← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وأخبار الْمُلُوك وَالشعرَاء قل أَن تُوجد فِي أحد من أَبنَاء الْعَصْر قَرَأَ بِدِمَشْق عَن الجلة من الْمَشَايِخ مِنْهُم العكارى الْمَذْكُور قبله والعمادي الْمُفْتِي وَالشَّيْخ مصطفى بن محب الدّين وَغَيرهم وَأخذ الحَدِيث عَن النَّجْم الْغَزِّي وَالشَّيْخ غرس الدّين الخليلي الْمدنِي وَله مَشَايِخ كَثِيرُونَ غَيرهم وتصدر للأقراء مُدَّة حَيَاته فِي جَامع السنانية والدرويشية وانتفع بِهِ خلق كثير وَكتب الْكثير بِخَطِّهِ وَجمع نفائس الْكتب من كل فن وَرَأَيْت لَهُ تعليقات ورسائل كَثِيرَة وَذكره شَيخنَا الخياري الْمدنِي فِي رحلته وَقَالَ فِي تَرْجَمته كَانَ بيني وَبَينه قبل اللِّقَاء مكاتبات فائقة ومراسلات شائقة تدل على غزارة علمه وفضله وتقضي للظمآن بورود نهله فَكنت أتعشقه على السماع ورؤيا الْآثَار وَأَرْجُو من الله حُصُول الإجتماع وتملى الْأَبْصَار حَتَّى كَانَ بِالشَّام وَكنت أتمناه بِمَدِينَة النَّبِي ﵇ فأنشدني من لَفظه أول مَا لَقِيَنِي للسلام وَأخْبر أَنه بديهة قَالَه فِي ذَلِك الْمقَام (أودّ زَمَانا أَن أَرَاكُم بمقلتي ... وأقضي فروضاً قد تعلقن ذِمَّتِي) (إِلَى أَن قضى الله اجتماعاً بوصلكم ... وَقد كَانَ هَذَا الْوَصْل فِي يَوْم جُمُعَة) قَالَ فأجبته بعد أَيَّام بِقَوْلِي (أيا سيدا سرّ الْفُؤَاد بِأَنَّهُ ... يُلَاحظ عبدا فِي حُضُور وغيبة) (وَقد علم الْمولى تَأَكد شوقنا ... فيسره بِالشَّام أنزه بقْعَة) (على أَنَّهَا فاقت بِمَا انْفَرَدت بِهِ ... من الْحسن من مَاء معِين وربوة) قَالَ وَكَانَ كتب إِلَى الْمشَار إِلَيْهِ من الشَّام وَأَنا بِالْمَدِينَةِ يطْلب مني تَرْجَمَة السَّيِّد مُحَمَّد جمال الدّين الْمَشْهُور بكبريت الْمدنِي (يَا خَطِيبًا بِأَرْض طيبَة أضحى ... أفْصح الْعَرَب عِنْده سكيتاً) (جد على العَبْد سَيِّدي بمناه ... وَهُوَ مَا ترجموا بِهِ كبريتاً) فأجبته وَقد رقمت لَهُ من تَرْجَمته مَا سمح بِهِ الخاطر (عين أهل الشَّام يَا وَاحِد الْعَصْر ... وَمن حَاز فِي الْمَعَالِي صيتًا) (دمت فِينَا زناد فضلك وار ... لست تحْتَاج للذكا كبريتاً) قَالَ وَكتب إِلَيّ (أشيخ الْوَقْت إِبْرَاهِيم يَا من ... عَلَوْت على الورى هام الدراري) (لأَنْت بِطيبَة من خير قوم ... خِيَار من خِيَار من خِيَار)

стр. 667

وَلما رَأَيْت العطيفي تلاعب وتداعب باللقب أَجَبْته بذلك مراعيا فِي القافية لقبه أَيْضا غائصا بحره فَقلت (أيا مولى سَمَّاهُ شهر صَوْم ... يجل الْوَصْف عَن كم وَكَيف) (عطفت بوصل أَسبَاب التداني ... وَذَلِكَ لَيْسَ بدعا من عطيف) انْتهى وَمِمَّا رَأَيْته من آثَار قلمه هَذِه الْقطعَة من الْإِنْشَاء والأبيات كتب بهَا إِلَى بعض الْفُضَلَاء جَوَابا عَن لغز كتبه إِلَيْهِ فِي قرنفل يَا من زين سَمَاء الدُّنْيَا بزهر النُّجُوم وزين الأَرْض بزهرها المنثور والمنظوم نحمدك على مَا أبدعت حكمتك فِي هَذِه الْأَعْصَار من زاهي الأزهار وَنُصَلِّي ونسلم على نبيك الْمُخْتَار وَآله الأخيرا مَا اخْتلف اللَّيْل والهار عدد تنوع النَّهَار أما بعد فَإِن رَقِيق الْكَلَام ورشيق النظام مِمَّا يسحر الْأَلْبَاب وينسج مَا بَين الأحباب وَلَا يدع فقد قَالَ سيد الْأَنَام عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَأتم السَّلَام أَن من الْبَيَان سحر أَوَان من الشّعْر حِكْمَة هَذَا وَقد أَخذ رائق كلامكم وفائق نظامكم بِهَذَا الصب أَخذ الأحباب الْأَرْوَاح وَلعب بِهِ وَلَا كتلعاب الراح كَيفَ لَا وَقد كسى حلل إلبها وَالْجمال وانتظم وَلَا كانتظام اللآل رق فاسترق الْأَحْرَار وحلي فتحلي بِهِ أهل الشعار وراق مَعْنَاهُ فأشرق مغناه وَحسن أتساقه فحلا مذاقه وفاج أرج القرنفل من رياضه وهبت نسمات الْجنان من غياضه فَللَّه دَرك ودر مَا ألغزت وَمَا أحسن مَا أبعدت وَقربت فقد أبدعت فاعبدت وأغربت فأرغبت لغز كالغزل فِي نشر طيه حلل من طول فِي مدحه فقد قصر وَمَا عَسى أَن يمدح الْبَحْر والجوهر وَلَكِن نعتذر إِلَيْكُم من هَذِه الشقشقات الَّتِي أوردناها على سَبِيل البديه وكل ينْفق مِمَّا عِنْده ويبديه وَحين ملت طَربا من ميل تِلْكَ اللامات قلت هَذِه الأبيات (أَتَانِي نظام مِنْك يزري بحسنه ... فقانبك من ذكرى حبيب ومنزل) (وأشممني مِنْهُ أريجا كَأَنَّهُ ... نسيم الصِّبَا جَاءَت بريا القرنفل) (فيا وَاحِد الدُّنْيَا وَلَيْسَ مدافع ... وَيَا من غَدا مدحي لَهُ من تغزل) (بعثت لنا عقدا ثميناً فَلَو رأى ... جواهره النظام ولى بمعزل) (وَلَو أَن رَآهُ امْرُؤ الْقَيْس لم يقل ... أَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل أَلا انجلى) (فَمن بك نظاما فمثلك فَلْيَكُن ... فصاحة أَلْفَاظ بِمَعْنى مكمل) (رَقِيق لطيف رائق متحبب ... إِلَى كل نفس وَهُوَ فِي الْعين كالحلي)

стр. 668

(يفوح عبير الْمسك من طي نشره ... فَكيف وَقد ألغزته فِي القرنفل) (فَلَا زلت تحبونا بِكُل فَضِيلَة ... وَلَا زلت تحبينا بِعلم مفضل) (وَلَا زلت للدنيا إِمَامًا وَسَيِّدًا ... وعلمك يرْوى كالحديث المسلسل) (فيا من غَدا جبرا لكل كسيرة ... وَيَا من غَدا خيرا عَلَيْك معولي) (وَيَا من غَدا حبرًا لكل دقيقة ... وَيَا من غَدا بحرا لكل مُؤَمل) (بقيت بِخَير سالما وممتعا ... وقدرك فِي الدُّنْيَا يزِيد ويعتلي) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فِي شهر رَمَضَان سنة تسع عشرَة والف كَذَا سمعته من لَفظه وكتبته عَنهُ وَتُوفِّي نَهَار الْخَمِيس عَاشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَتِسْعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير فِي مَسْجِد النارنج ﵀ روح الله بن مُحَمَّد أَمِين بن صدر الدّين الشرواني الأَصْل قَاضِي الْقُضَاة الْفَاضِل البارع الأديب كَانَ أحد أجلاء الموَالِي لَهُ جاه عريض وحشمة وافرة وَتثبت فِي الْأُمُور ودأب فِي الإشتغال حَتَّى تنبل ولازم من شيخ الْإِسْلَام الْمولى أسعد ودرس بمدارس قسطنطينية إِلَى أَن وصل إِلَى أحدى الْمدَارِس السليمانية وَولي مِنْهَا قَضَاء الْقُدس ثمَّ ولب وحلب ومصر وأدرنة وقسطنطينية وَكَانَ ينظم الشّعْر بالتركية ومخلصه على طريقتهم روحي وَله التَّارِيخ الْمَشْهُور قَالَه لما تسلطن السُّلْطَان وَهُوَ قَوْله خلد الله ملك إِبْرَاهِيم وَكَانَ بَينه وَبَين وَالِدي المرحوم مَوَدَّة ومراسلات كَثِيرَة ويعجبني مِنْهَا مَا كتبه وَالِدي إِلَيْهِ فِي صدر كتاب متمثلا وَهُوَ بالقدس (يَا نسمَة البان بل يَا نسمَة الرّيح ... إِن رحت يَوْمًا إِلَى من عِنْدهم روحي) (خذي لَهُم من ثنائي عنبرا عبقا ... وأوقديه بِنَا من تباريحي) أَقَامَ الله دعائم الْفضل وَشرح صدر الدّين بصدر الشَّرِيعَة وَالْعدْل بِبَقَاء روح الْقُدس وموطن الْأَمْن والأنس وحيد دهره وروح عصره وَمن آخر كتبه إِلَيْهِ وَهُوَ قَاض بحلب وَعِنْدِي من الأشواق مَا لَا تحمله متون الأوراق وَمن الغرام مَا لَا تشرحه أَلْسِنَة الأقلام فنسأله سُبْحَانَهُ أَن يمن علينا بمنة الاقتراب وَيحسن لشامنا بشريف ذَلِك الجناب لنرتع فِي روض دولته الوريفة ونتمتع بمشاهدة حَضرته الشَّرِيفَة وَتَكون أيامنا بجانبه أعياد الدَّهْر وليالينا بِهِ كلهَا لَيْلَة الْقدر ونعد ذَلِك مِنْهُ تَعَالَى نعْمَة وَأي نعمه لنؤدي بعض مَا يجب من أَدَاء

стр. 669

لَوَازِم الْخدمَة وطالما طمعت الآمال بذلك مرَارًا وَلَو مرورا وَرُبمَا خطر ذَلِك فِي الْقلب فملأه ذَلِك الخاطر سُرُورًا على أننا لم نيأس من روح الله أَن يمن بلقائه وَأَن يكحل الْعين باثمد بهائه انْتهى وَكَانَ فِي آخر أمره ولع بِعلم النُّجُوم واستخراج بعض المغيبات الْمُتَعَلّقَة بامور السلطنة هُوَ وَبَعض أخذان لَهُ كَانَ يأنس بهم من جُمْلَتهمْ عبد الْبَاقِي بن مصطفى المتخلص بوجدي الشَّاعِر الْمَشْهُور فِي الرّوم فوصل خبرهم إِلَى الْوَزير الكوبري فسعى فِي قَتلهمْ فَقتلُوا فِي رَابِع شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف والشرواني بِكَسْر الشين وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْوَاو ثمَّ ألف وَنون نِسْبَة إِلَى بَلْدَة بالعجم خرج مِنْهَا عُلَمَاء وفضلاء من أَجلهم وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة وَسَتَأْتِي تَرْجَمته إِن شَاءَ الله تَعَالَى روحي الشَّاعِر الْبَغْدَادِيّ الْمَشْهُور كَانَ من أَعَاجِيب الدُّنْيَا فِي صَنْعَة الشّعْر التركي لَهُ التخيلات اللطيفة والألفاظ الرشيقة وديوانه مَشْهُور يُوجد كثيرا بأيدي النَّاس وَكَانَ على أسلوب السياح وَله فِي سياحته ماجريات ووقائع كَثِيرَة وَاسْتقر آخر أمره بِدِمَشْق وَكنت سَمِعت خبْرَة قَدِيما من المرحوم الدرويش عِيسَى العينتابي نزيل دمشق وَكَانَ كثيرا مَا يلهج بأخباره ويورد ماجرياته وينشد أشعاره واظنه لم يُدْرِكهُ الإسنا لَا اجتماعه فروايته لأخباره عَن سَماع وَذكر أَن وَفَاته كَانَت سنة أَربع عشرَة بعد الْألف بِدِمَشْق ريحَان بن عبد الله الحبشي الأحمدي الشَّافِعِي الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى كَانَ مجاورا بالحجرة شمَالي مَسْجِد قبَاء ذكره النَّجْم فِي ذيله وَقَالَ كَانَ وَاضح الْكَشْف مجلو الْمرْآة ناقد البصيرة وَكَانَ للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَكَانَ القَاضِي عبد الرَّحْمَن قَاضِي الْمَدِينَة عمر لَهُ مَسْجِدا قَدِيما خَارج بَاب الْمصْرِيّ وَعمر لَهُ فِي جَانِبه بَيْتا لطيفا فسكن بِهِ وَتزَوج قَالَ زرته أَنا وَوَلَدي بدر الدّين واستأجزت لَهُ فَأَجَازَهُ وَألبسهُ الْخِرْقَة الأحمدية بحضوري وَصَارَ بَيْننَا مؤاخاة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمس عشرَة بعد الْألف ﵀ (حرف الزَّاي) زَكَرِيَّا بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْعَظِيم بن أَحْمد أَبُو يحيى المعري الْمَقْدِسِي الْحَنَفِيّ الإِمَام الْقدْوَة الْمُعْتَبر رَحل إِلَى مصر وَأخذ بهَا التَّفْسِير والْحَدِيث عَن الشَّيْخ مَنْصُور سبط الطبلاوي الشَّافِعِي وَكَانَ فَقِيها مُفَسرًا لَهُ بَاعَ طَوِيل فِي كثير من الْفُنُون وَولي إِفْتَاء الْحَنَفِيَّة بالقدس ودرس وَأفَاد وانتفع بِهِ خلق كثير فِي الْفِقْه

стр. 670

وَغَيره وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ ألف زَكَرِيَّا بن بيرام مفتي الممالك الإسلامية علم الْعلمَاء المتجرين فِي جَمِيع الْعُلُوم وَكَانَ إِلَيْهِ الهاية فِي التَّحْقِيق وَهُوَ أَمِير أهل عصره فِي الْفِقْه وَالْأُصُول أَصله من أنقرة وَبهَا ولد وَنَشَأ ثمَّ قدم إِلَى قسطنطينة واشتغل بهَا على الْمولى عبد الْبَاقِي الْمَعْرُوف بعرب زَاده ثمَّ وصل إِلَى خدمَة مَعْلُول أَمِير فصحبه مَعَه إِلَى الْقَاهِرَة فِي سنة خمسين وَألف وشارك الْعَلامَة عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي فِي الْقِرَاءَة عَلَيْهِ وَلما وصل إِلَى قَضَاء أَنا طولي صيره حَافظ التذاكر ولازم مِنْهُ وأحاط بِكَثِير من الْعُلُوم إحاطة تَامَّة وَألف تآليف شاهدة بدقة نظره وتمكنه مِنْهَا حَوَاشِيه على أكمل الدّين وعَلى صدر الشَّرِيعَة وَغير ذَلِك وَله نظم ونثر بِالْعَرَبِيَّةِ مسبوكان فِي قالب الْجَوْدَة فَمن ذَلِك مَا قرظ بِهِ طَبَقَات القَاضِي تقى الدّين التَّمِيمِي الْمُقدم ذكره (هَذَا كتاب فاق فِي أقرانه ... يسبي الْعُقُول بكشفه وَبَيَانه) (سفر جليل عبقري ماجد ... سحر حَلَال جَاءَ من سحبانه) (أوراقه أَشجَار روض زَاهِر ... قد تجتني الثمرات من أفنانه) (لله در مؤلف فاق الورى ... بفرائد فغدا فريد زَمَانه) (فجزاه رب الْعَالمين بِلُطْفِهِ ... طَبَقَات عز فِي فسيح جنانه) لما تعمقت فِي لجج هَذَا الْبَحْر الزاخر صادفت أصداف أَصْنَاف الدُّرَر الكامنة النَّوَادِر وألفيته رَوْضَة غناء زاهرة أزهارها وزهرة زهراء ناضرة أنوارها وجنات شقائقها محمرة وجنات حدائقها فخصرة تذكرة لعارف تقى وتبصرة المتبصر عَن الرذائل نقى جَاوز الشعرى بِشعرِهِ الْفَائِق وفَاق النثرة بنثره الرَّائِق قد استضاء بجواهره المضيئة تَاج تراجم الْأَعْيَان فَصَارَ كَأَنَّهُ مرْآة انعكس فِيهَا صور سير الأسلاف وأشراف أفاضل الزَّمَان اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْننَا وَبينهمْ فِي غرف عدن وطبقات الْجنان وَمن شعره قَوْله (أخف عليّ من منن الرِّجَال ... من الدُّنْيَا الدنية ارتحالى) (لَئِن ساءت بِسوء الْجَار حَالي ... أحوّل بَلْدَة أُخْرَى رحالي) وَقَوله أَيْضا (إِذا مَا كنت مرضيّ السجايا ... وعاش النَّاس مِنْك على أَمَان) (فعش فِي الدَّهْر ذَا أَمن ويمن ... ويوصلك الْإِلَه إِلَى الْأَمَانِي)

стр. 671

وَمن غزلياته قَوْله (قد قتل العشاق من لحظه ... دِمَاؤُهُمْ سَالَتْ على الأودية) (يَا عجبا من قَاتل أَنه ... لَيْسَ عَلَيْهِ قَود أَوديَة) وَله غير ذَلِك وَكَانَ درس بمدارس قسطنطينية حَتَّى وصل إِلَى السليمانية وَولي مِنْهَا قَضَاء حلب فِي سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة قَالَ الشَّيْخ عمر العرضي وَلما قدمهَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مُسلمين عَلَيْهِ فَإِذا هُوَ رجل فَاضل لَهُ استحضار حسن فِي فقه أبي حنيفَة وَكم جرى بَيْننَا وَبَينه من الأبحاث الَّتِي تدل على حسن استحضاره وسألني ذَات يَوْم عَن قَول بعض كتب الْحَنَفِيَّة لَو ادّعى رجلَانِ على إمرأة أَنَّهَا زَوْجَة كل مِنْهُمَا أَحدهمَا زيد وَالْآخر عمر فَقَالَت فِي الحواب تزوجت زيدا بعد عمر وَحكم بِأَنَّهَا زَوْجَة لزيد لَكِن لَو قَالَ لَهَا القَاضِي روجه من أَنْت فَقَالَت تزوجت زيدا بعد عمر وَحكم بِأَنَّهَا زَوْجَة عمر وفقال لي مَا الْفرق بَينهمَا فبحثنا مَعَه على قدر الْإِمْكَان ثمَّ أَنه أظهر جَوَابا حسنا من الْخُلَاصَة فَأخذت الْجَواب وكتبت عَلَيْهِ رِسَالَة لَطِيفَة وَقعت عِنْده فِي حيّز الْقبُول ثمَّ إِنِّي كتبت لَهُ رِسَالَة تشْتَمل على ثَلَاثِينَ سؤالا من اثْنَيْنِ وَعشْرين علما أَرَادَ أَن يلْتَزم الْجَواب عَنْهَا فَأجَاب عَن بعض أسئلتها ثمَّ اعتذر بِكَثْرَة اشْتِغَاله بالحكومات وَغَيرهَا ثمَّ ترقى فِي المناصب إِلَى أَن صَار قَاضِي العساكر بانا طولي ثمَّ عزل وَدخل دمشق بعد عَزله فِي سنة أَربع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة مُتَوَجها مِنْهَا إِلَى الْحَج وصحبته ولداه الْمولى يحيى الَّذِي صَار آخرا مفتي الدولة وَالْمولى لطف الله الْآتِي ذكرهمَا وَقعد مَا أَدّوا فَرِيضَة الْحَج عَادوا إِلَى الرّوم فولى صَاحب التَّرْجَمَة قَضَاء الْعَسْكَر بروم إيلي وَوَقع بَينه وَبَين سِنَان باشا الْوَزير الْأَعْظَم فِي شعْبَان سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فعزل ثمَّ ولي الْإِفْتَاء فِي رَجَب سنة إِحْدَى بعد الْألف وَأنْشد فِي تَوليته ابْن نوعى صَاحب ذيل الشقائق التركي بيتنا بالتركية استحسنته جدا فعربته فِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ ومنهما يعلم مَعْنَاهُ وهما قَوْله (فِي رَأس كل مائَة يَجِيء من ... يجدد الدّين بِحسن الْوَصْف) (وَمثل ذَا مُجَدد الدّين لَا ... يَجِيء إِلَّا وَاحِد فِي الْألف) وَلم تطل مدَّته فَتوفي فِي شَوَّال من هَذِه السّنة وَكَانَت وَفَاته فَجْأَة دخل إِلَى حَضْرَة السُّلْطَان مُرَاد الثَّالِث وَاجْتمعَ بِهِ وَألبسهُ خلعة سنية فحال خُرُوجه سقط مَيتا وروى عَنهُ أَنه قبل وَفَاته بليلة وَاحِدَة رأى فِي مَنَامه كَأَن النَّبِي

стр. 672

يَقُول لَهُ فِي غَد تَجْتَمِع بالسلطان وتلبس خلعة وَتَكون عندنَا فانتبه وَهُوَ متعجب وَكَانَ من أمره مَا كَانَ وَدفن فِي أحد مدرستيه اللَّتَيْنِ بناهما بقسطنطينية بِقرب جَامع السُّلْطَان سليم وحمامه رَحمَه الله تَعَالَى زَكَرِيَّاء بن حُسَيْن بن مسيح البوسنوي الأَصْل الدِّمَشْقِي المولد تقدم أَبوهُ حُسَيْن وَأَخُوهُ درويش مُحَمَّد وَنَشَأ هُوَ فِي كنف أَبِيه على صون ونزاهة واشتغل بِطَلَب الْعلم وَكَانَ فِي عنوان عمره جميلا غَايَة وَلم يكن فِي عصره من يُقَارِبه فِي الْحسن وَكَانَ تولع فِيهِ قوم من الأدباء والشعرء مِنْهُم الْأَمِير منجك المنجكي وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ (كلما رحت ذَاكِرًا زَكَرِيَّا ... عَاد قلبِي من الغرام مَلِيًّا) (رشأ كالمهاة جيدا ولحظا ... وقضيب يقل بَدْرًا سنيا) (أَتَرَى هَل أرَاهُ وَاللَّيْل داج ... طالعا بَين بردئي مضيا) (أجتني مَا اسْتَطَعْت من ورد ... خديه بأيدي اللحاظ وردا جنيا) (وأبل الأوام من رِيقه العذب ... وأسقى من فِيهِ رَاحا شهيا) (ثكلتني أم الصبابة إِن كنت ... أرى ساليا لَهُ أَو نسيا) وَقَالَ فِيهِ وَقد رَآهُ لابسا عِمَامَة وَهُوَ يقْرَأ فِي أحد دروس مَشَايِخ دمشق (وقارىء بمعن فِي درسه ... نفس المحبين فدا نَفسه) (معمم يشبه بدر الدجى ... مكوّر الشَّمْس على رَأسه) (غُصْن فُؤَادِي صَار روضاً لَهُ ... قد أبدع الغارس فِي غرسه) وَهَذَا الْأَمِير مَعَ ميله الزَّائِد إِلَى الحسان كَانَ نزيه النَّفس سليم النَّاحِيَة رفيع الهمة وَهُوَ الْقَائِل وَقد رأى إعْرَاضًا من معشوق لَهُ (قد أَبَت عبرتي بِأَن فُؤَادِي ... يصطفى من بِغَيْر طرفِي يشام) (أَنا لَا أَسْتَطِيع مَا يحمل النَّاس ... وَعِنْدِي بعض الْكَلَام كَلَام) (فَإِذا مَا الحبيب أعرض عني ... فعلى الْحبّ والحبيب السَّلَام) عودا إِلَى تَرْجَمَة زَكَرِيَّا وَبَعْدَمَا طلع عذاره نسخت آيَة جماله وكسفت صُورَة هلاله وَفِيه يَقُول أَحْمد بن شاهين بيتيه الْمَشْهُورين (ومذ بدا الشّعْر على وَجهه ... بدّلت الْحمرَة بالاصفرار) (كَأَنَّمَا الْعَارِض لما بدا ... قد صَار لِلْحسنِ جنَاحا فطار) ثمَّ بعد ذَلِك ولى النيبابات بمحاكم دمشق وسافر فِي خدمَة الْمولى شعْبَان بن ولي الدّين

стр. 673

لما نقل من قَضَاء دمشق إِلَى قَضَاء مصر فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وصيره ثمَّة قساماً ونائباً بالصالحية ثمَّ عَاد فِي خدمته إِلَى دمشق وسافر إِلَى الْحَج فِي سنة خمس وَخمسين ولازم من الْمولى الْمَذْكُور وَلما ولي الْمَذْكُور قَضَاء الْعَسْكَر بأناطولي وَجه إِلَيْهِ الْقِسْمَة العسكرية بِدِمَشْق وَولي بقْعَة تدريس بِجَامِع بني أُميَّة ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الظَّاهِرِيَّة الْكُبْرَى وَكَانَ يحسن اللُّغَة الفارسية والتركية والبوسنوية والعربية لِسَانه وَكَانَ يكْتب الْخط الْمليح وَله فَضِيلَة وَحسن منادمة ومطارحة وَله خلاعة ومجون وَكَانَ بَينه وَبَين أبي مودّة أكيدة وصحبة بَالِغَة وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من تحف الدَّهْر وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة خمس وَعشْرين تَقْرِيبًا وَتُوفِّي فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى زَكَرِيَّاء ابْن خضر البقاعي العينتيتي الْفَقِيه الشَّافِعِي ورد دمشق فِي حُدُود سنة خمس أَو سِتّ أَو سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَأقَام مُدَّة بِجَامِع منجك خَارج دمشق بمحلة مَسْجِد الأقصاب وَقَرَأَ كثيرا وتفقه بالشهاب أَحْمد بن أَحْمد الطَّيِّبِيّ الْأَوْسَط ثمَّ لزم الْحسن البوريني فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْعَرَبيَّة والأصلين وشيئاً من الْمنطق وَتوجه إِلَى الْقَاهِرَة وتفقه بهَا على النُّور الزيَادي وَأَجَازَهُ بالفتوى والتدريس ثمَّ رَجَعَ إِلَى دمشق وَولى إِعَادَة الناصرية الجوانية وتدريس الْمدرسَة النحاسية قرب مرج الدحداح وَكَانَ فَاضلا كَامِلا توفّي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ سادس عشر شهر رَمَضَان سنة عشْرين وَألف والعينتيتي بِعَين مُهْملَة مَفْتُوحَة وياء مثناة من أَسْفَل وَنون سَاكِنة وتاء مثناة من فَوق مَكْسُورَة يعقبها يَاء مثناة من أَسْفَل ثمَّ تَاء مثناة من فَوق نِسْبَة إِلَى قَرْيَة من قرى شوف الحراذين من جبل لبنان الشريف زيد بن محسن بن حُسَيْن بن حسن بن أبي نمي شرِيف مَكَّة الحسني وَقد تقدم ذكر تَتِمَّة نسبه فِي تَرْجَمَة عَم أَبِيه الشريف أبي طَالب فَليرْجع إِلَيْهِ ثمَّة كَانَ من أَمر زيد أَنه ولد بِمَكَّة فِي سنة أَربع عشرَة بعد الْألف وتربى فِي حجر وَالِده وسافر مَعَه إِلَى الْيمن وَلما توفّي أَبوهُ بِصَنْعَاء رَجَعَ إِلَى الْحجاز وَكَانَ قَامَ بِأَمْر الْحجاز الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب الْمُقدم ذكره فَلَمَّا قتل ولي مَكَانَهُ الشريف مَسْعُود بن إِدْرِيس ابْن حسن وولوه الْإِمَارَة وَكَانَ مَرِيضا بِمَرَض الدق فَمَاتَ بعد سنة وشهرين وَذَلِكَ فِي ثامن عشري شهر ربيع الثَّانِي سنة أَرْبَعِينَ وَألف فَاجْتمع الْأَشْرَاف على الشريف عبد الله بن حسن وولوه الْإِمَارَة وَاسْتمرّ نَحْو سنة ثمَّ خلع نَفسه وقلد

стр. 674

الْإِمَارَة وَلَده مُحَمَّدًا وأشرك مَعَه فِي الرّبع الشريف زيدا هَذَا فَبَقيَ أَمرهم على هَذَا الِاتِّفَاق مُدَّة قَليلَة فَدخل القنفدة فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف بعض عَسْكَر الْيمن الَّذين طردهم حاكمها قانصوه فأرسلوا إِلَى الشريف مُحَمَّد الْمَذْكُور أَنا نُرِيد مصر وقصدنا الْإِقَامَة بِمَكَّة أَيَّامًا لنتهياً لللسفر فَأبى خوفًا من الْفِتْنَة وَالْفساد فَلَمَّا وصلهم الْخَبَر أجمع رَأْيهمْ على دُخُول مَكَّة وولوا الشريف نامي بن عبد الْمطلب وأشركوا مَعَه الشريف عبد الْعَزِيز بن إِدْرِيس فِي الرّبع بِلَا شعار وأرسلوه إِلَى أَمِير جدة ليسلمها إِلَيْهِم فَأبى وَقتل الرُّسُل فتجهزوا وحاصروهم يَوْمَيْنِ ثمَّ دخلُوا جدة ونهبوها وَاسْتمرّ الشريف نامي يصادر أهل مَكَّة وَنهب عسكره الْبِلَاد واستباحوا الْمُحرمَات وَكَانَ الشريف زيد هرب إِلَى الْمَدِينَة وَكتب عرُوضا وأرسلها إِلَى صَاحب مصر مَعَ السَّيِّد عَليّ بن هيزع حِوَالَة مَكَّة بِمصْر وَلما وصل خبرهم لصَاحب مصر أرسل إِلَيْهِم سَبْعَة من الْأُمَرَاء وَأرْسل بخلع سلطانية للشريف زيد وبلغهم أَن الشريف زيدا بِالْمَدِينَةِ فَدَخَلُوا وخلعوا عَلَيْهِ بِملك الْحجاز فِي الْحُجْرَة الشَّرِيفَة وَتوجه إِلَى الْعَسْكَر وَأتوا جَمِيعًا إِلَى مَكَّة وَلما وصلت العساكر إِلَى مر الظهْرَان خرجت الْخَوَارِج إِلَى جِهَة الشرق وَحج باالناس الشريف زيد سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَلما فرغوا من الْمَنَاسِك توجهوا إِلَى مسك الْخَوَارِج فَلَمَّا بَلغهُمْ قصد الْعَسْكَر إِلَيْهِم تحَصَّنُوا بحصن تربة فحاصرتهم العساكر السُّلْطَانِيَّة وَكَانَت الْخَوَارِج فرْقَتَيْن فرقة رئيسهم يُقَال لَهُ الْأَمِير عَليّ وَالثَّانيَِة رئيسهم يُقَال لَهُ الْأَمِير مَحْمُود فَاسْتَمْسك الْأَمِير على نَفسه من أُمَرَاء مصر أَن يسلموه من الْقَتْل وَالْتزم لَهُم بالأمير مَحْمُود فقبلوا ذَلِك ومسكوا الْأَمِير مَحْمُود بحيلة دبروها وأتى بِهِ إِلَى مَكَّة وطيف بِهِ على جمل معذباً بالنَّار ثمَّ صلب حَيا بالمعلاة إِلَى أَن مَاتَ وأخذته الْعَامَّة وأحرقته فِي شُعْبَة العفاريت وَرجعت وَكَانَت الْخَوَارِج أَقَامَت الشريف نامي كَمَا تقدم وَكَانَ لَهُ اسْم الْأَمر فَقَط فَلَمَّا فرغوا من أَمر الْخَوَارِج قبضوا على الشريف نامي كَمَا تقدم وَكَانَ لَهُ اسْم الامر فَقَط فَلَمَّا فرغوا من أَمر الْخَوَارِج قبضوا على الشريف نامى وأخيه السَّيِّد وحبسوهما واستفتوا فيهمَا الْعلمَاء فأفتوا بِقَتْلِهِمَا فَقَتَلُوهُمَا وصلبوهما بجانبي رَأس الرَّدْم الْمُسَمّى الْآن بالمدعى وتمت الْولَايَة للشريف زيد وَكَانَ عادلاً مشفقاً على الرّعية وأزال فِي زَمَانه كثيرا من الْمُنْكَرَات وأبطل مَا خَالف الْكتاب وَالسّنة وَأمنت

стр. 675

فِي أَيَّامه الرعايا وَعمر عمائر مستحسنة من جُمْلَتهَا سَبِيل وحنفية بِمَكَّة وَفِي تَارِيخه يَقُول القَاضِي تَاج الدّين الْمَالِكِي (لله تأسيس نما خَيره ... وفاز بالتطهير من أمّ لَهُ) (بِهِ سَبِيل وحنيفية ... وسلسسبيل فارتشف سلسله) (لَهُ نبا فِي الْفَيْض مهما روى ... حَدِيثه أروى بِمَا سلسله) (سَالَتْ عطاياه لجيناً فَمن ... رام نداه نَالَ مَا أمّله) (وَحَيْثُ لم يكتف سُؤَاله ... فَلَا يكف الْبَذْل أَن أرْسلهُ) (لأنّ من أسس بُنْيَانه ... غيث الورى فِي السّنة الممحلة) (من نَفسه يَوْم عطاه ترى ... أَن وهب الدُّنْيَا فقد قلله) (توجّه الله بتاج زها ... بجوهر الْمجد الَّذِي كلله) (وَالله من وافر إحسانه ... أجْرى لَهُ الْأجر الَّذِي أجزله) (فَإِن تسل عَن ضبط تَارِيخه ... فَخذ جَوَابا يُوضح المسئله) (أسسه سُلْطَان أم الْقرى ... زيد يَدُوم والعز والسعد لَهُ) وَفِي أَيَّامه وَقع بِمَكَّة سيل مرَّتَيْنِ مرّة فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لثلاث عشرَة بَقينَ من شَوَّال سنة خمس وَخمسين وَألف وَخرب دوراً وأبنية وَدخل الْمَسْجِد الْحَرَام وَعلا على عتبَة بَاب الْكَعْبَة مِقْدَار ذِرَاع وأتلف مَا فِي قبَّة الفراشين من الْمَصَاحِف والرباع والكتب وامتلأ الْمَسْجِد بِالتُّرَابِ والقمامات فتصدى الشريف زيد ونادى على الْعَامَّة بتنظيف الْمَسْجِد وَحضر بِنَفسِهِ وساعده شيخ الْحرم الْأَمِير مصطفى صَاحب جدة وبذل من مَاله مَالا جزيلاً وَاسْتمرّ الْعَمَل فِيهِ إِلَى النّصْف من ذِي الْقعدَة فتم تنظيفه من سَائِر جهاته وَمرَّة فِي يَوْم السبت بعد الظّهْر سَابِع شعْبَان سنة أَربع وَسبعين وَكَانَ حصل مطر شَدِيد وسالت أَوديَة مَكَّة وَأخذ السَّيْل جملَة من الْأَبْنِيَة والعشش والدور وَزَاد المَاء فِي الرّفْعَة والعلو وَكلما مر على حَيَوَان أَو عشة حمله واقتلع مَا مر عَلَيْهِ من خيمة أَو مَكَان وَلما وصل بَاب أجياد تمانع هُوَ وسيل أجياد فِي السّير فغلب سيل أجياد وَدخل من سَائِر الْأَبْوَاب فَامْتَلَأَ صحن الْمَسْجِد وَاسْتمرّ الْمَطَر نَحْو ثَلَاثِينَ دَرَجَة وَبلغ قفل الْكَعْبَة وأتلف مَا فِي خلْوَة الفراشين وَمَا فِي الخلاوي الْقَرِيبَة من الْمَسْجِد من الْمَصَاحِف والكتب وامتلأ الْمَسْجِد من التُّرَاب والقمامات وأتلف أَمْوَالًا كَثِيرَة فِي الْبيُوت الْقَرِيبَة من المجرى وَخرب دوراً كَثِيرَة وغرق

стр. 676

فِيهِ سِتَّة أنفس وتعطل الْمَسْجِد عَن الْأَذَان وَالْجَمَاعَة فِي خَمْسَة أَوْقَات من الظّهْر فتقيد الشريف زيد فِي تنظيف الْمَسْجِد وَحضر بِنَفسِهِ ونادى على الْعَامَّة وَكَذَلِكَ صَاحب جدة الْأَمِير سُلَيْمَان وَهُوَ يَوْمئِذٍ شيخ الْحرم الْمَكِّيّ وَعمل الْعلمَاء والمدرسون والخطباء والأشراف بِأَيْدِيهِم وبذل الشريف والأمير مَالا جزيلاً وأعملوا همتهم فتم تنظيفه فِي سَبْعَة أَيَّام وَكَانَ مسعوداً فِي سَائِر حركاته وَلم يَقْصِدهُ أَرْكَان الدولة بِسوء إِلَّا خيبهم الله تَعَالَى وَاتفقَ فِي زَمَانه أَن صَاحب جدة الْأَمِير مصطفى عظمت شوكته ونفذت كَلمته وَظَهَرت مِنْهُ أطوار لَا تلِيق بشأن الشريف زيد وَلم يزل كَذَلِك والشريف صابر عَلَيْهِ حَتَّى كَانَ أَوَائِل سنة سبع وَخمسين طلع الْأَمِير الْمَذْكُور إِلَى الطَّائِف للزيارة وطلع مَعَه بشير الحبشي غُلَام السُّلْطَان مُرَاد وَهَذَا فِي مَجِيئه الثَّانِي مُتَوَلِّيًا مشيخة الْحرم النَّبَوِيّ فَأَقَامَ مَا شَاءَ الله أَن يُقيم فَلَمَّا أَن كَانَ نازلاً إِلَى مَكَّة طالعاً فِي الْمحل الَّذِي يُقَال لَهُ النقب الْأَحْمَر وَجه جبر كرا مِمَّا يَلِي الطَّائِف وَقد تَفَرَّقت عساكره خلفا وأماماً وَلم يبْق مَعَه سوى السايس وحامل كوز المَاء اعْتَرَضَهُ رجل عَرَبِيّ كَانَ يتعهده بِالْإِحْسَانِ يُقَال لَهُ الْجَعْفَرِي فَضَربهُ وَهُوَ متجرد للْإِحْرَام بجنبية أنفذها إِلَى أحشائه وَذهب فَلم يدر مَحَله قيل أَن السايس أَرَادَ ضرب الْقَاتِل فَوَقع السَّيْف فِي مُؤخر الحصان فقمص فَسقط عَنهُ الْأَمِير فتلاحقت العساكر فَلم يلبث إِلَّا نَحْو ساعتين وَتُوفِّي وَكَانَ قَتله يَوْم التَّاسِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَأدْخل إِلَى مَكَّة فِي التخت قَتِيلا غرَّة رَجَب مِنْهَا وَدفن بالمعلاة أَمَام قبَّة السيدة خَدِيجَة وَكَانَ الشريف زيد فِي تِلْكَ السّنة قد توجه إِلَى جِهَة الشرق فأبعد حَتَّى وصل قَرِيبا من الخرج وَكَانَ الْقَائِم مقَامه لحفظ مَكَّة السَّيِّد إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبد الله بن حسن بن أبي نمى فاستدنى السَّيِّد إِبْرَاهِيم غَالب عَسْكَر الْأَمِير وأنزلهم فِي مَحل يسعهم بأجياد وأجرى عَلَيْهِم العلوفات وَأمر كتخدا الْعَسْكَر دلاور بالنزول لجدة لحفظ البندر فَامْتنعَ ثمَّ بعد لَيَال نزل دلاور بعد هزيع من اللَّيْل قَاصِدا جدة خلسة فشعر بِهِ السَّيِّد إِبْرَاهِيم وأرصد لَهُ جمَاعَة فمسكوه وَأتوا بِهِ إِلَيْهِ فحبسه ثمَّ اختلس بعض الْعَسْكَر نَفسه وَذهب إِلَى بشير بِالطَّائِف وَأخْبرهُ بِمَا وَقع فَأتى بشير إِلَى مَكَّة وَنزل بمدرسة بهْرَام بالمسعى فتردد السَّيِّد إِبْرَاهِيم فِي الذّهاب إِلَيْهِ وَعَدَمه لاخْتِلَاف المشير ثمَّ جزم فَتَلقاهُ بِمَا هُوَ الْوَاجِب ثمَّ قَالَ لَهُ بعد اسْتِقْرَار الْمجْلس لم حبس دلاور فَقَالَ حَبسته خشيَة إضراره فَإنَّا ألزمناه مرَارًا

стр. 677

بالذهاب إِلَى جدة فَامْتنعَ فارتبنا بذهابه خُفْيَة فَقَالَ بشيراً طلقه فَقَالَ لَا أطلقهُ حى يصل الشريف زيد ثمَّ قَامَ السَّيِّد إِبْرَاهِيم فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي نزل بشير إِلَى القَاضِي واستدعى السَّيِّد إِبْرَاهِيم فَحكم عَلَيْهِ بِإِطْلَاقِهِ فَأَطْلقهُ ثمَّ بعد يَوْمَانِ عزم السَّيِّد إِبْرَهِيمُ والقائد رشيد حَاكم مَكَّة إِلَى نَحْو بركَة ماجن للتنزه فاستجر بشير الْعَسْكَر وَوَعدهمْ فحملوا أثقالهم وأدخلوها من بَاب الْمَسْجِد وَخَرجُوا بهَا من بَاب ابْن عَتيق ثمَّ خَرجُوا بعد الْعَصْر حازبين مارين على دَار السَّعَادَة ثمَّ على السُّوق ثمَّ على سويقة إِلَى أَن وصلوا إِلَى بَيت بشير وَكَانَ نازلاً بالباسطية فوصل الْخَبَر للسَّيِّد إِبْرَاهِيم فجَاء إِلَى الْبَلَد وَقَالَ لبشير مَا هَذَا الْفِعْل فَقَالَ بشير مجالسه نعم عَسْكَر السُّلْطَان لَهُم فِي التربية أَعْوَام فتأخذهم فِي خَمْسَة أَيَّام وَكَانَ فِي عَسْكَرهمْ شخص كثير الْفساد فَأمر السَّيِّد إِبْرَاهِيم بقتْله أَيْنَمَا وجد فَوجدَ سكراناً على الخريق فتناوله عَسْكَر الشريف فقطعوه فثارت الْفِتْنَة وترامت العسكران بالرصاص وَقتل شخص من النَّاس خلف الْمقَام الْمَالِكِي وَقتل كتخذا بشير وَلم يزل مطروحاً عِنْد بَاب ابْن عَتيق من دَاخل الْمَسْجِد إِلَى اللَّيْل حَتَّى رَفعه بعض النَّاس ثمَّ سعى القَاضِي أَحْمد قره باش وَغَيره بِالصُّلْحِ وَأَن لَا يصل أحد إِلَى أحد بِسوء من الْجَانِبَيْنِ وَلَا تخرج جمَاعَة بشير إِلَى السُّوق إِلَّا ثَلَاثَة أشخاص معينون لقَضَاء حَوَائِجه من السُّوق وسكنت الْفِتْنَة حَتَّى وصل الشريف زيد إِلَى مَكَّة فَاسْتحْسن جَمِيع مَا فعله السَّيِّد إِبْرَهِيمُ ثمَّ ظفر الله تَعَالَى الشريف زيدا على الْجَمِيع وَنَصره عَلَيْهِم وَمِمَّا اتّفق لَهُ أَنه زار النَّبِي عَام تسع وَخمسين وَكَانَ دُخُوله إِلَى الْمَدِينَة من شعْبَان فَنزل بالقاضية خَارج السُّور ثمَّ فِي فجر الْيَوْم الْعَاشِر من الشَّهْر الْمَذْكُور نزل القَاضِي زفر قَاضِي الْمَدِينَة إِذْ ذَاك رَاكِبًا وَمَعَهُ ثَلَاثَة من الخدام فَلَمَّا كَانَ عِنْد الدفتر داريه وَثَبت عَلَيْهِ شخص فَضَربهُ بِالْحَدِّ فِي ظَهره وضربة أنفذها من صَدره فأكب على قربوس الْفرس وَلم تزل دَاخِلَة بِهِ إِلَى محراب سيدنَا عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَإِمَام الشَّافِعِيَّة قَائِم يُصَلِّي الْفجْر فَقَامَ بعض النَّاس إِلَيْهِ وأنزلوه بآخر رَمق وَهُوَ يَقُول يَا رَسُول الله يَا رَسُول الله وضع إِمَام الْوَجْه الشريف فَبعد لَحْظَة قضى عَلَيْهِ فحشدت عَسَاكِر الْمَدِينَة واجتمعوا وَأَغْلقُوا أَبْوَاب الْمَدِينَة وَتَفَرَّقُوا فِي نَوَاحِيهَا وأسوارها ووجهوا المدافع إِلَى جِهَة الشريف وَنَادَوْا اخْرُج عَنَّا الْآن وبدا مِنْهُم مَا لَا يَلِيق فَلم يزل الشريف بهم حَتَّى أعمل الْحِيلَة وَدخل من بَاب هُوَ وعسكر بعد

стр. 678

أَن نصب قَاضِيا واستدعى وُجُوههم لينْظر فِي قتلة القَاضِي ويبحث عَنْهُم فَأتوا إِلَيْهِ ثمَّ لم يزل يقبضهم وَاحِدًا بعد وَاحِد ففك بَعضهم بشفاعة وَذهب بالباقين مقيدين وأمربإبقاء بَعضهم فِي يَنْبع فاستمروا إِلَى مَجِيء الْحَاج فاستشفعوا بأميره فَأتى بهم إِلَى مَكَّة متشفعاً فيهم فَقبل الشريف شَفَاعَته وَعَفا عَنْهُم ثمَّ لم نزل بعد سفر الْحَاج قيطاس أَمِير جدة من مَكَّة إِلَى جدة مغاضباً للشريف زيد نزلُوا مَعَه وَكَتَبُوا أنفسهم من عسكره وَسبب غَضَبه الناشىء عَن الْحَرْب الْآتِي ذكره فِي سنة سِتِّينَ وَألف أُمُور مِنْهَا أَنه ورد إِلَى مَكَّة بعض تجار من الصعائدة وشخص عجمي يُسمى أَسد خَان من جِهَة الْيمن بِتِجَارَة ونزلوا من الْبَحْر إِلَى بندر القنفدة ووصلوا إِلَى مَكَّة وَلم يدخلُوا بندر جدة وَكَانَ قيطاس بِمَكَّة وَقد وصل لِلْحَجِّ فاحتال على الصعيدي وحبسه وَكَانَ الصعيدي ملتجئاً إِلَى السَّيِّد هَاشم بن عبد الله فألزم الشريف زيدا باطلاقه فوعده ثمَّ أَخَذته الحمية فَركب إِلَى الشريف ثَانِيًا ثمَّ نزل من عِنْده قَاصِدا بَيت قيطاس لفك الرجل من الْحَبْس فَنَادَى الشريف وَهُوَ قَائِم من روشته وَرَاء الرجل فَلَمَّا أقبل على بَيت قيطاس وجد الْمَحْبُوس مُنْطَلقًا فَرجع بِهِ وَمِنْهَا انجاء أُولَئِكَ النَّفر من عَسْكَر الْمَدِينَة ونسبتهم قتل القَاضِي إِلَيْهِ وَمِنْهَا تردد السَّيِّد عبد الْعَزِيز بن ادريس إِلَيْهِ ومواطأته وعده اسعافه بِمَا يأبي الله الا خلَافَة فَقبل أَن يُسَافر الْحَاج من مَكَّة نزل قيطاس للسَّيِّد عبد الْعَزِيز إِلَى مَكَّة وَنُودِيَ لَهُ بالبلاد وَأقَام حَاكما فِيهَا نَاصِر ابْن سعيد عَتيق مصطفى السيورى وأجرى الاحكام العجرفيه وَظن أَنَّهَا تكون أحمدية وَأَقْبل قيطاس وَمَعَهُ السَّيِّد الْمَذْكُور بِمن مَعَه وَمن اجْتمع عَلَيْهِ من عَسْكَر الْمَدِينَة وَخرج الشريف زيد وَكَانَ الْموقف فَوق التَّنْعِيم وَكَانَ السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَرْث مُتَقَدما فِي الميمنة بجماعته وَمن يَلِيهِ وَكَانَ فِي الميسرة كَذَلِك مُتَقَدما قَلِيلا السَّيِّد مبارك ابْن شبير بجماعته وَمن يَلِيهِ والشريف زيد بِمن مَعَه فِي الْقلب والعروج مَلَأت السهول والوعور وتراموا بالرصاص والمدافع وَكلما هم الاشراف بِالْجُمْلَةِ يَقُول لَهُم الشريف زيد مَعكُمْ مَعكُمْ كِنَايَة عَن التثبت والتأني وارتفع النَّهَار وحميت الشَّمْس فركض من الاشراف جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد وبيربن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم وَالسَّيِّد بشر بن سُلَيْمَان وَالسَّيِّد أَبُو الْقَاسِم فأصيب السَّيِّد وبير بالبندق فَسقط بَين الجمعين وَأُصِيب جمَاعَة من الْجَانِبَيْنِ وَحين اشْتَدَّ الْحَال على السَّيِّد عبد الْعَزِيز وَمن مَعَه فر إِلَى جمع السَّيِّد مبارك ابْن شبير دَاخِلا عَلَيْهِ

стр. 679

طَالبا الْأمان لَهُ ولقيطاس وَمن مَعَه من الشريف زيد فجَاء بِهِ إِلَى الشريف زيد فآمنه وَوَقع الصُّلْح ونصبت للشريف خيمة فَنزل بهَا يستظل وَسَأَلَ السَّيِّد عبد الْعَزِيز من الشريف زيد أَن يُوصل قيطاس إِلَى مأمنه لِأَنَّهُ أشْفق من نهب العربان لَهُ فأصحبه الشريف خمسين رجلا من الْعَسْكَر فَذهب إِلَى جدة رَاجعا خائباً وَجَاء بعد أشهر عَزله فَذهب إِلَى يَنْبع وواجه الْحَاج وَبهَا وَمكث بهَا إِلَى عود الْحَاج من مَكَّة إِلَيْهَا فَتوجه مَعَهم إِلَى مصر وَتوجه مَعَه السَّيِّد عبد الْعَزِيز فاستمر قيطاس بِمصْر سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَجَاء فِي موسمها أَمِير الْحَاج الْمصْرِيّ فَلَمَّا خرج الشريف زيد لملاقاته للخلعة السُّلْطَانِيَّة على الْعَادة لم يكن بَينهمَا مناكبة على الْمُعْتَاد بل مد لَهُ الشريف يَده فصافحها وَمن عامئذ تركت مناكبة شرِيف مَكَّة لأمراء الحجيج وَبَالغ الْأَمِير فِي تَعْظِيم الشريف وَلم يظفر عَلَيْهِ فِي أمرما وَأقَام السَّيِّد عبد الْعَزِيز بِمصْر نَحْو سنتَيْن ثمَّ جَاءَ خبر وَفَاته فِي السّنة الثَّالِثَة شَهِيدا بالطاعون وانْتهى وَبِالْجُمْلَةِ فأحوال الشريف زيد طَوِيلَة وأخباره كَثِيرَة وَلَو بسط القَوْل فِي وقائعه وغزواته وسعوداته وموافقات الأقدار لمراداته لطال الْكَلَام وَقد مدح بالقصائد الطنانة النفيسة وقصدته الشُّعَرَاء من الْبِلَاد الْبَعِيدَة فَمن وَفد إِلَيْهِم مِنْهُم ومدحه بالقصيدة الفائقة فِي بَابهَا السَّيِّد أَحْمد الأنسي اليمني ومستهل قصيدته (سلوا آل نعم بَعدنَا أَيهَا السّفر ... أعندهم علم بِمَا صيع الدَّهْر) (تصدى لشت الشمل بيني وَبَينهَا ... فنزلها البطحا ومنزلي الْقصر) (رَآنِي وَنِعما لاهيين فغالنا ... فشلت يَد الدَّهْر الخؤن وَلَا عذر) (فوَاللَّه مَا مكر الْعَدو كمكره ... وَلَكِن مكراً صاغه فَهُوَ الْمَكْر) (فقولا لأحداث اللَّيَالِي تمهلى ... وَيَا أيهذا الدَّهْر موعدك الْحَشْر) (سَلام على ذَاك الزَّمَان وطيبه ... وعيش تفضى لي وَمَا نبت الشّعْر) (فَتلك الرياض الباسمات كَأَنَّمَا ... عواتقها من سندس حلل خضر) (تنضد فِيهَا الأقحوان ونرجس ... كأعين نعم إِذْ يقابلها الثغر) (كَأَن غصون الْورْد قضب زبرجد ... تخال من الْيَاقُوت أعلامها الْحمر) (إِذا خطرت فِي الرَّوْض نعم عَشِيَّة ... تفاوح من فضلات أردانها الْعطر) (وَإِن سحبت أذيالها خلت حَيَّة ... إِلَى المَاء تسْعَى مَالا خمصها أثر) (كساها الْجمال اليوسفي ملابسا ... فأهون ملبوس لَهَا التيه وَالْكبر)

стр. 680

(فكم تخجل الأغصان مِنْهَا إِذا انْثَنَتْ ... وتغضى حَيَاء من لواحظها البتر) (لَهَا طرة تكسو الظلام دياجياً ... على غرَّة إِن أسفرت طلع الْفجْر) (وجيد من البلور أَبيض ناعم ... كعنق غزال قد تكنفها الذعر) (وَنحر يَقُول الدّرّ أَن بِهِ غنى ... عَن الحلى لَكِن بِي إِلَى مثله نقر) (وحقان كالكافور ناف علاهما ... من الند مِثْقَال فندبه الصَّبْر) (رويدك يَا كافور إِن قُلُوبنَا ... ضِعَاف وَمَا كل الْبِلَاد هِيَ الْمصر) (بدا الْقد غصنا باسقا متأودا ... على تقوى رمل يطوف بِهِ نهر) (يكَاد يدق الخصر من هيف بِهِ ... روادفها لَوْلَا الثقافة والخصر) (لَهَا بشر مثل الْحَرِير ومنطق ... رخيم الْحَوَاشِي لَا هراء وَلَا نزر) (رأتني سقيمانا حلا والها بهَا ... فأدنت لَهَا عود أناملها الْعشْر) (وغنت بِبَيْت يلبث الركب عِنْده ... حيارى بِصَوْت عِنْده يرقص الْبر) (إِذا كنت مطبوباً فَلَا زلت هَكَذَا ... وَإِن كنت مسحوراً أَفلا برىء السحر) (فَقلت لَهَا وَالله يَا ابْنة مَالك ... لما شفني إِلَّا القطيعة والهجر) (رمتني الْعُيُون البابليات أسهما ... فأقصدني مِنْهَا سهامكم الْحمر) (فَقَالَت وَأَلْقَتْ فِي الحشا من كَلَامهَا ... تأجج نَار أَنْت من ملكنا حر) (فوَاللَّه مَا أنسى وَقد بكرت لنا ... بإبريقها تسْعَى بِهِ القنة الْبكر) (تَدور بكاسات الْعقار كأنجم ... إِذا طلعت من برجها أفل الْبَدْر) (نداماي نعم والرباب وَزَيْنَب ... ثَلَاث شخوص بَيْننَا النّظم والنثر) (على الناي وَالْعود الرخيم وقهوة ... يذكرهَا ذَنبا لأقدامنا الْعَصْر) (فتقتص من ألبابنا وعقولنا ... فَلم ندر هَل ذَاك النعاس أم السكر) (مُعتقة من عهد عَاد وجرهم ... ومودعها الأدنان لُقْمَان والنسر) (مشعشعة صفراً كَأَن حبابها ... على فرش من عسجد ينثر الدّرّ) (إِذا أفرغت فِي الكاس نعم وَأُخْتهَا ... تشابه من ثغريهما الرِّيق وَالْخمر) (خلا أَن ريق الثغر أشفى لمهجتي ... إِذا ذاقه قلبِي الشجي برد الْجَمْر) (وأنفع درياق لمن قتل الْهوى ... فهات ارتشاف الثغران سمح الثغر) (بِهَذَا عرفنَا الْفرق مَا بَين كأسها ... وَبَين مدام الظُّلم إِن أشكل الْأَمر) (فوَاللَّه مَا أسلو هَواهَا على النَّوَى ... بلَى إِن سلا بذل الندى الْملك لقسر)

стр. 681

(أَبُو حسن زيد الْمَعَالِي والتقى ... لَهُ دون أَمْلَاك الورى الْمجد وَالْفَخْر) (إِذا مَا مَشى بَين الصُّفُوف تزلزلت ... لهيبته الْأَمْلَاك والعسكر المجر) (وترجف ذَات الصدع خوفًا لِبَأْسِهِ ... فتندك أطواد الممالك والقفر) (فَلَو قَالَ للبحر المحي أئت طَائِعا ... أَتَاهُ بِإِذن الله فِي السَّاعَة الْبَحْر) (كريم مَتى تنزل بأعتاب دَاره ... تَجِد ملكا يزهو بِهِ النهى وَالْأَمر) (تَجِد ملكا يُغني الْوُفُود وينجز الوعود ... وَأدنى بذله الدهم والشقر) (على جوده من وَجهه وَلسَانه ... دليلان للوفد البشاشة والبشر) (فَمَا أحنف حلماً وَمَا حَاتِم بِذِي ... وَمَا عنتر يَوْم الْحَقِيقَة مَا عَمْرو) (هُوَ الْملك الضَّحَّاك يَوْم نزاله ... إِذا مَا الجبان الْوَجْه قطبه السكر) (لقد قر طرف الدَّهْر مِنْهُ لِأَنَّهُ ... لَدَيْهِ النوال الحلو والقضب المر) (حَيَاة وَمَوْت للموالي وللعدا ... لقد جمعا فِي كَفه الْجَبْر وَالْكَسْر) (أنخ عِنْده يَا طَالب الرزق فَالَّذِي ... حواه أنوشر وَإِن فِي عينه النزر) (وَلَا تصغ للعذال أذناوان وفوا ... بأحسابهم مِنْهُم فَمَا العَبْد وَالْحر) (وَهل يَسْتَوِي عذب فرات مروق ... وملح أجاج لَا وَلَا التِّبْن والتبر) (فَلَو سَمِعت أذن العداة لمجده ... مزاياه لاستحيت وَلَكِن بهَا وقر) (مليك إِلَيْهِ الِانْتِهَاء وَقَيْصَر ... يقصر عَنهُ بل وكسرى بِهِ كسر) (مليك لَهُ عِنْد الاله مكانة ... تبوأها من قبله الْيَأْس وَالْخضر) (مليك لَهُ سر خَفِي كَأَنَّمَا يناجيه بِالْغَيْبِ ابْن دَاوُد والحبر ... ) (فَإِن كذبُوا أَعدَاء زيد فحسبه ... من الشَّاهِد المقبول قصَّته الْبكر) (ليَالِي إِذْ جَاءَ الخصى وَأَكْثرُوا ... أقاويل غي ضَاقَ ذرعا بهَا الصَّدْر) (فأيقظه من نَومه بعد هجعة ... من اللَّيْل بَيت زَاد فخراً بِهِ الشّعْر) (كَأَن لم يكن أَمر وَإِن كَانَ كَائِن ... لَكَانَ بِهِ أَمر نفا ذَلِك الْأَمر) (وَفِي طي هَذَا عِبْرَة لَا ولى النهى ... وذكرى لمن كَانَت لَهُ فطنة نفر) (فيا زيد قل للحاسدين تحفظُوا ... بغيظكم أَن لَا يطيعكم الصَّبْر) (فجدي كَمَا قد تعلمُونَ مؤثل ... وكل حمام الْبر يقنصها الصَّقْر) (من الْقَوْم أَرْبَاب المكارم والعلى ... ميامين فِي أَيْديهم الْعسر واليسر) (مساميح فِي الأولى مصابيح فِي الدجى ... تصالح فِي معناهم الْخَيْر وَالشَّر)

стр. 682

(أسنتهم فِي كل شَرق ومغرب ... إِذا وَردت زرق وَإِن صدرت حمر) (مساعير حَرْب والقنا متشاجر ... وَيَوْم الندى تبدو حجاججة غر) (وليدهم دَان الْمُلُوك لأَمره ... تَقول لبدر التم مَا أنصف الشَّهْر) (بنى حسن لَا أبعد الله داركم ... وَلَا زَالَ منهلاً بأرجائها الْقطر) (وَلَا زَالَ صدر الدست منشر حابكم ... فعنكم وُلَاة الْبَيْت ينشرح الصَّدْر) (وَصلى على الْمُخْتَار والآل رَبنَا ... وَسلم مَا لَاحَ السما كَانَ والنسر) قلت وَهَذِه قصيدة معمورة وَقد ذكرهَا ابْن مَعْصُوم فِي تَرْجَمَة الأنسي فَقَالَ أجَازه الشريف زيد عَلَيْهَا جَائِزَة سنية النّيل قلت كَانَت الْجَائِزَة على مَا سمعته ألف ذهب وعبداً وفرسا وَالذَّهَب الْوَاحِد عِنْدهم بِمَثَابَة ثلث القرش فِي بِلَادنَا وَقعد تعقبها ابْن مَعْصُوم وَأَنا قد ذكرت فِي النفحة أجوبة التعقبات الَّتِي تعقبها فَارْجِع إِلَيْهَا ثمَّة وَقَول الأنسي فِيهَا (كَأَن لم يكن أَمر وَإِن كَانَ كَائِن ... لَكَانَ بِهِ أَمر نفى ذَلِك الْأَمر) لهَذَا الْبَيْت قصَّة محلهَا هُنَا وَهُوَ أَنه لما كَانَ أثْنَاء سنة تسع وَأَرْبَعين وَألف وصل بشير الحبشي الطواشي الْمَار الذّكر فِي قدمة أولى لَهُ إِلَى مَكَّة وَمَعَهُ أوَامِر سلطانية من السُّلْطَان مُرَاد بِأَنَّهُ مُطلق التَّصَرُّف وَكَانَ فِي ظَنّه أَن يعْزل الشريف زيدا من منصبه ويولى غَيره فورد الْخَبَر بوفاة السُّلْطَان مُرَاد فشاع الْخَبَر بينبع ثمَّ كتمه بشير ليتم لَهُ مَا أَرَادَ وَكَانَ الشريف زيد هيأ لبشير عدَّة أَمَاكِن من الْمدَارِس والبيوت وَأمر بفرشها وَكَانَ نِيَّته مواجهته إِلَى مر وَأرْسل بعض خُدَّامه لينبع ليرى من مَعَ بشير من الْخَيل وَالرِّجَال فَلَمَّا وصل إِلَيْهَا سمع هَذَا الْخَبَر وتحققه فَرجع مسرعاً مجداً إِلَى الشريف زيد فَلَمَّا تحقق صِحَة الْخَبَر أَمر بتحويل الْفرش الَّتِي فرشت فِي تِلْكَ الْأَمَاكِن وغلق بَعْضهَا ثمَّ لما قَارب بشير مَكَّة خرج إِلَيْهِ الشريف زيد ولاقاه فِي سَبِيل الجوخى مَحل ملاقاة أَمِير الْحَاج فَلَمَّا قابله وَفِي ظن بشير أَن الْخَبَر لم يبلغهُ وَأَنه يتم لَهُ مَا أَرَادَ فَلَمَّا تقاربا ركض الشريف زيد بفرسه مُقبلا على بشير قَائِلا لَهُ رحم الله مَوْلَانَا السُّلْطَان مُرَاد فأسقط فِي يَد بشير وَبَقِي كالأسير وَكَانَ الشريف زيد قد رأى فِي الْمَنَام كَأَن شخصا ينشده هَذَا الْبَيْت كَانَ لم يكن إِلَى آخر الْبَيْت فانتبه وَكتبه بِالسِّوَاكِ على رمل فِي صحن نُحَاس خشيَة النسْيَان وَكَانَت هَذِه الرُّؤْيَا فِي اللَّيْلَة الَّتِي أَسْفر صياحها عَن هَذَا الْخَبَر فنظم السَّيِّد أَحْمد صَاحب التَّرْجَمَة هَذِه القصيدة

стр. 683

وأدرج فِيهَا هَذَا الْبَيْت انْتهى وَكَانَت وَفَاة الشريف زيد فِي يَوْم الثلاثا لثلاث خلون من محرم سنة سبع وَسبعين وَألف وَدفن بالمعلاة فِي قبَّة عَم وَالِده الشريف أبي طَالب وأسف النَّاس عيه وَقَامَ بعده أَصْغَر أَوْلَاده الشريف سعد كَمَا ذكرنَا ذَلِك مفصلا فِي تَرْجَمَة الشريف بَرَكَات فَلَا حَاجَة إِلَى الْإِعَادَة وَكَانَت مُدَّة ولَايَة صَاحب التَّرْجَمَة خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة وشهراً وأياماً وَكَانَ متخلقا بالأخلاق الحميدة متصفاً بِالصِّفَاتِ الجميلة كثير الْحلم وَالصَّبْر والشفقة وَلم يضْبط عَلَيْهِ أَنه قتل شخصا بِغَيْر حق فِي هَذِه الْمدَّة وَكَانَت الأقطار فِي زَمَنه آمِنَة مطمئنة وَكَانَ أهل مَكَّة ينذرون لَهُ النذور يأْتونَ بهَا إِلَيْهِ خُصُوصا بعد وَفَاته فَإِن العقيدة فِيهِ أَكثر وَظهر أمره فِي الْعَالم وَقد رَآهُ بعض الصَّالِحين الثِّقَات فِي الْمَنَام بعد وَفَاته وَهُوَ قَائِم على بعض آبار مَكَّة وَبِيَدِهِ دلو عَظِيم يملؤه من تِلْكَ الْبِئْر ويصبه فِي الأَرْض فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي مَا هَذَا أَنا أَحَق بِهِ مِنْك فَقَالَ لَهُ مَا تقدر على ذَلِك أما ترى إِلَى هَذِه النَّار وَأَنا أطفيها وَرَآهُ بَعضهم أَيْضا فِي بُسْتَان كَبِير وَهُوَ جَالس متكىء وأمامه من الْجِهَة الْأُخْرَى بَحر عَظِيم وَهُوَ فِي غَايَة الصِّحَّة فَتقدم إِلَيْهِ وَقبل يَدَيْهِ وَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي خاطرك مَعَ أولادك وَمَعَ الرّعية فَقَالَ لَهُ أما أَوْلَادِي فَالله وَرَسُوله مَعَهم وَمَا كَانَ من الرّعية فهم راضون عَنْهُم وَكَانَ لَهُ من الْوَلَد سَبْعَة من الذُّكُور أَحْمد وحسين وناصر مَاتُوا فِي حَيَاته وَورثه أَرْبَعَة حسن وَمُحَمّد يحيى وَأحمد وَسعد مرتبتهم فِي السن كرتبتهم فِي الذّكر وَمن الاناث عدَّة وأرخ وَفَاته الشَّيْخ أَحْمد بن أبي الْقَاسِم الحلى بقوله (مَاتَ كَهْف الورى مليك مُلُوك ... الأَرْض من لم يزل مدى الدَّهْر محسن) (فالمعالي قَالَت لنا أرخوه ... قد ثوى فِي الْجنان زيد بن محسن) زين بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِجعْل اللَّيْل صَاحب الْمَدِينَة المنورة أحد الْمَشَاهِير بِالْكَرمِ والباع الطَّوِيل فِي الْمعرفَة وَالْيَقِين ولد بِمَدِينَة روغة وَنَشَأ بهَا ورباه جده السَّيِّد الْكَبِير عقيل بن مُحَمَّد باحسن وألزمه أحسن الطَّرِيقَة وَصَحب الْعلمَاء وغاص مَعَهم ثمَّ رَحل إِلَى تريم وَأخذ عَن جمَاعَة ثمَّ ارتحل إِلَى الديار الْهِنْدِيَّة فَدخل بندر سورت وَأخذ بِهِ عَن شمس الشموس مُحَمَّد ابْن عبد الله العيدروس ثمَّ حج سنة سبع عشرَة بعد الْألف وَعَاد إِلَى تِلْكَ الديار ثمَّ لما مَاتَ شَيْخه العيدروس اجْتمع هُوَ بالوزير الْأَشْهر الْملك عنبر فقابله بالاكرام وحظى عِنْده كثيرا وأحبه بعض الوزراء ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَصَحب بهما جمَاعَة وَأخذ

стр. 684

عَنهُ جمَاعَة وَطَابَتْ لَهُ طيبَة فاستوطنها ودانت لَهُ أهاليها وَكَانَ حسن الْأَخْلَاق معرضًا عَن الاكتراث بمفاخر الدُّنْيَا حَلِيمًا إِلَى الْغَايَة أجمع أَصْحَابه أَنه لم يغْضب وَلَا دَعَا على أحد وَإِن تكلم فِيهِ بقدح أَو سبه وَمِمَّا يحْكى عَنهُ أَنه كَانَ عَادَته الِاغْتِسَال للصبح كل يَوْم من إبريق معد لذَلِك فاتفق أَنه كثر فِي بعض اللَّيَالِي مرق العشاق فطرحه غُلَامه فِي ذَلِك الإبريق فَلَمَّا أصبح نَاوَلَهُ الإبريق فاغتسل بِهِ فَسَأَلَهُ عَن ذَلِك فَقَالَ الْغُلَام أَنا الَّذِي طرحته فِي الإبريق فَلم يغْضب وَلم يُعَاقب الْغُلَام وَكَانَ كثير الْبَذْل والولائم وَكَانَ لَا يتَمَيَّز بِشَيْء عَن ضيفانه ويساوي نَفسه بخدمه وَكَانَ كَثِيرُونَ يحْضرُون وليمته وَلَا يعْرفُونَ صورته وَإِذا اجْتمع الْفُقَرَاء تَحت دَاره قسم الطَّعَام عَلَيْهِم بِيَدِهِ وَلَا يُمكن من ذَلِك أحدا من عبيده وَمن تواضعه أَن جمَاعَة من مشايخه أذنوا لَهُ فِي التَّحْكِيم والالباس فَلم يفعل ذَلِك إِلَّا نَادرا وَبِالْجُمْلَةِ فقد عَمت بركته أهل عصره وَكَانَ مَعَ كَثْرَة مَا يُنْفِقهُ من الْأَمْوَال لَا يعرف لَهُ مَعْلُوم وَلَا جِهَة ظَاهِرَة فَكَانَ ينْفق من الْغَيْب وَكَانَ يتستر بالسلف وَالدّين وَلما سمع ذَلِك بعض وزراء الْهِنْد من محبيه أرسل لَهُ مركبا مشحوناً لقَضَاء الدّين الَّذِي عَلَيْهِ وَوصل الْمركب بندر جدة فَكَانَ فِي يَوْم وُصُوله قد استوفى أَجله فتوفى وَكَانَت وَفَاته فِي سادس ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَخمسين وَألف وَدفن بِالبَقِيعِ بِالْقربِ من قبه أهل الْبَيْت وقبره مَعْرُوف يزار رَحمَه الله تَعَالَى زين بن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الحديلي بن مُحَمَّد ابْن حسن الطَّوِيل ابْن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْفَقِيه أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن علوي بن مُحَمَّد صَاحب مرباط اليمني الإِمَام الْعَالم الْعلم أحد فصحاء الْعلمَاء ولد بِمَدِينَة تريم سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَحفظ الْقُرْآن والجزرية والعقيدة الغزالية وَالْأَرْبَعِينَ النووية والإرشاد والقطر والملحة وَغير ذَلِك وَكَانَ فِي الْحِفْظ آيَة غَرِيب الضَّبْط للألفاظ قَالَ الشلي فِي تَرْجَمته وَكَانَ رفيقي فِي الطّلب أَخذ الْفِقْه عَن شَيخنَا عبد الله بن أبي بكر الْخَطِيب وَشَيخنَا عبد الله بن زين بافقيه وَأخذ الْعَرَبيَّة عَنْهُم وَقَرَأَ الحَدِيث على شَيخنَا أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن شهَاب وَشَيخنَا أَحْمد بن عمر البيتي وَلَكِن غلب عَلَيْهِ الْفِقْه وَكَانَ لَهُ عناية تَامَّة بالإرشاد ثمَّ ارتحل إِلَى الْهِنْد وَاجْتمعَ فِيهَا بخال كَانَ لَهُ هُنَاكَ فَأكْرمه وَلما مَاتَ خَاله تَعب تعباً شَدِيدا فِي الغربة فَرجع قَافِلًا إِلَى وَطنه فَلم يجد حَظه فَخرج من ديار حَضرمَوْت إِلَى الْيمن وتدبر بندر المخاو ورد علينا

стр. 685

بِمَكَّة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف فَوَجَدته محافظاً عل الصُّحْبَة وَلم يزل سالكاً سَبِيل النجَاة حَتَّى توفّي بالمخا وَكَانَت وَفَاته فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى زين بن مُحَمَّد بن عَليّ بن زين بن عَليّ بن علوي خرد ابْن مُحَمَّد حميدان ابْن عبد الرَّحْمَن ابْن مُحَمَّد بن الشَّيْخ الْوَلِيّ عبد الله باعلوي السَّيِّد الامام الْفَاضِل صَاحب الشَّأْن الرفعي ذكره الشلي وَقَالَ فِي تَرْجَمته ولد بتريم وَحفظ الْقُرْآن وَصَحب أكَابِر الْقَوْم مِنْهُم السَّيِّد مُحَمَّد بن عقيل مديحيج وَالسَّيِّد الْكَبِير أَبُو بكر بن على معلم خردو السَّيِّد لكبير عبد الرَّحْمَن بن عقيل السقاف قَرَأَ من الققه ربع الْعِبَادَات واعتنى بِعلم التصوف وَأحكم علم الْبَاطِن والحقائق وَله كَلَام فِي علم الْحَقَائِق وَكَانَ مُنْقَطع القرين فِي الزّهْد ومعاملات الْقُلُوب مجاب الدُّعَاء كَبِيرا لقدر كثيرا الذّكر والفكر كَامِل الْعِنَايَة حسن السمت وافر الْعقل خيرا رَقِيق الْقلب سريع الدمعة مَاشِيا على طَريقَة السّلف من خشونة الْعَيْش واللباس وَترك التَّكَلُّف سليم الصَّدْر حَلِيمًا صبوراً وَأخذ عَنهُ جمَاعَة كَثِيرَة من العارفين وَصَحبه جمع قَالَ وَهُوَ شَيْخي فِي زمن الشَّبَاب وَلم يزل مواظباً على حسن طَرِيقَته إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة زنبل رَحمَه الله تَعَالَى زين بن مُحَمَّد بن أَحْمد الوترية ابْن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الحديلي وتتمة النّسَب مَذْكُورَة فِي تَرْجَمَة زين بن عمر الْمَذْكُور قبل الَّذِي قبل هَذِه الشَّيْخ الْكَامِل الْفَائِق الْأَوْصَاف ذكره الشلي أَيْضا وَقَالَ فِي تَرْجَمته ولد بتريم وَحفظ الْقُرْآن واشتغل حَتَّى برع فِي علم النَّحْو والتصريف وَأخذ بوطنه عَن خلق كثير من أَجلهم الشَّيْخ الْكَبِير عبد الله بن أَحْمد العيدروس ولازمه حَتَّى تخرج بِهِ وَكَانَ يُحِبهُ ويثني عَلَيْهِ وَصَحب وَالِده مُحَمَّد بن أَحْمد الشلي الْكَبِير وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف ابْن مُحَمَّد العيدروس وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد إِمَام السقاف ثمَّ رَحل إِلَى كثير من الأقطار وَدخل بندر عدن وَأخذ عَن جمَاعَة من العارفين ورحل إِلَى الوهط وَأخذ عَن الْعَارِف بِاللَّه عبد الله بن عَليّ وَحج وَأخذ بِمَكَّة عَن الزمزمي وَعبد الله بن سعيد باقشير وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم الطَّائِفِي وَأخذ الطَّرِيقَة عَن الشَّيْخ عبد الْهَادِي باليل وبالمدينة عَن القشاشي وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة وَأخذ عَن الشَّيْخ زين بن عبد الله باحسن وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن علوي وَلبس الْخِرْقَة مِنْهُ أَيْضا وَمن الشَّيْخ عبد الله بن أَحْمد العيدروس ورحل إِلَى الْهِنْد فَأخذ عَن السَّيِّد

стр. 686

جَعْفَر الصَّادِق وَعَن جمَاعَة من الْحفاظ واعتنى وَتقدم بِحسن ذكائه وذوقه وَلحق دَرَجَة من هُوَ فَوْقه وَكَانَ لَهُ اعتناء بِعلم النَّحْو واللغة وَضبط الْأَلْفَاظ وَكَانَ كَرِيمًا حسن الْأَخْلَاق صبوراً مُحْتملا للأذى محكماً أَمر دينه ودنياه ذَا رَأْي رصين وعقل وافر وانتفع بِهِ جمَاعَة من أهل عصره وَلم يشْتَهر أحد من أقرانه اشتهاره وَكَانَت وَفَاته ببندر المحاسنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف زين الدّين بن أَحْمد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ الشَّافِعِي الْحلَبِي الْمَعْرُوف بالأشعافي نزيل دمشق الْفَاضِل الأديب الْعَرُوضِي السائر ذكره ولد بحلب وَنَشَأ بهَا وَأخذ عَن جمَاعَة وَلما دخل الْبَهَاء الْحَارِثِيّ العاملي حلب أَخذ عَنهُ وبرع فِي عدَّة فنون وَألف وصنف وَمن جملَة تأليفاته شرح عَليّ الشفا وَله رسائل فِي الْعرُوض كَثِيرَة مِنْهَا بل الْقَلِيل فِي علم الْخَلِيل وعمدة النَّبِيل ورسالة بَين فِيهَا عرُوض أَبْيَات من شَوَاهِد النَّحْو سَهَا فِيهَا الْعَلامَة الْعَيْنِيّ فِي مُخْتَصر شرح الشواهد سَمَّاهَا التَّنْبِيهَات الزينية على الغفلات العينية قَالَ فِي ديباجتها وَكنت أَولا أنسب ذَلِك إِلَى تَحْرِيف النساخ إِلَى أَن وقفت على نُسْخَة قُرِئت عَلَيْهِ وَكتب خطه فِي مَوَاضِع مِنْهَا وَفِي آخرهَا إجَازَة بِخَطِّهِ فتصفحتها فَإِذا هِيَ مُشْتَمِلَة على مَا فِي النّسخ مِمَّا هُوَ خلاف الصَّوَاب وَولي نظر الْمدرسَة الطرنطائية دَاخل بَاب الْملك بحلب وتعرف الْآن بالأويسية لسكن الطَّائِفَة الاويسية بهَا ثمَّ خرج إِلَى الرّوم وَمكث بهَا ثمَّ دخل دمشق وَاسْتقر بهَا وانتفع بِهِ كثير من أَهلهَا فِي الْعرُوض وَغَيره وَذكره البديعي فِي ذكرى حبيب وَقَالَ فِي وَصفه وَكَانَ لَهُ مذاكرة تَأْخُذ بلب الصاحب ومحاضرات ترغب عَن محاضرات الرَّاغِب ورقة طبع تملك زِمَام قياده لكل ريم وتهيمه لكل وليديراه هيمانه بنسيم وَله شعر نضير مِنْهُ قَوْله (كتبت وأفكاري بحقك مزقت ... كَمَا قد بَدَت فِي الْحبّ كل ممزق) (وَلَو حم لي التَّوْفِيق كنت تركته ... ولكنني أَصبَحت غير موفق) (إِذا قيل أَشْقَى النَّاس من بَات ذَا هوى ... فَلَا تنكرن هَذَا الْمقَال وَصدق) وَهَذَا كَقَوْل الآخر (سَأَلتهَا عَن فُؤَادِي أَيْن مَسْكَنه ... فَإِنَّهُ ضل عني عِنْد مسراها) (قَالَت لدي قُلُوب جمة جمعت ... فأيها أَنْت تبغي قلت أشقاها) وَكتب لبَعض أَصْحَابه يعزيه عَن نعل لَهُ ضَاعَت

стр. 687

(تعز أخي إِن كنت مِمَّن لَهُ عقل ... وَلَا تبد أحزانا إِذا ذهبت نعل) (وَلَا تعتب الدَّهْر الخؤون فدأبه ... لعقد اجْتِمَاع الشمل دون الورى حل) (لحى الله دهرا لَا يزَال مُولَعا ... بتكدير صفو الْعَيْش مِمَّن لَهُ فضل) (يفرق حَتَّى شَمل رجل ونعلها ... أَشد فِرَاق لَا يرى بعده شَمل) (فَمَا شِئْت فَاصْنَعْ مَا اللبيب بجازع ... وَلَا تَارِك صفوا وَلَو زلت النَّعْل) (بحقك قُم نسعى إِلَى الراح سحرة ... نجدد أفراجا لكل صدا تجلو) (إِلَى دَار لذات وَروض مَسَرَّة ... لرحب فناها من غصون المنى ظلّ) وَقد أورد لَهُ هَذِه الأبيات الخفاجي فِي تَرْجَمته وَذكره معارضات وَقعت لَهَا فِي هَذَا الْخُصُوص وَقد تَرْجمهُ الشهَاب تَرْجَمَة لَطِيفَة وَكَانَ فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف مَوْجُود فِي الْحَيَاة فَأَنِّي قَرَأت بِخَطِّهِ فِي آخر رِسَالَة التَّنْبِيهَات أَنه فرغ من كاتبها يَوْم الْأَحَد ثَانِي عشرى صفر سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف ثمَّ أَخْبرنِي بعض الحلبيين مِمَّن يعرفهُ أَنه توفّي فِي حُدُود سنة اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاث وَأَرْبَعين بعد الْألف وَالله أعلم زين الدّين بن حُسَيْن بن الْفَقِيه عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَاج با فضل التريمي قَالَ الشلي فِي تَرْجَمته شيخ مَشَايِخنَا الإِمَام الْمَشْهُور ذُو الْأَحْوَال الشهيرة ولد بِمَدِينَة تريم وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن وَغَيره واشتغل فِي أَنْوَاع الْعُلُوم أَخذ الْفِقْه عَن الشَّيْخ مُحَمَّد بن إِسْمَعِيل با فضل وَالسَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين وَغَيرهمَا وتصوف على وَالِده حُسَيْن وَسمع مِنْهُ ولازمه حَتَّى تخرج بِهِ وَأخذ عَن السَّيِّد الْجَلِيل عمر بن عبد الله العيدروس وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة وجد فِي الإشتغال حَتَّى صَار أوحد زَمَانه وانتصب للأقراء والتدريس وإنتفاع النَّاس وبرع فِي الْعُلُوم وتميز وطار اسْمه واشتهر ورحل النَّاس إِلَيْهِ للأخذ عَنهُ وَأثْنى عَلَيْهِ فضلاء عصره طبقَة بعد طبقَة وَمِمَّنْ انْتفع بِهِ الإِمَام زين العابدين وَالسَّيِّد علوي بن عبد الله وَشَيخنَا شقاف بن مُحَمَّد العيدروسيون وسيدي الْوَالِد الْوَالِد وَشَيخنَا أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين وَغير هَؤُلَاءِ وَأكْثر عُلَمَاء تريم الَّذين أدركناهم بهَا من طلبته وَكَانَت سيرته أحسن سيرة قَوِيا من عنف لينًا من ضعف لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم مهابا أمره كُله جد لَا يكَاد يرى لَيْلًا أَو نَهَارا فِي غير عمل صَالح وَهُوَ لعمري جدير بِكُل نعت جميل وثناء حسن ومناقبه مَشْهُورَة وترجمته تِلْمِيذه السَّيِّد شيخ بن عبد الله العيدروس فِي السلسلة وَقَالَ كَانَ متفننا فِي جَمِيع الْعُلُوم مستشارا فِي المعضلات وَاحِد عصره

стр. 688

وأوانه وَكَانَ فِيهِ خمس خلال مَعَ خمس قل أَن تَجْتَمِع فِي أحد تواضع مَعَ شرف وهمة مَعَ فقر وفور عقل مَعَ سَلامَة صدر وَفقه مَعَ تصوف ورقة طبع مَعَ صلابة دين وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَألف وعمره نَحْو السّبْعين زين الدّين بن مُحَمَّد بن حسن بن زين الدّين الشَّهِيد الشَّامي العاملي تقدم ذكر جده وزين الدّين هَذَا أحد فضلاء الزَّمَان ذكره صَاحب السلافة وَقَالَ فِي تَرْجَمته زين الْأَئِمَّة وفاضل الْأمة وملث غمام الْفضل وَكَاشف الْغُمَّة شرح الله صَدره للعلوم شرحا وَبنى لَهُ من رفيع الذّكر فِي الدَّاريْنِ صرحا إِلَى زهد أسس بُنْيَانه على تقوى وَصَلَاح آهل بِهِ ربعه فَمَا أقوى وآداب تحمر خدود الْورْد من أنفاسها خجلا وشيم أوضح بهَا غوامض مَكَارِم الْأَخْلَاق وجلا رَأَيْته بِمَكَّة والفلاح يشرق من محياه وَطيب الأعراق يفوح من نشر رياه وَمَا طَالَتْ مجاورته بهَا حَتَّى وافاه الْأَجَل وانتقل من جوَار حرم الله إِلَى جوَار الله وَله شعر خلب بِهِ الْعُقُول وسحر وحسدت رقته أنفاس نسيم السحر ثمَّ أنْشد لَهُ قَوْله من قصيدة فِي الْمَدْح مطْلعهَا (شام برقا لَاحَ بالأبرق وَهنا ... فصبا شوقا إِلَى لجزع وحنا) (وَجرى ذكر أثيلات النقا ... فَشكى من لاعج الوجد وَأَنا) (دنف قد عاقه صرف الردى ... وخطوب الدَّهْر عَمَّا يتَمَنَّى) (شفه الشوق إِلَى بَان اللوى ... فغدا منهمل الدمع معنى) (أسلمته للردى أَيدي الأسى ... عِنْد مَا أحسن بِالْأَيَّامِ ظنا) (طالما أمل المام الْكرَى ... طَمَعا فِي زورة الطيف وأنى) (كلما جن الدجى حن إِلَى ... زمن الْوَصْل بأبدى مَا أجنا) (واذاهب نسيم من رَبًّا ... حاجر أهْدى لَهُ سقما وحزنا) (يَا عريبا بالحمى لولاكم ... مَا صبا قلبِي إِلَى ربع ومغنى) (كَانَ لي صَبر فأوهاه النَّوَى ... بعدكم يَا جيرة الْحَيّ وأفنى) (قَاتل الله النَّوَى كم قرحت ... كبدا من ألم الشوق وجفنا) (كدّرت مورد لذاتي وَمَا ... تركت لي من جميل الصَّبْر ركنا) ( ... قطعت أفلاذ قلبِي والحشا ... وكستني من جليل السقم وَهنا) (فالي كم أشتكي جور الْهوى ... وأقاسي من هوى ليلى ولبنى)

стр. 689

(قد صَحا قلبِي من سكر الْهوى ... بعد مَا أزعجه السكر وعبى) (ونهاني عَن هوى الغيد النهى ... وحباني الشيب إحسانا وحسنا) (وتفرغت إِلَى مدح فَتى ... سنة الْمَعْرُوف والأفضال سنا) وَله من قصيدة أُخْرَى مستهلها (سئمت لفرط تنقلي الْبَيْدَاء ... وَشَكتْ لعظم ترحلي الأنضاء) (مَا إِن أرى فِي الدَّهْر غير مُودع ... خلا وتوديع الْخَلِيل عناء) (أبلى النَّوَى جلدي وأوقد فِي الحشا ... نيران وجد مَالهَا إطفاء) (فقدت لطول الْبَين عَيْني ماءها ... فبكاؤها بدل الدُّمُوع دِمَاء) (فَارَقت أوطاني وَأهل مودتي ... وحبائبا غيدا لَهُنَّ وَفَاء) (من كل مائسة القوام إِذْ أبدت ... لجمال بهجتها تغار ذكاء) (مَا أسفرت وَاللَّيْل مرخ ستره ... أَلا تهتك دونهَا الظلماء) (ترمي الْقُلُوب بأسهم تصمى وَمَا ... لجراحهن سوى الْوِصَال دَوَاء) (شمس تغار لَهَا الشموس مضيئة ... وَلها قُلُوب العاشقين سَمَاء) (هيفاء تختلس الْعُقُول إِذا رنت ... فَكَأَنَّمَا لحظاتها الصَّهْبَاء) (ومعاشر ماشان صدق ولائهم ... نقض العهود وَلَا الوداد مراء) (مَا كنت أَحسب قبل يَوْم فراقهم ... أَن سَوف يقْضِي بعد ذَاك بَقَاء) (فسقى رَبِّي وَادي دمشق وجادها ... من هاطل المزن الملث حَيَاء) (فِيهَا أهيل مودتي وبتربها ... لجليل وجدي والسقام شِفَاء) (ورعى ليالينا الَّتِي فِي ظلها ... سلفت ومقلة دَهْرنَا عمياء) (أَتَرَى الزَّمَان يجود لي بايابها ... وَيُبَاح لي بعد البعاد لِقَاء) (فَإلَى مَتى يَا دهر تصدع بالنوى ... أعشار قلب مَا لَهُنَّ قواء) (وتسومني فِيك الْمقَام بذلة ... ولهمتي عَمَّا تسوم إباء) (فَأَجَابَنِي لَوْلَا التغرب مَا ارْتقى ... رتب الْمَعَالِي قبلك الْآبَاء) (فاصبر على مر الخطوب فَإِنَّمَا ... من دون كل مَسَرَّة ضراء) (واترك تذكرك الشآم فَإِنَّمَا ... دون الشآم وَأَهْلهَا بيداء) وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ شَاعِر متفوق وشعره يدل على قُوَّة طبعه وصمادة فكره وَكَانَت وَفَاته فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف

стр. 690

زين العابدين بن أبي الْجُود الْحَنَفِيّ الدِّمَشْقِي كَانَ فِي ابْتِدَاء أمره مِمَّن جد واجتهد فِي التَّحْصِيل حَتَّى برع وَقَرَأَ الْكثير وَضبط أَكثر تخرجه بالشيخ مُحَمَّد بن على الحرفوشي الحريري وَكَانَ يصاحبه ويطارحه كثيرا وَجمع كتبا كَثِيرَة وَكَانَ لَهُ رِوَايَة وَاسِعَة فِي أَخْبَار السّلف وَمَا جرياتهم لَكِن رُبمَا نسب فِي بَعْضهَا إِلَى الْكَذِب وَغلب عَلَيْهِ فِي آخر عمره الكيف حَتَّى استغرق وَرُبمَا كَانَ يمر فِي طَرِيق من الطرقات فيغلب عَلَيْهِ نُعَاس الكيف فينام وَهُوَ قَائِم على قَدَمَيْهِ فَلَا يفِيق إِلَّا بعد زمَان طَوِيل وَكَانَ كثير من السراق يترقبون نعسته وَهُوَ فِي مَكَان مُنْفَرد فَيَأْخُذُونَ شَيْئا من ملبسه وَكَانَ فِيهِ تساهل فِي أَمر الدّين وَسمعت من لَفظه مرَارًا وَقد ذكر لَهُ صديق كَانَ يألفه وَكَانَ من أهل الْأَهْوَاء ثمَّ سُئِلَ عَن سَبَب الِاتِّحَاد بَينهمَا فَقَالَ لم يكن ثمَّة عِلّة إِلَّا الْإِلْحَاد وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ ابْن وقته يتَصَرَّف فِي مَجْلِسه كَيفَ شَاءَ وَعمر ونادم أَعْيَان الْفُضَلَاء والكبراء وَصلح حَاله آخرا بعض الصّلاح وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَائِل سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف عَن اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة وَدفن بمقبرة بَاب الفراديس زين العابدين بن زَكَرِيَّا بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مفرج الْغَزِّي العامري الدِّمَشْقِي الْفَقِيه الفرضي الشَّافِعِي وَقد تقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة عَمه أبي الطّيب وَكَانَ زين العابدين هَذَا من فضلاء وقته وَله التفوق فِي علمي الْفَرَائِض والحساب أَخذ عَن عَمه النَّجْم الْغَزِّي وَعَن غَيره وَكَانَ عَمه الْمَذْكُور مَعَ تبحره فِي الْعُلُوم ومكانته الَّتِي ظَهرت فِيهَا كثيرا لمراجعة لَهُ فِيمَا يتَعَلَّق بالفرائض وَلما مَاتَ وَالِد زَكَرِيَّا كَانَ إِمَامًا بالجامع الْأمَوِي فوجهت إِلَيْهِ وَهِي الْآن بَاقِيَة فِي أَوْلَاده وَكَانَ للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد وَهُوَ مَحَله لما كَانَ فِيهِ من الصّلاح وَاجْتنَاب مَا لَا يعنيه واعتنائه بِأُمُور الشَّرِيعَة وَبِالْجُمْلَةِ فَهَؤُلَاءِ بَيت مبارك وَكلهمْ صلحاء أتقياء وَهَذَا من وُجُوههم وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَان عشرَة بعد الْألف وَتُوفِّي فِي خَامِس رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة أجداده بني الْغَزِّي فِي تربة الشَّيْخ أرسلان رَحمَه الله تَعَالَى زين العابدين بن عبد الرؤوف بن تَاج العارفين بن عَليّ بن زين العابدين بن يحيى ابْن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مخلوف بن عبد السَّلَام الحدادي ثمَّ الْمَنَاوِيّ القاهري الشَّافِعِي الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الاستاذ الْكَبِير ولد الإِمَام الْكَبِير الْمَنَاوِيّ

стр. 691

شَارِح الْجَامِع الصَّغِير الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ زين العابدين هَذَا عَالما متعبداً ورعاً خَاشِعًا نَشأ فِي حجر وَالِده وَحفظ الْقُرْآن وَهُوَ ابْن سبع سِنِين وعدة متون وَهُوَ ابْن عشر مِنْهَا الزّبد لِابْنِ أرسلان والتحفة الوردية فِي النَّحْو وَكتاب الْإِرْشَاد فِي النَّحْو للسعد التَّفْتَازَانِيّ وَغَيرهَا وعرضها على مَشَايِخ عصره كَالشَّمْسِ مُحَمَّد الرَّمْلِيّ ثمَّ بعد وَفَاة الرَّمْلِيّ انْتقل إِلَى الشهَاب أَحْمد الشربيني الْخَطِيب وَالشَّيْخ حراز الغمري واشتغل بِعلم الْعَرَبيَّة على الشَّيْخ عبد الْكَرِيم البولاقي وبالأصول على الشَّمْس مُحَمَّد المأموني وألتى برمق وعرب زَاده قَاضِي مصر وَأخذ التَّفْسِير والْحَدِيث والجفر والمواليد والحساب والهندسة عَن الْعَلامَة عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي والْحَدِيث عَن الحافظين أبي النحا سَالم السنهوري والشهاب أَحْمد المتبولي وَعَن القَاضِي بدر الدّين الْقَرَافِيّ الْمَالِكِي وَأَجَازَهُ كل مِنْهُم بمروياته ثمَّ سلك طَرِيق التصوف فَأخذ طَرِيق الخلوتية عَن جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ صَالح مُحَمَّد تركي الخلوتي وَشَيخ الطَّرِيق أَحْمد العجمي وَالشَّيْخ خطر الخواطري العجمي وَالشَّيْخ عبد الله الرُّومِي وَالشَّيْخ مُحَمَّد اليوناني وَالشَّيْخ محرم الرُّومِي وَغَيرهم ثمَّ لَازم الْخلْوَة واشتغل حَتَّى صَار لَا يرى إِلَّا مُصَليا أَو ذَاكِرًا وَيقوم اللَّيْل كُله حَتَّى ظَهرت عَلَيْهِ خوارق وأحوال كَثِيرَة وانتفع بِهِ على صغر سنه جمَاعَة وَكَانَ من اللين وسعة الصَّدْر وَالِاحْتِمَال على جَانب عَظِيم وَكَانَ يرى النَّبِي وَهُوَ جَالس فِي ورده وَكَانَ فِي ابْتِدَاء أمره أرْسلهُ وَالِده لمصْلحَة وَهُوَ مراهق فَمر بِابْن العظمة الْآتِي ذكره وَهُوَ لَا يعرفهُ فناداه يَا زين العابدين فَتقدم إِلَيْهِ فَوضع فِي فِيهِ قلب خس وَقَالَ اذْهَبْ فقد خصصناك وَكَانَت الْأَرْوَاح تألفه والأولياء تعرفه ويدخلون عَلَيْهِ لَيْلًا فِي مَحَله من خلال الشبابيك ويجلسون مَعَه ويخبرونه بِأُمُور لَا تتخلف من جُمْلَتهمْ الشَّيْخ شاه ولي العجمي كَانَ يدْخل عَلَيْهِ كثيرا من الشباك ويتعشى مَعَه وَاجْتمعَ بالقطب مرَارًا وَكَانَ فِي ابداء أمره يرى أنوارا وَيسمع كلَاما وأخبارا فَتَارَة يرى كنور الْقَمَر وَتارَة كنور الشَّمْس وَتارَة فتائل وقناديل ورؤس شمع موقودة بِهِ تسْقط عَلَيْهِ وَيرى منامات عالية الْمِقْدَار وَمن خوارقه أَن الإِمَام الشَّافِعِي كَانَ يخاطبه من قَبره وَكَانَ فِي بعض الأحيان يخرج يَده من الْقَبْر وَيَضَع لَهُ فِي يَده شَيْئا قَالَ وَمَا زرته يَوْمًا إِلَّا وَرَأَيْت عِنْد قُبَّته نهرين على أَحدهمَا حمامة بَيْضَاء وعَلى الآخر حمامة خضراء وَكَانَ يرى جده الشّرف يحيى الْمَنَاوِيّ وَهُوَ جَالس فِي قَبره وَعَلِيهِ ثِيَاب سود وَهُوَ

стр. 692

يكلمهُ ويباسطه وَيَدْعُو لَهُ وَحدث الحمصاني وَهُوَ أحد الْمَشَايِخ قَالَ رَأَيْت طعيمة الصعيدي الْمصْرِيّ وَهُوَ من كبار الْأَوْلِيَاء فِي عَالم الْأَرْوَاح وأمامه إِنْسَان كالنور أَو نور كالإنسان قلت مَا هَذَا قَالَ زين العابدين الْمَنَاوِيّ قد وكل بِأَهْل البرزخ وَله تآليف كَثِيرَة مِنْهَا شرح على تائية ابْن الفارض وَشرح الْمشَاهد لِابْنِ عَرَبِيّ وَله حَاشِيَة على شرح الْمِنْهَاج للجلال الْمحلي وَشرح على الأزهرية وَجمع فتاوي جده شيخ الْإِسْلَام يحيى الْمَنَاوِيّ وجرد حَاشِيَة جده الْمَذْكُور على شرح الْبَهْجَة للعراقي وحاشيته على الرَّوْض الْأنف لِلسُّهَيْلِي وَله عدَّة رسائل مِنْهَا مَا كمل وَمِنْهَا مَا لم يكمل وأخباره وكراماته كَثِيرَة وَكَانَت وَفَاته صَبِيحَة يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وَلم يمرض بل شكى بعد تنَاول الطَّعَام وَدخل فرَاشه إِلَى الْفجْر ثمَّ تَوَضَّأ وَصلى فَقضى عَلَيْهِ وَصلى عَلَيْهِ جمع حافل بِجَامِع الْأَزْهَر يَوْم الْأَرْبَعَاء وَدفن بَين الوليين العارفين الشَّيْخ أَحْمد الزَّاهِد وَالشَّيْخ مَدين الأشموني وَقَالَ الشَّيْخ عَليّ العاملي أحد عدُول محكمَة بَاب الشعرية فِي تَارِيخ وَفَاته (مَاتَ الإِمَام الْعَالم المتقي ... العابد الزَّاهِد عين الزَّمَان) (من كَانَ زين العابدين الَّذِي ... حَاز الْمعَانِي ببديع الْبَيَان) (فرحمه الله على روحه ... وذاته مَا أشرق النيرَان) (ومذ توفّي صَحَّ تَارِيخه ... أَمْسَى الْمَنَاوِيّ خَالِدا بالجنان) وَقَالَ أَيْضا (لقد توفّي الحبر بَحر التقى ... اللوذعي الْعُمْدَة الْفَاضِل) (لما توفّي جَاءَ تَارِيخه ... مَاتَ الْوَلِيّ الْعَارِف الْكَامِل) والحدادي والمناوي سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِمَا فِي تَرْجَمَة وَالِده عبد الرؤوف زين العابدين بن عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ الْحُسَيْنِي الْمَكِّيّ الشَّافِعِي إِمَام الْمقَام الإبراهيمي الإِمَام ابْن الإِمَام مولده بِمَكَّة لَيْلَة ثامن عشر ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ بعد الْألف كَمَا وجد ذَلِك بِخَط وَالِده وَنَشَأ وَحفظ القرأن وَأخذ عَن وَالِده وَعَن أكَابِر شُيُوخ الْحَرَمَيْنِ مِنْهُم الشَّيْخ عبد الْوَاحِد الحصاري المعمر الَّذِي ولد فِي مستهل رَجَب سنة عشر وَتِسْعمِائَة وَأَجَازَ صَاحب التَّرْجَمَة مشافهة بِمَكَّة ختام عَام إِحْدَى عشرَة بعد الْألف وَأَجَازَهُ جلّ شُيُوخه وَعنهُ أَخذ السَّيِّد مُحَمَّد الشلي باعلوي وَشَيخنَا الْحسن ابْن عَليّ العجيمي الْمَكِّيّ فسح الله فِي أَجله وَغَيرهمَا من الأفاضل وَله شعر لطيف

стр. 693

مِنْهُ قَوْله (غارت بدور التم من كاعب ... هام بهَا المفستون بَين الْأَنَام) (رنت بِطرف فاتر ناعس ... يرشق من ألحاظه بِالسِّهَامِ) (بديعة الشكل وَلكنهَا ... بعيدَة الْوَصْل على المستهام) (يود لوزار حماها على ... رغم العدا مختفياً فِي الظلام) (هَذَا ورؤياه إِلَى وَجههَا ... غَايَة مَا يحظى بِهِ وَالسَّلَام) وَله معومى فِي حسام (وسَاق كبدر التم فِي غسق الدجى ... يَدُور بأكواب ويرقص كالغصن) (فأفديه من سَاق سما فِي سما البها ... عَلَيْهِ إِذا مَا دَار تَاج من الْحسن) وَبَينه وَبَين القَاضِي تَاج الدّين الْمَالِكِي الْمُقدم ذكره وَغَيره من أفاضل المكيين مطارحات يطول ذكرهَا وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة بعد شروق يَوْم الْإِثْنَيْنِ رَابِع عشر شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَسبعين وَألف وَدفن بعد صَلَاة الْعَصْر بالمعلاة فِي تربة آبَائِهِ وَنسب بني الطَّبَرِيّ وشرفهم وَقد بَيتهمْ سَيَأْتِي فِي تَرْجَمَة وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة الإِمَام عبد الْقَادِر إِذْ هُوَ أشهر هَذَا الْبَيْت من أبنائه الْمَذْكُورين فِي كتَابنَا هَذَا والشهرة تَقْتَضِي مزِيد الإعتناء والأفكار تنساق لنَحْو الْمَشْهُور كثيرا وَلم يتَقَدَّم مِنْهُم مَعنا إِلَّا زين العابدين هَذَا وَهُوَ لبس من الشُّهْرَة بِمحل وَالِده وَالله أعلم زين العابدين بن مُحَمَّد بن عَليّ الْبكْرِيّ الصديقي القاهري الشَّافِعِي الْأُسْتَاذ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى قَامَ مقَام أَبِيه من بعده ودرس وَأفْتى وَأفَاد وَكَانَ فِي مصر مَالك أزمة الوجاهة وسالك رُتْبَة البراعة واليراعة وَألف التآليف الْحَسَنَة الْوَضع وَأشهر مَاله من المؤلفات رِسَالَة إِلَّا ترج وَكَانَ أَخُوهُ أَبُو السرُور الْمُقدم ذكره من الْعلمَاء إِلَّا أَنه لم يبلغ دَرَجَة زين العابدين فِي التصوف والتكلم بِلِسَان الْمعرفَة وروى أَن والدهما الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم لما حَضرته الْوَفَاة قَالَ لخادمة لَهُ نَادَى لي زين العابدين فَذَهَبت وَنَادَتْ ابا السرُور فَقَالَ لَهَا بعد أَن خرج نَادِي لي زين العابدين فأنك إِذا ناديتيه وَلم تنادى أحدا غَيره فَأَنت حرَّة فَذَهَبت وَنَادَتْ زين العابدين قَالَت فَلَمَّا دخل على وَالِدَة قَالَ لَهُ اجْلِسْ وأملى عَلَيْهِ شيثا ثمَّ قَالَ لَهُ فهمت فهمت قَالَ نعم قَالَ قُم الْآن فَلَمَّا توفّي وَالِده ظهر بِمَا ظهر بِهِ من المعارف والحقائق وَذهب كثير من أهل مصر وَغَيرهم إِلَى أَن بدايته كَانَت نِهَايَة أَبِيه وَقد أَخذ الْعلم عَن وَالِده وَغَيره وَشَيْخه الْمُخْتَص

стр. 694

بتعليمه الشَّيْخ بدر الدّين البرديني وتأخرت وَفَاته عَنهُ وانتهت إِلَيْهِ الرياسة بِالِاسْتِحْقَاقِ الذاتي وَكَانَ عَالما بارعا فِي الْعَرَبيَّة وَالتَّفْسِير وعلوم البلاغة وَله شعر لطيف سَائِغ فَمِنْهُ قَوْله (محب لحر الْوَجْه فِي الترب مرغا ... وصب من الأجفان حَقًا تفرغا) (أماط الْهوى عَنهُ نقاب سلوه ... وأرخى عَلَيْهِ السّتْر لَيْلًا وأسبغا) (فيا حاد يَا ركب الملاح ترفقا ... وقصا نباه عِنْد سعدى وبلغا) (وقولا رَأينَا من تعد ضلوعه ... غراما وَمن نَالَ الضنى مِنْهُ مبلغا) وَقَوله (ومجلس لَذَّة أَمْسَى وجيها ... يضيء كَأَنَّهُ بدر مُنِير) (تجمع فِيهِ مشموم وَرَاح ... وأوتار وولدان وحور) (تجمعت الْحَواس الْخمس فِيهِ ... بِخمْس يستتم بهَا السرُور) (فَكَانَ الضَّم قسم اللَّمْس فِيهِ ... وَقسم الذَّوْق كاسات تَدور) (وللسمع الأغاني والغواني ... لاعيننا وللشم البخور) وَقَوله فِي القهوة (أَن تشرب القهوة فِي حانها ... فاللطف قد حف بندمانها) (حَان حكى الْجنَّة فِي بسطها ... برقة الْعَيْش وإخوانها) (بِمَائِهَا نغسل أكدارنا ... ونحرق الْهم بنيرانها) (لاهم يبْقى لَا وَلَا غم إِذْ ... قابلك الساقي بفنجانها) (يَقُول من أبْصر كَانُوا بهَا ... أُفٍّ على الْخمر وادنانها) (شراب أهل الله فِيهَا الشفا ... جَوَاب من يسْأَل عَن شانها) وَقَوله فِيهَا أَيْضا (اسقنا قهوة غدافية اللَّوْن ... حَلَالا تفرج الْهم عَنَّا) (وأدرها من خَالص اللَّبن صرفا ... لَا تشب حسنها بِغَيْر فتنا) (وَاتبع قَول أِشرف الرُّسُل حَقًا ... قَالَ قولا من غَشنَا لَيْسَ منا) وَذكره الخفاجي فَقَالَ فِي وَصفه تعَاطِي حِرْفَة الزهاده وَفتح حَانُوت السجادة وَادّعى الكرامات وقص منامات لَهَا الْكرَى مَاتَ وَمِمَّا اتّفق لَهُ أَن النَّاس خَرجُوا للدُّعَاء بالاستسقا وَقدر رعى الْقَحْط الْبِلَاد فَلم يدع ثمرا وَلَا وَرقا والجو بالغمام مطبق وجفن السحب بدمع الْقطر مغرق فَلَمَّا دَعَا تجلى وَعَبس وَتَوَلَّى فَقُمْت

стр. 695

على سَاق الارتجال وأنشدت أَصْحَابِي فِي الْحَال (وَولي قطب لرب السَّمَاء ... أسْرع الصحو إِذْ دَعَا بِالْمَاءِ) (فِي صُرَاخ وأدمع هُوَ يُغني ... عَن رعو منهلة الأنواء) (فَكَأَن السَّحَاب كَانَ مَرِيضا ... مَاتَ لما دَعَا بالاستسقا) انْتهى قلت ذكره بِهَذَا الاسلوب من الشهَاب اسمج السمج وَالْحَامِل لَهُ على ذَلِك الْحَسَد لتصور مَا كَانَ عَلَيْهِ المترجم من الاقبال وَإِلَّا فالشهاب لَيْسَ من أقرانه بِحَسب الْوُجُود أما فِي حَيَاة المترجم فمعلوم ضَرُورَة أَن الخفاجي كَانَ إِذا ذَاك فِي ابْتِدَاء طلوعه وغضارته وَلَيْسَ بِالْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي أَمر وَأما بعد مَوته فَإِنَّهُ وَإِن ولي قَضَاء مصر لكنه لم يبلغ بعض مَا بلغ ذَاك من الْحُرْمَة والهيبة وأنى لَهُ وَلَو سلم هَذَا فَمَا الْمُقْتَضى لحسد رجل فَاتَ وولعت بِهِ أَيدي الْآفَات وَمَا ذكره وَقع قَرِيبا فِي بَلْدَتنَا دمشق مَا يُشبههُ وَذَلِكَ أَنهم خَرجُوا يستسقون فَلم يسقوا وَاتفقَ فِي ذَلِك الْيَوْم مجئ مظْلمَة سلطانية فَقَالَ فِي ذَلِك شَيخنَا الشَّيْخ عبد الْغَنِيّ النابلسي (خَرجُوا ليستسقوا الْغَدَاة فأمطروا ... سحب الجرائم من سما الْحُكَّام) (ودعوا فحين تصدعت أنفاسهم ... ردّت منكسة من الآثام) (وَلَو استقاموا فِي الْأُمُور تَتَابَعَت ... نعم الْإِلَه ومنة الْإِسْلَام) (إِن السِّهَام إِذا تعوّج نصلها ... عَادَتْ فأثر عودهَا بالرامي) عودا وَبلغ صَاحب التَّرْجَمَة فِي آخر أمره من الْجَلالَة ونفوذ الْكَلِمَة مبلغا لَيْسَ لَا حد وَرَاءه مطمع حَتَّى خشيَة حكام مصر وَكَانُوا يدارونه ويتوقعون رِضَاهُ إِلَى أَن ولي قَضَاء مصر الْمولى عبد الْوَهَّاب الْآتِي ذكره فَوَقع بَينهمَا فِي شَيْء فَعرض فِيهِ إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْأَحَد ثَالِث شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث عشرَة وَألف طلع إِلَى إِبْرَاهِيم باشا بعد الْعَصْر على عَادَته فأحضر السماط ثمَّ القهوة فَلَمَّا أكلُوا وَشَرِبُوا خر زين العابدين مغشيا عَلَيْهِ وَحمل إِلَى بَيته فَمَاتَ هَذَا هُوَ المستفيض على أَلْسِنَة المؤرخين وروى بَعضهم أَن مَوته كَانَ خنقا أَو غَيره وَأَنه طرح على بَاب قلعة الْجَبَل واشتهر ذَلِك فِي دمشق فَبنى عبد الْحق بن مُحَمَّد الْحِجَازِي الدِّمَشْقِي قَوْله فِي رثائه عَلَيْهِ وأبياته هِيَ هَذِه (لم يهدموا أَرْكَان مصر وَإِنَّمَا ... هدموا بقتلك قبَّة الْإِسْلَام) (وتناوشتك يَد الْكلاب وطالما ... خضعت لغزك صولة الضرغام)

стр. 696

(فسقى ثراك سَحَابَة قدسية ... تهمى عَلَيْك برحمة وَسَلام) وَلم يبْق إِبْرَاهِيم باشا بعده إِلَّا أَيَّامًا قَليلَة حَتَّى وَقع بَينه وَبَين عَسَاكِر مصر فَقَتَلُوهُ وحملوا رَأسه على رمح وطوفوا بِهِ مصر كَمَا تقدم فِي تَرْجَمته وعوقب بذلك على الجراءة على قتلة صَاحب التَّرْجَمَة الله أعلم زين العابدين بن محيي الدّين بن ولي الدّين بن جمال الدّين يُوسُف بن زَكَرِيَّا أبي يحيى بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ السنيكي الشَّافِعِي الإِمَام الْفَاضِل الْعَالم الْعَامِل كَانَ أحد عباد الله تَعَالَى الصَّالِحين والإجلاء المعتقدين المخصوصين بالأخلاق الرضية والشمايل البهية المرضية ولد بِمصْر ضحى يَوْم الْخَمِيس خَامِس شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَألف وَبهَا نَشأ وَحفظ الْقُرْآن وتلاه بالتجويد واعتنى بِهِ قِرَاءَة وفهما وَكِتَابَة ورسما واشتغل فِي عنفوان شبابه بِالطَّلَبِ وَأخذ عَن وَالِده ولازم أكَابِر شُيُوخ عصره وشارك الشبراملسي فِي كثير من شُيُوخه ثمَّ لَازمه مُلَازمَة الجفن للعين وَكَانَ الشبراملسي يُحِبهُ ويثني عَلَيْهِ ويعظمه فِي جَمِيع شؤونه حَتَّى توفّي فِي حَيَاة الشبراملسي فجزع عَلَيْهِ وَكَاد أَن يشق ثَوْبه عَلَيْهِ لكَونه خدنه وَصديقه وخليله ورفيقه وَقد ألف مؤلفات كَثِيرَة شهيرة مِنْهَا حَاشِيَة على شرح الجزرية لجده شيخ الْإِسْلَام القَاضِي زَكَرِيَّا فِي نَحْو عشْرين كراسة وَشرح على رِسَالَة جده الْمَذْكُور الْمُسَمَّاة بالفتوحات الآلهية سَمَّاهُ الْمنح الربانية وَكَانَت وَفَاته فِي شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَألف بِمصْر وَدفن بالقرافة بِالْقربِ من تربة الإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على أَبِيه وجده والسبكي بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح النُّون وَإِسْكَان الْيَاء الْمُثَنَّاة وَآخر الْحُرُوف كَاف نِسْبَة لسنيكة بتاء التَّأْنِيث بليدَة من شَرْقي مصر ولد بهَا جده القَاضِي زَكَرِيَّا رَحمَه الله تَعَالَى زين العابدين الصَّفَدِي الْفَقِيه الْحَنَفِيّ كَانَ من فضلاء زَمَانه قدم دمشق فِي عنفوان عمره واشتغل بهَا على عُلَمَاء ذَلِك الْعَصْر وَحصل فضلا باهراً ثمَّ رَحل إِلَى بلدته صفد وَأقَام بهَا وَولى افتاء الْحَنَفِيَّة مُدَّة ودرس وَأفَاد واشتهر صيته وَكَانَ ذَا همة عالية وَمَكَارِم أَخْلَاق وَأَصله من قَرْيَة كفر مندا من ضواحي صفد وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَرْبَعِينَ وَألف تَقْرِيبًا (حرف السِّين الْمُهْملَة) السَّيِّد سَالم بن أبي بكر بن سَالم بن أَحْمد بن شَيْخَانِ بن عَليّ بن أبي بكر بن عبد

стр. 697

الرَّحْمَن بن عبد الله عبود بن عَليّ بن مُحَمَّد مولى الدويلة السَّيِّد الصفي الْحُسَيْنِي تقدم أَبوهُ أَبُو بكر وَيَأْتِي جده بعده وَهَذَا ولد بِمَكَّة وَبهَا نَشأ وَحفظ الْقُرْآن واشتغل بفنون الْعُلُوم وَأخذ عَن وَالِده شَيْئا كثيرا ولازم الشَّيْخ عَليّ ابْن الْجمال وَعبد الله ابْن سعيد باقشير وَالسَّيِّد الْجَلِيل مُحَمَّد بن أبي بكر الشلي باعلوي وَالشَّيْخ عبد الله ابْن الظَّاهِر العباسي وَغَيرهم وَأَجَازَهُ عَامَّة شُيُوخه وَأخذ عَن الوافدين إِلَى مَكَّة كَالشَّمْسِ البابلي وَمَنْصُور الطوخي وَغَيرهمَا وَله أشعار كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله من قصيدة عَارض بهَا كَافِيَة الْبَهَاء الْحَارِثِيّ (فاح عرف الشميم من ناديك ... يَا زعيما على الْأَنَام مليك) (كل يَوْم وَفِي الْقُلُوب لظى ... من تجنيك هَل ترى يرضيك) (يَا رعى الله جَمعنَا وَسَقَى ... منزل اللَّهْو والخلاعة فِيك) (يَوْم عَيْش الشَّبَاب لي نضر ... وزماني سمح فَلَا نشكيك) (أَي صَبر يكون لي وَلَقَد ... عيل صبري بمهجتي أفديك) (فَإلَى الله أشتكي أبدا ... سحر عَيْنَيْك إِنَّهَا الفتيك) (وقواما كَأَنَّهُ غُصْن بَان ... سالب عقل نَاظر نسيك) (وحديثا كَأَنَّهُ نثر زهر ... قد أَتَانِي معطرا من فِيك) (صَاح هَات المدام إِن لَهَا ... يبْقين على الهموم دليك) (واسقنيها ممزوجة بلمى ... ثغر حب وَلَا تقل بكفيك) (واسقنيها حَمْرَاء قد لبست ... شفق اللَّيْل أَو كعرف الديك) (واسقنيها فإنني شغف ... باحتساها معاند ناهيك) (وَتعطف على الحبيب عَسى ... يسمح الدَّهْر باللقا لأخيك) (وابق واسلم مَا الصب ينشدنا ... فاح عرف الشميم من ناديك) وَكَانَت وَفَاته فِي حَيَاة وَالِده وَهُوَ شَاب ظهر يَوْم الْجُمُعَة خَامِس عشرى الْمحرم سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَألف وَصلى عَلَيْهِ بعد الْعَصْر وَالِده إِمَامًا بِالنَّاسِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام فِي مشْهد عَظِيم وَدفن بحويطتهم بالمعلاة السَّيِّد سَالم بن أَحْمد بن شَيْخَانِ جد الَّذِي قبله وَالِد وَالِده الْأُسْتَاذ الباهر الطَّرِيقَة الْعَالم الْكَامِل نادرة الزَّمَان أفرد لَهُ وَالِده الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبُو بكر تَرْجَمَة فِي رِسَالَة قَالَ ولد فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر ربيع الثَّانِي سنة خمس

стр. 698

وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ تَارِيخ ظُهُوره فيض الْجمال وَنَشَأ فِي طلب واجتهاد حَتَّى حصل وَقَرَأَ كتاب الْأَحْيَاء ثَلَاث مَرَّات على الشَّيْخ سعيد بابقي الْعَالم الوليالآتي ذكره وَصَحب الشَّيْخ أَحْمد الشناوي وَأخذ عَنهُ علوماً جمة وَالطَّرِيق المسلسل وَنشر كثيرا من الْعُلُوم والمعارف وانتفع بِهِ كثير من أَرْبَاب الذَّوْق وصنف فِي فنون الْعلم الْكتب والرسائل فَمِنْهَا فِي علم التَّحْقِيق بلغَة المريد وبغية المستفيد وتمشية أهل الْيَقِين على ذائقة التَّمْكِين وَهِي رِسَالَة مفيدة للشَّيْخ عبد الْكَرِيم الجيلي وَالْإِعْرَاب التَّام المسدد الْجَامِع لتوحد قيام مُحَمَّد الشافع وَشرح أَبْيَات للعفيف التلمساني الْبَيْت الأول مِنْهَا قَوْله (إِذا كنت بعد الصحو فِي المحو سيدا ... إِمَامًا مُبين النَّعْت بِالذَّاتِ مُفردا) وَشرح الْجَوْهَر الرَّابِع وَالْخَامِس من كتاب الْجَوَاهِر الْخمس للسَّيِّد مُحَمَّد غوث الله ابْن خطير الدّين أتم بِهِ شرح شَيْخه الشَّيْخ أَحْمد الشناوي فَإِنَّهُ شرح الأول وَالثَّانِي وَالثَّالِث فَقَط وَاتفقَ لَهُ أَنه قَرَأَ هَذَا الْكتاب أَعنِي الْجَوَاهِر على شَيْخه الْمَذْكُور سبع مَرَّات وَمن مصنفاته جَوَامِع كلم الْعُلُوم فِي الصَّلَاة على مداوي المكلوم وَنشر الإفادة بِذكر كلمتي الشَّهَادَة وَالسّفر المستور للدراية فِي الذّكر المنشور للولاية وَالْأَخْبَار والأنباء بشعار ذَوي الْقُرْبَى الألباء وجبر الْكَلِمَة القاصمة بِذكر الْكَلِمَة العاصمة والمقاصد العندية بمشاهد النقشبندية وشق الجيب فِي معرفَة أهل الشَّهَادَة والغيب وَمن مصنفاته فِي غَرِيب الْعُلُوم مِصْبَاح السِّرّ اللامع بمفتاح الجفر الْجَامِع وغرر الْبَيَان عَن عمر الزَّمَان والمشروط الأسمى الْأَسْنَى فِي شُرُوط الْأَسْمَاء الْحسنى وَالْعقد المنظوم فِي بعض مَا تحتوي عَلَيْهِ الْحُرُوف من الْخَواص والعلوم وإيوان المقعد الْحرفِي وديوان المشهد الوصفي يتَضَمَّن مَا يتَعَلَّق بالوفق المثلث ومرهم الْعَطف وَدِرْهَم الصّرْف وأسفار الحالك فِي الْعَمَل بِوتْر ابْن مَالك وموائد الْفضل الجامعة لبابا فِي موارد الرمل النافعة احبابا وَالْمَاء السلسال الرَّحِيق الأصفى فِي التَّعَلُّق بالأسماء الَّتِي اقْتَضَت بوبيتا تخليق الموجودات الامكانية وَمَالهَا منزلَة وحرفا وَجل الْمغنم فِي حل الطلسم والبرهان الْمَعْرُوف فِي مَوَازِين الْحُرُوف ومنتهى الطّلب فِي قسْمَة حُرُوف الرتب على الْكَوَاكِب السَّبْعَة وَالرَّأْس والذنب والجدول العذب الاهني من مشرب الْأَسْمَاء الْحسنى وَعقد الحكم فِي ورد الِاسْم وَعقد اللآلي الفخام فِي ورد اللَّيَالِي

стр. 699

وَالْأَيَّام والتحصينات الْمَوَانِع بالدعوات الْجَوَامِع والتحبير فِي التسخير وَله غير ذَلِك من المؤلفات مِمَّا يطول ذكره قلت وَقد تيَسّر لي بِحَمْد الله تَعَالَى رِوَايَة جَمِيع مَاله من تأليف وَأثر ينْقل عَنهُ رِوَايَة عَامَّة عَن وَلَده سيدنَا ومولانا الاستاذ الْكَبِير الْعَظِيم الشَّأْن المعمر الْبركَة رونق قطر الْحجاز السَّيِّد عمر أجازني بذلك مشافهة أَيَّام مجاورتي فِي أواسط سنة مائَة وَألف وَللسَّيِّد سَالم أشعار كَثِيرَة مِنْهَا قصيدته الَّتِي قَالَهَا فِي مدح النَّبِي مطْلعهَا (لَك ذَات الْعُلُوم والأسماء ... يَا نَبيا نوابه الْأَنْبِيَاء) وَمن مقاطيعه قَوْله (ترا آي بديع الْحسن فِي صنع خلقه ... جميلاً فَظن الْمظهر النَّاظر القذى) (وَمَا هُوَ إِلَّا الله بالصنع بارز ... على صِيغ التخليق فِي الظَّاهِر الَّذِي) وَقَوله (رمى العَبْد سهم الْوَهم من قَوس حكمه ... فأدمى خيالا فِي منصاته السَّبع) (وَلَيْسَ إِذا حققت رام سوى الَّذِي ... أَتَاك بطي النشر فِي الطَّبْع والوضع) وَقَوله (كن ممسكاً بِالصَّوْمِ عَن كل السوى ... وَاذْكُر بفطرك من أَتَى معروفه) (وبفاطر عَن رُؤْيَة الأغيار صم ... من صَامَ عِنْد الله طَابَ خلوفه) وَله دَار الصَّفَا من بَحر الشفا وَهِي الوترية فِي مدخ خير الْبَريَّة وَله صلوَات على النَّبِي ﵇ وَله غير ذَلِك ومحصل الْكَلَام أَنه أَكثر أهل عصره فَائِدَة ونفعا وَكَانَت وَفَاته ضحوة يَوْم الْأَحَد تَاسِع ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَألف وَدفن فِي عشيته على أَبِيه وجده بالمعلاة وَلما دفن تمثل الْوَلِيّ الْعَارِف الشريف الْعلوِي الحبشي بِبَيْت من الشّعْر وَهُوَ (حلف الزَّمَان ليَأْتِيَن بِمثلِهِ ... حنثت يَمِينك يَا زمَان فَكفر) وَجَاء تَارِيخ وَفَاته صَار إِلَى رَحْمَة الله سَالم بن حسن الشبشيري نزيل مصر الشَّافِعِي الإِمَام الْحجَّة شيخ وقته وَأعلم أهل عصره كَانَ فِي الْفِقْه بَحر الإيجاري وَفِي بَقِيَّة الْعُلُوم قدره مَشْهُور أَخذ الْفِقْه عَن الشَّمْس الرَّمْلِيّ وَغَيره من أكَابِر عصره وتكمل بِالنورِ الزيَادي ولازمه سِنِين عديدة وَكَانَ من أجل طلبته وَمِمَّنْ فنى فِي محبته وَكَانَ يطالع لجَماعَة الزيَادي درسه على عَادَة مَشَايِخ الأزهران أفضل الطّلبَة يطالع لطلبة الشَّيْخ درسه مطالعة بحث وَتَحْقِيق

стр. 700

حَتَّى يَأْتُوا إِلَى الشَّيْخ وهم متهيؤن لما يلقيه وَكَانَت جمَاعَة الزيَادي مَعَ مَا هم عَلَيْهِ من الْعلم والفهم الثاقب ملازمين لدروسه الفرعية وَمِمَّنْ لَازمه مِنْهُم الشَّمْس الشَّوْبَرِيّ والنور الْحلَبِي والشهاب القليوبي وعامر الشبراوي وخضر الشَّوْبَرِيّ وَعبد الْبر الاجهوري وَمُحَمّد البابلي والنور الشبراملسي وَالشَّيْخ سُلْطَان المزاحي وَكَانَ يُسَمِّيه وتد درسه ويفضله على شَيْخه الزيَادي وَيَقُول مَا رَأَيْت أفقه مِنْهُ وَكَانَ آيَة من آيَات الله تَعَالَى فِي استحضار مسَائِل الْفِقْه وتصويرها وَمَعْرِفَة الْفرق وَالْجمع بَينهمَا والاطلاع على النقول والإحاطة بالفروع وَالْأُصُول وَكَانَ مَعَ كَونه فَقِيها خَالِصا من أكَابِر الْأَوْلِيَاء لَهُ كرامات خارقة وأحوال باهرة مِنْهَا مَا حَكَاهُ النُّور الشبراملسي فِي درسه أَنه طالع كتاب الْغرُور من الْأَحْيَاء للغزالي فَلَمَّا رأى مَا قَالَه الْغَزالِيّ فِي عُلَمَاء عصره وَمَا هم فِيهِ من الْغرُور مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أهل ذَلِك الْعَصْر من الْخَيْر أضمر فِي نَفسه أَن يتخلى لِلْعِبَادَةِ وَالصَّوْم وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَأَن يتْرك الْقِرَاءَة على الشُّيُوخ وَالِاجْتِهَاد فِي الطّلب لِأَنَّهُ قد حصل مَا يَكْفِيهِ فِي إِقَامَة دينه ودنياه وَكَانَ إِذْ ذَاك يحضر درس صاحبا لترجمة فجَاء ذَلِك الْيَوْم إِلَى الدَّرْس بِغَيْر مطالعة واشتغل سرا بِقِرَاءَة الْقُرْآن بِحَيْثُ لَا يسمع أحدا من الْحَاضِرين وَلم يُخْبِرهُمْ بِمَا أضمره فِي نَفسه وَإِنَّمَا جَاءَ إِلَى الدَّرْس مُرَاعَاة لخاطر الشَّيْخ لِئَلَّا يفتقده فَيسْأَل عَنهُ أَو يَأْتِي إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة شفاها يَا عَليّ مَالك الْيَوْم سَاكِت فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي مَا طالعت فَقَالَ لَهُ يَا عَليّ الْغَزالِيّ مَا ألف الْمُسْتَصْفى مَا ألف الْوَجِيز مَا ألف كَذَا مَا ألف كَذَا وعد مؤلفاته فَقَالَ لَهُ نعم يَا سَيِّدي فَقَالَ لَهُ كَأَنَّك اغتريت بِكِتَاب الْغرُور من الْأَحْيَاء لَا بقيت تفعل هَذَا واطلب الْعلم وَاتَّقِ الله مَا اسْتَطَعْت عَسى الله أَن يجعلك من المخلصين قَالَ الشبراملسي فَلَمَّا كاشفني بذلك رجعت لما كنت عَلَيْهِ من طلب الْعلم والاشتغال بِهِ وَصرف أوقاتي فِي المطالعة وَتركت مَا كنت أضمرته فِي نَفسِي وأنبأني الشَّيْخ عَنهُ حَتَّى كَانَ من أَمر الله مَا كَانَ وَالْحَمْد لله وَحده وَلم يزل صَاحب التَّرْجَمَة منهمكا على بَث الْعلم ونشره حَتَّى توفّي وَكَانَت وَفَاته بِمصْر يَوْم السبت سَابِع عشرى ذِي الْحجَّة سنة تسع عشرَة وَألف وَحكى البشبيشي عَن شَيْخه الشَّيْخ سُلْطَان أَنه توفّي فِي سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَصلى عَلَيْهِ بِجَامِع الْأَزْهَر وَكَانَ الإِمَام بِالنَّاسِ فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ شَيْخه النُّور الزيَادي وَلم يجزع عُلَمَاء مصر على أحد من الْعلمَاء مَا جزعوا عَلَيْهِ رَحمَه الله

стр. 701

سَالم بن مُحَمَّد عز الدّين بن مُحَمَّد نَاصِر الدّين ابْن عز الدّين بن نَاصِر الدّين بن عز الْعَرَب أَبُو النجا السنهوري الْمصْرِيّ الْمَالِكِي الإِمَام الْكَبِير الْمُحدث الْحجَّة الثبت خَاتِمَة الخفاظ وَكَانَ أجل أهل عصره من غير مدافع وَهُوَ مفتي الْمَالِكِيَّة وَرَئِيسهمْ وَإِلَيْهِ الرحلة من الْآفَاق فِي وقته وَاجْتمعَ فِيهِ من الْعُلُوم مَا لم يجْتَمع فِي غَيره مولده بسنهور وَقدم إِلَى مصر وعمره إِحْدَى عشرَة سنة وَأخذ عَن الإِمَام الْمسند النَّجْم مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ بن أبي بكر الغيطي الإسكندري ثمَّ الْمصْرِيّ صَاحب الْمِعْرَاج وَعَن الإِمَام الْكَبِير الْحجَّة الشَّمْس مُحَمَّد النوفري الْمَالِكِي وَأدْركَ النَّاصِر اللَّقَّانِيّ وَأخذ عَنهُ الجم الْغَفِير الَّذين لَا يُحصونَ من أهل مصر وَالشَّام والحرمين مِنْهُم الْبُرْهَان اللَّقَّانِيّ والنور الأَجْهُورِيّ وَالْخَيْر الرَّمْلِيّ وَالشَّمْس البابلي وَالشَّيْخ سُلَيْمَان البابلي وَمِمَّنْ لَازمه وَسمع مِنْهُ الْأُمَّهَات السِّت كملا الشَّيْخ عَامر الشبرواي وَله مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا حَاشِيَة على مُخْتَصر الشَّيْخ خَلِيل فِي الْفِقْه وَهِي عزيزة الْوُجُود لقلَّة اشتهارها وانتشارها ورسالة فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَغَيرهمَا وَكَانَت وَفَاته فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس عشرَة بعد الْألف وَدفن بمقبرة المجاورين وَبلغ من الْعُمر نَحْو السّبْعين وأرخ بَعضهم وَفَاته بقوله (مَاتَ شيخ الحَدِيث بل كل علم ... سَالم ذُو الْكَمَال أفضل حبر) (قلت من غير غَايَة لبكاء ... أرخوه قد مَاتَ عَالم مصر) سرُور بن الْحُسَيْن بن سِنِين الْحلَبِي الشَّاعِر الْمَشْهُور كَانَ أحد أَفْرَاد الزَّمَان فِي النّظم وَله شعر بديع الصَّنْعَة مليح الأسلوب مفرغ فِي قالب الْحسن والجودة وَلما فَارق وَطنه بحلب وسارع إِلَى طرابلس الشَّام لمدح أمرائها بني سَيْفا والأمير مُحَمَّد بَينهم إِذْ ذَاك مقصد كل شَاعِر وممدوح كل نَاطِق أكْرم مثواه وَأحسن قراه فبغضه شعراء الْأَمِير الموجودون عِنْده والمقربون إِلَيْهِ وَذَلِكَ لأقبال الْأَمِير عَلَيْهِ وركبوا كل صَعب وَذَلُول فِي سبه حَتَّى خَاطب الْأَمِير حُسَيْن بن الْجَزرِي الْمُقدم ذكره بقوله معرضًا بسرور (وحقك مَا تركتك عَن ملال ... وبغض أَيهَا الْمولى الْأَمِير) (وَلَكِن مذ ألفت الْحزن قدما ... انفت مواطنا فِيهَا سرُور) وَلم يزل فِي تِلْكَ الغربة إِلَى أَن قضى وَمَا قضى وطره ومدائحه فِي بني سَيْفا غَايَة وَمن جيدها قصيدته الرائية الَّتِي قَالَهَا فِي مدح الْأَمِير مُحَمَّد ومستهلها

стр. 702

(خلا ربع أنسى بعدكم فَهُوَ مقفر ... وأعوزني حَتَّى البكا والتبصر) (وَقد كنت عَمَّا يسهر الْعين غافلا ... فعلمني حبيكم كَيفَ أسهر) (وَوَاللَّه رَبِّي مَا تَغَيَّرت بعدكم ... وَإِن رابكم جسماني الْمُتَغَيّر) (عدمت اخْتِيَاري والحوادث جمة ... وَهل بيد الْإِنْسَان مَا يتَخَيَّر) (تذكرتكم وَالْعين تهمى دموعها ... وَأي دموع لم يهجها التَّذَكُّر) (وَلَيْسَت كَمَا ظن الغبي مدامعا ... وَلكنهَا نفس تذوب فتقظر) أَخذ الْأَخير من قَول بشار (وَلَيْسَ الَّذِي يجْرِي من الْعين مَاؤُهَا ... وَلكنهَا روح تذوب فتقظر) وَقد أَخذه المتنبي فحسنه بقوله (أشاروا بِتَسْلِيم فجدنا بأنفس ... تسيل من الآماق والسم أدمع) وَقد تداول الشُّعَرَاء هَذَا الْمَعْنى كثيرا وَلَو جمعت مَا قيل فِيهِ لناف على خَمْسمِائَة بَيت تَتِمَّة الرائية (لَعَلَّ ليل سامحتني بقربكم ... تُعَاد فتنهى فِي البعاد وتأمر) (هُنَالك أجزى الدَّهْر عَن حسن فعله ... وَاصْفَحْ عَن ذَنْب الزَّمَان وأغفر) (بكم روّضت دَاري وعزت وأشرقت ... فَأنْتم لَهَا بَحر وَبدر وقور) (بجيث التصابي كَانَ سهلاً جنا بِهِ ... بكم وشبابي أَبيض الْعَيْش أَخْضَر) وَمِنْهَا فِي المديح (أءكفر إِحْسَان ابْن سَيْفا مُحَمَّد ... فَذَلِك ذَنْب لَيْسَ عَنهُ مكفر) (مَتى وَردت جدوى الْأَمِير بِنَا المنى ... شربنا ببحر صَفوه لَا يكدر) (كثير سخاء الْكَفّ تحسب جنَّة ... تفجر فِيهَا من عطاياه كوثر) (وَمن نعْمَة قد أودعت قلب حَاسِد ... تفوح كَمَا يستودع الْعود مجمر) (وَإِن جدّ أمضى فِي الْأُمُور عَزِيمَة ... يحيض دَمًا مِنْهَا الحسام الْمُذكر) (يدبر أَمر الْجَيْش مِنْهُ ابْن حرَّة ... بَصِير بتدبير الْأُمُور مُدبر) (حسام لَهُ من حلية الْفضل جَوْهَر ... يروق كَمَا راق الحسام المجوهر) (وينتاش شلوا الْمجد من ثوب الردى ... وَقد نشبت فِيهِ نيوب وأظفر) (وَإِن زارت الْخَيل السوابق خيله ... أَتَى الطير من قبل اللِّقَاء يبشر) (تفدّيه بِالشُّهُبِ الصوافن ضمر ... عَلَيْهَا أسود من بني الْحَرْب ضمر)

стр. 703

(خلفت عليا يَا ابْنه فِي خلائق ... تَسَاوِي بهَا فرع زكي وعنصر) قلت هَذَا الْقدر هُوَ الْمَقْصُود مِمَّا نَحن فِيهِ وَهَذَا الشّعْر هُوَ السحر الْحَلَال فَللَّه دره مَا أسلس قياده وأعذب أَلْفَاظه وَأحسن سبكه وألطف مقاصده وَمن ملحه قَوْله (نزلنَا بِحكم الراح عنْدك منزلا ... نهبنا بِهِ الأفراح فِي ظله نهبا) (تدير علينا من حَدِيثك خمرة ... وَأُخْرَى من الراح الْمُعتقَة الصهبا) (فرحت فَلَا وَالله أعلم مَا الَّذِي ... تعاطيت رَاحا كَانَ أم لفظك العذبا) (كَانَ إِذا اشعشعتها أكفنا ... نقلب من كاساتها أنجما شهبا) وَمن غزليانه قَوْله (وَلكم بكرت إِلَى الرياض للذة ... فِي فتية بيض الْوُجُوه صباحها) (تهتز فِي ورق الشَّبَاب قدودهم ... كغصونها وثغورهم كاقاحها) (حَتَّى إِذا عَادوا لوصلي عاودت ... أَرْوَاح لذاتي إِلَى أشباحها) وَمن مطرباته الَّتِي استوفت أَقسَام الظّرْف قَوْله (بدا فَكَأَنَّمَا قمر ... على أطواقه ظهرا) (يعز إِذا خضعت لَهُ ... وَإِن دانبته نَفرا) (وَلم أر قبل مبسمه ... ثمين الدّرّ مَا صغرا) (يظل بِهِ على خطر ... فُؤَادِي كلما خطرا) وَمِمَّا يستجاد لَهُ قَوْله (صب جَفا فِي فراقك الرفقا ... جَار عَلَيْهِ الْهوى وَمَا رفقا) (يَكْفِيهِ من حالتيه أَن لَهُ ... فَمَا صموتا وناظرا قلقا) (ودمع عين يَبْدُو فاكتمه ... منحبسا تَارَة ومنطلقا) (وقفت أستنطق الربوع لَهُ ... لَو أَن ربعا لسائل نطقا) (عين ترى أَن تراك لَا سكبت ... للبين دمعا وَلَا اشتكت أرقا) (هَل فِيك من رَحْمَة تعين بهَا ... إِنْسَان عين أحرقته غرقا) (وغصن بَان مَشى فعلمني ... لما تثني وشاحه القلقا) أحسن مِنْهُ قَوْله أبي تَمام (وَإِذا مشت تركت بقلبك ضعف مَا ... يحليها من كَثْرَة الوسواس) رَجَعَ (أَوْرَق بالْحسنِ نبت عَارضه ... وَأحسن الْغُصْن مَا اكتسى الورقا)

стр. 704

(يمدلي من عذاره مُشْركًا ... يطول فِيهِ عَذَاب من علقا) (وَيحمل الصُّبْح تَحت ليل دجى ... فَوق قضيب على كثيب نقا) (أخذت بِالْمذهبِ الصَّحِيح وَقد ... تفرق النَّاس فِي الْهوى فرقا) (مقسمين الحظوظ بَينهم ... فِي الْحبّ قسمى سَعَادَة وشقا) وَله من قصيدة يذكر فِيهَا منتزهات حلب (أَلا لَيْت مَا بيني وَبَيْنك من بعد ... على الْقرب مابين الْقُلُوب من الود) (غرامي غرامي والهوى ذَلِك الْهوى ... قَدِيما ووجدي فِي محبتكم وجدي) (وَوَاللَّه مَا تَغَيَّرت بعدكم ... لبين فَهَل أَنْتُم تغيرتم بعدِي) (تذكرت أيامي وعودي بمائه ... وعيشي بكم لَو دَامَ فِي جنَّة الْخلد) (وَقلت تديموني على الْقرب دَائِما ... فخالفتموني واتفقتم على الْبعد) (وَلَيْلَة غاظ الْبَدْر فِيهَا اجتماعنا ... فَكُنَّا نرى فِي وَجهه أثر الحقد) (وملتقطات من فُؤَادِي تجتنى ... أَحَادِيث أحلى مجتنى من جنى الشهد) (ألذ من المَاء القراح على الظما ... وأعذب من طيب الْكرَى عقب السهد) (وبالبقعة الْغناء من سفح جوشن ... فَتلك الربى فالسفح من جوشن الْفَرد) (كَانَا على شاطىء مجر قويقها ... وَقد أشرف السعدى بكم أنجم السعد) (تَجِد بِنَا أهواؤنا فحلو منا ... موفرة فِيهَا على الْهزْل وَالْجد) (وَكم بردت للتل عين قريرة ... سُرُورًا بِنَا والشمل مُنْتَظم العقد) (لبسنا لَهَا وَاللَّيْل يعثر بالصبا ... بَقِيَّة قطع من دجى اللَّيْل مسود) (مَنَارَة قطر لابس الْقطر نورها ... فألبسها مِمَّا ينيل وَمَا يسدى) (رياض حكى الْبرد الْيَمَانِيّ وشيها ... وشاطىء غَدِير مثل حَاشِيَة الْبرد) (تحرى بهَا النوروز فصل اعتداله ... فَعدل فِيهَا قسْمَة الْحر وَالْبرد) (وَمن ورق للورد يصقله الندى ... فَيجْرِي يجاري الدمع من حمرَة الخد) (فيا نعْمَة أغفلتها فتصرمت ... مَضَت لم أقيدها بشكر وَلَا حمد) وَقد تضمن أَكثر شعره مدح الشَّهْبَاء تبعا للْمُتَقَدِّمين كَقَوْل البحتري (أَقَامَ كل ملث الودق رجاس ... على ديار بعلو الشَّام أدراس) (فِيهَا العلوة مصطاف ومرتبع ... من بانقوسا وبابلي وبطياس) (منَازِل أنكرتها بعد معرفَة ... وأوحشت من هوانا بعد إيناس)

стр. 705

(يَا علو لَو شِئْت أبدلت الصدود لنا ... وصلا ولان لصب قَلْبك القاسي) (هَل لي سَبِيل إِلَى الطهران من حلب ... ونشوة بَين ذَاك الْورْد والآسى) وكقول ابْن الخفاجي (وَحل عُقُود المزن فِي حجراته ... نسيم بأدواء الْقُلُوب خَبِير) (فَمَا ذكرته النَّفس إِلَّا تبادرت ... مدامع لَا يخفى لَهُنَّ ضمير) وكقول أبي فراس (الشَّام لَا بلد الجزيرة لذتي ... وقويق لَا مَاء الْفُرَات منائي) (وأبيت مُرْتَهن الْفُؤَاد بمنيح ... الزَّوْرَاء لَا بالرقة الْبَيْضَاء) وكقول الْمُهَذّب عِيسَى الْحلَبِي (يَا حبذا التلعات الْخضر من حلب ... وحبذا طلل بالسفح من طلل) (يَا سَاكِني الْبَلَد الْأَقْصَى عَسى نفس ... من سفح جوشن يطفى لاعج الغلل) وكقول أبي بكر الصنوبري (قويق على الصَّفْرَاء ركب مَتنه ... رباه بِهَذَا شَاهد وحدائقه) (فَإِن جد جد الصَّيف غادر جِسْمه ... ضيئلاً وَلَكِن الشتَاء يُوَافقهُ) وَهَذَا الْبَاب وَاسع جدا فلنقتصر مِنْهُ على هَذَا الْمِقْدَار فَفِيهِ غنية وجوشن اسْم مَوضِع بحلب وقويق بِضَم الْقَاف على فعيل مصغر أنهر صَغِير بِظَاهِر حلب يجْرِي فِي الشتَاء وَالربيع وَيَنْقَطِع فِي الصَّيف وَقد ذكرته الشُّعَرَاء فِي أشعارهم كثيرا وبطياس بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الطَّاء الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء الْمُثَنَّاة من تحتهَا وَبعد الْألف سين مُهْملَة وَهِي قَرْيَة كَانَت بِظَاهِر حلب ودثرت وَلم يبْق مِنْهَا الْيَوْم أثر وبانقوسا وبابلي مكانان معروفان بحلب انْتهى ووفاة سرُور كَانَت فِي حُدُود الْعشْرين بعد الْألف بالتقريب كَمَا يرشد إِلَى ذَلِك مدائحه فِي بني سَيْفا وَالله أعلم سعد الدّين بن مُحَمَّد بن حُسَيْن بن حسن وَتقدم ذكر تَتِمَّة نسبه فِي تَرْجَمَة أَخِيه إِبْرَهِيمُ الشَّيْخ الْجواد المربي الدِّمَشْقِي القبيباتي الجباوي الشَّافِعِي أحد مَشَايِخ الصُّوفِيَّة بِدِمَشْق تولى مشيخة بَيتهمْ بعد أَخِيه مُحَمَّد وتصدى لتلقي الصُّوفِيَّة وَالزُّوَّارِ بزاويتهم الْمَعْرُوفَة بهم بمجلة القبيبات وَكَانَ يُقيم ميعاد الذّكر يَوْم الْجُمُعَة بالجامع الْأمَوِي وعلت كَلمته وعظمت حرمته وَأَنْشَأَ أملاكاً وعقارات كَثِيرَة وَحج فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف فَتوفي بمنى وَحمل إِلَى مَكَّة وَدفن بالمعلاة عِنْد العرابي وَكَانَت
следующие страницы →