← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الْعلمَاء كشيخ الْإِسْلَام تَقِيّ بن أبي بكر بن مُحَمَّد الفيومي وَرجع إِلَى دمشق وَأفْتى بهَا ودرس نَحْو سِتِّينَ سنة وَسلم لَهُ فُقَهَاء الْمَذْهَب غير أَنه كَانَ على مَذْهَب ابْن تَيْمِية من القَوْل بتجويز بَقَاء التَّزْوِيج بعد الطلقات الثَّلَاث وَتَوَلَّى الْقَضَاء بالصالحية وقناة العوني والكبرى وَكَانَ يحكم بِبيع الْأَوْقَاف وَترك الصالحية فِي أَوَاخِر عمره وقطن بِدِمَشْق بِالْقربِ من الْجَامِع الْأمَوِي وخطب مُدَّة طَوِيلَة بِجَامِع منجك بمجلة ميدان الْحَصَى وَكَانَ صَوته حسنا وتلاوته حَسَنَة وامتحن مَرَّات وسافر إِلَى قسطنطينية فِي بَعْضهَا وسرقت ثِيَابه وغالب مَا كَانَ يملك فِي منزله بِدِمَشْق دخل عيه اللُّصُوص وأمسكوا لحيته وَأَرَادُوا قَتله وَنسب فعل ذَلِك إِلَى غُلَام رومي كَانَ مَال إِلَيْهِ ثمَّ تَركه وَكَانَ وِلَادَته فِي سَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي يَوْم عَرَفَة بعد الْعَصْر تَاسِع ذِي الْحجَّة سنة سبع بعد الْألف وَدفن بسفح قاسيون رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد الصفوي الأَصْل الدِّمَشْقِي المولد الْمَعْرُوف بِابْن عبد الْهَادِي الْعمريّ الشَّافِعِي الْفَقِيه النَّبِيل من بَيت مَعْرُوف بقرية صفورية لَهُم الصّلاح وَالْعلم خرج مِنْهُم فضلاء جمة وَيَنْتَهِي نسبهم إِلَى سيدنَا عمر بن الْخطاب ﵁ وَأول من قدم مِنْهُم إِلَى دمشق مُحَمَّد وَالِد أَحْمد هَذَا فقطن بقرية عقربا من نَاحيَة الغوطة وَاتخذ بهَا بساتين ومساكن وَتزَوج بنت الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد الْقَادِر بن سوار شيخ الْمحيا بِدِمَشْق وجاءه مِنْهَا أَوْلَاد كَثِيرُونَ مِنْهُم أَحْمد صَاحب التَّرْجَمَة فَنَشَأَ طَالبا للعلوم والمعارف وَقَرَأَ على الْحسن البوريني الشَّافِعِي طرفا من فقه الشَّافِعِي وشيئاً من الْمعَانِي وَالْبَيَان واشغل على غَيره وبرع وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَاخِر ذِي الْقعدَة سنة تسع بعد الْألف وَدفن بتربة القصارين فِي جَانب قبر عَاتِكَة ثمَّ رَأَيْت فِي الْكَوَاكِب السائرة أَن جدهم عبد الْهَادِي كَانَ يسكن دمشق بمحلة قبر عَاتِكَة وَوَصفه بالشيخ الصَّالح الصُّوفِي المسلك المربى ولي الله تَعَالَى وَذكر أَن وَفَاته كَانَت يَوْم الْأَحَد سادس عشر شَوَّال سنة ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَدفن بتربة بِالْقربِ من مَسْجِد الطالع بتربة الدقاقين أَحْمد بن مُحَمَّد اقاضي شهَاب الدّين الْجَعْفَرِي الصَّالِحِي الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بالمصارع ولي نِيَابَة الْقَضَاء بمحاكم دمشق وعزل آخر عَن نِيَابَة الْبَاب بعد أَن تعاقب عَلَيْهِ مرَارًا هُوَ وَالْقَاضِي مُحَمَّد الكنجي الْآتِي ذكره وَكَانَ يبْذل المَال لأجل تَوْلِيَة النِّيَابَة

стр. 282

ويعزل سَرِيعا لحماقة كَانَت فِيهِ وَكَانَ مذموماً سيء الأطوار وَلما ولي نِيَابَة الحكم قيل فِيهِ (أَصبَحت يَا ابْن الجعفرية حَاكما ... فسد الزَّمَان ترَاهُ أم جن الْفلك) (أما الصراع فَأَنت فِيهِ عَارِف ... لَكِن شَرِيعَة أَحْمد من أَيْن لَك) وَجَرت لَهُ محن كَثِيرَة لطلاقة لِسَانه فِي حق الأكابر أصبح مَيتا فِي فرَاشه فِي يَوْم الْعشْرين من شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف وَدفن فِي مَقْبرَة الفراديس وَقيل فِي تَارِيخ مَوته (مصَارِع لَيْسَ لَهُ مضارع ... أَقرع رَأس بالأذى يقارع) (ألهمت يَوْم مَوته تَارِيخه ... مَاتَ إِلَى جَهَنَّم المصارع) وَقيل أَيْضا (مَاتَ المصارع والأنام تيقنوا ... أَن الْأَذَى لِلْخلقِ مِنْهُ يضرّهُ) (ألهمت يَوْم وَفَاته تَارِيخه ... أَن المصارع فِي الْجَحِيم مقره) أَحْمد بن مُحَمَّد بن راضي الشَّافِعِي العلواني من أَتبَاع الشَّيْخ عَليّ الكيزواني الشَّيْخ الصَّالح قَرَأَ على وَالِده فِي علم القراآت وَكَانَ لوالده الْيَد الطولي فِي هَذَا الْفَنّ وغالب قراء حلب فِي زَمَنه تعلمُوا مِنْهُ وَقَرَأَ على الشَّيْخ عمر العرضي مُدَّة مديدة وانتفع مِنْهُ بمباحث مفيدة كَانَ إِمَامًا بالكيزوانية ومتولياً وَاسْتولى على جَمِيع أوقافها بِاعْتِبَار انتسابهم فِي الْأَخْذ عَن الشَّيْخ الكيزواني طَريقَة العلوانية بل طَريقَة شَيْخه السَّيِّد عَليّ بن مَيْمُون فَإِن الكيزواني كَانَ من أَقْرَان الشَّيْخ علوان إِلَّا أَن سَيِّدي الشَّيْخ علوان كَانَ ذَا عُلُوم غزيرة من عُلُوم الشَّرِيعَة والحقيقة وَكَانَ الِاسْم الْكَبِير لَهُ والشهرة التَّامَّة فَإِن السَّيِّد عَليّ بن مَيْمُون خلف الشَّيْخَيْنِ الْمَذْكُورين وَخلف الشَّيْخ مُحَمَّد ابْن عراق وَخلف الشَّيْخ الزين الْحلَبِي مدفناً بالشيخ علوان لَهُ المصنفات الْعَظِيمَة نَحْو نسمات الأسحار ومصباح الْهِدَايَة وَشرح التائية الفارضية والتائية الصفدية وَغير ذَلِك وَالشَّيْخ الكيزواني لَهُ رسائل كَثِيرَة فِي التصوف إِلَّا أَنَّهَا مختصرة وَكَذَلِكَ الشَّيْخ مُحَمَّد بن عراق وَتَوَلَّى صَاحب التَّرْجَمَة لمدرسة الاغونية وَكَانَ يتَوَلَّى تكاليف محلّة الْعقبَة فَمنهمْ المادح وَمِنْهُم غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان عشرَة بعد الْألف وَدفن بِقرب الْفَيْض وَقد جَاوز السِّتين تَقْرِيبًا رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ أَحْمد بن الْعَلامَة الشَّمْس مُحَمَّد بن شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن يُونُس بن إِسْمَاعِيل ابْن مَحْمُود السعودي الشهير بالشلبي الْمصْرِيّ الْفَقِيه الْحَنَفِيّ الإِمَام الْمُحدث راس فُقَهَاء زَمَنه ومحدثيه وَكَانَ لَهُ بِعلم الحَدِيث اعتناء كَبِير محتاطاً فِيهِ عَارِفًا بِطرقِهِ

стр. 283

وتقييداته وإقراء كتبه وَله سهم عَال فِي الْفِقْه والفرائض وَكَانَ سريع الْفَهم وافر الِاطِّلَاع ولد بِمصْر وَبهَا نَشأ وَأخذ عَن وَالِده وَعَن الْجمال يُوسُف بن القَاضِي زَكَرِيَّا وَغَيرهمَا وَعنهُ أَخذ الشهَاب أَحْمد الشَّوْبَرِيّ وَالشَّيْخ حسن الشُّرُنْبُلَالِيّ وَعمر الدفتري وَالشَّمْس مُحَمَّد البابلي وزين العابدين بن شيخ الْإِسْلَام القَاضِي زَكَرِيَّا وَغَيرهم وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فِي نَيف وَعشْرين وَألف الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالكواكبي البيري الأَصْل ثمَّ الْحلَبِي الْحَنَفِيّ الصُّوفِي أحد أَعْيَان عُلَمَاء حلب وكبرائها ذكره أَبُو الْوَفَاء العرضي وَقَالَ فِي تَرْجَمته لزم الِاشْتِغَال على الْوَالِد يَعْنِي الشَّيْخ عمر العرضي بُرْهَة من الزَّمَان حَتَّى وصل إِلَى قِرَاءَة المطول وحواشيه قِرَاءَة تَحْقِيق وَقَرَأَ على الشَّيْخ مُحَمَّد بن مُسلم المغربي أحد شُيُوخ الْوَالِد فِي الْمُغنِي وحاشيته وَقَرَأَ فقه الْحَنَفِيَّة على الشَّيْخ مُحَمَّد الْمصْرِيّ الْحَنَفِيّ وَكَانَ يحضر مجَالِس ذكر وَالِده وَكَانَ يخرج بِالذكر أَمَام الْجَنَائِز كَمَا هُوَ سنَن الصُّوفِيَّة وَكَانَ حنق على وَالِده فَأخذ الطَّرِيق على الشَّيْخ عيواد الكلشني وَهُوَ ارد ولي أَيْضا وَاتخذ لَهُ حَلقَة ذكر فِي جَامع بانقوسا ثمَّ رَجَعَ إِلَى طَاعَة وَالِده وَتَابَ إِلَى الله تَعَالَى وَتقدم عَلَيْهِ فِي بعض مجَالِس الذّكر الشَّيْخ عبد الله فَضَربهُ صَاحب التَّرْجَمَة وَألقى عمَامَته عَن رَأسه وَكَانَ فِي وَقت هوية الذّكر فَلم ينزعج الشَّيْخ عبد الله بل اسْتمرّ فِي ذكره وَهَذَا خلق حسن عَظِيم ثمَّ ترك زِيّ الصُّوفِيَّة وَشرع فِي أَخذ الْمدَارِس الحلبية ثمَّ حركه مبغضو الشَّيْخ أبي الْجُود على أَخذ إِفْتَاء حلب مِنْهُ فاستعظم ذَلِك ثمَّ توجه إِلَى قسطنطينية وَأَخذهَا وَتَوَلَّى الْقِسْمَة العسكرية بحلب مرَارًا وَصَارَ قَائِما مقَام القَاضِي إِذا تولى جَدِيدا حَتَّى جمع فِي سنة وَاحِدَة بَين التفوى وَالْقِسْمَة العسكرية مَعَ النِّيَابَة الْكُبْرَى عَن قَاضِي حلب وَالنَّظَر على كتخداي الباشا وكتخداي الدفتر دَار وَكَانَ عفيفاً فِي أقضيته لَهُ حسن مُعَاملَة مَعَ أَصْحَابه ومحبيه وأحبه كافل حلب نصوح باشا نكاية فِي أبي الْجُود لكَون أبي الْجُود صاهر الْعَسْكَر الدمشقيين ونصوح باشا كَانَ يبغضهم وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ وتزدحم على بَابه الأكابر والأعيان وَبنى دَارا عَظِيمَة بالجلوم إِلَى جنب زَاوِيَة جده بهَا مجَالِس عَظِيمَة وَبنى مَكَانا فِي دهليزها لطيفاً لَهُ شباك مشرف على زَاوِيَة جده من جِهَة الشرق وَلما تولى حُسَيْن باشا كَفَالَة حلب وعزل نصوح باشا وَوَقع بَينهمَا تِلْكَ الْفِتَن والمحن وَكَانَ حُسَيْن باشا ينظر إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة شزراً ويسمعه هجراً وَاشْتَدَّ الْوَهم بِهِ حَتَّى

стр. 284

تدلى لَيْلًا من السُّور وَانْهَزَمَ حَتَّى وصل إِلَى طرابلس سَرِيعا جدا فالتجأ إِلَى كرم بني سَيْفا فاستقبوله بالإجلال فَجَلَسَ هُنَاكَ شهوراً قَليلَة ثمَّ توجه إِلَى مصر وَحج وَاسْتمرّ بِمصْر حَتَّى ذهبت دولة جانبولاذ فَعَاد إِلَى حلب وَلبس ثِيَاب الصُّوفِيَّة وَجمع ليَالِي لجَمِيع الْمَشَايِخ والفقراء وَاتخذ لَهُ مجْلِس صَلَاة على النَّبِي وَكَانَ يَأْتِي إِلَيْهِ نَحْو ألف إِنْسَان مَا بَين ذَاكر وناظر وَكَانَ يُطِيل مجْلِس الصَّلَاة وَالسَّلَام على النَّبِي حَتَّى يمل الْمُصَلِّي وَالسَّامِع فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ الشَّيْخ أَبُو النَّصْر طريقتنا قسم تهليل وَلَيْسَ فِيهِ الصَّلَاة على النَّبِي صَاحب التَّرْجَمَة يَقُول الصَّلَاة على النَّبِي بَعضهم يرجحها فِي الْفضل على لَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ طَال الْجِدَال بَينهمَا حَتَّى أصلح الشَّيْخ أَبُو النَّصْر مَسْجِدا كَانَ مَهْجُورًا واتخذه للذّكر فِي ليَالِي الْجمع فَكَانَ الْأَكْثَر من النَّاس يأْتونَ إِلَى الشَّيْخ أبي النَّصْر لكَون ذكره بالنغم والأساليب الْحَسَنَة مَعَ الْعِبَادَة ومجلس صَاحب التَّرْجَمَة عبَادَة مَحْضَة وَكَانَ كتب فِي إمضائه نقل من السّجل المصان فاعترضه الشَّيْخ أَبُو الْجُود وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الوفا وَكَانَ سَأَلَني وَأَنا شَاب لم كَانَ اسْم الْفَاعِل مَعَ فَاعله لَيْسَ بجملة وَالْفِعْل مَعَ فَاعله جملَة فأجبت بِأَنَّهُ لما لم يخْتَلف غيبَة وتكلما وخطاباً عومل مُعَاملَة الْمُفْردَات وَأما الْفِعْل مَعَ فَاعله لما اخْتلف عومل مُعَاملَة الْجمل فأعجبه وَمن نظمه حِين أحب أَخُوهُ شَابًّا يُقَال لَهُ مَحْمُود فَأَنْشد (قد قلت للْأَخ لما زَاد فِي شغف ... ارْفُقْ بِنَفْسِك أَن الرِّفْق مَقْصُود) (فَقَالَ لَا أَبْتَغِي عَن ذَا الْهوى بَدَلا ... هواي بَين أهيل الْعِشْق مَحْمُود) وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة خمس وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي رَمَضَان سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف وَدفن فِي قُبُور الصَّالِحين السُّلْطَان أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُرَاد السُّلْطَان الْأَعْظَم والخاقان الأفخم أعظم مُلُوك آل عُثْمَان وأحلمهم وَأكْرمهمْ كَانَ سُلْطَانا عَظِيم الْقدر جميل الذّكر محباً للْعُلَمَاء وَآل الْبَيْت متمسكاً بِالسنةِ النَّبَوِيَّة حسن الِاعْتِقَاد معاشراً لأرباب الْفَضَائِل سمح الْكَفّ جواد الاتزال إحساناته للْفُقَرَاء واصلة وعطاياه لأرباب الِاسْتِحْقَاق مترادفة وَكَانَ مائلاً إِلَى الْأَدَب والمحاضرات وَله شعر بالتركية ومخلصه على قَاعِدَة شعراء الرّوم بختى وَمِمَّا يرْوى لَهُ من الشّعْر العري قَوْله وأجاد (ظَبْي يصول وَلَا اتِّصَال إِلَيْهِ ... جرح الْفُؤَاد بصارمي لحظيه)

стр. 285

(مَا قَامَ معتدلاً وهز قوامه ... إِلَّا تهتكت الستور عَلَيْهِ) (يسْقِي المدامة من سلافة رِيقه ... ويخصنا بالغنج من جفنيه) (عَيناهُ نرجسنا وآس عذره ... ريحاننا ولورد من خديه) (يَا شعر فِي بَصرِي وَلَا فِي خَدّه ... إِنِّي أغار من النسيم عَلَيْهِ) (عجبي لسلطان يعز بعدله ... ويجور سُلْطَان الغرام عَلَيْهِ) (لَوْلَا اخاف الله ثمَّ جحيمه ... لعبدته وسجدت بَين يَدَيْهِ) قلت والبستان الأخيران من جملَة قصيدة لِابْنِ رزيك الشيعي ومطلع قصيدته قَوْله (ومهفهف ثمل القوام سرت إِلَى ... أعطافه النشوات من عَيْنَيْهِ) وَلما توفّي وَالِده كَانَ الْوَزير لَهُ إِذْ ذَاك قَاسم باشا فأخفى الْوَزير موت السُّلْطَان وَدخل إِلَى دَاخل بَيت السلطنة وَذكر للسُّلْطَان أَحْمد الْمَذْكُور كلَاما يَقْتَضِي أَن يلبس السوَاد ويحضر فِي الْجمع وَيجْلس على الْكُرْسِيّ وَإِذا أحضر أَعْيَان الْعلمَاء وَأَصْحَاب المناصب وأركان الدولة من أكَابِر الوزراء والأمراء وقبلوا يَده وَبَايَعُوهُ على السلطنة على قانونهم فَيَقُول لَهُم كل وَاحِد مِنْكُم يمشي على طَرِيقه ويصله كَمَال الشَّفَقَة وَنِهَايَة المرحمة فَلَمَّا صدر ذَلِك خرج الْوَزير وَأرْسل وَرَاء الْأَعْيَان والوزراء فَحَضَرُوا وَأخذ كل وَاحِد مِنْهُم مَجْلِسه فَبعد هنيئة رَأَوْا شَابًّا حسن الْوَجْه رَقِيق الْجِسْم تعلوه هَيْبَة عَظِيمَة ووقار جسيم فجَاء حَتَّى جلس على كرْسِي السلطنة وَعَلِيهِ ثِيَاب سود ومئزر من الصُّوف على رَأسه على عَادَة آل عُثْمَان فِيمَا يلبسُونَ عِنْد موت وَاحِد مِنْهُم فَلَمَّا جلس علمُوا أَنه لسلطان وتحققوا موت وَالِده فَقَامُوا وقبلوا يَده وَحَدَّثَهُمْ بِمَا عهد إِلَيْهِ بِهِ الْوَزير وانقضى الْمجْلس على ذَلِك وشرعوا بعد ذَلِك فِي تجهيز السُّلْطَان مُحَمَّد وَدَفنه وَكَانَ ذَلِك نَهَار الْأَحَد سَابِع عشر شهر رَجَب سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف وَكَانَ عمر السُّلْطَان أَحْمد يَوْمئِذٍ أَرْبَعَة عشر سنة وَوَافَقَ تَارِيخ جُلُوسه مخلصه بخْتِي وَقيل فِي تَارِيخه أَيْضا هُوَ خير السلاطين ووفقت وَأَنا بالروم على مَجْمُوع بِخَط بعض الأفاضل لَا يحضرني اسْمه أنشأ فِيهِ تواريخ آل عُثْمَان شعرًا ويستخرج التَّارِيخ بطرِيق التعمية وَلم يعلق فِي خاطري إِلَّا تَارِيخ جُلُوس السُّلْطَان أَحْمد صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ (سلطاننا أَحْمد عزت ولَايَته ... تاريخها فِي اسْمه للنَّاس إِن حسبوا) (أعداد مضروبه اضْرِب فِي الْأُصُول وَفِي ... ثَانِيه رابعه يحصل لَك الأرب)

стр. 286

وَلما التحم أمره ابْتَدَأَ بإرسال وزيره عَليّ باشا الْوَزير الْأَعْظَم إِلَى جِهَة المجر بالعساكر فَمَاتَ وَهُوَ مُتَوَجّه فعين مَكَانَهُ مُحَمَّد باشا الَّذِي كَانَ سرداراً فِي روم ايلي ثمَّ بعد ذَلِك سعى فِي الصُّلْح مُرَاد باشا بَين السُّلْطَان والمجر على مُدَّة عشْرين سنة وَدخل إِلَى الديار الرومية يُرْسل الْكفَّار وَمَعَهُمْ الْهَدَايَا والتحف فَقبل السُّلْطَان أَحْمد ذَلِك ثمَّ سعى فِي قطع دابر الْبُغَاة الخارجين على السلطنة فِي أَيَّام وَالِده وَقد كَانَ جرى على أَيَّامه مِنْهُم مَا لم يجر على أحد من أهل بَيته مِمَّن تقدمه وَلَا تَأَخره حَتَّى أَنهم ملكوا غَالب النوحي والبلدان وقويت شوكتهم وَكبر شَأْنهمْ مِنْهُم حُسَيْن باشا الَّذِي كَانَ حَاكما فِي بِلَاد الْحَبَشَة ولخروجه أَسبَاب يطول الْكتاب بذكرها فأفسد وجبى الْأَمْوَال من الْبِلَاد وأحرق بعض النواحي من بِلَاد قرمان ونواحي أناطولي وَقتل وسبى وَأسر بعض الْقُضَاة وَاسْتمرّ فِي غلوائه حَتَّى وصل إِلَى مَدِينَة الرها وَبهَا العَاصِي الَّذِي أسس بِنَاء السكانية وَهُوَ عبد الْحَلِيم اليازجي فَلَمَّا وصل الْمَدِينَة الْمَذْكُورَة التقى صلان صائلان وَاجْتمعَ ثعبانان منثعبان وأبرز كل مِنْهُمَا للْآخر حكما يشْهد بِأَن آل عُثْمَان قد أَمرُوهُ بقتل الآخر وَقد اتفقَا على الْمُخَالفَة لآل عُثْمَان دفْعَة وَاحِدَة وَنزلا فِي قلعة الرها وتحالفا أَن لَا يتخالفا فَلَمَّا شاع توافقهما عين السُّلْطَان لقتالهما الْوَزير مُحَمَّد باشا ابْن سِنَان باشا وَضم إِلَيْهِ عَسَاكِر الرّوم وَالشَّام وحلب وَغَيرهمَا فَرجع الْأَمر لتسليم عبد الْحَلِيم لحسين باشا وَأرْسل يطْلب رهنا من الْعَسْكَر السلطاني على أَن يدْفع لَهُم حُسَيْن باشا ويتركوه هُوَ فِي القلعة حَاكما فأرسلوا لَهُ من عَسْكَر دمشق كنعان لجركسي وَهُوَ من أَعْيَان عَسْكَر دمشق وَبكر دواتدار حَاكم دمشق خسرو باشا الْخَادِم وَجَمَاعَة فأذعن لإعطاء حُسَيْن باشا وَسلمهُ وَلما أخذت العساكر السُّلْطَانِيَّة حُسَيْن باشا مَالَتْ إِلَى ترك اليازجي فِي قلعة الرها لِأَن الْعَهْد هَكَذَا صدر مِنْهُ فَغَضب لذَلِك السردار مُحَمَّد باشا وَعرض ذَلِك للسُّلْطَان أَحْمد وَكَاد أَن يقتل بِسَبَبِهِ حَاكم دمشق خسرو باشا الْمَذْكُور لَوْلَا أَن تداركته المعونة وَاسْتمرّ عبد الْحَلِيم عَاصِيا حَتَّى قدم عَلَيْهِ الْوَزير حُسَيْن باشا ابْن الْوَزير مُحَمَّد باشا مَعَ العساكر السُّلْطَانِيَّة بأسرها فَالْتَقوا بِجمع الْبُغَاة وَكَبِيرهمْ عبد الْحَلِيم وَأَخُوهُ حسن فِي مَكَان يُقَال لَهُ الْبُسْتَان من نواحي مرعش فَاقْتَتلُوا هُنَاكَ وَكسر عَسْكَر الْبُغَاة وَقتل مِنْهُم مَا يزِيد على أَرْبَعَة آلَاف رجل ثمَّ إِن عبد الْحَلِيم مَاتَ فِي قَصَبَة سامسون وَاجْتمعَ الْبُغَاة على أَخِيه حسن وَكَانَ أَشْجَع من أَخِيه فوصل إِلَى الْوَزير الْمَذْكُور وَطَلَبه للمقابلة

стр. 287

فَخرج إِلَيْهِ بِمن مَعَه من العساكر فَمَا ثبتوا قُدَّام الْبُغَاة لَحْظَة حَتَّى كسروا وهرب حسن باشا إِلَى قلعة توقات وَمَا رفعوا إِلَّا بالحبال وهجم الْعَدو وعَلى الْمَدِينَة بأسرها وَصَارَت عَسَاكِر السُّلْطَان فِي أسر الْبُغَاة مَا عدا حسن باشا مَعَ بعض الْخَواص فَإِنَّهُ اعتقل فِي القلعة وأغلقت أَبْوَاب القلعة والعدو يحفها إِلَى أَن وَقع موت حسن باشا على يَد بعض خدمه كَمَا سَنذكرُهُ فِي تَرْجَمته فَرَحل حسن الْخَارِجِي عَن توقات وتقرب من جَانب قَرَأَ حِصَار ثمَّ إِن جمَاعَة قربوه إِلَى خاطر السُّلْطَان أَحْمد وَقَالُوا لَهُ أَن يقنع بِمنْصب فِي بِلَاد الرّوم فَأَعْطوهُ مَدِينَة طمشوار وَهِي فِي أقْصَى مدن الْإِسْلَام وَمِنْهَا بداية ولَايَة الْكفْر فدام فِيهَا مُدَّة طَوِيلَة وَحسن حَاله وَقلت أحقاده وخدم خدمَة حَسَنَة إِلَى أَن قدر الله عَلَيْهِ الْمُخَالفَة بَينه وَبَين أهل ولَايَته فأخرجوه مِنْهَا فَذهب إِلَى مَدِينَة بلغراد فَوَضعه حاكمها فِي القلعة مكرما فِي الظَّاهِر مَحْبُوسًا فِي الْبَاطِن وَعرض أمره إِلَى السُّلْطَان فَأرْسل أَمر إِلَى حَاكم بلغراد بقتْله فَقطع رَأسه وَخرج بعد ذَلِك على السلطنة ابْن جانبو لاذحاكم كاس وعزاز وَوصل إِلَى أَن جرد العساكر وَقَاتل عَسْكَر السُّلْطَان على حماة وَكَانَ رَئِيس العساكر الْأَمِير يُوسُف بن سَيْفا التركماني حَاكم بِلَاد طرابلس الشَّام وانكسر عَسْكَر ابْن سَيْفا وَمن مَعَه وَآل أَمر ابْن جانبولاذ إِلَى الطغيان الزَّائِد وَجَاء إِلَى دمشق ونهبها وَسَيَأْتِي تَفْصِيل مَا وَقع وَفعل بِدِمَشْق فِي تَرْجَمته ثمَّ رَحل إِلَى حلب وَمكث بهَا وَكَانَت جماعته تزيد يَوْمًا فيوما واشتهر أمره وقوى جاشه إِلَى أَن ورد الْوَزير الْأَعْظَم مُرَاد باشا إِلَى قسطنطينية من محاربة كفار المجر وتشاور الوزراء مَعَه فِي شَأْن ابْن جانبولاذ فَكَانَ شوراه أَن يذهب إِلَيْهِ وَهُوَ بحلب وَأَن يسْعَى فِي إِزَالَته وقهره فَفعل ذَلِك وَورد إِلَى حلب وانتزعها من أعوان ابْن جانبولاذ إِلَى أَن آل الْأَمر إِلَى دُخُوله إِلَى قسطنطينية وَاجْتمعَ مَعَ السُّلْطَان وَحكى لَهُ قصَّته فَقبل عذره وَأَعْطَاهُ حُكُومَة طمشوار وَلم يزل على حكومتها إِلَى أَن عرض لَهُ أَمر أوجب قِتَاله لرعايا تِلْكَ الْبِلَاد وانحصر فِي بعض القلاع فَعرض أمره إِلَى السُّلْطَان فبرز الْأَمر بقتْله فَفَتَلَ وَأرْسل رَأسه إِلَى بَاب السُّلْطَان وَكَانَ كلما قتل وَاحِدًا من الْبُغَاة وضع رَأسه فِي مَكَان تقبل فِي الوزراء ليعتبروا بِهِ وَكَانَ أجل من قَتله السُّلْطَان مِنْهُم نصوح باشا الْوَزير الْأَعْظَم وَكَانَ سَبَب قَتله أَن جمَاعَة جاؤا إِلَى السُّلْطَان بمكاتيب ادعوا أَنه كتبهَا الْجِهَة الْعَجم فِيهَا التحريض على عدم الصُّلْح والتلويح بمساعدتهم فحين قَرَأَ السُّلْطَان المكاتيب أرسل خلف

стр. 288

بعض الوزراء وَأمر بِفعل وَلِيمَة لجَماعَة نصوح باشا إِذْ ذَاك متمرضاً فجَاء أَتْبَاعه بأجمعهم إِلَى الْوَلِيمَة فحين خلا مَحَله من أَتْبَاعه أرسل السُّلْطَان جمَاعَة لقَتله فَاسْتَأْذنُوا فِي الدُّخُول عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُم بعض جماعته لَا يُمكن الِاجْتِمَاع بِهِ فَقَالُوا لَا بُد من ذَلِك فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَلَيْسَ عِنْده أحد وأظهروا الْأَمر السلطاني بقتْله فَقَالَ لَهُم أمهلوني لأصلي رَكْعَتَيْنِ فأمهلوه فَقَامَ وَتَوَضَّأ وَصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ لما فرغ خنقوه على سجادة الصَّلَاة ثمَّ ذَهَبُوا إِلَى السُّلْطَان وَأَخْبرُوهُ فَقَالَ ائْتُونِي بِهِ فجاؤا بِهِ فَأمر بعوده وَدَفنه وَكَانَ السَّبَب فِي قَتله الْمُفْتِي الْأَعْظَم الْمولى مُحَمَّد بن سعد الدّين ثمَّ ولي مَكَانَهُ مُحَمَّد باشا زوج ابْنة السُّلْطَان وجهزه بالعساكر إِلَى بِلَاد الْعَجم وَوَقع المصاف بَينه وَبَين عَسَاكِر الْعَجم وَكَانَت الْهَزِيمَة على الْعَجم وَلما رَأَتْ الْأَعَاجِم ذَلِك أرْسلُوا استمالوا أَتْبَاعه فَحصل التواني وَوَقع الاختلال وَقتل من عَسْكَر السُّلْطَان جَانب كَبِير وَعَاد بِلَا فَائِدَة فَغَضب السُّلْطَان وَأَرَادَ قَتله كَمَا فعل بِمن قبله ثمَّ عَفا عَنهُ بِوَاسِطَة أم الْوَزير بِشَرْط جُلُوسه فِي اسكدار وَكَانَ السلسطان أَحْمد مُدَّة حَيَاته لَا يفتر عَن عمَارَة الْمَسَاجِد وَفعل الْخيرَات وَمن جملَة آثاره الجميلة أَنه كسا الْبَيْت الشريف وَكَذَلِكَ فعل بالحجرة النَّبَوِيَّة وكسا أضرحة جَمِيع سكان البقيع وسكان المعلاة وَكَانَ أَرَادَ أَن يَجْعَل حِجَارَة الْكَعْبَة الشَّرِيفَة ملبسة وَاحِدًا بِالذَّهَب وواحداً بِالْفِضَّةِ فَمَنعه الْمولى مُحَمَّد بن سعد الدّين الْمُفْتِي وَقَالَ هَذَا يزِيل حُرْمَة الْبَيْت وَلَو أَرَادَ الله لجعله قِطْعَة من الْيَاقُوت فَكف عَن ذَلِك وَجعل ثَلَاث مناطق من الْفضة المحلاة بِالذَّهَب أَيْضا دَاخل الْكَعْبَة الشَّرِيفَة صونا لَهَا من الْهدم وَأول من حلاها فِي الْجَاهِلِيَّة عبد الْمطلب بن هَاشم جد النَّبِي وَفِي الْإِسْلَام الْوَلِيد بن عبد الْملك وَقيل أَبوهُ وَقيل ابْن الزبير وحلاها من العباسيين الْأمين والمتوكل والمعتضد وحلتها أم المقتدر العباسي وَالْملك الْمُجَاهِد صَاحب الْيمن وَمن مُلُوك آل عُثْمَان صَاحب التَّرْجَمَة وَمن آثاره أَيْضا تَجْدِيد مولد السيدة فَاطِمَة وتبييضه وَمِنْهَا عمَارَة مَسْجِد الْبيعَة وَهُوَ بِالْقربِ من عقبَة مني على يسَار الصاعد بَينه وَبَين عقبَة منى مِقْدَار غلوة سهم وَوهم من قَالَ أَنه من منى وَمِنْهَا عمَارَة الْعين وَأصْلح مآثر كَثِيرَة يمكة وَأَنْشَأَ وَقفا من قرى مصر على خدام الْحَرَمَيْنِ لأجل أَن يصرف علوفة الخدم السّنة تَمامًا لِأَن فِي الْقَدِيم مَا كَانَ يصرف لَهُم الْأَعْلَى حكم النّصْف وَفِي سنة أَربع وَعشْرين وَألف أرسل للحضرة الشَّرِيفَة

стр. 289

فصين من الألماس قيمتهمَا ثَمَانُون ألف دِينَار فوضعها فَوق الْكَوْكَب الدُّرِّي وَهَذَا الْكَوْكَب تجاه الْوَجْه الشريف فِي الْجِدَار وَهُوَ مِسْمَار من الْفضة مموه بِالذَّهَب فِي رخامة حَمْرَاء من استقبله كَانَ مُسْتَقْبل الْوَجْه الشريف كَذَا قَالَ ابْن حجر فِي الْجَوْهَر المنظم وَأنْشد بَعضهم (الْكَوْكَب الدُّرِّي من شَأْنه ... يخفى مَعَ الْوَجْه السراج الْمُنِير) (فكثروا الْجَوْهَر أَو قللُوا ... فالجوهر الْفَرد عديم النظير) وَبعث أَيْضا للحجرة بشبابيك من الْفضة المحلاة بِالذَّهَب وَأمر أَن يُرْسل إِلَيْهِ بالشبابيك الْقَدِيمَة ليجعلها فِي مدفنه الَّذِي أنشأه بقسطنطينية لأجل التَّبَرُّك فَمَنعه الْمُفْتِي وَاعْتَرضهُ فِي نقل الشبابيك فَقَالَ نَحن نرسلها من الْبَحْر فَإِن كَانَ النَّبِي يقبلهَا فَهِيَ تصل سَالِمَة من غير غرق وَإِلَّا فتغرق فِي الطَّرِيق فأرسلها من الْبَحْر إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فوصلت سَالِمَة ثمَّ أرسلها من مصر إِلَى الْمَدِينَة المنورة فوصلت سَالِمَة أَيْضا وَكَذَلِكَ أَمر أَن يفعل بالشبابيك الْقَدِيمَة حِين ترسل إِلَيْهِ فوصلت إِلَى قسطنطينية من غير أدنى مشقة فَجَعلهَا فِي مدفنه كَمَا أَرَادَ وجدد عمَارَة العلمين اللَّذين هما حدا لحرم من جِهَة عَرَفَة فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف على يَد الباشا حسن المعمار وَأول من وضع انصاب الْحرم خوف اندراسه الْخَلِيل إِبْرَاهِيم على نَبينَا وَعَلِيهِ أفضل الصَّلَاة وَأتم السَّلَام بِدلَالَة جِبْرِيل ﵇ وَهِي فِي جَمِيع جوانبه خلا جِهَة جدة وجهة الْجِعِرَّانَة فَإِنَّهُ لَيْسَ فيهمَا انصاب ثمَّ نصبها إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ﵉ ثمَّ قصى بن كلاب وَقيل ابْن عدنان بن أد أول من وضع انصاب الْحرم حِين خَافَ أَن يندرس ونصبتها قُرَيْش بعد أَن نزعوها وَالنَّبِيّ بِمَكَّة قبل هجرته وَأمر النَّبِي عَام الْفَتْح تَمِيم بن أَسد فجددها ثمَّ إِن عمر بن الْخطاب ﵁ بعث أَرْبَعَة نفر لتجديدها وهم مَخْزُوم بن نَوْفَل وَسَعِيد بن يَرْبُوع وَحُوَيْطِب بن عبد الْعُزَّى وأزهر بن عبد عَوْف ثمَّ عُثْمَان ثمَّ مُعَاوِيَة ثمَّ عبد الْملك بن مَرْوَان ثمَّ الْمهْدي العباسي ثمَّ أَمر الراضي العباسي بعمارة العلمين الكبيرين اللَّذين هما حدا لحرم من جِهَة التَّنْعِيم فِي سنة خمس وَعشْرين وثلثمائة ثمَّ أَمر المظفر صَاحب أربل بعمارة العلمين الَّذين هما حدا لحرم من جِهَة عَرَفَة فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ صَاحب التَّرْجَمَة كَمَا ذكرنَا وَبعث إِلَى بَيت الْمُقَدّس من فضَّة مطلية بِالذَّهَب لتوضع على الْقدَم

стр. 290

الشريف بالصخرة وَهِي إِلَى الْآن مَوْجُودَة وَفِي شَوَّال سنة سِتّ وَعشْرين وَألف أرسل لِأَحْمَد باشا محافظ مصر بِأَن يُرْسل مِقْدَارًا من الخزينة لأجل عمَارَة الْحرم النَّبَوِيّ على حكم الْحرم الْمَكِّيّ فامتثل وَأرْسل وَمَات السُّلْطَان أَحْمد قبل الشُّرُوع فِي ذَلِك وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الْمُعْطِي بن أبي الْفَتْح بن أَحْمد الإسحاقي فِي كِتَابه لطائف الْأَخْبَار الأول فِيمَن تصرف فِي مصر من أَرْبَاب الدول عِنْد ذكر السُّلْطَان أَحْمد وَمن جملَة محاسنه أَنه حصل فِي بِنَاء الْكَعْبَة الشَّرِيفَة ميلان فِي بعض أحجارها فَأرْسل عمدا من فولاذ مطلية بِالذَّهَب ومموهة بِالذَّهَب فطوقت بهَا الْكَعْبَة الشَّرِيفَة من الْجِهَات الْأَرْبَع وحفظت الْأَحْجَار من السُّقُوط وَأرْسل ميزابا من الْفضة مموها بِالذَّهَب وَوضع مَوضِع الْمِيزَاب الْعَتِيق وتسلم أَمِير الْحَاج الْمِيزَاب الْعَتِيق وأرسله إِلَى السُّلْطَان وَوضع فِي الخزانة العامرة تبركا وَعمل سَحَابَة بطرِيق الْحَاج الْمصْرِيّ يحمل بهَا المَاء للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين ووقف عَلَيْهَا أوقافا وَهِي مستمرة إِلَى الْآن وَبهَا النَّفْع الْعَام ورتب من ريع وَفقه لفقراء الْحَرَمَيْنِ وأرباب وظائفهما زِيَادَة فِي معلومهم فِي كل سنة اثْنَي عشر كيسا تحمل إِلَيْهِم صُحْبَة الْحَاج الْمصْرِيّ ثمَّ قَالَ وَالَّذِي ضَبطه جَامع هَذِه الأرقام بطرِيق التَّقْرِيب ورقمه حسب مَا وصل إِلَيْهِ علمه من أَفْوَاه المباشرين وَالْكتاب أَن الَّذِي يُجهز فِي كل عَام إِلَى فُقَرَاء الاحرمين ومجاوزيهما من صدقَات آل عُثْمَان وَخدمَتهمْ وَمِمَّنْ سَيَأْتِي ذكره فِي اديار الْمصْرِيّ مَا هُوَ من المَال النَّقْد الْمُسَمّى بالصرة مائَة كيس وَأَرْبَعَة وَسِتُّونَ كيسا بَيَان ذَلِك مَا هُوَ من أوقاف الدشيشة الْكُبْرَى أَرْبَعَة وَسِتُّونَ كيسا وَمَا هُوَ من وقف السُّلْطَان مُرَاد سَبْعَة عشر كيسا وَمَا هُوَ من وقف السُّلْطَان مُحَمَّد اثْنَا عشر كيسا وَمَا هُوَ من وقف السُّلْطَان أَحْمد اثْنَا عشر كيسا وَمَا هُوَ من وقف الخاصكية عشرَة أكياس وَمَا هُوَ من وقف الْحَرَمَيْنِ عشرَة أكياس وَمَا هُوَ من وقف الْأَشْرَاف اثْنَا عشر ألف نصف وَمَا هُوَ من وقف الخدام ثَمَانُون ألف نصف وَمَا هُوَ من وقف رستم باشا اثْنَا عشر ألف نصف وَمَا هُوَ من وقف اسكندر باشا عشرَة آلَاف نصف وَمَا هُوَ من وقف سِنَان باشا عشرُون ألف نصف وَمَا هُوَ من وقف عَليّ باشا اثْنَان وَثَلَاثُونَ ألف نصف وَمَا هُوَ من الْحبّ فِي كل عَام ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ وَألف ادرب وَثَمَانمِائَة أردب وَذَلِكَ خَارج عَن صدقَات الْبِلَاد الرومية والشامية والحلبية وغالب الممالك الإسلامية قلت وَذَلِكَ شَيْء لَا يحصره ضبط وَلَا يحبط بِهِ وصف وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن محَاسِن هَذِه الدولة

стр. 291

العثمانية كَثِيرَة وخيراتهم غزيرة من آثاره الَّتِي بقسطنطينية الْجَامِع الَّذِي لم يعْمل مثله فِي إنشائه وَأَحْكَام بنائِهِ ودقة صنائعه إِلَى غير ذَلِك وَله سِتّ منارات حَسَنَة الْوَضع إِلَى الْغَايَة وداخله مزين بأنواع الْقَنَادِيل من البلور والقاشاني والسدف وَغير ذَلِك وَفِيه كل أعجوبة لَا نَظِير لَهَا وَلما تمّ وَضعه هادته مُلُوك الأقاليم بالتحف من قناديل الذَّهَب وَغَيرهَا لتَعلق فِيهِ وَبَلغت مصارف نَفَقَته نَحْو نَفَقَة عمَارَة جَامع بني أُميَّة بِدِمَشْق فَإِنَّهُ يُقَال أَن الْوَلِيد بن عبد الْملك الْخَلِيفَة الْأمَوِي أنْفق عَلَيْهِ أَرْبَعمِائَة صندوق من الذَّهَب فِي كل صندوق أحد عشر ألف مِثْقَال من الذَّهَب وَفِي خَارجه الْمَكَان الْمَعْرُوف بآت ميداني وَهُوَ ميدان وَاسع وَبِه رصد من نُحَاس على شكل أَفْعَى قيل أَنه كَانَ رصدا للحيات لَكِن الْآن بَطل عمله فَإِن السُّلْطَان مُرَاد ولد صَاحب التَّرْجَمَة كَانَ كسر مِنْهُ قِطْعَة فَبَطل عمله لذَلِك ويروى أَنه بعد تَمام بنائِهِ واستحكامه كَانَ بَقِي فِي أحد جوانبه إعوجاج بِسَبَب بَيت صَغِير كَانَ لعجوز وَقد أرغبت بِالْمَالِ الْكثير لتبيعه فَأَبت فاتفق أَنَّهَا مَاتَت عَن غير وَارِث وَآل الْبَيْت إِلَى بَيت المَال فأضيف إِلَى الْجَامِع وتناسب بذلك وَضعه وَمِمَّا قيل فِيهِ من التواريخ تَارِيخ الْمولى مُحَمَّد بن عبد الْغَنِيّ قَاضِي الْعَسْكَر وَهُوَ قَوْله (ذَا جَامع مؤسس ... على تقى الرب المتين) (بناه سُلْطَان الورى ... بعد لَهُ الجزل الرزين) (سمى أَحْمد الْهدى ... ظلّ إِلَه الْعَالمين) (حاولت تَارِيخا لَهُ ... من نَص قُرْآن مُبين) (فجَاء فِيهِ قَوْله ... لنعم دَار الْمُتَّقِينَ) وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن هَذَا السُّلْطَان أعظم سلاطين آل عُثْمَان قدرا وَكَانَت وِلَادَته فِي سَابِع عشر شهر رَجَب سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَقيل فِي تَارِيخه حفظه الله وابتدأه الْمَرَض فِي شَوَّال سنة سِتّ وَعشْرين وَألف بقرحة فِي ظَهره وَأخْبر عَنهُ مصطفى آغا ضَابِط الْحرم أَنه قبل مَوته بِيَوْم وَكَانَ قبل الْعَصْر صَار يَقُول وَعَلَيْكُم السَّلَام إِلَى أَن قَالَ ذَلِك أَربع مَرَّات قَالَ مصطفى آغا تسلمون على من فَقَالَ حضر لي فِي هَذَا الْوَقْت سيدنَا أَبُو بكر الصّديق وَسَيِّدنَا عمر وَسَيِّدنَا عُثْمَان وَسَيِّدنَا عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَقَالُوا لي أَنَّك تَجْتَمِع بسُلْطَان الدُّنْيَا وَالْآخِرَة سيدنَا مُحَمَّد فِي غَد مثل هَذَا الْوَقْت فَكَانَ كَمَا قَالَ فَمَاتَ فِي ثَانِي يَوْم وَهُوَ يَوْم الْأَرْبَعَاء

стр. 292

ثَالِث عشر ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَعشْرين وَألف وَقد بلغ من الْعُمر ثَمَانِي وَعشْرين سنة وَدفن بجامعة الْمَذْكُور رَحمَه الله تَعَالَى وَخلف من الْأَوْلَاد أَرْبَعَة وهم السُّلْطَان عُثْمَان وَالسُّلْطَان مُحَمَّد توفّي شَهِيدا فِي سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَالسُّلْطَان مُرَاد السُّلْطَان إِبْرَاهِيم وثلاثتهم ولوا الْخلَافَة وَقد ذكرتهم فِي محالهم وَأما وزراؤه فسبعة وهم ياوز عَليّ باشا وَمُحَمّد باشا البوسنري ودرويش باشا وَمُرَاد باشا ونصوح باشا وَمُحَمّد باشا وخليل باشا رَحِمهم الله تَعَالَى السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد بن يحيى المتطبب الْحَنَفِيّ سبيويه زَمَانه وَإِمَام سَائِر فنون الْأَدَب فِي أَوَانه كَانَ فَقِيها محققا آلت الْفَتْوَى فِي مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة إِلَيْهِ وأمده الله تَعَالَى بِالْحِفْظِ فَكَانَ بحرا زاخرا فِي جَمِيع الْفُنُون وخصوصا علم النَّحْو ومتعلقاته مَعَ التَّحْقِيق الوافي والتدقيق الوافر أَخذ عَن وَالِده وَغَيره وَعنهُ أَخُوهُ عبد الله بن مُحَمَّد وَالسَّيِّد أَبُو بكر بن أبي الْقَاسِم الأهدل وَأَخُوهُ سُلَيْمَان وَكثير وَعلا صيته واشتهر أمره وَكَانَت وَفَاته فِي ذِي الْقعدَة سنة سبع وَعشْرين وَألف بزبيد وَبهَا دفن بتربة بَاب سِهَام ورثاه الْفَقِيه الْفَاضِل المفنن أَبُو بكر بن عَليّ مهير أحد تلامذته بمرثية مِنْهَا قَوْله (إِمَام لَهُ فِي الْعلم بَاعَ وساعد ... وكف يكف الْخطب أَنى تغلبا) مِنْهَا (أما كَانَ فَردا فِي الْعُلُوم وملجأ ... إِذا مَا عرى خطب من الدَّهْر قلبا) (أما كَانَ فِي الْعلم الإِمَام الَّذِي لَهُ ... نرى فرض عين أَن يعدو يحسبا) (فَمن لدروس الْعلم بُد شتاتها ... يذلل مِنْهَا فهمه مَا تصعبا) (وَمن لخبايا النَّحْو كم قد تسترت ... فابدي لنا مِنْهَا ضميرا محجبا) (وَمن للفتاوي فِي الْعُلُوم بأسرها ... يفيدك إيجازا وَإِن شَاءَ أطنبا) (خَطِيبًا ترى قسا لَدَيْهِ كباقل ... فصيح إِذا مَا قَالَ أطرى وأطربا) (لقد بزمنا الدَّهْر وَجه بِلَادنَا ... وَفرق مِنْهَا الْحسن تفريقه سبا) الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد القادري الْحَمَوِيّ الشَّافِعِي من ذُرِّيَّة القطب الْكَبِير الجيلاني المقيمين بحماه وهم رؤساؤها الْمشَار إِلَيْهِم تولى خلَافَة السَّادة القادرية بعد أَخِيه الشَّيْخ عبد الله وحظى بِكَثْرَة الْأَمْوَال والعقارات والبيوت الْحَسَنَة المطلة على نهر العَاصِي حَتَّى قبل لما مر السُّلْطَان سليم فاتح الأقطار الشامية والمصرية والحجازية أعجبه مكانهم فَقَالَ عَنهُ جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار وَلم يدنس عرضه بتعاطي

стр. 293

أَمْوَال المصادرات وَالدُّخُول فِي الْمَظَالِم كَمَا يَفْعَله كثير من مَشَايِخ حماه وَلَا يُكَلف أهل محلته المساعدة على قرى الضيوف كَمَا هُوَ من عَادَتهم وَكَانَ يقرى الضيوف مِمَّا حضر من غير تكلّف وَأما أَخُوهُ الشَّيْخ عبد الله فَإِنَّهُ كَانَ بحرا يتلاطم بالأمواج من السخاء حَتَّى أَن رجلا من حماه كَانَ لَيْلَة فِي الْحرم الشريف فَلَمَّا خلا المطاف نَادَى الْمَذْكُور الْأُسْتَاذ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد الْبكْرِيّ وَقَالَ تعال حَتَّى نختبي نَحن وَأَنت فَفعل ذَلِك وَوضع الشال عَلَيْهِمَا فَقَالَ الْقَائِل من دَاخل الشال الشَّيْخ عبد الله من الأبدال وَمَا نَالَ تِلْكَ الْمرتبَة إِلَّا بالسخاء وسلامة الصَّدْر وعلامته أَن لَا يعِيش لَهُ ولد وَقد حظى بِالْكَلِمَةِ النافذة وإقبال الوزراء والأمراء والقضاة وَالْعُلَمَاء وَكَانُوا يَأْخُذُونَ طَريقَة سَيِّدي عبد الْقَادِر الجيلاني وَكَانَ لَا يخرج لزيارة حَاكم وَلَا لغيره أصلا وَكَانَ كثير الصَّدقَات والهدايا إِلَى الْحُكَّام بعث ثَلَاثَة آلَاف من القروش صَدَقَة للجامع الْأَزْهَر وَبنى جَامع المعرة وجامع أرِيحَا وَمَسْجِد فِي بَيت الْمُقَدّس وَكَانَ إِذا سَافر إِلَى بلد لَا يحب أَن يدخلهَا بالشهرة وَالْجَمَاعَات والأعلام كَمَا هُوَ عَادَة الْمَشَايِخ وَمن عَجِيب أمره أَن لَهُ حجرَة كَبِيرَة أَخذهَا الْأَمِير ابْن الأعوج فِي غيبته ووضعها فِي حمام لَهُ بناه وَبَقِي اخراجها صعبا فَلَمَّا رَجَعَ من الْحَج استقبله ابْن الأعوج فاسمعه مَا يكره وَقَالَ لَا بُد أَن تعيد الْحُجْرَة إِلَى مَكَانهَا فَلَا زَالَ ابْن الأعوج يسترضيه حَتَّى جعل لَهُ ثمن الْحُجْرَة مائَة وَخمسين قرشا فَقَالَ لَهُ لَا تتعب لَو أَعْطَيْت بثقلها ألماسا لَا أرْضى إِلَّا بِإِعَادَة حُجْرَتي إِلَى موضعهَا فوضعها موضعهَا وَمن عَجِيب أمره أَن مفتي أرِيحَا كَانَ يُحِبهُ ويعظمه وَلما قدم الشَّيْخ أَحْمد إِلَى حلب أَخذ يضيفه حَتَّى بَالغ فِي التَّعْظِيم لَهُ فَأعْطَاهُ الْكسْوَة القادرية ثمَّ بعد مُدَّة أَرَادَ الشَّيْخ مُحَمَّد مفتي أرِيحَا أَن يظْهر تَعْظِيمًا للشَّيْخ أَحْمد فَأخذ هَدِيَّة عَظِيمَة فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ غضب الشيح ورد إِلَيْهِ الْهَدِيَّة فَحصل لَهُ خجل ثمَّ نزل على ابْن عَم صَاحب التَّرْجَمَة فَقَالَ لَهُ مرْحَبًا وَلَكِن اجْلِسْ عندنَا اللَّيْلَة وصباحا توجهوا مَعَ السَّلامَة فَإِنِّي أَخَاف أَن يسمع الشَّيْخ فيغضب علينا وَفِي الْيَوْم الثَّانِي بعث جمَاعَة بالخفية يتوسلون بالشيخ لَعَلَّه يَأْذَن بِالْإِقَامَةِ فَلم يَأْذَن حَتَّى رَجَعَ إِلَى وَطنه وَقصد الشَّيْخ تَعْرِيف المريد صدق التلمذة وَمن عَجِيب أمره أَن الْوَزير الْأَعْظَم نصوح باشا لما قدم من آمد إِلَى حلب وَكَانَ الشَّيْخ فتح الله يَقُول لَهُ الشَّيْخ قل للوزير ينظر لي منزلا حسنا قَرِيبا مِنْهُ فَغَضب الشَّيْخ فتح الله وَقَالَ مَا أَنا متفرغ لهَذَا الْأَمر وَلَا الْوَزير الْأَعْظَم وَلَكِن الشَّيْخ ينزل

стр. 294

أَرض الله وَاسِعَة وَلَا بَأْس أَن ينزل فِي تكية الشَّيْخ أبي بكر فَلَمَّا وصل الْخَبَر إِلَى الشَّيْخ قَالَ وتربة الشَّيْخ عبد الْقَادِر مَا أنزل إِلَّا فِي نفس خيمة الْوَزير نكاية فِي الشَّيْخ فتح الله ثمَّ ركب بغلته وَدخل على الْوَزير فَاسْتَقْبلهُ بالتبجيل وَقَالَ لَهُ أَيْن نزلتم فَقَالَ الْمنزل عنْدكُمْ فنصب لَهُ خيمة عَظِيمَة بجانبه ووكل بِهِ أعظم جماعته أوقفهُ فِي خدمته ثمَّ كتب الشَّيْخ دفتراً عَظِيما فِيهِ هَدَايَا للوزير يبلغ ثمنهَا ألفا وَخَمْسمِائة قِرْش فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ فتح الله مَا أبقيتم لكم شَيْئا فَقَالَ أَنا فِي غنية لله الْحَمد ومرادي مُجَرّد محبَّة الْوَزير قيل قَالَ المنكرون لَو أعطيتموها للْفُقَرَاء فَقَالَ أَنا مَا أهادي الْحُكَّام إِلَّا لأجل الْفُقَرَاء ومصالحهم وَمن عَجِيب أمره أَنه كَانَ بَينه وَبَين أَمِير حماه ابْن الأعوج شَحْنَاء بِسَبَب ظلم ابْن الأعوج فَقدم وَزِير تولى مصر وخدمه ابْن الأعوج وَلم يحسن للوزير زِيَارَة الشَّيْخ أَحْمد فَقَالَ الشَّيْخ أَحْمد لبَعض جماعته اذْهَبْ إِلَى كتخذ الْوَزير وَقل لَهُ عِنْدِي بعض صدقت لأهل الْجَامِع الْأَزْهَر مرادي يُكَلف خاطره ويحضر عِنْدِي حَتَّى أعْطِيه إِيَّاهَا فَحَضَرَ الكتخدا فَفِي الْحَال أعطَاهُ نَحْو ثلثمِائة قِرْش وَأمره أَن يتَصَدَّق بهَا على أهل جَامع الْأَزْهَر وَأَعْطَاهُ لنَفسِهِ مَا ينوف عَن مائَة وَخمسين قرشا ثمَّ لما قَامَ من عِنْده قَالَ لَهُ عِنْدِي نَحْو ثَلَاثَة آلَاف قِرْش كَانَ مرادي أسلمها للباشا يُعْطِيهَا صَدَقَة لأهل الْأَزْهَر لَكِن مَا زارنا كَانَ عَادَة الوزراء أَن يزورونا وَلَكِن نصبر حَتَّى يمر علينا وَزِير مثله نُعْطِيه إِيَّاهَا فَاجْتمع الكتخدا بالباشا وَقَالَ لَهُ هَذَا قطب الْعَالم فَفِي الْحَال جَاءَ إِلَيْهِ الباشا زَائِرًا وَقبل يَدَيْهِ وَفِي صحبته ابْن الأعوج أَمِير حماه فَقَالَ الباشا ابْن الأعوج قريبنا يكون نظرك عَلَيْهِ فَقَالَ لَكِن عجزت عَن نصيحته عَن ظلم الْعباد فَلم يسمع مني فَكَانَت هَذِه نكاية مِنْهُ لِابْنِ الأعوج حَيْثُ لم يحسن لَهُ زيارته وَأعْطى الْوَزير الدَّرَاهِم لأهل الْأَزْهَر وخدمه بِهَدَايَا تَسَاوِي خَمْسمِائَة قِرْش فَلَمَّا ذهب الْوَزير قَالَ لجماعته جِئْت بالوزير على رغم أنف ابْن الأعوج وَجعلت قِيمَته عِنْده كَالْكَلْبِ وَالْحَاصِل أَنه كَانَ تقياً صَالحا مهاباً حصلت لَهُ الرياسة الْعُظْمَى وَمَا غضب على أحد وَكَانَت أَحْوَاله باهرة تقصده الوزراء والأمراء ويقبلون يَده وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَلَاثِينَ بعد الْألف وَقد جَاوز التسعين وَدفن بزاويته بحماه رَحمَه الله تَعَالَى أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد المغربي الأَصْل الْمَعْرُوف بالحمودي الطرابلسي الْمَالِكِي واشتهر بالصل كَانَ من فضلاء زَمَانه وَهُوَ مَعْدُود من الأدباء منخرط فِي سلكهم

стр. 295

قدم أَبوهُ إِلَى دمشق فِي عشر السّبْعين وَتِسْعمِائَة وتديرها وَولد بهَا أَحْمد هَذَا فَنَشَأَ وتفقه بِالْعَلَاءِ بن المرحل البعلي الْمَالِكِي وَالشَّمْس مُحَمَّد بن أَحْمد الأندلسي خَليفَة الحكم بِدِمَشْق وَحج فَأخذ بِمَكَّة عَن الشَّيْخ خَالِد التّونسِيّ وبالقاهرة عَن الْبُرْهَان اللَّقَّانِيّ وبالمدينة عَن الشَّيْخ مُحَمَّد الْبري الْمَالِكِي وَالشَّيْخ مُحَمَّد زوز التّونسِيّ وَقَرَأَ الْعَرَبيَّة بِدِمَشْق على الشَّيْخ أَحْمد الوفائي المفلحي وَالشَّيْخ تَاج الدّين الْقطَّان وَأخذ الحَدِيث عَن الشَّمْس مُحَمَّد الدَّاودِيّ وَالشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن كسباي وَالشَّيْخ مَحْمُود البيلوني وتأدب بالشيخ عبد الرَّحْمَن الْعِمَادِيّ وَفِي مَكَّة بالشيخ عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى المرشدي وَفِي المخا بالسيد حَاتِم فِي عدن بالسيد أَحْمد العيدروس ثمَّ رَحل إِلَى مَكَّة فِي سنة إِحْدَى عشرَة بعد الْألف وَأقَام بهَا بَين ذهَاب إِلَى الْيمن وعود إِلَيْهَا وَكَانَ يرد الْمَدِينَة فِي كل سنة ثمَّ رَجَعَ إِلَى دمشق فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف واشتغل بمعاناة الْأَدَب وَكَانَ ينظم الشّعْر وشعره مستعذب وَمِنْه قَوْله من قصيدة كتب بهَا إِلَى عبد الْكَرِيم الطاراني جَوَابا عَن أَبْيَات كتبهَا لَهُ يستدعيه بهَا ومطلع قصيدة الصل قَوْله (على م أدرت يَا ذخر الموَالِي ... فَتى فِي الْحبّ من بعض الموَالِي) (تذكر لَيْلَة مرت وَطَابَتْ ... وَقد يُغْنِيك حَالي عَن سُؤَالِي) (بأقداح وأفراح وَأنس ... يَا صِحَاب وأعيان موَالِي) (ودارت بَيْننَا كاسات لفظ ... غَدَتْ أشهى من المَاء الزلَال) (وَكم ذكر جميل فِي وقار ... جرى منا لَدَى صحب أعالي) (وروحاً فِي حيازيم الْأَمَانِي ... وعينا للأحبا والأهالي) (نطارحهم بِأَلْفَاظ عَذَاب ... تنير الزهر فِي أفق الْمَعَالِي) (عجبت لَهَا وَقد خلبت فُؤَادِي ... مَعَانِيهَا كَمَا السحر الْحَلَال) (لَدَى صحب تساقوا كاس حب ... فأكسبهم ثَنَاء كالغوالي) (فبعضهم لَهُ جد وجد ... وَكلهمْ ذووا مجد أنال) (فَلَا تبعد عَن الأعطاف واعطف ... وقابل بالتحمل ذَا الدَّلال) (وصل من غاله فرط اشتياق ... وَلَا تقطع مَوَدَّة ذِي كَمَال) وَكَانَت وِلَادَته فِي لَيْلَة السبت رَابِع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِك فِي قَوْله من أرجوزة

стр. 296

(ومولدي لَيْلَة سبت زَاهِر ... رَابِع عشر من ربيع الآخر) (وَذَاكَ فِي عَام ثَلَاث وَثَمَانِينَ ... وَتِسْعمِائَة وَقد رمى) (بِي الدَّهْر بعد أَن كَبرت بالعرى ... وعشت دهراً فِي ذزى أم الْقرى) وَتُوفِّي فِي حلب فِي سَابِع شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف والحمودي نِسْبَة إِلَى قيلة من عرب الْمغرب مَنَازِلهمْ الْجَبَل الْأَخْضَر والصل مَعْرُوف وَكَانَ لَا يُنكر تلقيبه بِهِ قَالَ الطاراني وَكنت أُشير بنزله فيأبى وَالله أعلم الأديب أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن المنقار الْحلَبِي الأَصْل الدِّمَشْقِي المولد الْوَفَاة الأديب الشَّاعِر الذكي البارع كَانَ مَشْهُورا بالذكاء والفطنة وَالْفضل لَازم الْعَلامَة الملا اسد الدّين بن معِين الدّين التبريزي نزيل دمشق وَأخذ عَنهُ الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان وَغَيرهَا وبرع فِي الْفُنُون وتميز على أقرانه وطار صيته وَصَارَ يضْرب بِهِ الْمثل فِي الفطنة وَألف قبل أَن يبلغ الْعشْرين من سنه رِسَالَة مَقْبُولَة فِي مبَاحث الِاسْتِعَارَة وَبَيَان أقسامها وَتَحْقِيق الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وعرضها على عُلَمَاء عصره فقبلوها ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الفارسية ونظم الشّعْر الرَّائِق المعجب وَمن جيد شعره القصيدة الَّتِي كتب بهَا إِلَى الْحسن البوريني جَوَابا عَن قصيدة أرسلها إِلَيْهِ وَهُوَ قَوْله (أَتَى ينثني كاللدن قده اسمى ... غزال بِفعل الجفن يُلْهِيك عَن أسما) (فريد جمال جَامع اللطف جؤذر ... أَمِير كَمَال أهيف أحور ألمي) (إِذا مَا بدا أوماس تيها وَإِن رنا ... ترى الْبَدْر مِنْهُ والمثقف والسهما) (لَهُ مقلة سيافة غمدها الحشا ... ونبالة قلبِي لَا سهمها مرمى) (تجسم من لطف وظرف أما ترى ... تغيره لما تخبلته وهما) وَمِنْهَا (يَمِينا بميمات الباسم أنني ... عَن الْحبّ لَا ألوي بلومهم العزما) (وَلَا أَبْتَغِي من قيد حبيه مخلصا ... سوى حسن فعلا وقولا كَذَا إسما) وَكَانَ سَافر إِلَى قسطنطينية لوفاة وَالِده مُحَمَّد بهَا وَكَانَ من قُضَاة العقبات فَتوجه أَحْمد إِلَيْهَا ليتناول مَا خَلفه وَالِده من المَال فاشتهر صيته بَين عُلَمَاء الرّوم حَتَّى أَن الْمُفْتِي الْأَعْظَم زَكَرِيَّا بن بيرام الْآتِي ذكره جعله ملازما فِيهِ على قَاعِدَة عُلَمَاء تِلْكَ الديار ثمَّ أَدَّاهُ لطف الطَّبْع والإمتزاج مَعَ ظرفاء تِلْكَ الْبَلدة إِلَى إستعمال بعض المكيفات فَغلبَتْ عَلَيْهِ السَّوْدَاء فاختلط عقله وَصَارَ يخلط فِي كَلَامه فوضعوه فِي دَار الشِّفَاء

стр. 297

ثمَّ لزم إرسالة إِلَى بِلَاده وَكَانَ بقسطنطينية أذ ذَاك بعض أَعْيَان دمشق فصحبه مَعَه موثقًا وَقدم بِهِ إِلَى دمشق ثمَّ تزايد عَلَيْهِ الْجُنُون حَتَّى حبس فِي بَيت لَا يخرج مِنْهُ إِلَّا فِي بعض الْأَوْقَات وَعَلِيهِ حارس مُوكل وَكَانَت حَالَته تزيد وتنقص بِحَسب فُصُول الْعَام قَالَ البوريني فِي تَرْجَمته وَلَقَد دخلت عَلَيْهِ مُسلما وَله من الدَّهْر متظلما فرأيته فِي سلسلة طَوِيلَة الذيل فأسبلت دموعي كالسيل حزنا عَلَيْهِ وشوقا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ يراسلني بقصائده ويتحفني بفرائده وَكنت أُجِيبهُ عَن رسائله وأحقق جَمِيع دلائله فَقَالَ لي وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَال متمثلا على سَبِيل الإرتجال مُشِيرا إِلَى سلسلته الَّتِي منعته الْمسير وصيرته فِي صُورَة الْأَسير (إِذا رَأَيْت عارضاً مسلسلا ... فِي وجنة كجنة يَا عاذلي) (فَاعْلَم يَقِينا اننا من أمة ... تقاد للجنة بالسلاسل) قلت البيتان للوداعي وأصلهما الحَدِيث عجب رَبك من أَقوام يقادون إِلَى الْجنَّة بالسلاسل قيل هم الأسرى يقادون إِلَى الْإِسْلَام مكرهين فَيكون ذَلِك سَبَب دُخُولهمْ الْجنَّة لَيْسَ أَن ثمَّة سلسلة وَيدخل فِيهِ كل من حمل على عمل من أَعمال الْخَيْر وَلَا يخفى لطف موقع الْبَيْت لما فِيهِ من دَعْوَى اأنه من أسرى الْمحبَّة وَقد بَقِي على ذَلِك الْحَال نَحْو ثَلَاثِينَ سنة إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَائِل شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَبَيت المنقار بحلب ودمشق بَيت علم ورياسة خرج مِنْهُم نجباء وجدهم الْأَعْلَى مُحَمَّد بن مبارك بن عبد الله الحسامي كَانَ أَمِيرا جَلِيلًا صَار أحد مقدمي الألوف بِالشَّام سنة ثَلَاث وَثَمَانمِائَة وَولي كَفَالَة حماة فِي أَيَّام السُّلْطَان فرج بن برقوق وَجعله مرّة رَئِيس عسكره وَكَانَ أَولا يعرف بِابْن المهمندار وَهُوَ صَاحب الْوَقْف الْعَظِيم الْبَاقِي فِي يَد ذُريَّته بِدِمَشْق وحلب وَمِنْهُم الْفَقِير مؤلف هَذَا التَّارِيخ فَإِن حدتي وَالِدَة وَالِدي مِنْهُم وَهَذَا هُوَ الَّذِي لقب بالمنقار لِأَنَّهُ كَانَ لمطبخه طباخة مُسِنَّة وَكَانَ يُنكر عَلَيْهَا حسن الطَّبْخ مغضبا فَقَالَت لَهُ يَوْمًا إِلَى مَتى ترفع منقارك على تُرِيدُ بذلك رفع أَنفه عَلَيْهَا عِنْد غَضَبه فلقبه أعداؤه بالمنقار رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن يُوسُف الصَّفَدِي الْمَعْرُوف بالخالدي الْفَقِيه الأديب الْحَنَفِيّ كَانَ إِمَامًا بارعا فَقِيها مطلعا وَكَانَ حسن المطارحة كثير الْفُنُون ولد بصفد وَبهَا نَشأ ثمَّ ارتحل إِلَى الْقَاهِرَة وَأخذ بهَا عَن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عَليّ البهنسي الْعقيلِيّ الشَّافِعِي الْمصْرِيّ وَأَجَازَهُ بالبخاري فِي سنة أَربع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَعَن

стр. 298

أَحْمد بن مُحَمَّد بن شعْبَان الْعمريّ الْحَنَفِيّ وَأَجَازَ لَهُ جَمِيع مروياته ومؤلفاته الَّتِي من جُمْلَتهَا تشنيف المسمع وَأَجَازَ لَهُ أَيْضا عَليّ بن حسن الشُّرُنْبُلَالِيّ وَمُحَمّد بن محيي الدّين النحريري الحنفيان جَمِيع مَا يجوز لَهما وعنهما وَعمر بن مَنْصُور الْحَنَفِيّ جَمِيع مَا يجوز لَهُ وَالشَّيْخ عبد الله بن بهاء الدّين مُحَمَّد بن جمال الدّين عبد الله بن نور الدّين الطنبغا التركي الشهير نسبه بالعجمي الشنشوري الفرضي الشَّافِعِي الْخَطِيب بالجامع الْأَزْهَر سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة بِجَمِيعِ مروياته ومؤلفاته وَأَجَازَ لَهُ الشَّيْخ عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ الْمَعْرُوف بِابْن غَانِم الخزرجي الْمَقْدِسِي ثمَّ الْمصْرِيّ متن الْكَنْز وَسَائِر كتب الْفِقْه والْحَدِيث وَالتَّفْسِير والتاريخ وَغَيرهَا فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمُحَمّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْبكْرِيّ الصديقي سبط آل الْحسن بِجَمِيعِ مَا يجوز لَهُ وَالشَّيْخ إِبْرَاهِيم العلقمي بِجَمِيعِ مروياته وَعبد الرَّحْمَن المسيري الْحَنَفِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الذِّئْب جَمِيع مَاله رِوَايَته وَأَبُو النجا سَالم بن مُحَمَّد عز الدّين بن نَاصِر الدّين السنهوري الْمَالِكِي بِجَمِيعِ مروياته وَيحيى الْقرشِي الْأَسدي الزبيرِي الشهير بالقرافي الشَّافِعِي بالصحيحين وَجَمِيع مروياته وَرجع إِلَى صفد ودرس وَأفْتى وناب فِي الْقَضَاء وَألف وَمن تآليفه شرح على ألفية ابْن مَالك وَكتاب فِي الْعرُوض وَله رحْلَة إِلَى الْحَج وَأُخْرَى إِلَى بَيت الْمُقَدّس نظما وَخمْس همزية إِلَّا بوصيري وبرأته وَله غير ذَلِك وَمن شعره قَوْله من قصيدة مطْلعهَا (من لي بهيفاء لَا أسطيع سلوانا ... عَنْهَا وَفِي دمع عَيْني عين سلوانا) وَكَانَت وَفَاته بصفد فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بمصلى الْعِيدَيْنِ والخالدي نِسْبَة إِلَى خَالِد بن الْوَلِيد الصَّحَابِيّ ﵁ الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد السَّعْدِيّ الْحلَبِي الشهير بِابْن خَليفَة التركي أَخُو الشَّيْخ وَفَاء خَليفَة بني سعد الدّين الجباويين بحلب آلت إِلَيْهِ الْخلَافَة بعد موت أَخِيه الْمَذْكُور فلازم حَلقَة الذّكر بعد صَلَاة الْجُمُعَة فِي الْجَامِع الْكَبِير بحلب وصبر على مرَارَة الْفَاقَة وَتحمل أَحْوَال المريدين ولازم زاويته لَا يخرج إِلَّا للذّكر غَالِبا ويبذل قراه للواردين وَكَانَ كلما كبر عمره ازْدَادَ خيرا وصلاحا ودينا وفلاحا وَلما كَانَ الشَّيْخ عبد الرَّحِيم يذكر بِالْقربِ مِنْهُ كَانَ إِذا قَامَ الْفُقَرَاء للذّكر أَخذ الْفُقَرَاء وَأبْعد عَن فُقَرَاء الشَّيْخ عبد الرَّحِيم الْخَلِيفَة الثَّانِي للسعديين هربا من الْجِدَال والعداوة بِخِلَاف أَخِيه فَإِنَّهُ كَانَ يقرب من الشَّيْخ عبد الرَّحِيم حكى بعض الثِّقَات الْعُدُول

стр. 299

من كراماته أَنه أَمر نَفسه أَن يَأْخُذ على الْحمار حمل حِنْطَة ليطحنها فَطلب النَّقِيب مِنْهُ عثمانيين لأجل اليسقية قَالَ وَالله مَا معي صبرهم فَتوجه النَّقِيب وفم الْعدْل مربوط وَالْحِنْطَة نازلة عِنْد فَم الْعدْل وَعند عقبه حَتَّى يحصل التعادل فَلَمَّا وصل إِلَى اليسقي امْتنع من ترك العثمانيين وَقطع الْحَبل المربوط بِهِ فَم الْعدْل بالخنجر وَالْحِنْطَة متراكمة عِنْد فَم الْعدْل فَلم يسْقط مِنْهَا حَبَّة وَاحِدَة فَضَجَّ اليسقي بالبكاء وَذهب إِلَى الشَّيْخ تَائِبًا خاضعا مُعْتَقدًا ووالده شيخ عَالم شرح البحاري على أساليب مجَالِس الْوَعْظ وَذكر فِيهِ مسَائِل حَسَنَة وفوائد نفيسة وَله تأليف جمع فِيهِ مَنَاقِب شَيْخه سعد الدّين ومناقب أَوْلَاده من بعده وَكَانَت وَفَاته سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بزاوية جده رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مَحْمُود الْمَعْرُوف بِابْن الفرفور والفقيه الأديب الْحَنَفِيّ الدِّمَشْقِي ذكره البديعي فِي ذكرى حبيب وَقَالَ فِي حَقه هُوَ من ذَوي الْحسب والعراقة وأرباب اللسن والطلاقة وآباؤه صُدُور الدُّرُوس وزينة الْأَزْمِنَة والطروس (جمال ذِي الأَرْض كَانُوا فِي الْحَيَاة وهم ... بعد الْمَمَات جمال الْكتب وَالسير) قلت وَكَانَ أَحْمد هَذَا وَاسِطَة عقدهم وفذلكة حِسَاب مجدهم كَمَا قَالَ فِيهِ أَبُو بكر بن أَحْمد الْجَوْهَرِي (أَبنَاء فرفور لقد حازوا العلى ... حَتَّى علوا فِي الْمجد هام الفرقد) (ورثوا الْفَضَائِل كَابِرًا عَن كَابر ... وَكَمَال ذَلِك بالشهاب الأحمد) ولد بِدِمَشْق وَقَرَأَ بهَا على عبد الْحق الْحِجَازِي وعَلى غَيره وَكَانَت لَهُ مُشَاركَة جَيِّدَة فِي الْفِقْه وَغَيره ودرس بالقضاعية الشَّافِعِيَّة وَاتفقَ أَن الدَّهْر ضرب على صماخيه بصمام الصمم فَكَانَ ثقل تِلْكَ الحاسة زادته خفَّة فَكَانَ لَا يجْتَمع إِلَّا بِبَعْض إخْوَان الْفَهم وألفوه وخلا بِنَفسِهِ واشتغل بِمَا هُوَ الأهم من أَمر معاشه ومعاده وَكَانَ لَهُ مَا يقوم بِهِ من وقف أجداده وتعاني النّظم وَكَانَ أَكثر مَا يمِيل طبعه إِلَى الأحاجي وَله فِي علمهَا وحلها الْيَد الطولي فَمن أحاجيه الَّتِي نظمها أحجية فِي نهروان كتب بهَا الأديب عبد اللَّطِيف المنقاري وَهِي قَوْله (يَا من سقى الْفضل مَاء فكرته ... فَمِنْهُ يحيا رَبِيعه الخصب) (مَا مثل من قَالَ وهوذ وظمأ ... وارى الحنايا لحعفر نصب)

стр. 300

فَأَجَابَهُ (يَا فَاضلا أبرزت قريحته ... أحجية حَال شَأْنهَا عجب) (يَوْمًا ترَاهَا بالغرب ظَاهِرَة ... وَتارَة للعراق تنتسب) (مَاء وَلَكِن مَا لجانبه ... حوتان بالنَّار أَصْلهَا حطب) وَكتب إِلَيْهِ الْمُفْتِي الْعِمَادِيّ من قصيدة قَوْله (من لي بِظَبْيٍ كحلت ... أجفانه بِالسقمِ) (يفتر عَن ثغر غَدا ... عذب الثنا ياشبم) (أجْرى دموعي فِي الْهوى ... كمغد قات الديم) (وسل سيف لحظه ... وهز قد لهذم) (واختال فِي ثوب الصِّبَا ... يسحب كل معلم) (مصائب مَا جمعت ... إِلَّا لقتل المغرم) (يَا قَاتل الله الْهوى ... بدل دمعي بِالدَّمِ) (فكم لَهُ فِي خلدي ... سرائر لم تعدم) فَأَجَابَهُ بقوله (در سمت بالقيم ... وَسميت بالكلم) (أم رَوْضَة دَامَت عَلَيْهَا ... هاطلات الديم) (فلاح مِنْهَا نور ثغر ... نورها المبتسم) (أم غادة قلبِي كليم ... لحظها المكلم) (من بيضها وسمرها ... فِي الطرس قتل المغرم) (حيت فأحيت باللقا ... قلبا إِلَيْهَا قد ظمى) (لم لَا ومهديها كريم ... للكرام ينتمي) (أَلْفَاظه كالسحر ... إِلَّا أَنَّهَا لم تحرم) (مهذب آدابه ... تفوح بَين الْأُمَم) (كنشر روض قد سرى ... غب حَيا منسجم) وَكَانَت وِلَادَته فِي صفر سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي لَيْلَة الْخَمِيس حادي عشر الْمحرم سنة سبع وَثَلَاثِينَ بعد الْألف وَدفن بتربتهم الملاصقة لضريح سَيِّدي الشَّيْخ أرسلان قدس الله سره ورثاه أحمدبن شاهين بقصيدة مطْلعهَا (بَكَيْت وأضللت الغواء مَعَ الرشد ... لمن عِنْده صبري وأحزانه عِنْدِي) وَهِي طَوِيلَة إِلَى الْغَايَة فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى إيرادها والفرفوري بِضَم الْفَاء بن

стр. 301

كَمَا نَقله البوريني من خطّ الشَّمْس بن طولون المؤرخ وَلَا أَدْرِي هَذِه النِّسْبَة لماذا وَالله أعلم الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن أدريس المنعوت شهَاب الدّين الْحلَبِي الأَصْل الدِّمَشْقِي المولد الْمَعْرُوف بِابْن قولا قسز الْفَقِيه الْحَنَفِيّ كَانَ من أجل الْفُقَهَاء الْمَشْهُورين بسعة الِاطِّلَاع والتبحر تفقه على وَالِده شمس الدّين الْآتِي ذكره وعَلى جدي القَاضِي محب الدّين وَالشَّمْس مُحَمَّد بن هِلَال وَبِه تخرج فِي كِتَابه الأسئلة الْمُتَعَلّقَة بالفتاوي حَتَّى أَنه فاق فِيهَا من تقدمه واشتهر ذكره وَصَارَ مرجعا للنَّاس فِي المشكلات وانتفع بِهِ جمَاعَة كثير مِنْهُم عبد الْوَهَّاب بن أَحْمد الفرفوري الْمُقدم ذكر أَبِيه والآتي ذكره ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الفارسية وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَمَات فِي تَاسِع شهر ربيع الأول سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِالْقربِ من مَزَار بِلَال الحبشي وقولا قسر لَفْظَة تركية مَعْنَاهَا عادم الْأذن وَهُوَ وَالِد مُحَمَّد بن قولا قسر الَّذِي تولى النِّيَابَة الْكُبْرَى بِدِمَشْق ودرس بالشبليه الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله سميط بن عَليّ الْمَشْهُور بالسنهجي بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن علوي بن الْفَقِيه بن عبد الرَّحْمَن بن علوي بن مُحَمَّد صَاحب مرباط الشهير كسلفه بِابْن سميط اليمني الزَّاهِد صَاحب الْأَحْوَال والكرامات الشهيرة ولد بِمَدِينَة تريم وَصَحب بهَا عُلَمَاء جمة وسلك مَسْلَك آبَائِهِ وحذا حذوهم ثمَّ ارتحل إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَكَانَ ملازما للطاعات كثير المجاهدة عَظِيم الرياضة إِلَى أَن حصل لَهُ من الآمال مَا لم يخْطر لَهُ على خاطر وَكَانَت تغلب عَلَيْهِ الْأَحْوَال فيضطرب أَقْوَاله وأفعاله وَكَثِيرًا مَا ينشد (أَلا يَا صَاحب الْخمر ... قتلت النَّاس بالسكر) (وسكر النَّاس لَا سكرى ... وسكرك قَاطع السكر) وَكَانَت لَهُ حالات تظهر فِي تِلْكَ الأطوار فتكشف عَن كرامات وخوارق عادات وَقد تستمر بِهِ الْحَال مُدَّة مديدة وأشهرا عديدة واعتقده النَّاس اعتقادا عَظِيما وتوطن آخر عمره ببندر جدة وَلم يزل قاطنا بهَا إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وقبره مَعْرُوف يزار رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن علوي بن أبي بكر الحبشي بن عَليّ بن الْفَقِيه أَحْمد بن مُحَمَّد أَسد الله بن حسن بن عَليّ بن الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم الْفَقِيه الشهير كسلفه بالحبشي صَاحب الشّعب المشهوره وَأحد الْعلمَاء الْمَشْهُورين بِالْيمن ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ

стр. 302

الْقُرْآن وابتدأ التَّحْصِيل وَصَحب أكَابِر عصره وَأخذ عَنْهُم فَمن مشايخه الإِمَام عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين والعارف بِاللَّه تَعَالَى أَبُو بكر بن عَليّ خرد وَالسَّيِّد الْجَلِيل مُحَمَّد بن عقيل مذيحج وَالشَّيْخ الإِمَام أَبُو بكر بن سَالم عينات وَكَانَ هُوَ وَالسَّيِّد الْعَظِيم عبد الله بن سَالم كالتو أَمِين وَأخذ كل مِنْهُمَا عَن صَاحبه ورحلا على قدم التَّجْرِيد إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَأخذ ابهما وباليمن عَن جمَاعَة كثيرين مِنْهُم الإِمَام الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى تَاج العارفين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي الْحسن الْبكْرِيّ وجاور بالحرمين عدَّة سِنِين وَكَانَت لَهُ مجاهدات ورياضات وَرُبمَا ترك أَلا كل مُدَّة وَكَانَ كثير الصّيام وَالْقِيَام سالكا مَسْلَك الصُّوفِيَّة مواظبا على السّنَن والآداب الشَّرْعِيَّة مَا يعلم بفضيلة الأعمل بهَا وَلَا يسمع بِكَرَاهَة أَلا اجتنبها وَبَلغت شهرته الْآفَاق فهرعت إِلَيْهِ النَّاس وَكَانَ كرمه فَوق الْغَايَة وَكَانَ ورعا يصدع بِالْحَقِّ وَكَانَت لَهُ دعوات مستجابات وَكَانَ يعتني بِكَلَام الشَّيْخ عمر با مخربه وشعره وبشرح الحكم لِابْنِ عباد وَكَانَ يحب القهوة وَيَأْمُر بشربها وَكَانَ يَقُول هَذِه الثَّلَاثَة يَعْنِي كَلَام با مخرمه واللذين بعده من النعم الَّتِي اخْتصَّ بهَا الْمُتَأَخّرُونَ ثمَّ فِي آخر عمره استوطن الحسيسه فَكَانَ ملْجأ للواردين والوافدين إِلَى أَن مَاتَ بهَا وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَألف وقبر فِي أَسْفَل الْجَبَل وَبني على قَبره قبَّة عَظِيمَة رَحمَه الله تَعَالَى السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد بن لُقْمَان بن أَحْمد بن شمس الدّين بن الْمهْدي أَحْمد بن يحيى المرتضى اليمني الإِمَام المبرز فِي جَمِيع الْعُلُوم الكارع من مشارب الفهوم كَانَ من أرأس الْعلمَاء فِي عصره لَهُ مؤلفات مفيدة مِنْهَا شرح الكافل فِي علم الْأُصُول ومرقاة الْأُصُول للْإِمَام الْقَاسِم وَشرح الأساس لَهُ أَيْضا وَكَانَت وَفَاته فجر يَوْم الْخَمِيس تَاسِع رَجَب سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف دفن بقلعة غمار من جبل دازح الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن أبي الْعَيْش بن مُحَمَّد أَبُو الْعَبَّاس الْمقري التلمساني المولد الْمَالِكِي الْمَذْهَب نزيل فاس ثمَّ الْقَاهِرَة حَافظ الْمغرب جاحظ الْبَيَان وَمن لم ير نَظِيره فِي جودة القريحة وصفاء الذِّهْن وَقُوَّة البديهة وَكَانَ آيَة باهرة فِي علم الْكَلَام وَالتَّفْسِير والْحَدِيث ومعحزاً باهراً فِي الْأَدَب والمحاضرات وَله المؤلفات الشائعة مِنْهَا عرف الطّيب فِي أَخْبَار ابْن الْخَطِيب وَفتح المتعال الَّذِي صنفه فِي أَوْصَاف نعل النَّبِي وإضاءة الدجنة فِي عقائد أهل السّنة وأزهار الكمامة وأزهار الرياض فِي أَخْبَار القَاضِي عِيَاض وقطف المهتصر فِي أَخْبَار الْمُخْتَصر واتحاف المغري فِي تَكْمِيل شرح الصُّغْرَى وَعرف النشق فِي أَخْبَار دمشق والغث والسمين والرث والثمين وَروض الآس العاطر الأنفاس فِي ذكر من لَقيته من أَعْلَام مراكش وفاس والدر الثمين فِي أَسمَاء الْهَادِي الْأمين وحاشية شرح أم الْبَرَاهِين وَكتاب البدأة والنشأة كُله أدب ونظم وَله رِسَالَة فِي الوفق المخمس الْخَالِي الْوسط وَغير ذَلِك ولد بتلمسان وَنَشَأ بهَا وَحفظ اقرآن وَقَرَأَ وَحصل بهَا على عَمه الشَّيْخ الْجَلِيل الْعَالم أبي عُثْمَان سعيد بن أَحْمد الْمقري مفتي تلمسان سِتِّينَ سنة وَمن جملَة مَا قَرَأَ عَلَيْهِ صَحِيح البُخَارِيّ سبع مَرَّات وَرُوِيَ عَنهُ الْكتب السِّتَّة بِسَنَدِهِ عَن أبي عبد الله التنسي عَن وَالِده حَافظ عصره مُحَمَّد بن عبد الله التنسي عَن الْبَحْر أبي عبد الله بن مَرْزُوق عَن أبي حَيَّان عَن أبي جَعْفَر بن الزبير عَن أبي الرّبيع عَن القَاضِي عِيَاض بأسانيده الْمَذْكُورَة فِي كتاب الشفا وَالْأَحَادِيث المسندة فِي الشِّفَاء جَمِيعهَا سِتُّونَ حَدِيثا أفردها بَعضهم فِي جُزْء من أَرَادَ رِوَايَة الْكتب السِّتَّة من طَرِيقه فليأخذها من كتاب الشفا أَو من الْجُزْء الْمَذْكُور وَكَانَ يخبر عَن بَلْدَة تلمسان أَنَّهَا بَلْدَة عَظِيمَة من أحاسن بِلَاد الْمغرب وَأَنَّهَا فِي يَد العثمانيين سلاطين مملكتنا هِيَ الْحَد الْمَضْرُوب بَين سلطاننا وسلطان الْمغرب ورحل إِلَى فاس مرَّتَيْنِ مرّة سنة تسع بعد الْألف وَمرَّة سنة ثَلَاث عشرَة وَكَانَ يخبر أَنَّهَا دَار الْخلَافَة للمغرب وَكَانَ بهَا الْملك الْأَعْظَم مولَايَ أَحْمد الْمَنْصُور الْمَشْهُور بِالْفَضْلِ وَالْأَدب الْمُقدم ذكره وَأَن الْفَتْوَى صَارَت إِلَيْهِ فِي زَمَنه وَمن بعده لما اختلت أَحْوَال المملكة بِسَبَب أَوْلَاده إِلَى حَدِيث يطول ذكره ارتحل تَارِكًا للمنصب والوطن فِي أَوَاخِر شهر رَمَضَان سنة سبع وَعشْرين بعد الْألف قَاصِدا حج بَيت الله الْحَرَام وَأنْشد صَاحب مراكش متمثلاً قَول عَليّ بن عبد الْعَزِيز الْحَضْرَمِيّ (محبتي تَقْتَضِي مقَامي ... وحالتي تَقْتَضِي الرحيلا) فَأَجَابَهُ صَاحب مراكش بقوله (لَا أوحش الله مِنْك قوما ... تعودوا صنعك الجميلا) قلت وَبَيت الْحَضْرَمِيّ أول أَبْيَات ثَلَاثَة كتب بهَا الْعِزّ الدولة ابْن سقمون وَكَانَ فِي خدمته وَبعده (هَذَانِ خصمان لست أَقْْضِي ... بَينهمَا خوف أَن أميلا) (فَلَا يزَالَانِ فِي خصام ... حَتَّى أرى رَأْيك الجميلا)

стр. 303

فَوَقع عز الدّين على ورقته الرَّأْي الْجَمِيل أَن تمنع من الرحيل وتسوغ الْإِقَامَة فِي ظلّ دوحة وإحسان غمامه قَالَ الْمقري وَكتب إِلَى الْفَقِيه الْكَاتِب أَبُو الْحسن عَليّ الخزرجي الفاسي الشهير بالشاحي بِمَا كتبه أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن خَاتمه المري المغربي إِلَى بعض أشياخه (أشمس الغرب حَقًا مَا سمعنَا ... بأنك قد سئمت من الْإِقَامَة) (وَإنَّك قد عزمت على طُلُوع ... إِلَى شَرق سموت بِهِ علامه) (لقد زلزلت منا كل قلب ... بِحَق الله لَا تقم الْقِيَامَة) ثمَّ ورد إِلَى مصر بعد أَدَاء الْحَج فِي رَجَب سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف وَتزَوج بهَا من السَّادة الوفائية وسكنها وَقد سُئِلَ عَن حَظه بهَا فَقَالَ قد دَخلهَا قبلنَا ابْن الْحَاجِب وَأنْشد فِيهَا قَوْله (يَا أهل مصر وجدت أَيْدِيكُم ... فِي بذلها بالسخاء منقبضه) (لما عدمت الْقرى بأرضكم ... أكلت كتبي كأنني أرضه) وَأنْشد هُوَ لنَفسِهِ (تركت رسوم عزي فِي بلادي ... وصرت بِمصْر منسي الرسوم) (وَنَفْسِي عفتها بالذل فِيهَا ... وَقلت لَهَا عَن العلياء صومي) (ولي عزم كَحَد السَّيْف مَاض ... وَلَكِن اللَّيَالِي من خصومي) ثمَّ زار بَيت الْمُقَدّس فِي شهر ربيع الأول سنة تسع وَعشْرين وَألف وَرجع إِلَى الْقَاهِرَة وَكرر مِنْهَا الذّهاب إِلَى مَكَّة فَدَخلَهَا بتاريخ سنة سبع وَثَلَاثِينَ خمس مَرَّات وأملى بهَا دروساً عديدة ووفد على طيبَة سبع مَرَّات وأملى الحَدِيث النَّبَوِيّ بمرأى مِنْهُ ومسمع ثمَّ رَجَعَ إِلَى مصر فِي صفر سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَدخل الْقُدس فِي رَجَب من تِلْكَ السّنة وَأقَام خَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ ورد مِنْهَا إِلَى دمشق فَدَخلَهَا فِي أَوَائِل شعْبَان وأنزلته المغاربة فِي مَكَان لَا يَلِيق بِهِ فَأرْسل إِلَيْهِ أَحْمد بن شاهين مِفْتَاح مدرسة الجقمقية وَكتب مَعَ الْمِفْتَاح هَذِه الأبيات (كنف الْمقري شَيْخي مقرى ... وَإِلَيْهِ من الزَّمَان مفري) (كنف المعترى مثل صَدره فِي اتسعا ... وعلوم كالبحر فِي ضمن بَحر) (أَي بدر قد اطلع الدَّهْر مِنْهُ ... مَلأ الشرق نوره أَي بدر) (أَحْمد سَيِّدي وشيخي وذخري ... وَسمي ذَاك أشرف فخري)

стр. 304

(لَو بِغَيْر الْأَقْدَام يسْعَى مشوق ... جِئْته زَائِرًا على وَجه شكري) فَأَجَابَهُ الْمقري بقوله (أَي نظم فِي حسنه حَار فكري ... وتحلى بدره صدر ذكري) (طَائِر الصيت لِابْنِ شاهين ينمي ... من بروض الندى لَهُ خير ذكر) (أَحْمد الممتطين ذرْوَة مجد ... لعوان من الْمَعَالِي وَبكر) (حل مِفْتَاح فَضله بَاب وصل ... من مَعَاني تَعْرِيفه دون نكر) (يَا بديع الزَّمَان دم فِي ازدياد ... بالعلى وازدياد تجنيس شكر) وَلما دخل إِلَيْهَا أَعْجَبته فَنقل أَسبَابه إِلَيْهَا واستوطنها مُدَّة إِقَامَته وأملى صَحِيح البُخَارِيّ بالجامع تَحت قبَّة النسْر بعد صَلَاة الصُّبْح وَلما كثر النَّاس بعد أَيَّام خرج إِلَى صحن الْجَامِع تجاه الْقبَّة الْمَعْرُوفَة بالباعونية وحضره غَالب أَعْيَان عُلَمَاء دمشق وَأما الطّلبَة فَلم يتَخَلَّف مِنْهُم أحد وَكَانَ يَوْم خَتمه حافلاً جدا اجْتمع فِيهِ الألوف من النَّاس وعلت الْأَصْوَات بالبكاء فنقلت حَلقَة الدَّرْس إِلَى وسط الصحن إِلَى الْبَاب الَّذِي يوضع فِيهِ الْعلم النَّبَوِيّ فِي الْجُمُعَات من رَجَب وَشَعْبَان ورمضان وأتى لَهُ بكرسي الْوَعْظ فَصَعدَ عَلَيْهِ وَتكلم بِكَلَام فِي العقائد والْحَدِيث لم يسمع نَظِيره أبدا وَتكلم على تَرْجَمَة البُخَارِيّ وَأنْشد لَهُ بَيْتَيْنِ وَأفَاد أَن لَيْسَ للْبُخَارِيّ غَيرهمَا وهما (اغتنم فِي الْفَرَاغ فضل رُكُوع ... فَعَسَى أَن يكون موتك بغته) (كم صَحِيح قد مَاتَ قبل سقيم ... ذهبت نَفسه النفيسة فلته) قلت وَرَأَيْت فِي بعض المجاميع نقلا عَن الْحَافِظ ابْن حجر أَنه وَقع للْبُخَارِيّ ذَلِك أَو قريب مِنْهُ وَهَذِه من الغرائب انْتهى وَكَانَت الجلسة من طُلُوع الشَّمْس إِلَى قرب الظّهْر ثمَّ ختم الدَّرْس بِأَبْيَات قَالَهَا حِين ودع الْمُصْطَفى وَهِي قَوْله (يَا شَفِيع العصاة أَنْت رجائي ... كَيفَ يخْشَى الرَّجَاء عنْدك خيبه) (وَإِذا كنت حَاضرا بفؤادي ... غيبَة الْجِسْم عَنْك لَيست بغيبة) (لَيْسَ بالعيش فِي الْبِلَاد انْقِطَاع ... أطيب الْعَيْش مَا يكون بطيبه) وَنزل عَن الْكُرْسِيّ فازدحم النَّاس على تَقْبِيل يَده وَكَانَ ذَلِك نَهَار الْأَرْبَعَاء سَابِع عشرى رَمَضَان سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَلم يتَّفق لغيره من الْعلمَاء الواردين إِلَى دمشق مَا اتّفق لَهُ من الحظوة وإقبال النَّاس وَكَانَ بعد مَا رأى من أَهلهَا مَا رأى كثر الاهتمام بمدحها وَقد عقد فِي كِتَابه عرف الطّيب فصلا يتَعَلَّق بهَا وبأهلها

стр. 305

وَأورد فِي مدحها أشعاراً وَمن محَاسِن شعره فِي حَقّهَا قَوْله (محَاسِن الشَّام جلت ... عَن أَن تقاس بِحَدّ) (لَوْلَا حمى الشَّرْع قُلْنَا ... وَلم نقف عِنْد حد) (كَأَنَّهَا معجزات ... مقرونة بالتحدي) وَقَوله (قَالَ لي مَا تَقول فِي الشَّام حبر ... شام من بارق العلى مَا شامه) (قلت مَاذَا أَقُول فِي وصف أَرض ... هِيَ فِي وجنة المحاسن شامة) وَقَوله (قل لمن رام النَّوَى عَن وَطن ... قولة لَيْسَ بهَا من حرج) (فرج الْهم بسكنى جلق ... أَن فِي جلق بَاب الْفرج) وَجرى بَينه وَبَين أدبائها وعلمائها مطارحات شَتَّى فَمن ذَلِك مَا كتبه إِلَى الشاهيني مَعَ خَاتم ومسبحة أرسلهما لَهُ (يَا نجل شاهين الَّذِي ... حَاز الْمَعَالِي والمعالم) (يَا من دمشق بِطيب مَا ... يبديه عاطرة النواسم) (فالنهر مِنْهَا ذُو صفا ... والزهر مفتر المباسم) (والغصن يثني عطفه ... طَربا لتغريد الحمائم) (يَا أَحْمد الْأَوْصَاف يَا ... من حَاز أَنْوَاع المكارم) (أَنْت الَّذِي طوقتني ... مننا لَهَا تعنو الأعاظم) (فَمَتَى اؤدي شكرها ... وَالْعجز لي وصف ملازم) (والعذر بادان بعثت ... إِلَيْك من جنس الرتائم) (تَسْبِيحَة الذّكر الَّتِي ... جَاءَت بتصحيف ملايم) (وَنَجَا تمّ دَاع إِلَى ... فيض الندى من كف حَاتِم) (فامدد على جهد الْمقل ... رواق صفح ذَا دعائم) (لَا زلت سَابق غَايَة ... بَين الأعارب والأعاجم) سَيِّدي لَا يخفاك أنني بعثت بهَا رتيمه وَلَو أمكنني لأهديت من الْجَوَاهِر مَا ينوف على قدر الْقيمَة فهما أَعنِي الْخَاتم والمسبحة تذكير ليد العلى بخالص الوداد وَفِي الْمثل لَا كلفة بَين من تثبت بَينهم الألفة حَتَّى فِي الْوَرق والمداد وَالله يبقيك الْبَقَاء الْجَمِيل ويبلغك غَايَة التأميل وَالْعَفو مَطْلُوب وَالله عِنْد مكسرة الْقُلُوب وَهُوَ الْمَسْئُول أَن يحرسكم بِعَين عنايته الَّتِي لَا تنام بجاه من ترقي إِلَى أَعلَى مقَام

стр. 306

وَللَّه در الْقَائِل (هَدِيَّة العَبْد على قدره ... وَالْفضل أَن يقبلهَا السَّيِّد) (فالعين مَعَ تَعْظِيم مقدارها ... تقبل مَا يهدي لَهَا المرود) فَكتب إِلَيْهِ الشاهيني قصيدة مطْلعهَا (يَا سيد اشعري لَهُ ... مَا أَن يقاوي أَو يُقَاوم) مِنْهَا وَهُوَ مَحل ذكر مَا أهداه إِلَيْهِ (قد جَاءَ مَا شرفتني ... بخصومه دون الأعاظم) (من خَاتم كفى بِهِ ... ورثت سُلَيْمَان العزائم) (وبسبحة شبهتها ... بِالشُّهُبِ فِي أسلاك ناظم) (فلتحسد الجوزاء مَا ... أحرزت من تِلْكَ المكارم) (هِيَ آلَة الذّكر لَكِن ... لي ذكرا فِي الحيازم) (فهواك فِي قلبِي وَمَا ... فِي الْقلب جلّ عَن الرتائم) (ماذي رتائم سَيِّدي ... بل إِنَّهَا عِنْدِي تمائم) (لَو أَنَّهَا من جنس مَا ... يطوى غَدَتْ فَوق النعائم) (لَكِنَّهَا قد زينت ... كفى وأزرت بالخواتم) وَاتفقَ للمقري مجْلِس فِي دَعْوَة بعض الْأَعْيَان وَكَانَ الْمُفْتِي الْعِمَادِيّ والشاهيني صحبته فِي يتلك الدعْوَة فمس ثلجاً وَقَالَ الماس هَذَا فَأَنْشد الشاهيني مرتجلا (شَيخنَا الْمقري وَهُوَ النَّاس ... وَالَّذِي بالأنام لَيْسَ يُقَاس) (مس ثلجاً وَقَالَ الماس هَذَا ... قلت الماس عندنَا الماس) ثمَّ ارتجل بِآخَرين فِي الثَّلج (غنيت بالثلج عَن سَوْدَاء حالكة ... من قهوة لم تكن فِي الأعصر الأول) (وَقلت لما غَدا خلى يعنفني ... فِي طلعة الشَّمْس مَا يُغْنِيك عَن زحل) فَقَالَ الْعِمَادِيّ (يَا بردهَا ثلجة جَاءَت على كبد ... حراء من فرقة الأحباب فِي وَجل) فَقَالَ الْمقري (تحلو إِذا كررت ذوقاً وَعَادَة مَا ... أُعِيد أَن يلتقي بالكره والملل) فَقَالَ الْعِمَادِيّ (لَعَلَّ إعلاله بالثلج ثَانِيَة ... يدب مِنْهَا نسيم الْبرد فِي عللي) فَقَالَ الْمقري (إِذا دَعَاني بِمصْر ذكر معهدها ... أجَاب دمعي وَمَا الدَّاعِي سوى طلل) فَقَالَ الْعِمَادِيّ (لَو كَانَ فِي مصر مَاء بَارِد لكفى ... عَن الثلوج وَمن للعور بالحول)

стр. 307

وَمن شعر الْمقري قَوْله مضمنا مَعَ الِاكْتِفَاء والتورية (لم أنس يَوْمًا للنواعير بِهِ ... فِي نهر فاس شجن هاج الجوى) (فَقلت إِذْ ذَكرنِي معاهدا ... لله مَا قد هجب يَا يَوْم النَّوَى) والمصراع الثَّانِي ضمنه من مَقْصُورَة حَازِم وَبعده (على فؤاد من بتاريخ الجوى ... ) وَرَأَيْت فِي بعض المجاميع نقلا عَن خطّ الْمقري قَالَ أَنْشدني صاحبنا الْعَلامَة البليغ النَّاظِم الناثر القَاضِي مُحَمَّد المنوفي لبَعض من قَصده الدَّهْر بسهامه وَلم يجد صبرا لإشكال صبره وانبهامه قَوْله (وأخفيت صبري سَاعَة بعد سَاعَة ... وَلَكِن عَيْني فِي الْأَحَايِين تَدْمَع) فَقلت مضمنا وَفِيه لُزُوم مَا لَا يلْزم (وقائلة مَالِي رَأَيْتُك ذَا شجى ... وَلم يَك قدما فِيك للشجو مطمع) (فَقلت أصابتني من الدَّهْر عينه ... وخالفت ذَا نصح لَهُ كنت أسمع) (فَقَالَت تصبروا كتم الْأَمر تسترح ... وَلَا تسأمن فالخير فِي ذَاك أجمع) (فَقلت لَهَا أرشدت من لَيْسَ جَاهِلا ... وأنشدتها والحي للسير أزمعوا) (وأخفيت صبري سَاعَة بعد سَاعَة ... وَلَكِن عَيْني فِي الْأَحَايِين تَدْمَع) قَالَ وَكَانَ شيخ مَشَايِخنَا القَاضِي الْأَجَل سَيِّدي عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الونشريسي التلمساني الأَصْل قَاضِي قُضَاة فاس المحروسة نظم بَيْتا ورمز فِيهِ للمواضع الَّتِي لَا يُصَلِّي فِيهَا على النَّبِي فَقَالَ (على عَاتِقي حملت ذَنْب جوارح ... تعبت بهَا وَالله للذنب غَافِر) وَهَذَا بَيَان مَا رمز على التَّرْتِيب عطاس عبره حمام ذبح جماع تعجب بيع فَقلت إِن قَوْله وَالله للذنب غَافِر لَا مَحل لَهُ فِي الرَّمْز مَعَ أَنه بقيت أَشْيَاء أخر لَو جعلت مَكَان هَذَا الْكَلَام لَكَانَ أحسن وَأَيْضًا فَإِن بَيته لَيْسَ فِيهِ مَا يفهم مِنْهُ مُرَاده فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك وطأت لَهُ بِبَيْت صرحت فِيهِ بالمراد وأبدلت قَوْله وَالله للذنب غَافِر بالرمز لما أغفله قلت وَالْفضل بالتقدم لَهُ (ينزه ذكر الْمُصْطَفى فِي مَوَاضِع ... لَهَا رمز أَلْفَاظ تبدي شمولها) (على عَاتِقي حملت ذَنْب جوارح ... تعبت بهَا قد أثقلتني حمولها) رمزت للقذر وَالْأكل وحاجة الْإِنْسَان لما يُقَال أَن الْحَاجة تدخل فِي قَوْله حملت لأَنا نقُول أَنه كرر فِي قَوْله على عَاتِقي وَذَلِكَ يدل على أَنه لَا يَكْتَفِي بِاللَّفْظِ الْوَاحِد

стр. 308

ثمَّ ظهر لي بعد مَا تقدم أَن قولي ينزه إِلَى آخِره لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِعَدَمِ الصَّلَاة عَلَيْهِ فَقلت بدله (صَلَاة على الْمُخْتَار ردع فِي مَوَاضِع ... لَهَا رمز أَلْفَاظ تبدي شمولها) (عَلَيْك بإكثار الصَّلَاة على الَّذِي ... رسَالَته لِلْخلقِ باد شمولها) (ودعها بِعشر قلت فِي رمز عدهَا ... كلَاما عيوني زَاد مِنْهُ همولها) (على عَاتِقي حملت ذَنْب جوارح ... تعبت بهَا قد أثقلتني حمولها) وَمن املائه لبَعض فضلاء دمشق أَنه قَالَ حكى أَن أفلاطون كتب إِلَى بقراط قبل أَن يتَعَلَّم مِنْهُ إِنِّي أَسأَلك عَن ثَلَاثَة أَشْيَاء أَن أجبْت عَنْهَا تلمذت لَك فَكتب إِلَيْهِ بقراط سل وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق فَكتب إِلَيْهِ أَخْبرنِي من أَحَق النَّاس بِالرَّحْمَةِ وَمَتى يضيع أَمر النَّاس وَمَا تتلقى بِهِ النِّعْمَة من الله فَكتب إِلَيْهِ بقراط أما أَحَق النَّاس بِالرَّحْمَةِ فَثَلَاثَة البريكون فِي سُلْطَان فَاجر فَهُوَ الدَّهْر حَزِين لما يرى وَيسمع والعاقل فِي تَدْبِير الْجَاهِل فَهُوَ الدَّهْر مُتْعب مغموم والكريم يحْتَاج إِلَى اللَّئِيم فَهُوَ الدَّهْر خاضع دَلِيل وَأما تَضْييع أُمُور النَّاس فَإِذا كَانَ الرَّأْي عِنْد من لَا يقبل مِنْهُ وَالسِّلَاح عِنْد من لَا يَسْتَعْمِلهُ وَالْمَال عِنْد من لَا يُنْفِقهُ وَأما مَا بِهِ تتلقى النِّعْمَة من الله فبكثرة الشُّكْر وَلُزُوم طَاعَته وَاجْتنَاب مَعْصِيَته فَأقبل إِلَيْهِ أفلاطون وَصَارَ تلميذا لَهُ إِلَى أَن مَاتَ قَالَ الْمقري وَقد نظمت هَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب فِي قولي (أرسل أفلاطون وَهُوَ الَّذِي ... قد مَا سما فِي النَّاس بالحكمة) (لشيخه بقراط من قبل أَن ... بِكَوْن مِمَّن قد حوى علمه) (أَن أَنْت حققت جوابي على ... ثَلَاثَة محضتك الْخدمَة) (وَكنت تلميذا مقرابما ... تسديه من علم وَمن حرمه) (فَقَالَ بَينهَا فَقَالَ اكشفن ... عَمَّن أَحَق النَّاس بِالرَّحْمَةِ) (وَعَن أُمُور النَّاس أوضح مَتى ... تضيع واستقبالنا النِّعْمَة) (من رَبنَا سُبْحَانَهُ مَا الَّذِي ... بِهِ تلقى فاشرح الْقِسْمَة) (فَقَالَ بقراط أَحَق الورى ... برحمة يَا موفي الذِّمَّة) (ذُو الْعقل فِي تَدْبِير ذِي الْجَهْل لَا ... يبرح طول الدَّهْر فِي غمه) (والبران أضحى بسُلْطَان من ... فجوره عَم الورى نقمه) (بحزنه مَا يسمع أَو مَا يرى ... مِنْهُ لِأَن الظُّلم ذُو ظلمَة)

стр. 309

(كَذَا كريم النَّفس ذُو حَاجَة ... إِلَى لئيم سَاقِط الهمه) (يَغْدُو ذليلا خاضعا خَاشِعًا ... لَهُ وناهيك بذا وصمه) (فاسأل من الرَّحْمَن سُبْحَانَهُ ... عَن الثَّلَاث الْحِفْظ والعصمة) (وَذي ثَلَاث أَن تكن فِي الورى ... ضَاعَت أُمُور النَّاس فِي مهمه) (المَال فِي كف امْرِئ مُمْسك ... لَهُ يرى أنفاقه ثلمه) (والرأي أَن كَانَ لَدَى من أَبَوا ... مِنْهُ قبولا وأبوا خرمه) (وَذُو سلَاح لَيْسَ مُسْتَعْملا ... وَله وَلم يكْسب لَهُ حشمه) (وَذي ثَلَاث غَيرهَا أوضحت ... عَمَّا بِهِ تسْتَقْبل النِّعْمَة) (ترك العباسي وَلُزُوم التقى ... وَكَثْرَة الشُّكْر فصن نظمه) وَذكر فِي بعض محاضراته أَن لِسَان الدّين بن الْخَطِيب ذكر فِي الكنبة الكامنة فِي أَبنَاء الثَّامِنَة جَوَابا عَن الْبَيْتَيْنِ الْمَشْهُورين وهما قَوْله (كسرت لما قد قلت قلبِي ... وَلم تضفه إِلَى فلَان) (مَا يملك المستهام قلبا ... يَا ظَالِم اللَّفْظ والمعاني) قَالَ والبيتان المشهوران اللَّذَان هتان وَجَوَاب عَنْهُمَا هما قَول الْقَائِل (يَا سَاكِنا قلبِي الْمَعْنى ... وَلَيْسَ فِيهِ سواهُ ثَانِي) (لاي معنى كسرت قلبِي ... وَمَا التقى فِيهِ ساكنان) وَرَأَيْت لبَعْضهِم جَوَابا عَنْهُمَا وَقد أَجَاد إِلَى الْغَايَة بقوله (سكنته وَهُوَ ذُو سُكُون ... لم يثنه عَن هواي ثَانِي) (فَكَانَ كسْرَى لَهُ قِيَاسا ... لما التقى فِيهِ ساكنان) وَأجَاب الْمقري بقوله (نحلتني طَائِعا فُؤَادِي ... فَصَارَ إِذْ حزنه مَكَاني) (لَا غروان لي مُضَافا ... إِنِّي على الْكسر فِيهِ باني) قلت وَذكر الخفاجي فِي تَرْجَمَة أَحْمد بن الجيعان أَنه ذكر هَذَا السُّؤَال فِي بَيْتَيْنِ وَقَالَ إِذا التقى ساكنان كسر أَحدهمَا لَا مَحلهمَا وَكَون المُرَاد بِالْمحل الْكَلِمَة الَّتِي فِيهَا ذَلِك فَإِنَّهُ إِذا كسر أَحدهمَا كَانَت مَبْنِيَّة على الْكسر كأمس لَا تحتمله البلاغة قَالَ فَقلت لَهُ هَذَا مِمَّا لَا مزِيد عَلَيْهِ وَأحسن مِنْهُ قولي فِي هَذَا الْمَعْنى (إِن ذَا الدَّهْر لَا يزَال يرى ... جمع شَمل الْكِرَام مُمْتَنعا) (فَهُوَ حتما محرك أبدا ... أحد الساكنين مَا اجْتمعَا)

стр. 310

ولسان الدّين بن الْخَطِيب هُوَ الَّذِي ألف صَاحب التَّرْجَمَة كِتَابه عرف الطّيب فِي أخباره وَمن غَرِيب خَبره وَالْأَيَّام ترى الْغَرِيب من أفعالها وَتسمع العجيب من أحوالها أَنه رَحل من غرناطة وَدخل إِلَى مَدِينَة فاس فَبَالغ سلطانها فِي إكرامه فَتمكن مِنْهُ أعداؤه بالأندلس وأثبتوا عَلَيْهِ كَلِمَات منسوبة إِلَى الزندقة تكلم بهَا فسجل القَاضِي بِثُبُوت زندقته وَحكم بإراقة دَمه وَأرْسل بِهِ إِلَى سُلْطَان فاس فسجن بهَا وَدخل إِلَيْهِ بعض الأوغاد السجْن وَقَتله خنقاً وَأخذ جوَار مِنْهُ فدفنت فَأصْبح غدْوَة دَفنه طريحاً على شَفير قَبره وَقد ألقيت عَلَيْهِ الأحطاب وأضرمت فِيهَا النَّار فَاحْتَرَقَ شعره واسودت بَشرته ثمَّ أُعِيد إِلَى حفرته وَكَانَ ذَلِك سنة سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة وَمن أعجب مَا وَقع لَهُ أَنه كَانَ نظم هَذَا الْمَقْطُوع وَهُوَ (قف لترى مغرب شمس الضُّحَى ... بَين صَلَاة الْعَصْر وَالْمغْرب) (واسترحم الله قَتِيلا بهَا ... كَانَ إِمَام الْعَصْر فِي الْمغرب) فاتفق أَنه قتل بَين هَاتين الصَّلَاتَيْنِ فَالْمُرَاد من شمس الضُّحَى نَفسه وَقَوله واسترحم الله قَتِيلا بهَا مَعْنَاهُ اسْأَل الله رَحْمَة للقتيل بشمس الضُّحَى فضمير بهَا عَائِد إِلَى شمس الضُّحَى على سَبِيل الِاسْتِخْدَام وكلا الْمَعْنيين مجازي وَقد أطلنا الْكَلَام حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ الْمقَام فلنرجع إِلَى الْغَرَض من ذكر بَقِيَّة خبر الْمقري فَنَقُول وَكَانَت إِقَامَته بِدِمَشْق دون الْأَرْبَعين يَوْمًا ثمَّ رَحل مِنْهَا فِي خَامِس شَوَّال سنة تسع وَثَلَاثِينَ إِلَى مصر وَعَاد إِلَى دمشق مرّة ثَانِيَة فِي أَوَاخِر شعْبَان سنة اربعين وَحصل لَهُ من الْإِكْرَام مَا صَحِلَ فِي قَدمته الأولى وَحين فَارقهَا أنْشد قَوْله (إِن شام قلبِي عَنْك بارق سلوة ... يَا شام كنت كمن يخون ويغدر) (كم راحل عَنْهَا لفرط ضَرُورَة ... وعَلى الْقَرار بغَيْرهَا لَا يقدر) (متصاعدا لزفرات مكلوم الحشا ... والدمع من أجفانه يتحدر) وَدخل مصر وَاسْتقر بهَا مُدَّة يسيرَة ثمَّ طلق زَوجته الوفائية وَأَرَادَ الْعود إِلَى دمشق للتوطن بهَا ففاجأه الْحمام قبل نيل المرام وَكَانَت وَفَاته فِي جمادي الْآخِرَة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة المجاورين وَقَالَ الأديب إِبْرَاهِيم الأكرمي فِي تَارِيخ وَفَاته (قد ختم الْفضل بِهِ ... فأرخوه خَاتم) والمقري بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الْقَاف وَآخِرهَا رَاء مُهْملَة وَقيل بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف لُغَتَانِ أشهرهما الأولى نِسْبَة إِلَى قَرْيَة من قرى تلمسان وإليها نِسْبَة آبَائِهِ أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان القَاضِي شهَاب الدّين بن نَاصِر الدّين الأسطواني الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ رَئِيس الْكتاب بمحكمة الْبَاب كَانَ كَاتبا بارعاً تَامّ الْمعرفَة حسن الْخط وافر الضَّبْط قَرَأَ وَحصل فِي مباديه ثمَّ صَار كَاتبا للصكوك بالمحكمة الْكُبْرَى وَبعد مُدَّة نقل إِلَى الْبَاب وَصَارَ رَئِيس كتابها وانحصرت فِيهِ أمورها وَكَانَ يُرَاجع فِي المهام وَهُوَ فِي حد ذَاته من المتفوقين فِي صَنعته بري الساحة مِمَّا يدنسه كَامِل الْعرض حسن السمت وَخَلفه ابْنه حسن وَكَانَ على سمته وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الْبَيْت فِي دمشق مَعْرُوف بالرؤساء الأجلاء وَلَهُم قدم ووجاهة وَاجْتنَاب للمكاره وَكَانَت وِلَادَته سنة خمس وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي عشرى الْمحرم سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ الملقب شهَاب الدّين بن شمس الدّين بن نور الدّين الْمَعْرُوف بالغنيمي الْأنْصَارِيّ الخزرجي الْحَنَفِيّ الْمصْرِيّ الإِمَام الْعَلامَة الْحجَّة خَاتِمَة الْمُحَقِّقين الْمشَار إِلَيْهِم بِالنّظرِ الصائب ولطائف التَّحْرِير ودقة النّظر وَهُوَ أجل الشُّيُوخ الَّذين انفردوا فِي عصرهم فِي علم الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وتبحروا فِي الْعُلُوم الدقيقة والفنون العويصة حَتَّى استخرجوها بِالنّظرِ الدَّقِيق والفكر الغامض وَكَانَ أَولا شافعيا حضر الجلة من مَشَايِخ الشَّافِعِيَّة وأتقن الْمَذْهَب ودرس فِيهِ ثمَّ إِنَّه لما صَار إِلَى الْبِلَاد الرومية وَأخذ بعض التداريس الْحَنَفِيَّة وَكَانَ ذَلِك بِالْمَدْرَسَةِ الأشرفية الَّتِي بصحراء مصر صَار حنفيا قَالَ مَدين القوصوني وَمِمَّا كتب لنا بِخَطِّهِ بعد الطّلب وَأما تَارِيخ مولدِي فَلَا أتحققه لَكِن أذكر مَا فِيهِ تقريب لَهُ وَهُوَ أَنِّي أدْركْت قتل مَحْمُود باشا وَكنت إِذْ ذَاك صَغِير بالمكتب أتهجى وَلما شاع الْخَبَر بقتْله جَاءَنِي عمي أَبُو بكر وحملني على كتفه وَذهب بِي إِلَى الْبَيْت خشيَة عَليّ وَلَا يخفى أَن تَارِيخ قَتله بالجمل عظه بالظاء المشالة وَأما مشايخي فهم شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد الرَّمْلِيّ وعارف الْوَقْت سَيِّدي مُحَمَّد بن أبي الْحسن الْبكْرِيّ الصديقي حَضرته فِي غَالب الشفا للْقَاضِي عِيَاض بِقِرَاءَة الشَّيْخ الْفَاضِل صفي الدّين الْغَزِّي عَلَيْهِ وَحين خَتمه استجاز فَقَالَ أجزتم رَضِي الله عَنْكُم لمن قَرَأَهُ أَو سَمعه أَو شَيْئا مِنْهُ أَن يرويهِ وَجَمِيع مَا يجوز لكم وعنكم رِوَايَته فَقَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد الْمَذْكُور نعم وَأهل الْعَصْر وحضرته أَيْضا فِي الشمايل ودرس التَّفْسِير والتصوف وَغير ذَلِك وَمِنْهُم شيخ الْإِسْلَام نجم الدّين الغيطي بِقِرَاءَة الشَّيْخ سَالم السنهوري الْمَالِكِي وَغَيره وَكنت إِذْ ذَاك صَغِيرا مَشْغُولًا

стр. 311

بِحِفْظ الْقُرْآن وَمِنْهُم الشَّيْخ يُوسُف جمال الدّين بن شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ اجْتمعت بِهِ مبركاً وحضرته مرّة أَو مرَّتَيْنِ بقراء الْعم جمال الشَّيْخ جمال الدّين عَلَيْهِ فِي الحَدِيث وَمِنْهُم عَالم الْحَنَفِيَّة الْعَلامَة الفهامة عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي حَضرته فِي المطول مَعَ حَاشِيَة الفنري وَمِنْهُم الشَّيْخ الفهامة المتقن إِبْرَاهِيم العلقمي لازمته زَمَانا كثيرا فِي يالبخاري وَغَيره وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَلامَة الفهامة فريد عصره ووحيد دهره أَحْمد بن قَاسم الْعَبَّادِيّ أخذت عَنهُ الْعَرَبيَّة بقرَاءَته ألفية ابْن مَالك مرَّتَيْنِ فِي دَاخل مَقْصُورَة الْجَامِع الْأَزْهَر بَين الْمغرب وَالْعشَاء وأصول الْفِقْه جمع الْجَوَامِع غالبه فِي الدَّرْس الْعَام وَمِنْهُم رَفِيقه فِي الِاشْتِغَال الْعَلامَة الشَّيْخ يُوسُف النَّحْوِيّ وَمِنْهُم شيخ الْإِسْلَام عَليّ نور الدّين الزيَادي وَمِنْهُم الشَّيْخَانِ العالمان العاملان الشَّيْخ مُحَمَّد الخفاجي وَالشَّيْخ أَبُو بكر الشنواني وَمِنْهُم الفهامة الشَّيْخ صَالح البُلْقِينِيّ وَمِنْهُم الْعَالم الشَّيْخ مُحَمَّد النحراوي وَمِنْهُم الشَّيْخ عبد الله السندي نزيل مَكَّة أخذت عَنهُ رِسَالَة الاستعارات وغالب شرحها للْمولى عِصَام الدّين وَبَينه وَبَين عِصَام الدّين شيخ وَاحِد وَمِنْهُم شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد البهنسي شَارِح البُخَارِيّ وَغَيره وَمِنْهُم الْعَلامَة أَحْمد بن عبد الْحق السنباطي وَمِنْهُم الشَّيْخ نور الدّين العسيلي وَمِنْهُم الشَّيْخ الْفَاضِل أَبُو نصر الطبلاوي وَأما مؤلفاتي فَهِيَ أقل من أَن تذكر بَين مؤلفات الْمُحَقِّقين الْأَعْلَام لَكِن رَأَيْت من الْأَدَب حسن الِامْتِثَال فَمِنْهَا وَهِي أجلهَا حَاشِيَة على مُقَدّمَة الامام مُحَمَّد اسنوسي الْمُسَمَّاة بِأم الْبَرَاهِين فِي أصُول الدّين جَاءَت فِي نَحْو تسعين كراسة صَغِيرَة وَلم تكمل وَمِنْهَا شرح مُقَدّمَة الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الشَّيْخ عبد الْوَهَّاب الشعراوي فِي علم الْعَرَبيَّة قَالَ وَقد تعبت فِي شرحها لعدم ألفها وغريب صنعها ألزمني فِي ذَلِك بعض الاخوان وَمِنْهَا رِسَالَة فِي أَن الله سُبْحَانَهُ قديم الذَّات وَالزَّمَان ردا على من اعْترض علينا فِي خطْبَة حاشيتنا على أم البرهين حَيْثُ قُلْنَا فِيهَا ذَلِك وَهِي مفيدة عزيزة وَمِنْهَا رِسَالَة فِي تَحْرِير النّسَب الْأَرْبَع مَعَ نقائضها الْمَذْكُورَة فِي أَوَائِل الْمنطق وَمنا رِسَالَة فِي شرح الأبيات الْمَشْهُورَة الَّتِي اولها (مَا وحد الْوَاحِد من وَاحِد ... إِذْ كل من وَحده جَاحد) (تَوْحِيد من ينْطق عَن نَعته ... عَارِية أبطلها الْوَاحِد) (توحيده إِيَّاه توحيده ... ونعت من يَنْعَتهُ لأحد) واعتذرت فِي عدم الْكِتَابَة عَلَيْهَا بِأَنِّي لست من فرسَان هَذَا الميدان فالزمت أَن

стр. 312

أكتب عَلَيْهَا على مُقْتَضى ظَاهر اللَّفْظ فَإِنَّهَا أرْسلت إِلَيْنَا من الصَّعِيد بالخصوص وَمِنْهَا رِسَالَة تتَعَلَّق بالخضر ﵇ فِي أَنه نَبِي أَو ولي وَفِي نسبه وَغير ذَلِك مَعَ عدم الْوُقُوف على رِسَالَة الْجلَال السُّيُوطِيّ وَغَيره فِيهِ وَمِنْهَا رِسَالَة فِي مبَاحث مُتَفَرِّقَة قلت وَرَأَيْت فِي بعض التَّعَالِيق أَنه رَحل إِلَى الرّوم فتحول حنفيا بِأَمْر مولى من موَالِي الرّوم وحظى ثمَّة حظوة لم يحظها أحد فِي عصره من الْعَرَب وَالروم وَأعْطى الْمدَارِس الْعلية بِمصْر والوظائف والمعاليم ثمَّ عَاد إِلَى مصر من طَرِيق الْبَحْر إِلَى أَن وصل إِلَى ثغر الْإسْكَنْدَريَّة فانكسر الْمركب وضاعت جَمِيع أَسبَابه وَكتبه إِلَّا كتابا وَاحِدًا كَانَ بِيَدِهِ فَخرج بِهِ من الْمركب ثمَّ سرق مِنْهُ وَبَقِي صفر الْيَدَيْنِ ثمَّ أرسل إِلَى مفتي الرّوم وعرفه بِجَمِيعِ مَا حصل لَهُ فَعوضهُ عَن بعض ذَلِك وجدد لَهُ مراسيم بمدارسه ووظائفه وَاسْتمرّ بِمصْر وَعرض لَهُ فِي آخر عمره ثقل فِي سَمعه حَتَّى توفّي بِهِ وَقد انْتفع بِهِ أجلاء الْعلمَاء وَمِمَّنْ لَازمه سِنِين عديدة الْعَلَاء الشبراملسي وَكَانَ لَا يفتر عَن ذكره وَحكى عَنهُ أَنه قَالَ مَاتَ الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول بعده وَرَأَيْت بِخَط بعض الأخوان أَن لَهُ تآليف زَائِدَة على مَا ذكر مِنْهَا كتاب ابتهاج الصُّدُور فِي بَيَان كَيْفيَّة الْإِضَافَة والتثنية وَالْجمع للمنقوص والممدود والمقصور وَكتاب إرشاد الطلاب إِلَى لفظ بَاب الْإِعْرَاب قلت وَهَذَا شرح الشعرانية فِي علم الْعَرَبيَّة وَله حَاشِيَة على شرح الاستعارات للْمولى عِصَام وحاشية على شرح أيسا غوجي للْقَاضِي زَكَرِيَّاء وَله حواش نفيسة على طرر كتبه جرد مِنْهَا فِي حَال حَيَاته وَبعد مماته مِنْهَا مَا كتبه على شرح عقائد النَّسَفِيّ للتفتازاني وَمَا كتبه على شرح جمع الْجَوَامِع للمحلي وَمَا كتبه على شرح الأزهرية للشَّيْخ خَالِد وَغير ذَلِك من الرسائل المقبولة وَكَانَ الشبراملسي يَقُول من رأى دروس الغنيمي وَتَقْرِيره ودقة نظره لَا يجوز نِسْبَة هَذِه التآليف الَّتِي ألفها إِلَيْهِ لِأَن مقَامه أجل مِنْهَا مَعَ أَنَّهَا فِي غَايَة الدقة وَحسن الصِّنَاعَة وَمِمَّا ظَفرت بِهِ من تحريراته مَا كتبه على عبارَة القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ﴾ حَيْثُ قَالَ الْبَيْضَاوِيّ وَهَذَا من عطف الْخَاص على الْعَام للْمُبَالَغَة إِلَّا أَن يحض الْعَمَل بِمَا يكون مَقْصُورا على كَمَاله انْتهى قَالَ الغنيمي الضَّمِير فِي كَمَاله يرجع إِلَى الْإِنْسَان وَهُوَ الظَّاهِر الْمُتَبَادر إِلَّا أَن يحض الْعَمَل الْمَفْهُوم من قَوْله ﴿وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ بِعَمَل يكون ذَلِك الْعَمَل مَقْصُورا على كَمَال الْإِنْسَان نَفسه لَا يتجاوزه إِلَى غَيره وَحِينَئِذٍ لَا يكون

стр. 313

وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ عطف الْخَاص لِأَن التواصي لَيْسَ مَقْصُورا على كَمَال الْإِنْسَان نَفسه بل يتجاوزه إِلَى الْغَيْر وَيُمكن رُجُوع الضَّمِير إِلَى الْعَمَل وَيكون ذَلِك من قصر الجزئي على مَا للكلى فَالْمُرَاد من قَوْله وَعمِلُوا الصَّالِحَات الْأَعْمَال الْكَامِلَة إِمَّا لتبادرها عِنْد الاطلاق أَو من العنوان عَنْهَا بالصالحات مَعَ الْمقَام أَو غير ذَلِك فَقَوله وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ شَامِل للكاملة وَغَيرهَا وَيجوز أَن يكون مَا فِي قَوْله بِمَا يكون وَاقعَة على الدَّلِيل الْمُخَصّص أَلا أَن يخص الْعَمَل بِدَلِيل يكون مَقْصُورا على كَمَال الْعَمَل بِأَن يدل عَلَيْهِ انْتهى وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْأَرْبَعَاء سَابِع عشرى رَجَب سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف عَن نَحْو ثَمَانِينَ سنة والغنيمي نِسْبَة إِلَى جده الشَّيْخ غنيم المدفون بالشرقية ويتصل نسبه إِلَى سعد بن عبَادَة الْأنْصَارِيّ ﵁ الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد البقاعي العرعاني نزيل دمشق الْفَقِيه الْمُحدث الشَّافِعِي الْمَذْهَب المعمر كَانَ من أجلاء الْعلمَاء لَهُ الشُّهْرَة التَّامَّة فِي الحَدِيث وَالرِّوَايَة أَخذ بِالشَّام عَن شيخ الْإِسْلَام الْبَدْر الْغَزِّي وَغَيره ورحل إِلَى مصر والحرمين فِي طلب الحَدِيث وَأخذ عَن الجلة من علمائها كالنجم الغيطي وَالشَّيْخ جمال الدّين بن القَاضِي زَكَرِيَّاء وَأبي النَّصْر الطبلاوي والاستاذ الْكَبِير مُحَمَّد بن أبي الْحسن الْبكْرِيّ وَالشَّمْس مُحَمَّد الرَّمْلِيّ والنور عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي الْحَنَفِيّ والعارف بِاللَّه عبد الْوَهَّاب الشعراوي وَأبي النجا سَالم السنهوري الْمَالِكِي وَالشَّيْخ العمريطي وبمكة عَن ابْن حجر الْمَكِّيّ وَغَيرهم وَرجع إِلَى دمشق وَكَانَ يجلس فِي الزاوية الغزالية يدرس ويقري وانتفع بِهِ خلق كثير وَكَانَ دينا خيرا مَقْبُول الرِّوَايَة ذكره الشَّيْخ عبد الْبَاقِي الْحَنْبَلِيّ فِي مشيخته وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَهُوَ من جملَة من روى عَنهُ وَأَخْبرنِي وَلَده أَبُو بكر وَهُوَ الْآن فِي الاحياء أَن ولادَة وَالِده كَانَت فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف والعرعاني بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَبعدهَا ألف وَنون نِسْبَة إِلَى عرعان قَرْيَة بالبقاع العزيزي الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد الْهَادِي بن عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن ابْن الشَّيْخ عَليّ اليمني الْمُفْتِي أَخذ عَن وَالِده وعميه الشَّيْخ شهَاب الدّين وَأبي بكر عدَّة عُلُوم مِنْهَا التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه والنحو والتصوف وَأخذ عَن شيخ الاسلام عبد الله بن شيخ وَولده زين العابدين العيدروس وَأخذ عَن السَّيِّد الْجَلِيل عبد الرَّحْمَن بن عقيل وَغَيرهم ثمَّ ارتحل إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَأخذ بهما عَن جمَاعَة مِنْهُم الْعَارِف

стр. 314

بِاللَّه تَعَالَى أَحْمد عَلان وَشَيخ الاسلام السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم الْبَصْرِيّ ولازمه مُلَازمَة تَامَّة حَتَّى تخرج بِهِ وَكَانَ يُحِبهُ ويثني عَلَيْهِ وزوجه بنته وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ الشَّيْخ عبد الْعَزِيز الزمزمي وَالشَّيْخ أَحْمد الْخَطِيب وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْبري الْمَالِكِي الْمدنِي وَالشَّيْخ عبد الْملك العصامي وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الخياري وَغَيرهم من أهل الْحَرَمَيْنِ وَلبس الْخِرْقَة من جمع كثير وأذنوا لَهُ بالالباس وأجازوه بالافتاء والتدريس فَجَلَسَ للاقراء بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَكَانَ لَهُ اعتناء بِكِتَاب احياء عُلُوم الدّين فَأَقْرَأهُ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام سِتّ مَرَّات وقرأه على وَالِده أَربع مَرَّات على شَيْخه عبد الله بن شيخ العيدروس أَربع مَرَّات وَرُبمَا قَرَأَ فِي التَّفْسِير وحضره جم وافر وَكَانَ طلق اللِّسَان متدرعاً جِلْبَاب الطَّاعَة عَاملا بِعِلْمِهِ حَافِظًا لِلِسَانِهِ وفهمه مواظباً على السّنَن النَّبَوِيَّة كثير التِّلَاوَة لِلْقُرْآنِ ملازماً للذّكر مَعَ غَايَة من الزّهْد والقناعة وَكَانَ شَدِيد الانكار يثب على الْمُنكر كَأَنَّهُ صَاحب ثأر لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وَلَا تَأْخُذهُ رأفة فِي دين الله وَإِذا حضر مَجْلِسا احتاط الْحَاضِرُونَ فِي ستر الْمُنْكَرَات والمتهجنات وَحكي أَنه دخل على بعض أَرْبَاب الدولة وَعِنْده من يضْرب بالآلة فأسكت المسمعين وَوعظ الْحَاضِرين وَأمرهمْ بِالتَّوْبَةِ وَكَانَ لطيف المعاشرة حسن المذاكرة لَهُ كرامات كَثِيرَة مِنْهَا أَنه دَعَا لجَماعَة من أَصْحَابه بمطالب دينية ودنيوية فنالوها ببركة دُعَائِهِ وَمِنْهَا أَن بعض أَصْحَابه اعتراه وسواس شديدحتى اتّفق لَهُ أَنه كَانَ فِي الطّواف فتخيل لَهُ أَنه خرج مِنْهُ بَوْل فأسرع بِالْخرُوجِ من الْمَسْجِد خشيَة تلويثه ثمَّ نظر إِلَى ثَوْبه فَلم يجد بللاً وَشك فِي وضوئِهِ وطهارة ثَوْبه وتعب تعباً شَدِيدا فَمر بِهِ صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالة فتلعق بِهِ وألزمه بِالدُّعَاءِ لَهُ فِي رفع تِلْكَ الوسوسة فَدَعَا لَهُ فأذهبها الله عَنهُ من حِينَئِذٍ وَكَانَ يحب الْفُقَرَاء والضعفاء ويكرمهم وَتخرج بِهِ جمَاعَة فِي عدَّة عُلُوم لَا سِيمَا التصوف وألبس الْخِرْقَة لجَماعَة وَلم يزل على حَالَته إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بالمعلاة عِنْد قُبُور السَّادة الْأَشْرَاف بني علوي وقبره مَعْرُوف يزار رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالزريابي الدِّمَشْقِي الْمَالِكِي قَاضِي الْمَالِكِيَّة وفقيههم بِدِمَشْق كَانَ من الْفُضَلَاء الْمَشْهُورين والنبلاء المعروفين نَشأ بِدِمَشْق وَقَرَأَ على الْعَلامَة عمر بن مُحَمَّد الفاري وَالشَّيْخ تَاج الدّين المقرءوني ثمَّ رَحل إِلَى الْقَاهِرَة وتفقه على الْبُرْهَان اللَّقَّانِيّ وَأخذ عَنهُ بَقِيَّة الْعُلُوم وَأخذ من غَيره وَمكث ثَمَان

стр. 315

سِنِين وَعَاد إِلَى دمشق وَولي إِفْتَاء الْمَالِكِيَّة وَالْقَضَاء بمحكمة الْبَاب عَن وَالِده وَذَلِكَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف ودرس بِالْمَدْرَسَةِ اليونسية بعد وَفَاة الْعَلامَة مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ الحزرمي الْبَصِير الْآتِي ذكره سنة سِتّ وَأَرْبَعين ثمَّ فِي أَوَاخِر سنة تسع وَأَرْبَعين شرع فِي عمَارَة الشَّيْخ أرسلان قدس الله سره الْعَزِيز وَانْقطع هُنَاكَ وَصرف مَالا جزيلاً وَكَانَ صَاحب ثروة وأجرى مَاء للشباك قبالة الضريح وَكَانَ ينظم الشّعْر وَمن شعره قَوْله لما عمر الْعِمَارَة الْمَذْكُورَة (قد شاده خويدم الأعتاب ... أَحْمد ذَاك الْمَالِكِي بِالْبَابِ) (فِي رَأس خمسين وَألف تتلو ... من هِجْرَة النَّبِي وَالْأَصْحَاب) وَقَوله يمدح الشَّيْخ أرسلان (رسْلَان يَا كَهْف لَدَى دَرك المنى ... وغياثنا وملادنا وَالْمطلب) (وَإِذا ألم بك الزَّمَان بنائب ... فانهض إِلَيْهِ فَهُوَ باز أَشهب) وَقَوله أَيْضا فِيهِ (أرسلان قد أظمأت نفسا تعشقت ... بحب إِلَه الْعَالمين تعشقا) (وأرويت مذ أرويت زند ولَايَة ... واسقيت أهل الشَّام كاسا مرّة وقا) وَكَانَت وِلَادَته سنة إِحْدَى وَألف وَتُوفِّي فِي سَابِع عشرى جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمسين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الحسني الْمَعْرُوف بِابْن النَّقِيب الْحلَبِي الأديب المفنن البارع الْمَشْهُور ذكره البديعي فِي ذكرى حبيب فَقَالَ فِي حَقه عنوان الْفضل وبسملة كِتَابه وَفصل خطابه وفذلكة حسابه وسهام كِنَانَته ودلاص عيابه ورواء الشَّهْبَاء فخامة وجلالاً ووسامة وإقبالاً وَقد جمع الله لَهُ أَسبَاب السَّعَادَة كَمَا قصر عَلَيْهِ أدوات السِّيَادَة وَهُوَ فِي اقتناء السودد فريد وَإنَّهُ لحب الْخَيْر لشديد ومنزلته فِي النّظم رفيعة وطريقته فِي النثير بديعة ينظم فينثر الدُّرَر وينثر فينظم الْغرَر وحاشيته على الدُّرَر تشهد بِأَن الواني وابي وحبرية أثر فِي نَفسه وبراعته برهَان حق على مين مان فكم نمقت أفكاره فِي غلس الديجور مَا هُوَ أوقع فِي النُّفُوس من حور الْحور وقيدت بسلاسل السطور شوارد يقتبس مِنْهَا مشكاة الْهدى والنور وَهُوَ الْآن للأدب وأصوله وأنوعه وفصوله إِمَام أئمته وَمَالك أزمته ويروى غليل الإفهام سلسال تَقْرِيره وتحلى أجياد الأقلام عُقُود تحريره انْتهى قلت وَقد

стр. 316

رَأَيْت خَبره معصلا فِي بعض مَا كتبه إِلَى السَّيِّد عبد الله الْحِجَازِي رَحمَه الله تَعَالَى من تراجم الحلبيين قَالَ ولد بحلب وَبهَا نَشأ وَأخذ عَن الْعَلامَة عمر العرضي وَغَيره وتأدب بإبراهيم بن المنلا وبرع ورحل إِلَى قسطنطينية وَولي الْقَضَاء بُرْهَة ثمَّ تقاعد عَن رُتْبَة الْقُدس وَولي نِيَابَة الْقَضَاء بحلب وَكَانَ لَهُ إحاطة تَامَّة بأنواع الْفُنُون وَقَرَأَ عَلَيْهِ جمَاعَة من مشاهير فضلاء حلب وَبِه انتفعوا وَألف حَاشِيَة على الْفُنُون وَقَرَأَ عَلَيْهِ جمَاعَة من مشاهير فضلاء حلب وَبِه انتفعوا وَألف حَاشِيَة على الدُّرَر وَالْغرر فِي الْفِقْه وأجاد فِيهَا جدا واطلعت أناله على تحريرات كَثِيرَة تدل على دقة نظره وغزارة فَضله أما شعره ونثره فاليهما النِّهَايَة فِي الْحسن فَمن شعره قَوْله من قصيدة (سقى الله عَيْشًا مر فِي زمن الصِّبَا ... وحياه عني بالعبير نسيم) (ودهراً بقسطينية قد قطعته ... إِذا السعد عبد لي بهَا وخديم) (بِلَاد هِيَ الدُّنْيَا إِذا مَا قطنتها ... فَوجه الْأَمَانِي مُسْفِر ووشيم) (وَمَا هِيَ الا جنَّة الْخلد بهجة ... وَمَا غَيرهَا إِلَّا لظى وجحيم) (فكم فِي مغانيها قضيت لبانة ... وزالت عَن الْقلب الكليم هموم) (وَقرب أبي أَيُّوب كم رَوْضَة إِذا ... حللت بهَا يَوْمًا فلست تريم) (تَقول إِذا شاهدت عالي قُصُورهَا ... أهذي جنان زخرفت ونعيم) (جرى مَاؤُهَا كالسلسبيل فمثلها ... إِذا مَا تذكرت الْبِقَاع عديم) (كستها الغوادي حلَّة سندسية ... وَأهْدى شذاها للنفوس شميم) (وبالسفح سفح الطوبخانة أَربع ... لَهَا النسْر فِي جو السَّمَاء نديم) (تلوح بهَا الغيد الصَّباح كَأَنَّمَا ... علوا وإشراقا تلوح نُجُوم) (يقابلها ذَاك الخليج بصفحة ... كَأَن لَهَا متن السَّمَاء خديم) (ترى السفن فِيهَا جاريات كَأَنَّهَا ... جِيَاد فَمِنْهَا سَابق ولطيم) (وَعند الحصارين المنيعين جيرة ... حَدِيث علاهم فِي الْأَنَام قديم) (عجبت لأيامي بهم كَيفَ لم تدم ... وَهل دَامَ شَيْء غَيرهَا فتدوم) وَكتب لبَعض الكبراء مَعَ قطاع من الصيني أهداها لَهُ قَوْله (إِن قصر الدَّاعِي وَأهْدى بِلَا ... روية محتقرا نزرا) (من عمل الصين قطاعا أَتَت ... لَا تسْتَحقّ الْوَصْف والذكرا) (فاعذر فقد أهْدى إِلَيْك الثنا ... عقد انظيما يخجل الْبَدْر)

стр. 317

وَكتب مَعَ أُخْرَى يعتذرا عَن هَدِيَّة قَوْله (وهديت الْيَسِير فانعم وقابل ... نزره بِالْقبُولِ والامتنان) (فَلَو أَن العيوق وَالشَّمْس والبدر ... مَعَ الفرقدين فِي إمكاني) (كنت أَهْدَيْتهَا وقدمت عذرا ... وَرَأَيْت الْقُصُور مَعَ ذَاك شاني) وَقَالَ من فصل وَهُوَ مِمَّا يخْتَار لِلْكَاتِبِ مَعَ الْهَدَايَا قد جرت الْعَادة بمهاداة الخدم للسادة رَجَاء أَن يجددوا لَهُم ذكرا وَإِن كَانَت الْهَدِيَّة شَيْئا نزرا وَلَهُم فِي ذَلِك أُسْوَة بالسحاب إِذا أهْدى الْقطر إِلَى تيار الْبَحْر وبالنسيم إِذا أهْدى النشر إِلَى حديقة الزهر وَله من قصيدة يُخَاطب بهَا صديقا لَهُ (تَزُول الرواسِي عَن مقرّ رسومها ... وودي على الْأَيَّام لَيْسَ يَزُول) (وَلست بِمن يرضيه من أهل وده ... خَفِي وداد فِي الْفُؤَاد دخيل) (إِذا لم يكن فِي ظَاهر الْمَرْء شَاهد ... على سره فالود مِنْهُ عليل) (أأرضى بود فِي الْفُؤَاد مغيب ... وَلَيْسَ إِلَى علم الغيوب سَبِيل) (وَأَقْبل عَن هجري اعتذار مزينا ... تمحلته أَنِّي إِذا لجهول) (لعمرك قد حركت مَا كَانَ سَاكِنا ... وعلمتني بِالْغَيْبِ كَيفَ أصُول) وَكتب إِلَى العلامك البوسنوي يودعه حِين توجه إِلَى الرّوم من حلب من غير عزل وأقامه مقَامه (ركابك مقرون بعز وإقبال ... وسيرك مَيْمُون بطالعك العالي) (رحلت فأضرمت الْقُلُوب بجمرة ... وكل مَا أوريت من حرهَا صالي) (وغادرتنا حلف التأسف والأسى ... نبيت بآلام وتغدو بأوجال) (إِذا مَا تذكرنا زَمَانك وَالَّذِي ... جنيناه فِيهِ من جنى كل إفضال) (تمزق درع الصَّبْر عَنَّا تلهفا ... عَلَيْهِ وَلم نَبْرَح رهائن بلبال) (فَمَا أَنْت إِلَّا الْغَيْث نخصب إِن دنا ... ونجدب إِمَّا هم عَنَّا بترحال) (وَقد كَانَت الشَّهْبَاء لما حللتها ... تجر مروط الْعِزّ ناعمة البال) (وتفخر إعجابا وَمَا ذَاك بِدعَة ... فكم من عرين نَالَ فخرا بريبال) (فَصَارَت وَقد أَعرَضت عَنْهَا خلية ... عَن الْعدْل والانصاف فِي أسوء الْحَال) (كَانَ أمرأ الْقَيْس انتحاها بقوله ... أَلا عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي) وَقَالَ يُخَاطب بعض أَصْحَابه بقوله

стр. 318

(رويدك شَأْن الدَّهْر أَن يتغيرا ... وشمته أَنا مَا صفا أَن يكدرا) (وعادته الشعاء فِي النَّاس أَنه ... إِذا جَاءَ بالبشرى تحول منذرا) (فَلَا بؤسه يبْقى وَأما نعيمه ... فكالطيف إِذْ تَلقاهُ فِي سنه الكرا) (فَلَا تَكُ مَسْرُورا إِذا كَانَ مُقبلا ... وَلَا تَكُ حزونا إِذا هُوَ أدبرا) (فَأَي دجى هم دهاك وَلم تَجِد ... صبا حَاله بالبشر وأفاك مُسْفِرًا) (وَقد هزلت أيامنا فَلَو أَنَّهَا ... أتتنا بجد كَانَ للهزل مظْهرا) وَمِنْهَا (وَلَيْسَ بِعَيْب الْبَدْر فقدان نوره ... إِذا كَانَ بعد الْفَقْد يظْهر مقمرا) وَكتب إِلَى بعض الموَالِي يودعه (أمامك التَّوْفِيق والرشد ... وخدنك التأييد والسعد) (وَكلما حليت فِي منزل ... قابلك الاقبال وَالْجد) (رحلت عَن ثهبائنا فانزوى ... الْفضل بهَا وانطمس الْمجد) (من بعد مَا أجريت عدلا بهَا ... فِيهِ تساوى الْحر وَالْعَبْد) (فَكُن مثل الشَّمْس ماشانها ... بِالنورِ إِلَّا الاعين الرمد) (فَكنت مثل الْورْد مَا زرتنا ... حَتَّى ترحلت كَذَا الْورْد) (لَا بل كريعان الصِّبَا سرنا ... حينا وَلَكِن ساءنا الْفَقْد) (فَاذْهَبْ فَأَنت الْغَيْث مَا حل فِي ... منزلَة الاله خمد) وَله وَهُوَ فِي غَايَة الْجَوْدَة (لدواة داعيكم مداد شَاب من ... جور الزَّمَان وَقد رثت لمصابه) (فَأَتَت تؤمل فَضلكُمْ وتروم من ... إحسانكم تَجْدِيد شرخ شبابه) وَكتب صدر رِسَالَة (أَيهَا الْفَاضِل الَّذِي خصّه الله ... من الْفضل والحجى بلبابه) (إِن شوقي إِلَيْك لَيْسَ بشوق ... يُمكن الْمَرْء شَرحه فِي كِتَابه) وَكتب إِلَى السَّيِّد مُحَمَّد العرضي قبل توجهه إِلَى الرّوم (مَا زلت محسوداً على أيامكم ... حَتَّى غَدَوْت ببعدكم مرحوما) (وَمن البلية قبل توديعي لكم ... أَصبَحت رزقا للنوى مقسوما) فَأَجَابَهُ وَكَانَ محموما (وافي الْكتاب وَكنت قبل وُرُوده ... من خوف ذكر فراقكم محموما)

стр. 319

(هَذَا ولي أَمر بصرفة عزمكم ... عَنهُ فَكيف إِذا غَدا محتوما) وَله (إِن شوقي يحل عَن أَن يُؤَدِّي ... بعض أَوْصَافه لِسَان اليراع) وَكتب لمن أَعَارَهُ مجموعا (مولَايَ هَب أَن الْمُحب فُؤَاده ... هبة مسلمة بِغَيْر رُجُوع) (فاقنع فديتك بالفؤاد تفضلا ... وانعم وَلَا تتبعه بالمجموع) قلت مِمَّا يُنَاسب هَذَا الْمَضْمُون وَيحسن موقعه عِنْده فِي المماطلة بِمَجْمُوع أَن الصَّدْر تَاج الدّين أَحْمد بن الْأَمِير الْكَاتِب اسْتعَار مجموعا من مُجَاهِد الدّين بن شقير وَأطَال مطله بِهِ فاتفق يَوْمًا أَن حضر إِلَى ديوَان المكاتبات فَقَالَ لَهُ ابْن الْأَمِير كَيفَ أَنْت يَا مُجَاهِد الدّين وَالله قلبِي وخاطري عنْدك فَقَالَ لَهُ وَالله وَأَنا محمو عي عنْدك فطرب لَهُ الْحَاضِرُونَ وَمن رباعيات ابْن النَّقِيب قَوْله (يَا من اخْتَرْت لي حبيباً قبله ... يَا من صيرت حسنه لي قبله) (روحي لَك قد أَخَذتهَا خَالِصَة ... فَاجْعَلْ ثمن الْمَبِيع مِنْهَا قبله) وَلما انْتقل أَخُوهُ بالوفاة كتب إِلَى أبي الْوَفَاء العرضي وَكَانَ أُصِيب بولديه قَوْله (رزء ألم وحسرة تتوالى ... ومصيبة قد جرت الأذيالا) (وجليل خطب لَو تكلّف حمله ... ثهلان ذُو الهضبات دك ومالا) (وفراق الف إِن أردْت تصبرا ... عَنهُ أردْت من الزَّمَان محالا) (وغروب عين لَيْسَ تفتر دَائِما ... عَن سكب رقراق الدُّمُوع سجالا) (بعد الدَّهْر شَأْنه أَن لَا يرى ... إِلَّا خؤونا غادرا محتالا) (نغتر فِيهِ بالسلامة بُرْهَة ... ونرى الْمَآل تمحقا وزوالا) (ويعيرنا ثوب الشبيبة ثمَّ لم ... يبرح بِهِ حَتَّى يرى أسمالا) (قبحت يَا وَجه الزَّمَان فَلَا أرى ... لَك بعد أَن فقد الْجمال جمالا) (ذَاك الَّذِي قد كَانَ قُرَّة ناظري ... وقرار قلبِي بل وَأعظم حَالا) (قد كنت أَرْجُو أَن يُؤَخر يَوْمه ... عني وَيحمل بعدِي إِلَّا ثقالا) (وَيَذُوق مَا قد ذقته لفراقه ... ويمارس الْأَهْوَال والأوجالا) (فتطاولت أَيدي الْمنية نَحوه ... وَبقيت فَردا أندب الأطلالا) (كُنَّا كغصني بانة قطع الردى ... منا الأغض إِلَّا رطب الميالا) (أَو كاليدين لذات شخص وَاحِد ... كَانَ الْيَمين لَهَا وَكنت شمالا)

стр. 320

(أسفى عَلَيْهِ شمس فضل عوجلت ... بكسوفها وعماد مجد مَالا) (لَا كَانَ يَوْمًا حسم فِيهِ فراقنا ... فَلَقَد أَطَالَ الْحزن والبابالا) (فبقى ضريحا صله صوب الحيا ... فِي كل وَقت لَا يغيب وصالا) وَمِنْهَا (هَيْهَات من لي بالرثاء وفقده ... لم يبْق فِي بَقِيَّة ومجالا) (أفحمتني يَا رزأه من بَعْدَمَا ... كنت الفصيح المصقع القوالا) (من لي بطبع اللوذعي أبي الوفا ... ذَاك الَّذِي بِالسحرِ جَاءَ حَلَالا) (مولى إِذا وعظ الْأَنَام رَأَيْته ... يلقى على كل امْرِئ زلزالا) (بزواجر لَو أَنه استقصى بهَا ... أهل الضلال لما رَأَيْت ضلالا) (مولَايَ يَا صدر الزَّمَان وَمن غَدا ... لِبَنِيهِ غوثا يرتجى وثمالا) (ذِي نفثة المصدور قد سرحتها ... لحماك تَشْكُو بثها إدلالا) (أَن الْمُصِيبَة ناسبت مَا بَيْننَا ... إِذْ حولت بحلولها إِلَّا حوالا) (فثكلت مخدومين كل مِنْهُمَا ... قد كَانَ فِي أفق السُّعُود هلالا) (لَو أمهلا مَلأ الْعُيُون محاسنا ... وَكَذَا الْقُلُوب مهابة وكمالا) (ولكان هَذَا للمعالي نَاظرا ... ولكان هَذَا فِي طلاها خالا) (خطفتهما أَيدي الْمنون وغادرت ... مَاء الْعُيُون عَلَيْهِمَا هطالا) فَأَجَابَهُ بقصيدة مِنْهَا (لهفي على بدر تَكَامل بَعْدَمَا ... قد سَار فِي ذَاك الْكَمَال هلالا) (أعظم بِهِ رزأ أتاح مضائبا ... فت القوب ومزق الأوصالا) (مَا كنت أعلم قبل حمل سَرِيره ... أَن الرِّجَال تسير إِلَّا جبالا) (وَعَجِبت للبحر الْمُحِيط بحفرة ... هَل غَابَ حَقًا أَو أرَاهُ خيالا) (يَا دافنيه من الْحيَاء تقنعوا ... غيبتم شمس الْغَدَاة ضلالا) (عهدي الْغَمَام حجابها مَالِي أرى ... أضحى الْحجاب جناد لَا ورمالا) وَكتب إِلَيْهِ فِي هَذَا الشَّأْن قَوْله (خطب بِقرب دونه الآجالا ... ويمزق الأحشاء والأوصالا) (فدع الجفون تجود إِن نضبت ... سحائب دمعها فِيهِ دَمًا هطالا) (أفلت نُجُوم الْفضل من فلك العلى ... ووهي ثبير المكرمات ومالا) (فقدت أولو الْأَلْبَاب الْمجد الَّذِي ... عدموا بفقد حَيَاته الإقبالا)
следующие страницы →