← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الإِمَام حسن بن عَليّ بن دَاوُد بن الْحسن بن عَليّ بن الْمُؤَيد المؤيدي قَامَ بِالْيمن فِي نصف شهر رَمَضَان سنة خمس وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقَامَ مَعَه الشِّيعَة فِي صعدة فَخرج مِنْهَا إِلَى جبل الأهنوم فاشتعلت الأَرْض نَارا وَفتح جملَة قرى وَأرْسل رسله بالرسائل وَكتب إِلَى لطف الله بن المطهر فَلم يجبهُ واضطربت عَلَيْهِ الْبِلَاد وَكتب إِلَى مُحَمَّد بن شمس الدّين بِمثل ذَلِك فَلم يجبهُ أَيْضا وَكتب إِلَى يحيى بن المطهر فكاد أَنه يُجيب وغره أحد إخْوَان الإِمَام فَأجَاب وَسلم إِلَيْهِ بعض الْحُصُون فَوجه لطف الله عبد الله بن أَحْمد بن شمس الدّين والنقيب مرجان فَخَرجُوا إِلَى الْخشب وفتحوا مَا قد خَالف ثمَّ خرج الْأَمِير سِنَان أعانة لَهُم من قبل مُرَاد باشا فهزموا أَصْحَاب الإِمَام وسكنت بِلَاد زمرمر وَعَاد سِنَان إِلَى صنعا ثمَّ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة توجه سِنَان الْمَذْكُور لِحَرْب الإِمَام الْحسن إِلَى الأهنوم وَاسْتولى سِنَان على أَكثر بِلَاد الإِمَام وضايقه فِي شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة فتح سِنَان جَمِيع بِلَاد الأهنوم وانحصر الإِمَام الْحسن فِي مَحل يُقَال لَهُ الصاب فنجح إِلَى السّلم وَخرج إِلَى يَد الْأَمِير سِنَان فِي سادس عشر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَمن عَجِيب الِاتِّفَاق أَنه دعى بِالْإِمَامَةِ فِي النّصْف من شهر رَمَضَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَأسر فِي النّصْف مِنْهُ سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَوصل الإِمَام الْحسن صُحْبَة الْأَمِير سِنَان إِلَى الْوَزير آخر يَوْم من شهر رَمَضَان فأودعه الْحِفْظ وَفِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ خَامِس عشر شَوَّال مِنْهَا وَجه الْوَزير الْأَمِير سِنَان بِالْإِمَامِ الْحسن وبأولاد المطهر لطف الله وَعلي وَيحيى وَحفظ الله وَإِبْرَاهِيم وَعبد الله وَجَمَاعَة آخَرين إِلَى الرّوم فَسَار بهم إِلَى المخا وأركبهم السَّفِينَة وَعَاد فَمَاتَ أَوْلَاد المطهر بالروم وَاحِدًا بعد وَاحِد وَتُوفِّي الإِمَام الْحسن بالروم أَيْضا فِي رَجَب سنة أَربع وَعشْرين وَألف ﵀ حسن بن عَليّ بن حسن بن أَحْمد بن مَحْمُود العاملي الكونيني الشهير بالحانيني من أهل الْفضل وَالْأَدب جم الْفَائِدَة كَانَ شَاعِرًا مطبوعا كثير النّظم لَهُ فِيهِ الباع الطَّوِيل وَكَانَ مُقيما بِبَلَدِهِ بَيت حانيني من ضواحي صفد وَأفْتى مرّة فِي حَيَاة الشهَاب أَحْمد الخالدي الْمُقدم ذكره وَقد وقفت لَهُ على أشعار كَثِيرَة فِي مَجْمُوع جمع صَاحبه فِيهِ المدائح الَّتِي مدح بهَا الْأَمِير فَخر الدّين بن معن فانتقيت بَعْضًا مِنْهَا من ذَلِك قَوْله من قصيدة مدح بهَا الْأَمِير الْمَذْكُور ومطلعها (لنا فِي هوى ذَات الوشاح مَقَاصِد ... وَفِي خالها للعاشقين مراصد)

стр. 527

(على حبها نحيا ونحشر فِي الْهوى ... وَنحن على ميثاقها نتعاهد) (يقد قُلُوب الْأسد مائس قدها ... وللصيد مِنْهَا فِي الجفون مصايد) (أعارت شريد الريم حسن تلفت ... كَمَا قد أعارتها الْعُيُون إِلَّا وأبد) (موردة الْخَدين دعجاء طفلة ... برهرهة خمصانة الْبَطن ناهد) (غريرة حسن هام عِنْد جمَالهَا ... وَطيب شذاها مُسْتَقِيم وفاسد) (تعلمت الْبيض البواتر فتكها ... وَمن لينها سمر الرماج موايد) (أسَال دم العشاق سيف لحاظها ... على وجنتيها والغرام مساعد) (أذاب على الْخَدين ورد شقائق ... بأكنافه ذوب الشبيبة جامد) (مهاة مَتى أَلْقَت عقارب صدغها ... تشكل مِنْهَا فِي الْقُلُوب أساود) (فتاة كَانَ الصُّبْح فَوق جبينها ... وَبدر الدجى من جيبها متصاعد) (كَانَ هلالي الصَّوْم وَاضح طوقها ... وَمن خَلفه نظم النُّجُوم قلائد) (كَانَ خفوق الْبَرْق قلب عشيقها ... إِذا لامه بَين المحافل زاهد) (كَانَ سنا أوصافها مدح كَامِل ... وَبسط ثناه والأنام شَوَاهِد) وَهِي طَوِيلَة جدا فلنكتف مِنْهَا بِهَذَا الْمِقْدَار وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف الْحسن بن عَليّ بن جَابر الهبل اليمني ذكره ابْن أبي الرِّجَال فَقَالَ فِي وَصفه بديع الزَّمَان وقريع الأوان من لَا عيب فِيهِ سوى بعد بِلَاده وَقرب ميلاده فالمندل الرطب فِي أوطانه خشب أما صغر الميلاد فَللَّه در أَبى الطّيب حَيْثُ يَقُول (لَيْسَ الحداثة من حلم بمانعة ... قد يُوجد فِي الشبَّان والشيب) وَأما بعد الْبِلَاد فَأمر لَا يعتبره الحذاق وَإِن قَالُوا الْقرب المفرط مَانع لَا دراك الأحداق وَقَالَ بعض النَّاس (عذيري من عصبَة بالعراق ... قُلُوبهم بالجفا قلب) (يرَوْنَ العجيب كَلَام الْغَرِيب ... وَأما الْقَرِيب فَلَا يطرب) (وَعذرهمْ عِنْد توبيخهم ... مغنية الْحَيّ لَا تطرب) لَكِن الْعَاقِل الْفَاضِل لَا ينجح إِلَى التَّقْلِيد حَتَّى فِي تَفْضِيل الْحَصْبَاء على لآلئ الْجيد وَأَن الْإِنْصَاف من أجمل الْأَوْصَاف ولد بصنعا وَبهَا نَشأ على الْعِبَادَة والزهادة ومودة لعترة الطّيبَة السَّادة واشتغل بالعلوم والآداب حَتَّى برع على الشُّيُوخ

стр. 528

فضلا عَن الأتراب وَله ديوَان شعر فائق وسحر حَلَال رائق فِي كل معنى مليح نهيج مناهج الأدباء وجاراهم فِي رقيقهم وجزلهم وجدهم وهزلهم وَهُوَ مَعَ ذَلِك السَّابِق المجلي وَلَقَد رَأَيْت لَهُ مقاطيع باهرة وقصائد فاخرة وَنَفسه أشبه بِشعر الْحُسَيْن ابْن حجاج غيرانه مصون عَن الإقذاع وَأَنَّهَا هُوَ فِي الفصاحة والنصاعة وجودة السبك والصناعة وَقد كَانَ يُقَال أَن ابْن حجاج نَفسه يشبه نفس امْرِئ الْقَيْس ابْن حجر وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة قَوْله فِي الوعظيات (أَيْن اسْتَقر السّفر الأول ... عَمَّا قريب بهم ننزل) (مروا سرَاعًا نَحْو دَار البقا ... وَنحن فِي آثَارهم نرحل) (مَا هَذِه الدُّنْيَا لنا منزلا ... وَإِنَّمَا الْآخِرَة الْمنزل) (قد حذرتنا من تصاريفها ... لَو أننا نسْمع أَو نعقل) (يُطِيل فِيهَا الْمَرْء آماله ... وَالْمَوْت من دون الَّذِي يأمل) (بحلوله مَا مر من عيشها ... ودونه لَو عقل الحنظل) (ألهته عَن طَاعَة خلاقه ... وَالله لَا يلهو وَلَا يغْفل) (يَا صَاح مَا لَذَّة عَيْش بهَا ... وَالْمَوْت مَا تَدْرِي مَتى ينزل) (يَدْعُو لي الأحباب من بَيْننَا ... يجِيبه الأول فَالْأول) (يَا جَاهِلا بِجهْد فِي كسبها ... أغرك المشرب والمأكل) (وَيَا أَخا الْحِرْص على جمعهَا ... مهلا فعنها فِي قد تسئل) (لَا تتعبن فِيهَا وَلَا تأسفن ... لما مضى فَالْأَمْر مُسْتَقْبل) (مَا قَوْلنَا بَين يَدي حَاكم ... يعدل فِي الحكم وَلَا يعْزل) (مَا قَوْلنَا لله فِي موقف ... يخرس فِيهِ المصقع الْمَقُول) (وَإِن سئلنا فِيهِ عَن كل مَا ... نقُول فِي الدُّنْيَا وَمَا نَفْعل) (مَا الْفَوْز للْعَالم فِي علمه ... وَإِنَّمَا الْفَوْز لمن يعْمل) وَقَوله (لَا تعْتَبر ضعف حَالي وَاعْتبر أدبي ... وغض عَن رث أطماري وأسمالي) (فَمَا طلابي للدنيا بممتنع ... لَكِن رَأَيْت طلاب الْمجد أسمى لي) وَقَوله فِي العفاف (مَا زلت من درن الدنا يَا صائنا ... عرضا غَدا كالجوهر الشفاف) (وَإِذا جرى مرجا بميدان الصِّبَا ... مهر الْهوى ألحمته بعفاف)

стр. 529

(وأذاهم وصفوا محَاسِن شادن ... مُسْتَكْمل لمحاسن الاوصاف) (أبديت فِيهِ من النسيب غرائبا ... ووصفت فِيهِ مَا عدا الأرداف) وَقَوله قَرِيبا من هَذَا الْمَعْنى (تغزلت حَتَّى قيل أَنِّي أَخُو الْهوى ... وشببت حَتَّى قيل فَاقِد الأوطان) (وَمَا بِي من عشق وشوق وَإِنَّمَا ... أتيت من الشّعْر البديع بإفنان) وَقَوله من قصيدة (حتام عَن جهل تلوم ... مهلا فَإِن اللوم لوم) (طرفِي الَّذِي يشكو السها ... دو قلبِي المضنى الكليم) (إِن الشقا فِي الْحبّ عِنْد ... العاشقين هُوَ النَّعيم) (مَا الْحبّ إِلَّا مقلة ... عبراء أَو جسم سقيم) (يَا من أكتم حبه ... وَالله بِي وَبِه عليم) (وبلابل بَين الجوانح ... لَا تنام وَلَا تنيم) (مَالِي وَمَا للوائمى ... أعليك ذُو عقل يلوم) (يَا هَل ترَاهُ يعود لي ... بك ذَلِك الزَّمن الْقَدِيم) (وهنى عَيْش باللوى ... لَو أَن عَيْش هُنَا يَدُوم) (وبرامة إِذْ نلْت من ... وصل الْأَحِبَّة مَا أروم) (يَا حبذا تِلْكَ الربوع ... وحبذا تِلْكَ الرسوم) (يَا تاركين بمهجتي ... شررا يذوب بهَا الْجَحِيم) (طَال المطال وَلم تهب ... لصدق وَعدكُم نسيم) (مطل الْغَرِيم غَرِيمه ... حاشا كم خلق ذميم) وَقَوله أَيْضا (ملكتم فاعدلوا فِي الصب أَو جوروا ... ذَنْب الْأَحِبَّة فِي العشاق مغْفُور) (وَقد تقرر فِي قلبِي مقركم ... دون الورى فأقيموا فِيهِ أَو سِيرُوا) (يَا مخربي ربع صبري بالجفا عَبَثا ... الْحَمد لله ربع الود معمور) (وَيَا مطول هجراني بِلَا سَبَب ... أما بدالك فِي الهجران تَقْصِير) (ومنكرا مَا أُلَاقِي من محبته ... حبي كطرفك بَين النَّاس مَشْهُور) (أَنا الكئيب الْمَعْنى فِي هَوَاك وَإِن ... اظهرت أَنِّي بِمَا أَلْقَاهُ مسرور)

стр. 530

(الْإِخْلَاص لقلبي من صبابته ... فَإِنَّهُ فِي تعَاطِي الْحبّ مغرور) (كم ذَا أكابد ملوم أيسره بالطوردك لَهُ من ثقله الطّور ... ) (وَكم أرى طاويا كشحى على شجن ... ونار قلبِي لَهَا فِي الْقلب تسعير) (وَكم أراقب سارى الطّرف يطرقني ... وَإِنَّمَا الطيف تخييل وتزوير) (يَا للحمى كم على واديه طل دمى ... وكمم فؤاد محب ثمَّ مأسور) (وَفِي مليك جمال سيف مقلته ... مظفر بقلوب النَّاس مَنْصُور) (تبى حبي حسن لَهُ من روض وجنته ... جنَّات عدن وَمن ألحاظه حور) وَقَوله وَفِيه إبداع (يَا من أَطَالَ التجني ... مِنْك الصدود ومني) (مولَايَ إِن طَال هَذَا ... عَليّ فَاعْلَم بِأَنِّي) (أفديك قل لي ... مَاذَا الَّذِي يدالك مني) (تَرَكتنِي متهاما ... حيران أَقرع سني) (أَشْكُو إِلَيْك الَّذِي بِي ... وَأَنت تعرض عني) (وَلم ترق لحالي ... وَلَا رثيت لحزني) (أصخ لشكيتي وارفق ... بجسم فِيك قد نحلا) (وَقل لي من أحل دمي ... وَمن ذَا حرم القبلا) (وَإِن تنكر ضني جَسَدِي ... وَلم تعطف عَليّ وَلَا) (فَكف النبل من عَيْنَيْك ... يَكْفِي بعض مَا فعلا) (وَلَا تطلع لنا خداك وردر ياضها الحضلا ... ) وَقَوله وَفِيه الجناس الْكَامِل (رويدك من كسب الذُّنُوب فَأَنت لَا ... تطِيق على نَار الْجَحِيم وَلَا تقوى) (أترضى بِأَن تلقى الْمُهَيْمِن فِي غَد ... وَأَنت بِلَا علم لديك وَلَا تقوى) وَقَوله (أفزع إِلَى الْبَارِي وَكن ... مِمَّا جنيت على وَجل) (وأرج الْإِلَه فَلم يخب ... راجي الْإِلَه علا وَجل) قد سبق إِلَى هَذَا فِي قَول الْقَائِل (كن من مدبرك الْحَكِيم ... علا وَجل على وَجل) وَقَوله فِي الثِّقَة بِاللَّه وَفِيه الجناس الْكَامِل (ثق بِالَّذِي خلق الورى ... ودع الْبَريَّة عَن كمل)

стр. 531

(إنّ الصّديق إِذا اكْتفى ... وَرَأى غناء عَنْك مل) وَقَالَ وَقدر أَي شَعْرَة بَيْضَاء فِي رَأسه وَفِيهِمَا التورية والاكتفاء (شباب غير مَذْمُوم تولى ... وشيب قد أَتَى أَهلا وسهلا) (مضى عمري الطَّوِيل وَمر عيشي ... كَأَنِّي لم أعش فِي الدَّهْر إِلَّا) وَقَوله (أذن الندى عَن نِدَاء الشّعْر صماء ... فَلَيْسَ يجديك إنشاد وإنشاء) (يَا قالة الشّعْر مهلا لَا أبالكم ... رويدكم مَا لهَذَا الْقدح إيراء) (أَنا لفي زمن ود الفصيح بِهِ ... لَو أَنه ألكن فِي القَوْل فأفاء) (كم تمدحون وَلَا تعطون جَائِزَة ... كَأَنَّمَا مدحكم بِالْمَنْعِ إغراء) (قل للْمَسَاكِين أهل الشّعْر يَا تَعب ... الأفكار إِن لم يصيبهم مِنْهُ إثراء) (هذي الْمُلُوك مُلُوك الأَرْض هَل أحد ... مِنْهُم على سنَن المعروق مشاء) (كم قد مَدْحنَا فَمَا أَجدت مدائحنا ... لأَنهم إِنَّمَا يُعْطون من شاؤا) (مَا للقوافي إِذا أقوت معاهدها ... أَفِي زَمَانك يوهي الشّعْر إقواء) (من ذَا الَّذِي من مقَام الَّذِي ينهضها ... إِن نالها بنعال الذل إيطاء) (أُفٍّ لَهَا خطة يشقى ملابسها ... ضَاقَتْ بصاحبها للْأَرْض أرزاء) (وحرفة أزجيت فِينَا بضاعتها ... فربح صَاحبهَا فقروا كداء) (أَيهَا أغث مستغيثا أَنْت قطّ ... لَهُ المرجوان مَسّه بَأْس وضراء) وَله غير ذَلِك مِمَّا أوردت مِنْهُ كثيرا فِي كتابي النفحة وَكَانَت وَفَاته بصنعا فِي صفر سنة تسع وَسبعين وَألف وَدفن غربي الْقصر السعيد السَّيِّد حسن بن عَليّ بن الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن مُحَمَّد بن عِيسَى النعمي الحسني من فضلاء الزَّمن وأدبائه وعلمائه وشعرائه ولد بصنعا وَبهَا نَشأ وَقَرَأَ الْقُرْآن وَأخذ عَن وَالِده علو مَا جمة وقويت فِي طلب الْعُلُوم همته وَله نظم فاخر مِنْهُ مَا كتبه إِلَى القَاضِي النَّاصِر بن عبد الخفيظ المهلا نَائِيا عَن السَّيِّد جمال الْإِسْلَام مُحَمَّد بن صَلَاح يتشوق إِلَيْهِ بقوله (أَلا بِاللَّه يَا نفس الخيال ... اعدلي ذكر سالفة اللَّيَالِي) (وأتحفني بِذكر أهيل نجد ... وَمَا قد مر فِي تِلْكَ الْخلال) (فَأَنِّي إِن ذكرت زمَان وَصلى ... وَمَا قد مر من حسن اتصالي) (بِمن أهواه فِي عَيْش خصيب ... وَأَيَّام حلالها قد حلالي)

стр. 532

(أكاد أذوب من ولهي عَلَيْهِ ... وأضرب بِالْيَمِينِ على الشمَال) (واصبو للربوع وساكنيها ... وَأبقى فِي افتكار واشتغال) (وَأَرْجُو الله يجمعنا قَرِيبا ... بِذَات النَّفس لَا طيف الخيال) (ونقضي للصبابة والتصابي ... لبانات التواصل والوصال) (وَبعد فَحَث يَا حادي المطايا ... قلوصك باهتمام واحتفال) (وسر عجلا هديت وَلَا تأني ... وجوزها الحضيض مَعَ الرمال) (وأطلعها إِلَى الْجَبَل امتثالا ... وَحط الرحل فِي بلد بهالي) (أخلاء وأحباب وَأهل ... وَأَصْحَاب علوا رتب الْكَمَال) (وَفِيهِمْ نَاصِر الدّين المرجى ... لحل المشكلات من السُّؤَال) (ترَاهُ مذ نسا كلفا بِجمع ... لآثار النَّبِي وَخير آل) (وَإِن أمْلى تدفق مثل بَحر ... تدفق بالجواهر واللآلئ) (فَفِي الْمَعْنى وَفِي المغنى عَظِيم ... جليل فِي الْمقَال وَفِي الفعال) (حباه الله مِنْهُ بِكُل خير ... وفضله على كل الرِّجَال) (وَأَرْجُو الله يجبوني قَرِيبا ... بِأَن أضحى وعزمته قبالي) وَمن شعره أَيْضا قَوْله يُخَاطب السَّيِّد مساعد الْحسنى وَقد قدم من مَكَّة واليا على عتود وبيش وأعمالها بِأَمْر الشريف زيد بن محسن (شمس المحاسن قد لاحت من الْحجب ... فأشرق الْكَوْن نورا غير محتجب) (وَقد بِسمن ثغور الشّعب من عجب ... وماست القضب فَوق الكثب من طرب) (وغنت الْوَرق فِي أفنانها طَربا ... والزهر يفتر عَن طلع وَعَن حبب) (نسل الَّذين سما فِي الْمجد مفخرهم ... حَتَّى علا فَوق هام السَّبْعَة الشهب) (مساعد الِاسْم مَيْمُون الصِّفَات وَمن ... بسقن أعراقه من مغرس الْأَدَب) (صافي النضار وَمَيْمُون الفخار وعلوي ... النجار وسامي النَّفس والرتب) (لم يعرف الْمجد إِلَّا من أبوته ... مورثا مَا حواه عَن أَب فأب) (أَهلا وسهلا أقرّ الْعين مقدمكم ... ومرحبا يَا سليل السَّادة النجب) (تعطرت أَرْضنَا واخضر يابسها ... وافتر مبسمها عَن لُؤْلُؤ شنب) (وماس مخلافنا فِي روضه وزها ... تيها عَن الغوطة الغراء مَعَ حلب) (وفاح مِنْهُ شميم الْورْد وابتهجت ... مِنْهُ النُّفُوس لمرأى الْبَدْر فِي الكثب)

стр. 533

(وافيت للعدل فِيمَا قد ندبت لَهُ لله منتدبا من خير منتدب ... ) (مَا كَانَ ذَا الْملك الْمَنْصُور منتضيا ... من غمد دولته إِلَّا لذى شطب) (لَا يبرح الْيمن والتوفيق خادمه ... وَلَا بَرحت لجمع الشمل وَالنّسب) (وفقت فِي كل مَا قد رمت مرتفيا ... مَرَاتِب الْعِزّ والعلياء والحسب) (واسلم وَدم فِي نعيم لَا يكدره ... صرف الزَّمَان بِمَا يُبْدِي من النوب) وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة فِي مستهل الْمحرم سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بالشبيكة بِالْقربِ من تربة السَّيِّد العيدروس والنعمي نِسْبَة إِلَى جدلهم اسْمه نعْمَة وَهَؤُلَاء سادة أَشْرَاف بَيت علم وَفضل وأدب وهم من ذُرِّيَّة الْحسن الْمثنى ومقامهم بِجِهَة صَبيا وَالْمَشْهُور مِنْهُم الْآن آل مُحَمَّد بن عِيسَى وَآل اخيه أَحْمد بن عِيسَى وَصَاحب التَّرْجَمَة من ذُرِّيَّة مُحَمَّد بن عِيسَى وَأما هَذَا الَّذِي يجي بعده وَأَخُوهُ مُحَمَّد فهما من ذُرِّيَّة أَحْمد بن عِيسَى وَالله تَعَالَى أعلم السَّيِّد حسن بن عَليّ بن حفظ الله بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن عَليّ بن أَحْمد بن عِيسَى النعمي الحسني السَّيِّد الْعَلامَة ابْن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن سَالم بن يحيى ابْن مهنا بن سرُور بن نعْمَة بن فلتية بن حُسَيْن بن يُوسُف بن نعْمَة بن عَليّ بن دَاوُد بن سُلَيْمَان بن عبد الله بن مُوسَى الجون بن عبد الله الْمَحْض ابْن الْحسن الْمثنى بِابْن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه والمحامد السامية والمكارم الْعَالِيَة بدر المحاسن الصاعدة الْعلية ومصباح العترة النَّبَوِيَّة وَحجَّة الأسرة من الْعِصَابَة الفاطمية من انحطت لمعاليه المشيدة طوالع الشهب وَقصرت على أياديه المديدة هوامع السحب ونطقت بمفاخرة العديدة الْآثَار والكتب وَاحِد الكملاء الْفُضَلَاء الَّذين تبوؤا من الطَّاعَات دَارا وَاتَّخذُوا رَوْضَة الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات سكنا وقرارا وَجعلُوا أردية الْفضل وأبنية الْكَرم والبذل شعارا ودثارا ولد سنة تسع وَعشْرين وَألف بالدهنا من أَعمال صَبيا وَبهَا نَشأ وَأخذ عَن السَّيِّد الْعَلامَة عَليّ بن الْحسن النعمي وغيرة وبرع فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والمحاضرات الأدبية وَله أشعار رائقة بديعة مِنْهَا مَا كتبه لعَلي بن الْهَادِي المنسكي معتذرا إِلَيْهِ فِي إبطاء كتبه عَنهُ وَهُوَ قَوْله من كتاب (مَا بعد كتبي عَن الأحباب نِسْيَان ... وَقطع وَصلى لَهُم وَالله سلوان) (أَو سلوة بسواهم لَا وحقهم ... إِنِّي على عَهدهم بَاقٍ وَأَن بانوا) (وَكَيف أسلو وَفِي الأحشاء منزلهم ... وَالْقلب ربع لَهُم والجسم أوطان)

стр. 534

(وَمن إِذا شمت برقا نَحْو ربعهم ... بلت من الدمع أجفان وأردان) (وَمن إِذا الطيف مِنْهُم زارني عجلا ... يشب فِي مهجتي جمر ونيران) وَكتب إِلَيْهِ من فصل وَقد جَاءَ تلقائه الْكتاب الْكَرِيم الشافي وَوصل من نَحوه الْمِثَال الفخيم الوافي جلت طوالعه المهنئة حنادس الهموم وحلت نوارعه فوارس البالاغة فِي يَوْم مشهود لَهُ النَّاس وَذَلِكَ يَوْم مَعْلُوم فَمَا تنزل بِهِ روح لمعانيه من بَيَان سَمَاء البلاغه إِلَّا لشفاء أوامي وَلَا تدلى أَمِين يراعته على بَيَان بلاغته إِلَّا لبرئ أسقامي فَمَا أحلى مَا شربت من زلاله الْمعِين شافيا وَمَا أَلد مَا ارتويت من برد غَيره المغيث صافيا وَمَا أنور مَا تَبَسم بِهِ ثغره عَن لُؤْلُؤ عتاب كريم وَمَا أعطر مَا تنسم بِهِ فجره عَن غفران من الْمولى وَسَلام قولا من رب رَحِيم وَكتب إِلَى القَاضِي الْفَاضِل الْحُسَيْن ابْن النَّاصِر المهلى الشرفي فِي قَوْله متشوقا إِلَيْهِ (لانت لمدلهم الْأَمر بدر ... يضيء وشمس معرفَة وبحر) (وطود مَكَارِم وسبيل حق لِليْل دجى من الشُّبُهَات فجر ... ) (وَنور هدى لمن يعروه جهل ... ويم ندى لمن وافاه فقر) (وفضلك شاع فِي الْعلمَاء حَتَّى ... تداول ذكره شام ومصر) (بيُوت علاك شامخة طوال ... ووروض هَوَاك ناضره يسر) (وفضلك جَاءَنِي فاهتز عطف ... لَهُ منى وطاب بِذَاكَ صدر) (علومك أَصبَحت عسلا مصفى ... وَفِي أَنهَار هالين وخمر) (وخور حسانها متبخترات ... تَدور بشأنها ولهنّ نشر) (واشبه بالنسيم الرطب شَيْئا ... عتاب فِيهِ للمعتوب عذر) (لتأخير الرسائل مِنْك عني ... وَذَلِكَ بَين أهل الودّ فَخر) (وَأَنت حميت نور سَواد عَيْني ... ورق ولاي تَحت ولاك حجر) (فَإِن لكم لَدَى بني المهلى ... وداد أَلا يحول وَلَا يُفَسر) (فجدلى يَا حُسَيْن بِحسن صفج فَمن يعْفُو لَهُ فضل وَأجر ... ) (عَلَيْك تَحِيَّة وَسَلام رب ... رَحِيم مَا أنار وضاء بدر) وَمِمَّا كتب إِلَيْهِ أَيْضا يتشوق بمروره بمحله (منتظر الْقلب مَتى وصلكم ... فحالنا شقّ بِهِ الأنتظار) (والشوق منا لم يزل صالبا ... جوانح الْقلب يجمر ونار)

стр. 535

(وربعنا تهتز أكنافه ... شوقا إِلَيْكُم يَا خِيَار الخبار) (لَا زلتم للحق قَوَّامَة ... وَفِي الْمَعَالِي قادة والفخار) (وَقد جعلت النَّاصِر المرتضى ... أَبَاك اذذاك الصفى النضار) (معتصما من هجركم سَابِقًا ... وملجأ من مثله مستجار) فَرَاجعه القَاضِي بقوله (يَا بدر أفق فِي اللَّيَالِي أنار ... وَمن لَا فلاك الْمَعَالِي أدَار) (يَا رَافعا دَار العلافي المَال ... فداره أضحى رفيع الْمنَار) (وساكنا أَرضًا فأضحت بِهِ ... غراء بَيْضَاء كشمس النَّهَار) (ومنبع السودد وَالْمجد فِي ... دَار لَهُ صارية خير دَار) (وافى إِلَيْنَا النّظم كَاللُّؤْلُؤِ المنظوم ... فِي حور فِيهَا يحار) (فَهُوَ لقلبي وفؤادي شفا ... وليميني ويساري يسَار) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي رَجَب سنة تسع وَسبعين وَألف الشَّيْخ حسن بن عمار بن عَليّ أَبُو الْإِخْلَاص الْمصْرِيّ الشَّرّ نبلالي الْفَقِيه الْحَنَفِيّ الوفائي كَانَ من أَعْيَان الْفُقَهَاء وفضلاء عصره من سَار ذكره فانتشر أمره وَهُوَ أحسن الْمُتَأَخِّرين ملكة فِي الْفِقْه وأعرفهم كبصوصة وقواعده وأنداهم قَلما فِي التَّحْرِير والتصنيف وَكَانَ الْمعول عَلَيْهِ فِي الفتاوي فِي عصره قَرَأَ فِي صباه على الشَّيْخ مُحَمَّد الْحَمَوِيّ وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المسيري وتفقه على الإِمَام عبد الله التحريري والعلامة مُحَمَّد المحيي وَسَنَده فِي الْفِقْه عَن هذَيْن الْإِمَامَيْنِ وَعَن الشَّيْخ الإِمَام عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي مَشْهُور مستفيض ودرس بِجَامِع الْأَزْهَر وَتعين بِالْقَاهِرَةِ وَتقدم عِنْد أَرْبَاب الدولة واشتغل عَلَيْهِ خلق كثير وانتفعوا بِهِ مِنْهُم الْعَلامَة أَحْمد العجمي وَالسَّيِّد السَّنَد أَحْمد الحموى وَالشَّيْخ شاهين الأرمناوي وَغَيرهم من المصريين والعلامة اسماعيل النابلسي من الشاميين وَاجْتمعَ بِهِ وَالِدي المرحوم فِي متصرفه إِلَى مصر وَذكره فِي رحلته فَقَالَ فِي حَقه وَالشَّيْخ الْعُمْدَة الْحسن الشُّرُنْبُلَالِيّ مِصْبَاح الْأَزْهَر وكوكبه الْمُنِير المتلالي لورآه صَاحب السراج الْوَهَّاج لاقتبس من نوره أَو صَاحب الظهيرة لاختفى عِنْد ظُهُوره أَو ابْن الْحسن لأحسن الثَّنَاء عَلَيْهِ أَو أَبُو يُوسُف لأَجله وَلم يأسف على غَيره وَلم يلْتَفت إِلَيْهِ عُمْدَة أَرْبَاب الْخلاف وعدة أَصْحَاب الإختلاف صَاحب التحريرات والرسائل الَّتِي فاقت أَنْفَع الْوَسَائِل مبدى

стр. 536

الْفَضَائِل بإيضاح تَقْرِيره ومحيي ذَوي الإفهام بدر رغرر تحريره نقال الْمسَائِل الدِّينِيَّة وموضح المعضلات اليقينية صَاحب خلق حسن وفصاحة ولسن وَكَانَ أحسن فُقَهَاء زَمَانه وصنف كتبا كَثِيرَة فِي الْمَذْهَب وأجلها حَاشِيَته على كتاب الدُّرَر وَالْغرر لمنلا خسروا واشتهرت فِي حَيَاته وانتفع النَّاس بهَا وَهِي أكبر دَلِيل على ملكته الراسخة وتجره وَشرح منظومة ابْن وهبان فِي مجلدين وَله متن فِي الْفِقْه ورسائل وتحريرات وافرة متداولة وَكَانَ لَهُ فِي علم الْقَوْم بَاعَ طَوِيل وَكَانَ مُعْتَقدًا للصالحين والمجاذيب وَله مَعَهم إشارات ووقائع أَحْوَال مِنْهَا أَن بَعضهم قَالَ لَهُ يَا حسن من هَذَا الْيَوْم لَا تشتر لَك وَلَا لأهْلك وأولادك كسْوَة فَكَانَت تَأتيه الْكسْوَة الفاخرة وَلم يشتر بعْدهَا شَيْئا من ذَلِك وَقدم الْمَسْجِد الْأَقْصَى فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف صَحبه الْأُسْتَاذ أبي الإسعاد يُوسُف بن وفا وَكَانَ خصيصا بِهِ فِي حَيَاته وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْجُمُعَة بعد صَلَاة الْعَصْر حادي عشرى شهر رَمَضَان سنة تِسْعَة وَسِتِّينَ وَألف عَن نَحْو خمس وَسبعين سنة وَدفن بتربة المجاورين والشرنبلالي بِضَم الشين الْمُثَلَّثَة مَعَ الرَّاء وَسُكُون النُّون وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ لَام ألف وَبعدهَا لَام نِسْبَة لشبرا بلولة وَهَذِه النِّسْبَة على غير قِيَاس وَالْأَصْل شبْرًا بلولى نِسْبَة كبلده تجاه منوف الْعليا بإقليم المنوفية بسواد مصر جَاءَ بِهِ وَالِده مِنْهَا إِلَى مصر وسنه يقرب من سِتَّة سِنِين فحفظ الْقُرْآن وَأخذ فِيهِ الإشتغال رَحمَه الله تَعَالَى السَّيِّد حسن بن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ من مُلُوك الْيمن الَّذين تسنموا من الْفَخر عالى الذرى ووسع جودهم عَامَّة الورى أما الْعلم فَهُوَ من أفاضل جيله وَأما الْحلم فَهُوَ الناهج لسبيله وَأما الحماسة فَمَا إشتقاق الحمس إِلَّا من حماسته وَلَا السماحة الأ من فائض سماحته وَهُوَ الَّذِي فتح الْيمن وَأَخذه لأخويه مُحَمَّد وَإِسْمَاعِيل من الأتراك وأخرجهم مِنْهُ وَكَانَ مَعَ شجاعته ذَا سياسة وتدبير عَظِيم ومرجع الدولة فِي عصره إِلَيْهِ وَالْكل من بنى الْقَاسِم لَا يصدرون إِلَّا عَن رَأْيه ويعولون فِي جَمِيع الْأُمُور عَلَيْهِ وَكَانَ مَعَ إشتغاله بالحروب وقيامه بِأَمْر الْملك على ضروب يَهْتَز الشّعْر هز النشوان وَلَا يشْغلهُ شاغل عَن المذاكرة فِي كل أَوَان فَلَو رَآهُ ابْن الرُّومِي لما قَالَ شعر (ذهب الَّذين تهزهم مداحهم ... هز الكماة عوالي المرّان) وَكَانَ يبين بجودة دهنه الْوَقَّاد الْجواد والمقصر فِي ميدان الأنشاد وَكَانَ عَظِيم الْعَطاء

стр. 537

كثير الْمَعْرُوف محبا لفعل الْخَيْر وَكَانَ يجل أَوْلَاد الْأَوْلِيَاء وَالْعُلَمَاء يعرف لَهُم حَقهم وَلذَلِك تمّ لَهُ الدست وَكَانَ سعيدا فِي حروبه وَمَا اتّفق أَنه ركب فِي جَيش الأوعاد منصوراً وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ حَسَنَة فِي بني الْقَاسِم على وَجه الزَّمَان وَلَا يدانيه فِي شجاعته مِنْهُم مدان وَأما مَا قيل فِيهِ من المدائح فَيطول ذكره وَهُوَ الَّذِي اختط الْجَبَل الْمُسَمّى بضوران بضاد مُعْجمَة مَضْمُومَة فَبنى بِهِ حصناً مشيداً واختط بِهِ مَدِينَة عَظِيمَة وَأَحْيَا بِهِ أَرضًا دَائِرَة وغرس بهَا فواكه فَصَارَت مَدِينَة عَظِيمَة بأسواقها وحماماتها ومساجدها وَأمر كل أَمِير من أمرائه أَن يَبْنِي بهَا بَيْتا فاتبعوا أمره وَعمر مَا حول الْمَدِينَة من الْقرى وَكَانَت وَفَاته يَوْم السبت ثَانِي شَوَّال سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف بِمَرَض ذَات الْجنب وَحصل بِمَوْتِهِ التَّعَب الشَّديد لعُمُوم نَفعه ورياسته وشجاعته وَحسن أخلاقه حَتَّى أَنه لما انتصر على الأروام فِي زبيد كَانَ يغريه المجالسون بالايقاع بهم لما صدر مِنْهُم من حربه فَلم يُؤثر فِيهِ العذل بل عَفا عَنْهُم وكساهم وَأحسن إِلَيْهِم وَكَانَت مُدَّة إمارته بعد خُرُوجه من صنعاء نَحْو خَمْسَة عشر عَاما وَدفن بضوران وَبنى عَلَيْهِ قبَّة عَظِيمَة إِلَى جَانب مَسْجده الَّذِي أسسه وتممه وَلَده مُحَمَّد وأجرى الْمِيَاه هُنَالك إِلَيْهِ وَجَاء تَارِيخ وَفَاته حسن المخلد فِي الْجنان رَحمَه الله تَعَالَى حسن باشا ابْن مُحَمَّد باشا الْوَزير نَائِب الشَّام قد تقدم طرف من خَبره فِي تَرْجَمَة السُّلْطَان أَحْمد وعلينا أَن نفصل أمره هُنَا فَنَقُول ولى فِي مبدا أمره كَفَالَة حلب ودخلها وَلم يلتح أَو لم تكمل لحيته ثمَّ ولى بعْدهَا كَفَالَة الشَّام فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وعزل عَنْهَا وَولي ولَايَة أَنا طولي ثمَّ ولَايَة أرزن الرّوم وَكَانَ الْوَزير الْأَعْظَم فرهاد باشا سر دَار أَعلَى العساكر العثمانية لغزاة ولَايَة الْعَجم فَاجْتمع بِهِ فِي ولَايَته الْمَذْكُورَة وَوَقع بَينهمَا أُمُور طَوِيلَة بِسَبَب أَن فرهاد باشا كَانَ بني بعض القلاع فِي ديار الشرق وَرفع حِسَاب كلفته عَلَيْهَا فِي دفتر وَطلب من بَقِيَّة الْأُمَرَاء إِمْضَاء ذَلِك الدفتر فَمنهمْ من أَمْضَاهُ وَمِنْهُم من رده وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة مِمَّن رده وَعرض إِلَى السُّلْطَان أَنا الْمبلغ الَّذِي رفع حسابه فرهاد باشا لَيْسَ كَمَا ذكر بل زَاد على جناب السلطنة شَيْئا كثيرا فنما إِلَيْهِ الْخَبَر وَكَانَ مُقيما بأرزن الرّوم حِينَئِذٍ فَأرْسل إِلَيْهِ وعاتبه على مَا بلغه عَنهُ فدار بَينهمَا كَلَام فِي أثْنَاء المعاتبة أدّى إِلَى نكايات وصمم كل مِنْهُمَا على قتل الآخر بالمواجهة فَدخل من كَانَ فِي الْمجْلس بَينهمَا بَادر صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى الرحيل فَرَحل من حِينه إِلَى طرف دَار السلطنة وَكَانَ

стр. 538

يُقَال أَنه اشْترى تفتيش السردار الْمَذْكُور بأحمال من الذَّهَب فوصل الْخَبَر إِلَى السردار فَقبل ذَلِك خوفًا من التفتيش وَحدث بعض الثِّقَات أَنه قبله وُصُوله إِلَى قسطنطينية رأى رجل من قواد السلطنة وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة الْوَزير مُحَمَّد باشا فِي النّوم فَقَالَ لَهُ الْوَزير اذْهَبْ إِلَى جَمِيع أَرْكَان الدولة وأوصهم بِحسن وَلَدي وَقل لَهُم أَنِّي أوصيهم بِهِ فَقَامَ ذَلِك الْقَائِد مُتَعَجِّبا وَدَار على أَرْبَاب الدولة وَذكر لَهُم الْوَاقِعَة فتعجبوا وَلم يعلمُوا السَّبَب فِي الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَة لأَنهم لَا علم لَهُم بِمَا صدر بَين حسن باشا وفرهاد ونما خبر الرُّؤْيَا حَتَّى وصل إِلَى السُّلْطَان مُرَاد بن سليم وَلما وصل حسن باشا ماجب لقدومه الدولة واضطر بت وَعلم النَّاس أَن وَالِده كَانَ من أَصْحَاب الْأَحْوَال وَأَقْبل السُّلْطَان عَلَيْهِ وولاه نِيَابَة الشَّام ثَانِيًا وَكَانَ ذَلِك فِي حُدُود سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَاسْتمرّ بهَا حَاكما مُدَّة تزيد على سنتَيْن وَسَار بهَا سيرة حَسَنَة وَوَقع فِي زَمَنه فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين ثلوج عَظِيمَة بِدِمَشْق ودامت نَحْو أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَسقط مِنْهَا بيُوت كَثِيرَة على أَقوام هَلَكُوا تَحت الرَّدْم فَأمر أَن لَا يكْشف على أحد مِنْهُم ونادى أَن كل من مَاتَ عِنْده أحد تَحت الْهدم يدفنه وَلَا يشاور عَلَيْهِ ثمَّ عزل وأعيد ثَالِثا وَلم يسْبق لأحد غَيره من أُمَرَاء آل عُثْمَان أَن يتَوَلَّى الشَّام ثَلَاث مَرَّات وَمن عَجِيب مَا وَقع فِي أَيَّامه حَادِثَة مَحْمُود لابواب الْمَعْرُوف بتكرى بلمزاي الَّذِي لَا يعرف الرب وَهَذَا الْحَادِثَة شهيرة وَلم يبْق أحد من المؤرخين وَأَصْحَاب المجاميع إِلَّا سَاقهَا وفيهَا طول وملخصها أَن شخصا يُقَال لَهُ مَحْمُود بن يُونُس بن شاهين الْأَعْوَر كَانَ قد هلك فِي ذِي الْقعدَة لسنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة بِدِمَشْق وَاتفقَ أَن شخصا يُقَال لَهُ يُوسُف السقا من الأجناد الدمشقيين تزوج بِزَوْجَة الْأَعْوَر وَذهب إِلَى الديار الرومية وأنهى عَن الشَّيْخ شمس الدّين مُحَمَّد بن خطاب وَولده القَاضِي كَمَال الدّين الْمَالِكِي خَليفَة الحكم بِدِمَشْق وَالْقَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد الرجيحي الْحَنْبَلِيّ وعلاء الدّين ابْن الخشاب الترجمان أَنهم أخذُوا جَمِيع مَال مَحْمُود الْأَعْوَر وَجُمْلَة مَا خَلفه بعد مَوته ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ ألف دِينَار ذَهَبا واقتسموه وَقد كَانَ حق بَيت المَال لمَوْته عَن غير وَارِث وَقرر أَنهم أثبتوا لَهُ ولدا صلياً لَا أصل لَهُ فعين بِمُجَرَّد انهائه مَحْمُود البواب الْمَذْكُور وَجَاء وصحبته يُوسُف السقا الْمَذْكُور وَقبض على الْقُضَاة الْمَذْكُورين بعد أَن هرب شمس الدّين الْخطابِيّ إِلَى طرابلس الشَّام وَأقَام فِي بَيت رجل من أَصْحَابه فَسَار البواب وَقبض عَلَيْهِ وأتى بِهِ إِلَى دمشق وعَلى رَأسه قلنسوة

стр. 539

نَصْرَانِيّ وَفِي رجلَيْهِ الْقُيُود وَفِي عُنُقه الغل وَدخل بِهِ على هَذِه الْهَيْئَة وَالنَّاس ترمقه وَأما القَاضِي الرجيحي فَإِنَّهُ هرب إِلَى مصر وَأقَام بهَا مستخفياً وَوضع الَّذين قبض عَلَيْهِم من هَؤُلَاءِ فِي الزناجير والقيود وَأَخذهم مكبلين بالحديد إِلَى ديار الرّوم غير أَنه لم يدْخل بهم دَار السلطنة خشيَة من مفتيها لِئَلَّا يسْعَى فِي خلاصهم ثمَّ قفل بهم جَمِيعًا إِلَى دمشق والزناجير فِي رقابهم على مَلأ الأشهاد وَشرع يَأْخُذ جَمِيع مَا يملكونه من الأقمشة وَالْأَمْوَال وَالْعَقار والغلمان حَتَّى سلبهم الْجَمِيع وعاقبهم معاقبة بَالِغَة وَقبض فِي أثْنَاء مَا فعل على غَالب أَعْيَان دمشق وشيوخها مِنْهُم شيخ الْإِسْلَام إِسْمَاعِيل النابلسي وَالشَّيْخ مُحَمَّد الْحِجَازِي وَمن رُؤَسَاء الصُّوفِيَّة الشَّيْخ أَبُو الوفا العقيبي الْعمريّ واغتصب من تجارها الْمَشَاهِير وَبَعض أَهلهَا الضُّعَفَاء مَالا جزيلاً أناف على مِائَتي ألف دِينَار وَمن التحف والأقمشة مَا لَا يُحْصى ثمَّ قبض على نائبي الحكم الْعَزِيز بالمحكمة الْكُبْرَى القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن جَانِبك الشَّافِعِي وَالْقَاضِي عبد الله ابْن الرَّمْلِيّ الْمَالِكِي وَضم مَعَهُمَا القَاضِي نجم الدّين بن أبي الْفضل الشَّافِعِي وَابْن عُمَيْر الصَّالِحِي وأصر على التَّعَدِّي وأضرار النَّاس مُدَّة تِسْعَة أشهر وطفق يتعاطى الْمُنْكَرَات وتوارى مِنْهُ عُلَمَاء دمشق وأعيانها خيفة مِنْهُ فَكتب جدي القَاضِي محب الدّين رسالتين وقصيدتين وَأرْسل كلا مِنْهُمَا وَاحِدَة إِلَى الْمُفْتى الْأَعْظَم الْمولى مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الياس بن جوى وَالْأُخْرَى إِلَى الْمولى سعد الدّين معلم السُّلْطَان مُرَاد بِمَا فعل البواب مفصلا فعرضت الرسالتان على السُّلْطَان مُرَاد بِوَاسِطَة الْوَزير الْأَعْظَم سياغوش باشا فَخرج الحكم بقتْله بعد الاثبات عَلَيْهِ وَورد الحكم إِلَى دمشق ونائبها صَاحب التَّرْجَمَة وقاضي الْقُضَاة بهَا الْمولى على بن الْمولى سِنَان فَجمع الْوَزير أَعْيَان الشَّام بأسرهم وَكَانَ قَاضِي الْقُضَاة بِالْمَجْلِسِ وأخرجوا من كَانَ فِي حبس البواب على صورتهم بالقيود والأغلال فِي أَعْنَاقهم وَلما أحضر البواب إِلَى الدِّيوَان الْمَزْبُور أَمر الْوَزير بِنَزْع كسْوَة السُّلْطَان عَنهُ وألبس قلنسوة نَصْرَانِيّ وأوقف فِي حَاشِيَة الدِّيوَان وَادّعى عَلَيْهِ بعض المحبوسين من الْقُضَاة وأرباب المناصب وَقَامَت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة بتحقير الْعلمَاء وازدرائهم فَحكم عَلَيْهِ القَاضِي بِالْقَتْلِ لثُبُوت الرِّدَّة عَلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك فِي بعض أَيَّام التَّشْرِيق والأرجوحة مركبة على بَاب دَار الْإِمَارَة على قَاعِدَة الأروام فِي تركيبها أَيَّام الْعِيد فأنزلوه فَلَمَّا تحقق أَنه مقتول لَا محَالة طلب المهلة إِلَى أَن يغْتَسل كَأَنَّهُ كَانَ جنبا فأمهلوه حَتَّى اغْتسل فِي مَسْجِد

стр. 540

عِيسَى باشا الَّذِي على بَاب دَار الْإِمَارَة وَصلى رَكْعَتَيْنِ وصلبوه فِي خشب الأرجوحة وَكثر سرُور النَّاس بقتْله ولشعراء ذَلِك الْعَصْر فِي هَذِه الْحَادِثَة قصائد وتواريخ لَو ذكرتها مستوفاة لبلغت إِلَى مجلدة وَلما عزل صَاحب التَّرْجَمَة عَن الشَّام فِي هَذِه الْمرة سَافر إِلَى دَار السلطنة وتقلبت بِهِ الْأَحْوَال إِلَى أَن صَار حَاكما فِي بِلَاد الرّوم وَاسْتمرّ هُنَاكَ ونسبوا إِلَيْهِ فِي حكومته أمورا لَا أصل لَهَا فورد حكم سلطاني بقتْله فَلم يُسلمهُ الْعَسْكَر للْقَتْل ثمَّ حضر بعد ذَلِك إِلَى طرف السلطنة وَبحث عَن أصل الحكم الَّذِي ورد بقتْله فَلم يجد لَهُ أصلا وَإِنَّمَا هُوَ مَنْسُوب إِلَى صنع بعض النِّسَاء وَلم يزل يطْلب التفلت من قسطنطينية حَتَّى أعطي ولَايَة بَغْدَاد وَمَا يَليهَا من بِلَاد عراق الْعَرَب فَذهب إِلَيْهَا بعسكر جرار ودخلها بعنوان عَجِيب وأطهر فِيهَا من الْحجاب مَالا يعْهَد لمثله وَلم يزل بهَا حَاكما حَتَّى حدثته نَفسه بِحَفر نهر أَخذه من دجلة فأجراه يسْقِي أَمَاكِن كَثِيرَة قيل أَن محصولها يزِيد فِي السّنة على عشْرين ألف دِينَار ذَهَبا وَحدث بَينه وَبَين الْعَسْكَر الْعِرَاقِيّ أُمُور أدَّت إِلَى أَن عرضهمْ على الحضرة السُّلْطَانِيَّة فأمروه بِالْخرُوجِ من بَغْدَاد فَخرج مِنْهُ خَائفًا من شقّ الْعَصَا وَأقَام بالموصل أَيَّامًا ثمَّ نازلهم منازلة الْمُحَارب إِلَى أَن جَاءَهُ الْأَمر بالانفصال بعد أَن نهبت جماعته فَتوجه إِلَى ديار بكر فَبَيْنَمَا هُوَ فِيهَا وَإِذا بِالْأَمر السلطاني جَاءَهُ أَن يصير أصفهلارا على العساكر وَيذْهب لقِتَال عبد الْحَلِيم اليازجي الْبَاغِي الناجم فِي نواحي سيواس هُوَ والطائفة السكيانية فتوقف فِي نواحي ديار بكر إِلَى أَن اجْتمع عَلَيْهِ العساكر من كل نَاحيَة وَلما تحقق قدومهم إِلَى نواحي الْفُرَات تقدم هُوَ أَيْضا وَاجْتمعَ بهم فِي مَدِينَة عينتاب وَهُنَاكَ عرض العساكر كلهَا واستدعى الشاميين وَكَانَ أَمِيرهمْ إِذْ ذَاك السَّيِّد مُحَمَّد الْأَصْفَهَانِي ورجفوا إِلَى جَانب الْخَارِجِي فورد الْخَبَر بِأَن حاجي إِبْرَاهِيم باشا ورد بالعساكر الرومية وَأَنه بَادر بهم إِلَى لِقَاء عبد الْحَلِيم وكسره عبد الْحَلِيم كسرة شنيعة وغنمه جَمِيعه فاستقبح النَّاس مبادرته إِلَى ذَلِك قبل استكمال العساكر وطمع الْعَدو وَكَانَ عبد الْحَلِيم يَقُول بَقِي علينا لِقَاء هَذِه الْقَافِلَة يُشِير إِلَى حسن باشا وعساكره وَلم يزل الْعَسْكَر السلطاني يتَقرَّب قَلِيلا قَلِيلا واليازجي يقابلهم إِلَى أَن التقى الجيشان فِي مَكَان من نواحي سيواس يُقَال لَهُ الْبُسْتَان فاستند اليازجي إِلَى ذيل جبل وَوضع المدافع الْكَبِيرَة الَّتِي كَانَ أَخذهَا من عَسْكَر إِبْرَاهِيم باشا حِين كَسره وصف رِجَاله وَضرب المدافع فِي وَجه الْعَسْكَر

стр. 541

فَلم تصب أحدا وصدم عَسْكَر الأكراد وعسكرا رزن الرّوم وَأَن إِلَى أَن أرجعهم إِلَى مواقفهم وَحسن باشا وَاقِف والألوية تخفق فَوق رَأسه وَكَانَ الْأَمر قد سبق لعسكر الشَّام بِأَن يتواقفوا فِي لِقَاء الْخَارِجِي ويكونوا كمينا فَلَمَّا تراجعت العساكر السُّلْطَانِيَّة بَادر الشاميون بِالتَّكْبِيرِ ودهموا عَسْكَر اليازجي فردوهم على أَعْقَابهم وَوَضَعُوا فيهم السَّيْف فَمَا مَضَت لَحْظَة من النَّهَار إِلَّا وَقد انْكَسَرَ عَسْكَر الْعَدو وولوا وَلم يزل عبد الْحَلِيم هَارِبا إِلَى أَن اسْتَقر بجبال جَانِبك واقصر العساكر عَن طلبه واجتمعوا على السردار فِي نواحي قونية وَلما تحققوا مَكَان عبد الْحَلِيم عطفوا السّير نَحوه وسارت وَرَاءه العساكر كلهَا الأشرذمة من عَسْكَر الشَّام وَلما قرب السردار من مقرّ عبد الْحَلِيم أرسل إِلَيْهِ عسكرا كثيفا فلحقوه فِي بعض الْجبَال فواقعهم وَكَانَ السردار عَلَيْهِم حِينَئِذٍ عُثْمَان باشا ابْن بَاقِي بيك التبريزي الأَصْل وَهُوَ من أقَارِب شيخ الْإِسْلَام الْمولى سعد الدّين معلم السُّلْطَان فَتقدم إِلَى أَن توَسط هاتيك الْجبَال فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْد الصَّباح وَإِذا بِقوم قد وَقع بَينهم وَمَا عرفهم فتحقق الْحَال فَإِذا هم جمَاعَة عبد الْحَلِيم فقبضوا عَلَيْهِ وأخذوه أَسِير إِلَى عبد الْحَلِيم فَأكْرمه وجلا مَا كَانَ فِيهِ من الْوَهم وَاسْتمرّ عِنْده مِقْدَار أَرْبَعِينَ يَوْمًا مُقيما حَتَّى شيعه إِلَى جَانب السردار وَلما قدم وَاجْتمعَ بِهِ أظهر لَهُ الْعَدَاوَة وآلمه بالْكلَام ظنا مِنْهُ أَن ذَهَابه إِلَى عبد الْحَلِيم كَانَ بصنعه وصعب ذَلِك على عُثْمَان باشا فَخرج فِي لَيْلَة مستخفيا من الْعَسْكَر إِلَى طرف السلطنة يسير اللَّيْل وَالنَّهَار وَحَتَّى وصل إِلَى بَاب الدولة واختفى عِنْد قدومه حَتَّى طلبه السُّلْطَان وَسَأَلَهُ عَن اليازجي فَقَالَ يَا مَوْلَانَا السُّلْطَان أما اليازجي فَإِنَّهُ أقسم عَليّ بأنني إِذا وَقعت فِي أعتابكم أَقُول لكم يطْلب أَن يعْطى منصبا فِي ولَايَة الرّوم ويتكفل بجهاد الْكَافرين وَيُعْطى أَخُوهُ حسن صنجق جروم فِي بِلَاد سيواس وَأما أَنا فَالَّذِي أعلمهُ من حَاله أَنه خائن لَا يثبت على قَول وَأَنه يقْصد بِمَا ذكره من الطّلب أَن يرفع عَنهُ السردار وَيعود إِلَى الْعِصْيَان فَعِنْدَ ذَلِك صدق السُّلْطَان كَلَامه وَأرْسل إِلَى السردار رجلا من خواصه المقربين يُقَال لَهُ قيطاس كتخذا وَأرْسل مَعَه من جَانب السُّلْطَان تجملات ورسالة بِخَط يَد السُّلْطَان فِي بَقَائِهِ على السردارية وَفِي أثْنَاء ذَلِك مَاتَ عبد الْحَلِيم فِي قَصَبَة ساميسون وَاجْتمعَ الْبُغَاة بعده على أَخِيه حسن وَجَاء إِلَى محاربة الْوَزير صَاحب التَّرْجَمَة على حِين غَفلَة لَيْلَة عيد الْأَضْحَى إِلَى توقات بعد أَن كَانَ نهب أَسبَابه وتجملاته القادمة عَلَيْهِ

стр. 542

من آمد وَكَانَ أرسل خَمْسمِائَة رجل من جماعته ليأتوا إِلَيْهِ بهَا فَخرج عَلَيْهِم حسن ونهبهم وَقتل الْجَمَاعَة المعينين وَكَانَ مَعَهم حظاياه وجواريه فَلم يتَعَرَّض لَهُنَّ بل جهزهن إِلَيْهِ بالأمانة والصيانة وَطَلَبه للمقابلة فَخرج إِلَيْهِ حسن باشا وَمن مَعَه من العساكر فَمَا ثبتوا أَقْدَام الْبُغَاة لَحْظَة حَتَّى كسروا وهرب حسن باشا إِلَى قلعة توقات ورفعوه إِلَيْهِ بالحبال وهجم الْعَدو وَجُنُوده يحفها وَمَا زَالَ على منازلتها حَتَّى قتل حسن باشا دَاخل القلعة على غير يَده فَسَار حسن إِلَى قره حِصَار وَتَمام قصَّته وَمَوته ذكرته فِي تَرْجَمَة السُّلْطَان أَحْمد فَارْجِع إِلَيْهِ هُنَاكَ وَكَانَ سَبَب قتل حسن باشا صَبيا من جماعته يُقَال لَهُ درى كَانَ قد نَالَ مِنْهُ مقَاما فَضرب صبيان من صبيان خزينة حسن باشا فَنزل الصَّبِي الْمَضْرُوب إِلَى الْمَدِينَة وخالط الْبُغَاة إِلَى أَن امتزج بهم وَحكى لَهُم مَا صدر من درى فِي ضربه لَهُ وَأَنه جَاءَ مصادقا لَهُم فَقَالُوا لَهُ إِن كنت صَادِقا فِي مقالك فَأَيْنَ يجلس الْوَزير من القلعة فَقَالَ لَهُم إِنَّه يجلس دَائِما فِي هاتيك الغرفة وَرَاء ذَلِك الدفوف فجَاء رجل من الْبُغَاة وَجلسَ تَحت تِلْكَ الغرفة الَّتِي عينهَا لَهُ الصَّبِي وَفِي يَده بندقية فِيهَا رصاصتان فَضرب بهَا فَجَاءَت للْقَضَاء الْمُقدر تَحت إبط حسن باشا فَمَاتَ لساعته وَاسْتمرّ مُسْتَندا إِلَى الْجِدَار لَا يعلم أحد حَاله من الصَّباح إِلَى الظّهْر وَالنَّاس يظنون أَنه حَيّ سَاكِت فَبعد ذَلِك أشرفوا عَلَيْهِ فوجدوه قد مَاتَ وَهُوَ يَابِس جَالس فغسلوه ودفنوه وَكَانَ ذَلِك فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى الْأَمِير حسن بن مُحَمَّد الْأَمِير الْجَلِيل أَبُو الفوارس الْمَعْرُوف بِابْن الأعوج أَمِير حماة أوحد أُمَرَاء الدَّهْر وَعين باصرة الْأَدَب وشمس فلك الْمجد قد جمع الله لَهُ بَين أدوات المحاسن ورقاه إِلَى أَعلَى ذرْوَة والمفاخر مَعَ أدب بارع وَحسب تارع وَطيب أرومة وزكاء جرثومة وَكَانَ فِي الْكَرم غَايَة لَا تدْرك وَمِمَّا قَالَ فِيهِ بعض الشُّعَرَاء (حوى قصبات السَّبق فِي حومة الْعلَا ... نعم هُوَ للسباق مَا زَالَ يسْبق) (مَتى تبرز الْأَيَّام مثل وجوده ... جوادا بِمَا فِي كَفه يتَصَدَّق) (لقد زين الدُّنْيَا جمالا كَمَاله ... فَمِنْهُ على وَجه البسيطة ونق) ولد بحماة وَنَشَأ بهَا وَهُوَ من بَيت أصيل الرياسة عريق النّسَب من الْجِهَتَيْنِ أما من جِهَة أَبِيه فَهُوَ أَمِير ابْن أَمِير ورث السِّيَادَة كَابِرًا عَن كَابر وَأما من جِهَة والدته فَهِيَ ابْنة شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد بن سُلْطَان العارفين الشَّيْخ علوان الْحَمَوِيّ صَاحب الْكَشْف

стр. 543

والكرامات وَنَشَأ هُوَ فِي صدر الْعِزّ بنعم جزيلة فَمَال طبعه نَحْو الْكَمَال فَقَرَأَ على عُلَمَاء بَلَده عُلُوم الْعَرَبيَّة والفنون الأدبية وعاشر الأدباء وجالس الشُّعَرَاء وَلما شاع خَبره شدّ الرّحال إِلَيْهِ الأدباء من الأقطار وَاجْتمعَ عِنْده مِنْهُم مَا لم يجْتَمع عِنْد أحد من أُمَرَاء عصره وسافر إِلَى الرّوم فِي أَيَّام السُّلْطَان مُرَاد بن سليم شاه وَاجْتمعَ بمعلمه الْمولى سعد الدّين بن حسن جَان ومدحه بعدة قصائد فَأكْرمه ومدحه للسُّلْطَان وَجمعه بِهِ فولاه ولَايَة حماة وَرجع إِلَيْهَا فَأقبل عَلَيْهِ الشُّعَرَاء من كل مَكَان وَأقَام حَاكما بهَا ثَلَاث سِنِين ثمَّ عزل وَأقَام بمنزله ثمَّ بعد مُدَّة ولى إِمَارَة معرة النُّعْمَان وَتوجه إِلَيْهَا بعشائره وتكرر لَهُ الْعَزْل عَنْهَا وَعَن حماة وَالتَّوْلِيَة لَهما وعانده الدَّهْر فِي بعض الأحيان وَكَانَ صبورا على نوائبه وَكَانَ فِي جَمِيع حالاته مشتغلا بالأدب وَكَانَ ينظم الشّعْر فَيَأْتِي فِيهِ بِكُل معنى رائق وَلَفظ شائق مِمَّا يَلِيق أَن يعلق تَمِيمَة فِي جيد الزَّمَان وينظم فريدة فِي عقد الْحسن وَالْإِحْسَان فَمن ذَلِك قَوْله فِي الْعَزْل (آه من لي بظبية فتانة ... وَهِي تلهو ومهجتي ولهانه) (ذَات ثغر كَأَنَّهُ اللُّؤْلُؤ ... الرطب حكى كفها وحاكت بنانه) (هِيَ فِي الْقد غُصْن بَان وَلَكِن ... من رأى الْقد قَالَ ذِي رمانه) (يَا عجيبا مِنْهَا تظن سلوا ... من فُؤَادِي وتشتكى سلوانه) (يَا عجيبا إِنِّي أُرِيد رِضَاهَا ... وَهِي فِي حَالَة الرضى غضبانه) (لست أخْشَى فِي حبها من عذول ... فَدَعوهُ فِينَا يُطِيل لِسَانه) (حَاصِل الْأَمر أَن يُقَال فلَان ... طَار صيتًا بحبه لفلانه) (أناصب بحبها مستهام ... ملك الْحبّ سره وعيانه) (لست أنسى لما مضى ورقيبي ... عينه من يَد الْكرَى ملآنه) (وقضينا الْوِصَال رشفا وضما ... بقلوب هيمانة حيرانه) (وَأَرَادَ الجموح طرف التصابي ... فلوينا عَمَّا أَرَادَ عنانه) (وملكنا نفوسنا بِرِضَاهَا ... وزجرنا بعفة شَيْطَانه) (فدع العاذلين ينقلن عني ... آه من لي بظبية فتانه) وَمن شعره قَوْله من جملَة قصيدة يتشكى فِيهَا من الزَّمَان وَمَا لَاقَى من الْأَلَم فِي وَطنه (حادي العيس سر بِغَيْر ارتياب ... ففؤادي قد حن للاغتراب) (لَا أُرِيد الأوطان والذل فِيهَا ... وَاضع طوقه بِأَعْلَى الرّقاب)

стр. 544

(وَلَو أَنِّي قضيت فِيهَا سُرُورًا ... فِي شَبَابِي لم اكتئب لمصابي) (بل تولت نضارة الْعِزّ مني ... بَين عَيْش ضنك وفرط اكتئاب) (فالفرار الْفِرَار من دَار هون ... تَرَكتنِي أَشْكُو زمَان الشَّبَاب) (وَإِذا الضيم مَا أَقَامَ فأحبب ... بجياد تمرمر السَّحَاب) (لَو يكن فِي مقَام ذِي اللب فضل ... قطع السَّيْف وَهُوَ ضمن القراب) (أدْرك الْمسك بالتنقل شانا ... وَهُوَ فِي أرضه دوين التُّرَاب) (فالفتى الشهم من إِذا شام ضيما ... لَا يُبَالِي بفرقة الأحباب) (كَيفَ مكثى مَا بَين أظهر قوم ... عَهدهم فِي ثباته كسراب) (جارهم إِن غَدا عَزِيز عَلَيْهِم ... كَانَ كالشاة فِي مقيل الذئاب) (هم إِذا صادروا أسود شِرَاء ... وَإِذا حَاربُوا فدون الْكلاب) (كم إناس من دَارهم أخرجوهم ... ليسومونهم بِسوء الْعَذَاب) (إِن فِرْعَوْن ثمَّ نمْرُود كَانَا ... دونهم فِي اختراع شُؤْم الْعقَاب) (ومساويهم الَّتِي مثل هَذَا ... عدد الرمل والحصى وَالتُّرَاب) (رب يامن أباد عَاد وأودي ... بثمود ذَوي النُّفُوس الصعاب) (لَا تذر مِنْهُم على الأَرْض شخصا ... أَنهم جاحدون نَص الْكتاب) (وانتقم مسرعا وَعجل عَلَيْهِم ... لَيْسَ فِينَا صَبر ليَوْم الْحساب) وَرَأَيْت بِخَط الأديب إِبْرَاهِيم رامي كثيرا من أشعار صَاحب التَّرْجَمَة وَذكر فِي بعض أوراقه وَمن محَاسِن مَا اتّفق لَهُ فِي الشّعْر وَذَلِكَ أَن الْأَمِير مُوسَى بن الحرفوش أَمِير بعلبك عزم على الْحَرْب مَعَ الْأَمِير عَليّ بن سَيْفا فِي نَاحيَة غرير وَقتل ابْن سَيْفا جمَاعَة الْأَمِير مُوسَى فَكتب للأمير مُوسَى فِي ابْتِدَاء الْقِتَال هذَيْن الْبَيْتَيْنِ مَعَ كتاب أرْسلهُ أليه يستحثه على الْقِتَال فَقَالَ (غرير طور ونار الْحَرْب موقدة ... وَأَنت مُوسَى وَهَذَا الْيَوْم مِيقَات) (ألق الْعَصَا تتلقف كل مَا صَنَعُوا ... وَلَا تخف مَا حبال الْقَوْم حيات) قلت وَقد رَأَيْت الْبَيْتَيْنِ فِي تَارِيخ الصّلاح الصَّفَدِي فِي تَرْجَمَة الْأَشْرَف منسوبين للكمال ابْن النبيه ونظمهما عِنْد مَا نَازل مُوسَى الْأَشْرَف دمياط وصدرهما هَكَذَا دمياط طور إِلَى آخر الْبَيْتَيْنِ وللأمير حسن وَكتب بِهَذِهِ الأبيات إِلَى جدي القَاضِي محب الدّين فِي صدر كتاب وَكَانَ سمع بوفاة الْمولى سعد الدّين بن حسن جَان

стр. 545

الْمَذْكُور آنِفا (فَجئْت بنعي لَو أبثك بعضه ... لأيقنت أَن الدَّهْر قد عدم الرشدا) (وَلَيْسَ يقر الْمَرْء عِنْد سَمَاعه ... وَلَو كَانَ قلب السَّامع الْحجر الصلدا) (وَلَو أَنه قد مر يَوْمًا بيذبل ... ورضوى لهَذَا الرزءد كهماهدا) (أَظُنك ذقت الْحزن مِمَّا سمعته ... فَإِنِّي لم آلوك فِي كشفه جهدا) (على أنني أَرْجُو بَقَاء مُحَمَّد ... وأسعد إِن غال الزَّمَان لنا سَعْدا) وَقَوله فِي حلاق سيء الْخلقَة (الأرب حلاق بليت بشره ... فأثر فِي رَأْسِي الْجراحَة والبؤسا) (أنامله كالطور من فَوق جبهتي ... ورأسي كليم كلما حرك الموسا) وَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ بعض ندمائه الأدباء بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ (على الْبَاب الْمُعظم عبد رق ... بأنواع اللقا مِنْكُم يفوز) (يجوز الْبَاب عَن إِذن كريم ... وَإِلَّا فَهُوَ شَيْء لَا يجوز) فأنفذ إِلَيْهِ الْجَواب بهدية سنية (نحيط بعلمكم أَنا نشاوى ... وَقد جليت لنا بكر عَجُوز) (فَإِن جوزتم مَا نَحن فِيهِ ... وَإِلَّا فَهُوَ شَيْء لَا يجوز) وَمن غَرِيب مَا اتّفق لَهُ أَنه كَانَ من أقربائه شَاب يُسمى الْأَمِير يحيى وَكَانَ بارع الْجمال بعيد المنال وَكَانَ الْأَمِير حسن يُحِبهُ محبَّة شَدِيدَة بِمَنْزِلَة وَلَده وَكَانَ من المنسوبين إِلَيْهِ رجل من طلبة الْعلم كردِي الأَصْل يُسمى يحيى أَيْضا وَكَانَ عينه معلما للأمير يحيى الْمَذْكُور يقرئه الْعلم ويعلمه الْأَدَب فواظب على إقرائه دهرا طَويلا وَكَانَ الْأَمِير يحيى سَاكِنا فِي دَار مُسْتَقْبلَة قبالة دَار الْأَمِير حسن وَكَانَ يَتِيما فاتفق أَن الْأَمِير حسن بنى دَارا عَظِيمَة وَصرف عَلَيْهَا مَالا جزيلا وَلما تمت عمارتها وفرش مساكنها صنع وَلِيمَة عَظِيمَة ودعا أَعْيَان بلدته وَكَانَت الْوَلِيمَة لَيْلَة الْجُمُعَة فَاجْتمع أكَابِر الْبَلدة وَكَانَ الْأَمِير يحيى من جملَة الْقَوْم فسهروا قَرِيبا من ثلث اللَّيْل الْأَخير وباركوا للأمير بِالدَّار وَتَفَرَّقُوا فَتوجه الْأَمِير يحيى إِلَى منزله ونام واستغرق من تَعب السهر فَلَمَّا أصبح الصَّباح جَاءَ الشَّيْخ يحيى الْكرْدِي ودق الْبَاب عَلَيْهِ فَخرجت الْجَارِيَة فَقَالَ لَهَا نَادِي لي الْأَمِير لاقرئه الدَّرْس لِأَن لي حَاجَة مهمة أُرِيد الْمسير إِلَيْهَا فتعجبت الْجَارِيَة من مَجِيئه فِي ذَلِك الْوَقْت وَقَالَت لَهُ أَن الْأَمِير أَطَالَ السهر فِي هَذِه اللَّيْلَة وَهُوَ

стр. 546

نَائِم وَأَن الْيَوْم يَوْم الْجُمُعَة وَمن عادتكم ترك الْقِرَاءَة فِي الْجمع فَقَالَ لَهَا لي حَاجَة مهمة أَخَاف من التعويق بِسَبَبِهَا عَن درس غَد فَرَجَعت الْجَارِيَة إِلَى الدَّار ونبهت الْأَمِير يحيى فَخرج مسرعا إِلَى الشَّيْخ وتلقاه وَسلم عَلَيْهِ وَتوجه هُوَ إِلَى قَضَاء الْحَاجة فَلَمَّا دخل بَيت الرَّاحَة تبعه الشَّيْخ وَأشهر سكينا ومسكه بعنف وَطَرحه على الأَرْض وذبحه وَخرج من الدَّار هَارِبا يُرِيد الْخَلَاص وَلم يكن فِي الدَّار إِلَّا الْجَارِيَة ففطنت للأمير وَخرجت خَلفه إِلَى الطَّرِيق وَنَادَتْ بِأَعْلَى صَوتهَا يَا قوم الشَّيْخ ذبح الْأَمِير يحيى فأدركوه من جَمِيع الْجِهَات وَأَحَاطُوا بِهِ فقاتل مَعَ النَّاس قتالا شَدِيدا وَقتل ثَلَاثَة رجال ثمَّ ضربه رجل من الْعَوام بِحجر كَبِير على ظَهره فَسقط مغشيا عَلَيْهِ فمسكوه ثمَّ أحضروه بَين يَدي الْأَمِير حسن فَسَأَلَهُ عَن سَبَب ذَلِك فَلم ينْطق بِحرف فَأمر بإحراقه فَجمعُوا حطبا وأوقدوه ثمَّ ألقوه فِي النَّار فَاحْتَرَقَ وَعجل بِرُوحِهِ إِلَى النَّار وَالَّذِي يظْهر أَن قَتله لَهُ إِنَّمَا كَانَ عَن ولوع وهيام وَرَأى أَنه إِذا قَتله يقتل بِهِ فيخلص مِمَّا كَانَ فِيهِ من الْمَشَقَّة والألم ونظم الْأَمِير حسن هَذِه الْوَاقِعَة فِي قصيدة يرثي بهَا الْأَمِير يحيى وأثبتها برمتها لغرابتها فِي بَابهَا وتضمنها مثل هَذِه الْوَاقِعَة العجيبة وَهِي قَوْله (عجبت لمن أَمْسَى يؤهل أَن يحيى ... بصفو وَربع الْأنس قد هده يحيى) (هِلَال قبيل التم وافى محاقه ... وَسَار إِلَى الْأُخْرَى فأظلمت الدُّنْيَا) (وغصن ذَوي من قبل أَن يُثمر المنى ... كَأَن الْأَمَانِي قاطعات على المنيا) (وَأصْبح روض الْعَيْش أغبر يَابسا ... وَعوض قبر بعد دوحته الْعليا) (أَتَاهُ الردى مِمَّن تربى بفضله ... فقد لح فِي كفران نعْمَته بغيا) (أقيم عَلَيْهِ حارسا رَاعيا لَهُ ... وَقَالُوا لَهُ رعيا فَقَالَ لَهُم نعيا) (وَمن وضع الْإِحْسَان فِي غير أَهله ... فَمن كَفه فِي عُنُقه وضع المديا) (وَمن يَجْعَل السرحان للظبي رَاعيا ... فَلَا يلم السرحان أَن قتل الظبيا) (وَمَا هَذِه الْأَمْثَال إِلَّا وَسِيلَة ... أسلى بهَا قلبا سلاه الجوى سليا) (وَإِلَّا الْقَضَاء الحتم إِن حل بالورى ... فأبصرهم أعمى وأحذقهم أعيا) (وَمَا لم يكن من جَانب الله حَافظ ... فَلَا ترج بالأشياء أَن تحفظ الأشيا) (فقد يشرق الرِّيق الْفَتى وَهُوَ عونه ... ويبري الحسام العضب صَاحبه بريا) (وَقد يفجأ الْمَوْت الْفَتى وَهُوَ آمن ... أينجو ونار الْحَرْب قد صليت صليا) (وَيدْرك عِنْد الْيَأْس مَا العَبْد طَالب ... وَيحرم عِنْد الرشد مِمَّا لَهُ غيا)

стр. 547

(ألم تَرَ من سموهُ يحيى تفاؤلا ... سَيبقى غَدا فِي الْحَال رهن أبي يجيى) (فويل امهِ الثكلى لَو أنّ مصابها ... برضوى دحاء الْخطب فِي أرضه دحيا) (تصوّره حَيا لفرط ذهولها ... وتسأل مِنْهُ أَن يرّد لَهُ هَديا) (تعانقه والعنق يجْرِي لَهَا دَمًا ... أظننت خلوقا حَيْثُ لم تملك الوعيا) (بَكَى لبكاها الجوّ وانهل دمعه ... بتموز شاهدنا يذرى الحياذر يَا) (وضج جَمِيع النَّاس ضجة وَاحِد ... لَهُ وَاحِد من فقد واظب النعيا) (فَلَو أَنه يفْدي فدته نفوسنا ... وسبقت لَهُ الْأَرْوَاح فِي حبه هَديا) (ولكنما الأقدار إخفاء سرّها ... لقد أذهل الأفكار وَالْعقل والرأيا) (فَإِن نَاب خطب سلم الْأَمر للَّذي ... بِحِكْمَتِهِ قد أحكم الْأَمر والنهيا) (وصبرا فَمَا الدُّنْيَا بدار إِقَامَة ... كَأَنَّك بالأحياء قد فاقوا الأحيا) (ألم يَك فِي قتل الْحُسَيْن مواعظ ... لمن رام انصافا من الدَّهْر أَو بقيا) (فَلَو تمّ شَيْء كَانَ آل نَبينَا ... أَحَق بِهِ من سَائِر النَّاس فِي الدُّنْيَا) (وَلكنهَا دَار الإهانة والعنا ... فتعسا لأَهْلهَا وخزيا لَهُم خزيا) (تبدّدهم فتكا وَلَا يتركونها ... وتسقيمهمو سما يَظُنُّونَهُ ريا) (تسرهم كَيْمَا تعنّ بِفِعْلِهَا ... وتلهيهمو نزرا وتفريهمو فريا) وَقد أطلنا الْكَلَام وَلَوْلَا خوف السَّآمَة لذكرت من محَاسِن هَذَا الْأَمِير ونوادره وأشعاره شَيْئا كثيرا وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ زِينَة أُمَرَاء عصره وَمَعَ شهرته التَّامَّة وأدبه الغض لم يذكرهُ أحد من المؤرخين وَلم أظفر بِشَيْء من خَبره إِلَّا فِي وريقات بِخَط إِبْرَاهِيم رامى وَهَذَا من أعجب الْعجب وَقد ذكر إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور أَن وَفَاته لَيْلَة النّصْف من شعْبَان سنة تسع عشرَة وَألف وَدفن أَمَام دَاره بِجَامِع المرابد عِنْد وَالِده وأجداده قَالَ إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور واخبرني بعض أفاضل حماة مِمَّن كَانَ ينخرط فِي سلك ندماء الْأَمِير حسن بن الأعوج قَالَ دخلت عَلَيْهِ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَعِنْدَ دخولي أقبل بريد من الْبَاب العالي وبشره بإمارة حماة وَكَانَ لَهُ مُدَّة لم يتولها وناوله من يَده منشور الْحُكُومَة فَالْتَفت إِلَى الْبَرِيد وَقد أغر ورقت عينه بالدموع وتنفس الصعداء وَقَالَ بِصَوْت ضَعِيف قضى الْأَمر الَّذِي فِيهِ تستفتيان قَالَ فدعوت لَهُ بطول الْعُمر وسليته عَمَّا كَانَ فِيهِ من الأضطراب والألم فتلهف وتفجع وَبكى بكاء شَدِيدا ثمَّ مسك يَدي وَقَالَ أرى الْأَمر قد آن وَقرب الإرتحال وَلَا أرى لي مخلصا بعد مَا أناقيه من شدَّة

стр. 548

الْمَرَض ثمَّ أنْشد بديها لنَفسِهِ (لَا يحْسب الْإِنْسَان بعد ذَهَابه ... مكث الأسى فِي عشرَة وقرين) (فِي الْحَال يعتاضون عَنهُ بِغَيْرِهِ ... وَيعود رب الْحزن غير حَزِين ... ) (العندليب الْورْد كَانَ أَمَامه ... لما قضي غَنِي على النسرين) ثمَّ فارقته فَفِي تِلْكَ اللَّيْلَة قضى نحبه وَلَقي لرَبه رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ حسن بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حسن بن عمر بن عبد الرَّحْمَن الصفوري الأَصْل الدِّمَشْقِي الملقب بدر الدّين البوريني الشَّافِعِي ذكره كثير من المؤرخين وأرباب الْآدَاب وأثنوا عَلَيْهِ وَكَانَ فَرد وقته فِي الْفُنُون كلهَا وَكَانَ يحفظ من الشّعْر والْآثَار وَالْأَخْبَار وَالْأَحَادِيث المسنده والأنساب مَا لم يرقط من يحفظ مثله ويحفظ دون ذَلِك من عُلُوم أخر مِنْهَا اللُّغَة والنحو وَالسير والمغازي وَمن آلَة المنادمة شَيْئا كثيرا وَألف التآليف البديعة مِنْهَا تحريراته على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وحاشية على المطول وَشرح ديوَان ابْن الفارض وَهُوَ أشهر تآليفه والتاريخ الَّذِي هُوَ أحد مآخذ تاريخي هَذَا وَقد سبق ذكر ذَلِك فِي الديباجة وَله رحْلَة حلبية وَأُخْرَى طرابلسية وَسبع مجاميع بِخَطِّهِ وسمهم بالسبع السيارة وَله رسائل كَثِيرَة ومنشآت عديدة وَجمع ديوانا من شعره وَهُوَ سَائِر متداول فِي أَيدي النَّاس وَكَانَ عَالما محققا ذكي الطَّبْع فصيح الْعبارَة طليق اللِّسَان متين الْحِفْظ حسن الْفَهم عذب المفاكهة وَكَانَ أَبوهُ فِي مبدأ أَمر منجدا ثمَّ صَار عطارا ثمَّ انْقَطع عَن الحرفة وَلزِمَ وَلَده وَكَانَت أمه من صفورية وَأَبوهُ من بورين وَولد هُوَ ببورين ثمَّ هَاجر بِهِ أَبوهُ فِي سنة ثَلَاث أَو أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ عمره أحدى أَو اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَنزل بصالحية دمشق بِالْقربِ من الْمدرسَة العمرية وأخذله حجرَة بِالْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَة وَشرع فِي الإشتغال فَقَرَأَ النَّحْو والفرائض والحساب على الْبُرْهَان إِبْرَاهِيم بن الأحدب الْمُقدم ذكره وعَلى الشَّيْخ أبي بكر الذباح وَالشَّيْخ غَانِم الْمَقْدِسِي الضَّرِير نزيل دمشق وَلَا زَالَ فِي الإشتغال إِلَى سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة فَحصل بِدِمَشْق قحط فارتحل مَعَ وَالِده إِلَى بَيت الْمُقَدّس فاشتغل بهَا على شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد بن أبي اللطف إِلَى حُدُود سنة تسع وَسبعين ثمَّ عَاد إِلَى دمشق وَنزل مَعَ أَبِيه وَأمه بميدان الْحَصَى ودأب فِي التَّحْصِيل وَأخذ عَن الجلة من الْعلمَاء مِنْهُم الشهَاب الطَّيِّبِيّ الْكَبِير وَولده الشهَاب الطَّيِّبِيّ الْأَوْسَط وَعَن الشَّيْخ الْإِسْلَام الْبَدْر الغزى وَولده الشهَاب أَحْمد

стр. 549

وَقَرَأَ المعقولات على جدى الْعَلامَة أبي الفدا إِسْمَاعِيل النابلسي والعماد الْحَنَفِيّ وَالشَّمْس مُحَمَّد بن المنقار والنجم مُحَمَّد بن البهنسي خطيب دمشق وَأخذ الحَدِيث عَن الشَّمْس مُحَمَّد الدَّاودِيّ والشهاب أَحْمد العيثاوي وساد على أهل عصره وتصدر للتدريس وأملى على التَّفْسِير للبيضاوي والكشاف وَالْمولى أبي السُّعُود وَحج قَاضِيا بالركب الشَّامي سنة عشْرين وَألف ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الناصرية الجوانية والشامية البرانية والعادلية الصُّغْرَى والفارسية والمدرسة الكلاسة وَكَانَ لَهُ بقْعَة تدريس بالجامع الْأمَوِي وَوعظ بِجَامِع السُّلْطَان سُلَيْمَان بِدِمَشْق واشتهر فَضله وشاع ذكره وَلما ورد دمشق الْحَافِظ الْحُسَيْن التبريزي الْمَعْرُوف بِابْن الكربلالي فِي حُدُود سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة صَحبه وَتعلم مِنْهُ اللُّغَة الفارسية حَتَّى صَار يتَكَلَّم بهَا كَأَنَّهُ أعجمي وَفِي ذَلِك يَقُول (تعلمت لفظ الأعجمي وإنني ... من الْعَرَب العرباء لَا أتكتم) (وَمَا كَانَ قصدي غير صون حديثكم ... إِذا صرت من شوقي بِهِ أترنم) (وَإِن كنت بَين المعجمين فمعرب ... وَإِن كنت بَين المعربين فعجم) (فأغدوا بأشواقي إِلَيْكُم مترجما ... وسركم فِي خاطري لَيْسَ يعلم) ثمَّ تعلم فِي آخر حَالَة التركية وَكَانَ فِي الفارسية أبرع ونظم ونثر وَكَانَ من عَادَته الأطراء فِي مديحه فَإِذا كتب على شَيْء أَطَالَ جدا وَذكر النَّجْم الْغَزِّي قَالَ كنت مرّة عِنْد شَيخنَا القَاضِي محب الدّين يَعْنِي جدي فَدخل عَلَيْهِ سَالم العواد وَمَعَهُ محضربخط العناياتي وَقد قرظ عَلَيْهِ البوريني فَأطَال وأوسع فَلَمَّا تَأمله شَيخنَا قَالَ سُبْحَانَ الله مَا ترك البوريني فِي البراني شرابًا ولمح لما اشْتهر عَنهُ من نسبته إِلَى شرب الراح وَلم يكْتب عَلَيْهِ شَيخنَا وَوَقع لقَاضِي الْقُضَاة بِمصْر الْمولى يحيى بن زَكَرِيَّا أَن البوريني لما عمل مجْلِس الحَدِيث بعد صَلَاة الْمغرب بالجامع الْأمَوِي وَكَانَ يتَكَلَّم على الشفا وَيُوضَع لَهُ الفانوس تقليداً للبكريين بِمصْر وَطلب البوريني من الْمولى يحيى حُضُور مَجْلِسه فحضره مرّة فَلَمَّا دَار الْكَلَام عِنْد الْمولى يحيى فِي تدريس البوريني قَالَ هُوَ بكري دمشق موريا فِي لفظ بكري فَإِنَّهُ فِي اللُّغَة التركية مدمن الشَّرَاب وَإِنَّمَا أشاع النَّاس ذَلِك عَنهُ لِأَنَّهُ كَانَ يعاشر الدولة كثيرا ويبيت عِنْدهم فَرُبمَا ذكر عَنهُ جَمَاعَتهمْ مثل ذَلِك وَذكره البديعي فِي ذكرَاهُ وَقَالَ فِي وَصفه حَسَنَة ازدان بهَا الدَّهْر ازديان الوجنات بالحبات وتاهت بِهِ الْأَيَّام إِذْ كَانَ لَهَا من الْحَسَنَات ومذ رأى

стр. 550

الشَّبَاب يتأهب والشيب يتلهب شنف الأسماع بجواهر وعظه فليّن الْقُلُوب القاسية وأبرز خرائد حفظه فَذكر النُّفُوس الناسية بَعْدَمَا كَانَ يخرج فِي الْعشْرَة عَن القشرة فِي أَيَّامه الْمَاضِيَة وَمِمَّا وقفت عَلَيْهِ من آثاره هَذِه الرسَالَة جَوَابا عَن رِسَالَة أرسلها إِلَيْهِ بعض أحبابه موشحة بعتابه يذكرهُ تراضع الكاس فِي أَيَّام الإيناس فَأَجَابَهُ بقوله (مَضَت الشبيبة والحبيبة فانبرى ... دمعان فِي الأجفان يزدحمان) (مَا أنصفتني الحادثات رمينني ... بمودّعين وَلَيْسَ لي قلبان) وَردت رِسَالَتك الآمرة بالطيش المحسنة للانطلاق إِلَى نهب طيب الْعَيْش (فَقلت لَهَا أَهلا وسهلا ومرحبا ... بلطف حبيب زار عَن غير موعد) على أَنَّهَا وَردت رامزة إِلَى الْغَفْلَة عَن الإخوان مشيرة إِلَى نِسْيَان الْأَحِبَّة والخلان فكلا ثمَّ كلا وَالله مَا تبِعت فِي نِسْيَان الْأَحِبَّة الْهوى وَبِاللَّهِ إِنِّي صَاحبكُم وَمَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى (تجنوني ذنوباً مَا جنتها ... يداي وَلَا أمرت وَلَا نهيت) وَمَعَ ذَلِك (فَلَو كَانَ هَذَا مَوضِع العتب لاشتفى ... فُؤَادِي وَلَكِن للعتاب مَوَاضِع) وَلَئِن حصل فِي مُدَّة الْأَجَل انفساح لنعملنّ بقول الصّلاح (لَزِمت بَيْتِي كلزوم الْبَنَّا ... للْفِعْل والحرف على الأَصْل) (وَاسْتَوْحَشْت نَفسِي حَتَّى لقد ... تنفر لَو أمكن من ظِلِّي) وَهَذَا مُجمل يعسر تَفْصِيله وَحكم يصعب تَعْلِيله وَأما مَا أشرتم إِلَيْهِ بِمَا قَالَ أَبُو نواس وَالْعَمَل بقوله من ارتضاع الكأس فقبول لَو كَانَت منَازِل الشَّبَاب آهلة وأوقات الْهوى لصفاء الْعَيْش قَابِلَة وَلَكِن بعد نزُول الشيب والإنذار من عَالم الْغَيْب لَا مجَال لمصافحة بنت الدنان وَلَو أَنَّهَا بمشافهة الصفاح والسنان (صَحا الْقلب عَن سلمى وأقصر باطله ... وعرّى أَفْرَاس الصِّبَا ورواحله) نعم قد جلت فِي أَيَّام الشَّبَاب بميدان الصِّبَا فَمَا عثر طرفِي فِي قَضَاء وطر وَلَا كبا (وَلَقَد نهزت مَعَ الغواة بدلوهم ... وأسمت سرح الطّرق حَيْثُ أساموا) (وَبَلغت مَا بلغ امْرُؤ بشبابه ... فَإِذا عصارة كل ذَاك أثام) وَأما الْآن فَإِنِّي أَقُول

стр. 551

(فَمَا شاقتني ذكرى حبيب ومنزل ... وَلَا راقني للساجعات ترنم) (وَلَا أطرب الْحَادِي بترجيع لحنه ... وَلَا فاح من نشر الرياض مشمم) وَلَا يختاج ببالك أَن كلامنا هَذَا بِاللِّسَانِ من غير مُطَابقَة الْجنان فَإِنِّي أقسم بالوفا وَالْكَرم وَالْبَيْت وَالْحرم أَن ظَاهر هَذَا الْأَمر وباطنه سيان وَلَو أطلعت على الضَّمِير لَا زددت علما على مَا نطق بِهِ اللِّسَان وَلَو كنت مائلا إِلَى مَا أَشرت إِلَيْهِ وعولت فِي عبارتك عَلَيْهِ مَا كَانَت أجد مثلك من نديم كَفه كريم وخاطره سليم يفهم الْكَلَام بِالْإِشَارَةِ ويستغني عَن مَفْهُوم الْعبارَة (إِن كَانَ لَا بدّ من عَيْش وَمن سمر ... فَحَيْثُ آمن من خلى ويأمتني) نعم إِن مَالَتْ نَفسك إِلَى مجاذبة أَطْرَاف الْآدَاب والمحادثة عَمَّا مضى من وقائع الأحباب فَإنَّك وَالله أعز الإخوان وإنسان عين الخلان مَا رَأينَا مِنْك سوى مَا يسر الْقُلُوب وَيكون عين الْمَقْصُود وَالْمَطْلُوب فَأَنت الْمَقْصُود بقول الشَّاعِر (بروحي من نادمته فَوَجَدته ... أرق من الشكوى وأصفى من الدمع) (يوافقني فِي الجدّ والهزل دَائِما ... فَينْظر من عَيْني وَيسمع من سَمْعِي) هَذَا هُوَ الْجَواب مَعَ الإختصار وَعند مثلكُمْ يقبل الإعتذار انْتهى وَمن غَرِيب مَا اتّفق لَهُ إِنَّه كَانَ فِي مبدأ أمره وَلَا يتكيف وَلَا يَأْكُل من المكيفات شَيْئا حَتَّى قَالَ الشَّاعِر لما رأى إنكباب النَّاس على البرش وَهُوَ قَوْله (عمّ البلا يَأْكُل البرش فانتفعت ... مخايل النَّاس فِي خلق وأخلاق) (وَلَو تصوّر هَذَا الدَّهْر فِي رجل ... لأبصرته الورى فِي زِيّ درياق) ثمَّ ابتلى بِأَكْلِهِ حَتَّى ظهر فِي فعله وهيئته وحركته إِلَّا أَنه لم يُغير ذكاءه ونوادره ولطائفه كَثِيرَة فَمن ذَلِك مَا رَأَيْته بِخَطِّهِ أَنه سُئِلَ عَن الْحبّ هَل هُوَ بِالْكَسْرِ أَو بِالضَّمِّ فَقَالَ هُوَ بِالْكَسْرِ ويستحسن فِيهِ الضَّم وَعَن الجفن أهوَ بِالْكَسْرِ أَو بِالْفَتْح فَقَالَ هُوَ بِالْفَتْح ويستحسن فِيهِ الْكسر وَهَذَانِ الجوابان شبيهان بِجَوَاب الزَّمَخْشَرِيّ وَقد سُئِلَ عَن العثير أهوَ بِالْفَتْح أَو بِالْكَسْرِ فَقَالَ بِالْكَسْرِ وَلَا تفتح فِيهِ الْعين وَسُئِلَ الْمولى أَبُو السُّعُود الْمُفَسّر عَن الخزانة والقصعة فَقَالَ لَا تفتح الخزانة وتكسر الْقَصعَة وَمِمَّا يستظرف من مناسباته أَنه كَانَ يمِيل إِلَى غُلَام يتَخَلَّص برامى فجفاه مرّة ثمَّ جَاءَهُ معتذرا بِإِشَارَة خُفْيَة من جفنيه فأنشده بديهة قَول ابْن القارض (رمى فَأثْبت سَهْما من لواحظه ... فِي وسط قلبِي فوا شوقي إِلَى الرَّامِي)

стр. 552

وَكَانَ بَينه وَبَين أَحْمد بن شاهين مَوَدَّة أكيدة ومشيخة وتلمذة لِأَن الشاهيني تلميذ البوريني فَوَقع بَينه وَبَينه بِسَبَب أَن الشاهيني كَانَ نظم قصيدة مدح بهَا صنع الله المفعي لما ورد الشَّام مطْلعهَا (حَيّ الْمنَازل بالنقا فزرود ... فالرقمتين فعهدنا الْمَعْهُود) فنسبه البويني فِيهَا إِلَى الإنتحال وَجرى بذلك بَينهمَا شَحْنَاء وتقاطع وخاطبه الشاهيني بقصيدة طَوِيلَة مطْلعهَا (قف بِي فلى أثر الحدوج حنين ... وَمن الصبابة طَاهِر وكمين) وأعقبها برسالة من انشائه المعجب ذكرهمَا البوريني فِي تَرْجَمته واجتمعا يَوْمًا فِي مجْلِس فَقَالَ لَهُ الشاهيني القصيدة المنحولة صدرت عَن طبع نَشأ فِي الرياض بَين لَا كمام لَا عَن طبع نَشأ فِي الْقرى بَين الآكام واجتمعا مرّة أُخْرَى فَنَاوَلَهُ الشاهيني لغزا صنعه فِي سكين فَلَمَّا فطن لَهُ قَالَ قد صَعب عَليّ استخراجه وَمن مقولاتهم الْمَعْنى فِي بطن الشَّاعِر وَكَانَ غَالب أَعْيَان الشَّام من الْعلمَاء يَغُضُّونَ من البوريني الإنطلاق لِسَانه ورربما أوقعوه فِي مكروهات من القَوْل وَالْفِعْل وازدروا بِهِ وَسعوا فِي توهِينه وَكَانَ كثير التيقظ لمكايدهم حكى أَن بعض وزراء الشَّام أقبل عَلَيْهِ واتخذه نديم مَجْلِسه وَكَانَ يُبَالغ فِي توقيره وتعظيمه فقصدوا توهِينه عِنْده فَاجْتمعُوا يَوْمًا فِي دَار الْحُكُومَة البوريني مَعَهم فأرسلوا إِلَى وَالِده يتطلبوه إِلَى الْوَزير بِنَاء على أَن الْوَزير استدعاء وَكَانَ رث الْهَيْئَة فِي زِيّ عوام السوقة كَمَا سلف فَلم يشْعر البوريني إِلَّا وَأَبوهُ مقبل فَنَهَضَ من مَقْعَده مسرعا واستقبله وَقبل يَده ثمَّ جَاءَ إِلَى الْوَزير وَقَالَ لَهُ حلت عَلَيْكُم الْبركَة بقدوم وَالِدي فَإِنَّهُ بركَة هَذَا الْوَقْت الصوام القوام الكذا والكذا فَنَهَضَ الْوَزير وَقبل يَده وَأَجْلسهُ وَبَالغ فِي تَعْظِيمه فَانْقَلَبَ أَعْيَان أُولَئِكَ وَلم يعودوا إِلَى مثلهَا وَهَكَذَا كَانَ البوريني صَاحب بذرقة فِي تعبيراته وأشعاره كَثِيرَة أخرجت مِنْهَا محاسنها وأثبتها هُنَا وَمَا محَاسِن شَيْء كُله حسن فَمن ذَلِك قَوْله وَقد تبع فِيهِ الشُّعَرَاء الأقدمين (وَكُنَّا كغصني بانة قد تألفا ... على دوحة حَتَّى استطالا وأينعا) (يغنيهما صدح الْحمام مرجعا ... ويسقيهما كأس السحائب مترعا) (سليمين من خطب الزَّمَان إِذا سَطَا ... خليين من قَول الحسود إِذا سعى) (ففارقني من غير ذَنْب جئيته ... وَأبقى بقلبي حرقة وتوجعا)

стр. 553

(عَفا الله عَنهُ ماجناه فانني ... حفظت لَهُ الْعَهْد الْقَدِيم وضيعا) (وَلَكِن سيدري ود من كَانَ مخلصا ... صَدُوقًا يدْرِي من يكون مصنعا) وَالْأَصْل فِي هَذَا مَا فِي أمالي القالي عَن أبي الْفضل الربعِي عَن أبي السمراء قَالَ دخلت منزل نخاس فِي شِرَاء جَارِيَة فَسمِعت صَوت جَارِيَة تَقول (وَكُنَّا كَزَوج من قطافي مفازة ... لَدَى خفض عَيْش معجب مونق رغد) (أصابهما ريب الزَّمَان فافردا ... وَلم نر شَيْئا قطّ أوحش من فَرد) قَالَ فَقلت للنخاس أعرض على هَذِه المنشدة فَقَالَ إِنَّهَا شعثة حزينة فَقلت وَلم ذَلِك قَالَ اشْتَرَيْتهَا من مِيرَاث وَهِي باكية على مَوْلَاهَا وَتقول (وَكُنَّا كغصنى بانة وسط رَوْضَة ... نَشُمُّ جنى الروضات فِي عيشة رغد) (فأفرد ذَاك الْغُصْن من ذَاك قَاطع ... فيا فردة باتت تحن إِلَى فَرد) قَالَ أَبُو السمراء فَكتبت إِلَى عبد الله بن طَاهِر أخبرهُ بخبرها فَكتب إِلَى أَن ألق هَذَا الْبَيْت عَلَيْهَا فَإِن أجازته فاشترها وَلَو بخراج خُرَاسَان وَالْبَيْت هُوَ هَذَا (بعيد وصل قريب جهد ... جعلته مِنْهُ لي ملاذا) فألقيته غليها فَقَالَت بِسُرْعَة (فعاتبوه فذاب شوقاً ... وَمَات عشقاً فَكَانَ مَاذَا) قَالَ أَبُو السمراء فاشتريتها بِأَلف دِينَار وحملتها إِلَيْهِ فَمَاتَتْ فِي الطَّرِيق فَكَانَت إِحْدَى الحسرات انْتهى وَفِي الحماسة الطائية لصفية الباهلية (كُنَّا كغصنين فِي جرثومة سميا ... حينا بِأَحْسَن مَا تسمو بِهِ الشّجر) (حَتَّى إِذا قيل قد طَالَتْ فروعهما ... وطاب فيؤهما واستنضر الثَّمر) (أخنى على وَاحِد ريب الزَّمَان وَمَا ... يبْقى الزَّمَان على شَيْء وَلَا يذر) (كُنَّا كأنجم ليل بَيْننَا قمر ... يجلو الدجى فهوى من بَيْننَا الْقَمَر) وللبوريني وَهُوَ من مستجاداته (يَقُولُونَ فِي الصُّبْح الدُّعَاء مُؤثر ... فَقلت نعم لَو كَانَ ليلِي لَهُ صبح) وَقد ترْجم هَذَا الْمَعْنى من الفارسية وَأَصله لشاعر الْعَجم وحشى سبكه فِي قالب حسن وَمثله قَول البها زُهَيْر (جعل الرقاد لكَي يواصل موعدا ... من أَيْن لي فِي حبه أَن أرقدا) وَقَول الباخرزي

стр. 554

(قَالَت وَقد فتشت عَنْهَا كل من ... لاقيته من حَاضر أَو بَادِي) (أَنا فِي فُؤَادك فارم طرفك نَحوه ... ترنى فَقلت لَهَا وَأَيْنَ فُؤَادِي) والأدباء يستحسنونه وَلم يعرفوا أَنه من قَول عبد الله بن شبيب (هوى صَاحِبي ريح الشمَال إِذا جرت ... وأهوى لنَفْسي أَن تهب جنوب) (يَقُولُونَ لَو عذبت قَلْبك لارعوى ... فَقلت وَهل للعاشقين قُلُوب) وَتَابعه عُرْوَة بن أذينة (قَالَت وأودعتها سري فبحت بِهِ ... قد كنت عِنْدِي تحب السّتْر فاستتر) (أَلَسْت تبصر من حَولي فَقلت لَهَا ... غطى هَوَاك وَمَا ألْقى على بَصرِي) وذيل البوريني بَيته الْمُفْرد بِأَبْيَات وَهِي (فيا عجبا مني أر يَد لقاءه ... وَفِي جفْنه سيف وَفِي قدره رمح) (وإنسان عَيْني كَيفَ ينجو وَقد غَدا ... يطول لَهُ فِي لج مدمعه سبح) (وَإِن كَانَ يَوْم الْبَين يسود فحمه ... فَمن مهجتي نَار وَمن نَفسِي قدح) (وَلَيْسَ عجيبا أَن دمعي أَحْمَر ... وَفِي مهجتي جرح وَفِي مقلتي قرح) وَلَو تَركه مُفردا لَكَانَ أصوب وَمن شعره (أَحول وَجْهي حِين يقبل عَامِدًا ... مَخَافَة واش بَيْننَا ورقيب) (وَفِي باطني وَالله يعلم أعين ... تلاحظه من أضلع وَقُلُوب) وَالْمعْنَى حسن وَأحسن مِنْهُ قَول الخفاجي (تنَازع فِيهِ الشوق قلبِي وناظري ... فأثر فِيهِ الطّرف وَالْقلب نَائِب) (وتنظره من قلبِي الصب أعين ... عَلَيْهَا المحنى الضلوع حواجب) لَكِن أَخذه الشهَاب وَنَقله عَن مَعْنَاهُ المُرَاد من قَول الْقَائِل (خلقنَا بأطراف القنا فِي ظُهُورهمْ ... عيُونا لَهَا وَقع السيوف حواجب) قَالَ الحريري من سرق ورق فقد اسْتحق وَله فِي تَرْجَمَة من الفارسية (ورق الغصون إِذا نظرت دفاتر ... مشحونة بأدلة التَّوْحِيد) وَمثله لِلشِّهَابِ من ذَوَات أَمْثَاله (باح بنشر الرَّوْض خفاق الصِّبَا ... وأسكر الْغَيْث النَّبَات فِي الرِّبَا) (أما ترى فِي روضه إِلَّا وراقا ... رطب لِسَان يشْكر الخلاقا) (وَتلك للتوحيد كالدفاتر ... تقرؤها الطُّيُور فِي المنابر)

стр. 555

وللبوريني (أيا قمرا قد بت فِي ليل هِجْرَة ... أراقب سيار الْكَوَاكِب حيرانا) (خبأتك فِي عَيْني لتخفى عَن الورى ... وَمَا كنت أَدْرِي أَن فِي الْعين إنْسَانا) وللخفاجي (خبأتك فِي الْعين خوف الوشاة ... وَكم شرف الدَّار سكانها) (وَمن غيرَة خفت أَن يفطنوا ... إِذا قيل فِي الْعين إلنسانها) وللبوريني (تعشقت مِنْهُ حَالَة لست قَادِرًا ... على وصفهَا إِن لم يذقها سوى قلبِي) وَله (أَتَرَى علمت بحالتي ... يَا من تغافل عَن شؤوني) (هلا رحمت مدامعا ... سَالَتْ عيُونا من عيوني) وَله من قصيدة يصف فِيهَا الغدير (يُجَاوب أسيحاع الْحمام خريره ... فتصغى لَهُ الورقاء من فَوق أيكة) وَتبع فِي ذَلِك أَبَا الحكم فِي قَوْله (وتحدث المَاء الزلَال مَعَ الصَّفَا ... فَجرى النسيم عَلَيْهِ يسمع مَا جرى) وللبوريني (أتنكر مني رفع صوتي بالبكا ... لبسين حبيب عز مِنْهُ معاد) (أَلَسْت ترى الثَّوْب الْجَدِيد وَقد غَدا ... يَصِيح لَدَى التَّفْرِيق وَهُوَ جماد) وَقَرِيب مِنْهُ قَول الْقَائِل (لَا غر وَمن جزعي لبينهم ... يَوْم النَّوَى وَأَنا أخوالهم) (فالقوس من خشب يَئِن إِذا ... مَا كلفوه فرقة السهْم) وَله (عمامتي لعبت أَيدي الزَّمَان بهَا ... كَأَنَّهَا نسجت من عهد حَوَّاء) (أُرِيد أغسلها وَالْخَوْف يَمْنعنِي ... من أَن ترى نزلت يَوْمًا مَعَ المَاء) وَهُوَ من قَول الْقَائِل (ولي ثِيَاب رقاق لست أغسلها ... أَخَاف أعصرها تجْرِي مَعَ المَاء) وَمن مَشْهُور شعره قَوْله فِي نصيحة (أوصيك أوصيك فاسمع مَا أقرره ... فقد نَصَحْتُك خلي نصح مُعْتَبر) (لأتركن إِلَى من لَيْسَ تعرفه ... وَمن عرفت فَكُن مِنْهُ على حذر) أَخذ من قَول ابْن فَارس (اسْمَع مقَالَة نَاصح ... جمع النَّصِيحَة والمقه) (إياك وَاحْذَرْ أَن تكون ... من الثِّقَات على ثِقَة) وَله (يَا ساكنين الْجزع لي بعدكم ... طرف مدى الْأَيَّام لَيْسَ بناظر)

стр. 556

(مَا زار إنساني سواكم بعدكم ... إِلَّا وَألقى سترد مَعَ سَاتِر) مَأْخُوذ من قَول الأرجاني (لي بعد آلا فِي الَّذين رحلوا ... وخلفوا صبري كَلْبِي منتهب) (إِنْسَان عين لم يزره غَيرهم ... إِلَّا وَألقى سترد مَعَ فاحتجب) وَله يعْتَذر عَن أَمر نقل عَنهُ (الله يعلم أَن ساحة خاطري ... مِمَّا رقمت صحيفَة بَيْضَاء) (وسنلتقي يَوْم الْقيام بموقف ... فِي ضمنه تتبين الْأَشْيَاء) وَاتفقَ لَهُ انه سَار إِلَى بعض غِيَاض دمشق وَأَرَادَ استدعاء بعض أحبابه فَلم يجد قَلما وَلَا دَوَاة وَكَانَ أَيَّام التوت الْأسود فَكتب بمائه بديها (يَا طَائِر البان خُذ مني مُكَاتبَة ... ضعها لدي منزل الظبي الَّذِي سخا) (هِيَ الشكاية من دَاء الْفِرَاق وَقد ... كتبتها بِدَم الْقلب الَّذِي جرحا) وَله (وتنفسي الصعداء لَيْسَ شكاية ... مني لهجرك يَا ضِيَاء النَّاظر) (لَكِن بقلبي من جفاك تألم ... فَأرى بذلك رَاحَة للخاظر) وَله (قَالَ لي عاذلي تسل قَلِيلا ... بمسير عَن الْحمى والربوع) (قلت يَا عاذلي تَأَخَّرت عني ... كَانَ هَذَا الْكَلَام قبل وقوعي) وَله (مرادي من الدُّنْيَا مُرَاد أريده ... من الْحبّ وَالْإِنْسَان قد يتَخَيَّر) (سوى وَقْفَة فِيهَا أسائل مَا الَّذِي ... يقدم غَيْرِي أَو لماذا أؤخر) وَله (بِحَق الَّذِي أَعْطَاك حسنا ودولة ... ولطفا بِهِ للضد مَا زلت تقهر) (لماذا رعاك الله غَيْرِي مقدم ... ومثلي على صدق الوداد مُؤخر) وَله (مَا رمت ترك الظُّلم مِنْهُ تبرما ... من حمل أثقال القطيعة والجفا) (لَكِن خشيت عَلَيْهِ عُقبى فعله ... فِي يَوْم يلقى الْمَرْء مَا قد أسلفا) وَله (وَكم قَائِل مَالِي أَرَاك مجانبا ... غرام مليح كالغزال المشرد) (فَقلت دعوا هَذَا الملام فائتني ... ختمت رسالات الْهوى بِمُحَمد) وَله غير ذَلِك من عُيُون الْأَشْعَار وَالْأَخْبَار مالوا ستقصيته لجاء فِي كتاب مُسْتَقل وَكَانَت وِلَادَته فِي قَرْيَة صفورية نَهَار الْجُمُعَة منتصف شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي بعد الظّهْر نَهَار الْأَرْبَعَاء ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى سنة أَربع وَعشْرين وَألف وَصلى عَلَيْهِ بالجامع الْأمَوِي من الْيَوْم الثَّانِي وَدفن بمقبرة

стр. 557

الفراديس وَكَانَ قبل مَوته بلحظة أَمر بعض من حضر عِنْده بِقِرَاءَة سُورَة يس فقرؤها وَكَانَ هُوَ فِي حَالَة النزع يُحَرك شفته مَعَهم إِلَى أَن وصلوا إِلَى قَوْله تَعَالَى إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون فَمد السبابَة إِشَارَة إِلَى الشَّهَادَة وَخرجت روحه وَرَآهُ بعض الثِّقَات لَيْلَة مَوته وَجَمَاعَة ينشدون هَذِه الْمقَالة ويذكرون أَن البوريني نظمها وَأوصى أَن ينشدونها أَمَام جنَازَته وَهِي للقاء الله باسم الله وعَلى مِلَّة رَسُول الله كنت أمس بَين أحبابي وأصحابي وأترابي فدعاني نَحوه رَبِّي ألف أَهلا وَألف باسم الله وَرَآهُ بعض الْفُضَلَاء بعد مَوته فِي مَنَامه كَأَنَّهُ على كرْسِي عَظِيم فِي رَوْضَة غناء وَعَلِيهِ هَيْبَة وَإِلَى جَانِبه رجل وَهُوَ يعلم أَنه مَاتَ فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي كَيفَ حالك وَمَا فعل الله بك فَقَالَ إِنِّي جعلت بَيْتَيْنِ يعلم مِنْهُمَا مَا فعل الله بِي ثمَّ أنْشد قَوْله (وَفِي لي من أَهْوى وآنس وحشتي ... وداوى فُؤَادِي بالتداني وبالقرب) (فَظن بِهِ خيرا وَإِن كنت مذنبا ... فَمَا خَابَ عبد أحسن الظَّن بالرب) ونظم هَذِه الرّبَاعِيّة قبل مَوته وَأوصى أَن تكْتب على قَبره وَهِي قَوْله (يَا رب تبِعت سيد الْأَبْرَار ... واخترت سَبِيل صُحْبَة الأخيار) (وَالْيَوْم فَلَيْسَ لي سوى لطفك بِي ... يَا رب فوقني عَذَاب النَّار) ورثاه جمَاعَة من فضلاء زَمَانه مِنْهُم الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن الْعِمَادِيّ الْمُفْتِي وَكَانَ مِمَّن أَخذ عَنهُ وتلمذ لَهُ مُدَّة وقصيدته أحسن مَا قيل فِيهِ من المراثي وَهِي مَشْهُورَة متداولة مطْلعهَا قَوْله (زلزل الْكَوْن والقتام علا ... وَهوى الْبَدْر بَعْدَمَا كلا) ويعجبني مِنْهَا قَوْله (كم لَهُ من فَوَائِد وفدت ... قد غَدا ركنهن مرتحلا) (والبلاغات بعد مَا بلغت ... حَدهَا مِنْهُ دَانَتْ الأجلا) (فِي اللسانين فَارس بَطل ... فاللسان بعده بطلا) (راق روض النهى بِهِ زَمنا فِي دمشق وَبعده ذبلا ... ) (نَدم الدَّهْر حَيْثُ جادبه ... غلطة بعد طول مَا بخلا) (عقد در فِي السلك قد عبثت ... مِنْهُ أَيدي الْمنون فانفصلا) (كَانَ للدهر بهجة وسنا ... مِنْهُ أما إِذا غَابَ عَنهُ فَلَا) (قل لمن شَاءَ أَن يؤرخه ... بدر علم فِي الشَّام قد أَفلا) وَمن غَرِيب مَا وَقع بعد مَوته أَنه كَانَ فِي مَرضه تفرغ عَن الْمدرسَة الشامية البرانية لِلشِّهَابِ أَحْمد العيثاوي فَلم يقبل قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق الْمولى مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف

стр. 558

بجوى زَاده ووجهها لعبد الْحَيّ بن يُوسُف وَعوض العيثاوي بالوعظ فِي السليمانية وَوجه الناصرية الجوانية لمنلا عبد الرَّحْمَن بن أويس الْكرْدِي والعادلية الصُّغْرَى للْقَاضِي عبد اللَّطِيف بن الجابي والبقعة بالكلاسة للشَّيْخ أَحْمد بن محب الدّين الْحَنَفِيّ والبقعة بالجامع الْأمَوِي لِأَخِيهِ إِبْرَاهِيم البوريني وَقِرَاءَة الحَدِيث بالجامع الْأمَوِي لعبد الرَّحِيم بن محَاسِن سبط البوريني فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت سادس عشر جُمَادَى الأولى اجْتمع جمَاعَة مِنْهُم أَحْمد بن شاهين وَأحمد بن زين الدّين المنطقي الْمُقدم ذكرهمَا وحسين بن عبد النَّبِي الشعال ورمضان بن عبد الْحق العكاري والكمال ابْن مرعي العيثاوي وَسليمَان الْحِمصِي وَشرف الدّين الدِّمَشْقِي وَمُحَمّد بن نعْمَان الأيجي وَإِبْرَاهِيم الْعِمَادِيّ الْوَاعِظ وَأحمد العرعاني وَكَانَ اجْتِمَاعهم بالجامع الْأمَوِي ثمَّ أحاطوا بالشمس الميداني ورأسوه عَلَيْهِم وَقَالُوا نَجْتَمِع وَنَذْهَب إِلَى القَاضِي والباشا ونطلب توزيع وظائف البوريني علينا ثمَّ ذهب مِنْهُم طَائِفَة إِلَى العيثاوي وسألوه أَن يذهبوا فِي خدمته إِلَى القَاضِي فَقَالَ لَهُم لَا تلِيق هَذِه الجمعية وَلَكِنِّي أذهب إِلَى القَاضِي وأنصحه فَذهب إِلَيْهِ وَتكلم مَعَه أَن يعْطى الحَدِيث لِابْنِ الأيجي وَتَكون الناصرية مُشْتَركَة بَين الملا عبد الرَّحْمَن الْكرْدِي وَآخر فَأَجَابَهُ القَاضِي إِلَى مَا قَالَ فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ انْدفع الْقَوْم وَمَعَهُمْ آخَرُونَ فَدَخَلُوا على القَاضِي وجلبوا عَلَيْهِ فبادر القَاضِي وَقَالَ لَهُم اجلسوا واقتسموا الْوَظَائِف فجلسوا خَارج الْمجْلس يقتسمون وَالْكَاتِب يكْتب مَا يتفقون عَلَيْهِ ثمَّ خَرجُوا من عِنْده بِنَاء على أَن تكْتب التقارير على مَا رتبوه فَلَمَّا كَانَ يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع عشر الشَّهْر الْمَذْكُور جمع القَاضِي إِلَيْهِ العيثاوي ومنلا عبد الْحَيّ بن يُوسُف والخطيب يحيى بن مُحَمَّد البهنسي وَولده أَحْمد وَالْقَاضِي أَبُو الْبَقَاء الصَّالِحِي وَذهب بهم إِلَى نَائِب الشَّام إِذْ ذَاك مُحَمَّد باشا الجركسي وصور الدَّعْوَى عِنْد القَاضِي بن مغيزل قسام العسكري بِدِمَشْق وَكَانَ حَاضرا بالديوان بِإِذن الباشا على الْجَمَاعَة بالهجوم وَقلة الْأَدَب مَعَه وَأثبت ذَلِك عَلَيْهِم وَكتب بذلك صك فَتقدم مثلا زين الدّين وَالِد أَحْمد المنطقي وَتكلم مَعَ القَاضِي بِكَلِمَات فَاحِشَة وسجل عَلَيْهِم كل ذَلِك إِلَّا ابْن شاهين فَإِنَّهُ اسْتثْنى من الْكِتَابَة سرا لمكانة أَبِيه ثمَّ شفع العيثاوي وَمن مَعَه عِنْد القَاضِي فِي الْعَفو عَنْهُم من التعزيز بِالضَّرْبِ وانفصل الْمجْلس على ذَلِك ونظم النَّجْم الْغَزِّي هَذِه الْحَادِثَة فِي قصيدة طَوِيلَة ذكرهَا فِي ذيله ومطلعها قَوْله

стр. 559

(رويدك أَن الْفضل للمرء نَافِع ... وَلَكِن على قدر الْعُقُول الْمَنَافِع) (مَتى ضل عقل الْمَرْء ضل طَرِيقه ... وَلَيْسَ لَهُ عَن وهدة الْجَهْل مَانع) (ألم تَرَ رهطا حاولوا رفع قدرهم ... بِأَنْفسِهِم وَالله مَا شَاءَ صانع) (سعوا نَحْو قَاضِي الشَّام صين جنابه ... وَكَانَ امْرِئ غاد وللنفس بَائِع) ... قضى الْحسن الْعَلامَة النّدب فاغتدوا ... وكل لَهُ بالاشتغال تنَازع) (يَقُولُونَ وجهت الْجِهَات لغيرنا ... أَبى الله معط من يَشَاء ومانع) (وَعَن أدب زاحوا فراحوا بنقمة ... وَقد ذل بَين النَّاس من هُوَ طامع) (وَقد كَاد لَوْلَا عَفوه وسماحه ... تماسهم مِنْهُ الْعَصَا والمقارع) (وَقد عزروا وافي مشْهد ثمَّ اسمعوا ... لما كَرهُوا وَالْقَوْل للمرء رادع) (أيجمل مِنْهُم مَا أَتَوا وتهوروا ... هُنَالك أَن الْعقل للمرء وازع) مِنْهَا (إِذا قارع الضرغام جدي لجهله ... بصولته فالليث للجدي قارع) (إِذا ركب الْإِنْسَان فِي غير سَرْجه ... أتيح لَهُ عَن ذَلِك السرج صارع) (وَمن لم تؤدبه الْعُلُوم وخف فِي ... هَوَاهُ نَهَاهُ أدبته الوقائع) (وَمن لم يكن فِي فورة الْأَمر نَاظرا ... عواقبه ينْدَم وللسن قارع) (وَقد هد مِنْهُ عَرْشه وَهُوَ نَاظر ... وَقد قد مِنْهُ عرضه وَهُوَ سامع) (تعجبت من تِلْكَ الْقَضِيَّة أَنَّهَا ... لعمري وعظ وَهِي للقلب صادع) (جرت بعد ألف ثمَّ عشْرين حجَّة ... بذا الْعَام حَيْثُ الْعَام من بعد رَابِع) (تَأمل رعاك الله أَفعَال رَبنَا ... فَلَيْسَ لما يَقْضِيه فِي الْكَوْن دَافع) (وَلَا ترج إِلَّا الله فِي كل مقصد ... تبَارك أَن الْفضل مِنْهُ لواسع) (وَبعد فَإِن الله ﷻ ... لكل الورى يَوْم الْقِيَامَة جَامع) الشَّيْخ حسن بن مُحَمَّد بن أبي الْفضل ابْن بَرَكَات بن أبي الوفا الملقب بدر الدّين الدِّمَشْقِي الميداني الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بالموصلي الشَّيْبَانِيّ قَاضِي الشَّافِعِيَّة بِبَاب قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق وَاحِد أَعْيَان الْفُضَلَاء وَكَانَ عَالما فَقِيها نحويا بارعا وَفِيه أَنَاة وحلم وَمَكَارِم أَخْلَاق قَرَأَ بِدِمَشْق على جدي القَاضِي محب الدّين وجدي إِسْمَاعِيل النابلسي والعماد الْحَنَفِيّ والأسد بن معِين الدّين التبريزي وتفوق وَلزِمَ إِفَادَة الطّلبَة بالجامع الْأمَوِي مُدَّة وَلما انْحَلَّت إِمَامَة الشَّافِعِيَّة الأولى بالجامع عَن الشَّيْخ مُوسَى الجوسي فِي زمن قَاضِي دمشق الْمولى مصطفى الْمَعْرُوف بالكوجك اجْتمع عُلَمَاء الْبَلدة

стр. 560

وطلبوها للمذكور وَكَانَ القَاضِي وَجههَا لِابْنِ أبي البقا فعارضوه وَذكروا أحقية الْمَذْكُور فَقَالَ انْظُرُوا ثَالِثا مِمَّن يَسْتَحِقهَا فَقَامَ الشَّمْس مُحَمَّد الميداني الْآتِي ذكره فِي الْمجْلس وَقَالَ أَنا الثَّالِث وطلبها فوجهها القَاضِي إِلَيْهِ وَخرج الْجَمَاعَة من عِنْد القَاضِي حنقين عَلَيْهِ ثمَّ سعى بعض أكابرهم فِي اتيان بَرَاءَة للبدر الْمَذْكُور فَلَمَّا قدم الْمولى مصطفى بن حسن قَاضِيا بِدِمَشْق ترافعا إِلَيْهِ بِمحضر من الْعلمَاء وكل مِنْهُمَا قدم بَرَاءَته فَاقْتضى رَأْي القَاضِي وَالْجَمَاعَة أَن تشطر بَينهمَا وداما على ذَلِك وَولي الْبَدْر بعد ذَلِك قَضَاء الشَّافِعِيَّة بِطَلَب عُلَمَاء دمشق وحمدت سيرته فِيهَا وَلم يزل قَاضِيا حَتَّى توفّي فِي سنة ثَلَاث أَو أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِقرب مَسْجِد النارنج رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ حسن بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْكرْدِي الصهراني النورديني الشَّافِعِي الْمُحَقق الفهامة الْمُؤلف الْأُسْتَاذ كَانَ من أجلاء عُلَمَاء الأكراد وَله الباع الطَّوِيل فِي حل الغوامض والغوص على الْمعَانِي قدم إِلَى دمشق فِي حُدُود سنة خمس وَسبعين وَألف واختص أَولا بالملا أبي بكر ابْن منلا جامي الْمُقدم ذكره فاستنابه فِي تدريس الْمدرسَة السليمية لسوء مزاج كَانَ اعتراه وَعقد حَلقَة تدريس بالجامع الْأمَوِي عِنْد مقَام الْخضر وعاينته هُنَاكَ وَهُوَ يُقرر أَشْيَاء دقيقة المرمى تدل على نظر دَقِيق وَتَحْقِيق زَائِد وَأَخْبرنِي صاحبنا الملا مُحَمَّد بن رستم الصهراني وَهُوَ من أَقَاربه أَنه قَرَأَ بصهران على الْمولى رَسُول الصهراني وَأخذ بِبِلَاد ديار بكر عَن الْمولى قره قَاسم وَالْمولى عمر بن الْجَلِيّ صَاحب شرح البهائية فِي الْحساب والحاشية على ميزاب الْفَتْح فِي الْآدَاب وَحكى لي أَنه كَانَ يفضل الْجَلِيّ على جَمِيع من رَآهُ من أساتذته وَألف بِدِمَشْق شرحا على البهائية فِي غَايَة الدقة وَله رِسَالَة فِي سُورَة المطففين وَكَانَ شرع فِي تَحْرِير شرح على الْقطر لِابْنِ هِشَام على أسلوب عَجِيب من الدقة وَكتب مِنْهُ حِصَّة وافرة وَلم يكمله وَكَانَ فِي الزّهْد والورع غَايَة لَا تدْرك وَوَقع لَهُ أَحْوَال تدل على علو كَعبه فِي الْولَايَة حكى لي الملا مُحَمَّد الْمَذْكُور وَقَالَ أَخْبرنِي الملا حسن يَعْنِي صَاحب التَّرْجَمَة انه كَانَ فِي موطنه يكْتب مُصحفا فَجَلَسَ يَوْمًا للكتابة فَرَأى الدواة قد فاضت بالحبر حَتَّى امْتَلَأَ مَا حوله فَنَهَضَ مذعورا وركض مَسَافَة عشر خطوَات ثمَّ الْتفت فَرَأى خَلفه بحرا من حبر ثمَّ غاض فَرجع إِلَى مَكَانَهُ وَشرع يكْتب وحَدثني عَنهُ من هَذَا الأسلوب بأَشْيَاء كَثِيرَة وَلما مَاتَ الملا أَبُو بكر الْمَذْكُور فِي التَّارِيخ الَّذِي ذكرته فِي تَرْجَمته

стр. 561

سَافر إِلَى الرّوم فِي طلب جهاته فأدركه أَجله بعد مُدَّة من وُصُوله وَكَانَت وَفَاته بأدرنة سنة ثَمَان وَسبعين وَألف وَهُوَ فِي سنّ الْأَرْبَعين السَّيِّد حسن بن مُحَمَّد بن عَليّ السَّيِّد الْأَجَل الحسنيني الْمَعْرُوف بالمنير الْحَمَوِيّ الأَصْل الدِّمَشْقِي الْفَقِيه الشَّافِعِي خُلَاصَة الخلاصات من السَّادة الكمل الأخيار كَانَ عَالما فَقِيها ورعا زاهدا تَارِكًا لَا يُغْنِيه لَا يصرف أوقاته فِي عَبث بل كل أوقاته معمورة بالفائدة من مذاكرة علم أَو قِرَاءَة قُرْآن أَو عمل خير وَكَانَ فِي هَذَا الْعَصْر الْأَخير من أَفْرَاده جمع بَين الْعلم وَالْعَمَل وَكَانَ فِيهِ نفع عَظِيم للنَّاس لَا زَالَ يقرىء الدُّرُوس بِجَامِع الدرويشية والسيبائية وَتخرج عَلَيْهِ خلق كثير من طلبة الْعلم من الشَّافِعِيَّة وَبِه تفقهوا وانتفعوا وَكَانَ النَّاس يعظمونه ويهابون ساحته وَإِذا أقبل من بعيد فِي سوق أَو زقاق تبَادرُوا إِلَى تَقْبِيل يَده وَطلب دُعَائِهِ وَكَانَ مرشداً متواضعاً سليم الصَّدْر بشوشاً إِلَى الْغَايَة لم نسْمع أَن أحد أتأذى مِنْهُ مده عمره فِي قَول أَو فعل ويحكى عَنهُ كرامات وأحوال هُوَ فِي أَعْلَاهَا ذرْوَة وأسماها منقبة وَبِالْجُمْلَةِ ففضائله مِمَّا لَا مُنَازع فِيهَا وَكَانَت وَفَاته عقيب الظّهْر بهنيئة من يَوْم الْأَحَد سادس عشرى شَوَّال سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِالْقربِ من سَيِّدي نصر الْمَقْدِسِي وَسَيَأْتِي أَبوهُ مُحَمَّد فِي حرف الْمِيم إِن شَاءَ الله تَعَالَى الشَّيْخ حسن بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن عطيف الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ كَانَ فَاضلا سَاكِنا لَهُ حسن مطارحة وانعطاف وَكَانَ لطيف الصَّوْت قَارِئًا مجوداً قَرَأَ الْعَرَبيَّة على مصطفى بن محب الدّين وَغَيره وتفقه على وَالِده وعَلى الإِمَام رَمَضَان بن عبد الْحق العكاري وبرع فِي الْفُنُون وَتَوَلَّى الخطابة بِجَامِع العداس خَارج دمشق بمحلة القنوات ولازم الِاشْتِغَال هُوَ وَشَيخنَا أَخُوهُ الْعَلامَة رَمَضَان الْآتِي ذكره مُدَّة حياتهما وَكَانَا لَا يملان المذاكرة وَحُضُور الدُّرُوس وَلَا يكَاد أَن يفترقان لَحْظَة وَاحِدَة وَعرض لحسن فِي آخر عمره وَمرض الفالج فَانْقَطع عَن النَّاس سبع سِنِين وَمَا كَانَ يفهم مِنْهُ إِلَّا لفظ الله الله وَاسْتمرّ مفلوجاً إِلَى أَن توفّي نَهَار الثَّلَاث ثَالِث عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير قرب مَسْجِد النارنج وَأَخْبرنِي أَخُوهُ شَيخنَا الْمَذْكُور أَن وِلَادَته فِي سنة عشْرين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ الْحسن بن النَّاصِر بن عبد الحفيظ المهلا الشرفي الْعَلامَة الَّذِي تفرد فِي وقته

стр. 562

الْفضل وَالْعلم والورع والزهد فِي الدُّنْيَا والإقبال على الْآخِرَة وَكَانَ كثير الصَّدَقَة على ذَوي الْفَاقَة حَرِيصًا على فعل الْخَيْر وَالْمَعْرُوف أَخذ عَن أَبِيه وجده وَسمع على أَخِيه الْحُسَيْن كثيرا من الْعُلُوم مَعَ كَونه أسن مِنْهُ بِنَحْوِ سبع سِنِين وَكَانَ لَهُ الْخط الْحسن الرَّائِق المضبوط وَالنّظم والنثر الفائقان ولقى جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء وَأخذ عَنْهُم كثيرا وحوى علما غزيرا وَله ارتحالات كَثِيرَة من جُمْلَتهَا ارتجاله مَعَ أَخَوَيْهِ إِلَى شهارة أَمَام دَعْوَة الْقَاسِم بن الإِمَام مُحَمَّد الْمُؤَيد وَأَقَامُوا بهَا ثَلَاثَة أشهر بداره الميمونة بالناصرة من شهارة فِي خلال الْإِقَامَة شَارك السَّيِّد أَحْمد بن الإِمَام المتَوَكل فِي قِرَاءَة التَّيْسِير للديبع وَغَيره من الْكتب الحديثية وَكَانَ فِي زمن حداثته مجدا فِي الِاشْتِغَال بِالْعلمِ وَطَلَبه على أَبِيه وجده مَعَ مُشَاركَة أَخِيه الْحُسَيْن وَكَانَ إِذا قَرَأَ شَيْئا فِي غيبَة أَخِيه الْحُسَيْن تتأثر نفس الْحُسَيْن فيعاتبه فِي ذَلِك فيعتذر صَاحب التَّرْجَمَة إِلَيْهِ وَيُعِيد مَا قَرَأَهُ عَلَيْهِمَا فَقَالَ فِي ذَلِك صنوه الْحُسَيْن أبياتا رائية معاتبا لَهُ وَجعل أول كل بَيت حرفا من حُرُوف الْعَجم وأولها قَوْله (أذاب فُؤَادِي بارق الْغَوْر إِذْ سرى ... بنفحة مسك من حدائقها تترى) (بحقك خبرني عَن الغورانة ... حَدِيث صَحِيح لَيْسَ فِي القَوْل مُنْكرا) (تَأمل بِهِ تِلْكَ المغاني تلق لي ... لطائف فاقت فِي المحاسن مخبرا) (ثملت وَقد دارت رحيقة وَصفَة ... فأنهلنا التسنيم من تِلْكَ مُسكرا) (جرى ذكر أحبابي بروضة قدسها ... وَقد كُسِيت بردا من الوشي أخضرا) (حووا من مليح الْوَصْف كل غَرِيبَة ... كزهر سَمَاء الأَرْض فِي حسنها ترى) (خليلي مَا واف بعهدي أَنْتُمَا ... إِذا لم تقصا وصفهَا لي وتخبرا) (دعوتكما كي تفهماني حَقِيقَة ... الْأَحِبَّة فِيمَا مفرقين وتحضرا) (ذكرت لَهُم ذكر الصِّفَات فهاج بِي ... من الشوق مَا ألفيته متذكرا) (رَأينَا بهَا مَا يمْلَأ الْعين قُرَّة ... فروحت الْأَرْوَاح من حسن مَا ترى) (زيارتهم فِيهَا لقلبي مَسَرَّة ... غَدَتْ مورد للصالحات ومصدرا) (سلى إِن أردْت الْيَوْم عني وعنهم ... ترى مَا يسر الْأَوْلِيَاء بِلَا مرا) (شفتنا وأولتنا فَوَائِد عِنْدهَا ... تسهل للأحباب مَا قد تعسرا) (صفت عندنَا تِلْكَ الصِّفَات الَّتِي علت ... وفاقت وراقت للقلوب بِلَا أمترا) (طوينا لذى الأحباب كل مقلة ... وَقد كَانَ فِي نَفسِي مقَال تكثرا) (ظفرنا بِمَا نرجو من الْحسن الَّذِي ... يفيدك أَن أقرا الْفَوَائِد أوقرا)

стр. 563

(عليم بأعقاب الْأُمُور كَأَنَّمَا ... لما فِي غَد من قبل يَأْتِيهِ أبصرا) (غَدَوْت عَلَيْهِ عاتبا تباحين أهمل ... الْأُخوة لما ينتظرني ويدكرا) (فواعجبا من فعله حِين غبت عَن ... محاملة هلا لحقي آثرا) (قَرَأت حماك الله لم تنْتَظر لنا ... وعذرى أَن السحب بالغيث أمطرا) (كفى حجَّة برهانها مشرق بِمَا ... فعلت على إهمال حقى بماهرا) (لويت عنان الْوَعْد عَنى عَامِدًا ... وأنسيت حَقًا للإخاء مؤثرا) (محلك فَوق الشَّمْس عِنْدِي وإنني ... لَا بنى لَهُ فَوق المجرة معمرا) (نخوتكم لما تقشع سحبها ... وسرت إِلَى سوح الْمَعَالِي مبكرا) (وَقد لَاحَ فِي الصُّبْح الثريا كَمَا ترى ... كعنقود ملاحية حِين نورا) (هُوَ الصنع أَن تعدل فَخير وَإِن بَدَت ... بِعُذْر فكم ريت بِهِ عَاد أكبرا) (لأعظ من أولى ووالى صَنِيعه ... وَحَازَ من الْخيرَات سَهْما موفرا) (يَقُول لَك الْقلب الَّذِي ترك الْهدى ... إِذا أَنْت راعيت الإخاء المقررا) (أَلَسْت من الْقَوْم الَّذين وليدهم ... يُرْجَى لإقراء الْعُلُوم وللقرى) (بلغنَا السما مجدا وَعزا وسؤددا ... وَأَنا لنَرْجُو فَوق ذَلِك مظْهرا) (تجرد لأخذ الْعلم عَنْهُم فَإِنَّهُم ... أئمته فارحل إِلَيْهِم مثمرا) (ثباتهم فِيهِ عَظِيم رسوخه ... وذكراء قد يُولى الثَّنَاء مُعْتَبرا) (جزى الله آبَائِي عَن الْكل خَيره ... وأبقاهم مَا قيل نظم وسيرا) (حما بعواليهم حمى الدّين واستووا ... على فلك العلياء لما نتوّرا) (عَلَيْك سَلام الله مَا انهلت السما ... بودق على روض أريض فأزهرا) فَأَجَابَهُ صَاحب التَّرْجَمَة بقوله (أسرد إِذا خففت فِي الْقَوْم معشرا ... وتكثر أتراحي إِذا كَانَ أكثرا) (بِنَاء على أَن أمرأ باد عموه ... إِذا كَانَ فِي غير الْعُلُوم مكثرا) (تبينت أَن الْعِزّ فِي الْعلم والعلا ... وَأَن تجار الْعلم هم خيرة الورى) (ثنائي عَلَيْهِم لأعلى كل مهمل ... بجانبهم مِمَّن عتا وتكبرا) (جنوا ثمرا من كل روض فنونه ... وَأَعْطَاهُمْ الرَّحْمَن حظا موفرا) (حريون بالتقديم أَقْدَامهم على الثريا ... وَأهل الْجَهْل فِي أَسْفَل الثرى) (خلا من غَدا فِي دهره متعلما ومستمعا مَا فاق درا وجوهرا ... )

стр. 564

(دنا مِنْهُم فازداد مجدا وَرَفعه ... وعاش حميدا فِي الورى منتصرا) (ذكرت خلالاً للحسين فسرني ... بِأَن أخي للْعلم أضحى مثمرا) (رضيت لَهُ هَذَا طَرِيقا ومسلكا ... وَصَاحبه فَوق النُّجُوم كَمَا ترى) (زِيَادَة مَا فَوق البسيطة لم تكن ... من الْعلم نُقْصَان وخسر بِلَا مرا) (سما من لَهُ الْعلم الشريف وَسِيلَة ... وَمَا فَازَ ذُو جهل وخاب من افترى) (شرى نَفسه يَبْغِي الرضى من الهه ... فيا فوزه بِالرِّبْحِ من خير مَا شرى) (صبور على درس الدقاتر مقبل ... سرىّ سرى وَالصُّبْح قد يحمد السرى) (طَوِيل عَلَيْهِ اللَّيْل أَن بَات مهملا ... قصير إِذا للدّرس بَات مؤثرا) (ضجيج كتاب لَا يُفَارِقهُ وَلَا ... يُوَافق إِلَّا عَالما متجرا) (ظَفرت بِمَا أمّلت فاشكر وَلَا تكن ... ملولا فَإِن الصَّيْد فِي بَاطِن اكفرا) (على أَنه وافى نظامك عاتبا ... علينا ومنظوما نظاما محبرا) (غَدَوْت بِهِ فِي نعْمَة لبلاغة ... حواها وألفاظ لَهَا قد تخيرا) (فواعجبا من عَاتب كَانَ حَقه ... بِأَن يبتدي بالعتب فِيمَا تحرّرا) (قوافيك والتنا محَاسِن عقدهَا ... تَقول وَقد خاطبت من كَانَ قصرا) (كَأَنَّك لم تعلم بِمن سَار أشهرا ... ليحظى بِعلم ثمَّ عَاد مطهرا) (لَهُ رحْلَة مَعْرُوفَة أَنْت أَهلهَا ... فواصل دروسا درسها لَك يسرا) (مدى الدَّهْر لَا تَبْرَح على الدس عاكفاً ... فَمَا الْعلم فِي الْأَسْوَاق بِالْمَالِ يشرتي) (نبيك لم يتْرك سوى الْعلم فاغتنم ... وراثته بالدرس عَن سيد الورى) (وَأَنت بِحَمْد الله قد صرت عَالما ... وَلَكِن نظمنا مَا ترَاهُ مذكرا) (هداك إِلَه الْخلق نهجا مبلغا ... إِلَى جنَّة الفردوس فضلا يسرا) (يُرِيد أخي قلبِي العتاب فَقل لَهُ ... يحِق لمثلي أَن يغض ويصبرا) (لَئِن كنت ترعى للحقوق فأنني ... لارعى لَهَا فاسأل بذلك من درى) (إِذا أَنا لم أحمل على النَّفس ضيمها ... سددت طَرِيقا للثناء منورّا) (بدالي عذر الصنو بعد حفائه ... وَذَلِكَ أنّ السحب دَامَ وأمطرا) (توالت بذا الْأُسْبُوع فضلا ونعمة ... فرام لهَذَا أَن يُقَال ويعذرا) (ثَلَاثًا هجرتم ثمَّ زدتم كمثلها ... لَك الله أَرْجُو أَن يقبل ويغفرا) (جرى مَا جرى مِنْكُم من الهجر والقلى ... وَفَوق ثَلَاث حرم الطُّهْر مَا جرا)

стр. 565

(عَلَيْك سَلام الله مَا ذَر شارق ... وآثر ذُو عزم لعلم وَمَا سرى) وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة نظم التَّلْقِين والوظائف المروية عَن جَعْفَر الصَّادِق ﵁ (تتبع يَا فَتى طرق السَّعَادَة ... فَتلك إِذا وصلت هِيَ السِّيَادَة) (وجنب نَفسك الشُّبُهَات وأصبر ... وَفِيمَا حل فالزمها الزهادة) (وَحب الله آثره وَأحسن ... وَثمّ بالواجبات من الْعِبَادَة) (تفكر فِي خلائقه وحاذر ... تصوّر ذَاته واعرف مُرَاده) (وقم بحوائج الإخوان فِيهِ ... لتحرز فَضله وَارْحَمْ عباده) (ولازم ذكره والجأ إِلَيْهِ ... تنَلْ مِنْهُ مَعَ الْحسنى زِيَادَة) (وَعظم أمره تَعْظِيم عبد ... تَيَقّن رحْلَة فأعدّ زَاده) (وَلَا تفرح بِمَا أُوتيت واندم ... على التَّفْرِيط عَن طلب السَّعَادَة) (وأبق بشكره النعماء وَاجعَل ... تدبرها لنَفسك كالقلادة) (تجنب مَا نهاك الله عَنهُ ... وَمَا يَعْنِيك لَا تهدم مشاده) (تَأمل عَاجل الْأَحْوَال وَانْظُر ... عواقبها على حسب الْإِرَادَة) (تصوّر بعد موتك مَا تلاقى ... فبدى الْأَمر تمكنه الْإِعَادَة ... ) (وجنب نَفسك الدُّنْيَا فَمن لم ... يحاذرها فقد ملكت قياده) (وَمهما آذَنت بصلاح أَمر ... ترَاهُ صَالحا فاحذر فَسَاده) (ورج الْخَيْر فِي الْأَحْوَال إِلَّا ... لذِي ذَنْب فخف واقدح زناده) (وأخلص نِيَّة فِي كل فعل ... لعالم غيب أَمرك وَالشَّهَادَة) (وحاذر عدّ نَفسك ذَات فضل ... وَأَنَّك بَالغ رتب السَّعَادَة) (فَتتْرك مَا بِهِ كلفت إِذْ قد ... وصلت كزعم أَرْبَاب البلاده) (أتأمن من لَهَا بالسوء أَمر ... بِهِ تعمي لذى لب فُؤَاده) (حذار الْجَبْر والتشبيه وَاحْذَرْ ... من الألحاد يَا علم الإفادة) (وحاذر من أُمُور زينوها ... بهَا حرمُوا ثَوَاب ذَوي الْعِبَادَة) (فَمَا قَالُوهُ من هَذَا ضلال ... تنزه عَنهُ أَرْبَاب السِّيَادَة) (وَمهما أمكنتك خِصَال خير ... فآثرها تفز وحز الإجادة) وَكَانَت وَفَاته سَابِع عشر ربيع الأول سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف بِمَدِينَة صنعا حسن باشا الْمَعْرُوف ببالجي المدفون بالجنينة الحمدانية تَحت قلعة دمشق على
следующие страницы →