← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

سَافر إِلَى الرّوم فِي طلب جهاته فأدركه أَجله بعد مُدَّة من وُصُوله وَكَانَت وَفَاته بأدرنة سنة ثَمَان وَسبعين وَألف وَهُوَ فِي سنّ الْأَرْبَعين السَّيِّد حسن بن مُحَمَّد بن عَليّ السَّيِّد الْأَجَل الحسنيني الْمَعْرُوف بالمنير الْحَمَوِيّ الأَصْل الدِّمَشْقِي الْفَقِيه الشَّافِعِي خُلَاصَة الخلاصات من السَّادة الكمل الأخيار كَانَ عَالما فَقِيها ورعا زاهدا تَارِكًا لَا يُغْنِيه لَا يصرف أوقاته فِي عَبث بل كل أوقاته معمورة بالفائدة من مذاكرة علم أَو قِرَاءَة قُرْآن أَو عمل خير وَكَانَ فِي هَذَا الْعَصْر الْأَخير من أَفْرَاده جمع بَين الْعلم وَالْعَمَل وَكَانَ فِيهِ نفع عَظِيم للنَّاس لَا زَالَ يقرىء الدُّرُوس بِجَامِع الدرويشية والسيبائية وَتخرج عَلَيْهِ خلق كثير من طلبة الْعلم من الشَّافِعِيَّة وَبِه تفقهوا وانتفعوا وَكَانَ النَّاس يعظمونه ويهابون ساحته وَإِذا أقبل من بعيد فِي سوق أَو زقاق تبَادرُوا إِلَى تَقْبِيل يَده وَطلب دُعَائِهِ وَكَانَ مرشداً متواضعاً سليم الصَّدْر بشوشاً إِلَى الْغَايَة لم نسْمع أَن أحد أتأذى مِنْهُ مده عمره فِي قَول أَو فعل ويحكى عَنهُ كرامات وأحوال هُوَ فِي أَعْلَاهَا ذرْوَة وأسماها منقبة وَبِالْجُمْلَةِ ففضائله مِمَّا لَا مُنَازع فِيهَا وَكَانَت وَفَاته عقيب الظّهْر بهنيئة من يَوْم الْأَحَد سادس عشرى شَوَّال سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِالْقربِ من سَيِّدي نصر الْمَقْدِسِي وَسَيَأْتِي أَبوهُ مُحَمَّد فِي حرف الْمِيم إِن شَاءَ الله تَعَالَى الشَّيْخ حسن بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن عطيف الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ كَانَ فَاضلا سَاكِنا لَهُ حسن مطارحة وانعطاف وَكَانَ لطيف الصَّوْت قَارِئًا مجوداً قَرَأَ الْعَرَبيَّة على مصطفى بن محب الدّين وَغَيره وتفقه على وَالِده وعَلى الإِمَام رَمَضَان بن عبد الْحق العكاري وبرع فِي الْفُنُون وَتَوَلَّى الخطابة بِجَامِع العداس خَارج دمشق بمحلة القنوات ولازم الِاشْتِغَال هُوَ وَشَيخنَا أَخُوهُ الْعَلامَة رَمَضَان الْآتِي ذكره مُدَّة حياتهما وَكَانَا لَا يملان المذاكرة وَحُضُور الدُّرُوس وَلَا يكَاد أَن يفترقان لَحْظَة وَاحِدَة وَعرض لحسن فِي آخر عمره وَمرض الفالج فَانْقَطع عَن النَّاس سبع سِنِين وَمَا كَانَ يفهم مِنْهُ إِلَّا لفظ الله الله وَاسْتمرّ مفلوجاً إِلَى أَن توفّي نَهَار الثَّلَاث ثَالِث عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير قرب مَسْجِد النارنج وَأَخْبرنِي أَخُوهُ شَيخنَا الْمَذْكُور أَن وِلَادَته فِي سنة عشْرين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ الْحسن بن النَّاصِر بن عبد الحفيظ المهلا الشرفي الْعَلامَة الَّذِي تفرد فِي وقته

стр. 562

الْفضل وَالْعلم والورع والزهد فِي الدُّنْيَا والإقبال على الْآخِرَة وَكَانَ كثير الصَّدَقَة على ذَوي الْفَاقَة حَرِيصًا على فعل الْخَيْر وَالْمَعْرُوف أَخذ عَن أَبِيه وجده وَسمع على أَخِيه الْحُسَيْن كثيرا من الْعُلُوم مَعَ كَونه أسن مِنْهُ بِنَحْوِ سبع سِنِين وَكَانَ لَهُ الْخط الْحسن الرَّائِق المضبوط وَالنّظم والنثر الفائقان ولقى جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء وَأخذ عَنْهُم كثيرا وحوى علما غزيرا وَله ارتحالات كَثِيرَة من جُمْلَتهَا ارتجاله مَعَ أَخَوَيْهِ إِلَى شهارة أَمَام دَعْوَة الْقَاسِم بن الإِمَام مُحَمَّد الْمُؤَيد وَأَقَامُوا بهَا ثَلَاثَة أشهر بداره الميمونة بالناصرة من شهارة فِي خلال الْإِقَامَة شَارك السَّيِّد أَحْمد بن الإِمَام المتَوَكل فِي قِرَاءَة التَّيْسِير للديبع وَغَيره من الْكتب الحديثية وَكَانَ فِي زمن حداثته مجدا فِي الِاشْتِغَال بِالْعلمِ وَطَلَبه على أَبِيه وجده مَعَ مُشَاركَة أَخِيه الْحُسَيْن وَكَانَ إِذا قَرَأَ شَيْئا فِي غيبَة أَخِيه الْحُسَيْن تتأثر نفس الْحُسَيْن فيعاتبه فِي ذَلِك فيعتذر صَاحب التَّرْجَمَة إِلَيْهِ وَيُعِيد مَا قَرَأَهُ عَلَيْهِمَا فَقَالَ فِي ذَلِك صنوه الْحُسَيْن أبياتا رائية معاتبا لَهُ وَجعل أول كل بَيت حرفا من حُرُوف الْعَجم وأولها قَوْله (أذاب فُؤَادِي بارق الْغَوْر إِذْ سرى ... بنفحة مسك من حدائقها تترى) (بحقك خبرني عَن الغورانة ... حَدِيث صَحِيح لَيْسَ فِي القَوْل مُنْكرا) (تَأمل بِهِ تِلْكَ المغاني تلق لي ... لطائف فاقت فِي المحاسن مخبرا) (ثملت وَقد دارت رحيقة وَصفَة ... فأنهلنا التسنيم من تِلْكَ مُسكرا) (جرى ذكر أحبابي بروضة قدسها ... وَقد كُسِيت بردا من الوشي أخضرا) (حووا من مليح الْوَصْف كل غَرِيبَة ... كزهر سَمَاء الأَرْض فِي حسنها ترى) (خليلي مَا واف بعهدي أَنْتُمَا ... إِذا لم تقصا وصفهَا لي وتخبرا) (دعوتكما كي تفهماني حَقِيقَة ... الْأَحِبَّة فِيمَا مفرقين وتحضرا) (ذكرت لَهُم ذكر الصِّفَات فهاج بِي ... من الشوق مَا ألفيته متذكرا) (رَأينَا بهَا مَا يمْلَأ الْعين قُرَّة ... فروحت الْأَرْوَاح من حسن مَا ترى) (زيارتهم فِيهَا لقلبي مَسَرَّة ... غَدَتْ مورد للصالحات ومصدرا) (سلى إِن أردْت الْيَوْم عني وعنهم ... ترى مَا يسر الْأَوْلِيَاء بِلَا مرا) (شفتنا وأولتنا فَوَائِد عِنْدهَا ... تسهل للأحباب مَا قد تعسرا) (صفت عندنَا تِلْكَ الصِّفَات الَّتِي علت ... وفاقت وراقت للقلوب بِلَا أمترا) (طوينا لذى الأحباب كل مقلة ... وَقد كَانَ فِي نَفسِي مقَال تكثرا) (ظفرنا بِمَا نرجو من الْحسن الَّذِي ... يفيدك أَن أقرا الْفَوَائِد أوقرا)

стр. 563

(عليم بأعقاب الْأُمُور كَأَنَّمَا ... لما فِي غَد من قبل يَأْتِيهِ أبصرا) (غَدَوْت عَلَيْهِ عاتبا تباحين أهمل ... الْأُخوة لما ينتظرني ويدكرا) (فواعجبا من فعله حِين غبت عَن ... محاملة هلا لحقي آثرا) (قَرَأت حماك الله لم تنْتَظر لنا ... وعذرى أَن السحب بالغيث أمطرا) (كفى حجَّة برهانها مشرق بِمَا ... فعلت على إهمال حقى بماهرا) (لويت عنان الْوَعْد عَنى عَامِدًا ... وأنسيت حَقًا للإخاء مؤثرا) (محلك فَوق الشَّمْس عِنْدِي وإنني ... لَا بنى لَهُ فَوق المجرة معمرا) (نخوتكم لما تقشع سحبها ... وسرت إِلَى سوح الْمَعَالِي مبكرا) (وَقد لَاحَ فِي الصُّبْح الثريا كَمَا ترى ... كعنقود ملاحية حِين نورا) (هُوَ الصنع أَن تعدل فَخير وَإِن بَدَت ... بِعُذْر فكم ريت بِهِ عَاد أكبرا) (لأعظ من أولى ووالى صَنِيعه ... وَحَازَ من الْخيرَات سَهْما موفرا) (يَقُول لَك الْقلب الَّذِي ترك الْهدى ... إِذا أَنْت راعيت الإخاء المقررا) (أَلَسْت من الْقَوْم الَّذين وليدهم ... يُرْجَى لإقراء الْعُلُوم وللقرى) (بلغنَا السما مجدا وَعزا وسؤددا ... وَأَنا لنَرْجُو فَوق ذَلِك مظْهرا) (تجرد لأخذ الْعلم عَنْهُم فَإِنَّهُم ... أئمته فارحل إِلَيْهِم مثمرا) (ثباتهم فِيهِ عَظِيم رسوخه ... وذكراء قد يُولى الثَّنَاء مُعْتَبرا) (جزى الله آبَائِي عَن الْكل خَيره ... وأبقاهم مَا قيل نظم وسيرا) (حما بعواليهم حمى الدّين واستووا ... على فلك العلياء لما نتوّرا) (عَلَيْك سَلام الله مَا انهلت السما ... بودق على روض أريض فأزهرا) فَأَجَابَهُ صَاحب التَّرْجَمَة بقوله (أسرد إِذا خففت فِي الْقَوْم معشرا ... وتكثر أتراحي إِذا كَانَ أكثرا) (بِنَاء على أَن أمرأ باد عموه ... إِذا كَانَ فِي غير الْعُلُوم مكثرا) (تبينت أَن الْعِزّ فِي الْعلم والعلا ... وَأَن تجار الْعلم هم خيرة الورى) (ثنائي عَلَيْهِم لأعلى كل مهمل ... بجانبهم مِمَّن عتا وتكبرا) (جنوا ثمرا من كل روض فنونه ... وَأَعْطَاهُمْ الرَّحْمَن حظا موفرا) (حريون بالتقديم أَقْدَامهم على الثريا ... وَأهل الْجَهْل فِي أَسْفَل الثرى) (خلا من غَدا فِي دهره متعلما ومستمعا مَا فاق درا وجوهرا ... )

стр. 564

(دنا مِنْهُم فازداد مجدا وَرَفعه ... وعاش حميدا فِي الورى منتصرا) (ذكرت خلالاً للحسين فسرني ... بِأَن أخي للْعلم أضحى مثمرا) (رضيت لَهُ هَذَا طَرِيقا ومسلكا ... وَصَاحبه فَوق النُّجُوم كَمَا ترى) (زِيَادَة مَا فَوق البسيطة لم تكن ... من الْعلم نُقْصَان وخسر بِلَا مرا) (سما من لَهُ الْعلم الشريف وَسِيلَة ... وَمَا فَازَ ذُو جهل وخاب من افترى) (شرى نَفسه يَبْغِي الرضى من الهه ... فيا فوزه بِالرِّبْحِ من خير مَا شرى) (صبور على درس الدقاتر مقبل ... سرىّ سرى وَالصُّبْح قد يحمد السرى) (طَوِيل عَلَيْهِ اللَّيْل أَن بَات مهملا ... قصير إِذا للدّرس بَات مؤثرا) (ضجيج كتاب لَا يُفَارِقهُ وَلَا ... يُوَافق إِلَّا عَالما متجرا) (ظَفرت بِمَا أمّلت فاشكر وَلَا تكن ... ملولا فَإِن الصَّيْد فِي بَاطِن اكفرا) (على أَنه وافى نظامك عاتبا ... علينا ومنظوما نظاما محبرا) (غَدَوْت بِهِ فِي نعْمَة لبلاغة ... حواها وألفاظ لَهَا قد تخيرا) (فواعجبا من عَاتب كَانَ حَقه ... بِأَن يبتدي بالعتب فِيمَا تحرّرا) (قوافيك والتنا محَاسِن عقدهَا ... تَقول وَقد خاطبت من كَانَ قصرا) (كَأَنَّك لم تعلم بِمن سَار أشهرا ... ليحظى بِعلم ثمَّ عَاد مطهرا) (لَهُ رحْلَة مَعْرُوفَة أَنْت أَهلهَا ... فواصل دروسا درسها لَك يسرا) (مدى الدَّهْر لَا تَبْرَح على الدس عاكفاً ... فَمَا الْعلم فِي الْأَسْوَاق بِالْمَالِ يشرتي) (نبيك لم يتْرك سوى الْعلم فاغتنم ... وراثته بالدرس عَن سيد الورى) (وَأَنت بِحَمْد الله قد صرت عَالما ... وَلَكِن نظمنا مَا ترَاهُ مذكرا) (هداك إِلَه الْخلق نهجا مبلغا ... إِلَى جنَّة الفردوس فضلا يسرا) (يُرِيد أخي قلبِي العتاب فَقل لَهُ ... يحِق لمثلي أَن يغض ويصبرا) (لَئِن كنت ترعى للحقوق فأنني ... لارعى لَهَا فاسأل بذلك من درى) (إِذا أَنا لم أحمل على النَّفس ضيمها ... سددت طَرِيقا للثناء منورّا) (بدالي عذر الصنو بعد حفائه ... وَذَلِكَ أنّ السحب دَامَ وأمطرا) (توالت بذا الْأُسْبُوع فضلا ونعمة ... فرام لهَذَا أَن يُقَال ويعذرا) (ثَلَاثًا هجرتم ثمَّ زدتم كمثلها ... لَك الله أَرْجُو أَن يقبل ويغفرا) (جرى مَا جرى مِنْكُم من الهجر والقلى ... وَفَوق ثَلَاث حرم الطُّهْر مَا جرا)

стр. 565

(عَلَيْك سَلام الله مَا ذَر شارق ... وآثر ذُو عزم لعلم وَمَا سرى) وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة نظم التَّلْقِين والوظائف المروية عَن جَعْفَر الصَّادِق ﵁ (تتبع يَا فَتى طرق السَّعَادَة ... فَتلك إِذا وصلت هِيَ السِّيَادَة) (وجنب نَفسك الشُّبُهَات وأصبر ... وَفِيمَا حل فالزمها الزهادة) (وَحب الله آثره وَأحسن ... وَثمّ بالواجبات من الْعِبَادَة) (تفكر فِي خلائقه وحاذر ... تصوّر ذَاته واعرف مُرَاده) (وقم بحوائج الإخوان فِيهِ ... لتحرز فَضله وَارْحَمْ عباده) (ولازم ذكره والجأ إِلَيْهِ ... تنَلْ مِنْهُ مَعَ الْحسنى زِيَادَة) (وَعظم أمره تَعْظِيم عبد ... تَيَقّن رحْلَة فأعدّ زَاده) (وَلَا تفرح بِمَا أُوتيت واندم ... على التَّفْرِيط عَن طلب السَّعَادَة) (وأبق بشكره النعماء وَاجعَل ... تدبرها لنَفسك كالقلادة) (تجنب مَا نهاك الله عَنهُ ... وَمَا يَعْنِيك لَا تهدم مشاده) (تَأمل عَاجل الْأَحْوَال وَانْظُر ... عواقبها على حسب الْإِرَادَة) (تصوّر بعد موتك مَا تلاقى ... فبدى الْأَمر تمكنه الْإِعَادَة ... ) (وجنب نَفسك الدُّنْيَا فَمن لم ... يحاذرها فقد ملكت قياده) (وَمهما آذَنت بصلاح أَمر ... ترَاهُ صَالحا فاحذر فَسَاده) (ورج الْخَيْر فِي الْأَحْوَال إِلَّا ... لذِي ذَنْب فخف واقدح زناده) (وأخلص نِيَّة فِي كل فعل ... لعالم غيب أَمرك وَالشَّهَادَة) (وحاذر عدّ نَفسك ذَات فضل ... وَأَنَّك بَالغ رتب السَّعَادَة) (فَتتْرك مَا بِهِ كلفت إِذْ قد ... وصلت كزعم أَرْبَاب البلاده) (أتأمن من لَهَا بالسوء أَمر ... بِهِ تعمي لذى لب فُؤَاده) (حذار الْجَبْر والتشبيه وَاحْذَرْ ... من الألحاد يَا علم الإفادة) (وحاذر من أُمُور زينوها ... بهَا حرمُوا ثَوَاب ذَوي الْعِبَادَة) (فَمَا قَالُوهُ من هَذَا ضلال ... تنزه عَنهُ أَرْبَاب السِّيَادَة) (وَمهما أمكنتك خِصَال خير ... فآثرها تفز وحز الإجادة) وَكَانَت وَفَاته سَابِع عشر ربيع الأول سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف بِمَدِينَة صنعا حسن باشا الْمَعْرُوف ببالجي المدفون بالجنينة الحمدانية تَحت قلعة دمشق على

стр. 566

حافة نهر بردى ويليها من جِهَة شرقها الْمدرسَة الأيدغمشية كَانَ حسن باشا أَمِير بِلَاد صفد سكن الشَّام مُدَّة ثمَّ ولى حُكُومَة طرابلس الشَّام ثمَّ القرص وَكَانَ من أنصف الْحُكَّام توفّي بالقرص سنة اثْنَتَيْنِ بعد الْألف وَحمل مِنْهَا فِي صندوق فِي محفة إِلَى دمشق وَحضر للصَّلَاة عَلَيْهِ الْوَزير مُرَاد باشا نَائِب الشَّام والدفتري وَالسَّيِّد معرفَة الله مفتي الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق وَدفن فِي تربته الْمَذْكُورَة وَكَانَ أَنْشَأَهَا فِي حَيَاته قلت وَكَانَ يسكن فِي مُقَابلَة التربة الْمَذْكُورَة من جِهَة الْقبْلَة وَله ربعَة أَجزَاء فِي التربة تقْرَأ بعد الظّهْر والمتكلم على وقف هَذِه التربة الْآن أمْرَأَة من بَيت بَاقِي بيك وهم يدعونَ أَنه وقف أهلى وَالله أعلم والقرص بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء وَبعدهَا صَاد مُهْملَة بَلْدَة بِالْقربِ من أرزن الرّوم بيد مُلُوك آل عُثْمَان وَهِي الْحَد الْفَاصِل بَين مملكتهم ومملكة الْعَجم حسن باشا الطواشي الْوَزير الْأَعْظَم أحد وزراء دولة السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُرَاد كَانَ فِي ابْتِدَاء أَمر خزينه دَار السُّلْطَان ثمَّ ولي مصر فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وعزل عَنْهَا وَلما وصل إِلَى قسطنطينية فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين حُوسِبَ فَخرج عَلَيْهِ مَال كثير وَوضع فِي حبس يَدي قلَّة ثمَّ أعْطى حُكُومَة شرْوَان ثمَّ صَار وزيرا رَابِعا فِي سفراكرى حَافظ الْبَلدة الْمَذْكُورَة فَأعْطى ختم الوزارة الْعُظْمَى وَكَانَ ظَالِما جبارا مرتشيا تَرْجمهُ منشى الرّوم عبد الْكَرِيم بن اسكندر القَاضِي فَقَالَ فِي حَقه تحلى بحلى الوزارة وتملى بعروسها وراج سَكرَان فِي مجْلِس الْمجد برشف كؤوسها حل الدَّهْر عقد طالعه وَعقد لِوَاء ولائه فَأصْبح العقد والحل مفوضا إِلَى آرائه وَصفا مورد عيشه حَتَّى غَار نهر المجرة من صِفَاته (تمسى الْأَمَانِي صرعى دون مبلغه ... فَمَا يَقُول لشَيْء لَيْت ذَلِك لي) أقبل عَلَيْهِ السعد بِرجلِهِ وخيله وَقطع بمرافقة السرُور مَسَافَة يَوْمه وليله وَهُوَ منتصب على ذَلِك الْحَال يجر ذيل الْعِزّ والسعد والإقبال فَلم يشْكر نعم الله عَلَيْهِ وَلم يتوسل ببدائع الْخَيْر إِلَيْهِ بل هم بتوسيع بَاب الأرتشا وَأخذ بِالْأَخْذِ من النَّاس كَيفَ يشا رمى غَرَض الرشا فَأصَاب وَدعَاهُ دَاعِي البغى فَأجَاب وَجمع من شتيت الطمع مَا جمع وَنسخ حَدِيث أشعب من كتاب الطمع يجول حول مائَة وَهُوَ بَين الْورْد والصدر وَلَا يُبَالِي أكاس النَّاس صفو أم فِيهَا كدر فأجل مناه أَخذ أَمْوَال النَّاس وَقَاعِدَة ارتشائه كتضمين الْعَرَب على غير قِيَاس مَعَ أَن الْغَنِيّ رُبمَا كَانَ

стр. 567

(سَببا للعنا يجني الْغنى للشام لَو عقلوا ... مَا لَيْسَ يجني عَلَيْهِم الْعَدَم) مَا من منصب إِلَّا وَبَاعه لغير أَهله وَلم يجْتَهد فِي ايقاع تَقْلِيده فِي مَحَله إِلَّا مَا صَادف فِيهِ قسر الْإِيرَاد وَلَا يتصوّر فِيهِ راد فطاوعه مطاوعة السفن للتيار على رغم أَنفه وقاسي فِيهِ مقاساة تُرِيدُ على حتفه حَتَّى أَنه لما ذوت أَغْصَان رياض ابْن بُسْتَان وانتقل من هَذِه الديار إِلَى روضات الجنات هم بِصَرْف الْإِفْتَاء عَمَّن تحلت بِهِ الْمَرَاتِب وتوجت باسمه نواصي المناصب السَّيِّد السعد الَّذِي تمّ بِهِ الشّرف وَصَارَت تحف الْأَيَّام بمعاليه تحف وَسبب نزاعه لَهُ الْحَسَد الَّذِي امْتَلَأَ بِهِ إِنَاء الْجَسَد فَأَنْشد لِسَان الزَّمَان لمن عاداهم من السَّادة الْأَعْيَان (اصبر على مضض الحسود فَإِن صبرك قَاتله ... ) (فَالنَّار تَأْكُل بَعْضهَا ... إِن لم تَجِد مَا تَأْكُله) وَكَانَ ذَلِك سَببا لتأخيره وتدبير الدَّهْر فِي تدميره كَيفَ لَا وَهُوَ لَا يزَال فِي مجَالِس جود ومقام الْعِبَادَة فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود رَجَعَ إِلَى بعض أَوْصَافه من قلَّة مبالاته وَعدم انصافه فَلم يزل على هَذَا الأسلوب غافلا عَمَّا نَوَاه الدَّهْر من الخطوب يتَنَاوَل كؤوس الْفساد كالمغرم الهائم وَلَا يُبَالِي بعذل عاذل وَلَا لوم لائم لَا يُقَابل خَالص النصح بالإنتصاح وَقد غَدا فِي سَمعه أضيع من مِصْبَاح فِي الصَّباح (يقْضِي على الْمَرْء فِي أَيَّام دولته ... حَتَّى يرى حسنا مَا لَيْسَ بالْحسنِ) إِلَى أَن أَرَادَت دوحة غُصْن السلطنة الْأَزْهَر ومعدن الْخلَافَة الَّذِي حلى جيد الزَّمَان بذلك الْجَوْهَر رَافِعَة أَعْلَام الْخيرَات والناصبة لَهَا على طرق المبرات لَا زَالَت من حوادث الدَّهْر خليه وَمن أكدار الزَّمن صَفيه وضع أساس جَامع وَهُوَ لكل شرف وَأجر جَامع المؤسس الْبُنيان على تقوى من الله ورضوان فَاجْتمع هَالك أَعْيَان الدولة وَكثير من النَّاس ليؤخذ برأيهم الْكَشَّاف للمشكل فِي الأساس فوصل المترجم إِلَى ذَلِك الْمجْلس وَهُوَ فِي فلك الْعِزّ قمر لَا يخْشَى السرَار ويأبى لنَفسِهِ غير الأبدار وَنزل عَن جَوَاده ودوران الْفلك على قدر مُرَاده فبادر عُظَمَاء الدولة إِلَى استقباله وأدوا فَرَائض توقيره وإجلاله فَسلم عَلَيْهِم يَمِينا وَشمَالًا وَاسْتقر فِي الصَّدْر وعزه يهزأ بالبدر كمالا وَهُوَ يترنح من نشوة قهوة الْمجد سكرا وَينظر إِلَى كبراء الدولة شزرا فشرع فِي قطع الْأُمُور وَوَصلهَا وَأخذ فِي عقدهَا وحلها وهم لأَمره سامعون وبلسان الْحَال قَائِلُونَ

стр. 568

(مرنا بِأَمْر فَإنَّا لَا نخالفه ... وحدّ حدّا فَإنَّا عِنْده نقف) فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ أقبل بعض خدمَة السلطنة لأخذ ختم الوزارة مِنْهُ وحبسه وَجعله غَرضا لسهام الدَّهْر هُوَ الْجَانِي على نَفسه وَمَعَهُ كتاب سلطاني بمحو حُرُوف الْمَظَالِم وَنسخ وجود كل ظَالِم مَا زبر حرف ولمح طرف وَلما دنا من الْمجْلس الَّذِي هُوَ فِيهِ والنادي الَّذِي يحويه قبل الْكتاب وَبَالغ فِي إجلاله وناوله إِيَّاه وَقد أُوتِيَ كِتَابه بِشمَالِهِ فبادر إِلَى فض خَتمه بعد تقبيله ولثمه فَإِذا هُوَ سطر عنبري كَأَنَّهُ من رماح الْخط فَكَلمهُ روحه قبل جِسْمه وَأبْدى السخط (جراحات السنان لَهَا التيام ... وَلَا يلتام مَا جرح اللِّسَان) فأثر تَأْثِير الرماح فِي اتلاف الْأَرْوَاح فأجال فِيهِ النّظر فكاد وَجهه يسفر عَن دم ويصبغ أديمه بعض الْبيَاض بصبغ عندم فَنَهَضَ من مَجْلِسه دهشاً وَمَشى خطوَات مرتعشاً فالتف من الْخَوْف سَاقه بساقه وَكَيف وَيَد الحنف أخذت بأطواقه فَأخذ من ذَلِك الْمقَام وأودع فِي السجْن بعض أَيَّام والدهر يسدد إِلَيْهِ سِهَام الْحمام إِلَى أَن برز الْأَمر بسلب سلب حَيَاته والباس لِبَاس مماته فسارعوا إِلَى السجْن حسب وُرُود الْأَمر فِي أمره وهبوا إِلَيْهِ كَالرِّيحِ لاطفاء سراج عمره وَقد صادفوه فِي ليل نابغي بهيم ووجدوه فِي ليل السَّلِيم غير سليم وَهُوَ مُفْرد قد جمع من الهموم أَنْوَاعهَا وأجناسها وتوحش من الْوحدَة وَهُوَ يذكر من أَيَّام السعد إيناسها لَا يرى أحد على بَابه وَلَا يظْهر حَاجِب من حجابه قد خلا مقَامه عَن خربه وأقفر مَجْلِسه عَن صَحبه مُنْفَردا عَن خدمَة وقارعاً سنّ ندمه وخائفاً من زلَّة قدمه وموقناً بإراقة دَمه وَهُوَ يتحزن فِي بَيت الوحشة وَحده ويتذكر فِي حمى الْإِنْسَان عَهده وَقَلبه من الْحَسْرَة على نيران الغضى ولسان حَاله ينشد متأسفاً على مَا مضى (قل لجيران الغضى آها على ... طيب عَيْش بالغضى لَو كَانَ داما) فأوتر لَهُ من الْحمام حنيه وَاتخذ غَرضا لسهام المنيه (شهى إِلَى النَّاس النَّجَاء من الردى ... وَلَا جيد إِلَّا وَهُوَ فِي فتر خانق) ومدت حبال الْمَوْت فالتوت على جيده التواء الأراقم وأحاطت بِهِ إحاطة السوار بالمعاصم فغربت شمس حَيَاته واستراح الْملك من كِتَابه سيئاته (وَإِنَّمَا الْمَرْء حَدِيث بعده ... فَكُن حَدِيثا حسنا لمن وعى) فَدفن فِي جَانب مدرسته المبنية فِي دَار السلطنة الْعلية وَسبب بنائِهِ لَهَا أَن لَهُ معلما

стр. 569

أَرَادَ أَن يكون فِي سلك المدرسين منتظما لاندراجه فِي خدمته فَمَا تيَسّر لَهُ ذَلِك لعدم أَهْلِيَّته فَلَمَّا عجز عَن هَذِه الْقَضِيَّة أَخَذته الحمية الْجَاهِلِيَّة فَبنى لَهُ تِلْكَ الْمدرسَة ليَكُون مدرسا بهَا لدروس الدُّرُوس وإمضاء للغيرة المقررة فِي النُّفُوس وفيهَا سِقَايَة للسبيل يرْوى بِمَائِهَا الغليل انْتهى قلت وَكَانَ مَقْتَله فِي سنة سِتّ بعد الْألف حسن باشا الشهير بميشجي هُوَ كَالَّذي قبله كَانَ أحد الوزراء فِي عهد السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُرَاد وَكَانَ فِي مبدئه من جمَاعَة السُّلْطَان فِي الدَّاخِل ثمَّ خرج ضابطا للجند الْجَدِيد وعزل ثمَّ أُعِيد ثمَّ أعْطى حُكُومَة شرْوَان ثمَّ عزل وَصَارَ وزيرا رَابِعا وَأعْطى التفتيش على السِّكَّة الجديدة وَالْأَمْوَال فِي شهر ربيع الأول سنة تسع بعد الْألف فَشَكَرت خدمته فَصَارَ قَائِم مقَام الْوَزير فِي شعْبَان من هَذِه السّنة ثمَّ أعْطى ختم الوزارة الْعُظْمَى فِي سادس عشرى محرم سنة عشرَة وَألف وَكَانَ جبارا خَبِيث الطَّبْع عنيدا وَقد تَرْجمهُ المنشي الْمَذْكُور آنِفا فأفرط فِي سبه حَيْثُ قَالَ فِي وَصفه قذاة عين الدّين وكمد قُلُوب الْمُوَحِّدين ضعف تركيب الْإِسْلَام وَقُوَّة عَبدة الْأَصْنَام من نبذ كتاب الله وَرَاء ظَهره وَلم يطع مَا أوجبه من نَهْيه وَأمره غَدا الفسادية مشدود الأزر ولعمري إِن وزارته مَأْخُوذَة من الْوزر كَانَ أسدا فِي السّلم وَفِي الْحَرْب نعاما وَلم يزل يتبع الْمعاصِي كالندامى لم يُمَيّز بَين الصُّوف والخز وَلم يفرق بَين العباءة والجز (وَمَا انْتِفَاع أخي الدُّنْيَا بناظره ... إِذا اسْتَوَت عِنْده الْأَنْوَار وَالظُّلم) إِلَيْهِ بِالْجَهْلِ يومي مثل حمَار الطَّبِيب توما لَكِن جَهله مركب لَو أنصفوه لَكَانَ مركب (لَو كَانَ خفَّة عقله فِي رجله ... سبق الغزال بهَا وصاد الأرنبا) غَدَتْ لَهُ عروس الوزارة الْعُظْمَى متدانيه وقطفت ثمار وَصلهَا يَده الجانية جازي من كَانَ السَّبَب فِي إفَاضَة تِلْكَ النِّعْمَة عَلَيْهِ بالكفران وَجعله غَرضا للنوائب وخانه فِي مُعَامَلَته وَالله لَا يحب كل خوان اسْتَعَانَ بنعمته على كفران نعْمَته وَجعل تِلْكَ السَّيئَة عنوان صحيفَة سيئته سل عَلَيْهِ سَيْفا يَده صقلته وَشرع عَلَيْهِ رمحا كَفه قومته عَامله بِمَا جبلت عَلَيْهِ سفالة سجيته وَلَا تَثْرِيب عَلَيْهِ إِذْ كل يعْمل على شاكلته لم يتَفَرَّع على مَا رتبه من مُقَدمَات الْغدر إِلَّا نتيجة قَتله كَيفَ لَا وَلَا يَحِيق الْمَكْر السَّيئ إِلَّا بأَهْله لم يؤد الْأَمَانَة إِلَى أَهلهَا وَلم يزف الْعَرُوس إِلَى بَعْلهَا وَلم يدْفع الصَّحِيفَة إِلَى

стр. 570

قاريها وَلم يُعْط الْقوس باريها (وَوضع الندى فِي مَوضِع السَّيْف بالفتى ... مُضر كوضع السَّيْف فِي مَوضِع الندى) فاستبد برياسة الأجناد فأحدقت بِهِ من سَائِر أطرافها الْآفَات والأنكاد اعتزلت عروس الْفَتْح فِي عَهده بِوَجْه عَابس وَلَا بدع فَإِنَّهُ كَانَ أشأم من طويس وداحس وَلم يطَأ جِسْرًا بشؤم أقدامه إِلَّا وَقد انْكَسَرَ كَمَا انْكَسَرَ ظهر الدّين فِي أَيَّامه قد استولى الْكفْر على بعض الْحُصُون الإسلامية من سخافة رَأْيه فاتخذت مساجدها كنائسا وأقيمت بهَا نواميس النواقيس فَأصْبح بِهَذَا السَّبَب ربع الْجِهَاد دارسا والعدا فِي أَيَّامه آمِنَة الثغور وباسمة الثغور وَلما عَاد غير مَحْمُود انْقَطع جلب الزَّاد واتصل الغلا وبعدت الرَّاحَة من الْعَسْكَر بِقرب الْأَعْدَاء والغزاة لم يستطيعوا مناما وَلم يَذُوقُوا طَعَاما وَكم واحدد من تِلْكَ الْجَمَاعَة قضى نحبه من المجاعة فَلَمَّا وصل إِلَى دَار السلطنة الْعلية رَاضِيا من الْغَنِيمَة بالأياب وَقد هلك من الْجند أَكثر من الْحَصَى وَالتُّرَاب فَعرف بزلة قدمه وأيقن بإراقة دَمه فَاسْتَجَارَ ببذل الْأَمْوَال من عصبَة بعصبة آملا مِنْهُم أَن يقيلوا عثاره وذنبه فتعصب لَهُ ذَلِك الحزب ليخلصه من شباك الْحِين فنكصوا على أَعْقَابهم وإنخذلت إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَظَهَرت الْعَدَاوَة والبغضاء وَلم يلتئم إِلَى الْآن شَمل الفئتين فاستقر فِي دست الوزارة وَأصْبح ساحباً ذيل الصدارة فَأخذ فِي إبعاد من تقرب إِلَى حَضْرَة السلطنة من الوزراء والحواشي من كل من هُوَ الدخيل فِي ذَلِك الْفَنّ والناشي زعما من سخيف عقله على أَن يسْتَقلّ بالوزارة على حكم الإنحصار وَلم يعلم بِأَن الْأَيَّام قد نهضت على قَوَائِم الهمة لأخذ الثأر حَتَّى قد سَوَّلت لَهُ نَفسه التَّفْرِيق بَين غُصْن الدولة ودوحته وَأصْبح هَذَا الْأَمر فِي صَدره أحل أمْنِيته فَعلم مَا أَرَادَ وَمَا شرع فِيهِ من الْمَكْر وَالْفساد فبادره الْعَزْل فاستمر عدَّة أَيَّام خَارج السُّور كالمحبوس وَقد نفضت النَّاس بِهَذَا السَّبَب غُبَار النكد والبؤس إِلَى أَن برز الْأَمر فِيهِ بتطهير الْعَالم من ذَلِك الْخبث الَّذِي هُوَ لنقض وضوء الْإِسْلَام حدث فغدا جيده فِي فتر خانق فاستراح مِمَّا ألم بِهِ من الْقلب الخافق فاتفقت مواراة سوأته بِقرب من قبله حسن باشا باسكدار وَمَا أبْغض الْجَار إِلَى الْجَار انْتهى قلت وَكَانَ قَتله فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف وَالله أعلم حسن باشا الْوَزير صَاحب الْيمن كَانَ من أَعْيَان الوزراء أرْسلهُ السُّلْطَان مُرَاد

стр. 571

ابْن سليم إِلَى الْيمن فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة فَدخل إِلَى صنعا عَاشر الْمحرم سنة تسع وَثَمَانِينَ وَكَانَ ذَلِك الْوَقْت جبال الْيمن وحصونها فِي أَيدي الْحُكَّام من الْأَشْرَاف الْآتِي ذكرهم كَانَ حصن ثلا وحصن مُدع وحصن نسور وبلادهم تَحت حكم السَّيِّد عَليّ بن يحيى بن المطهر ابْن الإِمَام شرف الدّين وَكَانَ حصن ذِي مرمر وبلاده وبلاد الشرق تَحت حكم السَّيِّد لطف الله بن المطهر وَكَانَ حصن غفار وبلاده فِي حكم السَّيِّد غوث الدّين بن المطهر وحصن مُبين وبلاد حجَّة فِي يَد السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن المطهر وحصن ظفار وبلاد الطَّاهِر فِي يَد السَّيِّد مُحَمَّد بن النَّاصِر الْجونِي وصعدة وبلادها فِي يَد الإِمَام الْحسن بن عَليّ المؤيدي الْقَائِم فِي زمن مُرَاد باشا وحصن كحلان وبلاده فِي يَد السَّيِّد حسن بن شرف الدّين وَكَانَ الْوَزير الْمَذْكُور كَمَا قَالَ الشَّاعِر (إِن المكارم وَالْمَعْرُوف أَوديَة ... أحله الله مِنْهَا حَيْثُ تَجْتَمِع) وَكَانَ عادلا وقورا عَارِفًا خيرا راجحا مشكورا مها بايحت الْأَشْرَاف وينصفهم وَمن أعجب الْأُمُور أَنه كَانَ بعض أَعدَاء آل المطهر حسن لَهُ التقبيح إِلَيْهِم فَقَالَ لَا أغير شَيْئا لآل الرَّسُول وَلَا أرميهم بالنَّار رِعَايَة لجدهم وَفِي دُخُوله إِلَى صنعا فكر ودبر فِي أَحْوَال الْيمن وشاور الْعُقَلَاء وجالس ذَوي الفطن ثمَّ نَهَضَ لِحَرْب مُلُوك الْيمن وَنحن نذْكر من فتوحاته نبذة على جِهَة الِاخْتِصَار فعين على العساكر كتخداه الْأَمِير سِنَان وَفتح حصن ظفار فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقبض على حاكمه السَّيِّد مُحَمَّد بن النَّاصِر الْجونِي وَفتح حصن عمرَان فِي سنة تسعين وَتِسْعمِائَة وحصن مُدع فِي صفر وحصن ذِي مرمر فِي ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَخرج إِلَى يَده حَاكم الْحصن السَّيِّد لطف الله بن المطهر وَفتح صعدة وبلادها فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَقتل حاكمها السَّيِّد أَحْمد بن الْحُسَيْن المؤيدي وَسلم الْفَقِيه عبد الله بن الْمعَافى حصن السودة طَاعَة للسُّلْطَان فكافئوه بالصنجق السلطاني وقررت بِلَاد السودة تَحت يَده وَهِي الْآن تَحت يَد أَوْلَاده فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَفتح حصن ثلا فِي جُمَادَى الْآخِرَة نة ثَلَاث وَتِسْعين وَخرج إِلَى يَده السَّيِّد عَليّ بن يحيى بن المطهر وَقبض على الإِمَام الْحسن بن عَليّ المؤيدي وَفتح بِلَاده فِي شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة من الصأب بجبل أهنوم من جبال الأهنوم وَفتح حصن غفار فِي شهر ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة وَخرج إِلَى يَده حاكمه السَّيِّد غوث الدّين بن المطهر وَفتح بِلَاد الصاب فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَقبض الْوَزير

стр. 572

حسن على أَوْلَاد المطهر الْمَذْكُورين لأَنهم بعد طاعتهم لَهُ لم يسكتوا عَن إثارة الْفِتَن وَأرْسل لَهُم إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَتِسْعين وهم الإِمَام الْحسن بن عَليّ المؤيدي وَعلي يحيى ولطف الله وغوث الدّين وَحفظ الله وَمُحَمّد ابْن الْهَادِي الْجَمِيع آل المطهر وَعين الْوَزير حسن باشا لفتح بِلَاد يافع كتخداه الْأَمِير ستان سردارا على العساكر فَتقدم على بِلَاد يافع فِي الْعشْر الْأَوْسَط من ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فَلم يزل الْأَمِير سِنَان يغاديهم ويراوحهم بِالْحَرْبِ فَكَانَ بَينه وَبينهمْ ثَلَاثمِائَة وقْعَة سجالا تَارَة لَهُم وَتارَة عَلَيْهِم فَأعْطَاهُ الله النَّصْر عَلَيْهِم وَفتح بِلَاد يافع فِي سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَفتح أحور حصن الْغُرَاب وَرجع سالما غانماً فِي شعْبَان سنة تسع ة تسعين وَقد فتح الْيمن بأسرها وَلما استولى حسن باشا عَلَيْهَا وسكنت عَنهُ الْفِتَن وساعدته الأقدار ودانت لَهُ الأقطار ونامت عَنهُ عُيُون الْحَوَادِث استكثر العساكر فشرع فِي تقليلهم فَظهر فِي بِلَاد الشرق الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ وَادّعى الْإِمَامَة فِي سَابِع عشرَة الْمحرم سنة سِتّ بعد الْألف فأطبق اكثر أهل جبال الْيمن على طَاعَته وسارعوا إِلَى إجَابَته وصاروا من جملَة جماعته فاشتعلت نَار الْفِتَن وَضَاقَتْ أَحْوَال الْوَزير من تردد أَصْحَاب الإِمَام إِلَى صنعا وَقَامَ عَلَيْهِ الْأَعْلَى والأدنى وحاربه من كَانَ لَدَيْهِ فِي الْمحل الْأَسْنَى وَلم يبْق مُسْتَقِيمًا على الطَّاعَة إِلَّا الْأَمِير شمس الدّين أَحْمد بيك ابْن مُحَمَّد بيك ابْن شمس الدّين بن الْأَمَام شرف الدّين الْحَاكِم بمحروسة كوكبان فَإِنَّهُ لزم مَا الْتَزمهُ وَالِده للأمير مُحَمَّد من الطَّاعَة للسلطنة حَسْبَمَا تقرر بَينه وَبَين الْوَزير الْأَعْظَم سِنَان باشا فبذل النَّفس والنفيس فِي إشادة نصرها حَتَّى نَالَ بذلك مَا نَالَ وفاز فوزا عَظِيما وَقَفاهُ على فعله ولداه الْأَمِير أَحْمد والأمير إِسْمَاعِيل وتلاهما الْأَمِير جمال الدّين عَليّ بن شمس الدّين وولداه الْأَمِير وجيه الدّين وَعبد الرب فشيدا من الخدم السُّلْطَانِيَّة مَا فاقا بِهِ غَيرهمَا فَنَهَضَ حسن باشا وَجمع أهل النجدة من الرِّجَال وبذل الْأَمْوَال وَعين كتخداه الامير سِنَان سردار على العساكر وأمده بِالرِّجَالِ وَالْأَمْوَال وَطلب حَاكم الْحَبَشَة عَليّ باشا الجزائري فوصل وَكَانَ لوصوله تَأْثِير فِي تسكين الْفِتَن من بِلَاد الْيمن الْأَسْفَل ثمَّ توجه إِلَى بِلَاد يُنَوّه فاستشهد بهَا فِي ثَلَاث سنة ثَمَان وَألف وانضافت خزائنه بالعساكر إِلَى جَانب الْوَزير حسن باشا وَتوجه السردار الْأَمِير سِنَان إِلَى جِهَة كوكبان فَاجْتمع هُوَ والأمير أَحْمد بن شمس الدّين بن شرف الدّين فافتتحا بِلَاد كوكبان

стр. 573

جَمِيعهَا بعد اسْتِيلَاء أَصْحَاب الإِمَام عَلَيْهَا ثمَّ توجه السردار على سَائِر الْبِلَاد فَفتح بِلَاد ثلا وحصنها وبلاد عمرَان وحصن مُدع وحصن غفار وحصن بِلَاد الطَّاهِر وبلاد حُضُور وبلاد الحمية وبلاد سحان وبلاد مغرب أنس وذمار وبلاد تريم وبلاد جبل اللوز وبلاد خولان ثمَّ عطف على بِلَاد الطَّاهِر فاستقر بِخَمْر والصرارة وهما بلدان يتوسطان بِلَاد الزيدية فوصل إِلَيْهِ الْأَمِير عبد الرَّحِيم بن عبد الرَّحْمَن ابْن المطهر وَكَانَ مواليا للسلطنة فحصره الإِمَام الْقَاسِم فِي حصن مُبين بِبِلَاد حجَّة فاستولى الإِمَام على بِلَاده فَخرج من حصن مُبين إِلَى عِنْد الإِمَام بالأمان فَأخذ عَلَيْهِ الْعَهْد مِنْهُ واليه وأرسله لِحَرْب السلطنة فَكَانَ طَرِيقه من عِنْد الإِمَام إِلَى عِنْد السردار فَاسْتَفْتَحَ بِلَاد حجَّة وألزمه السردار باستفتاح بِلَاد الشرق فاستفتحها فَلَمَّا شَاهد الْوَزير حسن باشا علو همته ومناصحته لجَانب السلطنة انْعمْ عَلَيْهِ بِبِلَاد الشرق وَقَررهُ على بِلَاد حجَّة وَكَانَت لَهُ إنعامات من السلطنة كَثِيرَة فَلم يرع حُقُوقهَا فِي آخر مدَّته بل طَغى وَسَنذكر مَا آل أمره إِلَيْهِ فِيمَا بعد وَاسْتولى الإِمَام على بِلَاد صعدة فَقَامَ على سَاق الْحَرْب الْأَمِير مصطفي وانتقل بالوفاة قُم قَامَ مقَامه الْأَمِير مُحَمَّد الْكرْدِي فاتفق الصُّلْح بَينه وَبَين الْأَمِير مُحَمَّد المؤيدي فَحصل الْفَتْح وأنعم عَلَيْهِم بالصنجق السلطاني ونال من السلطنة مَا رغم بِهِ أنف أعدائه وَكَانَ ذَلِك فِي صفر سنة سبع وَألف وضعفت شَوْكَة الْقَاسِم وَلم يبْق فِي يَده إِلَّا حصن شهارة فِي بِلَاد الأهنوم فتحصن بِهِ فعين الْأَمِير سِنَان عَلَيْهِ فأحدق بِهِ فَخرج وهرب من الْحصن متنكرا وَلم يشْعر بِهِ أحد وَبَقِي وَلَده السَّيِّد مُحَمَّد متحصنا مَكَانَهُ فَضَاقَ حَاله فَخرج بالأمان وَإِن يكون مقره عِنْد صَاحب كوكبان فَأعْطَاهُ الْأمان على ذَلِك وَكَانَ ذَلِك فِي سنة سِتّ عشرَة وَألف وَلما طَالَتْ مُدَّة صَاحب التَّرْجَمَة بِالْيمن عزل عَنهُ وَخرج على وَجه مستحسن فَتوجه إِلَى الرّوم فِي الْيَوْم الْحَادِي وَالْعِشْرين من صفر سنة ثَلَاث عشرَة وَألف وَولى بعده كتخداه سِنَان باشا ثمَّ توفّي صَاحب التَّرْجَمَة بقسطنطينية سادس عشر رَجَب سنة سِتّ عشرَة وَألف رَحمَه الله تَعَالَى السَّيِّد حسن المجذوب المعتقد الْمَعْرُوف بالغريق نزيل دمشق أَصله من قَرْيَة من ضواحي نابلس قيل أَن اسْمهَا زيتا قدم إِلَى دمشق وجاور بالجامع الْأمَوِي عِنْد رواق اليمانية وَكَانَ يكثر الْكَلَام فِي الْجَامِع بالصوت العالي ثمَّ خرج من الْجَامِع وَسكن فِي جَامع يلبغا وَاتفقَ أَن رجلا مُؤذنًا قتل هرة فِي الْجَامِع الْمَذْكُور ثمَّ نَام فَقَامَ

стр. 574

إِلَيْهِ السَّيِّد حسن وَألقى على رَأسه صَخْرَة عَظِيمَة فَقتله وَعرض على حسن باشا بن مُحَمَّد باشا الْمُقدم ذكره وَكَانَ نَائِب الشَّام حِينَئِذٍ فَسَأَلَهُ لم قتلت هَذَا فَقَالَ لِأَنَّهُ قتل قطى فَأَطْلقهُ لجذبه ثمَّ انْتقل بعد هَذِه الْحَادِثَة إِلَى بُسْتَان بِأَرْض أرزة من الْمزَارِع فقطن بِهِ نَحْو خمس سِنِين لَا يُفَارق الْبُسْتَان فِي الْفُصُول الْأَرْبَعَة وَكَانَ الثَّلج ينزل عَلَيْهِ يطمه وَهُوَ جَالس لَا يبرح وَقيل أَنه كَانَ لَا يُصِيبهُ الثَّلج إِذا وَقع وَلَا يُصِيب الْمَكَان الَّذِي هُوَ فِيهِ وَكَانَ لَا يتَضَرَّر من حر وَلَا برد صيفا وشتاء وَكَانَت النَّاس تقصده بالزيارة هُنَاكَ ويأتون إِلَيْهِ بِالطَّعَامِ وَالشرَاب وَرُبمَا يرَوْنَ مِنْهُ مكاشفات غَرِيبَة ثمَّ انْتقل إِلَى سفح قاسيون وَأقَام بمغارة الشياح بَين مغارة الدَّم وكهف جِبْرِيل وانضم إِلَيْهِ الشَّيْخ حُسَيْن الرُّومِي وَكَانَ يتعبد بذلك الْوَادي قبله بسنين فتجاورا وبالمغارة الْمَذْكُورَة وَتردد النَّاس إِلَيْهِمَا كثيرا وَكَانَ حسن مجذوبا كثير الْكَلَام عِنْد زِيَارَة الزائرين فَيَأْخُذ كل أحد من كَلَامه حِصَّة لنَفسِهِ تناسب مقْصده فاشتهر بالمكاشفة وَوَقع عَلَيْهِ أهل دمشق خُصُوصا النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ كن يترددن إِلَيْهِ كثيرا وَكَانَ يجْتَمع عِنْده مِنْهُنَّ فِي الْوَقْت الْوَاحِد مَا يزِيد عَن مائَة امْرَأَة وَكَانَ حُسَيْن عَليّ الرُّومِي عَاقِلا يعرف الْكَلَام وَكَانَ من الْعجب فِي كَونه قيد السَّيِّد حسن الْمَذْكُور فِي ذَلِك الْمَكَان وَكَانَ يطعمهُ ويسقيه ثمَّ إِن حُسَيْنًا تزوج بِامْرَأَة من نسَاء الصالحية وَنزلا من المغارة إِلَى بَيت الْمَرْأَة فِي الْجَبَل وَكَانَ النَّاس يقصدونه أَيْضا فِي بَيت الْمَرْأَة ويزورونه ويهدون إِلَيْهِ الْهَدَايَا الجليلة وَلم يزل هُوَ وحسين مقيمين على هَذَا الْحَال إِلَى أَن وَقع سيل عَظِيم فِي دمشق هلك فِيهِ أَكثر من مائَة نفس وَكَانَ مِنْهُم السَّيِّد حسن ورفيقه حُسَيْن وَكَانَ ذَلِك يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث عشر صفر سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَكَانَ ثامن أيار فَجَاءَت قبيل الْعَصْر سَحَابَة فِيهَا ريَاح عواصف ورعود شَدِيدَة وبروق متواترة ثمَّ تراكم غمامها وَجَاء برد شَدِيد كَبِير بِقدر البندق فِي ثَلَاث نوب أَو أَربع وَوَقع غالبه على الصالحية والجبل ومعظمه كَانَ بالجانب الغربي مِنْهَا وَكثير مِنْهُ على مَدِينَة دمشق حَتَّى امْتَلَأت مِنْهُ الأقنية والطرقات ثمَّ سَالَتْ أَوديَة الصالحية خُصُوصا الْوَادي الَّذِي فِيهِ مغارة الشياح فَأخذ السَّيْل دورا وقبورا وَفتح فِي تِلْكَ الأَرْض مَعَ صلابتها خنادق عَظِيمَة عميقة وأطلع صخورا عَظِيمَة واستخرج السَّيِّد حسن صَبِيحَة يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع عشر صفر من هَذِه السّنة وَحضر جنَازَته الجم الْغَفِير من الرِّجَال وَالنِّسَاء ثمَّ فِي آخر ذَلِك الْيَوْم نبش الدرويش حُسَيْن وَأخرج وَدفن من الْغدر رحمهمَا الله تَعَالَى

стр. 575

الشَّيْخ حسن الدَّيْر عطاني من دير عَطِيَّة قَرْيَة من قرى دمشق تَابع نَاحيَة جُبَّة عَسَّال بِالْقربِ من النبك المجذوب ورد إِلَى دمشق وجاور بالجامع الْأمَوِي وَكَانَ لَا يخرج مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا وَكَانَ يُنكر على السوقة بيعهم المآكل الطّيبَة وَيَقُول أَنهم يكدرون على الْفُقَرَاء عيشهم ويؤذونهم وَكَانَ لَا يقتات إِلَّا بالْخبر الخشن ويتأدم بالخل وَالزَّيْتُون أَو نَحْوهمَا وَكَانَ لَا يقبل من أحد شَيْئا إِلَّا من بعض جمَاعَة مخصوصين وَيظْهر لامتناعه فِي الْغَالِب حِكْمَة من كَون مَا يدْفع إِلَيْهِ فِيهِ شُبْهَة أَو عدم إخلاص وَكَانَ لَهُ مكاشفات ظَاهِرَة وَلَيْسَ عَلَيْهِ سوى قَمِيص أَزْرَق يلْبسهُ صيفا وشتاء وينام فِي الْجَامِع وَهُوَ نظيف الثَّوْب وَالْبدن وَإِذا كَانَ رَمَضَان ذهب إِلَى أَهله فصَام هُنَاكَ وَترك الْجَامِع لِاجْتِمَاع النَّاس فِيهِ وَكَثْرَة لغطهم وَذكر عَنهُ الإِمَام الْحجَّة الشهَاب أَحْمد بن أبي الوفا المفلحي الْمُقدم ذكره أَنه سَمعه قبل حَادِثَة ابْن جانبولاذ وَهُوَ يَقُول أظلم ظلمُوا أظلم ظلمُوا قَالَ فَقلت لَهُ عَمَّن تَقول قَالَ عَن هَؤُلَاءِ الظلمَة يُشِير إِلَى جند الشَّام سَوف ترى كَيفَ يُسَلط عَلَيْهِم عَليّ بن جانبولاذ فَلَمَّا تلاقوا مَعَه لم يصبروا حَتَّى انكسروا وهربوا مِنْهُ وتشتتوا فِي الْبِلَاد وَله غير ذَلِك من الْأَحْوَال الباهرة وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْأَحَد تَاسِع شعْبَان سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف تشكي يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ من غير انْقِطَاع وَلَا اضطجاع وَلما كَانَ الْيَوْم الْمَذْكُور أَرَادَ الْخُرُوج من الْجَامِع وَقت الضُّحَى والواعظ يعظ فَسقط قبل أَن يصل إِلَى بَاب العنبرانيين مَيتا وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى الْعِمَادِيّ الشَّيْخ حسن الْكرْدِي الْعِمَادِيّ الشَّافِعِي نزيل دمشق أحد الْمُحَقِّقين فِي الْعلم الْمَشْهُود لَهُم بالتبحر فِي العقليات قدم دمشق فِي حُدُود سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَألف وَتزَوج بهَا وتملك دَارا بِالْقربِ من الْمدرسَة الظَّاهِرِيَّة ودرس بِدِمَشْق فَانْتَفع بِهِ غَالب طلبة عصره من أَبنَاء دمشق وَكَانَ سريع الْكِتَابَة صَحِيح الضَّبْط كتب بِخَطِّهِ الْكثير من الْكتب من جملَة ذَلِك حَاشِيَة شَيْخي زَاده وقف جَمِيع كتبه على طلبة الْعلم بِدِمَشْق قلت وَهَذِه الْكتب مَوْضُوعَة عِنْد بني السعسعاني هِيَ وَكتب الدفتري وَهِي محتوية على نفائس الْكتب وَأعْطى المنلا حسن آخرا تدريس دَار الحَدِيث الأحمدية فدرس بهَا مُدَّة وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من أَفْرَاد وقته علما وكمالا وَكَانَت وَفَاته سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى الْخَارِجِي حسن باشا الناجم على الدولة فِي عهد السُّلْطَان مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم كَانَ فِي ابْتِدَاء

стр. 576

أمره حَاكم التركمان ثمَّ ولى كَفَالَة حلب وَخرج بهَا عَن الطَّاعَة وفتك فِي تِلْكَ النواحي وانضم إِلَيْهِ بعض أُمَرَاء ورعاع من طَائِفَة السبكان وقويت شوكته وَلما تعين نَائِب الشَّام أَحْمد باشا ابْن الطيار إِلَى سفر السُّلْطَان فِي أواسط شعْبَان سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَألف خرج من الشَّام وَمَعَهُ خَمْسمِائَة نفر من جندها فَلَقِيَهُمْ حسن باشا فِي أَطْرَاف أنطاكية وضمهم إِلَيْهِ وَأرْسل إِلَى جَانب السلطنة يَقُول إِنَّه لَا يتَوَجَّه إِلَيْهِم أَلا أَن يقتلُوا الْوَزير الْأَعْظَم فَلم يُجِيبُوهُ إِلَى ذَلِك وَأَرْسلُوا إِلَيْهِ ليَأْتِي إِلَيْهِم فَلم يفعل وَمَا زَالَ ينهب ويفتك إِلَى أَن وصل إِلَى بروسة ثمَّ عَاد وعسكر الشَّام مَعَه فعين السُّلْطَان لقتاله الْوَزير مرتضى مَعَ عدَّة أُمَرَاء وعساكر فتقابل الجيشان وانكسر مرتضى ونهبت أَمْوَاله ثمَّ خرج عَنهُ عَسْكَر الشَّام بأَمْره وَرَجَعُوا إِلَى دمشق وَبلغ السُّلْطَان مَا فعل فازداد غَضَبه عَلَيْهِ وَأرْسل إِلَى الْوَزير مرتضى وَمن مَعَه من العساكر يَقُول لَهُم أَنهم يدْخلُونَ حلب وأضاف إِلَيْهِم عَسَاكِر أحر وَأمر مرتضى باشا عَلَيْهِم وَكَانَ من جملَة أُولَئِكَ قدري باشا نَائِب الشَّام فَلَمَّا دخلُوا إِلَى حلب جَاءَ حسن باشا إِلَى كلس فَدخل بَين الْفَرِيقَيْنِ بعض أُمَرَاء تِلْكَ النَّاحِيَة بِالصُّلْحِ وَكَانَت حِيلَة من مرتضى باشا على أَن يَأْتِي حسن باشا إِلَى عِنْد مرتضى باشا فَإِذا اجْتمعَا حصلت المصافاة وَاتبع حسن باشا أَمر السُّلْطَان فِي الْمسير مَعَ مرتضى باشا إِلَى طرف السلطنة ورتب مرتضى باشا لحسن باشا ضِيَافَة وكل من أُمَرَاء مرتضى باشا أضَاف وَاحِدًا من جمَاعَة حسن باشا المتعينين بِأَمْر مرتضى باشا حَتَّى صَار كل وَاحِد من أُولَئِكَ عِنْد من عين لَهُ وأوقعوا بهم المكيدة وَقتلُوا حسن باشا وأعيان جماعته وتفرق عسكره ونهبت أَمْوَاله وَكَانَ ذَلِك فِي آخر جُمَادَى الأولى سنة تسع وَسِتِّينَ ألف حسن الصَّفَدِي العيلبوني الشَّاعِر اللبيب الْفَائِق وَيُقَال فِيهِ أَنه درزي كَانَ حسن المطارحة طيب الْعشْرَة رَحل إِلَى مصر وَأخذ بهَا عَن الشَّمْس البابلي وَالشَّيْخ سُلْطَان والنور والشبراملسي وَغَيرهم وَدخل دمشق وجاور بهَا مُدَّة بالخانقاه السمياسطية وَله شعر كثير مِنْهُ قصيدة نونية هجا بهَا الدروز وَهِي طَوِيلَة تبلغ ثلثمِائة بَيت يذكر فِيهَا مَذْهَبهم الْفَاسِد وضلالاتهم وَله غير ذَلِك وأجود مَا ظَفرت بِهِ من شعره قَوْله (حكى دُخان سما من فَوق وجنة من ... قد مص غليونه أذ هزه الطَّرب)

стр. 577

(غيما على بدرتم قد تقطع من ... أَيدي النسيم فولى وَهُوَ ينسحب) (فَقلت وَالنَّار فِي قلبِي لَهَا لَهب ... لقد حكيت وَلَكِن فاتك الشنب) ثمَّ ارتحل من دمشق إِلَى عكة وَأقَام بهَا مُدَّة بهَا وَتُوفِّي وَكَانَت وَفَاته سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف والعيلبوني بِفَتْح الْعين ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة فلام فموحدة مَضْمُومَة بعْدهَا وَاو ثمَّ نون نِسْبَة إِلَى عيلبون قَرْيَة من أَعمال صفد والدرزي سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي تَرْجَمَة فَخر الدّين بن معن فِي حرف الْفَاء إِن شَاءَ الله الشَّيْخ حُسَيْن بن أبي بكر بن سَالم بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف اليمني العناتي الشَّيْخ الْكَبِير الْعَارِف كَانَ أحد أجواد زَمَانه وَله أَحْوَال باهرة وكرامات شائعة ولد بِمَدِينَة عينات وَقَرَأَ الْقُرْآن وَصَحب أَبَاهُ وَكَانَت الْولَايَة لائحة عَلَيْهِ من صغره وَظهر برهانها عَلَيْهِ فِي كبره واشتغل بالعلوم الشَّرْعِيَّة والتصوف وَلزِمَ مطالعة كتب الْغَزالِيّ وَصَحب أَعْيَان عصره وَأخذ عَنْهُم وَلما مَاتَ أَبوهُ قَامَ مقَامه وشاع أمره وَصَارَت إِلَيْهِ الرحلة فِي وقته وَكَانَت لَهُ حفدة كَثِيرُونَ وَكَانَت العربان تفد اليه من أقطار الأَرْض وترفع أمورها إِلَيْهِ وَكَانَ محسنا إِلَى الْفُقَرَاء وَيكرهُ لَهُم التفعل فِي طلب المقامات وَيَأْمُرهُمْ بإخلاص الْعَمَل وَيَقُول لَا تَتَّخِذُوا الْأَعْمَال وَسَائِل لمقاصد النُّفُوس تُحشرُوا مَعَ الخاسرين وَكَانَ يكره الْجَبَابِرَة وَلَا ينظر إِلَيْهِم الأشزرا وَإِذا جاءهوا أحدهم مَشى الهوينا وَلما كتب إِمَام الزيدية إِلَى أهل الْبِلَاد والخضرمية يستدعيهم إِلَى الدُّخُول فِي طَاعَته فَلم يرد لَهُم جَوَابا وَقَالَ حقيق لمن لم يدع إِلَى مَا يُرْجَى فِيهِ الثَّوَاب أَن يَنْقَلِب صَاحبه بِغَيْر جَوَاب وَكَانَ شَدِيد الْإِنْكَار على من يشرب التبغ واعتنى بإزالته من تِلْكَ الديار فتم لَهُ وَنُودِيَ فِي الْأَسْوَاق وصنف لَهُ الشَّيْخ مُحَمَّد عَليّ بن عَلان الْمَكِّيّ فِي حرمته مصنفين وَتَبعهُ بعض الْحَنَفِيَّة فِي تَحْرِيمه وَالَّذِي أفتى بِهِ الشَّيْخ عبد الْعَزِيز الزمزمي وَالشَّيْخ عبد الله بن سعيد باقشير من شافعية الْحجاز وَعدم الْحُرْمَة إِلَّا لمن حصل لَهُ بِهِ ضَرَر قلت وَظُهُور التنباك الْمُسَمّى بالتبغ وبالتتن بِجِهَة الغرب والحجاز واليمن وحضرموت كَانَ فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف كَمَا وجدته بِخَط بعض المكيين وتاريخه بغى وَأما ظُهُوره فِي بِلَادنَا الشامية فَلَا أتيقنه لكنه قريب من هَذَا التَّارِيخ انْتهى وَلما حصل على السُّلْطَان عبد الله بن عمر الكثيري مَا حصل خَافَ من الْقَبْض والأسرة التجأ إِلَيْهِ فَنَجَّاهُ مِمَّا حل بِهِ وَلم يَقع فِي الْبِلَاد اختلال ومحصل القَوْل أَنه كَانَ من صلحاء وقته

стр. 578

وَكَانَت وَفَاته سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة عينات بِالْقربِ من وَالِده رَحمَه الله تَعَالَى الأديب حُسَيْن بن أَحْمد بن حُسَيْن الْمَعْرُوف بِابْن الْجَزرِي الشَّاعِر الْمَشْهُور الْحلَبِي أحد المجيدين جمع فِي شعره بَين الصِّنَاعَة والرقة نَشأ بحلب وَأخذ بهَا الْأَدَب عَن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن المنلا وَالْقَاضِي نصر الدّين مُحَمَّد الحلفا وشغف بتَعَلُّم الشّعْر صَغِيرا وَحفظ قصائد عديدة وفحص عَن مَعَانِيهَا وَأكْثر من مطالعة كتب الْأَدَب واللغة حَتَّى صَار لَهُ رسوخ ثمَّ أَخذ يمدح الْأَعْيَان وَكَانَ إِذا تكلم لَا يَظُنّهُ الْإِنْسَان يعرف شَيْئا وَكَانَ لَهُ خطّ نسخي فِي غَايَة الْحسن إِلَّا أَنه كَانَ سيء الْأَخْلَاق وَلما تنبل اقتعد غارب الأغتراب فَرَحل إِلَى الشَّام وَالْعراق وَدخل الرّوم فِي سنة أَربع عشرَة وَألف وَقَرَأَ فِيهَا على مُحَمَّد بن قَاسم القاسمي الْحلَبِي حِصَّة من هِدَايَة الْفِقْه وَفِي ذَلِك بقول فِي قصيدته البائية يمدح بهَا القاسمي الْمَذْكُور وَهِي (لقد آن أعراضي عَن الغي جانبا ... وَأَن أتصدّى للهداية طَالبا) وَهِي مَذْكُورَة فِي ديوانه فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكرهَا عَاد إِلَى حلب وَاسْتقر بهَا وَكَانَ أَحْيَانًا يتَرَدَّد لبنى سَيْفا أُمَرَاء طرابلس وَله فيهم المدائح الْكَثِيرَة جمع لَهُ ديوانا وَهُوَ مَوْجُود بإيدي النَّاس وَكَانَ مغرما بِشعر أبي الْعلَا المعري كثيرا الْأَخْذ مِنْهُ وَأخْبر أَنه رَآهُ فِي مَنَامه وَكَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ اللُّزُوم وَفهم من تَقْرِيره فِي تِلْكَ الرُّؤْيَا الْخَيْر كل الْخَيْر فِيمَا أكرهت النَّفس الطبيعية عَلَيْهِ وَالشَّر كل الشَّرّ فِيمَا أكرهتك النَّفس الطبيعية عَلَيْهِ وَكتب على ديوانه اللُّزُوم قَوْله (إِن كنت متخذا لجرحك مرهما ... فكتاب رب الْعَالمين المرهم) (أوكنت مصطحبا حبيبا سالكا ... سبل الْهدى فلزوم مَا لم يلْزم) وَمن شعره فِي الْغَزل قَوْله (مَا عِشْت من ألم الْفِرَاق ... لَو لم أطل أمل التلاقي) (فأظل كالملسوع من ... أَفْعَى النَّوَى ورجاي راقي) (يَا ثَالِث القمرين إِلَّا ... فِي الْكُسُوف وَفِي المحاق) (حتام دمعي فِيك لَا ... يرقا وروحي فِي التراقي) ... وَالأُم يَسْتَسْقِي الْفُؤَاد ... ظما وأجفاني سواقي) (وغريق دمع الْعين لَا تَلقاهُ إِلَّا فِي احتراق ... )

стр. 579

(وَالْحب مَا أورى الضلوع ... جوى وَمَا أروى المآقي) (فعساك إِن تجزي محبيك ... الْمحبَّة بالوفاق) (وَقد لقِيت هَوَاك ... أعظم مَا لقِيت وَمَا أُلَاقِي) (وَصَبَرت فِيك عَن العدا ... صَبر الْأَسير على الوثاق) (وَعلمت أَن الصَّبْر يَا ... عذب اللمى مرّ المذاق) (فَأَعْرض عَن الْأَعْرَاض ... أعراضي لديك عَن النِّفَاق) (وأرفق وَلَو بالألتفات ... عَليّ مَا بَين الرفاقّ) (فَلَقَد يكون تلفت الْأَعْنَاق ... دَاع للعناق) (واستبق مني باللقاء ... بواقيا لَيست بواقي) (أَعْضَاء صب مَاله ... ألاك من عَيْنَاك واقي) (فالبيض سود عيونها ... وأمضى من الْبيض الرقَاق) (وَقد ودهنّ واشق ... فِي الطعْن كالسمر الرشاق) (وَإِذا بليت بحبهنّ ... بليت بالدمع المراق) وَقَوله من قصيدة طَوِيلَة مطْلعهَا (منهل دمع الْمُحب من دَمه ... فارفق بمغري الْفُؤَاد مغرمه) (أبكيته والبكاء شَاهد مَا ... يذوب من لَحْمه وأعظمه) (كَأَنَّهُ فِي الْفراش من سقم ... معنى رَقِيق يجول فِي فَمه) (يَا قمراً فَرعه الظلام على ... غُصْن النقابا سما بأنجمه) (أَي ظلوم سواك ينصره ... لم يخف الله فِي تظلمه) (والصب بيَدي أَلِيم صبوته للحب فِي الْحبّ من تألمه ... ) وَمن سَائِر شعره قَوْله متغزلا (ننقدّاك ساقياً قد كساك الْحسن ... من فرقك المضيء لساقك) (تشرق الشَّمْس من يَديك وَمن فِيك ... الثريا والبدر من أطواقك) (أوليس العجيب كونك بَدْرًا ... كَامِلا والمحاق فِي عشاقك) (فتنه أَنْت أذمتيت وتخمي ... بتلاقيك من تشاو فراقك) (لست من هَذِه الخليقة بل ... أنست مليك أرْسلت من خلاقك) وَقَوله (يَا لَيْلَة جمعتنَا وَالسُّرُور مَعًا ... لَا ورّعتها دوالي الْأُفق بالفلق)

стр. 580

(لَو استطعنا وَقد شابت مفارقها ... صنعا لَهَا من سَواد الْقلب والحدق) (بكيتها وشباب الْعَيْش فِي دعة ... منا وغافل طرف الدَّهْر وَلم يفق) (علما بِأَن اللَّيَالِي غير بَاقِيَة ... وكل مُجْتَمع يَرْمِي بمفترق) وَله وَهُوَ معنى غَرِيب (وَبِي مضاضة عَيْش مهنى لغب ... مِنْهَا وساورني فِي سورها سغب) (حَتَّى تصوّر لي مِنْهَا على ظمأ ... أَن الْمنية فِي ثغر المنى شنب) وَله (أحجب من أهواه خوف وشاته ... وأقصيه عني والمزار قريب) (وَلم أر فِي الدُّنْيَا أشدّ مضاضة ... على الْقلب من حب عَلَيْهِ رَقِيب) وَقَوله وهما من ملحه (قديم محبَّة وَحَدِيث عهد ... مقرّهما فؤاد أَخ حميم) (وَأَن خلتم سواكم لي خَلِيلًا ... فَإِن الْحبّ للخل الْقَدِيم) وَقَالَ وَهُوَ بِدِمَشْق فِي غُلَام رمدت عينه (وَمَا رمد فِي عين حبي لعِلَّة ... وَلَكِنِّي أنبيكم بِوُجُودِهِ) (أَرَادَ يرى مَا فِي محياه من سنا ... فأثر فِيهِ جرم شمس خدوده) وَقَالَ يمدح فصل الرّبيع (قابلتنا أَيدي الرّبيع بِوَجْه ... حسن فِيهِ للمحاسن شَاهد) (ولنعم الزَّمَان مِنْهُ منحنا ... فضل فصل الرّبيع لَو كَانَ خَالِد) وَقَالَ (يَا خير من محوه يُرْجَى ... لزلة أَثْبَتَت بسهو) (إِنِّي أهل لكل ذَنْب ... وَأَنت أهل لكل عَفْو) وَمن مفرداته قَوْله (عَسى شمس هَذَا الدَّهْر تَأتي يوفق مَا ... نرجى وَسعد الوفق فِي شرف الشَّمْس) وَقَوله (تغافلت عَن أَشْيَاء مِنْهُ وَرُبمَا ... يَسُرك فِي بعض الْأُمُور التغافل) وَقَوله (نأسو برؤياك مَا أَسَاءَ بِنَا ... لَا يصلح الْجرْح غير مرهمه) (فَإِن هَذَا الزَّمَان محسنة ... كَفَّارَة عَن ذنُوب مجرمه) وَقَوله (وأجاد وليل كَانَ الصُّبْح فِيهِ مآرب ... نؤمل أَن تقضي وخل نصادقه) وَسَار فرفى آخر عمره إِلَى حماة الرَّجَاء عَن لَهُ بهَا فَرَأى لَيْلَة سيره كَأَنَّهُ يودع أَهله فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ ينشد

стр. 581

(قومِي أحسني مِنْك وداعي فَمَا ... بعْدك حسنا يَا ابْنة الْقَوْم) (وزوّدي جفني طيف الكري ... فَلَيْسَ بعد الْيَوْم من نوم) فَلَمَّا دَخلهَا توفّي ابْن أميرها الْأَمِير عَليّ بن الأعوج واسْمه روحي فَقَالَ (لَا تعجبوا أَن سَالَ دمعي دَمًا ... واشتعلت نَارا تباريحي) (فلست من يبكي على غَيره ... وَإِنَّمَا أبكى على روحي) وَبعد مُدَّة توفّي وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف هَكَذَا ذكر البديعي وَفَاته فِي السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ رَأَيْت فِي نُسْخَة من ديوَان ابْن الْجَزرِي بِخَط بعض الدمشقيين ذكرانه أخبرهُ الْأَمِير عَليّ بن الأعوج أَن الْجَزرِي مَاتَ بعد إنشاد الْبَيْتَيْنِ المذكوريين بِثَلَاثَة أَيَّام وَلم يقل بعدهمَا شعرًا وَأَن وَفَاته كَانَت فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وناقض أَبُو الْوَفَاء العرضي فِي وَفَاته فذكرانها فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَلست أَدْرِي أَي المقولات أصح وَزَاد العرضي أَنه توفّي غَرِيبا بحماة كَمَا توفّي وَالِده بِالْبَصْرَةِ غَرِيبا وعمره نَحْو الْخمس وَالثَّلَاثِينَ وَدفن بالتربة الْمَعْرُوفَة بالعليليات والجزري نِسْبَة إِلَى جَزِيرَة ابْن عمر من بِلَاد الأكراد بهَا كَانَ أجداده وَلَهُم فِيهَا المكانة والجاه كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِك فِي بعض قصائده (أنّ الجزيرة لَا عدا ... جوديها الْغَيْث الهتون) (خلقُوا بهَا آباي ... آساد الشرى وَهِي العرين) (وَلَهُم بهَا الْبَيْت المؤثل فِي قَوَاعِده المكين ... ) (وبركنه الْمجد المتين ... وظله الْمجد الْمُبين) (ولنابهم نسب على الدُّنْيَا لَهُ شرف وَدين ... ) وَهَذِه القصيدة من غرر وقصائده وَهِي طَوِيلَة فتكتفي مِنْهَا بِهَذَا الْمِقْدَار فَفِيهِ كِفَايَة حُسَيْن باشا بن جانبولاذ الْكرْدِي أَمِير الْأُمَرَاء بحلب كَانَ فِي ابْتِدَاء أمره من المتفرقة ثمَّ تولى إِمَارَة كلس منصب وَالِده وعزله عَنهُ أَخُوهُ الْأَمِير حبيب وشبت الْعَدَاوَة بَينهمَا ثمَّ استمرّا بتعاذلان فَتَوَلّى ديو سُلَيْمَان كلس فَاحْتَاجَ إِلَى جمع السكبانية وَكَانَ ابْتِدَاء كثرتهم وَظُهُور قوانينهم من عبد الْحَلِيم اليازجي أحد أَتبَاع المسكور وولما سجن صَاحب التَّرْجَمَة بحلب وَيبْعَث جَمِيع أَسبَابه وعقاراته بأبخس الْأَثْمَان لمَال سلطاني كَانَ عَلَيْهِ تولى كلس بعد ذَلِك وصمم على الإمتناع من تَسْلِيمهَا أَن عَزله أحد فَكَانَ إِذا عزل من جَانب السلطنة سعى فِي الْعود من غير تَسْلِيم الْمُتَوَلِي

стр. 582

الْجَدِيد فلعلم أكَابِر الدولة أَنهم إِذا صمموا على عَزله شقّ العصافير فَتَرَكُوهُ وارتضوا بِالْمَالِ فكثرت أجناده وأمواله وَكَانَ لَهُ مُرُوءَة وفتوة ومحبة للْعُلَمَاء وَالصَّالِحِينَ إِلَّا أَنه كَانَ ظَالِما لاحتياجه إِلَى علوفات السبكانية وَكَانَ لَهُ فَضِيلَة فِي علم المفلك والرايرجا والتقويمات والرمل وَصرف أَكثر عمره فِي ذَلِك وَلما توجه مُحَمَّد باشا الْوَزير ابْن سِنَان باشا الْوَزير الْأَعْظَم سردارا على حُسَيْن باشا أَمِير لِوَاء الْحَبَشَة وَكَانَ خرج عَن الطَّاعَة وشق الْعَصَا وَسَببه أَنه لما تولى إِمَارَة الْحَبَشَة أَخذ مِنْهُ أكَابِر الدولة مَالا جزيلاً اسْتَدَانَ غالبه ثمَّ عزلوه سَرِيعا فشق الْعَصَا مغاصباً لَهُم فَتوجه صَاحب التَّرْجَمَة لحربه صُحْبَة السردار فَقدم إِلَى كاس خارجي من السبكانية يُقَال لَهُ رستم وَمَعَهُ من الْبُغَاة أجناد كَثِيرَة وَكَانَ ضَابِط كاس عَزِيز كتخدا من جمَاعَة صَاحب التَّرْجَمَة فَبعث واستنجد بعساكر حلب مِنْهُم الْعَسْكَر الْجَدِيد فَخَرجُوا لنصرته واجتمعوا جَمِيعًا فتقابلت الأجناد وَقَامَ بَينهم سوق الْحَرْب والطعن وَالضَّرْب فانتصر عَسْكَر رستم على عَسْكَر كاس وحلب وَقتل عَزِيز كتخدا وَقتل من العسكرين مَا لَا يُحْصى وولوا منهزمين فنهب الْخَارِجِي كلس وصادر أَعْيَان أهل الْقرى وَلما تولى نصوح باشا كَفَالَة حلب وَكَانَ عَسَاكِر دمشق تغلبُوا على حلب ونواحيها وَأمره السُّلْطَان أَحْمد بإخراجهم وَعجز عَن ذَلِك فاستعان بِصَاحِب التَّرْجَمَة فَبعث ابْن أَخِيه الْأَمِير عَليّ بعسكر عَظِيم فَأصْبح نصوح باشا وَقد أَخذ القلعة وَوضع متاريس تَحت قلعة حلب واستعدت جماعته فَكَانُوا نَحْو سِتّمائَة فَأخذت العساكر الدمشقية بَاب بانقوسا واستعدوا وجمعوا عساكرهم نَحْو الْأَلفَيْنِ وهم لَا يعلمُونَ أَن صَاحب التَّرْجَمَة بعث عَسَاكِر فَاحْضُرْ نصوح باشا إِلَيْهِ كنعان سردار الدمشقيين وَأخْبرهُ أَن السُّلْطَان رفعهم من الِاسْتِخْدَام وَأمر بإخراجهم من حلب بعيالهم فامتنعوا ثمَّ تواردت الْأَخْبَار أَن الْأَمِير عَليّ بن جَانِبه ولاذ وصل إِلَى قَرْيَة حيلان بعساكر لَا تحصى فَخَرجُوا فِي الظلام وَلم يبْق مِنْهُم اُحْدُ وَفِي الْيَوْم الثَّانِي دخل الْأَمِير على العساكر المتكاثقة فَتَبِعهُمْ نصوح باشا وَمَعَهُ الْأَمِير عَليّ إِلَى قَرْيَة كفر طَابَ فَوَقع بَينهم محاربه فَانْهَزَمَ الدمشقيون بعد مَا قتل مِنْهُم جم غفير فصادر نوح باشا أقاربهم وأتباعهم وَفعل حُسَيْن باشا مَعَ نصوح باشا هَذَا الْفِعْل فَأخذ نصوح باشا يتَكَلَّم بَين النَّاس أَنه يُرِيد قتل حُسَيْن باشا فَسمع الْخَبَر فَأخذ فِي جمع العساكر وَبعث جمَاعَة إِلَى السردار جارسنان باشا ابْن جغاله الَّذِي أرْسلهُ السُّلْطَان لقِتَال الشاه فَبلغ ذَلِك نصوح باشا فاشتدت

стр. 583

عداونه فعزم على المفاجأة بِالْقِتَالِ لكَون كلس قريبَة من حلب فَخرج فِي عساكره مجدا حَتَّى وَصلهَا فِي يَوْم وَاحِد فقابل حُسَيْن باشا بعسكره والتقت الفئتان فانكسر نصوح باشا وَقتل أَكثر عسكره وَدخل حلب مُنْهَزِمًا ثمَّ فِي الْيَوْم الثَّانِي أَخذ فِي جمع الأجناد وبذل الْأَمْوَال لتكثير الْعدَد والأعداد ظنا مِنْهُ أَن صبح سعده أَسْفر ثمَّ جَاءَ رَسُول من السردار سِنَان باشا ابْن جغاله يُخبرهُ بالأوامر السردارية أَنه قد صَار حُسَيْن باشا كافل الممالك الحلبية وعزل نصوح باشا مِنْهَا فَلبس نصوح باشا جلد النمر وَامْتنع من تَسْلِيم حلب لحسين باشا وَقَالَ إِذا ولوا حلب لعبد أسود أطيع ذَلِك إِلَّا ابْن جانبولاذ فَمَا مضى أُسْبُوع إِلَّا وَقد أَقبلت عَسَاكِر حُسَيْن باشا بجموعها إِلَى قَرْيَة حيلان فَاسْتَقْبَلَهُمْ نصوح باشا بِالْحَرْبِ ثَانِيًا فانكسر ثَانِيًا فَنزل حُسَيْن باشا بعساكره فِي محلات حلب خَارج السُّور وأغلق نصوح باشا أَبْوَاب الْمَدِينَة وسدها بالأحجار وَفتح بَاب قنسرين وحرسه بعساكر أوقفهم هُنَاكَ وَقطع حُسَيْن باشا المَاء عَن حلب وَمنع الْميرَة وَالطَّعَام عَن دَاخل الْمَدِينَة وَنصب حُسَيْن باشا متاريس على أسوار الْمَدِينَة وصف عساكره على الأسوار مَعَ المكاحل وَقَامَت بَينهم حَرْب البسوس وَأخذ حُسَيْن باشا فِي حفر اللغوم والاحتيال على أَخذ الْبَلدة ونصوح باشا فِي حفر السراديب لدفع اللغوم وَعم الحلبيين الْبلَاء من الْمبيت على الأسوار وحفر السراديب ومصادرة الْفُقَرَاء والأغنياء كل يَوْم وَلَيْلَة لطعام السبكانية وعلوفاتهم وأغلقت الدكاكين وتعطلت الصناعات وَحرقت الأخشاب للطعام والقهوة بِسَبَب قطع حُسَيْن باشا الْميرَة حَتَّى الْخشب والحطب وَنزل الْبلَاء من جَانب السَّمَاء على حلب فَبيع مكوك الْحِنْطَة بِمِائَة قِرْش ريال وجرة الشيرج بِثمَانِيَة عشر قرشا ورطل لحم الْخَيل الكديش بِنصْف قِرْش والتنية الْوَاحِدَة بِقِطْعَة وأوقية بزر الْبِطِّيخ بِأَرْبَع قطع وَأعظم من فِي الْبَلدة يجد أكل البصل والخل من أحسن الْأَطْعِمَة وَكَانَ بَعضهم يَأْخُذ الشمع الشحمى ويضعه فِي طَعَام الْأرز والبرغل وَكَانَ العساكر لَا يَجدونَ التِّبْن بل يَأْخُذُونَ الْحصْر وينقعونها فِي المَاء ويقطعونها ويطعمونها للخيل بَدَلا من التِّبْن وكل فَقير يغرم فِي الْيَوْم قرشين والمتوسط عشرَة والغنى عشْرين وَاسْتمرّ الْحصار نَحْو أَرْبَعَة أشهر وأياماً ثمَّ قدم السَّيِّد مُحَمَّد الْمَشْهُور بشريف قَاضِيا بحلب فَنزل خَارج الْمَدِينَة وَأخذ يسْعَى فِي الصُّلْح ثمَّ عقد الصُّلْح وَلم يرض نصوح باشا إِلَّا أيمانات السبانية وعهودهم فَإِن لَهُم عهودا وَثِيقَة فحلفهم بِالسَّيْفِ أَن يكون

стр. 584

آمنا على نَفسه وأمواله وَأَنه إِذا تعرضه حُسَيْن باشا يقاتلونه مَعَه ثمَّ أَمر الشريف نصوح باشا أَن يذهب بِنَفسِهِ إِلَى حُسَيْن باشا ويصالحه لكَون نصوح باشا كَانَ ضرب بنت حُسَيْن باشا وَأخذ أموالها فَذهب وَمَعَهُ شاطر وَاحِد إِلَى منزل حُسَيْن باشا فَأكْرمه وسقاه شربة سكر بَعْدَمَا امْتنع نصوح باشا فَشرب حُسَيْن باشا من الْإِنَاء قبله فاقتدى بِهِ وَشرب وَلما ذهب كَانَ لابسا درعا تَحت الثَّوْب وَظن النَّاس خُرُوج نصوح باشا خُفْيَة لَيْلًا خوفًا من حُسَيْن باشا وعساكره فَلم يكن الْأَمر كَذَلِك بل خرج بعساكره وطبوله وزموره وَقت الْغَدَاة فودعه حُسَيْن باشا وَاسْتولى على الديار الحلبية وشحنها من السكان وصادر الْأَغْنِيَاء والفقراء لأجل علوفة السكان ثمَّ أَمر سِنَان باشا حُسَيْن باشا بالتوجه إِلَيْهِ لقِتَال الشاه فَقدم رجلا وَأخر أُخْرَى وتثاقل عَن السّفر حَتَّى حصلت الكسرة بِبِلَاد الْعَجم للعساكر العثمانية فِي وقْعَة مَشْهُورَة قتل فِيهَا جمَاعَة من الْأُمَرَاء وَكَانَت فِي سادس عشرى جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع عشرَة وَألف فَلَمَّا رَجَعَ الْوَزير سِنَان باشا ابْن جغالة أدْركهُ حُسَيْن باشا فِي رجعته بِمَدِينَة وَأَن فَقتله لتأخره فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ يُرِيد جعل ابْن أَخِيه الْأَمِير عليا قَائِما مقَامه بحلب فَلَمَّا بلغه قتل عَمه تملك حلب وَخرج بهَا على السلطنة وتولدت من ذَلِك فتن عَظِيمَة سنذكرها فِي تَرْجَمَة الْأَمِير عَليّ إِن شَاءَ الله تَعَالَى الشَّيْخ حُسَيْن بن حسن بن أَحْمد بن سُلَيْمَان أَبُو مُحَمَّد الغريفي البحراني فَقِيه الْبَحْرين وعالمها المشارة إِلَيْهِ فِي عصره ذكره السَّيِّد عَليّ فِي السلافة فَقَالَ فِي حَقه ذونب يضاهي الصُّبْح عموده وَحسب أَوْرَق بالمكرمات عوده وناهيك بِمن ينتمي إِلَى النَّبِي فِي الأنتما وغصن شَجَرَة أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السما وَهُوَ بَحر علم تدفقت مِنْهُ الْعُلُوم أَنهَارًا وَبدر فضل عادبه ليل الْفَضَائِل نَهَارا شب فِي الْعلم واكتهل وهمي صيب فَضله واستهل فَجرى فِي ميدانه انه طلق عنانه وجنى من رياض فنونه أزهار أفنانه إِلَّا أَن الْفِقْه كَانَ أشهر علومه وَأكْثر مَفْهُومه ومعلومه عَنهُ تقتبس أنواره وَمِنْه يقتطف ثمره ونواره وَكَانَ بِالْبَحْرَيْنِ إمامها الَّذِي لَا يباريه مبار وهمامها الَّذِي يصدق خَبره الاختبار مَعَ سجايا تستمد مِنْهَا المكارم ومزايا تستهدي محاسنها الأكارم وَله نظم كثيرا مَا يمده بالفخر وكأنما نقره من صَخْر فَمِنْهُ قَوْله (قل للَّذي عَابَ فعاب الَّذِي ... قلت وَقلت السِّرّ مني ضرّ وَمن)

стр. 585

(لَا تمتحنها فمتحن أَنَّهَا ... ولية قد وليت عَن مروس) (بل وقناتي صعدة صعبة ... تخبر أَنِّي الهبزري الشموس) قلت لَو كَانَ لي أَمر السلافة مَا رضيت لَهَا هَذَا العكر وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى بعد الْألف وَلما بلغ نعيه الشَّيْخ دَاوُد بن أبي شاقين البحراني اسْترْجع وَأنْشد بديها (هلك الصَّقْر يَا حمام فغنى ... طَربا أعالي الغصون) ورثاه الشَّيْخ جَعْفَر بن مُحَمَّد الخطي البحراني بقصيدة مِنْهَا قَوْله (جد الردى سلب الْإِسْلَام فانجذما ... وهد شامخ طود الدّين فانهدما) (وسام طرف الْعلَا غمضا فأغمضه ... وفل غرب حسام الْمجد فانثلما) (الله أكبر مَا أدهاك من زمن ... قصمت ظهر التقى وَالَّذين فانقصما) حُسَيْن باشا ابْن حسن بن أَحْمد بن رضوَان بن مصطفى الْغَزِّي المولد حَاكم عزة كَانَ نبيه الْقدر كَبِير الهمة حسن الشكل وَله آدَاب ومآثر مأثورة يحسن بِمَالِه وجاهه إِلَى قصاده وَكَانَ أُمِّيا ويحاكي الخطوط الْحَسَنَة من مهرَة الْكتاب ولي فِي حَيَاة أَبِيه إِمَارَة نابلس وإمارة الْحَاج سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف وَلما توفّي أَبوهُ صَار مَكَانَهُ حَاكم غَزَّة وَكَانَ لَهُ حزم وَسعد فكبرت دولته وأطاعته العربان وَصَارَ ركنا ركيناً ثمَّ انتشأ لَهُ ولد اسْمه إِبْرَاهِيم فولي حُكُومَة الْقُدس ثمَّ نزل لَهُ أَبوهُ عَن حُكُومَة غَزَّة وَصَارَ هُوَ حَاكم نابلس وأمير الْحَاج وسافر إِلَى الْحَج سنتَيْن وَلما مَاتَ وَلَده الْمَذْكُور فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف بالبقاع العزيزي وَقد كَانَ تعين للسَّفر على الدروز فِي خدمَة الْوَزير أَحْمد باشا عَاد حُسَيْن باشا إِلَى حُكُومَة غَزَّة بعده ووشى بِهِ إِلَى جَانب السلطنة بِسَبَب أُمُور يرجع أَكْثَرهَا إِلَى عدم تقيده بِأَمْر الْحجَّاج وحراستهم فَأتى بِهِ من المزيريب إِلَى قلعة دمشق وضبطت أَمْوَاله وَأقَام مُدَّة مسجوناً بالقلعة وَكتب إِلَيْهِ الْأَمِير المنجكي يسليه بِهَذِهِ الأبيات (جفن الحسام ترى أم مربض الْأسد ... سجن حللت بِهِ يَا خير مُعْتَمد) (أم شمس ذاتك عَن عين الغبى غَدَتْ ... محجوبة وَهِي فِي الْإِشْرَاق لِلْأَبَد) (وَقدر جاهك فِي الْآفَاق مُرْتَفع ... مَا حط يَوْمًا وَإِن لم يخل من حسد) ثمَّ أَخذ إِلَى الْبَاب السلطاني مُقَيّدا وأحاطت بِهِ المكاره فسجن ثمَّ قتل فِي السجْن وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف وأنشدني صاحبنا المرحوم عبد الْبَاقِي بن أَحْمد السمان الدِّمَشْقِي هَذِه الأبيات لنَفسِهِ قَالَهَا فِي رثائه حِين بلغه قَتله وَكَانَ إِذْ ذَاك

стр. 586

بِمصْر قَالَ وَكنت لما مَرَرْت على غَزَّة فِي سنة إِحْدَى وَسبعين قَاصِدا مصر أسدى إِلَيّ مَعْرُوفا وأنعاماً فَقلت أرثيه (أسفي على بَحر النوال وَمن لَهُ ... بَأْس الْمُلُوك وعفة الزهاد) (لَو أَن بعض صِفَاته اقتسم الورى ... لرأيت أَدْنَاهُم كذي الأعواد) (لم يجن ذَنبا غير أَن زَمَانه ... قد فوض الْأَحْكَام للحساد) (هابوه وَهُوَ مُقَيّد فِي سجنه ... وَكَذَا السيوف تهاب فِي الأغماد) (ذهب السرُور بفقده فَكَأَنَّمَا ... أَرْوَاحنَا غَضبى على الأجساد) (يَا ثَالِث الحسنين عاجلك الردى ... والحتف قد يسرى إِلَى الأطواد) (لَك بالكواكب والسحائب أُسْوَة ... فَاذْهَبْ كَمَا ذهب السَّحَاب الغادي) (فسقى ثراءك مِنْهُ صيب رَحْمَة ... مَا أطرب الركْبَان صَوت الْحَادِي) حُسَيْن باشا بن رستم الْمَعْرُوف بباشا زَاده الرُّومِي نزيل مصر وَاحِد الدَّهْر على الْإِطْلَاق الْمُحَقق الفهامة رَأس الْفُضَلَاء فِي وقته رَأَيْت خَبره فِي كثير من التحريرات والمجاميع وَذكره الشَّيْخ مَدين القوصوني وَقَالَ فِي تَرْجَمته مولده ببلغراد فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَانِي عشر شَوَّال وَكَانَ ذَلِك فِي أَوَائِل فصل الخريف من سنة ثَمَان وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَقدم إِلَى مصر فِي سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَحج مِنْهَا إِلَى بَيت الله الْحَرَام ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْبِلَاد الرومية وَعَاد إِلَى مصر ثَانِيًا وَأقَام بهَا وَكَانَ وَالِده من موَالِي السُّلْطَان سُلَيْمَان ثمَّ إِنَّه لم يزل يتنقل فِي الولايات حَتَّى صَار أَمِير الْأُمَرَاء بطمشوار وبودين وَكَانَت وَفَاته بهَا وَأما والدته فَهِيَ بنت إِيَاس باشا الَّذِي كَانَ رَأس الوزراء فِي دولة السطان سليم وَكَانَ من موَالِي السُّلْطَان بايزيد بن مُحَمَّد وَأخذ صَاحب التَّرْجَمَة عَن جمَاعَة من الموَالِي الْعِظَام بالديار الرومية مِنْهُم الْمولى يحيى الَّذِي كَانَ متقاعداً عَن إِحْدَى الْمدَارِس الثمان وَكَانَ أَخا للسُّلْطَان سُلَيْمَان من الرَّضَاع وَكَانَ السُّلْطَان الْمَذْكُور يعظمه ويزوره أَحْيَانًا وَيقبل شَفَاعَته وَمِنْهُم لمولى عبد الْغَنِيّ وَمِنْهُم الْمولى محمدبن بُسْتَان الْمُفْتِي وَمِنْهُم الْمولى فُضَيْل بن الْمُفْتِي عَلَاء الدّين الحمالي وَمِنْهُم الْمولى مُحَمَّد ابْن أخي وَمِنْهُم الْمولى أَبُو السُّعُود الْمُفْتِي الْعِمَادِيّ صَاحب التَّفْسِير وَصَارَ ملازما بمدرسة السُّلْطَان سليم الأول بقسطنطينية ثمَّ ترك ذَلِك وعزم على الْإِقَامَة بِمصْر وَطلب من السُّلْطَان أَن يعين لَهُ من بَيت المَال مَا يَكْفِيهِ هُوَ وَمن مَعَه من الْعِيَال من الدَّرَاهِم والغلال فعين لَهُ ذَلِك ثمَّ قدم إِلَى مصر وَأقَام بهَا بِالْعِزَّةِ والاحترام

стр. 587

مَعَ الْإِحْسَان والشفاعات فِي العلوفات والجرايات للخاص وَالْعَام وَأَنْشَأَ بَيْتا متسعا مطلا على بركَة الْفِيل جعله محلا للجلوس يفه للواردين عَلَيْهِ انْتهى وَرَأَيْت لَهُ تَرْجَمَة فِي بعض المجاميع وأظنها من إنْشَاء بعض المصريين قَالَ فِيهِ بعد ذكر اسْمه وشهرته غرَّة جبهة الزَّمَان وواسطة عقد الْفَضَائِل المزري بعقود الجمان جر على هَامة المجرة ذيله وأنار بقمر فَضله ليله فاصبح وَهُوَ عَزِيز مصره والفاخر ذُو التَّاج المحجب فِي قصره أجْرى بِمصْر نيله فأخجل نيلها وَمَا زَالَ مانح الْفَضَائِل والفواضل وميلها وَأما أدبه فمادة البراعة وَالْإِحْسَان الْقَاصِر عَن نظمه ونثره سحبان وَحسان وَمَا بَرحت كواكب فَضله مشرقة لائحة وسوا كب أفضاله غادية رَائِحَة حَتَّى وافته بأجله وَفَاته وعفت آثاره وبكت عَلَيْهِ عفاته وَأثبت لَهُ من شعره مَا كتب بِهِ إِلَى القَاضِي مُحَمَّد بن دراز الْمَكِّيّ قَوْله (على ألمعي شاقني بخياله ... سَلام يحاكى مِنْهُ طيب خصاله) (عشقت وَمَا أبصرته غيرانني ... سَمِعت من الحاكين وصف كَمَاله) وَكتب إِلَى الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المرشدي (عِنْدِي لودك فَاعْلَم ذَاك مِيثَاق ... وللتملي بمرأى مِنْك أشتاق) (وللحلول بِأَرْض أَنْت ساكنها ... قلبِي بحادي الجوى والوجد ينساق) وظفرت لَهُ بقصيدة اثبتها لَهُ فِي تَرْجَمته فِي كتابي النفحة ومطلعها ... أَرَاك تروم الْمجد ثمَّ تساهل ... وزاملة الْعُمر الْيَسِير تناقل) وَهِي قصيدة لَا بَأْس بهَا فَارْجِع إِلَيْهَا فِي الْكتاب الْمَذْكُور وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فِي آخر يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث رَجَب سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف وَدفن يَوْم السبت بِالْقربِ من قبر القَاضِي بكار رَحمَه الله تَعَالَى الأديب حُسَيْن بن شهَاب الدّين حُسَيْن بن جاندار البقاعي الكركي الأديب الشَّاعِر العائق كَانَ أديبا شَاعِرًا مطبوعا مقتدرا على الشّعْر جيد القريحة سهل اللَّفْظ حسن الإبداع للمعاني ذكره البديعي فِي كِتَابه ذكرى حبيب وَقَالَ فِيهِ هُوَ ثَانِي أبي الْفضل البديع الْهَمدَانِي وثالث ابْن الْحجَّاج والواساني وَقد دون مدائحه وسماها كنز اللآل وَجمع أهاجيه ووسمها بالسلاسل والأغلال فَمن حسن شعره وشعره كُله حسن قَوْله من جملَة قصيدة مطْلعهَا (هُوَ الْحبّ لَا قرب يَدُوم وَلَا بعد ... وَقد دق معنى أَن يُحِيط بِهِ حد)

стр. 588

(يحار أولو الْأَلْبَاب فِي كنه ذَاته ... فَمن جده هزل وَمن هزله جد) (لَك الله قلبِي كم نجن لواعجا ... يذوب لَا دنى حرهَا الْحجر الصلد) (نَصَحْتُك جهدي لَو قبلت نصيحتي ... فَعدل الْهوى جور وحر الْهوى عبد) (لقد عالج الْحبّ المحبون قبلنَا ... فَمَا نالهم إِلَّا القطيعة والصد) (فَإِن قَالَ قوم أَن الْحبّ لَذَّة ... فَمَا اتصفوا هَذَا خلاف الَّذِي يَبْدُو) (نعيم هُوَ الْبلوى ورى هُوَ الظما ... وَذَاكَ فنَاء الْجِسْم يجلبه الوجد) (على أنني جربته وبلوته ... إِذا أَنه كالصاب ديف بِهِ الشهد) (وَمَا قلت جهلا بالغرام وَإِنَّمَا ... يصدق قولي من لَهُ بالهوى عهد) (لعا العثارى كم أحث عزائمي ... وَهل لنهوضي فِي طلاب العلى حد) (أما آن أَن أنضو الركائب بالثرى ... وَإِن مسني مِمَّا أكايده جهد) (وَإِن عايناي عناي بَان طويلع ... فبشراك يَا قلبِي ألم بك السعد) (ولاحت لنا تِلْكَ الْمعَاهد من قبا ... وَبَانَتْ قباب البان وَالْعلم الْفَرد) وَقَوله من قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا (مَا صَاح صاحي الْوَرق فِي أفنانه ... إِلَّا وأسكره بديع بَيَانه) (وَإِذا تنازعه اللوا ثمَّ فِي الْهوى ... ذكر العقيق فسح من أجفانه) (كلف إِذا هبت بِهِ نجدية ... يذكو بهَا مَا أَبَاحَ من أجفانه) (معري بِذكر العامرية مغرم ... ظام إِلَى عذب العذيب وبانه) (يخفى جوى لَو مس يذبل بعضه ... دكت هضاب الشم من أَرْكَانه) (ويروم أَعْضَاء الجفون على القذى ... فرقا فيعرب شانه عَن شانه) (يالائمى فِي حب أهيف لَو بدا ... للبدر لم تعدده من أقرانه) (متمنع يرنو بناظر جؤذر ... ويلاي من وسنانه وسانه) (أأذاد عَن مضمار حلبة حبه ... وَأَنا المجلى ويك خيل ورهانه) (أيلوم من أودي بمهجته الْهوى ... من لم يذقْ فِي الدَّهْر طعم طعانه) (حسبي بِمَا أَلْقَاهُ من ألم الجوى ... مَا قد ترى والعمر فِي ريعانه) (لَو أَن بالفلك الْمُحِيط ذبالة ... من حرقتي ألهته عَن دورانه) (أوحل وجدي بالكواكب لَا نبري ... بهرامها يشكو إِلَى كيوانه) (أوغال رضوى بعض مَا قد غالني ... لرأينه كالعهن قبل أَوَانه)

стр. 589

(أَو كَانَ يسعدني على قدر الْهوى ... دمعي لعم الأَرْض من طوفانه) (وَلَقَد سلكت الْحبّ لَا غرا بِهِ ... وَعرفت كنه خفيه وعيانه) (وَعلمت إِذْ ذقت الغرام بأنني ... حاس بكأس جميله وحسانه) وَقَوله من قصيدة مطْلعهَا (مَا لَاحَ برق من رَبِّي حاجر ... إِلَّا اسْتهلّ الدمع من ناظري) (وَلَا تذكرت عهود الْحمى ... إِلَّا وَسَار الْقلب عَن سائري) (أوّاه كم أحمل جور الْهوى ... مَا أشبه الأوّل بِالْآخرِ) (يَا هَل ترى يدْرِي نؤوم الضُّحَى ... بِحَال ساه فِي الدجى ساهر) (تهب إِن هبت يَمَانِية ... أشواقه للرّشأ النافر) (يضْرب فِي الْآفَاق لَا يأتلي ... فِي جوبها مثل السائر) (طوراً تهامياً وطوراً لَهُ ... شوق إِلَى من حل فِي الحائر) (كأنّ مِمَّا رابه قلبه ... علق فِي قادمتي طَائِر) أصل هَذَا الْمَعْنى لعروة بن حرَام (كَأَن قطاة علقت بجناحها ... على كَبِدِي من شدّة الخفقان) وَذكره السَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي السلافة فَقَالَ فِي حَقه طودرسي فِي مقرّ الْعلم ورسخ وَنسخ خطة الْجَهْل بِمَا خطّ وَنسخ رَأَيْته فَرَأَيْت مِنْهُ فَردا فِي الْعُلُوم وحيداً وكاملاً لَا يجد الْكَمَال عَنهُ محيداً تحل لَهُ الحبى وتعقد عَلَيْهِ الخناصر أوفى على من قبله واعترف بفضله المعاصر يستوعب شَوَاهِد الْعلم حفظا بَين مقروء ومسموع وَيجمع شوارد الْفضل جمعا فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مُنْتَهى الجموع حَتَّى لم ير مثله فِي الْجد على نشر الْعلم وإحياء مواته وحرصه على جمع أَسبَابه وَتَحْصِيل أدواته وَقد كتب بِخَطِّهِ مايكل لِسَان الْقَلَم عَن ضَبطه واشتغل بِعلم الطِّبّ فِي آخر عمره فتحكم بالأرواح والأجسام نهية وَأمره غير أَنه كَانَ فِيهِ كثير الدَّعْوَى قَلِيل الْفَائِدَة والجدوى لَا تزَال سِهَام رَأْيه فِيهِ طائشة عَن الْغَرَض وَإِن أَصَابَت فَلَا تخطىء نفوس أولى الْمَرَض فكم عليل ذهب وَلم يلف لَدَيْهِ فرج فَأَنْشد أَنا الْقَتِيل بِلَا إِثْم وَلَا حرج (النَّاس يلحون الطَّبِيب وَإِنَّمَا ... غلط الطَّبِيب أصابة الْمَقْدُور) وَمَعَ ذَلِك فقد طوى أديمه من الْأَدَب على أغر رديمه وَمَتى هَتَفت لهاة قَالَه بالشعر

стр. 590

أرخص من عُقُود اللآلي كل غالي السّعر إِلَى ظرف شيم وشمايل تطيب بأنفاسها الصِّبَا وَالشَّمَائِل والمام بنوادر المجون يحلى حَدِيثه والْحَدِيث شجون وَلم يزل يتنقل فِي الْبِلَاد ويتقلب حَتَّى قدم على وَالِده قدوم أخي الْعَرَب على آل الْمُهلب وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَسبعين وَألف فأحله الْوَالِد لَدَيْهِ محلا عقد فِيهِ نواصي الآمال بَين يَدَيْهِ وأمطره سحائب جوده وَكَرمه ورد شباب أمله بعد هرمه فَأَقَامَ بِحَضْرَتِهِ بَين خير وَخير وَتقدم مَا شَاءَ مَا شابه تَأْخِير إِلَى أَن خوى من أفق الْحَيَاة طالعه وأدجت بأفول عمره مطالعه وَمن مصنفاته شرح نهج البلاغة وعقود الدُّرَر فِي حل أَبْيَات المطول والمختصر وهداية الْأَبْرَار فِي أصُول الدّين ومختصر الأغاني والاسعاف وَغير ذَلِك وَأنْشد لَهُ قَوْله من قصيدة مطْلعهَا (لَك الْخَيْر لَا زيد يَدُوم وَلَا عَمْرو ... وَلَا مَاء يبْقى فِي الدنان وَلَا خمر) (فبادر إِلَى اللَّذَّات غير مراقب ... فمالك أَن قصرت فِي نيلها عذر) (فَإِن قيل فِي الشيب الْوَقار لأَهله ... فَذَاك كَلَام عَنهُ فِي مسمعي وقر) (وَقَالُوا نَذِير الشيب جَاءَ كَمَا ترى ... فَقلت لَهُم هَيْهَات أَن تغني النّذر) (لَئِن كَانَ رَأْسِي غير الشيب لَونه ... فرقة طبعي لَا يغيرها الدَّهْر) (يَقُولُونَ دع عَنْك الغواني فَإِنَّمَا ... قصاراك لحظ الْعين وَالنَّظَر الشزر) (وَهل فِيك للغيد الحسان بَقِيَّة ... وَقد ظهر الْمكنون وارتفع السّتْر) (وَمَا للغواني وَابْن سبعين حجَّة ... وحلم الْهوى جهل ومعروفه نكر) (فَقلت دَعونِي فالهوى ذَلِك الْهوى ... وَمَا الْعُمر إِلَّا الْعَام وَالْيَوْم والشهر) (نشأت أحب الغيد طفْلا ويافعا ... وكهلا وَلَو أوفي على الْمِائَة الْعُمر) (وَهن وَإِن أعرضن عني حبائي ... لَهُنَّ عَليّ الحكم والنهى وَالْأَمر) (أحاشيك بِي مِنْهُم من لَو تعرضت ... لنوء الثريا لاستهل لَهَا الْقطر) (ترقرق مَاء الْحسن فِي نَار خدها ... فماء وَلَا مَاء وجمر وَلَا جمر) (فيا بعد مَا بَين الحسان وَبَينهَا ... لَهُنَّ جَمِيعًا شطرها وَلها الشّطْر) (برهرهة صفر الوشاح إِذا مشت ... تجاذب مِنْهَا الردف والعطف والخصر) (من الْبيض لم تغمس يدا فِي لطيمة ... وَقد مَلأ الْآفَاق من طيبها نشر) (تَخِر لَهَا زهر الْكَوَاكِب سجدا ... وتعنو لَهَا الشَّمْس المنيرة والبدر) (تخال بجفنيها من النّوم لوثة ... وتحسبها سكرى وَلَيْسَ بهَا سكر)

стр. 591

(وَقَالُوا إِلَى هاروت ينْسب سحرها ... أَبى الله بل عَن لحظها يُؤْخَذ السحر) (تخَالف حَالي فِي الغرام وحالها ... لَهَا مَحْض ودي فِي الْهوى ولي الهجر) قلت وَهَذِه القصيدة من أمتن شعره وأغلاه وَقد تَرْجَمته فِي كتابي النفحة وَذكرت لَهُ أَشْيَاء من شعره مَا عَلَيْهَا غُبَار وَبِالْجُمْلَةِ فَكل شعره لطيف السبك وَكَانَت وَفَاته على مَا ذكره ابْن مَعْصُوم يَوْم الِاثْنَيْنِ لإحدى عشرَة بقيت من صفر سنة سِتّ وَسبعين وَألف عَن أَربع وَسِتِّينَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى حُسَيْن بن عبد الله بن شيخ بن الشَّيْخ عبد الله العيدروس الْحَضْرَمِيّ السَّيِّد الْأَجَل أحد أسخياء الْعَالم ذكره الشلي فِي تَارِيخه وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا ثمَّ قَالَ ولد بتريم فِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة واجتهدوا تبع السّنة النَّبَوِيَّة وَتخرج بوالده وَأخذ عَن أَخِيه شيخ وَغَيره من الْعلمَاء العاملين والأولياء الصَّالِحين وَلبس الْخِرْقَة الشَّرِيفَة مِنْهُم وأجازوه فِي الألباس وانتفع بِهِ كثير من النَّاس وَقصد من الْبِلَاد الْبَعِيدَة وَكَانَ يكرم الوافدين وَيحسن للْفُقَرَاء وَله كرامات ظَاهِرَة وَله جاه عَظِيم عِنْد الأكابر لَا سِيمَا أَرْبَاب السَّيْف يقابلونه بالتعظيم وَكَانَ مَشْغُولًا بِذكر الله حَتَّى مَاتَ فِي سنة ثَمَان بعد الْألف وَدفن بمقبرة زنبل رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ حُسَيْن بن عبد الْكَرِيم بن عبد الله الملقب زين الدّين الغزى الْمَعْرُوف بِابْن النخالة الشَّافِعِي مفتي الشَّافِعِيَّة بغزة الْفَقِيه البارع لمتمكن من بَيت ولَايَة وورع وتقوى وَحده عبد الله نطق لَهُ الْحمار كَمَا قراته فِي بعض إجازات حُسَيْن صَاحب التَّرْجَمَة من الشَّيْخ عَامر العزيزي الْآتِي ذكره وَنَشَأ حُسَيْن هَذَا فِي غَزَّة وَقَرَأَ بهَا ثمَّ رَحل إِلَى مصر فِي حُدُود سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَأخذ بهَا عَن إِمَام الْفَرَائِض فِي زَمَنه عبد الله الشنشوري الشَّافِعِي الْخَطِيب بِجَامِع الْأَزْهَر وَعَن الشَّمْس مُحَمَّد الرَّمْلِيّ والنور عَليّ الزيَادي وَأبي بكر بن إِسْمَاعِيل الشنواني وَيحيى ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى الهيتمي الأَصْل الأنبابي وَالشَّمْس مُحَمَّد التَّمْر تاشي صَاحب التَّنْوِير والشهاب أَحْمد بن زين الدّين الْخَطِيب الشربيني الشَّافِعِي وَالشَّيْخ عَامر ابْن عبد الله العزيزي الشَّافِعِي وَالشَّيْخ عَليّ بن عمر بن شيخ البير الْغَزِّي وَالشَّيْخ عَليّ ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد أبي العزاين أَحْمد الْعزي الشَّافِعِي الْأنْصَارِيّ الْأَزْهَرِي وَرجع إِلَى عزة وانكب على الإفادة وشاع ذكره واشتهر فَضله وَكَانَ عَالما جَلِيلًا متضلعا من الْعُلُوم وَإِن غلب عَلَيْهِ علم الْفَرَائِض وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى وَخمسين وَألف

стр. 592

الشَّيْخ حُسَيْن بن عبد الله الْمَعْرُوف بالمملوك نزيل دمشق أحد الْأَفْرَاد الْمجمع على جلالته وتبحره فِي الْعُلُوم وتمكنه فِي التصوف والمعارف الألهية وَالْأَدب وَكَانَ عَالما متجرا زاهدا ورعا عابدا منتسكا متجردا عَن المَال والأهل مُنْفَرد فِي زَوَايَا التَّوَاضُع والمسكنة حكى عَن نَفسه مرَارًا أَنه كَانَ فِي مبدأ أمره رَقِيقا لرجل من أَعْيَان التُّجَّار بِمَدِينَة حلب بمحلة البياضة يُقَال لَهُ قرابكر وَاسْتمرّ مَوْلَاهُ يربيه كولده الَّذِي من صلبه ويعلمه الكمالات ويقرئه بإجتهاد وَطَلَبه من عهد حداثته وَأَيَّام شبابه حَتَّى مَال طبعه إِلَى الْكَمَال وَقَرَأَ على مَشَايِخ حلب مِنْهُم الشَّيْخ عمر العرضي وتلميذه الشَّمْس الْعِمَادِيّ الْعُلُوم الْعَرَبيَّة والفنون الأدبية وَلم يزل حَتَّى حصل شَيْئا وافراً من الْعُلُوم وَأخذ طَرِيق الْقَوْم عَن الشَّيْخ مُحَمَّد الْعِمَادِيّ وَالِد الشَّمْس وَكَانَ لَهُ قدرَة على تأليف مقامات الصُّوفِيَّة بالألحان الطبية وينشد كَلَام الْقَوْم فِي حَلقَة الشَّيْخ مُحَمَّد الْعِمَادِيّ الْمَذْكُور ويقرئ الطّلبَة فِي مُقَدمَات الْعُلُوم وَكَانَ أعْتقهُ مَوْلَاهُ من رقّه وَأحسن إِلَيْهِ وَبَالغ فِي إكرامه وَسلم إِلَيْهِ جَمِيع مَاله وَصَارَ يُرْسِلهُ إِلَى الْبِلَاد بأسفار التِّجَارَة ويلاحظه السعد فِي أَسْفَاره إِلَى أَن حصل لسَيِّده شَيْئا كثيرا من المَال ثمَّ توفّي سَيّده بحلب فتجرد من قَيده فِي التِّجَارَة وَفَارق حلب ورحل إِلَى مصر وجاور فِي جَامع الْأَزْهَر وَقَرَأَ على مَشَايِخ ذَلِك الْعَصْر واجتهد فِي التَّحْصِيل إِلَى أَن صَار من أكَابِر الْعلمَاء وصناديد الْفُضَلَاء وَحج وجاور سِنِين وَقدم دمشق وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ سَافر إِلَى حلب وَأخذ الْعَهْد من طريف الخلوتية وتجرد وَترك صُحْبَة النَّاس ومعاشرتهم وَالْتزم السلوك فِي طَرِيق الْحَقِيقَة على دأب مَشَايِخ الصُّوفِيَّة وبرع فِي الزّهْد وَالصَّلَاح وَكَانَ لَهُ فِي الْأَدَب حَظّ وافر وَله التفوق فِي دقائق الألغاز والمعميات ونظم الشّعْر البديع وَجمع لنَفسِهِ فِي آخر أمره ديوانا من شعره وَأحسن فِي جمعه وَضَبطه وَكَذَلِكَ جَمِيع ديوانا من ألغازه ورتبه على حُرُوف المعجم ووسمه بتشحيذ الحجا بألغاز حُرُوف الهجاء وَشرح ألغاز الْأُسْتَاذ عمر بن الفارض فِي نمط بديع وأسلوب عَجِيب وَألف رسائل كَثِيرَة فِي فنون عديدة وَمن شعره قصيدته النونية فِي مدح النَّبِي ومطلعها (لَاحَ برق من بروق الأربقين ... أم سنا من نور أهل الرقمتين) (حارت الْأَلْبَاب فِي مَعْنَاهُمَا ... وَمعنى الْوَصْل لَا يدْرِي لاين) (بعد الطَّالِب وَالْمَطْلُوب هَل ... تَنْفَع الشكوى بعيد الهجرتين)

стр. 593

(لَيْسَ يُدْنِيه معِين إِذْ غَدا ... قاصي الدَّار معبن المقلتين) (فَدَعَاهُ بعد بعد رَحمَه ... هَاتِف الْغَيْب لمجلي الحضرتين) (ثمَّ نَادَى بِلِسَان طلق ... صَادِقا فِي قَوْله من غير مين) (يَا أَخا الْعَزْم بحزم حَازِم ... وبقلب يقظ مَا فِيهِ رين) (قدّم الْقلب وَأخر قالباً ... وألزم التَّقْوَى بِصدق الْقَدَمَيْنِ) (واطلب الشَّرْع ولازم عَرْشه ... مجمع الْبَحْرين جمع الجسّين) (وابق بالأخيار واجمع فَوْقهم ... وَكن ابْن الْوَقْت وأنف العدمين) (أَن ترم ترقى على هام العلى ... سامياً فَوق سَمَاء الفرقدين) (فأت من أَبْوَابهَا بوّابها ... وتوسل برَسُول الثقلَيْن) (أَحْمد الْمُخْتَار كننز الأتقيا ... بهجة الكونين نور المشرقين) (قامع الْكفَّار مَا حَيّ شركهم ... جَامع الْأَنْصَار حامي البلدتين) (فاتح الْأَمْصَار بِالسَّيْفِ سوى ... يمن الْيمن بهَا قرّة عين) (بِكِتَاب أسلمت واستسلمت ... عدن الْخَيْر وصنعا وعدين) (لم يكن لَوْلَا وجود الْمُصْطَفى ... جود غفران وجود الْعَالمين) (فجزاه الله أَعلَى مَا جزى ... من بني حَاتِم فياض الْيَدَيْنِ) (يَا رَسُول الله يَا سؤل الورى ... يَا جميل الْوَجْه أبهى القمرين) (يَا خطيب الْحق لِلْخلقِ وَيَا ... جَامع الصدْق أَمَام الْقبْلَتَيْنِ) (يرتجي الْحسنى حُسَيْن سَيِّدي ... يَا أَبَا الْإِحْسَان جدّ الحسنين) (كن لَهُ يَا ذَا الْمَعَالِي شافعاَ ... فِي عماد يَا عماد النشأتين) (وأعنه حَيْثُ يَأْتِيهِ القضا ... وأغثه من سُؤال الْملكَيْنِ) (وَتقبل سَعْيه يَا من بِهِ ... شرع الْحَج ومسعى المروتين) (فعلى ذاتك من رب السَّمَاء ... صَلَاة وَسلَامًا دائمين) (وعَلى الْآل مَعَ الْأَصْحَاب مَا ... ذكر الْبَدْر ببدر وحنين) وقرأت بِخَطِّهِ على هامشها مَا صورته هَذِه القصيدة عرضت على النَّبِي أَخْبرنِي بِهِ قطب وقته السَّيِّد صبغة الله القاطن بِالْمَدِينَةِ المنورة والعهدة عَلَيْهِ وقرأت بِخَط بعض النَّاس نقلا عَن صَاحب التَّرْجَمَة قَالَ ورد سُؤال إِلَى الْجَامِع الْأَزْهَر بِمصْر مُشْتَمل على بَيْتَيْنِ قيل أَنَّهُمَا للشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أبي الْحسن

стр. 594

الشاذلي وهما (عينان عينان لم ترقأ دموعهما ... لكل عين من الْعَينَيْنِ نونان) (نوناّن نوناّن لم يخططهما قلم ... لكل نون من النونين عنان) فَأجَاب من أجَاب عَنهُ بِمَا ناسب قدره لكنه ضل فِي غيهب ليل فكرة وَمَا صَادِق قدره وألهمني الله عَنهُ مَا يقرب من الْجَواب فَلَعَلَّهُ أَن يكون قَاضِيا بِهِ لَا قاصيا عَن الصَّوَاب فَقلت (جَوَابه سُورَة الرَّحْمَن ناطفة ... بِهِ أيا روح ذاتي عين إنساني) (فَكل عين لَهَا نون عَلَيْك بهَا ... لَكِنَّهَا بإعتبار الْبسط نونان) (هَذَا ونونان أَن تطلب بيانهما ... فأسماهما مِنْهُمَا لَا رسم قُرْآن) (فاسم على سمك وأسم على ملك ... يرى لكل من الأسمين عنان) (هاك الْبَيَان بتقرير اللِّسَان بِهِ ... تَحْرِير سر جناه كنز عرفان) وَمن شعره قَوْله مقتبسا (كم من جهول فِي الْغَنِيّ سارح ... وَمن عليم فِي عناء مُقيم) (قد حارت الْأَلْبَاب فِي سرذا ... وطاشت النَّاس فَقَالَ الْحَكِيم) (لَا يسئل الخلاق عَن فعله ... ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم) وَقَوله (يَا رَاضِيا بِعُلُومِهِ بَين الورى ... إياك فيا أَن يشينك قَادِح) (لتَكون مرضياً بهَا عِنْد الندى ... يأيها الْإِنْسَان أَنَّك كَادِح) وَقَوله (يَا من يروم إِلَى الْحَقَائِق مسلكاً ... إِن شِئْت فِيهَا أَن تصبر بَصيرًا) (فَعَلَيْك بالهادي النصير كِفَايَة ... وَكفى بِرَبِّك هادياً ونصيراً) وَقَوله (ألهي تناجيك السَّمَاء وَأَهْلهَا ... وترجوك أهل الأَرْض حَقًا وتقصد) (تَبَارَكت يَا رَحْمَن أَنْت رحيمنا ... وَمَالك يَوْم الدّين أياك نعْبد) وَبِالْجُمْلَةِ فَلهُ آثَار كَثِيرَة وَاسْتقر آخر أمره بِدِمَشْق وَسكن فِي الْمدرسَة الكلاسة فِي حجرَة صَغِيرَة تجاه الْجَامِع الْأمَوِي فِي جوَار مرقد السُّلْطَان صَلَاح الدّين بن أَيُّوب وَقَرَأَ عَلَيْهِ الجم الْغَفِير من أهل دمشق أَنْوَاع الْعُلُوم وَبِه انتفعوا فِي فنون الْأَدَب وَفِي حل الْكَلَام ابْن الفارض وَكَانَ عيشه بِدِمَشْق أمرا غَرِيبا لَا يعرف لَهُ أحد وَجه معاش وَكَانَ لَا يقبل من أحد شَيْئا مَا وَلَو كَانَ على سَبِيل الْهَدِيَّة وَكَانَ لَا يعاشر بِلَا الْفُقَرَاء وأرباب الطَّرِيق من الصُّوفِيَّة وَكَانَ ملازما لزيارة قُبُور الْأَنْبِيَاء والأولياء ومشايخ الْعلم مِمَّن لَهُم مَرَاتِب مَعْلُومَة وَكَانَ فِي أَكثر أوقاته يُوجد منتزها فِي بساتين

стр. 595

دمشق وغياضها وَيجْلس على جَانب الْأَنْهَار مَعَ طلبة الْعلم والفقراء المترددين إِلَيْهِ وَعمر كثيرا حَتَّى بلغ رُتْبَة الثَّمَانِينَ وحظى فِي زَمَانه بشرف صُحْبَة أَئِمَّة كبار جالسهم وعاشرهم وَأخذ الْعلم عَن أساطين عالية الْمَقَادِير وساح كثيرا فِي الْبِلَاد حَتَّى انْتَهَت سياحته إِلَى استقراره بِدِمَشْق وَبهَا توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف وَكَانَ مَرضه الاسهال وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَقَالَ أَبُو بكر الْعمريّ شيخ الْأَدَب الْمُقدم ذكره فِي تَارِيخ وَفَاته (مذ عَالم عصره أَمَام التَّوْحِيد ... قد حل برمسه غَرِيبا ووحيد) (قَالُوا أشهادة لَهُ قد حصلت ... أرخت بلَى حُسَيْن قد مَاتَ شَهِيد) الشَّيْخ حُسَيْن بن عبد النَّبِي بن عمر الْحلَبِي الأَصْل الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بِابْن الشعال أَمَام السُّلْطَان الْعَالم الْمَشْهُور وَكَانَ أَبوهُ عبد النَّبِي خَادِم نَبِي الله يحيى بن زَكَرِيَّا ﵉ وكبير الشعالين بِجَامِع مَعَ بني أُميَّة وَنَشَأ حُسَيْن هَذَا وَلزِمَ الِاشْتِغَال حَتَّى برع فِي الْفُنُون خُصُوصا القرآت وَكَانَت قِرَاءَته جَيِّدَة وصوته حسنا وَكَانَ رجل رومي ورد إِلَى دمشق فأحدث لَهُ بعض قُضَاة الشَّام إِمَامَة بِجَامِع بني أُميَّة فَكَانَ يقْرَأ الْفَاتِحَة وَيَقُول وَلَا الضَّالّين بِفَتْح اللَّام على صِيغَة التَّثْنِيَة وَكَانَ يَقُول أَيْضا غير المغضوب بِفَتْح الضَّاد وَسُكُون الْوَاو فَأنْكر النَّاس عَلَيْهِ ففرغ لحسين هَذَا عَن وَظِيفَة الْإِمَامَة الْمَذْكُورَة وباشر هامدة وَكَانَ إِذْ ذَاك مَعَ حَدَاثَة سنه متصنعاً فِي أسلوبه متعظماً جدا وَله دَعْوَى عريضة وَدخُول فِي أَبْوَاب لم يحم حولهَا وَمِنْهَا الشّعْر حَتَّى نظم قصيدته الْمَشْهُورَة فِي مدح السَّيِّد الشريف مُحَمَّد بن السَّيِّد برهَان الدّين قَاضِي الْقُضَاة بِالشَّام وَهِي من أعجب مَا سمع من القَوْل وتعرف فِي هَذِه الْبِلَاد بالقصيدة القرمحشدية وأثبتها هُنَا لما اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الْعجب العجاب وَهِي قَوْله مُحَمَّد قرم حشد مُحدث نجل حبر طهر حدث جزر مصدر الحكم مسبار سطاع سعدك سلع سماك سمحك شرح سكال سرك سهم سماط سحلك مدرار نجاف نجدك نجح نطاف نسلك نهر نجار نهجك نور نقاط نجلك مكثار نقاب نعتك نشر نُحَاس نجرك نقع نبال مدحك نظم نِفَاس مدحك مدكار شعاب شرك شقص شمال شهمك شرح شعار شجك شكد شقاب شهدك ممهار صدار صمدك صوف صنار صبرك صدع صِرَاط صدقك صنم صِحَاب صفقك مِقْدَار مُطَاع مرضك مَحْض مَخَاض معقك مخض ملاك ملكك ملك ملاع محرك مضمار

стр. 596

دنار دينك دنس دلاض دبرك دفح دعاف دبسك دبل دثار دبرك مِسْمَار مهار معرك نتك ملاط مرحك ملح معاس معدك مهد ملاح مصرك معشار دوَام دولك درس ديار دبرك دعض دوَام درسك درد دلاس دهنك معطار جَراد جزلك جزر جماع جلك جفل جيار حرسك حَبل جراب حلبك مهدار وَهَذَا آخرهَا وَالْحَمْد لله على التَّمام وَقد شرحها الأديب أَبُو بكر الْعمريّ الْمُقدم ذكره شرحا مُسْتَوْفيا لخرافات ابتدعها وَقَالَ فِي ديباجة الشَّرْح الْحَمد لله الَّذِي خلق الْعقل وأودعه من أحب من هَذَا الْحَيَوَان النَّاطِق وَجعله زِينَة للنوع الإنساني وميز بِهِ الصاهل والناهق إِلَى آخر مَا قَالَه ثمَّ أَخذ فِي شرح الأبيات وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ شرح غَرِيب الْوَضع وَاسْتمرّ صَاحب التَّرْجَمَة مُقيما بِدِمَشْق إِلَى أَن وَقعت لَهُ مَعَ جملَة من فضلاء دمشق قصَّة جِهَات الْحسن البوريني لما مَاتَ كَمَا أسلفته فِي تَرْجَمته فَرَحل بعْدهَا إِلَى الرّوم وتوطنها وَأَرَادَ أَن يسْلك طَرِيق الموَالِي فَلم يَتَيَسَّر لَهُ فَصَارَ إِمَامًا ثَانِيًا فِي جَامع السُّلْطَان أَحْمد ثمَّ صَار خَطِيبًا بالسليمانية وَاسْتمرّ مُدَّة مديدة إِلَى أَن توفّي الْمولى يُوسُف بن أبي الْفَتْح الدِّمَشْقِي إِمَام الحضرة السُّلْطَانِيَّة فَصَارَ مَكَانَهُ إِمَامًا وَكَانَ ذَلِك فِي عهد السُّلْطَان إِبْرَاهِيم وسما حَظه ونما شَأْنه إِلَى أَن صَارَت لَهُ رُتْبَة قَضَاء الْعَسْكَر بروم إيلي وَكَانَ أَرْبَاب الدولة يجلونه ويعظمونه واشتغل عَلَيْهِ خلق كثير خُصُوصا من أهل الْحرم السلطاني وَكَانَ مغرما بالكيماء وَأنْفق عَلَيْهَا أَمْوَالًا جمة وَكَانَت وَفَاته فِي ثَالِث جُمَادَى الأولى سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف ﵀ الْحُسَيْن بن عَليّ الْوَادي اليمني من شعراء الْيمن الفائقين وَكَانَ أديباً شَاعِرًا لطيف الطَّبْع كثير الْإِحْسَان فِي شعره رَأَيْت خَبره فِي مَجْمُوع بِخَط الْأَخ الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله وَقد أثنى على فضائله وَذكر لَهُ من شعره هَذِه القصيدة ومطلعها (نسيم الصِّبَا فِي سوحنا يتبختر ... لَك الله مَا هَذَا إِلَّا ريح المعنبر) (أَأَنْت رَسُول يَا نسيم الصباء عَن ... حُلُول الْحمى أم أَنْت عَنْهُم مُبشر) (فهمت الَّذِي أودعته غير أنني ... أحب حَدِيثا مِنْهُم يتكرّر) (لما ألفته النَّفس مِنْهُم وعوّدت ... وَإِلَّا فَعلم الْغَيْب لَا يتقدّر) (فكرّر على سَمْعِي أَحَادِيث ذكرهم ... عَسى تنطفي نَار بأحشاي تسعر) (هم استصحبوك السرّ بيني وَبينهمْ ... لِأَنَّك أبدى بالجميل وأبدر) (ومثلي هداك الله يَا ساري الصِّبَا ... يَسُرك وَالْمَعْرُوف أجدى وأجدر)

стр. 597

(وأبلج أمّا الخدّ مِنْهُ فأحمر ... وأمّا قوام الْقد مِنْهُ فأسمر) (وأمّا ثنايا ثغره حِين تجتلى ... فكأس جمانٍ فِيهِ خمرٌ وكوثرُ) (تغازل عَن عَيْني مهاة وشادن ... يلاحظنا مِنْهَا سِهَام وأبتر) (هِيَ الْبيض إِلَّا أَنَّهَا حندسية ... هِيَ النبل إِلَّا أَنَّهَا تتكسر) (هِيَ السحر إِلَّا أنّ فِيهَا خصائصاً ... بهَا عَالم السحر الصناعي يسحر) (وَفِي خدّه خَال يَقُولُونَ إِنَّه ... بِلَال لَهُ فِي جَامع الْحسن مِنْبَر) (بلَى ذَلِك الْخَال الصَّرِيح إِشَارَة ... عديمة مثل لَا بِلَال وَعَنْبَر) (شَكَوْت لَهُ من فَتْرَة فِي جفونه ... لشدّة مَا ألْقى بهَا حِين تفتر) (وَمَا أَنا فِيهِ من هوى وصبابة ... تبيت بهَا الأحشاء تطوى وتنشر) (وأفصح عَن لفظ توهمت أَنه ... جمان من الثغر الجمانيّ يبهر) (وَقَالَ نعم هَذَا لعَيْنِي مَذْهَب ... وفتنة نفس الْمَرْء شَيْء مُقَدّر) (بروحي جوّار اللحاظ وقدّه ... يُحَقّق فِينَا عدله حِين يخْطر) (أَلا إِن عدل الْقد أكبر شَاهد ... عَلَيْك بجور الحكم وَالله أكبر) (ورقة هَذَا الْجِسْم مِنْك بأنني ... رَقِيق هوى والمثل بِالْمثلِ ينظر) (فَللَّه أزمان تواصل يَوْمهَا ... بليلتها والعمر كالعيش أَخْضَر) (وليل عهدناه وَإِن كَانَ أسوداً ... كشعر الصِّبَا يشكو سواداً فيشكر) (وأحباب قلب لَيْسَ إلاّهم المنى ... صفاء ودادي فيهم لَا يكدر) (دَلَائِل عشقي فِي هواهم صَرِيحَة ... ومعرفتي فِي حبهم لَيْسَ تنكر) (ربحت هواهم فِي زمَان شبيبتي ... وشبت فَلَنْ أرْضى بِأَنِّي أخسر) (فَلَا تنكروا أَن أرسل الجفن دمعه ... وَقد جَاءَ فِي رَأْسِي من الشيب مُنْذر) (وَيَعْقُوب أحزاني ويوسف فتنتي ... وَصَالح أعمالي عساني أوجر) (خليليّ عهد الله إِن جزتما الْحمى ... وعاينتما قلبِي ببيداه يجأر) (فدلا عَلَيْهِ جيرة الْحَيّ واذكرا ... لَهُم من حَدِيث الصب مَا يَتَيَسَّر) وَمن شعره قَوْله وهما آخر شعر قَالَه (وَقد مَاتَ شيطاني وَلَكِن تَائِبًا ... عَن الغِي حَتَّى الشّعْر فَالله يرحمه) (وخلفت دين الصادرين إلَيْكُمَا ... يكفر ذَنبا للقريض ويختمه) وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سِتّ وَسبعين وَألف بالجبى بِفَتْح الْجِيم وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ يَاء

стр. 598

نسب اسْم لحصن عَظِيم عَال من بِلَاد ريحة وَبَينه وَبَين السَّيِّد مُحَمَّد بن المطهر الجرموزي مراسلات لَطِيفَة ستأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي تَرْجَمته الْأَمِير حسن بن فياض الحياري أَمِير الْعَرَب كَانَ من أمره أَنه لما مَاتَ أَبوهُ ظن أَنه ولي عَهده فِي الْإِمَارَة فَوضع يَدَيْهِ على خَزَائِن وَالِده واحتفت بِهِ الْعَرَب وَإِذا بِابْن عَمه الْكَبِير الْأَمِير مُدْلِج بن الْأَمِير ظَاهر قدم بِجَمَاعَة من الْأُمَرَاء وحولوا حُسَيْن عَن الْإِمَارَة وَعَن خَزَائِن وَالِده وحاولوا قَتله فهرب فانعقدت الْإِمَارَة لمدلج لكَونه أكبر مِنْهُ وأوجه وَأقرب إِلَى سلسلة الْإِمَارَة ولكونه كَانَ شريك وَالِده فِي قتل الْأَمِير شَدِيدا ابْن عَمهمَا الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ أَمِيرا وَكَانَ الْأَمِير فياض عاهده على أَنه إِذا مَاتَ تكون الْإِمَارَة من بعده لَهُ ثمَّ نزل حُسَيْن على بعض الكبراء واستظل بظله حَتَّى أصلح بَينه وَبَين مُدْلِج وَجعل لَهُ جانبا من الْولَايَة قَلِيلا ثمَّ وَقع فِي بَغْدَاد ونواحيها ثلج عَظِيم وَكَانَ لم يعْهَد وُقُوع الثَّلج قبل ذَلِك بِبَغْدَاد وحسين هُنَاكَ ومدلج بعيد عَنهُ فأمن مُدْلِج بِسَبَب ذَلِك فَركب حُسَيْن فِي الثَّلج وَذهب بعد أَيَّام إِلَى منَازِل مُدْلِج وَنزل خُفْيَة حَتَّى يدْرك اللَّيْل وَيدخل إِلَى نِسَائِهِ وَكَانَت زَوْجَة مُدْلِج بنت شَدِيد تساهر النِّسَاء وَكَانَ مُدْلِج يدْخل ثملا من الْخمر فَلبس حُسَيْن لِبَاس النِّسَاء وَدخل بَينهُنَّ وَأطَال الْجُلُوس حَتَّى يجد فرْصَة فِي قتل ابْن عَمه وَكَانَت بنت شَدِيد زَوْجَة لوالد حُسَيْن فبالفراسة عَرفته وتحيرت بَين أَن تسكت فَيقْتل زَوجهَا وَبَين أَن تَتَكَلَّم فَيقْتل ابْن زَوجهَا وَإِن قَالَت لَهُ اهرب تخَاف أَن يسمع زَوجهَا فَقَالَت فِي مُؤخر كَلَامهَا بمناسبة لَا يَنْبَغِي المخاطرة فِي الْأُمُور وَيَنْبَغِي الاحتفاظ على النَّفس من الْقَتْل فَلَمَّا علم حُسَيْن أَنَّهَا اطَّلَعت عَلَيْهِ خرج من بَين النِّسَاء هَارِبا ثمَّ وَقع فِي خاطرها أَنه رُبمَا يقتل زَوجهَا خَارج دارها فَصَبَرت سَاعَة ثمَّ بعثت لزَوجهَا إِنَّنِي رَأَيْت بَين النِّسَاء من يشبه الْحُسَيْن وَمَا تحققت هَذَا الْأَمر فاحتفظ على نَفسك فَعِنْدَ ذَلِك بعث مُدْلِج جماعته فوجدوا الْحُسَيْن ركب فرسه وَانْهَزَمَ فَاتبعهُ بالعساكر فَمَا أدركوه ثمَّ بعد ذَلِك كثر اتِّبَاع حُسَيْن من الْعَرَب وواعده طَائِفَة من الْعَرَب الَّذين عَن مُدْلِج أَن يتابعوه ويشايعوه فَأَشَارَ عَلَيْهِ قوم بِأَن يَأْخُذ من مُرَاد باشا حَاكم حلب عرضا فِي الْإِمَارَة ليتقوى من جَانب السلطنة بعد مَا قَالَ لَهُ بعض الْعَرَب الأروام لَا وَفَاء لَهُم بالعهود فَلم يسمع وَجَاء إِلَى حلب وَقدم الْهَدَايَا إِلَى الباشا ووعده وَكتب الْوَزير إِلَى مُدْلِج يطْلب مِنْهُ خَمْسَة وَعشْرين ألفا ليقْتل لَهُ الْحُسَيْن فوعده فغدر مُرَاد باشا بِحُسَيْن

стр. 599

وَوَضعه فِي سجن القلعة حَتَّى جَاءَ المَال فخنقه ثمَّ بعث عساكره لنهب أَمْوَاله وجماعته فقاتلوهم فَانْهَزَمَ اتِّبَاع مُرَاد باشا وَأخذ عرب حُسَيْن جَمِيع مَا كَانَ بيد جمَاعَة مُرَاد باشا حَتَّى نزعوا ثِيَابهمْ وأدخلوهم إِلَى بِلَاد أرِيحَا عُرَاة حُفَاة كَأَنَّهُمْ وردوا الْحساب ثمَّ إِن الله سلط الْوَزير الْحَافِظ حَتَّى قتل مُرَاد باشا حُسَيْن بن قَاسم بن أَحْمد بن مُحَمَّد الملقب حسام الدّين المغربي الجويزي الْمَالِكِي العتيقي الدرعي يُقَال الدروي الأديب الشَّاعِر المفلق ذكره الشهَاب الخفاجي فِي كِتَابيه فِي قسم المغاربة والنجم الْغَزِّي فِي ذيله وَقَالَ قدم دمشق فِي سنة خمس بعد الْألف وَكَانَ قدومه إِلَيْهَا من بِلَاد الرّوم صُحْبَة منلا مُحَمَّد أَمِين العجمي السابقي دفتري دمشق بعد أَن أَقَامَ بهَا مِقْدَار نصف سنة وَكَانَ مُحَمَّد أَمِين يعظمه ويصفه بالفضيلة وَكَانَ فِي نفس الْأَمر عَلامَة يعرف الْعَرَبيَّة بأنواعها ويحيط كثيرا وَيذكر أَخْبَار عُلَمَاء الغرب من أقرانه فَمن قبلهم ويستحضر وقائعهم وَوجدت بِخَط القَاضِي عبد الْكَرِيم الطَّبَرَانِيّ فِي بعض مجاميعه أَنه اجْتمع بِهِ وَسَأَلَهُ عَن مولده ونسبته ومشايخه فَذكر أَن مولده فِي أَوَائِل صفر سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة بوادي درا ونسبته إِلَى الْعَتِيق الإِمَام أبي بكر الصّديق ﵁ وَأما مشايخه فَمنهمْ الشَّيْخ الإِمَام الْمَعْرُوف بالنجوري وَالْإِمَام الْحميدِي والزفوري والقدومي قَالَ وَأما شَيْخي الَّذِي عَلَيْهِ قَرَأت عدَّة فنون وَهِي الْفَرَائِض والحساب وَالْعرُوض وَالْفِقْه فَهُوَ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة وحيد تِلْكَ الديار الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس الْمَشْهُور بِابْن القَاضِي طالما أرضعني أفاويق در الْآدَاب وَألقى إِلَيّ علوما أجلهَا الْفَرَائِض والحساب قَالَ وَسَأَلته عَن سَبَب تغربه فَقَالَ هُوَ أَمر قدره الله وَكَانَ فِي نَفسِي مُشَاهدَة أفاضل الديار الدمشقية والتعبد بالجامع الْأمَوِي حَتَّى بَلغنِي الله الأمل وأملى كثيرا من شعر أهل الْمغرب وَله من أَبْيَات كتب بهَا إِلَى مُحَمَّد بن عَليّ الفشتالي كَاتب الْإِنْشَاء الشريف بالحضرة المراكشية معاتبا (عَلَيْك أَخَاف يَا مولى الْكِتَابَة ... ودادا بالصدود سددت بَابه) (وَمَا ذَنْب الْمغرب مَعَك حَتَّى ... تضاع ذمامه بجفا أرابه) قَالَ فَكتب إِلَيّ جَوَابا وَهُوَ قَوْله (أعيدك من ظنون واسترابه ... بنيت قبابها فَوق الضبابه) (بروق تَحت راعدة بصيف ... تثير سحابها ريح الْكِتَابَة)

стр. 600

(تهدد من أَخِيك بري عيب ... يفر إِلَى السرُور من الكآبة) (وَعند الله مجمع كل حق ... وَمَا كل الدُّعَاء بِذِي استجابة) وَذكره الفيومي فِي فهتزهه وَأنْشد لَهُ قَوْله (ولي صَاحب قد هذبته يَد الصِّبَا ... مودته فِي غية وعيان) (وَلَكِن هَوَاهُ مَعَ هواي تخالفا ... تخَالف رُؤْيا السجْن للفتيان) (فيهوى بني نجد ولين خصورهم ... وأهوى بَنَات الْغَوْر طول زماني) (تذكرني حَالي وإياه قَوْله ... رفيقك قيسي وَأَنت يماني) قَالَ النَّجْم الْغَزِّي ثمَّ خرج من دمشق حَاجا وقطن بِمَدِينَة العلافي طَرِيق الْمَدِينَة من الشَّام وأحبه أَهلهَا وَأَقْبلُوا عَلَيْهِ وجعلوه لَهُم إِمَامًا وخطيبا ومعلما لأطفالهم ومفتيا لَهُم على مَذْهَب مَالك لأَنهم مالكيون ثمَّ إِنَّه خرجت عِنْدهم عين مَاء قريبَة من الْبَلدة فَخرج إِلَيْهَا حُسَيْن فَوَجَدَهَا مُمكنَة الْوُصُول إِلَى مَدِينَة الْعلَا فساعده أَهلهَا حَتَّى أجروها إِلَى أَرض هُنَاكَ وخصوه بهَا وَرَأَوا أَن ذَلِك من بركته قَالَ وَلما حججْت فِي سنة سبع بعد الْألف زارني وحَدثني بِحَدِيث الْعين وَسَأَلته عَنْهَا فَأَخْبرنِي أَنَّهَا تبلغ مجْرى من المَاء بِحَيْثُ تستقل وتغني وَأَنه أَحْيَا بهَا أَرَاضِي كَثِيرَة قَالَ وحَدثني فِي تَاسِع عشر ذِي الْقعدَة أَو عشرِيَّة بالمنزلة الْمَذْكُورَة قَالَ حَدثنِي الشَّيْخ مُحَمَّد بن العجيمي النجاري قَاضِي جبلة وزبيد بِالْيمن قَالَ سَأَلت ولي الله مُحَمَّد بن عجيل اليمني فَقلت لَهُ قد تزايد ظلم الأروام وَتجَاوز فَقَالَ قلت للبرهمتوشي يَعْنِي الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد البرهمتوشي الْحَنَفِيّ عَلامَة مصر مِثْلَمَا قلت لي فَقَالَ أنْكرت ذَلِك فَذَهَبت إِلَى الدفتر دَار فَكتبت سَائِر الْمَظَالِم وسافرت إِلَى السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان فَبَيْنَمَا أَنا فِي حلب إِذْ سَمِعت هاتفا جَالِسا فِي الْهَوَاء على كرْسِي فَقَالَ لي (إِذا نَحن شِئْنَا لَا يدبر ملكنا ... سوانا وَلم نحتج لشخص يدبر) (فَقل للَّذي قد رام مَا لَا نريده ... وحاول أَمر أدونه يتَعَذَّر) (لعمرك مَا التَّدْبِير إِلَّا لوَاحِد ... وَلَو شَاءَ لم يظْهر بِمَكَّة مُنكر) قَالَ فَرَجَعت وسلمت الْأَمر إِلَى الله تَعَالَى قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ (أرى غَارة الأقدار وللمرء لاحقه ... وَلَو فر منهارا كبا متن شاهقه) (وَمَا خطّ فِي أم الْكتاب تسوقه ... إِلَيْهِ الْمَقَادِير الَّتِي هِيَ سابقه) (فَلَا ذاق من صاب التغرب من بَكَى ... على مغربي ضَاعَ بَين مشارقه)
следующие страницы →