Полный текст (1 978 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الْغَالِب عَلَيْهِ فِي إنشائه الْعِنَايَة بالمعاني أَكثر من طلب التسجيع وَله رسائل بليغة وآثار شائعة وَاخْتصرَ حِصَّة من الْقَامُوس وَزَاد من عِنْده أَشْيَاء حَسَنَة الْموقع وسلك طَرِيق عُلَمَاء الرّوم فلازم الْمُفْتِي الْأَعْظَم صنع الله بن جَعْفَر وناب فِي الْقَضَاء بِدِمَشْق وَتَوَلَّى قَضَاء الركب الشَّامي فِي سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَلَقي شرِيف مَكَّة حِينَئِذٍ الشريف إِدْرِيس بن الْحسن ومدحه بقصيدة مطْلعهَا
(أَي ربع صبري عَاد فِيك دريسا ... وهواي أَمْسَى فِي حماك حَبِيسًا)
ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الجقمقية بالفرغ من المنلا بُسْتَان الرُّومِي نزيل دمشق وَأعْطى تدريس الدَّاخِل ونبل قدره وطار صيته ومدحه شعراء عصره بالقصائد السائرة وَرَأَيْت لبَعض الْفُضَلَاء كتابا ضخماً أَلفه باسمه وَسَماهُ الرياض الأنيقة فِي الْأَشْعَار الرقيقة افتتحه بقصيدة رائية فِي مدحه أَولهَا
(رنا فَرَمَانِي بِسَهْم النّظر ... وسل من الجفن سيف الْحور)
(فأدمى فُؤَادِي وَلَا مُنكر ... وأضحى يسائلني مَا الْخَبَر)
(وَمن عجب عَارِف بِالَّذِي ... عراني وَيسْأل عَمَّا ظهر)
وَلما قدم حَافظ الْمغرب أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْمقري إِلَى دمشق أنزلهُ فِي الْمدرسَة الجقمقية واعتنى بِهِ اعتناء زَائِدا وَصدر بَينهمَا محاورات جميلَة ومراسلات جليلة فَمن ذَلِك مَا كتبه الشاهيني فِي تهنئة بعام جَدِيد
(عَام جَدِيد وجدّ مقبل وَنهى ... فياضة وفهوم بتن كالشهب)
(فَهَل يرى الْبَدْر بدر الغرب فِي شَرق ... بِأَن يرى النَّجْم نجم الشرق فِي الْأَدَب)
(وَالْيَوْم مَا زَالَ سياراور بتما ... يحل منزلَة تنحط فِي الرتب)
وَأرْسل إِلَيْهِ بهدية وَخمسين قرشا وَكتب إِلَيْهِ معتذراً وأجاد إِلَى الْغَايَة
(لَو كَانَ لي أَمر الشَّبَاب خلعته ... بردا على عطفيك ذَا أردان)
(لَكِن تعذر بعث أوّل غايتي ... فَبعثت نَحْوك غَايَة الْإِمْكَان)
وَالْبَيْت الأول مَأْخُوذ من قَول الشريف الرضي
(وَلَو أَن لي يَوْمًا على الدَّهْر أمره ... وَكَانَ لي الْعَدْوى على الْحدثَان)
(خلعت على عطفيك برد شبيبتي ... جوداً بعمري واقتبال زماني)
فَرَاجعه الْمقري بقوله
(يَا وَاحِد الْعَصْر الَّذِي بمديحه ... سَارَتْ ركاب الْمجد فِي الْبلدَانِ)
стр. 212
(أوليتني مَالا أقوم بشكره ... مَالِي بشكر المنعمين يدان)
(ونظمت أشتات الْكَمَال جواهراً ... أضحت تفوق قلائد العقيان)
(فَالله يبْقى من جنابك سَيِّدي ... عين الزَّمَان ومفخر الْأَعْيَان)
وَسَيَأْتِي لمراجعتهما طرف فِي تَرْجَمَة الْمقري إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ الشاهيني على طَريقَة ابْن بسام ويقفو أَثَره فِي عَبث اللِّسَان وشكوى الدَّهْر وهجاء أَبنَاء عصره وَكَانَ ابْن بسام هجا أَبَاهُ فَضرب الشاهيني على قالبه ونسج على منواله حَيْثُ قَالَ فِي أَبِيه
(أَقُول لركب من معِين وهم على ... جنَاح رحيل دَائِم الخفقان)
(أما إِنَّه لَوْلَا فِرَاق بكورنا ... يثبن إِلَى ردّي بجذب عناني)
(وَلَوْلَا أبي شاهين قصّ قوادمي ... لَكَانَ جناحي وافر الطيران)
وَقَالَ
(لما رَأَيْت الْعَيْش من ثَمَر الصِّبَا ... وَعلمت أَن الْعَفو حَظّ الْجَانِي)
(أدْركْت مَا لَا سوّلته شبيبتي ... وَفعلت مَا لَا ظنّه شيطاني)
وَلما مَاتَ وَالِده فِي سنة أَرْبَعِينَ وَألف حزن لفقده وانعزل عَن النَّاس مُدَّة وَكَانَ كثيرا مَا ينشد لنَفسِهِ وَهُوَ معتزل
(لَيْسَ فِي دَارنَا الَّتِي نَحن فِيهَا ... من جَمِيع الْأَوْصَاف وَالْأَحْوَال)
(حَالَة تشبه الْجنان سوى مَا ... قد عَرفْنَاهُ من فرَاغ البال)
وَقَالَ يشكو من بَيته
(سئمت وَالله من الْبَيْت ... ليتي أرَاهُ فَارغًا ليتي)
(فِي كل يَوْم ألف تصديعة ... آخرهَا قَارُورَة الزَّيْت)
وَكَانَ مَعَ وفور أدبه قَلِيل الْحَظ من دُنْيَاهُ لَا يزَال ضيق الْحَال شاكياً من دهره وَله فِي هَذَا الْبَاب ملح وتحف فَمن ذَلِك قَوْله
(وقائلة مَا بَال جدّك عاثراً ... وَأَنت مقيل عَثْرَة الكرماء)
(فَقلت ذَرِينِي لَا أبالك لَيْسَ ذَا ... عثار جدودي بل عثار ذكائي)
وَقَوله من قصيدة كتبهَا وأرسلها إِلَى شَيْخه الْعِمَادِيّ الْمُفْتِي يستدعيه إِلَى الْقصر الَّذِي بناه بقرية كفر بَطنا ومطلعها
(كَفاك اغتراباً أَن تحل البواديا ... )
يَقُول فِيهَا
(وَلَو كنت مِمَّن خيرته جدوده ... تخيرت أَن أغدو لغمدان واليا)
(وَلَو ظَفرت نَفسِي بمبلغ حَقّهَا ... سموت فنظمت النُّجُوم مراقيا)
(وَمَا رضيت نَفسِي سوى الْبَدْر صاحباً ... وَلَا اتَّخذت إِلَّا عُطَارِد تاليا)
стр. 213
(وَلَا استوطنت إِلَّا المجرة رَوْضَة ... ونهراً إِذا رامت هُنَاكَ التلافيا)
(وَلَو أَن حظي رَاح يصحب همتي ... لبت على أيوان كيوان ساميا)
(غضِبت لدهري حِين غَيْرِي سما بِهِ ... وَزَاد لَهُ لما كرهت التساويا)
(زماني كحظي ثمَّ حظي كدهره ... فَمَا أَنا عَن دهري وَلَا عَنهُ رَاضِيا)
وَهِي قصيدة طَوِيلَة تحتوي على حماسة عَجِيبَة فِي بَابهَا وغمدان فِي قَوْله تخيرت أَن أغدو لغمدان كعثمان قصر بِالْيمن بناه يشْرَح بأَرْبعَة وُجُوه أَحْمَر وأبيض وأصفر وأخضر وَبنى دَاخله قصراً بسبعة سقوف بَين كل سقف وسقف أَرْبَعُونَ ذارعا كَذَا قَالَه فِي الْقَامُوس وَقَالَ بعض شرَّاح الْمَقْصُورَة الدريدية غمدان بِنَاء بصنعا لم يدْرك مثله هَدمه عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ فِي الْإِسْلَام وَله رسوم بَاقِيَة إِلَى الْآن وَالَّذِي بناه هُوَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَفِيه يَقُول الشَّاعِر
(فَاشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْك التَّاج مرتفعا ... فِي رَأس غمدان دَار مِنْك محلالا)
وَمن عَجِيب خبر الشاهيني أَنه امتحن باصطناع الكيميا وَصرف عَلَيْهَا أَمْوَالًا جمة وَلم ينل مِنْهَا طائلاً وَلما تحقق استحالتها فِي ذَلِك قَالَ
(لعمري لقد جربت كل مجرب ... من النَّاس أضحى يَدعِي الْعلم بِالْحجرِ)
(فَإِن قَالَ إِنِّي وَاصل قلت كَاذِب ... غَدا واصلاً فِي الْكَذِب للشمس وَالْقَمَر)
وَكَانَ كثيرا مَا يتَمَثَّل بِهَذِهِ الأبيات من جملَة قصيدة للطغرائي فِي هَذَا الْفَنّ وَهِي
(يَا طَالب الْعلم عَلَيْهِ يَدُور ... فِي كنب الرَّازِيّ وَشرح الشذور)
(وَجَابِر مَعَ نجل وحشية ... وخَالِد الأول ذَاك الحذور)
(إِذا هُوَ السهل الْقَرِيب الَّذِي ... أمات بالحسرة أهل الْقُبُور)
كتب الرَّازِيّ فِي هَذَا الْفَنّ كَثِيرَة أشهرها سر الْأَسْرَار وَشرح الشذور الَّذِي عناه هُوَ شرح الْجلد كي لِأَنَّهُ أشهر شروحه وَأما مَتنه فَهُوَ لسيدي عَليّ بن مُوسَى بن ارْفَعْ رَأس المغربي وَجَابِر هُوَ ابْن حَيَّان الصُّوفِي عبد الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق ﵁ وَفِيه يَقُول صَاحب الشذور
(حِكْمَة أورثناها جَابر ... عَن إِمَام صَادِق القَوْل حفى)
(يُوصي طَابَ من تربته ... فَهُوَ كالمسك تُرَاب نجفى)
وَابْن وحشية أستاذ كَبِير فِي هَذَا الْفَنّ وخَالِد بن يزِيد كَانَ معاصر الجابر وَهُوَ أول من عرب الْكتب الْحكمِيَّة إِلَى لُغَة الْعَرَب وَله الدِّيوَان الْمَشْهُور بالفردوس وَكَون
стр. 214
هَذَا الْفَنّ يُوجب التحسر مِمَّا لَا يحْتَاج إِلَى تفكر وَمَا أحسن قَول مُحَمَّد بن عبد السَّلَام
(قد نكس الرَّأْس أهل الكيميا خجلاً ... وقطروا أدمعاً من بعد مَا سهروا)
(إِن طالعوا كتبا للدرس بَينهم ... صَارُوا ملوكاً إِن هم جربوا افتقروا)
(تعلقوا بحبال الشَّمْس من طمع ... وَكم فَتى مِنْهُم قد غره الْقَمَر)
وللشهاب الخفاجي
(مولَايَ مثل الكيمياء وَلَيْسَ من ... أكسيره نفع لكسرى جَابر)
(فَإِذا تصورناه فَهُوَ لنا غنى ... وَإِذا نجر بِهِ ففقر حَاضر)
والأكسير شَيْء يوضع قَلِيله على النّحاس فَيصير ذَهَبا وعَلى الرصاص فَيصير فضَّة وَقد اشْتهر فِي الكيميا وَقَالَ ابْن عَرَبِيّ بِحِصَّتِهِ وَكَذَا الشَّيْخ الْبونِي وَكثير من الْعلمَاء وَمن حوز تعاطيه شَرط أَن لَا تنْقَلب عَنهُ عَن مَعْدن النَّقْدَيْنِ بعد ذَلِك وَأنْكرهُ أَبُو حَيَّان والحافظ السُّيُوطِيّ وَالتَّحْقِيق أَن تعاطيه من غير علم يقيني عَبث وضلال وَفَسَاد وَعَن مشَاهد من أستاذ عَارِف واختبار لمعدنه بِحَيْثُ يبْقى ذَهَبا أَو فضَّة لم يتَغَيَّر وَإِذا عرض على أَرْبَاب الْخِبْرَة أَجمعُوا على أَن معدنه صَحِيح جَائِز وَنقل ابْن شَاكر عَن الْعَلامَة عبد الرَّحِيم على الشير بِابْن برهَان وَكَانَ رحْلَة فِي عُلُوم شَتَّى وَكَانَ عُرْيَان الرَّأْس أَنه قَالَ لَو كَانَ علم الكيميا حَقًا لما احتجنا إِلَى الْخراج وَلَو كَانَ علم الطلاسم حَقًا لما احتجنا إِلَى الجنذ وَلَو كَانَ علم النُّجُوم حَقًا لما احتجنا إِلَى الرُّسُل والبريد وَقد خرجنَا عَمَّا يَعْنِي إِلَى ضِدّه فلنرجع لما نَحن بصدده فَنَقُول أَن لِابْنِ شاهين قصدا غررا وَمن أحْسنهَا ديباجة قصيدته الَّتِي كتب بهَا إِلَى شيخ الْإِسْلَام يحيى بن زَكَرِيَّا يمدحه بهَا وَيطْلب مِنْهُ قَضَاء الْحَج وَقد تقدم طرف من خَبَرهَا فِي تَرْجَمَة أَحْمد بن زين الدّين المنطقي ومطلعها قَوْله
(لَا يسلني عَن الزَّمَان سؤول ... إِن عتبي على الزَّمَان يطول)
(طَال عتبي كطول عمر تجنيه ... فعتبي بِذَنبِهِ مَوْصُول)
(أنست بِي خطوبه فَلَو اغتال ... سوائي لعزني التبديل)
وَهَذَا ينظر إِلَى قَول الشريف البياضي
(ألفت الضنى لما تطاول مكثه ... فَلَو زَالَ عَن جسمي بكته الْجَوَارِح)
وَقَول أبي الطّيب المتنبي
стр. 215
(حَلَفت ألوفاً لَو رجعت إِلَى الصبى ... لفارقت شيبي مرجع الْقلب باكيا)
رَجَعَ
(وأحاطت سهامه بِي حَتَّى ... سد طرق المسام مني النصول)
رَجَعَ أَخذه من قَول المتنبي
(فصرت إِذا أصابتني سِهَام ... تَكَسَّرَتْ النصال على النصال)
(أَبْتَغِي صفوة الْحَيَاة ضلالا ... وَسَوَاد اللَّيْل لَيْسَ يحول)
رَجَعَ
(أَنا يَا دهر لست إِلَّا قناة ... لم يشنها لدي الْمَكْر النحول)
(إِن أكن فِي الحضيض أَصبَحت لي ... فِي ذرى الأوج كل حِين أجول)
(فطريقي هُوَ المجرة فِي السّير ... وَعند السماك دأبي المقيل)
(صنت نَفسِي ترفعاً عِنْد قدري ... فكثير الْأَنَام عِنْدِي قَلِيل)
(فَإِذا قيل لي فلَان ترَاهُ ... ذَا جميل أَقُول صبري الْجَمِيل)
(وفرت همتي عَليّ وعزمي ... مَاء وَجْهي فسيف عرضي صقيل)
(قد عرفت الْأَيَّام قدماً فَلَمَّا ... أَن دهتني أَبَت وَعِنْدِي الدَّلِيل)
أَخذه من قَول المتنبي
(عرفت اللَّيَالِي قبل مَا صنعت بِنَا ... فَلَمَّا دهتني لم تزدني بهَا علما)
(سلبتني بالغدر كل جميل ... غير فضلي ففاتها المأمول)
رَجَعَ
(إِن هَذَا الزَّمَان يحمل مني ... همة حملهَا عَلَيْهِ ثقيل)
(يتَأَذَّى من كَون مثلي كَأَنِّي ... أَنا مِنْهُ فِي الصَّدْر دَاء دخيل)
(فَكَأَنِّي إِذا انتضيت يراعاً ... بسنان على الزَّمَان أصُول)
(وَكَأن المداد إِذا رقمته ... أنملي والدموع مني تسيل)
(صبغة أثرت بحظي سواداً ... وأحالته وَهِي لَا تستحيل)
(لَيْتَني لَو صبغت فودي مِنْهَا ... فارعوى الشيب واستحال الفضول)
(لَا أرى أنني انْفَرَدت بِهَذَا ... كل أَيَّام دهر مثلي شكول)
وَمن شعره
(وأذكرني قدّ الْقَنَاة قوامه ... وهزني الشوق اهتزاز المهند)
(وأزعجني حَتَّى ظَنَنْت وِسَادَتِي ... عليّ وَقد أمست كقطعة جلمد)
(على أنني يَا شوق بِاللَّه عَائِد ... ومستشفع من فتنتي بِمُحَمد)
وَقَوله فِي جبهة مَحْبُوب أثرت الشَّمْس فِيهَا
(عجبت للشمس إِذْ حلت مُؤثرَة ... فِي جبهة لم أخلها قطّ للبشر)
стр. 216
(وَإِنَّمَا الْجَبْهَة الغراء منزلَة ... مُخْتَصَّة فِي ذرى الأفلاك بالقمر)
(مَا كنت أَحسب أَن الشَّمْس تعشقه ... حَتَّى تبينت مِنْهَا حِدة النّظر)
وَقَوله فِي مجدر
(وقائلة وَالشَّمْس أَعنِي وَقد رَأَتْ ... قروحاً على خدّ يفوق على الْورْد)
(أما تغتدي تهدي لحبك عوذة ... فَقلت وَهل تغني الرقى من أخي الوجد)
(فَجَاءَتْهُ ولهى بالنجوم عمائماً ... فأدهشها حَتَّى نثرن على الخد)
وَهُوَ معنى حسن تصرف فِيهِ وَأَصله قَول بَعضهم
(كَأَنَّهُ غنى لشمس الضُّحَى ... فنقطته طَربا بالنجوم)
وَمن قَوْله المستجاد
(نصل الشَّبَاب وَمَا نصلت من الْهوى ... وبدا المشيب وفيّ فضل تصابي)
(وغدوت أعترض الديار مُسلما ... يَوْمًا فَلم تسمح بردّ جوابي)
(فَكَأَنَّهَا وكأنني فِي رسمها ... أعشى يحدّق فِي سطور كتاب)
وَقَوله أَيْضا
(قد كَانَ يُمكن أَن أكف يَد الْهوى ... عني وأعصي فِي الْبكاء جفوني)
(لَكِن لي صبرا مَتى استنجدته ... ضحك الْهوى وبكت عليّ عيوني)
وَقَوله فِي معذر
(حفت رياض خدوده رَيْحَانَة ... فغدت لأزهار بهَا أكماما)
(وتحوّطتها هَالة لعذاره ... فتوهموه للبدور غماما)
وَقَوله فِيهِ أَيْضا
(ومعذر كتب الْجمال بِوَجْهِهِ ... سطرين بَين مضرج ومدلج)
(فكأنّ خديه ولون عذاره ... ورد تفتح فِي رياض بنفسج)
وَسمع حِكْمَة من قَول بعض الْحُكَمَاء الْمُتَقَدِّمين وَهِي قَوْله الدُّنْيَا إِذا أَقبلت على الْمَرْء كسته محَاسِن غَيره وَإِذا أَدْبَرت عَنهُ سلبته محَاسِن نَفسه فنظمها فِي قَوْله
(إِذا أَقبلت دنياك يَوْمًا على امرىء ... كسته وَلم يشْعر محَاسِن غَيره)
(وَإِن أَدْبَرت تسلب محَاسِن وَجهه ... ويلقى شروراً فِي تضاعيف خَيره)
وَله غير ذَلِك مِمَّا يطول شَرحه وَلَا تَنْتَهِي محاسنه فلنتقتصر مِنْهُ على هَذَا الْمِقْدَار وَأما نثره فكثير وَقد أوردت لَهُ كثيرا من منشآته فِي كتابي النفحة فَليرْجع إِلَيْهِ
стр. 217
وَقد ذكره البديعي فِي ذكرى حبيب فَقَالَ فِي تَرْجَمته طَار صيت فَضله فِي الْبِلَاد وسرى كَلَامه مسرى الْأَرْوَاح فِي الأجساد وَمَا سفرت رقة النسيم إِلَّا عَن خلقه الْكَرِيم وَمن قَاس جود وَكَرمه بكعب وحاتم فقد ظلمه وَأما اللُّغَة فقد فصل مجملها وَفرق معضلها وانتقد جوهري نظره صِحَاح ألفاظها وَأظْهر بفائق فكره غلط حفاظها فالقاموس جدول كِتَابه والعباب سيف عبابه وَمن وقف فِي اللُّغَة على كِتَابه الفاخر علم مِنْهُ كم ترك الأول للْآخر كَمَا قَالَ هُوَ
(لَا تقل للأوائل الْفضل كم من ... أوّل فَضله نبا عَن أخير)
وَإِذا قرنت بَدَائِع نظمه ونثره بِكَلَام كل متقدّم من شعراء الشَّام إِلَى عصره كَانُوا المذانب وَهُوَ الْبَحْر وَالْكَوَاكِب وَهُوَ الْبَدْر هَذَا وكل إطناب فِي مدحه إيجاز وكل حَقِيقَة لَهُ من الْمَدْح فِي غير مجَاز ثمَّ ذكر ابْتِدَاء أمره كَمَا ذكرت وَأورد لَهُ شَيْئا كثيرا من شعره وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ من نَوَادِر الْأَيَّام وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة خمس وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي شَوَّال سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس وَكَانَ يَوْم مَوته ماطراً جدا فَقَالَ الْأَمِير المنجكي يرثيه
(قلت لما قضى ابْن شاهين نحبا ... وَهُوَ مولى يُشِير كل إِلَيْهِ)
(رحم الله سيداً وعزيزاً ... بَكت الأَرْض وَالسَّمَاء عَلَيْهِ)
أَحْمد بن شمس الدّين الصفوري الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بالبيضاوي نزيل الْمدرسَة الحجازية بِدِمَشْق الْفَاضِل الْعَالم المؤرخ ولد بقرية صفورية وَقدم إِلَى دمشق وَهُوَ فِي سنّ الكهولة وَقَرَأَ على الشَّيْخ مُحَمَّد الْحِجَازِي وَولده عبد الْحق وخدمهما مُدَّة طَوِيلَة وَكَانَ منعزلاً عَن النَّاس منكفاً عَن مخالطتهم رَأْسا وَله تلامذة يأْتونَ إِلَيْهِ ويقتبسون مِنْهُ وَله ملكة فِي الْعُلُوم واطلاع زَائِد على علم التَّارِيخ والوقائع وَكتب كتبا كَثِيرَة بِخَطِّهِ وضبطها بضبطه وَلم يتَزَوَّج فِي عمره قطّ وَكَانَت وَفَاته بِدِمَشْق فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس وَسبب مَوته أَنه كَانَ ممتحناً بغلامين أَحدهمَا من أَبنَاء غوطة دمشق وَالْآخر من أَبنَاء دمشق وَقد أقرأهما الْعَرَبيَّة وَالْفِقْه وبرعا وَكَانَ الْغُلَام الأول لَهُ بعض أقَارِب فِي قريته فاتفق أَنهم زاروا قريبهم عِنْد صَاحب التَّرْجَمَة لَيْلَة دوران الْمحمل لأجل التفرج وَأَقَامُوا عِنْدهم إِلَى نصف اللَّيْل ثمَّ قَامُوا إِلَى الْبَيْضَاوِيّ والغلامين وهم نيام وقتلوهم وَأخذُوا جَمِيع مَا كَانَ فِي الْمَكَان من مَال وَكتب وَأَسْبَاب وقفلوا الْبَاب وَسَارُوا وَلم يشْعر
стр. 218
بهم أحد ثمَّ بعد ثَمَانِيَة من قَتلهمْ فاحت روائحهم بِالْمَدْرَسَةِ وَأعلم بذلك الْحُكَّام فكشف عَلَيْهِم وغسلوا ودفنوا وَلم يعلم قَاتلهم غير أَن حَاكم الْعَرَب مَحْمُود البلطجي متسلم مصطفى باشا السلاحدار الظَّالِم الْمَشْهُور أَخذ من الْمحلة وَمن غَالب قرى دمشق جريمة عَظِيمَة نَحْو ألفي قِرْش والقصة مَشْهُورَة وَالله أعلم
الشَّيْخ أَحْمد الْهَادِي بن شهَاب الدّين بن السقاف باعلوي الْحُسَيْنِي قدس الله سره الْمَوْصُوف بالجلالة والفخامة الْعَالم الْعَامِل الْوَلِيّ كَانَ إِمَام الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول عَارِفًا بطرِيق الْقَوْم محتفلاً بكتبهم مقتفياً لآثارهم الحميدة مُلْتَزما لآدابهم مشتغلاً فِي غَالب أوقاته بأنواع الْعُلُوم من فقه وأصول وَحَدِيث وَتَفْسِير وآلات كنحو وَصرف وَكَانَ لَهُ درس خَاص فِي كتاب إحْيَاء عُلُوم الدّين لحجة الْإِسْلَام الْغَزالِيّ وَكَانَ مجاب الدعْوَة وَكَانَت وَفَاته فجر يَوْم الثُّلَاثَاء من ذِي الْقعدَة سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف بِمَكَّة وَدفن بالمعلاة رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن شيخ عبد الله بن شيخ العيدروس اليمني الْوَلِيّ القطب المكاشف ذكره الشلي فِي تَارِيخه وَقَالَ فِي تَرْجَمته ولد بِمَدِينَة تريم فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة يضبطها بالجمل الْكَبِير عدد حُرُوف ولي الله شمس الشموس وَصَحب جمَاعَة من أكَابِر عصره مِنْهُم السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن شهَاب وَالشَّيْخ الإِمَام أَحْمد بن علوي باجحدب وَالشَّيْخ أَحْمد بن حُسَيْن العيدروس ثمَّ رَحل إِلَى وَالِده بالديار الْهِنْدِيَّة وَأقَام عِنْده بِأَحْمَد أباد ولاحظته عناية أَبِيه ثمَّ سَافر إِلَى بندر عدن وَأخذ عَن الإِمَام الْعَارِف عمر ابْن عبد الله العيدروس وَغَيره ولازم أَبَاهُ فِي دروسه وَلما مَاتَ أَبوهُ انْتقل إِلَى بندر بروج وقصده النَّاس لالتماس بركته وحصلت لَهُ حَال غيبته عَن الإحساس وَكَانَ فِي حَال غيبته يخبر بالمغيبات وَأخْبر جمَاعَة بِمَا هم متلبسون بِهِ فِي الْحَال وَآخَرين بِمَا سيؤل إِلَيْهِ أَمرهم ودى لجَماعَة من أهل الْعِلَل والأمراض بالشفاء فعافاهم الله تَعَالَى وَلم يحتاجوا إِلَى اسْتِعْمَال الدَّوَاء وَأخْبر السَّيِّد عبد الله بن شيخ أَن أَبَاهُ شَيخنَا انْتقل إِلَى رَحْمَة الله بتريم وَأَن أَخَاهُ السَّيِّد عبد الرَّحْمَن قَامَ مقَامه وَورد فِي الْخَبَر بِأَن ذَلِك الْيَوْم وَقع فِيهِ الِانْتِقَال وَأَن الْأَمر كَمَا قَالَه وَله رَحمَه الله تَعَالَى كرامات كَثِيرَة وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْجُمُعَة لأَرْبَع عشرَة بَقينَ من شعْبَان سنة أَربع وَعشْرين وَألف وَدفن ببندر بروج ﵀
السَّيِّد أَحْمد بن شَيْخَانِ باعلوي وَتقدم تَتِمَّة نسبه فِي تَرْجَمَة حفيده أبي بكر الْحُسَيْنِي
стр. 219
السَّيِّد الشريف ولد بالمخا وَكَانَ من أكَابِر الْأَشْيَاخ الصَّالِحين والأولياء الْمُكرمين الكاملين وَكَانَ حَاتِم زَمَانه فِي الْكَرم مُرَتبا لغالب أَصْحَابه كل سنة نَقْدا وَكِسْوَة وَكَانَ يكرم الوافدين وَيُحب الْفُقَرَاء وَكَانَ يعْمل كل يَوْم سماطاً عَظِيما يجلس هُوَ وجماعته وَأَصْحَابه ثمَّ يجلس الخدام وَمن حضر ثمَّ العبيد وَأهل الْحَرْف الدنية وَيفْعل نَحْو أَرْبَعِينَ رغيفاً يجلس تَحت بَابه وكل من مر من الْفُقَرَاء أعطَاهُ رغيفاً وَلما مَاتَ وَالِده استولى على مخلفاته أَخُوهُ السَّيِّد حسن وأبرأه صَاحب التَّرْجَمَة من جَمِيعهَا وتعاطى التِّجَارَة فَفتح الله تَعَالَى عَلَيْهِ حَتَّى اتسعت أملاكه واستوطن وَصَارَ يمد أَخَاهُ بِالنَّفَقَةِ وَبنَاته من بعده وزار جده النَّبِي
وَحصل لَهُ مزِيد الْإِكْرَام وَعمي آخر عمره وَلما زار النَّبِي
وَقد كف بَصَره زار بعض الْأَوْلِيَاء الَّذين يرَوْنَ النَّبِي
وَطلب أَن يسْأَله هَل قبلت زيارته فَقَالَ لَهُ قَالَ النَّبِي
نعم قبلت زيارته فَطلب مِنْهُ أَن يسْأَله أَن يَدْعُو الله تَعَالَى أَن يرد إِحْدَى عَيْنَيْهِ ليعيش بهَا وَينظر إِلَى عجائب مخلوقاته فَقَالَ النَّبِي
سيرد الله تَعَالَى عَلَيْهِ عَيْنَيْهِ فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ فَإِنَّهُ لما رَجَعَ إِلَى مَكَّة أَتَى إِلَيْهِ رجل فَفتح لَهُ عَيْنَيْهِ وَاسْتمرّ إِلَى أَن مَاتَ فجر يَوْم الْجُمُعَة ثامن رَجَب سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف بثغر جدة فَحَمله وَلَده سَالم من جدة إِلَى مَكَّة وَوصل بِهِ لَيْلَة السبت وَدفن فِي صبح الْيَوْم الْمَذْكُور على أَبِيه وأخيه فِي حوطة آل باعلوي الشهيرة بالمعلاة وأرخ وَفَاته سَالم بعد أَن رَآهُ فِي مَنَامه بقوله
(شاهدت فِي عَام الْوَفَاة بليلة ... غراء أَحْمد قَائِلا نَفسِي احمدي)
(أسكنت جنت النَّعيم نعم هِيَ ... نزلا فتاريخ الْوَفَاة تخلدي)
الشَّيْخ أَحْمد بن صَالح بن عمر الْقُدسِي العلمي الْفَقِيه الزَّاهِد العابد بن أخي الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد الْعلي الْمَشْهُور من بَيت الْولَايَة وَالصَّلَاح لَهُم الرتب الْعلية فِي الْبَيْت الْمُقَدّس وَخرج مِنْهُم عُلَمَاء وصلحاء كَثِيرُونَ وَقد ظَفرت بِتمَام نسبهم بِخَط بعض فضلاء الْقُدس فِيمَا كتب إِلَيّ مِنْهَا فِي الوفيات هَكَذَا عمر جد أَحْمد بن مُحَمَّد سعد الدّين بن تَقِيّ الدّين بن القَاضِي نَاصِر الدّين بن أبي بكر بن أَحْمد بن الْأَمِير مُوسَى ولي الله صَاحب الكرامات بن عمر بن علم الدّين بن ربيع بن سُلَيْمَان بن الْمُهَذّب بن قَاسم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن حسن بن أَحْمد الحكاري انْتهى وَكَانَ أَحْمد صَاحب التَّرْجَمَة
стр. 220
من عباد الله الصَّالِحين لَهُ الْوَرع التَّام وَالْعِبَادَة وَكَانَ ملازماً لِلْمَسْجِدِ وَصَلَاة الْجَمَاعَة دَائِم التَّهَجُّد والأوراد أَخذ عَن عَمه التصوف ولازمه وانتفع بِهِ وَفِي آخر أمره رَحل إِلَى دمشق فَتوفي بهَا عَشِيَّة الْجُمُعَة منتصف شَوَّال سنة أَربع وَخمسين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس
الشَّيْخ أَحْمد صفي الدّين بن صَالح بن أبي الرِّجَال اليمني الأديب المؤرخ الوافر الِاطِّلَاع كَانَ من أَفْرَاد الْيمن وقوراً ذَا أدب وسلامة لفظ وَحسن تأنق ولطافة طبع فَهُوَ إِنْسَان عين زَمَانه وأديب أَوَانه من سراة الأدباء والفضلاء بِصَنْعَاء وَكَانَ طلق الْوَجْه حسن الشمايل حلقت عَلَيْهِ الدُّرُوس بِمَدِينَة صنعاء وشهارة وصعدة وَكَانَ لَهُ الْيَد الطُّولى فِي الْمعَانِي وَالْبَيَان وتفاسير الْقُرْآن وَتَقْيِيد الْفُرُوع بالأصول ورد كل شَيْء إِلَى أَصله وَتَوَلَّى الخطابة وَأَنْشَأَ الْخطب فِي خلَافَة الإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم ولازم حَضرته وَألف وَقيد وَمن أَجود مؤلفاته تَارِيخه الَّذِي جمعه لليمن وَسَماهُ مطلع البدور وَمجمع البحور وَهُوَ تَارِيخ حافل فِي سبع مجلدات وَذكر مُعظم عُلَمَاء الْيمن وأئمتها ورؤسائها وَقد وقفت بِخَط صاحبنا الأديب مصطفى بن فتح الله نزيل مَكَّة على تراجم مِنْهُ تتَعَلَّق بِأَهْل هَذِه الْمِائَة فأدرجتها فِي محلهَا وأعجبني حسن أسلوبها ولطف تعبيراتها وَكَانَ ينظم وينثر فَمن نظمه مَا قَالَه يصف محَاسِن الرَّوْضَة بِصَنْعَاء بقوله
(رَوْضَة قد صبا لَهَا السعد شوقاً ... وَصفا لَيْلهَا وطاب المقيل)
(جوّها سَجْسَج وفيهَا نسيم ... كل غُصْن إِلَى لقاه يمِيل)
(صَحَّ سكانها جَمِيعًا من الدَّاء ... وجسم النسيم فِيهَا عليل)
(إيه يَا ماءها العذب صلصل ... حبذا يَا زلال مِنْك الصليل)
(إيه يَا وَرقهَا المرنة غَنِي ... فحياة النُّفُوس مِنْك الهديل)
(روض صنعاء فقت لوناً وطبعاً ... فكثير الثَّنَاء فِيك قَلِيل)
(ته على الشّعب شعب بوّان وافخر ... فعلى مَا نقُول قَامَ دَلِيل)
(نهر دافق وجوّ فتيق ... زهرها فائق وظل ظَلِيل)
(وثمار قطوفها دانيات ... يجتنيها قصيرنا والطويل)
(لست أنسى ارتعاشي رحرور غُصْن ... طَربا والقضيب مِنْهُ يمِيل)
(وعَلى رَأس دوحة خَاطب الْوَرق ... ودموع الغصون طلاً يسيل)
стр. 221
(ولسان الرعود تهتف بالسحب ... فَكَانَ الْخَفِيف مِنْهَا الثقيل)
(وفم السحب باسم عَن بروق ... مستطير شعاعها مسطيل)
(وزهور الربى تعجب من ذَا ... شاخصاً طرفها الْمليح الْجَمِيل)
(فانبرت قضبها تراقص تيهاً ... كخليل سقَاهُ خمرًا خَلِيل)
(وعَلى الجوّ مطرف الجوّ ضاف ... وعَلى الشط برج أنس أهيل)
(فِيهِ لي رفْقَة رقاق الْحَوَاشِي ... كَاد لين الطباع مِنْهُم يسيل)
(أريحيون لَو تسومهم الرّوح لجادوا ... فَلَيْسَ مِنْهُم بخيل)
(نتهادى من الْعُلُوم كؤوساً ... طَيّبَات مزاجها زنجيبيل)
(وغوانٍ من الْمعَانِي كعاب ... رِيقهَا حِين رشفه سلسبيل)
(طَابَ لي دارها وطاب ضحاها ... كَيفَ أسحارها وَكَيف الْأَصِيل)
وَله أشعار غير هَذِه الأبيات ومنشآت وعَلى كل حَال فالمعارف هَالة وَهُوَ بدرها والفضائل رَوْضَة وَهُوَ زهرها وَكَانَت وَفَاته بِصَنْعَاء فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
الْأَمِير أَحْمد بن طرباي بن عَليّ الْحَارِثِيّ أَمِير اللجون من قَبيلَة حَارِثَة يَنْتَهِي نسبهم إِلَى سِنْبِسٍ بِكَسْر السِّين وَسُكُون النُّون وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعدهَا سين مُهْملَة من طي وَهَؤُلَاء الْقَوْم لَهُم قدم فِي الامارة مَا زَالُوا فِي جينين وَمَا والاها من الْبِلَاد لَهُم الْعِزَّة وَالْحُرْمَة وَأحمد هَذَا نبغ من بَيتهمْ وحيداً فِي المفاخر والشجاعة وَكَانَ لَهُ الرَّأْي الصائب والطالع المسعود والعهد الوفي ولي فِي مبدأ أمره حُكُومَة صفد ثمَّ تولى حُكُومَة اللجون بعد موت أَبِيه طرباي فِي سنة عشر بعد الْألف وَوَقع بَينه وَبَين فَخر الدّين بن معن حروب كَثِيرَة وَكَانَ ابْن معن توجه إِلَى بِلَادهمْ ثَلَاث مَرَّات للمحاربة ورحل ابْن طرباي إِلَى الرملة وَكَانَ فِي كل مرّة يكسر عَسْكَر ابْن معن ويدحضه وَأشهر وقعاته مَعَه وقْعَة يافا وَكَانَ هُوَ وَحسن باشا حَاكم غَزَّة والأمير مُحَمَّد ابْن فروخ أَمِير نابلس فَقتل من جمَاعَة ابْن معن مقتلة عَظِيمَة وغنم غنيمه وافرة جدا وَمِمَّا شاع لَهُ فِي صدق الْعَهْد مَا وَقع لَهُ مَعَ ابْن جانبولاذ مَعَ ابْن سَيْفا وَكَانَ ابْن سَيْفا هرب إِلَى مَحل حُكُومَة ابْن طرباي فَأكْرمه وَأظْهر لَهُ مَا يَلِيق بأمثاله وَكَانَ ابْن سَيْفا خرج إِلَيْهِ وَمَعَهُ سَبْعَة رجال من جماعته وَكَانَ مَعَه من الْأَمْوَال والذخائر مَا لَا يدْخل تَحت الإحصاء فَأرْسل ابْن جانبولاذ إِلَى طرباي برسالة وَذكر لَهُ أَنه يجْتَهد فِي قتل ابْن
стр. 222
سَيْفا وَله جَمِيع مَا مَعَه من المَال وَإِن لم يفعل جوزي بالعقاب الشَّديد فَكَانَ جَوَابه أَن هَذِه كلمة لَا تقال وَمن وَقع فِي مثل هَذَا فعثرته لَا تقال ثمَّ بَادر إِلَى إكرام ابْن سَيْفا أَزِيد مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ وأهداه خيولاً وَغير ذَلِك وَكَانَ من خطابه لَهُ لَو كَانَ لي مَال لقدمته إِلَيْك وَلَكِن عِنْدِي خُيُول وفيهَا جواد لم يعل ظَهره أحد بعد أبي فَهُوَ لَك مني هَدِيَّة وَأقَام ابْن سَيْفا عِنْده أَيَّامًا إِلَى أَن راسل عَسْكَر الشَّام بِأَن يقدموا عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِي مَعَهم إِلَى دمشق وَلما وردوا تجهز مَعَهم وأتى من طَرِيق حوران إِلَى دمشق وَتَمام قصَّته نذكرها إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي تَرْجَمته فِي حرف الْبَاء وَكَانَت وَفَاة الْأَمِير أَحْمد سنة سبع وَخمسين وَألف وَقد قَارب الثَّمَانِينَ وَقد ولي الْحُكُومَة بعده ابْنه زين وَكَانَ شجاعاً عَاقِلا حَلِيمًا ثمَّ ولي بعده أَخُوهُ مُحَمَّد وَكَانَ جواداً سمح الْكَفّ ممدحاً توفّي لَيْلَة السبت سَابِع عشري جُمَادَى الثَّانِيَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بجينين وَقَامَ من بعده ابْن أَخِيه زين الْمَذْكُور وَصَالح ثمَّ يُوسُف بن عَليّ بن عمتهم إِلَى سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف فَخرجت الْحُكُومَة عَنْهُم ووليها أَحْمد باشا الترزي وتصرفت فِيهَا السلطنة إِلَى يَوْمنَا هَذَا واللجون موضعان الأول مَدِينَة بالأردن قديمَة وَهِي قَرْيَة يسكنهَا بعض أنَاس قَلَائِل حُكيَ أَن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ سكن هَذِه الْمَدِينَة وَمَعَهُ غنم لَهُ وَكَانَت الْمَدِينَة قَليلَة المَاء فَسَأَلُوهُ أَن يرتحل عَنْهُم لقلَّة المَاء فَضرب بعصاه على صَخْرَة هُنَاكَ فَخرج مِنْهَا مَاء كثير حَتَّى عَم أهل الْبَلَد ببركته والصخرة بَاقِيَة إِلَى وقتنا هَذَا وَالثَّانِي منزل فِي طَرِيق الْمَدِينَة قرب البلقا وَالله أعلم
مولَايَ أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس الْمَنْصُور بن الْخَلِيفَة الْمهْدي ابْن أبي عبد الله الْقَائِم بِأَمْر الله الشريف الحسني ملك مراكش وفاس السُّلْطَان الْعَالم الأديب كَانَ من أَمر جده الشَّيْخ أَنه كَانَ فِي بداية أمره من أهل الْعلم وَكَانَ مُجْتَهدا فِي تَحْصِيل الكمالات فَاطلع على شَيْء من الجفر وَرَأى أَن طالعه يُوَافق الْملك فَصَارَ قَاضِيا فِي نواحي السوس من ديار الغرب ثمَّ وثب على بني حَفْص المنتسبين إِلَى عمر بن الْخطاب ﵁ فَلم يزل يقاتلهم حَتَّى ملك دِيَارهمْ وَعَفا من السلطنة آثَارهم وَقتل كثيرا من الْعلمَاء وَمن جملَة من قتل الشَّيْخ الزقاق وَكَانَ يَقُول من قتل سوسياً كَانَ كمن قتل مجوسياً فَلَمَّا مسكه قَالَ لَهُ أَنْت زق الضلال فَقَالَ لَهُ لَا وَالله بل أَنا زق الْعلم وَالْهِدَايَة فَجعل عَلَيْهِ هَذَا الْكَلَام حجَّة وَبِه قَتله وَاسْتمرّ يؤسس قَوَاعِد ملكه إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَقَامَ بِالْأَمر بعده
стр. 223
وَلَده عبد الله وَتُوفِّي فَتَوَلّى الْملك بعده وَلَده مُحَمَّد أَخُو مولَايَ أَحْمد صَاحب التَّرْجَمَة وَكَانَ أكبر إخْوَته وَلما جلس على سَرِير السلطنة أظهر مولَايَ أَحْمد الْمَنْصُور أَنه غير طَالب للْملك وَأَنه لَا ينْفق رَأس مَال عمره فِي غير مَا للْعلم من كنوز ومطالب فَلَمَّا مَاتَ أَخُوهُ قَامَ وَلَده فِي مَحَله وَاسْتولى عَلَيْهِ الْغرُور واشار عَلَيْهِ بعض خدمته بقتل من بَقِي من أَعْمَامه فَلَمَّا علم بذلك مولَايَ أَحْمد وجف بِجَيْش من الرّوم وَمَعَهُ أَخُوهُ وجيش من عِنْده وقاتله فتمت على ابْن أَخِيه الْهَزِيمَة وَذهب إِلَى ملك الفرنج فأمده وَرجع إِلَى الْحَرْب ثَانِيًا فتقاتلا وَلما تمت عَلَيْهِ الكسرة ثَانِيًا أسْرع إِلَى الْبَحْر وَأغْرقَ نَفسه فتبرجت لمولاي أَحْمد عروس تِلْكَ الممالك وَثبتت قَوَاعِده وَارْتَفَعت معاهده وَكَانَ موادعاً لسلاطين آل عُثْمَان فَيُرْسل إِلَيْهِم بالهدايا فِي كل سنة وَكَانُوا هم يرسلون إِلَيْهِ بالمكاتيب وَالْخلْع السّنيَّة حَتَّى أَن السُّلْطَان مُرَاد ابْن سليم خَان كتب إِلَيْهِ فِي أثْنَاء مكاتيبه لَك عَليّ الْعَهْد أَن لَا أمد يَدي إِلَيْك إِلَّا للمصافحة وَأَن خاطري لَا يَنْوِي لَك إِلَّا الْخَيْر والمسامحة وَرُسُله دَائِما تَأتي إِلَى قسطنطينية من جَانب الْبَحْر ويمكثون زَمَانا طَويلا ويتعهدون الوزراء ويكاتبون من لَهُ قرب إِلَى الدولة وَلم يحصل لأحد من أَوْلَاد مُحَمَّد الشَّيْخ مَا حصل لهَذَا الْمَنْصُور فَإِنَّهُ قد طَالَتْ فِي الْملك مدَّته واتسعت مَمْلَكَته وقويت شوكته وَكَانَ ابْتِدَاء ملكه من حُدُود إفريقيه إِلَى حافة النَّهر الْمُحِيط وَملك حِصَّة من بِلَاد السودَان وَكَانَ ابْتِدَاء تملكه فِي آخر سنة خمس وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَاسْتمرّ سُلْطَانا ثَمَانِيَة وَعشْرين سنة وَكَانَ لَهُ أَوْلَاد قد فرقهم فِي الْبِلَاد فَجعل الْأَكْبَر وَهُوَ مولَايَ مُحَمَّد الشَّيْخ فِي فاس وَجعل زَيْدَانَ فِي مكناس وَكَانَ هُوَ بِنَفسِهِ يقوم فِي مراكش وَكَانَ سُلْطَانا عادلاً عَظِيم الْقدر حسن التَّدْبِير أديباً لَهُ شعر نضير عَلَيْهِ رونق السلطنة أنْشد لَهُ الخفاجي فِي كِتَابه قَوْله
(حرَام على طرف يرَاهُ مَنَام ... وَإِنِّي لجسم قد شفَاه سقام)
(وَكَيف بقلب فِي هَوَاهُ مُقَلِّب ... وَأَيْنَ لَهُ بَين الضلوع مقَام)
(فيا شادناً يرْعَى الحشا أَنْت بالحشا ... أما لمحل أَنْت فِيهِ ذمام)
وَالْبَيْت الْأَخير مِمَّا تداولت بِمَعْنَاهُ الشُّعَرَاء وأجود مَا قيل فِيهِ قَول الأرجاني
(يَرْمِي فُؤَادِي وَهُوَ فِي سودائه ... أتراه لَا يخْشَى على حوبائه)
(وَمن البلية وَهُوَ يَرْمِي نَفسه ... أَن تطمع العشاق فِي إبقائه)
وَقَول مهيار
стр. 224
(أودع فُؤَادِي حرقاً أودع ... ذاتك تؤذي أَنْت فِي أضلعي)
(أمسك سِهَام اللحظ أَو فارمها ... أَنْت بِمَا ترمي مصاب معي)
(موقعها الْقلب وَأَنت الَّذِي ... مَسْكَنه فِي ذَلِك الْموضع)
وَمن الْمَشْهُور من شعر مولَايَ أَحْمد
(لَا ولحظ علم السَّيْف فقد ... وقوام كقنا الْخط ميد)
(ووميض لَاحَ لما ابتسمت ... من ثنايا مثل در أَو برد)
(مَا هِلَال الْأُفق إِلَّا حَاسِد ... لعلاها وبهاها والغيد)
(وَلذَا صَار عليلاً ناحلاً ... كَيفَ لَا يفنى نحولاً من حسد)
وَهَذَا منوال لطيف واسلوب ظريف تنوعت فِي قوالبه الشُّعَرَاء وَمثله فِي حسن موقع الْقسم قَول ابْن المعتز فِي قصيدة
(لَا ورمان النهود ... فَوق أَغْصَان القدود)
(وعناقيد من الصدغ ... وَورد من خدود)
(وبدور من وُجُوه ... طالعات بالسعود)
(وَرَسُول جَاءَ بالميعاد ... من غير وَعِيد)
(ونعيم من وصال ... وشقا طول الصدود)
(مَا رَأَتْ عَيْني كغيد ... زرنني فِي يَوْم عيد)
وَهَذَا الْقسم وَأَمْثَاله عد من المحسنات البديعية وَإِلَيْهِ أَشَارَ صَاحب الْكَشَّاف أَيْضا وَلم يفهمهُ كثير من الأدباء لظنهم أَنه من مَعَاني الْكَلَام الوضعية وَلَا وَجه لجعلها محسنة وَوجه حسنه أَنه لما بولغ فِي عظم الشَّيْء أقسم بِغَيْر الله تَعَالَى إعلاماً بشرف الْمقسم بِهِ فَفِيهِ نُكْتَة زَائِدَة على مُجَرّد الْقسم أَلا ترى أَنهم لم يعد وَاو وَالله وتالله وَبِاللَّهِ من الْقسم الإصطلاحي انْتهى وَمن إملاء حَافظ الْمغرب أَحْمد الْمقري لمولاي أَحْمد قَوْله
(إِن يَوْمًا لناظري قد تبدى ... فتملى من حسنه تكحيلا)
(قَالَ جفني لصنوه لَا تلاقي ... إِن بيني وَبَين لقياك ميلًا)
وَمن أدبه الباهر أَن بَعضهم أنْشدهُ قَول الأبيوردي
(وَلَو أَنِّي جعلت أَمِير جَيش ... لما حَارَبت إِلَّا بالسؤال)
(لِأَن النَّاس ينهزمون مِنْهُ ... وَإِن ثبتوا لأطراف العوالي)
فَقَالَ لَو كَانَ الْبَيْت لي لَقلت
стр. 225
(وَلَو أَنِّي جعلت أَمِير جَيش ... لما حَارَبت إِلَّا بالنوال)
قَالَ الخفاجي وَأَيْنَ كَلَام سَائل مل السُّؤَال من كَلَام ملك يملك الْقُلُوب بالنوال انْتهى وَقيل عَلَيْهِ رأى مولَايَ أَحْمد رَأْي الْمُلُوك فَإِن ذَلِك شَأْنهمْ وَمن هَذَا مَا قيل فِي شَوَاهِد المطول
(والجراحات عِنْده نغمات ... سبقت قبل سيبه بنوال)
وَهَذَا أبلغ من قَول ابْن النبيه
(وتهزه فِي السّلم نَغمَة طَالب ... طَربا وَيَوْم الْحَرْب صرخة ضَارب)
وَقد أَشَارَ إِلَى مَا جنح إِلَيْهِ مولَايَ أَحْمد بن الرُّومِي فِي قصيدة طَوِيلَة مَشْهُورَة بقوله
(وَحَارب من نعمائه ريب دهره ... من الْبر وَالْمَعْرُوف جند مجند)
وَمِنْهَا قَوْله
(لَهُ صُورَة مكتنة فِي سكينَة ... كَمَا اكتن فِي الغمد الجراز المهند)
(يجهل كجهل السَّيْف وَالسيف منتضى ... وحلم كحلم السَّيْف وَالسيف مغمد)
قَالَ الخفاجي انتقدت عَلَيْهِ أَنه كرر السَّيْف أَربع مَرَّات وَثَلَاث مِنْهَا مَحل الْإِضْمَار وَمثله يخل بالفصاحة ثمَّ قَالَ ورد بِأَنَّهَا كدعائم الخبا لَو رفعت وَاحِدَة انْهَدم وَوَجهه أَن تغاير الصِّفَات منزل منزلَة تضَاد الموصوفات وَكَذَا تغاير أَوْقَاتهَا وكررت هُنَا لتدل بطرِيق الْكِتَابَة الإيمائية على ذَلِك حَتَّى كَأَنَّهُ السَّيْف وَدلَالَة اللَّفْظ عَلَيْهِ فِي كل حَال بِمَنْزِلَة دلَالَة الْمُشْتَرك على مَعَانِيه وَهَذَا نَقله الشَّيْخ فِي دَلَائِل الإعجاز عَن الصاحب انْتهى مُلَخصا وَكَانَت محظية من حظايا مولَايَ أَحْمد غَضبى فَجَاءَهُ رجل من بُسْتَان بوردة فِي أول ظُهُور الْورْد فأرسلها لَهَا مَعَ هَذِه الأبيات استعطافاً لَهَا
(وافى بهَا الْبُسْتَان صنوك وردة ... يقْضِي بهَا لما مطلت عهودا)
(أهْدى البهار محاجراً وأتى بهَا ... فِي وقته كَيْمَا تكون خدودا)
(فبعثتها مرتادة بنسيمها ... تثنى من الرَّوْض النَّضِير قدودا)
وَبِالْجُمْلَةِ فأشعار الْمَنْصُور كلهَا جَارِيَة على نهج الرقة والعذوبة وَفِيمَا أوردناه لَهُ كَافِيَة وَأما جلالة شَأْنه وَعظم قدره فمما تكفلت بهما شهرته وأخباره وحاشية من الْعلمَاء والأدباء كالمقري والثعالبي وأضرابهما وَتُوفِّي فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف
أَحْمد بن عبد الله بن سَالم بن عبد الله بن فضل بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الْفَقِيه سعد بن مُحَمَّد بن القَاضِي أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْفَقِيه فضل بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد بَافضل إِلَى هُنَا انْتهى نسب آل بَافضل الْفَاضِل الْمَشْهُور بالسودي أحد الْأَعْيَان وفضلاء الزَّمَان كَانَ من أفضل أهل زَمَانه فِي الْعُلُوم وأعرفهم بِالْعَرَبِيَّةِ على الْإِطْلَاق وَمن
стр. 226
أحذق الحذاق حفظ الْقُرْآن والجزرية والأجرومية والملحة وَأكْثر اللفية وَقطعَة من الْمِنْهَاج وَحفظ كثيرا من الدَّوَاوِين وَمن كَلَام الْعَرَب وَأخذ عَن السَّيِّد عبد الله ابْن شيخ العيدروس علم التصوف وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة وَصَحبه مُدَّة مديدة وَتخرج بِهِ فِي عُلُوم شَتَّى ثمَّ صحب وَلَده زين العابدين وَلَزِمَه وَتخرج بِهِ فِي الْمُتُون والاصطلاحات وَأخذ الْفِقْه عَن الْفَقِيه مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَالسَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين وَسمع من خلق لَا يُحصونَ وبرع فِي أصُول الدّين والْحَدِيث والعربية والتصوف ودرس وصنف وَمن تصانيفه حَاشِيَة على القصيدة الطرافعية وَله ديوَان شعر ونظمه كثير حسن وَلذَلِك لقب بالسودي وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف كَذَا ذكر خَبره الشلبي وَلم يُورد لَهُ شَيْئا من شعره وَأَنا لم أطلع على شَيْء من آثاره فَلهَذَا اقتصرت على مَا ريته فِي تَارِيخ الشلي وَالله تَعَالَى أعلم
الشَّيْخ أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد بن عبد الرؤوف بن يحيى الْوَاعِظ الْمَكِّيّ الشَّافِعِي تلميذ الشهَاب احْمَد بن حجر من صُدُور الأفاضل وأعيان الأماثل ولد بِمَكَّة وَبهَا نَشأ وَحفظ الْقُرْآن والإرشاد وألفية الْعِرَاقِيّ وألفية ابْن مَالك وَجمع الْجَوَامِع واشتغل بِالْعلمِ على أكَابِر الشُّيُوخ المكيين وَأخذ عَن الشَّيْخ عبد الله باقشير عدَّة عُلُوم كالفقه وَالْأُصُول والعربية وَالْعرُوض والمعاني وَالْبَيَان وتفقه بالشيخ عبد الْعَزِيز الزمزمي ولازمه مُدَّة حَيَاته وَجلسَ للتدريس فِي مَحَله بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَبعد وَفَاته وَأخذ عَن الشَّيْخ عَليّ بن الْجمال وَالشَّمْس البابلي وَأخذ التصوف عَن الْعَارِف بِاللَّه سَالم بن أَحْمد شَيْخَانِ وتلقن مِنْهُ الذّكر وَأخذ عَنهُ الطَّرِيق وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة وَأخذ عَن الشَّيْخ مُحَمَّد بن علوي وَالسَّيِّد عبد الرَّحْمَن المغربي وَالشَّيْخ عبد الْوَاحِد بن الْعَرَب صَاحب القنفدة وَأخذ عَنهُ جمَاعَة وَكَانَت الْفَتَاوَى ترد عَلَيْهِ فيجيب عَنْهَا بِأَحْسَن جَوَاب وأعذب خطاب وَكَانَ باذلاً نَفسه لإِصْلَاح ذَات الْبَين وَإِذا تصدر فِي قَضِيَّة تمت على أحسن حَال وَذَلِكَ يدل على حسن نِيَّته وَطيب طويته وَكَانَ ينظم الشّعْر وشعره سهل القياد مستعذب وَذكره السَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي سلافته فَقَالَ فِي حَقه أديب بذ أقرانه وفَاق ونفق أدبه فِي زمَان كساده أحسن نفاق بقريحة وقادة وذكاء ملك بِهِ زِمَام الْأَدَب وقاده مَعَ مُشَاركَة فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَقيام بشروطها المرعية إِلَّا أَنه مَا طلع بدره حَتَّى أفل وَلَا ورد ظعنه حَتَّى قفل فَمَاتَ دون الاكتهال وَلم يسعفه الدَّهْر بإمهال وَله شعر لَا يقصر عَن السداد وَإِن لم يكن بطلاً فَمن يكثر
стр. 227
السوَاد وَأورد لَهُ فِي قَوْله فِي الْغَزل
(حويدى اليعملات بسفح حاجر ... رويداً فِي قَتِيل ظبا المحاجر)
(فَتى شرخ الشَّبَاب عَلَيْهِ ولى ... بِذَات الأبرقين وَذي المحاجر)
(منَازِل كنّ للأفراح مغنى ... وللأرواح سالبة فحاذر)
(أخانا فِي الغرام سَأَلت نصحاً ... فرأي العاشقين بِأَن تهَاجر)
(فكم من عاشق أضحى حَزينًا ... فَلَمَّا حل فِي حزن المُهَاجر)
(يُبَاشر بالوصول إِلَى مقَام ... ترامى فِيهِ أَعْنَاق الأكابر)
(وَألقى بِالْعِصِيِّ وَحل نَادِي ... ربوع المربع الغيد الجآذر)
(لقد أَصبَحت فيهم مستهاماً ... فوا شوقي إِلَى تِلْكَ المشاعر)
(لعمري أنني فيهنّ صب ... فَمن لي أَن أكون لَهُم مسامر)
قلت وَقد وقفت لَهُ على أشعار أَجود من هَذِه الأبيات فَمن جُمْلَتهَا قصيدته الَّتِي يستغيث فِيهَا بِالنَّبِيِّ
فِي معرض عرض لَهُ ومطلعها قَوْله
(يَا صاحبيّ حققا ميعادي ... وانطلقا لأخصب الوهاد)
(ولاحظاني فِي السرى فَإِنِّي ... نضو هوى مقرح الأكباد)
(قد ترك الجفن مَنَامه فَلَا ... يأوي إِلَيْهِ وَافد الرقاد)
(وظل شرخ الْعُمر فِي بياضه ... أشرق من أشعة الأفواد)
(فعرجا بمسرح السرب الَّذِي ... لَيْسَ لَهُ مرعى سوى فُؤَادِي)
(وخفضا عَلَيْكُمَا وخليا ... دمعي السفيح رائحاً وغادي)
(يرمل فِي جرعائها معتسفاً ... لَا يَعْتَرِيه وَهن الوخاد)
(وَيجْعَل الحصبا عقيقاً أحمرا ... من النجيع الْأَحْمَر الغرصادي)
(وَيجْعَل القاع لَهُم أعقة ... يكرع مِنْهَا كل صب صادي)
(وزفرة قد غرست بمهجتي ... وطلعها فِي لمتيّ بَادِي)
(تَتَابَعَت حَتَّى يخال أنني ... من فرق لنجدهم أنادي)
(أذابت الْقلب سوى مَا أحرزوا ... لما أَتَوا من وسط السوَاد)
(وعاذل يعبث بِي لَو انه ... يجديه مَا خطّ بِلَا مداد)
(ينمق العذل يخال أَنه ... يمازج التشكيك باعتقاد)
(كَأَنَّمَا يرقم فِي كوثر مَا ... أفرغ فِي الْفُؤَاد من وداد)
стр. 228
(لَا يقبل التعنيف فِي الْهوى سوى ... من يقتني غير هوى سعاد)
(واحرّ قلباه وَبرد المشتهى ... هَيْهَات كَيفَ مجمع الأضداد)
(ذادوا الْعُيُون عَن وُرُود هائم ... زَادَت على الأنواء للورّاد)
(مَا حق طرف جاد إِذْ قد ضن نوء ... الطّرف أَن يحمي عَن الميراد)
(هَيْهَات لم يبرح يروم نظرة ... من حَضْرَة الإسعاد والإمداد)
(من حَضْرَة الْمُخْتَار طه أصل مبْنى ... الْكَوْن فِي الإتقان والإيجاد)
(من نور ذِي الْعَرْش الرفيع كنهه ... تَوَاتر قد جَاءَ بالآحاد)
(فِي قَول لولاك إِشَارَة وَلَا ... خَفَاء للمريد فِي المُرَاد)
(يدريه من يرى الشؤن جمعت ... فِي مُفْرد مُجْتَمع الْأَفْرَاد)
(فآدم الآبا وَغَيره لَهُ ... فرع على معنى حلي الرَّاد)
(وَذَاكَ معنى أَنه أصل الْوُجُود ... أول فِي الْبسط للأعداد)
(فاعجب لَهُ ختماً نَبيا أَولا ... قد جَاءَ بالتحقيق فِي الْإِسْنَاد)
(الْوَاضِح الْحق الصَّحِيح حَسْبَمَا ... حرّره أَئِمَّة الْإِرْشَاد)
(وَبعد أَن زَان جمال وَجهه ... وجود مَا جَاءَ الْكَمَال هادي)
(فَقَامَ بِالتَّوْحِيدِ دَاعيا لَهُ ... وراقب المدعون بالمرصاد)
(مهد الشَّرْع القويم للورى ... مُبين الميعاد والإيعاد)
(وشت شَمل الْكفْر بانتظامنا ... فِي سلكه كالعقد فِي الأجياد)
(فابتهج الْكَوْن نضارة بِهِ ... وصدحت فِي دوحها الشوادي)
(وخفقت ألوية النَّصْر على ... سُكُون ريح الْكفْر والأعادي)
(وزمزم الرَّعْد على مسرى الظبا ... وَشقت السحب ظَبْي الغوادي)
(وأضحك الرَّوْض مَسَرَّة على ... بكاء ذِي التَّاج والإيلاد)
(وأحيت الأنوا موَات الجدب من ... مرتبع التلال والوهاد)
(ونتجت من صلبه أَئِمَّة ... قادوا إِلَى الْإِيمَان والإرشاد)
(من مظهر الزهراء ذَات الْفَخر فِي ... حظائر التَّقْدِيس والإسعاد)
(من حيدر عليّ الطُّهْر أَمِير ... الْمُؤمنِينَ سيد الأمجاد)
(قد أَعرضُوا عَمَّا بِهِ النَّاس عنوا ... وصرفوا الْوَجْه إِلَى الْمعَاد)
(تزهدوا ذَاك من صفاتهم ... ذاتاً وَهل يخفى شميم الجادي)
стр. 229
(قد شرفوا على الورى فحبهم ... نَص الْكتاب عَن حَصى التعداد)
(يَا سيد الرُّسُل وَيَا خَاتم من ... قد خصصوا بوافر الأيادي)
(يَا خير مَبْعُوث على ظهر الثرى ... بِسَبَبِهِ أخصبت الْبَوَادِي)
(يَا من هُوَ الأولى بِكُل مُؤمن ... من نَفسه من سَائِر الْعباد)
(خفف عليّ حوبة جنيتها ... قد جرعتني غصص البعاد)
(وعرّضتني هدفاً لأسهم الْأَغْرَاض ... لَا أَخْلو من العوادي)
(وأخلقت صبري وجدت طمعي ... فِي أَن أرى فِي هَذِه النوادي)
(وضاق ذرعي فذريعتي إِلَى ... رحابك الفيحاء سوق الْحَادِي)
(فَحل عقدي يَا ملاذي مثل مَا ... حللت عقد الْعسر بالإنقاد)
(وَأطلق الْقَيْد الْمُحِيط علني ... فِي سوحكم أنحل من قيادي)
(فَأَنت كَهْف المرتجين فِي الورى ... وَغَيرهم فِي زمر القصاد)
(وَأَنت مقصودي وَأَنت موئلي ... وعمدتي فِي السهل والشداد)
(وَأَنت بَاب الله كل من أَتَى ... من غَيره يسام بالإبعاد)
(فَمن دنا من سوحه ملتمسا ... بادره الْعَفو إِلَى المُرَاد)
(وَعَمه الْفضل فَقَالَ شاكراً ... قد كثرت ذخائر الْفُؤَاد)
(صلى عَلَيْك الله مَا تلألأت ... صفاتك الْبيض على السوَاد)
وَهِي على عرُوض قصيدة الْفَتْح ابْن النّحاس الَّتِي مطْلعهَا قَوْله
(قد نفدت ذخائر الْفُؤَاد ... فَلم أرد الدمع للسهاد)
وَله غير ذَلِك والاقتصار من البلاغة وَكَانَت وَفَاته لأَرْبَع بَقينَ من الْمحرم سنة سبع وَسبعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عبد الله بن حسن بن مُحَمَّد بن عبد الله عنتر السيووني الْحَضْرَمِيّ الشَّافِعِي الإِمَام الْجَلِيل الْعَلامَة صَادِق اللهجة شَدِيد الْحزن من خوف الله تَعَالَى خَفِيف النَّفس لطيف الذَّوْق حسن المحاضرة ولد فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف بالحوطة من أَعمال سيوون من وَادي حَضرمَوْت وببلده حفظ الْقُرْآن ثمَّ رَحل من مَكَّة وَأخذ بهَا عَن جمع مِنْهُم الشَّمْس البابلي وَمُحَمّد عَليّ بن عَلان وَمُحَمّد الطَّائِفِي وَعلي بن الْجمال وَعبد الله باقشير وَعِيسَى بن مُحَمَّد الْجَعْفَرِي وتلقن الذّكر وَلبس الْخِرْقَة من الصفي أَحْمد القشاشي ومهنا بن عوض بامزدوع الْحَضْرَمِيّ وَأقَام
стр. 230
بِالطَّائِف ملازماً للْقِرَاءَة والإفادة مُعْتَزِلا عَن النَّاس وَكَانَ عَاملا بِالْعلمِ لَا يخْشَى فِي الله لومة لائم مهاباً موقراً فِي النُّفُوس عَلَيْهِ سِيمَا الصّلاح وَالتَّقوى طَاهِرا متقشفاً فِي ملبسه مُعْتَقدًا عِنْد الْخَاص وَالْعَام وَكَانَ أهل الطَّائِف لَا يصدرون إِلَّا عَن أمره وَلَهُم فِيهِ اعْتِقَاد ومحبة زَائِدَة وَكَانَ وَالِده كثير المَال عقيماً فَشَكا حَاله للسَّيِّد شيخ بن عبد الله بن شيخ بن طه باعلوي فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ للسَّيِّد علوي بن أَحْمد العيدروس ببتي قَرْيَة من أَعمال تريم تقضي حَاجَتك فَذهب إِلَيْهِ فَوجدَ فِي طَرِيقه لصافهم اللص بِفعل سوء بِهِ فتمثل لَهُ فَارس مَنعه من ذَلِك وَوصل إِلَى مقْصده فَلَمَّا رَآهُ السَّيِّد علوي قَالَ لَهُ بعد أَن سلم عَلَيْهِ قد حيناك من الْعَدو وارجع فقد حصل لَك مقصودك فَرجع من حِينه إِلَى بَلَده وواقع زَوجته فَحملت بِصَاحِب التَّرْجَمَة تِلْكَ اللَّيْلَة هَكَذَا حكى بعض الحضارمة وَمن مؤلفاته شرح القصيدة الْمُسَمَّاة بالحديقة الأنيقة الَّتِي أَولهَا إِلَى كم ذَا التماد وَأَنت صادي وَشرح بَانَتْ سعاد وذيل على تَارِيخ الْمَدِينَة للمرجاني فِي مُجَلد وَكَانَت وَفَاته بِالطَّائِف يَوْم الْجُمُعَة سَابِع شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَألف وَدفن بِالْقربِ من تربة الإِمَام عبد الله بن عَبَّاس ﵄
الشَّيْخ أَحْمد بن عبد الله بن أبي اللطف الْبري الْحَنَفِيّ الْخَطِيب الْمدنِي أحد أَعْيَان الْعلمَاء بِالْمَدِينَةِ وأنبل من بهَا من رُؤَسَاء الْعلم الْمَشْهُورين بالبراعة وَحسن الْعبارَة مَعَ بديع الشّعْر الرَّائِق والنثر الْفَائِق وَحفظ أحاسن المحاسن من أَخْبَار الْمُتَقَدِّمين ولطائف الْمُتَأَخِّرين وَطَالَ عمره فِي عزة ورفعة وَكَانَ بليغاً حسن الْعبارَة ولد فِي سنة عشرَة بعد الْألف بِطيبَة الطّيبَة وَبهَا نَشأ وَقَرَأَ الْقُرْآن بالروايات وَأخذ عَن علمائها ورحل إِلَى مَكَّة وَأخذ بهَا عَن جمع وأجازوه مِنْهُم الْعَلامَة عبد الْملك العصامي صَاحب التصانيف الفائقة المفيدة الْآتِي ذكره وَمِنْهُم الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى المرشدي وَكَانَ بديع المحاضرة عَالما بِوَضْع كل شَيْء من فنون المحاضرة فِي مَوْضِعه وَكَانَ بَينه وَبَين الشَّيْخ مُحَمَّد ميرزا ابْن مُحَمَّد الدِّمَشْقِي ثمَّ الْمدنِي الْآتِي ذكره مَوَدَّة أكيدة وَكَانَ فِي يَوْم الْجُمُعَة غَالِبا يَأْتِيهِ إِلَى بَيته ويتذاكرون ببديع الفرائد وفرائد القلائد وَله أشعار حسان ونثر حسن لَا سِيمَا خطبه الَّتِي كَانَ ينشيها حَال مُبَاشَرَته بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيّ فَإِنَّهَا فائقة بليغة وَلما وصل القَاضِي الْفَاضِل تَاج الدّين الْمَالِكِي الْمَكِّيّ للمدينة الشَّرِيفَة سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف ومدح أَهلهَا بِهَذِهِ الأبيات وَهِي
стр. 231
(يَا سَاكِني طيبَة فخراً فقد ... طابت فروع مِنْكُم وَالْأُصُول)
(وَآيَة الْأَنْصَار فِيكُم سرت ... كَأَنَّمَا الْمَقْصُود مِنْهَا الشُّمُول)
(تصفون مَحْض الود من جَاءَكُم ... فَمَا عَسى مادحكم أَن يَقُول)
(وليهنكم مَا قد خصصتم بِهِ ... فيا لَهَا خصيصة لَا تَزُول)
(جاورتم الْمُخْتَار خير الورى ... وفزتم فِي سوحه بالحلول)
فَأَجَابَهُ صَاحب التَّرْجَمَة بقوله
(أعظم بِأَهْل الرُّكْن من سادة ... فِي مفرق العلياء جروا الذيول)
(جيران بَيت الله من قدرهم ... تحار فِي دَرك مداه الْعُقُول)
(بِمَكَّة حلوا فحلوا بهَا ... جيد الْمَعَالِي حلية لَا تَزُول)
(من مثلهم وَالْفضل حق لَهُم ... وَمِنْهُم التَّاج أَمَام الثقول)
(رَئِيس هَذَا الْعَصْر من جلة ... سمادع غر كرام فحول)
(أكْرم بِهِ إِذْ قَالَ من أجلنا ... طابت فروع مِنْكُم وَالْأُصُول)
(وَآيَة الْأَنْصَار فِيكُم سرت ... لكنني بِالْإِذْنِ مِنْكُم أَقُول)
(يَا نخبة الْأَنْصَار مِنْكُم لنا ... حَتَّى شهدتم وصفكم لَا يحول)
(وَأَنْتُم جيران ذَاك الْحمى ... والآن أَنْتُم فِي جوَار الرَّسُول)
(جمعتم فضلا إِلَى فَضلكُمْ ... فسدتم النَّاس وَحقّ الْمَقُول)
(فَالله رب الْعَرْش سُبْحَانَهُ ... يوليكم الْحسنى وَحسن الْقبُول)
(حَتَّى توافوا الْقَصْد فِي نعْمَة ... تترى وَعمر فِي سرُور يطول)
(ودولة الأفضال تسمو بكم ... وتزدهي طوراً وطوراً تصول)
(مَا غردت وَرْقَاء فِي دوحة ... غنا وغنت حَتَّى طَابَ الدُّخُول)
وَمن لطائف مَا وَقع لَهُ مَعَ القَاضِي تَاج الدّين الْمَذْكُور أَنه رأى فِي الْمَنَام فِي الْعَام الَّذِي زار فِيهِ التَّاج فِي الْمَدِينَة كَأَنَّهُ فِي مجْلِس الدَّرْس فِي الرَّوْضَة النَّبَوِيَّة وَإِذا بِالْقَاضِي تَاج الدّين دَاخل من بَاب السَّلَام وَهُوَ قَاصد الحضرة والشريفة فَلَمَّا قضى الوطر من التَّحِيَّة والزيارة جَاءَ بفضله وجلالة قدره إِلَى الْمجْلس وَقعد بعد تلقيه وتقبيل يَدَيْهِ وَأَشَارَ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
(أمولاي تَاج الدّين لَا زلت ذَا عَليّ ... على الْهَام والأوهام وَلَيْسَت بِذِي فطن)
(إِذا كُنْتُم فِي مجْلِس كَانَ أَهله ... بأجمعهم خرساً وَأَنت لَك اللسن)
стр. 232
ثمَّ انتبه وَهُوَ حَافظ الْبَيْتَيْنِ ثمَّ لم تكن إِلَّا نَحْو عشرَة أَيَّام من هَذِه الرُّؤْيَا حَتَّى وصل القَاضِي وَكَانَ دُخُوله الْمَسْجِد الشريف من بَاب السَّلَام وَصَاحب التَّرْجَمَة فِي مجْلِس درسه على الصّفة الَّتِي كَانَت فِي الرُّؤْيَا ثمَّ لم يلبث أَن جَاءَ إِلَى الْمجْلس فَتَلقاهُ الْبري وَجلسَ فِي الْموضع الَّذِي جلس فِيهِ وَأَشَارَ باستمرار الْقِرَاءَة جَريا على عَادَته فِي التفضل وَالْإِحْسَان والجبر فَألْقى الكراريس وأنشده الْبَيْتَيْنِ ثمَّ أخبرهُ بالرؤيا فَقضى الْعجب واستسر ثمَّ بعد قِيَامه من الْمجْلس أنْشدهُ قَوْله معتذراً ومتشكراً
(لَئِن كَانَ قدري مثل مَا قلت عِنْدَمَا ... تواضعت إِذْ طبقت كتبك فِي الوسن)
(فقد صَحَّ بالاحرى اتصافك بِالَّذِي ... وصفت بِهِ الْمُلُوك من ظَنك الْحسن)
(لِأَنِّي وَإِن أحرزت ذَاك فإنني ... لديك أَخُو صمت وَأَنت لَك اللسن)
وَكَانَت وَفَاته لست بَقينَ من صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف وَدفن فِي بَقِيع الْغَرْقَد ورثاه جمع مِنْهُم تِلْمِيذه أَحْمد بن شَيخنَا المرحوم إِبْرَاهِيم الخياري عمر الله تَعَالَى بِوُجُودِهِ مَدِينَة الْعلم فَإِنَّهُ رثاه بقصيدة طَوِيلَة أرخ وَفَاته فِيهَا بقوله
(فجأ الْأَنَام جَمِيعهم ... خطب ألم بهم عَجِيب)
(ومصيبة قد أوجبت ... للطفل فِيهَا أَن يشيب)
(ورزية عظمت ... بدار الْمُصْطَفى طه الحبيب)
(فقد الإِمَام الْحَافِظ ... الْعَلامَة الشهم الْخَطِيب)
(فأجبتهم متأوها ... بِلِسَان محزون كئيب)
(زل أول الْأَعْدَاد من ... تَارِيخه لتكن مُصِيب)
(واسمع فقدوا فِي لنا ... تَارِيخه مَاتَ الْخَطِيب)
وَمرَاده بِأول الْأَعْدَاد وَاحِد لَا الْمِيم كَمَا يتَوَهَّم على أَن زِيَادَة وَاحِد أَو اثْنَيْنِ فِي الْعدَد لَا يضر فِي التَّارِيخ كَمَا قيل فليفهم
الشَّيْخ أَحْمد بن عبد الرَّزَّاق بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن أَحْمد الْمَشْهُور بالمغربي الرَّشِيدِيّ المولد والوفاة الْفَقِيه الشَّافِعِي الْمُحَرر النقاد المفنن كَانَ فَاضلا كَامِلا صَاحب براعة وفصاحة عقدت عَلَيْهِ الخناصر وأقرت بفضله عُلَمَاء عصره حفظ الْقُرْآن بِبَلَدِهِ وَأخذ بهَا عَن الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن الْبُرُلُّسِيّ وَمُحَمّد الشَّاب وَعلي الْخياط ثمَّ قدم الْقَاهِرَة وجاور بالجامع الْأَزْهَر وَأخذ عَن شُيُوخ كثيرين ولازم الْعَلَاء الشبراملسي وَبِه تخرج وبرع فِي الْعُلُوم النقلية والعقلية حَتَّى فاق أقرانه وَرجع إِلَى بَلَده وَصَارَ
стр. 233
بهَا شيخ الشَّافِعِيَّة وَعَكَفَ على التدريس وَشهر بهَا شهرة كَبِيرَة وَألف المؤلفات العجيبة مِنْهَا حَاشِيَة على شرح الْمِنْهَاج للرملي فِي مجلدين وَمِنْهَا منظومة تسمى تيجان العنوان جعلهَا على أسلوب عنوان الشّرف لِابْنِ الْمقري لم يسْبق إِلَى مثلهَا قرظ لَهُ عَلَيْهَا عُلَمَاء بَلَده وَغَيرهم وَمِمَّا قيل فِيهَا
(أنظر إِلَيْهِ مصنفاً ... تَجدهُ قد حَاز الطّرف)
(لم يحو سطر مثله ... فِي غابر مِمَّا سلف)
(روضاً نضيراً يانعاً ... وردا هنى المرتشف)
(فَكَأَنَّمَا أَلْفَاظه ... در عرين من الصدف)
(وكأنما أبياته ... غرر الْكَوَاكِب فِي الشّرف)
(لَا غرو أَن لقبتها ... تيجان عنوان الشّرف)
وَكَانَت وَفَاته فِي شعْبَان سنة سِتّ وَتِسْعين وَألف برشيد وَدفن بهَا رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن بن سراج باجمال الْحَضْرَمِيّ الشَّافِعِي كَانَ من الْفُقَهَاء الْمُحَقِّقين وَالْعُلَمَاء المتضلعين ذكره الشلي وَقَالَ فِي تَرْجَمته ولد بالغرفة وَبهَا نَشأ وَقَرَأَ على وَالِده الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن وَغَيره وجد فِي التَّحْصِيل حَتَّى صَار أعلم أهل بَلَده وَتَوَلَّى الْجَامِع بِبَلَدِهِ الغرفة وأضيفت إِلَيْهِ الْأَحْكَام وقصده النَّاس للْفَتْوَى وَكَانَ لَهُ الْيَد الطولي فِي تَحْقِيق المشكلات والاطلاع على الْمسَائِل العويصات وَكَانَ غزير الْعقل قوي الْفَهم والذهن كريم النَّفس لَهُ القريحة الوقادة والعبارة المنقادة سريع الْحِفْظ لما يعانيه وَله النّظم الرَّائِق والأجوبة المحققة الْوَاضِحَة المرضية جمعهَا وَلَده الْفَقِيه مُحَمَّد وَفَاته كثير مِنْهُمَا وَاخْتصرَ فتاوي شيخ الْإِسْلَام الشهَاب أَحْمد بن حجر الْكُبْرَى فِي مُجَلد والتقط فتاوي كثير من الْمُتَأَخِّرين قَالَ وَذكره تِلْمِيذه الشَّيْخ أَحْمد الأصبحي فِي مطالع الْأَنْوَار من بروج الْجمال بِبَيَان مَنَاقِب آل باجمال وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَدفن شَرْقي ضريح الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد الله بن عمر باجمال بِبَلَدِهِ الغرفة من حَضرمَوْت وَآل باجمال قَالَ الْفَقِيه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن سراج فِي كِتَابه مواهب الْبر الرؤف بمناقب الشَّيْخ مَعْرُوف من الْمَعْلُوم قَدِيما وحديثاً أَنهم بَيت علم وَصَلَاح لَهُم من شرف النّسَب وكرم التَّقْوَى الْحَظ الأوفر وَلم تزل رفعتهم وعظمتهم واحترامهم عِنْد السلاطين والملوك وكافة النَّاس أشهر من الشَّمْس فِي رَابِعَة النَّهَار لَا يجهل
стр. 234
مقدراهم وَلَا يضام جوارهم فأموالهم مصونة مُحْتَرمَة وأعراضهم مبجلة مكرمَة إِكْرَاما وتعظيماً لشعائر الدّين إِذْ هم موضحو شَرِيعَة سيد الْمُرْسلين وَمِنْهُم الْعباد المخلصين وَقَالَ الْفَقِيه أَحْمد بن مُحَمَّد باجمال الأصبحي فِي مطالع الْأَنْوَار فِي بروج الْجمال بِبَيَان مَنَاقِب آل باجمال اعْلَم أَن باجمال بتَشْديد الْمِيم ينتسبون إِلَى كِنْدَة الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة وَكَانُوا مُلُوك حَضرمَوْت فِي الْجَاهِلِيَّة وَنقل عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن سراج أَنه قَالَ فِي مواهب الْبر الرؤف أَن جد آل باجمال ثَوْر بن مرتع بِضَم الْمِيم وَفتح الرَّاء وَكسر الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة الْمُشَدّدَة ابْن مُعَاوِيَة بن ثَوْر بن عفير هُوَ كِنْدَة كَمَا فِي التَّهْذِيب وَكَانُوا وُلَاة ثَوْر فَأَخذهَا آل بانجاد فانتقلوا إِلَى شبام وجدهم الْجَامِع لجميعهم هُوَ الشَّيْخ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم فَجَمِيعهمْ منسوبون إِلَيْهِ وَكَانَ معاصر للشَّيْخ عبد الله بن مُحَمَّد باعباد الْقَدِيم ثمَّ قَالَ فَإِذا كَانَت الْقَبِيلَة منحصرة فِي جد مَعْلُوم وتشعب أَوْلَاده أفخاذاً فَإِذا مَاتَ وَاحِد مِنْهُم وَجَهل أقربهم إِلَيْهِ مَعَ تحقق أَن جد هَؤُلَاءِ الْمَوْجُودين وَالْمَيِّت زيد لَكِن جهلت الوسائط فقد اخْتلف الْمُتَأَخّرُونَ فَأفْتى أَبُو قضام بِأَنَّهُ لَا بُد من ذكر المتوسطين بَين الْمَيِّت وَالْجد الْمَذْكُور والإحياء وَالْجد هَذَا لتعرف أصولهم المعدودة وَأفْتى جمَاعَة من الْفُقَهَاء تبعا لأبي قضام وَخَالف الْعَلامَة عبد الله بن عمر بامخرمة وَقَالَ هَذَا من الْإِرْث المحصور بِالِاسْتِحْقَاقِ وَقَالَ وَمحل معرفَة الوسائط فِي الْقَبِيلَة المنتشرة وَأما مَعَ الانحصار الْمُحَقق فَلَا يحْتَاج لمعْرِفَة الوسائط فَإِن علم أَعلَى دَرَجَة فالإرث لَهُ وَإِن لم يعلم وَادّعى ذَلِك كل وَاحِد من أَرْبَاب الْمِيرَاث المحصورين فِي ذَلِك الْجد الْمَذْكُور فَيُوقف الْمِيرَاث إِلَى إقرارهم بالأقرب أَو مناقلتهم بِالنذرِ لأَحَدهم لِأَن الْإِرْث وَالْحَالة هَذِه مُحَقّق مَحْصُور فيهم وَجرى على مَا قَالَه أَبُو مخرمَة الْفَقِيه عبد الله بن سراج وَقَالَ فِي كَلَام الشهَاب ابْن حجر مَا يشْهد لذَلِك وَالَّذِي نعتمده مَا قَالَه أَبُو مخرمَة لِأَن الْعلَّة تَقْتَضِيه
الشَّيْخ أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الوارثي الْمصْرِيّ الْمَالِكِي الصديقي الْمَعْرُوف بالوارثي الإِمَام الْكَبِير الْمُفَسّر الْمُحدث وَنسبه إِلَى الصّديق مُتَّفق عَلَيْهِ ذكره السخاوي فِي تَارِيخه عِنْد ذكر جد بدر الدّين قَالَ عبد الْبر الفيومي فِي كِتَابه المنتزه وَرَأَيْت المنشور الَّذِي كتب لَهُ أَن يكون قَاضِي الْقُضَاة بالقطر الْمصْرِيّ من أحد الْمُلُوك وَهُوَ عِنْدهم مَوْجُود وَذكر فِيهِ اتِّصَال النّسَب وَأمه بنت الشَّيْخ أبي الْحسن الْبكْرِيّ فالشمس الْبكْرِيّ خَاله وَأم جده ولأمه شريفة وَله من جِهَة أم وَالِده
стр. 235
إِلَى سَيِّدي يُوسُف العجمي انتساب وَكَانَ فِي وقته مرجع النَّاس للتلقي والاستفادة وَكَانَ لَهُ الْيَد الطولي فِي غَالب الْعُلُوم وَله تحريرات كَثِيرَة مِنْهَا الْأَجْوِبَة عَن الأسئلة لِابْنِ عبد السَّلَام فِي التَّفْسِير وَله تَفْسِير بعض الْمفصل من السُّور وَغير ذَلِك من الرسائل فِي التَّفْسِير كتب على متن التَّهْذِيب فِي الْمنطق ونظم عقيدة لَهَا حسن أسلوب لَكِن عباراتها مغلقة وَشرع فِي اخْتِصَار الْمَوَاهِب فَكتب قِطْعَة وَمَات وَلم يكمله وَله قصائد ومقاطيع وَقد تَرْجَمته فِي كتابي النفحة فَقلت فِي وَصفه لست أَدْرِي مَاذَا أَقُول فِيمَن ورث الْمجد خلفا عَن سلف وعجزت عَن أَوْصَافه الألسن وَمَا هجس لَهَا فِي الْمُبَالغَة سرف فَلَو أدْرك زمن النُّبُوَّة نزلت آي الْقُرْآن بشواهد علاهُ أَو لحق الصّديق لقَالَ هَذَا وارثي لاسواه فَهُوَ إِمَام التَّفْسِير والْحَدِيث الراقي علو الْإِسْنَاد مِنْهُ فِي الْقَدِيم والْحَدِيث بل الْعلم فِي كل علم بِلَا خلاف الَّذِي إِذا كشف عَن المعضلات كَانَ نعم الْكَشَّاف فعطا رد تلميذ أفادته وَالْمُشْتَرِي مُشْتَرِي سعادته فَلَو أدْرك التَّفْتَازَانِيّ لقيل أدْركهُ السعد أَو السَّيِّد لحصل على أمْنِيته من غير وعد وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ خَاتِمَة الْمُحَقِّقين وإنسان عين المدققين وَكَانَ من الْأَدَب فِي سنامه وكاهله تحوم الآراء حول موارده فترتوي من مناهله وَله نظم ونثر كَمَا انتظمت الأزهار بعد مَا انتثرت عَلَيْهَا دراري الأمطار فَمن نظمه قَوْله
(وَإِنِّي لصب فِي القوافي ومدحها ... ويبلغ بِي حد السرُور بليغها)
(وَأطيب أوقاتي من الدَّهْر لَيْلَة ... تريغ القوافي خاطري وأريغها)
(وَكم بلغت بِي همتي بعد غَايَة ... يعز على الشعرى العبور بُلُوغهَا)
(فَمَا سرني إِلَّا كَلَام أسيغه ... بمسمع واع أَو معَان أصوغها)
وَقَوله
(مَاذَا تَقُولِينَ فِيمَن شفه سقم ... من فرط حبك حَتَّى صَار حيراناً)
(قد لَاذَ فِي الْحبّ حَتَّى صَار مكتئبا ... والعشق أضرم فِيهِ الْيَوْم نيرانا)
(هَل يشتفي مِنْك بالثغر الرَّحِيق إِذا ... أَو تتركيه على الأدنان ندمانا)
وَكتب إِلَى بعض وزراء مصر
(يَا أَيهَا الْمولى الْوَزير من لَهُ ... من حللن من الزَّمَان وثاقي)
(من شَاكر عني يَديك فإنني ... من عظم مَا أوليت ضَاقَ نطاقي)
(منن تخف على يَديك وَإِنَّمَا ... ثقلت مواهبها على الْأَعْنَاق)
وَله فِيمَن اسْمه بدر
стр. 236
(سموهُ بَدْرًا وَذَاكَ لما ... أَن فاق فِي حسنه وتما)
(وَأجْمع النَّاس من مذ رَأَوْهُ ... بِأَنَّهُ اسْم على مُسَمّى)
وَله
(وَكم لله من نعم ... يعم الْكَوْن مَا طرها)
(تذكرنا أوائلها ... بِمَا تولى أواخرها)
وَله
(رمت حَال الْوَصْل إِنِّي ... لَا أرى للوصل آخر)
(فَحرمت الْوَصْل رَأْسا ... زَاد بِي الوجد فحاذر)
وَله غير ذَلِك وَذكره الشَّيْخ الإِمَام عبد الْبَاقِي الْحَنْبَلِيّ الْآتِي ذكره فِي مشايخه الَّذين أَخذ عَنْهُم وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ عِنْدَمَا ذكره وَلما وصلت إِلَى غَزَّة فِي سَفَرِي إِلَى مصر سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف شاع خبر وَفَاته وَصلى عَلَيْهِ غَائِبَة بهَا وَدخلت إِلَى مصر فَوَجَدته بِالْحَيَاةِ فهنيته بالسلامة وأخبرته بِمَا شاع وعاش بعْدهَا عشر سِنِين قلت وَقد ذكر عبد الْبر الفيومي أَنه توفّي فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عبد الْعَزِيز السجلماسي العباسي من أدباء الْمغرب المجيدين وفضلائها البارعين حج فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَألف وجاور بِمَكَّة وأقرأ بِالْحرم الشريف وأملى أدبا وشعرا فَمن ذَلِك فِي هَذِه القصيدة قَالَ اتّفق لي أَن خرج ابْن لمولاي رشيد صَاحب الْمغرب لينْظر إِلَى إبل وخيل وَردت عَلَيْهِ من بعض أَحيَاء الْعَرَب فَأَقَامَ عِنْدهَا أَيَّامًا واشتغل خاطر أَبِيه فَأمرنِي أَن أكتب إِلَيْهِ كتابا فَكتبت إِلَيْهِ قولي
(بلت مدامعه البطاح ... سَكرَان حب غير صَاح)
(وضع الْيَدَيْنِ على الحشاشة ... من تحرقه وَصَاح)
(صب تولع مذ نشا ... بنواهد الغيد الملاح)
(الفاتكات بِلَا ظبا ... والقاتلات بِلَا جنَاح)
(هن الفواعل بالحشا ... فعل المثقفة الرماح)
(من كل غانية حكت ... غصنا تلاعبه الرِّيَاح)
(تبغي النهوض بخصرها ... ويردها الكفل الرداح)
(فَكَأَنَّهَا غُصْن إِذا ... انتفلت عَلَيْهِ الْبَدْر لَاحَ)
(وتخالها ظَبْيًا إِذا التفتت ... إِلَيْهِ السرب رَاح)
(ترنو بهَا روتية ... مقل مريضات صِحَاح)
стр. 237
(غنج سِهَام جفونها ... تصمى الْفُؤَاد بِلَا جراح)
(وقطوف رَوْضَة خدها ... شبه الشقائق فِي البطاح)
(من لي برشف لمى حكى ... مختوم صهباء وَرَاح)
(وصفيف ثغر اشنب ... يحكيه مطلول الأقاح)
(نفحاته مسكية ... ورضا بِهِ عذب قراح)
(يَا أَيهَا الْبَدْر الَّذِي ... لحرام قتلتي استباح)
(أَو مَا كفتك مراشف ... تفتر عَن فلق الصَّباح)
(لم يلق صب إِذْ بَدَت ... سمعا لحي على الْفَلاح)
(ولطالما يخفى الصبابة ... بالمغالط والمزاح)
(والدمع نم بسره ... وبحاله الْمكنون باح)
(يَا أَيهَا المشغوف بالغيد ... المكعبة الملاح)
(فلئن بَكَيْت تشوقا ... فَمن الَّذِي بالشوق ناح)
(وَلَئِن سقمت من الجوى ... فَمن الَّذِي بِالسقمِ جاح)
(شط المزار وَلَا أرى ... لَك فِي الصبابة من نجاح)
(أنساك من سكن الحشا ... حب الصوافن واللقاح)
(وتعاهد الْعَسَل الَّتِي ... قرت عيونك بالرداح)
(من كل شَائِلَة حكت ... مزنا تراكم فِي المراح)
(ورضاب عذب الثغر قد ... انساكه وضع القداح)
(ومشاهد عوضتها ... بمفا وزهت براح)
(وأفاضل يهْدُونَ من ... طرف القريض إِلَى الصَّباح)
(لطفا قد أبدلتهم ... بوغود أَعْرَاب فحاح)
(عجبا عنانك لاويا ... لعنان أَفْرَاس جماح)
(فَأَبَوا القصيدة أَحْمد ... قَاض بِذَاكَ وَلَا جنَاح)
وَكَانَ سَافر إِلَى مصر فأدركه أَجله فِي شهر ربيع الثَّانِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بمقبرة المجاورين رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عبد الْقَادِر بن عمر الدوعني الْحَضْرَمِيّ خُلَاصَة الخلان مأمن المخلصين وصفوة الصفوة من الصُّوفِيَّة الْمُحَقِّقين وزبدة الزبدة من أهل التَّمْكِين
стр. 238
أَمَام أهل الْعرْفَان فِي عصره وَشَيخ الْأَوْلِيَاء فِي قطره كَانَ لَهُ فِي علم التَّحْقِيق المشرب الصفي وَالْمقَام الْأَكْمَل الوفي ورزقه الله تَعَالَى حسن الْعبارَة فَكَانَ يتَكَلَّم بالفتوحات الالهية وَكَانَت السَّادة آل باعلوي مَعَ جلالتهم تخضع لَهُ وَتَأْخُذ عَنهُ وتتبرك بِهِ ولازمه مِنْهُم أَئِمَّة عارفون وَبِه تخْرجُوا وببركة علومه وانتفعوا وَكَانَ إِذا أَتَتْهُ الجذبات الالهية يغيب عَن شعوره وَهُوَ حَافظ لمراتب الشَّرِيعَة وَقد قَالَ بعض الصُّوفِيَّة من لم يحفظ الْمَرَاتِب فَهُوَ زنديق وَألف الرسائل المقبولة مِنْهَا شرح أَبْيَات مشكلة للشَّيْخ الْأَكْبَر ابْن عَرَبِيّ وَشرح مشكلات الْأَمر الْمُحكم المربوط وَفتح مغلقاته الَّتِي هِيَ بسر الذَّات الأحدية مَنُوط ولوامع أنوار حلية الْفقر من مطالع أسرار مَسَافَة الْقصر وحزب سَمَّاهُ حزب الْفَتْح والنصر وَكَانَ مُولَعا بكتب الشَّيْخ ابْن عَرَبِيّ قَائِلا بالوحدة الوجودية الَّتِي عَلَيْهَا أَصْحَاب التَّمْكِين وكراماته فِي أرضه شهيرة أفردها بعض الحضرميين بالتأليف وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ ولازمه سِنِين الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى على بارأس الدوعني وَغَيره من اكابر العارفين وَكَانَت وَفَاته فِي ثَانِي عشر شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف بِبَلَدِهِ الرِّبَاط من اعمال دوعن وَبنى عَلَيْهِ قبَّة عَظِيمَة وأعقب ذُرِّيَّة صَالِحَة رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عبد اللَّطِيف بن القَاضِي أَحْمد بن شمس الدّين بن عَليّ الْمصْرِيّ البشبيشي الشَّافِعِي الإِمَام الْعَالم الْمُحَقق الْحجَّة النقال كَانَ متضلعاً من فنون كَثِيرَة قوي الحافظة ميالاً نَحْو الدقة لَهُ تصرف فِي الْعبارَات ذكره الْأَخ الأديب الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله فِيمَن ذكر من مشايخه وَأَطْنَبَ فِي مدحه وَكنت كثيرا مَا أذاكره فِي شَأْنه فيبالغ وَيذكر من فضائله وعلومه مَا يقْضِي ببراعته وتفوقه على نَظَائِره من أهل عصره قَالَ وَقد ولد بِبَلَدِهِ بشبيش سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف وَحفظ بهَا الْقُرْآن ولازم من مشايخها الشَّيْخ عَليّ الْمحلي وَقَرَأَ بالمحلة على الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى القطب الرباني حسن البدري ولازمه كثيرا وبشره بأَشْيَاء حصلت لَهُ وَكَانَ يمس بدنه فِي ابْتِدَاء طلبه الْعلم وَيَقُول لَهُ يَا أَحْمد أضلاعك ملآنة من الْعلم حَتَّى كَانَ الْأَمر كَذَلِك ثمَّ رَحل إِلَى مصر وَقَرَأَ بالروايات على الشَّيْخ سُلْطَان المزاحي ولازمه فِي الْفِقْه والْحَدِيث والفرائض والعربية وَغَيرهَا نَحْو خمس عشرَة سنة ولازم أَبَا الضياء على الشبراملسي فِي العقائد والنحو وَالْأُصُول حَتَّى تخرج بِهِ وَأخذ عَن الْحَافِظ الشَّمْس البابلي الشَّوْبَرِيّ وَالشَّيْخ يس الْحِمصِي وسري الدّين
стр. 239
مُحَمَّد الدروري الْحَنَفِيّ وتصدر للإقراء والتدريس بالجامع الْأَزْهَر وَاجْتمعت عَلَيْهِ الأفاضل وَجلسَ فِي مَحل شَيْخه سُلْطَان المزاحي فلازمه جماعته ودرس فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والعقلية وَحج فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف وَأقَام بِمَكَّة يدرس وانتفع بِهِ جمَاعَة من أَهلهَا وَقد سَمِعت الثَّنَاء عَلَيْهِ وعَلى فضائله من كثير مِنْهُم ثمَّ توجه إِلَى مصر وسافر مِنْهَا إِلَى بَلَده بشبيش لصلة رَحمَه فأدركه بهَا الْحمام وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الِاثْنَيْنِ سلخ رَجَب سنة سِتّ وَتِسْعين وَألف وَكنت أَنا وَجَمَاعَة من أَصْحَابنَا بِدِمَشْق فَذكر بعض الْحَاضِرين أَنه توفّي فراجعت الْفِكر فِي لَفْظَة مَاتَ البشبيشي فَوَجَدتهَا تَارِيخ وَفَاته فَذكرت ذَلِك للحاضرين وشاع هَذَا التَّارِيخ عني وَهُوَ بِكَسْر أَوله وثالثه بَينهمَا شين مُعْجمَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت ثمَّ شين مُعْجمَة ثَانِيَة قَرْيَة من أَعمال الْمحلة بالغربية
الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب بن حسن بن أبي نمى شرِيف مَكَّة وَتقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة عَمه الشريف أبي طَالب كَانَ هَذَا الشريف من أدأب أهل بَيته فَاضلا نبيها نجيباً جيد الذكاء وَكَانَ حسن الصُّورَة عَظِيم الهيبة أَخذ فِي بَدْء أمره الطَّرِيق عَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَحْمد الشناوي وَهُوَ الَّذِي بشره بِولَايَة مَكَّة لكنه قَالَ لَهُ على الشَّهَادَة يَا أَحْمد فَقَالَ على الشَّهَادَة وَكَانَ كثيرا مَا يكنى عَنْهَا بِطُلُوع الشَّمْس وَلما تولى أَمر مَكَّة استولى على أَمْوَال النَّاس وَلم يرحم أحدا وعاقب كثيرا مِمَّن كَانَ قبل استبعدها عَنهُ وسخر مِنْهُ وَكَانَ لَهُ أخدان وجلساء قبل الْولَايَة فَعجل لَهُم الأذية مِنْهُم السَّيِّد سَالم بن أَحْمد شَيْخَانِ وَالشَّيْخ أَحْمد القشاشي وَالشَّيْخ مُحَمَّد الْقُدسِي خَليفَة سَيِّدي أَحْمد البدوي فحبس الْجَمِيع وَثقل عَلَيْهِم حَتَّى افْتَدَوْا أنفسهم بِمَال جزيل وَذَلِكَ بوشاية شخص يُقَال لَهُ ألماس وَاسْتمرّ متغلباً على مَكَّة وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مغلوب عَلَيْهِ وَاسْتولى على أَمْوَال مَكَّة ورقاب أَهلهَا وصادر التُّجَّار وَحبس من حبس وَقتل من قتل فنفرت النَّاس وجلت عَن مَكَّة وخالفت الْقَبَائِل وتقطعت الطّرق وَأكْثر الْعَسْكَر الْفساد فِي إشراف الْبِلَاد وَسَكنُوا بيُوت الْأَشْرَاف وانتهكوا حرمتهم وَقبض على جمَاعَة من الْأَعْيَان من أَجلهم الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المرشدي وحبسه مغضباً عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ موسم سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف قدم الْحَاج الْمصْرِيّ وأميره إِذْ ذَاك قانصوه باشا وَكَانَ بَينه وَبَين المرشدي مَوَدَّة أكيدة ومكاتبات سَابِقَة فَلَمَّا صعد الحجيج إِلَى عَرَفَة أَتَى حَرِيم المرشدي إِلَى مخيم قانصوه مستشفعين بِهِ إِلَى الشريف أَحْمد ابْن عبد الْمطلب فِي إِطْلَاقه من الْحَبْس فرق لَهُنَّ رقة عَظِيمَة وَتوجه إِلَى الشريف يَوْم
стр. 240
عَرَفَة مستشفا بِهِ فَلم يقبل رَجَاءَهُ فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة النَّحْر أَمر بِهِ فخنق شَهِيدا وَكَانَ ذَلِك سَببا لوُقُوع مَا وَقع من قانصوه باشا فِي الشريف أَحْمد ثَانِيًا لما قدم أَمِيرا على الْيمن ثمَّ اسْتمرّ قانصوه مُتَوَجها لفتح الْيمن وصحبته العساكر وعدتها ثَلَاثُونَ ألفا وَضرب مخيمه أَسْفَل مَكَّة وَكَانَ بَين الشريف مَسْعُود بن إِدْرِيس وَبَين الشريف الْمَذْكُور ممالأة ومواطأة قبل نُزُوله لبندر جده مضمونها أَنِّي لَا أُرِيد الْملك لنَفْسي إِنَّمَا أُرِيد لَك أَو هُوَ بَيْننَا فخذل عني من اسْتَطَعْت من آل أبي نمى وثبطهم وَحل عزائمهم ووعده بذلك فَفعل مَا فعل وَحصل بِهِ على الشريف محسن مَا حصل وَللَّه الْأَمر فَلَمَّا نزل الشريف أَحْمد إِلَى جدة تقمصها لنَفسِهِ وَلم يَفِ الشريف مَسْعُود بِبَعْض تِلْكَ العهود بل أَرَادَ قَتله ففر إِلَى قانصوه والتجأ إِلَيْهِ فصادف قانصوه مَمْلُوء بالوجأ على الشريف أَحْمد فَلَمَّا أقبل قانصوه قَاصِدا لليمن لاقاه الشريف مَسْعُود من الينبع أَو الحورا وَجَاء مَعَه مختفياً وواجه فِي الْمَجِيء الأول الشريف أَحْمد قانصوه بالزاهر ورد عَلَيْهِ تَحِيَّة الْقدوم وعزم على محاربة قانصوه فازداد قانصوه عَلَيْهِ حنقاً على حنق وَشرع يستميل عَسْكَر الشريف فأطاعوه فَخَرجُوا من مَكَّة ثمَّ خيم قانصوه وَلما أَن قَضَت الْحجَّاج مناسكهم وذهبوا إِلَى بِلَادهمْ تخلف قانصوه بثقله أَسْفَل مَكَّة فَلَمَّا تحرّك السّفر قدم ثقله وَلم يبْق إِلَّا مخيمه وخيام الْعَسْكَر فَأَشَارَ قانصوه إِلَى شخص يتعاطى خدمته من أَبنَاء الطّواف يُسمى مُحَمَّد المياس أَنه يحسن للسَّيِّد أَحْمد الْوُصُول إِلَى قانصوه للوداع فَفعل وَذهب إِلَى الشريف أَحْمد وَحسن لَهُ ذَلِك يَوْم السبت رَابِع عشر صفر فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة الْأَحَد خَامِس عشر الشَّهْر الْمَذْكُور سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف ركب الشريف أَحْمد إِلَيْهِ وصحبته من الْأَشْرَاف بشير بن بشير بن أبي نمى وَمُحَمّد بن حسن بن صيقان وراجح بن أبي سعيد وَمن أعوانه وزيره مقبل الهجاني وَأحمد البشوتي مُتَوَلِّي بَيت المَال وفليفل فَلم يزَالُوا يدْخلُونَ فِي المخيم من بَاب إِلَى بَاب حَتَّى وصلوا إِلَيْهِ فتحادثا مَلِيًّا ثمَّ نصبا نطع الشطرنج فَلَمَّا كَانَت السَّاعَة الْخَامِسَة من اللَّيْلَة الْمَذْكُورَة قبض على الْجَمِيع فَقتل الشريف أَحْمد فتحركت عساكره فأظهره لَهُم مقتولاً وَنشر الْعلم وتودى الْمُطِيع للسُّلْطَان يقف تَحْتَهُ وقفت العساكر تَحْتَهُ وخلع على الشريف مَسْعُود بن إِدْرِيس وَكَانَ للشريف أَحْمد زوجان من القنا الطَّوِيل جدا بُسْتَان مَذْهَب تَحْتَهُ أكرة من الْفضة مطلية يحمل كل وَاحِد رجل يمشي على قَدَمَيْهِ إِذا سَار فِي موكبه يسيران أَمَامه قَرِيبا مِنْهُ يصوبانهما ويصعد أَنَّهُمَا بحركة سريعة لَطِيفَة
стр. 241
التصويب والتصعيد على حد سَوَاء وَرُبمَا كَانَ فيهمَا أَجْرَاس قلت رَأَيْت بِخَط بعض الْفُضَلَاء أَن هَذَا يَفْعَله أَئِمَّة الْيمن وأكابر أمرائه إِلَى الْآن إِذا سَارُوا فِي المواكب انْتهى وَلَيْسَ أهل الْيمن أول من ابتدعه فقد كَانَ يَفْعَله الْخُلَفَاء العباسيون وَقد ذكر ذَلِك شعراؤهم فِي قصائدهم قَالَ القَاضِي تَاج الدّين الأرجاني من قصيدة يمدح بهَا المستظهر بِاللَّه الْخَلِيفَة العباسي
(وألوية مِنْهُنَّ صقران أوفيا ... على علمي رُمْحَيْنِ فاكتنفاكا)
(وَلَيْسَ سوى النسرين من أفقيهما ... لحبهما نيل العلى تبعاكا)
وَكَانَ إِذا سَار بِاللَّيْلِ لَا يُوقد بَين يَدَيْهِ إِلَّا الشمع الموكبي بَدَلا عَن المشاعل وَكَانَ دُخُوله مَكَّة متملكالها وأجفل الشريف محسن وَبني عَمه عَنْهَا ضحى يَوْم الْأَحَد سَابِع عشر شهر رَمَضَان سنة سبع وَثَلَاثِينَ فَكَانَ يتبجح وَيَقُول فتحت مَكَّة بِالسَّيْفِ كَمَا فتحهَا رَسُول الله
ودخلتها فِي الْيَوْم الَّذِي دَخلهَا فِيهِ رَسُول الله
قَالَ صاحبنا ومولانا الشَّيْخ عبد الْملك بن حُسَيْن العصامي حفظ الله تَعَالَى بِوُجُود زِينَة الْفضل أما قَوْله كَمَا فتحهَا الح فَالْمَشْهُور وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّهَا لم تفتح عنْوَة وَإِنَّمَا فتحت صلحا وَمَا وَقع من خَالِد بن الْوَلِيد ﵁ فَإِنَّهُ قَاتل بعض قتال مَعَ الْأَحَابِيش وَعبد أَن أهل مَكَّة فِي أَسْفَل مَكَّة وَقد نَهَاهُ
عَن الْقِتَال وَلكنه لما قوتل قَاتل وَهَذَا هُوَ شُبْهَة الْقَائِل بِأَنَّهَا فتحت عنْوَة وَأما قَوْله فَدَخلَهَا إِلَى آخِره فحطأ لِأَنَّهُ لم يدخلهَا ﵊ سَابِع عشرَة وَإِنَّمَا دَخلهَا ثامن عشرَة وهب أَنه
دَخلهَا كَذَلِك وَلَكِن أَيْن هَذَا الدُّخُول من ذَلِك فَإِن هَذَا حرأة وبغى على حرم الله وسكان حرمه وذرية نبيه إِذْ فِي ضمن هَذَا التَّشْبِيه تَشْبِيه من فِيهَا من الْمُسلمين الْآن بالمشركين أذ ذَاك وَقَالَ فِي ذَاك يُوسُف بن إِبْرَاهِيم المنهار
(سنة السَّبع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْألف ... جَاءَت بِمَا ينفر بالطبع)
(دخل السَّبع مَكَّة الله ... بالجند وَلَا شكّ أَنَّهَا سنة السَّبع)
وَكَانَت مُدَّة ولَايَته سنة وَاحِدَة وَأَرْبَعَة أشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا وَالله أعلم
أَحْمد بن عُثْمَان بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد الْعزي بِالْعينِ الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة الْمصْرِيّ الْمَالِكِي الشَّاعِر البليغ ذكره الخفاجي فِي كِتَابيه وَقَالَ فِي وَصفه شَاب رَقِيق
стр. 242
الجلباب يقطر من إهابه مَاء اللطافة والشباب تأدب وبرع ووعى مَا جمع منعكفاً فِي زَوَايَا الخمول ملتقطا جَوَاهِر الْفَضَائِل من أَفْوَاه الفحول كَانَ فِي زمن الطّلب حدني يجني من خمائله كَمَا أجني حَتَّى اقتطفت يَد الْمنية زهرَة حَيَاته وشربت اللَّيَالِي بقايا لذاته فَرَجَعت غير راج لإرتجاعه وطلوع بدره من ثنيات وداعه ووالده من شُيُوخ الغربية وصدور أنديتها الندية ثمَّ أنْشد لَهُ من شعره قَوْله
(لَا زَالَ هَذَا الْجمع جمع سَلامَة ... لَا نقص بعروه وَلَا تَغْيِير)
(وَالْجمع من أعدائكم فِي قلَّة ... ونقيض تِلْكَ الْقلَّة التكثير)
قلت وَقد ظَفرت لَهُ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وهما قَوْله
(أَدَم يَا رب خلواتي بحبي ... لاقضي بالتواصل مِنْهُ ديني)
(وَلَا تجْعَل هُنَاكَ سوى لساني ... سميراً بَين من أَهْوى وبيني)
وَكَانَت وَفَاته فِي صفر سنة تسع بعد الْألف بعد وَالِده بأيام قَلَائِل
أَحْمد بن عُثْمَان بن أبي بكر الْكرْدِي السهراني الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بالمجروحي نزيل دمشق ورد إِلَيْهَا فِي سنة خمس وَعشْرين وَألف وَنزل عِنْده حَمْزَة الْكرْدِي أحد أَعْيَان الْجند بِالشَّام واقرأ أَوْلَاده مُدَّة ثمَّ انْتقل إِلَى عمَارَة شمسي أَحْمد باشا وَأقَام بهَا يقرى بِالْفَارِسِيَّةِ والعربية وَيكْتب الْكتب لنَفسِهِ وَأخذ عَن الشَّمْس الميداني وَحج فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وسافر إِلَى مصر فِي خدمَة قاضيها الْمولى شعْبَان بن ولي الدّين الْآتِي ذكره وَصَارَ فِي زَمَنه محاسب أوقافها ثمَّ أَتَى فِي خدمته إِلَى دمشق وَسَار إِلَى الرّوم سنة خمسين ولازم بعض الموَالِي وَأخذ الْمدرسَة اليونسية عَن القَاضِي أَحْمد الزريابي الْمَالِكِي وَعَاد فِي أواسط سنة إِحْدَى وَخمسين ثمَّ سَافر إِلَى الرّوم مرّة ثَانِيَة سنة سِتِّينَ وَأخذ الْمدرسَة الفجماسية بالفراغ من الملا أَحْمد بن الملاحيدر الْكرْدِي السهراني الْعَلامَة الْمَشْهُور صَاحب التحقيقات الفائقة ومؤلف الْحَوَاشِي على إِثْبَات الْوَاجِب للْمولى الدواني والحاشية على شرح الْمولى الْمَذْكُور للعقائد وَكَانَ قدم دمشق ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَة وانتفع بِهِ جمَاعَة وَكَانَ من التَّحْقِيق والتدقيق فِي الذرْوَة الْعليا وَقد ذكرته هُنَا واكتفيت عَن ذكره فِي تَرْجَمَة أفردها لَهُ لِأَن وَفَاته لم تبلغني عَن يَقِين وَالْمَقْصُود ذكر الرجل وتعريف حَاله وأغلب الِاحْتِمَال أَن وَفَاته مَا جَاوَزت عشر السّبْعين وَالله أعلم وَكَانَ لما فرغ لصَاحب التَّرْجَمَة عَن الْمدرسَة الْمَذْكُورَة سَافر إِلَى الرّوم وَبعد مُدَّة تَوَجَّهت الْمدرسَة عَن
стр. 243
صَاحب التَّرْجَمَة فسافر إِلَى الرّوم مرّة ثَالِثَة وقررها وَعَاد على أحسن حَال وَكَانَ لَهُ فضل حسن محاضرة واطلاع على التواريخ وَالْأَخْبَار وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَان أَو تسع بعد الْألف وَتُوفِّي بِدِمَشْق قبيل الْغُرُوب من لَيْلَة الْجُمُعَة آخر شهر ربيع الثَّانِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير والسهراني بِضَم السِّين وَسُكُون الْهَاء وَبعدهَا رَاء وَألف وَنون نِسْبَة إِلَى بَلْدَة مَعْرُوفَة بِبِلَاد الأكراد وَالله أعلم
الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ بن أَحْمد البسكري بِضَم الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة الصُّوفِي رحْلَة الْهِنْد فِي زَمَانه ذكره الشلي وَأثْنى عَلَيْهِ ثَنَاء جميلا ثمَّ قَالَ أَخذ عَن وَالِده وَعَن الشَّيْخ عبد الْقَادِر بن شيخ العيدروس وَغَيرهمَا وَكَانَ لطيف الذَّات كَامِل الصِّفَات وَكَانَ أَكثر همه الاستعداد ليَوْم الْمعَاد قَالَ فِي النُّور السافر وَكَانَ صاحبنا أَحْمد الْمَذْكُور من أهل الْعلم وَالصَّلَاح مُتبعا للْكتاب وَالسّنة سالكا على نهج السّلف الصَّالح متصفا بالعفاف قانعا بالكفاف وَلَا يرى فِي أَكثر الْأَوْقَات إِلَّا مَشْغُولًا بمطالعة أَو كِتَابَة مظْهرا للجمالة لَهُ جملَة مصنفات وَكَانَ كف بَصَره قبل وَفَاته بِقَلِيل وَلِلنَّاسِ فِيهِ مدائح فَمن ذَلِك مَا قَالَه أديب الزَّمَان الشَّيْخ عبد اللَّطِيف بن مُحَمَّد الزبير فِيهِ من قصيدة
(أعنى بِهِ أَحْمد الْمُخْتَار سيرته ... خلقا وخلقا سواهُ لَا يُسَاوِيه)
(شهَاب نجل عَليّ البسكري بَلَدا ... الْمَالِكِي مذهبا من ذَا يضاهيه)
(قد خصّه بجميل الْفضل خالقه ... بسرطي معَان فِي معاليه)
(لَهُ بديع بَيَان فِي الْخطاب يرى ... وَغير لفظ وَقد جلت مَعَانِيه)
(أخباره قد أَتَت فِي الْحَال تخبر عَن ... أَبْيَات أفكاره الْمَخْصُوص من فِيهِ)
(حَدِيثه الْحسن العالي رِوَايَته ... أعلت لسامعه شَأْنًا وَرَاوِيه)
وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة السبت الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر ربيع الثَّانِي سنة تسع بعد الْألف بِمَدِينَة أَحْمد آباد وَدفن بهَا رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ بن عبد القدوس بن مُحَمَّد أَبُو الْمَوَاهِب الْمَعْرُوف بالشناوي الْمصْرِيّ ثمَّ الْمدنِي الاستاذ الْكَامِل المكمل الباهر الطَّرِيقَة ترجمان لِسَان الْقدَم كَانَ آيَة الله الباهرة فِي جَمِيع المعارف وَقد أَعلَى الله تَعَالَى مِقْدَاره وَنشر ذكره وَله بالحرمين الشُّهْرَة الطنانة أَخذ بِمصْر عَن الشَّمْس الرَّمْلِيّ والقطب مُحَمَّد بن أبي الْحسن الْبكْرِيّ والنور الزيَادي وبالمدينة عَن السَّيِّد صبغة الله بن روح الله السندي
стр. 244
أَخذ عَنهُ طَرِيق الْقَوْم وتلقن مِنْهُ الذّكر وَلبس الْخِرْقَة وَبِه تخرج فِي عُلُوم الْحَقَائِق وَقَامَ مقَامه للنَّاس فِي التربية والتلقين والإلباس والتحكيم وَمن مشايخه أَيْضا السَّيِّد غضنفر بن جَعْفَر البُخَارِيّ ثمَّ الْمدنِي وَأخذ عَنهُ كَثِيرُونَ مِنْهُم السَّيِّد سَالم بن أَحْمد شَيْخَانِ والصفي أَحْمد بن مُحَمَّد الدجاني الْمدنِي الْمَعْرُوف بالقاشي وَالسَّيِّد الْجَلِيل مُحَمَّد بن عمر الحبشي الغرابي وَغَيرهم من العارفين وَالشَّيْخ سُلْطَان المزاحي وَله خلفاء فِي كل أَرض رتبهم عالية مَعْلُومَة وَله التصانيف الَّتِي لم ينسج على منوالها مِنْهَا حَاشِيَة على كتاب الْجَوَاهِر للغوث الْهِنْدِيّ والسطعات الأحمدية فِي رَوَائِح مدائح الذَّات المحمدية والتأصيل وَالتَّفْصِيل وَكتاب الإقليد الفريد فِي تَجْرِيد التَّوْحِيد وسعة الْأَخْلَاق وفواتح الصَّلَوَات الأحمدية فِي لوائح مدائح الذَّات المحمدية ورسالة فِي الْوحدَة الوجودية وَتمكن حَاله واشتهر مقاله وَكَانَ يَقُول فِيمَا حَكَاهُ الْعَلامَة أَحْمد البشبيشي لَو كَانَ الشعراني حَيا مَا وَسعه إِلَّا اتباعي وَكَانَ يَقُول لَا يدْخل النَّار من رَآنِي يَوْم الْقِيَامَة وَمثل هَذَا الإِمَام لَا يتَكَلَّم إِلَّا عَن أذن إلهي وَالسَّلَام على أهل التَّسْلِيم وَمن فَوَائده وَفِي أسانيدنا الأولى كَثْرَة الرِّجَال بِخِلَاف أَسَانِيد الْمُحدثين فَالْمُرَاد فِيهَا قلَّة الرِّجَال لسُهُولَة النَّقْد وَالْمرَاد هُنَا كَثْرَة الرِّجَال لتقوى المدد وتعظيم السَّنَد فَإِن للمتقدم على الْمُتَأَخر زِيَادَة وَله عَلَيْهِ إمداد وإفادة وَله الشّعْر البليغ فَمن ذَلِك قَوْله فِي تخميس قصيدة السودي الْمَشْهُورَة
(كَيفَ تبدو الْعين بالأثر ... وَهِي تأبى الْغَيْر كالحصر)
(صَحَّ فِيهَا قَول مُعْتَبر ... لَيْسَ عِنْد الْخلق من خبر)
(عَنْك يَا أغلوطة الْفِكر ... )
(صَارَت الأنباء عَنْك عمى ... وشهود الْكَشْف فِيك وَمَا)
(وَعَلِيم الْقَوْم مصطلما ... حارت الْأَلْبَاب فِيك وَمَا)
(ميزت وردا من الصَّدْر ... )
(وحدة عزت مهيمنة ... جمعت للضد مرتبَة)
(وجلت للعين تعمية ... حيرة عَمت فَأَي فَتى)
(رام عرفانا وَلم يحر ... )
(فجلالا هوته طللا ... فبدانا سوته مثلا)
(وعَلى إِطْلَاقه أزلا ... عميت أنباء ذَاك على)
стр. 245
(كلهم فِي الْبَدْر والحضر ... )
(قصدُوا جمعا بِهِ صدعوا ... فراقوا فِي الْجمع فانقطعوا)
(وهم عَنهُ بِهِ منعُوا ... فانثنوا وَالله مَا وَقَعُوا)
(لَا على عين وَلَا أثر ... )
(قمحيط كَيفَ يَحْجُبهُ ... فَأَبت عَنْهُم مذاهبه)
(وضيا الأمكان واجبه ... بل عَظِيم الْقَوْم مطلبه)
(شدَّة التحيير والحصر ... )
(إِن دون الْحق لَيْسَ نبا ... فسوى الْقَوْم مِنْهُ هبا)
(وجمال الْوَجْه مَا حجبا ... كَيفَ حَار وافيك وأعجبا)
(يَا سنا سَمْعِي وَيَا بَصرِي ... )
(حكمه مَاء بمنعقد ... وَقيام الْفَرد فِي عدد)
(قُمْت فيهم غير مُتحد ... أَنْت لَا تخفى على أحد)
(غير أعشى الْفِكر وَالنَّظَر ... )
(أَو على رسم لَهُ شبه ... أَو على وسم بِهِ وَله)
(أَو على من فرقه عَمه ... أَو على شخص بِهِ كمه)
(لم يُشَاهد صُورَة الْقَمَر ... )
(فعلى تَحْقِيق رتبتهم ... أَنْت فِي إِطْلَاق نسبتهم)
(وعَلى تعْيين وجهتهم ... أَنْت فيهم ظَاهر وبهم)
(وَلَهُم لَوْلَا بقا الْأَثر ... )
(فهم مِنْهُم بهم عدم ... وَلَهُم فِي علمه قدم)
(وهم من وَجهه أُمَم ... لَو تلاشت عَنْهُم ظلم)
(وامحوا عَن عَالم الصُّور ... )
(فهم خلق يبسط وطا ... وهم حق بكشف غطا)
(فَلَو أنهلوا هدى وسطا ... شاهدوا معناك منبسطا)
(سائرا فِي سَائِر الْقطر ... )
(وَرَأَوا لله مَا حكمُوا ... وبعين الله مَا علمُوا)
(وبوجه الْحق قد عصموا ... وَرَأَوا أَن الْحجاب هم)
стр. 246
(عَن شُهُود المنظر التضر ... )
وَله أَشْيَاء فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة وَكَانَت وِلَادَته فِي شَوَّال سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة بمحلة روح عَن غربية مصر وَتُوفِّي فِي ثامن الْحجَّة سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف بِالْمَدِينَةِ وَدفن ببقيع الْغَرْقَد بِالْقربِ من ضريح شَيْخه السَّيِّد صبغة الله رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ بن قَاسم أَبُو الْعَبَّاس الْمَعْرُوف بالزقاق بزاي وقافين الْمَالِكِي الْفَقِيه الْحَافِظ عَالم بِلَاد الْمغرب وَرَئِيس جهابذتها فِي عصره وَكَانَ عَالما فَقِيها متكلماً نَاظرا عَظِيم الهيبة جليل الْقدر عالي الهمة أَخذ عَن أَبِيه وَغَيره وبرع وَقيد وَضبط وَألف وَمن تآليفه شرح منظومة أَبِيه فِي الْقَوَاعِد وَبَعض الرسَالَة والمدونة ومختصر خَلِيل ورحل وَحج وتفقه بِهِ كثير من أهل فاس ولازمه ابْن أَخِيه عبد الْوَهَّاب الزقاق وانتفع بِهِ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف ذكر هَذَا الشلي فِي تَارِيخه
السَّيِّد أَحْمد بن عَليّ بن عَلَاء الدّين السَّيِّد الشريف الْمَعْرُوف بالصفوري الحسني الشَّافِعِي الدِّمَشْقِي كَانَت لَهُ معرفَة تَامَّة بالفقه والعربية وَالشعر وأنواع الْأَدَب وَكَانَ حسن الْخلق جيد الْفَهم لَهُ همة عالية وطبيعة مطيعة قَرَأَ بِدِمَشْق على عبد الْحق الْحِجَازِي وَالْحسن البوريني والشرف الدِّمَشْقِي وَسمع الحَدِيث من الشَّمْس الميداني النَّجْم الْغَزِّي وَكَانَ معيداً لدرسيهما فِي صَحِيح البُخَارِيّ تَحت قبَّة النسْر بِجَامِع دمشق وسافر إِلَى حلب فِي سنة سِتّ عشرَة وَألف وَجرى لَهُ مَعَ أدبائها مطارحات وقفت عَلَيْهَا بِخَطِّهِ فِي بعض مجاميعه ودرس بدار الحَدِيث الأشرفية وَتَوَلَّى قَضَاء الشَّافِعِيَّة بمحكمة الْبَاب بِدِمَشْق وَكَانَ حسن النزاهة فِي قَضَائِهِ مَشْهُور السمعة وَله شعر مستعذب عَلَيْهِ طلاوة وَفِيه رقة وعذوبة فَمن ذَلِك قَوْله
(أيا رب قد مكنت فِي الْقلب حبه ... وحكمته فِي الصب بالْقَوْل وَالْفِعْل)
(وألهمته الْأَعْرَاض عني وَلم تدع ... لقلبي صبرا عَنهُ فِي الهجر والوصل)
(فألهمه إحساناً إِلَيّ فَلَيْسَ لي ... سوى لطفك الْمَعْهُود إِن لم يكن من لي)
(وَإِلَّا فسو الْحبّ بيني وَبَينه ... فَإنَّك يَا مولَايَ تُوصَف بِالْعَدْلِ)
هَذَا أسلوب لطيف يعرفهُ من لَهُ خبْرَة بقريض الشّعْر وَهُوَ نقل الْكَلَام من أسلوب إِلَى آخر تطرفاً كاستعماله الْغَزل مَا عهد اسْتِعْمَاله فِي الدُّعَاء كَقَوْل ابْن الْوَكِيل
(يَا رب جفني قد جفاه هجوعه ... والوجد يَعْصِي مهجتي وَتُطِيعهُ)
стр. 247
(يَا رب قلبِي قد تصدع بالنوى ... فَإلَى مَتى هَذَا البعاد يروعه)
(يَا رب بدر الْحَيّ غَابَ عَن الْحمى ... فَمَتَى أرَاهُ فِي القباب طلوعه)
(يَا رب فِي الأظعان سَار فُؤَاده ... يَا ليته لَو كَانَ سَار جَمِيعه)
(يَا رب لَا أدع البكا فِي حبهم ... من بعدهمْ جهد الْمقل دُمُوعه)
(يَا رب عذب فِي الْهوى من سَاءَنِي ... بمقالة أحلى الْهوى ممنوعه)
(يَا رب هَذَا بَيته وبعاده ... فَمَتَى يكون إيابه ورجوعه)
وَمثله اسْتِعْمَال الْغَزل على طَرِيق الْأَوَامِر السُّلْطَانِيَّة كَقَوْل الظريف
(أعز الله أنصار الْعُيُون ... وخلد ملك هاتيك الجفون)
(وأسبغ ظلّ ذَاك الشّعْر مِنْهُ ... على قدبه هيف الغصون)
وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة قَوْله مضمناً
(إِن جِئْت حَيّ أَمِيري صف لي شجني ... وَطول سقمي وَمَا ألْقى فَإِن سمعا)
(فاشرح لَهُ حَال صب مغرم دنف ... قد قطع الْبعد عَنهُ قلبه قطعا)
(لَا يسْتَقرّ بِهِ فِي منزل جَسَد ... وطرفه بعده وَالله مَا هجعا)
(وَاذْكُر لَهُ إِن حبي زَاد فِيهِ وَهل ... يخْشَى تغير مَا فِي الطَّبْع قد طبعا)
(وأنشده عهدا مضى فِي الرقمتين لنا ... والبدر شاهدنا لما إِلَيْهِ سعى)
(عساه تعطفه تِلْكَ العهود وَكم ... خل إِلَى الْعَهْد والميثاق قد رجعا)
(واسرع بلطف وَقل مستعطفاً ملكا ... بَيْتا إِلَى ذكره حَال المشوق دَعَا)
(يَا ابْن الْكِرَام أَلا تَدْنُو فتبصر مَا ... قد حدثوك فاراء كمن سمع)
هَذَا الْبَيْت مِمَّا كثر تضمنه قَدِيما وحديثاً وَلَا أَدْرِي لمن هُوَ وَفِيه عكس التَّشْبِيه إِذْ لَيْسَ المُرَاد جعل السَّامع أَو فِي دَرَجَة من الرَّائِي وَقَوله مضمنا أَيْضا
(يَا من بِهِ بَدْء الْجمال وَمن غَدا ... لِلْحسنِ دون ذَوي الْكَمَال ختاما)
(قد تمّ حسنك بالعذار فَمن رأى ... بَدْرًا يكون لَهُ الْكُسُوف تَمامًا)
وَهَذَا الْبَيْت للأستاذ أبي الْفرج بن هِنْد وَقَبله
(خلع العذار على جمالك خلعة ... خلعت قُلُوب العاشقين غراما)
وللباخرزي فِيمَا يُقَارِبه وَهُوَ قَوْله
(وَجه حكى الْوَصْل طيبا زانه صدغ ... كَأَنَّهُ الهجر فَوق الْوَصْل علقه)
(وَقد رَأَيْت أَعَاجِيب الزَّمَان وَمَا ... رَأَيْت وصلا يكون الهجر رونقه)
стр. 248
وللصفوري فِي الإعتذار قَوْله
(أيا من فَضله والجود سارا ... مسير النسيرين بِلَا معَارض)
(وعدتك سَيِّدي والوعد دين ... وَلَكِن مَا سلمت من الْعَوَارِض)
قلت الْعَوَارِض مظْلمَة سلطانية تُؤْخَذ من الْبيُوت فِي الشَّام فِي كل سنة وَيُقَال أَنَّهَا من محدثات الْملك الظَّاهِر بيبرس وَبِهَذَا تمت لَهُ التورية وَمِمَّا يُعجبنِي فِي التَّعَرُّض لَهَا قَول الأكرمي الْمُقدم ذكره
(لحى الله أَيَّام الْعَوَارِض أَنَّهَا ... هموم لرؤياها نشيب الْعَوَارِض)
(يضيق لَهَا صَدْرِي وَإِنِّي لشاعر ... خليع وبيتي مَا عَلَيْهِ عوارض)
وَقَالَ ملمحا بحكمة تروى عَن الإِمَام مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَهِي لَيْسَ بِحَكِيم من لَا يعاشر بِالْمَعْرُوفِ من لَا يجد بدا من معاشرته حَتَّى يَجْعَل الله لَهُ فرجا ومخرجا
(إِذا أَنْت لم تقدر على ترك عشرَة ... لذِي شَوْكَة فانصح وعاشره بِالصّدقِ)
(وَلَا تضجرن من ضيق مَا قد لَقيته ... عَسى فرج يَأْتِيك من خَالق الْخلق)
وَله
(إِذا أَنْت لم تقرب يناجيك خاطري ... وَإِن تدن مني فالجوارح أعين)
(لِأَنَّك مطلوبي على كل حَالَة ... وَأَنَّك مختاري فرؤياك أحسن)
وَفِي مَعْنَاهُ قَول القَاضِي إِسْمَاعِيل الْحِجَازِي الْآتِي ذكره
(إِذا ألحت لي ناجتك كل جوارحي ... وَإِن غبت عَن عَيْني أناجيك بِالْقَلْبِ)
(فَأَنت من قلبِي حُضُور أَو غيبَة ... وَأَنت ضيا عَيْني فِي حَالَة الْقرب)
وَمن شعره قَوْله يمدح الْوَادي التحتاني أحد متنزهات دمشق
(وَالله مَا رَأَتْ العينان مثلك يَا ... وَادي دمشق وَلم تسمع بِهِ أذن)
(لانت كالجنة الفردوس إِذْ هَبَطت ... فِيك الْجَوَارِي وَالْولد أَن قد سكنوا)
وَبِالْجُمْلَةِ فمحاسن السَّيِّد أَحْمد فِي الشّعْر كَثِيرَة فنكتفي مِنْهَا بِهَذَا الْقدر وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي خَامِس شعْبَان سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ الحريري العسالي الشَّافِعِي شيخ الخلوتية بِالشَّام الْبركَة الْوَلِيّ العابد الزَّاهِد نزيل دمشق وَأحد الْأَفْرَاد الْمُتَّفق على صَلَاحه وزهده وورعه وَكَانَ لَهُ فِي طَرِيق الْقَوْم كَلِمَات من النمط العالي وشاع أمره وطار صيته وَكَانَ وَالِده كردِي الأَصْل قدم من بَلْدَة حَرِير وَنزل بقرية عَسَّال من ضواحي دمشق فولد لَهُ بهَا أَحْمد
стр. 249
هَذَا فَدخل فِي صباه دمشق وَأخذ بهَا عَن بعض الصُّوفِيَّة ثمَّ ارتحل إِلَى حلب وَأخذ بهَا عَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَحْمد الدرغراني من قَرْيَة دير غرَّة تَابع حلب وسافر إِلَى عينتاب وَاجْتمعَ بالشيخ شاه ولي الخلوتي وَعنهُ أَخذ طَرِيق الخلوتية وَرجع إِلَى دمشق وَسكن بصالحيتها مُدَّة مديدة وَكَانَت نواب الشَّام وقضاتها وأعيانها يسعون إِلَيْهِ ويلتمسون دعواته ويتبركون بِهِ وَرُبمَا أَخذ بَعضهم الطَّرِيق عَنهُ وَقد أَخذ عَنهُ من أهالي دمشق وَغَيرهَا خلق لَا يُحصونَ كَثْرَة وَكَانَت عَلَامَات الْولَايَة ظَاهِرَة عَلَيْهِ وَهُوَ فِي كل حَال مرضِي السمت وَحدث بعض الثِّقَات من أهل دمشق أَنه سَافر إِلَى مصر فِي حَيَاة العسالي فَاجْتمع بِبَعْض الخبيرين بفن الزايرجا فَسَأَلَهُ عَن قطب ذَلِك الْوَقْت فاستخرج أبياتاً باسم العسالي صَاحب التَّرْجَمَة وسكنه وشكله وقريته وَمَا زَالَ فِي إقبال من النَّاس وشهرة تَامَّة حَتَّى عمر لَهُ محافظ الشَّام أَحْمد باشا الْمَعْرُوف بالكجك عِمَارَته بِالْقربِ من مَسْجِد الْقدَم وَكَانَ ذَلِك فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وَنَقله إِلَيْهَا فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَألف فازداد اشتهاره وشاع خَبره وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ وَبَايَعَهُ من مَشَايِخ دمشق الْأُسْتَاذ الْكَبِير أَيُّوب وَالسَّيِّد مُحَمَّد العباسي شَيخنَا وَغَيرهمَا وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة ثامن عشر ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَصلى عَلَيْهِ تجاه قبَّة الْحَاج عقب صَلَاة الْجُمُعَة وَكَانَت جنَازَته حافلة جدا وَدفن بالعمارة الْمَذْكُورَة والعسالي بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَبعدهَا سين مُهْملَة وَألف وَلَام نِسْبَة إِلَى قَرْيَة من قرى الْجُبَّة من نواحي دمشق والقطب مَعْرُوف وَقد ورد فِيهِ بعض الْآثَار وَنقل النَّجْم الغيطي عَن شَيْخه القَاضِي زَكَرِيَّا أَن القطب مَوْجُود فِي كل زمَان كلما مَاتَ قطب أَقَامَ الله مَكَانَهُ آخر وَهَذَا أَمر مَعْلُوم مَشْهُور وَالْمُنكر لذَلِك محروم من بركَة الأقطاب معترف بِأَن منَّة الله تَعَالَى لم تواجهه وليته إِذْ فَاتَهُ الْوُصُول إِلَيْهَا لَا يفوتهُ الْإِيمَان بهَا انْتهى وَأما الْوَصْف بالغوث المشتهر بَين الصُّوفِيَّة فَلم يثبت لَكِن أخرج الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ وَابْن عَسَاكِر من طَرِيق عبيد الله بن مُحَمَّد الْقَيْسِي قَالَ سَمِعت الْكِنَانِي يَقُول النُّقَبَاء ثلثمِائة والنجباء سَبْعُونَ والأبدال أَرْبَعُونَ والأخيار سَبْعَة والعمد أَرْبَعَة والغوث وَاحِد فمسكن النُّقَبَاء الْمغرب ومسكن النجباء مصر ومسكن الأبدال الشَّام والأخيار سائحون فِي الأَرْض والعمد فِي زَوَايَا الأَرْض ومسكن الْغَوْث مَكَّة فَإِذا عرضت الْحَاجة من أَمر الْعَامَّة ابتهل بهَا النُّقَبَاء ثمَّ النجباء ثمَّ الأبدال ثمَّ الأخيار ثمَّ الْعمد فَإِن أجِيبُوا وَإِلَّا ابتهل الْغَوْث فَلَا تتمّ مسئلته
стр. 250
حى تجاب دَعوته والخلوتية معروفون ونسبوا إِلَى الْخلْوَة لِأَنَّهَا من لَوَازِم طريقتهم قَالَ الْأُسْتَاذ أَيُّوب فِي رسَالَته الاسمائية وليدخل الْخلْوَة السّريَّة وَهُوَ التفريد بِاللَّه ذكرا فِي وجوده والغيبة بِهِ عَمَّا سواهُ فَإِن تيَسّر مَعَ ذَلِك خلْوَة الشَّخْص عَن الْخلق بِأَن يجلس فِي مَكَان طَاهِر وَالْأَفْضَل أَن يكون مَسْجِد جمَاعَة وَأَن يَنْوِي الِاعْتِكَاف الصَّوْم الشَّرْعِيّ وَالْأولَى أَن يتجرد عَن كَثْرَة الْأكل وَالشرب إِذا أفطر وَإِذا ترك الشّرْب فَإِن ذَلِك أولى فَإِن الْعَطش فِي الطَّرِيق أَمر عَظِيم بل هُوَ مسرع الْفَتْح إِذا ساعد التَّوْفِيق والعناية وَيشْرب شَيْئا من المَاء والدبس أَو الْعَسَل وَيكون ذكره فِي الْخلْوَة لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِن عجز عَن ذكرهَا فِي الظَّاهِر فَيرجع إِلَى اسْمه فِي الْبَاطِن فيذكره وَلَا ينَام فِي اللَّيْل قَلِيلا وَلَا كثيرا بل بعد صَلَاة الأشراق لتنجلي لَهُ وقائعه وَإِن كَانُوا جمَاعَة فَكَذَلِك إِلَّا أَنهم يذكرُونَ الله جَمِيعًا بِقُوَّة عزم وَإِن وجد حاد ينشد لَهُم من كَلَام السادالصوفية فَلَا بَأْس ليروحهم فَإِن المجاهدة لَهَا كرب على النُّفُوس وَالْخلْوَة بِالْجِمَاعِ لَا تتجاوز الثَّلَاثَة أَيَّام وخلوة الْوَاحِد مَا شَاءَ من ثَلَاثَة وَسَبْعَة وَخَمْسَة عشر وَثَلَاثِينَ شهرا كَامِلا وَسبعين وعاماً ثمَّ الْعُمر كُله وَهُوَ الْخلْوَة الْمُطلقَة بالسر الْمُطلق قَالَ بَعضهم لَا يتَخَلَّص الْإِنْسَان من أَحْكَام النَّفس إِلَّا إِذا توالت مجاهدته وَتَتَابَعَتْ حولا كَامِلا فَلَا تعود أوصافها إِلَيْهِ وَإِن عَادَتْ لَا تستولي على الْإِنْسَان بل تَزُول بِأَدْنَى توجه بعد ذَلِك وَأما عندنَا فَإِن فعل ذَلِك فَلَا يَأْمَن بل يجمع بَين المجاهدة وَالْأَدب فِي عدم الركون إِلَى النَّفس السَّادة الخلوتية اخْتَارُوا فِي السلوك اثْنَي عشر اسْما تذكر بالترتيب شَيْئا بعد شء على حسب الْوَارِد فَلَا يذكر الثَّانِي حَتَّى ترد موارده على الأول وَيَقَع الْإِذْن بِذكر الثَّانِي فيذكر مَعَ قُوَّة الِاجْتِهَاد وثبات الجأش وعلو الهمة وَالثَّالِث وَالرَّابِع إِلَى الثَّانِي عشر وَذكرهَا لَهُ ثَلَاثَة شُرُوط الأول كِتْمَانه عَن سَائِر النَّاس الثَّانِي الطَّهَارَة فِي الْحس بالضوء أَو الْغسْل وَالْمعْنَى بالأخلاق الْحَسَنَة النافية للأخلاق السَّيئَة الثَّالِث المداومة عَلَيْهَا فِي كل حَال وَعدم المبالاة بالخلق فِي الإقبال والإدبار وَإِلَيْهِ فَهِيَ الاشارة بقوله تَعَالَى ﴿وَاذْكُر اسْم رَبك وتبتل إِلَيْهِ تبتيلا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَذكر اسْم ربه﴾ فضلى وَإِن أَرَادَ السالك أَن يسْرع إِلَيْهِ الْخَيْر فليلزم الذّكر وليخلص فِيهِ إخلاصاً يحقر السرى فِي عينه كَأَنَّهُ بَاقٍ على عدميته الْأَصْلِيَّة وَهُوَ كَذَلِك فَلَا وجود لشَيْء مَعَ الْحق جلّ وَعلا
أَحْمد بن عَليّ المحيرثي نِسْبَة إِلَى المحيرث كدريهم مُصَغرًا بَلْدَة من بِلَاد كوكبان
следующие страницы →