Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
ينْهَى على رسم أولى النهى الى الْمحل الذى خصّه الْحسن والبها انه كُنَّا مجهزين اليه قبل تَارِيخه كتابا مَكْتُوبًا بمداد الصدْق والخلة وخطابا فِيهِ شِفَاء من الْعلَّة وَالْغلَّة ثمَّ قعدنا ناظرين بِمَ يرجع الْمُرْسل فَلم يظْهر مِمَّن رَحل وقفل وطلع وأفل نوع أثر من عين ونغمة خبر من ربَاب ذى رعين فَلَعَلَّ المجهز ضَاعَ فى الْبَين وَمَا ضَاعَ نشره بَين اثْنَيْنِ والا فالحبيب لَا محَالة وثيق الوفا سحيق عَن شفا جرف الجفا فَلَو وصل لوصل وَمَا قطع عروق مَا حصل ودمت يُوسُف الْحَقَائِق موفيا كيل الدقائق بَين مُتَّهم ومنجد ومشئم ومعرق وَكتب على رقْعَة دفعت اليه من بعض الْفُضَلَاء على يَد وَاسِطَة بعض خَواص الافاضل متضمنة لعتب حصل من الْمولى الْمَذْكُور يحْضرُون الى الْبَيْت ويحكون الْحِكَايَة كَيْت وَكَيْت قَضِيَّة الهجر فِرْيَة الواهمه والقطيعة من الْجِيرَان لَا من اهل كاظمه عِنْد الملاقاة تظهر الامور ولذى المصافاة يحصل شِفَاء الصُّدُور وَالسَّلَام وَكتب على اجازة لبَعض الحلبيين لما تشرفت بمطالعة هَذَا الطامور الْفَائِق على هياكل النُّور وقلائد الْحور بيمن مَا احتواه من ذكر الصَّالِحين الذى تنزل الرَّحْمَة عِنْده وَتحصل الاجور اللَّائِق كتبه بالمسك على الكافور بل سَواد أحداق الْحور على صَحَائِف قدود ربات الحجول والقصور ذكرتهم بِالدُّعَاءِ الصَّالح وَالثنَاء الْعطر الفاتح وأثنيت على صَاحبه الفائض الفالح بالمدح العبق اللائح مستمدا من روحانيتهم الْعَالِيَة متيمنا بِحسن الانتظام فى زمرتهم الساميه ومستمطرا سحب همتهم الهامية الناميه فَقلت فِيهِ مقرظا
(حققت أَن جمال الدّين من زمر ... حلوا مَحل سَواد الْقلب وَالنَّظَر)
(من أهل خرقَة تجويد بهَا ادرعوا ... والتاج بيضهم تحمى عَن الضَّرَر)
(من مشرب عبقرى بيضهم جدد ... المرتوى صدرهم من رَملَة الصَّدْر)
(المنتمين الى الباز المحلق فى ... جو الْعلَا الاشهب العالى عَن النّظر)
(طُوبَى لَهُ اذ جلا مرْآة خاطره ... بِخرقَة مِنْهُم تجلو عَن الكدر)
(جمال ذى الْعَصْر فى محياه دَامَ وَاد ... حلت شعوب جمال الْكتب وَالسير)
(بَين الالى فَرَأَوْا عزا لنظير لَهُ ... عز الفريدة فى عقد من الدُّرَر)
(فان لَهُ ينبح الحساد من حسد ... فَلَا يضر عواء الْكَلْب للقمر)
تمّ عزل عَن النقابة وَأعْطى قَضَاء مَكَّة المشرفة فسافر بحرا على طبق مَا أَمر بِهِ من
стр. 1647
قبل السُّلْطَان فَلَمَّا وصل الى ثغر جدة أدْركهُ بريد الْحمام وَذَلِكَ فى سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن على الشهير بالحزرمى الْبَصِير الدمشقى المولد والوفاة الحنفى الْفَقِيه الْعَالم الْجَلِيل الْقدر أحد شُيُوخ الْحَنَفِيَّة المتصدين للافادة أَخذ الْفِقْه عَن اجلاء كبار مِنْهُم الشَّيْخ مُحَمَّد بن العلمى نزيل دمشق وَقَرَأَ انواع الْعُلُوم على المنلا مُحَمَّد بن عبد الْملك البغدادى الدمشقى وَحصل وبرع وَلَزِمَه جمَاعَة من الْفُضَلَاء أخذُوا عَنهُ وانتفعوا بِهِ وَكَانَ أول أمره فَقِيرا فسكن فى حجرَة بمدرسة العزيزية وَاتفقَ انه دخل حجرته بعض السراق وَأخذُوا اسبابه وَبَعض دَرَاهِم كَانَ جمعهَا من كد وَجهد فَحصل لَهُ كَمَال الالم وفى اثناء ذَلِك عرض لَهُ الْعَمى وَكَانَ عروضه لَهُ فى حُدُود سنة عشْرين وَألف فعالج بَصَره مُدَّة فَمَا أَفَادَهُ العلاج فسافر الى بَغْدَاد راجيا ان يبرأ على يَد أحد فَمَا تيَسّر لَهُ فَعَاد الى دمشق ثمَّ وجهت اليه الْمدرسَة اليونسية فدرس بهَا وَكَانَ لَهُ بقْعَة بالجامع الاموى وَكَانَ قبل ان يكف ولى الخطابة بِجَامِع السُّلْطَان سُلَيْمَان مُدَّة وَكَانَت وَفَاته فى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير والحذرمى نِسْبَة الى حزر مَا بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة بعد هازاى سَاكِنة ثمَّ رَاء مَفْتُوحَة فيمَ فألف قَرْيَة بغوطة دمشق
مُحَمَّد بن مُحَمَّد الملقب نجم الدّين الحلفاوى الانصارى الحلبى الدَّار الحنفى الْمَذْهَب خطيب جَامع حلب وصدرها الْمُسْتَوْفى اقسام النباهة والبراعة وَكَانَ فى عصره أوحد الْفُضَلَاء وابلغ البلغاء وَله الصيت الذائع بالسخاء والمروءة ووفور المهابة والفتوة ذكره الخفاجة فى الخبايا فَقَالَ فى وَصفه نجم طلع من وَافق المكارم زَائِد الِارْتفَاع وَنزل منَازِل سعد رقى فِيهَا عَن قَوس الشّرف باطول ذِرَاع يقطع أوقاته فى طلب الْفَضَائِل والكمال وَلَا ينزه طرفه فى غير سَمَاء خلال أَو رياض جمال فَلَو كَانَ الْعلم بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ أَو بالعيوق لطاله ثمَّ أورد لَهُ ابياتا كتبهَا الى النَّجْم فِيهَا سُؤال نحوى والابيات هى هَذِه
(أنجما أَضَاءَت سَمَاء الرتب ... بِهِ وتسامت فخارا حلب)
(أخالى واسمى أخلا لاسمه ... وَكم من اخاء يفوق النّسَب)
(أبن كلمة قيل مَبْنِيَّة ... بِغَيْر اخْتِلَاف لَهُم أَو شغب)
(وان نعتت كَانَ اعرابها ... باعراب ناعتها مَا السَّبَب)
стр. 1648
(فتبوعها لم يزل تَابعا ... على عكس مَا فى لِسَان الْعَرَب)
(فدم نجم سعد بِرَأْس الْعلَا ... وطالع اعدائه فى الذَّنب)
فَأَجَابَهُ النَّجْم أَيْضا بقوله
(أمولاى منشى لِسَان الْعَرَب ... وقاضى دواوين أهل الادب)
(وَمن فَضله شاع فى الكائنات ... ونال بِهِ ساميات الرتب)
(سبقت الالى فى نظام القريض ... وفى كل علم بلغت الارب)
(وجادت اكفك بالنائلات ... وفاضت بهَا غاديات النشب)
(لعمرى لقد فقت كل الانام ... بذوق حلا وبفهم ثقب)
(كَانَ الْمسَائِل قطر الندا ... وفكرك كالسحب مِنْهَا انسكب)
(وَقد كنت أسمع أوصافكم ... فَلَمَّا تبدت رَأَيْت الْعجب)
(وَقد كنت فى تَعب للعلوم ... فَلَمَّا رَأَيْتُك زَالَ التَّعَب)
(وَقد شرفت بك كل الْبِلَاد ... وشاق بِفَضْلِك نَادَى حلب)
(بعثت لعبدك در النظام ... وصغت لَهُ أنجما من ذهب)
(سكرت بِخَمْر معَان صفت ... بِهِ نقط الْخط مثل الحبب)
(تضمن لغزا يُنَادى بيا ... شهَاب بن شمس حويت الطّلب)
(فَلَا زلت تنظم نثر اللآل ... وتنثر من دره الْمُنْتَخب)
(وَلَا زلت أنْشد فِيهِ المديح ... وأطوى الزَّمَان بِهِ والحقب)
(وَأثْنى عَلَيْهِ بآلائه ... وَأقرب مِنْهُ نأى أَو قرب)
(وأذهب من نور آدابه ... ظلام الدياجى وظلم النوب)
(مدى الدَّهْر مَا انقض نجم وَمَا ... شهَاب سما فى سَمَاء الرتب)
وترجمه تِلْمِيذه البديعى فَقَالَ فى وَصفه امام الْفُضَلَاء الذى بِهِ يقتدون وبأنواره من حنادس الشّبَه يَهْتَدُونَ عَالم جدد رسوم البلاغة بعد ان نسجت عَلَيْهَا العناكب واحيا ربوعها بعد أَن قَامَت عَلَيْهَا النوادب وافتتح بصوارم افكاره مقفلات صياصيها واستخرج خرائدها الممنعة بمعاقلها واسترق نَوَاصِيهَا حسن سيرته وطهر سَرِيرَته وقدزها بخطابته الْجَامِع الاكبر
(لَو أَن مشتاقا تكلّف فَوق مَا ... فى وَسعه لسعى اليه الْمِنْبَر)
وَقد نسجت افكار شعراء الْعَصْر وشائع مفاخره وخلدت فى دواوينها ظرائف
стр. 1649
مآثره وَلم تزل حَضرته الشَّرِيفَة كعبة الْجُود وسدته المنيفة قبْلَة الْوُفُود مَعَ سماحة شيم وفصاحة كلم ورجاحة كرم وَقد أصَاب شاكلة الصَّوَاب وأتى بفصل الْخطاب من قَالَ فى مدحه
(لقد بت فى الشَّهْبَاء مَا بَين معشر ... تهاب الليالى ان تروع لَهُم جارا)
(مقاديرهم بَين الانام شريفة ... وَلَكِن نجم الدّين أشرف مِقْدَارًا)
(ترى الْبشر يَبْدُو من أسارير وَجهه ... فَلَو جِئْته لَيْلًا لاهداك انوارا)
ثمَّ أنْشد لَهُ من شعره قَوْله من قصيدة
(أَتَرَى الزَّمَان يُعِيد لى ايناسى ... ويرق لى ذَاك الحبيب القاسى)
(كم قد نشرت بِهِ باسط لذائذى ... وهصرت من عطفيه غُصْن الآس)
(أَيَّام لَا غُصْن الشَّبَاب بملتو ... عَنى وَلَا حبى لعهدى ناسى)
(قطر الحيا فى وجنتيه مكلل ... مثل الْحباب على صفاء الكاس)
(ساقيته طعم المدام فَلم يشب ... صفو الْحَيَاة بكدرة الادناس)
(لم أنسه متسر بِلَا ثوب الحياه ... متبخترا فى قده المياس)
وَقَوله فى قصيدة
(نثر الدّرّ من كلامك نظما ... لم نَكُنْ بعد ورده الدَّهْر نظما)
قلت وَهُوَ مِمَّن أَخذ عَن شيخ الاسلام عمر العرضى وَغَيره وتصدر للاقراء فَانْتَفع بِهِ الجم الْغَفِير من أهل دائرته من أَجلهم الْعَلامَة مُحَمَّد بن حسن الكواكبى مفتى حلب والفاضل الاديب مصطفى الثانى وَشَيخنَا الْعَلامَة الاجل أَحْمد بن مُحَمَّد المهمندارى مفتى الشَّام وَغَيرهم وَاجْتمعَ بِهِ والدى فى عودته من الرّوم فى سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف وَذكره فى رحلته الَّتِى الفها وقرظ لَهُ عَلَيْهَا النَّجْم المترجم فَقَالَ بعد الحمدلة والتصلية وَبعد فَلَمَّا تشرفت الشَّهْبَاء بقدوم مَوْلَانَا فَخر الافاضل وعمدة الادباء الْوَارِث سلافة الْمجد عَن أَبِيه وجده الْحَائِز قصبات الرِّهَان فى ميدان البلاغة بعزمه وجده من فاق ببلاغته نثر النظام وسما فى متانة نظمه على البحترى وابى تَمام وَملك ديوَان الانشاء وَلَا بدع فَذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَكَانَ قدومه عَلَيْهَا ووروده اليها من دَار السلطنة العليه قسطنطينية المحميه راتعا طيب الْعَيْش بِحُصُول المآرب ناهلا من وُرُوده على الذ المشارب فأوقفنى على هَذِه الرحلة الَّتِى تشد اليها الرّحال وتقف عِنْدهَا مطايا الآمال فوقفت على
стр. 1650
حديقة أريجة النَّبَات وصحيفة بهيجة الصِّفَات واجلت طرفى فى الفاظ ارق من السلافه والذ من الامن بعد الاخافة وَمَعَان أحلى من لعاب النَّحْل واعذب من الخصب بعد الْمحل جمعت فَضَائِل الْآدَاب وملكت معاقل الالباب تعرب عَن بلاغة منشيها وتبلغ الانفس من امانيها فَلَا زَالَت الاعين من لقائها مبتهجة والالسن بِحسن ثنائها ملتهجة وامده الله تَعَالَى بِسَعْد لَا انْقِطَاع لحبله وأيده بمجد لَا انصداع لشمله لابرح يرتع فى رياض الْفَضَائِل ويطبق من اصول دلائله الْمسَائِل على الدَّلَائِل انْتهى وَكَانَت وَفَاته فى سنة أَربع وَخمسين وَألف وَجَاء تَارِيخ وَفَاته زفت لنجم الدّين حور الْجنان والحلفاوى بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام ثمَّ فَاء بعْدهَا ألف مَقْصُورَة قَالَ ابْن الحنبلى فى تَرْجَمَة الْعَفِيف مُحَمَّد بن أَبى النمر أخبرنى انما قيل لاجداده بَنو حلفاء لما انه كَانَ لَهُم أَب ولد فى طَرِيق الْحجاز بجوار أَرض كَانَت تنْبت الحلفاء وَلم يكن مهد يوضع فِيهِ فَكَانَت أمه تَأْخُذ شَيْئا من ورق الحلفاء وتضعه تَحت وَلَدهَا الى ان فَارَقت تِلْكَ الاراضى فسكنى بأبى حلفاء قَالَ فَنحْن بَنو أَبى حلفاء الا انه اختصر فَقيل بَنو حلفاء بِحَذْف مُضَاف قَالَ وَكَانَ أَمر أَن يكْتب فى نسبه الانصارى فى آخر وقته لما بلغه ان أَبَاهُ كَانَ من ذُرِّيَّة حباب بن الْمُنْذر بن الجموح الانصارى الخزرجى وَهُوَ الذى ذكر ابْن دُرَيْد فى تَرْجَمته فى كتاب الاسعاف انه شهد بَدْرًا قَالَ وَهُوَ ذُو الرأى سمى لمشورته يَوْم بدر ذَا الرأى
مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن طريف الصالحى الحنبلى قاضى العونية كَانَ من الْفُضَلَاء والاخيار الاتقياء عفيف النَّفس قانعا من الدُّنْيَا باليسير متجملا فى جَمِيع أُمُوره تولى نِيَابَة الْقَضَاء بمحكمة قناة العونى مُدَّة تزيد على أَرْبَعِينَ سنة وَلم ينْسب اليه مَكْرُوه قَرَأت بِخَط الشَّيْخ عبد الْحق المرزناتى أَنه أخبرهُ ان مولده فى ذى الْحجَّة سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى نَهَار الْخَمِيس تَاسِع شَوَّال سنة سبع وَخمسين وَألف بالصالحية وَصلى عَلَيْهِ بالجامع المظفرى وَدفن بالروضة من السفح قلت وَهُوَ وَالِد القاضى عبد اللَّطِيف بن طريف رَئِيس الموقعين بالعونية وامهر أهل فنه فى عصرنا الاخير مَاتَ سنة ثَمَان وَتِسْعين وَألف
مُحَمَّد على بن مُحَمَّد عَلان بن ابراهيم بن مُحَمَّد بن عَلان بن عبد الْملك بن على بن مُجَدد الْمِائَة الثَّامِنَة كَمَا هُوَ مَشْهُور على الالسنة والافواه الشَّيْخ الْمُحَقق الطيبى والخطيب التبريزى صَاحب الْمشكاة على بن مبارك شاه البكرى الصديقى العلوى سبط آل
стр. 1651
الْحسن الشافعى وَتقدم نسبهم فى تَرْجَمَة عَمه الشَّيْخ أَحْمد بن ابراهيم منظوما فَلَا حَاجَة الى اعادته وَصَاحب التَّرْجَمَة هُوَ وَاحِد الدَّهْر فى الْفَضَائِل مُفَسّر كتاب الله تَعَالَى ومحيى السّنة بالديار الحجازية ومقرى كتاب صَحِيح البخارى من أَوله الى آخِره فى جَوف كعبة الله أحد الْعلمَاء الْمُفَسّرين والائمة الْمُحدثين عَالم الرّبع الْمَعْمُور صَاحب التصانيف الشهيرة كَانَ مرجعا لاهل عصره فى الْمسَائِل المشكلة فى جَمِيع الْفُنُون وَكَانَ اذا سُئِلَ عَن مسئلة ألف بِسُرْعَة رِسَالَة فى الْجَواب عَنْهَا ولد بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن بالقراآت وَحفظ عدَّة متون فى كثير من الْفُنُون وَأخذ النَّحْو عَن الشَّيْخ عبد الرَّحِيم بن حسان قَرَأَ عَلَيْهِ شرح الاجرومية للازهرى وَشرح الْقَوَاعِد لَهُ وَشرح الفية ابْن مَالك للسيوطى وَعَن الشَّيْخ عبد الْملك العصامى قَرَأَ عَلَيْهِ شرح الْقطر للْمُصَنف وَشرح الشذور للْمُصَنف وَأخذ عَنهُ علم الْعرُوض والمعانى وَالْبَيَان وَأخذ القراآت والْحَدِيث وَالْفِقْه والتصوف عَن عَمه الامام الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى ورضى عَنهُ وَعَن الْمُحدث الْكَبِير مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن جَار الله بن فَهد الهاشمى وَالسَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم البصرى والصدر السعيد كَمَال الاسلام عبيد الله الخجندى وروى صَحِيح البخارى وَغَيره من كتب السّنَن اجازة عَن كثير من الشُّيُوخ الوافدين الى مَكَّة كالشيخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الولى جلال الدّين عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الشربينى العثمانى الشافعى وَعَن الْعَلامَة الْحسن البورينى الدمشقى وَعَن مفتى الْحَنَفِيَّة بِمصْر الشَّيْخ عبد الله النحراوى وَعَن مُحدث مصر مُحَمَّد حجازى الْوَاعِظ اجازة مِنْهُ فى سنة عشْرين والف وتصدر للاقراء وَله من السن ثَمَانِيَة عشر عَاما وباشر الافتاء وَله من السن أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَجمع بَين الرِّوَايَة والدراية وَالْعلم وَالْعَمَل وَكَانَ اماما ثِقَة من افراد أهل زَمَانه معرفَة وحفظا واتقانا وضبطا لحَدِيث رَسُول الله
وعلما بعلله وَصَحِيحه وَأَسَانِيده وَكَانَ شَبِيها بالجلال السيوطى فى معرفَة الحَدِيث وَضَبطه وَكَثْرَة مؤلفاته ورسائله قَالَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الخيارى انه سيوطى زَمَانه وَحكى تِلْمِيذه الْفَاضِل مُحَمَّد النبلاوى الدمياطى نقلا عَنهُ انه قَالَ رؤى النبى
فى الْمَنَام وَهُوَ يعْطى النَّاس عطايا فَقيل لَهُ يَا رَسُول الله وَابْن عَلان فاخذ يحثو لَهُ بِيَدِهِ الشَّرِيفَة حثيات وَقَالَ المترجم أَيْضا اخبرنى بعض الصَّالِحين عَن بَعضهم فى عَام سبع وَثَلَاثِينَ والف انه رأى النبى
فى الْمَنَام لَيْلَة السَّادِس وَالْعِشْرين من رَجَب على نَاقَته عِنْد الْحجُون سائرا الى مَكَّة
стр. 1652
فَقبل يَده الشَّرِيفَة الْكَرِيمَة وَقَالَ يَا سيد الْمُرْسلين يَا رَسُول الله النَّاس قصدُوا حضرتك الشَّرِيفَة للزيارة فلماذا وصلت قَالَ لختم صَحِيح البخارى أَو لختم ابْن عَلان شكّ الرائى ثمَّ يَوْم الْخَتْم الثَّامِن وَالْعِشْرين من رَجَب ذَلِك الْعَام حضر بعض الصَّالِحين فحصلت لَهُ وَاقعَة رأى خيمة خضراء باعلى مَا بَين السَّمَاء والارض فَسَأَلَ فَقيل هَذَا النبى
حضر لختم البخارى وَكَانَ حسن الْخط كثير الضَّبْط وانتصب للتدريس ونفع النَّاس فاخذ عَنهُ جمَاعَة كَثِيرُونَ يطول شرحهم وَقَرَأَ صَحِيح البخارى فى جَوف الْكَعْبَة أَيَّام بنائها لما انْهَدَمت فى سنة تسع وَثَلَاثِينَ من جِهَة الْحطيم وَكَانَ سَبَب هدمها مجئ السَّيْل الآتى بَيَانه فى هَذِه التَّرْجَمَة وَكَانَ اتّفق لَهُ انه قَارب ختم الصَّحِيح وَكَانَ البناؤون قد جعلُوا لَهُم سترا حَال التَّعْمِير فخطر لَهُ أَن يدْخلهُ وَيخْتم فِيهِ وَيشْرب فِيهِ القهوة فَفعل فوشى بعض اعدائه الى الشريف وَقَالُوا انه قد جعل بَيت الله حانة للقهوة فاغضبوا الشريف عَلَيْهِ فارسل فى الْحَال وأحضره وحبسه واراد أَن يُوقع بِهِ أمرا فاخذ يَتْلُو الْقُرْآن ويتوسل الى الله تَعَالَى بِنَبِيِّهِ ان يكْشف عَنهُ هَذَا الكرب فاتفق ان الشريف كَانَ قَامَ لى صَلَاة الْمغرب وَهُوَ بقصره فاهتزت أَرْكَان القصروظن السامعون انها زَلْزَلَة وَقعت فَنَادَى الشريف وزيره وَسَأَلَهُ عَن الامر فاجابه انها كَرَامَة للشَّيْخ ابْن عَلان فَلَا سمع مقَالَته قَالَ لَهُ كَيفَ يكون حَالنَا مَعَه وَقد فعلنَا بِهِ هَذِه الفعلة فَقَالَ السَّبِيل الى أَخذ خاطره اطلاقه السَّاعَة فناداه اليه واستعفى مِمَّا فعله بِهِ وانعم عَلَيْهِ فَاعْتَذر ابْن عَلان ان مَا وَقع مِنْهُ كَانَ هفوة فَلَمَّا كَانَ عِنْد الصَّباح وجده اعداؤه طَائِفًا بِالْبَيْتِ وَكَانُوا يظنون غير ذَلِك وصنف فى جَوَاز التدريس دَاخل الْبَيْت مصنفا حافلا أطنب فِيهِ الْمقَال فى هَذَا الْمقَام وَجمع فِيهِ الاقوال فى هَذَا المرام وَسَماهُ القَوْل الْحق وَالنَّقْل الصَّرِيح بِجَوَاز ان يدرس بجوف الْكَعْبَة الحَدِيث الصَّحِيح وَألف كتبا كَثِيرَة فى عدَّة فنون تزيد على السِّتين وتآليفه كلهَا غرر فَمِنْهَا التَّفْسِير سَمَّاهُ ضِيَاء السَّبِيل الى معالم التَّنْزِيل وَله رفع الالتباس بِبَيَان اشْتِرَاك معانى الْفَاتِحَة وَسورَة النَّاس وَله رِسَالَة فى ختم البخارى سَمَّاهَا الْوَجْه الصبيح فى ختم الصَّحِيح وَله فتح الْكَرِيم الْقَادِر بِبَيَان مَا يتَعَلَّق بعاشوراء من الْفَضَائِل والاعمال والمآثر ونظم انموذج اللبيب للسيوطى وَشَرحه شرحا عَظِيما ونظم ام الْبَرَاهِين سَمَّاهَا العقد الثمين ونظم عقيدة النسفى سَمَّاهَا العقد الوفى ونظم مُخْتَصر الْمنَار فى اصول الْحَنَفِيَّة ونظم ايساغوجى وَالْعقد
стр. 1653
والمدخل فى علم البلاغة للعضد وَله فتح الْوَهَّاب بنظم رِسَالَة الْآدَاب للعضد وَله شرح على تصريف الشَّيْخ مُحَمَّد البركلى الْمُسَمّى بالكفاية سَمَّاهُ حسن الْعِنَايَة بالكفاية وَشرح الاذكار للنووى ورياض الصَّالِحين وَله دُرَر القلائد فِيمَا يتَعَلَّق بزمزم وسقاية الْعَبَّاس من الْفَوَائِد وَشرح منسك النووى الْكَبِير سَمَّاهُ فتح الفتاح فى شرح الايضاح وَشرح منظومة السيوطى فى مُوَافقَة عمر رضى الله عَنهُ لِلْقُرْآنِ وَله مؤلف فى رجال الاربعين النووية ومؤلفان فى التنباك أَحدهمَا يُسمى تحفة ذوى الادراك فى الْمَنْع من التنباك وَالْآخر اعلام الاخوان بِتَحْرِيم الدُّخان والابتهاج فى ختم الْمِنْهَاج ونظم الْقطر والاجرومية وحاشية على شرحها للشَّيْخ خَالِد الازهرى ورشف الرَّحِيق من شرب الصّديق وَله مؤلف لى أجداده الى الصّديق رضى الله تَعَالَى عَنهُ وارضاه ومؤلف فِيمَن اسْمه زيد وَحسن النبا فى فضل قبا اخْتَصَرَهُ من جَوَاهِر الانباء للشَّيْخ ابراهيم الوصابى الْيُمْنَى وزهر الرِّبَا فى فضل مَسْجِد قبا والنفحات الاحديه تصدير وتعجيز الْكَوَاكِب الدريه امن تذكر جيران بذى سلم وَالْعلم الْمُفْرد فى فضل الْحجر الاسود وَله اتحاف أهل الاسلام والايمان بِبَيَان ان الْمُصْطَفى
لَا يَخْلُو عَنهُ زمَان وَلَا مَكَان وشمس الْآفَاق فِيمَا للمصطفى
من كرم الاخلاق وحاتم الفتوه فى خَاتم النُّبُوَّة والطيف الطَّائِف بتاريخ وَج والطائف ومؤلف فِيمَن أردفهم رَسُول الله
مَعَه على مركوبه سَمَّاهُ بغية الظرفا فى معرفَة الردفا وبلغوا فَوق الاربعين وَله الْمنح الاحدية بتقريب معانى الهمزية وَشرح قلادة العقيان بشعب الايمان للشَّيْخ ابراهيم بن حسن مفتى ديار الشرق والاقوال المعرفه بفضائل أَعمال عرفه وَكتاب الْفَتْح المستجاد لبغداد ومنهج من ألف فِيمَا يرسم بِالْيَاءِ ويرسم بالالف ومورد الصَّفَا فى مولد الْمُصْطَفى والنفحات العنبريه فى مدح خير البريه وعيون الافادة فى أحرف الزِّيَادَة وَشرح منظمة ابْن الشحنه فى الْمعَانى وَالْبَيَان وَشرح الزّبد وَله المنهل العذب الْمُفْرد فى الْفَتْح العثمانى لمصر وَمن ولى نِيَابَة تِلْكَ الْبَلَد وَله ثَلَاثَة تواريخ فى بِنَاء الْكَعْبَة أَحدهَا أَلفه برسم خزانَة السُّلْطَان مُرَاد وَسَماهُ باسم فِيهِ تَارِيخ عَام عِمَارَته هُوَ انباء الْمُؤَيد الْجَلِيل مُرَاد بِبِنَاء بَيت الْوَهَّاب الْجواد وأرسله الى السُّلْطَان صُحْبَة المشير بتأليفه السَّيِّد مُحَمَّد الانقروى وَسَأَلَهُ أَن يعين لَهُ من الصَّدقَات والجرايات مَا يقوم بالكفاية وان
стр. 1654
يجدد لَهُ درسا لتفسير الْكتاب الْكَرِيم وَلِحَدِيث الْمُصْطَفى
فَمَا أَجدت وَله رِسَالَة فى تَعْرِيف وَاجِب الِاسْتِثْنَاء وجائزه سَمَّاهَا فتح الْمَالِك فى تَجْوِيز طَرِيق ابْن مَالك وَله مؤلف فى السَّيْل الْمُقدم ذكره آنِفا سَمَّاهُ اعلام سَائِر الانام بِقصَّة السَّيْل الذى سقط مِنْهُ بَيت الله الْحَرَام ثمَّ لخص مِنْهُ مُجَرّد مَا وَقع فى عمَارَة الْبَيْت واعرض عَمَّا فى أَصله مِمَّا زَاد عَن بَيَان أَعمال تِلْكَ الكره من أَحْوَال عِمَارَته العشره وَمَا يتَعَلَّق بهَا من الاحكام وَجعل هَذَا الْمُخْتَصر باسم خزانَة السُّلْطَان مُرَاد وَله مؤلف فى ذَلِك أَيْضا سَمَّاهُ نشر الوية التشريف بالاعلام والتعريف بِمن لَهُ ولَايَة عمَارَة مَا سقط من الْبَيْت الشريف سَببه ان الْبَيْت الْعَتِيق لما سقط سَأَلَ الشريف مَسْعُود صَاحب مَكَّة اذ ذَاك الْعلمَاء عَن حكم عِمَارَته فاجابوا بانه فرض كِفَايَة على سَائِر الْمُسلمين ولشريف مَكَّة تعاطى ذَلِك وانه يعمره وَلَو انه من الْقَنَادِيل الَّتِى لم يعلم انها عينت من واقفها لعين الْعِمَارَة وَوَافَقَهُمْ صَاحب التَّرْجَمَة أَولا ثمَّ ظهر لَهُ ان هَذَا الْعَمَل لَا يتَوَجَّه الا الى السُّلْطَان الاعظم وَتوقف مُعظم الْعلمَاء عَن مُوَافَقَته فألف الْمُؤلف الْمَذْكُور ثمَّ بلغه توقفهم عَن دَلِيله فى ذَلِك فألف مؤلفا آخر سَمَّاهُ الْبَيَان والاعلام فى تَوْجِيه فَرضِيَّة عمَارَة السَّاقِط من الْبَيْت لسلطان الاسلام وَله فتح الْكَرِيم الفتاح فى حكم مَا سد بِهِ الْبَيْت من حصر وأعواد وألواح قَالَ الفته صَبِيحَة يَوْم الِاثْنَيْنِ سلخ رَمَضَان الى ضحوة نَهَار وَكنت فى عصر ذَلِك الْيَوْم نسخته لرئيس المعلمين على بن شمس الدّين وَبَين فِيهِ عَمَلهم أتم بَيَان وَله رِسَالَة فى الاعمال الَّتِى يحتاجها النَّائِب عَن الْعِمَارَة سَمَّاهَا فتح الْقَدِير فى الاعمال الَّتِى يحْتَاج اليها من حصل لَهُ بِالْملكِ على الْبَيْت ولَايَة التَّعْمِير وَله رِسَالَة سَمَّاهَا اسنى الْمَوَاهِب والفتوح بعمارة الْمقَام الابراهيمى وَبَاب الْكَعْبَة وسقفها والسطوح وَله رِسَالَة فى حجر اسماعيل وَكتاب النفحات الاريجه فى متعلقات بَيت ام الْمُؤمنِينَ خديجه وسارت بتآليفه الركْبَان واشتهرت بالآفاق وَله النّظم الْفَائِق فَمِنْهُ قَوْله فى بِئْر زَمْزَم
(وزمزم قَالُوا فِيهِ بعض ملوحة ... وَمِنْه مياه الْعين أحلى وأملح)
(فَقلت لَهُم قلبى يَرَاهَا ملاحة ... فَلَا بَرحت تحلو لقلبى وتملح)
وَقَوله
(يَا رب أَنْت حبست الْحسن فى قمر ... حُلْو الشمايل لَا يرثى لمن عشقه)
(أكاد أَدْعُو عَلَيْهِ حِين يهجرنى ... لَكِن لفرط غرامى تمنع الشفقه)
وَقَوله
(يَا مَالِكًا رق قلبى ... رفقا بِنَفس رقيقك ... )
стр. 1655
(الله بينى وَبَين السِّوَاك فى رشف ريقك ... )
وَقَوله
(يَا من يلم يلم فى هَوَاهُ ... وَلَا يُرَاعى الجمالا)
(بِاللَّه دعنى فانى ... لقد فنيت انتحالا)
وَله مضمنا
(كتبته ولهيب الشوق فى كبدى ... والدمع منسكب والبال مَشْغُول)
(وَقلت قد غَابَ من أهواه وَا أسفى ... بَانَتْ سعاد فقلبى الْيَوْم متبول)
وَمن املائه لنَفسِهِ قَوْله فى عقد الحَدِيث
(اذا أمسيت فابتدر الصباحا ... وَلَا تمهله تنْتَظر الصباحا)
(وَتب مِمَّا جنيت فكم أُنَاسًا ... قضوا نحبا وَقد نَامُوا صحاحا)
وَله اشعار كَثِيرَة مِنْهَا تشطير الهمزية وتخميسها وَخمْس قصيدة الشَّيْخ أَبى مَدين قدس سره وذيلها وَأنْشد لَهُ بَعضهم هَذِه الابيات
(الْمَوْت بَحر موجه طافح ... يغرق فِيهِ الماهر السابح)
(وَيحك يَا نفس قفى واسمعى ... مقَالَة قد قَالَهَا نَاصح)
(مَا ينفع الانسان فى قَبره ... الا التقى وَالْعَمَل الصَّالح)
وعَلى كل حَال ففضله وَشرف قدره مِمَّا شاع وذاع وملأ الدُّنْيَا والاسماع قَالَ البورينى فى تَارِيخه كَانَت وِلَادَته فى الْعشْرين من صفر سنة سِتّ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى نَهَار الثُّلَاثَاء لتسْع بَقينَ من ذى الْحجَّة سنة سبع وَخمسين وَألف وَدفن بالمعلاة بِالْقربِ من قبر شيخ الاسلام ابْن حجر المكى رحمهمَا الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن مفرج بن بدر وَتقدم تَمام النّسَب فى تَرْجَمَة أَخِيه أَبى الطّيب مُحدث الشَّام ومسندها الشَّيْخ الامام نجم الدّين أَبُو المكارم وَأَبُو السُّعُود بن بدر الدّين بن رضى الدّين الغزى العامرى الدمشقى الشافعى شيخ الاسلام مُلْحق الاحفاد بالاجداد المتفرد بعلو الاسناد ترْجم نَفسه فى كِتَابه بلغَة الْوَاجِد فى تَرْجَمَة وَالِده الْبَدْر فَقَالَ مولدى كَمَا رَأَيْته بِخَط شيخ الاسلام يَوْم الاربعاء حادى عشر شعْبَان المكرم سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وسط النَّهَار وَقت الظهيرة ودعا لى الْوَالِد بَعْدَمَا كتب ميلادى فَقَالَ أنشأه الله تَعَالَى وعمره وَجعله ولدا صَالحا برا تقيا وَكَفاهُ وحماه من بلَاء الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَجعله من عباده الصَّالِحين وَحزبه المفلحين وعلمائه العاملين ببركة سيد الْمُرْسلين صلى الله
стр. 1656
تَعَالَى عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه وَسلم وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل انْتهى مَا وجدته بِخَط الشَّيْخ الْوَالِد وَلَا بَأْس بِذكر شئ مِمَّا من الله تَعَالَى على بِهِ على عَادَة عُلَمَاء الحَدِيث وان كنت فى نفسى مقصرا وَعَن حلبة الْعلمَاء مقهقهرا فاقول ربيت فى حجر والدى وَتَحْت كنفه حَتَّى بلغت سبع سنوات وقرأت عَلَيْهِ من كتاب الله تَعَالَى قصار الْمفصل وَحَضَرت بَين يَدَيْهِ يَوْم عيد الْفطر عَام وَفَاته وَقلت يَا سيدى أُرِيد أَن أَقرَأ عَلَيْك من أول الْبَقَرَة الى المفلحون فَقَالَ لى يَكْفِيك الى هُنَا فأطبقت الْمُصحف بعد ان لقننى سُبْحَانَ رَبك رب الْعِزَّة عَمَّا يصفونَ وَسَلام على الْمُرْسلين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وانعم على حِينَئِذٍ بِأَرْبَع قطع فضَّة ترغيبا لى وأمرنى وَأَنا ابْن سِتّ سنوات ان أَصوم رَمَضَان ويعطينى فى كل يَوْم قِطْعَة فضَّة فَصمت مُعظم الشَّهْر وَكَانَ ذَلِك ترغيبا مِنْهُ وَحسن تربية وَصمت رَمَضَان السّنة الَّتِى مَاتَ فِيهَا الا يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ وَأَنا ابْن سبع وَبقيت اجْلِسْ مَعَه للسحور وَكَانَ يَدْعُو لى كثيرا وأحضرنى دروسه أَنا وأخى الشَّيْخ كَمَال الدّين فى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَثَلَاث وَثَمَانِينَ وَأَرْبع وَثَمَانِينَ وحدثتنى والدتى عَنهُ انه كَانَ يَقُول ان أحيانى الله تَعَالَى حَتَّى يكبر نجم الدّين أَقرَأته فى كتاب التَّنْبِيه وأجازنى فِيمَن حضر دروسه اجازة خَاصَّة وأجازنى فى حزبه الذى كتبه لمفتى مَكَّة الشَّيْخ قطب الدّين اجازة عَامَّة فى عُمُوم أهل عصره من الْمُسلمين ثمَّ ربيت بعد وَفَاته فى حجر والدتى أَنا واخوتى فأحسنت تربيتنا ووفرت حرمتنا وعلمتنا الصَّلَوَات والآداب وحرصت على تعليمنا الْقُرْآن وَجَازَت شُيُوخنَا على ذَلِك وكافأتهم وَقَامَت فى كفالتنا بِمَا هُوَ فَوق مَا تقوم بِهِ الرِّجَال مترملة علينا راغبة من الله سُبْحَانَهُ فى حسن الثَّوَاب والنوال وجزيل الْحَظ من قَوْله
أَنا أول من يفتح بَاب الْجنَّة أَلا انى أرى امْرَأَة تبادرنى فَأَقُول لَهَا مَالك وَمن أَنْت فَتَقول أَنا امْرَأَة قعدت على أَيْتَام لى رَوَاهُ أَبُو يعلى من حَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ الْحَافِظ المنذرى // واسناده حسن // ان شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَ
أَنا وَامْرَأَة سفعاء الْخَدين كهاتين يَوْم الْقِيَامَة وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ يُرِيد ابْن زُرَيْع السبابَة وَالْوُسْطَى وَامْرَأَة آمت من زَوجهَا ذَات منصب وجمال حبست نَفسهَا على يتاماها حَتَّى باتوا أَو مَاتُوا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عَوْف بن مَالك الاشجعى رضى الله عَنهُ قَالَ الخطابى السفعاء الَّتِى تغير لَوْنهَا الى الكمودة والسواد
стр. 1657
من طول الايمة يُرِيد بذلك انها حبست نَفسهَا على أَوْلَادهَا وَلم تتَزَوَّج فتحتاج الى الزِّينَة والتصنع للزَّوْج فجزاها الله عَنَّا أحسن الْجَزَاء وعوضها عَمَّا تركت من أَجله لوجهة فى دَار الْبَقَاء وساعدها على ذَلِك كُله شقيقها الخواجا زين الدّين عمر بن الخواجا بدر الدّين حسن بن سبت واجزل الينا خيرا وَكَانَت معيشتنا من ريع وقف جدنا وَملك ابينا وميراثه الذى تلقيناه عَنهُ أَحْسَنت والدتنا التَّصَرُّف فى أَمْوَالنَا وفى مؤنتنا وكسوتنا وَلم تحملنا منَّة أحد قطّ وَتقول هُوَ ببركة والدهم ثمَّ انها أعزها الله وَمد فى أجلهَا اشغلتنا بِقِرَاءَة الْقُرْآن وَطلب الْعلم فَقَرَأت الْقُرْآن على الشَّيْخ عُثْمَان اليمانى ثمَّ نقلنى الْوَالِد قبل وَفَاته الى الشَّيْخ يحيى العمارى فختمت عَلَيْهِ الْقُرْآن مَرَّات واقرأنى فى الاجرومية والجزرية والشاطبية والالفية تَصْحِيحا وحفظا لبعضهن وحفظت عَلَيْهِ مُعظم الْقُرْآن قلت وَقد تَرْجمهُ فى الْكَوَاكِب وَقَالَ انه كَانَ من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى مِمَّن تطوى لَهُ الارض قَالَ ثمَّ أخذت فى طلب الْعلم فترددت الى مجْلِس الشَّيْخ الْعَلامَة زين الدّين عمر بن سُلْطَان مفتى الْحَنَفِيَّة فَقَرَأت عَلَيْهِ الاجرومية حفظا وحلا وَشَرحهَا للشَّيْخ خَالِد ثمَّ لَزِمت درس شَيخنَا شيخ الاسلام شهَاب الدّين العيثاوى فَقَرَأت عَلَيْهِ شرح الجزرية للمكودى وقرأت عَلَيْهِ شرح الْمِنْهَاج بِتَمَامِهِ الا فرقا يَسِيرا من أواسطه وأواخره وَلَكِن سَمِعت عَلَيْهِ مَا فاتنى وقرأت عَلَيْهِ نصف شرح الْمِنْهَاج الصَّغِير الاول لشيخ الاسلام والدى وَسمعت عَلَيْهِ مَوَاضِع صَالِحَة من شرح الْمحلى وقرأت من أَوَائِل شرح الْبَهْجَة للقاضى زَكَرِيَّا وَسمعت عَلَيْهِ من أول الارشاد واوسطه بِقِرَاءَة الشَّيْخ مُحَمَّد بن دَاوُد وَصَاحبه الشَّيْخ مُحَمَّد الزوكارى الصالحيين وَسمعت عَلَيْهِ عقيدة الشيبانى بِقِرَاءَة أَبى الصفاء بن الحمصى وَله على تربية وحنو وَعطف وَهُوَ أعز شيوخى عندى وأحبهم الى جزاهم الله عَنى خيرا وقرأت عَلَيْهِ فى الحَدِيث من أول البخارى وَغَيره والى الْآن فى صحبته من سنة احدى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة ثَلَاث عشرَة سنة اطال الله صحبتنا ومتعنى بحياته ونفعنى ببركته ولزمت شَيخنَا مفتى الْفرق شيخ الاسلام أَبَا الْفضل مُحَمَّد محب الدّين القاضى الحنفى أعز الله جَانِبه فَقَرَأت شَرحه على منظومة الشَّيْخ الْعَلامَة محب الدّين ابْن الشّحْنَة كَمَا تقدم فى تَرْجَمته وَمن أَوَائِل المطول وقرأت عَلَيْهِ نَحْو ربع صَحِيح البخارى وَكتب لى بِهِ وَبِغَيْرِهِ اجازة بِخَطِّهِ وَهُوَ متع الله بحياته الى الْآن يُوصل الينا احسانه وانعامه علما وثناء ومالا وَغير ذَلِك مِمَّا لَا نستطيع مكافأته الا ان يجازيه الله
стр. 1658
عَنَّا أحسن الْجَزَاء ويمتعنا بحياته وعلومه مَا تعاقب الصَّباح والمساء وقرأت على السَّيِّد الشريف الحسيب النسيب الامام الْعَلامَة اللوذعى الْمُحَقق الفهامه قاضى الْقُضَاة فى حلب ثمَّ الْمَدِينَة ثمَّ آمد بضميمة الافتاء بهَا وَقَضَاء البيره السَّيِّد مُحَمَّد بن السَّيِّد مُحَمَّد بن السَّيِّد حسن السعودى تغمده الله تَعَالَى برحمته حُسَيْن قدم علينا دمشق الشَّام فى سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة مَوَاضِع من تَفْسِير القاضى الْعَلامَة نَاصِر الدّين البيضاوى وَمِنْهَا تَفْسِير قَوْله تَعَالَى شهد الله انه لَا اله الا هُوَ الْآيَتَيْنِ باشارته وأجازنى بمروياته مِنْهَا تَفْسِير الْمُفْتى الاعظم والامام الاقدم أَبى السُّعُود مُحَمَّد بن العمادى رَحمَه الله تَعَالَى وَلم أر فى موالى الرّوم اذكى من وَلَا ارغب فى الْعلم مِنْهُ رَحمَه الله تَعَالَى وأجازنى من المصريين شَيخنَا شيخ الاسلام شمس الدّين الرملى المصرى وَشَيخنَا الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الاستاذ الاعظم زين العابدين البكرى متع الله بحياتهما كِتَابَة الى قلت وَسمع المسلسل بالاولية من مُحدث حلب شيخ الاسلام مَحْمُود بن مُحَمَّد البيلونى الشافعى حِين قدم دمشق فى سنة سبع بعد الالف وَأَجَارَهُ بمروياته وَأخذ عَن مُحدث مَكَّة المشرفة شيخ الاسلام الشَّمْس مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الزمزمى الشافعى فى سنة سبع بعد الالف قَالَ وَفتح الله تَعَالَى على بالنظم والنثر والتأليف من سنة احدى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَذكر من شعره قَوْله
(لَو بحت بالحب الذى ... أضنى الْفُؤَاد وَكلما)
(لبكى لى الصخر الاصم وَكَاد أَن يتكلما ... )
ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك وَدخلت فى يَوْم عَرَفَة سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة على شيخ الاسلام الشَّيْخ اسماعيل النابلسى أهنيه بالعيد فَرَأَيْت عِنْده جمَاعَة مِنْهُم شَيخنَا الْعَلامَة المنلا أَسد بن معِين الدّين أَقُول فَعلم من قَوْله ذَلِك ان المنلا أَسد من مشايخه ثمَّ رَأَيْته ذكر فى تَرْجَمَة الاسد فى الْكَوَاكِب انه قَرَأَ عَلَيْهِ فى شرح الشذور لِابْنِ هِشَام ودروسا من شرح الجاربردى على الشافية ثمَّ قَالَ وَمن مؤلفاته نظم الاجرومية سميته الْحلَّة البهية واقتديت فى نظمها بوالدى لشرح الاجرومية لطيف ممزوج وَشرح الْقطر لِابْنِ هِشَام وَشرح الْقَوَاعِد لِابْنِ هِشَام ايضا وَشرح منظومة والدى فى النَّحْو نظما فى أَرْبَعَة آلَاف بَيت سميته المنحة النجمية فى شرح الملحة البدرية قرط الْعلمَاء عَلَيْهَا ومنظومة فى النَّحْو مائَة بَيت ومنظومة فى التصريف والخط كَذَلِك مائَة بَيت ونظم العقيان فى مورثات الْفقر وَالنِّسْيَان للناجى وَهُوَ غير
стр. 1659
نظم الْجد الشَّيْخ رضى الدّين ومختصر فى النَّحْو سميته الْبَهْجَة وكتبت قِطْعَة على التَّوْضِيح لِابْنِ هِشَام وَقطعَة على الشافية لِابْنِ الْحَاجِب وَشرح لامية الافعال لِابْنِ مَالك فى التصريف فى شرحين ممزوجين الاول منظوم من بَحر الاصل وقافيته فى نَحْو ألف بَيت ونظم شرح شَيخنَا عَلامَة الْعَصْر الْمُحب الحموى على منظومة الْعَلامَة الْمُحب ابْن الشّحْنَة فى الْمعَانى وَالْبَيَان ونظم فَرَائض الْمِنْهَاج فى الْفِقْه وَشرح منظومة والدى فى ضبط شَأْن الْقَاعِدَة الْفِقْهِيَّة كل مَا كَانَ أَكثر عملا أَو أشق فَهُوَ أَكثر فى الثَّوَاب وسميته تحفة الطلاب وشرحت ابياتا لصاحبنا الشَّيْخ أَبُو الوفا الحموى العبدرى فى شُرُوط تَكْبِيرَة الاحرام بالتماس مِنْهُ فى شرحين الاول منثور سميته الدرة المنيرة فى شُرُوط التَّكْبِيرَة الثانى منظوم سميته تحفة النظام فى تَكْبِيرَة الاحرام وشرحت كتاب اللآلى المبدعة فى الْكِنَايَات المخترعة لشيخ الاسلام الْجد ونظمت خَصَائِص الْجُمُعَة فى منظومة سميتها اللآلى المجتمعه ونظمت كتاب رُوَاة الاساطين فى عدم الدُّخُول على السلاطين للشَّيْخ السيوطى واختصرت كتاب المنهل الروى فى الطِّبّ النبوى لَهُ أَيْضا فى مُخْتَصر سميته الْمُخْتَار وكتبت شرحا حافلا على قَول الشَّيْخ علوان الحموى رَحمَه الله تَعَالَى
(وَشرع وَحقّ وَحقّ وَشرع ... وَجمع وَفرق وَفرق وَجمع)
(ينَال الْفَتى كل مَا يشتهى ... بتنزيه طرف وتقديس سمع)
(وَترك هوى بِاتِّبَاع الْهوى ... وتأديب نفس وتنزيه طبع)
(عَلَيْك بهَا انها انها ... جماع لخير ومفتاح جمع)
وسميته كتاب الهمع الهتان فى شرح أَبْيَات الْجمع للشَّيْخ علوان وَأعظم مؤلفاتى الْآن شرحى على ألفية التصوف لشيخ الاسلام الْجد الْمُسَمّى بمنبر التَّوْحِيد ومظهر التفريد فى شرح جمع الْجَوْهَر الفريد فى أدب الصوفى والمريد وَهُوَ كتاب حافل جمعت فِيهِ جَمِيع أَحْكَام الطَّرِيق ووفيت فِيهِ شُرُوط الشَّرْع فى عين التَّحْقِيق وَهُوَ وكل مؤلفاتى الَّتِى أَشرت اليها الْآن كوامل بِفضل الله مَا عدا شرح التَّوْضِيح وَشرح الشافية وَشرح اللآلى المبدعة لَكِن الاخير مشرف على الْكَمَال وفى عزمى الْآن أَن أكتب فى الْفِقْه كتابا حافلا وَأَنا شَارِع فى مؤلفات أُخْرَى اسْأَل الله تَعَالَى التَّوْفِيق وَمن مؤلفاتى الَّتِى كملت الْآن أَيْضا مجالسى فى تَفْسِير سُورَة الاسراء الَّتِى أمليتها فى سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة ومجالسى الَّتِى أمليتها فى السنتين
стр. 1660
بعْدهَا الى آخر سُورَة طه ثمَّ تركت تدريس مجَالِس وعظى وَجعلت أُمليهَا على مَا يفِيض الله من سيب فَضله وَيفتح وَمن مؤلفاتى أَيْضا هَذَا الْكتاب الحافل الْمُسَمّى بلغَة الْوَاجِد فى تَرْجَمَة شيخ الاسلام الْوَالِد وفى ضمنهَا أَرْبَعُونَ حَدِيثا من مسموعاتى كَمَا ترَاهَا مسطرة فى الْبَاب السَّابِع ونسأل الله تَعَالَى التَّوْفِيق وَقد قرظ أكَابِر عُلَمَاء مصر وَالشَّام على شرحى اللمحة البدرية وشرحى على منظومة ابْن الشحنه اه كَلَامه ثمَّ ذكر شَيْئا من التقاريظ أَقُول وَمن مؤلفاته أَيْضا كتاب عقد النظام لعقد الْكَلَام وَهُوَ كتاب غَرِيب الْوَضع مبْنى على مقولات للسلف فى النَّصِيحَة والزهد واشباههما ثمَّ ينظم تِلْكَ المقولات وَيذكر نظمه عِنْد آخر كل مقولة نقلت مِنْهُ أَشْيَاء مِنْهَا ذكر النووى فى تَهْذِيب الاسماء واللغات عَن الامام الشافعى انه قَالَ مَا أَفْلح فى الْعلم الا من طلبه فى الْقلَّة وَلَقَد كنت أطلب القرطاس فيعسر على وَقَالَ لَا يطْلب أحد هَذَا الْعلم بِالْمَالِ وَعز النَّفس فيفلح وَلَكِن من طلبه بذلة النَّفس وضيق الْعَيْش وخدمة الْمعلم والتواضع فى النَّفس أَفْلح قَالَ وَقلت فى مَعْنَاهُ هَذَا
(من يطْلب الْعلم بذل وضيق الْعَيْش والخدمة والانقطاع ... )
(فَهُوَ الذى يفلح لَا من غَدا ... يَطْلُبهُ بالعز والاتساع)
وَقلت
(من يطْلب الْعلم بعز الْغنى ... يبطر وَلَا يفلح بِمَا يصنع)
(للْعلم طغيان كَمَا للغنى ... وَالْعلم بالطغيان لَا ينفع)
(لَا يبلغ الْعَالم شأو الْعلَا ... الا لتقى الاروع الاورع)
وَمِنْهَا عَن أَبى سُلَيْمَان الدارانى رضى الله عَنهُ قَالَ لَو اجْتمع الْخلق جَمِيعًا أَن يضعوا عملى كَمَا عِنْد نفسى مَا قدرُوا على ذَلِك قَالَ وَقد ضمنت كَلَامه رضى الله عَنهُ فى قولى
(قل لنفسى ان تراعى ... حق ربى لن تراعى)
(انما نقص وَضعف ... وانتقاص من طباعى)
(من يضع منى ويجهد ... لم يضعنى كَمَا تضاعى)
(ان عرفانى بنفسى ... قد كفانى وعظ واعى)
(انما الدُّنْيَا مَتَاع ... لم يدم فِيهَا انتفاعى)
(انما يسْعَى لدار ... لم تضع فِيهَا المساعى)
(دَار تكريم اليها ... قد دعانى كل داعى)
стр. 1661
وَله كتاب تحبير الْعبارَات فى تَحْرِير الامارات وَهُوَ أَيْضا عَجِيب نقل فِيهِ مَا نَصه يبتلى المغتاب بِأَن يغتاب روى أَبُو الشَّيْخ بن حَيَّان فى كتاب النكت والنوادر عَن عبد الله بن وهب قَالَ قَالَ مَالك بن أنس رضى الله عَنهُ كَانَ عندنَا بِالْمَدِينَةِ قوم لَا عُيُوب لَهُم تكلمُوا فى عُيُوب النَّاس فَصَارَت لَهُم عُيُوب وَكَانَ عندنَا قوم لَهُم عُيُوب سكتوا عَن عُيُوب النَّاس فنسيت عيوبهم قلت
(عائب النَّاس وان كَانَ سليما يستعاب ... )
(والذى يمسك عَن عيب الورى سَوف يهاب ... )
(مَا دُخُول الْمَرْء فِيمَا ... لَيْسَ يعنيه صَوَاب)
وَذكر فِيهِ أَيْضا روى أَبُو الشَّيْخ أَيْضا عَن مطرف قَالَ قَالَ لى مَالك بن أنس رضى الله عَنهُ مَا تَقول النَّاس فى قلت أما الصّديق فيثنى وَأما الْعَدو فَيَقَع فَقَالَ مَا زَالَ النَّاس كَذَلِك لَهُم صديق وعدو وَلَكِن نَعُوذ بِاللَّه من تتَابع الالسن كلهَا وَقلت
(لَا ترى كَامِلا خلا ... من عَدو يعِيبهُ)
(بل لَهُ من سبابه ... وأذاه نصِيبه)
(أَحمَق النَّاس من يرى ... ان ذَا لَا يُصِيبهُ)
(وأخو الْكيس قد رجا الله عَنهُ يثيبه ... )
(حَسبه الله ربه ... فَهُوَ عَنهُ ينوبه)
وَنقل فِيهِ عِنْد ذكر امارات الصّبيان قَالَ وَمن لطائف الْعَلامَة الشَّيْخ زين الدّين عمر ابْن المظفر الوردى وَقد ولى السلطنة صبى مُمَيّز غير بَالغ
(سلطاننا الْيَوْم طِفْل والاكابر فى ... خلف وَبينهمْ الشَّيْطَان قد نزغا)
(وَكَيف يطْمع من مسته مظْلمَة ... أَن يبلغ السؤل وَالسُّلْطَان مَا بلغا)
وَله كتاب التنسيه فى التَّشْبِيه وَهُوَ كتاب بديع فى سبع مجلدات فى قطع النّصْف لم يسْبق الى تأليفه وَهُوَ أَن يذكر مَا ينبغى للانسان مَا يتشبه بِهِ من أَفعَال الانبياء وَالْمَلَائِكَة والحيوانات المحمودة وَمَا يتشبه بِهِ من اجْتِنَاب مَا يذم فعله رَأَيْته ونقلت مِنْهُ أَشْيَاء لَطِيفَة مِنْهَا قَوْله لقد مر بى فى بعض مجالسى من نَحْو عشْرين سنة أَنى دَعَوْت الله تَعَالَى فَقلت اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا من الصَّالِحين فان لم تجعلنا من الصَّالِحين فاجعلنا من المخلطين الَّذين خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا أَو مَا هَذَا مَعْنَاهُ فَبعد انْقِضَاء الْمجْلس اعْترض على بعض السامعين فَقَالَ يَا سيدى كَيفَ تَدْعُو الله أَن
стр. 1662
يجعلنا من المخلطين وَالْمَعْصِيَة مقررة فيهم قلت سُبْحَانَ الله وَالْعَمَل الصَّالح مُقَرر فيهم أَيْضا وَهُوَ أولى من أَن نَكُون من المصرين فان لم يصبهَا وابل فطل ثمَّ وقفت على كَلَام مطرف وَهُوَ مَا روى البيهقى عَن مطرف قَالَ انى لاستلقى فى اللَّيْل على فراشى وأتدبر الْقُرْآن فَأَعْرض نفسى على أَعمال أهل الْجنَّة فاذا أَعْمَالهم شَدِيدَة كَانُوا قَلِيلا من اللَّيْل مَا يهجعون يبيتُونَ لرَبهم سجدا وقياما مَا أَمن هُوَ قَانِت آنَاء اللَّيْل سَاجِدا وَقَائِمًا فَلَا أرانى مِنْهُم فَأَعْرض نفسى على هَذِه الْآيَة ﴿مَا سلككم فِي سقر قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين﴾ الى قَوْله ﴿نكذب بِيَوْم الدّين﴾ فَأرى الْقَوْم مكذبين فَلَا أرانى مِنْهُم فَأمر بِهَذِهِ الْآيَة ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا﴾ فأرجو أَن أكون مِنْهُم فحمدت الله تَعَالَى على مُوَافَقَته على ان المخلطين الْمَذْكُورين كَانُوا من أَعْيَان الانصار وَالصَّحَابَة الاخيار وأنى لنا باللحاق بأقلهم وَقَوله تَعَالَى ﴿عَسى الله أَن يَتُوب عَلَيْهِم﴾ فَعَسَى وَلَعَلَّ فى الْقُرْآن يدلان على تَحْقِيق مَا بعدهمَا باجماع الْمُحَقِّقين من الْمُفَسّرين فالتوبة مَقْبُولَة مِنْهُم بِفضل الله تَعَالَى انْتهى وَمِمَّا ذكره فِيمَا يجْتَنب التَّشْبِيه بالثيران وَنَحْوهَا من الفظاظة وجهر الصَّوْت والتكلم بِمَا لَا يَلِيق بِالْمَكَانِ وَالزَّمَان وَالنَّاس يشبهون كل فظ غليظ بليد أكول بالبقرة والثور وَتقدم فِيمَا أنشدناه عَن عبد الْحق الاشبيلى وَهُوَ
(يَا رَاكب الروع للذاته ... كانه فى أتن عير)
(يَأْكُل من كل الذى يشتهى ... كانه فى كلأ ثَوْر)
وَكنت يَوْمًا فى جمَاعَة مِنْهُم الْعَلامَة المنلا أَسد الدّين بن معِين الدّين العجمى أحد تلاميذ والدى عِنْد بعض الصُّوفِيَّة فَبَيْنَمَا المنلا أَسد يقْرَأ الْفَاتِحَة اذا فَقير من فُقَرَاء ذَلِك الصوفى صرخَ متورا فانذعر المنلا أَسد وانزعج ثمَّ الْتفت الينا وَقَالَ وَالله لم أعلم قَول فُقَرَاء الصُّوفِيَّة ثوروا من أى شئ اشتقاقه الا فى هَذَا الْوَقْت علمت انه مُشْتَقّ من لفظ الثور فانى رَأَيْت هَذَا الرجل الْآن خار خوارا كانه ثَوْر وَذكر ان بعض الوعاظ كَانَ يعظ طَائِفَة من النَّاس وَهُوَ يلقى الْكَلَام فَنظر مِنْهُم اعراضا ولغطا فَأَرَادَ أَن يستبطنهم فَقَالَ أَلا اسمعوا يَا بقر فَقَالَ بَعضهم قل يَا ثَوْر ونقلت من خطه قَالَ أوردت فى بعض مجالسى هَذَا الحَدِيث " يَقُول الله تَعَالَى للحفظة يَوْم الْقِيَامَة اكتبوا لعبدى كَذَا وَكَذَا من الاجر فَيَقُولُونَ رَبنَا لم نَحْفَظ ذَلِك عَنهُ وَلَا هُوَ فى صحفنا فَيَقُول انه نَوَاه وَقلت على هَذَا بديهة حَتَّى كَانَ المنسد على لسانى ينشد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ
стр. 1663
(تلومونى على فعل ... بفرط اللوم ولعتب)
(وَلم تدروا الذى بينى ... وَبَين الله فى قلبى)
وَحكى انه رأى النبى صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وعَلى آله وَسلم فى النّوم فى لَيْلَة مرَّتَيْنِ فأنشده يَقُول
(لَئِن تقضى زمن أَنْت فِيهِ ... فان آثارك تكفى النبيه)
(من تبع الْآثَار مِنْك اهْتَدَى ... وَمن أَبَاهُ فَهُوَ فى أى تيه)
(صلى عَلَيْك الله يَا سيدى ... مُسلما مَا فَاه بالنطق فِيهِ)
أَصله فِيهِ بالحركة الظَّاهِرَة وَله فَوَائِد منظومة كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله جَامعا آدَاب العيادة للْمَرِيض وهى
(ان تعد يَوْمًا مَرِيضا فَلْيَكُن ... فى زمَان لَاق فِيهِ أَن تعود)
(واطرق الْبَاب بِرِفْق ثمَّ بِاسْمِك صرح مَا صديق كالحسود ... )
(واغضض الطّرف وَلَا تكْثر اذا ... من سُؤال ثمَّ خفف فى الْقعُود)
(لَا تكلم فى الذى يضجره ... أَوله فِيهِ ارتياب فى الْوُجُود)
(ضع عَلَيْهِ يدك الْيُمْنَى وَعَن ... حَاله سَله على وَجه يجود)
(أظهر الرقة وسع مُدَّة ... وعدنه بالعوافى ان تعود)
(وأشر بِالصبرِ حذر جزعا ... وادع بالاخلاص مَوْلَاك الْوَدُود)
(تِلْكَ آدابك ان عدت وَمن ... يحفظ الْآدَاب يُرْجَى أَن يسود)
وَله التَّارِيخ الذى أَلفه فى أَعْيَان الْمِائَة الْعَاشِرَة وَسَماهُ بالكواكب السائرة والذيل الذى سَمَّاهُ لطف السمر وقطف الثَّمر من تراجم أَعْيَان الطَّبَقَة الاولى من الْقرن الحادى عشر والثانى أحد مَادَّة تاريخى هَذَا وكلا الاثرين لَهُ جيد جزاه الله على صنعهما خيرا الا انهما يحتاجان الى تَنْقِيح وَحسن ضبط فان فيهمَا الغث وتكرير بعض تراجم وَبَعض سَهْو فى الوفيات وَمَا خا لله الا انه أَجَاد كل الاجادة فى هَذَا الْجمع على كل حَال وَأما مَا فِيهِ من بعض الاغراض فقد عرفت بهَا المؤرخون فى الماضى وَأَبْرَأ أَنا مِنْهَا فى الْحَال وأماما فِيهِ من بعض الاغراض فقدعرفت بهَا المؤرخون فى الماضى وَأَبْرَأ مِنْهَا فى الْحَال وَمن نظر فى كتابى بِعَين الرِّضَا عرف انى أتلافى كثيرا مِمَّا مضى وَبِاللَّهِ أستعين واستدفع الْمَكْرُوه واسأله أَن يبيض وجهى يَوْم تبيض الْوُجُوه عودا ثمَّ تصدر للاقراء والتدريس فدرس بالشامية البرانية تفرغ لَهُ عَنْهَا الشهَاب العيثاوى اخْتِيَارا وَكَذَلِكَ فرغ لَهُ عَن تدريس
стр. 1664
بالعمرية وَعَن امامة بالجامع الاموى وَعَن وعظ بِهِ بعد ان وليه عَن الشَّيْخ أَحْمد ابْن الطيبى ثمَّ ولى العيثاوى الْوَعْظ أَيْضا عَن الشَّمْس الداودى ففرغ لَهُ وَلابْن اخته الْبَدْر الموصلى وَأذن لَهُ العيثاوى بِالْكِتَابَةِ على الْفَتْوَى قبل وَفَاته بِنَحْوِ عشْرين سنة فَكتب فى هَذِه الْمدَّة على فَتْوَى وَاحِدَة فى الْفِقْه وَغير وَاحِدَة فى التَّفْسِير تأدبا مَعَ العيثاوى فَلَمَّا كَانَ قبل وَفَاته بِنَحْوِ خَمْسَة أَيَّام دخل النَّجْم عَلَيْهِ فَحَضَرت فَتْوَى فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ عَلَيْهَا فَكتب وَقَالَ اكْتُبْ اسمكم قَالَ بل اكْتُبْ اسْمك فَكَتبهُ ثمَّ تَتَابَعَت عَلَيْهِ الْفَتَاوَى فاستمر يُفْتى من سنة خمس وَعشْرين وَألف الى سنة احدى وَسِتِّينَ وهى سنة وَفَاته وَكَانَ مغرما بِالْحَجِّ الى بَيت الله الْحَرَام وانفق لَهُ مَرَّات فَأول حجاته كَانَت فى سنة احدى وَألف قَالَ فى تَرْجَمَة وَالِده فى الْكَوَاكِب بمناسبة وَقع لنا اتِّفَاق غَرِيب وَهُوَ أَنا حجَجنَا فى سنة احدى وَألف وهى أول حجَّة حججتها وَكُنَّا نترجى أَن يكون عَرَفَة يَوْم الِاثْنَيْنِ فَرَأَيْنَا هِلَال ذى الْحجَّة لَيْلَة السبت وَكَانَ وقوفنا بِعَرَفَة يَوْم الاحد وَهُوَ خلاف مَا كَانَ النَّاس يتوقعونه فَقلت لبَعض اخواننا من أهل مَكَّة وَغَيرهم ظهر لى اتِّفَاق غَرِيب وَهُوَ ان الله تَعَالَى قدر الْوُقُوف يَوْم الاحد فى هَذَا الْعَام لانه عَام أحد بعد الالف فاستحسنوا ذَلِك وَقلت مُقَيّدا لهَذَا وَهُوَ
(لقد حجَجنَا عَام ألف وَأحد ... وَكَانَت الوقفة فى يَوْم الاحد)
(الْيَوْم وَالْعَام توافقا مَعًا ... فجل مَوْلَانَا الْمُهَيْمِن الاحد)
قلت والموافقة الثَّالِثَة انها اُحْدُ وَقْفَة بِعَرَفَة وسافر الى حلب مَعَ شَيْخه العيثاوى فى جمَاعَة من مَشَايِخ دمشق مِنْهُم السَّيِّد مُحَمَّد بن عجلَان نقيب الاشراف وَالسَّيِّد ابراهيم بن مُسلم الصمادى وَالسَّيِّد أَحْمد بن على الصفورى فى آخَرين الى الْوَزير مُحَمَّد باشا بِقصد رفع التَّكْلِيف عَن أهل دمشق بِسَبَب السّفر الْعَجم الْوَاقِع ذَلِك فى سنة خمس وَعشْرين وَألف وَلما وجهت عَنهُ الشامية للشمس الميدانى كَمَا ذَكرْنَاهُ فى تَرْجَمَة الميدانى سَافر الى الرّوم فى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَقرر فى الْمدرسَة الى ان جَاءَ الميدانى تقريرا آخر فاشتركا فى الْمَعْلُوم ثمَّ لم تمض سنة الا مَاتَ الميدانى فاستقل بِالْمَدْرَسَةِ وَجلسَ مَكَان الميدانى تَحت الْقبَّة فى الْجَامِع الاموى لاقراء صَحِيح البخارى فى الاشهر الثَّلَاثَة رَجَب وَشَعْبَان ورمضان وَرَأس الرياسة التَّامَّة وَلم يبْق من أقرانه الشَّافِعِيَّة أحد وهرعت اليه النَّاس والطلبة وَعظم قدره وَبعد صيته وَكَانَ قارى الدَّرْس بَين يَدَيْهِ السَّيِّد أَحْمد بن على الصفورى ثمَّ الشَّيْخ الامام رَمَضَان بن عبد الْحق العكارى ثمَّ
стр. 1665
الشَّيْخ الْعَالم مصطفى بن سوار وَكَانَت مُدَّة جُلُوسه تَحت قبَّة النسْر سَبْعَة وَعشْرين سنة وَهُوَ قَادر مُدَّة الميدانى وَهَذَا من غَرِيب الِاتِّفَاق وانتفع النَّاس بِهِ وَأخذُوا عَنهُ طبقَة بعد طبقَة وهم فى الْكَثْرَة لَا يحوم الا حِصَار حَولهمْ وَقد مر مِنْهُم فى كتَابنَا جمَاعَة وسيأتى جمَاعَة وَكَانَ لَهُ بالحجاز الصيت الذائع وَالذكر الشَّائِع وَحكى الشَّيْخ الْعَالم التقى الشَّيْخ حَمْزَة بن يُوسُف الدومانى ثمَّ الدمشقى الحنبلى أبقاه الله تَعَالَى غير مرّة أَنه لما حج فى سنة تسع وَخمسين وَألف كَانَ النَّجْم حَاجا تِلْكَ السّنة وهى آخر حجاته وَكَذَلِكَ الشَّيْخ مَنْصُور السطوحى الْمحلى كَانَ حَاجا قَالَ وَكنت صُحْبَة الشَّيْخ مَنْصُور فَبَيْنَمَا أَنا ذَات يَوْم عِنْد الشَّيْخ مَنْصُور بخلوة عِنْد بَاب الزِّيَادَة واذا بحس ضجة عَظِيمَة قَالَ فَخرجت فَنَظَرت واذا بالشيخ النَّجْم بَينهم وهم يَقُولُونَ لَهُ أجزنا وَمِنْهُم من يَقُول هَذَا حَافظ الْعَصْر وَمِنْهُم من يَقُول هَذَا حَافظ الشَّام وَمِنْهُم من يَقُول هَذَا مُحدث الدُّنْيَا فَوقف عِنْد بَاب الزِّيَادَة وَقَالَ لَهُم أجزتكم بِمَا تجوز لى رِوَايَته بِشَرْطِهِ عِنْد أَهله بِشَرْط أَن لَا يلحقنا أحد حَتَّى نطوف ثمَّ مَشى الى المطاف فَمَا وصل اليه الا وَخَلفه اناس اكثر من الاولى فَوقف وَأَجَازَهُمْ كَمَا تقدم وَقَالَ لَهُم بِشَرْط ان لَا يشغلنا أحد عَن الطّواف قَالَ فَوقف النَّاس وَطَاف الشَّيْخ قَالَ وَلم يكن يطوف مَعَ الشَّيْخ الا اناس قَلَائِل كانما أخلى لَهُ المطاف فَلَمَّا فرغ من الطّواف طلبُوا مِنْهُ الاجازة أَيْضا فأجازهم ثمَّ أرسل الشَّيْخ مَنْصُور وَدعَاهُ الى الْخلْوَة فَذهب ولحقه النَّاس الى بَاب الْخلْوَة وطلبوا مِنْهُ الاجازة فاجازهم وَدخل الْخلْوَة ثمَّ جَاءَ الشَّمْس مُحَمَّد البابلى ثمَّ بعد هنيئة جَاءَ الشريف زبد صَاحب مَكَّة فَلَمَّا اسْتَقر بهم الْمجْلس تَذَاكَرُوا أَمر السَّاعَة فاخذ الشَّمْس البابلى فى الْكَلَام فَقَالَ النَّجْم بِصَوْت مزعج وَقد جلس على ركبته وَشرع يُورد أَحَادِيث السَّاعَة بأسانيد وعزوها لمخرجيها وَيتَكَلَّم على مَعَانِيهَا حَتَّى بهر الْعُقُول وَأطَال فى ذَلِك ثمَّ لما فرغ قَالَ البابلى تجيزونا يَا مَوْلَانَا بِمَا لكم وَكَذَلِكَ استجازه الشَّيْخ مَنْصُور والشريف زيد وَأَنا وَمن حضر فاجاز الْجَمِيع ثمَّ قدم لَهُم الشَّيْخ مَنْصُور من عِنْده سماطا وأردفه الشريف زيد باشياء من المآكل فَلَمَّا فرغوا انْصَرف الشَّيْخ النَّجْم وبقى البابلى فَقَالَ للشَّيْخ سُبْحَانَ الله مَا هَذَا الا عَن نبأ عَظِيم فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ مَنْصُور أَنا كنت اذا رَأَيْت كتبه وتصانيفيه اعْجَبْ مِنْهَا واذا اجْتمعت بِهِ لَا يتَكَلَّم الا قَلِيلا فاعجب من ذَلِك وَلَكِن الْآن تحقق عندى علمه وَحفظه انْتهى وَكَانَ قبل مَوته بست سنوات أَو سبع سنوات اعتراه طرف فالج فَكَانَ لَا يتَكَلَّم الا قَلِيلا فعد
стр. 1666
هَذَا الْمجْلس وَكَثْرَة الْكَلَام فِيهِ بالمناسب لما هم بصدده من غير توقف وَلَا تلعثم كَرَامَة لَهُ وَهُوَ مَحل الْكَرَامَة فقد أخبر بعض الثِّقَات انه سَأَلَ بعض الصَّالِحين عَن الابدال بِالشَّام فعد مِنْهُم ثَلَاثَة احدهم النَّجْم وَمَا اشْتهر من ان سُكُوته بذلك الْعَارِض كَانَ من الشَّيْخ حُسَيْن بن فرفره كَمَا ذَكرْنَاهُ فى تَرْجَمَة الشَّيْخ حُسَيْن لَا يقْدَح فى ولَايَته كَمَا يظنّ وَلَعَلَّ ذَلِك كَانَ سَببا لولايته فى مُقَابلَة انكسار حصل لَهُ وَتوجه الى الْقُدس قرب مَوته هُوَ وَالشَّيْخ ابراهيم الصمادى فى جمعية عَظِيمَة وَنزلا الى الرملة وزارا تِلْكَ الْمعَاهد ورجعا الى دمشق فتخلى النَّجْم لِلْعِبَادَةِ وَترك التَّأْلِيف وَبَلغت بِهِ السن الى الْهَرم وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ خَاتِمَة حفاظ الشَّام وَكَانَت وَفَاته يَوْم الاربعاء ثامن عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة احدى وَسِتِّينَ وَألف عَن ثَلَاث وَثَمَانِينَ سنة وَعشرَة أشهر وَأَرْبَعَة أَيَّام وَدفن بمقبرة الشَّيْخ ارسلان رضى الله عَنهُ وَمن غَرِيب مَا اتّفق لَهُ فى درسه تَحت الْقبَّة ان الشَّمْس الداودى كَانَ وصل فى قِرَاءَته البخارى الى بَاب كَانَ
اذا صلى لَا يكف شعرًا وَلَا ثوبا ودرس بعده الشَّمْس الميدانى من ذَلِك الْبَاب الى بَاب مَنَاقِب عمار بن يَاسر وَتوفى ودرس من بعده النَّجْم الى ان اكمله فى ثَلَاث سنوات ثمَّ افتتحه وختمه واعاد قِرَاءَته الى أَن وصل الى بَاب الْبكاء على الْمَيِّت وَوَقع لَهُ قبل مَوته بيومين انه طلع الى بساتينه أوقاف جده واستبرأ الذِّمَّة من الفلاحين وَطلب مِنْهُم الْمُسَامحَة وفى الْيَوْم الثانى دَار على أَهله ابْنَته وبنتها وَغَيرهم وزارهم وأتى الى منزله بَيت زَوجته أم القاضى يحيى بن حميد بزقاق الْوَزير الْآخِذ الى سوق جقمق وَصلى الْمغرب ثمَّ جلس لقِرَاءَة الاوراد وَأخذ يسْأَل عَن اذان الْعشَاء وَأخذ فى ذكر لَا اله الا الله وَهُوَ مُسْتَقْبل الْقبْلَة ثمَّ سمع مِنْهُ وَهُوَ يَقُول بالذى أرسلك ارْفُقْ بى فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فرأوه قد قضى نحبه ولقى ربه رَحْمَة الله تَعَالَى ورثاه جمَاعَة من الْفُضَلَاء مِنْهُم الاديب مُحَمَّد بن يُوسُف الكريمى رثاه بقصيدة طَوِيلَة مطْلعهَا
(لما لجنات العلى ... شيخ الشُّيُوخ انتقلا)
وَجعل تَارِيخ الْوَفَاة فى بَيت هُوَ آخر القصيدة وَهُوَ هَذَا
(يَا نجم دين الله من ... أفق دمشق أَفلا)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن خضر بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن على القاضى بدر الدّين المناشيرى الصالحى الشافعى الْفَقِيه الاخبارى كَانَ من الْفُضَلَاء المثابرين على الافادة والاسفادة قَرَأَ الْكثير واخذ عَن
стр. 1667
النَّجْم الغزى وَالشَّيْخ على القبردى وَالشَّيْخ مُحَمَّد الاسطوانى وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن بليان وَغَيرهم وَضبط وَقيد وَكتب الْكثير وانتفع بِهِ جمع وَولى قَضَاء الشَّافِعِيَّة بمحكمة بَاب قناة العونى وَكَانَ لَا يفتر عَن حُضُور مجَالِس الْعلم ويذاكر بأدب ولطف تَعْبِير وَكَانَ نقى الْعرض مِمَّا ابتلى بِهِ كثير من قُضَاة المحاكم سَاكِنا قَلِيل التَّكَلُّم وَله قُوَّة حافظة للاخبار والاشعار فاذا فاوضه أحد فى شئ من ذَلِك جاش مجره ووقفت على مَجْمُوع بِخَطِّهِ يبلغ سِتِّينَ كراسا جمع فِيهِ كل غَرِيبَة ووقف عَلَيْهِ بعض الظرفاء فَكتب عَلَيْهِ زنبيل الاعمال فَلَمَّا رأى الْكِتَابَة كتب تحتهَا الصَّالِحَة ان شَاءَ الله تَعَالَى وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مَجْمُوع نَوَادِر وَكَانَت وِلَادَته كَمَا قرأته بِخَطِّهِ يَوْم الثلاثا بَين الظّهْر وَالْعصر رَابِع عشر شهر ربيع الثانى سنة سبع وَعشْرين وَألف وَتوفى سنة سبع وَسبعين وَألف وَدفن بسفح قاسيون وأرخ بَعضهم وَفَاته بقوله
(نجل المناشيرى لما قضى ... فَقلت من لهفى بدمع سجام)
(عساك يَا ذَا الطول مذ أَرخُوا ... بوأت بدر الدّين دَار السَّلَام)
والمناشير نِسْبَة الى المناشير وهى رقاع الاحكام وَكَانَ جده خضر الادنى كَاتب الانشاء بالديار المصرية وَكَانَ صَاحب فضل وأدب رحمهمَا الله تَعَالَى مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد العيثاوى الدمشقى كَانَ عَلامَة فهامة فى جَمِيع الْعُلُوم أحد عَن النَّجْم وأخيه أبي الطّيب الغزبين وَعَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى وَالشَّيْخ رَمَضَان العكارى وَالشَّيْخ أَحْمد البهنسى وَالشَّيْخ على القبردى والمنلا حسن الكردى والمنلا أَحْمد بن حيدر الظهرانى وَالسَّيِّد حسن الحجار وَمن الواردين عَن السرى الدرورى المصرى وَالشَّيْخ غرس الدّين الخليلى المدنى ومشايخه يزِيدُونَ على الثَّمَانِينَ وفَاق أقرانه فى الاخذ بانواع الْفُنُون ودرس وَأفَاد وانتفع بِهِ جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد مُحَمَّد بن حسن بن عجلَان النَّقِيب وَكَانَ كثير الثَّنَاء عَلَيْهِ وانتفاعه كَانَ بِهِ وَكَانَ متصلبا فى أَمر الدّين قوالا بِالْحَقِّ لَا تَأْخُذهُ فى الله لومة لائم وَمِمَّا اتّفق لَهُ انه دخل مرّة على محافظ الشَّام فى مصلحَة مُتَعَلقَة بالخانقاه السمساطية وطعامها فتشاغل الباشا عَنهُ بأوراق فمسك الباشا من طوقه وجذبه وَقَالَ لَهُ انْظُر فى أَمر هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاء واقض مصلحتهم فَالْتَفت اليه وَقضى لَهُ مَا جَاءَ فِيهِ وَدخل مرّة اخرى على حَاكم آخر بِسَبَب معاليم الْجَامِع الاموى وَكَانَ سِنَان باشا المتولى عَلَيْهِ كتب بهَا دفترا وَأَرَادَ قطع شئ مِنْهَا فَوجدَ الباشا ينظر فى دفتر المتولى ويتأمله فَجَذَبَهُ أَيْضا من طوقه وَقَالَ لَهُ
стр. 1668
لَا تلْتَفت الى مَا كتبه هَذَا الظَّالِم وَكَانَ حَاضرا فى الْمجْلس وَانْظُر الى عباد الله بِنور الله فَعمل على مُرَاده وَترك مَا أَرَادَ المتولى وَله من هَذَا الْقَبِيل أَشْيَاء أخر وَله تحريرات على التَّفْسِير وَغَيره لَكِنَّهَا لم تجمع وَذَهَبت وَولى آخر أمره تدريس البخارى فى الاشهر الثَّلَاثَة تَحت قبَّة النسْر بِجَامِع بنى أُميَّة ودرس وَكَانَ يُقرر تقريرا جيدا الا انه كَانَ ضيق الْعبارَة وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْخَمِيس رَابِع شهر ربيع الاول سنة ثَمَانِينَ وَألف بداء الاسْتِسْقَاء وَدفن بتربة بَاب الصَّغِير
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن عَلَاء الدّين أَبُو الْيُسْر الملقب كَمَال الدّين العسيى القدسى ينتهى نسبه الى الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الصنابحى ذكره ابْن قيم الجوزية فى صفة الصفوة كَانَ عَالما مُحدثا حَافِظًا لكتاب الله تَعَالَى محبا للْفُقَرَاء وَالصَّالِحِينَ محسنا اليهم اجازه جده الشَّيْخ ابْن قاضى الصَّلْت الامام بِالْمَسْجِدِ الاقصى بِحَدِيث الاولية وَكَانَ عمره اذ ذَاك اثنتى عشرَة سنة رَحل إِلَى مصرفى سنة خمس وَخمسين وَألف هُوَ وَأَخُوهُ يُوسُف وَأخذ بهَا الحَدِيث عَن المعمر الشَّيْخ اسماعيل بن ماضى بن يُونُس بن اسماعيل ابْن خطاب السنجيدى الشافعى خطيب جَامع الْحَاكِم وَله اجازات جمة من عُلَمَاء الازهر مِنْهُم الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الْيُمْنَى اجازه فى القراآت السَّبع وَمِنْهُم الْبُرْهَان اللقانى وَالشَّيْخ ابراهيم البيجورى شيخ الْقُرَّاء بمقام الامام الشافعى وَكَانَ مواظبا لزيارته فى كل لَيْلَة سبت وَالْقِرَاءَة مَعَه فى المقرأ الْكَبِير وَولى الامامة بِالْمَسْجِدِ الاقصى وَحج ثَلَاث مَرَّات وَأخذ بِمَكَّة عَن ابْن عَلان الصديقى وَاجْتمعَ القطب الْغَوْث بِمَكَّة فى الْمرة الثَّالِثَة ودعا لَهُ بِحسن الخاتمة فجَاء من الْحَج فى تِلْكَ السّنة وهى سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف متوعكاً وَتوفى فى شهر بيع الاول من تِلْكَ السّنة
مُحَمَّد ميرزا بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالسروجى الدمشقى الميدانى كَانَ فى ابْتِدَاء أمره وَهُوَ بِدِمَشْق يشْتَغل السُّرُوج ويبيعها ثمَّ طلب الْعلم وَأخذ عَن الشيم الميدانى والنجم الغزى وَعَن أَبى الْعَبَّاس المقرى وَأَجَازَهُ بِجَمِيعِ مؤلفاته ومروياته وَأخذ عَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الْمُحَقق الصوفى عبد الله الرومى البوسنوى شَارِح الفصوص الشهير بعبدى ﵀ ورحل الى الْحَرَمَيْنِ وَأخذ بِمَكَّة عَن الشَّيْخ الولى الْكَامِل تَاج الدّين النقشبندى قدس الله روحه وَنور ضريحه وَأخذ بِالْمَدِينَةِ المنورة عَن الشَّيْخ غرس الدّين الخليلى وجاور بِالْمَدِينَةِ نَحْو أَرْبَعِينَ سنة وَكَانَ يحجّ غَالب السنين وَكَانَ تقيا ورعا زاهدا فى الدُّنْيَا ورياستها ملازما لِلْعِبَادَةِ وَالذكر كثير المطالعة
стр. 1669
لكتب الْقَوْم خَبِيرا باصطلاحاتهم محققا لكتب الْحَقَائِق لَا سِيمَا كتب الشَّيْخ الاكبر قدس الله سره الْعَزِيز وَكَانَ يحل المشكلات الَّتِى يستشكلها غَالب النَّاس وَأقَام بِمَكَّة سِنِين قَالَ الشلى وَأخذت عَنهُ وصحبته مُدَّة مجاورته وَكَانَ حسن الاخلاق متواضعا مشتغلا بِمَا يعنيه وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة فى سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بالمعلاة
مُحَمَّد المرابط بن مُحَمَّد بن أَبى بكر أَبُو عبد الله شهر بالصغير الدلائى الفشتالى المغربى المالكى نادرة الدَّهْر وفريد العضر لم يَأْتِ من الْمغرب فى هَذَا الْعَصْر لَهُ شَقِيق فَهُوَ لعمرى بِجمع الْفَضَائِل حقيق لَهُ حسب تليد وَبَاعَ فى الْمجد طَوِيل مديد لَهُ فى كل علم سهم مُصِيب وحذق عَجِيب خُصُوصا علم الْعَرَبيَّة فانه رَأس المؤلفين فى زَمَانه وَسَار ذكره مسير الْمثل بَين اقرانه روى عَن جمع مِنْهُم وَالِده الْعَلامَة الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد وَعَن امام الْمغرب أَبى عبد الله مُحَمَّد المغربى بن يُوسُف أَبى المحاسن الفاسى وَعَن الولى أَبى مُحَمَّد عبد الهادى بن عَالم الغرب فى الحَدِيث أَبى مُحَمَّد عبد الله بن على بن طَاهِر السجلماسى واشتهر فى الْآفَاق وانتفع بِهِ خلق كَثِيرُونَ من أفاضل الْمغرب وَقدم الْقَاهِرَة فى سنة ثَمَانِينَ وَألف فَأقبل عَلَيْهِ فضلاؤها واستفاد مِنْهُ نجباؤها وَجرى بنيه وَبَين الْعَلامَة الشهَاب البشبيشى مطارحات واسئلة منظومة فى فنون الْعَرَبيَّة وَكَانَ أَخُوهُ مُحَمَّد الْحَاج بن مُحَمَّد بن أَبى بكر سُلْطَان فاس ومكناس وَالْقصر وَمَا والاها من أَرض الدلا وسلا وَغَيرهَا من أَرض الْمغرب وَمكث ملكا نَحْو أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ انتزع الْملك مِنْهُ مولاى رشيد الشريف الْحسنى كَمَا انتزعه من غَيره وحبسه الى أَن مَاتَ مسجونا وَخرب مدينتهم الْمَعْرُوفَة بالزاوية كَمَا أسلفناه فى تَرْجَمَة مولاى رشيد ورحلوا باجمعهم الى تلمسان وَورد مَعَه الى مصر ابْن أَخِيه عبد الله بن مُحَمَّد الْحَاج وَكَانَ أَمِيرا بِمَدِينَة سلا وَمَا والاها من قبل وَالِده وَله ولد اسْمه مُحَمَّد كَانَ من أكَابِر الافاضل تصدر لقِرَاءَة الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وَله // شعر حسن // وللسيخ مُحَمَّد المرابط مصنفات مِنْهَا نتائج التَّحْصِيل فى شرح التسهيل وَفتح اللَّطِيف للبسط والتعريف والمعارج المرتقيات الى معالى الورقات وَالْبركَة البكرية فى الْخطب الوعظية والدرة الدرية فى محَاسِن الشّعْر وغرائب الْعَرَبيَّة وَفصل الْخَصْمَيْنِ فى مُتَعَلق الظرفين والدلائل القطعية فى تَقْرِير النصب على الْمَعِيَّة والتحرير الاسمى فى اعراب الزَّكَاة اسْما وَرفع اللّبْس عَن وُرُود تفعل
стр. 1670
بِمَعْنى فعل وَالْعَكْس وَله غير ذَلِك وَله ديوَان كَبِير الحجم من طالعه عرف فى البلاغة مَكَانَهُ مِنْهُ قَوْله
(سبحت اذ أَوْمَضْت للصب عَيْنَاك ... وكدت أقضى هوى من حسن مرآك)
(يَا من ثملت براح من لواحظها ... لله مَا فعلت فِينَا حمياك)
(أفردت حسنا كَمَا أفردت فِيك صفا ... ودو حاشاى من شرك وحاشاك)
(تكاملت فِيك أَوْصَاف جللت بهَا ... عندى فسبحان من بالْحسنِ حلاك)
(يَا أُخْت ظبى النقاد لَا وفرط بهَا ... ردى ودائع قد أودعتها فَاك)
(وَلَا تجورى فَأَنت الْيَوْم مالكة ... ذوى الصبابات واستبقى رعاياك)
وَاجْتمعَ بِهِ الاخ الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله لَا برح رونق الادب ومبلغ السؤل والارب وَكتب اليه أبياتا يستدعى مِنْهُ الاجازة مطْلعهَا قَوْله
(مليك نحاة الْعَصْر عَلامَة الدَّهْر ... وَيَا علما فى الْفضل مُرْتَفع الذّكر)
مِنْهَا
(وقبلك مَا كَانَ ابْن مَالك هَكَذَا ... وَعَمْرو نسيناه وَعَاد بِلَا بكر)
(أجزنى بِمَا ألفته وقرأته ... على السَّادة الاعلام اشياخك الغر)
(بقيت بَقَاء الدَّهْر يَا غَايَة المنى ... وَبَلغت مَا تهواه يَا ابْن أَبى بكر)
وَسَنَده فى الْعُلُوّ والافتخار أشهر من الشَّمْس فى رَابِعَة النَّهَار ثمَّ رَحل الى الْمغرب وَأذن لَهُ مولاى رشيد فى الدُّخُول الى مَدِينَة فاس فَأَقَامَ بهَا الى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فى سنة تسعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن الفاسى وَهُوَ اسْم لَهُ لَا نِسْبَة الى فاس ابْن طَاهِر السوسى الرودانى المغربى المالكى نزيل الْحَرَمَيْنِ الامام الْجَلِيل الْمُحدث المفنن فَرد الدُّنْيَا فى الْعُلُوم كلهَا الْجَامِع بَين منطوقها ومفهومها وَالْمَالِك لمجهولها ومعلومها ولد فى سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف بتارودنت بتاء مثناة من فَوق بعْدهَا ألف ثمَّ رَاء مَضْمُومَة فواو ثمَّ دَال مُهْملَة مَفْتُوحَة فنون ومثناة من فَوق ساكنتان قَرْيَة بسوس الاقصى وَقَرَأَ بالمغرب على كبار الْمَشَايِخ من أَجلهم قاضى الْقُضَاة فَتى مراكش ومحققها أَبُو مهدى عِيسَى السكانى والعلامة مُحَمَّد بن سعيد المربغنى المركاشى وَمُحَمّد بن أَبى بكر الدلائى وَشَيخ الاسلام سعيد ابى ابراهيم الْمَعْرُوف بقدروه مفتى الجزائر وَهُوَ أجل مشايخه وَمِنْه تلقن الذّكر وَلبس الْخِرْقَة ولازم الْعَلامَة أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن نَاصِر الدرعى أَرْبَعَة أَعْوَام فى التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه
стр. 1671
والتصوف وَغَيرهَا وَصَحبه وَتخرج بِهِ ثمَّ رَحل الى الْمشرق وَدخل مصر وَأخذ عَمَّن بهَا من أَعْيَان الْعلمَاء كالنور الاجهورى والشهابين الخفاجى والقليوبى والمسند المعمر مُحَمَّد بن أَحْمد الشوبرى وَالشَّيْخ سُلْطَان وَغَيرهم وأجازوه ثمَّ رَحل الى الْحَرَمَيْنِ وجاور بِمَكَّة وَالْمَدينَة سِنِين عديدة وَهُوَ مكب على التصنيف والاقراء ثمَّ توجه الى الرّوم فى سنة احدى وَثَمَانِينَ وَألف صُحْبَة مصطفى بيك أخى الْوَزير الْفَاضِل وَمر بطريقه على الرملة وَأخذ بهَا عَن شيخ الْحَنَفِيَّة خير الدّين الرملى وبدمشق عَن نقيب الشَّام وعالمها السَّيِّد مُحَمَّد بن حَمْزَة والمسند المعمر مُحَمَّد بن بدر الدّين بن بلبان الحنبلى وَلما وصل الى الرّوم حظى عِنْد الْوَزير وَمن دونه وَمكث ثمَّة نَحْو سنة وَرجع الى مَكَّة المشرفة مجللا وحصلت لَهُ الرياسة الْعَظِيمَة الَّتِى لم يعْهَد مثلهَا وفوض اليه النّظر فى أُمُور الْحَرَمَيْنِ مُدَّة حَتَّى صَار شرِيف مَكَّة لَا يصدر الا عَن رَأْيه وأنيطت بِهِ الامور الْعَامَّة والخاصة الى ان مَاتَ الْوَزير فرق حَاله وتنزل عَمَّا كَانَ فِيهِ ثمَّ ورد أَمر السُّلْطَان الى مَكَّة سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف باخراجه مِنْهَا الى بَيت الْمُقَدّس وَسَببه عرض الشريف بَرَكَات أَمِير مَكَّة فِيهِ الى السلطنة وَطلب اخراجه من مَكَّة بعد ان كَانَ بَينهمَا من المرابطة مَا كَانَ وعَلى يَده تمت لَهُ الشرافة ونهض بِهِ الْحَظ وَكَانَ يَوْم وُرُود الامر يَوْم عيد الْفطر فألح عَلَيْهِ الشريف سعيد بن بَرَكَات شرِيف مَكَّة يَوْمئِذٍ وقاضى مَكَّة فى امْتِثَال الامر السلطانى فَامْتنعَ من الْخُرُوج فى هَذِه الْحَالة وتعلل بالخوف من قطاع الطَّرِيق فَأبى أَن يسلم نَفسه وَمَاله فأمهل بعد علاج شَدِيد وَتشفع عِنْد بعض الاشراف الى مخرج الْحَج ثمَّ توجه صُحْبَة الركب الشامى وَأبقى أَهله بِمَكَّة وَأقَام فى دمشق فى دَار نقيب الاشرف سيدنَا عبد الركيم بن حَمْزَة حرس الله جَانِبه وَجعل أطوع أمره مجانبه وَاجْتمعت بِهِ ثمَّة مرّة صَحبه فَاضل الْعَصْر ودرة قلادة الْفَخر الْمولى أَحْمد بن لطفى النَّجْم المولوى نضر الله بِهِ وَجه الْفَضَائِل وابقاه مغبوطة بِهِ الاواخر من الاوائل فَرَأَيْت مهابة الْعلم قد أخذت باطرافه وحلاوة الْمنطق فى محَاسِن أوضافه وَاسْتمرّ بِدِمَشْق مُدَّة مُنْفَردا بِنَفسِهِ لَا يجْتَمع الا بِمَا قل من النَّاس واشتغل مُدَّة اقامته بتأليف كتاب الْجمع بَين الْكتب الْخَمْسَة والموطأ على طَريقَة ابْن الاثير فى جَامع الاصول الا انه استوعب الرِّوَايَات من الْكتب السِّتَّة وَلم يختصر كَمَا فعل ابْن الاثير وَله من التآليف الشاهدة بتبحره ودقة نظره مُخْتَصر التَّحْرِير فى أصُول الْحَنَفِيَّة لِابْنِ الْهمام وَشَرحه ومختصر
стр. 1672
تَلْخِيص الْمِفْتَاح وَشَرحه والمختص الذى آلفه فى الْهَيْئَة والحاشية على التسهيل والحاشية على التَّوْضِيح وَله منظومة فى علم الْمِيقَات وَشَرحهَا وَله جدول جمع فِيهِ مسَائِل الْعرُوض كلهَا واخترع كرة عَظِيمَة فاقت على الكرة الْقَدِيمَة والاسطرلاب وانتشر فى الْهِنْد واليمن والحجاز وَغير ذَلِك من الرسائل وَله فهرست يجمع مرويانه واشياخه سَمَّاهَا صلَة الْخلف بموصول السّلف ذكر فِيهِ انه وَقع لَهُ بالمغرب غرائب مِنْهَا انه كَانَ مجتازا على بلد الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبى عبد الله مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد الواورغتى الناولى وَهُوَ قَاصد بلد أُخْرَى فَسَأَلَ عَن الْبَلَد فَقيل لَهُ ان فِيهِ شَيخا مربيا صفته كَذَا وَكَذَا قَالَ فجذبنى الشوق اليه وَلم أملك نفسى حَتَّى دخلت بَلَده فلقينى رجل خَارج الى وَقَالَ أمرنى الشَّيْخ أَن اخْرُج اليك وآتيه بك فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ رفع الى بَصَره فَوَقَعت مغشيا على بَين يَدَيْهِ وَبعد حِين أَفَقْت فَوَجَدته يضْرب بِيَدِهِ بَين كتفى وَيَقُول وَهُوَ على جمعهم اذا يَشَاء قدير أَفَمَن وعدنا وَعدا حسنا فَهُوَ لاقيه فأمرنى بملازمته ومذاكرة أَوْلَاده بِالْعلمِ فَقلت لَهُ انى طلبت كثيرا لَكِن الى الْآن مَا فتح الله تَعَالَى على بشئ وَلَا أقدر على اسْتِخْرَاج كتاب وَلَا الاجررومية وَكنت اذ ذَاك كَذَلِك فَقَالَ لى اجْلِسْ عندنَا ودرست أى كتاب شِئْت فى أى علم شِئْت ونطلب من الله وَتَعَالَى أَن يفتح لَك فَجَلَست ودرس طَائِفَة من الْكتب الَّتِى قرأتها وَكنت اذا توقفت فى شئ أحس بمعان تلقى على قلبى كانها أجرام وغالب تِلْكَ الْمعَانى هى الَّتِى كَانَت مَشَايِخنَا تقررها لنا وَلَا نفهمها وَلَا أتذكرها قبل ذَلِك وَكَانَ مسكنى قريب مَسْكَنه فَكنت أعرف انه يخْتم الْقُرْآن الْعَظِيم بَين الْعشَاء وَالْمغْرب يصلى بِهِ النَّوَافِل ورأيته يَوْمًا تصفح جَمِيع الْمُصحف الشريف وَجَمِيع تَنْبِيه الانام وَجَمِيع دَلَائِل الْخيرَات فى مجْلِس فعجبت من ذَلِك وَسَأَلت عَن ذَلِك بعض الْحَاضِرين فَقَالَ لى من ورد الشَّيْخ انه يخْتم ثلاثتها بعد صَلَاة الضُّحَى وشاهدت لَهُ الْعجب العجاب فى نزُول الْبركَة فى الطَّعَام وَغير ذَلِك بِمَا هُوَ مَحْض كرامات الاولياء وَمِنْهَا أَنه لقى يَوْمًا الْعَلامَة عِيسَى المراكشى مفتى مراكش وَقد احتف بِهِ خلق كثير يزدحمون على تَقْبِيل يَده وركبته وَهُوَ رَاكب فزاحمهم حَتَّى قبل يَده تبركا قَالَ فَانْحنى الى دون النَّاس وَقَالَ أجزتك بِجَمِيعِ مروياتى فَكَأَنَّمَا طبعها فى قلبى الْآن وَكَانَ ذَلِك قبل اشتغالى بِطَلَب الْعلم وَلست متزييا بزى طلبته حَتَّى يُقَال انه رأى عَلامَة الاهلية وَلَا ان ذَلِك من عَادَته مَعَ المتأهلين للاجازة بل لم يظفر
стр. 1673
بالاجازة مِنْهُ الا الْقَلِيل من أخصائه فَمَا أَظن ثمَّ بعد غيبتى عَنهُ ثَمَانِيَة أَعْوَام فى طلب الْعلم الشريف من الله تَعَالَى بِالرُّجُوعِ اليه وتجديد الاخذ عَنهُ فى سنة سِتِّينَ وَألف قبل وَفَاته بِسنة وَللَّه تَعَالَى الْحَمد والْمنَّة قلت والظاهرين من شَأْنه كَمَا نقلت عَن شَيخنَا المرحوم عبد الْقَادِر بن عبد الهادى وَهُوَ مِمَّن أَخذ عَنهُ وسافر الى الرّوم فى صحبته وانتفع بِهِ وَكَانَ يصفه بأوصاف بَالِغَة حد الغلو وَيذكر الْفُنُون الَّتِى كَانَ يُشِير بمعرفتها فيستغرق الْعد ان ذَلِك فِيهِ بِمُجَرَّد فتح الهى ببركة شَيْخه الواورغنى الْمَذْكُور فانه كَانَ يَقُول انه يعرف الحَدِيث والاصول معرفَة مَا رَأينَا من يعرفهَا مِمَّن أدركناه وَأما عُلُوم الادب فاليه النِّهَايَة فِيهَا وَكَانَ فى الْحِكْمَة والمنطق والطبيعى والالهى الاستاذ الذى لَا تنَال مرتبته بالاكتساب وَكَانَ يتقن فنون الرياضة اقليدس والهيئة والمخروطات والمتوسطات والمجسطى وَيعرف أَنْوَاع الْحساب والمقابلة والارتماطيقى وَطَرِيق الخطاءين والموسيقى والمساحة معرفَة لَا يُشَارِكهُ فِيهَا غَيره الا فى ظواهر هَذِه الْعُلُوم دون دقائقها وَالْوُقُوف على حقائقها وَكَانَ يبْحَث فى الْعَرَبيَّة والتصريف بحثا تَاما مُسْتَوْفيا وَكَانَ لَهُ فى التَّفْسِير وَأَسْمَاء الرِّجَال وَمَا يتَعَلَّق بِهِ يَد طائلة وَكَانَ يحفظ فى التواريخ وَأَيَّام الْعَرَب ووقائعهم والاشعار والمحاضرات شَيْئا كثيرا وَكَانَ فى الْعُلُوم الغريبة كالرملة والاوفاق والحروف والسيميا والكيميا حاذقا اتم الحذق وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر فى الْمَعْنى
(وَكَانَ من الْعُلُوم بِحَيْثُ يقْضى ... لَهُ فى كل علم بِالْجَمِيعِ)
وَقد أَخذه عَنهُ بِمَكَّة وَالْمَدينَة وَالروم خلق ومدحه جمَاعَة وأثنوا عَلَيْهِ وَكَانَت وَفَاته بِدِمَشْق يَوْم الاحد عَاشر ذى الْقعدَة سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وَدفن بالترية الْمَعْرُوفَة بالايجية بسفح قاسيون بِوَصِيَّة مِنْهُ ورثاه شَيخنَا الشَّيْخ عبد الْقَادِر بن عبد الهادى رَحمَه الله تَعَالَى بقصيدة طَوِيلَة مطْلعهَا قَوْله
(صبرا فَكل الانام يفقد ... لَا أحد هَهُنَا يخلد)
يَقُول من جُمْلَتهَا هَذَا
(وَالنَّاس آجالهم كخيل ... فَالسَّابِق الْمُضمر الْمُجَرّد)
(وعالم الْكَوْن فى فنَاء ... فحقق الامر فِيهِ واشهد)
(والخطب عَم الانام طرا ... بِمَوْت شيخ الْعُلُوم أوحد)
(ابْن سُلَيْمَان من حباه ... الْمُصْطَفى باسمه مُحَمَّد)
стр. 1674
(تبكى عُلُوم الالى عَلَيْهِ ... وطرسها قد غَدا مسود)
مِنْهَا
(فى كَفه دَائِما يراع ... لَهُ وُجُوه الطروس سجد)
(ان هزه فَالصَّوَاب يَبْدُو ... من أمره وَاضحا مُؤَكد)
(فى كل علم ترَاهُ فَردا ... أدْرك آحاده وجدد)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن احْمَد الْمَعْرُوف بالبخشى البكفالونى الحلبى الشافعى الْمُحدث الْفَقِيه الصوفى العذب الطَّرِيقَة كَعْب الاحبار ولد ببكفالون بِفَتْح الْمُوَحدَة قَرْيَة من أَعمال حلب وَبهَا قَرَأَ الْقُرْآن وَنَشَأ فى حجر وَالِده ورحل فى أَوَائِل طلبه الى دمشق وَأخذ عَمَّن بهَا من علمائها كالشيخ عبد الباقى الحنبلى وَالشَّيْخ مُحَمَّد الخباز البطنينى وَشَيخنَا الشَّيْخ مُحَمَّد بن بلبان وَشَيخنَا الشَّيْخ مُحَمَّد العيثاوى وَغَيرهم وَأخذ طَرِيق الخلوتية عَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الشَّيْخ أَيُّوب الخلوتى وَقَرَأَ عَلَيْهِ جملَة فنون وأطلعه على أسرار علمه الْمكنون حَتَّى نَالَ مِنْهُ غَايَة الامل وأثمرت لَهُ غيث دُعَائِهِ اغصان الْعلم وَالْعَمَل فَرجع الى أَهله بنعم وافرة ثمَّ توطن حلب وَأخذ بهَا عَن عالمها مُحَمَّد بن حسن الكواكبى الْمُفْتى بهَا وَأقَام على بَث الْعلم ونشره فى غَالب أوقاته وانتفع بِهِ كثير من فضلاء حلب وَله من التآليف الشافية نظم الكافية وَشرح على الْبردَة وَغَيرهمَا وسافر الى الرّوم فى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَألف وَاجْتمعت بِهِ بادرنه ثمَّ اتحدث مَعَه اتحادا تَاما فَكُنَّا نجمتع فى غَالب الاوقات وَكنت شَدِيد الْحِرْص على فَوَائده وَحسن مذاكرته مَعَ الادب والسكينة وَمَا رَأَيْت فِيمَن رَأَيْت احلم وَلَا أحمل مِنْهُ وَكَانَ روح الله تَعَالَى روحه من خِيَار الْخِيَار كريم الطَّبْع مفرط السخاء ثمَّ اجْتمعت بِهِ بقسطنطينية بعد عودنا اليها وَكَانَ لاخى الْوَزير الاعظم الْفَاضِل مصطفى بيك عَلَيْهِ اقبال تَامّ وَله اليه محبَّة زَائِدَة وَكَانَ جَاءَ الى الرّوم بِخُصُوص مشيخة التكية الاخلاصية الخلوتية بحلب فوجهت اليه وَتوجه الى حلب وَأقَام بالتكية الْمَذْكُورَة شَيخا مبجلا مُعظما مَقْصُودا ثمَّ نازعه فِيهَا بعض الخلوتية فَلم تتمّ لَهُ وَبقيت على صَاحب التَّرْجَمَة ودرس بالمقدمية الَّتِى بحلب ثمَّ بعد مُدَّة مل الاقامة بحلب فقصد الْحَج بنية الْمُجَاورَة وَأقَام ابْنه مُحَمَّدًا مقَامه فى المشيخة وَدخل دمشق صُحْبَة الْحَاج وَأقَام بِمَكَّة مجاورا وَأَقْبَلت عَلَيْهِ أهالى مَكَّة المشرفة على عَادَتهم وَقَرَأَ عَلَيْهِ بعض أفاضلها ولقى حظا عَظِيما من شريفها المرحوم الشريف أَحْمد بن زيد لما كَانَ بَينهمَا من الْمَوَدَّة والصحية بالروم أَيَّام كَانَ وَكنت حَتَّى
стр. 1675
مدحه وأخاه سَعْدا بقصيدة غراء مطْلعهَا هَذَا
(خليلى ايه من حَدِيث صبا نجد ... وان حركت دَاء قَدِيما من الوجد)
(فآها على ذَاك النسيم تأسفا ... وآه على آه تروح أَو تجدى)
(عليلة انفاس تصح نفوسنا ... معطرة الاردان بالشيخ والرند)
(وهيهات نجد والعذيب ودونه ... مهامه تغوى الكدر فِيهَا عَن الْورْد)
(وَمن كل شماخ الاهاضب خالط السَّحَاب يروم الشَّمْس بالصد وَالرَّدّ ... )
(وتسرى الصِّبَا مِنْهُ فتمسى وبيننا ... من البون مَا بَين السماوة والسند)
(سقى الله من نجد هضابا رياضها ... تنفس عَن أذكى من العنبر الوردى)
(وَحيا الحيا حَيا نعمنا بظله ... بنعمان مَا بَين الشبيبة والرفد)
(نغازل غزلانا كونس فى الحشى ... أوانس فى ألحاظها مقنص الاسد)
(تحاكى الجوارى الكنس الزهر بهجة ... وتفضلها فى رفْعَة الشَّأْن والسعد)
(حجازية الالفاظ عذرية الْهوى ... عراقية الالحاظ وردية الخد)
(بعيدَة مهوى القرط معولة اللمى ... مرهفة الاجفان عسالة الْقد)
(تميس وَقد أرخت ذوائب فرعها ... فتخطر بَين البان وَالْعلم الْفَرد)
(وتعطو بجيد عطل الحلى حسنه ... كَانَ ظَبْيَة تعطو الى ريق المرد)
(وَكم لَيْلَة باتت يداها حمائلى ... وباتت يدى من جيدها مطرح العقد)
(ندير سلافا من حباب حبابها ... على حِين ترشاف ألذ من الشهد)
(وَلما تمطى الصُّبْح يطْلب علمنَا ... تكنفنا ليل من الشّعْر الْجَعْد)
(عفيفين عَمَّا لَا يَلِيق تكرما ... على مَا بِنَا من شدَّة الشوق والوجد)
(وَقد كَاد يسْعَى الدَّهْر فى شت شملنا ... وَلَكِن توارى شفعنا عَنهُ بالفرد)
انْظُر الى هَذَا الْمَعْنى تَجدهُ فى غَايَة اللطافة وَكَأَنَّهُ اختلسه من قَول بلديه ومعاصره الْمولى مصطفى البابى من قصيدة وهى
(وماسها الدَّهْر عَن تفرقنا ... بل ظننا لالتئامنا وَاحِدًا)
(رَجَعَ فَأَصْبَحت أَشْكُو بَينهَا وفراقها ... بشط النَّوَى شكوى الاسير الى الْقد)
(وانى قد استدركت دَرك مطالبى ... وتبليغ آمالى وَمَا ند عَن حدى)
(بطلعة نجلى ذرْوَة الْجد غارب المعالى سَنَام الْفَخر بل غرَّة الْمجد ... )
(امام الْمصلى والمحصب والصفا ... وراثة جد عَن نمى الى جَسَد)
стр. 1676
(أَبى أَحْمد زيد الصناديد فى الوعى ... بنى حسن الاسد الكواسرة الْحَد)
(بزاة الْعلَا الغر الميامنة الالى ... سما قدرهم يَوْم التفاخر عَن ند)
(غيوث اذا أعطو لُيُوث اذا سطوا ... مناقبهم جلت عَن الْحَد وَالْعد)
(فَمَا أفلت شمس لزيد وَقد بدا ... لنا من ضياها شمس أَحْمد والسعد)
(هما نيرا اوج المعالى وشرفا ... بروج قُصُور الرّوم فى طالع السعد)
(ومذر حلا عَن مَكَّة غَابَ انسها ... فَكَانَا كنصل السَّيْف غَابَ عَن الغمد)
(اضاءت لَهُم أَرض الشآم وأصبحت ... ضواحى نواحى الرّوم تنضح بالند)
(وَقد طَال مَا ذَابَتْ قَدِيما تشوقا ... الى نبل تَقْبِيل المواطئ بالخد)
(الى أَن تجلى الله ﷻ ... عَلَيْهِنَّ بالانعام واليمن والرشد)
(فَأَصْبَحْنَ يحكين الْجنان تبرجا ... ويرفلن من نور الخمائل فى برد)
(جوادين فى شوط المماجد جليا ... وحازا رهان السَّبق فى حنق الضِّدّ)
(براحتهم ان تنْسب الْجُود فى العطا ... فَتلك بحور تتقى الجزر بِالْمدِّ)
(وان أحيت السحب النَّبَات بِمَائِهَا ... فكم أحيت الراحات انفس مستجد)
(رياض لمرتاد حصون للائذ ... رجوم لمستعد نُجُوم لمستهد)
(شمائل تهزا بالشمائل لطفها ... وَعطف شُمُول الراح هزته تبدى)
(اذا ماد جاليل الخطوب بمعضل ... أما ط لثام الْكَشْف عَن ذَاك بالجد)
(بهم شرفت أَرض الْحجاز وَآمَنت ... ظباها وأمتها الْوُفُود الى الرفد)
(بنوها هَاشم ان كنت تعرف هاشما ... وَمَا هَاشم الا الاسنة والهندى)
(بهم فخرت عدنان وَالْعرب كلهَا ... ودانت لَهُم قحطان أهل الفنا الصلد)
(فَمن مجدهم يستقبس الْمجد كُله ... وَمن جودهم أهل المكارم تستجدى)
(هَنِيئًا لنسل الْمُصْطَفى الشّرف الذى ... تسامى فَلَا يُحْصى بعد وَلَا حد)
(بمدحتكم جَاءَ الْكتاب فَمَا عَسى ... تَقول الورى من بعد حم وَالْحَمْد)
(وعذرا بنى الزهراء انى ظامئ ... الى الْمَدْح والايام تنسى عَن الْورْد)
(يود لسانى أَن يترجم بعض مَا ... لكم فى فؤاد الصب من صَادِق الود)
(وَقد نضبت مِنْهُ القريحة نضة ... على حذر من حاذر أحذر الريد)
(كنفثة مصدور ولمحة عاشق ... تسارقه عين الرَّقِيب على بعد)
(فان أَعْطَتْ الايام بعض قيادها ... رَأَيْتُمْ لَهُ من مدحكم أعظم الْورْد)
стр. 1677
وَكَانَت وِلَادَته فى شهر ربيع الاول سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَألف بقرية بكفالون وَتوفى بِمَكَّة المشرفة لَيْلَة الثُّلَاثَاء الْخَامِس من شهر ربيع الثانى سنة ثَمَان وَتِسْعين والف وَصلى عَلَيْهِ اماما بِالنَّاسِ ضحى يَوْمهَا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام شَيخنَا الْعَالم الْعَامِل الشَّيْخ أَحْمد النخلى الشافعى فسح الله فى أَجله فى مشْهد حافل حَضَره شرِيف مَكَّة الشريف أَحْمد بن زيد وقاضيها وغالب اعيانها وَدفن بالمعلاة بِالْقربِ من مَزَار أم الْمُؤمنِينَ السيدة خَدِيجَة رضى الله عَنْهَا وَكَانَ فى بِلَاده اخبره بعض الاولياء انه يُقيم بِمَكَّة المكرمة مُدَّة طَوِيلَة جدا فَكَانَ فى كَلَام ذَلِك الولى اشارة الى أَنه يَمُوت بِمَكَّة فانه لم تطل مُدَّة اقامته فَكَانَت اقامته بهَا مَيتا رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن مَحْمُود بن ابى بكر الوطرى التنبكتى المالكى عرف بيغبغ بياء مَفْتُوحَة فغين مُعْجمَة سَاكِنة فباء مَضْمُومَة فعين مُهْملَة مَضْمُومَة قَالَ تِلْمِيذه الْعَلامَة أَحْمد بَابا فى كتاب كِفَايَة الْمُحْتَاج لمعْرِفَة مَا لَيْسَ فى الديباج مُخْتَصر كتاب الذيل ذيل بِهِ كتاب الديباج الْمَذْهَب فى معرفَة اعيان عُلَمَاء الْمَذْهَب للامام برهَان الدّين بن فَرِحُونَ الْمُسَمّى نيل الابتهاج بتطريز الديباج لشَيْخِنَا وبركتنا الْفَقِيه الْعَالم المتقن الصَّالح العابد الناسك كَانَ من صالحى خِيَار عباد الله الصَّالِحين وَالْعُلَمَاء العاملين مطبوعا على الْخَيْر وَحسن النِّيَّة وسلامة الطويه والانطباع على الْخَيْر واعتقاده فى النَّاس حَتَّى كَانَ النَّاس يتساوون عِنْده فى حسن ظَنّه بهم وَعدم مَعْرفَته الشَّرّ يسْعَى فى حوائجهم ويضر نَفسه فى نفعهم وينفجع فى مكروههم وَيصْلح بَينهم وينصحهم الى محبَّة الْعلم وملازمة تعلميه وَصرف اوقاته فِيهِ ومحبة اهله والتواضع التَّام وبذل نفائس الْكتب العزيزة الغريبة لَهُم وَلَا يفتش بعد ذَلِك عَنْهَا كَائِنا مَا كَانَ من جَمِيع الْفُنُون فَضَاعَ لَهُ بذلك جملَة من كتبه نَفعه الله تَعَالَى بذلك وَرُبمَا يأتى لبابه طَالب يطْلب كتابا فيعطيه لَهُ من غير معرفَة فَكَانَ الْعجب العجاب فى ذَلِك ايثارا لوجهه تَعَالَى مَعَ محبته للكتب وتحصيلها شِرَاء ونسخا وَقد جِئْته يَوْمًا اطلب مِنْهُ شَيْئا من كتب النَّحْو ففتش فى خزانته فاعطانى كل مَا ظفر بِهِ مِنْهَا مَعَ صَبر عَظِيم على التَّعْلِيم وايصال الْفَائِدَة للبليد بِلَا ملل وَلَا ضجر حَتَّى يمل حاضروه وَهُوَ لَا يبالى حَتَّى سَمِعت بعض أَصْحَابنَا يَقُول أَظن هَذَا الْفَقِيه شرب مَاء زَمْزَم لِئَلَّا يمل من الاقراء تَعَجبا من صبره من مُلَازمَة الْعِبَادَة والتجافى عَن ردئ الاخلاق واضمار الْخَيْر لكل الْبَريَّة حَتَّى الظلمَة مُقبلا على مَا يعنيه متجنبا الْخَوْض فى الفضول ارتدى من الْعِفَّة
стр. 1678
والمسكنة ازين رِدَاء وَأخذ بِيَدِهِ من النزاهة أقوى لِوَاء مَعَ سكينَة ووقار وَحسن واخلاق وحياء سهل الْوُرُود والاصدار فاحبته الْقُلُوب كَافَّة واثنوا عَلَيْهِ بِلِسَان وَاحِد فَلَا ترى الا محبا مادحا ومثنيا بِالْخَيرِ صَادِقا مَعَ تَشْبِيه بجوامع الْعَامَّة وَأُمُور الْقُضَاة لم يُصِيبُوا عَنهُ بديلا وَلَا نالوا لَهُ مثيلا طلبه السُّلْطَان لتولية الْقَضَاء بمحله فَأَنف وَامْتنع واعرض عَنهُ واستشفع فخلصه الله تَعَالَى لَازم الاقراء سِيمَا بعد موت سيدى أَحْمد بن سعيد فَأَدْرَكته انا يقرى من صَلَاة الصُّبْح اول وقته الى الضُّحَى الْكَبِيرَة دولا مُخْتَلفَة ثمَّ يقوم الى بَيته وَيصلى الظّهْر بِالنَّاسِ ويدرس الى الْعَصْر ثمَّ يُصليهَا وَيخرج لموْضِع آخر يدرس فِيهِ للأصفرار أَو قربَة وَكَانَ غواصا على الدقائق حَاضر الْجَواب سريع الْفَهم منور البصيرة سَاكِنا صامتا وقورا وَرُبمَا انبسط مَعَ النَّاس ويمازحهم وَكَانَ آيَة الله فى جودة الْفَهم وَسُرْعَة الادراك مَعْرُوفا بذلك ولد عَام ثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة على مَا سَمِعت مِنْهُ واخذ الْعَرَبيَّة عَن الفقيهين الصَّالِحين وَالِده وخاله ثمَّ قطن مَعَ اخيه الْفَقِيه سيدى أَحْمد شقيقه بتنبكت فلازما الْفَقِيه أَحْمد بن سعيد فى مُخْتَصر خَلِيل ثمَّ رحلا لِلْحَجِّ فلقيا بِمصْر اللقانى والتاجورى والشريف يُوسُف الارميونى والبرهمتوشى الحنفى والامام مُحَمَّد البكرى وَغَيرهم فاستفادا ثمَّة ثمَّ رجعا بعد حجهما وَمَوْت خالهما فَنزلَا بتنبكت فاخذا عَن ابْن سعيد الْفِقْه والْحَدِيث ولازماه وَعَن سيدى ووالدى الاصول وَالْبَيَان والمنطق قرآ عَلَيْهِ أصُول السبكى وتلخيص الْمِفْتَاح وَحضر على شَيخنَا جمل الجويخى ولازم مَعَ ذَلِك الاقراء حَتَّى صَار خير شيخ فى وقته فى الْفُنُون لَا نَظِير لَهُ ولازمته أَكثر من عشر سِنِين وَذكر مقروآته عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْجُمُعَة فى شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ بعد الالف وَله تعاليق وحواش نبه فِيهَا على مَا وَقع لشراح خَلِيل وَغَيره وتتبع مَا فى الشَّرْح الْكَبِير للتائى من السَّهْو نقلا وتقريرا فى غَايَة الافادة جمعهَا فى آخر تأليفاته وَالله تَعَالَى أعلم
مُحَمَّد بن مَحْمُود الشهير بحلوجى زَاده أحد موالى الرّوم الْمَشْهُورين بالادب وَالشعر وَكَانَ يتَخَلَّص على عَادَتهم بعارف ذكره ابْن نوعى فى ذيل الشقائق وَقَالَ فى تَرْجَمته قَرَأَ على عُلَمَاء دَار الْخلَافَة الى أَن وصل الى مرتبَة الاستعداد فلازم من المنلا حسام الدّين بن قره حلبى ودرس باحدى الثمان فى شهر ربيع الاول سنة ثَمَان بعد الالف ثمَّ وَجه اليه قَضَاء مغنيسا فى ذى الْقعدَة من هَذِه السّنة فَلم يفعل وَاخْتَارَ
стр. 1679
الْعَزْل فبقى معزولا الى صفر سنة عشْرين ثمَّ وَجه اليه التدريس باحدى الثمان ثمَّ ولى الْقَضَاء ازمير فى جُمَادَى الاخرة سنة احدى وَعشْرين ثمَّ قلبه فى شعْبَان من هَذِه السّنة ثمَّ قَضَاء الْقُدس فى شهر ربيع الاول سنة أَربع وَعشْرين ثمَّ قَضَاء أَيُّوب فى سنة ثَلَاثِينَ وَكَانَ فَاضلا لَهُ من كل فن نصيب وافر وشعره وانشاؤه مسبوكان فى قالب الرقة الا انه كَانَ متكيفا كثير الِاسْتِعْمَال للبرش وَكَانَ كثيرا مَا تَأْخُذهُ نشوة الكيف فيغرق ويستغرق بِهِ النعاس والسرد قَالَ ابْن نوعى وشهدته يَوْمًا وَقد حضر فى محفل جَامع وَكَانَ صدر الْمجْلس نفس زَاده مدرس الخانقية بوفاء وَكَانَ من متعينى أهل الْفضل وَكَانَ مُعْتَمد شيخ الاسلام صنع الله بن جَعْفَر فى أُمُوره ومستشاره الذى لَا يصدر الا عَن رَأْيه وَكَانَ فى نفس الامر من اهل الْعلم والوجاهة الا ان لَهُ كبر نفس وَدَعوى طائلة فَأخذ فى نقل بعض الماجريات وَأطَال بِحَيْثُ مله الْحَاضِرُونَ وَكَانَ فى أثْنَاء خطاباته يلْتَفت يمنة ويسرة ويتمشدق وَيحسن مَا يَقُوله وَوجد صَاحب التَّرْجَمَة فى غُضُون ذَلِك فرْصَة للنوم وَهُوَ يسْرد فاتفق أَنه رأى فى نَومه رجلا يحْكى لَهُ حِكَايَة لكنه أغرب فِيهَا حَتَّى ظن المترجم استحالتها فَهَب من نعسته وَنَفس زَاده نَاظر إِلَى جِهَته وَهُوَ يَقُول كل مَا تَقوله كذب لَا أصل لَهُ فَغَضب نفس زَاده واحتد وَقَامَ من الْمجْلس وَهُوَ يسبه فَاعْتَذر اليه صَاحب الْمجْلس بِالْبَيْتِ الْمَشْهُور
(لقد أسمعت لَو ناديت حَيا ... وَلَكِن لَا حَيَاة لمن تنادى)
فسكن غَضَبه بعض سُكُون الا ان أهل الْمجْلس عجبوا من وُقُوع هَذَا الامر على هَذِه الصُّورَة وَاسْتولى عَلَيْهِم الضحك فغلب الْحيَاء على نفس زَاده حَتَّى تصبب عرقا وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة من هَذَا الْقَبِيل نَوَادِر كَثِيرَة مطربة وَمِمَّا يستظرف مِنْهَا انه دخل على شيخ الاسلام اِسْعَدْ بن سعد الدّين وَكَانَ ولى قَضَاء أَيُّوب فَقَالَ لَهُ يسليه عَن تَوليته منصبا ارْفَعْ مِنْهُ ويرغبه فِيهِ ان أَيُّوب بِمَثَابَة شهنشين استانبول بِمَعْنى روزنتها فاستجاد صَاحب التَّرْجَمَة هَذَا التَّشْبِيه وَصَارَ يكْتب فى امضائه القاضى بشهنشين قسطنطينية وَهَذَا غَايَة فى سَلامَة الطَّبْع وَهَكَذَا تفعل فويضات البرش وجدت رقْعَة بِخَطِّهِ فِيهَا امضاؤه وَهَذَا نَصهَا وَثِيقَة ثقتى وَحجَّة مستنابى بمحكمتى بِالْبَابِ صَحِيحَة الِاحْتِجَاج من غير لجاج وارتياب وَأَنا الْفَقِير غفرت ذنوبى وسترت عيوبى مُحَمَّد الْمُبْتَلى بِالْقضَاءِ الايوبى الجارى على لِسَان أهل الْجنَّة الدريه الشهير بشهنشين قسطنطينية لَا زَالَ ظلال جلال حاميها غير مفارق أهاليها يَوْم
стр. 1680
الْحساب عفى عَنهُ الرب الْوَهَّاب وَكَانَت وَفَاته فى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن مَحْمُود بن مَحْمُود بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن خضر بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن سُلَيْمَان بن على المناشيرى الصالحى الشافعى وَالِد القاضى بدر الدّين الْمُقدم ذكره كَانَ من فضلاء الشَّافِعِيَّة قَرَأَ وَحصل وَكَانَ أديبا مطبوعا لَهُ شعر مستعذب مِنْهُ قَوْله
(وأهيف لَهُ دعجٌ ... بِعَيْنِه سبى المهج)
(يَا سائلى عَن وَصفه ... بوصفه نلْت الْفرج)
وَقَوله
(صرفت زَكَاة الْحسن هلا بدأت بى ... وانى لَهَا الْمُحْتَاج اذ أَنْت تعرف)
(فَقير ومسكين وغاز وغارم ... كَذَا ابْن سَبِيل عَامل ومؤلف)
(فَمن اى قسم ان اردت فاننى ... محب صَدُوق للمحبة آلف)
وَله
(كَثْرَة الْمكْث فى الاماكن ذل ... فاغتنم بعْدهَا وَلَا تتأنس)
(أَوله المَاء فى الغدير زلال ... فاذا طَال مكثه يتدنس)
هَذَا ينظر الى قَول البديع الهمدانى المَاء اذا طَال مكثه ظهر خبثه وَكَانَت وِلَادَته لَيْلَة الاحد ثامن عشر ربيع الثانى سنة احدى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَتوفى لَيْلَة الْخَمِيس بعد الْعشَاء حادى عشرى رَجَب سنة تسع وَثَلَاثِينَ والف وَدفن غربى الْبركَة بسفح قاسيون
مُحَمَّد بن مَحْمُود الشهير بِابْن الناشف الدمشقى أحد الاعيان الَّذين رفوا بجدهم ونالوا مَا نالوا بسعيهم وَكَانَ فى طَلِيعَة عمره معانقا للقلة ثمَّ أثرى وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا بقضها وقضيضها وَصَارَ كَاتبا للجند الشامى وسافر الاسفار الْكَبِيرَة وقاسى مشاقا ولقى أهوالا خُصُوصا فى سفرة أردويل وشهرزور وَغَيرهَا من الاسفار السُّلْطَانِيَّة ثمَّ تفرغ لَهُ الرئيس مُحَمَّد الشهير بِابْن الْخياط عَن خدمَة التذاكر الْمُتَعَلّقَة بالزعماء وأرباب التيمارات وتفوق وتمكنت قَوَاعِده فى الجاه وَالْحُرْمَة ونفوذ الْكَلِمَة وَلما قدم الْوَزير أَحْمد باشا نَائِب الشَّام الْمَعْرُوف بالكوجك وَعين لمقاتلة الامير فَخر الدّين بن معن قربه اليه وَأَدْنَاهُ وَكَانَ مَعَه فى سَفَره وانحل قرى ومزارع وتيمارات كَثِيرَة فَأَخذهَا وَتصرف بهَا وأحبه الوزراء والحكام وَكَانُوا يعاملونه بالاجلال ويتخذونه محرما لاسرارهم ويزورونه لَيْلًا وَكَانَ يبْذل جهده فى تمشية حَاله عِنْدهم ويبالغ فى الاسباب الموصلة اليهم وَجمع من الْكتب النفيسة
стр. 1681
والخيول والامتعة والاملاك مَالا يُمكن وَصفه وَملك كثيرا من المماليك والجوارى وسافر الى روان لما سَافر اليها السُّلْطَان مُرَاد وَأهْدى الى كبراء الدولة الْهَدَايَا الْعَظِيمَة واشتهر عِنْد أَرْكَان الدولة وسافر الى بَغْدَاد أَيْضا عَام فتحهَا ثمَّ اسْتَقر بِدِمَشْق وَصَارَ ركنها الركني وَحج مرّة فى صُحْبَة عَمه الرئيس حسن بن الناشف أحد الْكتاب بِدِمَشْق ثمَّ حج ثَانِيًا فى سنة سبع وَخمسين ثمَّ صَار كتخدا الدفتر وَهُوَ رَأس أَرْبَاب التيمارات وعزل بعد قَلِيل وَأُصِيب بِولد كَانَ أكبر أَوْلَاده ثمَّ بعد مَوته بيومين مَاتَ لَهُ ولدان فى يَوْم وَاحِد وَصلى عَلَيْهِمَا مَعًا ثمَّ تَبِعَهُمْ من المماليك وَالْعَبِيد والجوارى والخدم مَا يُقَارب الْخمسين وبقى لَهُ ولد كَانَ ثانى أَوْلَاده وَكَانَ اسْمه أَحْمد وَكَانَ تقيا نزيها محبا للصالحين مواظبا على الصَّلَوَات فى اوقاتها مَعَ الصّيام وَالْقِيَام ولين الْجَانِب ثمَّ أَمر المترجم بعمارة قلعة تَبُوك فتعلل أَولا ثمَّ امْر ثَانِيًا فاسرع فى الذّهاب وَأخذ مَعَه جمَاعَة من الْعَسْكَر الشامى وشرذمة من البنائين وعمرها عمَارَة متقنة وَعَاد الى دمشق وَكَانَت عمارتها فى سنة أَربع وَسِتِّينَ وَألف وَلما جَاءَ ختم الوزارة الْعُظْمَى للوزير أبشير بحلب توجه اليه مَعَ جمَاعَة من أَعْيَان دمشق وَكَانَ بَينه وَبَينه مَوَدَّة سالفة أَيَّام حكومته بِدِمَشْق فصادف مِنْهُ اكراما وَصَحبه مَعَه الى قسطنيطينية ثمَّ جعل لَهُ رُتْبَة حُكُومَة روم ايلى وايا صوفيه فَقدم الى دمشق باسلوب غَرِيب وطور عَجِيب وَفرغ من خدمَة التذاكر لِابْنِهِ أَحْمد الْمَذْكُور آنِفا ثمَّ صَار دفتريا بِالشَّام سنة سبع وَسِتِّينَ وَألف وَكَانَ المنصب الْمَذْكُور مبدأ انحطاطه بِقدر صُعُوده فَلَمَّا جَاءَ ختم الوزارة لمُحَمد باشا بوينى اكرى اى اعوج الرَّقَبَة وَهُوَ بِدِمَشْق محافظ لَهَا أهانه اهانة كُلية ثمَّ فوض اليه أَحْمد باشا ابْن مصطفى باشا الشهير بِابْن الطيار لماصار نَائِب الشَّام امْر الْحُكُومَة قبل قدومه اليها فَلَمَّا ورد اهانه بابلغ مِمَّا اهانه بِهِ الْوَزير وزجر وَلَده أَحْمد زَجْرَة اثرت فِيهِ فَكَانَت سَبَب مَوته فَتوجه صُحْبَة ابْن الطيار الى السّفر مَعَ جملَة الْعَسْكَر فتوفى فى الطَّرِيق وَلما وصل خبر مَوته الى وَالِده حزن كثيرا حَتَّى اداه حزنه عَلَيْهِ الى مرض طَالَتْ مدَّته وكابد عللا شَتَّى وَبِالْجُمْلَةِ فانه كَانَ صَدرا رَئِيسا حسن الْملقى متوددا لكنه مغرور باقبال الدُّنْيَا وَقد مدح كثيرا وَأثْنى عَلَيْهِ لاقباله على الادباء وَكَثْرَة تقربهم اليه وَكَانَت وِلَادَته فى سنة سبع والف وَتوفى فى عَاشر صفر سنة ارْبَعْ وَسبعين والف وَدفن بمدفن عَمه بِالْقربِ من دَارهم بمحلة قصر حجاج رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 1682
السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُرَاد بن سليم بن سلمَان بن سليم بن بايزيد بن مُحَمَّد الْملك الاعظم الباهر الشَّأْن كَانَ سُلْطَانا عَظِيم الْقدر مهيبا جوادا عالى الهمة مظفرا فى وقائعه وقورا اريبا وجيها مهيبا صَالحا عابدا ساعيا فى اقامة الشعائر الدِّينِيَّة مراعيا كأحكام الشَّرِيعَة الشَّرِيفَة مُطيعًا لاوامر الله منقاد لما بِقرب اليه مداوما للْجَمَاعَة فى الاوقات الْخمس قَائِما بالسنن والرواتب وَمن عَادَته المرضية انه كَانَ اذا ذكر النبى
نَهَضَ قَائِما وَبِالْجُمْلَةِ فاوصافه كلهَا حَسَنَة فائقة وَكَانَ على عَادَة أجداده الْكِرَام رُبمَا نظم الشّعْر وَكَانَ يتَخَلَّص على عَادَة شعراء الرّوم بعدلى ذكر مبدا أمره انه لما بلغ من الْعُمر سِتّ عشرَة سنة صنع لَهُ أَبوهُ الْخِتَان الذى طَنَّتْ حَصَاة خَبره فى الْآفَاق وَلم يتَّفق لَاحَدَّ من ابناء الْمُلُوك مثله على الاطلاق وسأذكر تفصله فى تَرْجَمَة وَالِده واشير من خَبره الى طريفه وتالده ثمَّ فى ثانى سنة من ختانه وهى سنة احدى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة خلع عَلَيْهِ ابوه خلعة الامارة وقلده بِلَاد قَاعِدَة الْملك صَار وخان ومدينتها الْعُظْمَى مغنيسا فَتوجه اليها ثانى ذى الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة وَاسْتمرّ بهَا الى ان اندرج ابوه الى عَفْو الله وغفرانه يَوْم الاربعاء سادس جُمَادَى الاولى سنة ثَلَاث بعد الالف فارسل اليه بالْخبر وأخفى موت وَالِده عشرَة ايام حَتَّى وصل فَجَلَسَ على التخب يَوْم الْجُمُعَة سادس عشر الشَّهْر الْمَذْكُور وَقيل فى تَارِيخه الذى تسلطن فِيهِ
(قد مهد الله الْبِلَاد ... بِحكم سُلْطَان نبيل)
(والكون نَادَى منشدا ... تَارِيخه ظلّ ظَلِيل)
قَالَ الْمولى عبد الْكَرِيم المنشى لما تلالات انوار السلطنة المحمدية من سريرها وأصبحت الدُّنْيَا بِتِلْكَ الانوار مشرقة بحذافيرها بَدَأَ أحسن الله مبداه وختامه واغمد فى قرَاب الظَّالِمين حسامه بقتل ابراهيم باشا من عَم الْعَالم ظلمه وَفَشَا قلت وابراهيم هَذَا تقدّمت تَرْجَمته وَذكرت هُنَاكَ تَتِمَّة مَا ذكره المنشى هُنَا ثمَّ صير راس المقربي اليه وَهُوَ لَا لَا مُحَمَّد باشا وسيأتى ذكره مُنْفَردا بترجمة وَزِير اوفر هاد باشا صدر الوزراء وَكَانَ قَائِما مقَام الْوَزير وعينه سردار اعلى العساكر لقِتَال ميخال حَاكم بِلَاد الافلاق من قبل السلطنة العثمانية وَكَانَ خرج عَن الطَّاعَة وَجمع جموعا من الْكفَّار الارجاس وتمرد وعاث فى بِلَاد روم ايلى فوصل اليها فرهاد باشا وجرد عزمه لمقاتلته وَكَانَ بعض المقربين بَين الى السُّلْطَان حسن لَهُ عَزله وتولية
стр. 1683
سِنَان باشا الْمَشْهُور الوزارة فَفعل وعينه للسَّفر مَكَانَهُ فوصل سِنَان باشا الى الْعَسْكَر وَبلغ ميخال عزل فرهاد باشا وَكَانَ ألْقى رعبه فى قلبه ففرح بعزله وقوى جاشه وقابل الْعَسْكَر فَظهر بعض الظُّهُور وَزَاد فى عتوه بعد ذَلِك وارسل السُّلْطَان لمحاربته عَسَاكِر مَرَّات فَلم يظفروا مِنْهُ بِمُرَاد ثمَّ عزل السُّلْطَان سِنَان باشا وَولى لَا لَا مُحَمَّد باشا الصدارة فى منتصف شهر بيع الاول سنة ارْبَعْ بعد الالف فَمَاتَ بعد عشرَة أَيَّام من تَوليته بِمَرَض الاكلة فأعيد سِنَان باشا وبهذه الْمرة تمّ لَهُ خمس مَرَّات ثَلَاثَة فى عهد السُّلْطَان مُرَاد وثنتان فى عهد السُّلْطَان مُحَمَّد فَفتح حَرْب الانكروس الْمَشْهُور وَشرع فى تهيئة لوازمه وَمهما والزم السُّلْطَان بَان يُسَافر بِنَفسِهِ فادركه الاجل فى شعْبَان من هَذِه السّنة قبل ان يُسَافر فولى الوزارة ابراهيم باشا الْوَزير الثانى وَكَانَ السُّلْطَان صمم على السّفر فَخرج من دَار خِلَافَته فته فى شَوَّال سنة ارْبَعْ بعد الالف وَوصل الى قلعة فى غَايَة المنعة والتحصين فنازلها بجُنُوده واطلق أمره فى ضربهَا بالمكاحل فَاشْتَدَّ الْبلَاء بِمن فِيهَا فحرجوا مِنْهَا طائعين وسلموها فى أَوَاخِر صفر سنة خمس والف وَوصل خبر اخذها الى ملك الانكروس فَقَامَ وَقعد وأرغى وأزبد لانها كَانَت عِنْدهم من القلاع الْمُعْتَبرَة فكاتب مُلُوك النَّصَارَى يطْلب الامداد مِنْهُم بالعساكر والذخائر فَاجْتمع اليه ملك النمجه وَملك الفرنج وحاكم الاردل وحاكم البغدان وحاكم الافلاق وسواكن الجزائر من حكام الْبَحْر فجاؤا الى امداده بسبعة جيوش يضيق عَنْهَا الفضاء وَكَانَ السُّلْطَان مُحَمَّد سَار بعسكره بعد فتح اكرى كل جَانب واحاطوا بِهِ وَكَانَ عَسْكَر الاسلام حِينَئِذٍ غير مستعد وَالنَّصَارَى فى غَايَة الْكَثْرَة جدا بِحَيْثُ ان جمعهم المخذول لَا يُحْصى وَكَانَ يَوْم دهمتهم يَوْم الْخَمِيس ثانى شهر ربيع الاولى من السّنة وَوَقع حَرْب عَظِيم فى ذَلِك الْيَوْم كُله الى ان دخل اللَّيْل فَتَفَرَّقُوا واصبحوا يَوْم الْجُمُعَة متحاربين أَيْضا واستعدت النَّصَارَى ازيد من الْيَوْم الاول فَكَانُوا غرقى فى الفولاذ ثمَّ هجموا دفْعَة وَاحِدَة على الْمُسلمين وفرقوهم بددا ووصلوا الى مخيم السُّلْطَان فَطلب السُّلْطَان اليه معلمه الخوجه سعد الدّين وَكَانَ فى صحبته فَحَضَرَ بَين يَدَيْهِ وَجعل يُثبتهُ وَالسُّلْطَان يستنهض عساكره الْخَاصَّة بِهِ من سلا حداريه وبلطجيه ويستغيث بِاللَّه فَلم يكن باسرع من أَن قوى الْمُسلمُونَ وادكهم بعض المنهزمين ففرقوا شَمل النَّصَارَى وأبادوهم ودخلوا بَينهم والتحم الْقِتَال
стр. 1684
وتراجع جَمِيع الْعَسْكَر مسعفين فكسروا النَّصَارَى وردوهم على اعقابهم وَوَقع السَّيْف فيهم وهم فارون حَتَّى قتل بَعضهم بَعْضًا من الزحام وَغَيره ووهب الله تَعَالَى لَهُ النَّصْر والتأييد وَلم يسلم اُحْدُ من الْكفَّار الا من هرب وغنم السُّلْطَان وَمن مَعَه غنيمَة عَظِيمَة واكثر ذَلِك كَانَ على يَد الْوَزير سِنَان باشا ابْن جغال والوزير حسن باشا ابْن مُحَمَّد باشا وأحصيت قَتْلَى الْمُسلمين فَكَانَ الذى اسْتشْهد من القواد مَا يقرب من اربعمائة وَمن اصحاب الالوية الْمعبر عَنْهُم فى اصْطِلَاح الرّوم بالصناجق بضعَة عشر رجلا وَمن الامراء الكبراء اربعة انفار وَمن العساكر مَا بَين فَارس وراجل مَا لَا يُحْصى وَوَافَقَ بعد الظفران السُّلْطَان قتل من عسكره الفارين جمَاعَة كثيرين وَقبض على باقيهم وحقرهم غَايَة التحقير فى مُنْصَرفه وعاقب بعض من فر بِقطع علوفته وَضبط ملكه وَمَاله لجِهَة بَيت المَال وَالْحَاصِل ان مَا وَقع لَهُ من هَذِه النُّصْرَة لم يَقع لَاحَدَّ من مُلُوك آل عُثْمَان وَذَلِكَ انما هُوَ بمحض لطف الهى وامداد ربانى غير متناه وَلَقَد حكى كثير من السياح ان مُلُوك الفرنج تطلق على هَذَا السُّلْطَان صَاحب الْقرَان وَهَذَا الْوَصْف انما هُوَ لمن بلغ فى الشجَاعَة الْمرتبَة الَّتِى لَا تسامى وانهم على عَادَتهم يصورون مُلُوك آل عُثْمَان فيقدمون هَذَا فى التَّصْوِير على كل الْمُلُوك وَذَلِكَ كُله بِسَبَب هَذِه النُّصْرَة الَّتِى رزقها وَحكى ابْن نوعى فى ذيل الشقائق عَن أَبِيه قَالَ بَيْنَمَا النَّاس فى ترقب أَمر النُّصْرَة للسُّلْطَان اذ هُوَ بشرنى بِهَذِهِ المبشرة الغيبية وَذَلِكَ انه رأى فى مَنَامه انه دخل مَجْلِسا فِيهِ النبى
واصحابه فَسمع اصحاب النبى
يتذاكرون أَمر هَذِه الْغَزْوَة ووقائعها ويحكون مَا جرياتها على التَّرْتِيب أمرا بعد أَمر قَالَ ثمَّ سَمِعت حَضْرَة الصّديق الاكبر رضى الله تَعَالَى عَنهُ يَقُول ان انهزام الْمُسلمين كَانَ مقررا لَكِن لما كَانَ السُّلْطَان مُحَمَّد أكْرمه الله تَعَالَى فأمده بملائكة النَّصْر حَتَّى حصل لَهُ الظفر والتأييد ثمَّ فى ثانى يَوْم من النُّصْرَة عزل الْوَزير الاعظم ابراهيم باشا وصير سِنَان باشا ابْن جغال مَكَانَهُ وَكَذَلِكَ فعل فى خَان التاتارغازى كراى خَان فانه عَزله وَأمره بالتوجه الى دَار السلطنة وصير أَخَاهُ فتح كراى خَانا وَعين حسن باشا ابْن مُحَمَّد باشا الْمُحَافظَة بلغراد ثمَّ أَمر الْعَسْكَر بالرحيل الى جَانب دَار الْملك ورحل بهم فَلَمَّا وصل الى قرب ادرنه عزل ابْن جغال واعاد ابراهيم باشا وَذَلِكَ بعد خَمْسَة وَأَرْبَعين يَوْمًا من تَوليته وَكَذَلِكَ فعل بِفَتْح كراى الا أَنه قَتله
стр. 1685
وَأعَاد غازى كراى الى مَكَانَهُ وَدخل الى مقرّ ملكه فى ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَألف بموكب حافل وَاسْتقر وفى أَوَاخِر شَوَّال من هَذِه السّنة عين حسن باشا لمحافظة نهر الطونه عوضا عَن بلغراد وَعين مُحَمَّد باشا الساطور جى سردارا على بِلَاد الانكروس فتقابل مَعَ الْكفَّار وَوَقع بَينهم قتال وَوَقع من محافظ بوسنه حسن باشا الترباقى اهمال فى مساعفته ولولاه مَا خلص مِنْهُم أحد وبقى الى سنة سبع سردارا وفيهَا فتح قلعة واردار وفى شهر ربيع الاول فى سنة سِتّ عزل ابراهيم باشا بِسَبَب انه كَانَ السَّبَب فى قتل فتح كراى بعد سبق اعانته الْعَسْكَر فى السّفر وَولى حسن باشا الْخَادِم الوزارة وفى ثانى شهر رَمَضَان من هَذِه السّنة حَبسه فى يدى قله ثمَّ قَتله بعد ثَمَانِيَة أَيَّام وَصَارَ مُحَمَّد باشا الْجراح وزيرا وفى اثناء ذَلِك استولت الْكفَّار على قلعة يانق وَبَعض قلاع وفى تَاسِع شَوَّال صَار ابْن جغال حَاكم الْبَحْر وفيهَا ولى حسن باشا ابْن مُحَمَّد باشا مُحَافظَة بَغْدَاد وارسل أَحْمد باشا الْحَافِظ الطواشى لمحافظة طونه وفى أَوَائِل سنة سبع كبس ميخال اللعين على غَفلَة قرب نيكبولى ففر الْحَافِظ مُنْهَزِمًا فحاصر اللعين قلعة نيكبولى مُدَّة ثمَّ رَحل عَنْهَا وفى ثانى عشر ربيع الاول مها عين مَحْمُود باشا الشهير بكوز لجه سردارا على الْعَسْكَر بِبِلَاد روم ايلى وفى جُمَادَى الْآخِرَة عزل الْجراح بتقاعد وَجه اليه وَأعَاد ابراهيم باشا وبهذه تمّ لَهُ ثَلَاث مَرَّات وفى عشرى شَوَّال عينه سردارا على بِلَاد الانكروس فوصل الى بلغراد وَأقَام بهَا مستنظرا قدوم مُحَمَّد باشا الساطورجى وَكَانَ غضب عَلَيْهِ السُّلْطَان لاهماله فى أَمر الْمُحَاربَة واتعابه الْعَسْكَر واسرافه فى المصارف وانتزاع يانق فى زَمَانه واقتلاع بعض قلاع فارسل اليه ضَابِط الْجند الطرفجى فَقتله فى ذى الْحجَّة وفى هَذِه السّنة تحركت الطغاة فى بِلَاد اناطولى لخلوها من العساكر واشتغالهم بمحاربة الْكفَّار فَخرج عبد الْحَلِيم البازجى الْمُقدم ذكره حُسَيْن باشا حَاكم الْحَبَشَة ثمَّ تبعهما حسن أَخُو عبد الْحَلِيم وَقد ذكرنَا تَفْصِيل أَحْوَالهم فى تَرْجَمَة عبد الْحَلِيم فَلَا تطيل باعادتها وفى سنة ثَمَان هلك ميخال اللعين وفيهَا قتل الْوَزير جَعْفَر باشا محافظ تبريزا كدره خَان من امراء الجرج وَبعث بِرَأْسِهِ وبابن لَهُ فحبس ابْنه فى يدى قله ثمَّ أسلم فاطلق وسمى مُحَمَّدًا وفيهَا هدم مَحْمُود باشا قلعة يركوك وَقدم الى دَار السلطنة وفى رَجَب مِنْهَا وصل خبر موت جَعْفَر باشا محافظ تبريز وفى غرى شعْبَان صَار حسن باشا اليمشجى قَائِما مقَام الْوَزير وفى شَوَّال رفعت امانة الْخمر
следующие страницы →