Полный текст (1 978 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
(عَن شُهُود المنظر التضر ... )
وَله أَشْيَاء فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة وَكَانَت وِلَادَته فِي شَوَّال سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة بمحلة روح عَن غربية مصر وَتُوفِّي فِي ثامن الْحجَّة سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف بِالْمَدِينَةِ وَدفن ببقيع الْغَرْقَد بِالْقربِ من ضريح شَيْخه السَّيِّد صبغة الله رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ بن قَاسم أَبُو الْعَبَّاس الْمَعْرُوف بالزقاق بزاي وقافين الْمَالِكِي الْفَقِيه الْحَافِظ عَالم بِلَاد الْمغرب وَرَئِيس جهابذتها فِي عصره وَكَانَ عَالما فَقِيها متكلماً نَاظرا عَظِيم الهيبة جليل الْقدر عالي الهمة أَخذ عَن أَبِيه وَغَيره وبرع وَقيد وَضبط وَألف وَمن تآليفه شرح منظومة أَبِيه فِي الْقَوَاعِد وَبَعض الرسَالَة والمدونة ومختصر خَلِيل ورحل وَحج وتفقه بِهِ كثير من أهل فاس ولازمه ابْن أَخِيه عبد الْوَهَّاب الزقاق وانتفع بِهِ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف ذكر هَذَا الشلي فِي تَارِيخه
السَّيِّد أَحْمد بن عَليّ بن عَلَاء الدّين السَّيِّد الشريف الْمَعْرُوف بالصفوري الحسني الشَّافِعِي الدِّمَشْقِي كَانَت لَهُ معرفَة تَامَّة بالفقه والعربية وَالشعر وأنواع الْأَدَب وَكَانَ حسن الْخلق جيد الْفَهم لَهُ همة عالية وطبيعة مطيعة قَرَأَ بِدِمَشْق على عبد الْحق الْحِجَازِي وَالْحسن البوريني والشرف الدِّمَشْقِي وَسمع الحَدِيث من الشَّمْس الميداني النَّجْم الْغَزِّي وَكَانَ معيداً لدرسيهما فِي صَحِيح البُخَارِيّ تَحت قبَّة النسْر بِجَامِع دمشق وسافر إِلَى حلب فِي سنة سِتّ عشرَة وَألف وَجرى لَهُ مَعَ أدبائها مطارحات وقفت عَلَيْهَا بِخَطِّهِ فِي بعض مجاميعه ودرس بدار الحَدِيث الأشرفية وَتَوَلَّى قَضَاء الشَّافِعِيَّة بمحكمة الْبَاب بِدِمَشْق وَكَانَ حسن النزاهة فِي قَضَائِهِ مَشْهُور السمعة وَله شعر مستعذب عَلَيْهِ طلاوة وَفِيه رقة وعذوبة فَمن ذَلِك قَوْله
(أيا رب قد مكنت فِي الْقلب حبه ... وحكمته فِي الصب بالْقَوْل وَالْفِعْل)
(وألهمته الْأَعْرَاض عني وَلم تدع ... لقلبي صبرا عَنهُ فِي الهجر والوصل)
(فألهمه إحساناً إِلَيّ فَلَيْسَ لي ... سوى لطفك الْمَعْهُود إِن لم يكن من لي)
(وَإِلَّا فسو الْحبّ بيني وَبَينه ... فَإنَّك يَا مولَايَ تُوصَف بِالْعَدْلِ)
هَذَا أسلوب لطيف يعرفهُ من لَهُ خبْرَة بقريض الشّعْر وَهُوَ نقل الْكَلَام من أسلوب إِلَى آخر تطرفاً كاستعماله الْغَزل مَا عهد اسْتِعْمَاله فِي الدُّعَاء كَقَوْل ابْن الْوَكِيل
(يَا رب جفني قد جفاه هجوعه ... والوجد يَعْصِي مهجتي وَتُطِيعهُ)
стр. 247
(يَا رب قلبِي قد تصدع بالنوى ... فَإلَى مَتى هَذَا البعاد يروعه)
(يَا رب بدر الْحَيّ غَابَ عَن الْحمى ... فَمَتَى أرَاهُ فِي القباب طلوعه)
(يَا رب فِي الأظعان سَار فُؤَاده ... يَا ليته لَو كَانَ سَار جَمِيعه)
(يَا رب لَا أدع البكا فِي حبهم ... من بعدهمْ جهد الْمقل دُمُوعه)
(يَا رب عذب فِي الْهوى من سَاءَنِي ... بمقالة أحلى الْهوى ممنوعه)
(يَا رب هَذَا بَيته وبعاده ... فَمَتَى يكون إيابه ورجوعه)
وَمثله اسْتِعْمَال الْغَزل على طَرِيق الْأَوَامِر السُّلْطَانِيَّة كَقَوْل الظريف
(أعز الله أنصار الْعُيُون ... وخلد ملك هاتيك الجفون)
(وأسبغ ظلّ ذَاك الشّعْر مِنْهُ ... على قدبه هيف الغصون)
وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة قَوْله مضمناً
(إِن جِئْت حَيّ أَمِيري صف لي شجني ... وَطول سقمي وَمَا ألْقى فَإِن سمعا)
(فاشرح لَهُ حَال صب مغرم دنف ... قد قطع الْبعد عَنهُ قلبه قطعا)
(لَا يسْتَقرّ بِهِ فِي منزل جَسَد ... وطرفه بعده وَالله مَا هجعا)
(وَاذْكُر لَهُ إِن حبي زَاد فِيهِ وَهل ... يخْشَى تغير مَا فِي الطَّبْع قد طبعا)
(وأنشده عهدا مضى فِي الرقمتين لنا ... والبدر شاهدنا لما إِلَيْهِ سعى)
(عساه تعطفه تِلْكَ العهود وَكم ... خل إِلَى الْعَهْد والميثاق قد رجعا)
(واسرع بلطف وَقل مستعطفاً ملكا ... بَيْتا إِلَى ذكره حَال المشوق دَعَا)
(يَا ابْن الْكِرَام أَلا تَدْنُو فتبصر مَا ... قد حدثوك فاراء كمن سمع)
هَذَا الْبَيْت مِمَّا كثر تضمنه قَدِيما وحديثاً وَلَا أَدْرِي لمن هُوَ وَفِيه عكس التَّشْبِيه إِذْ لَيْسَ المُرَاد جعل السَّامع أَو فِي دَرَجَة من الرَّائِي وَقَوله مضمنا أَيْضا
(يَا من بِهِ بَدْء الْجمال وَمن غَدا ... لِلْحسنِ دون ذَوي الْكَمَال ختاما)
(قد تمّ حسنك بالعذار فَمن رأى ... بَدْرًا يكون لَهُ الْكُسُوف تَمامًا)
وَهَذَا الْبَيْت للأستاذ أبي الْفرج بن هِنْد وَقَبله
(خلع العذار على جمالك خلعة ... خلعت قُلُوب العاشقين غراما)
وللباخرزي فِيمَا يُقَارِبه وَهُوَ قَوْله
(وَجه حكى الْوَصْل طيبا زانه صدغ ... كَأَنَّهُ الهجر فَوق الْوَصْل علقه)
(وَقد رَأَيْت أَعَاجِيب الزَّمَان وَمَا ... رَأَيْت وصلا يكون الهجر رونقه)
стр. 248
وللصفوري فِي الإعتذار قَوْله
(أيا من فَضله والجود سارا ... مسير النسيرين بِلَا معَارض)
(وعدتك سَيِّدي والوعد دين ... وَلَكِن مَا سلمت من الْعَوَارِض)
قلت الْعَوَارِض مظْلمَة سلطانية تُؤْخَذ من الْبيُوت فِي الشَّام فِي كل سنة وَيُقَال أَنَّهَا من محدثات الْملك الظَّاهِر بيبرس وَبِهَذَا تمت لَهُ التورية وَمِمَّا يُعجبنِي فِي التَّعَرُّض لَهَا قَول الأكرمي الْمُقدم ذكره
(لحى الله أَيَّام الْعَوَارِض أَنَّهَا ... هموم لرؤياها نشيب الْعَوَارِض)
(يضيق لَهَا صَدْرِي وَإِنِّي لشاعر ... خليع وبيتي مَا عَلَيْهِ عوارض)
وَقَالَ ملمحا بحكمة تروى عَن الإِمَام مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَهِي لَيْسَ بِحَكِيم من لَا يعاشر بِالْمَعْرُوفِ من لَا يجد بدا من معاشرته حَتَّى يَجْعَل الله لَهُ فرجا ومخرجا
(إِذا أَنْت لم تقدر على ترك عشرَة ... لذِي شَوْكَة فانصح وعاشره بِالصّدقِ)
(وَلَا تضجرن من ضيق مَا قد لَقيته ... عَسى فرج يَأْتِيك من خَالق الْخلق)
وَله
(إِذا أَنْت لم تقرب يناجيك خاطري ... وَإِن تدن مني فالجوارح أعين)
(لِأَنَّك مطلوبي على كل حَالَة ... وَأَنَّك مختاري فرؤياك أحسن)
وَفِي مَعْنَاهُ قَول القَاضِي إِسْمَاعِيل الْحِجَازِي الْآتِي ذكره
(إِذا ألحت لي ناجتك كل جوارحي ... وَإِن غبت عَن عَيْني أناجيك بِالْقَلْبِ)
(فَأَنت من قلبِي حُضُور أَو غيبَة ... وَأَنت ضيا عَيْني فِي حَالَة الْقرب)
وَمن شعره قَوْله يمدح الْوَادي التحتاني أحد متنزهات دمشق
(وَالله مَا رَأَتْ العينان مثلك يَا ... وَادي دمشق وَلم تسمع بِهِ أذن)
(لانت كالجنة الفردوس إِذْ هَبَطت ... فِيك الْجَوَارِي وَالْولد أَن قد سكنوا)
وَبِالْجُمْلَةِ فمحاسن السَّيِّد أَحْمد فِي الشّعْر كَثِيرَة فنكتفي مِنْهَا بِهَذَا الْقدر وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي خَامِس شعْبَان سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ الحريري العسالي الشَّافِعِي شيخ الخلوتية بِالشَّام الْبركَة الْوَلِيّ العابد الزَّاهِد نزيل دمشق وَأحد الْأَفْرَاد الْمُتَّفق على صَلَاحه وزهده وورعه وَكَانَ لَهُ فِي طَرِيق الْقَوْم كَلِمَات من النمط العالي وشاع أمره وطار صيته وَكَانَ وَالِده كردِي الأَصْل قدم من بَلْدَة حَرِير وَنزل بقرية عَسَّال من ضواحي دمشق فولد لَهُ بهَا أَحْمد
стр. 249
هَذَا فَدخل فِي صباه دمشق وَأخذ بهَا عَن بعض الصُّوفِيَّة ثمَّ ارتحل إِلَى حلب وَأخذ بهَا عَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَحْمد الدرغراني من قَرْيَة دير غرَّة تَابع حلب وسافر إِلَى عينتاب وَاجْتمعَ بالشيخ شاه ولي الخلوتي وَعنهُ أَخذ طَرِيق الخلوتية وَرجع إِلَى دمشق وَسكن بصالحيتها مُدَّة مديدة وَكَانَت نواب الشَّام وقضاتها وأعيانها يسعون إِلَيْهِ ويلتمسون دعواته ويتبركون بِهِ وَرُبمَا أَخذ بَعضهم الطَّرِيق عَنهُ وَقد أَخذ عَنهُ من أهالي دمشق وَغَيرهَا خلق لَا يُحصونَ كَثْرَة وَكَانَت عَلَامَات الْولَايَة ظَاهِرَة عَلَيْهِ وَهُوَ فِي كل حَال مرضِي السمت وَحدث بعض الثِّقَات من أهل دمشق أَنه سَافر إِلَى مصر فِي حَيَاة العسالي فَاجْتمع بِبَعْض الخبيرين بفن الزايرجا فَسَأَلَهُ عَن قطب ذَلِك الْوَقْت فاستخرج أبياتاً باسم العسالي صَاحب التَّرْجَمَة وسكنه وشكله وقريته وَمَا زَالَ فِي إقبال من النَّاس وشهرة تَامَّة حَتَّى عمر لَهُ محافظ الشَّام أَحْمد باشا الْمَعْرُوف بالكجك عِمَارَته بِالْقربِ من مَسْجِد الْقدَم وَكَانَ ذَلِك فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وَنَقله إِلَيْهَا فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَألف فازداد اشتهاره وشاع خَبره وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ وَبَايَعَهُ من مَشَايِخ دمشق الْأُسْتَاذ الْكَبِير أَيُّوب وَالسَّيِّد مُحَمَّد العباسي شَيخنَا وَغَيرهمَا وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة ثامن عشر ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَصلى عَلَيْهِ تجاه قبَّة الْحَاج عقب صَلَاة الْجُمُعَة وَكَانَت جنَازَته حافلة جدا وَدفن بالعمارة الْمَذْكُورَة والعسالي بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَبعدهَا سين مُهْملَة وَألف وَلَام نِسْبَة إِلَى قَرْيَة من قرى الْجُبَّة من نواحي دمشق والقطب مَعْرُوف وَقد ورد فِيهِ بعض الْآثَار وَنقل النَّجْم الغيطي عَن شَيْخه القَاضِي زَكَرِيَّا أَن القطب مَوْجُود فِي كل زمَان كلما مَاتَ قطب أَقَامَ الله مَكَانَهُ آخر وَهَذَا أَمر مَعْلُوم مَشْهُور وَالْمُنكر لذَلِك محروم من بركَة الأقطاب معترف بِأَن منَّة الله تَعَالَى لم تواجهه وليته إِذْ فَاتَهُ الْوُصُول إِلَيْهَا لَا يفوتهُ الْإِيمَان بهَا انْتهى وَأما الْوَصْف بالغوث المشتهر بَين الصُّوفِيَّة فَلم يثبت لَكِن أخرج الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ وَابْن عَسَاكِر من طَرِيق عبيد الله بن مُحَمَّد الْقَيْسِي قَالَ سَمِعت الْكِنَانِي يَقُول النُّقَبَاء ثلثمِائة والنجباء سَبْعُونَ والأبدال أَرْبَعُونَ والأخيار سَبْعَة والعمد أَرْبَعَة والغوث وَاحِد فمسكن النُّقَبَاء الْمغرب ومسكن النجباء مصر ومسكن الأبدال الشَّام والأخيار سائحون فِي الأَرْض والعمد فِي زَوَايَا الأَرْض ومسكن الْغَوْث مَكَّة فَإِذا عرضت الْحَاجة من أَمر الْعَامَّة ابتهل بهَا النُّقَبَاء ثمَّ النجباء ثمَّ الأبدال ثمَّ الأخيار ثمَّ الْعمد فَإِن أجِيبُوا وَإِلَّا ابتهل الْغَوْث فَلَا تتمّ مسئلته
стр. 250
حى تجاب دَعوته والخلوتية معروفون ونسبوا إِلَى الْخلْوَة لِأَنَّهَا من لَوَازِم طريقتهم قَالَ الْأُسْتَاذ أَيُّوب فِي رسَالَته الاسمائية وليدخل الْخلْوَة السّريَّة وَهُوَ التفريد بِاللَّه ذكرا فِي وجوده والغيبة بِهِ عَمَّا سواهُ فَإِن تيَسّر مَعَ ذَلِك خلْوَة الشَّخْص عَن الْخلق بِأَن يجلس فِي مَكَان طَاهِر وَالْأَفْضَل أَن يكون مَسْجِد جمَاعَة وَأَن يَنْوِي الِاعْتِكَاف الصَّوْم الشَّرْعِيّ وَالْأولَى أَن يتجرد عَن كَثْرَة الْأكل وَالشرب إِذا أفطر وَإِذا ترك الشّرْب فَإِن ذَلِك أولى فَإِن الْعَطش فِي الطَّرِيق أَمر عَظِيم بل هُوَ مسرع الْفَتْح إِذا ساعد التَّوْفِيق والعناية وَيشْرب شَيْئا من المَاء والدبس أَو الْعَسَل وَيكون ذكره فِي الْخلْوَة لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِن عجز عَن ذكرهَا فِي الظَّاهِر فَيرجع إِلَى اسْمه فِي الْبَاطِن فيذكره وَلَا ينَام فِي اللَّيْل قَلِيلا وَلَا كثيرا بل بعد صَلَاة الأشراق لتنجلي لَهُ وقائعه وَإِن كَانُوا جمَاعَة فَكَذَلِك إِلَّا أَنهم يذكرُونَ الله جَمِيعًا بِقُوَّة عزم وَإِن وجد حاد ينشد لَهُم من كَلَام السادالصوفية فَلَا بَأْس ليروحهم فَإِن المجاهدة لَهَا كرب على النُّفُوس وَالْخلْوَة بِالْجِمَاعِ لَا تتجاوز الثَّلَاثَة أَيَّام وخلوة الْوَاحِد مَا شَاءَ من ثَلَاثَة وَسَبْعَة وَخَمْسَة عشر وَثَلَاثِينَ شهرا كَامِلا وَسبعين وعاماً ثمَّ الْعُمر كُله وَهُوَ الْخلْوَة الْمُطلقَة بالسر الْمُطلق قَالَ بَعضهم لَا يتَخَلَّص الْإِنْسَان من أَحْكَام النَّفس إِلَّا إِذا توالت مجاهدته وَتَتَابَعَتْ حولا كَامِلا فَلَا تعود أوصافها إِلَيْهِ وَإِن عَادَتْ لَا تستولي على الْإِنْسَان بل تَزُول بِأَدْنَى توجه بعد ذَلِك وَأما عندنَا فَإِن فعل ذَلِك فَلَا يَأْمَن بل يجمع بَين المجاهدة وَالْأَدب فِي عدم الركون إِلَى النَّفس السَّادة الخلوتية اخْتَارُوا فِي السلوك اثْنَي عشر اسْما تذكر بالترتيب شَيْئا بعد شء على حسب الْوَارِد فَلَا يذكر الثَّانِي حَتَّى ترد موارده على الأول وَيَقَع الْإِذْن بِذكر الثَّانِي فيذكر مَعَ قُوَّة الِاجْتِهَاد وثبات الجأش وعلو الهمة وَالثَّالِث وَالرَّابِع إِلَى الثَّانِي عشر وَذكرهَا لَهُ ثَلَاثَة شُرُوط الأول كِتْمَانه عَن سَائِر النَّاس الثَّانِي الطَّهَارَة فِي الْحس بالضوء أَو الْغسْل وَالْمعْنَى بالأخلاق الْحَسَنَة النافية للأخلاق السَّيئَة الثَّالِث المداومة عَلَيْهَا فِي كل حَال وَعدم المبالاة بالخلق فِي الإقبال والإدبار وَإِلَيْهِ فَهِيَ الاشارة بقوله تَعَالَى ﴿وَاذْكُر اسْم رَبك وتبتل إِلَيْهِ تبتيلا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَذكر اسْم ربه﴾ فضلى وَإِن أَرَادَ السالك أَن يسْرع إِلَيْهِ الْخَيْر فليلزم الذّكر وليخلص فِيهِ إخلاصاً يحقر السرى فِي عينه كَأَنَّهُ بَاقٍ على عدميته الْأَصْلِيَّة وَهُوَ كَذَلِك فَلَا وجود لشَيْء مَعَ الْحق جلّ وَعلا
أَحْمد بن عَليّ المحيرثي نِسْبَة إِلَى المحيرث كدريهم مُصَغرًا بَلْدَة من بِلَاد كوكبان
стр. 251
ذكره ابْن أبي الرِّجَال فِي تَارِيخه وَقَالَ فِي تَرْجَمته كَانَ من نَوَادِر الزَّمَان نبيها زكيا أحَاط بعلوم جمة وَتمكن من قَوَاعِد الْمَذْهَب ثمَّ قَرَأَ كتب الْحَنَفِيَّة وَولي الْقَضَاء للأروام بِصَنْعَاء وَقضى بمذهبهم وَكَانَ فِي عُلُوم الْمَعْقُول والأدوات نَسِيج وَحده وَكَانَ يقْضِي للأروام بلغتهم وللفارسيين بلغتهم وللعرب بلغتهم وَكَانَ من أَعْيَان الزيدية قَرَأَ على الْمُفْتِي وَغَيره مِنْهُم ثمَّ أخلط فِي آخر عمره قَالَ حكى بعض الشَّافِعِيَّة اخْتَلَط صَاحب التَّرْجَمَة لجودة ذكائه وأحرقت إِلَّا لمعية عقله وَكَانَ يذكر أَنه الْمهْدي المنتظر وَمن أرجوزة لَهُ إِلَى السَّيِّد أَحْمد بن الإِمَام الْقَاسِم وَولد أَخِيه الْحُسَيْن قَالَ فِيهَا
(من الإِمَام الْمهْدي المرتضى للرشد ... إِلَى المليك أَحْمد ثمَّ الْحُسَيْن الأرشد)
إِلَى آخرهَا وَتارَة يَقُول أَنه الدَّابَّة الَّتِي تكلم النَّاس وَله أجوبة مسكتة وأشعار فائقة فِي ضبط الْعُلُوم وَمن شعره قَوْله
(قَاضِي الْجمال أَتَى يجر ذيوله ... كالغصن حَرَكَة النسيم الساري)
(لبس السوَاد فَعَاد بدر فِي الدجى ... لبس الْبيَاض فَكَانَ شمس نَهَار)
(قَالَت رياض الْحسن هَذَا مالكي ... قد أَقرَأ الْحَنَفِيّ فِي الأزهار)
ثمَّ دخل مَكَّة فاشتغل بِهِ الْعلمَاء هُنَالك وَكَانَ مكي فروخ الْحَنَفِيّ على جلالة قدره بِخِدْمَة للطهور وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة فِي إِفْرَاد سنة خمسين وَألف
أَحْمد بن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد جلاخ باقشير الشَّيْخ الإِمَام المفنن فِي الْعُلُوم ولد بحضرموت ببلدة الْمُسَمَّاة بالعجر وَحفظ الْقُرْآن على يَد جد لأمه الْهَادِي باقشير وَقَرَأَ بالتجويد وَحفظ الجزرية وَغَيرهَا من فن القراآت والتجويد وَحفظ الْإِرْشَاد والألفية والقطر وَغَيرهَا وَجل محفوظاته على مشايخه ولازم جده الْمَذْكُور وَأخذ عَنهُ التصوف ورباه فَأحْسن تَرْبِيَته وَأخذ عَن جمَاعَة بحضرموت ثمَّ رَحل إِلَى المستفاض وَأقَام عِنْد ضريح الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الشَّيْخ الْجَوْهَرِي مُدَّة لتعليم الْقُرْآن وتدريس الْعلم النافع وانتفع بِهِ كثير من أهل تِلْكَ الْجِهَة ثمَّ ارتحل إِلَى مَكَّة المكرمة وَحج وَأقَام بهَا وتبوأ صحن مَسْجِدهَا الشريف فلقي مَكَّة سَادَات أَعْلَام كالشيخ عبد الله باقشير أَخذ عَنهُ علم التَّوْحِيد القراآت وَقَرَأَ عَلَيْهِ للسبع بعد أَن حفظ الشاطبية وحلها عَلَيْهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِ شرحها وَأخذ الْفِقْه عَن الشَّيْخ عبد الْعَزِيز الزمزمي وَعَن الشَّيْخ عَليّ الْجمال الْفِقْه والفرائض والحساب ولازمه فِي هذَيْن الفنين وَأخذ الْفَرَائِض والحساب وَأَيْضًا عَن الشَّيْخ أَحْمد بن تَاج الدّين رَئِيس
стр. 252
المؤذنين بِالْحرم النَّبَوِيّ ولازمه مُلَازمَة تَامَّة حَتَّى تخرج بِهِ وَلما قدم الْعَلامَة عِيسَى بن مُحَمَّد الْجَعْفَرِي المغربي إِلَى مَكَّة الزمه وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة كالأصلين والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والبديع والنحو وَالصرْف وَكَانَ الشَّيْخ عبد الله الباقشير يُحِبهُ وَيُشِير إِلَيْهِ وَكَانَ إِذا ورد عَلَيْهِ مسئلة مشكلة أمره أَن يُرَاجِعهَا لَهُ ويحررها ثمَّ يَكْتُبهَا وَكَانَ الشَّيْخ إِذْ ذَاك ضعف عَن الْمُرَاجَعَة وَقل نظره وزوجه بابنته ثمَّ أذن لَهُ مشايخه بالتدريس فدرس وَأخذ عَنهُ جمَاعَة لَا سِيمَا بعد وَفَاة شَيْخه الْمَذْكُور ثمَّ شرع فِي التَّأْلِيف فصنف عدَّة رسائل لكنه لم يبيضها وَله نظم كثير ونظم أرجوزة فِي علمي الْفَرَائِض والحساب جمع فِيهَا فأوعى ثمَّ شرحها شرحا طَويلا استوعب فِيهِ جَمِيع الطّرق والمباحث وَبِالْجُمْلَةِ فقد انْفَرد بعلمي الْفَرَائِض والحساب بعد شَيْخه عَليّ بن الْجمال لَا سِيمَا علم المناسخات فَإِنَّهُ كَاد أَن يحفظ جدول ابْن عبد الْغفار لِكَثْرَة مطالعته لَهُ وقراءته وَشرع فِي اخْتِصَار حَوَاشِي الفهامة ابْن قَاسم على التُّحْفَة وَكَانَت وَفَاته ضحى يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشر شهر ربيع الثَّانِي سنة خمس وَسبعين وَألف بِمَكَّة وَحضر جنَازَته خلق كثير وَحَمَلُوهُ وَالسَّمَاء تمطر حَتَّى فرغوا من دَفنه وَمِمَّنْ حمل جنَازَته عِيسَى الْجَعْفَرِي وَالشَّيْخ أَحْمد بن عبد الرؤف وأسف النَّاس عَلَيْهِ وَدفن بالمعلاة رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد أَبُو الْعَبَّاس بن عَليّ بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم مطير الْحكمِي اليمني الشَّافِعِي أحد عُلَمَاء بني مطير الأكابر الَّذين ورثوا الْعلم كَابِرًا عَن كَابر وبرعوا فِي سَائِر الْعُلُوم وكرعوا من مشارع الفهوم وَاشْتَغلُوا بِطَاعَة الله تَعَالَى أَخذ الْعلم عَن وَالِده وتمتع مِنْهُ بطارفه وتالده وأغناه عَن التَّرَدُّد إِلَى غَيره وأجناه من ثَمَرَات خَيره وَألف المؤلفات المفيدة مِنْهَا تسهيل الصعاب فِي علمي الْفَرَائِض والحساب وَالرَّوْض الأنيف فِي النَّحْو واللغة والتصريف ونظم كتاب الازهار فِي فقه الائمة الاطهار بالتماس بعض الزيدية لذَلِك وَمن شعره قَوْله
(جدد عهودك بالوادي وَبِالسَّنَدِ ... بَين العقيق وَبَين السفح من أحد)
(ديار من جهم فرض ادين بِهِ ... وَمن لَهُم منزل قد شيد فِي خلدي)
(حَيْثُ النُّبُوَّة حطت رَحلهَا وثوت ... ومهبط الْوَحْي والأملاك بِالرشد)
(وراجيا من رَسُول الله رَحمته ... مُحَمَّد أَحْمد الْمَبْعُوث من أدد)
(مَا كن من قبله علم لأمته ... وَلَا لَهُ كَانَ بِالْإِيمَان ثمَّ هدى)
стр. 253
(يَا خَالق الْخلق يَا من لَا شريك لَهُ ... يَا مَالك الْملك بالآزال والأبد)
(يَا ملجأي فِي أموري كلهَا أبدا ... يَا منجدي من مخوفات وَمن كمد)
(إِلَيْك أرفع كفي ضارعا خجلا ... وأخلص الدّين إِذْ أَدْعُوك يَا سندي)
(وأخفض الرَّأْس منقادا بِهِ وجلا ... مُسْتَغْفِرًا لذنوب جمة الْعدَد)
(مستسقيا مِنْك غيثا مطبقا غدقا ... سَحا هَنِيئًا مريئا مصلح الْبَلَد)
(عَاما دريرا مربعًا غير مُنْقَطع ... وَلَا مُضر وَلَا مؤذ وَلَا نكد)
(تحيا بِهِ الأَرْض والأحياء كلهم ... واغفر لنا كل ذَنْب وامحه وجد)
(يَا مفزعي يَا إلهي يَا ملاذي يَا ... مولَايَ يَا موئلي هَب لي وَمد يَدي)
(يَا عَالم السِّرّ مثل الْجَهْر يَا أملي ... ارْحَمْ بجودك ضعْفي واشددن عضدي)
(يَا فَرد يَا حَيّ يَا قيوم يَا صَمد ... يَا ذَا الْجلَال وَذَا الْإِكْرَام يَا أحدى)
(مطالبي مِنْك لَا تحصى وعلمكها ... أحصى وجودك تعطيه على الْأَبَد)
(فآتنا كل مَا نرجو ونطلبه ... وَاقْبَلْ دَعَانَا سَرِيعا وحينا وزد)
(وَآت داعيك بِي فِي كل حَادِثَة ... تنوبه سؤله فِي الْخَيْر إِن ترد)
(فاحمد بن عَليّ قد دعَاك وَقد ... عودته الْخَيْر فضلا مِنْك لم يبد)
(وكل آل مطير لست تهملهم ... فهم عبيدك فارحمهم وعد وجد)
(وأبق مِنْهُم لهَذَا الدّين مطلعا ... يسمو بهم وانصرنهم نصر منتجد)
(هم حاملون كتاب الله تعصمهم ... آيَاته عَن تآويل وَعَن أود)
(واحفظ بحفظهم من كَانَ يصحبهم ... من أهل ودهم من شَرّ ذِي حسد)
(واقرن صَلَاتك بِالتَّسْلِيمِ لَا برحا ... على نبيك فِي يَوْم وكل غَد)
(رَسُولك الْمُجْتَبى الدَّاعِي إِلَيْك أَتَى ... لبيْك لبيْك آمنا بِلَا حجد)
(وَعم آلا وأصحابا وتابعهم ... لهديهم مقتد بِالْبرِّ والرشد)
وكاننت وَفَاته ببلدهم عيس الْحصن من المخلاف السُّلَيْمَانِي فِي الْيمن فِي سنة خمس وَسبعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ الدِّمَشْقِي الخلوتي الْمَعْرُوف بِابْن سَالم الْعمريّ الْحَنْبَلِيّ خَليفَة الشَّيْخ أَيُّوب وَالشَّيْخ أَيُّوب أَخذ طَرِيق الخلوتية عَن العسالي الْمُقدم ذكره وَكَانَ ابْن سَالم فِيمَا أدّى إِلَى إطلاعي من عباد الله الصَّالِحين وَكَانَ قَرَأَ الْفِقْه والعربية وَغَيرهمَا وَكَانَ لَهُ مُشَاركَة جَيِّدَة وَأخذ التصوف عَن شَيْخه الْمَذْكُور وَألف فِيهِ تأليفا نَافِعًا
стр. 254
سَمَّاهُ منهل الوراد فِي الْحَث على قِرَاءَة الأوراد وَله آخر سَمَّاهُ تحفة الْمُلُوك لمن أَرَادَ تَجْرِيد السلوك وَله رِسَالَة الْحسب وقفت عَلَيْهَا ورأيته قد ذكر فِي آخرهَا مبدأ أمره وَمَا انساق إِلَيْهِ حَاله فجردت مِنْهَا مَا لزمني اثباته فِي تَرْجَمته وأعرضت عَن غَيره قَالَ كَانَ لي فِي بدايتي وَمَا ثمَّ نِهَايَة أَنِّي كنت مغرماً بحب الصُّوفِيَّة وتطلبت مرشداً كَامِلا فَلم أَجِدهُ حَتَّى سَافَرت فِي طلبه إِلَى الْحجاز وَالروم ومصر والجزائر والسواحل فَلَمَّا أعياني تطلبه جِئْت وأقمت بالصالحية مُدَّة فحانت منا زِيَارَة لمقام إِبْرَهِيمُ ببرزة فاجتمعت فِيهَا بأستاذنا الشَّيْخ أَيُّوب فكاشفني عَن بعض مَا عِنْدِي وأوقع الله فِي نَفسِي أَنه هُوَ الْمَطْلُوب ثمَّ رَأَيْت بعد ذَلِك فِي الرُّؤْيَا قَائِلا يَقُول لي قُم فقد أَتَى رَسُول الله
إِلَيْك يُرِيدُكَ فِي هَذَا الْوَقْت فَقُمْت مسرعاً وَكَأَنِّي بالجامع المظفري فرجت من الْبَاب الغربي فَرَأَيْت رجلا يَقُود فرسا مسرجاً ألصقها بِالصّفةِ الَّتِي على الْبَاب فَقَالَ اركب فَقلت من أَنا حَتَّى أذهب لحضرة النَّبِي
رَاكِبًا أَنا أَمْشِي على عَيْني فَقَالَ هَكَذَا أمرت فمسك لي الركاب فركبت وَذَهَبت فَكَأَنِّي بِالنَّاسِ وَقد شَقوا إِلَى زقاقاً فِي الْوسط فسرت بَينهم إِلَى أَن وصلت إِلَيْهِ فتأخرت عَنهُ قَلِيلا لِئَلَّا أحاذيه بفرسي وَهُوَ رَاكب فَجعلت رَأس فرسي قَرِيبا من ركبته الشَّرِيفَة وتكلمنا كثيرا ثمَّ استيقظت وَأَنا مفكر فِي واقعتي وَإِذا برَسُول الشَّيْخ أَيُّوب جَاءَنِي من السُّلْطَانِيَّة إِلَى الْجَامِع المظفري يَقُول لي الشَّيْخ يطلبك فسرت فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ ضخك وأنشدني ارتجالاً
(السالمي أَحْمد السالك طَرِيق الْقَوْم ... نَسِيج وَحده ظريف الشكل غالي السّوم)
(رأى الَّذِي أمنُوا البلوي وَهُوَ فِي النّوم ... فَعَاد وَهُوَ سميري فِي الْمحبَّة دوم)
ثمَّ الْتفت إِلَى الْحَاضِرين من أهل الطَّرِيق وَقَالَ لَهُم إِن طريقكم يحملهُ هَذَا وَهُوَ صَاحبه وَأَشَارَ إِلَيّ فتعجبت وَلم يتَقَدَّم لي مَعَه بيعَة وَلَا جمعية ثمَّ قَالَ اجْلِسْ فَجَلَست فبايعني على طَرِيقه وَقَالَ تذْهب فِي هَذَا الْيَوْم إِلَى مقَام بَرزَة فَقلت مرْحَبًا فجيء بدابتين إِحْدَاهمَا لَهُ وَالْأُخْرَى لي وَبَقِيَّة النَّاس يَمْشُونَ وكلمني بِبَعْض مَا رَأَيْت آنِفا فِي واقعتي وَرَأَيْت بعض من رَأَيْت فِي الْوَاقِعَة مَعَه فَعرفت أَنه الْوَارِث المحمدي فازدادت محبتي لَهُ واعتقادي فِيهِ ثمَّ إِنَّا جِئْنَا فَقَالَ مَكَانا لَا يصلح للطريق فاختر لنا مَكَانا فجئتنا للمدرسة الضيائية تجاه الْجَامِع المظفري من الشرق وَكَانَ لنا بهَا مُدَّة لَا تقوم بهَا مُدَّة ثمَّ رَأَيْت كَأَن سَبْعَة نفر شكل بريد السُّلْطَان جاؤا إِلَى الضيائية وسألوا عني
стр. 255
فَقلت وماذا تُرِيدُونَ مِنْهُ قَالُوا هُوَ مَطْلُوب الْملك فَقلت أَنا هُوَ وَهل أليق لذَلِك فَقَالُوا نَحن رسل لَا نَدْرِي فانزعجت واستيقظت وقصيت على الشَّيْخ واقعتي فَقَالَ بكرَة النَّهَار أفسرها لَك ثمَّ أَنا نزلنَا إِلَى الْمَدِينَة على طَرِيق الْبَسَاتِين فَقَالَ لي الشَّيْخ كبر عمامتك وَكنت إِذْ ذَاك أتعمم بعمامة صَغِيرَة فَقلت يَكْفِي هَذَا يَا سَيِّدي فَقَالَ لي أَنْت مَطْلُوب لإمامة مَسْجِد الْقصب وَالْجَمَاعَة الَّذين رَأَيْتهمْ البارحة حجر بن عدي وَأَصْحَابه المدفونون هُنَاكَ فتعجبت أَيْضا لعدم استعدادي فَبعد مُدَّة صرت إِمَامًا باخيار جماعته فأقمت أَنا وَالشَّيْخ بِهِ ثَمَان عشرَة سنة فَرَأَيْت كَأَنِّي نَائِم على بَاب خَان السُّلْطَان على الْمَسْجِد الصَّغِير هُنَاكَ وَإِذا بِبرد السُّلْطَان وقفُوا عَليّ وَقَالُوا هَذَا هُوَ فَقلت مَا تُرِيدُونَ مني فَقَالُوا هَذِه أَحْكَام السُّلْطَان لتَكون نَائِب الشَّام فَقلت أَنا من فُقَرَاء الْبَلَد وضعفائهم لَا أعرف سياسة فزجروني وَقَالُوا تأدب فَنحْن فِي الْكَلَام وَإِذا بِعَجُوزٍ وَمَعَهَا عرض حَال فَقَالَت خُذ عرض حَالي فزجرتها وَقلت لَهُم اضربوها فضربوها فَذَهَبت عني فَاسْتَيْقَظت وقصيت ذَلِك على الشَّيْخ فَقَالَ سترى عيَانًا وَلما مَرضت أَنا وَالشَّيْخ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ وصلنا إِلَى الْعَدَم فَرَأَيْت فِي واقعتي كَأَن رجَالًا داخلون إِلَى جِهَة بيتنا يحمل كل وَاحِد مِنْهُم صينية فِيهَا ياسمين ومنجرة وقمقم فَقلت مَا هَذَا قَالَ عرسك على صَافِيَة بنت الشَّيْخ أَيُّوب فَقلت لَا أَدْرِي أَن لَهُ بِنْتا اسْمهَا صَافِيَة قَالُوا هَذِه الْبِنْت الْعَذْرَاء الْبكر المخدرة ثمَّ دخلُوا دَارنَا وضعُوا اكان مَعَهم وَخَرجُوا وصافحوني كلهم يَقُولُونَ لي مبارك فَاسْتَيْقَظت وبكيت لعلمي أَن هَذَا موت الشَّيْخ وَكَانَت لَيْلَة عيد الْأَضْحَى فَفِي وَقت الضُّحَى جَاءَنِي زمرة من الإخوان يَبْكُونَ وَقَالُوا فِي هَذَا الْيَوْم جلس الشَّيْخ بَين اثْنَيْنِ وَقَالَ إخْوَانِي ليعلم الْحَاضِر مِنْكُم الْغَائِب أَن خَليفَة الْخُلَفَاء بعدِي الشَّيْخ أَحْمد بن سَالم وَمَا ذَلِك مني وَإِنَّمَا نزلت خِلَافَته من السَّمَاء بِحُضُور رجال الطَّرِيق جَمِيعًا لِسَان صدق وَبعد أَيَّام تعافى الشَّيْخ قَلِيلا فَقَالَ احْمِلُونِي إِلَى جَامع منجك على دَابَّة فجَاء إِلَى الْجَامِع وَسَأَلَ كَيفَ حَال الشَّيْخ أَحْمد فَقَالُوا هُوَ على حَاله فَقَالَ احْمِلُونِي لَا عوده فَحَمَلُوهُ يتهادى بَين اثْنَيْنِ فَجَلَسَ عِنْد رَأْسِي وَلم أقدر أَن أَجْلِس لَهُ فَقَالَ لي قُم لَا بَأْس عَلَيْك ثمَّ قَالَ أرْسلت أخْبرك مَعَ إخوانك ابالخلافة وَقد جِئْت إِلَيْك بنفسي أَنْت خليفتي بعدِي فَعَلَيْك بِالطَّرِيقِ وَإِن أَبيت أوقفك عَلَيْهِ بَين يَدي الله تَعَالَى أتلفت عَلَيْك إِحْدَى وَعشْرين
стр. 256
سنة من أجل هَذَا فَبَكَيْت وَبكى وَكَانَ أخواننا جَمِيعًا حاضرين ثمَّ قَالَ لي مَا رَأَيْت فَأَرَدْت أَن أكتمه واقعتي فزجرني وَقَالَ قل الصدْق فَقلت الْوَاقِعَة الْمَذْكُورَة فَقَالَ أَي وَالله هِيَ صَافِيَة وَهِي الْبكر المخدرة الَّتِي لَا تلِيق إِلَّا بك وَقد زَوجتك إِيَّاهَا جعلهَا الله مباركة وَقَرَأَ لي الْفَاتِحَة وَانْصَرف من عِنْدِي فَمَا مكث إِلَّا قَلِيلا حَتَّى مَاتَ رَحمَه تَعَالَى هَذَا مَا قَالَه فِي تَرْجَمَة نَفسه قلت وَبعد وَفَاة شَيْخه صَار خَليفَة من بعده وَبَايَعَهُ خلق كثير واشتهر أمره وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من خِيَار النَّاس وَكَانَت وَفَاته سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ السندوبي الشَّافِعِي الْمصْرِيّ الشَّيْخ الإِمَام كَانَ من أَعْيَان المدرسين بالأزهر وَمن أكَابِر الأفاضل ذَا عِبَارَات فصيحة وشيم مليحة أَخذ عَن الشَّمْس الشَّوْبَرِيّ والنور الشبراملسي وسلطان المزاحي وَمُحَمّد البابلي والشهاب القليوبي وَكثير وَأَجَازَهُ شُيُوخه وتصدر للإقراء فِي ضروب من الْفُنُون وَله مؤلفات مِنْهَا شرح على ألفية ابْن مَالك وَشرح قصيدة الْمقري الَّتِي مطْلعهَا قَوْله
(سُبْحَانَ من قسم الحظوظ ... فَلَا عتاب وَلَا ملامة)
فِي نَحْو عشرَة كراريس وَشرح القصيدة الشيبانية وَشرح العنقود للموصلي فِي النَّحْو وَله منظومة فِي الْحَال وَأُخْرَى فِي مصطلح الحَدِيث وَله أشعار كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله ملغزا فِي نَاصِر
(صَبرنَا فَلَمَّا أَن رأى الصَّبْر بأسنا ... تَأَخّر عَنَّا وَهُوَ مُنْقَطع الْقلب)
وَقَوله
(أَلا يَا طَالب الدُّنْيَا تنبه ... فَلَيْسَ بهَا لمخلوق مقَام)
(ودنيانا بأهليها كركب ... يسَار بهم وَأَكْثَرهم نيام)
وَقَوله
(إِذا مَا رمت من جاؤا بافك ... فهاك عدادهم فِيمَا يصحح)
(تولى كبره ابْن أبي سلول ... وَحمْنَة ثمَّ حسان ومظح)
وَقَوله
(إِذا عدت الْمَرِيض فَلَا تطول ... وقلل فِي الْكَلَام لَدَى العياده)
(وَلَا تذكر لَهُ فِيهَا مَرِيضا ... وَلَا خَبرا فَذَلِك خير عَاده)
وَحج مَرَّات وَرَأَيْت بِخَط صاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله قَالَ اتّفق لي مَعَه أَنِّي زرت مَعَه المعلاة تربة مَكَّة فتذاكرنا انسها وَعدم الوحشة فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَقَابِر غَيرهَا من الْبِلَاد وَمن فِيهَا من الْأَوْلِيَاء مِمَّن لَا يُحْصى كَثْرَة فَذكرت لَهُ مَا نَقله الْمرْجَانِي فِي تَارِيخ الْمَدِينَة عَن وَالِده سَمِعت أَبَا عبد الله الدلاصي يَقُول سَمِعت
стр. 257
الشَّيْخ أَبَا عبد الله الديسي يَقُول كشف لي عَن أهل المعلاة فَقلت لَهُم أتجدون نفعا بِمَا يهدى إِلَيْكُم من قِرَاءَة وَنَحْوهَا فَقَالُوا لسنا مُحْتَاجين إِلَى ذَلِك فَقلت لَهُم مامنكم أحد وَاقِف الْحَال فَقَالُوا مَا يقف حَال أحد فِي هَذَا الْمَكَان فأعجب بِهِ وَقَالَ أَرْجُو الله أَن يميتني بِمَكَّة وَأَن أدفن بالمعلاة فَلم يقدر لَهُ ذَلِك وَتُوفِّي بِمصْر وَكَانَت وَفَاته فِي يَوْم الثُّلَاثَاء غرَّة جمادي الأولى سنة سبع وَتِسْعين وَألف وعمره ثَمَان وَسِتُّونَ سنة
الشَّيْخ أَحْمد بن عمر الحمامي العلواني الخلوتي الشَّافِعِي نزيل حلب الشَّيْخ الْبركَة تأدب على يَد أستاذه أبي الْوَفَاء العلواني قَرَأَ عَلَيْهِ فِي مُقَدمَات الْعُلُوم ولازمه فِي حُضُور مجَالِس شكوى الخاطر ثمَّ سلك على يَد ابْن أَخِيه الشَّيْخ مُحَمَّد فَكَانَ بَينه وَبَين الشَّيْخ علوان رجل وَاحِد هُوَ الشَّيْخ أَبُو الْوَفَاء بن الشَّيْخ علوان ثمَّ خرج من بلدته حماة لحدة مزاجه وضيق أخلاقه وَذَلِكَ بعد موت مشايخه فورد حلب وَنزل بمحلة المشارقة وَكَانَ حِينَئِذٍ يكْتَسب بالحياكة ثمَّ مل مِنْهَا وَجلسَ بِمَسْجِد الشَّيْخ شَمْعُون بمحلة سويقة حَاتِم قرب الْجَامِع الْكَبِير فَكَانَ يقرىء المبتدئين فِي الألفية النحوية وَشرح الْقطر وَنَحْو ذَلِك ويقرى فِي الْمِنْهَاج الفرعي وَكَانَ يقنع بسد الرمق يلبس الثِّيَاب الخشنة كالعباءة والقميص من الخام مَعَ قدرته على لبس أحسن من ذَلِك ثمَّ تردد إِلَى دروس الشَّيْخ أبي الْجُود فَسمع التَّفْسِير وَمَا يقْرَأ على الشَّيْخ أبي الْجُود وَكَانَ يتفقده ثمَّ أَخذ يشكو الخواطر على طَرِيق العلوانية وَكَيْفِيَّة شكوى الخواطر أَنه يَوْم الْجُمُعَة صَبِيحَة النَّهَار يقْرَأ أوراد العلوانية وَيسْتَمر بِذكر الله تَعَالَى حَتَّى ترْتَفع الشَّمْس على قدر قامتين وَيجْلس السامعون بَعضهم إِلَى ظهر بعض ثمَّ يطْرق الشَّيْخ رَأسه وَيَقُول أسْتَغْفر الله فَكل وَاحِد يَقُول كَذَلِك بمفرده ثمَّ يشكو بعض جماعات مِنْهُم مَا لَاحَ فِي ضَمِيره هَذَا يَقُول مثلا أجد نَفسِي تميل إِلَى الْأَطْعِمَة الطّيبَة وعجزت عَن دَفعهَا وَهَذَا يَقُول أشغلني عَن عبَادَة الله أُمُور الْعِيَال وَهَذَا يَقُول مَا معنى قَول ابْن الفارض روحي فدَاك عرفت أم لم تعرف وَهَذَا يَقُول مَا معنى قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أنزل السكينَة فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ﴾ وَبعد الْفَرَاغ أَنا السؤالات يشْرَح لَهُم الخواطر وَاحِدًا بعد وَاحِد ويستطرد قَول العرضي الصَّغِير حَضرته مرّة فاستطرد إِلَى أَن حكى أَنه لما كَانَ فِي خدمَة شَيْخه أَبُو الْفَاء وجده فِي اللَّيْل نَائِما فِي الزاوية فِي الإيوان أَيَّام الْبرد فأيقظه وَقَالَ لَهُ يَا أَحْمد أوصيك لَا تتخذلك بُيُوتًا سوى الْمَسَاجِد لِئَلَّا تحاسب عَلَيْهَا فِي الْقِيَامَة وَذكر أَن شَيْخه أعطَاهُ مِفْتَاح خزانَة الزَّيْت ليُعْطى
стр. 258
مِنْهَا لِلْمَسْجِدِ مَا يحْتَاج فَكَانَ يُسمى الله تَعَالَى وَيُعْطى وَاسْتمرّ مُدَّة طَوِيلَة حَتَّى حمل الْحَسَد رجلا قَالَ الشَّيْخ أَن أَحْمد لَا يقدر على حفظ الزبت فسلمه الشَّيْخ الْمِفْتَاح وعزل الشَّيْخ أَحْمد فَمَا مضى نَحْو أُسْبُوع وَإِذ بِالرجلِ قَالَ فرغ الزَّيْت فَقَالَ الشَّيْخ سُبْحَانَ الله كَانَت الْبركَة فِي يَد أَحْمد وَلَو اسْتمرّ الْمِفْتَاح عِنْده كَانَ الزَّيْت يُقيم سنوات وَله مؤلفات مَقْبُولَة مِنْهَا تروية الْأَرْوَاح وأعذب المشارب فِي السلوك والمناقب الْمَتْن لَهُ منظوم وَالشَّرْح لَهُ المنظوم وَله منثور ومطلع المنظوم قَوْله
(إِلَيْك بك اللَّهُمَّ وجهت وَجْهي ... وفيك إِذا مَا هَمت ألفيت همتي)
(لقد سدت الْأَبْوَاب عني وَقصرت ... فأسألك التَّفْرِيج من كل شدَّة)
(لَك الْحَمد إِذْ أظهرت فِي الْكَوْن سادة ... تحلى بهم وَالله جيد الملاحة)
(بهم كل جود فِي الْوُجُود وَمَا لمن ... أحبهم غير الهنا والمسرة)
(لَك الْحَمد إِن أشغلت قلبِي بذكرهم ... وشرفت مَا أمْلى بِوَصْف الْمحبَّة)
(فهم نور عَيْني وَالْجمال يحفهم ... وهم روح جسمي والحياة بجملة)
(لَك الْحَمد فارحمني إِذا مَا ذكرتهم ... بِوَصْف جميل واصلح الله نيتي)
وَقد ذكر فِي الشَّرْح شَيْخه أَبَا الْوَفَاء وَأَطْنَبَ فِي مناقبه وَذكر فِيهِ الشَّيْخ عمر العرضي وَأطَال فِي مدحه وَكَانَ سَأَلَ العرضي الْمَذْكُور أَن الْمُقَرّر أَن النَّبِي أَعم من الرَّسُول مَعَ أَن الله تَعَالَى علق الْإِرْسَال على كل شئ فَقَالَ وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إِلَّا إِذا تمنى دلّت بصريحها أَنه مَا من شَيْء إِلَى وَقد أرسل الله إِلَيْهِ أجَاب بِأَن الرَّسُول الْمَعْرُوف إِنْسَان أُوحِي إِلَيْهِ بشرع وَأمر بتبليغه ذَاك بِحَسب عرف أهل الشَّرْع والإرسال المُرَاد فِي الْآيَة الْإِرْسَال اللّغَوِيّ قَوْله ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح﴾ وَنَحْو ذَلِك وَلم يعرف لَذَّة الْجِمَاع أصلا وَلما ورد شاه ولي الخلوتي الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى صَاحبه الشَّيْخ أَحْمد وتلمذته وَأخذ عَنهُ الْبيعَة حَتَّى تعجب النَّاس من حسن أَخْلَاق الشَّيْخ أَحْمد وَلبس الشَّيْخ أَحْمد جَمِيع مريديه تَاج الخلوتية وَشرع بقيم الذّكر على أسلوب الخلوتية فَكثر أَتْبَاعه وقصده النَّاس من جَمِيع أقطار حلب إِلَّا أَن المشددين فِي الزّهْد مَا أعجبهم هَذِه الْحَالة لكَون الطَّرِيقَة العلوية مَحْض سنة محمدية وَاتخذ لَهُ كرسيا يجلس عَلَيْهِ يَوْم شكوى الخواطر فَكَانَ يقْرَأ بعض آيَات قرآنية ويفسرها للنَّاس وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا والنذورات وأسرعت الْحُكَّام وأرباب الدولة إِلَى زيارته وَلما أدْركْت الشاه ولي الْوَفَاة بحلب اجْتمعت عَلَيْهِ أهالي بَاب
стр. 259
النيرب وَقَالُوا لَهُ يَا مَوْلَانَا ترك الشَّيْخ أَحْمد طَرِيقَته وَطَرِيقَة آبَائِهِ وتلمذكم وَهُوَ عَالم فَاضل فَلَا يَلِيق بالخلافة غَيره فَقَالَ لَهُم لَا الْخَلِيفَة عَلَيْكُم بعدى قايا حلبى وكرروا هَذَا الْأَمر مرَارًا وَهُوَ يَقُول لَهُم كَذَلِك ثمَّ انحل الشَّيْخ أَحْمد عَن تِلْكَ الْحَالة وأدركه الْمَوْت فَقَالَ أشهد الله ني أَمُوت على طَريقَة الشَّيْخ علوان وَكَانَ رُبمَا اقْتصر فِي الْيَوْم على أكل رغيف وكات وَفَاته فِي سنة سبع عشرَة بعد الْألف وَدفن بِجَانِب الشَّيْخ شاه ولي ملاصقاً لمقام الْخَلِيل على نَبينَا وَعَلِيهِ أفضل الصَّلَاة وَأتم السَّلَام
السَّيِّد أَحْمد بن عمر بن عبد الله بن علوي بن عبد الله العيدروس ذكره الشلي وَقَالَ فِي حَقه صَاحب الْعُلُوم اللدنية والمعارف القدسية والأسرار العرفانية ولد تبريم وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ عَن جمَاعَة بهَا ثمَّ رَحل إِلَى وَالِده ببندر عدن ولازمه وَتخرج بِهِ وَأخذ عَن غَيره من الْعلمَاء وَكَانَ جَامعا للأخلاق المحمودة مأوى للغريب ومنقذ اللهفان وبرع فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وعلوم التصوف وَكَانَ حاوياً لأسباب الدقائق الفرعية والأصلية جَامعا لمفردات الْحَقَائِق الشَّرْعِيَّة والعقلية وَقَامَ بمنصبهم بعد وَالِده أتم قيام وانتفع بِهِ النَّاس وَكَانَ ذَا خلق رَضِي وسمت مرضِي وانتفع بِهِ خلق وَمن كراماته أَنه لما قربت وفاه وَلم يكن بِهِ مرض وَإِنَّمَا كَانَ مَعَه انقباض من الْخلق كعادته طلب المَاء فَتَوَضَّأ وَصلى مَا شَاءَ الله ثمَّ طلب خواصه فَتكلم مَعَه بِكَلَام فِيهِ إشارات فِي ضمنهَا بشارات مِنْهَا مَا عرف وَمِنْهَا مَا لم يعرف ثمَّ الْتفت إِلَى أَوْلَاده الْكِبَار وعرفهم بأمورهم وَأمر أهل بَيتهمْ أوصاهم وَنصب ابْنه الْكَبِير شَيخا عَلَيْهِم وَأمر الْجَمِيع باتباعه وأصاه بهم وَأعْطى بعض خُدَّامه دَرَاهِم يَشْتَرِي حجرين عَلامَة لقبر فظنوا أَنه يُرِيدهُمَا لقبر أَخِيه عَليّ بن عمر لكَونه إِذْ ذَاك مَرِيضا ثمَّ أَمر الْجَمَاعَة بِالْخرُوجِ ثمَّ سَمِعُوهُ يَقُول الله الله فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فوجدوه قد خرجت روحه وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَعشْرين وَألف وَكَانَ عمره بضعاً وَخمسين سنة وقبر فِي قبَّة الشَّيْخ أبي بكر بن عبد الله العيدروس رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عمر الْمَعْرُوف بالقارىء نِسْبَة لقارة بَين حسية والنبك مَشْهُورَة بالبرد الشَّديد نزيل حلب الشَّيْخ الصَّالح المتجرد المتقلب فِي أفانين الشطح ذكره الشَّيْخ أَبُو الْوَفَاء العرضي فِي معادنه وَقَالَ بعد أَن أثنى عَلَيْهِ نَشأ فَقِيرا وسلك طَرِيق المشيخة والدروشة فَطَافَ الْبِلَاد وزار مرقد الشَّيْخ عبد الْقَادِر الكيلاني قَالَ وَأَخْبرنِي أَنه وجد الشَّيْخ حبيب الله الْبَصْرِيّ فِي بَغْدَاد وَطلب مِنْهُ عهد الْقَوْم على طَريقَة القادرية
стр. 260
فَأَطْرَقَ مَلِيًّا ثمَّ قَالَ أجد عَلَيْك سِيمَا غَيْرِي وَأَظنهُ سِيمَا المجذوب أَبُو بكر الْحلَبِي قَالَ ثمَّ لما جِئْت إِلَى الشَّيْخ أبي بكر قَالَ لي فِي الْوَقْت والساعة جذبناك بالحبال وَالرِّجَال فَإِن الشَّيْخ يؤنث الْمُذكر ولازم خدمَة الشَّيْخ زَمنا وَكَانَ مَا عِنْده أعظم من صَاحب التَّرْجَمَة فَتَوَلّى الْخلَافَة بعد جماعات مُتعَدِّدَة وأيدي الأقدار تبددهم وَقد كَانَ الزوار لمرقده الشريف لَا يُحْصى عَددهمْ وَالصَّدقَات تتوارد عَلَيْهِم وهم لَا يعلمُونَ مقدارها وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يشتروا مَاء ونار يطبخون فِيهِ لغَلَبَة الجذب عَلَيْهِم وَكلهمْ محلقون اللحى يلبسُونَ المرقعات ويفترشون جُلُود الْغنم ويأكلون الحشش والكلس وَبَعض المجاذيب مِنْهُم يشرب الْخمر والعرق وَلَا يصلونَ وَلَا يَصُومُونَ وتتوارد عَلَيْهِم مجاذيب الْبِلَاد على هيئات مُخْتَلفَة وَصَاحب التَّرْجَمَة مَعَهم لَا يقدر أَن يخلفهم فِي صُورَة الظَّاهِر فِي شَيْء حَتَّى ضجروا يَوْمًا من الْأَيَّام فلاموا أنفسهم على أَحْوَالهم وَقَالُوا مرادنا شيخ يصلح نظامنا فنصبوا الْمَذْكُور فَاشْترى لَهُم بسطاً وصحوناً وَبَعض حوائج التكية ثمَّ زارهم كافل حلب أَحْمد باشا ابْن مطاف فَلَامَهُمْ على ترك الصَّلَاة وَهَذِه الْأَحْوَال ثمَّ أجْرى لَهُم إِسْمَاعِيل نَائِب القلعة المَاء من قناة حلب ولازموا الصَّلَوَات الْخمس بالأوراد والعبادات حَتَّى أشرقت قُلُوبهم وأضاءت وُجُوههم وَكَثُرت الصَّدقَات الدارة عَلَيْهِم فعمر لَهُم حسن باشا ابْن عَليّ باشا ميدان الْفُقَرَاء بالقبة الْكَبِيرَة تحتهَا العواميد الْعَظِيمَة وَعمر حَمْزَة الْكرْدِي الدِّمَشْقِي القاعة ذَات الْبركَة من المَاء وَلم يُتمهَا بل وصلت إِلَى السَّرَاوِيل فأتمها أَحْمد باشا اكمكحي زَاده الْوَزير والوزير الْأَعْظَم مُحَمَّد باشا كرّ الْقبَّة الَّتِي على مرقد الشَّيْخ وعَلى أغا ضَابِط الْعَسْكَر عمر عمارات وَالْحَاصِل فقد أنشأ فِيهَا صَاحب التَّرْجَمَة بتدبيره وَحسن رَأْيه أَشْيَاء عَظِيمَة من حدائق لَطِيفَة ومطابخ للطعام وَصَارَ هَذَا المزار لَا يُوجد لَهُ نَظِير بِالنّظرِ إِلَى مزارات الْأَوْلِيَاء وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة ذَا سُكُون ومصاحبة لَطِيفَة وسخاء مفرط لوجىء لَهُ بالألوف لفرح بإنفاقها يَوْمًا وَاحِدًا وعماراته كلهَا صدرت مِنْهُ بصدر وَاسع وكرم زَائِد ة تحمل تَامّ للفعلة والمعلمين وَقد لامه شيخ الْإِسْلَام الْمولى أسعد لما مر على حلب على كَونه يحلق لحيته مَعَ كَون ذَلِك بِدعَة قَالَ هَكَذَا وجدنَا أستاذنا قَالَ أستاذكم كَانَ مجذوباً وَأَنْتُم عقلاء فَقَالَ إِن شَاءَ الله نطلق سَبِيل اللِّحْيَة وَلما سَافر الْمولى أسعد اسْتمرّ على حلق اللِّحْيَة حَتَّى قدم على الله وَكَانَ لَهُ معرفَة بِكَلَام الْقَوْم ومذاكرة فِي بعض لطائف من الواضحات وَمن محاسنه أَنه سمع من أغلب
стр. 261
النَّاس أَن الْوَزير نصوح باشا يُرِيد قَتله وَهدم أبنيته فَلم يبال بذلك حَتَّى خرج الْوَزير الْمَذْكُور يَوْمًا وَمَعَهُ الفعلة بالفوس والمجارف وَأهل حلب يظنون أَنه يهدم ذَلِك الْموضع فَاجْتمع النَّاس عِنْد مرقد الشَّيْخ أبي بكر لأجل الفرجة والفقراء الَّذين عِنْده هربوا وَهُوَ قَاعد ثَابت وَفِي خلال ذَلِك ظهر أَنه يهدم الْأَبْنِيَة الَّتِي على سور الْمَدِينَة ثمَّ جَاءَهُ الباشا زَائِرًا فَقَالَ لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة قَالُوا لي عَنْك أَنَّك غَضْبَان علينا فَقلت للنَّاس الباشا يقدر علينا فِي ثَلَاثَة أُمُور أما الْقَتْل فَأَنا لنا مُدَّة نتمنى الشَّهَادَة ودرجتها وَأما النَّفْي من حلب فلنا مُدَّة نطلب السياحة وَأما الْحَبْس فلنا مُدَّة نطلب الرياضة أتقدر على أَكثر من ذَلِك قَالَ لَا ثمَّ قَالَ لَهُ طب نفسا وقرّ عينا مَا لنا بركَة إِلَّا أَنْت الْيَوْم أخرجت الفعلة لهدم الدّور الَّتِي على سور الْمَدِينَة وَلَيْسَ لي نِيَّة على ضرركم أصلا وَاسْتمرّ نَحْو خمسين سنة فِي الْخلَافَة لَا ينازعه مُنَازع فِي رَاحَة وافرة وصدقات متواترة تَأتيه من النَّاس وَالْكَبِير وَالصَّغِير يقبلُونَ يَده وَهُوَ ملازم على الأوراد ويبذل الْقرى للواردين وكل من يرد عَلَيْهِ سقَاهُ القهوة وَمن يسْتَحق الضِّيَافَة أَضَافَهُ بصدر وَاسع وَخلق كريم لَكِن كَانُوا فِي كل يَوْم وَقت الضحوة الصَّغِيرَة يديرون الكاس يَأْكُلُونَهُ وَيَشْرَبُونَ القهوة عَلَيْهِ وَكَانَ يَقُول الدَّهْر مل من طول عمر ثَلَاثَة أحدهم أَنا وَالثَّانِي أَبُو الْجُود مفتي حلب وَالثَّالِث شاه عَبَّاس قَالَ بَعضهم وَالرَّابِع يُوسُف باشا ابْن سَيْفا وَهَذَا الْكَلَام مَحْمُول على طول عمر هَذِه الثَّلَاثَة وَكَثْرَة وقائعهم وأحوالهم بِحَيْثُ مل النَّاس من ذكر أُمُورهم حَتَّى سَار الإملال إِلَى الدَّهْر وَلَكِن كَانَ أَبُو الْجُود فِيهِ نفع لعباد الله تَعَالَى ثمَّ اشْترى كتبا فِيهَا المقبول الَّذِي لَهُ ثمن فوقفها على الْمَكَان وَاشْترى أَرَاضِي ووقفها على الْأَمَاكِن وَاشْترى بستاناً وَوَقفه أَيْضا على الدراويش وَكتب بذلك وقفية وَجعل لَهَا مُتَوَلِّيًا وَلما مرض أوصى بالخلافة من بعده للدرويش أَحْمد الكلشني وَأَعْطَاهُ خَتمه وأحضر الْكَشَّاف عِنْده وَكتب لَهُ بذلك حجَّة وَلما مَاتَ أظهر الشَّيْخ مصطفى القصيري ورقة بِخَط الشَّيْخ أَحْمد أَنه اتخذ الدرويش مصطفى الْخَلِيفَة من بعده وَاشْتَدَّ الْخِصَام وَبَقِي هَذَا يتَوَلَّى الْخلَافَة مُدَّة ثمَّ يذهب الآخر وَيَأْتِي بِأَمْر سلطاني ليَكُون الْخَلِيفَة ويعزل الآخر وهلم جراً واختل أَمر ذَلِك الْمَكَان غَايَة الاختلال وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف وَقَالَ أديب الشَّهْبَاء السَّيِّد أَحْمد بن النَّقِيب الْآتِي ذكره يرثيه
(مَا الْكَوْن سوى صحيفَة الأكدار ... خطت لِذَوي الْعُقُول والأفكار)
стр. 262
(كم موعظة تَضَمَّنت أسطرها ... إِن أَنْت جهلهتها فَأَيْنَ الْقَارِي)
وَفِي لفظ الْقَارِي إِيهَام التورية كَمَا لَا يخفى وَالله أعلم
الشَّيْخ أَحْمد بن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن أبي بكر بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن السقاف الْفَقِيه الشَّافِعِي اليمني البيتي نِسْبَة إِلَى بَيت مسلمة قَرْيَة قرب مَدِينَة تريم أحد الْعلمَاء الْأَعْلَام ولد بتريم وَحفظ الْقُرْآن والجزرية والأجرومية وَالْأَرْبَعِينَ النووية والملحة والقطر والإرشاد وَغير ذَلِك وعرضها على مشايخه واشتغل على خَاله القَاضِي أَحْمد بن حُسَيْن بافقيه ولازمه فِي دروسه حَتَّى تخرج بِهِ وَأكْثر انتفاعه بِهِ وَأخذ عَن الْفَقِيه مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بَافضل وَالشَّيْخ القَاضِي عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين وَعَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف العيدروس وَالشَّيْخ زين الدّين بن حُسَيْن بَافضل وَأحكم على الْفُرُوع والتصوف والعربية وشارك فِي غَيرهَا وَألبسهُ الْخِرْقَة جمَاعَة من العارفين وبرع فِي طَرِيق الْقَوْم وَأكْثر الْأَخْذ والتردد على عُلَمَاء عصره وَأذن لَهُ غير وَاحِد من مشايخه بالإفتاء والتدريس وَكَانَ يحضر درسه جم غفير واشتهر بِالْفَتْح لكل من قَرَأَ عَلَيْهِ وقصدته الطّلبَة من كل مَكَان لما يحصل فِي درسه من الْبَحْث والإيضاح وَكَانَ لَهُ فِي تَعْلِيم المبتدئين تدريج حسن وَأكْثر اعتنائه بالإرشاد وشروحه قَالَ الشلي وَهُوَ أول شيخ أَخذ عَنهُ فِي عنفوان عمري أخذت عَنهُ الحَدِيث وَالْفِقْه والتصوف والنحو ولازمته مُدَّة مديدة وقرأت عَلَيْهِ كتبا كَثِيرَة وَكَانَت أخلاقه رضية وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ بذاذة حَاله وَعدم الاحتفال بِنَفسِهِ وَقد روى أَبُو دَاوُد ابذاذة من الْإِيمَان وَورد فِي خبر آخر من ترك اللبَاس تواضعاً لله وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ دَعَاهُ الله يَوْم الْقِيَامَة على رُؤُوس الأشهاد يخيره من أَي حلل الْجنَّة شَاءَ يلبسهَا وَلَا يُنَافِي هَذَا خبر أَن الله يحب أَن يرى أثر نعْمَته على عَبده وَخبر أَن الله جميل يحب الْجَمِيل وَفِي رِوَايَة يحب النَّظَافَة لِأَن الأول مَحْمُول على آثر ذَلِك للتواضع لَا غير وَالثَّانِي على من قصد بِهِ إِظْهَار نعْمَة الله عَلَيْهِ قَالَ وَلم يزل على تِلْكَ الْأَحْوَال إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمسين وَألف وَدفن بمقبرة زنبل من جنان بشار
الْمولى أَحْمد بن عوض العينتابي الأَصْل الْحلَبِي قَاضِي قُضَاة الشَّام ومصر وَغَيرهَا كَانَ من أهل الْفضل والكمال وَفِيه تواضع وَله أَخْلَاق حَسَنَة ولد بحلب وَكَانَ أَبوهُ صَالحا تقياً نَشأ فِي حجره وَقَرَأَ فِي مبادىء عمره ثمَّ مُسَافر إِلَى الرّوم وَأقَام بهَا مُدَّة
стр. 263
طَوِيلَة ولازم بعض الموَالِي فسلك طَرِيق الموَالِي فدرس وَقدم فِي غُضُون ذَلِك إِلَى حلب صُحْبَة قاضيها عبد الرَّحِيم بن إسكندر فولاه قسْمَة حلب وَقدم إِلَى دمشق مَرَّات عديدة ثمَّ خدم بعض قُضَاة الْعَسْكَر فِي خدمَة التَّذْكِرَة وَصَارَت لَهُ محنة كَاد أَن يقتل بِسَبَبِهَا وَذَلِكَ أَنه نسب إِلَيْهِ أَنه قلد السُّلْطَان فِي خطه فَكتب السُّلْطَان خطا شريفاً بقتْله ثمَّ لم تزل أَعْيَان الدولة يشفعون لَهُ حَتَّى سكت عَنهُ واختفى مُدَّة حَتَّى تنوسيت قصَّته ثمَّ اخذ فِي إصْلَاح أَحْوَاله فَتَوَلّى قَضَاء آمد فسلك فِيهَا أحسن سلوك وَكَاد يلْتَحق بِالْقَاضِي شُرَيْح ثمَّ ولي قَضَاء الْقُدس ثمَّ قَضَاء أَيُّوب ثمَّ ولي قَضَاء الشَّام فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف وَقَالَ فِيهِ بعض الأدباء مؤرخاً تَوليته
(لقد ولي الشَّام الشَّرِيفَة حَاكم ... بِخَير لنا قد عدت وَالْعود أَحْمد)
وَكَانَ بالروم رجل من أهالي حلب يُسمى تبجي وَيعرف بستيتية حلب وَكَانَ عُلَمَاء الرّوم يعتقدونه كثيرا خُصُوصا شيخ الْإِسْلَام حُسَيْن ابْن أخي فشفع لصَاحب التَّرْجَمَة فِي إبقائه بِدِمَشْق مُدَّة زَائِدَة على مدَّته فأبقى وأنفذت شَفَاعَته فَقَالَ فِي ذَلِك الْأَمِير منجك
(تَقول لنا الشَّهْبَاء والدهر نادم ... وَأم اللَّيَالِي اشْتَدَّ صَوت نواحها)
(ستيتيتي أبقت لقَاضِي دمشقكم ... جناحاها فها هُوَ طَائِر بجناحها)
وَفِي أَيَّام قَضَائِهِ ورد إِلَى دمشق من عَسْكَر السُّلْطَان مُرَاد بن أَحْمد طوائف وشهرتهم بالقشلق وَسبب ورودهم أَنهم كَانُوا عينوا لمحاربة شاه عَبَّاس فدهمهم الشتَاء دون الْوُصُول إِلَى خطة الْعَجم فَأمروا بِأَن يشتوا فِي دمشق وأطرافها من الْقرى وضيقوا على النَّاس أَمر الْمَعيشَة وبالغوا فِي التَّعَدِّي والتجاوز وَنهب أَمْوَال النَّاس ونفع صَاحب التَّرْجَمَة الْخلق فِي قمع أُولَئِكَ بعض القمع وَفِيهِمْ يَقُول إِبْرَاهِيم الأكرمي الْمُقدم ذكره
(أنظر إِلَى القشلق فِي ذلة ... الْعَكْس من حَالهم الْحَائِل)
(كم رجل مِنْهُم بسموره ... على جواد صائل صاهل)
(تحف بالجندي غلمانه ... وَقد أَتَى يسأ من سَائل)
وَلأبي بكر الْعمريّ قصيدة فِي وَصفهم وَفِيمَا فَعَلُوهُ وَيُشِير فِيهَا إِلَى معاونة صَاحب التَّرْجَمَة فِي دفع بعض شرهم ومطلعها
(أَواه مِمَّا حل فِي جلق ... من العنا فِي زمن القشلق)
стр. 264
(رامى البلا مدّ على أَهلهَا ... قوساً لَهُ قَالَ القضا فَوقِي)
(حَتَّى يُنَادي النَّاس مِمَّا دهى ... يَا ليتنا من قبل لم نخلق)
(قد مسنا الضّر وَعم الْأَذَى ... وَمَا لنا من منجد مُشفق)
(من مبلغ سلطاننا أننا ... من جنده فِي حرج ضيق)
(وَيَا مُرَاد الله فِي خلقه ... من السلاطين غَدا نَلْتَقِي)
(فِي موقف يحكم رب الورى ... فِيهِ وَلَا ملْجأ مِنْهُ بَقِي)
(أدْرك رعاياك فقد أَصْبحُوا ... على شفا من كل بَاغ شقي)
(كَانَت دمشق الشَّام محسودة ... لكَونهَا بِالْعينِ لم تطرق)
(آمِنَة من كل مَا يختشى ... مأمنة للخائف المشفق)
(مائسة تزهو بسكانها ... مائدة للبائس المملق)
(لَا يعرف الدخل لَهَا مدخلًا ... وَلَا إِلَى عليائها يرتقي)
(وَهِي على مَا تمّ من نعْمَة ... تتيه بالْحسنِ وبالرونق)
(واهلها فِي سفه كلهم ... الْفَاجِر الفاتك والمتقي)
(يَغْبِطهُمْ فِي ذَاك أهل الدنا ... من مغرب الشَّمْس إِلَى الْمشرق)
(فَجَاءَهَا ويلاه فِي غَفلَة ... أَمر إِلَيْهَا قطّ لم يسْبق)
(أَمر مرادي لَهُ سطوة ... أخرست المنطيق والمنطق)
(قوم من الأتراك عاثوا بهَا ... عَليّ خُيُول ضمر سبق)
(من جِهَة الْمشرق قد أَقبلُوا ... وَالشَّر قد يَأْتِي من الْمشرق)
(فِي رقْعَة الشَّام عدت خيلهم ... وذلت الأرخاخ للبيدق)
(أوّاه من خمدة نيرانها ... يَا نَار كَيفَ الْيَوْم لم تحرق)
(أَيْن الْعتاق الجرد مَا بالها ... من أهم عَال وَمن أبلق)
(مَا للمواضي سكنت غلفها ... كَأَنَّهَا بالْأَمْس لم تبرق)
(مَا للعوالي نكست للثرى ... رؤوسها كالخائف المطرق)
(وَأَيْنَ فرسانك يَا شامنا ... هَل دخلُوا فِي نفق مغلق)
(عهدي بهم كَانُوا لُيُوث الوغى ... لم يعبأوا بالفيلق المطبق)
(عهدي بهم كَانُوا غيوث الندى ... إِذا ظمئنا مِنْهُم نستقي)
(عهدي بهم كَانُوا حماة الْحمى ... من الثنيات إِلَى المفرق)
стр. 265
(قد أسلمونا للردى خيفة ... مِنْهُم ولاذوا بحصون تقى)
(وبيننا خلوا وَبَين العدا ... ووكلوا الباشق بالعقعق)
(أَقُول للنَّفس وَقد أوجفت ... خوفًا عَلَيْك إِلَّا من تفرقي)
(إِن مسك الضّر وَزَاد العنا ... فلازمي الصَّبْر وَلَا تقلقي)
(أَو نالك الْجُوع فَلَا تَشْتَكِي فَإِن ... بَاب الله لم يغلق)
(وَلَا تضيقي إِن عرى فادح ... ذرعاً لَو دَامَ فَلَا تحنقي)
(لكل كرب فرج يرتجى ... فصدّقي مَا قلته واصدقي)
(يَا وَيْح قوم دعسوا أَرْضنَا ... وأوقعونا فِي ردى موبق)
(وَقد أَغَارُوا وبنا أَحدقُوا ... يَا غيرَة الله إِلَيْنَا اسبقي)
(أجلوا أهالي الدّور عَن دُورهمْ ... بِالسَّيْفِ والدبوس والبندق)
(واتخذوها سكناً دونهم ... بالفرش من خَز واستبرق)
(واستوعبوا أَكثر أَمْوَالهم ... ظلما بِلَا عهد وَلَا موثق)
(واقتنع النَّاس بأعراضهم ... فَإِنَّهَا بالثلب لم ترشق)
(هَذَا وَلَوْلَا الله باري الورى ... أغاثهم بالعالم المفلق)
(الأوحدي الْمولى خدين العلى ... أَحْمد قاضيها التقي النقي)
(الْعَالم الْفَرد رفيع الذرى ... الناشر الْعدْل على صنجق)
(وَالله لولاه يَمِين امرىء ... لِسَانه بالمين لم ينْطق)
(خلت دمشق الشَّام من أَهلهَا ... طراً وَلم يبْق بهَا من بَقِي)
(جَاهد فِي الله وخاض الوغى ... بهمة علياء لم تلْحق)
(وَلم يخف فِي الله من لائم ... لَام وَلَا من نَاظر مذلق)
(وَحَوله الْأَعْلَام سَادَاتنَا ... كل يرى كَالْقَمَرِ الْمشرق)
(فقاتلوهم بقلوب صفت ... بالوعظ لَا بالكف والمرفق)
(وخوفوهم بَطش سلطاننا ... مُرَاد مردي كل بَاغ شقي)
(ثمَّ ابتهلنا كلنا بالدعا ... إِن الدعا من كل شَرّ يقي)
(وَزَالَ عَنَّا بعض مَا نشتكي ... ونسأل المنان فِيمَا بَقِي)
(وَبعدهَا قَالُوا اشْتَروا شامكم ... منا فَبَاعُوهَا غلى المخنق)
(لقد غزينا دون وعد بِلَا ... لَام فأرخ سنة القشلق)
стр. 266
(وصل يَا رب على من ترى ... أنواره جَهرا من الأبرق)
وَخبر القشلق مستفيض مَشْهُور وَكَذَا هَذِه القصيدة مَشْهُورَة عود إِلَى تَتِمَّة التَّرْجَمَة وعزل صَاحب التَّرْجَمَة عَن قَضَاء دمشق وَبعد مُدَّة طَوِيلَة ولي قَضَاء مصر وَبهَا توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَائِل سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بالقرافة الْكُبْرَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عِيسَى بن علاب بن جميل المنعوت شهَاب الدّين الْكَلْبِيّ الْمَالِكِي شيخ الْمحيا النَّبَوِيّ بالجامع الْأَزْهَر الإِمَام الْعَلامَة خَاتِمَة الْفُقَهَاء والمحدثين ومربي المريدين وقطب العارفين وَهُوَ منفلوطي المولد ولد بهَا وَنَشَأ ثمَّ تحول مَعَ أَبِيه إِلَى مصر فحفظ الْقُرْآن وعدة متون وَأخذ عَن وَالِده ولازم الْعلمَاء الْأَعْيَان كَالْقَاضِي عَليّ بن أبي بكر الْقَرَافِيّ الْمَالِكِي وَالشَّمْس مُحَمَّد الرَّمْلِيّ وَغَيرهمَا وتفقه على مَذْهَب الإِمَام مَالك بِالْإِمَامِ البنوفري وَلَزِمَه وانتفع بِهِ وَأذن لَهُ بِالْجُلُوسِ فِي مَحَله بالجامع الْأَزْهَر وَصَارَ يلقِي دروساً مفيدة وَأخذ الحَدِيث عَن جمَاعَة مِنْهُم النَّجْم الغيطي وَالشَّمْس العلقمي والشريف الرميوني وَأخذ التَّفْسِير عَن تَاج العارفين مُحَمَّد الْبكْرِيّ والتصوف عَنهُ وَعَن الْعَارِف بِاللَّه عبد الْوَهَّاب الشعراوي وجد واجتهد حَتَّى علت دَرَجَته وسمت رتبته وَعنهُ أَخذ جمع مِنْهُم الشَّمْس البابلي وَغَيره وَجلسَ بالمحيا الشريف بعد وَالِده ووالده جلس بعد الشَّيْخ مُحَمَّد البُلْقِينِيّ وَهُوَ جلس بعد الشَّيْخ صَالح وَهُوَ جلس بعد الشَّيْخ نور الدّين الشوني المدفون براوية الشَّيْخ عبد الْوَهَّاب الشعراوي عَن إِذن من النَّبِي
كَمَا هُوَ ثَابت مَشْهُور وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة صَاحب أَحْوَال باهرة وَحكى بعض العارفين الْأَوْلِيَاء أَنه رأى النَّبِي
فِي درسه وَمن محاسنه أَنه كَانَ محافظاً على التَّصَدُّق سرا بِحَيْثُ لَا تعلم شِمَاله مَا أنفقت يَمِينه وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَعشْرين وَألف بِمصْر وَدفن بالقرافة الْكُبْرَى رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن عِيسَى المرشدي الْحَنَفِيّ الْمَكِّيّ أحد فضلاء مَكَّة وأدبائها الْمُسلم لَهُم مَا يَقُولُونَ من غير نَكِير وَكَانَ مَعَ أدبه الباهر فَقِيها متضلعاً ولي الْقَضَاء نِيَابَة بِمَكَّة وَرَأَيْت أخباره مستقصاة فِي مجاميع عديدة ومنشآته وأشعاره كَثِيرَة رائقة وَذكره السَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي السلافة وَقَالَ فِي تَرْجَمته شهَاب الْفضل الثاقب الشهير المآثر والمناقب سَطَعَ فِي سَمَاء الْأَدَب نوره وتفتق فِي رياضه زهره ونوره وامتد فِي البلاغة بَاعه فشق على من رام أَن يشق غباره اتِّبَاعه لَا تلين قناة فَضله
стр. 267
لغامز وَلَا يلمز لبه المبرأ من الْعَيْب لامز كَانَ قد ولي الْقَضَاء بِمَكَّة المشرفة فنال بِهِ من أمله مَا طمح بَصَره إِلَيْهِ واستشرفه وَلما حصل أَخُوهُ فِي قَبْضَة الشريف أَحْمد ابْن عبد الْمطلب ومني مِنْهُ بذلك الفادح الَّذِي فهر بِهِ وَغلب حصل هُوَ أَيْضا فِي الْقَبْض والأسر وَأَرْدَفَ مَعَه على ذَلِك الأدهم بالقسر حَتَّى جرع أَخُوهُ تِلْكَ الكاس وأنعم عَلَيْهِ بالخلاص بعد الْيَأْس فرَاش الدَّهْر حَاله وَأعَاد مِنْهَا مَا غَيره وأحاله وَلم يزل فارغ البال من شواغل النكد والبلبال إِلَى أَن انْقَضتْ أَيَّامه وتنبهت لَهُ من دواعي الْمنون نيامه وَله شعر بديع الأسلوب يملك برقته المسامع والقلوب فَمن ذَلِك قصيدته الَّتِي يمدح بهَا الشريف مَسْعُود بن إِدْرِيس
(عوجا قَلِيلا كَذَا عَن أَيمن الْوَادي ... واستوقف العيس لَا يَحْدُو بهَا الْحَادِي)
(وعرجابي على ربع صَحِبت بِهِ ... شرخ الشبيبة فِي أكناف أجواد)
(واستعطفا جيرة بِالشعبِ قد نزلُوا ... أَعلَى الْكَثِيب فهم غيي وإرشادي)
(وسائلاً عَن فُؤَادِي تبلغا أملي ... إِن التعلل يشفي غلَّة الصادي)
(واستشفعا واسعفا سؤالكم فَعَسَى ... يقدر الله إسعافي وإسعادي)
(وأحملاني وحطا عَن قلوصكما ... فِي سرح مردي الأعادي الضيغم العادي)
(مَسْعُود عين العلى المسعود طالعه ... قلب الكتيبة صدر الحفل والنادي)
(رَأس الْمُلُوك يَمِين الْملك ساعده ... زند الْمَعَالِي جبين الجحفل البادي)
(شهم السراة الأولى سَارَتْ عوارفهم ... شرقاً وغرباً بأغوار وأنجاد)
(فَرد غمار العلى فِي سوحه وأرح ... أَيدي الركائب من وخد وآساد)
(فَلَا مناخ لنا فِي غير ساحته ... وجود كفيه فِيهَا رائح غادي)
(يعشوشب الْعِزّ فِي أكناف ذروته ... يَا حبذا الشّعب فِي الدُّنْيَا لمرتاد)
(ونجتني ثَمَر الآمال يانعة ... من روض مَعْرُوفَة من قبل ميعاد)
(فَأَي سوح يرجي بعد ساحته ... وَأي قصد لمقصود وقصاد)
(لِيهن ذَا الْملك إِذْ ألبست حلته ... تحيى مآثر آبَاء وأجداد)
(عَلَوْت فخرا ففاخرت النُّجُوم على ... والشهب فخراً بِأَسْبَاب وأوتاد)
(ولحت بَدْرًا بأفق الْملك متحدة ... شمس النَّهَار وَهَذَا جرها بَادِي)
(وصنت مَكَّة إِذْ طهرت حوزتها ... من ثلة أهل تَغْلِيب والحاد)
(قد غر بَعضهم الإهمال يحسبه ... عفوا فَعَاد لاتلاف وإفساد)
стр. 268
(فذذتهم عَن حمى الْبَيْت الْحَرَام وهم ... من السلَاسِل فِي أطواق أجياد)
(كَأَنَّهُمْ عِنْد رفع الزند أَيْديهم ... يدعونَ حبا لمولانا بإمداد)
(وَمَا ارعووا فشهرت السَّيْف محتسباً ... يَا برد حرّهم فِي حر أكباد)
(غادرتهم جرزاً فِي كل منجدل ... كَانَ أثوابه مجت بفرصاد)
(وأثمر الدَّم من أجسامهم ثمراً ... حلوا بأفواه أجداث وألحاد)
(سعيت سعياً جَنِينا من خمائله ... نور الْأَمَانِي لأرواح بأجساد)
(فكم بِمَكَّة من دَاع ومبتهل ... وَمن محيي وَمن مثن وَمن فادي)
(وقدت كل عصي ذلة وعنا ... وَكَانَ من قبل صعباً غير منقاد)
(وَعَاد كل شقي صَالحا وغدت ... أيامنا بالهنا أَيَّام أعياد)
(نفى لذيذ الْكرَى عَنْهُم تذكرهم ... وقائعاً لَك بَين الخرج والوادي)
(من كل أَبيض قد صلت مضاربه ... لما ترقى خَطِيبًا مِنْبَر الْهَادِي)
(وكل أسمر نظام الطلى وَله ... إِلَى العدا طفرة النظام مياد)
(أسكنت قلبهم رعْبًا تذكره ... ينسى الشفوق الموَالِي ذكر أَوْلَاد)
(أقبلتهم كل مر قَالَ وسابحة ... يسر عَن عَدو إِلَى الأعدا بأطواد)
(من كل شهم إِلَى العلياء منتسب ... بسادة قادة للخيل أجواد)
(فهاك يَا ابْن رَسُول الله مِدْحَة من ... أورت قريحته من بعد أخماد)
(فأحكمت فِيك نظماً كُله غرر ... مَا أحرزت مثله أقيال بَغْدَاد)
(أضحت قوافيه والآمال يسرحها ... روض البديع لأرصاد بمرصاد)
(ترويه عني الثريا وَهِي هازئة ... بالأصمعي وَبِمَا يروي وَحَمَّاد)
(وتستحث مطايا الزهر إِن ركدت ... كَأَنَّهَا بل يَحْدُو بهَا الْحَادِي)
(وتوقظ الركب ميلًا من خمار كرى ... وَاللَّيْل من طوق نداب السرى هادي)
(أتتك تسْأَل إقبالاً لمنشئها ... فاقبل تذللها يَا نسل أمجاد)
(وأسبل السّتْر صفحاً إِن بدا خلل ... واهتك بِهِ ستر أَعدَاء وحساد)
(لَا زلت يَا عز آل الْبَيْت فِي دعة ... تحف مِنْهُم بأنصار وأنجاد)
(بِحَق طه وسبطية وأمهما ... والمرتضى والمثنى الطُّهْر وَالْهَادِي)
(صلى عَلَيْهِم إِلَه الْعَرْش مَا سجعت ... قمرية أَو شدا فِي أيكه شادي)
وَهَذِه القصيدة لَهَا شهرة بالحجاز طنانة وَقد عارضها جمَاعَة مِنْهُم القَاضِي تَاج الدّين
стр. 269
الْمَالِكِي ومطلع قصيدته قَوْله
(غذيت در التصابي قبل ميلادي ... فَلَا ترم يَا عذولي فِيهِ إرشادي)
وَسَتَأْتِي فِي تَرْجَمته وَمِنْهُم السَّيِّد أَحْمد بن مَسْعُود ومطلع قصيدته قَوْله
(ألوى برسم اللوى الترحال وَالْحَادِي ... وقوّض الصَّبْر عَن قلب بأجياد)
وثلاثتهم مدحوا بقصائدهم الشريف مَسْعُود وعارضهم الأديب مُحَمَّد بن أَحْمد حَكِيم الْملك بقصيدة مدح بهَا الشريف زيد بن محسن ومطلعها
(صوادح البان وَهنا شجوها بَادِي ... فَمن عذير فَتى من فت أكباد)
وَسَتَأْتِي الْأُخْرَى وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة مَا كتب بِهِ إِلَى القَاضِي تَاج الدّين الْمَذْكُور من الطَّائِف بقوله
(لَا هاج قلباً هام من ... برح الْفِرَاق بالانصداع)
(غيم أرق حواشيا ... من برد ضافيه القناع)
(زجل الرعود كَأَنَّهَا ... نغمات آلَات السماع)
(والهمع مثل الدمع من ... عَيْني مراء أَو مراع)
(يهمى ويسكب كي يعم ... بَريَّة سعف التلاع)
(والبرق يخْفق مثل قلب ... الصب فِي يَوْم الْوَدَاع)
(ونسيمه قد رق من ... حر اشتياقي والتلاع)
(لفراق تَاج الدّين ماضي ... الْأَمر قاضينا المطاع)
(من جمعت فِيهِ العلى ... وتوفرت فِيهِ الدواع)
(ذِي الْفضل بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ ... وَلَا أخص وَلَا أراع)
(سبقت أنامله الْأَنَام ... فأحرزت قصب اليراع)
(من ذَا يباري ذَا البنان ... براقم ويدي ضيَاع)
(إِن حاك وشى مَا يحوك ... بالابتكار والاختراع)
(لَا زَالَ مَحْمُود الْخِصَال ... ودام مشكور المساع)
فَرَاجعه بقوله
(إِن كَانَ قَلْبك صيب من ... برح الْفِرَاق بالانصداع)
(فالقلب قد غادرته ... شذراً بمعترك الْوَدَاع)
(أَو هاجكم زجل الرعود ... سرى وَأصْبح فِي اندفاع)
стр. 270
(وَسمعت من نغماته ... رنات آلَات السماع)
(فَلَقَد رحلت بمقلة ... عميا وَسمع غير واع)
(وَلَئِن يكن رق النسيم ... بِمَا يجن من التياع)
(فبزفرتي اشتعل الْهَوَاء ... من الْعَنَان إِلَى الْبِقَاع)
(كم قلت للقلب المصدع ... بالنوى جد بارتجاع)
(فأحال ذَاك على انتظام ... الشمل فِي سلك اجْتِمَاع)
(عهدي بِهِ لما إِن استولت ... عَلَيْهِ يَد الضّيَاع)
(أضللته فِي موقف التوديع ... من دهش ارتياعي)
(ناشدته نشداته ... لي بَين هاتيك الرباع)
(تَحت المواطىء من ممر ... صديقي الْخلّ المراعي)
(يَا سَيِّدي وَأخي هوى ... وجلالة ويدي وباعي)
(من أَصبَحت شمس العلى ... بسناه ساطعة الشعاع)
(فَخر الْقُضَاة وفيصل الْأَحْكَام ... فِي يَوْم التداعي)
(بَحر الْعُلُوم فَإِن إفاد ... ترى لَهُ سَعَة اطلَاع)
(قل للمحاول شأوه ... قصر خطا هذي المساعي)
(فَانْظُر لمرآة الزَّمَان ... وَقد غَدَتْ ذَات التماع)
(لَا غير صُورَة مجده ... فِيمَا ترَاهُ وَذَا انطباع)
(يَا محرزا ببنانه ... قصب السباق بِلَا دفاع)
(وموشياً حبر البلاغة ... والبراعة باليراع)
(أَنى يحاكي وشيها ... بحياء كمتى ذَات الرّقاع)
(كَانَ الحرىّ بهَا اشتمالي ... صوب سمتي وادراعي)
(لَكِن أمرت بِأَن أجيبك ... وامتثال الْأَمر دَاعِي)
(فأتتك من خجلٍ تجر ... الذيل مرخية القناع)
(فانشر لَهَا ستر الرِّضَا المنسوج ... من كرم الطابع)
(لَا زَالَ مجدك كل حِين ... فِي ازدياد وارتفاع)
وَقَالَ فِي صوفية عصره
(صوفية الْعَصْر والأوان ... صوفية الْعَصْر والأواني)
стр. 271
(فاقوا على قوم لوط ... بنقرزان لنقرزان)
وَمن بديع شعره مَا كتبه فِي ديوَان ابْن عقبَة بقرية السَّلامَة من أَعمال الطَّائِف وَهِي قصيدة فريدة لم أظفر مِنْهَا إِلَّا بِهَذَا الْقدر ومطلعها قَوْله
(قصر ابْن عقبَة لَا زَالَت مُوَاصلَة ... مني إِلَيْك التحايا نسمَة السحر)
(وَلَا عدتك غوادي السحب تسحبه ... رحابك الفيح ذيل الطل والمطر)
(كم لَذَّة فِيك أرضيت الغرام بهَا ... يَوْمًا وأرغمت أنف الشَّمْس وَالْقَمَر)
(وَكم صديق من الخلان حاورني ... أَطْرَاف أَخْبَار أهل الْكتب وَالسير)
وَقَالَ مُعَللا تَسْمِيَة الْقدح قدحاً
(مذ صب ساقينا الطلا ... حَتَّى تناثر وانتضح)
(خالوا شراراً مَا رَأَوْا ... فلأجل ذَا قَالُوا قدح)
وَمن شعره وَله فِي البرقع الشَّرْقِي الْمَعْرُوف عِنْد أهل الْيمن
(وخود كبدر التم فِي جنح مصون ... حماها من الْأَبْصَار برقعها الشَّرْقِي)
(نرى طرة مثل الْهلَال بَدَت لنا ... على شفق وَالْفرق كالفجر فِي الْأُفق)
(فَقلت هِلَال لَاحَ والبدر طالع ... من الغرب أم لَاحَ الْهلَال من الشرق)
وَقَوله فِي مثل ذَلِك
(بالبرقع الشَّرْقِي تَحت ... المصون الباهي الْجمال)
(أبدت لنا شفقاً وليلاً ... لَاحَ بَينهمَا الْهلَال)
ويعجبني من شعره قَوْله فِي مطلع قصيدة مدح بهَا السَّيِّد شهوان بن مَسْعُود
(فيروزج أم وشام الغادة الرود ... يَبْدُو على سمط در مِنْهُ منضود)
وأعجب مِنْهُ مخلصها وَهُوَ
(صهباء تفعل بالألباب سورتها ... فعل السخاء بشهوان بن مَسْعُود)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته لخمس خلون من ذِي الْحجَّة سنة سبع وَأَرْبَعين وَألف وَاتفقَ تَارِيخ وَفَاته صدر هَذَا الْبَيْت
(من شَاءَ بعْدك فليمت ... فَعَلَيْك كنت أحاذر)
الشَّيْخ أَحْمد بن الْفضل بن مُحَمَّد باكثير الْمَكِّيّ الشَّافِعِي من أدباء الْحجاز وفضلائها المتمكنين كَانَ فَاضلا أديباً لَهُ مِقْدَار عَليّ وَفعل جلي وَكَانَ لَهُ فِي الْعُلُوم الفلكية وَعلم الأوفاق الزاير جايد عالية وَكَانَ لَهُ عِنْد أَشْرَاف مَكَّة منزلَة وشهرة وَكَانَ فِي الْمَوْسِم
стр. 272
يجلس فِي الْمَكَان الَّذِي يقسم فِيهِ الصر السلطاني بِالْحرم الشريف بَدَلا عَن شرِيف مَكَّة وَمن مؤلفاته حسن الْمَآل فِي مَنَاقِب الْآل جعله باسم الشريف إِدْرِيس أَمِير مَكَّة وَمن شعره قَوْله مصدرا ومعجزاً قصيدة المتنبي يمدح بهَا السَّيِّد عَليّ بن بَرَكَات الشريف الحسني وَهِي
(حشاشة نفس ودّعت يَوْم ودعوا ... وَقَالَت لأظعان الْأَحِبَّة اتبعُوا)
(وصبر نوّى الترحال يَوْم رحيلهم ... فَلم أدر أَي الظاعنين أودع)
(أشاروا بِتَسْلِيم فجدنا بأنفس ... تسيل مَعَ الأنفاس لما تَرفعُوا)
(وسارت فظلت فِي الخدود عيوننا ... تسيل من الآماق والسم أدمع)
(حشاي على جمر ذكي من الْهوى ... وصبري مذ بانوا عَن الصَّبْر بلقع)
(وقلبي لَدَى التوديع فِي حزن حزنه ... وعيناي فِي روض من الْحسن ترتع)
(وَلَو حملت صم الْجبَال الَّذِي بِنَا ... من الوجد والتبريح كَانَت تضعضع)
(وأكبادنا من لوعة الْبَين والنوى ... غَدَاة افترقنا أوشكت تتصدع)
(بِمَا بَين جَنْبي الَّتِي خَاضَ طيفها ... دموعي فوافي بالتواصل يطْمع)
(تخيل لي فِي غفوة وجهت بهَا ... إِلَى الدياجي والخليون هجع)
(أَتَت زَائِرًا مَا خامر الطّيب ثوبها ... وخمرتها من مسك دارين أضوع)
(فَقبلت إعظاماً لَهَا فضل ذيلها ... وكالمسك من أردانها يتضوع)
(فشرد عِظَامِي لَهَا مَا أَتَى بهَا ... وَفَارَقت نومي والحشا يتقطع)
(وَبت على جمر الغضا لفراقها ... من النَّوْع والتاع الْفُؤَاد المولع)
(فيا لَيْلَة مَا كَانَ أطول بتها ... سمير السها حلف الدجى أتضرع)
(يجر عني كاس الأسى فقد طيفها ... وسم الأفاعي عذب مَا أتجرع)
(تذلل لَهَا واخضع على الْقرب والنوى ... لَعَلَّك تحظى بِالَّذِي فِيهِ تطمع)
(وَلَا تأنفن من هضم نَفسك فِي الْهوى ... فَمَا عاشق من لَا يذل ويخضع)
(وَلَا ثوب مجد مثل ثوب ابْن أَحْمد ... عَليّ بن بَرَكَات بِهِ الْفَخر أجمع)
(عَلَيْهِ ضفا بالمكرمات وَلم يكن ... على أحد إِلَّا بلؤم مُرَقع)
(وَإِن الَّذِي حابى جديلة طيىء ... بحاتمهم وَهُوَ الْجواد الممنع)
(حبأ بعلي آل طه فَإِنَّهُ ... بِهِ الله يُعْطي من يَشَاء وَيمْنَع)
(بِذِي كرم مَا مر يَوْم وشمسه ... بِغَيْر سنا مِنْهُ تضيء وتسطع)
стр. 273
وَمِنْهَا فِي الختام قَوْله
(أَلا كل سمح غَيْرك الْيَوْم بَاطِل ... لِأَنَّك فَرد للكمالات تجمع)
(وكل ثَنَا فِيك حق وَإِن علا ... وكل مديح فِي سواك مضيع)
وَاتفقَ أَنه سمع وَهُوَ محتضر رجلا يُنَادي على فَاكِهَة ودعوا من دنا رحيله فَقَالَ بديهاً
(يَا صَاح دَاعِي الْمنون وافى ... وَحل فِي حينا نُزُوله)
(وَهَا أَنا قد رحلت عَنْكُم ... فودعوا من دنا رحيله)
فَلم يلبث إِلَّا قَلِيلا حَتَّى مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَألف بِمَكَّة وَدفن بالمعلاة
الأديب أَحْمد بن كَمَال الدّين بن مرعي الشَّافِعِي الدِّمَشْقِي العيثاوي الأديب الذكي النَّاظِم اللبيب كَانَ جيد الْفَهم حُلْو الْعبارَة فائق النّظم على حَدَاثَة سنه وغضارة عوده ولد بِدِمَشْق وَبهَا نَشأ وَقَرَأَ على وَالِده شَيْئا يَسِيرا من الْفِقْه وَقَرَأَ الْعَرَبيَّة وفنون الْأَدَب على عُلَمَاء عصره وَمَال بكليته نَحْو الْأَدَب فنظم الشّعْر الْمُبْدع ومدح غَالب أَعْيَان وقته واشتهر فَضله ونبل قدره ووقفت لَهُ من الشّعْر على هَذِه القصيدة كتبهَا جَوَابا لقصيدة أرسلها إِلَيْهِ أَبُو بكر الْعمريّ وألغزله فِيهَا فِي صندل وَهِي قَوْله
(يَا ناظم العقد الظريف ... بقريضك الْحسن اللَّطِيف)
(بيراعك الصفحات تزهو ... بِالْعُقُودِ وبالشنوف)
(وبفكرك الْوَقَّاد تهزء ... بالظريف وبالعفيف)
(كم عين نقدك أظهرت ... بفصاحة خافي الزُّيُوف)
(أَنْت المجلى كم بِطرف ... الطّرف جلت على الصُّفُوف)
(وَيْح المجاري لم يكن ... من دأبه غير الْوُقُوف)
(يَا من يفوق الشَّمْس بالْحسنِ ... المصون عَن الْكُسُوف)
(الْبَدْر عِنْد كَمَاله ... بِالنَّقْصِ حط وبالخسوف)
(هَل ذَا النظام حديقة ... تزهو بتذليل القطوف)
(أم ذَاك للصادي النمير ... أَتَاهُ فِي حر المصيف)
(أم ذَا الحبيب موايتاً ... كرما يوعد للدنيف)
(أم ذَات حسن أَقبلت ... تجلى مخضبة الكفوف)
(لَا بل دَوَاء متيم ... لَا زَالَ ذَا جسم نحيف)
стр. 274
(أفديك من بَحر أَتَى ... مبدي الْعَجَائِب والصنوف)
(من بَعْضهَا الحسنا الَّتِي ... تنبي عَن الْفضل المنيف)
(جَاءَت تجر الذيل من ... تيه على رغم الأنوف)
(سترت صباح جبينها ... بظلام شعر كالسجوف)
(فدهشت مذ أَبْصرت مِنْهَا ... الْفرق كالبرق الخطوف)
(ووقفت إجلالاً لَهَا ... ولمثلها حتم الْوُقُوف)
(وسألتها حسر اللثام ... بِحل مَعْنَاهَا اللَّطِيف)
(فَأَبت وآبت وَهِي لم ... تَحَنن على فكري الضَّعِيف)
(فَضربت تخت الِاجْتِمَاع ... فجَاء بالشكل الظريف)
(فَوَجَدتهَا لمريدها ... لم تلف بِالطَّلَبِ الْخَفِيف)
وَكَانَت وَفَاته وَهُوَ شَاب فِي حَيَاة أَبِيه لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس لَيْلَة من جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس
أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم الملقب شهَاب الدّين باجابر الْحَضْرَمِيّ ذكره الشلي فِي تَارِيخه الْمُرَتّب على السنين وَقَالَ فِي تَرْجَمته ذُو السودد الظَّاهِر وَالْفضل الباهر أَخذ عَن وَالِده الشَّيْخ مُحَمَّد وتربى تَحت حجزه وتحلى بجواهر بحره وَأخذ عَن غَيره من الْعلمَاء ورحل إِلَى الْهِنْد وَأخذ عَن الشَّيْخ عبد الْقَادِر بن شيخ وَغَيره وَله نظم حسن ومدائح فِي السَّادة قَالَ الشَّيْخ عبد الْقَادِر مدحني بقصيدة يَقُول فِيهَا
(وَمَا قصدي الْجَزَاء سوى انتسابي ... إِلَى عليا كم يَوْم الْقِيَامَة)
فَكَانَ من اخْتِيَار الله تَعَالَى لَهُ بِمُقْتَضى حسن نِيَّته إِلَى أَن مَاتَ قبل أَن يفتح الله علينا بِشَيْء من الدُّنْيَا وتأسفت على مَوته جدا وَكنت كلما ذكرته استثار مني الْحزن انْبَعَثَ الأسى والندم حَتَّى كَانَ مصابي بِاعْتِبَار ذَلِك جَدِيدا فِي كل آن ثمَّ كنت كثير الترحم عَلَيْهِ وَالدُّعَاء لَهُ وصنفت فِي أخباره وَمَا جرياته كتابا سميته صدق الْوَفَاء بِحَق الإخاء وَكَانَت وَفَاته بِبَلَدِهِ لاهور من الديار الْهِنْدِيَّة فِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء رَابِع عشر شَوَّال سنة إِحْدَى بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عُثْمَان شهَاب الدّين الْمُتَوَلِي الْأنْصَارِيّ الشَّافِعِي الْمصْرِيّ الإِمَام الْمُؤلف الْمُحَرر المتقن ذكره الشَّيْخ مَدين القوصوني فِيمَن تَرْجمهُ فَقَالَ بركَة الْمُسلمين ومفيد الطالبين شَيخنَا أَحْمد شهَاب الدّين كَانَ ورعاً متواضعاً وَكَانَ
стр. 275
يجلس للوعظ بِالْمَدْرَسَةِ المؤيدية وَكَانَ لَا يسمع أصلا وَإِنَّمَا كُنَّا نكتب لَهُ مَا نَسْأَلهُ عَنهُ أَخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ يُوسُف بن شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا وَعَن الشَّمْس مُحَمَّد الرَّمْلِيّ وَعَن الشَّيْخ مُحَمَّد بن حسن الطنجي وَغَيرهم وَله من المؤلفات شرح عَليّ الْجَامِع الصَّغِير وَهُوَ شرح مُفِيد جَامع وَمِنْه كَانَ يستمد الشَّيْخ عبد الرؤف الْمَنَاوِيّ فِي شروحه وَله مقدمه وَضعهَا قبل الشَّرْح الْمَذْكُور تشْتَمل على أَرْبَعَة وَعشْرين علما قلت وَقد رَأَيْت هَذَا الشَّرْح وطالعته فرأيته استوعب فِي مقدمته أَشْيَاء نفيسة جمة الْفَائِدَة وَله رِسَالَة سَمَّاهَا نيل الاهتداء فِي فضل الارتداء أَصْلهَا سُؤال عَن وضع الشد على الْكَتِفَيْنِ هَل لَهُ أصل فِي السّنة أَولا فَأجَاب فِيهَا بِمَا حَاصله أَن الأَصْل فِي ذَلِك الرِّدَاء ثمَّ قَالَ فَإِن قلت فَهَذَا الَّذِي اعتاده النَّاس من جعل ثوب على الْعُنُق وإرساله من الْجَانِبَيْنِ هَل لَهُ أصل من السّنة قلت لَا أصل لَهُ وَهُوَ عَادَة القبط قَدِيما كَمَا قَالَه أَبُو شامة وَغَيره مِمَّن ألف فِي الْحَوَادِث والبدع وَقد اعتاده النَّاس فَمن فعله حرم بركَة الاقتداءبه
وروى أَبُو دَاوُد عَن ابْن عمر والطبرني فِي الْأَوْسَط قَالَ وَمن تشبه بِقوم فهم مِنْهُم قَالَ وَأما الارتداء فَمن فعله فببركة أَتبَاع السّنة يَقِيه الله الْمَكْرُوه فَعَلَيْك بالاتباع وَإِيَّاك والابتداع وَمن عَجِيب مَا وَقع لي أَنه حضر بعض أكَابِر الْعلمَاء وَمن ينْسب إِلَى المشيخة الْكُبْرَى وَهَذَا الثَّوْب الَّذِي يعرف الْآن بالشد على عُنُقه على صُورَة فعل القبط فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي مَا مستندكم فِي هَذَا الْفِعْل وَلم عدلتم عَن اتِّبَاع مَا كَانَ يَفْعَله
فَمَا أعَاد جَوَابا كَأَنَّهُ ألقم الْحجر ورحم الله ابْن رشد قَالَ كَانَ الْعلم فِي الصُّدُور فَصَارَ الْآن فِي الثِّيَاب انْتهى وَقَالَ قبل ذَلِك وَفِي النِّهَايَة الرِّدَاء الثَّوْب أَو الْبرد الَّذِي يَضَعهُ الْإِنْسَان على عَاتِقيهِ وَبَين كَتفيهِ فَوق ثِيَابه روى الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله
قَالَ الارتداء لبسة الْعَرَب والالتفاع لبسة الايمان وَكَانَ رَسُول الله
يَفْعَله قَالَ عبد الْملك بن جُبَير فِي شرح الْمُوَطَّأ الارتداء وضع الرِّدَاء على الْكَتِفَيْنِ والتلفع أَن يلقِي الانسان الثَّوْب على رَأسه ثمَّ يلتف بِهِ لَا يكون الالتفاع إِلَّا بتغطية الرَّأْس وروى ابْن عَسَاكِر عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ طول رِدَاء رَسُول الله
أَرْبَعَة أَذْرع وشبراً فِي ذِرَاع وروى ابْن سعد عَن عُرْوَة بن الزبير أَن طول رِدَاء النَّبِي
أَرْبَعَة أَذْرع وَعرضه ذراعان انْتهى خَاتِمَة فِي بَيَان عبارَة صَاحب التَّرْجَمَة وَعبارَة غَيره من شرَّاح الْجَامِع الصَّغِير فِي جَوَاز اللَّعْن وتحريمه قَالَ
стр. 276
الأول مَا نَصه وَقد أَجمعُوا على تَحْرِيم لعن الْمُسلم المصون وَأما لعن أهل الْمعاصِي لَا المعينين والمعروفين كلعن الله آكل الرِّبَا فَجَائِز وَأما لعن معِين متصف بِمَعْصِيَة كيهودي أَو مُصَور أَو آكل رَبًّا فَظَاهر الْأَحَادِيث أَنه جَائِز وَأَشَارَ الْغَزالِيّ إِلَى تَحْرِيمه وَأما لعن الْحَيَوَان والجماد فكله مَنْهِيّ عَنهُ مَذْمُوم قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر وَاحْتج شَيخنَا يَعْنِي البُلْقِينِيّ على جَوَاز لعن الْمعِين بِالْحَدِيثِ الْوَارِد فِي الْمَرْأَة إِذا دَعَاهَا زَوجهَا إِلَى فرَاشه فَأَبت لعنتها الْمَلَائِكَة حَتَّى تصبح وَهُوَ فِي الصَّحِيح وَتوقف فِيهِ بَعضهم فَإِن الاعن هُنَا الْمَلَائِكَة فَيتَوَقَّف الِاسْتِدْلَال بِهِ على جَوَاز التأسي بهم وعَلى التَّسْلِيم فَلَيْسَ فِي الْخَبَر تَسْمِيَتهَا وَالَّذِي قَالَه شَيخنَا أقوى فَإِن الْملك مَعْصُوم والتأسي بالمعصوم مَشْرُوع والبحث فِي جَوَاز الْمعِين وَهُوَ مَوْجُود قلت يحْتَمل أَن يُقَال هُوَ من خَصَائِص الْمَعْصُوم ليسقط الِاسْتِدْلَال بِهِ فَتَأمل هَذَا وَقد ثَبت النَّهْي عَن اللَّعْن فَحَمله على الْمعِين أولى انْتهى بِحُرُوفِهِ وَقَالَ شَيخنَا عبد الرؤف الْمَنَاوِيّ فِي شَرحه مَا نَصه وَأَجْمعُوا على تَحْرِيم لعن الْمُسلم المصون وَأما أهل الْمعاصِي غير الْمعِين فَجَائِز وَأما لعن معِين متصف بِمَعْصِيَة كيهودي أَو نَصْرَانِيّ وآكل رَبًّا فظواهر الْأَخْبَار جَوَازه وَأَشَارَ الْغَزالِيّ إِلَى تَحْرِيمه وَجوز البُلْقِينِيّ لعن العَاصِي وَلَو معينا لخَبر إِذا دَعَا الْمَرْأَة زَوجهَا إِلَى فرَاشه فَأَبت لعنتها الْمَلَائِكَة حَتَّى تصبح وَاعْترض بِأَن الِاسْتِدْلَال مُتَوَقف على وجوب التأسي بِالْمَلَائِكَةِ أَو جَوَازه مَعَ أَن لَيْسَ فِي الْخَبَر تَسْمِيَتهَا وَزعم بعض من كتب على الْكتاب أَنه من خَصَائِص الْمَعْصُوم فَلَا يسْتَدلّ بِهِ سَاقِط إِذْ لَا بُد فِي دَعْوَى الخصوصية من دَلِيل انْتهى كَلَام كل من الشَّارِحين وَقد رَأَيْت أصل الْعبارَة للْإِمَام النَّوَوِيّ فِي أَوَاخِر الاذكار وَعبارَته أَن الْغَزالِيّ أَشَارَ إِلَى التَّحْرِيم إِلَّا فِي حق من علمنَا أَنه مَاتَ على الْكفْر كَأبي لَهب لِأَن اللَّعْن هُوَ الإبعاد عَن رَحْمَة الله تَعَالَى وَمَا نَدْرِي مَا يخْتم بِهِ لهَذَا الْفَاسِق وَالْكَافِر وَله رِسَالَة قَالَ فِي أَولهَا فقد سَأَلَني بعض الاخوان أَن أعلق تَعْلِيقا لطيفاً ألذ من بُلُوغ الآمال جَوَابا عَن مسَائِل تتَعَلَّق بِعرْض الْأَعْمَال ورفعها إِلَى الله تَعَالَى فِي الْأَيَّام والليال فأجبته إِلَى ذَلِك السُّؤَال وجمعت هَذِه الرسَالَة الحاوية لنفائس الْجَوَاهِر واللآل وسميتها نجاح الآمال بإيضاح عرض الْأَعْمَال وَقَالَ فِي أواسطها رُوِيَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِر الْأُصُول عَن عبد الغفور بن عبد الْعَزِيز عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا تعرض الْأَعْمَال يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس على الله تَعَالَى وَتعرض على الْأَنْبِيَاء والآباء والأمهات يَوْم الْجُمُعَة
стр. 277
فيفرحون بحسناتهم وتزداد وُجُوههم بَيَاضًا وإشراقاً فَاتَّقُوا الله وَلَا تُؤْذُوا مَوْتَاكُم ثمَّ قَالَ قَالَ الشَّيْخ ولي الدّين الْعِرَاقِيّ إِن قلت مَا معنى هَذَا مَعَ أَنه ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن الله تَعَالَى يرفع إِلَيْهِ عمل اللَّيْل قبل عمل النَّهَار وَعمل النَّهَار قبل عمل اللَّيْل قلت يحْتَمل أَمريْن أَحدهمَا أَن أَعمال الْعباد تعرض على الله تَعَالَى كل يَوْم ثمَّ تعرض عَلَيْهِ أَعمال الْجُمُعَة فِي كل اثْنَيْنِ وخميس ثمَّ تعرض عَلَيْهِ أَعمال السّنة فِي شعْبَان أَو تعرض عَلَيْهِ عرضا بعد عرض وَلكُل عرض حِكْمَة يطلع عَلَيْهَا من يَشَاء من خلقه أَو يستأثر بهَا عِنْده مَعَ أَنه تَعَالَى لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من أَعْمَالهم وَلَا تخفى عَلَيْهِ خافية انْتهى قلت وَهِي رِسَالَة كَثِيرَة الْفَوَائِد جدا وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة السبت ثامن عشر ربيع الأول سنة ثَلَاث بعد الْألف وَدفن خَارج بَاب النَّصْر بتربة الشريف الدارس وَهِي بِالْقربِ من مُقَابلَة حَوْض اللفت رَحمَه الله تَعَالَى
أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ الحصكفي الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بِابْن المنلا وَتَمام نسبه وَقد ذكرته فِي يترجمة ابْنه إِبْرَاهِيم فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَته وَأحمد هَذَا قد ذكره جمَاعَة من المؤرخين والمنشئين وَكلهمْ أثنوا عَلَيْهِ ووصفوه بأوصاف حَسَنَة رائقة وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ وَاحِد الدَّهْر فِي كل فن من فنون الْأَدَب جمع بَين لطف التَّحْرِير وعذوبة الْبَيَان وَكَانَ بالشهباء أحد الْمَشَاهِير وَمن جملَة الجماهير نَشأ فِي كنف أَبِيه وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْعلمَاء وَأكْثر اشْتِغَاله على الرضي ابْن الْحَنْبَلِيّ صَاحب تَارِيخ حلب أَخذ عَنهُ رسَالَته سرح المقلتين فِي مسح الْقبْلَتَيْنِ دراية ورافق فِي سَماع تأليفه مخائل الملاحة فِي مسَائِل المساحة وشارك فِي الْجَبْر والمقابلة وَقَرَأَ الْمحلي الْأَصْلِيّ مَعَ مشارفة حَاشِيَته وَسمع شمايل النَّبِي
لِلتِّرْمِذِي من لَفظه قَالَ ابْن الْحَنْبَلِيّ فِي تَارِيخه وَكَانَ أَي ابْن المنلا السَّبَب فِي أَن قلت
(يَا من لمضطرم الأوام ... حَدِيثه الْمَرْوِيّ دوى)
(أروى شمايلك الْعِظَام ... لرفقة حضر وَالِدي)
(على أنال شَفَاعَة ... تسدي لَدَى العقبى إِلَى)
(حاشا شمايلك اللطيفة ... أَن ترى عونا على)
وَقَرَأَ عَلَيْهِ شرح المواقف والعضد مَعَ حَاشِيَة السَّيِّد الْجِرْجَانِيّ والسعد التَّفْتَازَانِيّ وَصَحب سَيِّدي علوان بن مُحَمَّد الْحَمَوِيّ وَهُوَ بحلب سنة أَربع وَخمسين وَسمع مِنْهُ الثُّلُث من البُخَارِيّ وَحضر مواعيده وَسمع الحَدِيث المسلسل بالأولية من الْبُرْهَان
стр. 278
الْعِمَادِيّ وَأَجَازَ لَهُ وَقَرَأَ بالتجويد على الشَّيْخ إِبْرَاهِيم الضَّرِير الدِّمَشْقِي نزيل حلب كثيرا وَأَجَازَ لَهُ فِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَدخل دمشق مرَّتَيْنِ وَأخذ بهَا عَن الْبَدْر الْغَزِّي وَحضر دروسه بالشامية البرانية وَقَرَأَ على النُّور النَّسَفِيّ بِدِمَشْق مطعه من البُخَارِيّ وَمُسلم وَحضر عِنْده دروساً من الْمحلى وَشرح الْبَهْجَة وَأَجَازَ لَهُ وَقَرَأَ بهَا شرح منلا زَاده على هِدَايَة الْحِكْمَة على محب الدّين التبريزي مجاور التكية السليمانية مَعَ سَمَاعه عَلَيْهِ بعض تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وَقَرَأَ قطعتين صالحتين من المطول والأصفهاني على أبي الْفَتْح الشبستري ورحل فِي سنة ثَمَان وَخمسين إِلَى قطسنطينية صَحبه وَالِده فَأخذ رِسَالَة الاسطرلاب من نزيلها الشَّيْخ غرس الدّين الْحلَبِي وَاجْتمعَ بالمحقق السَّيِّد عبد الرَّحِيم العباسي واستجاز مِنْهُ رِوَايَة البُخَارِيّ فَأجَاز لَهُ ومدحه بقصيدة مطْلعهَا قَوْله
(لَك الشّرف العالي على قادة النَّاس ... وَلم لَا وَأَنت الصَّدْر من آل عَبَّاس)
وَهِي مَذْكُورَة فِي رحلته الَّتِي ألفها وسماها بالروضة الوردية فِي الرحلة الرومية وَرجع إِلَى حلب فولي تدريس البلاطية الَّتِي أَنْشَأَهَا الْحَاج بلاط دويدار الْحَاج اينال كافلها إِلَى جَانب تربته وتربة مخدومه وَأفَاد وصنف وَشرح مُغنِي اللبيب شرحاً جمع فِيهِ بَين الدماميني والشمني وَأطَال فِيهِ وَهُوَ فِي بَابه لَا نَظِير لَهُ وَله رسائل أدبية مِنْهَا رِسَالَة طالبة الْوِصَال من مقَام ذَلِك الغزال نسجها على منوال عِبْرَة الكئيب وعثرة اللبيب للصفدي وشكوى الدمع المراق من سِهَام الْفِرَاق وَوضع كتابا سَمَّاهُ عُقُود الجمان فِي وصف نبذة من الغلمان وَضعه على أسلوب كتاب شَيْخه ابْن الْحَنْبَلِيّ الْمُسَمّى بمرتع الظبا ومربع ذَوي الصِّبَا وتعاطى على صناعَة النّظم والنثر فَأحْسن فيهمَا إِلَى الْغَايَة وَمن محَاسِن شعره قَوْله
(نَازع الخد عذار دائر ... فَوق خَال مسكه ثمَّ عبق)
(قَائِلا للخد هَذَا خادمي ... ودليلي أَنه لوني سرق)
(فانتضى الطّرف لَهُم سيف القضا ... ثمَّ نَادَى مَا الَّذِي أبدى الْفرق)
(أَيهَا النُّعْمَان فِي مذهبكم ... حجَّة الْخَارِج بِالْملكِ أَحَق)
قَوْله
(وأسمر من بني الأتراك ذِي غنج ... يهز قدا كغصن البان فِي هيف)
(كَأَنَّهُ حِين يَعْلُو سور قلعته ... وينثني شرفاً مِنْهُ على شرف)
(غُصْن الصِّبَا مزهراً قد رنحته صبا ... عَلَيْهِ بدربدا من دارة الشّرف)
стр. 279
وَقَوله
(ادعوا أَن خصره فِي انتحال ... فَلِذَا بَان قده الممشوق)
(وَأَقَامُوا الدَّلِيل ردفا ثقيلا ... قلت مهلا دليلكم مطروق)
وَله
(قَالُوا حَبِيبك أَمْسَى لَا تكَلمه ... وَلَا تميل لرؤيا وَجهه النَّضر)
(فَقلت أَمر دَعَاني نَحْو جفوته ... وَالْحب للقلب لَا للفظ وَالنَّظَر)
وَقَوله
(المشهدي لِسَانه ... قد فل كل مهند)
(أَن رام إنشاد ... القريض فَقل لَهُ يَا سَيِّدي)
يُشِير إِلَى قَول بَعضهم فِي قَول ابْن الشجري الْعلوِي
(يَا سَيِّدي وَالَّذِي يعيذك من ... نظم قريض يصدا بِهِ الْفِكر)
(مَا فِيك من جدك النَّبِي سوى ... أَنَّك لَا يَنْبَغِي لَك الشّعْر)
وَهَذَا ألطف فِي التَّعْبِير بمراتب من قَول مخلد الْموصِلِي وَهُوَ
(يَا نَبِي الله فِي الشّعْر ... وَيَا عِيسَى ابْن مَرْيَم)
(أَنْت من أشعر ... خلق الله إِن لم تَتَكَلَّم)
وَإِن كَانَ أَصله مَا قَالَه الثعالبي فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالشكاية والتعريف إِذا كَانَ الرجل متشاعراً غير شَاعِر قَالُوا فلَان نبى فِي الشّعْر يَعْنِي أَنه لَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِك وَقَالَ
(إِن كنت تَفْخَر يَا رقيع ... بِمَا زعمت من الشّرف)
(فَالله يدْرِي مَا تَقول ... وَلست إِلَّا ذَا سرف)
(أَنِّي أجل بني الرَّسُول ... من أَن تكون لَهُم خلف)
(وَإِذا قبلنَا مَا نقُول ... فَإِنَّهُم نعم السّلف)
وَمِنْه قَول أبي تَمام
(لئيم الْفِعْل من قوم كرام ... لَهُ من بَينهم أَبَد اغواء)
وَمن لطائف مضامينه البديعة قَوْله فِي شخص عابه بانحسار شعر رَأسه
(يعيبني أَن شعر الرَّأْس منحسر ... مني فَتى قد عرى من حلَّة الْأَدَب)
(وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا من ضرام هوى ... سرى إِلَى الرَّأْس مِنْهُ سَاطِع اللهب)
(أقصر عدمتك إِذا دَاء بمعبره ... فالعيب فِي الرَّأْس دون الْعَيْب فِي الذَّنب)
وَكتب مَعَ هَدِيَّة قَوْله
(أقبل هَدِيَّة مخلص ... فِي وده وثنائه)
(وأجبر بذلك كَسره ... واغنم جميل دُعَائِهِ)
وَمِمَّا ينخرط فِي هَذَا السلك قَول سعيد بن أَحْمد
(هديتي تقصر عَن همتي ... وهمتي تعلو على مَالِي)
стр. 280
(فخالص الود ومحض الولا ... أحسن مَا يهديه أمثالي)
وَله
(قد بعثنَا إِلَيْك أكرمك الله ... ببر فَكُن لَهُ ذَا قبُول)
(لَا تقسه إِلَى ندى كفك الْغمر ... وَلَا نيلك الْكثير الجزيل)
(واغتفر قلَّة الْهَدِيَّة مني ... أَن جهد الْمقل غير قَلِيل)
وَقَالَ فِي رحلته الرومية لمحت بعريض شيزر غزالاً بَين الغزلان نافر وشادنا طَار نَحوه قلبِي فأفى الَّذِي بَين جفنيه كاسر ومليحاً أَسْفر عَن بدر فِي تَمَامه وابتسم عَن ثنايا كَأَنَّهَا الدّرّ فِي انتظامه يتبعهُ شرذمة من خرد النِّسَاء الحسان وَهُوَ يلْعَب بَينهُنَّ كأنهن الْحور وَهُوَ من الْولدَان
(صادني بالعريض ظَبْي غرير ... بحسام من حد جفن غضيض)
(ثمَّ لما انثنى بأسمر قد ... أوقع الْقلب فِي الطَّوِيل العريض)
وَله من رِسَالَة يقبل الأَرْض معترفاً برق الْعُبُودِيَّة قرباً وبعداً ومقراً بِأَن فِرَاق تِلْكَ الحضرة الزكية لم يبْق لَهُ على مقاومة الصَّبْر جهداً ارْتكب مجَاز التصبر ليفوز بِحَقِيقَة الاصطبار واستعار لِقَلْبِهِ جنَاح الشوق فها هُوَ يود لَو أَنه نحوكم طَار عجل عَلَيْهِ الْبَين يدنو حِينه وسبك فِي بودقة خديه خَالص ابريز دمعة عَنهُ وقطر بتصعيد أنفاسه لجين دُمُوعه وَنفى بتأوهه وأنينه طير هجوعه وَله غير ذَلِك من غرر القَوْل وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي سنة ثَلَاث بعد الْألف قَتله الفلاحون فِي قَرْيَة باتشا من عمل معرة نسرين ظلما وعدواناً وَدفن بِالْجَبَلِ بِالْقربِ من تربة جده لأمه الخواجة اسكندر بن آيجق رَحمَه الله تَعَالَى
أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن أَحْمد نزيل طيبَة والمتوفى بهَا ابْن أَحْمد بن أَحْمد بن عمر بن أَحْمد ابْن أبي بكر بن أَحْمد الْعَبَّاس شهَاب الدّين الْفَقِيه الْحَنْبَلِيّ الْمَعْرُوف بالشوبكي الصَّالِحِي كَانَ من أفاضل الْحَنَابِلَة بِدِمَشْق وَكَانَ غزير الْعلم سريع الْفَهم حسن المحاضرة فصيح الْعبارَة وَفِيه تواضع وسخاء ولد بصالحية دمشق وَحفظ الْقُرْآن وَالْمقنع فِي الْفِقْه وَأخذ الْفِقْه وَغَيره عَن مُحَرر مَذْهَبهم الْعَلامَة مُوسَى الحجاوي الصَّالِحِي وَأخذ الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا من الْفُنُون عَن الشَّمْس مُحَمَّد بن طولون والملا محب الله والعلامة أبي الْفَتْح الشبستري والعلامة عَلَاء الدّين بن عماد الدّين والشهاب أَحْمد بن بدر الطَّيِّبِيّ الْكَبِير ثمَّ رَحل إِلَى مصر وَأخذ بهَا عَن الجلة من
стр. 281
الْعلمَاء كشيخ الْإِسْلَام تَقِيّ بن أبي بكر بن مُحَمَّد الفيومي وَرجع إِلَى دمشق وَأفْتى بهَا ودرس نَحْو سِتِّينَ سنة وَسلم لَهُ فُقَهَاء الْمَذْهَب غير أَنه كَانَ على مَذْهَب ابْن تَيْمِية من القَوْل بتجويز بَقَاء التَّزْوِيج بعد الطلقات الثَّلَاث وَتَوَلَّى الْقَضَاء بالصالحية وقناة العوني والكبرى وَكَانَ يحكم بِبيع الْأَوْقَاف وَترك الصالحية فِي أَوَاخِر عمره وقطن بِدِمَشْق بِالْقربِ من الْجَامِع الْأمَوِي وخطب مُدَّة طَوِيلَة بِجَامِع منجك بمجلة ميدان الْحَصَى وَكَانَ صَوته حسنا وتلاوته حَسَنَة وامتحن مَرَّات وسافر إِلَى قسطنطينية فِي بَعْضهَا وسرقت ثِيَابه وغالب مَا كَانَ يملك فِي منزله بِدِمَشْق دخل عيه اللُّصُوص وأمسكوا لحيته وَأَرَادُوا قَتله وَنسب فعل ذَلِك إِلَى غُلَام رومي كَانَ مَال إِلَيْهِ ثمَّ تَركه وَكَانَ وِلَادَته فِي سَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي يَوْم عَرَفَة بعد الْعَصْر تَاسِع ذِي الْحجَّة سنة سبع بعد الْألف وَدفن بسفح قاسيون رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد الصفوي الأَصْل الدِّمَشْقِي المولد الْمَعْرُوف بِابْن عبد الْهَادِي الْعمريّ الشَّافِعِي الْفَقِيه النَّبِيل من بَيت مَعْرُوف بقرية صفورية لَهُم الصّلاح وَالْعلم خرج مِنْهُم فضلاء جمة وَيَنْتَهِي نسبهم إِلَى سيدنَا عمر بن الْخطاب ﵁ وَأول من قدم مِنْهُم إِلَى دمشق مُحَمَّد وَالِد أَحْمد هَذَا فقطن بقرية عقربا من نَاحيَة الغوطة وَاتخذ بهَا بساتين ومساكن وَتزَوج بنت الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد الْقَادِر بن سوار شيخ الْمحيا بِدِمَشْق وجاءه مِنْهَا أَوْلَاد كَثِيرُونَ مِنْهُم أَحْمد صَاحب التَّرْجَمَة فَنَشَأَ طَالبا للعلوم والمعارف وَقَرَأَ على الْحسن البوريني الشَّافِعِي طرفا من فقه الشَّافِعِي وشيئاً من الْمعَانِي وَالْبَيَان واشغل على غَيره وبرع وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَاخِر ذِي الْقعدَة سنة تسع بعد الْألف وَدفن بتربة القصارين فِي جَانب قبر عَاتِكَة ثمَّ رَأَيْت فِي الْكَوَاكِب السائرة أَن جدهم عبد الْهَادِي كَانَ يسكن دمشق بمحلة قبر عَاتِكَة وَوَصفه بالشيخ الصَّالح الصُّوفِي المسلك المربى ولي الله تَعَالَى وَذكر أَن وَفَاته كَانَت يَوْم الْأَحَد سادس عشر شَوَّال سنة ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَدفن بتربة بِالْقربِ من مَسْجِد الطالع بتربة الدقاقين
أَحْمد بن مُحَمَّد اقاضي شهَاب الدّين الْجَعْفَرِي الصَّالِحِي الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بالمصارع ولي نِيَابَة الْقَضَاء بمحاكم دمشق وعزل آخر عَن نِيَابَة الْبَاب بعد أَن تعاقب عَلَيْهِ مرَارًا هُوَ وَالْقَاضِي مُحَمَّد الكنجي الْآتِي ذكره وَكَانَ يبْذل المَال لأجل تَوْلِيَة النِّيَابَة
стр. 282
ويعزل سَرِيعا لحماقة كَانَت فِيهِ وَكَانَ مذموماً سيء الأطوار وَلما ولي نِيَابَة الحكم قيل فِيهِ
(أَصبَحت يَا ابْن الجعفرية حَاكما ... فسد الزَّمَان ترَاهُ أم جن الْفلك)
(أما الصراع فَأَنت فِيهِ عَارِف ... لَكِن شَرِيعَة أَحْمد من أَيْن لَك)
وَجَرت لَهُ محن كَثِيرَة لطلاقة لِسَانه فِي حق الأكابر أصبح مَيتا فِي فرَاشه فِي يَوْم الْعشْرين من شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف وَدفن فِي مَقْبرَة الفراديس وَقيل فِي تَارِيخ مَوته
(مصَارِع لَيْسَ لَهُ مضارع ... أَقرع رَأس بالأذى يقارع)
(ألهمت يَوْم مَوته تَارِيخه ... مَاتَ إِلَى جَهَنَّم المصارع)
وَقيل أَيْضا
(مَاتَ المصارع والأنام تيقنوا ... أَن الْأَذَى لِلْخلقِ مِنْهُ يضرّهُ)
(ألهمت يَوْم وَفَاته تَارِيخه ... أَن المصارع فِي الْجَحِيم مقره)
أَحْمد بن مُحَمَّد بن راضي الشَّافِعِي العلواني من أَتبَاع الشَّيْخ عَليّ الكيزواني الشَّيْخ الصَّالح قَرَأَ على وَالِده فِي علم القراآت وَكَانَ لوالده الْيَد الطولي فِي هَذَا الْفَنّ وغالب قراء حلب فِي زَمَنه تعلمُوا مِنْهُ وَقَرَأَ على الشَّيْخ عمر العرضي مُدَّة مديدة وانتفع مِنْهُ بمباحث مفيدة كَانَ إِمَامًا بالكيزوانية ومتولياً وَاسْتولى على جَمِيع أوقافها بِاعْتِبَار انتسابهم فِي الْأَخْذ عَن الشَّيْخ الكيزواني طَريقَة العلوانية بل طَريقَة شَيْخه السَّيِّد عَليّ بن مَيْمُون فَإِن الكيزواني كَانَ من أَقْرَان الشَّيْخ علوان إِلَّا أَن سَيِّدي الشَّيْخ علوان كَانَ ذَا عُلُوم غزيرة من عُلُوم الشَّرِيعَة والحقيقة وَكَانَ الِاسْم الْكَبِير لَهُ والشهرة التَّامَّة فَإِن السَّيِّد عَليّ بن مَيْمُون خلف الشَّيْخَيْنِ الْمَذْكُورين وَخلف الشَّيْخ مُحَمَّد ابْن عراق وَخلف الشَّيْخ الزين الْحلَبِي مدفناً بالشيخ علوان لَهُ المصنفات الْعَظِيمَة نَحْو نسمات الأسحار ومصباح الْهِدَايَة وَشرح التائية الفارضية والتائية الصفدية وَغير ذَلِك وَالشَّيْخ الكيزواني لَهُ رسائل كَثِيرَة فِي التصوف إِلَّا أَنَّهَا مختصرة وَكَذَلِكَ الشَّيْخ مُحَمَّد بن عراق وَتَوَلَّى صَاحب التَّرْجَمَة لمدرسة الاغونية وَكَانَ يتَوَلَّى تكاليف محلّة الْعقبَة فَمنهمْ المادح وَمِنْهُم غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان عشرَة بعد الْألف وَدفن بِقرب الْفَيْض وَقد جَاوز السِّتين تَقْرِيبًا رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن الْعَلامَة الشَّمْس مُحَمَّد بن شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن يُونُس بن إِسْمَاعِيل ابْن مَحْمُود السعودي الشهير بالشلبي الْمصْرِيّ الْفَقِيه الْحَنَفِيّ الإِمَام الْمُحدث راس فُقَهَاء زَمَنه ومحدثيه وَكَانَ لَهُ بِعلم الحَدِيث اعتناء كَبِير محتاطاً فِيهِ عَارِفًا بِطرقِهِ
стр. 283
وتقييداته وإقراء كتبه وَله سهم عَال فِي الْفِقْه والفرائض وَكَانَ سريع الْفَهم وافر الِاطِّلَاع ولد بِمصْر وَبهَا نَشأ وَأخذ عَن وَالِده وَعَن الْجمال يُوسُف بن القَاضِي زَكَرِيَّا وَغَيرهمَا وَعنهُ أَخذ الشهَاب أَحْمد الشَّوْبَرِيّ وَالشَّيْخ حسن الشُّرُنْبُلَالِيّ وَعمر الدفتري وَالشَّمْس مُحَمَّد البابلي وزين العابدين بن شيخ الْإِسْلَام القَاضِي زَكَرِيَّا وَغَيرهم وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فِي نَيف وَعشْرين وَألف
الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالكواكبي البيري الأَصْل ثمَّ الْحلَبِي الْحَنَفِيّ الصُّوفِي أحد أَعْيَان عُلَمَاء حلب وكبرائها ذكره أَبُو الْوَفَاء العرضي وَقَالَ فِي تَرْجَمته لزم الِاشْتِغَال على الْوَالِد يَعْنِي الشَّيْخ عمر العرضي بُرْهَة من الزَّمَان حَتَّى وصل إِلَى قِرَاءَة المطول وحواشيه قِرَاءَة تَحْقِيق وَقَرَأَ على الشَّيْخ مُحَمَّد بن مُسلم المغربي أحد شُيُوخ الْوَالِد فِي الْمُغنِي وحاشيته وَقَرَأَ فقه الْحَنَفِيَّة على الشَّيْخ مُحَمَّد الْمصْرِيّ الْحَنَفِيّ وَكَانَ يحضر مجَالِس ذكر وَالِده وَكَانَ يخرج بِالذكر أَمَام الْجَنَائِز كَمَا هُوَ سنَن الصُّوفِيَّة وَكَانَ حنق على وَالِده فَأخذ الطَّرِيق على الشَّيْخ عيواد الكلشني وَهُوَ ارد ولي أَيْضا وَاتخذ لَهُ حَلقَة ذكر فِي جَامع بانقوسا ثمَّ رَجَعَ إِلَى طَاعَة وَالِده وَتَابَ إِلَى الله تَعَالَى وَتقدم عَلَيْهِ فِي بعض مجَالِس الذّكر الشَّيْخ عبد الله فَضَربهُ صَاحب التَّرْجَمَة وَألقى عمَامَته عَن رَأسه وَكَانَ فِي وَقت هوية الذّكر فَلم ينزعج الشَّيْخ عبد الله بل اسْتمرّ فِي ذكره وَهَذَا خلق حسن عَظِيم ثمَّ ترك زِيّ الصُّوفِيَّة وَشرع فِي أَخذ الْمدَارِس الحلبية ثمَّ حركه مبغضو الشَّيْخ أبي الْجُود على أَخذ إِفْتَاء حلب مِنْهُ فاستعظم ذَلِك ثمَّ توجه إِلَى قسطنطينية وَأَخذهَا وَتَوَلَّى الْقِسْمَة العسكرية بحلب مرَارًا وَصَارَ قَائِما مقَام القَاضِي إِذا تولى جَدِيدا حَتَّى جمع فِي سنة وَاحِدَة بَين التفوى وَالْقِسْمَة العسكرية مَعَ النِّيَابَة الْكُبْرَى عَن قَاضِي حلب وَالنَّظَر على كتخداي الباشا وكتخداي الدفتر دَار وَكَانَ عفيفاً فِي أقضيته لَهُ حسن مُعَاملَة مَعَ أَصْحَابه ومحبيه وأحبه كافل حلب نصوح باشا نكاية فِي أبي الْجُود لكَون أبي الْجُود صاهر الْعَسْكَر الدمشقيين ونصوح باشا كَانَ يبغضهم وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ وتزدحم على بَابه الأكابر والأعيان وَبنى دَارا عَظِيمَة بالجلوم إِلَى جنب زَاوِيَة جده بهَا مجَالِس عَظِيمَة وَبنى مَكَانا فِي دهليزها لطيفاً لَهُ شباك مشرف على زَاوِيَة جده من جِهَة الشرق وَلما تولى حُسَيْن باشا كَفَالَة حلب وعزل نصوح باشا وَوَقع بَينهمَا تِلْكَ الْفِتَن والمحن وَكَانَ حُسَيْن باشا ينظر إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة شزراً ويسمعه هجراً وَاشْتَدَّ الْوَهم بِهِ حَتَّى
стр. 284
تدلى لَيْلًا من السُّور وَانْهَزَمَ حَتَّى وصل إِلَى طرابلس سَرِيعا جدا فالتجأ إِلَى كرم بني سَيْفا فاستقبوله بالإجلال فَجَلَسَ هُنَاكَ شهوراً قَليلَة ثمَّ توجه إِلَى مصر وَحج وَاسْتمرّ بِمصْر حَتَّى ذهبت دولة جانبولاذ فَعَاد إِلَى حلب وَلبس ثِيَاب الصُّوفِيَّة وَجمع ليَالِي لجَمِيع الْمَشَايِخ والفقراء وَاتخذ لَهُ مجْلِس صَلَاة على النَّبِي
وَكَانَ يَأْتِي إِلَيْهِ نَحْو ألف إِنْسَان مَا بَين ذَاكر وناظر وَكَانَ يُطِيل مجْلِس الصَّلَاة وَالسَّلَام على النَّبِي
حَتَّى يمل الْمُصَلِّي وَالسَّامِع فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ الشَّيْخ أَبُو النَّصْر طريقتنا قسم تهليل وَلَيْسَ فِيهِ الصَّلَاة على النَّبِي
صَاحب التَّرْجَمَة يَقُول الصَّلَاة على النَّبِي
بَعضهم يرجحها فِي الْفضل على لَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ طَال الْجِدَال بَينهمَا حَتَّى أصلح الشَّيْخ أَبُو النَّصْر مَسْجِدا كَانَ مَهْجُورًا واتخذه للذّكر فِي ليَالِي الْجمع فَكَانَ الْأَكْثَر من النَّاس يأْتونَ إِلَى الشَّيْخ أبي النَّصْر لكَون ذكره بالنغم والأساليب الْحَسَنَة مَعَ الْعِبَادَة ومجلس صَاحب التَّرْجَمَة عبَادَة مَحْضَة وَكَانَ كتب فِي إمضائه نقل من السّجل المصان فاعترضه الشَّيْخ أَبُو الْجُود وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الوفا وَكَانَ سَأَلَني وَأَنا شَاب لم كَانَ اسْم الْفَاعِل مَعَ فَاعله لَيْسَ بجملة وَالْفِعْل مَعَ فَاعله جملَة فأجبت بِأَنَّهُ لما لم يخْتَلف غيبَة وتكلما وخطاباً عومل مُعَاملَة الْمُفْردَات وَأما الْفِعْل مَعَ فَاعله لما اخْتلف عومل مُعَاملَة الْجمل فأعجبه وَمن نظمه حِين أحب أَخُوهُ شَابًّا يُقَال لَهُ مَحْمُود فَأَنْشد
(قد قلت للْأَخ لما زَاد فِي شغف ... ارْفُقْ بِنَفْسِك أَن الرِّفْق مَقْصُود)
(فَقَالَ لَا أَبْتَغِي عَن ذَا الْهوى بَدَلا ... هواي بَين أهيل الْعِشْق مَحْمُود)
وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة خمس وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي رَمَضَان سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف وَدفن فِي قُبُور الصَّالِحين
السُّلْطَان أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُرَاد السُّلْطَان الْأَعْظَم والخاقان الأفخم أعظم مُلُوك آل عُثْمَان وأحلمهم وَأكْرمهمْ كَانَ سُلْطَانا عَظِيم الْقدر جميل الذّكر محباً للْعُلَمَاء وَآل الْبَيْت متمسكاً بِالسنةِ النَّبَوِيَّة حسن الِاعْتِقَاد معاشراً لأرباب الْفَضَائِل سمح الْكَفّ جواد الاتزال إحساناته للْفُقَرَاء واصلة وعطاياه لأرباب الِاسْتِحْقَاق مترادفة وَكَانَ مائلاً إِلَى الْأَدَب والمحاضرات وَله شعر بالتركية ومخلصه على قَاعِدَة شعراء الرّوم بختى وَمِمَّا يرْوى لَهُ من الشّعْر العري قَوْله وأجاد
(ظَبْي يصول وَلَا اتِّصَال إِلَيْهِ ... جرح الْفُؤَاد بصارمي لحظيه)
стр. 285
(مَا قَامَ معتدلاً وهز قوامه ... إِلَّا تهتكت الستور عَلَيْهِ)
(يسْقِي المدامة من سلافة رِيقه ... ويخصنا بالغنج من جفنيه)
(عَيناهُ نرجسنا وآس عذره ... ريحاننا ولورد من خديه)
(يَا شعر فِي بَصرِي وَلَا فِي خَدّه ... إِنِّي أغار من النسيم عَلَيْهِ)
(عجبي لسلطان يعز بعدله ... ويجور سُلْطَان الغرام عَلَيْهِ)
(لَوْلَا اخاف الله ثمَّ جحيمه ... لعبدته وسجدت بَين يَدَيْهِ)
قلت والبستان الأخيران من جملَة قصيدة لِابْنِ رزيك الشيعي ومطلع قصيدته قَوْله
(ومهفهف ثمل القوام سرت إِلَى ... أعطافه النشوات من عَيْنَيْهِ)
وَلما توفّي وَالِده كَانَ الْوَزير لَهُ إِذْ ذَاك قَاسم باشا فأخفى الْوَزير موت السُّلْطَان وَدخل إِلَى دَاخل بَيت السلطنة وَذكر للسُّلْطَان أَحْمد الْمَذْكُور كلَاما يَقْتَضِي أَن يلبس السوَاد ويحضر فِي الْجمع وَيجْلس على الْكُرْسِيّ وَإِذا أحضر أَعْيَان الْعلمَاء وَأَصْحَاب المناصب وأركان الدولة من أكَابِر الوزراء والأمراء وقبلوا يَده وَبَايَعُوهُ على السلطنة على قانونهم فَيَقُول لَهُم كل وَاحِد مِنْكُم يمشي على طَرِيقه ويصله كَمَال الشَّفَقَة وَنِهَايَة المرحمة فَلَمَّا صدر ذَلِك خرج الْوَزير وَأرْسل وَرَاء الْأَعْيَان والوزراء فَحَضَرُوا وَأخذ كل وَاحِد مِنْهُم مَجْلِسه فَبعد هنيئة رَأَوْا شَابًّا حسن الْوَجْه رَقِيق الْجِسْم تعلوه هَيْبَة عَظِيمَة ووقار جسيم فجَاء حَتَّى جلس على كرْسِي السلطنة وَعَلِيهِ ثِيَاب سود ومئزر من الصُّوف على رَأسه على عَادَة آل عُثْمَان فِيمَا يلبسُونَ عِنْد موت وَاحِد مِنْهُم فَلَمَّا جلس علمُوا أَنه لسلطان وتحققوا موت وَالِده فَقَامُوا وقبلوا يَده وَحَدَّثَهُمْ بِمَا عهد إِلَيْهِ بِهِ الْوَزير وانقضى الْمجْلس على ذَلِك وشرعوا بعد ذَلِك فِي تجهيز السُّلْطَان مُحَمَّد وَدَفنه وَكَانَ ذَلِك نَهَار الْأَحَد سَابِع عشر شهر رَجَب سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف وَكَانَ عمر السُّلْطَان أَحْمد يَوْمئِذٍ أَرْبَعَة عشر سنة وَوَافَقَ تَارِيخ جُلُوسه مخلصه بخْتِي وَقيل فِي تَارِيخه أَيْضا هُوَ خير السلاطين ووفقت وَأَنا بالروم على مَجْمُوع بِخَط بعض الأفاضل لَا يحضرني اسْمه أنشأ فِيهِ تواريخ آل عُثْمَان شعرًا ويستخرج التَّارِيخ بطرِيق التعمية وَلم يعلق فِي خاطري إِلَّا تَارِيخ جُلُوس السُّلْطَان أَحْمد صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ
(سلطاننا أَحْمد عزت ولَايَته ... تاريخها فِي اسْمه للنَّاس إِن حسبوا)
(أعداد مضروبه اضْرِب فِي الْأُصُول وَفِي ... ثَانِيه رابعه يحصل لَك الأرب)
следующие страницы →