Полный текст (1 978 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الشَّيْخ أَحْمد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالعجمي الشَّافِعِي الوفائي الْمصْرِيّ الإِمَام المفنن اللوذعي كَانَ من أجلاء عُلَمَاء مصر لَهُ الْفضل الباهر والحافظة القوية والذهن الثاقب وَكَانَ صَدُوقًا حسن الْعشْرَة والمحاضرة واليه النِّهَايَة فِي معرفَة التَّارِيخ وَأَيَّام الْعَرَب ونسابهم مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَيْهِ من معرفَة بَقِيَّة الْفُنُون وَكَانَ مرجعاً لأفاضل الْعَصْر فِي مُرَاجعَة الْمسَائِل المشكلة لطول بَاعه وسعة اطِّلَاعه وَكَثْرَة الْكتب الَّتِي جمعهَا وَذكره شَيخنَا الخياري فِي رحلته وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَقَالَ فِي آخر تَرْجَمته وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ مستجمع للْعلم والحلم والظرف ومستكمل فِي الْفضل الِاسْم وَالْفِعْل والحرف تفنن فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية الفرعية والأصلية فَأَخذهَا عَن أَهلهَا وأوصل الْأَمَانَة إِلَى محلهَا وَقد جمع من الْكتب الْمُؤَلّفَة فِي سَائِر الْعُلُوم والفنون فأوعى وحصلها بِسَائِر أقسامها فصلا وجنساً ونوعاً بِحَيْثُ أصبح بِمصْر خزانَة الْعلم الَّذِي عَلَيْهِ فِي النَّقْل يعول واليه فِي ذَلِك يشار وعمدة الْفُضَلَاء الَّذين يردون من معِين كتبه الْبحار انْتهى وَذكر لي بعض الآخذين عَنهُ أَن لَهُ من التَّأْلِيف شرح ثلاثيات البُخَارِيّ ورسالة فِي الْآثَار النَّبَوِيَّة وَجمع لنَفسِهِ مشيخة رَأَيْتهَا وَعَلَيْهَا خطه ونقلت مِنْهَا فِي كتابي هَذَا كثيرا من وفيات عُلَمَاء مصر الَّذين أَخذ عَنْهُم وَهُوَ فِي الْغَالِب يَسْتَوْفِي أَخْبَار أشياخه وذكرنه فِي مبدأ أمره اجْتمع بِالنورِ الزيَادي صُحْبَة وَالِده أَحْمد مرَّتَيْنِ وَحل نظره عَلَيْهِ ثمَّ ابْتَدَأَ الِاشْتِغَال فِي سنة سبع وَعشْرين وَألف فَقَرَأَ على الشَّيْخ عَليّ الْحلَبِي صَاحب السِّيرَة والبرهان اللَّقَّانِيّ والشهاب الغنيمي وقاضي الْقُضَاة الشهَاب الخفاجي وَالشَّمْس الشَّوْبَرِيّ وسلطان المزاحي وَالشَّمْس البابلي والعلا الشبراملسي وَغَيرهم وَكَانَ الشبراملسي مَعَ جلالته يحترمه ويثني عَلَيْهِ ويراجعه فِي كثير من الْمسَائِل وَأَسْمَاء الرِّجَال وَأخذ طَرِيق السَّادة الوفائية عَن أبي الإسعاد يُوسُف الوفائي الْآتِي ذكره وَألبسهُ الْخِرْقَة وَأَجَازَهُ فِي غير ذَلِك من الْعُلُوم وَكَانَ خصيصاً بِهِ وبأولاده إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ هُوَ عِنْدهم فِي غَايَة الحظوة وَأخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم شَيخنَا الخياري الْمَذْكُور وصاحبنا الْفَاضِل إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الجينيني ثمَّ الدِّمَشْقِي وَغَيرهمَا قَرَأت فِي مشيخته أَن وِلَادَته كَانَت فِي ثَالِث عشر رَجَب سنة أَربع عشرَة بعد الْألف وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثامن عشر ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بمقبرة المجاورين وَرَآهُ الشهَاب البشبيشي وَهُوَ كَأَنَّهُ فِي درسه
стр. 177
لَيْلَة الْأَرْبَعَاء بعد ثَمَانِيَة أَيَّام من وَفَاته وَعَلِيهِ ثِيَاب بيض وَهُوَ فِي مجْلِس حافل فِيهِ جمع من النَّاس يَتلون الْقُرْآن عرف مِنْهُم الْمُحدث الْكَبِير الشَّمْس البابلي وَمُحَمّد بن خَليفَة الشويري رَحمَه الله تَعَالَى
أَحْمد بن أَسد البقاعي الأَصْل الصَّفَدِي الصُّوفِي العابد الزَّاهِد المرشد كَانَ وَالِده من قَرْيَة حمارا من عمل الْبِقَاع خرج مِنْهَا إِلَى دمشق وَأخذ الطَّرِيق عَن الاستاذ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد بن عراق ثمَّ ارتحل إِلَى صفد وَأقَام بدير فِي سفح جبل بِالْقربِ من قَرْيَة البعنة وَكَانَ قَدِيما يعرف بدير الْخضر وَكَانَ مسكن النَّصَارَى فَأخْرجهُمْ مِنْهُ السُّلْطَان سُلَيْمَان وَأمر أسداً بِالْإِقَامَةِ بِهِ مَعَ أَوْلَاده وَأَتْبَاعه فقطن فِيهِ إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة فَنَشَأَ وَلَده أَحْمد هَذَا على الْعِبَادَة وانتقل إِلَى صفد وَأخذ بهَا زَاوِيَة وَكَانَت تعرف قَدِيما بِجَامِع الصَّدْر وَاسْتمرّ بَقِيَّة إخْوَته مقيمين بالدير وَلَهُم ورد خَاص بهم نقلوه عَن أستاذ والدهم الْمَذْكُور يقرؤنه مَعَ جَمَاعَتهمْ عقب الصَّلَوَات الْخمس وَنشر أَحْمد طريقتهم فِي صفد وَأخذ عَنهُ جماعات وَكَانَ مُنْقَطِعًا عَن النَّاس لَا يُفَارق تِلَاوَة الْقُرْآن وَلَا يفتر عَن الْعِبَادَة وَكَانَ لَهُ خطّ حسن وعبارات رشيقة وفضيلة مَقْبُولَة وَلِلنَّاسِ فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم ذكره البوريني وَقَالَ فِي تَرْجَمته أَخْبرنِي ابْن أَخِيه الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن أَن وِلَادَته كَانَت فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَلم يؤرخ وَفَاته وَقد كتب لي صاحبنا الأديب الْفَائِق أَحْمد بن مُحَمَّد الصَّفَدِي إِمَام الدرويشية بِالشَّام فِي جملَة مَا كتب لي من وَفَاة الصفديين أَن وَفَاة أَحْمد الْأَسدي كَانَت فِي سنة عشرَة بعد الْألف وَدفن بزاويته فِي صفد وَسَيَأْتِي ابْن أَخِيه عبد الرَّحِيم الْمَذْكُور والبقاعي بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْقَاف وَبعدهَا ألف ثمَّ عين مُهْملَة نِسْبَة إِلَى الْبِقَاع العزيزي والعزيزي نِسْبَة إِلَى الْعَزِيز عكس الذَّلِيل وَكَأَنَّهُ نِسْبَة إِلَى الْملك الْعَزِيز ابْن السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب قَالَ فِي التَّعْرِيف ومقر ولَايَته كرك نوح ﵇ وَأما الْبِقَاع البعلبكي فَهُوَ نِسْبَة إِلَى بعلبك لقُرْبه مِنْهَا قَالَ فِي التَّعْرِيف وَلَيْسَ لَهُ مقرّ ولَايَة وَهَاتَانِ الولايتان منفصلتان عَن بعلبك لحَاكم غير حاكمها
أَحْمد بن اسكندر الرُّومِي الْكَاتِب نزيل دمشق وحيد وقته فِي صناعَة الْإِنْشَاء وَكَانَت لَهُ الشُّهْرَة التَّامَّة بالذكاء وَسُرْعَة الفطانة وَكَانَ يكْتب الْعرُوض المهمه من رَأس الْقَلَم من غير تسويد وَيكون مَقْبُولًا إِلَى الْغَايَة عِنْد الْعَارِف بِهَذَا
стр. 178
الْفَنّ مَعَ حسن الْخط الْفَائِق حلاوة وطلاوة وَسبب تفوقه فِي هَذِه الصِّنَاعَة أَنه أتقن الألسن الثَّلَاثَة الْعَرَبِيّ والفارسي والتركي اتقاناً كَامِلا والمقبول من إنْشَاء التركية مَا كَانَ مرصعاً من الألسن الثَّلَاثَة ورد دمشق فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة مَعَ قَاضِي الْقُضَاة مصطفى بن بُسْتَان وَكَانَ أحد جماعته الَّذين ينوبون عَنهُ فِي الْقَضَاء ونال مِنْهُ حظاً عَظِيما بِحَيْثُ أَنه يمْضِي غَالب الْأُمُور بإشاراته وَكَانَ يكْتب لَهُ الْعرُوض ثمَّ قطن دمشق وَبَقِي بعد عَزله استاذه وابتنى بَيْتا كَانَ تربة فِي مُقَابلَة دَار الحَدِيث الأشرفية بِالْقربِ من قلعة دمشق ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الجوهرية ودأب فِي تَحْصِيل الْعُلُوم والمعارف فَقَرَأَ على الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الْملك الْبَغْدَادِيّ الْحَنَفِيّ علم الْكَلَام والهيئة وَغَيرهمَا وَقَرَأَ على الْحسن البوريني من الشَّرْح الْمُخْتَصر على التَّلْخِيص ومقامات الحريري وَمهر فِي جَمِيع الْفُنُون حَتَّى صَار من أَعْلَام وقته ومفردات عصره فِي التنقيب عَن كَلِمَات الْقَوْم الدقيقة وَكَانَ يُنكر على ابْن عَرَبِيّ وَابْن الفارض وأضرابهما ويحط عَلَيْهِمَا وانفلج فِي آخر عمره فَكَانَ يُقَال إِن ذَلِك بِسَبَب إِنْكَاره وَكَانَت وَفَاته بعد الْألف بِقَلِيل هَكَذَا ذكره النَّجْم فِي لطف السمر وَلم يزدْ على ذَلِك وَالله أعلم
أَحْمد بن أكمل الدّين الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ رَئِيس المؤذنين بِجَامِع بني أُميَّة الْمَعْرُوف بالشراباتي كَانَ أعجوبة وقته ونادرة عصره جمع إِلَى الصّلاح حسن المعاشرة وَلَذَّة المخاطبة وَكَانَ حسن الصَّوْت عَارِفًا بالموسيقى وَله سخاء وإيثار وَكَانَ فِي مبدأ أمره مُؤذنًا بالجامع الْمَذْكُور وَلما توفّي الشَّيْخ مُحَمَّد المحملجي أحد رُؤَسَاء المؤذنين الثَّلَاثَة بِهِ وَجه إِلَيْهِ مَكَانَهُ وسافر إِلَى آمد مَعَ إِبْرَاهِيم باشا الدفتري بِالشَّام وَحج مَعَه لما صَار أَمِير الركب الشَّامي فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين والف وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي عصر نَهَار الْجُمُعَة آخر يَوْم من ذِي الْحجَّة سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف وَدفن من غده فِي مَقْبرَة بَاب الصَّغِير قَالَ وَالِدي ﵀ وَاتفقَ يَوْم وَفَاته أَن كَانَ يَوْم نوبَته فِي الترقية بَين يَدي الْخَطِيب فَنًّا وَله ساقي الْحمام فِي نوبَته رَحمَه الله تَعَالَى
أَحْمد بن تَاج الدّين الدِّمَشْقِي الأَصْل الْمدنِي موقت الْحرم النَّبَوِيّ وَكَاتب الْإِنْشَاء للشريف سعد بن الشريف زيد الأعلم كَانَ وَاحِد عصره فِي معرفَة الْعُلُوم الغربية كالرياضي والنجوم والسمييا وماشا كلهَا وَله فِي وضع الْآلَات الفلكية الْيَد الطولي وَكَانَ كثير الْأَدَب جيد المحاضرة حسن التَّحْرِير لطيف النادرة أَخذ
стр. 179
الْفُنُون عَن الْأُسْتَاذ الْكَبِير مُحَمَّد بن سُلَيْمَان المغربي نزيل مَكَّة المشرفة وَعَن غَيره وتفوق واشتهر وحبب إِلَى الخواطر وَكَانَ حسن الْإِنْشَاء وأظن أَن لَهُ نظما لكني لم أَقف لَهُ على شَيْء من منظومه وَمن لطائفه الأدبية مَا وجدته مَنْقُولًا بِخَطِّهِ فِي آخر صحيفَة ترْجم فِيهَا السَّيِّد جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله الْمدنِي الملقب بكبريت عِنْد ذكر اسْمه نَفسه فَكتب مَا صورته قَالَه عجلا وحرره خجلا من لم يكن وَكَانَ وسوف يَخْلُو مِنْهُ الْمَكَان المنوه باسمه فِي قَول الْقَائِل
(وراكعة فِي ظلّ غُصْن منوطة ... بلؤلؤة لاحت بمنقار طَائِر)
فرع من لوح باسمه الشَّاعِر بقوله
(جَاءَت بقلب مُضَاف دَائِما أبدا ... للدّين فارتفعت بِاللَّه توقيرا)
وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة المشرفة فِي سنة إجدى وَثَمَانِينَ وَألف
أَحْمد بن توفيق الكيلاني الأَصْل القسطنطيني المولد قَاضِي الْقُضَاة الْمَعْرُوف بتوفيقي زَاده أحد فضلاء الرّوم الْمَشْهُورين ونبلائها الْمَذْكُورين وَكَانَ إِلَيْهِ النِّهَايَة فِي التَّحْقِيق والذكاء والبراعة وفضله ونبله أشهر من أَن يُنَبه عَلَيْهِ ووالده المنلا توفيق قد أفردت لَهُ تَرْجَمَة ستأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي حرف التَّاء نَشأ أَحْمد هَذَا وَقَرَأَ أَنْوَاع الْفُنُون وبرع ولازم من شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد بن سعد الدّين ودرس وَلَا زَالَ ينْتَقل من مدرسة إِلَى مدرسة حَتَّى وصل إِلَى دَار الحَدِيث السليمانية وَأعْطى مِنْهَا قَضَاء سلانيك وَبعد مُدَّة ولي قَضَاء الشَّام فِي سنة أَرْبَعِينَ وَألف وَأقَام بهَا سَبْعَة أشهر وعزل وَكَانَ معتدل الْحُكُومَة غير أَن فِيهِ حِدة وشراسة أَخْلَاق ثمَّ ولي قَضَاء مصر ثمَّ أدرنة وَتُوفِّي بهَا وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أحدى وَخمسين وَألف
أَحْمد بن حسام الدّين السيروزي الشهير بملاجق من أفاضل قُضَاة الرّوم ذكره ابْن نَوْعي وَقَالَ فِي تَرْجَمته لَازم من وَاحِد الدُّنْيَا الْمولى عبد الرَّحِيم الْمَعْرُوف بِابْن أخي واشتهر بِالْفَضْلِ الباهر ثمَّ سلك طَرِيق الْقَضَاء فولي قَضَاء الْبِلَاد الْكِبَار من أَرض الرّوم مثل تيمور وحصار وزغرة العتيقة وهزار غراد وسيروز وَفِي تَوليته هزار غراد خلف عطائي بن نَوْعي صَاحب الذيل الْمَذْكُور فِي شهر ربيع الآخر سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وأضيف إِلَيْهِ مدرسة إِبْرَاهِيم باشا بهَا مَعَ خدمَة الْإِفْتَاء ثمَّ عزل فِي ختام السّنة وَأقَام بهَا لشدَّة الشتَاء فَمَرض وَمَات وَكَانَت وَفَاته فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بحظيرة إِبْرَاهِيم باشا وَله تأليف ورسائل مِنْهَا رِسَالَة
стр. 180
على مَوَاطِن من التَّفْسِير وَالْهِدَايَة والتلويح وَله كتاب على المغلفات من فتاوي قَاضِي خَان وَشرع فِي كتاب القَوْل لمن فَلم تساعد الْأَيَّام على إِتْمَامه وَحكى عطائي الْمَذْكُور قَالَ أَخْبرنِي المترجم قَالَ لما تَوَجَّهت إِلَى هزار غراد مَرَرْت على أدرنه فابتليت بالحمى المحرقة فَلَمَّا اشْتَدَّ ضعْفي وغيبت حواسي رَأَيْت كَأَن الْملك الْمُوكل بِقَبض الْأَرْوَاح قد جَاءَ إِلَى عَليّ أحسن هَيْئَة فَانْطَلق لساني بِقَوْلِي لَهُ أَهلا وسهلا افْعَل مَا أمرت بِهِ فتردد هنيهة كَأَنَّهُ منتظر أمرا ثمَّ قَالَ لي أَن فِي عمرك بَقِيَّة وَهِي سِتَّة عشر شهرا ثمَّ ولي من حَيْثُ جَاءَ وَأخذت الْعَافِيَة تدب فِي آنافا نَا حَتَّى ذهب الْمَرَض عني قَالَ عطائي فَقلت لَهُ على طَرِيق التسلية لَعَلَّ مَا قَالَه سِتَّة عشر سنة وَأَنت فِي دهشتك سمعته يَقُول شهرا فَقَالَ هَيْهَات قد كَانَ مَا كَانَ فَلم يتَجَاوَز سِتَّة عشر شهرا حَتَّى مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى برحمته والسيروزي بِكَسْر السِّين ثمَّ يَاء مثناة من تَحت فراء مَضْمُونَة بعْدهَا وَاو ثمَّ زَاي نِسْبَة إِلَى بَلْدَة عَظِيمَة بِولَايَة روم إيلي بِالْقربِ من ينكى شهروا الْعَامَّة تَقول سرز بِفَتْح السِّين وَالرَّاء وَالصَّوَاب سيروز وَالله أعلم
الإِمَام أَحْمد بن الْحسن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الرشيد بن أَحْمد بن الإِمَام الْحُسَيْن بن عَليّ بن عَليّ بن يحيى بن يُوسُف الملقب بالأشل ابْن الْقَاسِم بن الإِمَام يُوسُف الدَّاعِي ابْن الإِمَام مَنْصُور يحيى ابْن الإِمَام النَّاصِر احْمَد بن الإِمَام الْهَادِي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم طَبَاطَبَا ابْن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن الْمثنى ابْن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه إِمَام الْيمن الْعلم الشهير وَالْملك الْكَبِير كَانَ هُوَ ووالده وَأَخُوهُ مُحَمَّد أَعْيَان عصرهم وأئمة مصرهم
(إِذا ركبُوا زانوا المواكب هَيْبَة ... وَإِن جَلَسُوا كَانُوا صُدُور الْمجَالِس)
وَصَاحب التَّرْجَمَة من بَينهم متقلب فِي النعم مختال بَين الخول والخدم مَعْقُود عَلَيْهِ بالخناصر وَكَانَ يُقَال أَنه سيف آل الْمُقدم الإكابر ذُو جود ونوال وَإجَابَة للسؤال ومحاسن ومفاخر وَمَكَارِم ومآثر وَفعل خَيره وصوف وميل إِلَى جِهَات البرمعروف ولي الْإِمَامَة بعد عَمه الإِمَام إسمااعيل المتَوَكل الْآتِي ذكره ولقب نَفسه بالمهدي لدين الله فَقَامَ بأمرها أحسن قيام وانتظم بِهِ الْأَمر أحسن إنتظام وَكَانَ مهابا وَفِي أثْنَاء دَعوته دَعَا ابْن عَمه السَّيِّد الْقَاسِم بن الإِمَام مُحَمَّد الْمُؤَيد وخطب لَهُ على مَنَابِر الشرفين والأهنوم وشهارة وظليمة وَحجَّة وَأكْثر التهائم وَبعد أُمُور كَثِيرَة يطول شرحها حصل الإتفاق على إِمَامَة صَاحب التَّرْجَمَة وَاجْتمعت كلمة الْيمن إِلَيْهِ وَمن حِينَئِذٍ نفذت
стр. 181
كَلمته وعمت سطوته وهيبته وأطاعته الْأَئِمَّة القاسميون وصاروا إِلَيْهِ من كل حدب يَنْسلونَ ووفدت إِلَيْهِ قبائل الْعَرَب الْأَعْيَان كحاشد ومكيل وقحطان وَقَامَ بأعباء الْإِمَامَة وسلك طَرِيق الْعدْل وتعهد أَحْوَال الْفُضَلَاء وَعم ظلّ فَضله الْأَنَام وَسَار سيرة الْأَئِمَّة الهادين من تفقد الضُّعَفَاء وَأمنت السبل ووفدت الْأَسْفَار وَكَانَ مَعَ اشْتِغَاله بِأُمُور الرعايا منهمكاً على مطالعة كتب الْعلم وَالْأَدب وَله ميل إِلَى الْفُنُون العلمية ومحاضرة بديعة وَله أشعار حسان ووفدت عَلَيْهِ النَّاس وأثنوا عَلَيْهِ وَألف الأدباء فِي سيره وأحواله مؤلفات وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من أَفْرَاد الزَّمَان وأجلاء إِلَّا وَإِن كَانَت وَفَاته فِي الْيَوْم الثَّانِي عشر من جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف بالغراس وَبهَا دفن رَحمَه الله تَعَالَى
أَحْمد بن حسن بن الشَّيْخ سِنَان الدّين البياضي الرُّومِي الْحَنَفِيّ قَاضِي الْعَسْكَر وَاحِد صُدُور الدولة العثمانية من أجلاء عُلَمَاء الرّوم وأجمعهم لفنون الْعلم وَكَانَ صَدرا عَالما وقوراً جسيماً عَلَيْهِ رونق الْعلم ومهابة الْفضل واشتهر بالفقه وَفصل الْأَحْكَام وشاعت فضائله وذاعت وَقد أَخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم شيخ الْإِسْلَام يحيى بن عمر المنقاري وَحج مَعَ وَالِده وَحضر دروس الشَّمْس البابلي بِمَكَّة لما كَانَ أَبوهُ قَاضِيا بهَا وَأَجَازَهُ فِي عُمُوم طلبته ونبل ودرس بالروم وَأفَاد وَولي قَضَاء حلب فِي سنة سبع وَسبعين وَألف واعتنى بِهِ أَهلهَا بالغوافي توقيره وتعظيمه وَجرى لَهُ مَعَ مفتيها الْعَلامَة مُحَمَّد بن حسن الكواكبي الْآتِي ذكره مباحثات ومناقشات كَثِيرَة دونت واشتهرت عَنْهُمَا ثمَّ عزل وَولي قَضَاء بورسة ثمَّ قَضَاء مَكَّة فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَألف وَسَار فِيهَا أحسن سيرة وَعقد بِمَجْلِس الحكم درساً وَقَرَأَ شَرحه على الْفِقْه الْأَكْبَر وَهُوَ شرح استوعب فِيهِ أبحاثاً كَثِيرَة وَأحسن فِيهِ كل الْإِحْسَان وَسَماهُ إشارات المرام من عِبَارَات الإِمَام وَقد رَأَيْته بالروم واستفدت مِنْهُ ثمَّ عزل عَن قَضَاء مَكَّة وَقدم دمشق وَاجْتمعت بِهِ فِيهَا فرأيته جبلا من جبال الْعلم راسخ الْقدر ثمَّ ولي قَضَاء قسطنطينية فِي أَوَاخِر سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَألف وَكنت إِذْ ذَاك بهَا ثمَّ ولي قَضَاء الْعَسْكَر بروم ايلي وَكَانَ يَوْم ولَايَته كثير الثَّلج فأنشدت بعض حفدته قولي
(وَالْأَرْض سرت بِهِ لهَذَا ... قد لبست حلَّة البياضي)
وَوَقع فِي أَيَّام قَضَائِهِ أَنه ثَبت على امْرَأَة أَنَّهَا زنى بهَا يَهُودِيّ وَشهد أَرْبَعَة بِالزِّنَا على الْوَجْه الَّذِي يَقْتَضِي الرَّجْم فَحكم برجم الْمَرْأَة فحفر لَهَا حفيرة فِي آتٍ ميداني ورجمت
стр. 182
وَهَذَا الْأَمر لم يَقع إِلَّا فِي صدر الْإِسْلَام ثمَّ عزل وَأقَام بداره مُدَّة إِلَى أَن توفّي إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فِي إِحْدَى الجماديين سنة ثَمَان وَتِسْعين وَألف
الشَّيْخ أَحْمد بن حُسَيْن بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس أَبُو عبد الله شهَاب الدّين أحد الْعلمَاء الأجلاء والأولياء الأتقياء ذكره الشلي وَقَالَ ولد بِمَدِينَة تريم فِي سنة سبعين وَتِسْعمِائَة وَنَشَأ بهَا وَصَحب أَبَاهُ وَمن فِي طبقته وَأخذ عَن عُلَمَاء ذَلِك الزَّمَان وَألبسهُ خرقَة التصوف جمَاعَة من العارفين وتفقه وَكَانَ كثير الْقيام وَالصَّدَََقَة وَالصَّوْم وَكَانَ إِذا سجد يُطِيل السُّجُود كثير التفكر وَكَانَ غير ملتفت إِلَى الدُّنْيَا وأربابها زاهداً فِيهَا وَفِي مناصبها متباعداً عَن السُّلْطَان منقبضاً عَن الْكِبَار كثير التِّلَاوَة لِلْقُرْآنِ كثير الِاسْتِمَاع للمواعظ والأشعار الْحَسَنَة وَرُبمَا حصل لَهُ عِنْد ذَلِك حَال ورزق السَّعَادَة فِي نَسْله فَحلف ثَلَاثَة أَوْلَاد سَارَتْ سيرتهم فِي سَائِر الأَرْض ونفع الله تَعَالَى بهم خلقه فالشيخ عبد الله فِي الديار الحضرمية وَالشَّيْخ حُسَيْن فِي الديار اليمنية وَالسَّيِّد أَبُو بكر فِي الديار الْهِنْدِيَّة وكل وَاحِد مِنْهُم مَذْكُور فِي كتابي هَذَا فِي مَحَله وَكَانَت وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة لَيْلَة الْجُمُعَة لليلتين خلتا من شَوَّال سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة زنبل وَلما حفروا قَبره وجدوا فِيهِ شربة لم يعرفوا من أَي شَيْء عملت وَلَا لأي شَيْء صنعت فَأَخَذُوهَا وَهِي مَوْجُودَة يستشفي بهَا النَّاس من الْأَمْرَاض
الشَّيْخ أَحْمد بن حُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أَحْمد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم الْفَقِيه الْمُقدم يعرف كسلفه ببافقيه قَاضِي تريم القَاضِي شهَاب الدّين الْحَضْرَمِيّ الإِمَام الْمُفْتِي الْعَالم الْأَجَل ذكره الشلي وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا ثمَّ قَالَ ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن والإرشاد وَبَعض الْمِنْهَاج وَغَيرهمَا وَعرض على مشايخه محفوظاته وأكب على تحصيلا لعلوم من صغره وتفقه على الشَّيْخ مُحَمَّد بن اسماعيل ولازمه فِي الْقِرَاءَة والتحصيل وَأكْثر التَّرَدُّد وَالْأَخْذ عَن السَّيِّد عبد الرَّحْمَن ثمَّ رَحل إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَأخذ بهما عَن السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم وَالشَّيْخ أَحْمد ابْن عَلان قَالَ الشلي وَبَلغنِي أَن الشَّيْخَيْنِ الجليلين الشَّمْس مُحَمَّد الرَّمْلِيّ والشهاب أَحْمد بن قَاسم حجا فِي ذَلِك الْعَام وَأَنه أَخذ عَنْهُمَا الْأَخْذ التَّام وَأَجَازَهُ جمَاعَة من مشايخه فِي الافتاء والتدريس وتفوق حَتَّى ضرب بِهِ الْمثل فِي تِلْكَ الدائرة وقصدته الطّلبَة من كل الْبِلَاد واشتهر صيته وَتخرج بِهِ جمَاعَة من فضلاء الْعَصْر كثير وَكَانَ
стр. 183
لَهُ فِي التَّحْقِيق حَظّ وافر وَكَانَ فِي الفتاوي من أحسن أهل زَمَانه فَإِذا سُئِلَ عَن مسئلة فَكَأَنَّمَا الْجَواب على طرف لِسَانه ويورد المسئلة بِعَينهَا ولفظها لقُوَّة حافظته وَيُقَال أَنه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي أحفظ أهل جِهَته وَله فتاوي منتشرة مفيدة ثمَّ عين لقَضَاء تريم وألزم بعد امْتنَاع فحمدت طَرِيقَته ونفع الله تَعَالَى بفراسته ونفوذ أَحْكَامه أهل تِلْكَ الديار مَعَ خفض الْجنَاح ولين الْجَانِب والحلم وَالصَّبْر والتودد ثمَّ عزل عَن الْقَضَاء بِسَبَب وَاقعَة بَين زين العابدين بن عبد الله العيدروس وأخيه شيخ سنذكرها فِي تَرْجَمَة زين العابدين وَكَانَ زين العابدين يَوْمئِذٍ صَاحب الْحل وَالْعقد فسعى فِي عَزله وتوليه تِلْمِيذه السَّيِّد حُسَيْن بافقيه فَأَعْطَاهَا أَكثر من حَقّهَا وَلم تطل مدَّته فِي الْقَضَاء بل عزل بعد إطفاء تِلْكَ الْفِتْنَة وأعيد صَاحب التَّرْجَمَة فَلم يسلم مِمَّن يعاديه بل كَاد أَن يُفَارق بَلَده وَوَقع لَهُ فِي الْأَحْكَام وَاقعَة فِي دُخُول رَمَضَان وشوال وَهِي أَن جمَاعَة شهدُوا بِرُؤْيَة الْهلَال لَيْلَة الثَّلَاثِينَ بعد الْغُرُوب وَشهد آخَرُونَ بِأَنَّهُم رَأَوْهُ بالشرق يَوْم التَّاسِع وَالْعِشْرين قبل طُلُوع شمسه فَحكم بِشَهَادَة الْأَوَّلين موافقه جمَاعَة من الْعلمَاء وَأفْتى تِلْمِيذه السَّيِّد أَحْمد بن عمر بِخِلَاف مَا حكم بِهِ وَإِن شَهَادَة من شهد بِرُؤْيَتِهِ بعد الْغُرُوب غير صَحِيحَة إِذْ هِيَ مستحيلة شرعا وعقلاً وَعَادَة وَلكُل مِنْهُمَا فِي المسئلة كِتَابَة قَالَ الشلي وَلم أَقف على كِتَابَة القَاضِي أَحْمد هَذَا وَأما شَيخنَا فستأتي فِي تَرْجَمته وَأَرْسلُوا يستفتون أهل الْحَرَمَيْنِ فَاخْتلف جوابهم وَلَكِن أَكْثَرهم أفتى بِمَا حكم بِهِ صَاحب التَّرْجَمَة قَالَ وَذكرت فِي رِسَالَة معرفَة اتقان الْمطَالع واختلافها مَا يُؤَيّدهُ وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ صَاحب التَّرْجَمَة من سراة رجال الْعَالم واشتغل فِي آخر عمره بالتصوف لَا سِيمَا كتاب الْأَحْيَاء ومنهاج العابدين واجتهد فِيهِ حَتَّى بلغ رُتْبَة المرشدين الكاملين وَلم يزل حَتَّى توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة زنبل عِنْد قُبُور سلفه
الشَّيْخ أَحْمد بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد مولى عبديد الشهير كسلفه ببافقيه الإِمَام الْجَلِيل المتقي الْوَرع ذكره الشلي وَقَالَ بعد أَن وَصفه بأوصاف لائقة بِهِ ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن والجزرية والاجرومية وَالْأَرْبَعِينَ النووية والإرشاد والملحة والقطر وَطلب الْعلم فَأخذ الْعلم عَن أَبِيه وَعَمه أبي بكر وَهُوَ صَغِير وَقَرَأَ على الْفَقِيه أَحْمد بن عمر البيتي فِي بعض الْمُتُون وشروحها وعَلى الشَّيْخ أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين كتبا كَثِيرَة فِي عدَّة فنون وعَلى
стр. 184
الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن علوي بافقيه وَالشَّيْخ أَحْمد بن عمر عبد وَالشَّيْخ أَحْمد بن حُسَيْن بافقيه وَغَيرهم وبرع فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير والْحَدِيث والفرائض والحساب الْعَرَبيَّة قَالَ الشلي وَسمع بِقِرَاءَتِي على أَكثر مَشَايِخنَا وَسمعت بقرَاءَته عَلَيْهِم وصبته مُدَّة وانتفعت بِصُحْبَتِهِ وَكتب الْكثير وانتفع بِصُحْبَتِهِ جمع وَكَانَ أفْصح أقرانه قَلما وأمكنهم فِي معرفَة الْعُلُوم وَأَحْسَنهمْ فِي معرفَة دقائق الْمعَانِي ورحل إِلَى الْحَرَمَيْنِ وجاور بِمَكَّة سِنِين للتفقه فأذ بهَا عَن جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ عبد الْعَزِيز الزمزمي وَالشَّيْخ عبد الله ابْن سعيد باقشير وَالشَّيْخ عَليّ بن الْجمال وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم الطَّائِفِي وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عَليّ بن عَلان وَأخذ عَن السَّيِّد مُحَمَّد بن علوي وَغَيرهم وَأخذ بِالْمَدِينَةِ عَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الخياري والصفي القشاشي ثمَّ عَاد لمَكَّة ثَانِيًا وَأقَام بهَا إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف وَدفن بمقبرة الشبيكة رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن حُسَيْن بن أبي بكر العيناتي الشَّيْخ الْكَبِير الْفَائِق ذكره الشلي وَقَالَ فِي تَرْجَمته ولد بقرية عينات وَنَشَأ بهَا فِي حجر أَبِيه وَصَحبه وَعَمه الْحسن وَكَانَ كجماعته على طَرِيق أهل الْبَادِيَة أبدانهم وشعورهم باديه وَلما توفّي أَبوهُ اتّفق أهل عصره على تَقْدِيمه فَقَامَ مقَامه وَكَانَ فِي الْكَرم غَايَة لَا تدْرك وقصده النَّاس ومدحه الْفُضَلَاء وَكَانَت ترد عَلَيْهِ النذور وَالْأَمْوَال وَهُوَ يفرقها على الْفُقَرَاء والوافدين قَالَ الشلي وَلما دخلت عينات استمديت من بحره واجتنيت من دره وَرَأَيْت من بره وَعطفه وكرم أخلاقه ولطفه مَا يزِيد على شَفَقَة الْوَالِدين واجتليت من أنوار طلعته مَا أقرّ الْعين وَكَانَ خلقه كالروض الوسيم وأنواره يقتبس مِنْهَا ف اللَّيْل البهيم وَكَانَ يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب ويكظم الغيظ إِذا قدر وَغلب وَكَانَ مَقْبُول الشَّفَاعَة يُقَابل أمره بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وَكَانَت وَفَاته صبح يَوْم الْجُمُعَة لثمان خلون من جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة عينات عِنْد قُبُور سلفه رَحمَه الله تَعَالَى
أَحْمد بن خَلِيل بن عَليّ التركماني الأَصْل الْحِمصِي الْمَعْرُوف بالأطاسي الْفَقِيه المعمر الْحَنَفِيّ الْمَذْهَب مفتي حمص وعالمها كَانَ من الصُّدُور الأفاضئل وَله فِي التَّحْقِيق الباع الطَّوِيل أَخذ بحمص عَن ابْن كلف الرُّومِي وَصَحبه إِلَى الْقُدس وشاركه فِي الْقِرَاءَة عَلَيْهِ الشَّيْخ عبد النَّبِي بن جمَاعَة وَدخل إِلَى حلب ولازم الشهَاب الْأَنْطَاكِي صديق جدّه ثمَّ عَاد إِلَى حمص وَقد زَاد علمه وَولي بهَا قدر يساور النّظر على مقَام سَيِّدي خَالِد
стр. 185
ابْن الْوَلِيد ﵁ وَدخل دمشق فَتزَوج بأخت مفتيها الْعَلامَة عبد الصَّمد العكاري ثمَّ سَافر مَعَه إِلَى حلب حِين كَانَ السُّلْطَان سُلَيْمَان بهَا فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة فَأعْطى بعنايته تدريس الجراعية بِدِمَشْق ثمَّ أعْطى الْإِفْتَاء بحمص وَبَقِي يتَرَدَّد إِلَى دمشق قَالَ ابْن الْحَنْبَلِيّ الْحلَبِي فِي تَارِيخه وجده عَليّ هُوَ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الَّذِي أخبر عَنهُ الشَّيْخ الْفَاضِل الصُّوفِي مَحْمُود صهر سَيِّدي الشَّيْخ علوان الْحَمَوِيّ أَنه ظَهرت لَهُ كَرَامَة الْأَوْلِيَاء بعد مَوته لِأَنَّهُ لما وضع بَين يَدي الْغَاسِل انسحبت الْخِرْقَة الساترة للعورة شَيْئا يَسِيرا فَمد يَده وسترها بِحَيْثُ انستر مِنْهُ مَا كَانَ انْكَشَفَ انْتهى وَبِالْجُمْلَةِ فبيتهم بَيت ظَاهر الْبركَة وَخرج مِنْهُم فضلاء ونبلاء عدَّة وَكنت أسمع من وَالِدي أَن لنا مَعَهم قرَابَة وَالله تَعَالَى أعلم وَكَانَت وَفَاة أَحْمد صَاحب التَّرْجَمَة يَوْم الْإِثْنَيْنِ الْحَادِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع بعد الْألف عَن نَحْو تسعين سنة والأطاسي بِضَم الْهمزَة وَبعدهَا طاء مُهْملَة ثمَّ سين مُهْملَة وَلَا أَدْرِي هَذِه النِّسْبَة لماذا وَالله أعلم
الشَّيْخ أَحْمد بن خَلِيل بن إِبْرَاهِيم بن نَاصِر الدّين الملقب شهَاب الدّين الْمصْرِيّ الشَّافِعِي السُّبْكِيّ نزيل الْمدرسَة الباسطية بِمصْر وقف المرحوم القَاضِي عبد الباسط وخطيبها وإمامها ذكره الشَّيْخ مَدين القوصوني فِيمَن ترْجم من عُلَمَاء عصره وَقَالَ فِي حَقه الْفَاضِل الْعَلامَة الْفَقِيه الْمُفِيد أَخذ عَن الشَّيْخ الْفَاضِل مُحَمَّد شمس الدّين الصفوي الْمَقْدِسِي الشَّافِعِي نزيلها بِجَامِع الْحَاكِم وَهُوَ الَّذِي أنشأه من صغره وزوجه ببنته وَاسْتمرّ تَابعا لَهُ آخِذا عَنهُ إِلَى حِين وَفَاته وَأخذ عَن الشَّمْس مُحَمَّد الرَّمْلِيّ وَكَانَ ملازماً للمدرسة الْمَذْكُورَة نَهَارا وبمنزله بهَا لَيْلًا وَحج الْمرة بعد الْمرة برا وَمرَّة بحراً وجاور وَله من المؤلفات حَاشِيَة على الشفا للْقَاضِي عِيَاض وَشرح على منظومة الْجلَال السُّيُوطِيّ الَّتِي تتَعَلَّق بالبرزخ سَمَّاهُ فتح المقيت فِي شرح التثبيت عِنْد التبييت وَهُوَ قولات وَشرح آخر عَلَيْهَا سَمَّاهُ فتح الغفور وَهُوَ مزج وَله أَيْضا شرح على منظومة ابْن الْعِمَاد الَّتِي فِي النَّجَاسَات سَمَّاهُ فتح الْمُبين بشرح منظومة ابْن عماد الدّين وَله رِسَالَة سَمَّاهَا هَدِيَّة الإخوان فِي مسَائِل السَّلَام والاستئذان وَله مَنَاسِك حج كَبِيرَة وَأُخْرَى صَغِيرَة وَله الْفَتَاوَى الَّتِي جمعهَا من خطّ شَيْخه شيخ الْإِسْلَام الشَّمْس الرَّمْلِيّ فِي جلد ضخم انْتهى مَا قَالَه الشَّيْخ مَدين وَرَأَيْت فِي تعاليق أخينا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله تَرْجَمته وَذكر أَنه أَخذ عَن النَّجْم الغيطي وَمن فِي طبقته من عُلَمَاء
стр. 186
وقته وَعنهُ الشَّيْخ سُلْطَان المزاحي وَالشَّمْس مُحَمَّد البابلي وَغَيرهمَا وَكَانَ لَهُ مهارة فِي عُلُوم الحَدِيث والعلوم النظرية وفقهه بتكلف وَاتفقَ للشَّيْخ سُلْطَان مَعَه أَنه حصل مَعَه يَوْمًا فِي صَلَاة الْجُمُعَة فِي مَسْجِد كَانَ صَاحب التَّرْجَمَة إِمَامًا فِيهِ وَكَانَ من عَادَته أَن يُقيم وَلَده للخطبة وَيُصلي الْجُمُعَة هُوَ بِنَفسِهِ فَلَمَّا فرغ وَلَده من الْخطْبَة تقدم للصَّلَاة على عَادَته فَأمْسك بِيَدِهِ الشَّيْخ سُلْطَان وَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي تفيدوا أَن من شَرط إِمَام الْجُمُعَة أَن يكون خَطِيبًا أَو سمع الْخطْبَة وَكَانَ المترجم عرض لَهُ ثقل فِي سَمعه فَقدم وَلَده حِينَئِذٍ للصَّلَاة بدله انْتهى وَكَانَت وَفَاته فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف عَن ثَلَاث وَتِسْعين سنة وَدفن بفسقية أحدثها بجوار الإيوان الصَّغِير الغربي من الْمدرسَة الْمَذْكُورَة ذكر ذَلِك مَدين القوصوني
أَحْمد بن خَلِيل الْمصْرِيّ الْمَعْرُوف بالسلموني الأديب الشَّاعِر ذكره بعض فضلاء مصر فِي جمعيته وَقَالَ فِي وَصفه جَامع أشتات الْمَعَالِي وحسنة الْأَيَّام والليالي عَلامَة الزَّمَان ووحيد الأقران والمشار إِلَيْهِ بالبنان فِي الْبَيَان زين الأكابر والأماثل وَرَأس الْأَعْيَان والأفاضل ومقصد الملتمس والسائل ومحط رَحل أمل الآمل حسن الْأَخْلَاق حَلِيم النَّفس يلتذ بِالْعَفو عَن الزلة كَمَا يلتذ الأحمق بالعقاب عَلَيْهَا مشكور السِّيرَة صافي السريرة لَهُ مهارة جَيِّدَة فِي فنون مُتعَدِّدَة وأشعاره أنيقة حَسَنَة السبك رقيقَة مِنْهَا قَوْله من قصيدة يمدح بهَا بعض الْقُضَاة ومطلعها
(مَاذَا الَّذِي وسق الأحشاء بالنصل ... وَلم يدع موضعا فِيهَا لمنتصل)
(أذاك زرق عَوَالٍ من كماة وغى ... أم ذَاك رشق نبال من بني ثعل)
(أم هِيَ عُيُون بأوتار الجفون رمت ... سِهَام ألحاظها قيس الحواجب لي)
(أم هِيَ سيوف لحاظ فِي الحشا فعلت ... فعال سيف أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ)
(أم هِيَ خناجر طعن فِي الْحَنَاجِر من ... رنا محاجر تِلْكَ الْأَعْين النجل)
(أم هِيَ رماح قدود لَا يعادلها ... فِي القدّ سمر القنا العسالة الذبل)
(بيض الْوُجُوه لَهَا الْبيض الصفاح طلا ... سود الْعُيُون لَهَا السمر الرماح حلي)
(مَالِي وعشق ملاح من محاسنها ... تبدي أحد سلَاح مرهف صقل)
(واحيرتي الأغراء والغرام بذا ... الْجمال أجنح للوام والعذل)
(أصبو لذاك وَلَا أصغي لذين وَلَا ... أسلو حلاوة مص الرِّيق والقبل)
(لكنني فِي الْهوى أَصبَحت ذَا ولهٍ ... وَمِنْه أمسيت شبه الذاهل الوهل)
стр. 187
(أشبهت مَا صلَة والغير يحسبني ... ذَا عَائِد موصلاً وَالْحَال لم أصل)
(أَنى الْوُصُول إِلَى نيل العوائد والصلات ... من فاتر الأجفان والمقل)
(من لي بذلك والألحاظ تسلبني ... سلب المدامة لب الشَّارِب الثمل)
(مَا بالنا معشر العشاق تأخذنا ... فِي السّلم تِلْكَ الرنا أخذا على عجل)
(وَنحن فِي الْحَرْب أقوى مَا نَكُون إِذا ... تقارعت فِي الظبا الْأَبْطَال والأسل)
(وَبعد ذَاك القوى والعزم تنظرنا ... نهباً لألحاظ تِلْكَ النعس الْكحل)
(ظباء السيوف وأطراف الأسنة لَا نخشى ... ونخشى سَواد الطّرف والكحل)
(الله أكبر كم من ناعس غنجٍ ... أردى وجندل كم من فَارس بَطل)
وَهِي طَوِيلَة وَله أشعار كَثِيرَة والعنوان يدل على الطرس وَكَانَت وَفَاته بِمصْر خَامِس شعْبَان سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
الْأَمِير أَحْمد بن رضوَان بن مصطفى الْأَمِير الْكَبِير نَائِب غَزَّة وأمير الْحَاج كَانَ أَبوهُ الْأَمِير رضوَان من كبار الْأُمَرَاء فِي زمن السُّلْطَان سليم بن مُرَاد وَأما جده مصطفى فَإِنَّهُ كَانَ فِي رُتْبَة الوزراء فِي عهد السُّلْطَان سُلَيْمَان وَأرْسل إِلَى فتح بِلَاد الْيمن وَكَانَ يعرف فِي بِلَاد الشَّام بِأبي شاهين قيل لِكَثْرَة حمله الشاهين الطَّائِر الْمَعْرُوف على يَده عِنْد الصَّيْد وَنَشَأ ولد الْأَمِير أَحْمد هَذَا فِي دولة باهرة وَكَانَ شجاعاً بطلاً وعقله فِي غَايَة الرزانة وَله مطالعة فِي كتب التَّارِيخ وَبَعض الْفُنُون وقصده الشُّعَرَاء ومدحوه وخلدوا مدحه فِي مجاميعهم فَمنهمْ أَبُو الْمَعَالِي الطالوي فَإِنَّهُ مدحه بقصيده ميمية عَجِيبَة فِي بَابهَا عِنْد عوده من الْقَاهِرَة ومروره بغزة ومطلعها قَوْله
(وَلما أرتنا العيس غَزَّة هَاشم ... عيَانًا أنخناها بِتِلْكَ المعالم)
(رواجع من مصر نوازع للحمى ... حمى الشَّام تهدى بالبروق البواسم)
وَقد ذكر فِيهَا مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الطَّرِيق من المراحل فلأجل هَذِه الْفَائِدَة ذكرت مِنْهَا مَحل ذَلِك بِتَمَامِهِ وَذَلِكَ قَوْله
(أَضَاء لَهَا الْبَرْق الشآمي مرّة ... فأثر فِي أخفافها والمناسم)
الضميران للعيس الْمُقدم ذكرهَا وَبعده قَوْله
(حننت وحنت إِذْ أَضَاء وَإِنَّمَا ... حنيني لَو تَدْرِي لبرق المباسم)
(وأعدى حصاني قطعهَا البيد فانثنى ... يجوب الفلا جوب النياق الرواسم)
(فودع ربع العادلية سائراً ... وَلم يثنه عَن سيره لوم لائم)
стр. 188
(ووافى ربوع الخانقاه عَشِيَّة ... وَمر على بلبيس مر النسائم)
(وَأصْبح خطار بخطارة المنى ... وَجَاز بهَا كالبرق لَاحَ لشائم)
(وَجَاوَزَ ورد الصالحية كالقطا ... لقطية ليلى قبل ورد الحوائم)
(ترفع عَن بِئْر الدويدار قدره ... وَخَلفهَا مطروقة للسوائم)
(وأهوى لبئر العَبْد كالنجم غائراً ... لَام الحسا وَاللَّيْل وحف القوادم)
(وقابله رمل الْعَريش فعاقه ... عَن السّير إِذْ خاتنته إِحْدَى القوائم)
(وغيبه عَن حسه هول صعقة ... تخرّ لَهَا كوم المطى الروازم)
(فودّعته طرفا أغر محجلا ... كريم السجايا من عتاق كرائم)
(وَقلت لَهُ هلا حملت على وجا ... فَتى سيره للشام ضَرْبَة لَازم)
(فَقَالَ مقَالا كنت أَجْهَل قدره ... وَعَيناهُ فاضت بالدموع السواجم)
(أتشكو الجوى إِذْ جِئْت غَزَّة هَاشم ... وفيهَا أَمِير أريحي المكارم)
(سمى نَبِي الله أَحْمد من غَدا ... حَدِيث نداه نَاسِخا ذكر حَاتِم)
(كثير رماد الْقدر دَان نواله ... طَوِيل نجاد السَّيْف ماضي العزائم)
(سليل الْمُلُوك الصَّيْد من خضعت لَهُ ... قبائل من تيم وَقيس ودارم)
(وَذُو النّسَب الوضاح والجوهر الَّذِي ... أَقَامَ فرنداً فِي متون الصوارم)
(أَمِير تردى الْمجد درعاً وشاحه ... طوال العوالي فِي طوال المهاذم)
(وَقد ألف الْبيض الصوارم والقنا ... وَقتل العدا من قبل عقد التمائم)
(أَخُو الْحَرْب يغشى اللَّيْث وَاللَّيْث مشبل ... وتخشاه فِي الهيجاء أَسد الضراغم)
(ترى بَابه للوافدين محطة ... فَمن راحل مثن وَآخر قادم)
(وَردت حماه مستفيضاً نواله ... فرحلني عَنهُ بأسنى الْغَنَائِم)
(فَلَا زَالَت الأقدار تخْدم سعده ... بغزة فِي عز مدى الدَّهْر دَائِم)
وَكَانَ يحب مذاكرة الْعُلُوم وَيسْأل الْعلمَاء عَن الْأَحْكَام ويعظمهم ويكرمهم ويصل عُلَمَاء بَلَده وَغَيرهم وانتشأ فِي أَيَّام حكومته بغزة عُلَمَاء وفضلاء سَيَأْتِي ذكرهم ورزق من السَّعَادَة حظاً عَظِيما وَاسْتولى على مملكة غَزَّة مَا يقرب من ثَلَاثِينَ سنة من غير عزل يَقْتَضِي رحيله عَنْهَا وسكنها وَتَوَلَّى إِمَارَة الْحَاج الشَّامي سِنِين عديدة بعد الْأَمِير قانصوه أَمِير عجلون وَمَا والاها من بِلَاد الكرك وَكَانَ يحضر إِلَى دمشق فِي بعض الأعوام وَعمر بهَا بِالْقربِ من بَاب الْبَرِيد بَيْتا مُحكم الْبناء حسن الْوَضع
стр. 189
وَأنْفق عَلَيْهِ مَالا كثيرا وَكَانَ لَهُ أَوْلَاد وَكلهمْ من بنت المرحوم درويش باشا صَاحب الْجَامِع الْمَعْرُوف بالدرويشية خَارج دمشق وخالهم لأمهم حسن باشا الْوَزير ابْن الْوَزير وتفرغ فِي آخر عمره لبَعض أَوْلَاده عَن إِمَارَة غَزَّة وَأرْسل إِلَى طرف السلطنة قَاصِدا بتحف وهدايا كَثِيرَة وَطلب أَن يصير أَمِير الْأُمَرَاء بِبَعْض المدن الْكَبِيرَة على طَرِيق التقاعد الْمَعْرُوف الْآن فِي الِاصْطِلَاح فَأُجِيب إِلَى مَا طلبه وَكَانَ ذَلِك فِي سنة تسع بعد الْألف وَأقَام إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمس عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى
أَحْمد بن روح الله بن سَيِّدي نَاصِر الدّين بن غياث الدّين بن سراج الدّين الْأنْصَارِيّ الجابري الرُّومِي قَاضِي الْقُضَاة بِالشَّام ومصر وأدرنة وقسطنطينية وَولي قَضَاء العسكرين اشْتغل ودأب وَأخذ الْعُلُوم عَن جمَاعَة كَثِيرَة من أَجلهم الْمولى مُحَمَّد شاه وَكَانَ معيداً لَهُ ولازم مِنْهُ وبرع وتفوق وَكَانَ عَلامَة فِي المعقولات متبحراً فِي فنونها وَألف مؤلفات تدل على فَضله مِنْهَا تَفْسِير سُورَة يُوسُف وحاشية على تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام للبيضاوي وحاشية على حَاشِيَة ملا مَسْعُود فِي آدَاب الْبَحْث وحواشي على غَالب شرح الْمِفْتَاح للسَّيِّد الشريف وَله رسائل مُتعَدِّدَة فِي فنون كَثِيرَة وَقد ذكره الْحسن البوريني فِي تَارِيخه وَقَالَ فِي تَرْجَمته ولد فِي بِلَاد كنجة بردعه من بِلَاد الْعَجم وَبهَا نَشأ ثمَّ خرج مِنْهَا وَكَانَ وحيداً فريداً قَالَ وَأَخْبرنِي أَنه ورد من بِلَاده مَاشِيا وَأَنه دخل الْبَلدة الْمُسَمَّاة بالقصير فَأخذ بهَا الْعَهْد على الشَّيْخ أَحْمد القصيري الْمَشْهُور وسافر بعد ذَلِك إِلَى بَاب السلطنة العثمانية وخدم رجلا من أَرْكَان الدولة يُقَال لَهُ فريدون وأقرأ أَوْلَاده ولازمه حَتَّى انتظم فِي سلك الموَالِي قَالَ غَيره ودرس بعدة مدارس مِنْهَا مدرسة بناها المرحوم مُحَمَّد باشا باسمه وَهِي مَعْرُوفَة بَين قسطنطينية وأدرنة وَهُوَ أول من درس بهَا وَمِنْهَا مدرسة أياصوفيا ومدرسة وَالِدَة السُّلْطَان مُرَاد بِمَدِينَة اسكدار وَألقى بهَا درساً عَاما حَضَره غَالب فضلاء الرّوم وعلماؤها وخلع عَلَيْهِ يَوْم الدَّرْس ثَلَاث خلع بعد أَن أرْسلت إِلَيْهِ الوالدة ألف دِينَار لأجل ضِيَافَة من يحضر الدَّرْس وَمَا وَقع ذَلِك لأحد غَيره وَتكلم فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام على قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ ملك﴾ الْآيَة وَكَانَ درساً حافلاً لم يعْهَد فِي الرّوم مثله لِأَن المدرسين فِي بِلَادهمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِك وَإِنَّمَا يجلس الْمدرس وَحده فِي مَحل خَال من النَّاس فَلَا يدْخل إِلَيْهِ إِلَّا من يقْرَأ الدَّرْس وشركاؤه فِيهِ وَلَا يحضرهم
стр. 190
أحد من غير تلامذة الْمدرس وَجرى بذلك الدَّرْس أبحاث وتناقلتها الروَاة وَألف هُوَ فِيهِ رِسَالَة وعرضها على كثير من الْعلمَاء فقرظوا لَهُ عَلَيْهَا وَكَانَ من جملَة الْقَوْم جدي القَاضِي محب الدّين فَكتب مَا من جملَته قَوْله
(ومتع العَبْد طرفه بِتِلْكَ الطّرف ... بِظِل هاتيك الْهَدَايَا والتحف)
(وَدخل من جنان سطورها غرفا ... مَبْنِيَّة من فَوْقهَا غرف)
فَلَمَّا شَاهد آيَات فَضلهَا الَّتِي لَا تحجد وعاين معجزاتها الباهرة آمن برسالة أَحْمد وَقد أعْطى من مدرسة الوالدة قَضَاء الشَّام قَالَ البوريني وَكَانَ مَوْصُوفا بالتهاون فِيمَا يتَعَلَّق بِأُمُور الْقَضَاء حَتَّى أَنه كَانَ لَا يتأمّل الْحجَّة الَّتِي تعرض عَلَيْهِ للإمضاء بل كَانَ يمضيها تقليداً لِلْكَاتِبِ ثِقَة بِهِ وتغافلاً عَن التثبت لَا سِيمَا فِي أُمُور الشَّرْع وَصدر من ذَلِك أَن بعض أعدائه أَدخل عَلَيْهِ حجَّة فِيهَا بيع السَّمَوَات وتحديدها بكرَة الأَرْض فَعلم عَلَيْهَا واشتهر أمرهَا بَين موَالِي الرّوم وَمَا بإلى ذَلِك انْتهى ثمَّ بعد عَزله من دمشق ولي قَضَاء مصر وَوجدت فِي بعض المجاميع أَنه لما ولي قَضَاء مصر كَانَ إِ ذ ذَاك أَبُو الْمَعَالِي الطالوي بهَا فنظم هذَيْن الْبَيْتَيْنِ يهجوه بهما وهما فِي غَايَة اللطافة
(حمير شرْوَان أَتَت مصرنا ... وأصبحت بعد الشقا فِي دَعه)
(وَفَارَقت كنجة لَكِنَّهَا ... لم يخل مِنْهَا الْبَعْض من بردعه)
وَبعد ذَلِك ترقى فِي المناصب على التَّرْتِيب الَّذِي ذكرته فِي مبدأ تَرْجَمته إِلَى أَن وصل إِلَى قَضَاء الْعَسْكَر بروم ايلي وَتُوفِّي وَكَانَت وَفَاته بقسطنطينية فِي سنة ثَمَان بعد الْألف
الشريف أَحْمد بن زيد بن محسن بن الْحسن بن الْحسن بن أبي نمي وتقدّم تَمام النّسَب فِي تَرْجَمَة عَم جده الشريف أبي طَالب فَليرْجع إِلَيْهِ ثمَّة كَانَ من أَمر الشريف أَحْمد الْمَذْكُور أَنه كَانَ فِي دولة أَخِيه الشريف سعد مشاركاً لَهُ فِي الرّبع ثمَّ لما عزلا عَن شرافة مَكَّة توجها فِي ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَألف إِلَى الطَّائِف ثمَّ إِلَى بيشة وَأَقَامَا بهَا ثمَّ توجه المترجم إِلَى ديرة بني حُسَيْن فَإِن لَهُ أَهلا بهَا وَولدا وَاسْتمرّ مُقيما إِلَى ذِي الْقعدَة من السّنة فَرَحل مِنْهَا قَاصِدا لزيارة جده
فِي الْمَدِينَة فَدَخلَهَا لَيْلَة دُخُول الْحَاج الشَّامي وواجهه فِيهَا أَمِير الْحَاج الْمَذْكُور وَالْتمس مِنْهُ بعض مرام من شرِيف مَكَّة إِذْ ذَاك الشريف بَرَكَات ثمَّ خرج من الْمَدِينَة وَنزل على شيخ حَرْب أَحْمد بن رَحْمَة وَاسْتمرّ عِنْده إِلَى عود الْحَاج الشَّامي فواجهه أَمِير الْحَاج وَأخْبرهُ بِعَدَمِ تَمام ذَلِك المرام ثمَّ توجه إِلَى الْفَرْع فِي أول عَام أَربع وَثَمَانِينَ
стр. 191
وَألف وَاسْتمرّ بهَا مُدَّة يسيرَة ثمَّ لما خرج الشريف بَرَكَات لمحاربة حَرْب فِي أواسط السّنة الْمَذْكُورَة عَاد إِلَى حَرْب وحصن الْحَرْب ثمَّ بعد انْقِضَائِهَا توجه إِلَى الْفَرْع ثمَّ وصل إِلَيْهِ أَخُوهُ الشريف سعد واستمرا سبين الوارقية وَالْفرع وَأكْثر الْإِقَامَة بالفرع وَلما توعد الشريف بَرَكَات أهل الْفَرْع فِي أَوَائِل سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف تنحوا إِلَى جِهَة وَادي البقيع من بِلَاد حَرْب بَين السّفر وبلاد بني عَليّ وعَوْف واستمروا وَمن مَعَهم إِلَى شهر رَمَضَان ثمَّ عَن لَهُم التَّوَجُّه إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة فوصلوا إِلَى حول الْمَدِينَة ونزلوا بِالْغَابَةِ مُجْتَمع السُّيُول غربي أحد أَوَاخِر رَمَضَان وعيدوا فِي ذَلِك الْمحل وَلَيْسَ فِي نزُول الْأسود فِي الغابة ملامة وَلَا معابة وقضوا حوائجهم وذهبوا خَامِس شَوَّال متوجهين إِلَى الشَّام لَا يَمرونَ بحي من أَحيَاء الْعَرَب إِلَّا أكرموهم وَمن أعجب الِاتِّفَاق نزولهم على مرج بني سجيم من غير علم مِنْهُم بذلك وَكَانَ الشريف سعد قتل أَبَاهُ فَلَمَّا علمُوا بِهِ حصل لَهُم كرب شَدِيد فَلم يشعروا إِلَّا وَولده مواجه لَهُم بالعبودية وَالسَّلَام وأهدر دم وَالِده وَأكْرمهمْ وَذبح لَهُم الذَّبَائِح ومنح المنائح وَهَذِه من غير شكّ معْجزَة من جدهم وَلم يزَالُوا على مثل ذَلِك مَعَ كل من مروا عَلَيْهِ من العربان من جمع ووحدان إِلَى أَن وصلوا إِلَى الشَّام فَتَلقاهُمْ أَهلهَا وأمراؤها وكبراؤها وعلماؤها ونقيبها ودخلوا بموكب عَظِيم والأشراف من أهل الشَّام حَولهمْ مشَاة بِأَمْر من نقيبهم ثمَّ أَقَامُوا بهَا وَاسْتَأْذَنَ لَهُم حَاكم الشَّام حِينَئِذٍ السلطنة فِي الْوُصُول فأنوا لَهُم فتوجهوا إِلَى أَن دخلُوا أدرنة فَحصل لَهُم من الدولة إكرام والتفات وَاجْتمعت بهم فِيهَا ثمَّ توجهوا بِأَمْر من السلطنة إِلَى قسطنطينية واستمروا بهَا وَتَوَلَّى الشريف سعد بعد ذَلِك معرة النُّعْمَان وَتوجه إِلَيْهَا ثمَّ عزل عَنْهَا وَعرضت على المترجم طرسوس فَلم يقبل وَأقَام بقسطنطينية مُدَّة مديدة واتحدت بخدمته اتحاداً تَاما وَتَقَرَّبت إِلَيْهِ كثيرا وَكَانَ كثيرا مَا يدنيني إِلَيْهِ وَيقبل عَليّ بكليته ومدحته بقصائد مِنْهَا هَذِه القصيدة كتبتها إِلَيْهِ فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف وَهِي قولي
(يجوب الأَرْض من طلب الكمالا ... وَمن صحب القنا بلغ السؤالا)
(وَكم فِي الأَرْض من سكن وَدَار ... وَإِن كَانَ النَّوَى يضني الجبالا)
(وَمَا هجري الدمى ذلاً وَلَكِن ... رَأَيْت الذل أَن أَهْوى الجمالا)
(وَأَن الحتف فِي حب الغواني ... جزين الصب هجراً أَو وصالا)
стр. 192
(أما وحياة عَيْنَيْك اللواتي ... بِغَيْر السحر تأبى الاكتحالا)
(وَمَا بسقيم جفنك من فتور ... أعَاد الْبَدْر من سقم هلالا)
(لانت أعز من روحي وَمَالِي ... وَإِن لعب الزَّمَان بِنَا ومالا)
(وَكم للشوق فِي أحشاء صب ... يبيت خياله يرْعَى خيالا)
(يُخَاطب من أمانيه نديما ... ويجني من مطامعه نوالا)
(فَيقطع بالنوى الْأَيَّام سيرا ... وَيقطع بالمنى السود الطوالا)
(إِذا مَا أوهمته النَّفس أمرا ... وَرَاء السد كلفها ارتحالا)
(وَلَيْسَ الْجد فِي الدُّنْيَا بمجد ... وَلَا زَاد النَّوَى رزقا ومالا)
(وَلَكِن الْأُمُور لَهَا دواعي ... وَأَسْبَاب بَقَاء أَو زوالا)
(وأسهرني بِأَرْض الرّوم برق ... سرى من جلق يشكو الكلالا)
(وجدد لي بِأَرْض الشَّام عهدا ... وذكرني الْأَحِبَّة والظلالا)
(مَوَاطِن صبوتي مقَام أنسي ... وَإِن صرمت أهاليها الحبالا)
(وَمَا كَانَت غوانيها جُفَاة ... وَلَكِن علموهن الدلالا)
(وَترك الْمَرْء دَار الضيم حتم ... وَنَفس الْحر تأبى الاعتقالا)
(وَمَا كلفتهم شَيْئا وَلَكِن ... أعَاد الْوَهم رشدهم ضلالا)
(وَلَيْسَ يبين فضل الْمَرْء حَتَّى ... يبين وَيُشبه الشهب انتقالا)
(وَمن لم يشْكر النعماء يَوْمًا ... وأنكرها فقد رَضِي الزوالا)
(جفوا فحلمت فازدادوا جفَاء ... وظنوا الْحلم عَجزا واحتمالا)
(وَبَعض الْجَهْل فِي الأحيان خير ... وَبَعض الْحلم يَسْتَدْعِي النكالا)
(فَحَلَفت الديار وَمن عَلَيْهَا ... وَفَارَقت الْأَحِبَّة والعيالا)
(وسرت ولي من الذكرى سمير ... يؤرقني وصحبي والجمالا)
(فَلَا زَالَت لِأَحْمَد مكرمات ... تقابلني نزولا وارتحالا)
(هُوَ الْمولى الشريف وَمن تسامى ... إِلَى العيوق أفضالا وطالا)
(مليك مُسْتَفَاد من مليك ... كعرف الرَّوْض أكسبه شمالا)
(فَتى للفضل قد أضحى يَمِينا ... وباقى النَّاس كلهم شمالا)
(طليق الْوَجْه بسام الْمحيا ... يسابق فَضله منا السؤالا)
(وَمن أَحْيَا موَات الْجُود فضلا ... وَورث عدله الدُّنْيَا اعتدالا)
стр. 193
(تهون بِهِ الصعاب وكل عقد ... أَبى أَلا يَكْفِيهِ انحلالا)
(أجل مُلُوك أهل الأَرْض طرا ... وأصدقهم إِذا نطقوا مقَالا)
(رويدا أَيهَا الراجي علاهُ ... فَإِن الشَّمْس تكبر أَن تنالا)
(وَيَا من قاسه الْبَحْر جودا ... لقد قايست بالملح الزلالا)
(وَيَا من قد أَرَادَ لَهُ نظيرا ... لقد كلفت دنياك المحالا)
(لَهُ النّسَب الرفيع إِلَى نَبِي ... لقد نَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا جمالا)
(أجل الْمُرْسلين ومقتداهم ... وأجزل من على الغبرا نوالا)
(عَلَيْهِ بعد أنفاس البرايا ... صَلَاة لله تكسبه كمالا)
(إِلَيْك سليل خير الْخلق أَشْكُو ... نوى قصرت نتيجته وطالا)
(وهاك حلى على الهيف الغواني ... وَالْأَخْذ على الوجنات خالا)
(عروب إِن أردْت قتال خصمي ... أجرد من قوافيها النصالا)
(تمتّع من مدائحها بروض ... يروقك مِنْهُ شِمَاله اعتدالا)
(وَدم صدر الزَّمَان وَلَا رَأينَا ... لذاتك مَا حدا الْحَادِي زوالا)
(لمجدك تنتمي زهر الدراري ... ومجدك ينْطق الْكَوْن ارتجالا)
وَدخلت عَلَيْهِ يَوْمًا فرأيته يقْرَأ قصيدة قافية لِابْنِ هاني الأندلسي ومطلعها قَوْله
(قمن فِي مأتم على العشاق ... وجعلن الْحداد فِي الأحداق)
فَلَمَّا أتم قرَاءَتهَا اقترح عَليّ نظم قصيدة على وَزنهَا ورويها فنظمت هَذِه القصيدة ومطلعها قولي أمتدحه بهَا وَهِي
(إِنَّمَا الدمع آيَة العشاق ... واحمرار الدُّمُوع حلى المآقي)
(لَا عدمت الْهوى وَإِن كَانَ يقْضِي ... بتلاف المتيم المشتاق)
(إِن عَيْشًا يمْضِي بِغَيْر تصاب ... مَا لخلق يختاره من خلاق)
(وَمن الضيم أَن يبيت الْمَعْنى ... خَالِي لقلب من جوى واحتراق)
(لَا أرى صحوة لمخمور عشق ... أسكرته سلافة الأحداق)
(دوختني نَوَائِب الْحبّ لَكِن ... عَرفتنِي محَاسِن الْأَخْلَاق)
(أَيهَا الْقلب غير حرك هَذَا ... إِن صدا الحسان غير مطاق)
(وتنائي الديار يكبر عَنهُ ... فِي فؤاد المضني تنائي الرفاق)
(يذهب الدَّهْر بَيْننَا لَا يوالي ... بَين لحظ المنى وطيف العناق)
стр. 194
(من لقلبي الْمُذَاب إِن لج وجدي ... وحنيني وَمن لدمعي المراق)
(فضلوعي رهن الأسى وفؤادي ... نهب أَيدي الأشجان والأشواق)
(يَا سقِِي مألفا لنا بحمى الشَّام ... هزيم من الحيا المغداق)
(طالما بت فِي حماه وعيشي ... مَعَ آرامه شهي المذاق)
(نتروى من الصبوح ونفتض ... نسيم الشُّمُول فِي الاغتباق)
(ومحي بالشمس بدر فيسقى ... أنجم الشّرْب فِي سَمَاء الرواق)
(شادن موثق عهود التجني ... وَأرَاهُ ضَعِيف عقد النطاق)
(يتثنى كَأَنَّمَا رَاح يخطو ... فَوق أحناء قلبِي الخفاق)
فَلَمَّا انْتَهَيْت فِي الإنشاد إِلَى هَذَا الْبَيْت قَالَ هَذَا شعر معجب وَهَذِه القافية سيدة قوافيه فَقلت لَهُ صَاحب الْبَيْت أدرى بِالَّذِي فِيهِ فَفطن بالمراد وَقَالَ قد لَاحَ لي فِي الإحناء الانتقاد فلقت إِن رأى الْأُسْتَاذ أبدلتها بِلَفْظَة أفلاذ فَإِنَّهَا أقرب إِلَى الْقلب مِنْهَا وشفاف العشاق لَا يبعد عَنْهَا فأظهر بِمَا قلته ابتهاجه واهتز اهتزاز مرنح بصفو الزجاجة وَمِنْهَا
(بَات عِنْدِي ألذ من قبْلَة الغيد ... وشهى من الشفاه الرقَاق)
(نجتني اللَّهْو يافعاً من غصون ... للأماني كالورد فِي الأطباق)
(بِحَدِيث كالزهر كلله الطل ... فضاهى قلائد الْأَعْنَاق)
(وسلاف تسرى من الرّوح مسرى ... مكرمات الشريف فِي الْآفَاق)
(سيد تستفيد مِنْهُ الْمَعَالِي ... لبنيها طرائق الأعراق)
(ذُو بنان تجْرِي بِخَمْسَة أَنهَار ... فتجري عوائد الأرزاق)
(وندى كالغمام لَيْسَ لَهُ برق ... سوى بشر وَجهه الْبراق)
(أشبه المرهف الْمحلى سوى أَن ... حلاه مَكَارِم الْأَخْلَاق)
(أَن تجاري الْكِرَام فِي حومة الْجُود ... رَأَيْنَاهُ أسبق السباق)
(من سراه ودادهم فرض عين ... مَا تحلى بحبهم ذُو نفاق)
(وبآثارهم تسامى بَنو إِسْمَاعِيل ... فخراً على بني إِسْحَاق)
(كلهم جَاءَت السِّيَادَة تنقاد ... إِلَيْهِ بأوجب اسْتِحْقَاق)
(سبقوا الْعَالمين نَحْو الْمَعَالِي ... حَيْثُ حلوا والسبق حلي الْعتاق)
(وَأَقَامُوا فِي الله أَرْكَان دين الْحق ... بالبيض والدروع الوثاق)
стр. 195
(مَا عَسى يبلغ المديح علاهم ... لَو تناهى فِي الْحصْر والإغراق)
(آل بَيت هم مَعْدن الْجُود والحلم ... وَخير الْأَنَام بالِاتِّفَاقِ)
(إِن قلبِي لَهُم مُقيم على الْمِيثَاق ... من قبل سَاعَة الْمِيثَاق)
(وانتسابي مِنْهُم لِأَحْمَد يقْضِي ... أنني عَبده بِغَيْر شقَاق)
(قيدتني نعماه بل أطلقتني ... فَأَنا شَاكر على الْإِطْلَاق)
(وَمَتى رحت للهوان أَسِيرًا ... فك أسرِي مِنْهُ وَحل وثاقي)
(وكفاني إِذا الْحَوَادِث أعطشن ... مسيلاً بسيبه الدفاق)
(قد كساني ثوب الْغنى وَأرَاهُ ... عوضا لي عَن حلَّة الإملاق)
(فلأكسوه من نَسِيج ثنائي ... حللاً لَا تهمّ بالأخلاق)
(بقواف فِي جودة السبك تحكي ... جَوْهَر الْحلِيّ فِي عُقُود التراقي)
(كل معنى كالسحر يستره اللَّفْظ ... وَحسن الأزهار بالأوراق)
(يَا أعز الورى حمى لَا يسامى ... وقف الدَّهْر فِيهِ ذَا إطراق)
(لَا عدمنا لقياك والعمر منا ... حَسبه من هُوَ النّيل التلاق)
(إِنَّمَا أَنْت بدر أفق الْمَعَالِي ... فابق فِي الدَّهْر زَائِد الْإِشْرَاق)
وَاتفقَ لي فِي خدمته يَوْم من أَيَّام الْجنان قد غفلت عَنهُ عُيُون الْحدثَان فِي ظلّ رَبِّي هَب فِيهِ صبا فطال ريا وطاب ريا وَالْوَقْت منتسب إِلَى خلقه فِي اعتداله والزهر منتم فِي الْعرف لنشر خلاله فنظمت أبياتاً فِي وصف ذَلِك الْيَوْم وأنشدته إِيَّاهَا بِمحضر من الْقَوْم وَهِي
(لله بُسْتَان حللناه ضحى ... وَالْوَرق تملى شجوها تغريدا)
(حاكت بِهِ أَيدي الْجنُوب وجودت ... فِي النسج حَتَّى ألبسته برودا)
(وتمايلت فِيهِ الغصون كخرّد ... تبدى لنا الْورْد الجني خدودا)
(والطل مطلول على حَافَّاته ... يَحْكِي لدينا لؤلؤاً منضودا)
(أهْدى شذاه معنبراً فَكَأَنَّمَا ... فِي كل عود مِنْهُ يحرق عودا)
(أَو أنّ خالطه سناء مملك ... طابت خلائقه فَكَانَ مجيدا)
(مَا إِن تصفحنا خلال كَمَاله ... إِلَّا رأنيا أحمداً مَحْمُودًا)
(هُوَ صَاحب النّسَب الرفيع مَحَله ... قد طَابَ آبَاء زكتْ وجدودا)
(فالبحتري كَأَنَّمَا عَنهُ عَنى ... فِي بَيت شعر كَانَ فِيهِ مجيدا)
стр. 196
(نسب كأنّ عَلَيْهِ من شمس الضُّحَى ... نورا وَمن فلق الصَّباح عمودا)
(قد سَاد للرتب الجليلة سامياً ... أقرانه حَتَّى استبدّ فريدا)
(لَو أنّ منزلَة الغننى كمنا لَهُ ... شرفاً إِذا جَازَ السماك صعُودًا)
(لَا زَالَ يبْقى فِي الْمَعَالِي لاقياً ... عَيْشًا على مر الزَّمَان رغيدا)
وَلم يزل مُقيما بالروم وَالْأَحْوَال تنْتَقل بِهِ إِلَى أَن حصل لمَكَّة مَا حصل من الِاخْتِلَاف بَين الْأَشْرَاف فَبلغ ذَلِك السُّلْطَان فَأرْسل إِلَى الشريف أَحْمد يَطْلُبهُ فَلَمَّا أَتَاهُ وَدخل قَامَ إِلَيْهِ وقابله فِي غَايَة الإجلال وَوضع كَفه بكفه وَصَافحهُ من قيام قَائِلا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وأوّل خطاب من السُّلْطَان قَالَ لَهُ يَا شرِيف أَحْمد الْحجاز خراب أريدك تصلحه فامتثل ذَلِك فَعِنْدَ ذَلِك ألبسهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ ثمَّ جلس السُّلْطَان وَأمره بِالْجُلُوسِ فَجَلَسَ وَأعَاد عَلَيْهِ مَا قَالَه أولاّ مرَّتَيْنِ وَهُوَ يجِيبه بالامتثال وَالْقَبُول فَحِينَئِذٍ قَالَ السُّلْطَان إِذا آن أَوَان الشَّيْء أبرزه الله تَعَالَى وَأمر الْوَزير وَالْكتاب أَن يكتبوا لَهُ ملتمسه فَخرج الشريف وَقدم لَهُ مركوب من خيل السُّلْطَان ورحل على خيل الْبَرِيد إِلَى دمشق وَقد خرج مِنْهَا فَدخلت عَلَيْهِ مهنئاً لَهُ بالشرافة وأنشدته هَذِه الأبيات
(الْحق عَاد إِلَى مَحَله ... وَالشَّيْء مرجعه لأصله)
(يَا طالما وعد الزَّمَان بِهِ ... وأعيانا بمطله)
(حَتَّى تحقق أَنه ... فِي النَّاس مفتقر لمثله)
(وَالسيف عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ ... يعرف فضل نصله)
(والدهر ينفر تَارَة ... وَيعود معتذراً لأَهله)
(لَا ريب قد سرّ الورى ... بفعاله الْحسنى وعدله)
(فَالْكل شَاكر صنعه ... ولسانهم وصاف فَضله)
وَأقَام بِدِمَشْق ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ خرج قَاصِدا الْحَاج حَتَّى لحقه بالعلا وَدخل الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وتلقاه عسكرها وَلبس الخلعة السُّلْطَانِيَّة تجاه الْحُجْرَة الشَّرِيفَة كَمَا لبسهَا ثمَّة أَبوهُ ثمَّ دخل مَكَّة سَابِع ذِي الْحجَّة ختام سنة خمس وَتِسْعين وَألف من جِهَة أَسْفَلهَا ووراءه الْمحمل الْمصْرِيّ وَجَمِيع عَسْكَر مصر وَالشَّام وَجدّة وَركب بَين يَدَيْهِ قَاضِي مَكَّة وَأحمد باشا حَاكم جدة وَكَانَ موكباً عَظِيما فحج بِالنَّاسِ على أحسن حَال وَحصل لأهل مَكَّة بقدومه غَايَة السرُور وَاسْتمرّ شريفاً إِلَى أَن توفّي وَكَانَت
стр. 197
وَفَاته فِي الْيَوْم الْحَادِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة تسع وَتِسْعين وَألف وَولي بعده الشريف سعيد بن أَخِيه الشريف سعد ثمَّ عزل وَولي بعده الشريف أَحْمد بن غَالب
الْمولى أَحْمد بن المنلا زين الدّين العجمي النخعواني الأَصْل الدِّمَشْقِي المولد والوفاة قَاضِي الْقُضَاة الملقب بالمنطقي الْفَاضِل الأديب الشَّاعِر الناثر أحد أَفْرَاد الدَّهْر ومحاسن الْعَصْر كَانَ فَاضلا سامياً هضبات الْأَدَب متفنناً بليغاً فِي إنشائه عذب الْمنطق سريع الْفَهم وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ روحاً كُله من فرقه إِلَى قدمه وَكَانَ ينظم وينثر فِي الألسن الثَّلَاثَة وَهُوَ فِيمَا عدا الْعَرَبِيّ نَسِيج وَحده ومفرد وقته وشعره فِيمَا بَين أهل الرّوم أغْلى قيمَة من الدّرّ وَذكر لي بعض الثِّقَات مِنْهُم أَن الأديب شَاعِر الرّوم فِي وقته سُلَيْمَان البوسنوي المنعوت بمذاقي وَهُوَ مِمَّن أَدْرَكته بالروم وسأذكره فِي كتابي هَذَا كَانَ يَقُول فِي شعر المنطقي أَن كل غزل من شعره يعادل ديواناً من شعر غَيره وَكنت وَأَنا بالروم جمعت من أشعاره حِصَّة وافرة فَأَرَدْت ذكر شَيْء مِنْهَا هَاهُنَا ثمَّ مَنَعَنِي من ذَلِك أَن أهل بِلَادنَا لَيْسَ لَهُم اعتناء بِهَذَا النَّوْع وغالب النساخ عندنَا لَا يعْرفُونَ التركية فكثيراً مَا يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه فَيَقَع التخبيط وَالْحَاجة لَيست بماسة لذَلِك جدا نعم هِيَ ماسة لدفع مَا يَقع بَين أدباء الْعَرَب من السُّؤَال عَن قوافي أشعار الرّوم بِسَبَب اتحادها فِي الصُّورَة وَلَو كثرت وَيَقُولُونَ إِن هَذَا يطاء تبعا للعربية فَهَذَا يحْتَاج إِلَى بَيَان وَلم أر من تعرض لَهُ إِلَّا الْعِمَاد الْكَاتِب فِي خريدته فَإِنَّهُ قَالَ وللعجم قلت وَالروم تبع لَهُم مَذْهَب فِي الشّعْر مُخَالف لأسلوب الْعَرَب وَهُوَ أَنهم يجْعَلُونَ الْكَلِمَة الْوَاحِدَة رديفاً يرددونه فِي كل بَيت مِثَال ذَلِك مَا نظمه الشَّاعِر
(سل الصِّبَا هَل ورد الْورْد ... يَا من عَلَيْهِ حسد الْورْد)
ثمَّ قَالَ فالدال هِيَ الروي عِنْدهم والورد هُوَ الرديف مثل هَاء الضَّمِير فِي أسودها وأغيدها قَالَ وتذكرت هُنَا رباعيات لي وَهِي
(اسْمَع مَا قَالَ عندليب الْورْد ... فالبلبل فِي الرَّوْض خطيب الْورْد)
(الشّرْب على الْورْد نصيب الْورْد ... مَا يحسن أَن يضيع طيب الْورْد)
وَأَيْضًا
(كم حضر الراح وَغَابَ الْورْد ... حَتَّى عدم الراح فناب الْورْد)
(لما عبق الراح وطاب الْورْد ... قُلْنَا جمد الراح وذاب الْورْد)
وَهَذَا كَلَام وَقع فِي الْبَين وَلَكِن مَا خلا من فَائِدَة فلنعد إِلَى تَتِمَّة تَرْجَمَة المنطقي
стр. 198
فَنَقُول وَأما شعره الْعَرَبِيّ فقليل وَقد أورد لَهُ وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى فِي تَرْجَمَة قطعتين استحسنت إِحْدَاهمَا فأوردتها وَهِي هَذِه
(سقت الرياض دموع عَيْني الْجَارِيَة ... فبدت تراجعها عُيُون باكيه)
(وسرت لأغصان الْوُرُود فَأَصْبَحت ... أكمامها مِنْهَا قلوباً داميه)
(دمعي تبدل بالشرار وَكَيف لَا ... وجحيم قلبِي فِيهِ نَار حاميه)
(مَاذَا عَليّ من الْجَحِيم وَلم تزل ... نَار الْمحبَّة فِي وجودي بَاقِيَة)
(يَا سادة لما بدا سلطانهم ... ملك الْقُلُوب من الْأَنَام كَمَا هيه)
(تلوي غصون قد ودهم أَيدي الصِّبَا ... وَقُلُوبهمْ مثل الْحِجَارَة قاسيه)
(لم يبْق لي ثمن يُقَاوم وصلكم ... إِلَّا الْمحبَّة والمحبة غَالِيَة)
(الْجِسْم ذاب من الجفا وَالْقلب رهن ... عنْدكُمْ وَالروح مني عَارِية)
(منوا على بنظرة فوحقها ... قسما بِمن يحيى النُّفُوس الفانية)
(لَو مر بِي مَيتا نسيم دِيَاركُمْ ... سرت الْحَيَاة إِلَى عِظَامِي البالية)
وَذكر مبدأ أمره أَنه ولد بِدِمَشْق وَقَرَأَ وبرع واشتهر وَأشهر من أَخذ عَنهُ الشّرف الدِّمَشْقِي وبرز بروزا غَرِيبا فَجَلَسَ لإلقاء الدُّرُوس وَهُوَ حدث السن جَدِيد العذار فَاجْتمع فِي حَلقَة درسة جمَاعَة من الأكراد والأعاجم ونبل قدره وَعلا صيته وَولى تدريس الْمدرسَة السليمية بصالحية دمشق وَكَانَت بيد الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بن عماد الدّين الْعِمَادِيّ وَبعد مُدَّة أُعِيدَت إِلَى الْعِمَادِيّ فسافر المنطقي إِلَى حلب وَذَلِكَ فِي سنة خمس وَعشْرين وَألف وَاجْتمعَ ثمَّة بالوزير مُحَمَّد باشا السردار الْمعِين من جَانب السُّلْطَان أَحْمد إِلَى مقاتله شاه الْعَجم عَبَّاس خَان فحظى عِنْده بإقبال كثير وَقرر لَهُ الْمدرسَة وَعَاد إِلَى دمشق بمهابة عَظِيمَة وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ سَافر ثَانِيًا إِلَى حلب صُحْبَة مَحْمُود الرُّومِي الدفتري بِدِمَشْق فَاجْتمع بقاضيها الأديب المنشئ الْمَشْهُور عبد الْكَرِيم ابْن سِنَان فَأحْسن إِلَيْهِ كل الْإِحْسَان وَلما عزل من قَضَاء حلب صُحْبَة إِلَى الرّوم وَكَانَ ذَلِك فِي حُدُود سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف فَدخل إِلَى دَار السلطنة وَأقَام بهَا فَرغب كثر من كبرائها فِي معاشرته لحسن محاضرته وأدبه وحظي عِنْدهم ولازم ودرس بعد مُدَّة بعدة مدارس وَجمع مَالا كثيرا وجاها عريضا وترقى فِي الشُّهْرَة حَتَّى وصل خبر للسُّلْطَان مُرَاد فاتخذه نديم مَجْلِسه وَكَانَ يجْتَمع هُوَ ونفعي الشَّاعِر الْمَشْهُور أحد الندماء فِي الْمجْلس السلطاني وَيجْرِي بَينهمَا مكالمات ومخاطبات
стр. 199
تَأْخُذ الْعُقُول وَكَانَ كل مِنْهُمَا شَدِيد الْحَط على الآخر فِي غيبته وَمن أبلغ مَا وَقع بَينهمَا أَن السُّلْطَان أَمر صَاحب التَّرْجَمَة أَن يهجو نفعي فهجاه بقصيدة أفحش فِيهَا فَلَمَّا سَمعهَا نفعي استشاط غيظا وَجزم على مكيدته وَعرض فِي الْمجْلس السلطاني بِأَن المنطقي يحسن محاكاة كل جيل من النَّاس وَأَن أحسن مَا رَآهُ مِنْهُ محاكاة الفرنج فِي الملبس والمكاامة فَنَادَى السُّلْطَان صَاحب التَّرْجَمَة وَذكر لَهُ مَا قَالَه نفعي عَنهُ فَحلف الْأَيْمَان الأكيدة أَنه لم يصدر مِنْهُ مثل ذَلِك قطّ وَمَا زَالَ يتخضع ويبكي حَتَّى خلص نَفسه من هَذِه الورطة الَّتِي كَانَ أدنى عَاقبَتهَا الْقَتْل وَلما تحرّك الْجند على السُّلْطَان وَقتلُوا الْوَزير الْأَعْظَم أَحْمد باشا الْحَافِظ انْقَطع صَاحب التَّرْجَمَة عَن صُحْبَة السُّلْطَان خوفًا من الْجند وَلزِمَ زَاوِيَة الْعُزْلَة وَظهر السُّلْطَان بعد ذَلِك على الْجند وَقتل مِنْهُم من قتل وَفرق شملهم فَظهر المنطقي إِلَى الْوُجُود إِلَّا أَنه ضرب بالحجاب بَينه وَبَين صُحْبَة السُّلْطَان كَغَيْرِهِ من الندماء وَلكنه بَقِي على التَّرَدُّد إِلَى مجَالِس الصُّدُور كالمفتي الْأَعْظَم الْمولى يحيى بن زَكَرِيَّاء وَغَيره وَكَانَ كثير الْحَط على من يعاديه مغالياً فِي إِظْهَار زيف أَبنَاء عصره خُصُوصا أهالي بلدته دمشق وَذكر وَالِدي فِي تَرْجَمته أَنه كَانَ يَوْمًا فِي مجْلِس الْمُفْتِي الْمَذْكُور فوصلت إِلَيْهِ قصيدة أرسلها إِلَيْهِ أديب دمشق أَحْمد بن شاهين ومطلعها
(لَا يسلني عَن الزَّمَان سؤول ... إنّ عتبي على الزَّمَان يطول)
فَنَاوَلَهُ الْمُفْتِي قرطاسها وَأمره بِقِرَاءَتِهَا فابتدر يقْرؤهَا ويحاكي ناظمها فِي حركاته وإنشاده الشّعْر وَكَانَ على طَريقَة أبي عبَادَة البحتري فِي إنشاده الشّعْر يتشدّق ويهز رَأسه ومنكبيه وَيُشِير بكمه وَيقف عِنْد كل بَيت وَيَقُول أَحْسَنت أَو أَجدت أَو مَا شاكلها إِلَى أَن أتم قرَاءَتهَا على هَذَا الأسلوب فَبلغ ابْن شاهين مَا فعله فَجهز قصيدة ثَانِيَة إِلَى الْمُفْتِي الْمَذْكُور ومطلعها قَوْله
(غب لثم الأعتاب بعد الدُّعَاء ... بشفاه لم تنو غير الشِّفَاء)
وَذكر فِيهَا فصلا يعرض بالمنطقي وَهُوَ فِي بَابه مستعذب جدّاً وَذَلِكَ قَوْله فِيهَا
(وأناس من الشآم نعتهم ... شامنا فِي جَوَانِب الغبراء)
(تَركتهم لَا يألفون خَلِيلًا ... من جَمِيع الورى لفقد الْوَفَاء)
(خَرجُوا يطْلبُونَ فضل ثواء ... ليتهم قد رَضوا بِفضل الثراء)
(ألفوا الْكسْب من وُجُوه البرايا ... مَا دروا قدر مكسب الْآبَاء)
стр. 200
(برح الْعَجز فيهم فتراهم ... يَبْتَغُونَ الْغَدَاء وَقت الْعشَاء)
(قد أراقوا مَاء الحيا والمحيا ... ثمَّ حدوا فِي الْكَذِب والافتراء)
(رُبمَا هجنوا لديك ثنائي ... رُبمَا حسنوا لديك ازدرائي)
(رُبمَا حاولوا حِكَايَة صوتي ... فأخلوا بِحسن ذَاك الْأَدَاء)
(لَيْسَ عِنْدِي وَأَنت ذخري مِنْهُم ... غير مَا بالجوزا من العُوّاءِ)
(أَنا يَا سَيِّدي سُهَيْل عَلَيْهِم ... وطلوعي يضرّ نسل الزناء)
هَذَا الْبَيْت مَأْخُوذ من قَول المتنبي
(وتنكر مَوْتهمْ وَأَنا سُهَيْل ... طلعت بِمَوْت أَوْلَاد الزناء)
وَالْعرب تزْعم أَن سهيلاً إِذا طلع وَقع الوباء فِي الأَرْض وَكثر الْمَوْت يَقُول فَأَنا سُهَيْل على أَوْلَاد الزناء خَاصَّة أَي أَنهم يموتون حدا لي وَبَعض النَّاس يَقُول إِن ولد الزِّنَا اسْم لدويبة ترصف إِذا طارت بِاللَّيْلِ وَإِنَّهَا تَمُوت إِذا طلع سُهَيْل وَلَا أَدْرِي صِحَّته وَالله تَعَالَى أعلم وَلم يزل المنطقي على حَالَته الْمَذْكُورَة حَتَّى صَار قَاضِي قُضَاة حلب وَنقل مِنْهَا إِلَى قَضَاء الشَّام فوردها وَكَانَ سيره بهَا حسنا ومدحه شعراء ذَلِك الْعَصْر بالقصائد الطنانة وأجود مَا مدح بِهِ قصيدة الْأَمِير المنجكي الَّتِي مطْلعهَا قَوْله
(ورد الرّبيع فَقُمْ لحث الكاس ... ودع الْمقَام بِأَرْبَع أدراس)
يَقُول مِنْهَا فِي مديحه
(قَاض تودّ لَو انها فرشت لَهُ ... عِنْد الْقدوم كواكب الأغلاس)
(بيدَيْهِ حل المعضلات وكشفها ... وجلاية الجلى وَرفع الباس)
(وَله سِهَام عَدَالَة لَو فوّقت ... تركت متون الْجور كالأقواس)
(لما سهرت على مدائحه الَّتِي ... جعلت عداي من الردى حرّاسي)
(ودّ الْهلَال لَو استقام وَأَنه ... أَمْسَى لديّ مكانة النبراس)
ووجهت حُكُومَة الشَّام فِي أَيَّام قَضَائِهِ إِلَى مصاحب السُّلْطَان مُرَاد الْوَزير مصطفى باشا السلاحدار فَأرْسل من قبله لضبطها رجلا يُقَال لَهُ عُثْمَان الجفتلري وَهُوَ الَّذِي صَار حَاكما مُسْتقِلّا بِالشَّام فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف ووقف الْوَقْف الَّذِي لَهُ على أَجزَاء تقْرَأ فِي الْجَامِع الْأمَوِي بعد صَلَاة الظّهْر فِي المعزية الصَّغِيرَة الْوُسْطَى قبالة محراب الْحَنَابِلَة فاتفق أَنه وَقع بَينه وَبَين صَاحب التَّرْجَمَة لمَنعه إِيَّاه عَن بعض الْمَظَالِم فَعرض فِيهِ بِمَا لَا يَلِيق عرضه وَأسْندَ إِلَيْهِ أموراً مِنْهَا هدم قبَّة المزار الْمَنْسُوب
стр. 201
لسيدي عبد الرَّحْمَن حفيد سيدنَا أبي بكر الصّديق ﵁ بمقبرة الفراديس وَكَانَ هَدمه بِسَبَب أَنه كَانَ يصير فِيهِ بعض مناكر من الْفُسَّاق وَمِنْهَا أَنه ورد أَمر فتح قلعة روان حِين أخذت من يَد شاه الْعَجم عَبَّاس شاه وَاتفقَ يَوْمئِذٍ وجود القَاضِي فِي الصالحية فَأرْسل إِلَيْهِ الْخَبَر فتباطى فِي النُّزُول وَحُضُور الدِّيوَان وَمِنْهَا أَنه رُبمَا أطلق لِسَانه فِي أَرْكَان الدولة وَمِنْهُم الْوَزير الْمَذْكُور فَبعد مُدَّة قَليلَة من إرْسَال الْعرض ورد خبر عَزله عَن قَضَاء الشَّام ثمَّ ورد أَمر شرِيف بقتْله فَأخذ إِلَى قلعة دمشق وخنق بهَا وَاتفقَ يَوْم وُصُول خبر قَتله دُخُول الْمولى عبد الله بن عمر معلم السُّلْطَان عُثْمَان قَاضِي مصر إِلَى الشَّام وَجرى ذكر المنطقي مَجْلِسه وَمَا وَقع لَهُ من الخنق فَقَالَ متمثلاً إِن الْبلَاء مُوكل بالْمَنْطق وَكَأَنَّهُ أحَال ذَلِك على سَبَبِيَّة إِطْلَاق لِسَانه فِي حق بعض الصُّدُور وَقيل فِي تَارِيخ قَتله قل مسْقط الرَّأْس دمشق وَحكى أَنه لما ولي قَضَاء الشَّام ذهب إِلَى الْمُفْتِي الَّذِي ولاه الْمولى يحيى الْمَذْكُور آنِفا بالتشكر مِنْهُ ففاءله بالتبريك بِأَن قَالَ لَهُ أول شام وَآخر شام وَكَانَ ذَلِك جرى على لِسَانه بالهام فَوَقع مَا قَالَه وَهَذِه اللَّفْظَة يستعملها أهل الرّوم من قبيل الْمثل وَلم أَقف على أَصْلهَا وَإِن كَانَ معنى شقها الثَّانِي صَحِيحا بِاعْتِبَار أَن الشَّام أَرض الْمَحْشَر والمنشر وَأما بِاعْتِبَار شقها الأول فَمَا أَدْرِي وَجه الأولية وَالله تَعَالَى أعلم وَبِالْجُمْلَةِ فقد عَاشَ المنطقي حميدا وَمَات شَهِيدا فرحم الله تَعَالَى فضائله ومعارفه وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَلَاث بعد الْألف وَمَات صَبِيحَة الْجُمُعَة ثَالِث عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وضبطت أَمْوَاله لجِهَة بَيت المَال وَصلى عَلَيْهِ بعد أَدَاء صَلَاة الْجُمُعَة فِي الْجَامِع الْأمَوِي وَدفن بمقبرة الفراديس بِالْقربِ من قبر أبي شامة والنخجواني بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْخَاء المنقوطة وَضم الْجِيم ثمَّ وَاو بعْدهَا ألف وَنون بَلْدَة بالعجم مَعْرُوفَة
الشَّيْخ أَحْمد بن زين العابدين بن مُحَمَّد بن عَليّ الْبكْرِيّ الصديقي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي أحد السَّادة البكرية شيخ وقته بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ لَهُ الْأَدَب الباهر وَالْعلم الزاخر تصدر بعد موت عَمه أبي الْمَوَاهِب وَعقد مجْلِس التَّفْسِير فِي بَيته بالأزبكية وَجمع فِيهِ عُلَمَاء الْعَصْر وأذعنوا لَهُ وَظَهَرت لَهُ أَحْوَال باهرة وَحج مرَارًا ورزق فِي الْقبُول التَّام فِي جَمِيع حالاته وَكَانَ صَاحب أَخْلَاق حَسَنَة وَفِيه سخاء وتلطف وقصده الشُّعَرَاء من كل نَاحيَة ومدحوه وَمِنْهُم من فتح الله بن النّحاس الْحلَبِي فَإِنَّهُ مدحه بقصائد وأجودها قصيدته البائية الَّتِي مطْلعهَا
стр. 202
(عطف الْغُصْن الرطيب ... وتلافانا الحبيب)
وَهِي مَشْهُورَة فَلَا نطيل بذكرها سوى مَا قَالَه مِنْهَا فِي مدحه وَذَلِكَ قَوْله
(أَحْمد الْبكْرِيّ فِي ... منبرها الْيَوْم خطيب)
(ابْن زين العابدين ... السَّيِّد الْبر الوهوب)
(ابْن من يصدع بِالْحَقِّ ... ويقفو وينيب)
(ابْن من كَانَ بِهِ الْغَوْث ... مَعَ الْغَيْث يصوب)
(شَاهد الحضرة واختص ... وناجته الْغُرُوب)
(واستمرّ الْفَيْض للأستاذ ... وَالْفَتْح قريب)
(بلبل الْحق لِسَان الْغَيْب ... هطال سكوب)
(صفع الدَّهْر بكف ... مَا لَهَا الدَّهْر قتوب)
(قامع الكرب وَقد حل ... من الْقلب الكروب)
(ضَاحِك الْوَجْه وَهل فِي ... طلعة القطب قطوب)
وَقد تَرْجمهُ صاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله فِي مَجْمُوعه فَقَالَ فِي حَقه شهَاب الْأَئِمَّة وفاضل هَذِه الْأمة وملث غمام الْفضل وَكَاشف الْغُمَّة شرح الله تَعَالَى صَدره للعلوم شرحاً وَبنى لَهُ من رفيع الذّكر فِي الدَّاريْنِ صرحا إِلَى زهد أسس بُنْيَانه على التَّقْوَى وَصَلَاح آهل بِهِ ربعه فَمَا أقوى وآداب تحمر خدود الْفضل من آنافها خجلا وشيم أوضح بهَا غوامض مَكَارِم الْأَخْلَاق وجلا وفلاح يشرق من محياه وَطيب أعراق يفوح من نشر رياه ولد بِمصْر وَبهَا نَشأ واشتغل بفنون الْعُلُوم وكرع من مشارع الفهوم وَقَرَأَ على عَمه الْأُسْتَاذ أبي الْمَوَاهِب وَأَبِيهِ وَغَيرهمَا من مَشَايِخ عصره وتصدّر للإقراء بالجامع الْأَزْهَر فأشرق فِيهِ نوره وأزهر وَكَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي تَفْسِير الْقُرْآن وَإِلَيْهِ النِّهَايَة فِي عُلُوم الطَّرِيق ومزيد الإتقان مَعَ كرم يخجل المزن لَهَا طل وشيم يتحلى بهَا جيد الزَّمَان العاطل وجاه عريض وتمكين وَمَكَان عِنْد النَّاس مكين يستلمون أَرْكَانه كَمَا تستلم أَرْكَان الْبَيْت الْعَتِيق ويتنسمون أخلاقه كَمَا يتنسم الْمسك الفتيق والنور يسطع من أسارير جَبهته والعز يطلع فِي آفَاق طلعته وَمن مؤلفاته كتاب جعله على أسلوب لوعة الشاكي ودمعه الباكي سَمَّاهُ رَوْضَة المشتاق وبهجة العشاق وَله شعر يدل على علو مَحَله وإبلاغه هدى القَوْل إِلَى مَحَله فَمِنْهُ قَوْله
стр. 203
(أحنّ إِذا جنّ الظلام تشوّقاً ... إِلَى زمن بِالْقربِ زَاد تألّقا)
(وأقطع ليلِي ساهراً متفكراً ... لَعَلَّ زمَان الْأنس يسعف باللقا)
قلت وَله ديوَان شعر أَكثر مَا فِيهِ ألغاز وَكَانَ لَهُ فِيهَا بَاعَ طَوِيل فَمن ذَلِك قَوْله
(غزالة فِي بردهَا رافله ... تقتنص الْأسد من القافله)
(فِي حرم الْأَمْن وَقد خلتها ... قَائِمَة بِالْفَرْضِ والنافله)
(قلت لَهَا رقي فَقَالَت لمن ... كَأَنَّهَا عَن مطلبي غافله)
(ثمَّ انْثَنَتْ تلغز لي باسمها ... لغزاً بِهِ أقكارنا كافله)
(مَا اسْم خماسي وَتَصْحِيفه ... شبه بدور لم تكن آفله)
(فِي سنة الْمُخْتَار خير الورى ... بَيَانه وَهِي لَهُ شامله)
(فِي سنة نبه متسيقظاً ... وَإِن تشا فِي سنة كَامِله)
وَمن قَوْله أَيْضا
(وَحقّ حمرَة خدٍّ ... تثير بِالْقَلْبِ جمره)
(تطفي لجمرة ثغر ... بَيْضَاء فِي الكاس حمره)
(تجلى لخمرة فضل ... تزيد بالشرب خمره)
وَمن نثر لَهُ جَوَاب لغز فِي الْحَوْرَاء كتب بِهِ للوارثي الْمصْرِيّ الْآتِي ذكره قَرِيبا أَجدت أَيهَا الجهبذ الْهمام وحليب بجواهر زواهر الدُّرَر أجياد الْكِرَام واستجليت على منصة فكرتك حور الْجنان واستخليت بهَا فِي مقاصير الحسان فافتر ثغر حسنها للقياك وروت لَك رِوَايَة بشر عَن الضَّحَّاك فصابح الله صباحة وَجهك بوجهها الْحسن وَلَا زَالَت تخدمك الْمعَانِي بأنضر فنن وَله ملغزاً فِي أَشهب مَا علم مُفْرد مركب وضع لحيوان يركب إِن رفعت رَأس زمامه دلّ على اسْم جمع نارى فِي الْتِزَامه إِن أتيت بِرَأْسِهِ إِلَى قدامه فاستعذ بِاللَّه من سهامه مَعَ أَنه على حَقِيقَة الِانْفِرَاد إِمَام تزيد فِيهِ اعْتِقَاد وتفتدي بأَمْره وَنَهْيه وعدله وَقد شهد الْعلمَاء بفضله خُصُوصا أهل مذهبكم الشريف وَلَا يحْتَاج إِلَى تَعْرِيف وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وأرخ مَوته عبد الْبر الفيومي بقوله بجنة الفردوس أَحْمد يُقيم
أَحْمد بن سراج الدّين الملقب شهَاب الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الصَّائِغ الْحَنَفِيّ الْمصْرِيّ الشَّيْخ الرئيس الطَّبِيب الْفَاضِل أَخذ الْعُلُوم عَن الشَّيْخ الإِمَام عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي وَالْإِمَام الفهامة مُحَمَّد بن محيي الدّين بن نَاصِر الدّين التحريري وَولده الرئيس الشهير
стр. 204
سري الدّين وَبِه انْتفع فِي الطِّبّ وَتَوَلَّى قَدِيما تدريس الْحَنَفِيَّة بِالْمَدْرَسَةِ البرقوقية وَمَات عَن مشيخة الطِّبّ بدار الشِّفَاء المنصوري ورياسة الْأَطِبَّاء قَالَ الشَّيْخ مَدين وَكَانَت وِلَادَته كَمَا أخبرنَا بِهِ فِي خمس وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن خَارج بَاب النَّصْر وَلم يعقب إِلَّا بِنْتا وتولت مَكَانَهُ مشيخة الطِّبّ
الشخ أَحْمد بن سعد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد المسوري اليمني كَانَ هَذَا الْعَلامَة الحبر عَظِيم الشَّأْن جليل الْقدر وَاحِد الدَّهْر وفريد الْعَصْر وعالم السهل والوعر ذكره ابْن أبي الرِّجَال فِي تَارِيخه مطلع البدور ومجتمع البحور وَأثْنى عَلَيْهِ بِمَا لَا مزِيد فَوْقه ثمَّ قَالَ أَصله من بِلَاد مسور واشتغل بِالْعلمِ وحرر الْعُلُوم وَكَانَ فِي الْعُلُوم النقلية والعقلية شيخها الْأَكْبَر وَفِي الْأَدَب الَّذِي فِيهِ انحصرت مزاياه وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من الْأَفْرَاد فِي الْيمن وَكَانَت دولة الْقَاسِم زاهية بِهِ وَهُوَ صدر مجَالِسهمْ وَنور مقابسهم تصدر للإفادة وَالْكِتَابَة فِي مجْلِس الإِمَام الْقَاسِم ثمَّ فِي مجْلِس وَلَده الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد ثمَّ فِي مجْلِس أَخِيه الْقَائِم بعده أَحْمد بن أبي طَالب ثمَّ فِي مجْلِس أَخِيه الإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل وانتهت مدَّته فِي هَذِه الدولة وَهُوَ كَاتب الْإِنْشَاء ومتقلد منصب الخطابة فِي حَضْرَة الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين وانْتهى إِلَيْهِ علم اللُّغَة والْحَدِيث وَالتَّفْسِير والنحو وَالصرْف والأصلين والدراية بمناطيق الْعَرَب ومفاهيمها وَمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الْكِنَايَات والإشارات وعَلى كل حَال فالواصف لَهُ مقصر وشيوخه كَثِيرُونَ والآخذون عَنهُ مثل ذَلِك قلت وَمِنْهُم أَحْمد بن صَالح بن أبي الرِّجَال وَبِه تخرج وَإِلَيْهِ يُشِير فِي تَارِيخه كثيرا قَالَ وَله مؤلفات فائقة ومنشآت من خطب وَغَيرهَا بليغة وَله من الْوَرع مَا لَا يحصر بِقَيْد وَلَا وصل إِلَيْهِ عَمْرو بن عبيد مَعَ تعاور الْعِنَايَة لَهُ فِي طَاعَة هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وانسجال ديم النفائس عَلَيْهِ وَكَانَت الْأَئِمَّة تراسله بالكتب والهدايا فيأباها وَلَا يرى فِي ذَلِك من الْمُلُوك عقباها فَمن ذَلِك مَا أجَاب بِهِ على الْأَمِير الْكَبِير الشريف الْحُسَيْن ابْن أَحْمد الخواجى صَاحب صنعا وَقد كتب إِلَيْهِ كتابا وأصحبه هَدِيَّة وَبعد فواصل كتابكُمْ الَّذِي هُوَ جَوَاب جوابي عَلَيْكُم مُشْتَمِلًا على وُجُوه من الْخطاب صيرت مَا كَانَ سبق مني من الْإِحْسَان بإجابة الْكتاب الأول ذَنبا وَمَا كنت أَحْسبهُ حمداً عِنْد الله وَعند خير عباده سبا إِذْ لم يَقع مني مَا صدر من الْبشر السَّابِق لمن وصل إِلَيّ من الحضرة الإمامية من إخْوَانكُمْ الشرفاء ثمَّ جوابي لكم فِي كتابكُمْ الَّذِي ابْتَدَأَ بِهِ الْمولى إِلَّا
стр. 205
رِعَايَة لحق رَسُول الله
إِذا كُنْتُم وَأُولَئِكَ الْجَمَاعَة من أهل بَيته وَمِمَّنْ ينْسب إِلَى ذُريَّته ثمَّ صِيَانة لعرض مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ومحبة فِي أَن يكون من فِي حَضرته الْكَرِيمَة من الْمُكرمين كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ الْمُؤمن ألف مألوف وَكنت اظنكم رعاكم الله وَأُولَئِكَ الْجَمَاعَة مِمَّن لَهُ فِي خوف الله نصيب وَمِمَّنْ أقلع عَمَّا يُوجب الْبعد من الْقَرِيب الْمُجيب وَمِمَّنْ دَعْوَاهُ صَادِقَة أَنه لَا يُرِيد إِلَّا الله وَلَا يسْعَى إِلَّا فِي طَاعَته وتقواه فخدعتموني تالله فانخدعت وَلَو أخذت بالحزم الَّذِي هُوَ سوء الظَّن لما أبعدت فحملتم تِلْكَ الْحَالة مني على مَا زهدني وَالله وغيري من الْمُؤمنِينَ فِيكُم ونبهني على الحذر والريب فِي كل مَا يصدر من قَول أَو فعل عَنْكُم إِذْ أحللتموني محلا لست من أَهله وكتبتم إِلَيّ بتصدير هديتكم الْمَرْدُودَة إِلَيْك غير مشكورة وَلَا محموده وَلم تَرَهَا وَالْحَمْد لله عَيْني وَلَا لمستها والْمنَّة لله يَدي إِذْ أردتم خديعتي عَن ديني والتوصل بهَا إِلَى مَا تُرِيدُونَ من إغراض الْأَهْوَاء فِي هلكتي فَأَكُون كَمَا قيل
(بت كَأَنِّي ذبالة نصبت ... تضيء للنَّاس وَهِي تحترق)
ومعاذ الله أَن أكون مِمَّن يَبِيع دينه بِكُل الدُّنْيَا فضلا عَن عرض مِنْهَا هُوَ أقل وادنى أَو أَن يحبط أَعماله ويبطلها بإماطة الأوساخ عَن النَّاس لقد ضللت إِذا وَمَا أَنا من المهتدين وَكَيف إِن بَقِي شَيْء من الْمَعْقُول آمُر النَّاس بِالْبرِّ وأنسى نَفسِي وأتصدر الإِمَام الْحق فِي إنْشَاء مواعظ يخْطب بهَا على المنابر لنصيحه الْخلق وأخونها وَهِي أعز الْأَنْفس عِنْدِي على أَنِّي والْمنَّة لله عَليّ من فضل رَبِّي وَفضل إمامي فِي خير وَاسع ورزق جَامع وأمل فِي كل بَلَاغ راتع ثمَّ إِنَّه لَا يسْلك أحد طَريقَة إِلَّا وَله فِيهَا سلف يقْتَدى بهم بعد رَسُول الله
فأولهم أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَهُوَ يَقُول فِي خطبَته وَالله لِأَن أَبيت على حسك السعدان مسهداً أَو أجر فِي الأغلال مصفداً أحب إِلَيّ من أَن ألْقى الله تَعَالَى وَرَسُوله يَوْم الْقِيَامَة ظَالِما لبَعض الْعباد أَو غَاصبا لشَيْء من الحطام وَكَيف أظلم أحدا وَالنَّفس يسْرع إِلَى البلى قفولها وَيطول فِي الثرى حلولها وَالله لقد رَأَيْت أخي عقيلا وَقد أملق حَتَّى استماحنى من بركم صَاعا وَرَأَيْت صبيانه شعث الألوان من فَقرهمْ كَأَنَّمَا اسودّت وُجُوههم بالعظلم وعاودني مؤكداً وكرّ عَليّ القَوْل مردداً فأصغيت إِلَيْهِ سَمْعِي فَظن أَنِّي أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقاً يقيني فأحميت لَهُ حَدِيدَة ثمَّ أدنيتها من جِسْمه ليعتبر بهَا فَضَجَّ ضجيج ذِي دنف من ألمها وَكَاد أَن يَحْتَرِق من مَسهَا فَقلت
стр. 206
لَهُ ثكلتك الثواكل يَا عقيل أتئن من حَدِيدَة أحماها إنسانها للعبه وتجرّني إِلَى نَار أضرمها جبارها لغضبه أتئن من الْأَذَى وَلَا أَخَاف من لظى وأعجب من هَذَا طَارق يطرقنا بملفوفة فِي وعائها ومعجونة كَمَا عجنت بريق حَيَّة أرياقها فَقلت أصلة أم زَكَاة وَصدقَة فَذَلِك محرم علينا أهل الْبَيْت قَالَ لَا ذَا وَلَا ذَاك وَلكنهَا هَدِيَّة فَقلت هبلتك الهبول أعن دين الله أتيتني لتتخدعني أمخبط أَنْت أم ذُو جنَّة أما وَالله لَو أَعْطَيْت الأقاليم السَّبْعَة بِمَا تَحت أفلاكها على أَن أعصي الله فِي نملة أسلبها خلب شعيرَة مَا فعلتها وَإِن دنياكم هَذِه لأهون عِنْد الله من ورقة فِي فَم جَرَادَة مَا لعليّ ونعيم يفنى وَلَذَّة لَا تبقى نَعُوذ بِاللَّه من سيئات الْعَمَل وقبح الزلل وَبِه نستعين وَأقرب أئمتي إِلَيْهِ إِمَام عصري بعد وَالِده أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِم وهما جَمِيعًا مِمَّن علم الْخَاص وَالْعَام سلوكهما تِلْكَ الطَّرِيق وتمسكهما بذلك الْحَبل على التَّحْقِيق ورفضهما الدُّنْيَا بعد ملك الْمشرق وَالْمغْرب ورضاهما مِنْهَا بأدناها مَعَ نُفُوذ أَمرهمَا فِي الْعَرَب والعجم والبعد والقرب
(وَالشَّمْس إِن تخفى على ذِي مقلة ... نصف النَّهَار فَذَاك تَحْقِيق الْعَمى)
وَأما آبَائِي الَّذين أنتسب إِلَيْهِم فأدناهم أبي الَّذِي ولدني كَانَ وَالله كَمَا ورد فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ يغْضب لمحارم الله كَمَا يغْضب الْجمل إِذا هيج لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وكما قيل
(الْقَائِل الصدْق حَتَّى مَا يضرّ بِهِ ... وَالْوَاحد الْحَالَتَيْنِ السرّ والعلن)
ثمَّ أَخُوهُ عمي الَّذِي أدّبني كَانَ كَمَا قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ كرم الله وَجهه فِي صفة الْمُؤمن الْمُؤمن بشره فِي وَجهه وحزمه فِي قلبه أوسع شَيْء صَدرا وأذل شَيْء نفسا يكره الرّفْعَة ويشنأ السمعة طَوِيل غمه بعيد همه كثير صمته مَشْغُول وقته شكور صبور مغمور بفكرته ضنين بخلته سهل الخليقة لين العريكة نَفسه أصلد من الصلد وَهُوَ أذلّ من العَبْد ثمَّ أَبوهُمَا جدي الْمُسَمّى سلمَان أهل الْبَيْت الَّذِي لَا نعلم أَن إِمَامًا من الْأَئِمَّة مدح غَيره بذلك فَقَالَ الإِمَام شرف الدّين لوالده شمس الدّين بن أَمِير الْمُؤمنِينَ
(جَاءَكُم سلمَان بَيْتِي ... فاعرفن يَا شمس حَقه)
(ولرجواه فحقق ... وببشر فتلقه)
وَأَنا بِحَمْد الله لم أعرف غير سبيلهم وَلَا ربيت إِلَّا فِي جحورهم وَإِنِّي وَالنَّاس لَكمَا قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز رَحمَه الله تَعَالَى
(يَقُولُونَ لي فِيك انقباض وَإِنَّمَا
(رَأَوْا رجلا عَن موقف الذل أحجما)
стр. 207
(أرى النَّاس من داناهم هان عِنْدهم ... وَمن أكرمته عزة النَّفس أكرما)
(وَلم أقض حق الْعلم إِن كنت كلما ... بدا طمع صيرته لي سلما)
(وَمَا كل برق لَاحَ لي يستفزني ... وَلَا كل من فِي الأَرْض أَلْقَاهُ منعما)
(إِذا قيل هَذَا مشرب قلت قد أرى ... ولكنّ نفس الحرّ تحْتَمل الظما)
(وَلم أبتذل فِي خدمَة الْعلم مهجتي ... لَا خدم من لاقيت لَكِن لَا حد مَا)
(أأشقى بِهِ غرساً وأجنيه ذلة ... إِذا فاتباع الْجَهْل كَانَ قد أسلما)
(وَلَو أَن أهل الْعلم صانوه صانهم ... وَلَو عظموه فِي النُّفُوس لعظما)
(وَلَكِن أهانوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حَتَّى تهجما)
اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أَقُول ذَلِك افتخاراً لي وَلَا تَزْكِيَة لنَفْسي بل لما يَنْبَغِي من تجنب مَوَاقِف التهم معترف بِأَنِّي أَحْقَر من أَن أذكر وأهون من قلامة الظفر وَلَكِن مظلوم رفعت ظلامتي إِلَيْك كَمَا قَالَ زين العابدين ﵁ يَا من لَا يخفى عَلَيْهِ أنباء المتظلمة وَيَا من لَا يحْتَاج فِي قصصهم إِلَى شَهَادَة الشَّاهِدين وَيَا من قربت نصرته من المظلومين وَيَا من بعد عونه عَن الظَّالِمين قد علمت يَا إلهي مَا نالني من فلَان إِلَى آخر مَا ذكره فِي دُعَائِهِ وحسبي الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم هَذَا وَلَوْلَا تحرج أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ فِي إِعَادَة الْجَواب لما توجه مني بعد ذَلِك خطاب وَهَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى بيني وَبَيْنكُم آخر كتاب وَالسَّلَام
الشَّيْخ أَحْمد بن سلميان القادري الدِّمَشْقِي الشَّيْخ الْعَارِف المعتقد الْمُتَّفق على ورعه وديانته كَانَ من أكبر مَشَايِخ الشَّام فِي عصره لَهُ الْخلق الْحسن والشيم الزكية والكرامات الباهرة ورزق الحظوة التَّامَّة فِي اعْتِقَاد النَّاس عَلَيْهِ بِحَيْثُ لم يخْتَلف فِي شَأْنه اثْنَان وَكَانَ لَهُ فِي التصوف حَال باهر وكلمات رائقة نَشأ على مجاهدات وعبادات وَأخذ الحَدِيث عَن الْبَدْر الْغَزِّي وَجلسَ على سجادة أَبِيه من بعده فِي سنة إِحْدَى وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ فِي مبدأ أمره سَاكِنا فِي محلّة الشلاحة بِدِمَشْق ثمَّ انْتقل إِلَى مدرسة الْأَمِير سيف الدّين قلج الأسفلار الْمَعْرُوفَة بالقلجية وعزل التُّرَاب الَّذِي كَانَ فِيهَا من بقايا الخراب فِي فتْنَة تيمور وعمرها وَأَنْشَأَ سَبِيلا بجوار تربَتهَا وَكَانَ ذَلِك فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقَالَ مامية الرُّومِي مؤرخاً بِنَاء السَّبِيل
(هَذَا السَّبِيل الأحمدي ... لله لفيه خفا)
(وَقد أَتَى تَارِيخه ... اشرب هنيا بل شفا)
стр. 208
وَبَعْدَمَا أتم الْعِمَارَة قطن بِالْمَدْرَسَةِ وأسكن فِي حُجْرَتهَا عدَّة من الْفُقَرَاء وَكَانَ يُقيم حَلقَة الذّكر فِي الْجَامِع الْأمَوِي يَوْم الْجُمُعَة عقب الصَّلَاة عِنْد بَاب الخطابة وبالمدرسة الْمَذْكُورَة يَوْم الْإِثْنَيْنِ بعد الْعَصْر وَكَانَ يتعاطى الْإِصْلَاح بَين النَّاس وَعظم صيته وارتفع قدره حَتَّى صَارَت الْحُكَّام والأمراء يقصدونه للزيارة ويتبركون بدعواته وَكَانَ لطيف المحاورة طريف المعاشرة يستحضر أَخْبَار السّلف ويوردها أحسن مورد وَكَانَ يكرم المترددين إِلَيْهِ ويضيفهم وَيقبل عَلَيْهِم وَكَانَ يكاشف الْغَالِب مِنْهُم بأنواع المكاشفات قَرَأت بِخَط الأديب عبد الْكَرِيم الطَّبَرَانِيّ فِي بعض مجاميعه أَنه وَقع لصَاحب التَّرْجَمَة مكاشفة مَعَ بعض الروميين وَكَانَ من جمَاعَة خسرو باشا كافل المملكة الشامية وَقد ذهب لزيارته فَقَالَ لَهُ الْيَوْم يحصل لَك حَادِثَة فاحذرها وَلَا تخرج من مَكَانك حَتَّى يمْضِي الْيَوْم فَلم يبال بِمَا قَالَه وَخرج من غير مشورة لجِهَة الْكسْوَة لأمر أوجب ذَلِك فاتفق لَهُ أَن سَاق جَوَاده وَلَا زَالَ يَسُوقهُ حَتَّى رَمَاه على صخور وحجارة صلدة فهشم وَبَقِي طريحاً على الأَرْض لَا يفِيق وَلَا يعي ثمَّ حمل إِلَى منزلَة وَاسْتمرّ يعالج نَفسه إِلَى أَن عوفي وَأشهر مَا يُؤثر عَنهُ لردّ الضَّالة اللَّهُمَّ يَا معطي من غير طلب وَيَا رازقاً من غير سَبَب رد عَليّ مَا ذهب وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من الْولَايَة فِي رُتْبَة عالية وَهُوَ فَوق مَا وَصفته فِي كل منقبة سامية وَكَانَت وِلَادَته فِي بضع وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي يَوْم الْأَحَد لثلاث بَقينَ من شهر رَمَضَان سنة خمس بعد الْألف وَصلى عَلَيْهِ بعد الْعَصْر بالجامع الْأمَوِي وَدفن فِي مدفن الْأَمِير سيف الدّين بِالْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَة رَحمَه الله تَعَالَى
الْمولى أَحْمد بن سُلَيْمَان الرُّومِي الْمَعْرُوف بالإياشي قَاضِي الْقُضَاة بحلب ثمَّ بِالشَّام ولي الشَّام فِي سنة سبع بعد الْألف وَكَانَ فِي ابْتِدَاء قَضَائِهِ معتدلاً وسلك مَسْلَك الْإِنْصَاف ومدحه شعراء دمشق بالقصائد البديعة وَمِنْهُم أَبُو الْمَعَالِي درويس مُحَمَّد الطالوي فَإِنَّهُ كَاتب إِلَيْهِ قصيدة شينية استحسنها أدباء وقته مَعَ صوبة رويها ومطلعها
(كَيفَ أخْشَى فِي الشَّام أَمر معاشي ... وملاذي بهَا جناب الإياشي)
(أفضل الْقَوْم من سما للمعالي ... فاعتلاها طفْلا وكهلاً وناشي)
(فَهُوَ بدر الْعُلُوم صدر الموَالِي ... من سماهم فضلا وَلست أحاشي)
(سَاق عدلا بِالشَّام حَتَّى شَهِدنَا ... مشي ذِئْب الفلاة بَين الْمَوَاشِي)
стр. 209
ثمَّ تَغَيَّرت أَحْوَاله وفسدت أطواله واشتهرت فِي أَيَّامه الرِّشْوَة وأبطل كثيرا من الْحُقُوق حَتَّى ضجر مِنْهُ أهل دمشق وأعياهم الْجهد وَقَامَت عوامها على سَاق فرجموه عِنْد خَنْدَق القلعة بَين سوق الأروام والعمارة الأحمدية وأفحشوا فِي رجمه وَكَانَ رجمه يَوْم دُخُول السَّيِّد مُحَمَّد باشا الْوَزير إِلَى دمشق حَاكما بهَا وَقد كَانَ طلع لاستقباله فَكَانَ النَّاس يشيرون إِلَى الْوَزير بالشكاية عَلَيْهِ فِي وَجهه يتظلمون وَهُوَ سَاكِت وَلم يزل النَّاس ممسكين أَيْديهم عَن الرَّجْم إِلَى أَن دخل الْوَزير الْمَذْكُور إِلَى دَار الْإِمَارَة ففارقه القَاضِي فَاسْتَقْبلهُ النَّاس عِنْد انْصِرَافه يصيحون فِي وَجهه ويقابلونه بِكَلِمَات لَا تلِيق وأعقبوا ذَلِك بِالرَّجمِ حَتَّى فرّ مِنْهُم هَارِبا وأدركه مَعَ ذَلِك مَا أدْركهُ من الْأَحْجَار وهجاه بعد ذَلِك أَبُو الْمَعَالِي الْمَذْكُور بقصيدة طَوِيلَة سَمَّاهَا رفع الغواشي عَن ظلم الإياشي وَقسمهَا فصولاً وَجعل كل فصل فِي حَال من أَحْوَاله وابتدأها ببيتين من شعر أبي الْفَتْح الْمَالِكِي مفتي الْمَالِكِيَّة بِالشَّام وهما قَوْله
(الشَّام تبْكي بدموع غزار ... بكاء ثَكْلَى مَا لَهَا من قَرَار)
(بكاء مظلوم لَهُ نَاصِر ... لَكِن بعيد الدَّار والخصم جَار)
ثمَّ ذكر فصولها فَمن ذَلِك قَوْله مُشِيرا إِلَى ظلمه مَعَ وَكيله لرجل بِدِمَشْق يُقَال لَهُ عقيص مَاتَ خلف ثَلَاثَة آلَاف قِرْش وَأخذ مِنْهَا ألفا فَقَالَ
(كَيفَ اسْتحلَّ ألف قِرْش لنا ... وَجُمْلَة المَال ثَلَاث كبار)
(وَجُمْلَة الْأَوْقَاف فِي عَهده ... تبَاع فِي الدَّلال بيع الْخِيَار)
(ويدعى الرقة فِي طبعه ... مثل المخاديم الموَالِي الْكِبَار)
ثمَّ عزل عَن قَضَاء الشَّام بعيد رجمه بِقَلِيل وَاتفقَ عَزله يَوْم عيد النَّحْر من سنة ثَمَان بعد الْألف فَقيل فِي تَارِيخ عَزله
(رجم الإياشي فِي دمشق وجاءه ... عزل وَكَانَ الْعِيد عيداً أكبرا)
(وسئلت عَن تَارِيخه فأجبتهم ... بِالْعَزْلِ شَيْطَان رجيم دمرا)
وَكَانَت وَفَاته فِي سنة عشر بعد الْألف والإياشي بِفَتْح الْهمزَة بعْدهَا يَاء مثناة ثمَّ ألف فشين مُعْجمَة نِسْبَة إِلَى إياش بليدَة يصنع بهَا الصُّوف من نواحي أنقرة بِبِلَاد قرمان وَالله أعلم
أَحْمد بن سِنَان الْمَعْرُوف بالقرماني الدِّمَشْقِي صَاحب التَّارِيخ الْمَشْهُور وَأحد الْكتاب الْمَشْهُورين كَانَ كَاتبا منشئاً حسن الْعبارَة قدم أَبوهُ سِنَان إِلَى دمشق وَولي
стр. 210
نظارة البيمارستان ونظارة الْجَامِع الْأمَوِي وانتقد عَلَيْهِ أَنه بَاعَ بسط الْجَامِع الْأمَوِي وحصره وَأَنه خرب مدرسة الْمَالِكِيَّة بِالْقربِ من البيمارستان النوري وتعرف بالصمصامية وَحصل بِهِ الضَّرَر بمدرسة النورية ببعلبك فَقتل بِسَبَب هَذِه الْأُمُور هُوَ وناظر السليمية حُسَيْن فِي يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشر شَوَّال سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة خنقاً مَعًا بدار السَّعَادَة بشاشيهما وعمامتاهما على رأسيهما ثمَّ نَشأ أَحْمد صَاحب التَّرْجَمَة بعد أَبِيه وَصَارَ كَاتب وقف الْحَرَمَيْنِ ثمَّ ناظره وَكَانَ حسن المحاضرة وَله مُخَالطَة مَعَ الْحُكَّام خُصُوصا قُضَاة الْقُضَاة وَعمر بَيْتا وحديقة بمحلة الجسر الْأَبْيَض من الصالحية وَكَانَ لَهُ حشمة وإنصاف فِي كثير من الْأُمُور وَجمع تَارِيخه الشَّائِع وَتعرض فِيهِ لكثير من الموَالِي والأمراء الْمُتَأَخِّرين وَسَماهُ أَخْبَار الدول وآثار الأول وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي يَوْم الْخَمِيس تَاسِع عشري شَوَّال سنة تسع عشرَة بعد الْألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى
الأديب أَحْمد بن شاهين الفرسي الأَصْل الدِّمَشْقِي المولد الأديب اللّغَوِيّ الشَّاعِر المنشىء الْمَشْهُور أصل وَالِده من جَزِيرَة قبرس بِالسِّين الْمُهْملَة لَا بالصَّاد كَمَا يغلط فِيهِ الْعَوام جَزِيرَة بالبحر الشَّامي وَهُوَ من الْفَيْء الَّذِي أفاءه الله على الْإِسْلَام حِين فتحهَا فَاشْتَرَاهُ بعض الْأُمَرَاء وتبناه وَجعله من أجناد دمشق وَمكث بعد الْأَمِير يزْدَاد فِي الرّفْعَة حَتَّى صَار أحد الْأَعْيَان الْمشَار إِلَيْهِم بالتقدم وَولد لَهُ أَحْمد هَذَا وَنَشَأ وانتظم فِي سلك الْجند وَلما وَقعت الْفِتْنَة بَين عَليّ بن جانبولا ذُو العساكر الشامية وانْتهى الْأَمر إِلَى انهزام الْعَسْكَر الشَّامي وَقتل مِنْهُم من قتل وَأسر من أسر كَانَ الشاهيني من جملَة من أسر فِي تِلْكَ الْوَقْعَة وَلما أطلق من ربقة الْأسر اعتاض عَن الوشيج والحسام بالقراطيس والأقلام كَمَا قَالَ
(صبوت إِلَى حب الْفَضَائِل بَعْدَمَا ... تقلدت خطيا وصلت بلهذم)
(وَصَارَ مدادي من سَواد محاجري ... وَقد كَانَ محمراً يسيل كعندم)
(ومارست من بعد الْقَنَاة يراعة ... كأبيض مصقول الْعَوَارِض لهذم)
وَلزِمَ الْحسن البوريني وَعمر الْقَارِي وَعبد الرَّحْمَن الْعِمَادِيّ وَقَرَأَ عَلَيْهِم من أَنْوَاع الْعُلُوم وتأدب بِأبي الطّيب الْغَزِّي وَعبد اللَّطِيف بن المنقار حَتَّى برع وَصَارَ أحد الْفُضَلَاء وَعين الْأَعْيَان وَكَانَ مليح الْعبارَة فِي الْإِنْشَاء جيد الفكرة حُلْو الترصيع لطيف الْإِشَارَة جواداً ممدّحاً منشياً بليغاً حسن التَّصَرُّف فِي النّظم والنثر وَكَانَ
стр. 211
الْغَالِب عَلَيْهِ فِي إنشائه الْعِنَايَة بالمعاني أَكثر من طلب التسجيع وَله رسائل بليغة وآثار شائعة وَاخْتصرَ حِصَّة من الْقَامُوس وَزَاد من عِنْده أَشْيَاء حَسَنَة الْموقع وسلك طَرِيق عُلَمَاء الرّوم فلازم الْمُفْتِي الْأَعْظَم صنع الله بن جَعْفَر وناب فِي الْقَضَاء بِدِمَشْق وَتَوَلَّى قَضَاء الركب الشَّامي فِي سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَلَقي شرِيف مَكَّة حِينَئِذٍ الشريف إِدْرِيس بن الْحسن ومدحه بقصيدة مطْلعهَا
(أَي ربع صبري عَاد فِيك دريسا ... وهواي أَمْسَى فِي حماك حَبِيسًا)
ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الجقمقية بالفرغ من المنلا بُسْتَان الرُّومِي نزيل دمشق وَأعْطى تدريس الدَّاخِل ونبل قدره وطار صيته ومدحه شعراء عصره بالقصائد السائرة وَرَأَيْت لبَعض الْفُضَلَاء كتابا ضخماً أَلفه باسمه وَسَماهُ الرياض الأنيقة فِي الْأَشْعَار الرقيقة افتتحه بقصيدة رائية فِي مدحه أَولهَا
(رنا فَرَمَانِي بِسَهْم النّظر ... وسل من الجفن سيف الْحور)
(فأدمى فُؤَادِي وَلَا مُنكر ... وأضحى يسائلني مَا الْخَبَر)
(وَمن عجب عَارِف بِالَّذِي ... عراني وَيسْأل عَمَّا ظهر)
وَلما قدم حَافظ الْمغرب أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْمقري إِلَى دمشق أنزلهُ فِي الْمدرسَة الجقمقية واعتنى بِهِ اعتناء زَائِدا وَصدر بَينهمَا محاورات جميلَة ومراسلات جليلة فَمن ذَلِك مَا كتبه الشاهيني فِي تهنئة بعام جَدِيد
(عَام جَدِيد وجدّ مقبل وَنهى ... فياضة وفهوم بتن كالشهب)
(فَهَل يرى الْبَدْر بدر الغرب فِي شَرق ... بِأَن يرى النَّجْم نجم الشرق فِي الْأَدَب)
(وَالْيَوْم مَا زَالَ سياراور بتما ... يحل منزلَة تنحط فِي الرتب)
وَأرْسل إِلَيْهِ بهدية وَخمسين قرشا وَكتب إِلَيْهِ معتذراً وأجاد إِلَى الْغَايَة
(لَو كَانَ لي أَمر الشَّبَاب خلعته ... بردا على عطفيك ذَا أردان)
(لَكِن تعذر بعث أوّل غايتي ... فَبعثت نَحْوك غَايَة الْإِمْكَان)
وَالْبَيْت الأول مَأْخُوذ من قَول الشريف الرضي
(وَلَو أَن لي يَوْمًا على الدَّهْر أمره ... وَكَانَ لي الْعَدْوى على الْحدثَان)
(خلعت على عطفيك برد شبيبتي ... جوداً بعمري واقتبال زماني)
فَرَاجعه الْمقري بقوله
(يَا وَاحِد الْعَصْر الَّذِي بمديحه ... سَارَتْ ركاب الْمجد فِي الْبلدَانِ)
стр. 212
(أوليتني مَالا أقوم بشكره ... مَالِي بشكر المنعمين يدان)
(ونظمت أشتات الْكَمَال جواهراً ... أضحت تفوق قلائد العقيان)
(فَالله يبْقى من جنابك سَيِّدي ... عين الزَّمَان ومفخر الْأَعْيَان)
وَسَيَأْتِي لمراجعتهما طرف فِي تَرْجَمَة الْمقري إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ الشاهيني على طَريقَة ابْن بسام ويقفو أَثَره فِي عَبث اللِّسَان وشكوى الدَّهْر وهجاء أَبنَاء عصره وَكَانَ ابْن بسام هجا أَبَاهُ فَضرب الشاهيني على قالبه ونسج على منواله حَيْثُ قَالَ فِي أَبِيه
(أَقُول لركب من معِين وهم على ... جنَاح رحيل دَائِم الخفقان)
(أما إِنَّه لَوْلَا فِرَاق بكورنا ... يثبن إِلَى ردّي بجذب عناني)
(وَلَوْلَا أبي شاهين قصّ قوادمي ... لَكَانَ جناحي وافر الطيران)
وَقَالَ
(لما رَأَيْت الْعَيْش من ثَمَر الصِّبَا ... وَعلمت أَن الْعَفو حَظّ الْجَانِي)
(أدْركْت مَا لَا سوّلته شبيبتي ... وَفعلت مَا لَا ظنّه شيطاني)
وَلما مَاتَ وَالِده فِي سنة أَرْبَعِينَ وَألف حزن لفقده وانعزل عَن النَّاس مُدَّة وَكَانَ كثيرا مَا ينشد لنَفسِهِ وَهُوَ معتزل
(لَيْسَ فِي دَارنَا الَّتِي نَحن فِيهَا ... من جَمِيع الْأَوْصَاف وَالْأَحْوَال)
(حَالَة تشبه الْجنان سوى مَا ... قد عَرفْنَاهُ من فرَاغ البال)
وَقَالَ يشكو من بَيته
(سئمت وَالله من الْبَيْت ... ليتي أرَاهُ فَارغًا ليتي)
(فِي كل يَوْم ألف تصديعة ... آخرهَا قَارُورَة الزَّيْت)
وَكَانَ مَعَ وفور أدبه قَلِيل الْحَظ من دُنْيَاهُ لَا يزَال ضيق الْحَال شاكياً من دهره وَله فِي هَذَا الْبَاب ملح وتحف فَمن ذَلِك قَوْله
(وقائلة مَا بَال جدّك عاثراً ... وَأَنت مقيل عَثْرَة الكرماء)
(فَقلت ذَرِينِي لَا أبالك لَيْسَ ذَا ... عثار جدودي بل عثار ذكائي)
وَقَوله من قصيدة كتبهَا وأرسلها إِلَى شَيْخه الْعِمَادِيّ الْمُفْتِي يستدعيه إِلَى الْقصر الَّذِي بناه بقرية كفر بَطنا ومطلعها
(كَفاك اغتراباً أَن تحل البواديا ... )
يَقُول فِيهَا
(وَلَو كنت مِمَّن خيرته جدوده ... تخيرت أَن أغدو لغمدان واليا)
(وَلَو ظَفرت نَفسِي بمبلغ حَقّهَا ... سموت فنظمت النُّجُوم مراقيا)
(وَمَا رضيت نَفسِي سوى الْبَدْر صاحباً ... وَلَا اتَّخذت إِلَّا عُطَارِد تاليا)
стр. 213
(وَلَا استوطنت إِلَّا المجرة رَوْضَة ... ونهراً إِذا رامت هُنَاكَ التلافيا)
(وَلَو أَن حظي رَاح يصحب همتي ... لبت على أيوان كيوان ساميا)
(غضِبت لدهري حِين غَيْرِي سما بِهِ ... وَزَاد لَهُ لما كرهت التساويا)
(زماني كحظي ثمَّ حظي كدهره ... فَمَا أَنا عَن دهري وَلَا عَنهُ رَاضِيا)
وَهِي قصيدة طَوِيلَة تحتوي على حماسة عَجِيبَة فِي بَابهَا وغمدان فِي قَوْله تخيرت أَن أغدو لغمدان كعثمان قصر بِالْيمن بناه يشْرَح بأَرْبعَة وُجُوه أَحْمَر وأبيض وأصفر وأخضر وَبنى دَاخله قصراً بسبعة سقوف بَين كل سقف وسقف أَرْبَعُونَ ذارعا كَذَا قَالَه فِي الْقَامُوس وَقَالَ بعض شرَّاح الْمَقْصُورَة الدريدية غمدان بِنَاء بصنعا لم يدْرك مثله هَدمه عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ فِي الْإِسْلَام وَله رسوم بَاقِيَة إِلَى الْآن وَالَّذِي بناه هُوَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَفِيه يَقُول الشَّاعِر
(فَاشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْك التَّاج مرتفعا ... فِي رَأس غمدان دَار مِنْك محلالا)
وَمن عَجِيب خبر الشاهيني أَنه امتحن باصطناع الكيميا وَصرف عَلَيْهَا أَمْوَالًا جمة وَلم ينل مِنْهَا طائلاً وَلما تحقق استحالتها فِي ذَلِك قَالَ
(لعمري لقد جربت كل مجرب ... من النَّاس أضحى يَدعِي الْعلم بِالْحجرِ)
(فَإِن قَالَ إِنِّي وَاصل قلت كَاذِب ... غَدا واصلاً فِي الْكَذِب للشمس وَالْقَمَر)
وَكَانَ كثيرا مَا يتَمَثَّل بِهَذِهِ الأبيات من جملَة قصيدة للطغرائي فِي هَذَا الْفَنّ وَهِي
(يَا طَالب الْعلم عَلَيْهِ يَدُور ... فِي كنب الرَّازِيّ وَشرح الشذور)
(وَجَابِر مَعَ نجل وحشية ... وخَالِد الأول ذَاك الحذور)
(إِذا هُوَ السهل الْقَرِيب الَّذِي ... أمات بالحسرة أهل الْقُبُور)
كتب الرَّازِيّ فِي هَذَا الْفَنّ كَثِيرَة أشهرها سر الْأَسْرَار وَشرح الشذور الَّذِي عناه هُوَ شرح الْجلد كي لِأَنَّهُ أشهر شروحه وَأما مَتنه فَهُوَ لسيدي عَليّ بن مُوسَى بن ارْفَعْ رَأس المغربي وَجَابِر هُوَ ابْن حَيَّان الصُّوفِي عبد الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق ﵁ وَفِيه يَقُول صَاحب الشذور
(حِكْمَة أورثناها جَابر ... عَن إِمَام صَادِق القَوْل حفى)
(يُوصي طَابَ من تربته ... فَهُوَ كالمسك تُرَاب نجفى)
وَابْن وحشية أستاذ كَبِير فِي هَذَا الْفَنّ وخَالِد بن يزِيد كَانَ معاصر الجابر وَهُوَ أول من عرب الْكتب الْحكمِيَّة إِلَى لُغَة الْعَرَب وَله الدِّيوَان الْمَشْهُور بالفردوس وَكَون
стр. 214
هَذَا الْفَنّ يُوجب التحسر مِمَّا لَا يحْتَاج إِلَى تفكر وَمَا أحسن قَول مُحَمَّد بن عبد السَّلَام
(قد نكس الرَّأْس أهل الكيميا خجلاً ... وقطروا أدمعاً من بعد مَا سهروا)
(إِن طالعوا كتبا للدرس بَينهم ... صَارُوا ملوكاً إِن هم جربوا افتقروا)
(تعلقوا بحبال الشَّمْس من طمع ... وَكم فَتى مِنْهُم قد غره الْقَمَر)
وللشهاب الخفاجي
(مولَايَ مثل الكيمياء وَلَيْسَ من ... أكسيره نفع لكسرى جَابر)
(فَإِذا تصورناه فَهُوَ لنا غنى ... وَإِذا نجر بِهِ ففقر حَاضر)
والأكسير شَيْء يوضع قَلِيله على النّحاس فَيصير ذَهَبا وعَلى الرصاص فَيصير فضَّة وَقد اشْتهر فِي الكيميا وَقَالَ ابْن عَرَبِيّ بِحِصَّتِهِ وَكَذَا الشَّيْخ الْبونِي وَكثير من الْعلمَاء وَمن حوز تعاطيه شَرط أَن لَا تنْقَلب عَنهُ عَن مَعْدن النَّقْدَيْنِ بعد ذَلِك وَأنْكرهُ أَبُو حَيَّان والحافظ السُّيُوطِيّ وَالتَّحْقِيق أَن تعاطيه من غير علم يقيني عَبث وضلال وَفَسَاد وَعَن مشَاهد من أستاذ عَارِف واختبار لمعدنه بِحَيْثُ يبْقى ذَهَبا أَو فضَّة لم يتَغَيَّر وَإِذا عرض على أَرْبَاب الْخِبْرَة أَجمعُوا على أَن معدنه صَحِيح جَائِز وَنقل ابْن شَاكر عَن الْعَلامَة عبد الرَّحِيم على الشير بِابْن برهَان وَكَانَ رحْلَة فِي عُلُوم شَتَّى وَكَانَ عُرْيَان الرَّأْس أَنه قَالَ لَو كَانَ علم الكيميا حَقًا لما احتجنا إِلَى الْخراج وَلَو كَانَ علم الطلاسم حَقًا لما احتجنا إِلَى الجنذ وَلَو كَانَ علم النُّجُوم حَقًا لما احتجنا إِلَى الرُّسُل والبريد وَقد خرجنَا عَمَّا يَعْنِي إِلَى ضِدّه فلنرجع لما نَحن بصدده فَنَقُول أَن لِابْنِ شاهين قصدا غررا وَمن أحْسنهَا ديباجة قصيدته الَّتِي كتب بهَا إِلَى شيخ الْإِسْلَام يحيى بن زَكَرِيَّا يمدحه بهَا وَيطْلب مِنْهُ قَضَاء الْحَج وَقد تقدم طرف من خَبَرهَا فِي تَرْجَمَة أَحْمد بن زين الدّين المنطقي ومطلعها قَوْله
(لَا يسلني عَن الزَّمَان سؤول ... إِن عتبي على الزَّمَان يطول)
(طَال عتبي كطول عمر تجنيه ... فعتبي بِذَنبِهِ مَوْصُول)
(أنست بِي خطوبه فَلَو اغتال ... سوائي لعزني التبديل)
وَهَذَا ينظر إِلَى قَول الشريف البياضي
(ألفت الضنى لما تطاول مكثه ... فَلَو زَالَ عَن جسمي بكته الْجَوَارِح)
وَقَول أبي الطّيب المتنبي
стр. 215
(حَلَفت ألوفاً لَو رجعت إِلَى الصبى ... لفارقت شيبي مرجع الْقلب باكيا)
رَجَعَ
(وأحاطت سهامه بِي حَتَّى ... سد طرق المسام مني النصول)
رَجَعَ أَخذه من قَول المتنبي
(فصرت إِذا أصابتني سِهَام ... تَكَسَّرَتْ النصال على النصال)
(أَبْتَغِي صفوة الْحَيَاة ضلالا ... وَسَوَاد اللَّيْل لَيْسَ يحول)
رَجَعَ
(أَنا يَا دهر لست إِلَّا قناة ... لم يشنها لدي الْمَكْر النحول)
(إِن أكن فِي الحضيض أَصبَحت لي ... فِي ذرى الأوج كل حِين أجول)
(فطريقي هُوَ المجرة فِي السّير ... وَعند السماك دأبي المقيل)
(صنت نَفسِي ترفعاً عِنْد قدري ... فكثير الْأَنَام عِنْدِي قَلِيل)
(فَإِذا قيل لي فلَان ترَاهُ ... ذَا جميل أَقُول صبري الْجَمِيل)
(وفرت همتي عَليّ وعزمي ... مَاء وَجْهي فسيف عرضي صقيل)
(قد عرفت الْأَيَّام قدماً فَلَمَّا ... أَن دهتني أَبَت وَعِنْدِي الدَّلِيل)
أَخذه من قَول المتنبي
(عرفت اللَّيَالِي قبل مَا صنعت بِنَا ... فَلَمَّا دهتني لم تزدني بهَا علما)
(سلبتني بالغدر كل جميل ... غير فضلي ففاتها المأمول)
رَجَعَ
(إِن هَذَا الزَّمَان يحمل مني ... همة حملهَا عَلَيْهِ ثقيل)
(يتَأَذَّى من كَون مثلي كَأَنِّي ... أَنا مِنْهُ فِي الصَّدْر دَاء دخيل)
(فَكَأَنِّي إِذا انتضيت يراعاً ... بسنان على الزَّمَان أصُول)
(وَكَأن المداد إِذا رقمته ... أنملي والدموع مني تسيل)
(صبغة أثرت بحظي سواداً ... وأحالته وَهِي لَا تستحيل)
(لَيْتَني لَو صبغت فودي مِنْهَا ... فارعوى الشيب واستحال الفضول)
(لَا أرى أنني انْفَرَدت بِهَذَا ... كل أَيَّام دهر مثلي شكول)
وَمن شعره
(وأذكرني قدّ الْقَنَاة قوامه ... وهزني الشوق اهتزاز المهند)
(وأزعجني حَتَّى ظَنَنْت وِسَادَتِي ... عليّ وَقد أمست كقطعة جلمد)
(على أنني يَا شوق بِاللَّه عَائِد ... ومستشفع من فتنتي بِمُحَمد)
وَقَوله فِي جبهة مَحْبُوب أثرت الشَّمْس فِيهَا
(عجبت للشمس إِذْ حلت مُؤثرَة ... فِي جبهة لم أخلها قطّ للبشر)
следующие страницы →