اليه وان جَعلتهَا ثلثى قَائِمَة أشارت الى الْبُرْهَان الترسى على ذَلِك المرام وان انطبقت على مَرْكَز الْعَالم دلّت على ان التباعد بَين الرؤس أَزِيد من التباعد بَين الاقدام وان أممتها وَجعلت كلا من ضلعها عددا فَردا أَو مت الى الِاسْتِدْلَال على نفى الْجُزْء بشكل الْعَرُوس وامكان اثبات ذَلِك بالبرهان السلمى الْغَيْر مأنوس وان زَاد كل مِنْهُمَا على غَايَة الانفراج وتفارقت أجزاؤهما بالاتصال أمكن أَيْضا اثبات ذَلِك بِدَلِيل خطر لنا بالبال وان جَعلتهَا قَائِمَة حصلت الاشارة الى بعض براهين استعلام المرتفعات وان أَوْمَأت
стр. 1418
مَا تُرِيدُ معرفَة بعده عَنْك منتهيا مبلغها الاعلى الى بَصرك حصل الايماء الى طَرِيق معرفَة عرُوض الانهار وَسَائِر الابعاد المتعسرات وان أوترها نصف قطر الارض وَبَينهَا وَبَين مَرْكَز الشَّمْس تماس ظهر عَلَيْك ان بعد الشَّمْس عَنَّا وهى عَلَيْهِ أَزِيد بِكَثِير مِنْهُ حَال كَونهَا على سمت الراس ولاح لديك ان تراكم الْبحار وَهُوَ الْمُوجب للاحساس بِمَا لَا يَقْتَضِيهِ الْقيَاس وان وصلت بَين ضلعيها بِخَط مواز لآخر مماس لَهما مخرج من الْجِهَتَيْنِ أمكن اقامة أَدِلَّة عديدة على مُسَاوَاة زَوَايَا مثلث لقائمتين وَفِيه حُرُوف على صُورَة شكل ان أخرجت قطريه أَشَارَ الى نفى الْجُزْء الذى لَا يتجزى بِوَجْه منح لنا وَهُوَ لُزُوم مفسدتين أعنى تلاقى القطرين قبل الْمُرُور بالمركز وعَلى نقطتين ان ألصقت وتريه بقطره أَشَارَ الى نَفْيه أَيْضا بِوَجْه مَا وجد أعظم مِنْهُ قطّ وَهُوَ لُزُوم جَوَاز كَون قطر الْفلك الاعلى ثَلَاثَة أَجزَاء فَقَط وان مَاس مُحِيط وسط ثانى حُرُوفه أشعر بِدَلِيل الْمُتَكَلِّمين على اثبات الْجُزْء كَمَا هُوَ مَشْهُور وَأما الى شبه الظفر من لُزُوم انفراج الحادة قبل قِيَامهَا كَمَا هُوَ على الالسنة مَذْكُور وان وازاه أعظم مِنْهُ وتحرك حَتَّى ماسه تبين لَك غلط صَاحب المواقف فى قدر غلط المتممات وتعجبت من مُوَافقَة الْمُحَقق الدوانى لَهُ فى امثال هَذِه التوهمات وان تحرّك الدَّاخِل ضعف الْخَارِج حصلت الاشاره الى اصل الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة الذى اخترعه سُلْطَان الْمُحَقِّقين وَلم يسْبقهُ اليه أحد من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين وان ساويت بَين وَترى قوسين مِنْهُمَا ظهر لَك ان سهم قَوس الْخَارِج أقصر وان الطاس تسع من المَاء فى أعلا المنارة أقل وفى أَسْفَلهَا أَكثر وَفِيه حرف ان فرضت خُرُوج ذيله الى غير النِّهَايَة أَشَارَ الى برهَان امْتنَاع اللاتناهى فى جِهَة أَو جِهَتَيْنِ وان أَقمت على طرفه عموداً ووصلت بَينهمَا أَشَارَ الى طَرِيق وزن الارض بذى العمودين وَفِيه حرف ان فصلت بَين عَمُود المخرجين بِخَط مخرج الى ألف فَرسَخ فَمَا زَاد حصل لَك الاذعان بِأَن مساحة ظفرك أَزِيد بِكَثِير من مثلث قَاعِدَته بسمرقند وَرَأسه بِبَغْدَاد ولنقتصر على هَذَا الْمِقْدَار من الاطناب فى ذكر أَوْصَاف ذَلِك الْكتاب والعاقل تكف الاشاره وَالْجَاهِل لَا ينْتَفع بِأَلف عباره وَكتب اليه وَالِده حُسَيْن هَذَا اللغز الْغَرِيب فَأَجَابَهُ عَنهُ وَرَأَيْت السَّيِّد مُحَمَّد كبريت المدنى قد بَين السُّؤَال وَالْجَوَاب فى بعض تعاليقه فَذكرت الْجَمِيع وَلَعَلَّ بِمَا بَين السَّيِّد أَن يحتال على اللغز الْمَذْكُور آنِفا وَالسُّؤَال هُوَ هَذَا أَيهَا الْوَلَد الْمُؤَيد بالاكرام والاعزاز الْمُوفق
стр. 1419
فى حل المعميات والالغاز أخبرنى عَن اسْم آخر أَوله آخر الْحُرُوف وَآخر ثَانِيه بِهَذَا الْوَصْف مَعْرُوف قلبا آخريه يتوافقان وَقَلْبًا أوليه متعانقان لَوْلَا ثالثه لصار الِاسْم حرفا وَلَوْلَا ثَانِيه لصار الْفِعْل ظرفا وَلَوْلَا رَأسه لَصَارَتْ الرجل من النَّجَاسَات وَلَوْلَا رابعه لم يتَحَقَّق رَابِع القياسات بعضه قَاتل وَبَعضه الآخر نصف قَاتل طرفا أَوله فعل أَمر بطرفين وطرفا ثَانِيه مَا نهيت عَن قَوْله لللأبوين وان نقص ربعه من ربعه بقى ربعه وان زيد ربعه على ربعه حصل ربعه صَدره عَلامَة قلب العاشق وثانيه عَلامَة الرَّقِيب الْمُنَافِق لَوْلَا ربعه لم تتَمَيَّز الْقبلية عَن القابلية وَلم تفترق الْمعَانى عَن عِلّة الفاعلية بعضه يَمِين وَالْبَعْض فى الْيَسَار كمين وبطرف آخِره يَبْتَدِئ الْمقَام وبطرفه الآخر ينتهى الْكَلَام فَأَجَابَهُ بقوله يَا سيدى وأبى واستاذى وَمن اليه فى الْعُلُوم استنادى هَذَا اسْم رباعى الاعضاء ثلاثى الاجزاء اثْنَا عشرى الاصول عديم الْحَرْف المفصول من الاسماء مَعْدُود الى الافعال مَرْدُود لَوْلَا ثلث أَوله لصار السخيف بِالْكَرمِ مَوْصُوفا ولكان كل فَقير بسواد الْوَجْه مَعْرُوفا وَلَوْلَا رابعه لَا تحدت الْمَاهِيّة بالوجود وَلم يتَمَيَّز الْحَاسِد من الْمَحْسُود لَو عدم ثَانِيه لم يكن جمع الثَّمر ثمارا ولصارت قَرْيَة بالرى حمارا وَلَو عدم ربعه لم يكن الْقلب فى الْجَسَد وتبدلت السكينَة بالغل والحسد ولصارت الْهِرَّة بعض الازهار وَلم تتَمَيَّز الْحِنْطَة عَن بعض الثِّمَار أَوله بالعراق وَآخره بِالشَّام وبثلثى ربعه يتم الايمان والاسلام وبثلث ثالثه يبتدى السُّؤَال وبثانى ثَانِيه ينتهى القيل والقال شرح أَلْفَاظ السُّؤَال قَوْله آخر أَوله الح أول الِاسْم قَاف وَآخره بِالنّظرِ الى بَسطه مُسَمّى الْفَاء وَهُوَ آخر حُرُوف كَمَا ترى وَآخر ثَانِيه وَهُوَ الالف كَذَلِك الْفَاء وَهُوَ مَوْصُوف بِهَذَا الْوَصْف لانه هُوَ هُوَ قَوْله قلبا آخريه وهما السِّين وَالْمِيم يتوافقان لَان حقيقتهما الْيَاء وَقَلْبًا أوليه وهما الالف وَاللَّام من قَاف والف حرفان متعانقان لَوْلَا ثالثه وَهُوَ مُسَمّى السِّين لصار الِاسْم حرف عطف وَهُوَ أم أى بعد حذف السِّين من الِاسْم وَلَوْلَا ثَانِيه وَهُوَ الالف لصار الْفِعْل ظرفا وَلَوْلَا رَأسه وَهُوَ الْقَاف وَلَوْلَا رابعه وَهُوَ الْمِيم لم يتَحَقَّق الْقيَاس التمثيلى وَهُوَ رَابِع القياسات بعضه قَاتل وَهُوَ سم وَبَعضه وَهُوَ قانصف قَاتل طرفا أَوله وهما الْقَاف وَالْفَاء أَمر بحرفين وطرفا ثَانِيه الذى هُوَ ألف أُفٍّ قَوْله وان نقص ربعه الذى هُوَ السِّين من ربعه الذى هُوَ الْقَاف بقى ربعه وَهُوَ الْمِيم لَان الباقى بعد طرح سِتِّينَ من مائَة أَرْبَعُونَ وان زيد ربعه عكس الْقَضِيَّة قَوْله صَدره عَلامَة
стр. 1420
قلب العاشق أى ثانى حُرُوفه وَهُوَ ألف وَالْمرَاد مِنْهُ جَوْهَر لَفظه وَهُوَ فعل من الالفة وَلم يزل قلب العاشق يألف المعشوق وَكَذَا الرَّقِيب الْمُنَافِق قَوْله لَوْلَا رابعه الذى هُوَ الالف لم تتميزا الْقبلية عَن القابلية لَان بِهِ الْفرق بَين هذَيْن اللَّفْظَيْنِ وَمثله الفعلية والفاعلية قَوْله بعضه يَمِين يعْنى الْمِيم لانه يُقَال م الله فى أَيمن الله أَو المُرَاد مَا عدا الْقَاف وَهُوَ اسْم وَبَعضه وَهُوَ السِّين فى لفظ الْيَسَار كامن قَوْله وبطرف آخِره الاول أَو الآخر يبتدى الْمقَام بل وَيخْتم وبطرف آخِره كَذَلِك ينتهى الْكَلَام لِأَن الْمِيم نِهَايَة لفظ الْكَلَام شرح أَلْفَاظ الْجَواب قَوْله رباعى الاعضاء أى حُرُوف قَاسم أَرْبَعَة ثلاثى الاجزاء أى جملَته تَنْقَسِم ثَلَاثَة من غير عكس اثْنَا عشرى الاصول لَان كل حرف يشْتَمل على ثَلَاثَة حُرُوف قَوْله عديم الْحَرْف المفصول لانه مركب من حرفين فحرفين وَهُوَ مَعْدُود من الاسماء لانه اسْم وضع لمسمى بِعَيْنِه ومردود الى الافعال بِاعْتِبَار أَنه مُشْتَقّ من الْقسم قَوْله لَوْلَا ثلث أَوله الذى هُوَ الْقَاف وَالْمرَاد الْفَاء لصار لفظ السخيف بعد حذف الْفَاء سخيا والسخى مَوْصُوف بِالْكَرمِ قَوْله واذا حذف الْفَاء من لفظ فَقير بقى قير وَهُوَ أسود الظَّاهِر وَالْبَاطِن قَوْله وَلَوْلَا رابعه الذى هُوَ الْمِيم لَا تحدث الْمَاهِيّة بالوجود لَان وجود الشئ هَيئته فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا تحدث الْهَيْئَة بالماهية وَفِيه تسَامح لَان المُرَاد من الْمِيم مسماها وَهُوَ مُفْرد فَكيف يُطلق على الْمركب من الْمِيم والالف وَيُمكن أَن يُقَال تعدد المُرَاد فى هَذَا الْبَاب كثير وَهُوَ أَدخل فى الالغاز قَوْله وَلم يتَمَيَّز الْحَاسِد من الْمَحْسُود كالاول لانه لَا فرق بَين الحسود والحاسد فى أصل الْمَعْنى قَوْله لَو عدم ثَانِيه الذى هُوَ الالف من لفظ الثِّمَار بقى ثَمَر فَلم يبْق الْجمع قَوْله قريب بالرى وهى خار واذا لم تكن الالف فِيهِ بقى خر وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ اسْم للحمار قَوْله وَلَو عدم ربعه الذى هُوَ السِّين لم يكن ذَلِك الرّبع قلب الْجَسَد لسقوطه وتبدلت السكينَة فَصَارَت كينه من قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾ وفى الصِّحَاح وَبَات فلَان بكينة سوء بِالْكَسْرِ أى بِحَالَة سوء والاستكانة الخضوع قَوْله الْهِرَّة المُرَاد بِهِ سنور بِعَمَل الترادف واذا لم تكن فِيهِ السِّين كَانَ نورا قَوْله الْحِنْطَة المُرَاد مِنْهُ سلت على التسامح قَوْله أَوله بالعراق يعْنى الْقَاف فى لفظ الْعرَاق وَآخره وَهُوَ الْمِيم فى لَفْظَة الشَّام قَوْله وَثلثا ربعه وهما السِّين وَالنُّون من بسط الرّبع الذى هُوَ السِّين يتم بِهِ الايمان لانه تمّ بالنُّون والاسلام لَان تَمَامه بِالسِّين وَلَا يلْزم أَن يكون آخرا قَوْله وَثلث ثالثه الذى هُوَ السِّين وَهُوَ المُرَاد من بَسطه يبتدى السُّؤَال حَقِيقَة كَمَا ترى
стр. 1421
وبثانى ثَانِيه وَهُوَ اللَّام من ألف ينتهى القيل والقال انْتهى وأشعار البهائى كَثِيرَة وَأشهر مَا لَهُ قصيدته الكافية الَّتِى سَارَتْ مسير الْمثل ومطلعها
(يَا نديمى بمهجتى أفديك ... قُم وهات الكؤس من هاتيك)
(خمرة ان ضللت ساحتها ... فسنا نور كأسها يهديك)
(يَا كليم الْفُؤَاد داوبها ... قَلْبك الْمُبْتَلى لكى تشفيك)
(هى نَار الكليم فاجتلها ... واخلع النَّعْل واترك التشكيك)
(صَاح ناهيك بالمدام فدم ... فى احتساها مُخَالفا ناهيك)
من جُمْلَتهَا
(لست أنساه اذ أَتَى سحرًا ... وَحده وَحده بِغَيْر شريك)
(طرق الْبَاب خَائفًا وجلا ... قلت من قَالَ كل مَا يرضيك)
(قلت صرح فَقَالَ تجْهَل من ... سيف ألحاظه تحكم فِيك)
(قَالَ خُذْهَا فمذ ظَفرت بهَا ... قلت زدنى فَقَالَ لَا وَأَبِيك)
(ثمَّ وسدته الْيَمين الى ... أَن دنا الصُّبْح قَالَ لى يَكْفِيك)
(قلت مهلا فَقَالَ قُم فَلَقَد ... فاح نشر الصِّبَا وَصَاح الديك)
وَقد عَارض بهَا أبياتاً لوالده وَذَلِكَ هُوَ المخترع لهَذَا الروى وأبيات وَالِده هى قَوْله
(فاح عرف الصِّبَا وَصَاح الديك ... وانثنى البان يشتكى التحريك)
(قُم بِنَا نجتلى مشعشعة ... تاه من وجده بهَا النسيك)
(لَو رَآهَا الْمَجُوس عاكفة ... وحدوها وجانبوا التَّشْرِيك)
(ان تسر نحونا نسر وان ... مت فى السّير دُوننَا نحييك)
وَكتب الى وَالِده وَهُوَ بهراة
(ياساكنى أَرض الهراة أما كفى ... هَذَا الْفِرَاق بلَى وَحقّ الْمُصْطَفى)
(عودوا على فربع صبرى قد عَفا ... والجفن من بعد التباعد مَا غفا)
(وخيالكم فى بالى ... وَالْقلب فى بلبال)
(ان أَقبلت من نحوكم ريح الصِّبَا ... قُلْنَا لَهَا أَهلا وسهلا مرْحَبًا)
(واليكم قلب المتيم قد صبا ... وفراقكم للروح مِنْهُ قد سبا)
(وَالْقلب لَيْسَ بخالى ... من حب ذَات الْخَال)
(يَا حبذا ربع الْحمى من مربع ... فغزاله شب الغضا فى أضلعى)
(لم أنسه يَوْم الْفِرَاق مودعى ... بمدامع تجرى وقلب موجع)
стр. 1422
(والصب لَيْسَ بسالى ... عَن ثغره السلسال)
وَكتب اليه
(بقزوين جسمى وروحى ثوت ... بِأَرْض الهراة وسكانها)
(فَهَذَا تغرب عَن أَهله ... وَتلك أَقَامَت بأوطانها)
وَسَأَلَهُ بعض أَصْحَابه أَن يُعَارض قصيدة رثى بهَا وَالِد مطْلعهَا
(جارتا كَيفَ تحسنين ملامى ... أيداوى كلم الحشا بِكَلَام)
فَقَالَ
(خليانى ولوعتى وغرامى ... يَا خليلى واذهبا بِسَلام)
(قد دعانى الْهوى فلباه قلبى ... فدعانى وَلَا تطيلا ملامى)
(ان من ذاق نشوة الْحبّ يَوْمًا ... لَا يبالى بِكَثْرَة اللوام)
(خامرت خمرة الْمحبَّة قلبى ... وَجَرت فى مفاصلى وعظامى)
(فعلى الْعلم وَالْوَقار صَلَاة ... وعَلى الْعقل ألف ألف سَلام)
(هَل سَبِيل الى وقوفى بوادى الْجزع يَا صاحبى أَو المامي ... )
(أَيهَا السائر الْملح اذا مَا ... جِئْت نجداً فعج بوادى الخزام)
(وَتجَاوز عَن ذى الْمجَاز وعرج ... عادلا عَن يَمِين ذَاك الْمقَام)
(واذا مَا بلغت حزوى فَبلغ ... جيرة الحى يَا أخى سلامى)
(وانشدن قلبى الْمَعْنى لديهم ... فَلَقَد ضَاعَ بَين تِلْكَ الْخيام)
(واذا مَا رثوا لحالى فسلهم ... أَن يمنوا وَلَو بطيف مَنَام)
(يَا نزولا بذى الاراك الى كم ... تنقضى فى فراقكم أعوامى)
(مَا سرت نسمَة وَلَا ناح فى الدوح حمام الا وحان حمامى)
(ايْنَ أيامنا بشرقى نجد ... يَا رعاها الاله من أَيَّام)
(حَيْثُ غُصْن الشَّبَاب غض وَروض ... الْعَيْش قد طرزته أيدى الْغَمَام)
(وزمانى مساعد وأيادى اللَّهْو نَحْو المنى تجر زمامى ... )
(أَيهَا المرتقى ذرى الْمجد فَردا ... والمرجى للفادحات الْعِظَام)
(يَا حَلِيف الندى الذى جمعت فِيهِ مزايا تَفَرَّقت فى الانام)
(نلْت فى ذرْوَة الفخار محلا ... عسر المرتقى عَزِيز المرام)
(نسب طَاهِر ومجد أثيل ... وفخار عَال وَفضل سامى)
(قد قرنا مقالكم بمقال ... وشفعنا كلامكم بِكَلَام)
(ونظمنا لَهَا مَعَ الدرفى سمط ... وَقُلْنَا العبيرمثل الرغام)
стр. 1423
(لم أكن مقَاما على ذَا وَلَكِن ... كَانَ طَوْعًا لامركم اقدامى)
(عمرك الله يَا نديمى أنْشد ... جارتا كَيفَ تحسنين ملامى)
وَله يرثى وَالِده وَقد توفى بالمصلى من قرى الْبَحْرين لثمان خلون من شهر ربيع الاول سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة عَن سِتّ وَسِتِّينَ سنة وشهرين وَسَبْعَة أَيَّام ومولده أول يَوْم محرم سنة ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة
(قف بالطلول وسلها أَيْن سلماهما ... ورو من جرع الاجفان جرعاها)
(ورده الطّرف فى أَطْرَاف ساحتها ... وأرج الْوَصْل من أَرْوَاح أرجاها)
(فان يفتك من الاطلال مخبرها ... فَلَا يفوتنك مرآها ورياها)
(ربوع فضل تباهى التبر تربَتهَا ... وَدَار أنس يحاكى الدّرّ حصباها)
(عدا على جيرة حلوا بساحتها ... صرف الزَّمَان فأبلاهم وأبلاها)
(بدور تمّ غمام الْمَوْت حللها ... شموس فضل سَحَاب الترب غشاها)
(فالمجد يبكى عَلَيْهَا جازعا أسفا ... وَالدّين يندبها وَالْفضل ينعاها)
(يَا حبذا زمن فى ظلهم سلفت ... مَا كَانَ أقصرها عمرا وأحلاها)
(أَوْقَات أنس قضيناها فَمَا ذكرت ... الا وَقطع قلب الصب ذكرَاهَا)
(يَا جيرة هجروا واستوطنوا هجرا ... واها لقلبى الْمَعْنى بعدكم واها)
(رعيا لليلات وصل بالحمى سلفت ... سقيا لايامنا بالخيف سقياها)
(لفقدكم شقّ جيب الْمجد وانصدعت ... أَرْكَانه وبكم مَا كَانَ أقواها)
(وخر من شامخات الْعلم أرفعها ... وانهد من باذخات الْعلم أرساها)
(يَا ثاويا بالمصلى من قرى هجر ... كُسِيت من حلل الرضْوَان أصفاها)
(أَقمت يَا بَحر بِالْبَحْرَيْنِ فاجتمعت ... ثَلَاثَة كن أَمْثَالًا وأشباها)
(ثَلَاثَة أَنْت أنداها وأغزرها ... جودا وأعذبها طعما وأصفاها)
(حويت من دُرَر العلياء مَا حويا ... لَكِن دَرك أَعْلَاهَا وأغلاها)
(يَا أعظما وطِئت هام السهى شرفا ... سقاك من ديم الوسمى أسماها)
(وَيَا ضريحا على هام السماك علا ... عَلَيْك من صلوَات الله أزكاها)
(فِيك انطوى من شموس الْفضل أضوأها ... وَمن معالم دين الله أسناها)
(وَمن شوامخ أطواد الفتوة أرساها وأرفعها قدرا وأبهاها)
(فاسحب على الْفلك الا على ذيول على ... فقد حويت من العلياء علياها)
стр. 1424
(عَلَيْك منا صَلَاة الله مَا صدحت ... على غصون أَرَاك الدوح ورقاها)
وَله وَقد رأى النبى
فى مَنَامه
(وليله كَانَ بهَا طالعى ... فى ذرْوَة السعد وأوج الْكَمَال)
(قصر طيب الْوَصْل من عمرها ... فَلم تكن الا كحل العقال)
(واتصل الْفجْر لَهَا بَالغا ... وَهَكَذَا عمر ليالى الْوِصَال)
(اذ أخذت عينى فى نومها ... وانتبه الطالع بعد الوبال)
(فزرته فى اللَّيْل مستعطفا ... أفديه بِالنَّفسِ وأهلى وَمَال)
وأشتكى مَا أَنا فِيهِ من الْبلوى وَمَا أَلْقَاهُ من سوء حَال ... )
(فأظهر الْعَطف على عَبده ... بمنطق يزرى بنظم اللآل)
(فيا لَهَا من لَيْلَة نلْت فى ... ظلامها مَا لم يكن فى خيال)
(أمست خفيفات مطايا الرجا ... بهَا وأضحت بالعطايا ثقال)
(سقيت فى ظلمائها خمرة ... صَافِيَة صرفا طهُورا حَلَال)
(وابتهج الْقلب بِأَهْل الْحمى ... وقرت الْعين بِذَاكَ الْجمال)
(ونلت مَا نلْت على أننى ... مَا كَانَت أستوجب ذَاك النوال)
وَمن بدائعه فى الْغَزل
(وأهيف الْقد لدن الْعَطف معتدل ... بالطرف والظرف لَا يَنْفَكّ قتالا)
(ان جال أهْدى لنا الْآجَال ناظره ... أوصال قطع بالهجران أوصالا)
(وان نظرت الى مرْآة وجنته ... حسبت انسان عينى فَوْقهَا خالا)
(كَأَن عَارضه بالمسك عارضنى ... أَو ليل طرته فى خَدّه سالا)
(أَو طَاف من نور خديه على بصرى ... فَخط بِاللَّيْلِ فَوق الصُّبْح أشكالا)
وَقَوله
(أَسحر بابل فى جفنيك مَعَ سقم ... أم السيوف لقتل الْعَرَب والعجم)
(وَالْخَال مَرْكَز دور للعذار بدا ... أم ذَاك نضح عثار الْخط بالقلم)
هَذَا أَصله للرامينى الاسترابادى فى قَوْله
(هَل عثرت أَقْلَام خطّ العذار ... فى مشقها فالخال نضح العثار)
(أم اسْتَدَارَ الخد لما غَدَتْ ... نقطته مَرْكَز ذَاك الْمدَار)
رَجَعَ
(أم حَبَّة وضعت كَيْمَا تصيد بهَا ... حب الْقُلُوب فصادت كلم ملتئم)
أحسن مِنْهُ قَول صاحبنا الاديب اللبيب ابراهيم بن مُحَمَّد السّفر جلاتى جمل الله بِهِ
стр. 1425
الادب وَأَهله
(لَا يخدعنك تَحت عطفة صُدْغه ... خَال فَذَاك الْخَال حَبَّة فخه)
رَجَعَ
(أم كالفراش هوى طير الْفُؤَاد على ... نَار بخدك حَتَّى صَار كالفحم)
وَهَذَا قَول مَأْخُوذ من قَول عون الدّين العجمى
(لهيب الخد حِين بدا العينى ... هوى قلبى عَلَيْهِ كالفراش)
(فأحرقه فَصَارَ عَلَيْهِ خالا ... وَهَا أثر الدُّخان على الحواشى)
وللبهاء
(لعينيك فضل كثير على ... وَذَاكَ لانك يَا قاتلى)
(تعلمت من سحرها فعقدت لِسَان الرَّقِيب من العاذل ... )
وَمن رباعياته وهى كَثِيرَة قَوْله
(كم بت من المسا الى الاشراق ... من فرقتكم ومطر بى أشواقى)
(والهم منادمى ونقلى ندمى ... والدمع مدامتى وجفنى الساقى)
وَقَوله
(لما نظر الجفن ضَعِيفا نهكا ... من فرقته رق لضعفى وَبكى)
(وارتاح وَقَالَ لى أما قلت لكا ... مَا يمكنك الْفِرَاق مَا يمكنكما)
وَقَوله
(لَا تبك معاشر انأوا أوالفا ... الْقَوْم مضوا وَنحن نأتى خلفا)
(بالمهلة أَو تعاقب نتبعهم ... كالعطف بثم أَو كعطف بالفا)
وَقَوله
(قُم وامض الى الدَّيْر ببخت وسعود ... لَا يحسن فى الْمدرسَة الْيَوْم قعُود)
(واشرب قدحا وَقل على صَوت الْعود ... الْعُمر مضى وَلَيْسَ من بعد يعود)
وَقَوله
(يَا ريح اذا أتيت دَار الاحباب ... قبل عَنى تُرَاب تِلْكَ الاعتاب)
(ان هم سَأَلُوا عَن البهائى فَقل ... قد ذاب من الشوق اليكم قد ذاب)
وَقَوله
(يَا عاذل كم تطيل فى اعتابى ... دع لومك وَانْصَرف كفانى مَا بى)
(لولام اذا هَمت من الشوق فلى ... قلب مَا ذاق فرقة الاحباب)
وَقَوله
(يَا غَائِب عَن عينى لَا عَن بالى ... الْقرب اليك مُنْتَهى آمالى)
(أَيَّام نواك لَا تسل كَيفَ مَضَت ... وَالله مَضَت بأسوء الاحوال)
وَقَوله
(لَا بَأْس وان أذبت قلبى بهواك ... الْقلب وَمن سلته الْقلب فدَاك)
(وليت وَقلت أنعم الله مساك ... مولاى وَهل ينعم من لَيْسَ يراك)
وَقَوله
(أغتص بريقتى كحسى الحاسى ... اذ أذكرهُ وَهُوَ لعهدى ناسى)
(ان مت وجمرة الْهوى فى كبدى ... فالويل اذا الساكنى الارماس)
стр. 1426
وَقَوله
(ان كَانَ فراقنا على التَّحْقِيق ... هذى كبدى أَحَق بالتمزيق)
(لَو دَامَ لى الْوِصَال ألفى سنة ... مَا كَانَ يفى بساعة التَّفْرِيق)
وَقَوله
(أَهْوى رشأ عرضنى للبلوى ... مَا عَنهُ لقلبى الْمَعْنى سلوى)
(كم جِئْت لاشتكى فمذ أبصرنى ... من لَذَّة قربه نسيت الشكوى)
وَقَوله
(يَا بدر دجا بوصله أحيانى ... اذ زار وَكم بهجره أفنانى)
(بِاللَّه عَلَيْك عجلن سفك دمى ... لَا طَاقَة لى بليلة الهجران)
وَقَوله
(يَا بدر دجا فِرَاقه الْجِسْم أذاب ... قد ودعنى فَغَاب صبرا اذ غَابَ)
(بِاللَّه عَلَيْك أى شئ قَالَت ... عَيْنَاك لقلبى الْمَعْنى فَأجَاب)
وَكتب لبَعض أحبابه وَهُوَ بالمشهد
(يَا ريح اذا أتيت أَرض الْجمع ... أعنى طوسا فَقل لاهل الرّبع)
(مَا حل بروضة بهائيكم ... الا وَسَقَى رياضها بالدمع)
وَكتب لبَعض اخوانه بالنجف الاشرف
(يَا ريح اذا أتيت أَرض النجف ... فالثم عَنى ترابها ثمَّ قف)
(وَاذْكُر خبرى لَدَى عريب نزلُوا ... واديه وقص قصتى وَانْصَرف)
وَقَالَ أَيْضا
(للشوق الى طيبَة جفنى باكى ... لَو صَار مقامى فلك الافلاك)
(أستنكف ان مشيت فى روضتها ... فالمشى على أَجْنِحَة الاملاك)
وَقَالَ
(يَا من ظلم النَّفس وأخطا وأسا ... هَذَا حرم يغسل عَنْك الدنسا)
(هَذَا حرم مقدس يَخْدمه ... جِبْرِيل وميكال صباحا ومسا)
وَقَالَ
(يَا قوم الى مَكَّة هَذَا أَنا ضيف ... ذى زَمْزَم ذى منى وهذاك الْخيف)
(كم أعرك عينى لاستيقن هَل ... فى الْيَقَظَة مَا أرَاهُ أم هَذَا طيف)
وَقَالَ
(ان هَذَا الْمَوْت يكرههُ ... كل من يمشى على الغبرا)
(وبعين الْعقل لَو نظرُوا ... لرأوه الرَّاحَة الْكُبْرَى)
وَكَانَت وَفَاته لاثنتى عشرَة خلون من شَوَّال سنة احدى وَثَلَاثِينَ وَألف بأصفهان وَنقل الى طوس قبل دَفنه فَدفن بهَا فى دَاره قَرِيبا من الخضرة الرضوية وَحكى بعض الثِّقَات انه قصد قبيل وَفَاته زِيَارَة الْقُبُور فى جمع من الاخلاء الاكابر فَمَا اسْتَقر بهم الْجُلُوس حَتَّى قَالَ لمن مَعَه انى سَمِعت شَيْئا فَهَل مِنْكُم من سَمعه فأنكروا سُؤَاله واستغربوا مقاله وسألوه عَمَّا سمع فأوهم وعمى فى جَوَابه وَأبْهم ثمَّ رَجَعَ الى دَاره
стр. 1427
وأغلق بَابه فَلم يلبث ان أهاب داعى الردى فَأَجَابَهُ والحارثى نِسْبَة الى حَارِث هَمدَان قَبيلَة وجده وَهُوَ الذى خاطبه أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبُو الْحسن على بن أَبى طَالب رضى الله عَنهُ بقوله يَا حَار يَا حَارِث تَارَة بالترخيم وَأُخْرَى بالتفخيم وقصته على التَّفْصِيل مَذْكُورَة فى كتاب الامالى لِابْنِ بن بابويه
مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الامام الْقسم بن مُحَمَّد بن على قَالَ ابْن أَبى الرِّجَال عَالم ابْن عَالم كَانَ من أهل الْعلم ورعاته مطلعا على مَقَاصِد الادباء ومناهجهم وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ مكثر من عُلُوم الآراء وتعاطى الاستنباط والتكلم فى الْمسَائِل عَن نظره من غير مُتَابعَة وَذَلِكَ فى آخر أمره واشتغل بشرح آيَات الاحكام الَّتِى جمعهَا السَّيِّد الْمُحدث مُحَمَّد بن ابراهيم ابْن الْوَزير وعددها مِائَتَا آيَة ونيف وَعِشْرُونَ آيَة فَفَسَّرَهَا واستنبط مِنْهَا وَأظْهر عجائب من علمه وَأخرج الاحاديث من أمهاتها وَكَانَ من أَعْيَان الدولة المتوكلية من وُجُوه سَادَات أَهلهَا فى البسطة مِنْهُم وَكَانَ بعد موت وَالِده مُقيما بالبستان غربى صنعاء يحف بِهِ فُقَهَاء وَجَمَاعَة من الْجند وَلما توفى الامام الْمُؤَيد وَحصل مَا حصل من الِاخْتِلَاف قصد حَضْرَة عَمه الامام اسمعيل المتَوَكل الى ضوران وَكَانَ طَرِيقه على أعشار وهى طَريقَة مسلوكة فآنسه الامام وأنزله مَنْزِلَته الَّتِى يَسْتَحِقهَا ثمَّ وَجهه الى حدار للقاء الْعَسْكَر الْخَارِجَة من صنعاء من جَانب السَّيِّد أَحْمد بن الامام الْقسم فاتفقت حروب فى حدار وَمَا زَالَت الحروب مماسية مصابحة لِلْفَرِيقَيْنِ حَتَّى طلع السَّيِّد أَحْمد بن الْحسن بن الْقسم من دمار لحصار صنعاء فاجتمعا لذَلِك ثمَّ نفذ الى ثلاء وَاتفقَ تَسْلِيم أَحْمد بن الْحسن بثلاء والامير الْجَلِيل النَّاصِر بن عبد الرب ثمَّ عَاد مكرما وَارْتَفَعت حَاله وعلت كَلمته وَاجْتمعت لَهُ جنود مثل جنود أَبِيه وَولى أصقاها عَن أَمر الامام وَأَبِيهِ ثمَّ توجه فى جنده مَعَ السَّيِّد أَحْمد بن الْحسن الى نجد السّلف لقِتَال سلاطين الشرق واقتضت تهيئته جعله من جَانب مُفْرد فَقضى الامر وَكَانَ النَّصْر الذى لم يعْهَد مثله فى سَاعَة من نَهَار ذهبت سلاطين الشرق على كثرتهم ونجدتهم بَين قَتِيل وأسير فى لمحة الطّرف فَلم يصل الا وَقد انجلت المعركة عَن الْفَتْح والنصر فَلم يزل حَرِيصًا على أَن يظفر بِمِثْلِهَا فَكَانَ فى يافع مَا كَانَ من الْحَرْب لانهم لم يسلمُوا يَوْمئِذٍ تَسْلِيم طَاعَة فَاجْتمعُوا وطلع وتلاه السَّيِّد أَحْمد بن الْحسن وَأَخُوهُ مُحَمَّد وَهُوَ أحد أقطاب الْحَرْب فى نجد السّلف وأبلى بلَاء حسنا فطلعوا جبل يافع وَتمّ النَّصْر واستراح قلب صَاحب التَّرْجَمَة وظفر بِنَصِيب وافر وَعَاد هُوَ وَالسَّيِّد احْمَد ابْن
стр. 1428
الْحسن مرّة أُخْرَى الى هُنَالك وَكَانَ النَّصْر الْمُبين والتفت فى آخر عمره الى الْعلم الْتِفَات أَمْثَاله وَكَانَت الشُّيُوخ تفد اليه الى منزله وَاجْتمعَ عِنْده من الْكتب مَا لم يجْتَمع الا للسلاطين وَكَانَت وَفَاته بعد عصر الْجُمُعَة ثامن شَوَّال سنة سبع وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بالتربة الْمَشْهُورَة بالبستان بِبَاب صنعاء الغربى وبجواره فِيهَا السَّيِّد أَحْمد بن على الشامى وَعَمه السَّيِّد يحيى بن الامام الْقسم وَيحيى هَذَا كَانَ سيدا قد تأهل للرياسة وَتَوَلَّى امورا نِيَابَة عَن أَخِيه الْحُسَيْن بن الْقسم وَكَانَت لَهُ مَكَارِم فى ريعان الشَّبَاب وَتوفى عَام وَفَاة صنوه السَّيِّد يُوسُف ابْن الامام الْقسم توفى بالحمى وَدفن هُنَالك هُوَ والرئيس السَّيِّد الهادى بن على الشامى أظنهما فى تَابُوت وَاحِد وَكَانَ يُوسُف هَذَا من كملة أَهله ووجوه السَّادة ذَا مَكَارِم أَخْلَاق وَمَعَ ذَلِك فَكَانَ يزاحم اخوته الثَّلَاثَة الصلاحية والرتبة ومكافحة الاعداء وَكَانَ محببا الى الْملَّة المحمدية وَلَعَلَّ ذَلِك سر محبَّة وَالِده لَهُ فانه كَانَ عِنْده يُوسُف اخوته وكمله الله تَكْمِيل يُوسُف فى الْخلق وَمَات فى عَام مَوْتهمَا السَّيِّد الْحسن بن الشَّهِيد على بن الْقَاسِم وَكَانَ سيدا رَئِيسا يحب المعالى وَتمكن من ركُوب الْخَيل تمكننا عجيبا فِيهِ يضْرب الْمثل وَتوفى بضوران وقبر بالمقبرة الَّتِى تاخذ من جَانب الْقبْلَة الى جَانب الغرب عَن مَدِينَة الحصنى وَكَانَ مَوْتهمْ فى وَقت مُتَقَارب فى حُدُود سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف أَو قبلهَا بعام وفى هَذَا الْمَعْنى كتب السَّيِّد الْحُسَيْن بن الْقسم الى أَخِيه الامام المتَوَكل اسمعيل قَوْله
(سادة عجلوا بكاس المنايا ... عجبا مَا امْر كأس المنيه)
(من فقيدين سيدين بصنعا ... وبضوران قتل نفس زكيه)
(ثمَّ من بالحمى أجل فقيد ... يُوسُف ذُو المحاسن اليوسفيه)
(يَا لَهَا أوجها غَدَتْ فى لحود ... كَالنُّجُومِ الَّتِى تضئ فهى بهيه)
(مَا رعى الْمَوْت فى علاهم ذماما ... للمعالى وللخلال السنيه)
(أودع الْقلب فقدها حر نَار ... ضاعف الله أجرهَا من رزيه)
مُحَمَّد بن حُسَيْن بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن عين الْملك الدمشقى الصالحى الشَّاعِر الشهير بالقاق كَانَ شَاعِرًا مجودا عَارِف بأساليب الشّعْر واللغة لكنه خَبِيث اللِّسَان كثير الهجاء والوقوع فى النَّاس لَا يكَاد يسلم من لِسَانه أحد وَجمع ديوانين من شعره أَحدهمَا للمدح وَالْآخر للهجو وسمى الثانى بئس الْمصير وَكَانَ جده مُحَمَّد من أهل الصّلاح صوفى الطَّرِيقَة ووالده من أفاضل الادباء وَلَهُم زَاوِيَة فى الصالحية بَاقِيَة
стр. 1429
الى يَوْمنَا هَذَا وَنَشَأ مُحَمَّد هَذَا ودأب فى التَّحْصِيل حَتَّى برع قَالَ والدى رَحمَه الله تَعَالَى فى تَرْجَمته ثمَّ نبذ بالقاق وَولى النِّيَابَة بنواحى دمشق وَمِنْهَا جُبَّة عَسَّال قلت واياها عَنى الامير المنجكى فِيمَا كتب بِهِ الى قاضى الْقُضَاة بِدِمَشْق وَابْن الحسام يتشفع لَهُ بِتِلْكَ النَّاحِيَة
(عَبدك القاق يشبه السعدى ... نتفت ريشه يَد الْبرد)
(جد عَلَيْهِ بجبة كرما ... نَاحيَة تِلْكَ لَا كسا الْبرد)
ثمَّ ولى نيابات المحاكم بِدِمَشْق كالصالحية والميدان والعونى وَكَانَت هَذَا الاخيرة أعظم مَطْلُوبه وَكَانَ ظرفاء الادباء يجعلونها مدارا لنكاتهم اذا قصدوه وَذَلِكَ لَان بِالْقربِ مِنْهَا جَامعا يُقَال لَهُ الجوزة فَكَانَ مِمَّا يُقَال فِيهِ القاق فى الجوزة للعونى تعا ثمَّ سَافر الى الرّوم وَأقَام بهَا مُدَّة ولازم سلك طَرِيق القضا بَعْدَمَا طَار غراب شبابه وَمضى وانفصل عَن قَضَاء حمص بعد مَا ضَبطهَا مُدَّة قَليلَة من الزَّمَان وفى الْمثل كل طير خَارج عَن لغاته لحان وَقد قيل أَرَادَ الْغُرَاب أَن يمشى مشْيَة الحجلة فنسى مشيته الاولى وَلم يصب مشيتهَا فأظهر خجله وَكَانَ كَمَا فى الْمثل الْمَشْهُور أخف حلما من العصفور يبكر الى زِيَارَة الاصحاب وفى الْمثل أبكر من غراب لَهُ مشرب خَاص بِهِ لم يسْلك أحد على أسلوبه وَله شعر كثير غالبه فى الهجاء كَأَنَّهُ منحوت من صَخْر أَو غابة لَيْسَ فِيهَا زهر وَكَانَ دَائِما يهدد بِهِ من حضر وَلَيْسَ بصياح الْغُرَاب يجِئ الْمَطَر وَكَانَ ارتحل الى طرابلس الشَّام وسكنها وَتزَوج بهَا وجاءه أَوْلَاد بِتِلْكَ الديار وَصَارَ بهَا نَائِبا عَن بعض الْقُضَاة فرجم ذَلِك القاضى بالاحجار وفى الْمثل من كَانَ دَلِيله الْغُرَاب رضى بالمنزل الخراب
(اذا كَانَ الْغُرَاب دَلِيل قوم ... فناووس الْمَجُوس لَهُم مصير)
وفر مِنْهَا صَاحب التَّرْجَمَة طَار الى عشه الاول وَلم يعد عَن اخلاقه السَّيئَة وَلم يتَحَوَّل وَكَانَ وحشيا لَا يألف كل أحد الا بعض أشخاص ألفهم وألفوه وَمن قديم عرفوه ونتفوه وَلَا دباء دمشق فِيهِ أهاج كَثِيره وَلَهُم مَعَه مداعبات مشهوره والطف مَا وقفت عَلَيْهِ مِنْهَا قصيدة كتبهَا الاديب ابراهيم الاكرمى الصالحى الى أَحْمد بن شاهين وَذكر فِيهَا أَسمَاء جملَة من الطُّيُور الى أَن استطرد الى ذكر القاق وهى قصيدة عَجِيبَة فى بَابهَا ومطلعها
(مولاى يَا نسر المعالى رفْعَة ... يَغْدُو لَدَيْهَا الرخ ذَا اطراق)
стр. 1430
(لَك عَزمَة الشاهين حَقًا يَا ابْنه ... وسطا الْعقَاب بِكُل أخيل زاق)
(أفديك من باز حماه أعز من ... بيض الانوق أعز ذى اشراق)
(فقت القطامى الْمجد براعة ... وبلاغة يَا أحوذى سباق)
(يَا مزريا بالببغاء فصاحة ... أَنا ذَا مطوقك الصدوح الزاقى)
(يَا خير مَسْعُود بأيمن طَائِر ... يَا دَائِم الافضال والاشفاق)
(يَا بلبل الافراح فى دوح المنى ... وهزار أنس الواله المشتاق)
(لَا زلت مَا دعت الهديل حمائم ... قَوَّال صدق لَيْسَ بالمذاق)
(ندعوك للجلى فيجلى خطبهَا ... لَا زلت مذخور النَّفْع رفاق)
(قل للبغاث الصعو خفاش الدجا ... حاكى الصدا فى الْخلق والاخلاق)
(ثانى غراب الْبَين آوى منزلا ... بِحَدِيث زور مُسْند كنفاق)
(يَا أَيهَا الصرد الذى من صافر ... أدهى وأجبن خل عَنْك شقَاق)
(مَا يدْرك الخطاف فى طيرانه ... للجو شأو الاجدل الخفاق)
(والمطرب الصداع لست أعده ... فى الطير قبل الابقع النعاق)
(هَل أَنْت الا كالحبارى خصْلَة ... فسلاحها بسلاحها الدفاق)
(قبحت يَا خرب الخرائب ذلة ... يَا مشبه العصفور من دراق)
(أضحى يعرض نَفسه من جَهله ... للْخَارِج الفتاك ذى الاخفاق)
(أطرق كرا ان النعامة فى الْقرى ... يرنو اليها الطير بالاحداق)
(نَحن البراة الشهب فى أفق العلى ... تعنو لَهَا العنقاء بالاعناق)
(ويصفى الطاوس من عجب بِنَا ... ويغرد القمرى للعشاق)
(وَلنَا الشوارد فالجوارح بَعْضهَا ... وَالْبَعْض هن سواجع الاوراق)
(فتشان أَقوام وأقوام بهَا ... تزهو كزهو الْوَرق بالاطواق)
(فَمن الْعَجَائِب وهى عندى جمة ... عتبى على زاغ بِغَيْر خلاق)
(وَمن استحالت الزَّمَان وقبحه ... وصفى وطاوط مَالهَا من واق)
(رخم سوانحها بوارح عائف ... تحكى العقاعق أولعت بشقاق)
(واسلم وَدم فى نعْمَة لبدية ... أبدية تبقى ومجدك باقى)
(مَا غردت ورق الْحمام فهيجت ... وجد الْكَرِيم ولاعج الاشواق)
(فلأنت فِينَا نعْمَة بل رَحْمَة ... يَا أَحْمد الْمَحْمُود بِاسْتِحْقَاق)
стр. 1431
وفى ايراد هَذِه القصيدة غنية عَن ذكر مَا هجى بِهِ وَمن أحاسن شعره قَوْله من قصيدة
(سقى الخزاما باللوى والاقاح ... من عَارض أَبْلَج سجل النواح)
(حَتَّى ترَاهَا وهى مخضلة ... تغص ريا بالزلال القراح)
(معاهدا للانس كَانَت وَهل ... لى وَقْفَة بَين جنوب البطاح)
(أَيَّام فى قَوس الصِّبَا منزع ... وللملاهى غدْوَة أَو رواح)
(والظبية الادماء لى منية ... وحبذا مرض الْعُيُون الصِّحَاح)
(لم أنس يَوْم الطلح اذ ودعت ... وأدمت الْقلب بِغَيْر الْجراح)
(يَا وَقْفَة لم يبْق فِيهَا النَّوَى ... الا ظنونا لَيْسَ فِيهَا نجاح)
(يَا قلب خُذ بى عَن طَرِيق الْهوى ... ففى مُنَاجَاة المعالى ارتياح)
(فالراح والراحة ذل الْفَتى ... والعز فى شرب ضريب اللقَاح)
وَمن شعره قَوْله فى دولاب المَاء
(ودولاب روض قد شجانا أنينه ... وحرك منا لوعة ضمنهَا حب)
(وَلكنه فى بَحر عشق جَهَالَة ... يَدُور على قلب وَلَيْسَ لَهُ قلب)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته بالصالحية فى سنة سِتّ بعد الالف وَتوفى فى ختام ذى الْحجَّة سنة سِتّ وَسبعين وَألف وَدفن بزاويتهم بسفح قاسيون وَمن غَرِيب خَبره ان تمرض ببستان يعرف بالجور تَحت جوزة فِيهِ وَمَات ثمَّة
مُحَمَّد بن حُسَيْن الملا بن نَاصِر بن حسن بن مُحَمَّد بن نَاصِر بن الشَّيْخ القطب الربانى شهَاب الدّين الاشقر العقيلى الْمَشْهُور الْمَعْرُوف قَبره بِمَدِينَة حماه الحموى الحنفى الْفَاضِل البارع المفنن كَانَ لَهُ صِحَة فهم وذكاء ومشاركة جَيِّدَة فى عُلُوم مُتعَدِّدَة وَطيب محاورة وَصدق لهجة ولد بحماة وَبهَا نَشأ ولازم وَالِده فى الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وَتخرج بِهِ وَأخذ عَن خَاله الْخَطِيب أَحْمد بن يحيى علوما مُتعَدِّدَة وتأدب بهما وَلما جارت حكام ذَلِك الاقليم على أَهله هَاجر غالبهم الى دمشق فَكَانَ مِمَّن هَاجر مَعَ وَالِده وَأَهله وتوطن دمشق سِنِين عديدة ورحل الى مصر وَأخذ بهَا عَن شيوخها كالعلامة عَامر الشبراوى وَالشَّيْخ سُلْطَان المزاحى وَالشَّمْس البابلى ولازم فى الْفِقْه حسن الشرنبلالى وَعمر الدفرى وَغَيرهمَا من فُقَهَاء الْحَنَفِيَّة وأجازوه وَكتب بِخَطِّهِ كتبا كَثِيرَة وتكرر تردده الى مصر لطلب الرزق بِالتِّجَارَة على عَادَة أسلافه الْمَارَّة وجاور بالحرمين سِنِين كَثِيرَة ورحل الى الْيمن مرَّتَيْنِ ثمَّ تدير مصر وَأقَام بهَا على
стр. 1432
الِاشْتِغَال وَهُوَ خَال صاحبنا الْفَاضِل الاديب الاريب مصطفى بن فتح الله شَقِيق والدته كفله بعد موت أَبِيه ورباه وَبِه تخرج كثيرا وَقَرَأَ عَلَيْهِ طرفا من الْعَرَبيَّة وَذكر ان لَهُ شعرًا كثيرا قَالَ لَكِن لم يحضرنى مِنْهُ الا قَوْله فى غُلَام اسْمه عذيبى
(قد مسنى قلق فى وسط ساعية ... والبين يجرى دموعى وهى تجرى بى)
(من عشق ذى هيف حلوا للمى غنج ... أَزورهُ خافيا وَالصُّبْح يغرى بى)
(أَشْكُو إِلَى الله من ممشوق قامته ... وريق ثغر عذيبى فِيهِ تعذيبى)
وَكَانَت وِلَادَته فى سنة أَربع وَعشْرين وَألف وَتوفى بِمصْر يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع جُمَادَى الاولى سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وَدفن بمقبرة المجاورين رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن خَلِيل الاحسائى المكى الاديب الشَّاعِر الْمَشْهُور ذكره السَّيِّد على ابْن مَعْصُوم وَقَالَ فى وَصفه قَاض قضى من الادب الارب وحظى باتشاف الضَّرْب من لِسَان الْعَرَب وَمَا زَالَ بكعبة الْفضل طائف حَتَّى تقلد منصب الْقَضَاء بِالطَّائِف وَكَانَ شَدِيد الْعَارِضَة فى علم الْعرُوض مُبينًا لطلابه مِنْهُ السّنَن والفروض مَعَ المام جيد باللغة والاعراب ومفاكهات تنسى مَعهَا نَوَادِر الاعراب وَهُوَ من أبدع النَّاس خطا وأتقنهم للكتب نقلا وضبطا كتب مَا ينوف على الالوف وخطه بالحجاز مَعْرُوف ومألوف وَله شعر أَجَاد فِيهِ وأبدع وأودعه من الاحسان مَا أودع فَمِنْهُ قَوْله مهنيا الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المرشدى بِالْمَدْرَسَةِ السليمانية لما تقلد تدريسها
(لقد سرنى مَا قد سَمِعت فهزنى ... بلذته هز المدام فأسكرا)
(وَذَلِكَ لما أَن غَدا الْحق رَاجعا ... لاهليه من بعد الضلال مكبرا)
(فدونكها مفتى الانام حَقِيقَة ... وانا لنَرْجُو فَوق ذَلِك مظْهرا)
وَقَوله فى النسيب
(وشادن كالبدر شاهدته ... عيونه الدعج تميت الانام)
(بدأت بِالتَّسْلِيمِ حباله ... فَقَالَ بالغنج عَلَيْك السَّلَام)
وَكتب الى القاضى تَاج الدّين المالكى وَقد فوض اليه تَفْرِيق الصَّدقَات الْهِنْدِيَّة
(امام هَذَا الْعَصْر لَا ... تجْعَل محبك فى الاضاعه)
(مَا خلت حاجاتى اليك وان نأت دارى مضاعه)
(لَا تنس ثدى مودتى ... بينى وَبَيْنك وارتضاعه)
стр. 1433
(فَلَقَد عهدتك فى الْوَفَاء أَخا تَمِيم لاقضاعه ... )
(علما بأنك لى تود من التفاريق الفقاعه ... )
(صدقَات قطر الْهِنْد قد ... صَارَت اليك بِلَا دفاعه)
(لَا تتركنى فى الرعاع اذا تَفَرَّقت البضاعه ... )
وَكتب اليه مستقضيا مِنْهُ ارسال نعل كَانَ طلبَهَا مِنْهُ وَهُوَ بِالطَّائِف
(قاضى الشَّرْع فقت هَذَا الاناما ... بحجى ثَابت وَعز فداما)
(وذكاء يُفِيد كل ذكى ... واطلاع يخجل النظاما)
(ان أهل الْكَمَال عطل وتاج الدّين تَاج يزين الاقواما ... )
(من أنَاس فى بطن مَكَّة سادوا ... اذ غدوا يمنحون فضلا لَهَا لما)
(زَينُوا منصب الرياسة وَالْفضل بِفضل ومنطق لن يراما ... )
(مذ حللت الْحجاز ضاء ومذ غبت راينا عَلَيْهِ حزنا ظلاما ... )
(كل وَقت لم ننس ذكرك فِيهِ ... فاحفظن للمحب مِنْك الذماما ... )
(وادكر حَاجَة الْمُحب وان رك ادكارى لَهَا فحاشى المقاما ... )
فَرَاجعه القاضى بقوله مداعبا
(وصلت رقْعَة الْحَمِيم وَلَكِن ... اقْتضى النّظم ان أَقُول الحماما)
(وصلت يقظة عيَانًا وَكَانَت ... وصلت قبل ذَا مرَارًا مناما)
(أذكرتنى فأذكرت غير نَاس ... لَا تخلنى أنساك حاشى المقاما)
(وكأنى أَرَاك تعرك بالتفكير فِيهَا مِنْك القذال دواما)
(ان تكن قد ضعفت لما ترَاخى ... بعثها عَن وصولنا يَا هماما)
(فاعتذارى شحى بأنسك لما ... كل حِين تَزُورنَا أحلاما)
(يَا لَهَا من مَطِيَّة أمتعتنا ... بمحياك زَائِرًا بساما)
(قد لعمرى وريت فِيهَا بلطف ... واحتكمت التنكيت فِيهَا احتكاما)
(كل أبياتها قُصُور وَلَكِن ... كَانَ بَيت القصيد مِنْهَا الختاما)
(فنشقنا فتيت مسك ختام ... زَاد نشرا بِمَا افتتحت النظاما)
(عجل الله ذَلِك الفأل مِنْهُ ... وَأقَام الْمُحب ذَاك المقاما)
فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْجَواب بقوله
(وصلت رورة الفريد على مَا ... كَانَ فى حليها محبا فقاما)
стр. 1434
(وهى فى كَفه يفكر فِيهَا ... أيرى ذرْوَة لَهَا أم سناما)
(أم يخلى سَبِيلهَا فى عفاء ... ليرى انها تقيم النظاما)
(واذا احتجتها ليَوْم نزال ... فحميمى يكون فِيهَا اماما)
(زِينَة يَوْم زِينَة وهى فى الْكَفّ سلَاح اذا أردنَا اللطاما ... )
الى أَن قَالَ
(ثمَّ لَا زلت من أياديك تمطى ... كل وجناء لَا تمل الزماما ... )
(كل يَوْم أرى نوالك يهمى ... مخجلا حِين يستهل الغماما)
(يَا أَخا الْفضل اننى فى زمَان ... سل من جوره على الحساما)
(صدعنى فصدعنى صديقى ... ورآنى لَا أستحق السلاما)
(هَذِه قسمتى جرت من قديم ... كلما رمته أرَاهُ حَرَامًا)
(وابق يَا سيدى وقرة عينى ... فى سرُور ونعمة لَا تسامى)
(مَا أَجَاد الْمطَالع الغر ذُو الشّعْر وَمَا أحسن البليغ الختاما ... )
وأتبع ذَلِك بنثر فَقَالَ وَبعد فقد وصلت المطية الَّتِى هى حَمْرَاء الْوَبر المركوبة فى السّفر والحضر الكافية راكبها مؤونة نَفسهَا فَلَا تشرب المَاء وَلَا ترعى الشّجر فقبلها الْمَمْلُوك وَمَا قبلهَا وأجهدها بعد مَا قبلهَا فَشكر الله فَضلكُمْ وَلَا أعدم أحبابكم طولكم وَالسَّلَام قلت وتشبيه النَّعْل بالمطية وَالرَّاحِلَة وَقع كثيرا فى شعر الْعَرَب من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين فَمِنْهُ قَول بعض الْعَرَب
(رواحلنا سِتّ وَنحن ثَلَاثَة ... نجنهن المَاء فى كل منزل)
وَقَالَ أَبُو نواس
(اليك أَبَا الْعَبَّاس من بَين من مَشى ... عَلَيْهَا امتطينا الحضرمى الملسنا)
(قَلَائِص لم تعرف حنينا على طلا ... وَلم تدر مَا قرع الضّيق وَلَا الهنا)
وَقَالَ أَبُو الطّيب
(لَا ناقتى تقبل الرديف وَلَا ... بِالسَّوْطِ يَوْم الرِّهَان أجهدها)
(شراكها كورها ومشفرها ... زمامها والشسوع مقودها)
وَقَالَ أَيْضا
(وحبيت من خوص الركاب بأسود ... من دارش فَغَدَوْت أمشى رَاكِبًا)
وَلما تولى القاضى مُحَمَّد قَضَاء الطَّائِف فى سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف أرخ ولَايَته الباشا مُحَمَّد رضَا الشهير بعجم زَاده بقوله القاضى مُحَمَّد وأرخه القاضى تَاج الدّين
стр. 1435
بقوله قَاض بِالطَّائِف وَكَانَ قد عزل بِهِ القاضى احسان ابْن الْمدرس وَلم يكن مَحْمُود السِّيرَة فَكتب اليه القاضى تَاج الدّين
(قَاض طَرِيقَته المثلى قد اشتهرت ... فَلَيْسَ يخفى سناها مِنْهُ كتمان)
(تبدى سَرِيرَته مَعْلُوم سيرته ... كالطرس دلّ على مَا فِيهِ عنوان)
(فحبه لصلاح الْخلق أجمعهم ... سحية لم يحزها قطّ انسان)
(مَا زَالَ يبْذل فى الْمَعْرُوف قدرته ... حَتَّى تناقلت الاخبار ركبان)
(فصان عَن فعل احسان حكومته ... اذ طالما استبعد الاحرار احسان)
قلت وَرَأَيْت بِخَط الاخ ابْن فتح الله هَذِه الابيات كتبهَا القاضى مُحَمَّد الْمَذْكُور الى القاضى تَاج الدّين وَقد طلب شَيْئا من شعره
(لديك أَخا الْعليا وَالْفضل وَالْعلم ... وَمن جلّ من بَين الاخلاء بالفهم)
(تحل رحال الظاعنين وَمن غَدا ... اليك بدا فى حاملى الْعلم كالنجم)
(لَئِن كَانَ رب الْعلم كالرأس فى الورى ... فَأَنت لَهُ تَاج يضئ بِلَا كتم)
(طلبت من النّظم البديع لآلئا ... فدونكها كالعقد فى الْحسن وَالنّظم)
(تشنف أسماع الروَاة بدرها ... وتقطع أفلاذ الغبى من السعم)
(فيا أَيهَا القاضى المولد طبعه ... من الْعلم أفنانا تجل من العقم)
(نَوَائِب هَذَا الدَّهْر غالت قريحتى ... ودقت عظامى بعد تمزيقها لحمى)
(فَلَو أَن هَذَا الدَّهْر يبدى تعطفا ... لظل بديع النّظم وَالنّظم فى سهم)
(وَلَو أَن جزأ من همومى مفرق ... على الْخلق عاموا فى بحار من الْهم)
(وسامح فمنديل الْقَرار مقطع ... ورق لقلب لَا يقر من الْقدَم)
(وَدم أبدا فى نعْمَة ضد هاله ... يطَأ طئ رَأْسا فى الرغام الرغم)
وَكَانَت وَفَاته فى سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف
مُحَمَّد بن دَاوُد قاضى الْقُضَاة بِالشَّام الشهير برياضى الاطروش الرومى أوحد فضلاء الرّوم وشعرائهم المفلقين وبنغائهم الموصوفين وديوانه بَينهم سَائِر مَشْهُور مَرْغُوب فِيهِ وَله تذكرة الشُّعَرَاء وهى مَقْبُولَة أَيْضا وَاخْتصرَ من تَارِيخ ابْن خلطان كتابا مُخْتَصرا وَكَانَ يتبجح بتأليفه ولى قَضَاء الشَّام فى يَوْم الاربعاء ثامن عشر جُمَادَى الاولى سنة سِتّ وَعشْرين ودخلها وأرخ تَوليته الشَّيْخ عبد اللَّطِيف المنقارى بقوله
(قَالَ الحيا لما اسْتَقر بجلق ... قَاض بِهِ فاض عُيُون حياضى)
стр. 1436
(أرخت مقدمه فَكَانَ بجلق ... يَا صَاح تَارِيخا بهاء رياضى)
وَكَانَ مَذْمُوم السِّيرَة فى قَضَائِهِ لِكَثْرَة طمعه وَقلة انصافه وَتصرف فى زَمَنه مِنْهُ يُوسُف ابْن كريم الدّين رَئِيس الْكتاب فى حُقُوق النَّاس وَأَمْوَالهمْ وَجمع أَمْوَالًا كَثِيرَة لانه كَانَ يلْعَب بِهِ لعب الصّبيان بالكرة وَكَانَت لَهُ زَوْجَة مَشْغُولَة باللهو واللعب سمع عِنْدهَا لَيْلَة صَوت الْآلَات فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالَت لَهُ ان المؤذنين يذكرُونَ فى المنارة فَصدق قلوها وَكَانَت متصرفة فى منصبه وفيهَا يَقُول العمادى
(قضايا ابْن دَاوُد فى حرثه ... على عجل لم تزل جاريه)
(تلقنه الحكم عِنْد القضا ... فيا ليتها كَانَت القاضيه)
وَقد سبقه الى ذَلِك بعض الشُّعَرَاء فى هجو قَاض كَانَ مَحْكُومًا لامْرَأَته
(بلينا بقاض لَهُ زَوْجَة ... عَلَيْهِ أوامرها ماضيه)
(فيا ليته لم يكن قَاضِيا ... وَيَا ليتها كَانَت القاضيه)
ثمَّ عزل عَن قَضَاء الشَّام ورحل الى الرّوم فَلم تطل مُدَّة مكثه بهَا حَتَّى مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فى حُدُود سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف بقسطنطينية قَالَه النَّجْم الغزى
مُحَمَّد بن زين الدّين النخجوانى الاصل الدمشقى المولد تقدم أَخَوَاهُ ابراهيم وَأحمد الْمَعْرُوف بالمنطقى وَمُحَمّد هَذَا هُوَ الاكبر مِنْهُم كَانَ من أَعْيَان عُلَمَاء الشَّام وكرمائها ورزق الْحَظ الْعَظِيم فى الرياسة أول أمره ونفذت كَلمته وَولى النِّيَابَة بِدِمَشْق مَرَّات عديدة وَكَذَلِكَ قسْمَة الْعَسْكَر وَكَانَ حسن الْخط وَله معرفَة بالانشاء فى اللُّغَة الفارسية والتركية وَفِيه سخاء ولطف وَحسن لِقَاء الا أَنه كَانَ محتالا كذوبا واستبد بعزة وافرة وَلم يسْبقهُ أحد الى التَّصَرُّف الذى كَانَ فِيهِ والاختلاط بالوزراء والحكام وَكَانَ جلّ النَّاس الَّذين يحترمون ساحته ويخشون من أذيته لجسارته فى الامور ولوجود اخيه الاوسط المنطقى فى الرّوم وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ صَدرا من صُدُور الشَّام وَفِيه يَقُول الْفَتْح ابْن النّحاس قصيدته الْمَشْهُورَة وهى من غرر القصائد ومطلعها
(نظر والغايتك الَّتِى لم تلْحق ... فتحققوا ان العلى للسبق)
(طلبُوا العلى وَسعوا وَلَكِن فتهم ... وأتيت من طرق لَهَا لم تطرق)
(شابوا وَمَا لَحِقُوا الْغُبَار فحظهم ... مَا كَانَ غير غُبَار شيب المفرق)
(بأخيك أَو بك أشرقت سبل العلى ... وتبسمت بالبارق المتألق)
(من للعلى بِمُحَمد وبأحمد ... حَتَّى تدل بمنظر وبمنطق)
стр. 1437
(لَا يبعد الاخوان كل فرقد ... لَكِن كلا مشرق فى مشرق)
(وهما كَمَا ضاءت بنجمهما العلى ... ستضئ بالصبحين جبهة جلق)
(أمحمد وكلاكما من دوحة ... تدلى بفرع فى المعالى معرق)
(حببت عشق الْمجد حَتَّى سامه ... من كَانَ ذَا عشق وَمن لم يعشق)
(لَكِن تفاوتت الحظوظ فعاشق ... رزق الْوِصَال وَآخر لم يرْزق)
(انى لَا عذل حاسديك لانهم ... يترقبون وُقُوع مَا لم يخلق)
(تَعب الذى فى الارض أصبح طاويا ... للفرقدين حَشا الحسود المحنق)
(لَا تخشهم فالدهران تنقم بهم ... ينقم وان تعطف لرفق يرفق)
(واذا وجدت من الْعِنَايَة سلما ... فامدد خطاك وثق بِرَبِّك وارتقى)
(واسلم على خدع الحظوظ موفقا ... ليدوم من عاداك غير موفق)
وَلما ولى أَخُوهُ المنطقى قَضَاء حلب أرسل يَطْلُبهُ اليه فَرَحل وَأخذ مَعَه أَخَاهُ الاصغر ووالدتهم وأختا لَهُم ثمَّ ولى أَخُوهُ قَضَاء الشَّام فصيره بعد أَيَّام نَائِبا عَنهُ وَوَقعت مِنْهُ هفوة فأهان الشَّيْخ عمر بن قطب الدّين وَهُوَ مَعْرُوف بِصِحَّة الانتساب الى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ فاتهم لذَلِك بالرفض وَقتل أَخُوهُ قَرِيبا من ذَلِك فضاقت فى وَجهه الشَّام وَخرج الى حلب وآمد وَأقَام مُدَّة فى تِلْكَ النواحى ثمَّ رَجَعَ الى الشَّام فى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَولى قسْمَة الْعَسْكَر ثمَّ عرضت لَهُ أُمُور فَهَاجَرَ الى الرّوم وَأقَام خمس سنوات ثمَّ صَار قَاضِيا بأرزن الرّوم وَلما عزل عَنْهَا جَاءَ الى دمشق وَأقَام بهَا مُدَّة وَبَاعَ أَكثر كتبه وأسبابه ورحل الى دَار الْخلَافَة فَلم يطلّ مقَامه بهَا حَتَّى مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فى سنة سِتّ وَخمسين وَألف عَن سِتّ وَخمسين سنة
مُحَمَّد بن زين العابدين بن مُحَمَّد بن على أَبُو الْحسن الاستاذ الْكَبِير قطب الاقطاب الشَّمْس البكرى الصديقى المصرى بركَة الدُّنْيَا وسر الْوُجُود ولسان الحضرة ولب الْبَاب الْعرْفَان كَانَ من الْعلم وَالتَّحْقِيق آيَة من آيَات الله تَعَالَى وَمن الْولَايَة والتحقق غَايَة من الغايات وَكَانَ فصيح الْعبارَة طلق اللِّسَان كثيرا الْفَوَائِد جم النَّوَادِر وَكَانَت الْولَايَة ظَاهِرَة عَلَيْهِ مَعَ الدّين المتين وَالْعقل الْكَامِل والتظاهر بِالنعْمَةِ فى الملبس والمأكل والخدمة وَكَانَ من أحسن النَّاس خلقا وخلقا مجللا عِنْد الكبراء والوزراء ذَا جاه عريض مُعْتَقدًا عِنْد عَامَّة النَّاس وخاصتهم مسموع الْكَلِمَة مَقْبُول الشَّفَاعَة يرجع اليه فى مشكلات الامور رفيع الهمة كريم الاخلاق ولد بِمصْر وَنَشَأ بهَا
стр. 1438
وَحفظ الْقُرْآن وتأدب واشتغل بِطَلَب الْعُلُوم واتقنها وبرع فى كثير من الْفُنُون سِيمَا علم التَّفْسِير والْحَدِيث وَكَانَ لَهُ فى عُلُوم الْقَوْم وأصول التصوف قدم راسخ وَأَقْبل على التدريس الى أَن صَار رَئِيس الْبَيْت البكرى فَكَانَ يدرس على عَادَة اسلافه فى الْجَامِع الازهر فى الليالى الْمَشْهُورَة كليلة المولد والمعراج وَالنّصف من شعْبَان ثمَّ لما كبر ترك ذَلِك كُله واستقل بالافادة فى بَيتهمْ الْمَعْمُور وَقد ذكره والدى رَحمَه الله تَعَالَى فى رحلته المصرية فَقَالَ فى وَصفه عين أَعْيَان هَذِه القاده وثمين دُرَر هَذِه القلادة فرع غُصْن الدوحة البكريه وفنن الشَّجَرَة الطاهرة الصديقيه الَّتِى لم تزل من الْبركَة والسمو فى النَّمَاء أَصْلهَا ثَابت وفرعها فى السَّمَاء رونق الليالى والايام وتاج رَأس الْعلمَاء الاعلام بهجة الْجَمِيع ورواء حسنها البديع من أضحت لَهُ فى الْعُلُوم الْحَقِيقِيَّة الرُّتْبَة الشامخة وفى المعارف الالهية الْقدَم الراسخه وَلَو لم يكن لَهُ من عُمُوم الشّرف الاخصوص هَذِه النسبه لكفاه ذَلِك فى الْفَخر وعلو الرتبه وناهيك فخرا بِأَنَّهُ من ذُرِّيَّة من اخْتَارَهُ الرَّسُول للصحبة والمصاهرة واصطفاه للخلافة على مِلَّته وشريعته الطاهره فيحق لاهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن يطوفوا ويسعوا الى هَذَا الْبَيْت فى كل وَقت سَاعَة فيا لَهُ بَيت عموده الصُّبْح وطينته المجره وَمن ادّعى بَيْتا يضاهيه فَتلك مِنْهُ معره ان تكافأت الْبيُوت فى الشّرف فعلى شرف هَذَا الْمعول أَو تطاولت فى الانساب فدعائم هَذَا الْبَيْت أعز وأطول وانى لاحمد الله تَعَالَى على ان جبلنى على المغالاة فى حبهم وطبعنى على الْمُوَالَاة لاهل الْبَيْت ولاهل نسبهم انْتهى وَاجْتمعَ بِهِ شَيخنَا الْعَلامَة ابراهيم بن عبد الرَّحْمَن الخيارى المدنى فى مرتحله الى مصر وَذكره فى رحلته الَّتِى ألفها وَقَالَ بعد توصيفه وَقد شرفنى لمناسبة ذكر النّيل بتأليف لَهُ فِيهِ جَدِيد عهد وفريد عقد ذكر فِيهِ النّيل وَمَا ورد فِيهِ من الْآيَات والاحاديث وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من ذكر مبدئه وَمن أَيْن هم أَجَاد فِيهِ كل الاجاده وَحَازَ الْحسنى وزياده وَأما شعره فَمَا العقد الفريد فى أجياد الغيد قد أشرقت فى الخدود ذَات التوريد وَمَا قلائد العقيان تنضدت فى نحور الحسان وَأما نثره فَمَا لرياض النضرة كلل عُيُون زهرها الطل وَنبهَ أحداق الْورْد والنرجس بهَا الوبل وسرى عليل نسيمها مبلل الاذيال بعذب تسنيمها وَمَا زواهر الافق المنتثرة قد لاحت مشرقة فى فلكها مضيئة فى طرائق حبكها تهدى من ضل وتورده من نهر مجرتها النهل والعل
стр. 1439
من تتويجهما بجواهر المعارف وتسميطهما باليواقيت من بَحر كل عَارِف تلهج مِنْهُمَا اذ تحلى بهما بعد الآذان السطور والطروس وتتملى بهما الاعيان والقلوب والنفوس وَقد أصبحا بَيت القصيد المشيد العالى ويتيمة سلك الْخَلَاص المنضد بفرائد اللآلى فتخلب الافئدة وَتَشَوُّقِ وَتَدْعُو اليهما الالباب وتسوق وَقد جاوزا الْحَد كَثْرَة وبلاغة وتفننا فى طرق الصِّنَاعَة والصياغه وأفردا بِالْجمعِ فَكَانَا دواوين وحليا كل سمع فَمَا العقد الثمين وانتشرا فى مَشَارِق الارض وَمَغَارِبهَا وَعَما جَمِيع مسالكها ومذاهبها أردْت أَن أسطر شطر مِنْهُمَا فى هَذِه الوريقات ثمَّ أحجمت لَان ذكر الْبَعْض وَحذف الْبَعْض تَقْصِير فى حقوقهما الْوَاجِبَات وَالنَّفس مولعة بالانتقاء والانتقاد وَكلهَا أَفْرَاد جِيَاد وَاسْتِيفَاء الْمَوْجُود كُله لَا ينوء الْمَتْن بِحمْلِهِ فليحج كعبة ديوانه من أَرَادَ أبياته وليسلك فى سَعْيه بالصفا اليه مِيقَاته ليظفر بِالْحجرِ المكرم من ذَلِك الْبَيْت ويفوز بكيمياء السَّعَادَة الَّتِى لَا تفْتَقر الى لَو وَلَا لَيْت ومدحه بقصيدة مطْلعهَا
(لَيْسَ يهدا تشوقى والحريق ... وفؤادى أودى بِهِ التَّفْرِيق)
(وضلوع من الجوى خافقات ... حِين عز اللقا وَبَان الْفَرِيق)
(معشر أصبح الْفُؤَاد لديهم ... فى أسار والدمع فيهم طليق)
(معشر بالنقاو بَان الْمصلى ... برتاهم قلبى الْمَعْنى رَشِيق)
(لست أنسى معاهدا لظباء ... لحن فِيهِ والخد مِنْهَا شريق)
(ان تبدوا فَكل ذاتى عُيُون ... أَو تناءوا فَكل نهج طَرِيق)
(من عذيرى فى حبهم من مجيرى ... من ولوعى بهم وَكَيف أفِيق)
(غربتنى الحظوظ حَتَّى أطاحت ... بركابى النَّوَى ونهج سحيق)
(غربَة الشكل وَاللِّسَان مَعَ الاهل وَمن ذَا لبَعض ذَاك يُطيق ... )
ثمَّ تخلص الى الْمَدْح قلت وَقد وقفت للاستاذ على ديوَان مَجْمُوع أوقفنى عَلَيْهِ غُصْن دوحته الاستاذ الاعظم زين العابدين فى قَدمته الَّتِى شرف بهَا الشَّام لَا برح واطئا فَوق السها بأقدام الاجلال والاعظام وَهَذَا الدِّيوَان قد اشْتَمَل على نفائس القصائد والموشحات والمقاطيع والالغاز وَرَأَيْت الامر فِيهِ كَمَا قَالَ شَيخنَا بَينا يراج انتخاب بعض شئ مِنْهُ يقف الرأى عِنْد جَمِيعه وَالْوَقْت يضيق عَن كِتَابَته فَلم أتشرف مِنْهُ الا بِهَذِهِ الابيات من جملَة قصيدة مدح بهَا شيخ الاسلام يحبى المنقارى
стр. 1440
وأرسلها الى الرّوم ومطلعها
(أمسكية الانفاس أم عبقة الند ... وناسمة الازهار أم نفحة الْورْد)
مِنْهَا فى المديح
(ومعتقل للعز صعدة عزمه ... أَنا بيبها رعافة بِدَم الاسد)
(ومرسل ارسال العطايا مباريا ... بأيسرها وَطف الغمائم فى الرفد)
(فيا من لَهُ ودى من النَّاس كلهم ... وَمن هولى من بَينهم غَايَة الْقَصْد)
(وَمن صرت فى مدحى علاهُ كأننى ... حمامة جرعا فَوق ميالة الملد)
(على اننى مَا فهت يَوْمًا لماجد ... سواهُ بِشعر لَا بِقرب وَلَا بعد)
(وَلَكِن دعانى الشوق لبيت مسرعا ... وَهَذَا وَمَا أخفيه بعض الذى أبدى)
(ألية محنى الضلوع على الاسى ... تحار الاسى مِمَّا براه من الوجد)
(لَهُ زفرات من فؤاد تضرمت ... بِهِ نَار شوق دونهَا النَّار فى الوقد)
(لأَنْت الذى مَا حل فى الْقلب غَيره ... وَلَا حَال حالى فِيهِ من ذَلِك الْعَهْد)
(وَلم ترعينى مثله بعده وَهل ... يمِيل الى غورفتى عَاشَ فى نجد)
وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة ثانى عشرى شهر ربيع الاول سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف وَصلى عَلَيْهِ اماما بِالنَّاسِ الشَّيْخ مَنْصُور الطوخى بالازهر فى مشْهد عَظِيم حافل وَدفن بالقرافة الْكُبْرَى فى قبَّة آبَائِهِ الْمَعْرُوفَة هُنَاكَ رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن سعد الكلشنى نزيل دمشق كَانَ من أدباء الصُّوفِيَّة لَهُ محاضرة رائقه وأخبار عَجِيبَة وَكَانَ فضلاء دمشق يميلون اليه ويعاشرون مِنْهُ رحلا سهلا خلوقا متوددا طارحا للتكلف صَاحب نَوَادِر وآداب وَكَانَ ينظم الشّعْر وَله شعر مطبوع مِنْهُ قَوْله
(وانى امْرُؤ فى طبعى الْعِزّ والغنا ... ومذ كنت طفْلا لَا أذلّ وأخضع)
(اذا انصرفت نفسى عَن الشئ لم تكن ... اليه بِوَجْه مُدَّة الْعُمر ترجع)
وَقَوله
(يَا نَاظر الخيال الْفِكر مفتكرا ... أَنْت الخيال وفيك السِّرّ فاعتبروا)
(أنظر مُصَور هَذَا الْكَوْن مِنْك ترى ... مُصَور الْكل فى الاشياء قد ظهرا)
وَقَوله مضمنا
(يَا وَاحِدًا عَم الْوُجُود وجوده ... وجماله فى الْكَوْن أضحى بَينا)
(أَنْت الذى ظَهرت حَقِيقَة ذَاته ... فى كل شئ والحجاب تعينا)
(كَالشَّمْسِ يمنعك اجتلاء وَجههَا ... فاذا اكتست برقيق غيم أمكنا)
следующие страницы →