Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
(أرخت مقدمه فَكَانَ بجلق ... يَا صَاح تَارِيخا بهاء رياضى)
وَكَانَ مَذْمُوم السِّيرَة فى قَضَائِهِ لِكَثْرَة طمعه وَقلة انصافه وَتصرف فى زَمَنه مِنْهُ يُوسُف ابْن كريم الدّين رَئِيس الْكتاب فى حُقُوق النَّاس وَأَمْوَالهمْ وَجمع أَمْوَالًا كَثِيرَة لانه كَانَ يلْعَب بِهِ لعب الصّبيان بالكرة وَكَانَت لَهُ زَوْجَة مَشْغُولَة باللهو واللعب سمع عِنْدهَا لَيْلَة صَوت الْآلَات فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالَت لَهُ ان المؤذنين يذكرُونَ فى المنارة فَصدق قلوها وَكَانَت متصرفة فى منصبه وفيهَا يَقُول العمادى
(قضايا ابْن دَاوُد فى حرثه ... على عجل لم تزل جاريه)
(تلقنه الحكم عِنْد القضا ... فيا ليتها كَانَت القاضيه)
وَقد سبقه الى ذَلِك بعض الشُّعَرَاء فى هجو قَاض كَانَ مَحْكُومًا لامْرَأَته
(بلينا بقاض لَهُ زَوْجَة ... عَلَيْهِ أوامرها ماضيه)
(فيا ليته لم يكن قَاضِيا ... وَيَا ليتها كَانَت القاضيه)
ثمَّ عزل عَن قَضَاء الشَّام ورحل الى الرّوم فَلم تطل مُدَّة مكثه بهَا حَتَّى مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فى حُدُود سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف بقسطنطينية قَالَه النَّجْم الغزى
مُحَمَّد بن زين الدّين النخجوانى الاصل الدمشقى المولد تقدم أَخَوَاهُ ابراهيم وَأحمد الْمَعْرُوف بالمنطقى وَمُحَمّد هَذَا هُوَ الاكبر مِنْهُم كَانَ من أَعْيَان عُلَمَاء الشَّام وكرمائها ورزق الْحَظ الْعَظِيم فى الرياسة أول أمره ونفذت كَلمته وَولى النِّيَابَة بِدِمَشْق مَرَّات عديدة وَكَذَلِكَ قسْمَة الْعَسْكَر وَكَانَ حسن الْخط وَله معرفَة بالانشاء فى اللُّغَة الفارسية والتركية وَفِيه سخاء ولطف وَحسن لِقَاء الا أَنه كَانَ محتالا كذوبا واستبد بعزة وافرة وَلم يسْبقهُ أحد الى التَّصَرُّف الذى كَانَ فِيهِ والاختلاط بالوزراء والحكام وَكَانَ جلّ النَّاس الَّذين يحترمون ساحته ويخشون من أذيته لجسارته فى الامور ولوجود اخيه الاوسط المنطقى فى الرّوم وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ صَدرا من صُدُور الشَّام وَفِيه يَقُول الْفَتْح ابْن النّحاس قصيدته الْمَشْهُورَة وهى من غرر القصائد ومطلعها
(نظر والغايتك الَّتِى لم تلْحق ... فتحققوا ان العلى للسبق)
(طلبُوا العلى وَسعوا وَلَكِن فتهم ... وأتيت من طرق لَهَا لم تطرق)
(شابوا وَمَا لَحِقُوا الْغُبَار فحظهم ... مَا كَانَ غير غُبَار شيب المفرق)
(بأخيك أَو بك أشرقت سبل العلى ... وتبسمت بالبارق المتألق)
(من للعلى بِمُحَمد وبأحمد ... حَتَّى تدل بمنظر وبمنطق)
стр. 1437
(لَا يبعد الاخوان كل فرقد ... لَكِن كلا مشرق فى مشرق)
(وهما كَمَا ضاءت بنجمهما العلى ... ستضئ بالصبحين جبهة جلق)
(أمحمد وكلاكما من دوحة ... تدلى بفرع فى المعالى معرق)
(حببت عشق الْمجد حَتَّى سامه ... من كَانَ ذَا عشق وَمن لم يعشق)
(لَكِن تفاوتت الحظوظ فعاشق ... رزق الْوِصَال وَآخر لم يرْزق)
(انى لَا عذل حاسديك لانهم ... يترقبون وُقُوع مَا لم يخلق)
(تَعب الذى فى الارض أصبح طاويا ... للفرقدين حَشا الحسود المحنق)
(لَا تخشهم فالدهران تنقم بهم ... ينقم وان تعطف لرفق يرفق)
(واذا وجدت من الْعِنَايَة سلما ... فامدد خطاك وثق بِرَبِّك وارتقى)
(واسلم على خدع الحظوظ موفقا ... ليدوم من عاداك غير موفق)
وَلما ولى أَخُوهُ المنطقى قَضَاء حلب أرسل يَطْلُبهُ اليه فَرَحل وَأخذ مَعَه أَخَاهُ الاصغر ووالدتهم وأختا لَهُم ثمَّ ولى أَخُوهُ قَضَاء الشَّام فصيره بعد أَيَّام نَائِبا عَنهُ وَوَقعت مِنْهُ هفوة فأهان الشَّيْخ عمر بن قطب الدّين وَهُوَ مَعْرُوف بِصِحَّة الانتساب الى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ فاتهم لذَلِك بالرفض وَقتل أَخُوهُ قَرِيبا من ذَلِك فضاقت فى وَجهه الشَّام وَخرج الى حلب وآمد وَأقَام مُدَّة فى تِلْكَ النواحى ثمَّ رَجَعَ الى الشَّام فى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَولى قسْمَة الْعَسْكَر ثمَّ عرضت لَهُ أُمُور فَهَاجَرَ الى الرّوم وَأقَام خمس سنوات ثمَّ صَار قَاضِيا بأرزن الرّوم وَلما عزل عَنْهَا جَاءَ الى دمشق وَأقَام بهَا مُدَّة وَبَاعَ أَكثر كتبه وأسبابه ورحل الى دَار الْخلَافَة فَلم يطلّ مقَامه بهَا حَتَّى مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فى سنة سِتّ وَخمسين وَألف عَن سِتّ وَخمسين سنة
مُحَمَّد بن زين العابدين بن مُحَمَّد بن على أَبُو الْحسن الاستاذ الْكَبِير قطب الاقطاب الشَّمْس البكرى الصديقى المصرى بركَة الدُّنْيَا وسر الْوُجُود ولسان الحضرة ولب الْبَاب الْعرْفَان كَانَ من الْعلم وَالتَّحْقِيق آيَة من آيَات الله تَعَالَى وَمن الْولَايَة والتحقق غَايَة من الغايات وَكَانَ فصيح الْعبارَة طلق اللِّسَان كثيرا الْفَوَائِد جم النَّوَادِر وَكَانَت الْولَايَة ظَاهِرَة عَلَيْهِ مَعَ الدّين المتين وَالْعقل الْكَامِل والتظاهر بِالنعْمَةِ فى الملبس والمأكل والخدمة وَكَانَ من أحسن النَّاس خلقا وخلقا مجللا عِنْد الكبراء والوزراء ذَا جاه عريض مُعْتَقدًا عِنْد عَامَّة النَّاس وخاصتهم مسموع الْكَلِمَة مَقْبُول الشَّفَاعَة يرجع اليه فى مشكلات الامور رفيع الهمة كريم الاخلاق ولد بِمصْر وَنَشَأ بهَا
стр. 1438
وَحفظ الْقُرْآن وتأدب واشتغل بِطَلَب الْعُلُوم واتقنها وبرع فى كثير من الْفُنُون سِيمَا علم التَّفْسِير والْحَدِيث وَكَانَ لَهُ فى عُلُوم الْقَوْم وأصول التصوف قدم راسخ وَأَقْبل على التدريس الى أَن صَار رَئِيس الْبَيْت البكرى فَكَانَ يدرس على عَادَة اسلافه فى الْجَامِع الازهر فى الليالى الْمَشْهُورَة كليلة المولد والمعراج وَالنّصف من شعْبَان ثمَّ لما كبر ترك ذَلِك كُله واستقل بالافادة فى بَيتهمْ الْمَعْمُور وَقد ذكره والدى رَحمَه الله تَعَالَى فى رحلته المصرية فَقَالَ فى وَصفه عين أَعْيَان هَذِه القاده وثمين دُرَر هَذِه القلادة فرع غُصْن الدوحة البكريه وفنن الشَّجَرَة الطاهرة الصديقيه الَّتِى لم تزل من الْبركَة والسمو فى النَّمَاء أَصْلهَا ثَابت وفرعها فى السَّمَاء رونق الليالى والايام وتاج رَأس الْعلمَاء الاعلام بهجة الْجَمِيع ورواء حسنها البديع من أضحت لَهُ فى الْعُلُوم الْحَقِيقِيَّة الرُّتْبَة الشامخة وفى المعارف الالهية الْقدَم الراسخه وَلَو لم يكن لَهُ من عُمُوم الشّرف الاخصوص هَذِه النسبه لكفاه ذَلِك فى الْفَخر وعلو الرتبه وناهيك فخرا بِأَنَّهُ من ذُرِّيَّة من اخْتَارَهُ الرَّسُول للصحبة والمصاهرة واصطفاه للخلافة على مِلَّته وشريعته الطاهره فيحق لاهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن يطوفوا ويسعوا الى هَذَا الْبَيْت فى كل وَقت سَاعَة فيا لَهُ بَيت عموده الصُّبْح وطينته المجره وَمن ادّعى بَيْتا يضاهيه فَتلك مِنْهُ معره ان تكافأت الْبيُوت فى الشّرف فعلى شرف هَذَا الْمعول أَو تطاولت فى الانساب فدعائم هَذَا الْبَيْت أعز وأطول وانى لاحمد الله تَعَالَى على ان جبلنى على المغالاة فى حبهم وطبعنى على الْمُوَالَاة لاهل الْبَيْت ولاهل نسبهم انْتهى وَاجْتمعَ بِهِ شَيخنَا الْعَلامَة ابراهيم بن عبد الرَّحْمَن الخيارى المدنى فى مرتحله الى مصر وَذكره فى رحلته الَّتِى ألفها وَقَالَ بعد توصيفه وَقد شرفنى لمناسبة ذكر النّيل بتأليف لَهُ فِيهِ جَدِيد عهد وفريد عقد ذكر فِيهِ النّيل وَمَا ورد فِيهِ من الْآيَات والاحاديث وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من ذكر مبدئه وَمن أَيْن هم أَجَاد فِيهِ كل الاجاده وَحَازَ الْحسنى وزياده وَأما شعره فَمَا العقد الفريد فى أجياد الغيد قد أشرقت فى الخدود ذَات التوريد وَمَا قلائد العقيان تنضدت فى نحور الحسان وَأما نثره فَمَا لرياض النضرة كلل عُيُون زهرها الطل وَنبهَ أحداق الْورْد والنرجس بهَا الوبل وسرى عليل نسيمها مبلل الاذيال بعذب تسنيمها وَمَا زواهر الافق المنتثرة قد لاحت مشرقة فى فلكها مضيئة فى طرائق حبكها تهدى من ضل وتورده من نهر مجرتها النهل والعل
стр. 1439
من تتويجهما بجواهر المعارف وتسميطهما باليواقيت من بَحر كل عَارِف تلهج مِنْهُمَا اذ تحلى بهما بعد الآذان السطور والطروس وتتملى بهما الاعيان والقلوب والنفوس وَقد أصبحا بَيت القصيد المشيد العالى ويتيمة سلك الْخَلَاص المنضد بفرائد اللآلى فتخلب الافئدة وَتَشَوُّقِ وَتَدْعُو اليهما الالباب وتسوق وَقد جاوزا الْحَد كَثْرَة وبلاغة وتفننا فى طرق الصِّنَاعَة والصياغه وأفردا بِالْجمعِ فَكَانَا دواوين وحليا كل سمع فَمَا العقد الثمين وانتشرا فى مَشَارِق الارض وَمَغَارِبهَا وَعَما جَمِيع مسالكها ومذاهبها أردْت أَن أسطر شطر مِنْهُمَا فى هَذِه الوريقات ثمَّ أحجمت لَان ذكر الْبَعْض وَحذف الْبَعْض تَقْصِير فى حقوقهما الْوَاجِبَات وَالنَّفس مولعة بالانتقاء والانتقاد وَكلهَا أَفْرَاد جِيَاد وَاسْتِيفَاء الْمَوْجُود كُله لَا ينوء الْمَتْن بِحمْلِهِ فليحج كعبة ديوانه من أَرَادَ أبياته وليسلك فى سَعْيه بالصفا اليه مِيقَاته ليظفر بِالْحجرِ المكرم من ذَلِك الْبَيْت ويفوز بكيمياء السَّعَادَة الَّتِى لَا تفْتَقر الى لَو وَلَا لَيْت ومدحه بقصيدة مطْلعهَا
(لَيْسَ يهدا تشوقى والحريق ... وفؤادى أودى بِهِ التَّفْرِيق)
(وضلوع من الجوى خافقات ... حِين عز اللقا وَبَان الْفَرِيق)
(معشر أصبح الْفُؤَاد لديهم ... فى أسار والدمع فيهم طليق)
(معشر بالنقاو بَان الْمصلى ... برتاهم قلبى الْمَعْنى رَشِيق)
(لست أنسى معاهدا لظباء ... لحن فِيهِ والخد مِنْهَا شريق)
(ان تبدوا فَكل ذاتى عُيُون ... أَو تناءوا فَكل نهج طَرِيق)
(من عذيرى فى حبهم من مجيرى ... من ولوعى بهم وَكَيف أفِيق)
(غربتنى الحظوظ حَتَّى أطاحت ... بركابى النَّوَى ونهج سحيق)
(غربَة الشكل وَاللِّسَان مَعَ الاهل وَمن ذَا لبَعض ذَاك يُطيق ... )
ثمَّ تخلص الى الْمَدْح قلت وَقد وقفت للاستاذ على ديوَان مَجْمُوع أوقفنى عَلَيْهِ غُصْن دوحته الاستاذ الاعظم زين العابدين فى قَدمته الَّتِى شرف بهَا الشَّام لَا برح واطئا فَوق السها بأقدام الاجلال والاعظام وَهَذَا الدِّيوَان قد اشْتَمَل على نفائس القصائد والموشحات والمقاطيع والالغاز وَرَأَيْت الامر فِيهِ كَمَا قَالَ شَيخنَا بَينا يراج انتخاب بعض شئ مِنْهُ يقف الرأى عِنْد جَمِيعه وَالْوَقْت يضيق عَن كِتَابَته فَلم أتشرف مِنْهُ الا بِهَذِهِ الابيات من جملَة قصيدة مدح بهَا شيخ الاسلام يحبى المنقارى
стр. 1440
وأرسلها الى الرّوم ومطلعها
(أمسكية الانفاس أم عبقة الند ... وناسمة الازهار أم نفحة الْورْد)
مِنْهَا فى المديح
(ومعتقل للعز صعدة عزمه ... أَنا بيبها رعافة بِدَم الاسد)
(ومرسل ارسال العطايا مباريا ... بأيسرها وَطف الغمائم فى الرفد)
(فيا من لَهُ ودى من النَّاس كلهم ... وَمن هولى من بَينهم غَايَة الْقَصْد)
(وَمن صرت فى مدحى علاهُ كأننى ... حمامة جرعا فَوق ميالة الملد)
(على اننى مَا فهت يَوْمًا لماجد ... سواهُ بِشعر لَا بِقرب وَلَا بعد)
(وَلَكِن دعانى الشوق لبيت مسرعا ... وَهَذَا وَمَا أخفيه بعض الذى أبدى)
(ألية محنى الضلوع على الاسى ... تحار الاسى مِمَّا براه من الوجد)
(لَهُ زفرات من فؤاد تضرمت ... بِهِ نَار شوق دونهَا النَّار فى الوقد)
(لأَنْت الذى مَا حل فى الْقلب غَيره ... وَلَا حَال حالى فِيهِ من ذَلِك الْعَهْد)
(وَلم ترعينى مثله بعده وَهل ... يمِيل الى غورفتى عَاشَ فى نجد)
وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة ثانى عشرى شهر ربيع الاول سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف وَصلى عَلَيْهِ اماما بِالنَّاسِ الشَّيْخ مَنْصُور الطوخى بالازهر فى مشْهد عَظِيم حافل وَدفن بالقرافة الْكُبْرَى فى قبَّة آبَائِهِ الْمَعْرُوفَة هُنَاكَ رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن سعد الكلشنى نزيل دمشق كَانَ من أدباء الصُّوفِيَّة لَهُ محاضرة رائقه وأخبار عَجِيبَة وَكَانَ فضلاء دمشق يميلون اليه ويعاشرون مِنْهُ رحلا سهلا خلوقا متوددا طارحا للتكلف صَاحب نَوَادِر وآداب وَكَانَ ينظم الشّعْر وَله شعر مطبوع مِنْهُ قَوْله
(وانى امْرُؤ فى طبعى الْعِزّ والغنا ... ومذ كنت طفْلا لَا أذلّ وأخضع)
(اذا انصرفت نفسى عَن الشئ لم تكن ... اليه بِوَجْه مُدَّة الْعُمر ترجع)
وَقَوله
(يَا نَاظر الخيال الْفِكر مفتكرا ... أَنْت الخيال وفيك السِّرّ فاعتبروا)
(أنظر مُصَور هَذَا الْكَوْن مِنْك ترى ... مُصَور الْكل فى الاشياء قد ظهرا)
وَقَوله مضمنا
(يَا وَاحِدًا عَم الْوُجُود وجوده ... وجماله فى الْكَوْن أضحى بَينا)
(أَنْت الذى ظَهرت حَقِيقَة ذَاته ... فى كل شئ والحجاب تعينا)
(كَالشَّمْسِ يمنعك اجتلاء وَجههَا ... فاذا اكتست برقيق غيم أمكنا)
стр. 1441
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بِدِمَشْق فى سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف
مُحَمَّد بن سعيد باقشير المكى الْفَاضِل الاديب الشَّاعِر من ألطف أدباء الْحجاز وَأَكْثَرهم نَوَادِر وتحفا وَقد ذكره ابْن مَعْصُوم فَقَالَ فى وَصفه أديب بارع وشاعر لَهُ فى مناهل الادب مشارع نظم فأجاد وأرزم سَحَاب فَضله فجاد فعلت رتبته فى القريض وسمت وافترت ثغور محاسنه وابتسمت كل ذَلِك عَن غير تكلّف نَحْو وعروض بل عَن قريحة تذلل لَهُ جوامح الْكَلَام وتروض فجَاء نظمه السهل الْمُمْتَنع ونزهة النَّاظر والمستمع ثمَّ ذكر لَهُ قَوْله من قصيدة يمدح بهَا السَّيِّد أَحْمد ابْن مَسْعُود
(علقا أَظُنك بالكعاب الرود ... أم والها بهوى الظباء الغيد)
(أسبلن أَمْثِلَة الغداف غدائرا ... سُودًا تطل على الليالى السود)
(وسفرن عَمَّا لَو لطمن بِمثلِهِ ... خد الظلام لما بدا بالبيد)
(بيض يرنحهن ريعان ريعان الصِّبَا ... تيها كخوط البانة الا ملود)
(عذر العذول على الْهوى فِيهَا وَقد ... عنت لنا بَين اللوى وزرود)
(فطفقت أنْشدهُ على تأنيبه ... أَرَأَيْت أى سوالف وخدود)
(تربت يَد اللوام كم ألظت حَشا ... دنف بألهوب من التفنيد)
(أَو مادروا أَن الْجمال حبائل ... مَا ان يصاد بِهن غير الصَّيْد)
(ولرب مهضمة الحشا بهنانة المتنين منعمة الازار حرود)
(ترنو فتحسب أم خشف ثارها القناص عَن خضل الكلا مخضود ... )
(لله أحداق الحسان وفعلها ... فى قلب كل متيم معمود)
(الحفننى البرحاء لكنى امْرُؤ ... وزرى بِرُكْن فى الْمُلُوك شَدِيد)
وَقَوله وَكتب بهَا اليه أَيْضا يصف أمة لَهُ سَوْدَاء مداعبًا
(أَبَت صروف القضا المحتوم وَالْقدر ... الا اشابة صفو الْعَيْش بالكدر)
(وان من نكد الايام أَن قربت ... دَار الحبيب وَلَكِن شط عَن نظرى)
(بى من سَطَا الْبَين مَا لَو بالجبال غَدَتْ ... عهنا وبالسبعة الافلاك لم تدر)
(نوى الاحبة والشوق الشَّديد ولى ... جوى تجدده مهما انْقَضى فكرى)
(وزادنى الدَّهْر هما لَا يعادله ... هم بسمراء ألهتنى عَن السمر)
(زنجية من بَنَات الزنج تحسبها ... حظى تجسم جثمانا من الْبشر)
(كَأَن قامتها ليلى ومنخرها ... ذيلى فيالك من طول وَمن قصر)
стр. 1442
(لَهَا يَد ألفت حطب الكسار وَلَو ... باتت تحوط بالهندية البتر)
(تسطو على الفرص سطوى غير ذى جبن ... لَو أَنه بَين نَاب اللَّيْث وَالظفر)
(كم غادرتنى من جوع وَمن سغب ... جزنا أعض بنان النادم الْحصْر)
(وَرب يَوْم غَدا موتى يجر عَنى ... كاساته فِيهِ حَتَّى عيل مصطبرى)
(أروضها تَارَة عتبا وأزجرها ... طورا فَلم يجد تأنيبى ومزدجرى)
(وَرُبمَا أفحمتنى القَوْل قائلة ... وَلَيْسَ كل مقَال بِالْجَوَابِ حرى)
(تخشى الردى وبنود الْمجد خافقة ... على ابْن مَسْعُود فرع الْفَرْع من مُضر)
وَقَالَ على مصطلح أَرْبَاب الْحَال وهى قصيدة غَرِيبَة
(رُبمَا عاكف على الخندريس ... رافل فى ملابس التلبيس)
(جهبذ يمْلَأ الدفاتر علما ... لم يبل بالتقرير والتدريس)
(أَيّمَا خطة أردْت تَجدهُ ... قهرمان الْمَعْقُول والمحسوس)
(يعلم السَّابِقين من عهد طسم ... ويفيد الطلاب عصر جديس)
(علم لم يكن على رَأسه نَار وَلَكِن كالنور فى الحندوس ... )
(مَاشِيا عمره على نهج الصدْق على مَا بِهِ من التَّدْلِيس ... )
(دغة مرّة وآونة قس ... وطورا يمليك عَن ابليس)
(وَعَلِيم بطب عِلّة بقراط ويهز وبجد جالينوس)
(ارمه حَيْثُ شِئْت تلق أَخا النجده من آدم وَمن ادريس ... )
(لعب الْجد مِنْهُ بِالْجَبَلِ الراسى وبالضيعم الهموس العبوس ... )
(من هوى ربة الحجال وَمن قد ... لعبت من دلالها بالنفوس)
(والتى خيمت على كل قلب ... ورمت كل مهجة برسيس)
(وأبت ان ترى بِعَين محب ... قطّ الا فى صُورَة ولبوس)
(لَاحَ من نورها الاغر سناء ... فترا آى فى ناره للمجوس)
(قد بَدَت للكليم نَارا وَلَكِن ... لَا بحصر ففاز بالتقديس)
(وَغدا المانوى مِنْهَا على رأى صَحِيح لَكِن بِلَا تأسيس ... )
(وَالنَّصَارَى ظلت على صور شَتَّى فضلت برأيها المعكوس ... )
(قيدوا مُطلق الْجمال فَبَاتُوا ... فى قيود الشماس والقسيس)
(كَيفَ من قيدت تقيد والاطلاق قيد والقيد غير مقيس ... )
стр. 1443
(شَأْنهَا فى محبها فتها الاكباد من رائس وَمن مرؤس ... )
(رب قلب قد تاه فِيهَا فَلم يدر حسيسا وَلم يمل للمسيس ... )
(ظلّ فِيهَا فى جحفل من سرُور ... وخميس يلقى الاسى بخميس)
(كلما أسفرت لَهُ عَن نقاب ... وفنى فى فنائه المأنوس)
(أشرقت من وَرَاء ذَاك لعينيه بمغنى حسن الْجمال النفيس ... )
(فطوى كشحه على غصص الوجد تقى بَين طامع ويؤوس ... )
قلت تذكرت بمطلع هَذِه القصيدة وصدرها مَا حَكَاهُ الْعَلامَة الْبَهَاء فى كشكوله وَهُوَ أَن تَاجِرًا من تجار نيسابور أودع جَارِيَة عِنْد الشَّيْخ أَبى عُثْمَان الحميرى فَوَقع نظر الشَّيْخ عَلَيْهَا فعشقها وشغف بهَا فَكتب الى شَيْخه أَبى حَفْص الْحداد بِالْحَال فَأَجَابَهُ بالامر بِالسَّفرِ الى الرى لصحبة الشَّيْخ يُوسُف فَلَمَّا وصل الى الرى وَسَأَلَ النَّاس عَن منزل الشَّيْخ يُوسُف أَكْثرُوا من ملامته وَقَالُوا كَيفَ يسْأَل تقى مثلك عَن بَيت شقى فَاسق مثله فَرجع الى نيسابور وقص على شَيْخه فَأمره بِالْعودِ الى الرى وملاقاة الشَّيْخ يُوسُف الْمَذْكُور فسافر مرّة ثَانِيَة الى الرى وَسَأَلَ عَن منزل الشَّيْخ يُوسُف وَلم يبال بذم النَّاس لَهُ وازدرائهم بِهِ فَقيل لَهُ انه فى محلّة الْخمار فَأتى اليه وَسلم عَلَيْهِ فَرد ﵇ وعظمه وَرَأى الى جَانِبه صَبيا بارع الْجمال والى جَانِبه الآخر زجاجة مَمْلُوءَة من شئ كَأَنَّهُ الْخمر بِعَيْنِه فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَبُو عُثْمَان مَا هَذَا الْمنزل فى هَذِه الْمحلة فَقَالَ ان ظَالِما شرى بيُوت أصحابى وصيرها خمارة وَلم يحْتَج الى بيتى فَقَالَ مَا هَذَا الْغُلَام وَمَا هَذِه الْخمْرَة فَقَالَ أما الْغُلَام فولدى من صلبى وَأما الزجاجة فَحل فَقَالَ وَلم توقع نَفسك فى مقَام التُّهْمَة بَين النَّاس فَقَالَ لِئَلَّا يعتقدوا انى ثِقَة أَمِين فيستودعونى جواريهم فأبتلى بحبهن فَبكى أَبُو عُثْمَان بكاء شَدِيدا وَعلم قصد شَيْخه انْتهى وبهذه الْحِكَايَة يظْهر معنى صدر هَذِه القصيدة وَيحصل الْجمع بَين مَا فى ظَاهرهَا من الْمَدْح والقدح رَجَعَ وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ مُخْتَار من قصيدة لَهُ
(أتعذل فى لمياء والعذر أليق ... تعشقتها جهلا وَذُو اللب يعشق)
(وَلَا عَيْش الا مَا الصبابة شطره ... وَصَوت المثانى والسلاف الْمُعْتق)
(وجوبك أجواز الموامى مشمرا ... الى الْمجد يطويها عذافر معنق)
(وان تتهاداك النعائم معلما ... تضلك أَو تهديك بيداء سملق)
(وان ترد المَاء الذى شطره دم ... فتسعى برأى ابْن الْحُسَيْن وترزق)
стр. 1444
(وأسوغ مَا بل النهى بعد عيمة ... وأروى من المَاء الشَّرَاب المروق)
(فدع لجج التعنيف وابك بذى اللوى ... ديارًا كَأَنَّهَا للتقادم مهرق)
(أحالت مغانيها السنون فَأَصْبَحت ... قوى لهريق الودق وَالرِّيح مخرق)
(وقفت بهَا وَالْقلب بالوجد موثق ... كفيت الردى والجفن بالدمع مُطلق)
(أناشدها بينونة الحى عَن حوى ... بقلب اذا هَب النسائم يخْفق)
(شح تتصاباه الصِّبَا وتلوعه الْجنُوب ويشجوه الْحمام المطوق ... )
(الى الله أَفعَال الليالى بهَا وبى ... لقد كنت مِنْهَا دَائِم الدَّهْر أفرق)
(فسم سمة الصَّبْر الْجَمِيل لَعَلَّهَا ... بديل فان لم تغن فالصبر أخلق)
(فَلَو سلمت من حَادث الدَّهْر دمنة ... تمطى على هام الدهور الخورنق)
وَمن محاسنه قَوْله فى زيات بديع الْجمال وَقد أَجَاد فى التورية
(أفديه زياتاً رنا وانثنى ... كالبدر كالشادن كالسمهرى)
(أحسن مَا تبصر بدر الدجى ... بلعب بالميزان والمشترى)
وَله غير ذَلِك من غرر النَّوَادِر وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة فى سنة سبع وَسبعين وَألف
مُحَمَّد بن سعيد المريغتى السوسى الاصل والمنشا نزيل مراكش وامام مَسْجِد المواسين بهَا كَانَ اماما عَالما فى التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه وعلوم الْعَرَبيَّة وفى الاوفاق والتنجيم والفلك بحرا لَا سَاحل لَهُ قَرَأَ ببلاده على كثيرين ثمَّ بتافيلات على الشريف عبد الله بن طَاهِر وبمراكش على مفتيها عِيسَى السكتانى ثمَّ تصدر بهَا للتدريس وانتهت اليه بهَا الرياسة فى الْعُلُوم وَكَانَ مكثرا من اقراء الْكتب السِّتَّة والشفا واسماعها لطلبة الحَدِيث النبوى وَأَخذهَا عَنهُ عَالم لَا يُحصونَ وَتخرج بِهِ فى طَرِيق التَّصَرُّف كَثِيرُونَ ولازمه أفاضل عصره من الْمغرب الاقصى والادنى وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ وَتخرج بِهِ الْفَاضِل الْعَلامَة ابراهيم السوسى وَمُحَمّد البوفرانى وَكَانَا كثيرا مَا يديمان ذكره ويحاضران بِهِ فى مجالسهما ويذكران عَنهُ وقائع غَرِيبَة مِنْهَا أَن رجلا شكى اليه والى بَلَده وَذكر لَهُ مظلمته فَقَالَ لَهُ سر اليه وَقل لَهُ يَقُول لَك مُحَمَّد بن سعيد لَا تجْلِس فى الْبَلَد فَلم يبت بهَا وفارقها وَلم يرجع اليها وَبلغ السُّلْطَان خُرُوجه مِنْهَا بِغَيْر اذن مِنْهُ فَأرْسل يَطْلُبهُ فَسَأَلَهُ عَن سَبَب الْخُرُوج فَقَالَ لما أرسل الى لم يسْتَقرّ لى قَرَار بِالْجُلُوسِ وَخرجت بِغَيْر اخْتِيَار فَعَزله عَن عمله وَأرْسل لَهَا واليا آخر وَمِنْهَا أَن رجلا اجْتمع عَلَيْهِ دُيُون كَثِيرَة وَعجز عَن قَضَائهَا فَأتى اليه وَذكر لَهُ ذَلِك فَقَالَ لَهُ
стр. 1445
اذْهَبْ الى الْمَكَان الفلانى واقرأ الاخلاص الى أَن يَأْتِيك رجل صفته كَذَا فَقل لَهُ يَقُول لَك مُحَمَّد بن سعيد أعطنى واطلب مِنْهُ مَا تُرِيدُ فَذهب وَأَتَاهُ الرجل فدكر لَهُ ذَلِك فَأعْطَاهُ مَا طلبه وَله مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا منظومة فى الوفق المخمس الخالى الْوسط ومنظومة فى علم الْحجر ومنظومة فى التنجيم ومنظومة فى التصوف ومنظومة فى الْفِقْه وَأُخْرَى فى النَّحْو وَله شعر وانشاء وَكَانَت وَفَاته شَهِيدا بالطاعون فى سنة تسعين وَألف بمراكش وَصلى عَلَيْهِ بالجامع الْمَذْكُور وَدفن بتربة بَاب أغمات وعمره خمس وَتسْعُونَ سنة
مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد الكيلانى القاضى الشَّاعِر الرومى الشهير بحكيمى ذكره ابْن نوعى وَقَالَ أَصله من لاهجان فى خطة كيلان وَقَالَ ابْن الحنائى فى تذكرة الشُّعَرَاء أَصله من أبهر من قصبات قزوين كَانَ فى ابْتِدَاء أمره صحب الْمولى اللارى وبسببه رَحل الى الْهِنْد واتصل بسلطانها هما يون شاه ثمَّ ورد الرّوم فى عصر السُّلْطَان سليم الثانى وَوصل الى معلم ابْنه السُّلْطَان مُرَاد الْمولى ابراهيم ولازمه وفى ذَلِك الاثناء صَار معلما لمُحَمد باشا الْمَعْرُوف ببكلر بَكَى نديم السُّلْطَان ثمَّ ولى التداريس فَصَارَ اولا مدرس الجانبازيه ثمَّ لما تمت مدرسة الْوَزير الاعظم عُثْمَان باشا فى سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة أَعْطَيْت لَهُ فَهُوَ أول مدرس بهَا ثمَّ أعْطى مدرسة فَاطِمَة سُلْطَان ثمَّ مدرسة مُحَمَّد باشا باسكدار ثمَّ أعْطى قَضَاء قيصرية وطرابلس الشَّام دفعات وَله شعر وانشاء ذكره مِنْهُ ابْن الحنائى أَشْيَاء نَوَادِر وَكَانَت وَفَاته فى أَوَاخِر الْمحرم سنة سِتّ وَعشْرين وَألف بِمَدِينَة قسطنيطينية
السَّيِّد مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن أَبى الْفَتْح بن تَاج الدّين بن أَحْمد بن اسمعيل بن مُوسَى بن يحيى بن مرعى بن اسمعيل بن سُلَيْمَان الميسونى الْمُقِيم ببلدة شبرى بميسون ابْن ابراهيم بن علوان بن بن أَبى بكر بن ادريس ابْن ادريس الاكبر ابْن عُثْمَان بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن يحيى بن عِيسَى بن مُحَمَّد التقى عِيسَى أَبى الْحسن العسكرى بن على الهادى بن مُحَمَّد الْجواد بن على الرضاء بن مُوسَى الكاظم بن جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد الباقر بن على زين العابدين بن الْحُسَيْن بن على بن أَبى طَالب رضى الله عَنهُ السَّيِّد الشريف المصرى نزيل الشَّام الْمَعْرُوف بالمسرابى قدم الشَّام وَسكن قَرْيَة مسرابا بِكَسْر الْمِيم ثمَّ سين مُهْملَة سَاكِنة وَرَاء بعْدهَا ألف ثمَّ بَاء مُوَحدَة وَألف مَقْصُورَة من قرى الغوطة وَكَانَ فَاضلا مُتَمَكنًا محققا ورعا زاهد القى من النَّاس
стр. 1446
قبولا تَاما وَأَقْبَلت أهالى دمشق عَلَيْهِ وعظموه واعتقدوا فِيهِ وَلَزِمَه جمع من الْفُضَلَاء فَكَانُوا يقصدونه كل يَوْم فى موطنه للْقِرَاءَة مَعَ بعد الْمسَافَة وَبَعْضهمْ يذهب مَاشِيا لاجل التَّبَرُّك وبلغنى أَن بَعضهم الْتزم أَن يذهب اليه حافيا وَكَانَت لَهُ أَحْوَال تدل على صَلَاحه وَعلمه وَكَانَ فى التصوف مُفْرد زَمَانه وَيحل كتب ابْن عربى واضرابه أحسن حل وَلم أسمع أَنه ألف أَو قَالَ شعرًا وَغَايَة مَا يُقَال فِيهِ انه كَانَ من خِيَار خلق الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فى رَابِع شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف
مُحَمَّد بن سِنَان الْمَعْرُوف بشيخ زَاده أحد موالى الرّوم البارعين قدم أَبوهُ الى قسطنطينية من بَلَده كيبوزه وهى بليدَة صَغِيرَة على سَاحل الْبَحْر يتَوَصَّل مِنْهَا الى اسكدار على طَرِيق الذَّاهِب من قونية وَبَينهمَا مَسَافَة سبع سَاعَات وَكَانَ شَيخا مُعْتَقدًا واعظا ورزق أَوْلَادًا أكبرهم مُحَمَّد هَذَا فَنَشَأَ مشتغلا بِالْعلمِ حَتَّى عد من الْعلمَاء الْكِبَار وَكَانَ فَقِيها مطلعا على الْمسَائِل قوى الحافظة واشتهر بالفقه مَعَ أَنه فى غَيره أَيْضا من الفائقين ولازم من شيخ الاسلام أَبى الميامن ثمَّ اتَّصل بِخِدْمَة شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا فصيره أَمينا لفتواه وَمهر فى هَذِه الْخدمَة حَتَّى صَار فِيهَا مرجعا يعول عَلَيْهِ وَلما بنى الْمولى يحيى الْمَذْكُور مدرسته بقسطنطينية صيره مدرسها وَهُوَ أول من درس بهَا وَصَحبه مَعَه الى سفر روان وَلم يزل بعْدهَا يترقى فى الْمدَارِس الى أَن ولى السليمانية وَنقل مِنْهَا الى مدرسة أيا صوفيا بتربة دَار الحَدِيث ثمَّ ولى قَضَاء حلب فى سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف ثمَّ ولى قَضَاء الشَّام ودخلها فى سنة سبع وَخمسين ثمَّ عزل عَنْهَا وَولى بعْدهَا قَضَاء الغلطة ثمَّ أدرنه ثمَّ صَار امين الْفَتْوَى لشيخ الاسلام البهائى ثمَّ صَار قَاضِيا بقسطنطينية ثمَّ أعْطى رُتْبَة قَضَاء الْعَسْكَر بانا طولى وَقَضَاء أنقره على وَجه التَّأْبِيد وَلم تطل مُدَّة حَيَاته بعد ذَلِك فتوفى فى شَوَّال سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَألف وَدفن تجاه دَاره بقسطنطينية قريب الْمَكَان الْمَعْرُوف بقرمان
مُحَمَّد بن شعْبَان الطرابلسى الحنفى من أهل طرابلس الْمغرب ذكره ابْن نوعى وَوَصفه بِالْفَصْلِ الباهر وَقَالَ قدم قسطنطينية فى سنة سِتّ عشرَة وَألف وتناظر مَعَ علمائها فظهرت مزيته وروعى حَقه وَأَقْبل عَلَيْهِ شيخ الاسلام صنع الله بن جَعْفَر وَأَعْطَاهُ قَضَاء بَلْدَة بِاعْتِبَار المولوية وأضاف الى الْقَضَاء الْفَتْوَى والتدريس فَتوجه الى وَطنه وَله تآليف باهرة مِنْهَا شرح مجمع الْبَحْرين سَمَّاهُ تشنيف المسمع فى شرح الْمجمع وَجمع مَنَاقِب الشَّيْخ أَبى الْغَيْث القشاش الْمُقدم ذكره وَله غير ذَلِك من الْآثَار
стр. 1447
مَا لَيْسَ لَهُ نِهَايَة وفتاويه كلهَا مسلمة وَكَانَت وَفَاته فى سنة عشْرين وَألف
مُحَمَّد بن صَالح بن مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد الغزى الثَّمر تاشى حفيد شيخ الاسلام الشَّمْس مُحَمَّد بن عبد الله صَاحب التَّنْوِير وَغَيره الآتى ذكره قَرِيبا ان شَاءَ الله تَعَالَى كَانَ مُحَمَّد هَذَا من فضلاء الْفُقَهَاء الْحَنَفِيَّة برع فى شبابه وَقد أَخذ بِبَلَدِهِ عَن وَالِده وَعَن ابْن الْمُحب ثمَّ رَحل الى الْقَاهِرَة وتفقه بهَا على الشهَاب أَحْمد الشوبرى وَالْحسن الشرنبملالى وَالشَّيْخ محيى الدّين الغزى الفاروقى وَالشَّيْخ أَبى بكر الجبرتى وَأخذ الحَدِيث عَن الشَّيْخ عَامر الشبراوى وَالشَّيْخ عبد الْجواد الجنبلاطى وَالشَّيْخ أَبى الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْخَطِيب الشربينى الشافعى وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الحموى وَالشَّمْس مُحَمَّد بن الْجلَال البكرى وأبى الْعَبَّاس أَحْمد المقرى المغربى وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن ابْن يُوسُف البهوتى الحنبلى وَرجع الى بَلَده وَقد بلغ الْغَايَة من الْفضل وَألف فى حَيَاة وَالِده تآليف مِنْهَا شرح الرحبية ونظم الفية فى النَّحْو شرحها أَبوهُ فى حَيَاته وأولها
(قَالَ مُحَمَّد هُوَ ابْن صَالح ... أَحْمد ربى الله خير فاتح)
وَله منظومة فى المناسخات ورسالة فى تَفْضِيل الانسان وَله شعر كثير وَكَانَت وَفَاته فى سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف ووالده مَوْجُود فى الاحياء رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن صَالح بن مُحَمَّد بن أَحْمد أَبُو الْفَتْح شمس الدّين الدجانى القدسى الشافعى كَانَ من الْعلمَاء الراسخين ارتحل الى مصر وَأقَام بالازهر سِنِين عديدة واشتغل بالفقه على مَشَايِخ كثيرين مِنْهُم الشهَاب القليوبى وَالشَّيْخ سُلْطَان المزاحى وَالشَّيْخ على الحلبى صَاحب السِّيرَة وَأخذ عَن الْبُرْهَان اللقانى والشهاب أَحْمد بن عبد الْوَارِث الصديقى وَعبد الْجواد الجنبلاطى وَغَيرهم فى عُلُوم مُتَفَرِّقَة واخذ الحَدِيث عَن أَبى الْعَبَّاس المقرى واشتغل فى أواسط عمره بالتصوف أَخذه عَن جده لابيه وصنف رِسَالَة العقد الْمُفْرد فى حكم الامرد وَله غَيرهَا من التآليف وانتفع بِهِ خلق كثير وَكَانَ فى آخر أمره شرع فى قِرَاءَة الْجَامِع الصَّغِير للسيوطى فَوقف عِنْد حَدِيث أتتكم الْمنية وَتوفى وَكَانَت وَفَاته فى سنة احدى وَسبعين وَألف
مُحَمَّد الامين بن صدر الدّين الشروانى نزيل قسطنطينية أجل أَفْرَاد الدُّنْيَا فى التَّحْقِيق والتبحر من كل فن لم ترعين من وصل الى ثمَّة من ذكائه وتضلعه من الْعُلُوم فى عصره أَخذ عَن الملا حُسَيْن الخلخالى وَكَانَ يعرض عَلَيْهِ حَاشِيَته على شرح العقائد العضدية للملا جلال الدوانى فيزيفها لَهُ حَتَّى شهد لَهُ بِأَنَّهُ أفضل مِنْهُ وَمن
стр. 1448
مؤلفاته تعليقات على أَمَاكِن من تَفْسِير البيضاوى وَكَلَامه فِيهَا يدل على انه جمع الْفُنُون كلهَا وَشرح على جِهَة الْوحدَة الَّتِى للفنرى فى أول شَرحه على ايساغوجى صَعب المسلك وَهُوَ يقْرَأ فى الرّوم واعتنى بِهِ جمَاعَة وَكَتَبُوا عَلَيْهِ حواشى وتحريرات مِنْهُم السَّيِّد الْمَعْرُوف بازميرى أَمِير واعظ جَامع السُّلْطَان بايزيد كَانَ وَقد قرأته بعون الله تَعَالَى مَعَ حَوَاشِيه بالروم وانتفعت بِهِ وَله كتاب سَمَّاهُ بالفوائد الخاقانية مُشْتَمل على ثَلَاثَة وَخمسين علما أَلفه باسم السُّلْطَان أَحْمد وَجعل الْعُلُوم الَّتِى فِيهِ عدد اسْمه وَكَانَ خرج من بِلَاده فوصل الى الْوَزير نصوح وَهُوَ معِين لقِتَال شاه الْعَجم فَعَظمهُ وَبَالغ فى احترامه ورتب لَهُ التعايين الوافرة ثمَّ صَحبه الى الرّوم فَأقبل عَلَيْهِ أَهلهَا ولزموه للاخذ عَنهُ واشتهر حد الاشتهار فولاه السُّلْطَان أَحْمد مدرسته برتبة قَضَاء قسطنطينية وانعكفت عَلَيْهِ الافاضل وَكَانَ يحضر درسه مَا يزِيد على ثلثمِائة تلميذ وحدثنى حفيده الْمولى الْفَاضِل صَادِق قاضى الْقُضَاة بِمصْر أَن جمَاعَة من قَضَاء العساكر كَانُوا يذهبون الى درسه ويستمعون من الشبابيك وَلَا يدْخلُونَ الى دَاخل الدَّرْس حذرا من هضم جانبهم وحضورهم فى زى مستفيد وَحكى لى من فطانته وتحقيقه واستحضاره للمسائل وأجوبتها مَا يبهر الْعقل قَالَ وَلما قدم الى قسطنطينية قاضى زَاده الرومى حضر الى مَجْلِسه فَقيل لَهُ ان قاضى زَاده يُرِيد الدُّخُول اليك فَلم يكترث حَتَّى وصل اليه فَنَهَضَ قَلِيلا ثمَّ جلس فَقَالَ لَهُ قاضى زَاده عندى ثَلَاثُونَ سؤالا فى أَنْوَاع من الْعُلُوم أُرِيد جوابها مِنْك قَالَ وَكَانَ مُضْطَجعا على الوسادة فَقَالَ وَالله لَا رفعت جنبى عَن الوسادة حَتَّى أجيبك عَنْهَا هَات مَا عنْدك فشرع قاضى زَاده يُورد لَهُ السُّؤَال فَقبل أَن يتمه يجِيبه عَنهُ من غير انفعال وَلَا ترو وكل مَا يجِيبه بِهِ يقبله ويكتبه عَنهُ وعَلى الْجُمْلَة فَهُوَ آخر الْمُحَقِّقين وَبِه ختم هَذَا الْبَاب وَسَأَلت حفيده الْمَذْكُور عَن وَفَاته فَقَالَ لى انه توفى فى سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف
السَّيِّد مُحَمَّد الامين بن صنع الله الحسينى القسطنطينى مفتى السلطنة الْمَعْرُوف بصنعى زَاده الْمُحَقق البارع الالمعى كَانَ عَالما فَاضلا كَامِل الْعيار أديبا أريبا عَاقِلا حسن الْخلق مَشْهُور بِالْفَضْلِ مشهودا لَهُ بِهِ وَفِيه يَقُول بعض الادباء مضمنا
(ان ابْن صنعى الذى جلت فضائله ... لم يلف فى عجم ثَانِيه أَو عرب)
(لَوْلَا عجائب صنع الله مَا نَبتَت ... تِلْكَ الْفَضَائِل فى لحم وَلَا عصب)
وَلم يرم من المعائب قطّ الا بالشره لما فى ايدى النَّاس من قسم الملبس والامتعة
стр. 1449
وَجمع من الْكتب والمتحف مَا لَا يدْخل تَحت حصر حاصر وَكَانَ اشْتغل بتحصيل الْعُلُوم على عُلَمَاء عصره حَتَّى سَاد وَقدم بِخِدْمَة وَالِده الى حلب لما ولى قضاءها فى سنة عشْرين بعد الالف وَهُوَ شَاب فَأخذ عَن بعض علمائها ثمَّ لَازم من الْمولى عمر معلم السُّلْطَان عُثْمَان وَلزِمَ بعد ذَلِك قاضى العساكر مصطفى بن عزمى وانتفع بِهِ وَعَلِيهِ تخرج فى كثير من الْفُنُون وَكَانَ عِنْده فى منزلَة وَلَده وصيره كَاتبا لرسائله وَهُوَ قاضى الْعَسْكَر ثمَّ درس بمدرسة شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا وَهُوَ ثانى مدرس بهَا واتصل ببانيها وَهُوَ مفت فَأَحبهُ وَأَدْنَاهُ مِنْهُ حَتَّى اشْتهر وَوصل خَبره الى السُّلْطَان مُرَاد وَحكى أَن السُّلْطَان مرَادا كَانَ يتفقده واذا صَارَت سلسلة المدرسين يستخبر هَل وَجه اليه مدرسة أَولا فَلم يزل يترقى فى الْمدَارِس حَتَّى وصل الى الْمدرسَة السليمانية وَولى مِنْهَا قَضَاء سلانيك فى سنة خمسين وَألف وَأَقْبل عَلَيْهِ الْوَزير الاعظم قُرَّة مصطفى باشا فَأعْطى بوسيلته رتبه أدرنه ثمَّ عزل عَنْهَا وَقدم الى دَار الْخلَافَة واقتنى دَارا بِالْقربِ من جَامع السُّلْطَان سليم لَطِيفَة غَايَة ثمَّ ولى قَضَاء حلب وَنقل مِنْهَا الى قَضَاء مصر وَحكى انه كَانَ فى ابْتِدَاء أمره مَعَ مصطفى باشا بن حيدر الْوَزير وَكَانَ من جملَة الْعَسْكَر اذ ذَاك فَقَالَ لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة ستصير ان شَاءَ الله تَعَالَى حَاكما بِمصْر فَقَالَ لَهُ وَعَسَى أَن تصير أَنْت قَاضِيا بهَا فى ذَلِك الزَّمَان ونجتمع مَعًا ثمَّ دعيا بذلك فاستجيب دعاؤهما واجتمعا بِمصْر على الحكومتين ثمَّ عزل صَاحب التَّرْجَمَة وَقرر بهَا قبل أَن يخرج مِنْهَا ثمَّ عزل وَولى قَضَاء قسطنطينية فى سنة تسع وَخمسين ثمَّ ولى قَضَاء الْعَسْكَر بانا طولى فى سنة خمس وَسِتِّينَ وَاتفقَ ان ابْن خَالَته السَّيِّد مُحَمَّد الْمَعْرُوف بقدسى زَاده صَار قاضى الْعَسْكَر بروم ايلى فتشرف صدر الدِّيوَان بِهَذَيْنِ الصدرين وهما ابْنا خَالَة ثمَّ عزل وَولى قَضَاء روم ايلى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَنقل مِنْهَا الى الْفَتْوَى فى أَوَاخِر السّنة وَكَانَ السُّلْطَان مُحَمَّد اذ ذَاك فى أدرنه وَقيل فى تَارِيخه أَرخُوا مفن كريم عَالم عَامل وَوَافَقَ تَارِيخ تَوليته امضاءه الذى يَكْتُبهُ على الْفَتَاوَى وَهُوَ لفظ كتبه مُحَمَّد الامين الْفَقِير وَهَذَا من أعجب مَا وَقع من التواريخ ثمَّ عزل فى نَهَار الثُّلَاثَاء تَاسِع شهر ربيع الثانى سنة ثَلَاث وَسبعين وَأمر بالاقامة فى حديقته ببشكطاش فَأَقَامَ بهَا مُدَّة الى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فى رَابِع الْمحرم سنة أَربع وَسبعين وَألف وَدفن باسكدار بِالْقربِ من مرقد الشَّيْخ مَحْمُود الاسكدارى
стр. 1450
مُحَمَّد بن الظَّاهِر بن أَبى الْقسم بن أَبى الْغَيْث بن أَبى الْقسم بن أَبى بكر شُعَاع بن على الايبع بن أَحْمد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن النجيب بن حسن بن يُوسُف بن حسن بن يحيى بن سَالم بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن على بن آدم بن ادريس بن الْحُسَيْن ابْن مُحَمَّد الْجواد بن على الرِّضَا ابْن مُوسَى الكاظم بن جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد الباقر ابْن على زين العابدين بن الْحُسَيْن ابْن على بن أَبى طَالب كرم الله تَعَالَى وَجهه هَكَذَا نقل نسب بنى الْبَحْر مُحَمَّد بن أَبى بكر الاشخر فى كِتَابه كشف الْغَيْن وان نسبهم هَذَا يجْتَمع فِيهِ ثَلَاثَة عشر قَبيلَة من أَشْرَاف سرو والحسينيين بِالتَّصْغِيرِ يجمعهُمْ الْحسن ابْن يُوسُف وَأم المترجم عَائِشَة بنت أَحْمد بن أَبى الْغَيْث بن أَبى الْقسم الْبَحْر الْمُتَقَدّم السَّيِّد الولى الْمَشْهُور ولد فى ثامن عشر شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَألف بالمنصورية وهى من أَعمال بَيت الْفَقِيه بن عجيل من قرى اللامين مَعْرُوفَة بَينهَا وَبَين زبيد مرحلة كَامِلَة من جِهَة الْقبْلَة وَكَانَ أسلافه بِمَدِينَة الحرجة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالرَّاء وَالْجِيم من أَعمال بَيت الْفَقِيه الْكَبِير ابْن حشيبر بِقرب اللِّحْيَة بَلْدَة مَعْرُوفَة خربَتْ قَدِيما وَأول من قدم من أجداده الى المنصورية أَحْمد بن أَبى الْغَيْث بن أَبى الْقسم الْبَحْر وَمَعَهُ أَخُوهُ أَبُو الْقسم بن أَبى الْغَيْث المقبور برباط الشَّيْخ مُحَمَّد بن عمر النهارى الْمَشْهُور بقمر الصَّالِحين وقبره هُنَاكَ يزار ويتبرك بِهِ فسكنوا فى مَحل يُقَال لَهُ منيبر قرب محلتهم الْآن من الشرق وَيُقَال ان ذَلِك باستدعاء عَامر بن عبد الْوَهَّاب وَدخل صَاحب التَّرْجَمَة الى زبيد فى سنة احدى وَعشْرين وَألف للْقِرَاءَة فَقَرَأَ على شيخ الْقُرَّاء عبد الباقى بن عبد الله العدنى لِلشَّيْخَيْنِ ثمَّ لحفص عَن عَاصِم وَقَرَأَ فى الْفِقْه على ابراهيم بن مُحَمَّد جعبمان وعَلى القاضى أَبى الوفا أَحْمد بن مُوسَى الضجاعى وعَلى مُحَمَّد بن أَحْمد المريرى الازهرى وعَلى مُحَمَّد بن أَبى بكر حجر بِهِ الاهدل صَاحب مَقْصُورَة الْجَامِع فى زبيد وفى الْعَرَبيَّة على الشهَاب أَحْمد بن مُحَمَّد بن يحيى المطيب الحنفى وَسمع صَحِيح البخارى وصحيح مُسلم مَرَّات مُتعَدِّدَة على الشَّيْخ الْعَلامَة على بن أَحْمد بن جعمان وَبَعض الْمِنْهَاج والاذكار وَجُمْلَة من البخارى وَحج سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف وَأخذ بمكه عَن الشَّيْخ مُحَمَّد على بن عَلان التَّفْسِير والْحَدِيث وَأَجَازَهُ بمروياته وَله مؤلفات مِنْهَا تحفة الدَّهْر فى نسب الاشراف بنى بَحر وَنسب من حقق نسبه وَسيرَته من أهل الْعَصْر وَكَانَت رفاتا عَشِيَّة الِاثْنَيْنِ رَابِع الْمحرم سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَألف بالمنصورية وَبهَا دفن عِنْد أسلافه السَّادة روح الله تَعَالَى أَرْوَاحهم
стр. 1451
مُحَمَّد بن عبد الباقى بن مُحَمَّد بن محب الدّين بن أَبى بكر تقى الدّين بن دَاوُد المحبى الدمشقى الحنفى ابْن عَم أَبى كَانَ فَاضلا كَامِلا لطيفا أديبا ظريفا ذكيا حسن الْخط وَله صَوت يَأْخُذ بِمَجَامِع الْقُلُوب لم يكن أحسن مِنْهُ وَلَا أندى فى عصره وَكَانَ يعرف الادب والموسيقى معرفَة جَيِّدَة وَله فى الضروب واصطناع الاغانى يَد طائلة وَكَانَ أَبوهُ ذَا ثروة عَظِيمَة وَلما مَاتَ فى سنة سبع وَعشْرين وَألف فِيمَا أَحسب ترك مَالا كثيرا فنفد فى أقل قَلِيل وَهُوَ أَخُو جدى لابيه وَأم مُحَمَّد أُخْته من أمه وهى بنت الشَّيْخ عبد الصَّمد العكارى مفتى طرابلس وَاسْمهَا بديعة الزَّمَان وَكَانَت من الْعلم والمعرفة ونظم الشّعْر فى ذرْوَة سامية اشتغلت الْكثير على جدى القاضى محب الدّين وَأخذت عَنهُ الْفِقْه والعربية وَقَرَأَ عَلَيْهَا ابْنهَا مُحَمَّد المترجم وانتفع بهَا ثمَّ لزم الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى وَالشَّيْخ عبد اللَّطِيف الجالقى وَأخذ عَنْهُمَا وَتخرج فى الادب على أَبى الطّيب الغزى والقاضى عبد الْكَرِيم الطارانى ثمَّ لَازم من شيخ الاسلام عبد الْعَزِيز بن قره جلى ودرس بدار الحَدِيث الْكُبْرَى وَولى النيابات بِدِمَشْق وَكَانَ فى حَيَاة جدى محب الله مرفه البال رغيد الْعَيْش مكفى الْمُؤْنَة زوجه بابنته عمتى وَبنى قصرا على سوق الرصيف يشرف على الْمدرسَة الامينية وأتقن بناءه وصنع لَهُ تَارِيخا من نظمه كتبه على بعض جدرانه وَهُوَ قَوْله
(مُنْذُ أنشا العَبْد المحبى قصرا ... من نوال الْمولى الْكَرِيم وَمِنْه)
(قد سما بهجة وَحَازَ بهاء ... ورقى رفْعَة وفَاق بيمنه)
(وَهُوَ فَرد فزوده فَردا وأرخ ... قَصرنَا قد زهى برونق حسنه)
وَلما مَاتَ جدي ساءت حَاله وَاسْتولى عَلَيْهِ الْغم فسافر الى الرّوم وَولى قَضَاء بعلبك ثمَّ قَضَاء صيدا وَمَا برح الدَّهْر يصدمه ويزعجه الى أَن مَاتَ وفى ذَلِك يَقُول
(لَوْلَا الامانى اذ أعيش مُسلما ... للنَّفس فى نيل المرام الا بعد)
(لقضيت من محن الزَّمَان فدأبه ... جور الفعال على اللبيب الامجد)
وَمن هَذَا الْمَعْنى قَول بَعضهم
(لَوْلَا مواعيد آمال أعيش بهَا ... لمت يَا أهل هَذَا الحى من زمنى)
(وانما طرف آمالى بِهِ مرح ... يجرى بوعد الامانى مُطلق الرسن)
وَكَانَت وِلَادَته فى سنة سِتّ عشرَة وَألف وَتوفى وَهُوَ رَاجع من الرّوم بِمَدِينَة حمص فى سنة سِتِّينَ وَألف وَدفن بهَا
стр. 1452
السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الْحُسَيْن بن ابراهيم المكنى بأبى عبد الله بن أَبى شَبابَة الحسينى البحرانى أديب الْبَحْرين ومنطيقها والمطلع نفائس درها وجوهرها ذكره ابْن مَعْصُوم فَقَالَ فى وَصفه علم الْفضل ومناره ومقبس الادب ومستناره فرع دوحة الشّرف الناضر الْمقر بسمو قدره كل مناضل ومناظر أَضَاءَت أنوار مجده مآثرا ومناقباً
(كالبدر من حَيْثُ الْتفت رَأَيْته ... يهدى الى عَيْنَيْك نورا ثاقباً)
وَكَانَ قد نسل الْهِنْد فَاجْتمع بالوالد ومدحه بمدائح وقابله من الاكرام بِمَا استوجبه واستحقه وَذكره عِنْد مَوْلَانَا السُّلْطَان فَعرف لَهُ حَقه ثمَّ رَحل الى ديار الْعَجم وَأقَام بأصفهان الى ان مَاتَ ثمَّ أورد لَهُ هَذِه القصيدة مدح بهَا وَالِده النظام ومستهلها
(أرى علما مَا زَالَ يخْفق بالنصر ... بِهِ فَوق أوج الْمجد تعلو يَد الْفَخر)
(مضى الْعُمر لَا دنيا بلغت بهَا المنى ... وَلَا عمل أَرْجُو بِهِ الْفَوْز فى الْحَشْر)
(وَلَا كسب علم فى الْقِيَامَة شَافِع ... وَلَا ظَفرت كفى بمغن من الوفر)
(وأصبحت بعد الدَّرْس فى الْهِنْد تَاجِرًا ... وان لم أفز مِنْهَا بفائدة التَّجر)
(طويت دواوين الْفَضَائِل والتقى ... وصرت الى طى الامانى والنشر)
(وسودت بالاوزار بيض صحائفى ... وبيضت سود الشّعْر فى طلب الصفر)
(وبعت نَفِيس الدّين والعمر صَفْقَة ... فيا لَيْت شعرى مَا الذى بهما أشرى)
(اذا جننى اللَّيْل البهيم تَفَجَّرَتْ ... على عُيُون الْهم فِيهِ الى الْفجْر)
(تَفَرَّقت الاهواء منى فبعضها ... بشيراز دَار الْعلم وَالْبَعْض فى الْفِكر)
(وبالبصرة الفيحاء بعض وَبَعضهَا القوى بِبَيْت الله والركن وَالْحجر)
(فَمَا لى وللهند الَّتِى مذ دَخَلتهَا ... محت رسم طاعتى سيول من الْوزر)
(وَلَو أَن جِبْرَائِيل رام سكونها ... لَا عَجزه فِيهَا الْبَقَاء على الطُّهْر)
(لَئِن صيد أَصْحَاب الحجا بشباكها ... فقد تَأْخُذ الْعقل الْمَقَادِير بالقهر)
(وَقد تذْهب الْعقل المطامع ثمَّ لَا ... يعود وَقد عَادَتْ لميس الى العتر)
هَذَا تلميح الى الْمثل الْمَشْهُور وَهُوَ قَوْلهم عَادَتْ الى عترها لميس أى رجعت الى أَصْلهَا والعتر بِكَسْر الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة من فَوق الاصل يضْرب لمن رَجَعَ الى خلق كَانَ قد تَركه وَلَيْسَ هُوَ الْمثل بِعَيْنِه حَتَّى يعْتَرض بِأَن الامثال لَا تغير
(مَضَت فى حروب الدَّهْر غَايَة قوتى ... فَأَصْبَحت ذَا ضعف عَن الْكر والفر)
стр. 1453
(الام بِأَرْض الْهِنْد أذهب لذتى ... ونضرة عَيْش فى محاولة النَّضر)
(وَقد قنعت نفسى بأوبة غَائِب ... الى أَهله يَوْمًا وَلَو بيد صفر)
(اذا لم تكن فى الْهِنْد أَضْعَاف نعْمَة ... ففى هجر أحظى بصنف من التَّمْر)
(على أَن لي فِيهَا حماة عهدتهم ... بناة الْمَعَالِي بالمثقة السمر)
(إِذا مَا أصَاب الدَّهْر أكناف عزهم ... رَأَيْت لَهُم غارات تغلب فِي بكر)
(ولى وَالِد فِيهَا اذا مَا رَأَيْته ... رَأَيْت بِهِ الخنساء تبكى على صَخْر)
(ولكننى أنسيت فى الْهِنْد ذكرهم ... باحسان من يسلى عَن الْوَالِد الْبر)
(اذا ذعرتنى فى الزَّمَان صروفه ... وجدت لَدَيْهِ الا من من ذَلِك الذعر)
(وفى بَيته فى كل يَوْم وَلَيْلَة ... أرى الْعِيد مَقْرُونا الى لَيْلَة الْقدر)
(وَلَا يدْرك المطرى نِهَايَة مدحه ... وَلَو أَنه قد مد من عمر النسْر)
(وفى كل مضمار لَدَى كل غَايَة ... من الشّرف الاوفى لَهُ سَابق يجرى)
(اذا مَا بَدَت فى أول الصُّبْح نقمة ... ترى فَرحا قد جَاءَ فى آخر الْعَصْر)
(فَقل لى أَبيت اللَّعْن ان عَن مفظع ... أأصبر أم أحتاج للاوجه الغر)
(اذا لَا علت فى الْمجد أَقْدَام همتى ... وَلَو كَانَ شعرى فِيك من أنفس الشّعْر)
(وانى لأرجو من جميلك عَزمَة ... تبلغنى الاوطان فى آخر الْعُمر)
(تقر عيُونا بالعراق سخينة ... وتبرد أكبادا أحر من الْجَمْر)
(وتونس أطفالا صغَارًا تَركتهم ... لفرقتهم مَا زَالَ دمعى كالقطر)
(وعيشى بهم قد كَانَ حلوا وبعدهم ... وجدت لذيذ الْعَيْش كالعلقم المر)
(اذا مَا رأونى مُقبلا ورأيتهم ... نقُول أيوم القر أم لَيْلَة النَّفر)
(وَمَا زلت مشتاقا اليهم وعاجزا ... كَمَا اشتاق مقصوص الْجنَاح الى الوكر)
(ولكنما حسبى وجودك سالما ... وَلَو أننى أَصبَحت فى بلد قفر)
(فَمن كَانَ مَوْصُولا بِحَبل ولائكم ... فَلَيْسَ بمحتاج الى صلَة الْبر)
وَقَوله على لِسَان أهل الْحَال وَقد أَجَاد
(لعمرى لقد ضل الدَّلِيل عَن الْقَصْد ... وَمَا لَاحَ لى برق يدل على نجد)
(فَبت بلَيْل لَا ينَام ومهجة ... تقلب فى نَار من الْهم والوجد)
(وَقلت عَسى أَن أهتدى لسبيلها ... بنفحة طيب من عرار وَمن رند)
(فَلَمَّا أتيت الدَّيْر أَبْصرت رَاهِبًا ... بِهِ ثمل من خمرة الْحبّ والود)
стр. 1454
(فَقلت لَهُ أَيْن الطَّرِيق الى الْحمى ... وَهل خبر من جيرة الْعلم الْفَرد)
(فَقَالَ وَقد أَعلَى من الْقلب زفرَة ... وفاضت سيول الدمع مِنْهُ على الخد)
(لَعَلَّك يَا مِسْكين ترجو وصالهم ... وهيهات لَو أتلفت نَفسك بالكد)
(أرى زمرة العشاق فى مجْلِس الْهوى ... نشاوى غرام من كهول وَمن مرد)
(ألم تَرَ أَنا من مدامة شوقهم ... سكارى وَلم نبلغ الى ذَلِك الْحَد)
(فكم ذهبت من مهجة فى طريقهم ... وَمَا وصلت الاعلى غَايَة الْبعد)
(فَقلت أأدنو قَالَ من كل محنة ... فَقلت أأرجو قَالَ شَيْئا من الصد)
(ألم ترنا صرعى بدهشة حبهم ... نقلب فَوق الترب خدا الى خد)
(فكم طامع فى حبهم مَاتَ غُصَّة ... وَقد كَانَ يرضى بالمحال من الْوَعْد)
وَكَانَت وَفَاته فى سنة احدى وَثَمَانِينَ وَألف بأصفهان وَنقل الى طوس وَدفن بالمشهد الرضوى بِقرب تربة الشَّيْخ بهاء الدّين العاملى
مُحَمَّد بن عبد الْحق بن أَبى اللطف الملقب كَمَال الدّين القدسى الحنفى كَانَ فَاضلا ظريفا رَقِيق حَاشِيَة الْعشْرَة طارحا للتكلف خليعا مَاجِنًا مَقْبُول النادرة وَكَانَ كثير الاسفار قَلما يُقيم بِبَلَدِهِ رَحل الى الْقَاهِرَة وَأقَام بهَا سِنِين عديدة واشتغل على علمائها وبرع ثمَّ سَافر الى الرّوم وَطلب تدريس الْمدرسَة العثمانية بالقدس فوجهت اليه عَن الشَّيْخ زَكَرِيَّا المصرى وَتصرف بهَا وَكَانَ ينظم الشّعْر وشعره // مطبوع جيد // فَمِنْهُ قَوْله من تخميس
(بدا بكأس مدام والدجا حلكا ... وَعزة النَّفس أرخت فَوْقه شبكا)
(فَقلت لما أَتَى لَا يختشى دركا ... يَا بدرتم غَدا قلبى لَهُ فلكا)
(ان كنت أبذل روحى فى الْهوى فلكا ... )
وَسمعت لَهُ قصيدة فى نِهَايَة الْحسن فَلم يعلق فى خاطرى مِنْهَا الا مطْلعهَا وَهُوَ
(أهْدى الزَّمَان الى الانام نفيسا ... فَالْحق أَن نهدى اليه نفوسا)
وَقد تقدم لَهُ ثَلَاثَة أَبْيَات فى تَرْجَمَة السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن النَّقِيب فى تَشْبِيه القرنفل وهى فى غَايَة الْجَوْدَة وَكَانَ اعتراه مرض الفواق وَهُوَ قادم فى طَرِيق الرّوم لشدَّة الْبرد ففى ثانى يَوْم من دُخُوله الْبَيْت الْمُقَدّس توفى وَكَانَت وَفَاته فى أَوَاخِر ذى الْقعدَة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَقد بلغ من الْعُمر سِتِّينَ سنة
مُحَمَّد بن عبد الْحَلِيم الْمَعْرُوف بالبورسوى وبالاسيرى مفتى السلطنة وَرَئِيس
стр. 1455
علمائها الْمَشْهُور بِالْعلمِ والتصلب فى الدّين وَكَانَ طودا من الْعلم راسخا متمسكا بِحَبل الله فى سره ونجواه يناضل عَن الْحق ويباحث عَنهُ وَكَانَ كثير الْعِبَادَة والتلاوة لِلْقُرْآنِ مهابا متواضعا أَخذ بِبَلَدِهِ بروسه عَن الْمولى مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن المعيد وَعَن الشَّيْخ الْكَامِل مُحَمَّد حَافظ زَاده ولازم درسه ثمَّ دخل قسطنطينية وتلمذ بهَا للشريف الشروانى وَكَانَ مدرسا بمدرسة أيا صوفيا وسمعته يحْكى مَا كَانَ فِيهِ اذ ذَاك من رقة الْحَال وضنك الْعَيْش ويبالغ ثمَّ اتَّصل بِخِدْمَة شيخ لاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا وَصَارَ من خَواص طلبته ولازم مِنْهُ وَتعين لكتابة الْفَتَاوَى ثمَّ صَار أَمِين الْفَتْوَى وَانْفَرَدَ فى هَذِه الْخدمَة بأَشْيَاء من التفرس وَسُرْعَة الاخذ لم يسْبقهُ اليها أحد وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا ونفذت كَلمته وشاع ذكره وقصدته النَّاس من أقاصى الْبِلَاد وَوصل خَبره للسُّلْطَان مُرَاد وَكَانَت الوزراء وقضاة العساكر وَمن فى رتبتهم يراجعونه فى المهام ثمَّ درس بمدارس قسطنطينية الى أَن وصل الى مدرسة السُّلْطَان سليم الْقَدِيم وَولى مِنْهَا قَضَاء مَكَّة وسافر وَهُوَ وسنبل أغا حَافظ الْحرم السلطانى بحرا فأسرتهما الفرنج وأخذا الى جَزِيرَة مالطه وَذهب لَهما من الامتعة والاموال شئ كثير وَاسْتمرّ صَاحب التَّرْجَمَة أَسِيرًا قَرِيبا من أَربع سِنِين ثمَّ خلص وَوصل الى دَار الْخلَافَة فَأعْطى قَضَاء مصر وَكَانَ ذَلِك فى سنة تسع وَخمسين وَألف وَقدم الى دمشق وَتوجه الى الْقَاهِرَة فصحبه والدى رَحمَه الله تَعَالَى ونال مِنْهُ قبولا تَاما ثمَّ فَارقه فى مصر كَمَا تقدم فى تَرْجَمَة والدى وعزل فَخرج الى دمشق وَنزل فى دَارنَا وَولد لَهُ ولد سَمَّاهُ يحيى ثمَّ توجه الى الرّوم فَمَاتَ وَلَده هَذَا بانطاكية وَبعد وُصُوله بِمدَّة أعْطى قَضَاء أدرنه وَأخذ بهَا طَرِيق القشاشية عَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الشَّيْخ مصلح الدّين وَلزِمَ الاوراد والاذكار ثمَّ عزل وَنفى الى ينبولى ثمَّ جئ بِهِ وَولى قَضَاء دَار الْخلَافَة وَوجه اليه رُتْبَة قَضَاء الْعَسْكَر بِأَنا طول ثمَّ ولى الْقَضَاء أَنا طولى اسْتِقْلَالا وَأَقْبل عَلَيْهِ الْوَزير الاعظم مُحَمَّد باشا الكوبريلى فصيره مفتيا وَلما سَار السُّلْطَان مُحَمَّد الى بورسة وأدرنة كَانَ فى خدمته واستبد بالاقبال التَّام وَوَقع من الْوَزير الْمَذْكُور قتل جماعات فى أَطْرَاف الْبِلَاد وفى مَحل التخت السلطانى فَكَانَ لَا يقدم على ذَلِك حَتَّى يستفتيه وَهَذَا مستفيض على الالسنة وَالله أعلم بِمَا هُنَالك وَكَانَ لما ولى الافتاء استرضاه والدى فرضى وَكتب اليه بالصفح عَن تباعده عَنهُ فَرَاجعه والدى برسالة اقترحها على لِسَان فرس كَانَت عِنْده من مشاهير الْخَيل وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة فى قَدمته الى الشَّام
стр. 1456
رَآهَا وَعرفهَا فأظهر اعتذاره عَن التَّقْصِير الذى نسب اليه فى خدمته على لِسَان حَالهَا والرسالة هى هَذِه حَضْرَة الْمولى شيخ الاسلام مفتى الانام الْهمام الْمُقدم فى حلبة الرِّهَان والامام الْمصلى الذى بِهِ يقْتَدى المجلى والتالى فى ميدان الْبَيَان الْغرَّة فى جبهة دهم الليالى وشهب أَيَّامه ربيع المفاخر والمعالى جعل الله تَعَالَى مُجمل سعادته غَنِيا عَن الافصاح وجياد أَوْصَافه الْحَسَنَة متبارية فى ميدان المداح بجاه سيدنَا مُحَمَّد الذى علا على الْبراق وتشرفت بِهِ الْآفَاق وَآله الْكِرَام وَأَصْحَابه الفخام وَبعد فالذى يعرض على عالى حَضرته بعد تَقْبِيل سامى عتبته أَنه لَا يخفى مَا ورد فى الحَدِيث الشريف عَن النبى النبيه أهْدى الله اليه صلَاته وَسَلَامه الْخَيل مَعْقُود فى نَوَاصِيهَا الْخَيْر الى يَوْم الْقيام واننى تِلْكَ الْفرس الاصيلة الطَّرفَيْنِ والحجرة العريقة الْجَانِبَيْنِ المهذبة الاخلاق الْكَرِيمَة الاعراق سبوح لَهَا مِنْهَا عَلَيْهَا شَوَاهِد نشأت فى أراضى الشَّام وشممت ذَلِك العرار والبشام فَأبى من الْعتاق المغبقية وأمى من الصافنات الْجِيَاد السقلاويه مَعْرُوفَة الاب وَالْجد فى تهَامَة ونجد صَحِيحَة النّسَب بَين الْعَرَب
(وَمَا الْخَيل الا كالصديق قَليلَة ... وان كثرت فى عين من لَا يجرب)
وَقد كَانَ شرفنى الْمولى بالركوب وأملت مِنْهُ الْمَطْلُوب وسبقت الْجِيَاد وفزت بالشرف وَالْمرَاد وَتَقَدَّمت الخدم أمامى وحملت الغاشية قدامى ومشيت بالادب وَالْوَقار وَلم يصدر منى عثار وَلَا نفار وَلَا غروماً لسيوف على مقادير الاعضاء تفرى وَالْخَيْل على حسب فرسانها تجرى
(وَالْخَيْل عَالِمَة مَا فَوق أظهرها ... من الرِّجَال جَبَانًا كَانَ أَو بطلا)
وفى الْمثل الْخَيل بفرسانها وَالدَّار بسكانها وَقد طرق سمعى ان الْمولى صَار فَارس الميدان وسابق الرِّهَان وامتطى من الصدارة صهوة الاقبال وسحب لَهُ جنيب الْعِزّ والاجلال وَملك زِمَام الامور وَشد حزَام عزمه فى مصَالح الْجُمْهُور فَحصل لى بذلك كَمَال السرُور والنشاط وكدت أَن أفك مَا بى من الرِّبَاط وَأَجد فى الْمسير الى تهنئة جنابه الخطير لَكِن أقعدتنى الايام عَن ذَلِك ومنعتنى عَن سلوك هَذِه المسالك بماحل بى من مُوَاصلَة الصّيام وَالرُّكُوع وَالسُّجُود عِنْد الْقيام وتقدمنى فى الْمسير الرفيق الذى جمعنى واياه هَذَا الطَّرِيق
(ان الْعَوَائِق عقن عَنْك ركائبى ... فَلَهُنَّ من طرب اليك هديل)
стр. 1457
وَكَانَ بلغنى أَنه ركض على فى ميدان حضرتك بعض اللئام وَوضع قدم قَوْله حَيْثُ شَاءَ من الملام ونسبنى الى البطر والجموح وسلك طَرِيق قلَّة الادب الْمَتْرُوك الْمَطْرُوح وان الْبَحْر على تعكر والورد الصافى تكدر
(قد كَانَ لى مشرب يصفو بموردكم ... فكدرته يَد الايام حِين صفا)
فوَاللَّه لَيْسَ لما قيل أصل أصيل وَكنت أود أننى أتوصل الى بره وأكرع عَن فائض بحره وأرد مواردا حسانه وأفوز بِلُطْفِهِ وامتنانه فَلَا خير فى حب لَا يحمل أقذاؤه وَلَا يشرب على الكدر مَاؤُهُ وَمَعْلُوم حَضرته أَن الْبَهَائِم لَا تعلم شعر أَبى تَمام وَلَا تعرف مَا بلاغة أَبى الطّيب الْهمام وَلَا تطرب الْخَيل الا لسَمَاع الْكَيْل وَلَا تستغنى الاكاديش عَن أكل الْحَشِيش والعلاف لَا يعرف مسَائِل الْخلاف ومالكى وان كَانَ هُوَ الاصيل العريق لكنه مقتر للضيق فى العليق كثير الشّعْر قَلِيل الشّعير ينشد بِلِسَان التَّقْصِير
(ومالى صَنْعَة غير القوافى ... وَشعر لَا يُبَاع وَلَا يعار)
فالشعير أبعد من الشعرى العبور وَلَا وُصُول اليه وَلَا عبور فالبطن ضامر لَا يشد عَلَيْهِ حزَام والفم خَال لَيْسَ فِيهِ سوى اللجام وَقد بليت بعد الهزال بالخرس وَصَارَ حالى كَمَا قيل الجل خير من الْفرس وغيرى مِمَّن هُوَ دخيل لَيْسَ لَهُ أصل وَلَا فصل وَلَا أدب وَلَا فضل يرتع فى رياض الانعام وَالْبر التَّام
(حمَار يسيب فى رَوْضَة ... وطرف بِلَا علف يرْبط)
فان أنعم الْمولى دَامَ لَهُ المسار بِمنْصب فى هَذِه الديار فَأكْرم الْخَيل أَشدّهَا حنينا الى وَطنه وَأعْتق الابل أَكْثَرهَا نزاعا نَحْو عطنه فلينتهز فرص الاقتدار ويغتنم التجاوز عَن عثرات الاحرار فالدابة تضرب على النفار لَا على العثار فَلَيْسَ لى سواهُ من أعول عَلَيْهِ وَأَرْفَع قصتى اليه
(وهيهات أَن يثى الى غير بَابه ... عنان المطايا أَو يشد حزَام)
وَالله سُبْحَانَهُ ولى التَّوْفِيق والهادى بكرمه الى سَوَاء الطَّرِيق وَهُوَ قاضى الْحَاجَات وميسر المرادات وعالم بِكُل الاحوال وَعَلِيهِ فى جَمِيع الامور الاتكال
(وَدم وابق فى سعد وَعز مخلد ... وخيلك فى أوج السَّعَادَة تسبق)
قلت وَقد حذا فى هَذِه الرسَالَة حَذْو الوهرانى فى رقعته الَّتِى كتبهَا على لِسَان بغلته وعلقها فى عُنُقهَا وسيبها فى دَار الامير عز الدّين موسك وهى من محَاسِن
стр. 1458
مخترعاته ولطائف نزعاته يَقُول فِيهَا الْمَمْلُوكَة رَيْحَانَة بغلة الوهرانى تقبل الارض بَين يدى الامير عز الدّين حسام أَمِير الْمُؤمنِينَ نجاه الله من حر السعير وَعظم بداره قوافل العير ورزقه من التِّبْن وَالشعِير وسق مائَة ألف بعير واستجاب فِيهِ أدعية الجم الْغَفِير من الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير وتنهى اليه مَا تقاسيه من مُوَاصلَة الصّيام والتعب فى اللَّيْل وَالدَّوَاب نيام قد أشرفت مملوكته على التّلف وصاحبها لَا يحمل الكلف وَلَا يُوقن بالخلف وَلَا يَقُول بالعلف وانما يحل بِهِ الْبلَاء الْعَظِيم فى وَقت حاجتى الى القضيم وَالشعِير فى بَيته مثل الْمسك والعبير والاطريفل الْكَبِير أقل من الامانة فى النَّصَارَى الاقباط وَالْعقل فى رَأس قاضى سنباط فشعيره أبعد من الشعرى العبور وَلَا وُصُول اليه وَلَا عبور وقرطه أعز من قرطى ماريه لَا يُخرجهُ صَدَقَة وَلَا هبة وَلَا عَارِية والتبن أحب اليه من الابْن والجلبان أعز عِنْده من دهن البان والقضيم بِمَنْزِلَة الدّرّ النظيم والفصه أجل من سبائك الفضه والفول من دونه ألف بَاب مقفول وَمَا يهون علبه يعلف الدَّوَابّ الا بفنون الاداب وَالْفِقْه اللّبَاب وَالسُّؤَال وَالْجَوَاب وَمَا عِنْد الله من الثَّوَاب وَمن الْمَعْلُوم أَن الدَّوَابّ لَا تُوصَف بالحلوم وَلَا تعيش بِسَمَاع الْعُلُوم وَلَا تطرب بِشعر أَبى تَمام وَلَا تعرف الْحَرْث بن همام وَلَا سِيمَا البغال الَّتِى تسْتَعْمل فى جَمِيع الاشغال شبكة قصيل أحب اليها من كتاب التَّحْصِيل وَقْفَة من الدريس أشهى اليها من فقه مُحَمَّد بن ادريس وَلَو أكل الْبَغْل كتاب المقامات لمات وَلَو لم يجد الا كتاب الرَّضَاع لضاع وَلَو قيل لَهُ أَنْت هَالك لم يَأْكُل موطأ مَالك وَكَذَلِكَ الْجمل لَا يتغذى بشرح أَبْيَات الْجمل ووقوفه فى الكلا أحب اليه من شعر أَبى الْعلَا وَلَيْسَ عِنْده طيب شعر أَبى الطّيب وَأما الْخَيل فَلَا تطرب الا الى اسْتِمَاع الْكَيْل واذا أكلت كتاب الذيل مَاتَت بِالنَّهَارِ قبل اللَّيْل وَالْوَيْل لَهَا ثمَّ الويل وَلَا تستغنى الأكاديش عَن أكل الْحَشِيش بِكُل مَا فى الحماسة من شعر أَبى الخريش واذا أطعمت الْحمار شعر ابْن عمار حل بِهِ الدمار وَأصْبح منفوخا كالطبل على بَاب الاصطبل وَبعد هَذَا كُله فقد رَاح صَاحبهَا الى العلاف وَعرض عَلَيْهِ مسَائِل الْخلاف وَطلب من تبنه عشر قفاف فَقَامَ الى رَأسه بالخفاف فخاطبه بالتقصير وَفسّر لَهُ آيَة العير وَطلب مِنْهُ قفة شعير فَحمل على سُؤَاله ألف بعير فَانْصَرف الشَّيْخ منكسر الْقلب مغتاظا
стр. 1459
من الثلب وَهُوَ أخسر من ابْن بنت الْكَلْب فَالْتَفت الى المسكينه وَقد سلبه الغيظ ثوب السكينه وَقَالَ لَهَا ان شِئْت ان تكدى فكدى لَا ذقت شعيرَة مَا دمت عندى فَبَقيت الْمَمْلُوكَة حائرة لَا قَائِمَة وَلَا سائرة فَقَالَ لَهَا العلاف لَا تجزعى من خباله وَلَا تلتفتى الى سباله وَلَا تنظرى الى نَفَقَته وَلَا يكن عنْدك أخس من عنفقته هَذَا الامير عز الدّين سيف الْمُجَاهدين أندى من الْغَمَام وأمضى من الحسام وأبهى من الْبَدْر لَيْلَة التَّمام لَا يرد سَائِلًا وَلَا يخيب آملا فَلَمَّا سَمِعت الْمَمْلُوكَة هَذَا الْكَلَام جذبت اللجام ورفست الْغُلَام وَقطعت الزِّمَام وَشقت الزحام حَتَّى طرحت خدها على الاقدام ورأيك العالى وَالسَّلَام انْتهى رَجَعَ وَلما مَاتَ الْوَزير الكوبريلى الْمَذْكُور عزل عَن منصب الْفَتْوَى وَنفى الى كليبولى وَحكى أَنه جَاءَهُ خبر الْعَزْل يَوْم الْجُمُعَة وَهُوَ فى الْجَامِع والخطيب يخْطب فَلم يُمكنهُ التَّخَلُّف ونهض مسرعا وَأخذ من وقته الى السَّفِينَة فأركب فِيهَا وجهز وَبعد مُدَّة أعْطى قَضَاء رودس وَأمر بِالْمَسِيرِ اليها فَأَقَامَ بهَا مُدَّة تسع سنوات ثمَّ اسْتَأْذن فى الْحَج فَأذن لَهُ وَورد دمشق فى غرَّة رَجَب سنة احدى وَثَمَانِينَ وَألف وَكَانَ وَجه الى أَخِيه شقيقه الْمولى مصطفى قَضَاء مَكَّة فاجتمعا فى دمشق ورحلا صُحْبَة الْحَاج وحجا وجاورا بِمَكَّة سنة ثمَّ فَارقه أَخُوهُ وبقى هُوَ فى الْمَدِينَة سنة أُخْرَى ثمَّ قدم الى دمشق وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ أعْطى قَضَاء الْقُدس فَتوجه اليها وَحكم بهَا نَحْو سنة ثمَّ عزل وَقدم الى دمشق ثمَّ أَمر بالتوجه الى بَلَده بروسة فَخرج من دمشق وصحبته أَنا الى الرّوم وَكَانَ خروجنا من دمشق فى ثامن صفر سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَألف واستمريت مرافقا لَهُ الى بروسة وفارقته مِنْهَا وَأقَام هُوَ وَأعْطى قَضَاء مطانيه على وَجه التأيد وَاسْتمرّ مُدَّة الى أَن توفى وَكَانَت وَفَاته سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف
مُحَمَّد بن عبد الْخَالِق المنزلاوى الشافعى الامام الْعَلامَة الصَّالح الولى الزَّاهِد الْجَامِع بَين الْعلم وَالْعَمَل الْمجد فى بَث الْعُلُوم النافعة كَانَ عَالما مفننا وَكَانَ يخْتم فى كل سنة نَحْو عشرَة كتب كبار فى فنون وقراءته تَحت اللَّفْظ لَا يتَعَدَّى الْمَقْصُود بِالذَّاتِ من الْكتاب وَيَقُول الْقِرَاءَة هَكَذَا فى هَذِه الازمان أفود فان الهمم قصرت والافهام كلت مَعَ كَونه اذا سُئِلَ عَن مُشكل فى الْكَلَام أجَاب عَنهُ بِأَحْسَن عبارَة وَمن شُيُوخه الْبُرْهَان اللقانى والنور الزيادى وَسَالم الشبشيرى وَأحمد الغنيمى والنور على الحلبى وَغَيرهم وَعنهُ أخذا أَكثر المدركين من مَشَايِخ الْعَصْر مِنْهُم مَنْصُور
стр. 1460
الطوخى وَسليمَان الشامى وَدَاوُد الرحمانى وَأحمد البشيشى وأفلج فى آخر عمره وَاسْتمرّ بِهِ الفالج سِنِين وَهُوَ ببيته وَمَعَ ذَلِك كَانَ يدرس وَهُوَ بِهَذَا الْحَال وَسبب فلجه كَثْرَة انهماكه على الْجِمَاع بِحَيْثُ لَا يتْركهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارا وَكَانَ لَهُ عدَّة نسَاء وسرارى قَالَ ونصحنى بعض شيوخى عَن ذَلِك وَقَالَ لى ان كثرته هَكَذَا تورث الفالج بالتتبع فَلم يفدنى ذَلِك حَتَّى كَانَ من أَمر الله تَعَالَى مَا كَانَ وَاجْتمعَ بِهِ صاحبنا الْفَاضِل الاديب مصطفى بن فتح الله وَسمع عَلَيْهِ طرفا من تَفْسِير الجلالين وَمن شرح الالفية للمرادى بِقِرَاءَة شَيْخه الفهامة مُوسَى بن حجازى الْوَاعِظ وَذَلِكَ بعد مَا أفلج وَأَجَازَهُ بمروياته قَالَ وَأخْبرنَا عَن شَيْخه الْعَلامَة طه السفطى انه كَانَ يأتى الى الدَّرْس بعصا يضْرب بهَا من يسْأَله سؤالا غير مُنَاسِب للمقام وَاتفقَ انه كَانَ يَوْمًا يقرئ فى مُخْتَصر خَلِيل فَسَأَلَهُ بعض طلبته سؤالا من ذَلِك فَضَربهُ فَقَالَ بديهة
(لقد نلْت يَا طه مقَاما ورفعة ... فَمَا نالها بَين الانام أَمِير)
(تقرر فى معنى خَلِيل بمطرق ... كَأَنَّك تراس وَنحن حمير)
والتراس سائق الْحمير بلغَة المصريين وَكَانَت وَفَاة المنزلاوى فى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَألف بِمصْر وعمره نَحْو ثَمَانِينَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْفَقِيه مُحَمَّد بلفقيه الْمَشْهُور بالاعسم الحضرمى الشَّيْخ الاعظم أحد الْعلمَاء العاملين ذكره الشلى وَأحسن الثَّنَاء عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وَصَحب جمَاعَة من أكَابِر العارفين مِنْهُم عَمه السَّيِّد الْجَلِيل عبد الله بن مُحَمَّد بلفقيه صَاحب الشبيكة وَمن فى زَمَانه من الْعلمَاء كالشيخ أَحْمد بن علوى با جحذب وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن حسن وَالشَّيْخ حُسَيْن بن الْفَقِيه عبد الله بَافضل وَكَانَ كثير الْعِبَادَة محبا للصوفية وَكَانَ لَهُ الشَّأْن الْعَظِيم كثير الْمُسَامحَة ظَاهر الْولَايَة وَالصَّلَاح وَاسع الصَّدْر رفيع الْقدر وَكَانَت وَفَاته سنة سبع بعد الالف بتريم وَدفن بمقبرة زنبل والاعسم أفعل من العسم وَهُوَ اليبس فى الْمرْفق وَالله أعلم
مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الملقب شمس الدّين الحموى اشْتهر وَالِده بالمكى الحنفى نزيل مصر كَانَ اماما عَالما بالفقه وَالتَّفْسِير والْحَدِيث والقراآت والاصول والنحو كثير الاستحضار للاحاديث النَّبَوِيَّة خُصُوصا الْمُتَعَلّقَة بالاوراد والفضائل أديبا ذكيا فصيحا صَالحا ورعا متواضعا طارحا للتكلف متصوفا كثير الْمُرُوءَة عَظِيم الْبر خُصُوصا لاقاربه كثير الزِّيَارَة والموافاة لاصحابه حسن الصَّوْت بِالْقِرَاءَةِ
стр. 1461
صَادِق اللهجة والمحبة والنصح وَكَانَ مَعَ ذَلِك كثير الانبساط حُلْو النادرة وَفِيه دعابة زَائِدَة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من كملة الرِّجَال أَخذ عَن النُّور الزيادى وَالشَّمْس مُحَمَّد الخفاجى وَالشَّيْخ مُحَمَّد الوسيمى والصفى الْعُزَّى وَالشَّيْخ طه المالكى وَالشَّمْس مُحَمَّد الدمراوى والسراج ابْن الجائى وأبى النجا السنهورى والشهاب أَحْمد بن خَلِيل السبكى وَقَرَأَ بالروايات على شحاذة الْيُمْنَى المقرى وَأخذ عُلُوم الْعَرَبيَّة عَن أَبى بكر الشنوانى واشتغل بالفقه على عَلامَة عصره على بن غَانِم المقدسى وَغَيرهم وفَاق أهل زَمَانه فى الْفضل وَذكره عبد الْبر الفيومى فى المنتزه فَقَالَ فى وَصفه عَالم نشر ألوية فَضله الزهية فتلقاها بِالْيَمِينِ كل فَاضل رام دقائق الْعَرَبيَّة رَقِيق الطباع دَقِيق الْفِكر بِلَا دفاع علمه متين وعقله رصين وأدبه باهر وشعره زَاهِر لَزِمت درسه وَشهِدت فَضله وأنسه وَألف صنف وزين الاوراق ورصف فحشى المغنى بحاشية لكل طَالب تغنى وَله كتابات أخر مِنْهَا حَاشِيَة على شرح الْقَوَاعِد الهشامية للشَّيْخ خَالِد اختصرها من حَاشِيَة شَيْخه الشنوانى وَله بديعية مطْلعهَا
(هجرى على ولى وصل بأحيانى ... أماتنى الهجر جَاءَ الْوَصْل أحيانى)
قلت وَله شعر رَقِيق مِنْهُ قَوْله من قصيدة مدح بهَا شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا لما كَانَ قَاضِيا بِمصْر ومطلعها
(أوجوه غيد أم حسان ربوع ... وعيون آرام تزيد ولوعى)
(أم نشر زهر ضَاعَ فَامْتَلَأَ الربى ... عطرا عبيرا أم رياض ربيع)
(وَالْمَاء قد صقل النسيم متونه ... أم فى جِدَار لَهُ متون دروع)
(والطل قد زَان الشَّقِيق بلؤلؤ ... أم وجنة مطلولة بدموع)
(والقضب من لطف النسيم تمايلت ... خجلا فأبدت ذلنى وخضوعى)
(والبدر أشرق فى ثنيات الدجا ... سحرًا وَبرد اللَّيْل فى توشيع)
(سفر اللثام فلاح فى وجناته ... ورد الخد فحار فِيهِ بديعى)
(ساجى اللواحظ فاتك بجفونه ... ذُو خبْرَة فى صَنْعَة التقطيع)
(مَا تمّ مسك عذاره فى خَدّه ... الا ليظْهر عذر كل خليع)
(والثغر قد حَاز العذيب وبارقا ... وجواهرا للدر فَغير مضيع)
(يَا قلب خل هوى الحسان وخلننى ... من ذكر أحباب وَذكر ربوع)
(واقطع أقاويل الوشاة فقطعها ... سَبَب لوصلة حبلنا الْمَقْطُوع)
стр. 1462
(واجنح الى ظلّ الجناب المرتجى ... قاضى الْقُضَاة الامجد الْمَرْفُوع)
(يحيى الذى يحيي الْوُجُود بجوده ... سحت يَدَاهُ بسيحا المهموع)
(يعْطى مؤمله بِغَيْر شَفَاعَة ... مَا رامه من نائل مشفوع)
(مذ شاع فى مصر السَّعَادَة عدله ... دَامَت لَهُ الاحكام بالتوقيع)
(حلف الزَّمَان ليَأْتِيَن بِمثلِهِ ... حنثت يَمِين حَدِيثه الْمَوْضُوع)
(كفر يَمِينك يَا زمَان وَلَا تعد ... لَيْسَ الشريف الْجد مثل وضيع)
مِنْهَا
(يَا من رَجَوْت وَقد أمنت بجاهه ... من كل خطب للزمان فظيع)
(وَوضعت عَن كتفى السُّؤَال لغيره ... وَالْمَوْت أطيب من سُؤال وضيع)
(ورجوته بالشعر لما خصنى ... مِنْهُ جميل اللطف عَم جميعى)
(اسْمَع بمذهبها البديع وهاكها ... تختال بالتهذيب والترصيع)
(قصرت خطاها عَن سواك وَأَقْبَلت ... تمشى الى علياك شى سريع)
(فاقبل وزدنى فى العطا مَا غربت ... شمس النَّهَار وأشرقت بِطُلُوع)
(لَا زلت ممدوح الْخِصَال جَمِيعهَا ... مَا نَار وجد أضرمت بضلوع)
وَكَانَت وَفَاته بِمصْر يَوْم الاحد تَاسِع عشر شَوَّال سنة سبع عشرَة بعد الالف
مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْجمال مُحَمَّد بن الشهَاب أَحْمد بن أَحْمد البونى المكى المالكى الاديب الزكن الماهر قدم جده من الْمغرب وَهُوَ فَقير جدا فقطن الْحجاز وترقى ابْنه بِخِدْمَة الشريف بَرَكَات بن أَبى نمى صَاحب مَكَّة وَكَانَ فِيهِ خير ونفع وقف فى مرض مَوته على البيمارستان المكى بعض الاماكن وَخَلفه ابْنه فى الترقى وَله أَخُوهُ وَكَانَ مُحَمَّد هَذَا على مَذْهَب آبَائِهِ وَكَانَ كَاتبا شَاعِر ولد بِمَكَّة وَبهَا نَشأ وَحفظ أشعار الْعَرَب ونافس أقرانه فى عُلُوم الادب وَله أشعار حسان مِنْهَا قَوْله مجيبا للبرهان ابراهيم المهتار عَن قصيدة خمرية نظمها وأرسلها اليه لبعارضها ومطلعها
(دع الْوُقُوف على الاطلال والنجب ... وَلَا تعرج على مجهولها الخرب)
فعارضها بقوله
(مَا دَامَ كأس الحميا باسم الشنب ... فَترك لثمى لَهُ من قلَّة الادب)
(فاستجلها بنت كرم مَعَ ذوى كرم ... من كف سَاق بِبرد الْحسن محتجب)
(كالبدر يسْعَى بشمس الراح فى يَده ... فاعجب لبدر سعى بالشمس للهب)
стр. 1463
(اذا رنا قلت خشف فى تلفته ... وان تثنى فغصن مَاس فى الكثب)
(من لى بهَا وهى تجلى فى زجاجتها ... وَمن سنا مؤنسى باللهو والطرب)
(مَعَ رفْقَة كَالنُّجُومِ الزهر ساطعة ... حازوا جَمِيع النهى والذوق فى الْعَرَب)
(وَالْوَرق تشدو على الاغصان قائلة ... باكر صبوحك بالكاسات والنجب)
وَلها تَتِمَّة لم أَقف عَلَيْهَا وَكتب اليه المهتار قصيدة مبدؤها
(بقلبى سيف اللواحظ سنه ... وأفرض وجدى وهجرى سنه)
فَرَاجعه بقصيدة طَوِيلَة أَولهَا
(أَجَبْتُك مولاى من غير مِنْهُ ... فذوقك قد حفنى الْفضل مِنْهُ)
(وانى مطيعك فِيمَا أمرت ... بِهِ وودادى كَمَا تعهدنه)
مِنْهَا
(عجبت لسحر عُيُون الظبا ... تصيد القساو رمن غابهنه)
(وَهن الدمى الخرد الآنسات ... وَمن لَهُم الشّعب أضحى مظنه)
(فكم دون أخدارهم مهلك ... وَكم حَولهمْ من جِيَاد معنه)
(ببيض الصفاح وَسمر الرماح ... وصفر القسى وزرق الاسنه)
(فحيى حمى الشّعب من عَامر ... حَيا لم يزل يسقى أطلا لهنه)
(فثم الغوانى الملاح الصَّباح ... يرن الوشاح باعطافهنه)
(اذا مسن مَا بَين تِلْكَ الْخُدُور ... يحاكى القنالين أعطا فهنه)
(فطير الحشا لم يزل وَاجِبا ... عَلَيْهِنَّ ان لحن فى حيهنه)
مَا أحسن قَوْله وَاجِبا بعد قَوْله فطير وطيور الْوَاجِب المتعارفة عِنْد أَرْبَاب الْقوس والبندق أَرْبَعَة عشر وهى الكركى والسبيطر والعنز والسوغ والمرزم والغرنوق وَهَذِه السِّتَّة يُقَال لَهَا قصار السَّبق والنسر وَالْعِقَاب والاوز والتم واللغلغ والانيسه والسلوى يُقَال لَهَا طوال السَّبق وانما قيل لَهَا طيور الْوَاجِب لَان الرامى كَانَ لَا يُطلق عَلَيْهِ لفظ الرامى الا بعد قتل هَذِه بأجمعها بالبندق وجوبا صناعيا
(وَمن ثمَّ أَهْوى بديع الْجمال ... حوى اللطف والظرف من بينهنه)
(رشا خصره مُضْمر ناحل ... اذا قَامَ والردف مَا أرجحنه)
(فوجبته مُنْذُ دب العذار ... حكت يَا ذوى الْعِشْق نَارا وجنه)
وَمن شعره قَوْله
(أنحل الله خصر ذَات الْمِثَال ... فهى وَالله لَا ترق لحالى)
стр. 1464
(وأرانى ألحاظها فى انكسار ... ولظى جمر خدها فى اشتعال)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَدفن بالمعلاة والبونى نِسْبَة لبونة بالمغرب من أَعمال تونس
مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن سراج الدّين الملقب جمال الدّين الحضرمى الْفَقِيه الشافعى القاضى كَانَ من الْعلمَاء المبرزين انْتَهَت اليه رياسة الْفِقْه فى جِهَته قَرَأَ الْعلم على وَالِده وَغَيره وارتحل الى الشحر وَأخذ عَن الْفَقِيه على بن على بايزيد ولازمه حَتَّى تخرج بِهِ وتصدر للْفَتْوَى والتدريس وَولى الْقَضَاء فى عدَّة بِلَاد مِنْهَا تريم والشحر وشبام والغرفة وَله رحْلَة طَوِيلَة رَحل الى الْهِنْد فى شبابه والى المسقاص ودوعن وَصَحب جمَاعَة من أكَابِر العارفين أَجلهم الشَّيْخ أَبُو بكر بن سَالم وَأدْركَ الشَّيْخ مَعْرُوف باجمال ولحظه بنظراته وَله نثر ونظم وَولى الخطابة وَكَانَ فصيحا جهورى الصَّوْت عذب الْمنطق لَهُ بسطة فى الْعلم والجسم وَكَانَ مَقْبُولًا عِنْد الْخَاص وَالْعَام كثير الْبكاء والخشوع وَكَانَ زاهدا فى الدُّنْيَا كَرِيمًا يحب الْفُقَرَاء وَتخرج عَلَيْهِ جمَاعَة وَله مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا منظومة الارشاد وَشَرحهَا ومنظومة فى النِّكَاح كبرى وَأُخْرَى صغرى وَله مؤلف فى الْفِقْه صَغِير وَكتاب الْبر الرؤف فى مَنَاقِب الشَّيْخ مَعْرُوف رتبه على مُقَدّمَة وَأَرْبَعَة أَبْوَاب وخاتمة وَجعل الخاتمة فى مَنَاقِب الشَّيْخ أَبى بكر بن سَالم قَالَ وَمن أَرَادَ أَن يَكْتُبهُ مُفردا قليسمة بُلُوغ الظفر والمغانم فى الشَّيْخ أَبى بكر بن سَالم وَجعل الخاتمة فى تراجم بعض الاعيان قَالَ وَمن شَاءَ أَن يفردها فليسمها بالدر الفاخر فى تراجم أَعْيَان الْقرن الْعَاشِر وَله فَتَاوَى كَثِيرَة غير مدونة وَحصل لَهُ فى آخر عمره اعراض عَن الْخلق فَصَارَ كالذاهل وَلم يزل كَذَلِك الى أَن توفى وَكَانَت وَفَاته فى شعْبَان سنه تسع عشرَة بعد الالف بِبَلَدِهِ الغرفة وَدفن بهَا رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد الهادى بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد شهَاب الدّين بن عبد الرَّحْمَن بن على الْمَعْرُوف بِابْن شهَاب الحضرمى الشافعى الصوفى الباهر الطَّرِيقَة ذكره الشلى فى تَارِيخه الذيل وَقَالَ فى تَرْجَمته ولد بتريم وربى فى حجر وَالِده وَحضر دروسه فى الْفِقْه والْحَدِيث وَأخذ عَنهُ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَحفظ الْقُرْآن وتفقه بالشيخ مُحَمَّد بن اسمعيل بَافضل وَأخذ التصوف عَن الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس وَعَن غَيره ثمَّ لبس الْخِرْقَة من كثيرين وَأذن لَهُ جمَاعَة من مشايخه بالافتاء والتدريس وأقرأ كثيرا
стр. 1465
وتزهد حَتَّى شاع ذكره وقصدته الطّلبَة من الاقطار وانتفع بِهِ جم غفير مِنْهُم وَلَده السَّيِّد الْجَلِيل أَحْمد بن نزيل مَكَّة وسيدى الصنو أَحْمد وَالشَّيْخ عبد الله بن زين بافقيه وَالسَّيِّد على بن عمر فَقِيه وَغَيرهم من الْعلمَاء والادباء ورزق فى الْعِبَادَة أوفر نصيب وَكَانَ جوادا كَرِيمًا حَلِيمًا عفيفا وَكَانَ بَصيرًا بِزَمَانِهِ متواضعا خلوقا عَظِيم الْقدر والهيبة وَله رسائل فى علم التصوف وَكَانَت وَفَاته فى سنة أَرْبَعِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وَتقدم تَمام نسبه فى تَرْجَمَة ابْن أَخِيه ابراهيم بن أَبى الْيمن البترونى الحلبى مفتى الْحَنَفِيَّة بحلب وَيعرف بمفتى الْعقبَة لسكناه فى محلّة الْعقبَة كَانَ قَلِيل البضاعة فى الْعلم وَتَوَلَّى الْفَتْوَى وَلم يكن أَهلا لَهَا وَسبب ذَلِك أَن الشَّيْخ فتح الله البيلونى كَانَ كثير الْعَدَاوَة لاخى مُحَمَّد الْكَبِير وَهُوَ أَبُو الْجُود الْمُقدم ذكره وَكَانَ البيلونى مُعْتَقد الْوَزير الاعظم نصوح باشا وَشَيْخه وَاتفقَ أَن مُحَمَّدًا صَاحب التَّرْجَمَة ذهب الى الرّوم لطلب المعاش من قَضَاء أَو غَيره فأنزله البيولنى عِنْده وأكرمه وَقَالَ لَهُ اقْضِ مآربك ثمَّ بعد أَيَّام قَالَ لَهُ قد شفعت لَك عِنْد الْوَزير الاعظم وَأخذت لَك منصبا جَلِيلًا وَلَا أُعْطِيك الاوراق حَتَّى تقطع الْبَحْر وأودعك الى أسكدار وأسلمها لَك فَفعل فَلَمَّا ودعه سلمه مَكْتُوب الْفَتْوَى فَامْتنعَ وَقَالَ أَنا لست أَهلا لذَلِك وَهل يمكننى التَّصَرُّف بهَا مَعَ وجود أخى الشَّيْخ أَبى الْجُود فَقَالَ لَهُ ان لم تقبل أسعى على اهانتك ونفيك فَلم يَسعهُ الا الْقبُول وَلما دخل الى أَخِيه قبل أقدامه وَعرض عَلَيْهِ هَذَا الامر فَقَالَ جعله الله مُبَارَكًا وَأَنا أعلم أَن هَذَا من مكر فتح الله فافعل وَلَا تخَالف فاننا نخشى شَره ثمَّ بعد لم يقبلهَا أَبُو الْجُود وَتصرف بهَا مُدَّة مُحَمَّد ووجهت بعده لاخيهما أَبى الْيمن وَكَانَ أَبُو الْيمن وَمُحَمّد بِمَنْزِلَة الخدام عِنْد أخيهما الْكَبِير أَبُو الْجُود الْمَذْكُور وَكَانَت وَفَاة مُحَمَّد فى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف
مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن على بن مُوسَى بن خضر الخيارى المدنى الشافعى الاديب الاريب اللوذعى نَشأ وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ بِالْمَدِينَةِ عَمَّن بهَا من الْعلمَاء الاعيان ورحل الى مصر وَالشَّام وَالروم وَكَانَ ينظم الشّعْر وَله شعر وسط مِنْهُ قَوْله بمدح شيخ الاسلام يحيى المنقارى مفتى الرّوم
(فى كل قطر حَيْثُ ذكرك ينشر ... يَبْدُو الثَّنَاء عَلَيْك مسك أذفر)
(وتود أَرْبَاب الْمقَام بِأَنَّهَا ... من ترب نعلك دَائِما تتعطر)
стр. 1466
(شرفت بك الايام حَتَّى أَنَّهَا ... ودت تراك الماضيات الاعصر)
(وأتى الزَّمَان اليك عبدا طَائِعا ... يصغى لما تنهاه عَنهُ وتأمر)
(وَقد اقتصرت على مديح جنابكم ... اذ مدح خير الْخلق فِيكُم أكبر)
(فى قَوْله الْعلمَاء وَرَثَة قد كفى ... الصَّادِق المصدوق فِيمَا يخبر)
(واذا أردْت بِأَن أصوغ مدائحا ... فِيكُم فانى مَا حييت مقصر)
(من أجل هَذَا قَالَ قبلى من مضى ... بَيْتا وَذَاكَ الْبَيْت فِيكُم أشهر)
(وعَلى تفنن واصفيه بحسنه ... يفنى الزَّمَان وَفِيه مَالا يحصر)
(فاليك يَا مولاى صغت دراريا ... تهدى اليك وَأَيْنَ مِنْهَا الْجَوْهَر)
(ضمنتها أوصافك الغر الَّتِى ... مَا شامها الثَّقَلَان الا كبروا)
(لَا ترتجى الا الْقبُول اجازة ... واجازة الشُّعَرَاء أَبيض أصفر) ٥ وَكَانَت وِلَادَته فى شعْبَان سنة أَرْبَعِينَ وَألف وَتوفى بِالْمَدِينَةِ فى شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بِالبَقِيعِ رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد قاضى الْعَسْكَر بن الْمُفْتى عبد الرَّحِيم الْمُقدم ذكره صدر الرّوم ورئيسها وواحدها فى الْفضل والمعرفة وَكَانَ فَاضلا كَامِلا مطلعا على الاشعار الْعَرَبيَّة مائلا اليها أديبا لَهُ طبيعة مطيعة وفطنة قويمة صَاحب همة وجاه عريض صَاحب رابطة متقنة جوالا بِالْحَقِّ بَرِيئًا من الرِّيَاء والمداهنة صافى المشرب حسن الشكل جَريا فى الْكَلَام حكى لى بعض الاخوان من الروميين انه ذكر عِنْد المترجم ثَلَاثَة من الْقُضَاة الْكِبَار فى زَمَانه كَانُوا معروفين بالجور وَتَنَاول الرِّشْوَة فَقَالَ ان ولانى الله تَعَالَى أَمرهم صلبت مِنْهُم فلَانا فى مَكَان كَذَا وَفُلَانًا فى محلّة الْيَهُود وَفُلَانًا فى محلّة النَّصَارَى فَبلغ أحدهم مَا قَالَه فَذهب اليه يستفسر مِنْهُ فى زى متعتب فَقَالَ لَهُ كَيفَ سَمِعت مقالتى قَالَ بلغنى أَنَّك قلت ان وليت حكمه صلبته فى محلّة النَّصَارَى قَالَ انما قلت عَنْك أصلبه فى محلّة الْيَهُود لَان شهرتك بالجور فَوق ذَيْنك الشخصين وَله من هَذَا الْقَبِيل أَشْيَاء أخر وَهُوَ أحد من أَخذ عَن أَبِيه الْعُلُوم ولازم من الْمُفْتى أَبى سعيد وسافر فى خدمَة وَالِده الى يكى شهر لما ولى قضاءها ثمَّ درس بمدارس قسطنطينية الى أَن وصل الى مدرسة وَالِدَة السُّلْطَان مُرَاد فاتح بَغْدَاد وَولى مِنْهَا قَضَاء الغلطة وَكَانَ وَالِده اذ ذَاك مفتيا فَعظم شَأْنه وراجعته النَّاس فى مهماتهم وَلما عزل أَبوهُ عَن الْفَتْوَى أَمر بِالْحَجِّ فَكَانَ مَعَه وَأعْطى رُتْبَة قَضَاء
стр. 1467
دَار الْخلَافَة وحجا وعادا من طَرِيق مصر ثمَّ رجعا الى دمشق فَوجه الى وَالِده قَضَاء الْقُدس وَتوجه مَعَه اليها وَأقَام بهَا مُدَّة يسيرَة ثمَّ سَافر الى الرّوم وَولى قَضَاء دَار الْخلَافَة وعزل عَنْهَا فَأعْطى قَضَاء بعض القصبات وَأمر بِالْمَسِيرِ اليها فَأَقَامَ بهَا مِقْدَار نصف سنة ثمَّ اسْتَأْذن فى الذّهاب الى دَار الْملك فَأذن لَهُ ثمَّ ولى قَضَاء الْعَسْكَر بِأَنا طولى فى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وَاسْتمرّ مُدَّة طَوِيلَة وَأَقْبل عَلَيْهِ الصَّدْر الاعظم الكوبريلى لما رأى من تصلبه واستقامته ثمَّ عزل وَولى بعد ذَلِك قَضَاء الْعَسْكَر بروم ايلى فى سنة خمس وَسبعين والف ثمَّ عزل وَأعْطى قَضَاء اسكدار ثمَّ وَجه اليه قَضَاء روم ايلى مرّة ثَانِيَة وَكَانَ السُّلْطَان مُحَمَّد يَوْمئِذٍ بِمَدِينَة سلانيك فَتوجه اليها ودخلها منحرف المزاج فَلم يلبث كثيرا حَتَّى توفى وَكَانَت وَفَاته فى آخر سنة ثَمَانِينَ وَألف وَدفن بهَا وَولى مَكَانَهُ الْعَالم الْعلم الْمولى مصطفى الْمَعْرُوف بضحكى فَقَالَ شَيخنَا ابراهيم الخيارى المدنى يرثيه وَكَانَ اذ ذَاك بسلانيك
(ان ابْن عبد الرَّحِيم قاضى ... عَسَاكِر الرّوم دون شكّ)
(رمته عَن قوسها المنايا ... بِكُل سهم عَظِيم شكّ)
(وَقد أُصِيبَت بِهِ البرايا ... فَكل عين عَلَيْهِ تبكى)
(مذعمهم غمهم عَلَيْهِ ... أبدلتهم رَبنَا بضحكى)
تمّ الْجُزْء الثَّالِث من خُلَاصَة الاثر فى أَعْيَان الْقرن الحادى عشر ويليه الْجُزْء الرَّابِع أَوله مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن حسن جَان
стр. 1468
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن حسن جَان الشهير بالبهائى مفتي الديار الرومية وَاحِد أَفْرَاد الدُّنْيَا ذكره والدى المرحوم فى ذيله فَقَالَ فى وَصفه عَزِيز الرّوم وَابْن عزيزها وَبدر افق المعالى الْحَائِز قصبات السَّبق فى مضمار العلى وتبريزها وَمن أَطَاعَته البلاغة ففتحت لَهُ عَن كنوزها واطلع على دقائق حقائقها ورموزها الحرى بِمَا قَالَه فِيهِ خَاله الْمولى ابْن ابى السُّعُود النبيه
(ابْن عبد الْعَزِيز فى آل سعد ... كَابْن عبد الْعَزِيز بَين أُمِّيّه)
نَشأ فى حجر الْعِزّ العالى وتربى فى مهد الْعِزّ والمعالى وارتضع من أفاويق الْفضل أخلافها وانتجع من الفواضل أكنافها فَهُوَ كريم الجدين ومحبوك الْمجد من الطَّرفَيْنِ أما جده لابيه فَهُوَ شيخ الاسلام الخواجة سعد الدّين وَأما جده لوالدته فَهُوَ الْمولى مصطفى بن شيخ الاسلام أَبى السُّعُود الْمُفَسّر اشْتغل بِطَلَب الْعلم وجد فَوجدَ وَمد بَاعه الى أقْصَى الْفَضَائِل فنالها فى أقصر أمد ولازم الْقِرَاءَة أَولا
стр. 1469
على بعض الافاضل ثمَّ قَرَأَ على شيخ الاسلام عبد الرَّحِيم وَسبق فى تَرْجَمَة عبد الرَّحِيم الْمَذْكُور أَن وَالِد البهائى كَانَ اتَّخذهُ لتعليمه أستاذا وفى حل مشكلات الْعُلُوم ملاذا وَاعْتمد فى ذَلِك عَلَيْهِ وفوض أَمر قِرَاءَته اليه وأنزله وَأكْرم نزله وَرفع قدره بَين أقرانه وأجله فَأَقْرَأهُ قِرَاءَة من طب لمن حب وبذل فى ذَلِك جهده وأتى فى النصح بأقصى مَا عِنْده وَكَانَ لَهُ نفس مبارك فى الْقِرَاءَة والتعليم والتقرير والتفهيم وَلما اشْتهر فَضله وشاع كَمَاله ونبله تحاسدت عَلَيْهِ الْعُيُون والآذان وحقق الْخَبَر فى فضائله العيان حكى بعض الْفُضَلَاء انه لما بلغت شهرته الْمولى مُحَمَّد بن عبد الْغنى قاضى العساكر وفاضل الرّوم ظن ان النَّاس يبالغون فى وَصفه فَطلب الِاجْتِمَاع من شَيْخه الْمشَار اليه فجَاء بِهِ فَلَمَّا ذاكره رَآهُ فَوق مَا وصف فَالْتَفت الى عبد الرَّحِيم وَقَالَ لَهُ سرا كنت أَظُنك فطنا فاذا أَنْت غبى وَسبب ذَلِك انك بالغت فى النصح مَعَ شخص يصير عَلَيْك نقمة لانه من آل حسن جَان وهم أولو المناصب الْعَالِيَة وَلَهُم الْغيرَة الْعَظِيمَة على طَرِيق أسلافهم وَقد وَقع مَا قَالَه فانه كَانَ سَببا لعزل الاستاذ عَن قَضَاء روم ايلى والفتيا ووليهما مَكَانَهُ وَحكى بَعضهم أَيْضا ان البهائى دخل الى مجْلِس ابْن عبد الْغنى الْمَذْكُور وَكَانَ عِنْده قاضى الْعَسْكَر صنوه فى الْفضل الْمولى مصطفى بن عزمى فتباحث الصدران الْمَذْكُورَان فى بحث مغلق فشاركهما البهائى مُشَاركَة جَيِّدَة فشهدا تفوقه على جَمِيع المخاديم من أهل بلدتهم وَلما حج أَبوهُ فى سنة خمس وَعشْرين وَألف حج فى خدمته ولازم من عَمه الاوسط شيخ الاسلام أسعد ونظم الشّعْر فى طَلِيعَة عمره وَحكى انه لما ابْتَدَأَ النّظم نظم ربَاعِية بالتركية ورفعها الى شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا يطْلب مِنْهُ أَن يضع لَهُ مخلصا على عَادَتهم فَوضع لَهُ لفظ بهائى وَأفَاد أَنهم من نسل الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الشَّيْخ بهاء الدّين نقشبند وَشعر البهائى فى الذرْوَة الْعليا من المتانة وَحسن التخيل والمضامين العجيبة لكنه قلق التراكيب يسْتَعْمل فِيهِ الالفاظ الغريبة وَلِهَذَا كَانَ يَقُول عَنهُ الْمولى يحيى الْمَذْكُور من أَرَادَ أَن يطالع شعر البهائى فليهيئ الْقَامُوس ولغة الدشيشة الفارسية ثمَّ ينظر فِيهِ وَلما شاع أمره أعْطى مدرسة بقسطنطينة وَلم يزل يدرس فى مدرسة اثر مدرسة حَتَّى وصل الى مدرسة شهرزاده فنظم قصيدة للسُّلْطَان مُرَاد وأوصلها اليه على يَد بعض أَرْكَان الدولة من المقربين فَوَقَعت من السُّلْطَان فى أتم موقع فَوجه اليه قَضَاء سلانيك ثمَّ نقل مِنْهَا الى حلب ثمَّ عزل مِنْهَا وَنفى الى جَزِيرَة قبرق فَأَقَامَ
стр. 1470
بهَا مُدَّة ثمَّ أُعِيد مكرما وَلما سَافر السُّلْطَان مُرَاد الى بَغْدَاد صَحبه فى خدمته وولاه فى الطَّرِيق قَضَاء الشأم وَذَلِكَ فى الْمحرم سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَقَالَ أَبُو بكر بن مَنْصُور الْعُمْرَى فى تَارِيخ قَضَائِهِ
(لَا تقل لى فى الْعدْل زيد وَعَمْرو ... وَخذ الصدْق بالْكلَام الْوَجِيز)
(انما الْعدْل يَا أَخا الْفَهم أرخ ... عدل هَذَا مُحَمَّد بن عَزِيز)
ثمَّ عزل عَنْهَا فى ذى الْقعدَة سنة خمسين ثمَّ ولى قَضَاء أدرنه وقسطنطينية وَقَضَاء الْعَسْكَر بِأَنا طولى ثمَّ ترثى الى روم ايلى فى عشرى ذى الْقعدَة سنة سِتّ وَخمسين وعزل ثمَّ أُعِيد فى ثامن من جُمَادَى الاولى سنة سبع وَخمسين ثمَّ ولى الافتاء فى ثامن رَجَب سنة تسع وَخمسين وَأنْشد والدى فِيهِ عِنْد ذكر تَوليته الافتاء
(زَان الرياسة وهى زين للورى ... فازداد رونق وَجههَا بعلائه)
(كالدر يحسن لطفه وبهاؤه ... فى لبة الْحَسْنَاء ضعف بهائه)
وارخ عَام فتواه ابْن عمى مُحَمَّد بن عبد الباقى القاضى الْمَار ذكره بقوله
(وَلما تولى مفتى الْعَصْر من غَدَتْ ... فضائله تسمو بغرب وتبريز)
(وشيد بَيت السعد أَرْكَان مجده ... فَسَاد بهاء بافتخار وتمييز)
(تباشرت الدُّنْيَا بفتواه فازدهت ... وأضحت بِهِ الايام عيدا كنوروز)
(هفا هَاتِف للبشر قَالَ مؤرخا ... فطوبى لفتوى الرّوم بِابْن عَزِيز)
ومدحه الامير بقصيدته البائية الَّتِى // لم يقل أَجود مِنْهَا وَلَا أحسن // ومستهلها
(يعد على أنفاسى ذنوبا ... اذا مَا قلت أفديه حبيبا)
(وَأبْعد مَا يكون الود مِنْهُ ... اذا مَا بَات من أمْلى قَرِيبا)
(حبيب كلما يلقاه صب ... يصير عَلَيْهِ من يهوى رقيبا)
(سقَاهُ الْحسن مَاء الدل حَتَّى ... من الكافور أَنْبَتَهُ قَضِيبًا)
(يعاف منَازِل العشاق كبرا ... وَلَو فرشت مسالكها قلوبا)
(فَلَو حمل النسيم اليه منى ... سَلاما رَاح يمنعهُ الهبوبا)
(أغار على الجفا مِنْهُ لغيرى ... فليت جفاه لى أضحى نَصِيبا)
(وأعشق أعين الرقباء فِيهِ ... وَلَو ملئت عيونهم عيوبا)
(لقد أَخذ الْهوى بزمام قلبى ... وصير دمع أجفانى جنيبا)
(وَمَا أملت فى أهلى نَصِيرًا ... فَكيف الْآن أطلبه غَرِيبا)
стр. 1471
(وأقصد أَن يُعِيد روا شبابى ... زمَان غادر الْولدَان شيبا)
(وَمَا خفيت على النَّاس حَتَّى ... أروم الْيَوْم من رخم حليبا)
(اذا ظن الذُّبَاب خشيت مِنْهُ ... لفقد مساعد يلفى مجيبا)
(وهب أَنى حكيت الشَّاة ضعفا ... فمالى أَحسب السنور ذيبا)
(عَسى يَوْمًا يراش جنَاح خطى ... فأغدو قَاصِدا شهما وهوبا)
(عَزِيزًا مستفادا من عَزِيز ... كورد أكسب الايام طيبا)
(لَئِن سعدت وَلَو فى النّوم عين ... برؤياه لتِلْك الْعين طُوبَى)
(وان ضن السَّحَاب فَلَا أبالى ... وفيض نداه قد أضحى سكوبا)
(وَهل أبغى وفى النادى سناه ... طُلُوع الشَّمْس أَو أخْشَى المغيبا)
(ظَفرت بمدحه فعلوت قدرا ... وسمانى الزَّمَان بِهِ أديبا)
(وغادر روض أفكارى جنيا ... وصير غُصْن آمالى رطيبا)
(اذا تليت مآثره بِأَرْض ... غَدا الْفلك الْمدَار بهَا طروبا)
قلت ولهذه القصيدة خبر عَجِيب أَحسب أَنى سمعته من فَم الامير وَذَلِكَ انه لما نظمها دَفعهَا لبَعض المتأدبين المقيمين بدار الْخلَافَة من أهل دمشق ليبيضها لَهُ بِخَطِّهِ وَكَانَ حسن الْخط فَأخذ نسختها وبيضها ونسبها لنَفسِهِ وَدفعهَا الى البهائى فأعجب بهَا ونالت ذَلِك الرجل شَفَاعَته عِنْد قاضى الْعَسْكَر بِمنْصب فَحصل على طول واشتهر بِحسن الشّعْر وَقبُول البهائى وَكَانَ بعض أَصْحَاب الامير وقف على جلية الامر وَذكره لَهُ وَأَرَادَ أَن يظْهر زيف الرجل فَأَعْرض عَنهُ الامير وَقَالَ لَا نخيب من توسل بِنَا فى حَال وللرجل نصيب ناله على يدنا فَالله يمتعه ويزيده وَهُوَ غَايَة فى مَكَارِم الاخلاق رَجَعَ ثمَّ عزل البهائى وَأمر بِالْمَسِيرِ الى بعض القصبات الْقَرِيبَة وأعيد ثَانِيًا فى سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وأرخ عوده الاديب يُوسُف البديعى بقوله
(تشيد الْمجد بالمعالى ... وَصَارَ فى الارض كالسماء)
(والدهر قد سر قَالَ أرخ ... فتواى عَادَتْ الى البهائى)
وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ رونق عُلَمَاء الدولة علما وكرما وسماحة ويحكى عَنهُ فى الْكَرم أَشْيَاء غَرِيبَة جدا مِنْهَا انه كَانَ يجود بِثَوْبِهِ الذى يستره كَمَا قيل وَقس عَلَيْهِ غَيره وَالْكَرم الى حد يذكر من قبيل الْمَعْدُوم فى الرّوم ولطف طبعه وظرفه مِمَّا يقْضى مِنْهُمَا بالعجب حَتَّى يرْوى أَنه كَانَ اذا جَاءَ رَمَضَان اسْتعْمل خادمين نَصْرَانِيين اشفاقا
стр. 1472
على خدمته الْمُسلمين من تأذيهم بِالْخدمَةِ من قبل أَن يستوعبوا المأكل وَالْمشْرَب وآلاتهما وَلم يكن فِيهِ عيب يسند اليه الا اسْتِعْمَاله المكيفات من الافيون والبرش ونوادره وأشعاره وآثاره كَثِيرَة وَلم أَقف لَهُ من آثاره الْعَرَبيَّة الاعلى مَا كتبه على نِسْبَة أدهمية يَقُول فِيهِ حمد الْمَنّ جعل الانتساب إِلَى بعض الانساب من واكد الْأَسْبَاب الناجحة فى انشاء ذخائر الْحَمد والثنا وأباح لاقدام المتشبثين بأذيالها موطئ الْعِزّ ومدارج الْعلَا وَنصب لَهُم سلما يرفعون فِيهِ الى سَمَاء السمو وفلك الارتقا
(مرابع قدس نالها كل أقدس ... سما من سما من نائليها الى السما)
وَصَلَاة وَسلَامًا على من بِهِ بدئت نُسْخَة الْجُود والعطا كَمَا بِهِ ختمت رسائل النُّبُوَّة والاصطفا وعَلى آله وَأَصْحَابه الكرماء النجبا وَبعد فَهَذِهِ شَجَرَة طيبَة أَصْلهَا ثَابت وفرعها فى السما تُؤْتى أكلهَا كل حِين بِأَمْر رَبهَا وتفوح من كل زهرَة مِنْهَا رَوَائِح كَأَنَّهَا نوافج النوافج حسنا وطيبا ويبدو من محاسنها مَا يخاله الانسان غصنا طيبا كَأَنَّهَا اتَّصَلت بأفواه عروقها عين الْحَيَاة اذا انسجمت عَلَيْهَا أذيال نفحات الْجنان بِتِلْكَ الْحَسَنَات يَا لَهَا من شَجَرَة زكية تسد عين الشَّمْس بأوراقها وتعطر أعماق الثرى بِطيب أعراقها ثَابِتَة فى تربة طالما ربت غصونا طاميات ودوحا ناميات من أَسْفَل سافلين الى أعلا عليين وجنة عالية قطوفها دانية وثمارها يانعة غير فانية تورد أخدُود خدودها حَيَاء وخجلاً حَيْثُ تشرفت بلثم انامل السَّيِّد الاجل ملك أقاليم الاطلاق على الاطلاق وَارِث أسرة مقامات الكمل بِالِاسْتِحْقَاقِ الذى أتحف الضرتين بِطَلَاق وَقَامَ فى مقَام الْجد على سَاق فطوبى لمن لَهُ نصيب فى تِلْكَ الشَّجَرَة الرفيعة الشان السامية الْمَكَان المورقة الاغصان المشرقة الانوار المزهرة الازهار اليانعة الاثمار طُوبَى لَهُ طُوبَى لَهُ كالشيخ الاجل والصاحب الامجد الاكمل فلَان فان فِيهِ مِمَّا يشْهد لَهُ أَلْسِنَة الاقلام من أجلة الْعلمَاء الاعلام بِصِحَّة هَذَا النّسَب الباذخ والحسب الْعَاطِس من انف شامخ دَلَائِل تدل على تلألؤ نور السِّيَادَة من غربَة وانبلاج صبح السَّعَادَة عَن مفرق طرته قَالَه بفمه وَكتبه بقلمه مُسْتَيْقنًا بِصِحَّة هَذَا النّسَب الاخطر وحاكما بهَا على مَا يُوجِبهُ الشَّرْع المطهر فلَان انْتهى وَسُئِلَ عَن صَاحب كتاب اخوان الصَّفَا وَحكم قرَاءَتهَا فَكتب أَنا الْفَقِير رَأَيْتهَا منسوبة للمجريطى وَمَا تحققت من هُوَ وَمَا
стр. 1473
أخباره وَحَاصِل تِلْكَ الرسائل لَيْسَ الا مَذْهَب الباطنية الاسماعيلية وهم على أنحاء شَتَّى ومعظم القَوْل فى هَذِه الشعبة من شِعْبهمْ تناسخ الارواح وادعاء حُلُول البارى جلّ وَعلا عَمَّا يَقُوله المبطلون فى الانبياء الْمَشْهُورين من آدم الى مُحَمَّد عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وفى أَئِمَّة آل الْبَيْت وَآخرهمْ المهدى ويعظمونه على الْجَمِيع والاسماعيلية يوافقون الامامية فى ذَلِك فى الصَّادِق وَمن قبله ويخالفونهم فى الكاظم وَيَقُولُونَ بامامة اسمعيل بن جَعْفَر الصَّادِق واليه ينسبون بالسبعية لقَولهم بسبعة أَئِمَّة وَمِمَّنْ ذمّ من يقْرَأ كتب اخوان الصَّفَا مُحَمَّد بن الْمحلى الطَّبِيب الْمَعْرُوف بالعنترى بقوله
(رسائل اخواننا فى الصَّفَا ... هم أَصْبحُوا كأفاعى الصَّفَا)
(اذا جئتهم لم تجدهم سوى ... أراقم من تَحت شوك السفا)
(عناصرهم كدارت الطباع ... وَمن كدر كَيفَ يُرْجَى الصَّفَا)
(وَكَانُوا ظباء الربى بالنقا ... فصاروا ذئاب الفضا بالفلا)
(طلبت فَلم أر مِنْهُم سوى ... عقارب فى منزل قد عَفا)
(تمرد كل امْرِئ مِنْهُم ... على الله مذ عبد القرقعا)
(لقد رسبوا فى بحار الْهوى ... فلست ترى مِنْهُم من طفا)
( ... وَمَا فى بنى آدم صَادِق ... يَدُوم على وده الوفا)
(خَلِيل صفا لَيْسَ فِيهِ قذا ... جواد جدير بِأَن يصطفى)
(سوى الْعقل عَن حكم بالنجاة يلقبهن وَكتب الشفا ... )
(سقى الله نفس الرئيس الذى ... هدَانَا من الْعقل غيث الْهدى)
(فَتلك مُقَدَّسَة بالجنان ... قد اتحدث بنفوس السما)
(فَلَا تفش لله سرا وَلَا ... تبث البرايا عُلُوم الحجى)
(فلولا الشَّرَائِع قيد النهى ... لضل الْمُهَيْمِن كل الورى)
(فان كنت متخذا صاحبا ... لدنياك فليك رب التقى)
(فَذَلِك خير من اللوذعى اللَّئِيم الطباع الْكثير المرا ... )
قلت وَرَأَيْت فى بعض المجاميع مِمَّا يتَعَلَّق بِهَذِهِ الرسائل أَن الْوَزير صمصام الدولة ابْن عضد الدولة سَأَلَ أَبَا حَيَّان التوحيدى عَن زيد بن رِفَاعَة وَقَالَ لَا أَزَال أسمع عَن زيد مقَالا يريبنى ومذهبا لَا عهد لى بِهِ وَقد بلغنى أَنَّك تعاشره كثيرا وتجلس
стр. 1474
اليه وَعِنْده دَائِما وَمن طَالَتْ عشرته لانسان أمكنه اطِّلَاعه على مستكن رَأْيه فَقلت لَهُ أَيهَا الْوَزير هُنَاكَ ذكاء غَالب وذهن وقاد فَقَالَ فعلى هَذَا مَا مذْهبه قلت لَا ينْسب الى شئ لكنه أَقَامَ بِالْبَصْرَةِ زَمَانا طَويلا وصادف بهَا جمَاعَة عِنْدهم أَصْنَاف الْعلم فصحبهم وخدمهم وَكَانَت هَذِه الْعِصَابَة قد تآلفت بِالْعشرَةِ وتصافت بالصداقة وَاجْتمعت على الْقُدس وَالطَّهَارَة والنصيحة فوضعوا بَينهم مذهبا زَعَمُوا انهم قربوا بِهِ الطَّرِيق الى الْفَوْز برضوان الله تَعَالَى وَذَلِكَ انهم قَالُوا ان الشَّرِيعَة قد دنست بالجهالات واختلطت بالضلالات وَلَا سَبِيل الى غسلهَا وتطهيرها الا بالفلسفة وَزَعَمُوا انه مَتى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة الْعَرَبيَّة فقد حصل الْكَمَال فصنفوا خمسين رِسَالَة فى خمسين نوعا من الْحِكْمَة ومقالة حادية وَخمسين جَامِعَة لانواع المقالات على طَرِيق الِاخْتِصَار والايجاز وسموها رسائل اخوان الصَّفَا وكتموا فِيهَا أَسْمَاءَهُم وبثوها فى الوراقين ووهبوها لاكثر النَّاس فحشوا هَذِه الرسائل بالكلمات الدِّينِيَّة والامثال الشَّرْعِيَّة والحروف المحتملة والطرق المموهة وهى محشوة من كل فن بِلَا اشباع وَلَا كِفَايَة وفيهَا خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات فتعبوا وَمَا طربوا وعنوا وَمَا أغنوا ونسجوا فهلهلوا ومشطوا فغلغلوا وَبِالْجُمْلَةِ فهى مقالات مشوقات غير مستقصاة والا ظَاهِرَة الادلة والاحتجاج وَلما كتم مصنفوها أَسْمَاءَهُم اخْتلف النَّاس فى الذى وَضعهَا فَكل قوم قَالُوا قولا بطرِيق الحدس والتخمين قوم قَالُوا هى من كَلَام بعض الائمة العلويين وَقَالَ آخَرُونَ هى تصنيف بعض متكلمى الْمُعْتَزلَة فى الْعَصْر الاول وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال انْتهى ثمَّ رَأَيْت ابْن حجر المكى ذكر فى فَتَاوِيهِ وَقد سُئِلَ من صَاحب رسائل اخوان الصَّفَا وَمَا تَرْجَمته وَمَا حَال كِتَابه فَأجَاب بقوله نَسَبهَا كثير الى جَعْفَر الصَّادِق وَهُوَ بَاطِل وانما الصَّوَاب أَن مؤلفها مسلمة بن أَحْمد بن قَاسم بن عبد الله المجريطى وَيُقَال المرجيطى ومجريط من قرى الاندلس ويكنى أَبَا الْقسم كَانَ جَامعا لعلوم الْحِكْمَة من الالهيات وطبائع الاحجار وخواص النَّبَات واليه انْتهى علم الْحِكْمَة بالاندلس وَعنهُ أَخذ حكماء ذَلِك الاقليم وَتوفى بهَا فى آخر جُمَادَى سنة ثَلَاث وَخمسين وثلثمائة وَهُوَ ابْن سِتِّينَ سنة وَمِمَّنْ ذكره ابْن بشكوال وَغَيره وَكتابه فِيهِ أَشْيَاء حكمِيَّة وفلسفية وشرعية وَمِمَّنْ شدد عَلَيْهِ ابْن تَيْمِية لكنه يفرط فى كَلَامه فَلَا تغتر بِجَمِيعِ مَا يَقُوله انْتهى وَكَانَت ولادَة البهائى فى سنة عشرَة وَألف وَتوفى فى ثَالِث عشر صفر سنة
стр. 1475
أَربع وَسِتِّينَ وَألف وَدفن قبالة دَاره فى تربة مَخْصُوصَة عمرها لنَفسِهِ بِالْقربِ من جَامع السُّلْطَان مُحَمَّد الفاتح من جِهَة قرمان الصَّغِيرَة وَقَالَ والدى يرثيه
(الرّوم قد محيت محَاسِن أُنْسُهَا ... وَغدا بهَا رسم الْعلَا كهباء)
( ... وتعطلت لما نأى ابْن عزيزها ... اذ لَا بهاء لَهَا بِغَيْر بهائى)
مُحَمَّد بن عبد الْعَلِيم بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن أَبى بكر بن على الاهدل وَتقدم تَمام النّسَب فى تَرْجَمَة أَبى بكر بن أَبى الْقسم وَصَاحب التَّرْجَمَة هُوَ السَّيِّد الْجَلِيل لَهُ رياسة الحديدة الثغر الْمَشْهُور بِالْيمن وَكَانَ ذَا جاه وَمَكَارِم واخلاق رضية وَدُنْيا وَاسِعَة صحب السَّيِّد الطَّاهِر ابْن الْبَحْر وَكَانَت وَفَاته بالحديدة فى سنة سبع عشرَة أَو ثَمَان عشرَة وَألف وَصلى عَلَيْهِ اماما بِالنَّاسِ السَّيِّد الطَّاهِر الْمَذْكُور
مُحَمَّد بن عبد الْغنى بن مير بادشاه الْمَعْرُوف بغنى زَاده وبنادرى نادرة الرّوم وقاضى الْعَسْكَر الْمَشْهُور فى الْآفَاق كَانَ من الْفضل فى أَعلَى ذرْوَة مِنْهُ وَهُوَ أشهر موالى الرّوم فى الذكاء والفطنة وَالنّظم والنثر وَبِالْجُمْلَةِ فهم ثَلَاثَة اجْتَمعُوا فى عصر وَاحِد من عُلَمَاء الرّوم لم يتَّفق نظيرهم فى عصر من العصور وهم حُسَيْن ابْن أخى وَصَاحب التَّرْجَمَة ابْن عزمى لَكِن صَاحب التَّرْجَمَة أطولهم باعا فى التَّحْقِيق ولطف الطَّبْع والاخذ من الْفُنُون بالنصيب الوافر مِمَّن تخرج بِهِ الشهَاب الخفاجى وَكَانَ لَا يَنْفَكّ عَن مَجْلِسه وَله من المؤلفات حَاشِيَة على تَفْسِير البيضاوى لم تتمّ وَكَلَامه فِيهَا يدل على تَحْقِيق عَظِيم وَله من الْآثَار الادبية تقريظ على كتاب فى الْفِقْه رَأَيْته بِخَط شقائق الادباء فكتبته هُنَا وَهُوَ لما نظرت فى هَذَا الْكتاب وجدته حديقة أنيقه شقائق حقائقها النعمانية لازهار الحدائق الجنانية شقيقه تأصل فِيهَا خلاف الائمة فَأخذ فى النما حَتَّى صَار شَجَرَة طيبَة أَصْلهَا ثَابت وفرعها فى السما امتدت أغصانه الْمُخْتَلفَة فى الْآفَاق فأظلت الآنام حَيْثُ ظلت ملتفة الاوراق وغردت ساجعات قلم الْفَتْوَى على مَا هُوَ الاصح من أغصانه والاقوى وَللَّه من غرسه فى مقَامه وأمده برشحات مراعف أقلامه جعل الله تَعَالَى سَعْيه مشكورا وصير عمله بِالْبرِّ الاخروى مبرورا وَكَانَ يرْمى بتعاطى المدام وَاتفقَ لَهُ من النكات البديعة ان أَحْمد باشا الْحَافِظ كَانَ حَاكم الْبَحْر فاجتمعا وتذاكرا شَيْئا من مبَاحث التَّفْسِير وَكَانَ ابْن عبد الْغنى اذ ذَاك مشتغلا بتحشية التَّفْسِير فَقَالَ لَهُ الْحَافِظ مَا كتبت على
следующие страницы →