← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وَفَاته أَوَاخِر شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف وقبره بالمزيريب ظَاهر وَأَظنهُ مَا جَاوز عمره السِّتين بِكَثِير رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ خير الدّين بن أَحْمد بن نور الدّين عَليّ بن زين الدّين بن عبد الْوَهَّاب الأيوبي العليمي الفاروقي الرَّمْلِيّ الإِمَام الْمُفَسّر الْمُحدث الْفَقِيه اللّغَوِيّ الصرفي النَّحْوِيّ الْبَيَانِي الْعَرُوضِي المعمر شيخ الْحَنَفِيَّة فِي عصره وَصَاحب الفتاوي السائرة وَله غَيرهَا من التآليف النافعة فِي الْفِقْه مِنْهَا حَوَاشِيه على منح الْغفار رد فِيهَا غَالب اعتراضاته على الْكَنْز وحواشيه على شرح الْكَنْز للعيني وعَلى الْأَشْبَاه والنظائر وَله كتابات على الْبَحْر الرَّائِق والزيلعي وجامع الْفُصُولَيْنِ وَله رِسَالَة سَمَّاهَا مَسْلَك الْإِنْصَاف فِي عدم الْفرق بَين مسئلتي السُّبْكِيّ والخصاف الَّتِي فِي الْأَشْبَاه فِي الْقَوَاعِد ورسالة سَمَّاهَا الْفَوْز وَالْغنم فِي مسئلة الشّرف من الام ورسالة فِيمَن قَالَ إِن فعلت كَذَا فَأَنا كَافِر كَانَ أرسل يسْأَله عَنْهَا شيخ الْإِسْلَام يحيى المنقاري مفتي السلطنة الْعلية وَله ديوَان شعر مُرَتّب على حُرُوف المعجم رَأَيْته وانتخبت مِنْهُ بعض مستحسنات من أشعاره فَمن ذَلِك قَوْله فِي الزنبق الَّذِي يُوجد فِي سواحل الْبَحْر الشَّامي وهيئة نواره الْأَبْيَض قِطْعَة وَاحِدَة وَلَيْسَ مُتَفَرقًا كَهَيئَةِ الزنبق الْمُتَعَارف (وزنبقة قد أشبهت كاس فضَّة ... بِرَأْس قضيب من زمردة عجب) (سداسي شكل كل زَاوِيَة بِهِ ... على رَأسهَا الْأَعْلَى هِلَال من الذَّهَب) وَقَوله وَهُوَ من بدائعه (من شَارك الْإِنْسَان فِي اسْمه ... فحقه قطعا عَلَيْهِ وَجب) (لذاك من سمى من خلقه ... مُحَمَّدًا فَازَ بِهَذَا السَّبَب) وَقَوله متغزلا فِي الْخَال وَقد ذكره فِي مجموعته الَّتِي سَمَّاهَا بمطلب الْأَدَب وَغَايَة الأرب الْمُشْتَملَة على أحد عشر بَابا (بالخد مِنْهُ شَقِيق جلّ وَاضعه ... أعيا الورى فهم شامات بحمرته) (أَقُول هَذَا ولاعي وَلَا عجب ... قلب الشَّقِيق الَّذِي فِي وسط جنته) وَسمع قَول أبي الْعَلَاء المعري (إِذا مَا سمعنَا آدما وفعاله ... وتزويجه ابنيه بنتيه فِي الْخَنَا) (علمنَا بِأَن الْخلق من نسل فاحر ... وان جَمِيع النَّاس من عنصر الزِّنَا)

стр. 632

وَجَوَاب بَعضهم فِي رده بقوله (لعمرك أما القَوْل فِيك فصادق ... وَتكذب فِي البَاقِينَ من شط أَو دنا) (كَذَلِك اقرار الْفَتى لَازم لَهُ ... وَفِي غَيره لَغْو كَذَا جَاءَ شرعنا) فَكتب عَلَيْهِ لَا يخفى على الجدلي فَسَادًا كَلَام هَذَا الرَّاد الَّذِي يَأْخُذ بخناقه وَيَقْضِي بسماحة أخلاقه قولي فِي الرَّد عَلَيْهِ (كذبت بِإِجْمَاع الْأَنَام جَمِيعهم ... لَا فكك فِيمَا تدعيه من الْخَنَا) (وَكَيف وَقد فاض الدَّلِيل بحله ... فَأَنِّي يكون النَّاس من عنصر الزِّنَا) وَمن شعره قَوْله فِي العذار (عِنْدَمَا جدّ بالحبيب عذار ... أظهرت لامه لفتك البريه) (قَالَت النَّاس عِنْد ذَلِك فِيهِ ... قمر تِلْكَ لأمه القمرية) وقولا متغزلا (مهفهف الْقد مذ كواني ... بحمرة الخدّ مِنْهُ فِي الْحَيّ) (فَقلت بِي أَنْت داوني ... قَالَ آخر الطِّبّ عندنَا الكي) وَقَالَ متغزلا (أَمن ذكر جَار بِذَات السّلم ... أرقت دموعاً جرت كالعنم) (وَأم هَاجَتْ الرّيح من جَانب ... بِهِ شادن أهيف قد ألم) (أتحسب أَن الْهوى مختف ... ودمعك مِنْهُ جرى وانسجم) (عجبت لخصر لَهُ ناحل ... على حمل رد فِيهِ أَنِّي التأم) (إِذا مارنا بإهتزاز فقد ... رنا عِنْده هيجان الْأَلَم) (وَإِن لَاحَ كالظبي لي نافراً ... فقد جر قلبِي بواو الْقسم) (فَلَا عجب أَن نأى معرضًا ... لِأَن الظبا لم تزل فِيهِ لم) (وأدعى فصيحاً لَدَى عِتْرَتِي ... وأدعى لَدَيْهِ بداء إِلَيْكُم) (ترفق بقلب غَدا فِي يَديك ... رَقِيقا وفوّق بِتِلْكَ الشيم) (وضاهيت خضرًا لَهُ ناحلاً ... وَلَا زمني فِي هَوَاء السقم) (فذب يَا فُؤَادِي بِنَار الجوى ... فكم قد نهيتك عَن ذَا فَلم) (أما آن أَن يقْضِي ذَا القلا ... وَمَا آن مِنْك أَوَان الْكَرم) وَله غير ذَلِك فنكتفي بِهَذَا الْمِقْدَار وأوقفني صاحبنا الْفَاضِل الأديب إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَان الجينيني الْحَنَفِيّ نزيل دمشق على كراسة ترْجم فِيهَا شَيْخه صَاحب التَّرْجَمَة فَمَا أذكرهُ ملخص مِنْهَا قَالَ سلمه الله تَعَالَى كَانَ مولد شَيخنَا بالرملة وَبهَا نَشأ وَقَرَأَ الْقُرْآن

стр. 633

ثمَّ جوده على الشَّيْخ الْقدْوَة مُوسَى بن حسن الغبي الشَّافِعِي الرَّمْلِيّ وَقَرَأَ عَلَيْهِ شَيْئا من أبي شُجَاع فِي فقه الشَّافِعِي ولازمه فِي صغره وانتفع بِهِ وشملته بركته ثمَّ رَحل إِلَى مصر صُحْبَة أَخِيه الْكَبِير عبد النَّبِي فِي سنة سبع بعد الْألف وَكَانَ أَخُوهُ الْعَلامَة شمس الدّين تقدمه لمصر لطلب الْعلم وَكَانَ أسن مِنْهُ وَخير الدّين أَصْغَرهم قَالَ وَكَانَ يحدثنا أَنه فِي لَيْلَة دُخُوله إِلَى مصر أحس بالإحتلام فَلَمَّا أصبح طلب من أَخِيه عبد النَّبِي أَن يدْخلهُ الْحمام فَأدْخلهُ ثمَّ جَاءَ بِهِ إِلَى جَامع الْأَزْهَر وَكَانَ بالجامع من الْأَوْلِيَاء الْمَشْهُورين الشَّيْخ فأيد وَكَانَ مقره دَائِما بِبَاب الْجَامِع وَكَانَ مُعْتَقدًا أهل مصر فِي وقته قَالَ وَعند دُخُول شَيخنَا الْجَامِع أَرَادَ أَن يقبل يَد الشَّيْخ فَايِد فقطب وَجهه فِيهِ وَقَالَ لَهُ رحَ عني وَلم يُمكنهُ من تَقْبِيل يَده فَدخل وخاطره منكسر من ذَلِك وَمكث أَيَّامًا فِي الْجَامِع فَفِي بعض الْأَيَّام كَانَ مارا وَإِذا بالشيخ فَايِد يَقُول تعال يَا شيخ الْإِسْلَام تعال يَا شيخ الْإِسْلَام بِهَذَا اللَّفْظ قَالَ فَمَا عرفت لمن النداء وَإِذا بِهِ يُشِير إِلَيّ فَجئْت إِلَيْهِ وَقبلت يَده فهش لي وَكَانَ بعْدهَا إِذا جِئْت إِلَيْهِ استقبلني وأجلسني وأستنشدني من كَلَام الْقَوْم حَتَّى كنت إِذا أردْت الْقيام لَا يمكنني إِلَّا بعد الْجهد وحصلت لي بركته وَكَانَ يحلق للنَّاس لوجه الله تَعَالَى وَعَلمنِي الحلاقة ووهبني موسين وَحجر مسن وهم عِنْدِي ثمَّ أَرَادَ الِاشْتِغَال بِفقه الشَّافِعِي واشتغل بِهِ أَيَّامًا فشق ذَلِك على أَخِيه وَعَلِيهِ لكَونه كَانَ خَالِي العذار وَلم يرض أَن يُوَافق أَخَاهُ فِي الِانْتِقَال لمَذْهَب الْحَنَفِيَّة وَلم يرض أَخُوهُ أَن يُوَافقهُ فِي الِاشْتِغَال بِفقه الشَّافِعِي فَشَاور فِي ذَلِك بعض أكَابِر عُلَمَاء الْجَامِع قَالَ فَأَشَارَ لشَيْخِنَا بِأَن يكْتب رقْعَة بواقعة الْحَال ويلقي الرقعة على قبر الإِمَام الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى وَأَن يجلس هُنَاكَ فَكتب رقْعَة وَتوجه بهَا فألقاها وَجلسَ فَأَخَذته سنة من النّوم فرآى الإِمَام الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى وَهُوَ يَقُول كلنا على هدى فجَاء وَأخْبر الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِ بذلك فَقَالَ لَهُ هَذِه إجَازَة من الإِمَام بِأَن توَافق أَخَاك فِي الْقِرَاءَة على مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَوَافَقَ أَخَاهُ وجد واجتهد ودأب فِي تَحْصِيل الْعُلُوم وَأَخذهَا عَن أَهلهَا وفَاق أَخَاهُ ولازم الشَّيْخ عبد الله بن مُحَمَّد النحريري الْحَنَفِيّ علام الْأَزْهَر فِي فقه الْحَنَفِيَّة وَقَرَأَ عَلَيْهِ شرح الْكَنْز للعيني مرّة وَأُخْرَى لم تتمّ وغالب صدر الشَّرِيعَة وَمثله الْأَشْبَاه والنظائر وَجُمْلَة من شرح الْقطر للْمُصَنف وَجُمْلَة كَبِيرَة من تَبْيِين الْحَقَائِق وَالِاخْتِيَار شرح الْمُخْتَار وَابْن ملك على الْمجمع والسراجية مَعَ شرحها للسَّيِّد وَشرح الرحبية

стр. 634

للشنشوري وَغَيرهَا من الْكتب وَكَانَ أخص مشايخه ولازمه مُدَّة إِقَامَته بِمصْر حَتَّى إِن النحريري كَانَ لَهُ خلْوَة بالبرقوقية فأنزله هُوَ وأخاه فِيهَا وَكَانَ يَأْتِي إِلَيْهِمَا بهَا كثيرا وَكَانَ يَجْعَل لَهما درسا خَاصّا غير درسه الْعَام الَّذِي بِجَامِع الْأَزْهَر وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ من أجلاء الْعلمَاء الجنفية الْعَلامَة مُحَمَّد بن مُحَمَّد سراج الدّين الحانوتي صَاحب الفتاوي الْمَشْهُورَة قَرَأَ عَلَيْهِ دروسا من كنز الدقائق وَأَجَازَهُ فِي أواسط الْمحرم سنة تسع بعد الْألف وَقَرَأَ على الشَّيْخ الإِمَام أَحْمد بن مُحَمَّد أَمِين الدّين بن عبد العال فِي تَقْسِيم شرح الْكَنْز للزيلعي وَكتب لَهُ إِجَارَة بِخَطِّهِ وَهُوَ يروي الحَدِيث عَنهُ وَهُوَ عَن وَالِده عَن شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا عَن الْحَافِظ ابْن حجر وَقَرَأَ الْأُصُول على الْعَلامَة مُحَمَّد ابْن بنت مُحَمَّد وَقَرَأَ على الشَّيْخ مُحَمَّد بن بنت الشلبي والْحَدِيث عَن الْعَالم الْجَلِيل أبي النجا سَالم السنهوري مُحدث الْأَزْهَر والقراآت على مقري زَمَانه الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن البهني وَأخذ النَّحْو عَن نادرة زمانة أبي بكر الشنواني وَعَن الشَّيْخ سُلَيْمَان ابْن عبد الدَّائِم البابلي وَكَانَ الشَّيْخ إِبْرَاهِيم اللَّقَّانِيّ رفيقهم على الشنواني إِذا فرغ من قِرَاءَته عَلَيْهِ عمل لَهُ درسا فيحضره أَيْضا وَأقَام بِمصْر بالجامع الْأَزْهَر فِي أَخذ الْعلم سِتّ سِنِين وَحصل كتبا بِخَطِّهِ وَكتب لغيره وَأفْتى وَهُوَ بِجَامِع الْأَزْهَر وَكتب لَهُ أجَازه الشَّيْخ التحريري وَشَيْخه ابْن عبد العال عِنْد توجهه فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث عشرَة وَألف وَقدم بَلْدَة الرملة فِي ذِي الْحجَّة أَوَاخِر هَذِه السّنة وَاجْتمعَ فِي عودة بعلماء غَزَّة وبحاكمها الْأَمِير أَحْمد بن رضوَان فَأكْرمه وَحصل لَهُ مِنْهُ أنعام واعتنى بِهِ وَأقَام بِبَلَدِهِ ثمَّ أَخذ فِي الْأَقْرَاء والتعليم والإفتاء والتدريس وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر واشتهر علمه وَبعد صيته وشاعت فَتَاوَاهُ فِي الْآفَاق ووردت إِلَيْهِ الأسئلة من كل جانت حَتَّى إِنَّه كَانَ لَا يكَاد يفرغ من الأشغال بالفتوى لِكَثْرَة مَا يرد عَلَيْهِ فِيهَا الْجَوْدَة كِتَابَته عَلَيْهَا وَأخذ فِي غرس الكروم ومباشرتها بِيَدِهِ حَتَّى أَنه غرس ألوفا من الْأَشْجَار الْمُخْتَلفَة من الْفَوَاكِه والتين وَالزَّيْتُون وَحصل أملاكا وعقارات غالبها من بنائِهِ وَكَانَ يَأْكُل مِنْهَا وَكَسبه من حل وَلم يتَعَرَّض من الْجِهَات والأوقاف لشَيْء وَفِي ذَلِك يَقُول (بورك لي فِي المرّ والمسحاة ... فَمَا هُوَ الملجئ للجهات) (وَهِي إِذا قَامَ عَلَيْهَا صَدَقَة ... وللذي فرط نَار محرقة) وَكَانَت خبراته عَامَّة على أَهله واتباعه وجيرانه بل على أهل بَلَده وانتفعوا بِهِ دينا

стр. 635

وَدُنْيا ورمم كثيرا من جوامعها ومساجدها ومدافن الْأَوْلِيَاء وَحصل من الْكتب شَيْئا كثيرا مَا ينوف عَن ألف ومئتي مُجَلد غالبها من نفائس الْكتب ومشاهيرها من كل علم وَكَانَ عِنْده مِنْهَا نسخ مكررة وانتفع بِهِ خلق لَا يُحصونَ وَكَانَت الوزراء والأمراء والموالي وَالْعُلَمَاء والمشايخ يسعون إِلَيْهِ وعظمت بركته وَعم نَفعه وَكثر أَخذ النَّاس عَنهُ وغالب من أَخذ عَنهُ اكابر النَّاس وأجلاؤهم مِنْهُم الموَالِي وَالْعُلَمَاء الْكِبَار والمفتون والمدرسون وَأَصْحَاب التآليف والمشاهير وقصده النَّاس من الأقطار الشاسعة للأخذ عَنهُ وَطلب الْإِجَازَة مِنْهُ فَمن أَخذ عَنهُ وَلَده الْعَلامَة محيي الدّين الْآتِي ذكره وَمَات فِي حَيَاة وَالِده وَالسَّيِّد الْجَلِيل مُحَمَّد الْأَشْعَرِيّ مفتي الشَّافِعِيَّة بالقدس وَمن أهل الْقُدس الْعَلامَة السَّيِّد عبد الرَّحِيم بن أبي اللطف مفتي الْحَنَفِيَّة بهَا والعلامة مُحَمَّد بن حَافظ الدّين السروري والفاضل يُوسُف بن الشَّيْخ رَضِي الدّين اللطفي خطيب الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَمن أهل غَزَّة الْعَلامَة عمر المشرقي مفتي الْحَنَفِيَّة بهَا وَالشَّيْخ عَليّ مفتي الشَّافِعِيَّة وَأخذ عَنهُ غَالب عُلَمَاء دمشق مِنْهُم من رَحل إِلَيْهِ وَمِنْهُم من استدعاه مِنْهُم الْعَالم الْهمام السَّيِّد مُحَمَّد بن السَّيِّد كَمَال الدّين بن حَمْزَة النَّقِيب وَأَوْلَاده الثَّلَاثَة السَّيِّد عب الرَّحْمَن وَالسَّيِّد عبد الْكَرِيم وَالسَّيِّد إِبْرَاهِيم رحم الله مِنْهُم ماضين أولين وَأبقى آخَرين آخَرين والعلامة الْفَقِيه مُحَمَّد عَلَاء الدّين ابْن عَليّ الحصكفي مفتي الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق والعلامة السَّيِّد مُحَمَّد بن عجلَان النَّقِيب وَغَيرهم وَمن أهل الْحَرَمَيْنِ الْعَالم الْعُمْدَة عِيسَى بن مُحَمَّد الثعالبي المغربي نزيل مَكَّة والعلامة الْمُحَقق الْكَبِير مُحَمَّد بن سُلَيْمَان السُّوسِي المغربي نزيل مَكَّة وَفَارِس حلبة البراعة إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن الخياري الْمدنِي وَغَيرهم وَمن أهل الرّوم الْفَاضِل الْمَشْهُور اللوذعي مصطفى باشا ابْن المرحوم الْوَزير الْأَعْظَم مُحَمَّد باشا الكوبري وَطلب الْإِجَازَة مِنْهُ لِأَخِيهِ الصَّدْر الْأَعْظَم أَحْمد باشا عِنْد مروره بالرملة فِي شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف وَمِنْهُم ابْن عَمه الْفَاضِل والمحقق حُسَيْن جلبي وَمن كَانَ فِي صحبتهم من الْفُضَلَاء وقرأوا عَلَيْهِ دروسا فِي الحَدِيث وَالْفِقْه وَالْأُصُول وَأَجَازَ الْجَمِيع وَأخذ عَنهُ من المغاربة الشَّيْخ الإِمَام الْعُمْدَة الرحلة الْمُفَسّر الْمُحدث النَّحْوِيّ صَاحب التصانيف يحيى بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عِيسَى بن أبي البركات شَارِح خَلِيل الجزائري الشاوي المغربي حَال توجهه إِلَى الرّوم وَهُوَ آخر من أجَازه موفيهم الْعَالم الْعَامِل سَيِّدي عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي بكر العياشي والفاضل الْكَامِل

стр. 636

سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله بن سَيِّدي مُحَمَّد العياشي الْوَلِيّ الْمَشْهُور سُلْطَان الغرب وَغَيرهم وانتفع بهم نَاس فَألْحق الأصاغر بالأكابر والأحفاد بالأجداد وَكَانَ سَمحا بِالْإِجَازَةِ مَا طلبَهَا أحد مِنْهُ ورده بل كل من طلبَهَا مِنْهُ يُجِيزهُ أما بِالْكِتَابَةِ وَأما بِاللِّسَانِ حَتَّى أَنه أجَاز أهل عصره وَكَانَ حَرِيصًا على إِفَادَة النَّاس وجبر خواطرهم مكرم للْعُلَمَاء وطلبة الْعلم غيورا عَلَيْهِم ناصراً لَهُم دافعا عَنْهُم مَا اسْتَطَاعَ وَكَانَ معتدل الطول شثن الْأَعْضَاء والأنامل أَبيض بياضه مشرب بحمرة ذَا شيبَة حَسَنَة وهيئة مستحسنة لم ير النَّاظر أبهى مِنْهُ وَجها من اجْتمع بِهِ لَا يكَاد ينساه لِكَثْرَة تواضعه ولين جَانِبه وَحسن مصاحبته وَكَثْرَة فَوَائده وفصاحة مَنْطِقه وإكرامه للوارد عَلَيْهِ ومجلسه مَحْفُوظ من الْفُحْش والغيبة لَا يخلى أوقاته من الْكِتَابَة أَو الإفادة أة الْمُرَاجَعَة للمسائل وتحريرها صَادِق اللهجة ذَا فراسة إيمانية وَحِكْمَة لقمانية متين الدّين عَظِيم الهيبة تهابه الْحُكَّام من الْقُضَاة وَأهل السياسة وَكَانَت الرملة فِي زَمَنه أعدل الْبِلَاد وللشرع بهَا ناموس عَظِيم وَكَذَا فِي غَالب الْبِلَاد الْقَرِيبَة مِنْهَا فَإِنَّهُ كَانَ إِذا حكم على إِنْسَان بِغَيْر وَجه شَرْعِي جَاءَهُ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ بِصُورَة حجَّة القَاضِي قيفتيه بِبُطْلَانِهِ فنتقذ فتواه وَقل أَن تقع وَاقعَة مشكلة فِي دمشق أَو فِي غَيرهَا من المدن الْكِبَار إِلَّا ويستفتي فِيهَا مَعَ كَثْرَة الْعلمَاء والمفتين وَكَانَت أَعْرَاب الْبَوَادِي إِذا وصلت إِلَيْهِم فتواه لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهَا مَعَ أَنهم لَا يعْملُونَ بِالشَّرْعِ فِي غَالب أُمُورهم وَالْحَاصِل أَنه حاتمة الْعلمَاء الْكِبَار وَمَا ذكر من أَحْوَاله بِالنِّسْبَةِ إِلَى جلالة قدره وعلو شَأْنه قَطْرَة من بَحر وشذرة من عقد وَكَانَت وِلَادَته فِي أَوَائِل شهر رَمَضَان الْمُعظم من شهور سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَحَد قريب الْفجْر السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بمَكَان بمحلة الباشقردي قَرِيبا من مدفن الشَّيْخ ابْن عبد الله مُحَمَّد البطايحي رَحمَه الله تَعَالَى من جِهَة الْقبْلَة بِوَصِيَّة كَانَت صدرت مِنْهُ وَبني عَلَيْهِ وَلَده نجم الدّين قبَّة والعليمي بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء وَكسر الْمِيم هَذِه النِّسْبَة إِلَى سَيِّدي عَليّ بن عليم الْوَلِيّ الْمَشْهُور والفاروقي نِسْبَة إِلَى الْفَارُوق أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَإِنَّهُ صَحَّ نِسْبَة ابْن عليم إِلَيْهِ والأيوبي نِسْبَة إِلَى بعض أجداده دون ابْن عليم رَحمَه الله تَعَالَى (حرف الدَّال الْمُهْملَة)

стр. 637

السَّيِّد دَاوُد بن سُلَيْمَان بن علوان بن نور الدّين بن عبد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن ولي بن عبد الْوَهَّاب بن عَليّ بن الْوَلِيّ الْعَارِف السَّيِّد نَفِيس الرحماني ابْن مُحَمَّد بن حيدر بن عَليّ بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن بن مُحَمَّد الأشتر ابْن عبد الله الثَّالِث ابْن عَليّ أبي الْحسن الْأَكْبَر ابْن عبد الله الْأَصْغَر الثَّانِي ابْن عَليّ الصَّالح ابْن عبد الله الْأَعْرَج ابْن الْحُسَيْن بن زين العابدين بن الْحُسَيْن بن عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِم الرحماني الشَّافِعِي الْمصْرِيّ السَّيِّد الْفَاضِل الْعلم الْعَامِل كَانَ من أجلاء الْمَشَايِخ الملازمين لإقراء الْعلم والإفتاء والتدريس بالجامع الْأَزْهَر وَمن الْمَشْهُورين بِالدّينِ المتين والورع وَالْعقل الرصين أَخذ عَن الشَّمْس مُحَمَّد الشَّوْبَرِيّ وعامر الشبراوي وسلطان المزاحي وَعلي الشبراملسي وَمُحَمّد البابلي وَغَيرهم وبرع فِي سَائِر الْفُنُون وَأَجَازَهُ شُيُوخه وَألف كتبا عديدة مِنْهَا حَاشِيَة على شرح الْجلَال الْمحلي وحاشية على شرح التَّحْرِير وحاشية على شرح أبي شُجَاع لِابْنِ قَاسم الغزى وحاشية على شرح الشذور وحاشية على شرح الْقطر لِابْنِ هِشَام وحاشية على شرح السنوسية وَله كتاب تحفة أولي الْأَلْبَاب والجواهر السّنيَّة فِي أصُول طَريقَة الصُّوفِيَّة وتحفة السّمع وَالْبَصَر بصادق الْخَبَر ومناسك وَغير ذَلِك من الرسائل والكتب وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فِي سنة ثَمَان وَسبعين وَألف وَدفن بتربة المجاورين والرحماني نِسْبَة إِلَى محلّة عبد الرَّحْمَن بالبحيرة من قرى مصر وَالله تَعَالَى أعلم الْحَكِيم دَاوُد بن عمر البصيراد نطاكي نزيل الْقَاهِرَة الْحَكِيم الطَّبِيب الْمَشْهُور رَأس الْأَطِبَّاء فِي زَمَانه وَشَيخ الْعُلُوم الْحكمِيَّة وأعجوبة الدَّهْر ذكره أَبُو الْمَعَالِي الطالوي فِي سانحانه وَأطَال فِي توصيفه ثمَّ قَالَ وَقد سَأَلته عَن مسْقط رَأسه ومشتعل نبراسه فَأخْبر أَنه ولد بانطاكية بِهَذَا الْعَارِض وَلم يكن لَهُ بعد الْولادَة بِعَارِض قَالَ ثمَّ إِنِّي بلغت من السن عدد سيارة النُّجُوم وَأَنا لَا أقدر على أَن أنهض وَلَا أقوم لعارص ريح تحكم فِي الأعصاب منع قوائمي من حَرَكَة الإنتصاب وَكَانَ وَالِدي رَئِيس قَرْيَة سَيِّدي حبيب النجار لَهُ كرم وخيم وَطيب نجار فَاتخذ قرب مَزَار سَيِّدي حبيب رِبَاطًا للواردين وَبني فِيهِ حجرات للْفُقَرَاء والمجاورين ورتب لَهَا فِي كل صباج من الطَّعَام مَا يحملهُ إِلَيْهَا بعض الخدام وَكنت أحمل فِي كل يَوْم إِلَى صحن الرِّبَاط فأقيم فِيهِ سَحَابَة يويمي ويعاد بِي إِلَى منزل وَالِدي عِنْد نومي وَكنت أذذاك قد حفظت الْقُرْآن ولقنت مُقَدمَات تثقيف اللِّسَان

стр. 638

وَأَنا لَا أفتر فِي تِلْكَ الْحَال عَن مُنَاجَاة قيم الْعَالم فِي سري ومبدع الْكل فِيمَا إِلَيْهِ تؤول عَاقِبَة أَمْرِي فَبينا أَنا كَذَلِك إِذا بِرَجُل جَاءَ من أقْصَى الْمَدِينَة يسْعَى كَأَنَّهُ ينشد ضَالَّة أَو أضلّ الْمَسْعَى فَنزل من الرِّبَاط بساحته وَقضى فِيهِ أَثوَاب سياحته فَإِذا هُوَ من أفاضل الْعَجم ذُو قدر منيف يدعى بِمُحَمد شرِيف فَبعد أَن ألْقى فِيهِ عَصا التسيار وَكَانَ لَا يألف منزلا كَالْقَمَرِ السيار استأذنه بعض المجاورين فِي الْقِرَاءَة عَلَيْهِ وابتدأ فِي بعض الْعُلُوم الإلهية فَكنت أسابقه إِلَيْهِ فَلَمَّا رأى مَا رأى مني استخبر مِمَّن هُنَالك عني فأجبته وَلم يَك غير الدمع سَائِلًا ومجيبا فَعِنْدَ ذَلِك اصْطنع لي دهنا مسدني بِهِ فِي حر الشَّمْس ولفني بلفافة من فرقي إِلَى قدمي حَتَّى كذت أفقد عَن الْحس وتكرر مِنْهُ ذَلِك مرَارًا من غير فَاضل فمشت الْحَرَارَة الغريزية فِي كالحميا فِي المفاصل فبعدها شدّ من وثاقي وفصدني من عضدي وساقي فَقُمْت بقدرة لوَاحِد الْأَحَد بنفسي لَا بمعونة أحد وَدخلت الْمنزل على وَالِدي فَلم يَتَمَالَك سُرُورًا وانقلب إِلَى أَهله فَرحا مَسْرُورا فضمني إِلَى صَدره وسألني عَن حَالي فَحَدَّثته بِحَقِيقَة مَا جرى لي فَمشى من وقته إِلَى الْأُسْتَاذ وَدخل حجرته وشكر سَعْيه وأجزل عطيته فَقبل مِنْهُ شكره واستعفاه بره وَقَالَ إِنَّمَا فعلت ذَلِك لما رَأَيْت فِيهِ من الْهَيْئَة الاستعدادية لقبُول مَا يلقى إِلَيْهِ من الْعُلُوم الْحَقِيقِيَّة فابتدأت عَلَيْهِ بِقِرَاءَة الْمنطق ثمَّ اتبعته بالرياضي فَلَمَّا تمّ شرعت فِي الطبيعي فَلَمَّا أكملت شَرّ أَبَت نَفسِي لتعلم اللُّغَة الفارسية فَقَالَ يَا بني إِنَّهَا سهلة لكل أحد وَلَكِنِّي أفيدك اللُّغَة اليوناينة فَإِنِّي لَا أعلم الْآن على وَجه الأَرْض من يعرفهَا أحد غَيْرِي فأخذتها عَنهُ وَأَنا بِحَمْد الله الْآن فِيهَا كَهُوَ إِذْ ذَاك ثمَّ مَا برح أَن سَار كالبدر يطوي الْمنَازل لدياره وانقطعت عَنى بعد ذَلِك سيارة أخباره ثمَّ جرت الأقدار بِمَا جرت وخلت الديار من أَهلهَا وأقفرت بتنكرها عَليّ لانتقال وَالِدي واعتقال مَا أحرزته من طريفي وتالدي فَكَانَ ذَلِك دَاعِيَة المهاجرة لديار مصر والقاهرة فَخرجت عَن الوطن فِي رفْقَة كرام لؤم بعض المدن من سواحل الشَّام حَتَّى إِذا صرت فِي بعض ثغورها المحمية دعتني همة علية أَو علوِيَّة أَن أصعد مِنْهُ جبل عَامله فصعدته مَنْصُوبًا على الْمَدْح وَكنت عَامله وَأخذت عَن مشايخها مَا أخذت وبحثت مَعَ فضلائها فِيمَا بحثت ثمَّ ساقتني الْعِنَايَة الإلهية إِلَى أَنِّي دخلت حمى دمشق المحمية فاجتمعت بِبَعْض علمائها من مَشَايِخ الْإِسْلَام كَأبي الْفَتْح مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن

стр. 639

عبد السَّلَام وكشمس علومها الْبَدْر الْغَزِّي العامري ذَلِك الإِمَام وَالشَّيْخ عَلَاء الدّين الْعِمَادِيّ ثمَّ لم ألبث أَن هَبَطت مصر هبوط آدم من الْجنَّة لما وَجدتهَا كَمَا قَالَ أَبُو الطّيب ملاعب جنه فَكَأَنَّهَا مغاني الشّعب وَأَنا المعني فِيهَا بقوله (وَلَكِن الْفَتى الْعَرَبِيّ فِيهَا ... غَرِيب الْوَجْه وَالْيَد وَاللِّسَان) تنبو عَن قبُول الْحِكْمَة فِيهَا طباع الرِّجَال نبو قيناتهم الحسان لحى شيب القذال ترى نفرة أحدهم عَن كمالهم السرمد نفرة الظلام رأى الظلام فجود ثمَّ تمثل بقول الْقَائِل (مَا مقَامي بِأَرْض نحلة إِلَّا ... كمقام الْمَسِيح بَين الْيَهُود) (أَنا فِي أمة تداركها ... الله غَرِيب كصالح فِي ثَمُود) هَذَا مَا طارحني بِهِ فِي بعض مطارحاته وحَدثني فِي جملَة مسامراته وَكَانَ فِيهِ دعابة يؤنس بهَا جليسه كَيْلا يعرف الوحشة أنيسه إِلَى حسن سجايا كالرياض بكتها الأمطار فَضَحكت ثغور أقاحها عَن باسم الْأَنْوَار وكرم نجار وَطيب وخيم تعرف فِي وَجهه نَضرة النَّعيم وَأما فرقه من الْمعَاد وخشيته من رب الْعباد فَلم ير لغير من أهل هَذَا الطَّرِيق وَأَصْحَاب أُولَئِكَ الْفَرِيق وَكَثِيرًا مَا يتَمَثَّل بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وهما لعبد الله طَاهِر بن الْحُسَيْن (الْأُم تطيلي العتب فِي كل سَاعَة ... فَلم لَا تملين القطيعة والهجرا) (رويدك إِن الدَّهْر فِيهِ كِفَايَة ... لتفريق ذَات الْبَين فانتظري الدهرا) وَكَانَ إِذا سُئِلَ عَن شَيْء من الْفُنُون الْحكمِيَّة والطبيعية والرياضية أمْلى السَّائِل فِي ذَلِك مَا يبلغ الكراسة والكراستين كَمَا هُوَ مَشْهُور مثل ذَلِك عَن الشَّيْخ الرئيس أبي عَليّ بن الْحُسَيْن فَمن ذَلِك مَا شاهدته وَهُوَ بحجرته الظَّاهِرِيَّة وَقد سَأَلَهُ رجل عَن حَقِيقَة النَّفس الإنسانية فأملى على السَّائِل رِسَالَة عَظِيمَة فِي ذَلِك وعرضها عَلَيْهِ وَله من التآليف والرسائل والإشعار المزرية بروض الخمائل مَا هُوَ بأيدي النَّاس مألوف عِنْد أربابه من الْفُضَلَاء مَعْرُوف فَمن ذَلِك الْكتاب الَّذِي صنفه وَسَماهُ بتذكرة أولي الْأَلْبَاب وَالْجَامِع للعجب العجاب جمع فِيهَا الطِّبّ وَالْحكمَة وَهِي بأيدي النَّاس شهيرة ثمَّ احتصرها لقُصُور الهمم فِي مُجَلد وَله كتاب الْبَهْجَة فِي جلد والدرة المنتخبة فِيمَا صَحَّ من الْأَدْوِيَة المجربة وَله رِسَالَة فِي الْحمام ألفها باسم الْأُسْتَاذ الْبكْرِيّ وَشرح قصيدة النَّفس الْمَشْهُورَة للشَّيْخ الرئيس ابْن سينا وَهُوَ

стр. 640

شرح فصل فِيهِ حَقِيقَة النَّفس وجوهرها النفيس يُرْضِي السَّائِل وان كَانَ هُوَ الشَّيْخ الرئيس وَله قِطْعَة منظومة فِي هَذَا الْمَعْنى تشعر باعتراض فِيهَا على الشَّيْخ وَهِي (من بَحر أنوار الْيَقِين بحسنها ... فلوصل اَوْ فصل تنوب كَمَا ادّعى) (أَو للكمال فهيكل لَا ترتضى ... للمطلق الثَّانِي يَصح لأَرْبَع) (هبه يَصح فقدره من أوج مَا ... قدست يكمل بالحضيض البلقع) (تالله مَا هَبَطت وَلَكِن أهبطت ... فبقسر أَو بِالِاخْتِيَارِ لمن يعي) (وَعَلَيْهِمَا تتبدد الأحيان أَو ... تفنى فَتدخل فِي الْمحل المفقع) وَكَانَت قصيدة الْحَكِيم الْفَاضِل والفيلسوف الْكَامِل أبي عَليّ الْحُسَيْن ابْن سطر الْبَغْدَادِيّ الَّتِي خَاطب بهَا الْفلك وتشتمل على مبَاحث الْحِكْمَة وَأكْثر مسَائِل الفلسفة وَهِي أبدع الشّعْر وأعذبه وأبلغ النّظم ومستعذبه كثيرا مَا يلهج يإيرادها ويعتني فِي غَالب أوقاته بإنشادها وَهِي (بِرَبِّك أَيهَا الْفلك الْمدَار ... أتصد ذَا الْمسير أم اضطرار) (مسيرك قل لنا فِي أَي شَيْء ... فَفِي أفهامنا مِنْك انبهار) (وفيك نرى الْقَضَاء فَهَل فضاء ... سوى هَذَا الفضاء بِهِ تدار) (وعندك ترتع الْأَرْوَاح أم هَل ... مَعَ الأجساد يُدْرِكهَا الْبَوَار) (وموج ذَا المجرة أم فرند ... على لجج الدروع لَهُ أوار) (وفيك الشَّمْس رَافِعَة شعاعا ... بأجنحة قوادمها قصار) (وطوق فِي النَّحْو من اللَّيَالِي ... هِلَال أم يَد فِيهَا سوار) (وشهب ذِي الخواطف أم ذبال ... عَلَيْهَا المرخ يقْدَح والعفار) (وترصيع نجومك أم حباب ... تؤلف بَينه للحجيج الغزار) (تمر بواديا لَيْلًا وتطوي ... نَهَارا أمثل مَا طوى النَّهَار) (فكم بصفائها صدأ البرايا ... وَمَا يصد لَهَا أبدا غرار) (تباري ثمَّ تحسر راجعات ... وتكنس مثل مَا كنس الصوار) (فَبينا الشرق يقذفها صعُودًا ... تلقاها من الغرب انحدارا) (عَليّ ذَا مَا مضى وَعَلِيهِ تمْضِي ... طوال مني وآجال قصار) (وَأَيَّام تعرفنا مداها ... لَهَا أنفاسنا أبدا شفار) (ودهر ينثر الْأَعْمَار نثرا ... كَمَا للغصن بالورق انتثار)

стр. 641

(وَدُنْيا كلما وضعت جَنِينا ... عداهُ من نوائبها ظؤار) (هِيَ العشواء مَا خبطت هشيم ... هِيَ العجماء مَا جرحت جَبَّار) (فَمن يَوْم بِلَا أمس ليَوْم ... بِغَيْر غَد إِلَيْهِ مَا يسَار) (وَمن نفين فِي أخدُود ... لروح الْمَرْء فِي الْجِسْم انتشار) وَكَانَ كثير التمثل بقول الشَّيْخ الرئيس أبي عَليّ بن سينا (عُطَارِد قد وَالله طَال ترددى ... مسَاء وصبحاً كي أَرَاك فأغنما) (فها أَنا فامدد لي قوى أدْرك المنى ... بهَا والعلوم الغامضات تكرّماً) (ووقني الْمَحْذُور والشركله ... بِأَمْر مليك خَالق الأَرْض والسما) قلت وَله فِي التَّذْكِرَة فصل عقده لدَعْوَة الْكَوَاكِب وَهُوَ الَّذِي فتح عَلَيْهِ بَاب الوقيعة حَتَّى استهدفه كثير من النَّاس بسهام الذَّم يذكر مُنَاجَاة الْكَوَاكِب وَالسُّجُود لَهَا فان وَقع فِي وهمك شَيْء من الْإِنْكَار فطالع ذَلِك الْفَصْل من أوّله تَجدهُ قد قَالَ وَمِنْهُم من يتَوَصَّل إِلَى خطاب الْأَرْوَاح بدعوات الْكَوَاكِب ودخنها وَفِيه إخلال بنواميس شرعنا لَا يملكهَا إِلَّا من يخرقه وحاشا أَن مثل هَذَا الْأُسْتَاذ يرضى لنَفسِهِ خرق الشَّرِيعَة وَإِنَّمَا ذكر مثل هَذَا فِي كِتَابه ليَكُون مُشْتَمِلًا على فنون شَتَّى نعم قد رَأَيْت مَدين القوصوني قد تَرْجمهُ وَجزم بِأَنَّهُ شيعي وَعبارَته فِي حَقه هَكَذَا وَكَانَ شِيعِيًّا مُخَالفا لعقيدة الأشعرية وهم الَّذين يثبتون لله صِفَات قديمَة ويثبتون الْإِمَامَة بالإتفاق وَالنَّص وموافقا لعقيدة الشِّيعَة وهم الَّذين بَايعُوا عليا وَقَالُوا بإمامته نصا وَوَصِيَّة وَالْحق أَحَق أَن يتبع فِي بَيَان مُعْتَقد الْإِنْسَان وَمَا هُوَ عَلَيْهِ كَانَ فقد قَالَ الإِمَام السُّبْكِيّ فِي أول طبقاته وَهَذَا شَيخنَا الذَّهَبِيّ من هَذَا الْقَبِيل لَهُ علم وديانة وَعِنْده على أهل السّنة تحمل مفرط فَلَا يجوز أَن يعْتَمد عَلَيْهِ وَهُوَ شَيخنَا ومعلمنا غير أَن الْحق أَحَق أَن يتبع وَقد وصل من التعصب المفرط إِلَى حد يستحيا مِنْهُ وَأَنا أخْشَى عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة من غَالب عُلَمَاء الْمُسلمين وأئمتهم الَّذين حملُوا لنا الشَّرِيعَة النَّبَوِيَّة فَإِن غالبهم أشاعرة وَهُوَ إِذا وَقع بأشعري لَا يبْقى وَلَا يذر وَالَّذِي أعتقده أَنهم خصماؤه يَوْم الْقِيَامَة فَالله الْمَسْئُول أَن يُخَفف عَنهُ وَأَن يشفعهم فِيهِ انْتهى وَصَاحب التَّرْجَمَة من هَذَا الْقَبِيل فكم لَهُ من إعتقادات فَاسِدَة وأقاويل كَاذِبَة بَاطِلَة مِنْهَا قَوْله فِي شرح منظومة الشَّيْخ ابْن سينا الَّتِي أَولهَا هَبَطت اليك من الْمحل الأرفع فِيمَا يتَعَلَّق بخرق الأفلاك مَا نَصه أَن جَوَاز الْخرق محَال لَا يُقَال يلْزم عَلَيْهِ تَكْذِيب صَاحب

стр. 642

الشَّرْع فِي دَعْوَى الْمِعْرَاج لعدم جَوَازه بِدُونِ ذَلِك لانا نقُول هَذَا شَيْء تَقول بِهِ سخفاء الْعُقُول من المتشرعين فَإِن الْمِعْرَاج إِن لم يكن مَشْرُوطًا بِعَدَمِ جَوَاز الْخرق لم يكن إعجاز إِذا المعجز الخارق للْعَادَة والصعود إِلَى السَّمَاء يسْتَلْزم الْخرق فَلَو كَانَ جَائِزا لم يكن لَهُ ﵇ مزية على غَيره وَقد فرضناه مُنْفَردا عَن بني آدم كَافَّة بذلك هَذَا خلف انْتهى قلت قَالَ النَّسَفِيّ والمعراج برَسُول الله فِي الْيَقَظَة بشخصه إِلَى السَّمَاء ثمَّ إِلَى مَا شَاءَ الله تَعَالَى من الْعلَا حَتَّى قَالَ السعد التَّفْتَازَانِيّ أَي ثَابت بالْخبر الْمَشْهُور حَتَّى إِن منكره يكون مبتدعا وإنكاره وإدعاء استحالته إِنَّمَا يتبنى على أصُول الفلاسفة وَإِلَّا فالخرق والالتئام على السَّمَوَات جَائِز والأجسام متماثلة يَصح على كل مَا يَصح على الآخر وَالله تَعَالَى قَادر على الممكنات كلهَا انْتهى هَذَا وَمَا يَقُوله هَذَا الزاعم فِي قَوْله تَعَالَى وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا بل رَفعه الله إِلَيْهِ فِي حق سيدنَا عِيسَى ﵊ وَمَا يَقُول أَيْضا فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي أخرجه القَاضِي عِيَاض فِي الشفا وَالْإِمَام مُسلم فِي صَحِيحه وَغَيرهمَا بالسند الْمُتَّصِل عَن أنس بن مَالك أَن رَسُول الله قَالَ ثمَّ عرج بِنَا إِلَى السَّمَاء الثَّانِيَة فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيل فَقيل من قَالَ جِبْرِيل قيل وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد قيل وَقد بعث إِلَيْهِ قَالَ قد بعث إِلَيْهِ فَفتح لنا فَإِذا أَنا بِابْني الْخَالَة عِيسَى بن مَرْيَم وَيحيى بن زَكَرِيَّا فَعلم بِمَا ذكره فِي النَّص من كتاب الله تَعَالَى بِرَفْع سيدنَا عِيسَى وَالنَّص من حَدِيث رَسُول الله إِنَّه وجده فِي السَّمَاء الثَّانِيَة فقد قَالَ الإِمَام النَّسَفِيّ ورد النُّصُوص كفر وَمِنْهَا قَوْله أَيْضا بعد مَا يطول ذكره نَاقِلا مَا فِي التَّنْزِيل عَن سيدنَا مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُون فَقَالَ اخلفني فِي قومِي وَأصْلح وَهَذَا قَالَ يَعْنِي النَّبِي لسيدنا عَليّ أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى فالمشاورة المشرفة للتَّخْيِير على مقامات النُّبُوَّة خلية عَن الْوَحْي الملكي لَا للتَّخْيِير فنبي أَمن من الْخَطَأ يحرض على الْإِصْلَاح ووصى لم ير عصمته إِلَّا الْخَواص يشاور على الرضى بأعمال الْأَنْبِيَاء هَل هَذَا الْأَمر الْأسر جلبته الْخلَافَة وحققته الألوهية إِذا كَانَ الْكفْر خِلَافه انْتهى فَانْظُر إِلَى هَذَا الِاعْتِقَاد الظَّاهِر الْفساد الَّذِي أوجب لَهُ مَا أوجبه لغيره الْمُخَالفين لَهُ وهم أهل السّنة مَعَ إِجْمَاع الصَّحَابَة على خلَافَة أبي بكر وَكَيف وَقد قَالَ السعد التَّفْتَازَانِيّ بعد قَول الإِمَام النَّسَفِيّ وخلافتهم ثَابِتَة على هَذَا التَّرْتِيب يَعْنِي أَن الْخلَافَة بعد رَسُول الله لأبي بكر ثمَّ لعمر ثمَّ لعُثْمَان ثمَّ

стр. 643

لعَلي ﵃ أَجْمَعِينَ وَذَلِكَ لِأَن الصَّحَابَة قد احجتوا يَوْم توفّي رَسُول الله فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة وَاسْتقر رَأْيهمْ بعد الْمُشَاورَة والمنازعة على خلَافَة أبي بكر واجمعوا على ذَلِك وَبَايَعَهُ على على رُؤْس الْإِشْهَاد بعد توقف كَانَ مِنْهُ وَلَو لم تكن الْخلَافَة حَقًا لما اتّفق عَلَيْهَا لبصحابة ولنازعه عَليّ كَمَا نَازع مُعَاوِيَة ولاحتج عَلَيْهِم لَو كَانَ فِي حَقه نَص كَمَا زعمت الشِّيعَة فَكيف يتَصَوَّر فِي حق أَصْحَاب رَسُول الله الإتفاق على الْبَاطِل أَو ترك الْعَمَل بِالنَّصِّ الْوَارِد انْتهى كَلَام السعد هَذَا وَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة أَيْضا فِي الشَّرْح الْمَذْكُور لَا سيف إِلَّا ذُو الفقار وَلَا فَتى إِلَّا على قَامَ الْحصْر دَلِيلا على الْقصر كَانَ قصر قلب فَصَارَ كشف كرب إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي فَقَالَ أخلفني فَلَا خلاف فِي الْخلَافَة إِثْبَاتًا والنبوة محوا وَقَالَ لعمَّار إِلَى كم تَأْكُل الْخَبَر وتشرب المَاء فَقَالَ أهوَ الْيَوْم فَقَالَ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ فبرز فَكَانَ مَا كَانَ وَكَذَلِكَ خرج لَيْلَة ابْن ملجم فِي السحر ينظر إِلَى السَّمَاء تلذذا بِمَا خصص بِهِ وَطَاعَة وَإجَابَة فَأكْثر من ذَلِك ثمَّ نهى عَن ردع إِلَّا وزة وَقَالَ هِيَ صوايح يتلوهن النوايح كَيفَ يزْدَاد يَقِينا من جَمِيع المسئلة وَالْجَوَاب وأحاط بِكُل شَيْء علما فَهُوَ وَالله الْكتاب وَتَعيهَا إِذن وَاعِيَة فَآمن مَعَه وَصلى لَا ثَالِث لَهما فَجَاءَت الْخلَافَة عَن ثَلَاث فَكَانَ هُوَ الرَّابِع أخرج الْخَطِيب عَن عبد بن حميد فِي التوريريات يَا عَليّ من لم يقل أَنَّك رَابِع الْخُلَفَاء فَعَلَيهِ لعنة الله لِأَن الله قَالَ لآدَم إِنِّي جاعلك فِي الأَرْض خَليفَة يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُون أخلفني فِي قومِي ثمَّ قَالَ لَهُ يَوْم تَبُوك كن على مَا أَنا عَلَيْهِ حَتَّى أرجع فَقَالَ أَعلَى الصّبيان وَالنِّسَاء فَقَالَ أما ترْضى أَن تكون منى بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى الحَدِيث وَفِيه طول انْتهى وَهَذَا بعض مَا ذكره من الْكَلَام فِي هَذَا الْمقَام وَالله أعلم وَالسَّلَام فَتَأمل مَا فِيهِ عَن الْفساد وَالله لطيف بالعباد وَله من المؤلفات الشَّرْح الْمَذْكُور سَمَّاهُ الْكحل النفيس لجلاء عين الرئيس وَله غَايَة المرام فِي تَحْرِير الْمنطق وَالْكَلَام وَهَذَا الإسم للْإِمَام الْآمِدِيّ لَهُ كتاب سَمَّاهُ غَايَة المرام فِي علم الْكَلَام وَله نزهة الأذهان فِي إصْلَاح الْأَبدَان وَله زِينَة الطروس فِي أَحْكَام الْعُقُول والنفوس وَله الفية فِي الطِّبّ وَله نظم قانونجك وَله شرح على النّظم الْمَذْكُور وَله شرع على أَبْيَات السهروردي الَّتِي أَولهَا (خلعت هيا كلهَا بجرعاء الْحمى ... وصبت لمغناها الْقَدِيم تشوّقاً)

стр. 644

وَله مُخْتَصر أسواق الأشواق للبقاعي سَمَّاهُ تَزْيِين الْأَسْوَاق وَله رِسَالَة فِي الْهَيْئَة وَله كِفَايَة الْمُحْتَاج فِي علم العلاج قلت وَهَذِه زِيَادَة على تأليفه الَّتِي ذكرهَا الطالوي وَقد ذكره البديعي فِي ذكرى حبيب فَقَالَ فِي وَصفه ضَرِير مَاله فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة نَظِير وطبيب مَاله فِي الْأَزْمِنَة الغابرة ضريب حَكِيم صفت من قذى الْخَطَأ موارد أنظاره وَصحت عَن غمام الأوهام آفَاق أفكاره حل عقد المشكلات بِمَا قَيده وبيض وَجه الْعُلُوم الرياضية بِمَا سوده بآثار تَقْتَضِي إِثْبَات محاسنه بالتخليد وَتَقْيِيد مآثره للتأبيد وَكَانَ ملازما لكتاب اخوان الصَّفَا وخلان الوفا للمجريطي ولكتابيه رُتْبَة الْحَكِيم وَغَايَة الْحَكِيم وَمن كتب الشَّيْخ القانون والشفا والنجاة وَالْحكمَة الشرقية والتعليقات ورسالة الأجرام السماوية والإشارات مَعَ شَرحه لنصير الدّين الطوسي وَللْإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ والمحاكمات بَينهمَا لقطب الدّين الرَّازِيّ وحواشيه للسَّيِّد وَمن كتب السهروردي الْمَشَارِق والمطارحات وَكتاب التلويحات وَشَرحه لهبة الله الْبَغْدَادِيّ وَكَانَ شرِيف مَكَّة يلهج بتذكاره ويستهدي من الْحجَّاج تفاريق أخباره وهزه الشوق على أَن استقدمه عَلَيْهِ واستحضره إِلَيْهِ ليجعل السماع عيَانًا وَالْخَبَر برهانا فَلَمَّا مثل بساحته طامعا فِي تَقْبِيل رَاحَته أَمر أَن يعرض عَلَيْهِ أحد حاضري مجْلِس أنسه ليختبر بذلك قُوَّة حدسه فمذ صافحت يَده يَد ذَلِك الجليس قَالَ هَذِه يَد دعى خسيس لَا يضوع مِنْهَا أرج النُّبُوَّة وَلَا يستنشق عرف الفتوة ثمَّ أَمر بعرضه على الْقَوْم وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى وصل إِلَى الشريف فَقبل يَده تَقْبِيل الْمُحب الْوَاجِد وأعجب من ذَلِك مَا أَخْبرنِي بِهِ من أَثِق بِهِ بِالْقَاهِرَةِ المعزية قَالَ كَانَ لَهُ حجرَة بِالْمَدْرَسَةِ الظَّاهِرِيَّة اتخذها لإجتماعه بِالنَّاسِ ومداواة أَصْحَاب الباس فورد عَلَيْهِ فِي بعض الْأَيَّام رجل من الِاجْتِهَاد مجهر بِالسَّلَامِ فمذ سمع سَلَامه عرف مرامه وَقَالَ اذْهَبْ فَلَا شفى الله لَك عِلّة وَلَا برد الله لَك غله تشرب الْخمر وَتفعل لَك الْأَمر حَتَّى يحدثا لَك هَذَا الدَّاء وَتَأْتِي الضَّرِير تروم مِنْهُ الأدواء ثمَّ استتابه وشفاه من دائه بعد مَا أشفاه وَمَا فهم كنه علته الْأَمْن تحرّك شفته وعجائبه فِي هَذَا الْبَاب لَا تحصى وغرائبه لَا تستقصى وَقَالَ الشلي فِي تَارِيخه العقد عِنْدَمَا ذكره أَنه استدعاه الشريف حسن لبَعض نِسَائِهِ فَلَمَّا دخل قادته جَارِيَة وَلما خرجت بِهِ قَالَ للشريف إِن الْجَارِيَة لما دخلت بِي كَانَت بكرا وَلما خرجت بِي صَارَت

стр. 645

ثَيِّبًا فَسَأَلَهَا الشريف وَأَعْطَاهَا الْأمان من المعاقبة فَأَخْبَرته أَن فلَانا استفضها قهرا فَسَأَلَهُ فاعترف بذلك وَحكى الشَّمْس البابلي الْمصْرِيّ أَن الْحَكِيم دَاوُد مر بِبَعْض الحارات الَّتِي يسكنهَا الضُّعَفَاء والفقراء فَسمع صَوت مَوْلُود حَال وِلَادَته فَقَالَ هَذَا صَوت بكري فتفحصوا عَن ذَلِك فوجدوه كَمَا قَالَ وَإِن بعض البكريين تزوج ببنت فَقير خُفْيَة وَوَافَقَ مُرُور صَاحب التَّرْجَمَة حَال وِلَادَتهَا بِالْوَلَدِ قلت وَمِمَّا ينْقل من غَرَائِبه وَلَا أَدعِي صِحَّته أَنه ورد إِلَى مَكَّة طَبِيب وَمَعَهُ حب قَابض فَرغب النَّاس فِيهِ واشتهر أمره فوصل خَبره إِلَى دَاوُد فجَاء إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَن تركيب الْحبّ الْمَذْكُور فَأَجَابَهُ أَن شهرتك فِي الحذق تنبو عَن هَذَا السُّؤَال وَيَنْبَغِي لمثلك أَن يخبر بأجزائه إِذا أذاقه فَقَالَ لَهُ إِذا أَخْبَرتك هَل تصدقني وَلَا تخَالف على فِي شَيْء فأقسم لَهُ أَنه لايخالف عَلَيْهِ فِي شيئ فَقَالَ لَهُ كم عدد أَجْزَائِهِ فَقَالَ ثَلَاثُونَ فذاقه ثمَّ أَخذ يذكر الْأَجْزَاء وَاحِدًا بعد وَاحِد والطبيب يصدقهُ على مَا يَقُول إِلَى أَن بَقِي جُزْء وَاحِد فاظهر الْعَجز عَن مَعْرفَته فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب لَا بُد وَأَن تمعن النّظر فِيهِ وتظهره فذاق حَبَّة وَتوقف حِصَّة ثمَّ قَالَ لَهُ أَن كَانَ وَلَا بُد فَهَذَا الْجُزْء مِمَّا لَا طعم لَهُ وَلَا رَائِحَة وَهُوَ الكهربا وَهِي مُبَالغَة بَالِغَة إِلَى إفراط وَلَوْلَا شهرتها عَنهُ كثيرا فِي الْأَلْسِنَة مَا ذكرتها نعم حكوا عَنهُ مَا هُوَ ألطف موقعا من هَذِه وَهِي أَن رجلا دخل عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ أَي شَيْء يقوم مقَام اللَّحْم فَقَالَ الْبيض فَغَاب عَنهُ سنة وجاءه فَرَآهُ منهمكا فِي تركيب يجمع أجزاءه فَقَالَ لَهُ بِأَيّ شَيْء يقلى فَقَالَ بالسمن وَهَذِه شَبيهَة بِقصَّة أبي الْعَلَاء المعري مَعَ المنازي لما أنْشدهُ بِالشَّام أبياتا فَقَالَ أَنْت أشعر من بِالشَّام ثمَّ اتّفق اجْتِمَاعهمَا بالعراق بعد سبع سِنِين فَأَنْشد المنازي أبياتا أخر فَقَالَ لَهُ وَمن بالعراق قريب من هَذِه مَا يحْكى ى عَن أبي الْعَلَاء أَيْضا أَنه كَانَ سَافر مَعَ رَفِيق لَهُ إِلَى جِهَة فمرا فِي طريقهما بشجرة فَلَمَّا قربا مِنْهَا قَالَ لَهُ رَفِيقه إياك وشجرة أمامك فا نَحن حَتَّى تجاوزها فَلَمَّا رَجَعَ من ذَلِك الطَّرِيق أَيْضا انحنى أَبُو الْعَلَاء لما قرب من مَكَان الشَّجَرَة ورفيقه ينظر إِلَيْهِ وَقد تجاوزنا الْحَد فِي الإطالة فلنرجع إِلَى تَتِمَّة الشَّيْخ دَاوُد فَنَقُول وَله شعر كثير لَكِن لم يذكرله الَّذين ترجموه إِلَّا أبياته الْمَشْهُورَة وَهِي (من طول أبعاد ودهر جَائِر ... ومسيس حاجات وَقلة منصف) (ومغيب ألف لَا اعتياض بِغَيْرِهِ ... شط الزَّمَان بِهِ فَلَيْسَ بمسعف) (أوّاه لَو حلت لي الصَّهْبَاء كي ... أُنْثَى فأذهل عَن غرام متْلف)

стр. 646

وَقد فحصت لَهُ عَن غير هَذِه الأبيات العينية الْمُتَقَدّمَة فَلم أظفر بِشَيْء وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ من نَوَادِر الزَّمَان وأعاجيب الدوران وَكَانَت إِقَامَته بِمَكَّة دون السّنة وَمَات بهَا فِي سنة ثَمَان بعد الْألف هَكَذَا ذكره الشلي وَكَانَ مرض مَوته الإسهال عَن تنَاول عِنَب وَبَعْضهمْ يزْعم أَنه سم وَالله أعلم درويش مُحَمَّد بن أَحْمد وَقيل مُحَمَّد أَبُو الْمَعَالِي الطالوي الأرتقي الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ أحد أَفْرَاد الدَّهْر ومحاسن الْعَصْر وَكَانَ ماهرا فِي كل فن من الْفُنُون مفرط الذكاء فصيح الْعبارَة منشئا بليغا حسن التَّصَرُّف فِي النّظم والنثر وَله كتاب سانحات دمى الْقصر جمع فِيهَا أشعاره وترسلاته وَهُوَ كتاب حسن الْوَضع متداول فِي أَيدي النَّاس ووالده رومي المحتد قدم إِلَى دمشق فِي صُحْبَة السُّلْطَان سليم وَكَانَ خَادِمًا لبَعض أَتْبَاعه فَتزَوج أم درويش مُحَمَّد وَهِي عنقًا بنت الْأَمِير عَليّ بن طالو وقطن مَعهَا بمحلة التَّعْدِيل من دمشق ثمَّ إِنَّه انْكَسَرَ عَلَيْهِ بعض مَال من ضَمَان أَمَانَة أقطاع كَانَت عَلَيْهِ فسارعن دمشق فَنَشَأَ وَلَده درويش مُحَمَّد فريدا وَأعْطى من أقطاع وَالِده حِصَّة يسيرَة وَفرغ عَنْهَا الآخر وَلزِمَ صَنْعَة السُّرُوج وَلم يطلّ مكثه بهَا حَتَّى جذبه الشهَاب أَحْمد بن الْبَدْر الْعزي إِلَيْهِ وَكَانَ توسم فِيهِ قابلية الْعلم وحبب إِلَيْهِ الطّلب وَلما ذاق حلاوة الْعلم أَشَارَ إِلَيْهِ بترك زِيّ الْجند وَلبس زِيّ الْعلمَاء ثمَّ صحب الْعَلامَة أَبَا الْفَتْح مُحَمَّد الْمَالِكِي فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْأَدَب والرياضي والمنطق وَالْحكمَة والتصوف وَغَيرهَا وَلَزِمَه مُدَّة مديدة وَأخذ عَن جمَاعَة من فضلاء الْعَجم الواردين إِلَى دمشق مِنْهُم الْمولى مُحَمَّد بن حسن المغاني وَلما أنزلهُ فِي مدرسة جده لأمه الْأَمِير عَليّ الْمَذْكُور وَقَرَأَ عَلَيْهِ حَاشِيَة الْمطَالع ومنلا زَاده فِي الْحِكْمَة وَغير ذَلِك وَأخذ التصوف عَن منلا غياث الدّين الشهير بمير مخدوم اللألائي التبريزي قَرَأَ عَلَيْهِ بِدِمَشْق مُقَدمَات الفصوص للشَّيْخ دَاوُد القيصري وَشرح الرباعيات للْمولى عبد الرَّحْمَن الجامي وَأخذ عَن الشَّيْخ سراج الدّين التبريزي نزيل مَكَّة المشرفة وَصَحبه بُرْهَة لما قدم من مَكَّة إِلَى دمشق فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَأخذ فرقة التصوف عَن الشَّيْخ مُحَمَّد النَّاشِرِيّ نزيل الْمَدِينَة المنورة وَإِمَام مَسْجِد قبَاء ثمَّ قَرَأَ الْفِقْه بعد وَفَاة شَيْخه أبي الْفَتْح على مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على الشَّيْخ نجم الدّين مُحَمَّد البهنسي خطيب دمشق ومفتيها والمعاني وَالْبَيَان على الْعِمَاد الْحَنَفِيّ وَحضر مجَالِس التَّفْسِير عَليّ الْبَدْر الْعزي فِي تَفْسِيره بالتقوية وَالْجَامِع الْأمَوِي

стр. 647

مَعَ مُلَازمَة وَلَده الشهَاب ثمَّ ولي تدريس الْمدرسَة الخانوتية دَاخل دمشق ثمَّ اتَّصل بِخِدْمَة قَاضِي الْقُضَاة الْمولى مُحَمَّد بن بُسْتَان حِين كَانَ قَاضِيا بِدِمَشْق فلازم خدمته وناب عَنهُ وَله فِيهِ مدائح كَثِيرَة ثمَّ ارتحل مَعَه إِلَى الرّوم وناب عَنهُ بهَا حِين ولي قضاءها وَلما ولي قَضَاء الْعَسْكَر بِأَنا طولي بَعثه إِلَى الشَّام قاما ثمَّ رَجَعَ إِلَى الرّوم وَولي بهَا عدَّة مدارس ثمَّ عَاد إِلَى دمشق فِي سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَصَحب بهَا جمَاعَة من أَصْحَابه القدماء وَكَانَ يجْرِي بَينه وَبينهمْ مطارحات وترسلات فَمَا دَار بَينه وَبَين الْحسن البوريني أَن الْحسن نقل عَن الشَّيْخ الطَّيِّبِيّ بَيته الْمَشْهُور وَهُوَ (وَلَا تضف شهر اللَّفْظ شهر ... إِلَّا الَّذِي أوّله رافادر) فَمر بهم فِي المطالعة فِي حَوَاشِي الْكَشَّاف للسعد أَن إِضَافَة لفظ شهر إِلَى رَجَب مُمْتَنع فَقَالَ الطالوي يَنْبَغِي أَن يسْتَثْنى ذَلِك مِمَّا يَقْتَضِيهِ كَلَام الطَّيِّبِيّ فَقَالَ لَهُ البوريني بَادرُوا إِلَى ذَلِك فَقَالَ إِلَّا الْأَصَم فَهُوَ فِيهِ مُمْتَنع فَقَالَ الْحسن مجيزا لِأَنَّهُ فِيمَا رَوَوْهُ مَا سمع وَبِهَذَا عالي السعد الْمَنْع وَكتب إِلَيْهِ البوريني عقب مقاطعة صدرت بَينهمَا قَوْله (يَا نَاسِيا من لم يزل ... فِي النَّاس يَتْلُو مننك) (يَا حسنا أَفعاله ... كَيفَ تسوء حسنك) فَرَاجعه بقوله (ماسؤب يَوْمًا حسنى ... فِي النَّاس يَتْلُو منني) (وَإِن تسؤ أَفعاله ... قابلتها بالْحسنِ) وَوَقع لَهُ فِي ذَلِك الْأَثْنَاء وَهُوَ بِدِمَشْق أَن ابْن خَالَته الْأَمِير إِبْرَاهِيم الطالوي تولى الْإِمَارَة بِولَايَة نابلس فَتوجه مَعَه وَأَعْطَاهُ الْأَمِير خيلاً وَمَا لَا وزوده وودعه فنوجه إِلَى الْقَاهِرَة وَاسْتقر بهَا نَحْو سنة وَأخذ بهَا عَن الْعَلامَة عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي الْحَنَفِيّ وَالشَّمْس مُحَمَّد النحراوي الْبَصِير الْحَنَفِيّ وَشَيخ الشَّافِعِيَّة فِي عصره الشَّمْس مُحَمَّد الرَّمْلِيّ وَغَيرهم مِمَّن ذكره فِي كِتَابه السانحات وَعَاد من مصر إِلَى دمشق ثمَّ سَافر إِلَى الرّوم واتصل بالمولى سعد بن حسن جَان معلم السُّلْطَان مُحَمَّد فَأكْرم مثواه بِنَاء على معرفَة حُقُوق أَبنَاء النِّعْمَة وأغنياء الْأَصَالَة خُصُوصا الجامعين إِلَى شرف النّسَب شرف الْأَدَب وامتدحه وولديه مُحَمَّدًا وأسعد بقصائد كَثِيرَة وَولي بعنايته مدارس عديدة بالروم إِلَى أَن وصل إِلَى مدرسة خير الدّين باشا بِخَمْسِينَ عثمانيا ثمَّ أعْطى مِنْهَا الْمدرسَة السليمانية بِدِمَشْق والإفتاء بهَا فورد إِلَى دمشق وَاسْتقر بهَا إِلَى

стр. 648

أَن مَاتَ وَكَانَ على تماسك حَاله شاكيا لدهره مستزيدا الْقُدْرَة وَكَانَت أحلاقه متفاوته فَمَا مدح أحدا إِلَّا هجاه وَله فِي ذَلِك أَعَاجِيب كَثِيرَة وَهُوَ فِي كل أسلوب من أساليب الشّعْر كثير الْملح كَأَنَّمَا يصدر شعره عَن طباع المفلقين من الشُّعَرَاء وَله القصيدة الَّتِي سَارَتْ فِي الْبِلَاد وطارت فِي الْآفَاق لحسن ديباجتها وَكَثْرَة وفقها وَكَانَ أرسلها من الرّوم إِلَى أَصْحَابه الْعلمَاء والأمراء المقيمين بِدِمَشْق أَولهَا (أنسيمة الرَّوْض المطير ... بالعهد من زمن السرُور) ولطولها وشهرتها لم اذْكُرْهَا وعَلى نمطها وَقعت قصائد كَثِيرَة جَاهِلِيَّة وإسلاما ومحدثة فَمِنْهَا للشريف الرضي الموسوي (نطق اللِّسَان عَن الضَّمِير ... والبشر عنوان الضَّمِير) وَلأبي بكر الْخَوَارِزْمِيّ (إِن الالئ خلف الْخُدُور ... هم فِي الضمائر والصدرو) وَمن هَذَا الْعرُوض قصيدة المنحل لمعظم بن الْحَارِث الْيَشْكُرِي كَمَا فِي حماسة أبي تَمام ومطلعها (إِن كنت عاذلتي فَيرى ... نَحْو الْحجاز وَلَا تجوري) ولإبراهيم بن المدير قصيدة فِي مدح المتَوَكل على هَذَا المنوال مِنْهَا (يَوْم أَتَانَا بالسرور ... وَالْحَمْد لله الْكَبِير) (أخلصت فِيهِ شكره ... ووفيت فِيهِ بالنذور) مِنْهَا (الْبَدْر ينْطق بَيْننَا ... أم جَعْفَر فَوق السريرد) (فَإِذا تواردت العظائم ... ثمَّ كنت مُنْقَطع النظير) وللطالوي يَسْتَدْعِي بعض أصدقائه إِلَى منتزه فِي بعض الْأَيَّام (قد غازل النسرين لحظ النرجس ... فِي مجْلِس سقى الحيا من مجْلِس) (يرنو إِلَيْهِ كَمَا رنت من خشيَة ... المراقباء غيد عَن لحاظ نعس) (والورد أخجله الحيا فَكَأَنَّهُ ... خد تورد من لهيب تنفس) (فِي فتية نشرت حدائق بردهَا ... فزهت على زهر الْجَوَارِي الكنس) (دارت سلاف الذّكر مِنْك عَلَيْهِم ... فغدت تمايل كالغصون الميس) (ترجو قدومك كي يتم سرورها ... وتقر عينا يَا حَيَاة الْأَنْفس) (لَا زَالَ وردك يانعا فِي رَوْضَة ... وشبابك الفتان زاهي الملبس)

стр. 649

(مَا غرّدت ورق بِأَعْلَى أيكة ... فِي رَوْضَة كُسِيت مطارق سندس) وَله من قصيدة قَالَهَا وَهُوَ بالروم يتشوق فِيهَا لوطنه فِي قَوْله (على الشَّام مني كلما هبت الصِّبَا ... سَلام كنشر الرَّوْض طَابَ لَهُ نشر) (بِلَاد كأنفاس الشُّمُول شمالها ... وتربتها مسك وحصباؤها در) (سَقَاهَا وحياها الْإِلَه معاهداً ... سَحَاب دنوا الْعَهْد وافي بِهِ الْبشر) (فيا حبها زِدْنِي جوي كل لَيْلَة ... وَيَا سلوة الأحزان موعدك الْحَشْر) وَله من قصيدة تشْتَمل على وصف السِّرّ والسفينة مطْلعهَا (سرنا يَا سلامبول نبغي نزهة ... دعت الْفُؤَاد إِلَى الفضاء الْمُطلق) (ثمَّ امتطينا الْبَحْر فِي نوحية ... تجْرِي بِنَا فِي لج موج مطبق) (نشرت قوادم طَائِر ومشت بِهِ ... فِيهِ كنسر فِي السَّمَاء محلق) (بارت عِقَاب الجوّاذ طارت بِهِ ... بمثال قادمتي جنَاح العقعق) (فَكَأَنَّهَا باز وَنحن بمتنها ... تهوي بِنَا طوراً وطوراً ترتقي) (حَتَّى رست فِي شاطئ ورمت بِنَا ... تِلْكَ المذانب وسط روض مونق) (فَإِذا بِأَرْض فِي الصفاء كعسجد ... والمندل الشحري فِي المتنشق) (حفت بسرو كالقيان تلفعت ... خضر الملا وكشفن عَن سَاق نقي) هَذَا ينظر إِلَى قَول أَحْمد بن سُلَيْمَان بن وهب (حفت بسرو كالقيان تلبست ... خضر الْحَرِير على قوام معتدل) (فَكَأَنَّهَا وَالرِّيح تخطر بَينهَا ... تنوي التعانق ثمَّ يمْنَعهَا الخجل) وَقَالَ الصنوبري من أَبْيَات مطْلعهَا (يَا ريم قومِي الْآن وَيحك فانظري ... مَا للحدائق أظهرت إعْجَابهَا) (والسر وَشبه عرائس مجلوّة ... قد شمرت عَن سوقها أثوابها) وَقَالَ ابْن طَبَاطَبَا وَنقل عَن الصاحب أَنه كَانَ يعجب بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وينشدهما إِذا دخل بُسْتَان دَاره (يَا حسن بُسْتَان دَاري ... والورد يقطف طله) (والسرو قد مدّفيه ... على الرياحين ظله) وَقَالَ ابْن المعتز (والسرو مثل قضب الزبرجد ... قد استمدّ المَاء من ترب ندى)

стр. 650

رَجَعَ إِلَى القصيدة مِنْهَا (والغيم فِي وسط السَّمَاء كَأَنَّهُ ... قطع اللجين على بِسَاط أَزْرَق) أَخذه من قَول ابْن المعتز (والبدر فِي أفق السَّمَاء كدهم ... مقلى على ديباجة زرقاء) وَذكره الخفاجي فِي كِتَابيه وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَذكر قصيدته الَّتِي راسله بهَا ومطلعها (قبلت مصطجا شفَاه الاكؤس ... وَالصُّبْح يبسم لي بثغر ألعس) وَجَوَاب الطالوي عَنْهَا بقوله (خد تورد من لهيب تنفس ... أم قد معسول المراشف ألعس) ثمَّ قَالَ فِي تَرْجَمته وَرَأى نبلوفرة صَارَت صد فاللآلئ السَّحَاب وحقة لدر الندى الْمُذَاب كَأَنَّهَا بوتقة أذاب فِيهَا الجو نضارة أَو كأس فِي يَد مصطج يداوي خماره أَو مقلة صب كئيب فاجأه على الْغَفْلَة الرَّقِيب بَعْدَمَا امْتَلَأت بدمع الجوي فتردد فِيهِ الدمع من صرة النَّوَى وَقد طفا المَاء الزلَال فَبلغ حافاتها وَمَا سَالَ بل تشبث بأهداب أوراقها خشيَة فراقها فَقَالَ (ونوفرة كعين الصب سكرى ... نجم المَاء خشيَة أَن يراقا) (ذكرت لَهَا النَّوَى يَوْمًا فَفَاضَتْ ... وَصَارَت كلهَا للدمع ماقا) قلت ضمن فِيهِ قَول المتنبي (نظرت إِلَيْهِم وَالْعين سكرى ... فَصَارَت كلهَا للدمع ماقا) وَمن غَرِيب مَا وَقع أَنه لما توجه من دمشق إِلَى الرّوم اجتاز بثغر صيدا وحاكمها إِذْ ذَاك الْأَمِير فَخر الدّين الْمَعْنى وَكَانَ مَعَه لَهُ مَكْتُوب بالتوصية فِيهِ من محافظ الديار الشامية الْوَزير شرِيف باشا فأوصله إِيَّاه مَعَ قصيدة مدحه بهَا مطْلعهَا (قل لمجرى الْجِيَاد قب الْبُطُون ... وأمير الْبِلَاد فَخر الدّين) وَكَانَ مَعَه غُلَام كالبدر لَوْلَا أفوله والغصن لَوْلَا ذبوله لَو رَآهُ الفرزدق سلا نوار بأحداقه الَّتِي تستوقف الْأَبْصَار فاغتصبه مِنْهُ فأسف على يوسفه أَسف يَعْقُوب وأمل النُّصْرَة على الدَّهْر فَأصْبح المغلوب فَكتب إِلَى الشريف الْوَزير يستعديه على ذَلِك الْأَمِير قصيدة أَولهَا (بِاللَّه يَا نشر العبير ... سيرى بروضات العرى) إِلَى أَن قَالَ

стр. 651

(إِن جِئْت ربع الشَّام فاقصد ... ساحة الشّرف الْعلي) (أَعنِي الشريف ابْن الشريف ... ابْن الشريف الموسوي) (متحملاً مني السَّلَام ... كمسك دارين الذكى) (لجنات مَوْلَانَا الْوَزير ... وليّ مَوْلَانَا على) (ثمَّ اشرحن من حَال مَوْلَاهُ ... الْمُحب الطالوي) (مَاذَا ألْقى فِي ثغر صيدا ... من دروزي غوى) (دين التناسخ دينه ... لابل يدين بِكُل غي) (وَيرى الطبائع أَنَّهَا ... فعالة فِي كل شَيْء) (وافي بمكتوب الشَّرّ بف ... إِلَيْهِ من بلد قصى) (بوصيه فِيهِ كَأَنَّمَا ... يوصيه فِي أَخذ الصَّبِي) (فَسَقَاهُ يَوْم فِرَاقه ... لَا كَانَ بالكأس الروى) (وغد الحشا من بعده ... يبكي بدمع عِنْد مي) (فِي غربَة لَا يشتكي ... فِيهَا إِلَى خل وَفِي) (لَا جَار يحميه وَلَا ... يأوى إِلَى ركن قوى) (إِلَّا إِلَى ركن الشريف ... الطَّاهِر الشيم الزكي) (حامي حمى الشَّام الشريف ... بِكُل أَبيض مخذمي) (مولَايَ سمعا أَن لي ... حَقًا لديك بِغَيْر لي) (بولاء حيدرة الْوَصِيّ ... أخي النبيّ الْهَاشِمِي) (لأتهملن فِي أَخذ ثاري ... من كفور بِالنَّبِيِّ) (وَابعث إليّ مقانباً ... فِيهَا الكمى على الكمى) (لَو حَارَبت جند القضا ... ثنت سراه عَن مُضِيّ) (جرافة لم تبْق فِي ... أطلاله غير النؤى) (وأشيعت ينعي الديار مَعَ ... ابْن دأبة فِي النعى) قلت والدروزية تقدم الْكَلَام فِي تَرْجَمَة حسن العيلبوني أننا سنتكام عَلَيْهَا فِي تَرْجَمَة الْأَمِير فَخر الدّين بن معن فِي حرف الْفَاء إِن شَاءَ الله تَعَالَى والنؤى فِي قَوْله جرافة إِلَى آخر الْبَيْت هُوَ الحفير حول الْخيام وأشبعت مُصَغرًا الوتد شج رَأسه وَابْن دَابَّة الْغُرَاب وَهُوَ علم جنس لَهُ مَمْنُوع من الصّرْف قيل سمي بِهِ لِأَن انثاه إِذا طارت من

стр. 652

بيضها حضنها الذّكر فَيكون كالداية للْأُنْثَى وَمن عُقُود جمان الطالوي فصل من نثره شوقي إِلَى لِقَاء سَيِّدي عمر الله يذكرهُ رباع الْفضل كَمَا عمر طلاب الْعُلُوم نائله الجزل شوق الوامق لعذراه وَعُرْوَة إِلَى عفراه فصل وَهَا أَنا مذ سرت عَن حَضرته الجليلة مَا نسيت أيادية الجميلة وَهل ينسى المدلج قمر لَيْلَة وَسَاكن الْيمن مطلع سهيلة فصل وَإِن أَفْوَاه الحمائم أَو بروق الغمائم لَا تقدر أَن تصف مَا أجنه من الأرتياح لقُرْبه والإنضمام إِلَى معاشره وَحزبه فقد شهِدت أَنَّهَا أبلغ من سحبان وأفصح من صعصعة بن صوحا فصل أما الشوق فقد اشتعل ضراما وَكَاد عَذَابه إِن يكون غراماً حَتَّى قَالَ فَم الجفن بِلِسَان الدمع يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا فَإِنِّي ألْقى إِلَيّ كتاب كريم فاح مِنْهُ شميم عرار نجد وَمَا بعد العشية من شميم فتمتعت بِمَا هُوَ أحلى من الْوَصْل بعد الهجر وَمن الْأَمْن بعد الْخَوْف وَمن الْبُرْء بعد السقم وَلم أدر أطيف مَنَام أَو زائر أَحْلَام أم قرب نوى بعد البعاد أم حبيب يَأْتِي بِلَا ميعاد وَمن آخر أسأَل الله وهاب الصُّور خلاق الْقوي وَالْقدر فياض المعارف ذراف العوارف أَن يهب اقترابا صافيا من الكدر مغنيا عَن ورد الْمُكَاتبَة والصدر انْتهى وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ كَمَا قَالَ البديعي فِي وَصفه مقضى الأرب من أدوات الْأَدَب وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة خمسين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي نَهَار الْأَرْبَعَاء ختام شهر رَمَضَان سنة أَربع عشرَة بعد الْألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَذكر البوريني فِي تَرْجَمته أَنه كَانَ قبل مَوته بأيام عمر فِي دَاخل بَيته بمحلة التَّعْدِيل بَيْتا صَغِيرا وَكَانَ يَقُول هَذَا الْبَيْت بَيت الفتاوي وَمَوْضِع الْكتب وَمن الْعجب أَنه نقل كتبه إِلَى الْبَيْت الْمَذْكُور فَكَانَ يصفها ويرتبها وَينظر فِيهَا ويقلبها وَهُوَ ينشد هَذَا الْبَيْت وَأَظنهُ من نظمه ونتائج فهمه وَهُوَ (أقلبها حفظا لَهَا وصيانة ... فيا لَيْت شعري من يقلبها بعدِي) فَمَاتَ بعد ذَلِك بِعشْرين يَوْمًا رَحمَه الله تَعَالَى درويش مُحَمَّد بن حُسَيْن بن مسيح الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ الْمَعْرُوف بِابْن القاطر الْمُقدم ذكر وَالِده والموعود بِذكرِهِ وَهُوَ سبط أبي الْمَعَالِي الطالوي الْمَذْكُور قبله وَرُبمَا أطلق عَلَيْهِ الطالوي أَيْضا كَانَ فَاضلا كَامِلا جيد الْخط منسوبه بلغ الشُّهْرَة التَّامَّة فِي قبُول خطه والتنافس فِيهِ وَكتب الْكثير وَكَانَ حسن المطارحة لطيف المذاكرة حُلْو الشكل طوَالًا وَكَانَ يعرف الموسيقى حد الْمعرفَة وَله شهرة بِهَذِهِ

стр. 653

الْمعرفَة عِنْد أَرْبَاب هَذَا الْفَنّ الحاذقين فِيهِ فَإِذا حَضَرُوا مَعَه مَجْلِسا عظموه وتراخوا فِي الْعَمَل حَتَّى يُشِير إِلَيْهِم وَكَانَ يعرف اللُّغَة التركية وَأَظنهُ يعرف الفارسية أَيْضا وَله فِي حل المعميات والألغاز الْيَد الطولي وَكَانَ فَقِيرا متقنعا باليسير من الرزق وَلما توفّي أَخُوهُ زَكَرِيَّا الْآتِي ذكره اتحصر ارثه فِيهِ فأثرى واعتدل حَاله إِلَّا أَنه لم تطل مدَّته فَتوفي وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَربع وَسبعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى درويش مُحَمَّد بن رَمَضَان سبط القَاضِي تَاج الدّين الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ كَانَ من الْفُضَلَاء الأذكياء لَهُ لطف طبع ومنادمة مَقْبُولَة وَكَانَ عطاردي الطَّبْع يحن غَالب الصناعات وَكَانَ يتقن اللُّغَة الفارسية والتركية وَله إنْشَاء بالتركية مستعذب ودراية فِي الْأَشْعَار وَاسِعَة قَرَأَ بِدِمَشْق على الشّرف الدِّمَشْقِي وَالشَّيْخ عبد اللَّطِيف الجالقي والعلامة فضل الله بن عِيسَى البوسنوي نزيل دمشق وسافر مَعَ أَبِيه إِلَى الرّوم ولازم من قَاضِي الْعَسْكَر الْمولى مُحَمَّد بن قره جلبي وَرجع إِلَى دمشق وناب فِي بعض محاكمها ثمَّ رَحل إِلَى الرّوم فِي خدمَة شفيق أستاذه الْمَذْكُور الْمولى عبد الْعَزِيز وَأَرَادَ سلوك طَرِيق الْقَضَاء مثل وَالِده فَمَا تيَسّر لَهُ وَاتفقَ لَهُ أَنه كَانَ على أَبِيه دين لرجل من المتمولين فرغبه الدَّائِن فِي أَن يُعْطِيهِ مبلغا آخر ويضمه إِلَى الْمبلغ المستقر فِي ذمَّة وَالِده فَيكون المبلغان لازمين لَهُ فَرغب فِي ذَلِك وَلما أحضرهُ لَدَى القَاضِي لأجل صك الْإِقْرَار واعترف بالمبلغ السَّابِق ألزم بِهِ وَحبس وَبَقِي أَيَّامًا فِي الْحَبْس ثمَّ أطلق فَخلع عَنهُ اللبَاس واخذ طَرِيق المولوية وساح فِي بِلَاد الرّوم حَتَّى وصل إِلَى بَلْدَة كليبولي وَأقَام بهَا مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ قدم إِلَى دمشق وجاور مُدَّة فِي تكية المولوية ثمَّ انْتقل إِلَى دَاره وتغيرت أطواره وَولي تدريس البادرائية ونظارة وقف أجداده وَلبس الْعِمَامَة وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَى مجَالِس الْقُضَاة بِدِمَشْق وينادمهم وَكَانَ حُلْو الحَدِيث عَارِفًا بطرِيق المنادمة ثمَّ بعد مُدَّة عزم على الْحَج وجاور بِالْمَدِينَةِ وَبهَا توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف وقرأت بِخَط وَالِدي أَن وِلَادَته كَانَت فِي سنة أَربع عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ درويش بن سُلَيْمَان بن الشَّيْخ الْكَبِير الْفَقِيه الثبت الرحلة مُحَمَّد ابْن القطب الْكَبِير أَحْمد الدجاني الشَّافِعِي الْمُقَدّس الشَّيْخ الصَّالح الزَّاهِد فِي الدُّنْيَا الْعَفِيف كَانَ يحفظ الْكتاب الْعَزِيز ويدارس بِهِ وتفقه على الشَّيْخ مَنْصُور بن عَليّ

стр. 654

الْمحلى نزيل الْقُدس ثمَّ دمشق الْمَعْرُوف فِي دمشق بالصابوني وَسَيَأْتِي ذكره وَعَلِيهِ اشْتغل بالتصوف ولازمه مُدَّة إِقَامَته بالقدس ثمَّ بعد ارتحاله إِلَى دمشق أرسل لَهُ إجَازَة بالمشيخة على الْفُقَرَاء لصلاحه وديانته وَكَانَت وَفَاته فِي عشر ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى الْأَمِير درويش الْمَعْرُوف بدالي درويش الجركسي الأَصْل نزيل دمشق الشجاع البطل الْمَشْهُور قدم إِلَى دمشق فِي خدمَة الْوَزير الخناق وَلما عزل مخدومه عَن نِيَابَة دمشق أَقَامَ هُوَ بهَا وتديرها وَصَارَ من أجنادها وسافر إِلَى روان ومروان وَأسر بِبِلَاد الْعَجم وشاع خبر مَقْتَله فضبطت أملاكه وأسبابه لطرف بَيت المَال ثمَّ ظهر بعد مُدَّة واستخلص مَا كَانَ ضبط من أَمْوَاله وسافر إِلَى بَغْدَاد عَام فتحهَا وَبعد مَا عَاد كَبرت دولته واشتهر صيته وَولي حُكُومَة تدمر وَظَهَرت شجاعته وَكَانَ يُغير على العربان وينهبهم ويأسر مِنْهُم وَيدخل إِلَى دمشق بالمواكب الحافلة ثمَّ ولي حُكُومَة حمص وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ عزل عَنْهَا وَولي لِوَاء عجلون وَتوجه إِلَيْهَا فثار بَينه وَبَين أَهلهَا حروب كَثِيرَة وكسره وَأخذُوا غَالب أَسبَابه وخيوله فَعَاد إِلَى دمشق واشتكى إِلَى السدة الْعلية فَجَاءَهُ أوَامِر شريفة بركوب نَائِب الشَّام عَلَيْهِم وَأخذ مَا ذهب لَهُ فَلم يُفْسِدهُ ذَلِك شَيْئا وَأقَام منزويا بداره وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف درويش مُحَمَّد باشا الْوَزير الْأَعْظَم الْمَشْهُور هُوَ جركسي الأَصْل وَكَانَ أَولا من خدمَة المرحوم مصطفى أغا ضَابِط الْحرم السلطاني فِي عهد السُّلْطَان أَحْمد ثمَّ خدم الْوَزير الْأَعْظَم مُحَمَّد باشا الْمَعْرُوف بمنبسط الْقدَم وَكَانَ السُّلْطَان عُثْمَان يُحِبهُ لفروسيته وشجاعته وسافر فِي خدمَة الْوَزير الْمَذْكُور إِلَى مصر لما صَار محافظا بهَا وَكَانَ يقدمهُ على جَمِيع حفدته وولاه الخدمات السامية حَتَّى صيره كتخداله وَلما ولي الوزارة الْعُظْمَى قتل فِي زَمَنه أَحْمد باشا الْمَعْرُوف بالكوحك وَكَانَ نَائِب الشَّام فولاه نيابتها وَكَانَ ذَلِك فِي أواسط سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وقدمها وَكَانَ ظَالِما جبارا ففتك فِي أَهلهَا وَتجَاوز فِي ظلمهم الْحَد وَفِي آخر أَيَّامه اجْتمع الْعَامَّة على القَاضِي واشتكوا من الظُّلم وبالغوا فِي التوسل بِهِ فَلَمَّا بلغه ركب وَكَانَ فِي الْوَادي الْأَخْضَر مخيما وأتى مغضبا وَسَفك فِي بَعضهم وَقتل رجلا صباغا من الصلحاء ثمَّ عزل وَصَارَ أَمِير الْأُمَرَاء بطرابلس الشَّام وَبعد ذَلِك ولي حُكُومَة بَغْدَاد

стр. 655

وتنقل فِي النيابات حَتَّى ولي فِي آخر أمره الوزارة الْعُظْمَى فِي شهر ربيع الآخر سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف وَمَات وَهُوَ فِي الصدارة فِي شهر ربيع الأول سنة خمس وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بقسطنطينية بِالْقربِ من مدرسة عَليّ باشا الجديدة فِي طَرِيق الدِّيوَان (حرف الذَّال الْمُعْجَمَة) ذهل بن عَليّ بن أَحْمد بن عبد الله بن الذهل بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عمر بن حشيبر الْعَارِف الْمَشْهُور بالغيثي نِسْبَة لسيدي أبي الْغَيْث بن جميل لِأَنَّهُ كَانَ تلميذة وَقَالَ لَهُ فِي بعض وقائعه أَنه حشي بر فَلذَلِك اشْتهر بحشيبر الحشبيري العدناني وَبَنُو حشبير هَؤُلَاءِ قوم يسكنون الزيدية عُلَمَاء أخيار قل من يدانيهم فِي الْعلم وَالْعَمَل وَالصَّلَاح وَذهل هَذَا رئيسهم وَكَانَ إِمَام أهل الْعرْفَان الْمشَار إِلَيْهِ بالبنان ولد فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف بِمَدِينَة الزيدية وَأخذ الْفِقْه والْحَدِيث وَغَيرهمَا من فنون الْعُلُوم عَن الْعَلامَة مُحَمَّد بن أَحْمد صَاحب الْخَال ولازم الْعَلامَة الْمُحَقق الملا مُحَمَّد شرِيف الكوراني الصديقي حِين قدم الزيدية فِي رحلته لليمن وبرع فِي جملَة من الْعُلُوم وَأَجَازَهُ جلّ شُيُوخه وأمروه بالتدريس ونفع النَّاس فتصدر وفَاق أقرانه وَألف مؤلفات عديدة مِنْهَا حَاشِيَة على الْمِنْهَاج سَمَّاهَا إِفَادَة الْمُحْتَاج على الْمِنْهَاج ومنظومة فِي العقائد سَمَّاهَا جَوَاهِر الْعُلُوم وأرجوزة فِي علم التَّصَرُّف سَمَّاهَا هِدَايَة السالك إِلَى رَضِي الْمَالِك وَشَرحهَا إِيضَاح المسالك وَله شعر كَثِيرَة مِنْهُ قَوْله يمدح النَّبِي (حنّ قلبِي شوقاً إِلَى لقياكا وتذكرت طيبَة وحماكاً) ... وقباها ومنبراً وصريحاً ( ... جَمِيع النُّور والبها أذحواكا) (وخلعت العذار عَن كل واش ... وتهتكت رَغْبَة فِي هواكا) (لست أصغى للأثم وعذول ... فمناي وبغيتي رؤياكا) (فَعَسَى أَن تجود بالوصل يَوْمًا ... وَيَزُول البعاد مِنْك عساكا) (وَمَتى ألثم الضريح وأسعى ... بَين تِلْكَ الرياض والشباكا) (وَأَقُول السَّلَام يَا سيد الرُّسُل ... جهار بالصوت مني علاكا) (يَا رَسُول الْإِلَه أَنْت المرجى ... زادك الله رفْعَة وحباكا) (يَا رَسُول الْإِلَه هَب لي نورا ... وسنا أستضيئه من سناكا)

стр. 656

(يَا نَبِي الْهدى أَغِثْنِي سَرِيعا ... وأقلني من عثرتي بدعاكا) (كن نصيري على الخطوب جَمِيعًا ... وأجرني من جورد هرتشاكا) (أَنْت سر الْوُجُود لولاك مَا ... كَون الْكَوْن سَيِّدي لولاك) (خصك الله بِالْبُرَاقِ وبالإسرا ... ورؤياه جهرة قد حباكا) (بت ترقى فِي لَيْلَة بفخار ... طَابَ فِيهَا إِلَى العلى مسراكا) (كَانَ جِبْرِيل خَادِمًا وسفيرا ... ولسبع الطباق قد راقاكا) (جزت حجبا وَكم عَلَوْت بساطا ... مَا علاهُ من الْأَنَام سواكا) (وصرير الأقلام من مستوى قد ... سمعته حَقًا كَذَا أذناكا) (وأتاك الندا من مَالك الْملك ... أدن مني وسل تقز بمتاكا) (وتجلى الْجَبَّار جلّ علاهُ ... وتدلى إِلَيْك بل واصطفاكا) (وتلذذت بِالْخِطَابِ عيَانًا ... وَلَقَاب للقوس قد ادناكا) (وتلاشيت فِي الغيوب بِلَا أبن ... فَمن ثمَّ لم تزل قدماكا) (وتولاك إِذْ هداك وولاك ... عَطاء وَيَا لجمال كساكا) (جمع الله فِيك كل فخار ... بل وأعطاك كل مَا أرضاكا) (خَاتم الرُّسُل سيد الْخلق طرا ... كلهم فِي الْمعَاد تَحت لواكا) (فَعَلَيْك الصَّلَاة تترى دواما ... وعَلى الْآل وَالتَّابِعِينَ هداكا) (وعَلى الصحب من حموك وآووا ... بل وَفِي الله جاهدوا أعداكا) (وعَلى كل تَابع وموال ... مقتف أَثَرهم يُرِيد رضاكا) (عد خلق الْإِلَه مني لترضى ... وليرضى الْإِلَه عني بذاكا) قَوْله متغزلا (يَا هِنْد جودي بوصال وَلَو ... مِقْدَار رد الطّرف إِذْ يطرف) (وروحي روحي برؤياك يَا ... سؤلي فَمَا غَيْرك بِي يلطف) (فقد فني صبري وَطَالَ المدى ... وحبذا وصل بِهِ تعطف) (راقت ورقت فِي العلى ... ونورها كالبرق قد يخطف) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي (حرف الرَّاء) ربيع النباطي نزيل مَكَّة كَانَ من عُظَمَاء الْعلمَاء السالكين مَنْهَج الرشاد وَهُوَ من

стр. 657

الْمَشَاهِير فِي ذَلِك الْقطر بعلو الْقدر فِي الْعلم وَالْعِبَادَة ومدحه كبار الْفُضَلَاء وأثنوا عَلَيْهِ وَأخذ عَنهُ جمَاعَة كَثِيرُونَ وَكَانَ مَوْصُوفا بالسخاء والمكارم وَكَانَت وَفَاته فِي سنة اثْنَتَيْنِ بعد الْألف ورثاه جمَاعَة مِنْهُم الشهَاب أَحْمد الخفاجي فَإِنَّهُ رثاه مؤرخا وَفَاته بقوله (صَاح هَل نَافِع وَهل عَاصِم من ... نشر وجد أَمْسَى بطي الضلوع) (غير صَبر قد مرا ذمر من كَانَ ... ربيعا لكل غيث مربع) (كَامِل وافر رمانا زمَان ... فِيهِ بالبعد بعد فقد سريع) (هُوَ بر وَفِي المكارم بَحر ... من أصُول تزهو بِخلق بديع) (قد فَقدنَا فِيهِ اصطبار فارخ ... كل صَبر محرم فِي ربيع) ورثاه الشَّيْخ حسن الشَّامي مؤرخا (صبري تنَاقض لازدياد دموعي ... مِمَّا حوته من الْفِرَاق ضلوعي) (ذهب الَّذِي كُنَّا لَهُ جمعا بِهِ ... وفراق جمعي قد أضرّ جميعي) (يَا قلب إِن لم تستطع صبرا فنى ... رفقا بِنَا حل جسمي الموجوع) (وَإِذا ذكرت ربيع أَيَّام مَضَت ... أرخ بشوال فِرَاق الرّبيع) رَجَب بن حجازي الْحِمصِي الأَصْل الدِّمَشْقِي المولد الْمَعْرُوف بالحريري الشَّاعِر الرِّجَال كَانَ صَحِيح التخيل فِي الْأَشْيَاء إِلَّا أَنه يغلب عَلَيْهِ جَانب الهجو فِي تخيله والأزراء حَتَّى بِنَفسِهِ جيد النَّقْد فِي الشّعْر مَعَ أَنه لَا يعرف الْعَرَبيَّة وزانا بالطبع وَإِن عرف شَيْئا من الْعرُوض وأميل مَا كَانَ فِي أَقسَام الشّعْر إِلَى الهجاء وَله فِيهِ نَوَادِر عَجِيبَة وَله كثير من الأزجال والرباعيات والمواليا والموشحات والتواريخ والأحاجي وكل ذَلِك كَانَ يَقع لَهُ من غير تكلّف روية بِحَيْثُ أَنه فِي سَاعَة وَاحِدَة ينظم مائَة بَيت وَمثلهَا قِطْعَة أَو قطعتين من الزجل والموشح وَقس على ذَلِك الْبَوَاقِي وَكَانَ قَلِيل الْحَظ كثير السياحة لم يَسعهُ مَكَان وَلم يقر لَهُ قَرَار وَكَانَت سياحته مَقْصُورَة على حلب ومصر ودائرة الشَّام وَحج وجاور بالحرمين سنتَيْن وَلم يزل شاكيا من دهره باكيا على سوء بخته وَرَأَيْت لَهُ أشعارا كَثِيرَة غالها شكاية وهجورا مَا غزله فقليل من أعذبه قَوْله من قصيدة مطْلعهَا (فيض المدامع نَار وجدي مَا طفا ... بل زِدْت مِنْهُ تلهبا وتلهقا) (وجوى أذاب جوارحي وجوانحي ... وَهوى على السلوان صال وألفا)

стр. 658

(وَمن النَّوَى بِي لوعة لَو بَعْضهَا ... فِي يذبل أَمْسَى رغاماً أَو عَفا) (زق الصِّبَا لصبابتي وَبكى على ... حَالي الْحمام وَلِأَن لي قلب الصَّفَا) (والسقم وأمل مهجتي لفراق من ... أحببته لَو عادلي عَاد الشفا) (من راحمي من مسعفي من مسعدي ... أفديك مَالك مهجتي زر مدنفاً) (يَا من بطلعته وسحر جفونه ... بهر الغزالة والغزال إِلَّا وطفاً) (بشمايل فَوق الشُّمُول لطاقة ... مِنْهَا ثملت وَمَا شربت القرقفا) (وبورد خد فَوق بانة قامة ... يجميه نرجس نَاظر أَن يقطفا) (وبراحة بَين العقيق ولؤلؤ ... اسمح وَدعنِي كأسها أَن أرشفا) (أرْفق بصب قد أذبت فُؤَاده ... ودع التجنب والتجني والجفا) (ونباكر الرَّوْض الأريض فقد حكى ... طيب الْجنان نضارة وتزخرفا) (والمزن أضحكه ونضر وَجهه ... وكساه بردا بالزهور مفوفا) وَقَوله من قصيدة أُخْرَى مستهلها (أبي الْقلب الأغراما ووجدا ... وطرفي الإبكاء وسهدا) (فَلم يبرح الصب تبريحه ... وَلَا الدمع راق وَلم يطف وقدا) (فلولا النَّوَى مَا ألفت البكا ... وَلَا كَانَ بِالسقمِ جمسي تردى) (وَلَا بت أرعى نُجُوم الدجى ... وَلَا كَانَ عني مَنَامِي تعدى) (فأوّاه صبري مُضِيّ لم يعد ... وَأما اشتياقي فَلم يحص عدا) (وَمَالِي معي سوى أدمعي ... وَقلت لصدا الْهوى مَا تصدا) (فَلَو بالكواكب مَا بِي هوت ... وَإِلَّا على يذبل كَانَ هدّا) (يذكرنِي ساجعات الرياض ... حبيبا وربعا ربيعا وودا) (وَمَا كنت أنسى وَلَكِن تزيد ... ولوعي قرباً وصبري بعدا) (رعى الله ربعا نعمنا بِهِ ... وعهداً ألفناه حَيَّاهُ عهدا) (فَمَا راقني بعده منزل وَلَا ... طَابَ عَيْشًا وَلَا راق وردا) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بحلب فِي صفر سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَألف رَجَب بن حُسَيْن بن علوان الْحَمَوِيّ الأَصْل الدِّمَشْقِي الميداني الشَّافِعِي الفرضي الفلكي أعجوبة الزَّمَان فِي الْعُلُوم الغربية وَكَانَ لَدَيْهِ مِنْهَا فنون عديدة وأمهر مَا كَانَ فِي الْعُلُوم الرياضية كالهيئة والحساب والفلك والموسيقى وَيعرف الْفَرَائِض حق

стр. 659

الْمعرفَة وَأما فِي الموسيقى عل إختلاف أَنْوَاعه فَهُوَ فِيهِ أعرف من أدركناه وَسَمعنَا بِهِ وَله فِيهِ أغان صنعها على طَريقَة أساتذة هَذَا الْفَنّ لكنه كَانَ ردي الصَّوْت جَريا على الْعَادة فِي الْغَالِب من أَنه لَا يجْتَمع حسن الصَّوْت مَعَ المهارة الْكُلية فِي فن الموسيقى كَمَا امتحناه كثيرا فِي أَرْبَاب هَذَا الْفَنّ وَكَانَ رَحل فِي أول أمره إِلَى الْقَاهِرَة واستفاد هَذِه المعارف من أَرْبَابهَا الْمَشْهُود لَهُم فِيهَا بالتفوق وَقدم دمشق وانتفع بِهِ خلق كثير من فضلاء دمشق فِي هَذِه الْفُنُون من أَجلهم الشَّيْخ عبد الْحَيّ ابْن الْعِمَاد العكاري الصَّالِحِي الْآتِي ذكره وَكَانَ لَهُ ثروة ويتجر وَله بعض ايثارات وَكَانَ حسن الذَّات خلوقا كَامِل الصِّفَات ملازم الْعِبَادَة منغزلا عَن النَّاس ودودا متواضعا وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ من الكملاء المعروفين والفضلاء الموصوفين وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف رَجَب بن عماد الدّين المنلا العجمي الْكَاتِب ذكره النَّجْم فِي الذيل وَقَالَ فِي تَرْجَمته دخل دمشق فِي حُدُود الْألف وانتفع بِهِ خلق كثر فِي الْكِتَابَة عَلَيْهِ وَكَانَ حسن الْخط جدا وَله مُشَاركَة فِي بعض الْعُلُوم وَكَانَ يدعى معرفَة الموسيقى مَعَ أَنه لَا صَوت لَهُ وَيَزْعُم أَنه أحسن النَّاس صَوتا وَكَانَ يغلب على طبعه التغفل مَعَ دَعْوَى الفطانة وَكَانَت وَفَاته فِي لَيْلَة الْأَحَد حادي عشر ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف رَحْمَة الله بن عُثْمَان قَاضِي الْقُضَاة الينكيشري المولد أحد فضلاء الزَّمَان المتمكنين من المعارف والعلوم قدم من بَلْدَة قسطنطينية واشتغل بهَا إِلَى أَن برع ولازم من الْمولى عبد الْعَزِيز بن الْمولى سعد الدّين ثمَّ وصل إِلَى خدمه الْمولى حُسَيْن ابْن أخي الْمُقدم ذكره فصيره نَائِبه وَهُوَ قَاضِي الْعَسْكَر بروم إيلي وَلما ولي الْإِفْتَاء وَجه إِلَيْهِ أَمَانَة الْفَتْوَى ودرس بمدارس الرّوم إِلَى أَن وصل إِلَى الْمدرسَة السليمانية وَولي مِنْهَا قَضَاء حلب ثمَّ قَضَاء مصر وَلم تطل مدَّته بهَا وَنقل إِلَى قَضَاء الشَّام فِي غَزَّة جُمَادَى الأولى سنة سبع وَخمسين وَألف ودخلها فِي ثَالِث عشر الشَّهْر الْمَذْكُور وَكَانَ فِي غَايَة من الإعتدال فِي حكومته متشرعاً مراعياً القانون السّلف فَفِيهَا متضلعاً حسن الْعبارَة وَكَانَ يكْتب إِمْضَاء الصكوك بإنشاء عَجِيب مستحسن وَلَقَد وقفت لَهُ من ذَلِك على إمضاآت كَثِيرَة فَمن ذَلِك قَوْله بذلت الوسع فِي إِيضَاح مَا تكنه صُدُور سطور الرّقّ وَلم آل جهدا فِي تَحْقِيق الْحق وفحصا عَن كل مَا جلّ مِنْهُ ودق حَتَّى أَسْفر فجر الْحَقِيقَة على مَا سطر فِيهِ من النسق فحكمت بِكَوْن

стр. 660

الْحمام والمزرعة وَقفا على الْمدرسَة وقضيت بذلك حكما جزما وَقَضَاء حتما لما ظهر الْحق ظُهُور الشَّمْس بالحجج القاطعة على مَا نطق بِهِ الْكتاب من الْأَحَادِيث الصِّحَاح القاطعة وَمن ذَلِك مُطَالبَة هَؤُلَاءِ بمراسم ظلم عَظِيم يجب على الْحُكَّام مَنعه ومنكر يجب على الْوُلَاة نَهْيه وَرَفعه يلْزم على كل من كَانَ نَافِذ الْأَمر جَائِز الحكم قصر الْأَيْدِي المتطاولة الجاذبة وَقطع الأطماع الْفَاسِدَة الكاذبة فمنعته عَن هَذَا ابْتِغَاء لمرضاة الله وطلبا لثوابه وهربا من عِقَابه وأليم عَذَابه وَمن ذَلِك مَا كتبه على صك إِعْتَاق جَارِيَة لَهُ مَا نسب إِلَى فِي هَذَا الرّقّ من إِعْتَاق جاريتي فُلَانَة حق وَصدق أعتقتها ابْتِغَاء لمرضاة الله تَعَالَى وثوابه وهربا من عَظِيم عِقَابه وأليم عَذَابه عَسى الله أَن يبدلنا خيرا مِنْهَا وجزانا رَبنَا خيرا الْجَزَاء عَنْهَا انْتهى قلت وَهَذَا أسلوب لطيف جرى عَلَيْهِ كثير من قُضَاة الرّوم وتكلفه بَعضهم مِمَّن لَا يعرف أساليب الْإِنْشَاء الْعَرَبِيّ فجَاء سمجا مضحكا وَالْعجب المعجب مِنْهُ إمضاآت الْمولى مُحَمَّد بن حسن الَّذِي كَانَ ولي قَضَاء حلب ودمشق وَقد رَأَيْت جدي القَاضِي رَحمَه الله تَعَالَى جمع مِنْهَا حِصَّة وافرة فِي مَجْمُوع لَهُ وتعقبها بِكَلِمَات أظهرت زيفها فَأَرَدْت إِيرَاد نبذة مِنْهَا ليعلم الْفرق بَين مَا أوردته أَولا وَبَينهَا فَمن ذَلِك مَا كتبه على صدَاق اسْتَقر الصَدَاق بوكالة من أَئِمَّة الْآفَاق فقررت الصَدَاق كتبه عبد الخلاق قَالَ الْجد سُبْحَانَ الخلاق وَمِنْه مَا كتبه على صدَاق أَيْضا لامس هَذَا الأطلس كف العَبْد الأنجس وَمِنْه مَا كتبه على نظارة وقف قررت النّظر وَسَأَلت الْأَبْيَض والأحمر فَشَهِدُوا بالمحضر رجال عدُول مِنْهُم الْمُفْتِي الْأَكْبَر قَالَ الله أكبر وَمِنْه مَا كتبه على كتاب وقف الْجَامِع الْأمَوِي هَذَا كتَابنَا ينْطق عَلَيْكُم بِالْحَقِّ أَنا كُنَّا نَسْتَنْسِخ مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ وَيَوْم نبعث من كل أمة بِشَهِيد وَجِئْنَا بك على هَؤُلَاءِ شَهِيدا مَا عرج حول الْكتاب مِمَّا يقوم فِي ذيل ذَلِك الْبَاب من الإنشاد وَالْإِشْهَاد صَادف مَحَله وحاد مخله ثمَّ أمله وأجله متشبثا بذيل ذَوي الْإِحْسَان أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان مُحَمَّد بن حسن القَاضِي بِدِمَشْق خير الْأَمَاكِن فِي اللِّسَان عَفا عَنْهُمَا رب الْإِحْسَان وَالله أعلم عودا على بَدْء وَوَقع لصَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ قَاضِي دمشق أَن بعض أَرْبَاب فن الزايرجا استخرج لَهُ الْعود إِلَى قَضَاء مصر بِهَذَا الْبَيْت وَهُوَ (وَلَا بُد من عود إِلَى مصر ثَانِيًا ... تنفذ أحكاما بِأَمْر مبجلا)

стр. 661

فاتفق لَهُ أَنه وَليهَا بعد ذَلِك فِي تَاسِع عشر شعْبَان سنة ثَمَان وَخمسين وَبعدهَا ولي قَضَاء قسطنطينية وَتُوفِّي بعد ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي حُدُود سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف والينكيشهري بِفَتْح الْمُثَنَّاة من تَحت وَسُكُون النُّون وَكسر الْكَاف الفارسية وياء أُخْرَى وَفتح الشين وَسُكُون الْهَاء وَالرَّاء نِسْبَة إِلَى بَلْدَة فِي بِلَاد الرّوم بِالْقربِ من سلانيك وَهِي بَلْدَة كَبِيرَة من مشاهير الْبِلَاد وَمعنى ينكي شهر الْبَلَد الْجَدِيد وَالله أعلم مولَايَ رشيد بن عَليّ الْملك الْمُؤَيد الشريف الْحسنى ملك الْمغرب السُّلْطَان الْعَظِيم الْقدر السعيد الحركات المظفر الْكَامِل كَانَ من أمره أَنه تسلطن أَولا فِي بِلَاد تاقيلات ثمَّ وثب على مولَايَ مُحَمَّد الْحَاج ابْن مُحَمَّد بن أبي بكر سُلْطَان فاس ومكناس وَالْقصر وَمَا والاها من أَرض الدلا وسلا وَغَيرهَا من أَرض الْمغرب وَكَانَ لَهُ فِي الْملك أَرْبَعُونَ سنة فانتزعه مِنْهُ وحبسه إِلَى أَن مَاتَ مسجونا وَخرب مدينتهم الْمَعْرُوفَة بالزاوية سميت بذلك لِأَن وَالِد مُحَمَّد الْحَاج وَهُوَ مُحَمَّد بن أبي بكر بنى بهَا زَاوِيَة عَظِيمَة وَكَانَت مأوى لمن يفد يطعم بهَا الطَّعَام للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين ورحل شيعَة الْحَاج خوفًا مِنْهُ إِلَى تلمسان وَهِي كَمَا تقدم من بِلَاد العثامنة سلاطين بِلَادنَا أعز الله تَعَالَى نَصرهم ثمَّ قويت شَوْكَة مولَايَ رشيد وَرغب النَّاس فِي خدمته وَكثر جمعه وعظمت دولته وساس الرّعية سياسة لم يروها فِي عهد سُلْطَان من سلاطينهم وَمَا زَالَ يتَمَلَّك بَلَدا بعد بلد حَتَّى دخل بِلَاد السودَان وتملك مِنْهَا جانبا عَظِيما وَلم يبْق بِجَمِيعِ أقطار الْمغرب من الْبَحْر الْمُحِيط إِلَى أَطْرَاف تلمسان إِلَّا مَا هُوَ فِي طَاعَته وداخل فِي ولَايَته إِلَى غير ذَلِك وَتقدم فِي تَرْجَمَة مولَايَ أَحْمد الْمَنْصُور أَنه كَانَ قسم الولايات بَين بنيه وَكَانَ بَقِي الْأَمر على ذَلِك حَتَّى ظهر مولَايَ رشيد فَجَعلهَا ملكا وَاحِدًا وَكَانَ ملكا معتدلا هاشميا محسنا محبا للْعُلَمَاء واستقام فِي السلطنة سبع سنوات وَتُوفِّي فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف وَأَخْبرنِي بعض المغاربة فِي سَبَب مَوته أَنه أَصَابَهُ فِي مَا يَلِي أُذُنه عود من شَجَرَة فِي بُسْتَان لَهُ كَانَ يرْكض جَوَاده فِيهِ فنفذ الْعود وَوَقع مولَايَ رشيد مَيتا رَحمَه الله تَعَالَى الْأَمِير رضوَان بن عبد الله الْغِفَارِيّ أَمِير الْحَاج الْمصْرِيّ الكرجي الأَصْل كَانَ فِي ابْتِدَاء أمره من مماليك ذِي الفقار أحد أُمَرَاء مصر الْمَشْهُورين بالشأن الْعَظِيم والدولة الباهرة اشْتَرَاهُ صَغِيرا واعتنى بتربيته وَلما مَاتَ مَوْلَاهُ الْمَذْكُور رق حَاله

стр. 662

ثمَّ اسْتغنى وَنبهَ قدره وَكَانَ وقوراً مهيباً وَله سُكُون وديانة ورياسة واشتهر صيته وعظمت دائرته حَتَّى صَار أَرْبَعَة من مماليكه مثله أَصْحَاب لِوَاء وَعلم مَعَ مَا يتبعهُم من الْجند والكشاف والملتزمين وَله الْآثَار الْحَسَنَة فِي طَرِيق الْحَاج الْمصْرِيّ والحرمين وَكَانَ حسن السِّيرَة خُصُوصا فِي بر الْحجاز فَكَانَ معتنيا بأَهْله يُرْسل صرهم من حِين وُصُوله إِلَى يَنْبع إِلَى مَكَّة ويقسمه عَلَيْهِم قبل وُصُول الْحَاج وكل من لَهُ حَاجَة مِنْهُم بِمصْر قَضَاهَا لَهُ بأيسر حَال وَمكث نيفا وَعشْرين سنة أَمِير على الْحَاج وَفِي أثْنَاء ذَلِك وَقع لَهُ محنة فِي زمن مُحَمَّد باشا سبط رستم باشا الْآتِي ذكره وَكَانَ أذذاك محافظ مصر بِسَبَب أَمر افترى عَلَيْهِ فَعرض فِيهِ الْوَزير الْمَذْكُور إِلَى بَاب السُّلْطَان فجَاء الْأَمر الشريف بعزله عَن إِمَارَة الْحَاج فَلَمَّا بلغه توجه للأعتاب الْعَالِيَة هَارِبا وَاجْتمعَ بالسلطان مُرَاد فحبسه وَأمر بِبيع جَمِيع أملاكه وعقاراته فَبَقيَ مَحْبُوسًا مُدَّة وتكرر اجتماعه بالسلطان مُرَاد فَلم يَأْذَن الله تَعَالَى بإنطلاقه إِلَّا بعد موت السُّلْطَان الْمَذْكُور وتولية أَخِيه السُّلْطَان إِبْرَاهِيم السلطنة ثمَّ أطلق فَعَاد إِلَى مصر وَأخذ جَمِيع مَا ذهب لَهُ بعضه هبة وَبَعضه شِرَاء وانعقدت عَلَيْهِ رياسة مصر وَوَقع لَهُ محنة أُخْرَى فِي زمن أَحْمد باشا فَإِن الْأَمِير رضوَان سعى فِي نقص أَمر الْوَزير الْمَذْكُور وتغييره من مُحَافظَة مصر وفاوض جمَاعَة من الْأَعْيَان فِي ذَلِك فَلم يُوَافقهُ الْجند على ذَلِك وَتوجه الْأَمِير رضوَان إِلَى الْحَج والمنافرة وَاقعَة فراسل الْوَزير الْأَمِير على حَاكم جرجا وَأَلْقَتْ بَينه وَبَين الْأَمِير رضوَان الْعَدَاوَة ونصبه أَمِير الْحَاج مَكَانَهُ وَوجه جرجا لأحد مماليك الْأَمِير عَليّ وَقدم الْأَمِير عَليّ من جرجا إِلَى مصر وَلما قرب قدوم الْحَاج اسْتَشَارَ الْأَمِير على بعض أَصْحَابه فِي اسْتِقْبَال الْأَمِير رضوَان فأشاروا عَلَيْهِ بِأَن يفعل إِلَّا قَلِيلا من الأخصاء فَإِنَّهُم أنكروه فتبع رَأْي الأول وصمم على الإستقبال وَخرج بجمعية عَظِيمَة وَلما اجْتمع هُوَ والأمير رضوَان تسالما وَلم يبد من أَحدهمَا مَا يُغير خاطر الآخر وَكَانَ كل مِنْهُمَا يجل الآخر وَيعرف حَقه وَأَقَامَا يومهما والأمير رضوَان مفكر فِي أَمر الإجتماع بالوزير وَفِيمَا ينجر إِلَيْهِ حَاله فَقَامَ من الْمجْلس وَبَقِي جَمِيع الْأُمَرَاء والأعيان وطلع إِلَى جَانب وَوضع مجنا تَحت رَأسه وَأخذ يفكر فاتفق أَنه جَاءَ فِي ذَلِك الْوَقْت خبر عزل الْوَزير عَن مصر وَأَنه صَار مَكَانَهُ عبد الرَّحْمَن باشا الْخصي وَمر متسلمه على العادلية وَسَار إِلَى مصر فجَاء رجلَانِ إِلَى الْبركَة مَحل نزُول الْحَاج وهما فِي قصد الْأَمِير رضوَان ليبشراه فَلَمَّا أخبرا بمكانه أَسْرعَا إِلَيْهِ

стр. 663

وإيقظاه وأخبراه بذلك فَكَانَ ذَلِك لَهُ من بَاب الْفرج بعد الشدَّة فَأتى المخيم وَالْقَوْم كلهم جُلُوس وَلما اسْتَقر بِهِ الْجُلُوس الْتفت إِلَى الْأَمِير مصطفى الدفتري بِمصْر وَأخْبرهُ جهارا بِالْخَيرِ فتعجب الْجَمِيع من ذَلِك وظنوا أَنه رأى مناما ثمَّ أخْبرهُم بِحَقِيقَة الْأَمر فصدقوا وَدخل مصر فَلم يتَّفق لَهُ اجْتِمَاع بالوزير واصطلح هُوَ والأمير على صلحا لافساد بعده وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن هذَيْن الأميرين كَانَا من الْأَفْرَاد وهما زِينَة ملك آل عُثْمَان وَكَانَت وَفَاة الْأَمِير رضوَان فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف رَضِي الدّين بن عبد الرَّحْمَن بن الشهَاب أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن حجر الهيثمي بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة نِسْبَة لمحلة أبي الْهَيْثَم من أقاليم مصر السَّعْدِيّ نِسْبَة لبني سعد الْمَوْجُودين بِمصْر وَسبب شهرة جسده بِحجر أَنه كَانَ ملازما للصمت فِي جَمِيع أَحْوَاله لَا ينْطق إِلَّا لضَرُورَة فَسُمي حجرا أحد أفاضل المكيين ووجوه الشَّافِعِيَّة وَكَانَ فَاضلا بارعا متقنا شَدِيدا فِي الدّين مشتغلا بِمَا يعنيه أَخذ عَن وَالِده وَعَن السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم الْبَصْرِيّ وَأحمد بن أبي الْفَتْح الْحكمِي وَعبد الْملك العصامي وَعبد الْعَزِيز الزمزمي وَأَجَازَهُ إجَازَة حافلة سَمَّاهَا لَهُ شَيْخه أَحْمد الْحكمِي فتح الرِّضَا فِي نشر الْعلم والإهتداء قَالَ فِيهَا لازمني زَاد الله فِي توفيقه وسلك بِهِ أقوم طَرِيقه من عَام ثَمَانِيَة عشر وَألف وَحضر دروسي بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام الَّذِي هُوَ أجل الْمَسَاجِد وأشرف وَسمع على كتاب الصَّوْم وَالْحج من تحفة الْمُحْتَاج لشرح الْمِنْهَاج لجدي وجده وغالب الرّبع الأول من مُؤَلفه فتح الْجواد مَعَ مطالعته للتحفة والإمداد وَالرّبع الأول من شرح الرَّوْض وغالب شرح الْمنْهَج لشيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا وَقطعَة من شرح الْقطر لِابْنِ هِشَام وَقَرَأَ على قراء خَاصَّة من أول كتاب البيع إِلَى كتاب الْوَقْف من شرح الْمنْهَج مَعَ مطالعة التُّحْفَة وَلم يزل ملازما للْقِرَاءَة والحضور ويبدي من الْفَوَائِد العجيبة والدقائق الغريبة والأبحاث الدقيقة فِي حقائق الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم والإشكالات الْوَثِيقَة المستنبط لَهَا من مدارك الْعُلُوم مَا يدل على غزارة فَضله وَأَحْكَام علمه وَنَقله وَلَا غرواذ هُوَ فرع ذَلِك الأَصْل الزكي والعنصر الطّيب الرضى ويحق أَن ينشد لِسَان حَالَة ويبدي فَإِن المَاء مَاء أبي وحدي إِلَى آخر مَا ذكره وَأخذ عَن سيدنَا أَحْمد القشاشي التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه والتصوف وَأَجَازَهُ بمروياته ولقنه الذّكر وَلما قدم إِلَى مَكَّة يَوْم السبت تَاسِع عشر ذِي الْقعدَة سنة أَرْبَعِينَ وَألف السَّيِّد الْجَلِيل الْعَارِف الراسخ مُحَمَّد بن علوي بن

стр. 664

عقيل قَرَأَ عَلَيْهِ طرفا من الشِّفَاء ثمَّ طلب مِنْهُ السَّيِّد عبد الرَّحِيم السمهودي وَأحمد ابْن عراق أَن يحضرا مَعَه فأجابهما السَّيِّد لذَلِك ثمَّ أخبرهُ أَن النَّبِي حَاضر حَال قِرَاءَته وَهَذِه منحة عظمى وَألبسهُ الْخِرْقَة وأرخى لَهُ العذبة ولقنه الذّكر وَألبسهُ عمَامَته وَألف صَاحب التَّرْجَمَة مؤلفات مِنْهَا حَاشِيَة على التُّحْفَة لجده رد بهَا اعتراضات الْعَلامَة ابْن قَاسم الْعَبَّادِيّ وَاخْتصرَ أَسْنَى المطالب فِي صلَة الْأَقَارِب اختصارا عجيبا وَالْفَتْح الْمُبين فِي شرح الْأَرْبَعين وَالْقَوْل الْمُخْتَصر فِي عَلَامَات الْمهْدي المنتظر لجده أَيْضا وَله رِسَالَة فِي الشَّيْخ الْأَكْبَر محيي الدّين بن عَرَبِيّ سَمَّاهَا شذرة من ذهب من تَرْجَمَة سيد طي الْعَرَب وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بالمعلاة بِقرب تربة جده شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر رَحمَه الله تَعَالَى رَمَضَان بن عبد الْحق الْمَعْرُوف بالعكاري الدِّمَشْقِي الْفَقِيه الْحَنَفِيّ كَانَ عَالما بالفقه والعربية متجرا فيهمَا مقدما فِي معرفتهما وإتقانهما وَكَانَ النَّاس يَجْتَمعُونَ إِلَيْهِ ويقتبسون مِنْهُ وَكَانَ غَايَة فِي جودة التَّعْلِيم وَحسن التفهيم وَله إطلاع زَائِد على فروع الْمَذْهَب مَعَ إتقان أُصُوله وَهُوَ وَإِن اشْتهر بِهَذَيْنِ العلمين فشهرته فيهمَا شهرة تفرد وَهُوَ قيمًا عداهما من الْعُلُوم كَامِل الأدوات عديم القرين أَخذ الحَدِيث بِدِمَشْق عَن الْمُحدث الْكَبِير مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن دَاوُد الْمَقْدِسِي نزيل دمشق وَعَن الإِمَام الْفَقِيه مُحَمَّد بن عَليّ الْمَقْدِسِي ثمَّ الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بالعلمي شيخ الْحَنَفِيَّة فِي وقته وَقَرَأَ المعقولات والعربية على المنلا أبي بكر السندي نزيل دمشق وعَلى غَيره وبرع وَولي خطابة جَامع سِنَان باشا خَارج بَاب الْجَابِيَة ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الظَّاهِرِيَّة الْكُبْرَى وَرَأس آخر أمره بِدِمَشْق فَكَانَ يُفْتِي فِي حَيَاة الْعِمَادِيّ الْمُفْتِي وَلما مَاتَ الْعَلامَة مُحَمَّد ابْن قباد الْمَعْرُوف بالسكوتي وَكَانَ مفتي الشَّام أَرَادَ نَائِب دمشق أَن يعرض لَهُ بالفتوى فَمَا قبل القَاضِي الْقُضَاة الْمولى دَاوُد بن بايزيد وَعرض بهَا للشَّيْخ عماد الدّين ابْن الْعِمَادِيّ ووجهت لَهُ من طرف السلطنة أَيْضا وَأقَام صَاحب التَّرْجَمَة على وجاهته وتقيده بنشر المعارف والعلوم وَكَانَ يكْتب الْخط الْمَنْسُوب الْحسن وَيعرف اللُّغَة التركية معرفَة تَامَّة وَلَقَد سَمِعت كثيرا مِمَّن أدْركهُ تَرْجِيحه فِي الْفضل على أهل عصر فَلَمَّا اجْتمع فِيهِ مَا لم يجْتَمع فِي غَيره وحَدثني بعض الْعلمَاء نَاقِلا عَنهُ أَنه أخبرهُ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَنه لما حج اجْتمع بِرَجُل فِي الْحرم الْمَكِّيّ فَقَالَ لَهُ أَنْت إِمَام

стр. 665

الْعَصْر قَالَ ثمَّ غَابَ عني فِي مَحَله فَتبين لي أَنه الْخضر وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ بَين الْفضل مَشْهُور الْمعرفَة وَكَانَ لَهُ همة عالية وإقدام فِي الْأُمُور وَله إنْشَاء بِالْعَرَبِيَّةِ وَشعر قَلِيل لَا يحضرني مِنْهُ إِلَّا مَا قرأته بِخَط الإِمَام المتجر مُحَمَّد بن عَليّ الحرفوشي الحريري شَارِح الفاكهي فِي مَجْمُوع لَهُ قَالَ كتبت إِلَى الْأَخ الْعَلامَة رَمَضَان العكاري محاجيا فِي اسْمه وَنحن بقصر القرماني بالجسر الابيض من صالحية دمشق قولي (يَا زاكيا نجاره ... وَمن تسامى قدما) (مَاذَا يُسَاوِي قَول من ... حاجيته اقصد غنما) فَأجَاب بقوله (يَا فَاضلا مَا مثله ... من مَا جد تكرما) (أحجية تَضَمَّنت ... شهر الصّيام وأسلما) وَحج مرَّتَيْنِ ثَانِيهمَا فِي سنة خمس وَخمسين وَرجع متوعك المزاج وَمكث فِي دَاره يزار إِلَى لَيْلَة الثُّلَاثَاء خَامِس عشر شهر ربيع الثَّانِي سنة سِتّ وَخمسين وَألف فانتقل إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى وَدفن بتربة بَاب الصَّغِير وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَذكر وَالِدي المرحوم فِي تَرْجَمته أَنه أخبرهُ الشَّيْخ الْفَاضِل تِلْمِيذه وسميه رَمَضَان بن مُوسَى بن عطيف الْآتِي ذكره بعده فِي منزله بِدِمَشْق أَنه رأى صَاحب التَّرْجَمَة فِي الْمَنَام بعد وَفَاته جَالِسا بمحراب جَامع السنانية فَنظر إِلَيْهِ وَأنْشد بِلَفْظ عريض (مضى عصر الصِّبَا لَا فِي انْشِرَاح ... وَلَا وصل يلذ مَعَ الصَّباح) (وَلَا فِي خدمَة الْمولى تَعَالَى ... فَفِيهَا كل أَنْوَاع الْفَلاح) (وَكنت أَظن يصلحني مشيبي ... فشبت فَأَيْنَ آثَار الصّلاح) قلت وَسَأَلت أَنا شَيخنَا العطيفي عَن هَذِه الأبيات هَل يعرف أَنَّهَا من نظمه أَو من نظم غَيره فتوقف ثمَّ بعد ذَلِك لَا زلت أفحص عَنْهَا حَتَّى وَجدتهَا منسوبة لبَعض بني السُّبْكِيّ وَأَظنهُ الشَّيْخ الإِمَام رَمَضَان بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن عطيف الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ شَيخنَا الْأَجَل صَاحب الْفُنُون والآداب الْفَقِيه النَّحْوِيّ الْفَائِق البارع أحد أجلاء الْمَشَايِخ بِدِمَشْق فِي عصره كَانَ لطيف الطَّبْع حسن المعاشرة منطر حاوله منادمة تَأْخُذ بِمَجَامِع الْقُلُوب يتَصَرَّف فِيهَا تَصرفا عجيبا وَله رِوَايَة فِي الشّعْر وَأَيَّام الْعَرَب

стр. 666

وأخبار الْمُلُوك وَالشعرَاء قل أَن تُوجد فِي أحد من أَبنَاء الْعَصْر قَرَأَ بِدِمَشْق عَن الجلة من الْمَشَايِخ مِنْهُم العكارى الْمَذْكُور قبله والعمادي الْمُفْتِي وَالشَّيْخ مصطفى بن محب الدّين وَغَيرهم وَأخذ الحَدِيث عَن النَّجْم الْغَزِّي وَالشَّيْخ غرس الدّين الخليلي الْمدنِي وَله مَشَايِخ كَثِيرُونَ غَيرهم وتصدر للأقراء مُدَّة حَيَاته فِي جَامع السنانية والدرويشية وانتفع بِهِ خلق كثير وَكتب الْكثير بِخَطِّهِ وَجمع نفائس الْكتب من كل فن وَرَأَيْت لَهُ تعليقات ورسائل كَثِيرَة وَذكره شَيخنَا الخياري الْمدنِي فِي رحلته وَقَالَ فِي تَرْجَمته كَانَ بيني وَبَينه قبل اللِّقَاء مكاتبات فائقة ومراسلات شائقة تدل على غزارة علمه وفضله وتقضي للظمآن بورود نهله فَكنت أتعشقه على السماع ورؤيا الْآثَار وَأَرْجُو من الله حُصُول الإجتماع وتملى الْأَبْصَار حَتَّى كَانَ بِالشَّام وَكنت أتمناه بِمَدِينَة النَّبِي ﵇ فأنشدني من لَفظه أول مَا لَقِيَنِي للسلام وَأخْبر أَنه بديهة قَالَه فِي ذَلِك الْمقَام (أودّ زَمَانا أَن أَرَاكُم بمقلتي ... وأقضي فروضاً قد تعلقن ذِمَّتِي) (إِلَى أَن قضى الله اجتماعاً بوصلكم ... وَقد كَانَ هَذَا الْوَصْل فِي يَوْم جُمُعَة) قَالَ فأجبته بعد أَيَّام بِقَوْلِي (أيا سيدا سرّ الْفُؤَاد بِأَنَّهُ ... يُلَاحظ عبدا فِي حُضُور وغيبة) (وَقد علم الْمولى تَأَكد شوقنا ... فيسره بِالشَّام أنزه بقْعَة) (على أَنَّهَا فاقت بِمَا انْفَرَدت بِهِ ... من الْحسن من مَاء معِين وربوة) قَالَ وَكَانَ كتب إِلَى الْمشَار إِلَيْهِ من الشَّام وَأَنا بِالْمَدِينَةِ يطْلب مني تَرْجَمَة السَّيِّد مُحَمَّد جمال الدّين الْمَشْهُور بكبريت الْمدنِي (يَا خَطِيبًا بِأَرْض طيبَة أضحى ... أفْصح الْعَرَب عِنْده سكيتاً) (جد على العَبْد سَيِّدي بمناه ... وَهُوَ مَا ترجموا بِهِ كبريتاً) فأجبته وَقد رقمت لَهُ من تَرْجَمته مَا سمح بِهِ الخاطر (عين أهل الشَّام يَا وَاحِد الْعَصْر ... وَمن حَاز فِي الْمَعَالِي صيتًا) (دمت فِينَا زناد فضلك وار ... لست تحْتَاج للذكا كبريتاً) قَالَ وَكتب إِلَيّ (أشيخ الْوَقْت إِبْرَاهِيم يَا من ... عَلَوْت على الورى هام الدراري) (لأَنْت بِطيبَة من خير قوم ... خِيَار من خِيَار من خِيَار)

стр. 667

وَلما رَأَيْت العطيفي تلاعب وتداعب باللقب أَجَبْته بذلك مراعيا فِي القافية لقبه أَيْضا غائصا بحره فَقلت (أيا مولى سَمَّاهُ شهر صَوْم ... يجل الْوَصْف عَن كم وَكَيف) (عطفت بوصل أَسبَاب التداني ... وَذَلِكَ لَيْسَ بدعا من عطيف) انْتهى وَمِمَّا رَأَيْته من آثَار قلمه هَذِه الْقطعَة من الْإِنْشَاء والأبيات كتب بهَا إِلَى بعض الْفُضَلَاء جَوَابا عَن لغز كتبه إِلَيْهِ فِي قرنفل يَا من زين سَمَاء الدُّنْيَا بزهر النُّجُوم وزين الأَرْض بزهرها المنثور والمنظوم نحمدك على مَا أبدعت حكمتك فِي هَذِه الْأَعْصَار من زاهي الأزهار وَنُصَلِّي ونسلم على نبيك الْمُخْتَار وَآله الأخيرا مَا اخْتلف اللَّيْل والهار عدد تنوع النَّهَار أما بعد فَإِن رَقِيق الْكَلَام ورشيق النظام مِمَّا يسحر الْأَلْبَاب وينسج مَا بَين الأحباب وَلَا يدع فقد قَالَ سيد الْأَنَام عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَأتم السَّلَام أَن من الْبَيَان سحر أَوَان من الشّعْر حِكْمَة هَذَا وَقد أَخذ رائق كلامكم وفائق نظامكم بِهَذَا الصب أَخذ الأحباب الْأَرْوَاح وَلعب بِهِ وَلَا كتلعاب الراح كَيفَ لَا وَقد كسى حلل إلبها وَالْجمال وانتظم وَلَا كانتظام اللآل رق فاسترق الْأَحْرَار وحلي فتحلي بِهِ أهل الشعار وراق مَعْنَاهُ فأشرق مغناه وَحسن أتساقه فحلا مذاقه وفاج أرج القرنفل من رياضه وهبت نسمات الْجنان من غياضه فَللَّه دَرك ودر مَا ألغزت وَمَا أحسن مَا أبعدت وَقربت فقد أبدعت فاعبدت وأغربت فأرغبت لغز كالغزل فِي نشر طيه حلل من طول فِي مدحه فقد قصر وَمَا عَسى أَن يمدح الْبَحْر والجوهر وَلَكِن نعتذر إِلَيْكُم من هَذِه الشقشقات الَّتِي أوردناها على سَبِيل البديه وكل ينْفق مِمَّا عِنْده ويبديه وَحين ملت طَربا من ميل تِلْكَ اللامات قلت هَذِه الأبيات (أَتَانِي نظام مِنْك يزري بحسنه ... فقانبك من ذكرى حبيب ومنزل) (وأشممني مِنْهُ أريجا كَأَنَّهُ ... نسيم الصِّبَا جَاءَت بريا القرنفل) (فيا وَاحِد الدُّنْيَا وَلَيْسَ مدافع ... وَيَا من غَدا مدحي لَهُ من تغزل) (بعثت لنا عقدا ثميناً فَلَو رأى ... جواهره النظام ولى بمعزل) (وَلَو أَن رَآهُ امْرُؤ الْقَيْس لم يقل ... أَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل أَلا انجلى) (فَمن بك نظاما فمثلك فَلْيَكُن ... فصاحة أَلْفَاظ بِمَعْنى مكمل) (رَقِيق لطيف رائق متحبب ... إِلَى كل نفس وَهُوَ فِي الْعين كالحلي)

стр. 668

(يفوح عبير الْمسك من طي نشره ... فَكيف وَقد ألغزته فِي القرنفل) (فَلَا زلت تحبونا بِكُل فَضِيلَة ... وَلَا زلت تحبينا بِعلم مفضل) (وَلَا زلت للدنيا إِمَامًا وَسَيِّدًا ... وعلمك يرْوى كالحديث المسلسل) (فيا من غَدا جبرا لكل كسيرة ... وَيَا من غَدا خيرا عَلَيْك معولي) (وَيَا من غَدا حبرًا لكل دقيقة ... وَيَا من غَدا بحرا لكل مُؤَمل) (بقيت بِخَير سالما وممتعا ... وقدرك فِي الدُّنْيَا يزِيد ويعتلي) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فِي شهر رَمَضَان سنة تسع عشرَة والف كَذَا سمعته من لَفظه وكتبته عَنهُ وَتُوفِّي نَهَار الْخَمِيس عَاشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَتِسْعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير فِي مَسْجِد النارنج ﵀ روح الله بن مُحَمَّد أَمِين بن صدر الدّين الشرواني الأَصْل قَاضِي الْقُضَاة الْفَاضِل البارع الأديب كَانَ أحد أجلاء الموَالِي لَهُ جاه عريض وحشمة وافرة وَتثبت فِي الْأُمُور ودأب فِي الإشتغال حَتَّى تنبل ولازم من شيخ الْإِسْلَام الْمولى أسعد ودرس بمدارس قسطنطينية إِلَى أَن وصل إِلَى أحدى الْمدَارِس السليمانية وَولي مِنْهَا قَضَاء الْقُدس ثمَّ ولب وحلب ومصر وأدرنة وقسطنطينية وَكَانَ ينظم الشّعْر بالتركية ومخلصه على طريقتهم روحي وَله التَّارِيخ الْمَشْهُور قَالَه لما تسلطن السُّلْطَان وَهُوَ قَوْله خلد الله ملك إِبْرَاهِيم وَكَانَ بَينه وَبَين وَالِدي المرحوم مَوَدَّة ومراسلات كَثِيرَة ويعجبني مِنْهَا مَا كتبه وَالِدي إِلَيْهِ فِي صدر كتاب متمثلا وَهُوَ بالقدس (يَا نسمَة البان بل يَا نسمَة الرّيح ... إِن رحت يَوْمًا إِلَى من عِنْدهم روحي) (خذي لَهُم من ثنائي عنبرا عبقا ... وأوقديه بِنَا من تباريحي) أَقَامَ الله دعائم الْفضل وَشرح صدر الدّين بصدر الشَّرِيعَة وَالْعدْل بِبَقَاء روح الْقُدس وموطن الْأَمْن والأنس وحيد دهره وروح عصره وَمن آخر كتبه إِلَيْهِ وَهُوَ قَاض بحلب وَعِنْدِي من الأشواق مَا لَا تحمله متون الأوراق وَمن الغرام مَا لَا تشرحه أَلْسِنَة الأقلام فنسأله سُبْحَانَهُ أَن يمن علينا بمنة الاقتراب وَيحسن لشامنا بشريف ذَلِك الجناب لنرتع فِي روض دولته الوريفة ونتمتع بمشاهدة حَضرته الشَّرِيفَة وَتَكون أيامنا بجانبه أعياد الدَّهْر وليالينا بِهِ كلهَا لَيْلَة الْقدر ونعد ذَلِك مِنْهُ تَعَالَى نعْمَة وَأي نعمه لنؤدي بعض مَا يجب من أَدَاء

стр. 669

لَوَازِم الْخدمَة وطالما طمعت الآمال بذلك مرَارًا وَلَو مرورا وَرُبمَا خطر ذَلِك فِي الْقلب فملأه ذَلِك الخاطر سُرُورًا على أننا لم نيأس من روح الله أَن يمن بلقائه وَأَن يكحل الْعين باثمد بهائه انْتهى وَكَانَ فِي آخر أمره ولع بِعلم النُّجُوم واستخراج بعض المغيبات الْمُتَعَلّقَة بامور السلطنة هُوَ وَبَعض أخذان لَهُ كَانَ يأنس بهم من جُمْلَتهمْ عبد الْبَاقِي بن مصطفى المتخلص بوجدي الشَّاعِر الْمَشْهُور فِي الرّوم فوصل خبرهم إِلَى الْوَزير الكوبري فسعى فِي قَتلهمْ فَقتلُوا فِي رَابِع شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف والشرواني بِكَسْر الشين وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْوَاو ثمَّ ألف وَنون نِسْبَة إِلَى بَلْدَة بالعجم خرج مِنْهَا عُلَمَاء وفضلاء من أَجلهم وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة وَسَتَأْتِي تَرْجَمته إِن شَاءَ الله تَعَالَى روحي الشَّاعِر الْبَغْدَادِيّ الْمَشْهُور كَانَ من أَعَاجِيب الدُّنْيَا فِي صَنْعَة الشّعْر التركي لَهُ التخيلات اللطيفة والألفاظ الرشيقة وديوانه مَشْهُور يُوجد كثيرا بأيدي النَّاس وَكَانَ على أسلوب السياح وَله فِي سياحته ماجريات ووقائع كَثِيرَة وَاسْتقر آخر أمره بِدِمَشْق وَكنت سَمِعت خبْرَة قَدِيما من المرحوم الدرويش عِيسَى العينتابي نزيل دمشق وَكَانَ كثيرا مَا يلهج بأخباره ويورد ماجرياته وينشد أشعاره واظنه لم يُدْرِكهُ الإسنا لَا اجتماعه فروايته لأخباره عَن سَماع وَذكر أَن وَفَاته كَانَت سنة أَربع عشرَة بعد الْألف بِدِمَشْق ريحَان بن عبد الله الحبشي الأحمدي الشَّافِعِي الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى كَانَ مجاورا بالحجرة شمَالي مَسْجِد قبَاء ذكره النَّجْم فِي ذيله وَقَالَ كَانَ وَاضح الْكَشْف مجلو الْمرْآة ناقد البصيرة وَكَانَ للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَكَانَ القَاضِي عبد الرَّحْمَن قَاضِي الْمَدِينَة عمر لَهُ مَسْجِدا قَدِيما خَارج بَاب الْمصْرِيّ وَعمر لَهُ فِي جَانِبه بَيْتا لطيفا فسكن بِهِ وَتزَوج قَالَ زرته أَنا وَوَلَدي بدر الدّين واستأجزت لَهُ فَأَجَازَهُ وَألبسهُ الْخِرْقَة الأحمدية بحضوري وَصَارَ بَيْننَا مؤاخاة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمس عشرَة بعد الْألف ﵀ (حرف الزَّاي) زَكَرِيَّا بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْعَظِيم بن أَحْمد أَبُو يحيى المعري الْمَقْدِسِي الْحَنَفِيّ الإِمَام الْقدْوَة الْمُعْتَبر رَحل إِلَى مصر وَأخذ بهَا التَّفْسِير والْحَدِيث عَن الشَّيْخ مَنْصُور سبط الطبلاوي الشَّافِعِي وَكَانَ فَقِيها مُفَسرًا لَهُ بَاعَ طَوِيل فِي كثير من الْفُنُون وَولي إِفْتَاء الْحَنَفِيَّة بالقدس ودرس وَأفَاد وانتفع بِهِ خلق كثير فِي الْفِقْه

стр. 670

وَغَيره وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ ألف زَكَرِيَّا بن بيرام مفتي الممالك الإسلامية علم الْعلمَاء المتجرين فِي جَمِيع الْعُلُوم وَكَانَ إِلَيْهِ الهاية فِي التَّحْقِيق وَهُوَ أَمِير أهل عصره فِي الْفِقْه وَالْأُصُول أَصله من أنقرة وَبهَا ولد وَنَشَأ ثمَّ قدم إِلَى قسطنطينة واشتغل بهَا على الْمولى عبد الْبَاقِي الْمَعْرُوف بعرب زَاده ثمَّ وصل إِلَى خدمَة مَعْلُول أَمِير فصحبه مَعَه إِلَى الْقَاهِرَة فِي سنة خمسين وَألف وشارك الْعَلامَة عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي فِي الْقِرَاءَة عَلَيْهِ وَلما وصل إِلَى قَضَاء أَنا طولي صيره حَافظ التذاكر ولازم مِنْهُ وأحاط بِكَثِير من الْعُلُوم إحاطة تَامَّة وَألف تآليف شاهدة بدقة نظره وتمكنه مِنْهَا حَوَاشِيه على أكمل الدّين وعَلى صدر الشَّرِيعَة وَغير ذَلِك وَله نظم ونثر بِالْعَرَبِيَّةِ مسبوكان فِي قالب الْجَوْدَة فَمن ذَلِك مَا قرظ بِهِ طَبَقَات القَاضِي تقى الدّين التَّمِيمِي الْمُقدم ذكره (هَذَا كتاب فاق فِي أقرانه ... يسبي الْعُقُول بكشفه وَبَيَانه) (سفر جليل عبقري ماجد ... سحر حَلَال جَاءَ من سحبانه) (أوراقه أَشجَار روض زَاهِر ... قد تجتني الثمرات من أفنانه) (لله در مؤلف فاق الورى ... بفرائد فغدا فريد زَمَانه) (فجزاه رب الْعَالمين بِلُطْفِهِ ... طَبَقَات عز فِي فسيح جنانه) لما تعمقت فِي لجج هَذَا الْبَحْر الزاخر صادفت أصداف أَصْنَاف الدُّرَر الكامنة النَّوَادِر وألفيته رَوْضَة غناء زاهرة أزهارها وزهرة زهراء ناضرة أنوارها وجنات شقائقها محمرة وجنات حدائقها فخصرة تذكرة لعارف تقى وتبصرة المتبصر عَن الرذائل نقى جَاوز الشعرى بِشعرِهِ الْفَائِق وفَاق النثرة بنثره الرَّائِق قد استضاء بجواهره المضيئة تَاج تراجم الْأَعْيَان فَصَارَ كَأَنَّهُ مرْآة انعكس فِيهَا صور سير الأسلاف وأشراف أفاضل الزَّمَان اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْننَا وَبينهمْ فِي غرف عدن وطبقات الْجنان وَمن شعره قَوْله (أخف عليّ من منن الرِّجَال ... من الدُّنْيَا الدنية ارتحالى) (لَئِن ساءت بِسوء الْجَار حَالي ... أحوّل بَلْدَة أُخْرَى رحالي) وَقَوله أَيْضا (إِذا مَا كنت مرضيّ السجايا ... وعاش النَّاس مِنْك على أَمَان) (فعش فِي الدَّهْر ذَا أَمن ويمن ... ويوصلك الْإِلَه إِلَى الْأَمَانِي)
следующие страницы →