Полный текст (1 978 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
دنار دينك دنس دلاض دبرك دفح دعاف دبسك دبل دثار دبرك مِسْمَار مهار معرك نتك ملاط مرحك ملح معاس معدك مهد ملاح مصرك معشار دوَام دولك درس ديار دبرك دعض دوَام درسك درد دلاس دهنك معطار جَراد جزلك جزر جماع جلك جفل جيار حرسك حَبل جراب حلبك مهدار وَهَذَا آخرهَا وَالْحَمْد لله على التَّمام وَقد شرحها الأديب أَبُو بكر الْعمريّ الْمُقدم ذكره شرحا مُسْتَوْفيا لخرافات ابتدعها وَقَالَ فِي ديباجة الشَّرْح الْحَمد لله الَّذِي خلق الْعقل وأودعه من أحب من هَذَا الْحَيَوَان النَّاطِق وَجعله زِينَة للنوع الإنساني وميز بِهِ الصاهل والناهق إِلَى آخر مَا قَالَه ثمَّ أَخذ فِي شرح الأبيات وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ شرح غَرِيب الْوَضع وَاسْتمرّ صَاحب التَّرْجَمَة مُقيما بِدِمَشْق إِلَى أَن وَقعت لَهُ مَعَ جملَة من فضلاء دمشق قصَّة جِهَات الْحسن البوريني لما مَاتَ كَمَا أسلفته فِي تَرْجَمته فَرَحل بعْدهَا إِلَى الرّوم وتوطنها وَأَرَادَ أَن يسْلك طَرِيق الموَالِي فَلم يَتَيَسَّر لَهُ فَصَارَ إِمَامًا ثَانِيًا فِي جَامع السُّلْطَان أَحْمد ثمَّ صَار خَطِيبًا بالسليمانية وَاسْتمرّ مُدَّة مديدة إِلَى أَن توفّي الْمولى يُوسُف بن أبي الْفَتْح الدِّمَشْقِي إِمَام الحضرة السُّلْطَانِيَّة فَصَارَ مَكَانَهُ إِمَامًا وَكَانَ ذَلِك فِي عهد السُّلْطَان إِبْرَاهِيم وسما حَظه ونما شَأْنه إِلَى أَن صَارَت لَهُ رُتْبَة قَضَاء الْعَسْكَر بروم إيلي وَكَانَ أَرْبَاب الدولة يجلونه ويعظمونه واشتغل عَلَيْهِ خلق كثير خُصُوصا من أهل الْحرم السلطاني وَكَانَ مغرما بالكيماء وَأنْفق عَلَيْهَا أَمْوَالًا جمة وَكَانَت وَفَاته فِي ثَالِث جُمَادَى الأولى سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف ﵀
الْحُسَيْن بن عَليّ الْوَادي اليمني من شعراء الْيمن الفائقين وَكَانَ أديباً شَاعِرًا لطيف الطَّبْع كثير الْإِحْسَان فِي شعره رَأَيْت خَبره فِي مَجْمُوع بِخَط الْأَخ الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله وَقد أثنى على فضائله وَذكر لَهُ من شعره هَذِه القصيدة ومطلعها
(نسيم الصِّبَا فِي سوحنا يتبختر ... لَك الله مَا هَذَا إِلَّا ريح المعنبر)
(أَأَنْت رَسُول يَا نسيم الصباء عَن ... حُلُول الْحمى أم أَنْت عَنْهُم مُبشر)
(فهمت الَّذِي أودعته غير أنني ... أحب حَدِيثا مِنْهُم يتكرّر)
(لما ألفته النَّفس مِنْهُم وعوّدت ... وَإِلَّا فَعلم الْغَيْب لَا يتقدّر)
(فكرّر على سَمْعِي أَحَادِيث ذكرهم ... عَسى تنطفي نَار بأحشاي تسعر)
(هم استصحبوك السرّ بيني وَبينهمْ ... لِأَنَّك أبدى بالجميل وأبدر)
(ومثلي هداك الله يَا ساري الصِّبَا ... يَسُرك وَالْمَعْرُوف أجدى وأجدر)
стр. 597
(وأبلج أمّا الخدّ مِنْهُ فأحمر ... وأمّا قوام الْقد مِنْهُ فأسمر)
(وأمّا ثنايا ثغره حِين تجتلى ... فكأس جمانٍ فِيهِ خمرٌ وكوثرُ)
(تغازل عَن عَيْني مهاة وشادن ... يلاحظنا مِنْهَا سِهَام وأبتر)
(هِيَ الْبيض إِلَّا أَنَّهَا حندسية ... هِيَ النبل إِلَّا أَنَّهَا تتكسر)
(هِيَ السحر إِلَّا أنّ فِيهَا خصائصاً ... بهَا عَالم السحر الصناعي يسحر)
(وَفِي خدّه خَال يَقُولُونَ إِنَّه ... بِلَال لَهُ فِي جَامع الْحسن مِنْبَر)
(بلَى ذَلِك الْخَال الصَّرِيح إِشَارَة ... عديمة مثل لَا بِلَال وَعَنْبَر)
(شَكَوْت لَهُ من فَتْرَة فِي جفونه ... لشدّة مَا ألْقى بهَا حِين تفتر)
(وَمَا أَنا فِيهِ من هوى وصبابة ... تبيت بهَا الأحشاء تطوى وتنشر)
(وأفصح عَن لفظ توهمت أَنه ... جمان من الثغر الجمانيّ يبهر)
(وَقَالَ نعم هَذَا لعَيْنِي مَذْهَب ... وفتنة نفس الْمَرْء شَيْء مُقَدّر)
(بروحي جوّار اللحاظ وقدّه ... يُحَقّق فِينَا عدله حِين يخْطر)
(أَلا إِن عدل الْقد أكبر شَاهد ... عَلَيْك بجور الحكم وَالله أكبر)
(ورقة هَذَا الْجِسْم مِنْك بأنني ... رَقِيق هوى والمثل بِالْمثلِ ينظر)
(فَللَّه أزمان تواصل يَوْمهَا ... بليلتها والعمر كالعيش أَخْضَر)
(وليل عهدناه وَإِن كَانَ أسوداً ... كشعر الصِّبَا يشكو سواداً فيشكر)
(وأحباب قلب لَيْسَ إلاّهم المنى ... صفاء ودادي فيهم لَا يكدر)
(دَلَائِل عشقي فِي هواهم صَرِيحَة ... ومعرفتي فِي حبهم لَيْسَ تنكر)
(ربحت هواهم فِي زمَان شبيبتي ... وشبت فَلَنْ أرْضى بِأَنِّي أخسر)
(فَلَا تنكروا أَن أرسل الجفن دمعه ... وَقد جَاءَ فِي رَأْسِي من الشيب مُنْذر)
(وَيَعْقُوب أحزاني ويوسف فتنتي ... وَصَالح أعمالي عساني أوجر)
(خليليّ عهد الله إِن جزتما الْحمى ... وعاينتما قلبِي ببيداه يجأر)
(فدلا عَلَيْهِ جيرة الْحَيّ واذكرا ... لَهُم من حَدِيث الصب مَا يَتَيَسَّر)
وَمن شعره قَوْله وهما آخر شعر قَالَه
(وَقد مَاتَ شيطاني وَلَكِن تَائِبًا ... عَن الغِي حَتَّى الشّعْر فَالله يرحمه)
(وخلفت دين الصادرين إلَيْكُمَا ... يكفر ذَنبا للقريض ويختمه)
وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سِتّ وَسبعين وَألف بالجبى بِفَتْح الْجِيم وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ يَاء
стр. 598
نسب اسْم لحصن عَظِيم عَال من بِلَاد ريحة وَبَينه وَبَين السَّيِّد مُحَمَّد بن المطهر الجرموزي مراسلات لَطِيفَة ستأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي تَرْجَمته
الْأَمِير حسن بن فياض الحياري أَمِير الْعَرَب كَانَ من أمره أَنه لما مَاتَ أَبوهُ ظن أَنه ولي عَهده فِي الْإِمَارَة فَوضع يَدَيْهِ على خَزَائِن وَالِده واحتفت بِهِ الْعَرَب وَإِذا بِابْن عَمه الْكَبِير الْأَمِير مُدْلِج بن الْأَمِير ظَاهر قدم بِجَمَاعَة من الْأُمَرَاء وحولوا حُسَيْن عَن الْإِمَارَة وَعَن خَزَائِن وَالِده وحاولوا قَتله فهرب فانعقدت الْإِمَارَة لمدلج لكَونه أكبر مِنْهُ وأوجه وَأقرب إِلَى سلسلة الْإِمَارَة ولكونه كَانَ شريك وَالِده فِي قتل الْأَمِير شَدِيدا ابْن عَمهمَا الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ أَمِيرا وَكَانَ الْأَمِير فياض عاهده على أَنه إِذا مَاتَ تكون الْإِمَارَة من بعده لَهُ ثمَّ نزل حُسَيْن على بعض الكبراء واستظل بظله حَتَّى أصلح بَينه وَبَين مُدْلِج وَجعل لَهُ جانبا من الْولَايَة قَلِيلا ثمَّ وَقع فِي بَغْدَاد ونواحيها ثلج عَظِيم وَكَانَ لم يعْهَد وُقُوع الثَّلج قبل ذَلِك بِبَغْدَاد وحسين هُنَاكَ ومدلج بعيد عَنهُ فأمن مُدْلِج بِسَبَب ذَلِك فَركب حُسَيْن فِي الثَّلج وَذهب بعد أَيَّام إِلَى منَازِل مُدْلِج وَنزل خُفْيَة حَتَّى يدْرك اللَّيْل وَيدخل إِلَى نِسَائِهِ وَكَانَت زَوْجَة مُدْلِج بنت شَدِيد تساهر النِّسَاء وَكَانَ مُدْلِج يدْخل ثملا من الْخمر فَلبس حُسَيْن لِبَاس النِّسَاء وَدخل بَينهُنَّ وَأطَال الْجُلُوس حَتَّى يجد فرْصَة فِي قتل ابْن عَمه وَكَانَت بنت شَدِيد زَوْجَة لوالد حُسَيْن فبالفراسة عَرفته وتحيرت بَين أَن تسكت فَيقْتل زَوجهَا وَبَين أَن تَتَكَلَّم فَيقْتل ابْن زَوجهَا وَإِن قَالَت لَهُ اهرب تخَاف أَن يسمع زَوجهَا فَقَالَت فِي مُؤخر كَلَامهَا بمناسبة لَا يَنْبَغِي المخاطرة فِي الْأُمُور وَيَنْبَغِي الاحتفاظ على النَّفس من الْقَتْل فَلَمَّا علم حُسَيْن أَنَّهَا اطَّلَعت عَلَيْهِ خرج من بَين النِّسَاء هَارِبا ثمَّ وَقع فِي خاطرها أَنه رُبمَا يقتل زَوجهَا خَارج دارها فَصَبَرت سَاعَة ثمَّ بعثت لزَوجهَا إِنَّنِي رَأَيْت بَين النِّسَاء من يشبه الْحُسَيْن وَمَا تحققت هَذَا الْأَمر فاحتفظ على نَفسك فَعِنْدَ ذَلِك بعث مُدْلِج جماعته فوجدوا الْحُسَيْن ركب فرسه وَانْهَزَمَ فَاتبعهُ بالعساكر فَمَا أدركوه ثمَّ بعد ذَلِك كثر اتِّبَاع حُسَيْن من الْعَرَب وواعده طَائِفَة من الْعَرَب الَّذين عَن مُدْلِج أَن يتابعوه ويشايعوه فَأَشَارَ عَلَيْهِ قوم بِأَن يَأْخُذ من مُرَاد باشا حَاكم حلب عرضا فِي الْإِمَارَة ليتقوى من جَانب السلطنة بعد مَا قَالَ لَهُ بعض الْعَرَب الأروام لَا وَفَاء لَهُم بالعهود فَلم يسمع وَجَاء إِلَى حلب وَقدم الْهَدَايَا إِلَى الباشا ووعده وَكتب الْوَزير إِلَى مُدْلِج يطْلب مِنْهُ خَمْسَة وَعشْرين ألفا ليقْتل لَهُ الْحُسَيْن فوعده فغدر مُرَاد باشا بِحُسَيْن
стр. 599
وَوَضعه فِي سجن القلعة حَتَّى جَاءَ المَال فخنقه ثمَّ بعث عساكره لنهب أَمْوَاله وجماعته فقاتلوهم فَانْهَزَمَ اتِّبَاع مُرَاد باشا وَأخذ عرب حُسَيْن جَمِيع مَا كَانَ بيد جمَاعَة مُرَاد باشا حَتَّى نزعوا ثِيَابهمْ وأدخلوهم إِلَى بِلَاد أرِيحَا عُرَاة حُفَاة كَأَنَّهُمْ وردوا الْحساب ثمَّ إِن الله سلط الْوَزير الْحَافِظ حَتَّى قتل مُرَاد باشا
حُسَيْن بن قَاسم بن أَحْمد بن مُحَمَّد الملقب حسام الدّين المغربي الجويزي الْمَالِكِي العتيقي الدرعي يُقَال الدروي الأديب الشَّاعِر المفلق ذكره الشهَاب الخفاجي فِي كِتَابيه فِي قسم المغاربة والنجم الْغَزِّي فِي ذيله وَقَالَ قدم دمشق فِي سنة خمس بعد الْألف وَكَانَ قدومه إِلَيْهَا من بِلَاد الرّوم صُحْبَة منلا مُحَمَّد أَمِين العجمي السابقي دفتري دمشق بعد أَن أَقَامَ بهَا مِقْدَار نصف سنة وَكَانَ مُحَمَّد أَمِين يعظمه ويصفه بالفضيلة وَكَانَ فِي نفس الْأَمر عَلامَة يعرف الْعَرَبيَّة بأنواعها ويحيط كثيرا وَيذكر أَخْبَار عُلَمَاء الغرب من أقرانه فَمن قبلهم ويستحضر وقائعهم وَوجدت بِخَط القَاضِي عبد الْكَرِيم الطَّبَرَانِيّ فِي بعض مجاميعه أَنه اجْتمع بِهِ وَسَأَلَهُ عَن مولده ونسبته ومشايخه فَذكر أَن مولده فِي أَوَائِل صفر سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة بوادي درا ونسبته إِلَى الْعَتِيق الإِمَام أبي بكر الصّديق ﵁ وَأما مشايخه فَمنهمْ الشَّيْخ الإِمَام الْمَعْرُوف بالنجوري وَالْإِمَام الْحميدِي والزفوري والقدومي قَالَ وَأما شَيْخي الَّذِي عَلَيْهِ قَرَأت عدَّة فنون وَهِي الْفَرَائِض والحساب وَالْعرُوض وَالْفِقْه فَهُوَ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة وحيد تِلْكَ الديار الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس الْمَشْهُور بِابْن القَاضِي طالما أرضعني أفاويق در الْآدَاب وَألقى إِلَيّ علوما أجلهَا الْفَرَائِض والحساب قَالَ وَسَأَلته عَن سَبَب تغربه فَقَالَ هُوَ أَمر قدره الله وَكَانَ فِي نَفسِي مُشَاهدَة أفاضل الديار الدمشقية والتعبد بالجامع الْأمَوِي حَتَّى بَلغنِي الله الأمل وأملى كثيرا من شعر أهل الْمغرب وَله من أَبْيَات كتب بهَا إِلَى مُحَمَّد بن عَليّ الفشتالي كَاتب الْإِنْشَاء الشريف بالحضرة المراكشية معاتبا
(عَلَيْك أَخَاف يَا مولى الْكِتَابَة ... ودادا بالصدود سددت بَابه)
(وَمَا ذَنْب الْمغرب مَعَك حَتَّى ... تضاع ذمامه بجفا أرابه)
قَالَ فَكتب إِلَيّ جَوَابا وَهُوَ قَوْله
(أعيدك من ظنون واسترابه ... بنيت قبابها فَوق الضبابه)
(بروق تَحت راعدة بصيف ... تثير سحابها ريح الْكِتَابَة)
стр. 600
(تهدد من أَخِيك بري عيب ... يفر إِلَى السرُور من الكآبة)
(وَعند الله مجمع كل حق ... وَمَا كل الدُّعَاء بِذِي استجابة)
وَذكره الفيومي فِي فهتزهه وَأنْشد لَهُ قَوْله
(ولي صَاحب قد هذبته يَد الصِّبَا ... مودته فِي غية وعيان)
(وَلَكِن هَوَاهُ مَعَ هواي تخالفا ... تخَالف رُؤْيا السجْن للفتيان)
(فيهوى بني نجد ولين خصورهم ... وأهوى بَنَات الْغَوْر طول زماني)
(تذكرني حَالي وإياه قَوْله ... رفيقك قيسي وَأَنت يماني)
قَالَ النَّجْم الْغَزِّي ثمَّ خرج من دمشق حَاجا وقطن بِمَدِينَة العلافي طَرِيق الْمَدِينَة من الشَّام وأحبه أَهلهَا وَأَقْبلُوا عَلَيْهِ وجعلوه لَهُم إِمَامًا وخطيبا ومعلما لأطفالهم ومفتيا لَهُم على مَذْهَب مَالك لأَنهم مالكيون ثمَّ إِنَّه خرجت عِنْدهم عين مَاء قريبَة من الْبَلدة فَخرج إِلَيْهَا حُسَيْن فَوَجَدَهَا مُمكنَة الْوُصُول إِلَى مَدِينَة الْعلَا فساعده أَهلهَا حَتَّى أجروها إِلَى أَرض هُنَاكَ وخصوه بهَا وَرَأَوا أَن ذَلِك من بركته قَالَ وَلما حججْت فِي سنة سبع بعد الْألف زارني وحَدثني بِحَدِيث الْعين وَسَأَلته عَنْهَا فَأَخْبرنِي أَنَّهَا تبلغ مجْرى من المَاء بِحَيْثُ تستقل وتغني وَأَنه أَحْيَا بهَا أَرَاضِي كَثِيرَة قَالَ وحَدثني فِي تَاسِع عشر ذِي الْقعدَة أَو عشرِيَّة بالمنزلة الْمَذْكُورَة قَالَ حَدثنِي الشَّيْخ مُحَمَّد بن العجيمي النجاري قَاضِي جبلة وزبيد بِالْيمن قَالَ سَأَلت ولي الله مُحَمَّد بن عجيل اليمني فَقلت لَهُ قد تزايد ظلم الأروام وَتجَاوز فَقَالَ قلت للبرهمتوشي يَعْنِي الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد البرهمتوشي الْحَنَفِيّ عَلامَة مصر مِثْلَمَا قلت لي فَقَالَ أنْكرت ذَلِك فَذَهَبت إِلَى الدفتر دَار فَكتبت سَائِر الْمَظَالِم وسافرت إِلَى السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان فَبَيْنَمَا أَنا فِي حلب إِذْ سَمِعت هاتفا جَالِسا فِي الْهَوَاء على كرْسِي فَقَالَ لي
(إِذا نَحن شِئْنَا لَا يدبر ملكنا ... سوانا وَلم نحتج لشخص يدبر)
(فَقل للَّذي قد رام مَا لَا نريده ... وحاول أَمر أدونه يتَعَذَّر)
(لعمرك مَا التَّدْبِير إِلَّا لوَاحِد ... وَلَو شَاءَ لم يظْهر بِمَكَّة مُنكر)
قَالَ فَرَجَعت وسلمت الْأَمر إِلَى الله تَعَالَى قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ
(أرى غَارة الأقدار وللمرء لاحقه ... وَلَو فر منهارا كبا متن شاهقه)
(وَمَا خطّ فِي أم الْكتاب تسوقه ... إِلَيْهِ الْمَقَادِير الَّتِي هِيَ سابقه)
(فَلَا ذاق من صاب التغرب من بَكَى ... على مغربي ضَاعَ بَين مشارقه)
стр. 601
فعاتبته على ذَلِك وَقلت لَهُ مَا ضعت بَين المشارقة بل شاع ذكرك وَضاع نشْرك وسما قدرك فَمَا أنصفت فِيمَا قلت فاعترف بذلك من حَيْثُ لَا يَسعهُ الْإِنْكَار وَقَالَ إِنَّهَا نفثة مصدور على وَجه الِاعْتِذَار ثمَّ أدمج القَوْل بِأَنَّهُ وَإِن حصل فِي الْعلَا تَمام النِّعْمَة إِلَّا إِنَّه فِي بَلْدَة صَغِيرَة لَيْسَ بهَا عَالم يعرف قدره ثمَّ أَنْشدني مقَالَة العتابي يُشِير إِلَى ذَلِك
(الْمَرْء فِي سوق الزَّمَان سلْعَة ... يرخص أَو يغلو بِقدر الْبقْعَة)
(وَهَا أَنا بوادي درعة رخيص ... وَلَيْسَ لي عَمَّا قضى الله محيص)
(يَا من يَلُومن على سكني درى فَلَا تقل لما جرى كَيفَ جرى ... )
وَهَذِه الأبيات تدل على أَنه يُقَال للمكان درعة بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَبعدهَا عين مُهْملَة ودرى وَالرَّاء مَفْتُوحَة إِلَّا أَنه سكنها ضَرُورَة ولغة فِي درعة وَمن هُنَا يُقَال فِي النِّسْبَة إِلَيْهَا درعى ودرى وَقَالَ ثمَّ اجْتَمَعنَا بِهِ فِي الرّجْعَة فِي أَوَاخِر الْمحرم سنة ثَمَان فأنس بِنَا وانسنا بِهِ وَلما عدت إِلَى الْحَج فِي سنة عشرَة رَأَيْته قد سَافر إِلَى الرّوم وعدت إِلَى الْحَج فِي سنة إِحْدَى عشرَة فَلَمَّا كُنَّا بِمَكَّة المشرفة فِي أواسط ذِي الْحجَّة بلغنَا أَنه غرق فِي بَحر جدة فِي الْمركب الْمَعْرُوف بالخاصكية فِي الشَّهْر الَّذِي قبله لحقته غَارة الأقدار وساقت إِلَيْهِ الْمَقَادِير مَا خطّ فِي أم الْكتاب رَحمَه الله تَعَالَى
الْحُسَيْن بن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ القَاضِي الْحُسَيْن المهلا فِي حَقه إِمَام عُلُوم مُحَمَّد الَّذِي اعْترف أولو التَّحْقِيق بتحقيقه وأذعن أَرْبَاب التدقيق لتدقيقه واشتهر فِي جَمِيع الأقطار اليمنية بالعلوم السّنيَّة أَخذ عَن وَالِده الإِمَام الْمَنْصُور الْقَاسِم ولازمه حَتَّى برع وترعرع وَأخذ عَن الإِمَام الْعَلامَة لطف الله بن مُحَمَّد بن الغياث المظفري وجدي الْمُجْتَهد عبد الله المهلا وَلَقي كثيرا من شُيُوخ عصره وَله التصانيف الشهيرة كغاية السول فِي علم الْأُصُول وَشَرحه هِدَايَة الْعُقُول وَكتاب فِي آدَاب الْعلمَاء والمتعلمين اخْتَصَرَهُ من كتاب جَوَاهِر الْعقْدَيْنِ للسَّيِّد السمهودي وَكَانَ لَهُ الْخط الْحسن الَّذِي لَا نَظِير لَهُ وَمن شعره البديع قَوْله
(مولَايَ جد بوصال صب مدنف ... وتلافه قبل التلاف بموقف)
(وَارْحَمْ فديت قَتِيل سيف مرهف ... من مقلتيك طعين قد مر هف)
(فَامْنُنْ بحقك يَا حبيب بزورة ... تحيي بهَا الْقلب القريح فيشتفي)
(أعلمت أَن الصد أتلف مهجتي ... والصد للعشاق أعظم متْلف)
стр. 602
(عجبا لعطفك كَيفَ رنح وانثنى ... متأودا وعَلى لم يتعطف)
(أَنا عَبدك الملهوف فارث لذلتي ... وارفق فديتك بِي لطول تلهفي)
(عَرفتنِي بهواك ثمَّ هجرتني ... يَا لَيْتَني بهواك لم أتعرف)
(حَملتنِي مَالا أُطِيق من الْهوى ... وأذقتني سم الْفِرَاق المدلف)
(يَا مهجتي ذوبي وَيَا روحي اذهبي ... من صده عني وَيَا عَيْني اذرفي)
(هَل من معِين لي على طول البكا ... أَو راحمي أَو ناصري أَو منصفي)
(وَإِلَيْك عاذل عَن ملامة مغرم ... لَا يرعوى عَمَّا يروم وَلَا يَفِي)
(حاشاي أَن أسلو وانسي عهد من ... أحببته إِنِّي أَنا الْخلّ الوفي)
(قل مَا تشَاء فانني يَا عاذلي ... لَا أَنْتَهِي لَا أنثني عَن متلفي)
(أَنا عَبده لَا أكتفي عَن مالكي ... وَالْعَبْد عَن ملاكه لَا يَكْتَفِي)
(يَا قلبه القاسي أما ترثي لمن ... قَاس هَوَاك جوى وَطول تأسف)
(اعطف على قلب سلبت فُؤَاده ... واستبق مِنْهُ بِالنَّبِيِّ الْأَشْرَف)
وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشرى شهر ربيع الآخر سنة خمسين وَألف بِمَدِينَة ذمار وَبهَا دفن رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد حُسَيْن بن كَمَال الدّين بن مُحَمَّد بن حَمْزَة بن أَحْمد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن حَمْزَة الْحَرَّانِي ابْن مُحَمَّد بن نَاصِر الدّين بن عَليّ بن الْحُسَيْن المحترف ابْن إِسْمَاعِيل بن الْحُسَيْن النتيف ابْن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل الثَّانِي ابْن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْأَعْرَج ابْن الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق ابْن الإِمَام مُحَمَّد الباقر ابْن الإِمَام عَليّ زين العابدين ابْن الإِمَام السَّيِّد الْحُسَيْن بن الإِمَام عَليّ بن أبي طَالب رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ هَذَا نسب بني حَمْزَة نقباء الشَّام وكبرائها أَبَا عَن جد وَسَيَأْتِي فِي كتَابنَا هَذَا مِنْهُم أنَاس تشرف بهم هَذَا الْعَصْر وَالسَّيِّد حُسَيْن هَذَا وَأَخُوهُ السَّيِّد مُحَمَّد روح الله تَعَالَى روحهما فرقد أَسمَاء هَذَا الْبَيْت ونير فلكه وكل مِنْهُمَا بارع فِي الْفُنُون كَبِير الشَّأْن وَسَيَأْتِي السَّيِّد مُحَمَّد كَمَا ذكرنَا واما السَّيِّد حُسَيْن فَإِنَّهُ اشْتغل وبرع وسما قدره إِلَى معالي الْأُمُور فسافر إِلَى الرّوم وَأقَام بهَا زَمَانا طَويلا وتقلبت بِهِ الْأَحْوَال إِلَى أَن قدم إِلَى دمشق وَرَأس فِيهَا وَصَارَ نَائِبا بالمحكمة الْكُبْرَى وقساما للعسكر ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الفارسية برتبة الدَّاخِل وَكَانَ فَاضلا كَامِلا وجيها حسن المصاحبة لطيف الْعشْرَة أديبا مطبوعا رَأَيْت من آثاره كتابا جمعه وَسَماهُ بالتذكرة الحسينية ذكر
стр. 603
فِيهِ شعراء متقدمين كالشريف الرضي وَمن نحا نَحوه وختمه يذكر بعض معاصريه من الشُّعَرَاء ثمَّ ذكر فِي آخِره حِصَّة وافية من نظمه فَمن ذَلِك قَوْله من قصيدة يمدح بهَا رُؤَسَاء الرّوم ومطلعها
(خفض عَلَيْك أَخا الظباء الغيد ... وَارْحَمْ مدامع جفني المسهود)
(كم ذَا أعلل بالأماني تَارَة ... قلبِي وطورا بانتظار وعود)
(وَلكم أَبيت بليلة الملسوع فِي ... اذني سميع فِي الْتِفَات رصيد)
(يَا مُسْرِفًا فِي هِجْرَة لمتيم ... هجرت محاجره لذيذ هجود)
(أَهْون برغبتك القلى والجهد فِي ... تَعْذِيب شلو فُؤَادِي المفؤود)
(لم يبْق هجرك فِي قلباً خافقا ... لسرور وغد أَو لخوف وَعِيد)
(وغدوت من فعل السقام كأنني ... أَوْهَام فكر فِي خيال بليد)
(أدنيتني حَتَّى ملكت حشاشتي ... وتركتني وَقفا على التنكيد)
وَقَوله من أُخْرَى
(معَاذ الْهوى إِن الصريع بِهِ يصحو ... ليعقل مَا يملى على سَمعه النصح)
(وَكَيف ترجى مِنْهُ يَوْمًا إفاقة ة ... وَزيد الْهوى فِي عقله عظم الْقدح)
(دع الْقلب يشقى فِي طَرِيق ضلاله ... فَفِي رَأْيه أَن الْوُصُول بهَا نحج)
(تؤمل آمالا مدى الْعُمر دونهَا ... كَانَ مطايا النائبات بِهِ جمح)
(يكتم أسرار الغرام فُؤَاده ... ويفضحه من مزن مقلته السح)
(لقد ألفت عَيناهُ أَن تنضح الرما ... وَتلك دمالب بِهِ أحكم الجرج)
(يعاف الْكرَى مِنْهُ المحاجر كَارِهًا ... نزُول جراح جرحها شَأْنه الرشح)
(لَهُ فِي انْتِظَار لطيف جفن مؤرق ... تفيئه من شدَّة الأرق الْقرح)
(وَلم يدر أَن الطيف يحذر ان يرى ... نزيل بيُوت دأب أَبْوَابهَا الْفَتْح)
(غَدا دهره بالهجر لَيْلًا جَمِيعه ... وحسبك دهر بالنوى كُله جنح)
(كَانَ نُجُوم الْأُفق فِيهِ تنصرت ... فَلَيْسَتْ لغير الشرق وجهتها تنحو)
(كَانَ الثريا والنسور تخاصما ... وظلا على جد بجانبه المزح)
(كَانَ بِهِ الشهب الثواقب تنبري ... مَرَاسِيل ذَات الْبَين يُرْجَى بهَا الصُّلْح)
(كَانَ بِهِ خيط المجرة جدول ... توارده الحبشان وازدحم التَّرَحِ)
(كَانَ ظلام اللَّيْل فِي الجو عثير ... تغشى صُفُوف الْجَيْش من جونه قبح)
стр. 604
(كَانَ بِهِ العيوق ملك مبجل ... كَانَ اخضرار الْفجْر فِي أفقه صرح)
وَقَوله من أُخْرَى
(خفض عَلَيْك أَخا الظباء الرتع ... انت الشَّرِيك بِمَا رميت بِهِ معي)
(أرْسلت من أجفان لحظك أسهما ... مد فوقت لم تحظ قلب مروع)
(قد ظلّ موقعها الْفُؤَاد وإنني ... لم ألق غَيْرك ثمَّ فِي ذَا الْموضع)
(كلفت بحبات الْقُلُوب كَأَنَّمَا ... تبغي الْوُقُوف على الضَّمِير الْمُودع)
(يَا من غَدا يَسْطُو عَليّ بهجره ... أَو مَا رحمت نحيب صب مولع)
(شَيْئَانِ تنصدع الجوانح مِنْهُمَا ... تغريد ساجعة وأنة موجع)
(كم رمت أُخْفِي عَن سواك صبابتي ... وَبهَا ينم على شَاهد أدمعي)
(يهفو لغي فِيك قلبِي ثمَّ لَا ... يصغى لغش بالرشاد مقنع)
(قل للعذول عَلَيْك يتْرك غشه ... بالنصح لي فلذاك أدنى لَا تعي)
(لم تخف قطّ بشاشة لؤم الْفَتى ... فالطبع يفضح حَالَة المتطبع)
(إِن الملام وَحقّ وَجهك فِي الْهوى ... مَا زَاد غير تولهي وتولعي)
(قد زَاد فِيك تالفي بتألمي ... وتفكري فِيك انْتهى لتمتعي)
قَوْله خفض إِلَى آخر الأبيات الثَّلَاثَة من المطلع هُوَ مَضْمُون قَول مهيار فِي أبياته
(أودع فُؤَادِي حرقا أودع ... ذَا تَكُ تؤذي أَنْت فِي أضلعي)
(امسك سِهَام اللحظ أَو فارمها ... أَنْت بِمَا ترمي مصاب معي)
(موقعها الْقلب وانت الَّذِي ... مَسْكَنه فِي ذَلِك الْموضع)
وَمن شعره قَوْله من قصيدة أُخْرَى
(أَرَانِي الزَّمَان فعالا خسيسا ... وخطبا يُبدل نعماه بوسا)
مِنْهَا
(ومذ أسكرتني صروف الزَّمَان ... نسيت بهَا الكاس والخندر يسا)
(وألزمت نَفسِي حَال الخمول ... وعفت المنى وهجرت الجليسا)
(فقد يمْكث السَّيْف فِي غمده ... حصونا ويستوطن اللَّيْث خيسا)
وَمِنْهَا فِي المديح
(بعزم ترَاهُ إِذا مَا بدا ... بمعضل امْر يفل الخميسا)
(وَلَا تملك الْقلب مِنْهُ الرداح ... وَلَو أشبه الْوَجْه مِنْهَا الشموسا)
(وَلَو تَكُ لَو تمس مَا اهتدت ... عصون الرياض إِلَى أَن تميسا)
стр. 605
وَقَوله مضمنا بَيت الأرجاني مرتجلا
(لست أنسى لياليا قد تقضت ... بوصال وَطيب عَيْش بمغنى)
(كم قضينا بهَا لبانة أنس ... وظفرنا بِكُل مَا نتمنى)
(حَيْثُ غُصْن الشَّبَاب رَيَّان ... من مَاء صباه مَعَ الْهوى يتثنى)
(قد أَتَت بَغْتَة وَوَلَّتْ سرَاعًا ... كطروق الخيال مذ زار وَهنا)
(أَتَرَى هَل تعود لي بالتداني ... ومحال جمعي بهَا أونثني)
(غير أَنِّي اعلل النَّفس عَنْهَا ... بالاماني الْكذَّاب وهما ووهنا)
(أَتَمَنَّى تِلْكَ اللَّيَالِي المنيرات ... وَجهد الْمُحب أَن يتَمَنَّى)
وَهَذَا مَا وَقع اخْتِيَاري عَلَيْهِ للإثبات هُنَا من شعره وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَألف وَتُوفِّي فِي أَوَائِل شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وَدفن بتربة الايجية فِي سفح قاسيون رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد حُسَيْن بن مُحَمَّد البيمارستاني نقيب الاشراف بحلب وَكَانَ يكْتب الْحُسَيْنِي تولى نقابة حلب بعد موت وَالِده ونازعه الشَّمْس الرامحمداني فَإِنَّهُ كَانَ نَقِيبًا قبل وَالِد السَّيِّد حُسَيْن فتقرب السَّيِّد حُسَيْن إِلَى الْمولى يحيى بن سِنَان بالهدايا حَتَّى قررها عَلَيْهِ وَعرض لَهُ بهَا وَكَانَ صَاحب أَمْوَال جزيلة حصلها من التِّجَارَات والمداينات وَأخذ أمرا بالتقاعد عَن دفتر دارية حلب وَكَانَ لَا يَأْخُذ من الاشراف مَالا وَلَا يصادرهم بل كَانَ يبْذل لَهُم الْقرى وَيَقْضِي مهمات مصالحهم بِخِلَاف غَيره من النُّقَبَاء وَلما استولى خداوردي أحد جند الشَّام على حلب ونواحيها وامتدت يَده زوج ابْنَته لِابْنِ خداوردي كَمَا زوج الشَّيْخ أَبُو الْجُود ابْنَته لخداوردي تقربا إِلَى جاهه وَلما تولى الْوَزير نصوح كَفَالَة حلب وَفهم الشَّيْخ أَبُو الجودانة يُرِيد الانتقام من خداوردي وَبَقِيَّة أجناد دمشق المستولين على حلب فر قبل وَقع الْفِتْنَة إِلَى دمشق وَالسَّيِّد حُسَيْن ثَبت وَكَانَ يُدَارِي الباشا وَهُوَ فِي الْبَاطِن يبغضه وَيَنْوِي لَهُ السوء والأمير درويش بن مطاف أحد مُتَفَرِّقَة حلب مَقْبُول الباشا كثير البغض للسَّيِّد حُسَيْن بِوَاسِطَة أَخِيه السَّيِّد لطفي فَإِنَّهُ كَانَ عدوا للسَّيِّد حُسَيْن مَعَ كَونه أَخَاهُ فَكَانَ السَّيِّد لطفي يثلب أَخَاهُ بِحُضُور الْأَمِير درويش والأمير درويش ينْقل ذَلِك للباشا حَتَّى وَقع الْحَرْب بَين نصوح باشا وحسين باشا ابْن جانه ولاذ كَمَا ذَكرْنَاهُ سَابِقًا وانكسر نصوح باشا وَعَاد إِلَى حلب مقهور افوشي السَّيِّد لطفي أَن أَخَاهُ فَرح بِكَسْر
стр. 606
عَسْكَر الباشا وَأَنه قَرَأَ مولدا فِي هَذِه اللَّيْلَة للفرح فَذهب الباشا لَيْلًا إِلَى دَار السَّيِّد حُسَيْن فَسمع ضرب الدفوف وأصوات الغواني وأمارات السرُور وَكَانَ سَببه أَن بنت السَّيِّد حُسَيْن ولدت ولدا ذكرا فِي تِلْكَ الْأَيَّام فاجتمعت النِّسَاء للفرح فَفِي الْيَوْم الثَّانِي طلب الباشا السَّيِّد حُسَيْن فَأخذ مَعَه شريفا من بَيت ضِعَاف الْحَبْس ورجلا يُقَال لَهُ مَنْصُور بن حلاوة فَدخل الثَّلَاثَة إِلَى دَار السَّعَادَة فَأمر الباشا بخنقهم خُفْيَة فخنقوا وألقيت أَجْسَادهم فِي الخَنْدَق بِحَيْثُ لَا يشْعر بهم أحد وَضبط الباشا أَمْوَال السَّيِّد حُسَيْن وهرب السَّيِّد لطفي لما قيل لَهُ الباشا يقتلك أَيْضا وليوهم النَّاس أنني مَا سعيت فِي قتل أخي وَقد كَانَ السَّيِّد لطفي يحلف الإيمانات الْعَظِيمَة أَن أَخَاهُ يشرب الْخمر ويلبس لبوس النصاري وَيذكر ذَلِك للباشا وَكَانَ قَتله فِي سنة ثَلَاث عشرَة بعد الأ " لف وعمره نَحْو سبعين سنة رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ حُسَيْن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد مولى عبد يدا الْحَضْرَمِيّ الشَّيْخ الْمُفْتِي الْعلم الْكَبِير قَالَ الشلي فِي تَرْجَمته ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وَغَيره واعتنى بكشف المشكلات وَصَحب العارفين الأساتذة وَأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن حُسَيْن بافقيه وَالشَّيْخ زين العابدين بن عبد الله العيدروس وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف ابْن مُحَمَّد العيدروس واعتنى بِالْمذهبِ فاحكم أُصُوله وفروعه ثمَّ سعى الشَّيْخ زين العابدين فِي تَقْلِيده الْقَضَاء لواقعة وَقعت بَينه وَبَين أَخِيه شيخ بن عبد الله العيدروس سَيَأْتِي ذكرهَا فِي تَرْجَمَة زين العابدين فتقلد صَاحب التَّرْجَمَة الْقَضَاء فحمدت أَحْكَامه لكَمَال عقله وعلو همته وَلم تطل مدَّته ففصل عَنهُ وَأقَام مكباً على دروسه وفتاويه وَكَانَ كثيرا الْعِبَادَة معتنيا بالإصلاح كثير الْخُشُوع والورع وَكَانَت لَهُ عِنْد الْمُلُوك الْمنزلَة الْعليا قَالَ الشلي رَأَيْته فِي تريم وَقد وقف على ثنية الْوَدَاع وهمت أَرْكَان حَيَاته بالإنصداع وَلم يزل فِي عز محروس الدّين وَالنَّفس إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَرْبَعِينَ وَألف بِمَدِينَة تريم رَحمَه الله تَعَالَى
الْمولى حُسَيْن بن مُحَمَّد بن نور الله بن يُوسُف الْمَعْرُوف بأخي زَاده مفتي دَار السلطنة وَأحد أَفْرَاد الْعَالم فِي الْفضل والذكا والمعرفة وَكَانَ أعجوبة وقته فِي التبحر فِي الْفُنُون وَمَعْرِفَة الْعَرَبيَّة وشاع ذكره واشتهر فَضله وَله تحريرات ورسائل تدل على دقة نظرة وتفوقه وأشعاره بالتركية كَثِيرَة وَكَانَ يتَخَلَّص بهدابي وَأما شعره الْعَرَبِيّ فَلم أَقف لَهُ الْأَعْلَى هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما قَوْله
стр. 607
(أَيهَا المبتلي عَلَيْك بِخَمْر ... إِنَّهَا للعليل خير علاج)
(ثمَّ لَا تشر بن الأبمزج ... أول الْوَاجِبَات أَمر المزاج)
مولده بقسطنطينة وَبهَا نشأته ودأب فِي التَّحْصِيل حَتَّى فاق أهل عصره وَمَا زَالَ يترقى فِي المناصب إِلَى أَن ولى قَضَاء قسطنطينة فِي سنة سبع عشرَة وَألف وَليهَا ثَانِيًا فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف بعد أَن كَانَ ولى قَضَاء الْعَسْكَر بانا طولى ثمَّ ولي قَضَاء أَنا طولى مرّة ثَانِيَة فِي سنة خمس وَعشْرين وَولي بعد ذَلِك قَضَاء روم أيلي مرَّتَيْنِ عزل فِي الْمرة الْأَخِيرَة سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَكَانَ قبل ذَلِك لما مَاتَ شيخ الْإِسْلَام الْمولى أسعد وحاول فَتْوَى الممالك الْمولى مُحَمَّد بن عبد الْغَنِيّ أرسل صَاحب التَّرْجَمَة يَقُول للسُّلْطَان كل من وقف على قَدَمَيْهِ بحضوركم وَرفعت إِلَيْهِ ثلثمِائة مسئلة وَكتب جَوَاب الْمِائَتَيْنِ من غير مُرَاجعَة فليعط الْفَتْوَى فَلم يضع إِلَى هَذَا ووجعت الْفَتْوَى للْمولى يحيى بن زَكَرِيَّا فَيُقَال أَنه فَرح بذلك لكَونه أكبر مِنْهُ وأقدم فِي المناصب وَإِنَّمَا غضب لَو أَخذهَا ابْن عبد الْغَنِيّ وَحين كَانَ قَاضِيا بعساكر الرّوم أيلي وَكَانَ الْوَزير الْأَعْظَم مره حُسَيْن باشا وَكَانَت العساكر متغلبة على الدولة بِسَبَب قتل السُّلْطَان عُثْمَان وَنسب الْقُضَاة والمدرسون إِلَى الْوَزير الْأَعْظَم أَنه قَالَ عَن صَاحب الرسَالَة
أَن من مَاتَ من ألف سنة كَيفَ كَلَامه يعْتَبر وَقد صَار عظما رميما فسعى صَاحب التَّرْجَمَة فِي قَتله وعزل عَن الوزارة الْعُظْمَى وَقدم حُسَيْن باشا لضرب عُنُقه فَضَح العساكر فِي الدِّيوَان وَقَالُوا لَا تقتلوه إِن شَاءَ الله تَعَالَى حَتَّى نقتلكم فَلم يبال صَاحب التَّرْجَمَة بل صعق بِصَوْت هائل وَقَالَ للجلاد اضْرِب عنق هَذَا اللغين فَضرب الجلاد عُنُقه فِي الْحَال ثمَّ بعد ذَلِك سعى فِي الْفَتْوَى وعزل الْمولى يحيى والعسكر متغلبون وَالسُّلْطَان مُرَاد ضَعِيف مَعَهم فَدخل عيد شهر رَمَضَان فَصنعَ العساكر الأراجيح وَفرقُوا الشمع على جَمِيع أكَابِر الرّوم وَكَانُوا يَقُولُونَ فلَان يعْطى مائَة قِرْش وَفُلَان يُعْطي ألف قِرْش حَتَّى فرقوا الشمع على جماعات من أهل السَّرَايَا وأعطوا الشمع للمفتي الْمَذْكُور فَرده ردا عنيفاً وأحضر أَخا لكبير أُمَرَاء السباهية وَقَالَ أَنا أعرف أَخَاك حِين كَانَ أَمْرَد معشوقاً لفُلَان واستطال عَلَيْهِ بالْكلَام فخضع لَهُ الْمَذْكُور ثمَّ إِن صَاحب التَّرْجَمَة قوى جنان السُّلْطَان مُرَاد حَتَّى جمع السُّلْطَان جمعية على السباهية زعزع أَرْكَان دولتهم وَجلسَ السُّلْطَان على سَرِير جلالته الْقَدِيمَة وَقتل الْوَزير الْأَعْظَم وَهُوَ رَجَب باشا الَّذِي كَانَ مستظلاً
стр. 608
بِظِل العساكر ثمَّ إِن السُّلْطَان مُرَاد بَعْدَمَا قتل صَنَادِيد الأجناد أَخذ يقتل بعض أَعْيَان الْقُضَاة من الموَالِي وَغير الموَالِي وَكَانَ من عَادَة بني عُثْمَان لَا يقتلُون الْعلمَاء فَفِي أثْنَاء ذَلِك توجه السُّلْطَان إِلَى بروسة فَاجْتمع جمَاعَة من الموَالِي وَشَكوا فِيمَا بَينهم من السُّلْطَان وَأَنه خَالف قانون أجداده فِي قتل الْعلمَاء ثمَّ إِن صَاحب التَّرْجَمَة كتب ورقة لحضرة وَالِدَة السُّلْطَان متضمنة أَن قوانين السلاطين أَن لَا يقتلُوا الْعلمَاء وَإِذا حصل مِنْهُم ظلم طردوهم إِلَى بِلَاد بعيدَة وَنحن من الداعين لابنك حَضْرَة السُّلْطَان فنؤمل إِذا قدم بِالصِّحَّةِ من السّفر تذكرين لَهُ ذَلِك بِحسن عبارَة ليترك هَذَا الْأَمر فَلَمَّا وصلت الورقة إِلَيْهَا فَكَأَنَّهُ وشى المفسدون أَن الْمُفْتِي وَالْعُلَمَاء يُرِيدُونَ الِاجْتِمَاع على خلع السُّلْطَان فَكتبت إِلَى السُّلْطَان ورقة بذلك وَبعثت بِوَرَقَة الْمُفْتِي فَلَمَّا وصل الْخَبَر إِلَيْهِ بَادر بالمجيء من بروسة على أَجْنِحَة السرعة وَدخل قسطنطينية وأحضر الْمُفْتِي وخنقه فِي الْحَال وَذَلِكَ فِي خَارج قسطنطينية فِي قَرْيَة بساحل الْبَحْر وَدَفنه فِي مَكَان لَا يعلم قَبره وَبعث بِابْنِهِ إِلَى قبر قدس فاختل عقل ابْنه وَمَات فِي غُضُون ذَلِك وَولى الْفَتْوَى الْمولى يحيى بن زَكَرِيَّا وَكَانَ قَتله فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ حُسَيْن بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن فرفرة الدِّمَشْقِي المجذوب الصَّالح المكاشف كَانَ فِي مبدأ أمره من آحَاد الْجند الشَّامي وَتعين مُدَّة فِي بَاب قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق وَكَانَ يحضر من يطْلب إِحْضَاره للمخاصمة فاتفق أَنه عينه بعض أَرْبَاب الْحُقُوق إِلَى قَرْيَة عين ترما من قرى دمشق لاحضار رجل من أهاليها فَسَار إِلَى أَن وصل إِلَى قرب الْقرْيَة الْمَذْكُورَة فصادفته الْعِنَايَة الربانية فسلب فِي ذَلِك الْمَكَان وساح فِي تِلْكَ الدائرة مُدَّة وَظَهَرت لَهُ أَحْوَال باهرة ثمَّ سكن حَاله وَاسْتقر فِي المنارة الغربية أحد المنارات الثَّلَاث بِجَامِع بني أُميَّة واتخذها دَار مبيته وَحفظ الْقُرْآن فِي مُدَّة قَليلَة وَكَانَ يدارس بِهِ فِي السَّبع بَين العشاءين بالجامع الْمَذْكُور وَيُؤذن بالمنارة الْمَذْكُورَة للأوقات الْخَمْسَة وَكَانَ قواما بِاللَّيْلِ يقْضِي ليله فِي تِلَاوَة الْقُرْآن وَالذكر والتوحيد وَإِذا جَاءَ وَقت الثُّلُث الْأَخير يَصِيح بِصَوْت شجي وَيَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله الْملك الْحق الْمُبين مُحَمَّد رَسُول الله الصَّادِق الْوَعْد الْأمين ويكررها إِلَى أَن يطلع المؤذنون إِلَى المنارة ويبدؤون بالتسبيح والتهليل ثمَّ يُؤذن مَعَهم أَذَان الصُّبْح وَيذْهب بعد طُلُوع الشَّمْس إِلَى مَزَار بعض الصَّالِحين تَحت القلعة بِالْقربِ من جَامع يلبغا فيمكث وَحده هُنَاكَ
стр. 609
ثمَّ يعود إِلَى المنارة الْمَذْكُورَة وَكَانَ فِي بعض الْأَحَايِين يتركع بعد الْعشَاء أَو قبلهَا فِي محراب الْحَنَابِلَة رَكْعَات كثيرات غير معتدلة وَكَانَ لَهُ نزاهة وإعراض عَن الدُّنْيَا وَرُبمَا يُعْطِيهِ بعض النَّاس شَيْئا فَيَأْخُذ مِنْهُ وَيُعْطِيه على الْفَوْر لمن يسْتَحقّهُ وَكَانَ لطيف البداهة عذب المخاطبة وَكَلَامه أَكْثَره جَوَاب وَكَانَت تعتريه أَحْوَال عَجِيبَة وحركات غَرِيبَة وَله مَنَاقِب مَشْهُورَة ومكاشفات مأثورة حدث بعض الثِّقَات عَن الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن الْعِمَادِيّ مفتي دمشق قَالَ لما قدم الشَّيْخ يُوسُف بن أبي الْفَتْح إِلَى دمشق بعد وَفَاة السُّلْطَان عُثْمَان وَرَأس فِي دمشق كَانَ يبلغنِي عَنهُ التَّعَرُّض إِلَيّ بِبَعْض الْمَكْرُوه فَذكرت ذَلِك للسَّيِّد مُحَمَّد بن عَليّ الْمَعْرُوف بالمنير وَكَانَ من المعمر بن الصَّالِحين فَقَالَ لي الْوَقْت لحسين بن فرفرة تذكر لَهُ ذَلِك فَعرض ذَلِك عَلَيْهِ فجَاء حُسَيْن بعد يَوْمَيْنِ إِلَى درس الْمَذْكُور بالجامع الْأمَوِي والفتحي جَالس يلقِي الدَّرْس فِي الشفا للْقَاضِي عِيَاض وَمَعَهُ حرَام ملأَهُ أوخام من كناسَة الْجَامِع فَدخل ونفض مَا فِيهِ على الدَّرْس الْمَذْكُور ثمَّ خرج فَبعد شهر جَاءَ بريد يَطْلُبهُ لأمامة السُّلْطَان مُرَاد وَكَانَ أَمَامه الْمَعْرُوف بمنلا أوليا قد توفّي فِي روان فَذكر بعض خدمَة السلطنة ابْن أبي الْفَتْح وَأَنه كَانَ أَمَام الحضرة السُّلْطَانِيَّة فَأخذ من دمشق بالإكرام التَّام ثمَّ أَن الْعِمَادِيّ الْمَذْكُور قَالَ للسَّيِّد الْمُنِير ذهب الفتحي لَكِن مَا ذهبت صولته فَقَالَ لَهُ أَن الْمَقْصُود كَانَ ذَهَابه من هَذِه الْبَلدة على أَي حَالَة كَانَت وَهَذَا الأبعاد عَن الديار المقدسة إِلَى الْأَبَد وَهَكَذَا أوقع فَإِن الفتحي لم يعد بعْدهَا إِلَى دمشق وَمَات بالروم وَاتفقَ لصَاحب التَّرْجَمَة من الكرامات مَا اشْتهر انه أَتَى لدرس النَّجْم الغزى مفتي الشَّافِعِيَّة مُحدث الشَّام فِي عصره على الْإِطْلَاق وَكَانَ يقرئ صَحِيح البُخَارِيّ تَحت قبَّة النسْر من جَامع بني أُميَّة فَأخذ يُورد كلَاما خَالِيا عَن الضَّبْط وَيسْأل سُؤَالَات خَارِجَة عَن الْمَقْصُود فَقَالَ لَهُ النَّجْم اسْكُتْ فَقَالَ لَهُ بل أَنْت اسْكُتْ وَقَامَ مغضبا من مجْلِس الدَّرْس فاتفق أَن النَّجْم مرض بعد أَيَّام واعتراه طرف من الفالج فأسكت وَحضر الدَّرْس نَحْو سِتَّة أَعْوَام وَهُوَ سَاكِت ثمَّ تقرب إِلَى خاطر صَاحب التَّرْجَمَة فَانْطَلق لِسَانه بعد ذَلِك وَكَانَ يقبل يَد الْحُسَيْن وَيعْتَذر إِلَيْهِ بعْدهَا يوده وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من أَرْبَاب الْقُلُوب وَالْأَحْوَال وَمَا زَالَ على حَالَته لَا يتَغَيَّر فِي طوره من الأطوار إِلَى أَن توجه إِلَى الْحَج فانتقل بالوفاة إِلَى رَحمَه الله تَعَالَى فِي الطَّرِيق وَدفن بِمَنْزِلَة تَبُوك وقبره ظَاهر يزوره الْحجَّاج ويتبر كَون بِهِ وَكَانَت وَفَاته سنة سبع وَسِتِّينَ ألف
стр. 610
حُسَيْن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عمر بن مُحَمَّد الْحَنَفِيّ الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بالقاري الْفَاضِل الأديب الْكَامِل نَشأ فِي كنف أَخِيه أَحْمد واشتغل على شَيخنَا عَلامَة الْعَصْر إِبْرَاهِيم ابْن مَنْصُور الفتال وعَلى غَيره وَحصل فَضِيلَة باهرة وَكَانَ يكْتب الْخط التَّعْلِيق المعجب ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الجهاركسية بصالحية دمشق واشتهرت نجابته وَكَانَ لطيف الشكل حسن الْخطاب جميل المنظر طلق اللِّسَان عالي الهمة على صغر سنه وطراوة عوده ونظم الشّعْر إِلَّا أَن شعره قَلِيل وَقل أَن يُوجد فِيهِ نادرة أَنْشدني لَهُ بعض الأخلاء قَوْله مضمنا
(بِاللَّه سل طرفِي السهران هَل هجعاً ... وَمَا بِهِ الْعِشْق والتبريح قد صنعا)
(قد حدّث النَّاس عَن مضني الْهوى دنفا ... وَمَا أَصَابُوا وَلَكِن شنعوا شنعاً)
(يَا ابْن الْكِرَام أَلا تَدْنُو فتبصر مَا ... قد حدثوك فَمَا رَاء كمن سمعا)
وَقَوله من الرباعيات
(أَن جزت بحيً منيتي حبيه ... وَأخْبرهُ عَن الْمُحب مَا يرضيه)
(أَن زار فقد حييت فِي زورته ... أَو صدّفانّ مهجتي تفديه)
وأنشدني قَوْله أَيْضا
(أنادي إِذا نَام الهجيع تأسفاً ... وقلبي من بَين الضلوع كليم)
(هَنِيئًا لطرف فِيك لَا يعرف الْكرَى ... وتباً لقلب لَيْسَ لافيك يهيم)
وَقَوله
(أفديه ظَبْيًا بِالشرابِ مُولَعا ... يترشف الأقداح وهوالاً كيس)
(فَكَأَنَّهُ الْبَدْر الْمُنِير إِذا بدا ... من نور طلعته أَضَاء الْمجْلس)
وَقَوله
(زارو هُنَا مرنح الأعطاف ... بعد أَن كَانَ مائلاً للْخلاف)
(كم بأصداغه وَرَاح لماه ... رحت نشوان سالف وسلاف)
(صدّ ظلما وَلم يكن فيّ ذَنْب ... غير دمعي أذاع مَا هُوَ خافي)
(أَيهَا العاذل الجهول تأمّل ... فِي محياه ثمَّ قل بِخِلَاف)
وَفِي هَذَا الْقدر من أشعاره كِفَايَة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَسبعين وَألف عَن سبع وَعشْرين سنة وَدفن بمقبرة بَاب الضغير وَمن نوادره أَنه دخل عَلَيْهِ السَّيِّد مُحَمَّد بن حَمْزَة نقيب الْأَشْرَاف بِالشَّام فِي مرض مَوته يعودهُ وَكَانَ وصل إِلَى التلاف فَقَالَ للنقيب شرفتمونا تَارِيخ لعيادتكم هَذِه فَحسب فَوجدَ كَمَا قَالَ وَهَذَا من كَمَال فطنته
الشَّيْخ حُسَيْن بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْفَقِيه ابْن أَحْمد الشَّهِيد بن الشَّيْخ
стр. 611
الْمَشْهُور الْفَقِيه الْعَلامَة عبد الله بِأَفْضَل بلحاح الْحَضْرَمِيّ مؤلف الْمُخْتَصر الَّذِي شَرحه الشهَاب ابْن حجر ابْن عبد الرَّحْمَن بن الْفَقِيه أبي بكر ابْن مُحَمَّد بلحاح ابْن عبد الرَّحْمَن بن القيه عبد الله بن يحيى بن القَاضِي أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن الْفَقِيه وظل ابْن مُحَمَّد ابْن عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد هَذَا مَا وجد من نسب آل أبي فضل وَلم يعلم إِلَى أَيْن يرجعُونَ وَفِي الظَّن أَنهم يرجعُونَ إِلَى قحطان لِأَن غَالب عرب الْيمن من قحطان وَنقل الثِّقَة عَن الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه فضل بن عبد الله صَاحب الشحر أَنهم يتصلون بِسَعْد الْعَشِيرَة وَنسب سعد الْعَشِيرَة مَذْكُور فِي سيرة ابْن هِشَام وَغَيرهَا من كتب السِّيرَة والتواريخ وَالنّسب فِي طرفَة الْأَصْحَاب فِي معرفَة الْأَنْسَاب للْملك الغساني سعد الْعَشِيرَة وَهُوَ ابْن مذْحج بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة ابْن أدد بن زيد بن عمر وبن عريب بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشحب بن يعرب بن قحطان بن هود ﵇ ابْن شالخ بن أزفحشد بن سَام بن نوح ﵇ ابْن ملك بن متوشلح بن أخونخ بن أنوش بن شِيث بن آدم ﵉ ومذحج هم الَّذين قَالَ فيهم رَسُول الله
مذْحج هَامة الْعَرَب وغلصمتها وَقيل أَن آل أبي الْفضل ينسبون إِلَى بني هِلَال انْتهى والفقيه خسين الْمَذْكُور ولديندر الشحر فِي سنة تسع عشرَة وَقَرَأَ الْقُرْآن على عَمه الْفَقِيه أَحْمد بن إِبْرَاهِيم وتفقه على جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد شيخ بن الْجفْرِي قَاضِي الشحر وَقَرَأَ النَّحْو ثمَّ رَحل إِلَى الْيمن وَدخل عدنا وزبد أَو رَحل إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَأخذ فِي هَذِه الْبِلَاد عَن جمَاعَة وبرع فِي التصوف وَكَانَ رُبمَا تكلم بِكَلَام انتقد عَلَيْهِ ثمَّ عَاد إِلَى الشحر وَصَحب الشَّيْخ الْجَلِيل السَّيِّد أَحْمد بن نَاصِر وَالسَّيِّد حسن با عمر ورحل إِلَى الْهِنْد فَأخذ عَن السَّيِّد جَعْفَر بن عَليّ زين العابدين بن العيدروس وَعَن جمَاعَة وَعَاد إِلَى مَكَّة وَحج وَأخذ عَن ابْن عَم أَبِيه الشَّيْخ سَالم با فضل وَعَن السَّيِّد سَالم بن أَحْمد شَيْخَانِ وَصَحب الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد الرَّحْمَن با وَزِير وَكَانَ يتَرَدَّد بَين المخبا وَمَكَّة كل سنة يتجر فِي البن والقماش وزار النَّبِي
وَأخذ عَن الصفى القشاسي وَالشَّيْخ زين بن عبد الله بِأَحْسَن وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن علوي وَرَأى سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف فِي مَنَامه كَانَ ملكا نزل من السَّمَاء فَقطع رجلَيْهِ قَالَ فجصل لي بذلك الْقطع لَذَّة عَظِيمَة وتأولها الْإِقَامَة بِمَكَّة وَكَانَ كَذَلِك وسافر إِلَى مَكَّة فَأَقَامَ بهَا من سنة سِتّ وَسِتِّينَ إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ كثير المطالعة للفتوحات المكية وَيحل مشكلاتها وَكَذَلِكَ غَيرهَا من كتب ابْن عَرَبِيّ وَالْإِنْسَان الْكَامِل وَكَانَ لَا يَقُول بِعلم غير هَذَا
стр. 612
الْعلم وَكَانَ مُعْتَقد اللصوفية مُصدقا بِجَمِيعِ مَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ وَقد قَالَ الْجُنَيْد التَّصْدِيق بعلمنا هَذَا ولَايَة وَقَالَ إِذا رَأَيْتُمْ الرجل مُعْتَقد اللصوفية فَاطْلُبُوا مِنْهُ الدُّعَاء فَإِنَّهُ مجاب الدعْوَة وَكفى بِأبي الْقسم شَاهد حق وَصدق وَكَانَ قَائِلا بوحدة الْوُجُود الَّتِي عَلَيْهَا أَكثر الْمُحَقِّقين وَكَانَ يحضر درس الشَّمْس البابلي وَالشَّيْخ عِيسَى المغربي ثمَّ تجرد لِلْعِبَادَةِ ولازم الْمكتب الشَّرْعِيَّة حَتَّى صَار من أكَابِر العارفين المرشدين ولازم التِّلَاوَة وَالذكر وَله نظم حسن وَكَانَ ذَا ذوق وَفهم وَله تعلق بالأدب حفظ كثيرا من المقامات الحريرية وانتفع بِهِ جمَاعَة كَثِيرُونَ وَلما حج السَّيِّد عبد الله بن علوي الْحداد فِي سنة تسع وَسبعين قَامَ فِي خدمته وأكرمه إِكْرَاما عَظِيما وأنزله فِي دَاره وَقَامَ بِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَة مريديه وزار مَعَه النَّبِي
ولازمه وَمرض بِالْمَدِينَةِ مَرضا شَدِيدا فكشف للسَّيِّد عبد الله أَن مدَّته قد انْقَضتْ فاستوهب لَهُ من جماعنه بعض أعمارهم فوهبوه وَتشفع بِالنَّبِيِّ
فِي ذَلِك فَقبل وعاش بقد مَا وهبوه لَهُ وَمن نظمه قَوْله
(لمعت لنا أنوار ليلى واعتلت ... ثمَّ انْثَنَتْ تدنوا إِلَيْنَا واختفت)
وَمِنْه أَيْضا
(بدالي سنا نجد فغابت نجومه ... فأفنى وجودي فِي شموس همومه)
(وأبقاني الْوَصْف الشهودي فانياً ... وَأَحْكَام رسمي قد محته رسومه)
(إِذا أَن لَا أفني وَلم أك بِالَّذِي ... أحَاط بِهِ الْمَعْنى فَأنى عديمه)
(مَعَانِيه فِي المجلى تعاظم قدرهَا ... ويحظى بهَا من كَانَ حَقًا عظيمه)
(شُهُودًا وَعرفا ناتراً كم فيضه ... على من سقَاهُ الوجد كأساً يقيمه)
(شراب قديم ذُو نعيم معجل ... وساقيه قد أسْقى الندامة نعيمه)
(هُوَ الذَّوْق للمشروب فَأعلمهُ يَا فَتى ... فَمن ذاق ذَاك الشّرْب فَهُوَ عليمه)
(بِعلم قديم وَهُوَ فِي الْخلق حَادث ... وَمن حَضْرَة الْأَسْمَاء كَانَت علومه)
(عُلُوم لَهَا فِي كل روح سرَايَة ... كنوز أَضَاءَت فِي الدياجي نجومه)
(هُوَ الشَّمْس للأكوان وَالشَّمْس بدره ... بل الرّوح للأرواح طَابَ شميمه)
ونظم تائية حَسَنَة على طَريقَة ابْن الفارض مطْلعهَا
(بعثت غرامي حاد للأحبة ... يحثهم شوقاً لعزة عزة)
وَمِنْهَا قَوْله
(مظَاهر أَعْيَان الكيان تصورت ... وجود بلاعين على العدمية)
(وَمن عجب أَنِّي أرى الْكَوْن ظَاهرا ... وَلَيْسَ لَهُ عين سوى المظهرية)
стр. 613
(فَفِي طيه قد كَانَ فِي الْعلم مُجملا ... وَفِي نشره وافي بِكُل عَجِيبَة)
(وَمن عجب الْأَشْيَاء عَليّ بِأَنَّهُ ... كصورة مَاء فِي سراب بقيعة)
(فَمَا غير شمس أشرقت فِي مغيبها ... وَمَغْرِبهَا قد غَابَ فِي المشرقية)
وَهِي طَوِيلَة وَكتب على المشكلات فِيهَا ثمَّ مرض مَرضا شَدِيدا فامر ببلها فبلوها فَعُوفِيَ وَمن فراسته أَن معلم أَوْلَاده عَليّ بأحداد رأى فِي مَنَامه أَنه يمشي فِي عقبه وَصَاحب التَّرْجَمَة يمشي خَلفه ثمَّ تقدم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة يدل ذَلِك على أَن ميلادك قبل ميلادي وَأَنا أَمُوت قبلك فبحث عَن ذَلِك فَوجدَ صَاحب التَّرْجَمَة ولد فِي سنة تسع عشرَة والفقيه ولد سنة ثَمَان عشرَة وَتُوفِّي والفقيه بَاقٍ وَكَانَت وَفَاته نَهَار الِاثْنَيْنِ آخر ذِي الْقعدَة سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف بِمَكَّة وَدفن بمقبرة الشويكة بِالْقربِ من قبر الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد الله بن مُحَمَّد بافقيه رَحمَه الله تَعَالَى
القَاضِي حُسَيْن بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن مُوسَى الْعَدوي الزوكاري الصَّالِحِي القَاضِي الْفَقِيه الأديب الشَّافِعِي الْمَذْهَب كَانَ أمثل الْفُضَلَاء والأدباء جيد الْفَهم عَجِيب المطارحة رَقِيق الطَّبْع اشْتغل فِي مباديه بِدِمَشْق على وَالِده وَأخذ عَن الشَّمْس الميداني والنجم الْغَزِّي ورحل إِلَى الْقَاهِرَة بعد الثَّلَاثِينَ وَأخذ بهَا عَن الْبُرْهَان اللَّقَّانِيّ وَأبي الْعَبَّاس الْمقري وَالشَّيْخ عَليّ الْحلَبِي صَاحب السِّيرَة وَالشَّمْس البابلي والعلا الأَجْهُورِيّ وَالشَّيْخ مُحَمَّد الْحَمَوِيّ وَالشَّيْخ عَامر الشبراوي وَحج وَأخذ بِالْمَدِينَةِ عَن الشَّيْخ غرس الدّين الخليلي نزيل الْمَدِينَة المنورة بِمَكَّة عَن الشَّيْخ مُحَمَّد بن عَلان الصديقي واقرأ بِدِمَشْق وَأفَاد وَضبط الْكثير وَولي قَضَاء الشَّافِعِيَّة بمحكمة الميدان والمحكمة الْكُبْرَى سِنِين وَأفْتى على مَذْهَبهم مُدَّة وَكَانَ معاشر اللكبراء لحلاوة ومصاحبته وسكونه وَله شعر كثير من جيده قَوْله
(أرى كل إِنْسَان يرى أَن حِينه ... من الْخطب خَال أَن ذَاك لمغرور)
(وَكَيف وأصل البنية المَاء وَالثَّرَى ... وسوف إِلَى ترب الْقُبُور تصير)
(فَلَا تعتبن خلا إِذا جَار أَو جَفا ... فَأَنت وَرب الْعَالمين كدور)
(فَإِن جنحت مِنْك الظنون لحادث ... فميلك للتوحيد يَا صَاح مبرور)
(فَإِن بَقَاء الْعِزّ فِي وحدة الْفَتى ... كَمَا إِن كثار التَّرَدُّد مَحْذُور)
(وَمَا مذهبي إِنِّي ملول لرفقتي ... وَلَكِن مسلوب الكفاء مَعْذُور)
(أجل إِن أَبنَاء الزَّمَان مَا تفاوتت ... فَمنهمْ خَبِير بالأمور وتحرير)
стр. 614
(وَبِالْجُمْلَةِ التَّحْقِيق فالأنس موحش ... وَعَما سوى الخلاق شغلك مدحور)
(فيا رب جد بِالْعَفو والصفح وَالرِّضَا ... ففعلي مَذْمُوم فعلك مشكور)
وَقَوله
(وليل أدرنا فضل قاسون بَيْننَا ... فَكَادَتْ قُلُوب السامعين تطير)
(فَلم ندر إِلَّا الْفجْر صَار دليلنا ... إِلَى سفحه السفح فِيهِ نغير)
(وَفينَا هداة للطريق وقادة ... لَهُم كل فضل فِي الورى وصدور)
(فسرنا فَلَا وَالله لم ندر مَا الَّذِي ... قطعناه بعد الْمَشْي كَيفَ يصير)
(فَلَمَّا وصلنا المستغاث أغاثنا ... بِهِ الْغَيْث حَتَّى غوثنا لمطير)
(فزرنا وكل نَالَ مَا كَانَ نَاوِيا ... وفزنا بِوَقْت حسنه لشهير)
(وَمِنْه ركبنَا الجو حَتَّى كأننا ... نُجُوم سَمَاء والسحاب ثبير)
(إِلَى أَن هبطنا قبَّة الْملك الَّتِي ... تسمى بنصر مذ أعَان نصير)
(رَأينَا بهَا عقد الثريا مُعَلّقا ... وَعين الدراري النيرات تُشِير)
(فَلم تَرَ برجا قبلهَا حل منزلا ... يسير إِلَيْهِ النَّاس وَهُوَ يسير)
(وأعجب شَيْء أَن ترَاهَا مُقِيمَة ... وتمشي كَمَا يمشي الْفَتى ويفور)
(وأعجب من هَذَا ترَاهَا عقيمة ... تربي بَنَات النعش وَهِي سَرِير)
(وعدنا فحيانا حَيا فضل سحبها ... بِرِبْح لَهُ وَقع الْغَمَام صرير)
(إِلَى أَن رمتنا بعد عالي مَكَاننَا ... على مغر فِيهَا الْمقَام غرور)
(وَجِئْنَا حمانا مُطْمَئِنين أنفسا ... ععلى أَن مر فِي المكرمات عسير)
وَدخل على شَيخنَا إِبْرَاهِيم بن الخياري الْمدنِي حِين دخل الشَّام زائر بعد انْقِطَاع فانشده معتذرا
(وَمَا عاقني عَن لثم أذيال فَضلكُمْ ... سوى أَن عَيْني مُنْذُ فارقتكم رمدا)
(فعاتبتها حَتَّى كَأَنِّي حبيبها ... فأبدت كلَاما كَانَ قلبِي لَهُ غمدا)
(وَقَالَت لقد كحلت طرفِي برفه ... فأفتحها سَهوا وأغمضها عمدا)
وَهَذَا معنى مبتكر جيد إِلَى الْغَايَة ثمَّ رَاجعه الخياري عَنهُ بقوله
(أيا فَاضلا أبدي لنا فِي نظامه ... لطيف اعتذار سكن الشوق والوجدا)
(وأشفى بلقياه مَرِيض بعاده ... وَقد كَانَ أشفى للبعاد وَمَا أودى)
(فصان لَهُ الْعَرْش مقلته الَّتِي ... ترى كل معنى دق عَن فهمنا جدا)
(لَئِن كحلت بالظرف قد أسكرت بِمَا ... أدارته من مقلوب أحداقها شَهدا)
стр. 615
(فَإِن ترني أشتاق خمرة قرقف ... فأطلبها سَهوا وأتركها عمدا)
وَكنت فِي أَيَّام الصِّبَا تلقيت عَنهُ بعض مَعْلُومَات لاتصال شَدِيد كَانَ بَينه وَبَين وَالِدي رحمهمَا الله تَعَالَى واستجزته فأجازني بمروياته وَأَخْبرنِي أَن وِلَادَته كَانَت فِي سنة ثَمَانِي عشرَة بعد الْألف وَتُوفِّي نَهَار الْجُمُعَة سَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَتِسْعين وَألف وَدفن بسفح قاسيون
حُسَيْن بن مشيخ الْمَعْرُوف بالقاطر وَمَعْنَاهُ الْبَغْل نزيل دمشق وَكَانَ فَقِيها عَارِفًا بِأُمُور النَّاس صَاحب دربة وَكَانَ يعرف اللِّسَان الْفَارِسِي والتركي والبوسنوي وَلما ورد دمشق وتوطنها تعلم اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَأقَام بِدِمَشْق مُدَّة عمره وَتزَوج بِإِحْدَى ابْنَتي أبي الْمَعَالِي درويش مُحَمَّد الطالوي مفتي دمشق وَسكن فِي قاعته بمحلة التَّعْدِيل هُوَ وعديله على الشاطر وَفِيهِمَا يَقُول الْحسن البوريني يُخَاطب القاعة الْمَذْكُورَة
(يَا قاعة لَيْسَ لَهَا من شبه ... يجلى بهَا النَّاظر والخاطر)
(فَارقهَا من كَانَ أَهلا لَهَا ... وحلها الشاطر والقاطر)
وَولي حُسَيْن النِّيَابَة بِدِمَشْق وحمدت سيرته وَكَانَت وَفَاته فِي خَامِس عشرى ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَخلف مَالا كثيرا وولدين أَحدهمَا زَكَرِيَّا وَالْآخر درويش مُحَمَّد وَسَيَأْتِي كل مِنْهُمَا فِي مَحَله
حُسَيْن أَفَنْدِي بن مصطفى بن حسن الْمَعْرُوف بِابْن قرنق الدِّمَشْقِي مُفْرد وقته فِي محَاسِن الشيم وكرم الطَّبْع والمهارة فِي الْعُلُوم الغريبة مثل الطلسمات والنيرنجيات والأعمال العجيبة وَأخذ هَذِه الْعُلُوم عَن الشَّيْخ المفنن سيف الدّين الصّباغ وَكَانَ سيف الدّين الْمَذْكُور أحد أَعَاجِيب الدُّنْيَا فِي هَذِه الْعُلُوم وَإِلَيْهِ النِّهَايَة فِيهَا وحَدثني بعض من لَقيته عَن حسن أَنه كَانَ يَقُول كَانَ أستاذي يَعْنِي الشَّيْخ سيف الدّين الْمَذْكُور أَشَارَ إِلَيّ بِطَلَب الإستخدام وَأَمرَنِي برياضة أَرْبَعِينَ شهرا وخلوة أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَلَمَّا أكملتها خرجت إِلَى حَيَّة عَظِيمَة فابتلعتني وَأَنا أتلو الْأَسْمَاء حَتَّى وصلت فِي جوفها إِلَى عِنْد فِي فَعندهَا ضَاقَ فِي نَفسِي فَتركت الْأَسْمَاء فأخرجتني ثمَّ ظَهرت لي فِي صُورَة امْرَأَة حسناء وشرعت فِي توبيخي على تركي الْأَسْمَاء وَحصل لي مِنْهَا ضَرَر عَظِيم مَنَعَنِي النُّطْق وَأدّى إِلَى اختلال وَجْهي وَفِي فَحَضَرَ عِنْدِي الْأُسْتَاذ وَأصْلح مني مَا كَانَ اخْتَلَّ وَكَانَ يلومني بعد ذَلِك على تركي الْأَسْمَاء وَكَانَ كثير الاعتناء بشيخة الْمَذْكُور بِنَقْل عَنهُ احوالا غَرِيبَة ووقائع عَجِيبَة وَمِمَّا حدث بِهِ عَنهُ
стр. 616
فِي بعض محاضراته أَن الشَّيْخ سيف الدّين قصد يَوْمًا التَّنَزُّه فصحبه هُوَ ورفيقان من طلبته حَتَّى انْتَهوا إِلَى جَامع يلبغا فتفقدوا بعض دَرَاهِم لأجل نَفَقَة الْيَوْم فَلم يَجدوا مَعَهم شَيْئا فَلَمَّا فطن الشَّيْخ بهم قَالَ لحسين أَنا أُعْطِيك نَفَقَة الْيَوْم ثمَّ جَاءَ إِلَى رخامة فِي الْجَامِع وَخط عَلَيْهَا دَائِرَة ثمَّ قَالَ لَهُ اسحب فسحب شريطا من ذهب حَتَّى انْتهى إِلَى مِقْدَار ثمَّ قطعه وَقَالَ لَهُ اذْهَبْ بِعْهُ وأتنا بِثمنِهِ قَالَ فَذَهَبت ووزنتته فجَاء وَزنه تِسْعَة مَثَاقِيل فأنقدت ثمنه ثمَّ أَتَيْته فَقَالَ لي اصرف مِنْهُ مِقْدَار كفايتنا وَالْبَاقِي دَعه مَعَك تنْتَفع لَهُ وَحدث أَن الشَّيْخ سيف الدّين كَانَ مستخدما كَمَا سلف قَالَ وَكنت يَوْمًا جَالِسا فَجَاءَنِي مِنْهُ رَسُول يناديني إِلَيْهِ فصحبته وَأَنا ذَاهِب فِي الطَّرِيق وَكنت إِذْ ذَاك مشتغلا بِتِلَاوَة الْأَسْمَاء فشرعت فِي تلاوتها فرأيته يتباعد عني فناديته وتكررت التِّلَاوَة مني والتباعد مِنْهُ فَقلت لَهُ مَالك تتباعد عي فَقَالَ لَا أقدر على الْقرب مِنْك وَأَنت تتلو هَذِه الْأَسْمَاء ففطنت بِهِ قَالَ وَلما اجْتمعت بالشيخ قلت أما كَانَ عنْدك رَسُول من الْأنس حى أرْسلت لي هَذَا فَأَجَابَنِي أَو تعرف إِن لي خدمَة غير هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْجِنّ وَبعد وَفَاة شَيْخه الْمَذْكُور انْفَرد هُوَ بِدِمَشْق بِمَعْرِِفَة هَذَا الْفَنّ وامتحن مَرَّات وَكَانَ من جملَة ذخائره فِي هَذِه الصِّنَاعَة مرْآة إِذا أبهم عَلَيْهِ أَمر يُعْطِيهَا لآحد جُلَسَائِهِ ينظر فِيهَا وَيَتْلُو هُوَ إسما فَيرى النَّاظر فِيهَا الْمَطْلُوب على كَيْفيَّة تنْتج مَعْرفَته حَتَّى يبْقى كَأَنَّهُ مشَاهد فيخبره بِهِ النَّاظر فيشرع فِي تَحْصِيله وَمن أغرب مَا سمعته عَنهُ فِي هَذَا الْبَاب أحد قُضَاة دمشق كَانَ لَهُ أَخ فِي الرّوم وكا بهَا أحد الصُّدُور فَغَضب عَلَيْهِ السُّلْطَان وعزله عَن منصبه ونفاه عَن دَار السلطنة فَلَمَّا وصل خبر ذَلِك إِلَى أَخِيه قَاضِي دمشق ظن أَنه قتل وَحصل لَهُ من الْأَلَم مَا مَنعه الهجوع فاستدعى صَاحب التَّرْجَمَة وَطلب مِنْهُ النّظر فِي حَال أَخِيه فَظهر فِي الْمرْآة مَكَانَهُ وهيئته وَذكر أَنه مُرْسل إِلَى أَخِيه القَاضِي مَكْتُوبًا وَبَين عدد أسطره وَيَوْم وُصُوله فَطلب مِنْهُ قِرَاءَته فَكَانَ النَّاظر فِي الْمرْآة يملي عَلَيْهِ وَهُوَ يكْتب إِلَى أَن انْتهى وَاتفقَ مَجِيء الْمَكْتُوب فِي الْيَوْم الَّذِي عينه فقوبل على النُّسْخَة الَّتِي كتبت فَلم يزود وَلم ينقص وَهَذِه الْوَاقِعَة من أغرب مَا سمعته وَقد رزق من الْحَظ والإقبال فِي أُمُوره نَصِيبا وافرا وَتَوَلَّى المناصب السامية وانعقدت عَلَيْهِ صدارة دمشق وتملك الْأَمْلَاك الْكَثِيرَة وَعمر الْأَمَاكِن البهية من جُمْلَتهَا قصره وقاعته بالصالحية وَهُوَ أبهى مَكَان بهَا وَقد قَالَ فِيهِ مفتي الشَّام الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد بن المهمندار مؤرخا عَام بنائِهِ بقوله
стр. 617
(لقد شيد الشهم الْحُسَيْن الَّذِي لَهُ ... مآثر مجد لَا يُحِيط بهَا عد)
(بِنَاء إِلَى أعلا السماكين أَرخُوا ... هِيَ القاعة الحسنا لطالعها السعد)
وَذَلِكَ سنة سبع وَسبعين والف وَولي بِدِمَشْق منصب الْمُقَابلَة والمحاسبة وتولية الْحَرَمَيْنِ المصريين والسليمانية والسليمية والصابونية وَالْجَامِع الْأمَوِي وكوجك أَحْمد باشا وَبَلغت سفراته إِلَى الرّوم الْعشْرين وَحج فِي سنة خمس وَخمسين وَفِي سنة سِتّ وَسبعين وَتُوفِّي فِي تِلْكَ السّنة أَمِير الْحَاج يُوسُف باشا فِي الطَّرِيق فاختاره أَعْيَان الْحجَّاج أَن يكون أَمِيرا فباشرها وسلك مسلكا حسنا وسافر إِلَى الرّوم بعد ذَلِك وَأَخذه مقاطعة بعلبك واقتنى من العبيد والجواري والأحفاد مَا لَا يحصر وَبلغ من الْعِزّ والرفعة مبلغا عَظِيما ثمَّ تنزل فِي آخر أمره وَفرع عَن جَهَالَة وَبَاعَ بعض عقاراته وابتلى بأمراض مهولة وَاسْتمرّ بهَا إِلَى إِن توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي الْمحرم سنة تسعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى
المنلا حُسَيْن بن نَاصِر بن حسن بن مُحَمَّد بن نَاصِر بن الشَّيْخ القطب الرباني شهَاب الدّين الْأَشْقَر الْعقيلِيّ الْحَمَوِيّ جد صاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله لامه وَكَانَ عَالما فهامة جَامعا لأنواع الْفُنُون ولد بحماة وَبهَا نَشأ وَأخذ عَن أكَابِر شيوخها كالسيد عمر بن عَسْكَر وَالشَّيْخ نجم الدّين الْحِجَازِي وَغَيرهمَا من الائمة الْأَعْلَام وَأَجَازَهُ شُيُوخه وَتَوَلَّى بحماة الْمدرسَة الجلدكية واشتهر بِالْعلمِ وَالْفضل ثمَّ رَحل بأَهْله إِلَى دمشق وتوطنها وَأخذ بهَا عَن أكَابِر الْأَعْيَان كالنجم الْعزي وَغَيره ورحل إِلَى مصر وَأخذ بهَا عَن الْبُرْهَان اللَّقَّانِيّ وَغَيره وَكَانَ حسن الْخلق والخلق جميل الذّكر صافي الْقلب والفكر صَالحا خيرا متواضعا عَالما عَاملا مشتغلا بِالْعلمِ والإفادة مكبا على المطالعة ملازما للطاعات وَكتب بِخَطِّهِ كتبا كَثِيرَة وَجمع مجاميع لَطِيفَة وَله أشعار بديعة وَكَانَت وَفَاته بِدِمَشْق فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس بِالْقربِ من قبر أبي شامة رَحمَه الله تَعَالَى
الْأَمِير حُسَيْن بن يُوسُف بن سَيْفا الْأَمِير بن الْأَمِير ولي فِي حَيَاة وَالِده كَفَالَة طرابلس الشَّام ثمَّ عزل عَنْهَا ثمَّ ولي كَفَالَة الرها ثمَّ تَركهَا من غير عزل وَقدم حلب وكافلها مُحَمَّد باشا قُرَّة قاش فَحَضَرَ الْأَمِير حُسَيْن لَدَيْهِ مُسلما عَلَيْهِ فَأكْرمه واحترمه ثمَّ دَعَاهُ إِلَى وَلِيمَة فجَاء مَعَ جمَاعَة قَليلَة فاحتاطت بِهِ جمَاعَة قُرَّة قاش وَأمرهمْ أستاذهم بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فمسكوه ورفعوه إِلَى القلعة مسجونا وَوضع فِي مَسْجِد الْمقَام
стр. 618
يحْتَاط بِهِ الحرسة فَبعث قره قاش إِلَى السُّلْطَان يُخبرهُ بذلك وَبلغ وَالِده الْخَبَر فَبعث جماعته ووعد السُّلْطَان بِمِائَة ألف قِرْش إِن عَفا عَنهُ فَلم يجبهُ إِلَى ذَلِك وَبعث أمرا بقتْله فجَاء الجلاد فَقَالَ بقلب جرى وجنان قوي أيليق أَن أكون من الباشوات ويقتلني الجلاد ثمَّ إِنَّه أَشَارَ ألى رجل مُعظم من أَتبَاع قُرَّة قاش أَن يقْتله وَقَالَ لَهُ اصبر عَليّ حَتَّى أكتب مَكْتُوبًا إِلَى وَالِدي وأوصيه بعض وَصَايَا فَكتب ورقة أوصاه بأولاده وَعَزاهُ فِي نَفسه ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ واستغفر الله وَقَالَ رب إِنِّي ظلمت نَفسِي وعملت سوءا بِجَهَالَة فتب عَليّ أَنَّك أَنْت التواب الرَّحِيم وَوضع مُحرمَة نَفسه فِي عُنُقه وَأمر ذَلِك الرجل بخنقه وَبكى عَلَيْهِ جمَاعَة كَثِيرَة لحسنه وَكَونه شَابًّا وَكَانَ شجاعا بطلا إِلَّا أَنه كَانَ يُبَالغ فِي ظلم الْعباد ثمَّ أخرجت أمعاؤه ودفنت بتربة القلعيين وَصَبَرت جثته وَأرْسلت إِلَى وَالِده فَاسْتَقْبلهَا النِّسَاء وَالرِّجَال بالبكاء والصراخ وَالْوَيْل وَالثُّبُور وَصَارَ يَوْم دُخُوله كَيَوْم مقتل الْحُسَيْن وَقَالَت الغواني فِيهِ المراثي يضر بن وَقت إنشاد إِشْعَار مَقْتَله بالدف بِصَوْت خزين حكى قره قاش إِنِّي كنت فِي خدمَة السُّلْطَان أَحْمد وَقد خرج إِلَى الصَّيْد فعرضوا عَلَيْهِ طيور الصَّيْد ثمَّ جاؤه بطير عَظِيم لَا نَظِير لَهُ فتعجب مِنْهُ وَقَالَ من بعث هَذَا قَالُوا عَبدك حُسَيْن باشا ابْن سَيْفا أَمِير الامراء بطرابلس فَقَالَ السُّلْطَان آه آه آه من خِيَانَة مماليكي الْأَمر لله إِلَى هَذَا الْحِين هَذَا الْكَافِر بِالْحَيَاةِ فأسرها قره قاش فِي نَفسه وصاده بطيره وَكَانَ قَتله فِي أَربع عشرى شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَعشْرين وَألف وعمره قريب من الثَّلَاثِينَ رَحمَه الله تَعَالَى
حُسَيْن الكفوي أحد موَالِي الرّوم الْمَشْهُورين بِالْفَضْلِ والبراعة ذكره ابْن نَوْعي واثنى عَلَيْهِ كثيرا ثمَّ قَالَ قدم إِلَى قسطنطينية وَلزِمَ دَاوُد زَاده قَاضِي الْمَدِينَة ولازم مِنْهُ ودرس إِلَى أَن وصل إِلَى الْمدرسَة السلمانية ثمَّ ولى مِنْهَا قَضَاء الْقُدس فِي شعْبَان سنة سبع بعد الْألف ثمَّ وَجه إِلَيْهِ قَضَاء مَكَّة فِي شَوَّال سنة ثَمَان بعد الْألف ثمَّ عزل فِي صفر من سنة عشرَة وَكَانَ صَاحب لطائف وفضائل وَهُوَ أنبل ارباب المعارف فِي عصره لم تزل لطائفه متداولة وأشعاره وآثاره شائعة وَمن تأليفاته الجليلة تعليقاته على البُخَارِيّ وَمُسلم وَشرح الكلستان بالتركية يتَعَرَّض فِيهِ لشارحيه سروري وشمعي وَله كتاب قَالَ نامه يذكر فِيهِ غرائب وقائع وَقعت لمن تفائل بِالْقُرْآنِ وديوان حَافظ وَغَيرهمَا وَهُوَ أثر لطيف رَأَيْته وطالعته ونقلت مِنْهُ أَشْيَاء
стр. 619
فَمن ذَلِك مَا حَكَاهُ عَن قطب العارفين يَعْقُوب الجرخي انه ذكر فِي بعض مصنفاته أَن الْعِنَايَة الإلهية ساقته إِلَى خذمة الخوجة بهاء الدّين نقشبند قَالَ فَرَأَيْت من كرمه إِلَيْهِم غَايَة الِالْتِفَات وَظهر لي انه من خَواص الْأَوْلِيَاء وَأَنه كَامِل مكمل فتفاءلت فِي شَأْنه من الْمُصحف فورد قَوْله تَعَالَى اولئك الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده وَحكى انه لما توفّي الْمولى سِنَان محشي الْبَيْضَاوِيّ وَالْهِدَايَة أَخذ بعض أَرْبَاب الْقُلُوب الْمُصحف وتفاءل فِيهِ على حسب مَال الْمولى سِنَان فورد قَوْله تَعَالَى وَلَقَد اصطفيناه فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين وَحكى عَن نَفسه قَالَ كنت عزمت على الرحلة من بلدتي الكفة فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ أَنا ووالدتي لَكِن ترددت هَل اذْهَبْ بحرا أَو برا وتشعبت فِي المخيلة وساوس الْخَوْف من الْغَرق أَو كَثْرَة التَّعَب فتفاءلت من الْقُرْآن فورد قَوْله تَعَالَى قَالَ لَا تخافا إِنَّنِي مَعَكُمَا اسْمَع وَأرى ثمَّ أعقبت ذَلِك بتفاؤل آخر فورد ألم تَرَ أَن الله سخر لكم مَا فِي الأَرْض والفلك تجْرِي فِي الْبَحْر بأَمْره فتيمنت بالفال وركبنا الْبَحْر فوصلنا سَالِمين بعون الله تَعَالَى وَحكى أَن الْمولى مَعْرُوف أحد الموَالِي الْعِظَام الأخيار قَالَ رَأَيْت لَيْلَة رُؤْيا عَظِيمَة سررت بهَا كثيرا فَلَمَّا استيقظت أخذت أفكر فِيهَا هَل هِيَ من قبل الرَّحْمَن أَو من جَانب الشَّيْطَان فتفاءلت فِي الْجَامِع الصَّغِير للسيوطي فورد قَوْله
رُؤْيا الْمُؤمن الصَّالح بشرى من الله وَهِي جُزْء من خمسين جُزْءا من النُّبُوَّة انْتهى وَكَانَ وَقع بَينه وَبَين نكسارى زَاده محاورى ألف فِيهَا رِسَالَة وَطعن عَلَيْهِ فِيهَا وَكَانَ فِي علم الموسيقى نِهَايَة وَله أغان ربطها مَقْبُولَة متداولة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد حُسَيْن الْحُسَيْنِي الخلخالي أحد مشاهير الْمُحَقِّقين وَالْعُلَمَاء العاملين أَخذ عَن الْعَلامَة حبيب الله الشهير بمرزاجان الشيزاري وَكثير وَعنهُ أَخذ عبد الْكَرِيم بن سُلَيْمَان بن عبد الْوَهَّاب الكوراني وَله مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا إِثْبَات الْوَاجِب وحاشية على حَاشِيَة العصام عَليّ الْبَيْضَاوِيّ توفّي فِي سنة أَربع عشرَة بعد الْألف من تحريرات الْأُسْتَاذ الباهر امام التَّحْقِيق الملا إِبْرَاهِيم بن حسن الْكرْدِي نزيل الْمَدِينَة المنورة رَحمَه الله تَعَالَى
الْمولى حُسَيْن الشهير بالجنجي قَاضِي الْعَسْكَر فِي دولة السُّلْطَان إِبْرَاهِيم ولد بِمَدِينَة بور لي الزَّعْفَرَان وَكَانَ أَبوهُ من آحَاد الْمَشَايِخ بهَا فاخذ عَنهُ بعض عزائم وأدعية وَدخل قسطنطينية وتلمذ بهَا للْمولى شيخ مُحَمَّد الْمَعْرُوف حسن زَاده وَكَانَ فِي ابْتِدَاء أمره تبدو
стр. 620
مِنْهُ بَوَادِر بِأَنَّهُ سيصير صَاحب مرتبَة وجاه فيعجب مِنْهُ من يسمعهُ وَرُبمَا سخر وامنه وَاتفقَ أَن السُّلْطَان إِبْرَاهِيم طلب أَن يرْزق ولدا فَكَانَ يستدعى من مَشَايِخ وقته وأطبائه أدعيتهم ومعالجاتهم وَلِهَذَا كَانَ كل من عرف شخصا يتوسم فِيهِ الصّلاح أَو معرفَة الطِّبّ أَو العزائم يَسُوقهُ إِلَى طرف السلطنة وَكَانَت وَالِدَة صَاحب التَّرْجَمَة تعرف رجلا من مقربي السُّلْطَان فَذكرت لَهُ أَنه يعرف بعض العزائم فَلَمَّا بلغ خَبره إِلَى السُّلْطَان استحضره فَقَرَأَ شَيْئا من عَزَائِمه الَّتِي يعرفهَا فاعتدل مزاج السُّلْطَان وحملت بعض جواريه فَأقبل على صَاحب التَّرْجَمَة وَعين لَهُ جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَوجه إِلَيْهِ مدرسة الْخَارِج والداخل والصحن دفْعَة ثمَّ وَجه إِلَيْهِ فِي مُدَّة قَليلَة قَضَاء الغلطة فتملك دَارا بِالْقربِ من جَامع مَحْمُود باشا وبناها بِنَاء عَظِيما وَصدر الْأَمر السلطاني للْمولى مَحْمُود بن قره جلبي أَن يُزَوجهُ ابْنَته فَزَوجهُ إِيَّاهَا وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الدولى بخيلها ورجلها ثمَّ ولي قَضَاء عَسْكَر أَنا طولي وَأطلق عَلَيْهِ معلم السُّلْطَان وَحصل أَمْوَالًا عَظِيمَة وجاها بالغاوبني فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة ابنية جليلة وخانا وحماما وَحكى أَنه دفن فِي جدران ابنيته أَمْوَالًا كَثِيرَة فَلَمَّا خلع السُّلْطَان إِبْرَاهِيم أخرج من دفائنه نَحْو ثَلَاثَة آلَاف كيس كلهَا نقد ثمَّ حبس ثمَّ بعث بِهِ إِلَى قَصَبَة ميخاليج فَقتل بهَا وَكَانَ قَتله فِي أَوَاخِر سنة ثَمَان وَخمسين وَألف ﵀
حُسَيْن باشا الْمَعْرُوف بدالي حُسَيْن نديم السُّلْطَان مُرَاد وَأحد الوزاراء الْكِبَار أَصله من قَصَبَة بيكشهر من نَاحيَة قرمان رَحل فِي مبدأ أمره إِلَى قسطنطينية وخدم فِي حرم السلطنة وَصَارَ بهَا من طَائِفَة اليلطجية وَقدم دمشق فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف قَاصد الْحَج وَعَلِيهِ خدمَة السِّقَايَة فِي طَرِيق الْحَج ثمَّ ترقى بعد ذَلِك إِلَى أَن صَار محافظ مصر وَقدم دمشق فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَتوجه إِلَيْهَا وَكَانَت أَحْكَامه فِيهَا معتدلة ثمَّ عزل عَنْهَا وَسَار إِلَى درا السلطنة وَلما اجْتمع بالسلطان مُرَاد أوصله دفترا بِجَمِيعِ مَا حصله فِي مصر من مَال وَأَسْبَاب وأمتعة وَقَالَ لَهُ هَذَا جَمِيع مَا أملكهُ فِي دولة الْملك فانعم عَلَيْهِ وقربه وَجعله من أخصائه وندمائه وَصَحبه مَعَه فِي سفر بَغْدَاد وَبعد وَفَاة السُّلْطَان مُرَاد ولي حُكُومَة بَغْدَاد وَهُوَ ثَالِث حَاكم بهَا بعد فتحهَا الْأَخير ثمَّ ولي بودين وَولي وزارة الْبَحْر ثمَّ عين فِي زمن السُّلْطَان إِبْرَاهِيم إِلَى حزيرة كريت فَسَار إِلَيْهَا وَأقَام بهَا سَبْعَة عشر سنة فِي محاربة وَفتح أَكثر بلادها وقراها وَلم يبْق بهَا إِلَّا قلعة قندية كَمَا أسلفته فِي تَرْجَمَة السُّلْطَان إِبْرَاهِيم ثمَّ أرسل إِلَيْهِ ختم الوزارة الْعُظْمَى
стр. 621
وَبَقِي لوصوله إِلَيْهِ مَسَافَة أَربع سَاعَات فاسترد وَكَانَت الوزارة فوضت إِلَى غَيره ثمَّ طلب هُوَ إِلَى تخت السلطة وَدخل إِلَى أدرنة بموكب حافل وَاجْتمعَ بالسلطان مُحَمَّد ابْن إِبْرَاهِيم فَأقبل عَلَيْهِ ثمَّ أرْسلهُ إِلَى قسطنطينة وَأمر بِوَضْعِهِ فِي الْمَكَان الْمَعْرُوف بيَدي قله وَبعد أَيَّام أَمر بقتْله فَقتل وَدفن فِي دَاخل الْمَكَان الْمَذْكُور وقبره ظَاهر ثمَّة ولقتله خبر مطول مخلصه إِسْنَاد بعض حَسَدْته إِلَيْهِ التهاون فِي أَمر قندية وَأَنه كَانَ فَاجر مَعَ الْكفَّار فِي محاصرتها واستفتى مفتي الدولة فِي قَتله فَامْتنعَ ذَهَابًا مِنْهُ إِلَى بَرَاءَته من ذَلِك فعزل ذَلِك الْمُفْتِي وَولي مَكَانَهُ رجل أفتى بقتْله فَقتل وَكَانَ قَتله سنة اثنيتين وَسبعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
حُسَيْن باشا الْوَزير الْمَعْرُوف بصاري حُسَيْن أَي الْأَصْغَر وَهُوَ أَخُو سياغوش باشا الْوَزير الْأَعْظَم كَانَ من مشاهير الوزراء لَهُ الصولة الباهرة والهيبة الْعَظِيمَة وَكَانَ فِيهِ تلطف بالرعايا وانتقام من ذَوي الْكبر والمناصب ولي حلب مُدَّة ثمَّ نقل مِنْهَا إِلَى نِيَابَة الشَّام فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف وعينه السُّلْطَان وَهُوَ نائبها السّفر قمنيجة من بِلَاد الليه فَتوجه إِلَيْهَا وَفِي خدمته العساكر الشامية وَتعين هُوَ وَبَعض الوزراء للمحاربة فَكَسرهُ وَهُوَ ورفقاؤه وشاع أَن الكسرة كَانَت بِسوء تَدْبِير مِنْهُ فَغَضب عَلَيْهِ السُّلْطَان وعزله عَن حُكُومَة الشَّام وَرفع مِنْهُ رُتْبَة الوزارة وَأمره بالإعتزال فِي دَاره بقسطنطينة فَأَقَامَ مُدَّة منعزلا حَتَّى لم يبْق فِيهِ رَمق ثمَّ عطفت عَلَيْهِ وَالِدَة السُّلْطَان وشفعت لَهُ بِمنْصب التفتيش بِولَايَة أَنا طولي فَوَلِيه وَظهر سَعْيه فِيهِ لطرف السلطنة فجوزى على ذَلِك بحكومة الشَّام ثَانِي مرّة فَقَدمهَا ومهد أمورها بعد إختلال كَانَ أَصَابَهَا من حكامها وساس الرّعية سياسة عَجِيبَة وَلزِمَ كل أحد حَده فِي عَهده وَعمر الْقصر الْمَعْرُوف بِهِ الْآن فِي طرف الشّرف بالميدان الْأَخْضَر من دمشق وَكَانَ مَكَانَهُ يعرف قَدِيما بالخانوتية وتأنق فِي وَضعه وغرس فِيهِ أَنْوَاع الْأَشْجَار من كل صنف وَعز عَلَيْهِ بِدِمَشْق بعض أَنْوَاع الْفَاكِهَة فجلب من أَمَاكِن بعيدَة وَالْحَاصِل أَنه أثر أثرا حسنا وَفِي أَيَّامه وَقع الْجَرَاد بِدِمَشْق ثَلَاث سِنِين مُتَوَالِيَات فَبعث رجلَيْنِ من أهل دمشق إِلَى أنقره ليأتيا بِمَاء السمرمر الَّذِي يُقَال أَنه إِذا كَانَ فِي بَلْدَة يطرد الْجَرَاد عَنْهَا وَكَانَ وصولهما إِلَى دمشق فِي أَوَاخِر الْمحرم سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف فَأمر حُسَيْن باشا بِخُرُوج الصُّوفِيَّة بالإعلام وَعَامة النَّاس بالتهليل إِلَى لِقَائِه فَدَخَلُوا بِهِ على سفح قاسيون من نَاحيَة القابون حَتَّى وضعُوا مِنْهُ حِصَّة عَليّ
стр. 622
رَأس المنارة الغربية بالجامع الْأمَوِي وَحِصَّة على مَنَارَة جَامع الْمصلى قلت وَمَاء السمرمر هَذَا قد ذكره غير وَاحِد مِنْهُم ابْن الوردي فِي خريدة الْعَجَائِب فِي فصل عجائب الْعُيُون والآبار قَالَ عين سرم وَهِي بَين أصفهان وشيراز بهَا مياه مَشْهُورَة وَهِي من عجائب الدُّنْيَا وَذَلِكَ أَن الْجَرَاد إِذا نزلت وَوَقعت بِأَرْض يحمل إِلَيْهَا من تِلْكَ الْعين مَاء فِي ظرف أَو غَيره فَيتبع ذَلِك المَاء طيور سود تسمى السمرمر وَيُقَال لَهَا السوادية بِحَيْثُ أَن حَامِل المَاء لَا يَضَعهُ الأَرْض وَلَا يلْتَفت وَرَاءه فَتبقى تِلْكَ الطُّيُور على رَأس حَامِل ذَلِك المَاء كالسحابة السَّوْدَاء إِلَى أَن يصل إِلَى الأَرْض الَّتِي بهَا الْجَرَاد فَتُصْبِح الطُّيُور عَلَيْهَا وتقتلها فَلَا ترى من الْجَرَاد متحر كابل يموتون من أجل تِلْكَ الطُّيُور انْتهى وَذكر ابْن الْحَنْبَلِيّ فِي تَارِيخه أَن من شَرطه أَن يكون الْوَارِد بِهِ من أهل الصّلاح وَلَا يمر بِهِ تَحت سقف وَقَالَ الصّلاح الصَّفَدِي فِي الْجُزْء الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ من تَذكرته قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين أَبُو الثنا مَحْمُود الْأَصْبَهَانِيّ أَن بِمَدِينَة قشمير مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام عَن أَصْبَهَان عين مَاء سارحة بَرزَة يُسمى مَاؤُهَا بِمَاء الْجَرَاد لَهُ خاصية أَن من حمل من مَائِهَا فِي إِنَاء إِلَى الأَرْض الَّتِي أَتَاهَا الْجَرَاد فيعلق ذلمك الْإِنَاء فِي تِلْكَ الأَرْض فيقصدها مَا لَا يحصر من طير يُقَال لَهُ سَار يَأْكُل مَا فِيهَا من الْجَرَاد حَتَّى يفنى وَشرط هَذَا الْإِنَاء أَن لَا يمس الأَرْض فِي طَرِيقه وَلَا فِي مَكَان تَعْلِيقه انْتهى ثمَّ أَمر حُسَيْن باشا بِالسَّفرِ إِلَى محاصرة قلعة بتيج من بِلَاد الأنكروس فسافر إِلَيْهَا وَمَعَهُ عَسْكَر الشَّام وَكَانَ الْوَزير الْأَعْظَم قُرَّة مصطفى باشا قد سبقهمْ إِلَى بلغراد وَجعلهَا مجمع العساكر جَمِيعهَا وَلما تَكَامل جمع الجموع رَحل بهم إِلَيْهَا ونازلوها وَكَاد أَن يفتحوها عنْوَة قدر الله تَعَالَى مَا قدر من مَجِيء جَيش كَبِير من الْكفَّار وكسروا عَسْكَر الْمُسلمين وفرقوهم فِي تِلْكَ النواحي كَمَا سنفصله فِي تَرْجَمَة الْوَزير مصطفى باشا الْمَذْكُور وَنسب الْوَزير هَذِه الكسرة إِلَى فشل بعض الوزراء وَمِنْهُم حُسَيْن باشا صَاحب التَّرْجَمَة فَأَرَادَ قَتله فَكَانَت منينه أسبق فتوفى فِي غُضُون ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي شهر رَمَضَان سنة أَربع وَتِسْعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد حَمْزَة بن مُحَمَّد بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن حَمْزَة الْحُسَيْنِي الدِّمَشْقِي المولد الْحَنَفِيّ السَّيِّد الْأَجَل الأديب الْفَاضِل كَانَ رَئِيسا نبيه الْقدر وافر الْحُرْمَة جليل الْقدر سَاكِنا وقورا نَشأ وَقَرَأَ على عُلَمَاء زَمَانه حَتَّى حصل فَضِيلَة مقبوله واشتهر بدماثة الْأَخْلَاق وَطيب الْعشْرَة وكرم النَّفس وَكَانَ حسن الْحَظ صَحِيح الإملا وَكتب كثيرا
стр. 623
من الْكتب وخطه مَرْغُوب فِيهِ لضبطه وَحسنه وسافر إِلَى الرّوم فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَألف ولازم من نقيب الدولة السَّيِّد مُحَمَّد بن السَّيِّد برهَان الدّين الْمَعْرُوف بشيخي وولاة نقابة الشَّام عَن أَخِيه الْأَكْبَر السَّيِّد كَمَال الدّين وَعَاد إِلَى دمشق وَأقَام بمنزله فِي مهابة وإنكفاف عَن مُخَالطَة الْأُمُور وَبعد مُدَّة عزل عَن النقابة وأعيدت إِلَى أَخِيه الْمَذْكُور ثمَّ وَليهَا عَنهُ مرّة ثَانِيَة وَصَارَ نَائِبا بمحكمة الْبَاب فِي زمن قَاضِي الْقُضَاة الْمولى مصطفى الْمَعْرُوف بِابْن مرطلوس وَاسْتمرّ نَائِبا مدَّته كلهَا وانتظم حَاله بعد إختلال ثمَّ عزل عَن النقابة وأعيد إِلَيْهَا مرَّتَيْنِ وَكَذَلِكَ للنيابة ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الحافظية بصالحية دمشق وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة تسع وَألف وَتُوفِّي فِي ثَالِث ذِي الْحجَّة سنة سبع وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ حنيف الدّين بن عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى بن مرشد الْعمريّ الْحَنَفِيّ الْمَكِّيّ الْمُفْتِي الْحَنَفِيَّة بالديار الحجازية وَالْمَدينَة وَابْن مفتيها الْعَالم الْعلم الْفَقِيه الباهر كَانَ عَالما دينا عفيفا ملازما لِلْعِبَادَةِ وَكَانَ يَصُوم رَجَب وَشَعْبَان وَالْأَيَّام الْبيض وَأخذ عَن وَالِده وَعبد الْعَزِيز الزمزمي وَأبي الْعَبَّاس الْمقري وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الخياري وَالشَّيْخ خَالِد الْمَالِكِي وَغَيرهم وَولى بعد موت وَالِده خطابة الْجُمُعَة بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام والتدريس خلف مقَام الْحَنَفِيَّة وتدريس مدرسة مُحَمَّد باشا وَغير ذَلِك ثمَّ ولي الْإِفْتَاء السلطاني بالديار الحجازية فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف وانتفع بِهِ خلق كَثِيرُونَ مِنْهُم وَلَده عبد الرَّحْمَن وَالشَّيْخ أَحْمد أوليا وَأَوْلَاد عَمه أَحْمد وهم عِيسَى ومرشد وَإِمَام الدّين ومصدر الدّين وقاسم سنجق دَار وَأحمد المنلا وصنف عدَّة كتب مِنْهَا شرح مَنَاسِك الْوَسِيط للمنلا على مَذْهَب الْحَنَفِيّ وَشرح على المنسك الصَّغِير للملا أَيْضا وَكتاب سَمَّاهُ بغيه السالك الناسك فِيمَا يتَعَلَّق بآداب السّفر وأدعية الْمَنَاسِك وشفاء الصَّدْر بِبَيَان لَيْلَة الْقدر وَالْقَوْل الْمُفِيد بِبَيَان فضل الْجُمُعَة الْيَوْم الْمَزِيد وَالْقَوْل الْمُحَقق فِي بَيَان التَّدْبِير الْمُطلق والمقيد وَالْمُعَلّق ورسالة فِي استبدال الْوَقْف سَمَّاهَا السَّيْف الشهير على من جوز استبدال الْوَقْف بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير وَله نظم مستعذب وترجمه ابْن مَعْصُوم فَقَالَ فِي حَقه فَاضل نبيه قَامَ مقَام أَبِيه فتقلد منصب الْفتيا بعده واجتلى فِي مطالع الإقبال سعده فَجلى بسناه الظُّلم وَمن يشابه أبه فَمَا ظلم
(شَبيه أَبِيه خلقَة وخليقة ... كَمَا حذيت يَوْمًا على أُخْتهَا النَّعْل)
وَبَلغنِي أَنه كَانَ يُنكر على أَبِيه عشرَة قضايا من فَتَاوِيهِ ثَبت لَدَيْهِ بصلانها وَلم ينص
стр. 624
بِصِحَّتِهَا برهانها وَكَانَ يَقُول لَوْلَا خطة أخافها لأشتهر عني خلَافهَا وَله فِي الْأَدَب مَحل لَا ينْقض أبرامه وَلَا يحل ملك بِهِ زِمَام السجع والقريض وميز بِهِ بَين الصَّحِيح وَالْمَرِيض فَمن نظمه مَا كتبه إِلَى بعض الْأَعْيَان مراجعا عَن لِسَان وَالِده
(تبدّي لنا برق بافق رَبِّي نجد ... فأذكرني عهدا وناهيك من عهد)
(وهيمني شوقاً وَزَاد بِي الأسى ... وأضرم بِي نَار الصبابة والوجد)
(وجددّ لي ذكر اللَّيَالِي الَّتِي خلت ... وَطيب زمَان بالحمى طيب الْورْد)
(زَمَانا جلاذ وَالْحسن شمس جماله ... علينا فشاهدنا بِهِ الشَّمْس فِي برد)
(وأيدت لنا ذَات الْجمال جبينها ... فأخجل بدر الْأُفق فِي طالع السعد)
(هِيَ الرَّوْض تبدو للأنام بوجهها ... فنقطف زهر الْورْد من خدّها الوردي)
(وفاع لنا نشر الخزامي بروضة ... شدت وَرقهَا شوقاً على الأغصن الملد)
(تعنت على غُصْن الْأَرَاك بمدح من ... علا قدره السَّامِي على ذرْوَة الْمجد)
(جمال أهالي الْعَصْر أوحد وقته ... مشيد ربع الْمجد بالسعد والجدم)
(كَمَال قُضَاة الْمُسلمين أمامهم ... وموضح منهاج الرشاد لَدَى الرشد)
(عَلَيْهِ مدى الْأَيَّام منى تَحِيَّة ... تفوق فتيت الْمسك وَالْعود والند)
وَقَالَ فِي مثل هَذَا الْغَرَض
(غنت الْوَرق فِي المسا والبكور ... ساجعات على غصون الزهور)
(وتبدت من كلة الْحسن خود ... تخجل الشَّمْس من سناء البدور)
(قد تحلت من الجمان بِعقد ... جلّ فِي الْحسن والبها عَن تظير)
(فاقتطفنا من خدّها زهر ورد ... فاق نشر النسرين والمنثور)
(وارتشفنا من ثغرها العذب شَهدا ... فانتشونا لَا نشوة المخمور)
(برّدت بالوصال قلب كئيب ... كَانَ فِيهِ للهجر نَار السعير)
(يَا لَهَا عذبة الثنايا رادحاً ... قد تبدّت فِي زِيّ طبي غرير)
(قد أتتنا من عَالم الْعَصْر مولى ... قد تسامى على السهى والأثير)
(الإِمَام الْهمام رب الْمَعَالِي ... الْفَقِيه البليغ فِي التَّقْرِير)
(ظلّ دَوْمًا بِمصْر مفتي البرايا ... أوحد الْعَصْر ذِي الْمقَام الخطير)
(قد أَتَانِي مولَايَ مِنْك كتاب ... ذُو نظام حكى عُقُود النحور)
(ففضضت الختام عَن كنز علم ... حَاز مِنْهُ الْغناء كل فَقير)
стр. 625
(وتأملت فِي رياض حماه ... وتنسمت مَا بِهِ من عبير)
(فَبَدَا نظم طرسه مَعَ نثر ... ذِي بَيَان فسر مِنْهُ ضميري)
(دمت يَا أوحد الزَّمَان فريدا ... فِي أَمَان بِحِفْظ رب خَبِير)
(وَصَلَاة الْإِلَه تترى دواماً ... مَعَ سَلام على البشير النذير)
وَمن شعره على مَا رَأَيْته مَنْسُوبا إِلَيْهِ قَوْله
(أَمْسَى وَأصْبح من تدكاركم وصبا ... يرثى لي المشفقان الْأَهْل وَالْولد)
(قد خدّد الدمع خدّي من تذكركم ... واعتادني المضنيان الوجد والكمد)
(وَغَابَ عَن مقلتي نومي لغيبتكم وخانني المسعدان الصَّبْر وَالْجَلد ... )
(لاغر وللدّمع أَن تجْرِي غوار بِهِ ... وَتَحْته المظلمان الْقلب والكبد)
(كَأَنَّمَا مهجتي شلو بمسبعة ... ينتابها الضاريان الذِّئْب والأسد)
(لم يبْق غير خفيّ الرّوح فِي جَسَدِي ... فدى لَك الباقيان الرّوح والجسد)
وَكَانَت وِلَادَته بِمَكَّة وَقت الْعشَاء من لَيْلَة الْأَحَد منتصف صفر سنة أَربع عشرَة بعد الأف وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لثلاث عشرَة خلون من شعْبَان سنة سبع وَسِتِّينَ وَألف بِالْمَدِينَةِ وَدفن ببقيع الْغَرْقَد وَقيل فِي تَارِيخ وَفَاته
(حنيف الدّين فِي الجنات راقى ... )
الْمولى حيدر بن إِبْرَاهِيم المنعوت بتاج الدّين الصَّغِير ابْن عبد الله الْحميدِي الْأَصْلِيّ أحد موَالِي الرّوم وَهُوَ أَخُو الْمولى عبد الْوَهَّاب قَاضِي الشَّام الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى أصل وَالِده من بَلْدَة حميد قدم إِلَى قسطنطينة وتوطن بهَا وَهُوَ من عُلَمَاء دولة السُّلْطَان سُلَيْمَان وَله حَاشِيَة على صدر الشَّرِيعَة يرد فِيهَا إعتراضات ابْن الْكَمَال على صدر الشَّرِيعَة وَولد ابْنه حيدر هَذَا بقسطنطينة وَنَشَأ ودأب بهَا حَتَّى تميز بِالْفَضْلِ الباهر وَله من الْآثَار تعليقات على الدُّرَر وَالْغرر ولازم من ابْن جوى ودرس بمدرسة أون قباني ثمَّ أعْطى مدرسة برغوس وَلما تمت مدرسة عَليّ باشا القبودان بطوبخانة فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة أعطيها وَهُوَ أول مدرس بهَا ثمَّ فِي سنة ألف نقل إِلَى مدرسة قلندرخانه ثمَّ نقل إِلَى إِحْدَى الثمان ثمَّ إِلَى مدرسة الشهزاده ثمَّ إِلَى السليمانية ثمَّ ولي قَضَاء حلب فأسكدار ثمَّ بروسة ثمَّ الْقَاهِرَة وَتوجه إِلَيْهَا بحراً فَفِي معبر الْإسْكَنْدَريَّة غرق الْمركب الَّذِي كَانَ فِيهِ وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَاخِر سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى
(حرف الْخَاء الْمُعْجَمَة)
стр. 626
الشَّيْخ خَالِد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله الْمَالِكِي الْجَعْفَرِي المغربي ثمَّ الْمَكِّيّ صدر المدرسين فِي عصره بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وناشر لِوَاء سنة النَّبِي
والمرجع فِي التَّمْيِيز بَين الْحَلَال وَالْحرَام وَالْحَاوِي شَرّ فِي الْعلم وَالنّسب وَالْجَامِع بَين طرفِي الْكَمَال الغزيزي والمكتسب قَرَأَ فِي الغرب على أجلاء شُيُوخ عارفين وأئمة محققين ورحل إِلَى مصر وَأخذ بهَا الحَدِيث عَن الشَّمْس الرَّمْلِيّ وَالْفِقْه والْحَدِيث والعربية عَن الْعَلامَة سَالم السنهوري الْمَالِكِي وَغَيرهمَا ثمَّ توجه إِلَى مَكَّة وجاور بهَا وتصدر للإفادة وَعنهُ أَخذ جمع من الْعلمَاء وَبِه تخْرجُوا كالعلامة مُحَمَّد عَليّ بن عَلان وَالْقَاضِي الْفَاضِل تَاج الدّين الْمَالِكِي وَغَيرهمَا وَلم يزل قَائِما بأعباء الْعلم وَالْعَمَل حَتَّى دَعَاهُ الله تَعَالَى إِلَيْهِ فَمَاتَ لَيْلَة الْخَمِيس ثامن عشر رَجَب سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف ونقلت من تَارِيخ الإِمَام عَليّ بن عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ أَنه اتّفق فِي عَام اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف أَن وصلت تذكرة من وَزِير مصر أذذاك بإمامة الْمقَام الْمَالِكِي بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام لعَلي بن خَالِد يَعْنِي صَاحب التَّرْجَمَة فباشرها فِي موسم تِلْكَ السّنة مَعَ شركائه فألزمه المترجم بِالْمُبَاشرَةِ فِي نوته فِي جَمِيع السّنة وألزم شُرَكَاء بذلك فَوَافَقُوا وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى أَن توفّي فَترك الْمُبَاشرَة بعد وَالِده فِي جَمِيع السّنة إِلَّا فِي الصبخ وَأَيَّام الْمَوْسِم وَصَلَاة التَّرَاوِيح على الْمُعْتَاد
خداوردي بن عبد الله الطاغية أحد كبراء جند الشَّام وَكَانَ متميزا فيهم بالبأس والجراءة والتوسع فِي الدُّنْيَا ونال حظا عَظِيما واشتهرت صولته واستتبع رعاعا وجهالا استخفهم فأطاعوه وَولى سردارية حلب ففتك فِيهَا وَنهب وتعدى واستلب حَتَّى ضجر مِنْهُ أهاليها وحكامها حِين قَامَت الْحَرْب بَينه وَبَين نصوح باشا وَبَينه وَبَين ابْن جانبولاذ وَكَانَ هُوَ وأحفاده قد عاثوا فِي الْبِلَاد وفتنوها وَمِنْه كَانَت نشأة فَسَاد الْعَسْكَر الشَّامي وطغيانهم وَمَا زَالَ بَينهم نَافِذا القَوْل مَقْبُول السمعة إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فِي بضع عشرَة وَألف
الشَّيْخ خضر بن حُسَيْن المارديني سبط الْهِنْدِيّ شَارِح الكافية ذكره أَبُو الْوَفَاء العرضي فِي الْمَعَادِن وَقَالَ كَانَ حسن المطارحة لطيف المسامرة عذب الْبَيَان رطب اللِّسَان تدرج فِي دَرَجَات الْكَمَال وترقى فِي معارج الْمجد والإجلال كمن فِي أحناء الْعليا ومعاطف الإرتقا وبطون فحاج الدولة حَتَّى امْتَدَّ بضبعيه على الْجَلالَة والصوله فَصَارَ للحضرة النصوحية مثوى أسرارها وموطن مطالبها
стр. 627
وأوطارها وسويداء أجفانها وَنور إنسانها وروح جسمانها وَحل أرقى مَحل فَصَارَ رابطة العقد والحل فحين زَادَت الرنعة على آمادها انعكست عَلَيْهِ الدَّوَائِر بأضدادها فافترسه نَاب النوب وَلَفظه الدَّهْر فِي هوة سوء المنقلب قدم حلب سنة ثَلَاث عشرَة بعد الْألف وَكَانَ يعرف الألسن الثَّلَاثَة وَله فِيهَا إنْشَاء حسن ونظم وإطلاع على فَضَائِل الْعُلُوم فَسَأَلَ من الْوَالِد يَعْنِي الشَّيْخ عمر العرضي أَن يقرىء أحد تلامذته شرح الكافية للرضى ليسمع فَأمر الْوَالِد الشَّيْخ عبد الْحَيّ القوق سبط البيلوني فَكَانَ يسمع ويتقن تِلْكَ الدُّرُوس ويحتفل بهَا وَيسمع لاخى شرح الْمِفْتَاح للشريف وللفقير فِي شرح الطوالع للأصفهاني وتقرب للوزير نصوح حِين تولى كَفَالَة حلب حَتَّى أحبه وولاه قَائِما بمقام الدفتري وَلما تولى الْوَزير الْمَذْكُور كَفَالَة ديار بكر ثمَّ مَاتَ الْوَزير الْأَعْظَم مُرَاد باشا بهَا وجاءته الوزارة الْعُظْمَى بَعثه الْوَزير نصوح رَسُولا إِلَى بِلَاد الْعَجم للصلح بَين السُّلْطَان أَحْمد والشاه عَبَّاس وَكَانَ من جملَة مَا قَالَ خضر للشاه أهل السّنة يعترضون عَلَيْكُم بكونكم تحرمون طَعَام الْيَهُود وَالنَّصَارَى مَعَ كَونه مُخَالفا للنَّص قَالَ تَعَالَى ﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم﴾ فَأمر الشاه الشَّيْخ بهَا الدّين العاملي بِالْجَوَابِ فَكتب رِسَالَة صدرها باسم الشاه وَقَالَ عَنهُ فِي أثْنَاء الْمَدْح شاه عَبَّاس الصفوي الموسوي الْحُسَيْنِي أَرَادَ الْمَنْسُوب إِلَى الشَّيْخ صفي الدّين والى مُوسَى الكاظم وَإِلَى الْحُسَيْن أما نِسْبَة الشاه إِلَى الشَّيْخ صفي الدّين فَلَا شكّ فِيهَا وَأما نسبته إِلَى الْحُسَيْن فَلم تعهد وَذكر أَن استحاق فِي الْأَمَام المرتضى للخلافة وتقدمه على جَمِيع الْآل وَالْأَصْحَاب فَمَا لَا يشك فِيهِ أولو الْأَلْبَاب وَأما تَحْرِيم طَعَام أهل الْكتاب فَأخذ يُجيب بأجوبة كلهَا واهية ثمَّ جَاءَ خضر برَسُول الصُّلْح من جَانب الشاه وَعقد الصُّلْح وَلما توجه الْوَزير نصوح إِلَى قسطنطينة وَصَارَ صَاحب الْحل وَالْعقد عِنْده خضر الْمَذْكُور قيل عَنهُ أَنه قَالَ لبَعض خدام السلطنة أَنا بتدبيري عقدت الصُّلْح وَلَو أسمع كَلَام الْوَزير وتدبيره مَا صَار الصُّلْح فَإِنَّهُ لَا معرفَة لَهُ بِالتَّدْبِيرِ فأسرها فِي نَفسه الْوَزير وولاه دفتر دارية وَأَن وَأخرجه فِي الْحَال من قسطنطينية وَبعث فِي الطَّرِيق وخنقه وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ عَالما كَامِلا عَار فَإِذا خطّ حسن وإنشاء مستحسن قَالَ العرضي وَقد أسمعني بعض أشعار لَهُ فِي الطَّرِيق على نمط تائية ابْن الفارض وَذكر لي أَنه نظم الشافية لِابْنِ الْحَاجِب فِي التصريف وَكَانَ قَتله فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 628
الشَّيْخ خضر بن عَطاء الله الْموصِلِي نزيل مَكَّة الْعَالم الأديب الْمَشْهُور كَانَ إِمَامًا فِي الْعَرَبيَّة واللغة ومعاني الْأَشْعَار حَافِظًا لكثير مِنْهَا كثير الْعِنَايَة بهَا حسن الضَّبْط مَشْهُورا بمعرفتها وإتقانها هَاجر إِلَى مَكَّة فقطن بهَا وانتظم فِي سلك علمائها وَألف فِي سنة أَربع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة باسم السَّيِّد حسن بن أبي نمى أَمِير مَكَّة كِتَابه الْإِسْعَاف بشرح أَبْيَات القَاضِي والكشاف وَهُوَ كتاب لم تكتحل عين الدَّهْر لَهُ بنظير وَلَا احتوى على مثل أزهار أَلْفَاظه وثمار مَعَانِيه روض نضير وَأَجَازَهُ عَلَيْهِ من المَال ألف دِينَار وَألف باسمه أَيْضا أرجوزة طَوِيلَة فِي فضل أهل الْبَيْت ووقائعهم وَلم يزل مُقيما فِي الْحرم واردا مناهل الْفضل وَالْكَرم حَتَّى رَمَاه عِنْد الشريف وزيره ابْن عَتيق بِأَنَّهُ ينْسب إِلَيْهِ الْمَظَالِم وَيكْتب بذلك إِلَى الرّوم والعجم وَهُوَ مَقْبُول القَوْل عِنْدهم فَأذن لَهُ الشريف فِي إجلائه عَن الْبَلَد الْحَرَام وألزمه بِالْخرُوجِ للْحَال فَخرج مُتَوَجها إِلَى مَدِينَة الرَّسُول وَقد ترنق ورد حَيَاته المغول وَمَا أبعد عَن مَكَّة مرحلَتَيْنِ حَتَّى استولى الْوَزير على دَاره وَنهب جَمِيع مَا فِيهَا ونادى عَلَيْهِ فِي الْأَسْوَاق كَمَا يُنَادي على تركات الْأَمْوَات فَبَلغهُ الْخَبَر فِي أثْنَاء الطَّرِيق فَأصْبح وَهُوَ فِي يم الْهم غريق وفاجأه أَجله قبل وُصُوله إِلَى الْمَدِينَة وَقد ذكره الخفاجي فِي كِتَابيه وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَأنْشد لَهُ من شعره قَوْله مضمنا فِي البرش
(تبدل عَن البرش المبلد بالطلا ... فعالم أهل البرش غمر وجاهر)
(فَمَا البرش أَن فتشت عَن كنهه سوى ... دويهية تصفر مِنْهَا الأنامل)
قَالَ وَمِمَّا مدحته بِهِ فِي شبيبتي قبل نوم سيارة همتي وخمود نَار شرتي
(وصبا من كؤس ذكرك سكرى ... لَك حملتها ثَنَاء وشكرا)
(ولوجدي رقت كطبعك لطفا ... واستعارت من طيب ذكرك نشرا)
(مَعَك الْقلب حَيْثُمَا سرت يسرى ... فاسألنه عَن فَذَلِك أدرى)
(من أولي الْعَزْم لي فؤاد كليم ... فِي الْهوى لَا يزَال يتبع خضرًا)
قلت وَرَأَيْت لَهُ من شعره هَذِه القصيدة مدح بهَا الشريف حسن الْمَذْكُور ومطلعها
(بدر الْمُلُوك أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبُو ... عَليّ الْحسنى السَّامِي بِهِ ساموا)
(خَليفَة الله من دَانَتْ بنصرته ... وَمَا يَشَاء من الأفلاك أجرام)
(فِي كل نَاد لَهُ صيت يهتم بِهِ ... فِي كل وَاد عداهُ خشيَة هاموا)
(لَو سَابق الدَّهْر لاستدراك فَائِتَة ... لرد مِمَّا حواه الدَّهْر أَعْوَام)
стр. 629
(قل للخوارج موتوا فِي ضلالتكم ... فَإِنَّمَا الدّين عِنْد الله إِسْلَام)
(هَذَا ابْن بنت رَسُول الله طَاعَته ... فرض وَفِيه لَا نف الدّين إرغام)
(يطيعه من أطَاع الله متقيا ... وَمن عَصَاهُ عَلَيْهِ النَّص إِلْزَام)
(وَفِي أولى الْأَمر قَول الله حجتنا ... وهم أَئِمَّتنَا بِالْحَقِّ قد قَامُوا)
(يَا حجَّة الله وَالْحَبل المتين وَمن ... فِي غير مرضاته الطَّاعَات آثام)
(أَن يمل نَابِغَة الْجِنّ القريض فلي ... فِي نظم مدحك من جِبْرِيل إلهام)
(فها كها درة بل بَحر فَائِدَة ... لَدَى الْعُقُول ببذل الرّوح تستام)
(تبقى وَتذهب أشعار ملفقة ... كغرة فِي جباه الدَّهْر أَو شام)
(وَأسلم وَدم فِي سرُور بل وَفِي دعة ... مَا قَامَ بِالروحِ بل بِاللَّه أجسام)
وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع بعد الْألف
خَليفَة بن أبي الْفرج الزمزمي الْبَيْضَاوِيّ الأَصْل الْمَكِّيّ المولد والمنشأ الشَّافِعِي كَانَ فَاضلا أديبا ذكيا أريبا باهرا فِي الْأَدَب وفنونه قَرَأَ على الإِمَام مُحَمَّد بن عبد الله الطَّبَرِيّ وَالْإِمَام عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ ومنم عاصرهما من المكيين وَمن مؤلفاته رونق الحسان فِي فَضَائِل الحبشان وَمن شعره قَوْله
(زارت معذبتي لَيْلًا وَفِي يَدهَا ... كاس من الراح تسقيني وأسقيها)
(ريم بقد كَمثل الْغُصْن قامتها ... مَا الظبي مَا الْبَدْر لَا شَيْء يحاكيها)
(والوصل مِنْهَا عز يزقل نائله ... هَيْهَات مطلبها عزت مراميها)
(دَامَت على الصد والهجران مذ نشأت ... ذل الْمحبَّة عز فِي مراقيها)
وَكَانَت وَفَاته فِي ينف وَسِتِّينَ وَألف بِمَكَّة
خَلِيل بن زين الدّين بن خَلِيل بن مَحْمُود بن برهَان الدّين الْمَعْرُوف بالاخنائي الدِّمَشْقِي الْفَقِيه الشَّافِعِي من ذَوي الْبيُوت الْقَدِيمَة بِدِمَشْق وَيُقَال هم أقدم بَيت بهَا لأَنهم من نسل مُعَاوِيَة واتصلوا من عَهده وتفرعوا وأجداده غالبهم قُضَاة الْقُضَاة وصدور الصُّدُور وَلَهُم بِدِمَشْق آثَار كَثِيرَة وأوقاف وتعلقات وخليل هَذَا ولد بِدِمَشْق وَنَشَأ فِي جد واهتمام بتحصيل الْعلم وَقَرَأَ الْكثير وَضبط وَقيد وَأخذ عَن النَّجْم الْغَزِّي وَغَيره وَكَانَ فَاضلا كَامِلا سَاكِنا وقورا وَله مطارحة جَيِّدَة وَرُبمَا نظم الشّعْر لَكِن شعره لَيْسَ بالجيد وَكتب بِخَطِّهِ كتبا كَثِيرَة وَهُوَ فِي الضَّبْط غَايَة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 630
خَلِيل بن عبد الرَّحِيم مفتي الشَّام الشهير بالسعساني لكَون وَالِده كَانَ إِمَامًا بسعسع وَأَصله من بَلْدَة علائية من بِلَاد قرمان وأظن أَن صَاحب التَّرْجَمَة ولد بسعسع وَنَشَأ بِدِمَشْق وَقَرَأَ وساد من حِين شبيبته فسافر إِلَى الرّوم ولازم على قاعدتهم وَلم يزل يسمو بِهِ حَظه إِلَى أَن ولي قَضَاء طرابلس الشَّام مرَّتَيْنِ وَولي قَضَاء قيصرية ثمَّ بعد ذَلِك ولي إِفْتَاء الشَّام وَأعْطى رُتْبَة قَضَاء الْقُدس وَكَانَ مهابا جليل الْقدر عالي الهمة نبيه الذّكر وَفِيه مُرُوءَة وسخاء ومعروف ومتانة وتغلب وعزل عَن الْإِفْتَاء فاستقل بِمنْصب بعلبك على طَرِيق التَّأْبِيد وَلم يزل فِي عز وجاه إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْخَمِيس تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى
خَلِيل باشا ابْن عُثْمَان الْمَعْرُوف بِابْن كيوان أَمِير الْحَاج الشَّامي وَهُوَ أَخُو إِبْرَاهِيم الْمُقدم ذكره فِي حرف الْهمزَة كَانَ من صُدُور دمشق وأعيانها الْمَشْهُود لَهُم بِالرَّأْيِ الصائب والدولة الباهرة وتخول فِي نعم ورفاهية عَيْش وتملك الْأَمْلَاك الْكَثِيرَة وانقاد لَهُ الزَّمن وأحبه أَرْكَان الدولة وملأ صيته بر الشَّام حَتَّى هابه عربانها وَغَيرهم وَكَانُوا يراجعونه فِي مهماتهم وينقادون لأَمره وَلَا يخالفونه فِي حَال من الْأَحْوَال وَقد أسلفنا فِي تَرْجَمَة أَخِيه إِبْرَاهِيم أَنه كَانَ تفرغ عَن منصبه فِي الْعَسْكَر لِأَخِيهِ خَلِيل هَذَا وَكَانَ لَك ابْتِدَاء ظُهُوره وسافر إِلَى فتح إيوار فِي خدمَة الْوَزير الْأَعْظَم أَحْمد باشا الْفَاضِل سنة خمس وَسبعين وَألف واتصل بِهِ فَأَحبهُ وقربه وَعَاد إِلَى دمشق وَقد رَأس ثمَّ فرغ عَن منصبه لِابْنِ أَخِيه حُسَيْن وَهُوَ على الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وتقاعد هُوَ بعلوفة فِي خزينة الشَّام مُدَّة إِلَى أَن حدث من الْأَمِير حمد ابْن رشيد أَمِير بادية الشَّام فِي حق الْحجَّاج مَا حدث من النهب والغارة وَفعل الْأَمِير مُوسَى بن تركمان حسن الْآتِي ذكره مَا فعل من الْقَتْل وَاسْتمرّ فِي غيه وضلاله وَأمر الْحَاج فِي اختلال مُدَّة سِنِين وَلم يتَّفق اصلاحه بِحَال حَتَّى عرض ذَلِك على أَرْكَان الدولة فَرَأَوْا من الصَّوَاب تَوْلِيَة خَلِيل باشا هَذَا أَمر الْحَاج فولي الأمرية وَظَهَرت فِيهَا كِفَايَته وأطاعته جَمِيع العربان وَاسْتمرّ ثَلَاث سِنِين وَالْحجاج فِي أَيَّامه مطمئنون فِي بلهنية من الْعَيْش ورخاء وراحة إِلَى أَن توفّي وَهُوَ مُتَوَجّه بهم فِي أول السّنة الرَّابِعَة من تَوليته تمرض يَوْم طلعة الْمحمل وَيُقَال أَن نَائِب الشَّام سقَاهُ سما فَخرج مَعَ الْمحمل وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ فأدركه أَجله بالضمين وَحمل إِلَى المزيريب وَكَانَت
стр. 631
وَفَاته أَوَاخِر شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف وقبره بالمزيريب ظَاهر وَأَظنهُ مَا جَاوز عمره السِّتين بِكَثِير رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ خير الدّين بن أَحْمد بن نور الدّين عَليّ بن زين الدّين بن عبد الْوَهَّاب الأيوبي العليمي الفاروقي الرَّمْلِيّ الإِمَام الْمُفَسّر الْمُحدث الْفَقِيه اللّغَوِيّ الصرفي النَّحْوِيّ الْبَيَانِي الْعَرُوضِي المعمر شيخ الْحَنَفِيَّة فِي عصره وَصَاحب الفتاوي السائرة وَله غَيرهَا من التآليف النافعة فِي الْفِقْه مِنْهَا حَوَاشِيه على منح الْغفار رد فِيهَا غَالب اعتراضاته على الْكَنْز وحواشيه على شرح الْكَنْز للعيني وعَلى الْأَشْبَاه والنظائر وَله كتابات على الْبَحْر الرَّائِق والزيلعي وجامع الْفُصُولَيْنِ وَله رِسَالَة سَمَّاهَا مَسْلَك الْإِنْصَاف فِي عدم الْفرق بَين مسئلتي السُّبْكِيّ والخصاف الَّتِي فِي الْأَشْبَاه فِي الْقَوَاعِد ورسالة سَمَّاهَا الْفَوْز وَالْغنم فِي مسئلة الشّرف من الام ورسالة فِيمَن قَالَ إِن فعلت كَذَا فَأَنا كَافِر كَانَ أرسل يسْأَله عَنْهَا شيخ الْإِسْلَام يحيى المنقاري مفتي السلطنة الْعلية وَله ديوَان شعر مُرَتّب على حُرُوف المعجم رَأَيْته وانتخبت مِنْهُ بعض مستحسنات من أشعاره فَمن ذَلِك قَوْله فِي الزنبق الَّذِي يُوجد فِي سواحل الْبَحْر الشَّامي وهيئة نواره الْأَبْيَض قِطْعَة وَاحِدَة وَلَيْسَ مُتَفَرقًا كَهَيئَةِ الزنبق الْمُتَعَارف
(وزنبقة قد أشبهت كاس فضَّة ... بِرَأْس قضيب من زمردة عجب)
(سداسي شكل كل زَاوِيَة بِهِ ... على رَأسهَا الْأَعْلَى هِلَال من الذَّهَب)
وَقَوله وَهُوَ من بدائعه
(من شَارك الْإِنْسَان فِي اسْمه ... فحقه قطعا عَلَيْهِ وَجب)
(لذاك من سمى من خلقه ... مُحَمَّدًا فَازَ بِهَذَا السَّبَب)
وَقَوله متغزلا فِي الْخَال وَقد ذكره فِي مجموعته الَّتِي سَمَّاهَا بمطلب الْأَدَب وَغَايَة الأرب الْمُشْتَملَة على أحد عشر بَابا
(بالخد مِنْهُ شَقِيق جلّ وَاضعه ... أعيا الورى فهم شامات بحمرته)
(أَقُول هَذَا ولاعي وَلَا عجب ... قلب الشَّقِيق الَّذِي فِي وسط جنته)
وَسمع قَول أبي الْعَلَاء المعري
(إِذا مَا سمعنَا آدما وفعاله ... وتزويجه ابنيه بنتيه فِي الْخَنَا)
(علمنَا بِأَن الْخلق من نسل فاحر ... وان جَمِيع النَّاس من عنصر الزِّنَا)
стр. 632
وَجَوَاب بَعضهم فِي رده بقوله
(لعمرك أما القَوْل فِيك فصادق ... وَتكذب فِي البَاقِينَ من شط أَو دنا)
(كَذَلِك اقرار الْفَتى لَازم لَهُ ... وَفِي غَيره لَغْو كَذَا جَاءَ شرعنا)
فَكتب عَلَيْهِ لَا يخفى على الجدلي فَسَادًا كَلَام هَذَا الرَّاد الَّذِي يَأْخُذ بخناقه وَيَقْضِي بسماحة أخلاقه قولي فِي الرَّد عَلَيْهِ
(كذبت بِإِجْمَاع الْأَنَام جَمِيعهم ... لَا فكك فِيمَا تدعيه من الْخَنَا)
(وَكَيف وَقد فاض الدَّلِيل بحله ... فَأَنِّي يكون النَّاس من عنصر الزِّنَا)
وَمن شعره قَوْله فِي العذار
(عِنْدَمَا جدّ بالحبيب عذار ... أظهرت لامه لفتك البريه)
(قَالَت النَّاس عِنْد ذَلِك فِيهِ ... قمر تِلْكَ لأمه القمرية)
وقولا متغزلا
(مهفهف الْقد مذ كواني ... بحمرة الخدّ مِنْهُ فِي الْحَيّ)
(فَقلت بِي أَنْت داوني ... قَالَ آخر الطِّبّ عندنَا الكي)
وَقَالَ متغزلا
(أَمن ذكر جَار بِذَات السّلم ... أرقت دموعاً جرت كالعنم)
(وَأم هَاجَتْ الرّيح من جَانب ... بِهِ شادن أهيف قد ألم)
(أتحسب أَن الْهوى مختف ... ودمعك مِنْهُ جرى وانسجم)
(عجبت لخصر لَهُ ناحل ... على حمل رد فِيهِ أَنِّي التأم)
(إِذا مارنا بإهتزاز فقد ... رنا عِنْده هيجان الْأَلَم)
(وَإِن لَاحَ كالظبي لي نافراً ... فقد جر قلبِي بواو الْقسم)
(فَلَا عجب أَن نأى معرضًا ... لِأَن الظبا لم تزل فِيهِ لم)
(وأدعى فصيحاً لَدَى عِتْرَتِي ... وأدعى لَدَيْهِ بداء إِلَيْكُم)
(ترفق بقلب غَدا فِي يَديك ... رَقِيقا وفوّق بِتِلْكَ الشيم)
(وضاهيت خضرًا لَهُ ناحلاً ... وَلَا زمني فِي هَوَاء السقم)
(فذب يَا فُؤَادِي بِنَار الجوى ... فكم قد نهيتك عَن ذَا فَلم)
(أما آن أَن يقْضِي ذَا القلا ... وَمَا آن مِنْك أَوَان الْكَرم)
وَله غير ذَلِك فنكتفي بِهَذَا الْمِقْدَار وأوقفني صاحبنا الْفَاضِل الأديب إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَان الجينيني الْحَنَفِيّ نزيل دمشق على كراسة ترْجم فِيهَا شَيْخه صَاحب التَّرْجَمَة فَمَا أذكرهُ ملخص مِنْهَا قَالَ سلمه الله تَعَالَى كَانَ مولد شَيخنَا بالرملة وَبهَا نَشأ وَقَرَأَ الْقُرْآن
стр. 633
ثمَّ جوده على الشَّيْخ الْقدْوَة مُوسَى بن حسن الغبي الشَّافِعِي الرَّمْلِيّ وَقَرَأَ عَلَيْهِ شَيْئا من أبي شُجَاع فِي فقه الشَّافِعِي ولازمه فِي صغره وانتفع بِهِ وشملته بركته ثمَّ رَحل إِلَى مصر صُحْبَة أَخِيه الْكَبِير عبد النَّبِي فِي سنة سبع بعد الْألف وَكَانَ أَخُوهُ الْعَلامَة شمس الدّين تقدمه لمصر لطلب الْعلم وَكَانَ أسن مِنْهُ وَخير الدّين أَصْغَرهم قَالَ وَكَانَ يحدثنا أَنه فِي لَيْلَة دُخُوله إِلَى مصر أحس بالإحتلام فَلَمَّا أصبح طلب من أَخِيه عبد النَّبِي أَن يدْخلهُ الْحمام فَأدْخلهُ ثمَّ جَاءَ بِهِ إِلَى جَامع الْأَزْهَر وَكَانَ بالجامع من الْأَوْلِيَاء الْمَشْهُورين الشَّيْخ فأيد وَكَانَ مقره دَائِما بِبَاب الْجَامِع وَكَانَ مُعْتَقدًا أهل مصر فِي وقته قَالَ وَعند دُخُول شَيخنَا الْجَامِع أَرَادَ أَن يقبل يَد الشَّيْخ فَايِد فقطب وَجهه فِيهِ وَقَالَ لَهُ رحَ عني وَلم يُمكنهُ من تَقْبِيل يَده فَدخل وخاطره منكسر من ذَلِك وَمكث أَيَّامًا فِي الْجَامِع فَفِي بعض الْأَيَّام كَانَ مارا وَإِذا بالشيخ فَايِد يَقُول تعال يَا شيخ الْإِسْلَام تعال يَا شيخ الْإِسْلَام بِهَذَا اللَّفْظ قَالَ فَمَا عرفت لمن النداء وَإِذا بِهِ يُشِير إِلَيّ فَجئْت إِلَيْهِ وَقبلت يَده فهش لي وَكَانَ بعْدهَا إِذا جِئْت إِلَيْهِ استقبلني وأجلسني وأستنشدني من كَلَام الْقَوْم حَتَّى كنت إِذا أردْت الْقيام لَا يمكنني إِلَّا بعد الْجهد وحصلت لي بركته وَكَانَ يحلق للنَّاس لوجه الله تَعَالَى وَعَلمنِي الحلاقة ووهبني موسين وَحجر مسن وهم عِنْدِي ثمَّ أَرَادَ الِاشْتِغَال بِفقه الشَّافِعِي واشتغل بِهِ أَيَّامًا فشق ذَلِك على أَخِيه وَعَلِيهِ لكَونه كَانَ خَالِي العذار وَلم يرض أَن يُوَافق أَخَاهُ فِي الِانْتِقَال لمَذْهَب الْحَنَفِيَّة وَلم يرض أَخُوهُ أَن يُوَافقهُ فِي الِاشْتِغَال بِفقه الشَّافِعِي فَشَاور فِي ذَلِك بعض أكَابِر عُلَمَاء الْجَامِع قَالَ فَأَشَارَ لشَيْخِنَا بِأَن يكْتب رقْعَة بواقعة الْحَال ويلقي الرقعة على قبر الإِمَام الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى وَأَن يجلس هُنَاكَ فَكتب رقْعَة وَتوجه بهَا فألقاها وَجلسَ فَأَخَذته سنة من النّوم فرآى الإِمَام الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى وَهُوَ يَقُول كلنا على هدى فجَاء وَأخْبر الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِ بذلك فَقَالَ لَهُ هَذِه إجَازَة من الإِمَام بِأَن توَافق أَخَاك فِي الْقِرَاءَة على مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَوَافَقَ أَخَاهُ وجد واجتهد ودأب فِي تَحْصِيل الْعُلُوم وَأَخذهَا عَن أَهلهَا وفَاق أَخَاهُ ولازم الشَّيْخ عبد الله بن مُحَمَّد النحريري الْحَنَفِيّ علام الْأَزْهَر فِي فقه الْحَنَفِيَّة وَقَرَأَ عَلَيْهِ شرح الْكَنْز للعيني مرّة وَأُخْرَى لم تتمّ وغالب صدر الشَّرِيعَة وَمثله الْأَشْبَاه والنظائر وَجُمْلَة من شرح الْقطر للْمُصَنف وَجُمْلَة كَبِيرَة من تَبْيِين الْحَقَائِق وَالِاخْتِيَار شرح الْمُخْتَار وَابْن ملك على الْمجمع والسراجية مَعَ شرحها للسَّيِّد وَشرح الرحبية
стр. 634
للشنشوري وَغَيرهَا من الْكتب وَكَانَ أخص مشايخه ولازمه مُدَّة إِقَامَته بِمصْر حَتَّى إِن النحريري كَانَ لَهُ خلْوَة بالبرقوقية فأنزله هُوَ وأخاه فِيهَا وَكَانَ يَأْتِي إِلَيْهِمَا بهَا كثيرا وَكَانَ يَجْعَل لَهما درسا خَاصّا غير درسه الْعَام الَّذِي بِجَامِع الْأَزْهَر وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ من أجلاء الْعلمَاء الجنفية الْعَلامَة مُحَمَّد بن مُحَمَّد سراج الدّين الحانوتي صَاحب الفتاوي الْمَشْهُورَة قَرَأَ عَلَيْهِ دروسا من كنز الدقائق وَأَجَازَهُ فِي أواسط الْمحرم سنة تسع بعد الْألف وَقَرَأَ على الشَّيْخ الإِمَام أَحْمد بن مُحَمَّد أَمِين الدّين بن عبد العال فِي تَقْسِيم شرح الْكَنْز للزيلعي وَكتب لَهُ إِجَارَة بِخَطِّهِ وَهُوَ يروي الحَدِيث عَنهُ وَهُوَ عَن وَالِده عَن شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا عَن الْحَافِظ ابْن حجر وَقَرَأَ الْأُصُول على الْعَلامَة مُحَمَّد ابْن بنت مُحَمَّد وَقَرَأَ على الشَّيْخ مُحَمَّد بن بنت الشلبي والْحَدِيث عَن الْعَالم الْجَلِيل أبي النجا سَالم السنهوري مُحدث الْأَزْهَر والقراآت على مقري زَمَانه الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن البهني وَأخذ النَّحْو عَن نادرة زمانة أبي بكر الشنواني وَعَن الشَّيْخ سُلَيْمَان ابْن عبد الدَّائِم البابلي وَكَانَ الشَّيْخ إِبْرَاهِيم اللَّقَّانِيّ رفيقهم على الشنواني إِذا فرغ من قِرَاءَته عَلَيْهِ عمل لَهُ درسا فيحضره أَيْضا وَأقَام بِمصْر بالجامع الْأَزْهَر فِي أَخذ الْعلم سِتّ سِنِين وَحصل كتبا بِخَطِّهِ وَكتب لغيره وَأفْتى وَهُوَ بِجَامِع الْأَزْهَر وَكتب لَهُ أجَازه الشَّيْخ التحريري وَشَيْخه ابْن عبد العال عِنْد توجهه فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث عشرَة وَألف وَقدم بَلْدَة الرملة فِي ذِي الْحجَّة أَوَاخِر هَذِه السّنة وَاجْتمعَ فِي عودة بعلماء غَزَّة وبحاكمها الْأَمِير أَحْمد بن رضوَان فَأكْرمه وَحصل لَهُ مِنْهُ أنعام واعتنى بِهِ وَأقَام بِبَلَدِهِ ثمَّ أَخذ فِي الْأَقْرَاء والتعليم والإفتاء والتدريس وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر واشتهر علمه وَبعد صيته وشاعت فَتَاوَاهُ فِي الْآفَاق ووردت إِلَيْهِ الأسئلة من كل جانت حَتَّى إِنَّه كَانَ لَا يكَاد يفرغ من الأشغال بالفتوى لِكَثْرَة مَا يرد عَلَيْهِ فِيهَا الْجَوْدَة كِتَابَته عَلَيْهَا وَأخذ فِي غرس الكروم ومباشرتها بِيَدِهِ حَتَّى أَنه غرس ألوفا من الْأَشْجَار الْمُخْتَلفَة من الْفَوَاكِه والتين وَالزَّيْتُون وَحصل أملاكا وعقارات غالبها من بنائِهِ وَكَانَ يَأْكُل مِنْهَا وَكَسبه من حل وَلم يتَعَرَّض من الْجِهَات والأوقاف لشَيْء وَفِي ذَلِك يَقُول
(بورك لي فِي المرّ والمسحاة ... فَمَا هُوَ الملجئ للجهات)
(وَهِي إِذا قَامَ عَلَيْهَا صَدَقَة ... وللذي فرط نَار محرقة)
وَكَانَت خبراته عَامَّة على أَهله واتباعه وجيرانه بل على أهل بَلَده وانتفعوا بِهِ دينا
стр. 635
وَدُنْيا ورمم كثيرا من جوامعها ومساجدها ومدافن الْأَوْلِيَاء وَحصل من الْكتب شَيْئا كثيرا مَا ينوف عَن ألف ومئتي مُجَلد غالبها من نفائس الْكتب ومشاهيرها من كل علم وَكَانَ عِنْده مِنْهَا نسخ مكررة وانتفع بِهِ خلق لَا يُحصونَ وَكَانَت الوزراء والأمراء والموالي وَالْعُلَمَاء والمشايخ يسعون إِلَيْهِ وعظمت بركته وَعم نَفعه وَكثر أَخذ النَّاس عَنهُ وغالب من أَخذ عَنهُ اكابر النَّاس وأجلاؤهم مِنْهُم الموَالِي وَالْعُلَمَاء الْكِبَار والمفتون والمدرسون وَأَصْحَاب التآليف والمشاهير وقصده النَّاس من الأقطار الشاسعة للأخذ عَنهُ وَطلب الْإِجَازَة مِنْهُ فَمن أَخذ عَنهُ وَلَده الْعَلامَة محيي الدّين الْآتِي ذكره وَمَات فِي حَيَاة وَالِده وَالسَّيِّد الْجَلِيل مُحَمَّد الْأَشْعَرِيّ مفتي الشَّافِعِيَّة بالقدس وَمن أهل الْقُدس الْعَلامَة السَّيِّد عبد الرَّحِيم بن أبي اللطف مفتي الْحَنَفِيَّة بهَا والعلامة مُحَمَّد بن حَافظ الدّين السروري والفاضل يُوسُف بن الشَّيْخ رَضِي الدّين اللطفي خطيب الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَمن أهل غَزَّة الْعَلامَة عمر المشرقي مفتي الْحَنَفِيَّة بهَا وَالشَّيْخ عَليّ مفتي الشَّافِعِيَّة وَأخذ عَنهُ غَالب عُلَمَاء دمشق مِنْهُم من رَحل إِلَيْهِ وَمِنْهُم من استدعاه مِنْهُم الْعَالم الْهمام السَّيِّد مُحَمَّد بن السَّيِّد كَمَال الدّين بن حَمْزَة النَّقِيب وَأَوْلَاده الثَّلَاثَة السَّيِّد عب الرَّحْمَن وَالسَّيِّد عبد الْكَرِيم وَالسَّيِّد إِبْرَاهِيم رحم الله مِنْهُم ماضين أولين وَأبقى آخَرين آخَرين والعلامة الْفَقِيه مُحَمَّد عَلَاء الدّين ابْن عَليّ الحصكفي مفتي الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق والعلامة السَّيِّد مُحَمَّد بن عجلَان النَّقِيب وَغَيرهم وَمن أهل الْحَرَمَيْنِ الْعَالم الْعُمْدَة عِيسَى بن مُحَمَّد الثعالبي المغربي نزيل مَكَّة والعلامة الْمُحَقق الْكَبِير مُحَمَّد بن سُلَيْمَان السُّوسِي المغربي نزيل مَكَّة وَفَارِس حلبة البراعة إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن الخياري الْمدنِي وَغَيرهم وَمن أهل الرّوم الْفَاضِل الْمَشْهُور اللوذعي مصطفى باشا ابْن المرحوم الْوَزير الْأَعْظَم مُحَمَّد باشا الكوبري وَطلب الْإِجَازَة مِنْهُ لِأَخِيهِ الصَّدْر الْأَعْظَم أَحْمد باشا عِنْد مروره بالرملة فِي شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف وَمِنْهُم ابْن عَمه الْفَاضِل والمحقق حُسَيْن جلبي وَمن كَانَ فِي صحبتهم من الْفُضَلَاء وقرأوا عَلَيْهِ دروسا فِي الحَدِيث وَالْفِقْه وَالْأُصُول وَأَجَازَ الْجَمِيع وَأخذ عَنهُ من المغاربة الشَّيْخ الإِمَام الْعُمْدَة الرحلة الْمُفَسّر الْمُحدث النَّحْوِيّ صَاحب التصانيف يحيى بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عِيسَى بن أبي البركات شَارِح خَلِيل الجزائري الشاوي المغربي حَال توجهه إِلَى الرّوم وَهُوَ آخر من أجَازه موفيهم الْعَالم الْعَامِل سَيِّدي عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي بكر العياشي والفاضل الْكَامِل
следующие страницы →