Полный текст (1 978 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
سَالم بن مُحَمَّد عز الدّين بن مُحَمَّد نَاصِر الدّين ابْن عز الدّين بن نَاصِر الدّين بن عز الْعَرَب أَبُو النجا السنهوري الْمصْرِيّ الْمَالِكِي الإِمَام الْكَبِير الْمُحدث الْحجَّة الثبت خَاتِمَة الخفاظ وَكَانَ أجل أهل عصره من غير مدافع وَهُوَ مفتي الْمَالِكِيَّة وَرَئِيسهمْ وَإِلَيْهِ الرحلة من الْآفَاق فِي وقته وَاجْتمعَ فِيهِ من الْعُلُوم مَا لم يجْتَمع فِي غَيره مولده بسنهور وَقدم إِلَى مصر وعمره إِحْدَى عشرَة سنة وَأخذ عَن الإِمَام الْمسند النَّجْم مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ بن أبي بكر الغيطي الإسكندري ثمَّ الْمصْرِيّ صَاحب الْمِعْرَاج وَعَن الإِمَام الْكَبِير الْحجَّة الشَّمْس مُحَمَّد النوفري الْمَالِكِي وَأدْركَ النَّاصِر اللَّقَّانِيّ وَأخذ عَنهُ الجم الْغَفِير الَّذين لَا يُحصونَ من أهل مصر وَالشَّام والحرمين مِنْهُم الْبُرْهَان اللَّقَّانِيّ والنور الأَجْهُورِيّ وَالْخَيْر الرَّمْلِيّ وَالشَّمْس البابلي وَالشَّيْخ سُلَيْمَان البابلي وَمِمَّنْ لَازمه وَسمع مِنْهُ الْأُمَّهَات السِّت كملا الشَّيْخ عَامر الشبرواي وَله مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا حَاشِيَة على مُخْتَصر الشَّيْخ خَلِيل فِي الْفِقْه وَهِي عزيزة الْوُجُود لقلَّة اشتهارها وانتشارها ورسالة فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَغَيرهمَا وَكَانَت وَفَاته فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس عشرَة بعد الْألف وَدفن بمقبرة المجاورين وَبلغ من الْعُمر نَحْو السّبْعين وأرخ بَعضهم وَفَاته بقوله
(مَاتَ شيخ الحَدِيث بل كل علم ... سَالم ذُو الْكَمَال أفضل حبر)
(قلت من غير غَايَة لبكاء ... أرخوه قد مَاتَ عَالم مصر)
سرُور بن الْحُسَيْن بن سِنِين الْحلَبِي الشَّاعِر الْمَشْهُور كَانَ أحد أَفْرَاد الزَّمَان فِي النّظم وَله شعر بديع الصَّنْعَة مليح الأسلوب مفرغ فِي قالب الْحسن والجودة وَلما فَارق وَطنه بحلب وسارع إِلَى طرابلس الشَّام لمدح أمرائها بني سَيْفا والأمير مُحَمَّد بَينهم إِذْ ذَاك مقصد كل شَاعِر وممدوح كل نَاطِق أكْرم مثواه وَأحسن قراه فبغضه شعراء الْأَمِير الموجودون عِنْده والمقربون إِلَيْهِ وَذَلِكَ لأقبال الْأَمِير عَلَيْهِ وركبوا كل صَعب وَذَلُول فِي سبه حَتَّى خَاطب الْأَمِير حُسَيْن بن الْجَزرِي الْمُقدم ذكره بقوله معرضًا بسرور
(وحقك مَا تركتك عَن ملال ... وبغض أَيهَا الْمولى الْأَمِير)
(وَلَكِن مذ ألفت الْحزن قدما ... انفت مواطنا فِيهَا سرُور)
وَلم يزل فِي تِلْكَ الغربة إِلَى أَن قضى وَمَا قضى وطره ومدائحه فِي بني سَيْفا غَايَة وَمن جيدها قصيدته الرائية الَّتِي قَالَهَا فِي مدح الْأَمِير مُحَمَّد ومستهلها
стр. 702
(خلا ربع أنسى بعدكم فَهُوَ مقفر ... وأعوزني حَتَّى البكا والتبصر)
(وَقد كنت عَمَّا يسهر الْعين غافلا ... فعلمني حبيكم كَيفَ أسهر)
(وَوَاللَّه رَبِّي مَا تَغَيَّرت بعدكم ... وَإِن رابكم جسماني الْمُتَغَيّر)
(عدمت اخْتِيَاري والحوادث جمة ... وَهل بيد الْإِنْسَان مَا يتَخَيَّر)
(تذكرتكم وَالْعين تهمى دموعها ... وَأي دموع لم يهجها التَّذَكُّر)
(وَلَيْسَت كَمَا ظن الغبي مدامعا ... وَلكنهَا نفس تذوب فتقظر)
أَخذ الْأَخير من قَول بشار
(وَلَيْسَ الَّذِي يجْرِي من الْعين مَاؤُهَا ... وَلكنهَا روح تذوب فتقظر)
وَقد أَخذه المتنبي فحسنه بقوله
(أشاروا بِتَسْلِيم فجدنا بأنفس ... تسيل من الآماق والسم أدمع)
وَقد تداول الشُّعَرَاء هَذَا الْمَعْنى كثيرا وَلَو جمعت مَا قيل فِيهِ لناف على خَمْسمِائَة بَيت تَتِمَّة الرائية
(لَعَلَّ ليل سامحتني بقربكم ... تُعَاد فتنهى فِي البعاد وتأمر)
(هُنَالك أجزى الدَّهْر عَن حسن فعله ... وَاصْفَحْ عَن ذَنْب الزَّمَان وأغفر)
(بكم روّضت دَاري وعزت وأشرقت ... فَأنْتم لَهَا بَحر وَبدر وقور)
(بجيث التصابي كَانَ سهلاً جنا بِهِ ... بكم وشبابي أَبيض الْعَيْش أَخْضَر)
وَمِنْهَا فِي المديح
(أءكفر إِحْسَان ابْن سَيْفا مُحَمَّد ... فَذَلِك ذَنْب لَيْسَ عَنهُ مكفر)
(مَتى وَردت جدوى الْأَمِير بِنَا المنى ... شربنا ببحر صَفوه لَا يكدر)
(كثير سخاء الْكَفّ تحسب جنَّة ... تفجر فِيهَا من عطاياه كوثر)
(وَمن نعْمَة قد أودعت قلب حَاسِد ... تفوح كَمَا يستودع الْعود مجمر)
(وَإِن جدّ أمضى فِي الْأُمُور عَزِيمَة ... يحيض دَمًا مِنْهَا الحسام الْمُذكر)
(يدبر أَمر الْجَيْش مِنْهُ ابْن حرَّة ... بَصِير بتدبير الْأُمُور مُدبر)
(حسام لَهُ من حلية الْفضل جَوْهَر ... يروق كَمَا راق الحسام المجوهر)
(وينتاش شلوا الْمجد من ثوب الردى ... وَقد نشبت فِيهِ نيوب وأظفر)
(وَإِن زارت الْخَيل السوابق خيله ... أَتَى الطير من قبل اللِّقَاء يبشر)
(تفدّيه بِالشُّهُبِ الصوافن ضمر ... عَلَيْهَا أسود من بني الْحَرْب ضمر)
стр. 703
(خلفت عليا يَا ابْنه فِي خلائق ... تَسَاوِي بهَا فرع زكي وعنصر)
قلت هَذَا الْقدر هُوَ الْمَقْصُود مِمَّا نَحن فِيهِ وَهَذَا الشّعْر هُوَ السحر الْحَلَال فَللَّه دره مَا أسلس قياده وأعذب أَلْفَاظه وَأحسن سبكه وألطف مقاصده وَمن ملحه قَوْله
(نزلنَا بِحكم الراح عنْدك منزلا ... نهبنا بِهِ الأفراح فِي ظله نهبا)
(تدير علينا من حَدِيثك خمرة ... وَأُخْرَى من الراح الْمُعتقَة الصهبا)
(فرحت فَلَا وَالله أعلم مَا الَّذِي ... تعاطيت رَاحا كَانَ أم لفظك العذبا)
(كَانَ إِذا اشعشعتها أكفنا ... نقلب من كاساتها أنجما شهبا)
وَمن غزليانه قَوْله
(وَلكم بكرت إِلَى الرياض للذة ... فِي فتية بيض الْوُجُوه صباحها)
(تهتز فِي ورق الشَّبَاب قدودهم ... كغصونها وثغورهم كاقاحها)
(حَتَّى إِذا عَادوا لوصلي عاودت ... أَرْوَاح لذاتي إِلَى أشباحها)
وَمن مطرباته الَّتِي استوفت أَقسَام الظّرْف قَوْله
(بدا فَكَأَنَّمَا قمر ... على أطواقه ظهرا)
(يعز إِذا خضعت لَهُ ... وَإِن دانبته نَفرا)
(وَلم أر قبل مبسمه ... ثمين الدّرّ مَا صغرا)
(يظل بِهِ على خطر ... فُؤَادِي كلما خطرا)
وَمِمَّا يستجاد لَهُ قَوْله
(صب جَفا فِي فراقك الرفقا ... جَار عَلَيْهِ الْهوى وَمَا رفقا)
(يَكْفِيهِ من حالتيه أَن لَهُ ... فَمَا صموتا وناظرا قلقا)
(ودمع عين يَبْدُو فاكتمه ... منحبسا تَارَة ومنطلقا)
(وقفت أستنطق الربوع لَهُ ... لَو أَن ربعا لسائل نطقا)
(عين ترى أَن تراك لَا سكبت ... للبين دمعا وَلَا اشتكت أرقا)
(هَل فِيك من رَحْمَة تعين بهَا ... إِنْسَان عين أحرقته غرقا)
(وغصن بَان مَشى فعلمني ... لما تثني وشاحه القلقا)
أحسن مِنْهُ قَوْله أبي تَمام
(وَإِذا مشت تركت بقلبك ضعف مَا ... يحليها من كَثْرَة الوسواس)
رَجَعَ
(أَوْرَق بالْحسنِ نبت عَارضه ... وَأحسن الْغُصْن مَا اكتسى الورقا)
стр. 704
(يمدلي من عذاره مُشْركًا ... يطول فِيهِ عَذَاب من علقا)
(وَيحمل الصُّبْح تَحت ليل دجى ... فَوق قضيب على كثيب نقا)
(أخذت بِالْمذهبِ الصَّحِيح وَقد ... تفرق النَّاس فِي الْهوى فرقا)
(مقسمين الحظوظ بَينهم ... فِي الْحبّ قسمى سَعَادَة وشقا)
وَله من قصيدة يذكر فِيهَا منتزهات حلب
(أَلا لَيْت مَا بيني وَبَيْنك من بعد ... على الْقرب مابين الْقُلُوب من الود)
(غرامي غرامي والهوى ذَلِك الْهوى ... قَدِيما ووجدي فِي محبتكم وجدي)
(وَوَاللَّه مَا تَغَيَّرت بعدكم ... لبين فَهَل أَنْتُم تغيرتم بعدِي)
(تذكرت أيامي وعودي بمائه ... وعيشي بكم لَو دَامَ فِي جنَّة الْخلد)
(وَقلت تديموني على الْقرب دَائِما ... فخالفتموني واتفقتم على الْبعد)
(وَلَيْلَة غاظ الْبَدْر فِيهَا اجتماعنا ... فَكُنَّا نرى فِي وَجهه أثر الحقد)
(وملتقطات من فُؤَادِي تجتنى ... أَحَادِيث أحلى مجتنى من جنى الشهد)
(ألذ من المَاء القراح على الظما ... وأعذب من طيب الْكرَى عقب السهد)
(وبالبقعة الْغناء من سفح جوشن ... فَتلك الربى فالسفح من جوشن الْفَرد)
(كَانَا على شاطىء مجر قويقها ... وَقد أشرف السعدى بكم أنجم السعد)
(تَجِد بِنَا أهواؤنا فحلو منا ... موفرة فِيهَا على الْهزْل وَالْجد)
(وَكم بردت للتل عين قريرة ... سُرُورًا بِنَا والشمل مُنْتَظم العقد)
(لبسنا لَهَا وَاللَّيْل يعثر بالصبا ... بَقِيَّة قطع من دجى اللَّيْل مسود)
(مَنَارَة قطر لابس الْقطر نورها ... فألبسها مِمَّا ينيل وَمَا يسدى)
(رياض حكى الْبرد الْيَمَانِيّ وشيها ... وشاطىء غَدِير مثل حَاشِيَة الْبرد)
(تحرى بهَا النوروز فصل اعتداله ... فَعدل فِيهَا قسْمَة الْحر وَالْبرد)
(وَمن ورق للورد يصقله الندى ... فَيجْرِي يجاري الدمع من حمرَة الخد)
(فيا نعْمَة أغفلتها فتصرمت ... مَضَت لم أقيدها بشكر وَلَا حمد)
وَقد تضمن أَكثر شعره مدح الشَّهْبَاء تبعا للْمُتَقَدِّمين كَقَوْل البحتري
(أَقَامَ كل ملث الودق رجاس ... على ديار بعلو الشَّام أدراس)
(فِيهَا العلوة مصطاف ومرتبع ... من بانقوسا وبابلي وبطياس)
(منَازِل أنكرتها بعد معرفَة ... وأوحشت من هوانا بعد إيناس)
стр. 705
(يَا علو لَو شِئْت أبدلت الصدود لنا ... وصلا ولان لصب قَلْبك القاسي)
(هَل لي سَبِيل إِلَى الطهران من حلب ... ونشوة بَين ذَاك الْورْد والآسى)
وكقول ابْن الخفاجي
(وَحل عُقُود المزن فِي حجراته ... نسيم بأدواء الْقُلُوب خَبِير)
(فَمَا ذكرته النَّفس إِلَّا تبادرت ... مدامع لَا يخفى لَهُنَّ ضمير)
وكقول أبي فراس
(الشَّام لَا بلد الجزيرة لذتي ... وقويق لَا مَاء الْفُرَات منائي)
(وأبيت مُرْتَهن الْفُؤَاد بمنيح ... الزَّوْرَاء لَا بالرقة الْبَيْضَاء)
وكقول الْمُهَذّب عِيسَى الْحلَبِي
(يَا حبذا التلعات الْخضر من حلب ... وحبذا طلل بالسفح من طلل)
(يَا سَاكِني الْبَلَد الْأَقْصَى عَسى نفس ... من سفح جوشن يطفى لاعج الغلل)
وكقول أبي بكر الصنوبري
(قويق على الصَّفْرَاء ركب مَتنه ... رباه بِهَذَا شَاهد وحدائقه)
(فَإِن جد جد الصَّيف غادر جِسْمه ... ضيئلاً وَلَكِن الشتَاء يُوَافقهُ)
وَهَذَا الْبَاب وَاسع جدا فلنقتصر مِنْهُ على هَذَا الْمِقْدَار فَفِيهِ غنية وجوشن اسْم مَوضِع بحلب وقويق بِضَم الْقَاف على فعيل مصغر أنهر صَغِير بِظَاهِر حلب يجْرِي فِي الشتَاء وَالربيع وَيَنْقَطِع فِي الصَّيف وَقد ذكرته الشُّعَرَاء فِي أشعارهم كثيرا وبطياس بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الطَّاء الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء الْمُثَنَّاة من تحتهَا وَبعد الْألف سين مُهْملَة وَهِي قَرْيَة كَانَت بِظَاهِر حلب ودثرت وَلم يبْق مِنْهَا الْيَوْم أثر وبانقوسا وبابلي مكانان معروفان بحلب انْتهى ووفاة سرُور كَانَت فِي حُدُود الْعشْرين بعد الْألف بالتقريب كَمَا يرشد إِلَى ذَلِك مدائحه فِي بني سَيْفا وَالله أعلم
سعد الدّين بن مُحَمَّد بن حُسَيْن بن حسن وَتقدم ذكر تَتِمَّة نسبه فِي تَرْجَمَة أَخِيه إِبْرَهِيمُ الشَّيْخ الْجواد المربي الدِّمَشْقِي القبيباتي الجباوي الشَّافِعِي أحد مَشَايِخ الصُّوفِيَّة بِدِمَشْق تولى مشيخة بَيتهمْ بعد أَخِيه مُحَمَّد وتصدى لتلقي الصُّوفِيَّة وَالزُّوَّارِ بزاويتهم الْمَعْرُوفَة بهم بمجلة القبيبات وَكَانَ يُقيم ميعاد الذّكر يَوْم الْجُمُعَة بالجامع الْأمَوِي وعلت كَلمته وعظمت حرمته وَأَنْشَأَ أملاكاً وعقارات كَثِيرَة وَحج فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف فَتوفي بمنى وَحمل إِلَى مَكَّة وَدفن بالمعلاة عِنْد العرابي وَكَانَت
стр. 706
وَفَاته فِي خَامِس عشر ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة
سعودي بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْغَزِّي العامري الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي مفتي الشَّافِعِيَّة بِدِمَشْق وَابْن مفتيها وَابْن ابْن مفتيها رُؤَسَاء الْعلم بِالشَّام وكبراؤه وشهرة بَيتهمْ لَا تحْتَاج إِلَى بَيَان وَكَانَ سعودي هَذَا فَاضلا وجيهاً رَقِيق الطَّبْع متساوي الْأَطْرَاف أَخذ الْفِقْه والْحَدِيث عَن جده لأمه الشهَاب أَحْمد العيثاوي الْمُقدم ذكره وَعَن وَالِده النَّجْم وسافر فِي خدمته إِلَى الْحَج فِي سنة أَربع عشرَة بعد الْألف وَإِلَى الرّوم فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَلما حج وَالِده فِي سنة سبع وَأَرْبَعين أَقَامَهُ مقَامه فِي خدمَة فَتْوَى الشَّافِعِيَّة فباشرها وَظَهَرت كِفَايَته وحمدت سيرته ثمَّ مَاتَ أَبوهُ فِي سنة سِتِّينَ فاستقل بهَا وَأعْطى عَنهُ الْمدرسَة الشامية البرانية ودرس الحَدِيث تَحت قبَّة النسْر من جَامع بني أُميَّة وابتدأ من مَحل انْتهى إِلَيْهِ درس وَالِده فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَكَانَ وقف فِي آخر درس قَرَأَهُ على بَاب الْبكاء على الْمَيِّت وَاسْتمرّ مُدَّة يُفْتِي ويدرس وَله الْقبُول التَّام والتقدم بَين أَبنَاء نَوعه وَكَانَ حسن المطارحة وَالْأَدب وينسب إِلَيْهِ من الشّعْر شَيْء قَلِيل فَمن ذَلِك مَا رَأَيْته مَنْسُوبا إِلَيْهِ فِي بعض المجاميع وَلَا أتحققه وَذَلِكَ قَوْله فِي صَاحب لَهُ
(لي صَاحب فِي نَقله مَا حكى ... للكذب عَن آبَائِهِ وَارِث)
(فَكل مَا يَنْقُلهُ مثل مَا ... قَالَ الحريري حكى الْحَارِث)
وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي أواسط ذِي الْقعدَة سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة آبَائِهِ بتربة الشَّيْخ أرسلان قدس الله تَعَالَى سره الْعَزِيز
سعيد بن عبد الرَّحْمَن بابقي الْحَضْرَمِيّ القيدوني بَلَدا الدوعني جِهَة الشَّيْبَانِيّ نسبا ثمَّ الْمَكِّيّ الشَّافِعِي الإِمَام الرباني والعارف الصمداني كَانَ من العارفين بِاللَّه تَعَالَى الواقفين مَعَ الْكتاب وَالسّنة وَكَانَ يتَكَلَّم عَن طَرِيق الصُّوفِيَّة بِمَا يبهر الْأَلْبَاب وَيحل مشكلات الْمُحَقِّقين على الْوَجْه الصَّوَاب مَعَ كَثْرَة الْعِبَادَة والتلاوة لِلْقُرْآنِ والتوجه إِلَى الله تَعَالَى فِي سره وعلانيته ولد كَمَا أخبر هُوَ بِهِ بعض تلامذته يَوْم الْجُمُعَة عَاشر الْمحرم سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَحفظ الْقُرْآن واشتغل بِالْعلمِ على كثيرين من الحضارمة واليمنيين وساح مُدَّة مديدة فِي الْيمن وَدخل الْهِنْد وجال فِي بِلَاده ثمَّ رَجَعَ إِلَى عدن ورحل مِنْهَا إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَأقَام بِمَكَّة وَأخذ بهَا عَن الْأُسْتَاذ
стр. 707
الشَّيْخ أبي الْحسن الْبكْرِيّ واشتهر ذكره واعتقده النَّاس وخضعت لَهُ الْعلمَاء الْأَعْلَام وَأخذ عَن جمع من أكَابِر الْعلمَاء الْأَعْيَان كالسيد الْجَلِيل سَالم بن أَحْمد شَيْخَانِ وكراماته أشهر من أَن تذكر وَأعظم من أَن تحصر وَكَانَت وَفَاته فِي يَوْم الْجُمُعَة عَاشر محرم سنة سبع عشرَة وَألف بِمَكَّة وَدفن ببيته بجبل أبي قبيس وقبره درياق مجرّب لقَضَاء الْحَوَائِج
سقر بن عمر اليفاوي الْمصْرِيّ الْوَلِيّ الصَّالح المجذوب ذكره الإِمَام عبد الرؤوف الْمَنَاوِيّ فِي طَبَقَات الْأَوْلِيَاء وَقَالَ كَانَ لَهُ الْقدَم الراسخة فِي الْولَايَة والكرامات الخارقة الَّتِي لَا يشك فِيهَا وَمِمَّا ذكر عَنهُ من أطواره أَنه كَانَ إِذا قرىء بِحَضْرَتِهِ الْقُرْآن خشع وَإِذا تلِي عَلَيْهِ كَلَام الْقَوْم هام وَخرج قَالَ وَوَقع لي مَعَه أُمُور غَرِيبَة وسمعته يقْرَأ الْقُرْآن بِقِرَاءَة مرتلة عَظِيمَة مَعَ أَنه لم يكن قارياً وَلَا مِمَّن حضر حَافِظًا وَكَانَت وَفَاته فِي أواسط سنة سِتّ وَعشْرين وَألف غريقاً بالخليج سقط بِنَفسِهِ وَدفن بِالْقربِ من عبد الْقَادِر الدشطوطي بِخَط بَاب الشعرية قَالَ ورأيته بعد مَوته حَيا وَهُوَ يَقُول سترى يَا فلَان فِيمَن فعلوا بِنَا رَحمَه الله تَعَالَى
سُلْطَان بن أَحْمد بن سَلامَة بن إِسْمَاعِيل أَبُو العزائم المزاحي الْمصْرِيّ الْأَزْهَرِي الشَّافِعِي إِمَام الْأَئِمَّة وبحر الْعُلُوم وَسيد الْفُقَهَاء وخاتمة الْحفاظ والقراء فريد الْعَصْر وقدوة الْأَنَام وعلامة الزَّمَان الْوَرع العابد الزَّاهِد الناسك الصوام القوام قَرَأَ بالروايات على الشَّيْخ الإِمَام المقرىء سيف الدّين بن عَطاء الله الفضالي بِفَتْح الْفَاء الْبَصِير وَأخذ الْعُلُوم الدِّينِيَّة عَن النُّور الزيَادي وَسَالم الشبشيربي وَأحمد بن خَلِيل السُّبْكِيّ وحجازي الْوَاعِظ وَمُحَمّد القصري تلميذ الشَّمْس مُحَمَّد الشربيني الْخَطِيب واشتغل بالعلوم الْعَقْلِيَّة على شُيُوخ كثيرين ينيفون على ثَلَاثِينَ وأجيز بالإفتاء والتدريس سنة ثَمَان بعد الْألف وتصدر بالأزهر للتدريس فَكَانَ يجلس فِي كل يَوْم مَجْلِسا يقرى فِيهِ الْفِقْه إِلَى قبيل الظّهْر وَبَقِيَّة أوقاته موزعة لقِرَاءَة غَيره من الْعُلُوم وانتفع النَّاس بمجلسه وبركة دُعَائِهِ وطهارة أنفاسه وَصدق نِيَّته وصفاء ظَاهره وباطنه وموافقة قَوْله لعمله وَأخذ عَنهُ جمع كثير من الْعلمَاء الْمُحَقِّقين مِنْهُم الشَّمْس البابلي والعلامة الشبراملسي وَعبد الْقَادِر الصفوري وَمُحَمّد الخباز البطنيني الدمشقيان وَمَنْصُور الطوخي وَمُحَمّد البقري وَمُحَمّد بن خَليفَة الشَّوْبَرِيّ وَإِبْرَاهِيم المرحومي وَالسَّيِّد أَحْمد الْحَمَوِيّ وَعُثْمَان النحراوي وشاهين الأرمناوي
стр. 708
وَمُحَمّد البهوتي الْحَنْبَلِيّ وَعبد الْبَاقِي الزّرْقَانِيّ الْمَالِكِي وَمِنْهُم أَحْمد البشبيشي وَغَيرهم مِمَّن لَا يُحْصى كَثْرَة وَجَمِيع فُقَهَاء الشَّافِعِيَّة بِمصْر فِي عصرنا لم يَأْخُذُوا الْفِقْه إِلَّا عَنهُ وَكَانَ يَقُول من أَرَادَ أَن يصير عَالما فليحضر درسي لِأَنَّهُ كَانَ فِي كل سنة يخْتم نَحْو عشرَة كتب فِي عُلُوم عديدة يقْرؤهَا قِرَاءَة مفيدة وَكَانَ بَيته بَعيدا من الْجَامِع الْأَزْهَر بِقرب بَاب زويلة وَمَعَ ذَلِك يَأْتِي إِلَى الْأَزْهَر من أول ثلث اللَّيْل الْأَخير فيستمر يُصَلِّي إِلَى طُلُوع الْفجْر ثمَّ يُصَلِّي الصُّبْح إِمَامًا بِالنَّاسِ وَيجْلس بعد صَلَاة الصُّبْح إِلَى طُلُوع الشَّمْس لإقراء الْقُرْآن من طَرِيق الشاطبية والطيبة والدرة ثمَّ يذهب إِلَى فسقية الْجَامِع فيتوضأ وَيُصلي وَيجْلس للتدريس إِلَى قرب الظّهْر هَذَا دأبه كل يَوْم وَلم يره أحد يُصَلِّي قَاعِدا مَعَ كبر سنه وَضَعفه وَألف تآليف نافعة مِنْهَا حَاشِيَته على شرح الْمنْهَج للْقَاضِي زَكَرِيَّا فِي فقه الشَّافِعِي كَانَت بقيت فِي نسخته فجردها تِلْمِيذه الشَّيْخ مُطَاوع وَله مؤلف فِي القراآت الْأَرْبَع الزَّائِدَة على الْعشْر من طَرِيق القباقبي وَذكره الْعَلامَة أَحْمد العجمي الْمُقدم ذكره فِي مشايخه الَّذين أَخذ عَنْهُم وَأطَال فِي تَرْجَمته وَذكره الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى فِي رحلته فَقَالَ فِي وَصفه شيخ الْقُرَّاء بِالْقَاهِرَةِ على الْإِطْلَاق ومرجع الْفُقَهَاء بالِاتِّفَاقِ رَافع لِوَاء مَذْهَب الإِمَام مُحَمَّد بن إِدْرِيس الْهمام من حَظه فِي الْعُلُوم موفور وسعيه فِيهَا مشكور ومعوّل عَلَيْهِ فِي منقولها ومطلع على فروعها وأصولها مَنْهَج الطلاب وقدوة أَرْبَاب الْفَرَائِض والحساب لم يُغَادر من قَوَاعِده كَبِيرَة وَلَا صَغِيرَة إِلَّا أحصاها وَلم يدع من مسَائِله جليلة وَلَا حقيرة إِلَّا استولى عَلَيْهَا وحواها قد رَجَعَ عُلَمَاء الْعَصْر إِلَى مقاله وعالهم بموائد فَوَائده فَأَصْبحُوا فِي هَذَا الْفَنّ من عِيَاله وَلَا غرو فَإِنَّهُ الْآن لعلماء الْأَزْهَر سُلْطَان وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء سَابِع عشري جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَسبعين وَألف وَتقدم للصَّلَاة عَلَيْهِ الشَّمْس البابلي وَدفن بتربة المجاورين وَقيل فِي تَارِيخ وَفَاته
(شَافِعِيّ الْعَصْر ولي ... وَله فِي مصر سُلْطَان)
(فِي جُمَادَى أرخوه ... فِي نعيم الْخلد سُلْطَان)
والمزاحي بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الزَّاي وَبعدهَا ألف وحاء مُهْملَة نِسْبَة إِلَى منية مزاح قَرْيَة بِمصْر
سُلَيْمَان بن أبي الْهدى الدَّاودِيّ الْمَقْدِسِي كَانَ قَاضِي الشَّافِعِيَّة بمحكمة الْقُدس
стр. 709
وَله علم وَمَعْرِفَة وَكَانَ مَأْمُون الغائلة ثمَّ فِي آخِره ترك المحكمة واختلى لِلْعِبَادَةِ وَكَانَ فِي آخر النّصْف الْأَخير من اللَّيْل يخْدم كتب الْعلم كِتَابَة وإصلاحاً وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف وَدفن بمأمن الله رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد سُلَيْمَان بن حسن بن عبيد الله اشْتهر جده عبد الله بباقيه وبالنساخ واشتهر هُوَ بطير الله الْمَشْهُور بالتواضع والمصافاة والموافقة والمراعاة ولد بتريم وَنَشَأ بهَا وَصَحب جمَاعَة من السَّادة العارفين وَغَيرهم من الْعلمَاء العاملين ثمَّ حبب إِلَيْهِ الارتحال فسافر إِلَى كثير من الْبلدَانِ وَلَقي جمَاعَة من أكَابِر الرِّجَال وَلزِمَ الطَّاعَات وَأكْثر من الْعِبَادَات وجانب المخالفات وَكَانَ متمسكاً بِالسَّبَبِ الْأَقْوَى من التَّقْوَى ملازماً للأذكار إِلَى أَن توفاه الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فِي سنة تسع بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى
سُلَيْمَان بن عَليّ اليساري أحد ظرفاء المصريين ولطفاء الفاضلين ولد بِمصْر وَنَشَأ بهَا وَتعلم الْأَدَب ونظم الشّعْر وَحج مرَارًا وجاور بِمَكَّة سنة ألف ومدح أَشْرَاف مَكَّة وأجازوه بِأَحْسَن الجوائز وطارح الأدباء الَّذين بهَا قَالَ الأديب أَحْمد بن مُحَمَّد الشَّاهِد اجْتمعت بِهِ فِي مجاورته بِمَكَّة وَجَاءَنِي يَوْمًا وَهُوَ فِي غَايَة القلق وَنِهَايَة التَّعَب والأرق شاكياً من شَيْئَيْنِ متعبين أَحدهمَا أَنه فَارق من يحب وَالْآخر أَنه قدم قصيدة إِلَى بعض الأكابر فَلم يجزه عَلَيْهَا بِشَيْء وَكنت أداعبه كثيرا فَقلت لَهُ يَا فلَان كَأَن لِسَان حالك فِي فِرَاق من هويت يتَمَثَّل بمحبوبك عَنْك حَيْثُ يَقُول
(كفى حزنا أَنِّي مُقيم ببلدة ... وَأَنت بِأُخْرَى مَا إِلَيْك وُصُول)
(إِذا لم يكن بيني وَبَيْنك مُرْسل ... فريح الصِّبَا مني إِلَيْك رَسُول)
وَفِي الثَّانِي بقول الثَّانِي
(وَإِن مُلُوك الأَرْض لم يحظ عِنْدهم ... من النَّاس إِلَّا من يَقُود ويصفح)
فاحمد الله تَعَالَى لَا أَنْت وَلَا أَنْت فتسلى سَاعَة وَكَانَ من الظرفاء قلت وَهَذَا اليساري لم يَتَيَسَّر لي من شعره شَيْء حَتَّى أثْبته لَهُ غير أَنه من المعروفين فِي الْقَاهِرَة بصنعة الشّعْر وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَلَاث بعد الْألف كَذَا رَأَيْته فِي بعض المجاميع رَحمَه الله تَعَالَى
سُلَيْمَان البابلي الْمصْرِيّ الْفَقِيه الشَّافِعِي الْمَشْهُور بِكَثْرَة الْإِحَاطَة والتضلع من الْفِقْه وَكَانَ كَبِير الشَّأْن عالي الْقدر كَامِل الأدوات مَقْبُول الْخِصَال تفقه بالشيخ عبد الرَّحْمَن بن الْخَطِيب الشربيني وَالشَّيْخ سَالم الشبشيري الْمُقدم ذكره وَأخذ
стр. 710
عَن النُّور الزيَادي وَرَأس فِي الْفتيا بعد وَفَاة شَيْخه الزيَادي فَكَانَ معول النَّاس عَلَيْهِ وانتفع بِهِ جمَاعَة مِنْهُم ابْن أُخْته الشَّمْس مُحَمَّد البابلي الْبَصِير وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَألف بِالْقَاهِرَةِ وَوصل الْخَبَر بِمَوْتِهِ إِلَى دمشق فِي عشري جُمَادَى الأولى مِنْهَا
سُلَيْمَان باشا الْوَزير نَائِب الشَّام كَانَ أَمِيرا خور السُّلْطَان وَولي مِنْهَا نِيَابَة الشَّاب ثمَّ جَاءَتْهُ الوزارة وَهُوَ بهَا دخل دمشق فِي أواسط شهر ربيع الثَّانِي سنة تسع وَعشْرين وَألف وَكَانَ يتَكَلَّم بِالْعَرَبِيَّةِ فصيحاً ويعظم الْعلمَاء ويحترمهم وَوَقع بَينه وَبَين الْمولى عبد الله بن مَحْمُود العباسي حِين كَانَ قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق وَكَانَ لَهُ شدَّة وتهور حَتَّى كتب لَهُ رقْعَة شَتمه فِيهَا فَصَبر عَلَيْهِ وعامله بالحلم وتعب النَّاس فِي الصُّلْح بَينهمَا ثمَّ عزل القَاضِي وعزل هُوَ بعده فولي كَفَالَة ديار بكر وَمَات بهَا فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف
سُلَيْمَان البوسنوي نزيل قسطنطينية الْمَشْهُور بمذاقى أحد بلغاء شعراء الرّوم وأذكيائهم وَكَانَ نديم الْوَزير الْأَعْظَم أَحْمد باشا الْفَاضِل وَمن خواصه وجلسائه الْمُتَقَدِّمين عِنْده وَلم يزل مكيناً لَدَيْهِ حظياً بالتفاته يُفْضِي إِلَيْهِ بسره ويأمنه على أخباره وَصَارَ كَاتب ديوانه وَلم يزل عِنْد أَرْبَاب الدولة فِي المكانة الْعلية لاستعداد ذاتي فِيهِ يقْضِي بتبجيله ولقربه من الْوَزير وَكَانَ قبل اتِّصَاله بِهِ جاب الْبِلَاد وساح الْآفَاق وَهُوَ على سمة الدراويش ولديه معارف وَعِنْده فَضَائِل وَدخل آخر أمره مصر وحاكمها أَيُّوب باشا فقربه وَأَدْنَاهُ وَعرف مكانته فَجعله كَاتب ديوانه وَصَاحب حلّه وعقده وَكَانَ شَدِيد التولع بالكيميا لَا يزَال يفحص عَنْهَا من كل من يجْتَمع بِهِ وَصرف عَلَيْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَة وبسببها اجْتمع بِكَثِير من أَرْبَاب الْمعرفَة والتقط من فوائدهم وحَدثني بعض أَصْحَابه عَنهُ أَنه اجْتمع فِي مصر بكنعان الكرجي الَّذِي اخترع البادزهر العملي الْمَعْرُوف بالكنعاني وَكَانَ ينْقل عَنهُ أَنه ابتدعه جربه لأمور كَثِيرَة مرَارًا وَصحت تجربته وَمن أفضل خواصه دفع السمُوم والآن قد اشْتهر أَمر هَذَا البادزهر وَرغب النَّاس فِيهِ وهم يتغالون فِي ثمنه وَذكر لي هَذَا النَّاقِل أَن صَاحب التَّرْجَمَة كَانَ يعرف كَيْفيَّة عمله وَكَانَ لَدَيْهِ معارف كَثِيرَة وَكنت وَأَنا بالروم أسمع خَبره وحرصت على الِاجْتِمَاع بِهِ فَلم يقدر لي وَتُوفِّي بعد ذَلِك بقسطنيطينية وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف
стр. 711
سهل بن أَحْمد بن سهل بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بجمل اللَّيَالِي اليمني القَاضِي الْمُفْتِي الْمدرس أحد مشاهير الْعلمَاء بِالْيمن ولد بتريم وَحفظ الْقُرْآن والإرشاد والملحة وتفقه بالشيخ عبد الرَّحْمَن بن علوي بافقيه وَأخذ الْأُصُول وَالْفِقْه والعربية عَن الشَّيْخ أَحْمد بن عمر عيديد والتصوف عَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بسقاف العيدروس ولازمه حَتَّى تخرج بِهِ وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة وَكَانَ يُحِبهُ ويثني عَلَيْهِ وَأذن لَهُ غير وَاحِد بالإفتاء والتدريس وَكَانَ جيد الْفَهم حسن الْحِفْظ وانتفع بِهِ كَثِيرُونَ وَأخذ عَنهُ الْجمال مُحَمَّد بن أبي بكر الشلي باعلوي وَطلب لقَضَاء تريم فَامْتنعَ حَتَّى أَشَارَ عَلَيْهِ شَيْخه الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن سقاف بِالْقبُولِ فَقبل وَلم يحفظ عَنهُ هفوة فِي إِفْتَاء أَو قَضَاء وَله كَلَام حسن الْموقع وَكَانَ وسيع البال يمِيل إِلَى الخمول وَبلغ من التَّوَاضُع مَا لَا يُوصف مَعَ البشاشة والشفقة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سِتّ وَسبعين وَألف بِمَدِينَة تريم وَدفن بمقبرة زنبل
سِنَان باشا الْوَزير الْأَعْظَم صَاحب الْآثَار الْعَظِيمَة فِي الْبِلَاد من جُمْلَتهَا الْجَامِع بِدِمَشْق خَارج بَاب الْجَابِيَة وَالْحمام والسوق الْمُتَّفق على حسن وضعهم ودقة صنعتهم وَله مثل ذَلِك فِي كل من القطيفة وسعسع وعيون التُّجَّار وعكة مَعَ خانات ينزلها المسافرون وَله ببولاق جَامع عَظِيم وَمثله بِالْيمن وقسطنطينية وَغَيرهَا من الْبِلَاد جَوَامِع ومساجد ومدارس وخانات وحمامات تنوف على الْمِائَة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أَكثر وزراء آل عُثْمَان آثاراً وأعظمهم نفعا للنَّاس وَكَانَ وزيراً عالي الْقدر رفيع الهمة ولي الْحُكُومَة بِمصْر فِي زمن سلطنة السُّلْطَان سليم بن سُلَيْمَان وَمن غَرِيب مَا وَقع لَهُ وَهُوَ حَاكم بهَا أَنه لما تعين الْوَزير لالا مصطفى باشا إِلَى فتح الْيمن سَار إِلَى مصر وتقاعس بهَا عَن السّير رَجَاء أَن تضم لَهُ إِمَارَة الْأُمَرَاء بِمصْر إِلَى سردارية العساكر الْمعينَة لليمن فاتفق مَعَ بعض خواصه أَن يضيف سِنَان باشا وَيَضَع لَهُ السم فِي المشروب ثمَّ دَعَاهُ فَأجَاب وَكَانَ الشَّيْخ أدهم بن عبد الصَّمد العكاري الْمُقدم طرف من أخباره فِي تَرْجَمَة ابْن جلال من معتقدي سِنَان باشا وَهُوَ عِنْده بِمَنْزِلَة مرشده ومربيه وَلَا يصدر فِي الْأُمُور إِلَّا عَن رَأْيه فاستدعاه وَقَالَ لَهُ قُم نَذْهَب إِلَى الضِّيَافَة فَقَالَ لَهُ وَالله مَا أَنا بذاهب مَعَك وَلَكِن احْتَرز أَنْت على نَفسك فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْك وَالْقَوْم عازمون على أَن يضروك فَلَمَّا قدمُوا إِلَيْهِ الْإِنَاء المسموم فِي مَاء الشّعير الْمحلى بالسكر لم يتَنَاوَل مِنْهُ شَيْئا ودعا بعض الْأُمَرَاء الْحَاضِرين إِلَى شربه فَقَالَ لَهُ من
стр. 712
دَعَاهُ أما أَنا فَلَا أشْرب من هَذَا الْإِنَاء فازداد وهمه فَقَالَ رجل وَاقِف للْخدمَة إِلَى مَتى تتوقفون فِي شربه وتناوله ليشربه فَلَمَّا وَضعه بَين شَفَتَيْه تناثر لحم فَمه فِي الْحَال وَوَقع مقدم أَسْنَانه وَسقط شعر لحيته فَألْقى الكاس من يَده وَعلم الْحَاضِرُونَ بالقصة فَقَامَ سِنَان باشا وَهُوَ يقْرَأ قَوْله تَعَالَى وَلَا يَحِيق الْمَكْر السيء إِلَّا بأَهْله ونادى بفرسه فركبها وَذهب ثمَّ عينه السُّلْطَان إِلَى الْيمن وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن إقليم الْيمن من صنعاء إِلَى عدن كَانَ دَاخِلا فِي حوزة سلاطيننا العثمانيين فِي أَيَّام السُّلْطَان سُلَيْمَان وَكَانَ لَهُ نَائِب وَاحِد وَاسْتمرّ زَمَانا إِلَى أَن فوضت حكومته لاثْنَيْنِ وَعين لكل مِنْهُمَا مَا حدّ من الْبِلَاد فَكَانَ ذَلِك باعث الِاخْتِلَاف والجدال وَكَانَ مطهر بن شرف الدّين يحيى الزيدي لعب الشَّيْطَان بعقله وسولت لَهُ نَفسه الْعِصْيَان فصادف انقسام المملكة وُصُول خبر وَفَاة السُّلْطَان سُلَيْمَان فَقطع الطَّرِيق وحاصر تعز وصنعا وسلب كثيرا من أُمَرَاء فَلَمَّا وصل الْخَبَر إِلَى السلطنة عينوا مصطفى باشا كَمَا تقدم ثمَّ عزلوه وعينوا مَكَانَهُ سِنَان باشا سردار على العساكر فَتوجه وَأصْلح مَا كَانَ اخْتَلَّ واستنقذ مَا كَانَ مطهر أَخذه بعد وقائع وَأُمُور يطول شرحها وَهِي مَذْكُورَة فِي تَارِيخ القطب الْمَكِّيّ وَفِي ذَلِك يَقُول بَعضهم من أَبْيَات
(وَمَا يمن إِلَّا ممالك تبع ... وناهيك من ملك قديم وَمن فَخر)
(تَملكهَا من آل عُثْمَان إِذْ مَضَت ... بَنو طَاهِر أهل الشآمة وَالذكر)
(فَهَل يطْمع الزيدي فِي ملك تبعٍ ... وَيَأْخُذهُ من آل عُثْمَان بالمكر)
(أَبى الله وَالْإِسْلَام وَالسيف والقنا ... وسر أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي بكر)
ثمَّ إِنَّه بعد تمهيد هَذَا الْأَمر عَاد فَدخل مَكَّة المشرفة وَحج حجَّة الْإِسْلَام وصادف الْحَج فَلم يفته وَأَنْشَأَ بِمَكَّة آثاراً حَسَنَة مِنْهَا تعمير حَاشِيَة المطاف دَائِرَة حوله مفروشة بالحصى يَدُور بهَا دور حِجَارَة منحوتة مَبْنِيَّة حول الْحَاشِيَة كالإفريز لَهَا فَأمر أَن تفرش هَذِه الْحَاشِيَة بِالْحجرِ الصوان المنحوت ففرشت بِهِ فِي أَيَّام الْمَوْسِم وَصَارَ محلا لطيفاً دائراً بالمطاف من بعد أساطينه وَصَارَ مَا بعد ذَلِك مفروشاً بالحصى الصغار كَسَائِر الْمَسْجِد الْحَرَام وَهَذَا الْأَثر خَاص بِهِ وَمِنْهَا تعميره سَبِيل التَّنْعِيم أنشأه وَأمر بإجراء المَاء إِلَيْهِ من بِئْر بعيدَة يجْرِي المَاء مِنْهَا إِلَى السَّبِيل فِي ساقية مَبْنِيَّة فِيمَا بَينهمَا بالحصى والنورة وَعين لَهَا خَادِمًا يَسْتَقِي من الْبِئْر وَيصب فِي الساقية فيصل المَاء إِلَى السَّبِيل ليشْرب مِنْهُ وَيتَوَضَّأ المعتمرون وَعين لمصارف ذَلِك من ريع أوقاف لَهُ بِمصْر
стр. 713
وَمِنْهَا آبار حفرهَا بِقرب الْمَدِينَة المنورة لقوافل الزوار فِي وَادي مُفَرع وَغَيرهَا كَثِيرَة النَّفْع جدا وَمِنْهَا قِرَاءَة ختمة شريفة فِي كل يَوْم يقْرؤهَا ثَلَاثُونَ نَفرا بِمَكَّة وَأُخْرَى بِالْمَدِينَةِ ثمَّ بعد أَن قدم إِلَى تخت السلطنة عينه السُّلْطَان سليم إِلَى فتح حلق الْوَادي بِبِلَاد تونس الغرب وَكَانَ النَّصَارَى استولوا عَلَيْهَا بِسَبَب الِاخْتِلَاف الْوَاقِع بَين سلاطين الغرب من آل حَفْص فَصَارَ بَعضهم يقوى على بعض بالفرنج وأطمعوهم فِي بِلَاد الْمُسلمين فاستولوا عَلَيْهَا وتمكنوا مِنْهَا وحصنوا الْحُصُون وأحكموا المقلاع بِحَيْثُ أيس الْمُسلمُونَ من فتحهَا وصاروا تَحت حكم الفرنج وَأخذُوا مملكة تونس وَوَضَعُوا السَّيْف فِي أَهلهَا فَقتلُوا الرِّجَال وَسبوا النِّسَاء وَالْأَوْلَاد فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان سليم ذَلِك أرسل مِائَتي غراب مشحونة بالأبطال والمدافع وَآلَة الْحَرْب وَعين مَعَهم سِنَان باشا وقلج عَليّ باشا وَكَانَت غَزْوَة مَشْهُورَة من أعظم غزوات بني عُثْمَان يحْتَاج إِلَى تفصيلها الْمُؤلف فنقتصر مِنْهَا على خلاصتها وَهُوَ أَن الْمُسلمين انتصروا على الْكفَّار وَقتلُوا مِنْهُم نَحْو عشرَة آلَاف مَعَ الْحصار المديد والقتال وَمن الْعجب أَن الفرنج كَانَت بنت هُنَاكَ حصاراً حصيناً وقلعة منيعة أَقَامُوا فِي استحكامها وإتقان بنائها ثَلَاثًا وَأَرْبَعين سنة فافتتحها سِنَان باشا فِي ثَلَاث وَأَرْبَعين يَوْمًا من أَيَّام محاصرتها وَذَلِكَ فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ خرب الْوَزير القلاع والحصون فَلم يبْق لَهَا رسم ثمَّ توجه سِنَان باشا إِلَى دَار السلطنة فولى بعد مُدَّة الوزارة الْعُظْمَى وَذَلِكَ فِي زمن السُّلْطَان مُرَاد الثَّالِث فِي شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ عزل عَنْهَا وَولي بعْدهَا نِيَابَة الشَّام وَشرع فِي عمَارَة الْجَامِع الْمَذْكُور أَولا ثمَّ ولي الوزارة الْعُظْمَى بعد ذَلِك أَربع مَرَّات عزل من الثَّالِثَة فِي شهر ربيع الأول سنة أَربع بعد الْألف وَصَارَ مَكَانَهُ لالا مُحَمَّد باشا فَبعد ثَلَاثَة أَيَّام توفّي مُحَمَّد باشا فأعيد إِلَى مَكَانَهُ وَلم تطل مدَّته فَتوفي فِي شعْبَان من تِلْكَ السّنة وَكَانَ فِي أحد تولياته الوزارة تعين لمحاربة الْكفَّار المعروفين بالنمسة ووقفت على تَرْجَمَة لَهُ تَرْجَمَة بهَا منشيء الدِّيوَان عبد الْكَرِيم بن سِنَان ذكر فِيهَا غَزوه مَعَ الْكَفَرَة وَمن زبدتها قَوْله مَلأ بقتلاهم الهضب وَالْبِقَاع وَأخذ مِنْهُم القلاع وَالْبِقَاع وجبر قُلُوب الْإِسْلَام بِكَسْر الصلبان والأصنام وَمن غَرِيب فتوحاته تسخيراً لحصن الموسوم بيانق وَهُوَ على مَا يُقَال لسماك السَّمَاء معانق أحكمت يَد الدَّهْر بُنْيَانه وَقد أزرى بالهرم فِي الحصانه وَأَهله يقطفون
стр. 714
بِأَيْدِيهِم نرجس الْكَوَاكِب ويثقبون بأسنتهم دراري الثواقب
(يزر عَلَيْهِ الجو جيب غمامه ... ويلبسها من رونق الأنجم الزهر)
وَقد أحاطت بِهِ الْأَنْهَار إحاطة الهالات بالأقمار وَكم ورد فِيهَا لحياض الْمنية من ورد وَلبس من حبكها المنسوج بيد الشمَال زرداً على زرد
(فبالله من عجب دلاص ... يردّ بِهِ الْحمام غَدَتْ حَماما)
وتيسر فَتحه فِي نَحْو سبعين يَوْمًا وجفون الْغُزَاة لم تكتحل بِغَيْر نقع الهيجاء وَلم تذق نوماً وَقد تثبتوا فِي الْحَرْب تثبت الْجبَال علما بِأَنَّهَا بَين الرِّجَال سِجَال فهناك باحت أغماد السيوف بأسرارها فطارت غربان البنادق من أوكارها وَكم قَتِيل غَدا بألسنة الأسنة مكلماً وأصبحت درعه تبْكي عَلَيْهِ بِأَلف عين دَمًا والأعداء كَأَنَّمَا أَجْسَادهم جرائر يحملهَا من الدِّمَاء السَّيْل وكأنما رؤوسهم أكر تلعب بهَا صوالج الْأَيْدِي والأرجل من الْخَيل شكرا لله مساعيه الراضية وأحله فِي قُصُور الْجنان الْعَالِيَة انْتهى
سِنَان باشا الْوَزير حَاكم الْيمن كَانَ كتخدا حسن باشا صَاحب الْيمن الْمُقدم ذكره وَلما طَالَتْ مُدَّة الْوَزير حسن باشا فِي الْيمن وَأَرَادُوا عَزله مِنْهُ وَخُرُوجه على وَجه مستحسن أنعم السُّلْطَان بِبِلَاد الْيمن لكتخدانه سِنَان باشا الْمَذْكُور فَتوجه حسن باشا إِلَى الْأَبْوَاب الْعلية فِي حادي عشري صفر سنة ثَلَاث عشرَة بعد الْألف وَكَانَ سِنَان باشا الْمَذْكُور على مَا قَالَ الشَّاعِر
(ملك سِنَان قناته وبنانه ... يتباريان دَمًا وَعرفا ساكبا)
وَلما اسْتَقر فِي الْيمن وَظهر من شيخ البدو عَليّ بن فلاح تعدو وأخاف الطرقات وهم قَبيلَة وَاسِعَة بِلَادهمْ مَا بَين بِلَاد ذمار وسنحان مسيرَة يَوْم وَاحِد من صنعاء أرسل عَلَيْهِم جَيْشًا جراراً فمزقهم كل ممزق فأطاعوا وسلموا رهاين فأنعم عَلَيْهِم بِالْعَفو وَكَانَ عقيب ذَلِك ظُهُور الإِمَام الْقَاسِم من بِلَاد الشرق من برض إِلَى بِلَاد وَادعَة إِلَى جِهَة الظَّاهِر وَقد دارت بَينه وَبَين الْأَمِير عبد الرَّحِيم بن عبد الرَّحْمَن بن المطهر حَاكم بِلَاد حجَّة والشرق مكاتبات على اتِّحَاد الْحَال بَينهمَا بِفَتْح الْحَرْب على السلطنة ووثب الإِمَام على سَائِر الْقَبَائِل بجاري عَادَته الأولى فَأَجَابُوهُ وَقَامَت الْحَرْب على سَاقهَا فَوجه الْوَزير سِنَان المحاط إِلَى جِهَة عبد الرَّحِيم وَلم يزل على الْحَرْب حَتَّى ضعفت أَحْوَال الإِمَام الْقَاسِم عَن مُقَابلَة مَا لديهم من العساكر وَعطف بِأَكْثَرَ العساكر
стр. 715
على عبد الرَّحِيم وتكاثروا عَلَيْهِ ولحقه التَّعَب وَكَاد يشرف على العطب فحين رأى الإِمَام اشْتِغَال الْعَسْكَر بِعَبْد الرَّحِيم نَهَضَ على حصن شهاره وَسكن الإِمَام فِي شهاره والعساكر محدقون بِعَبْد الرَّحِيم فوصلت الْأَخْبَار أَن السُّلْطَان أنعم بِبِلَاد الْيمن على الْوَزير جَعْفَر باشا حَاكم بِلَاد الْحَبَشَة الْمُقدم ذكره فَخرج الْوَزير سِنَان من صنعا مُتَوَجها إِلَى الْأَبْوَاب الْعلية فِي رَجَب سنة سِتّ عشرَة بعد الْألف فَلَمَّا وصل إِلَى بندر المخا انْتقل إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى وَدفن إِلَى جَانب قبر القطب الشَّيْخ عَليّ بن عمر الشاذلي الْقرشِي نفع الله تَعَالَى بِهِ وَذَلِكَ فِي الْيَوْم الْخَامِس من شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ يحب الْعلمَاء والفقراء والصلحاء وَكَانَ محسناً جواداً وَكَانَ مَعَ ذَلِك سفاكاً وَمَضَت أَيَّامه بالفتن وآثار خيراته أَكثر من أَن تذكر وَمن الْعجب أَن حسن باشا مَاتَ فِي رَجَب وَسنَان باشا فِي شعْبَان وَكَانَا تمَكنا من الْيمن نَحْو ثَمَانِيَة وَعشْرين سنة وَكَانَت أيامهما زهرَة الْأَيَّام فِي الْيمن وَلما بلغ جَعْفَر باشا وَفَاته أرسل لضبط خزائنه عمر كتخداء فوصل إِلَى المخا وَاسْتولى عَلَيْهَا
سِنَان باشا الْمَعْرُوف بكوجك سِنَان نَائِب الشَّام هُوَ فِي الأَصْل من مماليك مَحْمُود باشا الْمَقْتُول فِي مصر سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة وتاريخ قَتله ظلمه وَكَانَ من جملَة خدمته أَيْضا مُرَاد باشا الَّذِي صَار آخرا وَزِير أعظم فِي دولة السُّلْطَان مُحَمَّد وَكَانَ هُوَ وَسنَان باشا فِي وَقت خدمتهما لمحمود باشا يتحابان وَبَينهمَا مَوَدَّة أكيدة وافترقا فَأَقَامَ سِنَان باشا فِي مصر وَذهب مُرَاد باشا إِلَى الرّوم وسما بِهِ حَظه حَتَّى ولي الوزارة الْعُظْمَى فَأرْسل إِلَى سِنَان باشا فِي مصر وَطَلَبه فورد إِلَيْهِ فِي حلب وَهُوَ مخيم هُنَاكَ وَكَانَ معينا لقِتَال الْخَوَارِج فَجعله بِمُجَرَّد قدومه أَمِير الْأُمَرَاء فِي بِلَاد قرمان وَذكر الْحسن البوريني فِي تَرْجَمته أَنه لما سَافر يَعْنِي البوريني من دمشق إِلَى حلب ورد إِلَى الْوَزير فِي مخيمه خَارج حلب فَرَأى سِنَان باشا ملازماً لَهُ فِي غَالب أوقاته قَالَ وَلما اجْتمعت بِهِ تذاكرت مَعَه السّفر إِلَى جَانب الْأَعْدَاء فَقلت لَهُ مَا نيتكم بعد كسر الْبُغَاة فَقَالَ نيتي أَن أَسِير إِلَى مصر لِأَن وطني بهَا وَشرع يذكر مَا لَهُ بِمصْر من العلائق وَالْأَمْوَال والعقارات وَالدَّوَاب والخيول وَيَقُول أَنا لي بِمصْر ملاذ ونعيم لَا يكون إِلَّا للسلاطين فَقلت لَهُ إِنَّمَا تسير من هُنَا إِلَى دمشق حَاكما بهَا فَأخذ يبعد ذَلِك وَيَقُول مَا خطر لي هَذَا وَلَا ترقبت إِلَيْهِ همتي وَأَنا لَا أَحْلف لَهُ أَنه لَا بدّ أَن يردّ إِلَى دمشق حَاكما بهَا فَعِنْدَ ذَلِك سكت ومدّ يَده إليّ وَقَالَ عاهدني على الْأُخوة الْكَامِلَة
стр. 716
الصادقة فمددت يَدي إِلَيْهِ وعاهدته وَكَانَ دَاعِيَة مَا صممت عَلَيْهِ من القَوْل أَنِّي قد رَأَيْت فِي الْمَنَام وَأَنا بحلب أَن بَاب دمشق قد أغلق وَأَن سِنَان باشا قد أَخذ مفاتحه بِيَدِهِ وَورد إِلَى الْبَاب وفتحه وَدخل رَاكِبًا إِلَى الْمَدِينَة وَمَعَهُ جمَاعَة مستكثرة ثمَّ فارقته وَتوجه هُوَ فِي خدمَة الْوَزير إِلَى توقات فولاه نِيَابَة دمشق ودخلها فِي يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشري شهر رَمَضَان سنة سبع عشرَة وَألف وَوَقع فِي زمن تَوليته أَن فرقة من عرب آل جَبَّار المعروفين بأولاد أبي ريشة نفروا من الْعرَاق بعد موت أَمِيرهمْ الْأَمِير أَحْمد بن أبي ريشة فوصلوا إِلَى نواحي تدمر وانضم إِلَيْهِم قوم من طَائِفَة السكبانية الَّذين هربوا من وقْعَة الْأَمِير عَليّ بن جانبولاذ فعاثوا فِي تِلْكَ الْبِلَاد وَقَطعُوا الطَّرِيق وَلما ورد من حلب الْعَسْكَر الْمصْرِيّ الَّذِي كَانَ قد طلب لقِتَال كَبِير السكبانية مُحَمَّد بن قلندر وَالْأسود سعيد فَوَرَدُوا إِلَى حلب ثمَّ إِلَى بِلَاد السوَاد فَكَانَ الْوَزير مُرَاد باشا رَأس العساكر السُّلْطَانِيَّة فَالتقى جَيش السُّلْطَان مَعَ جَيش الْبُغَاة فغلب عَسْكَر السُّلْطَان وهرب مِنْهُم جمع وَمن جملَة الهاربين بَين الْجَمَاعَة الْمَذْكُورين وَكَانُوا فِي الْعدَد نَحْو أَرْبَعمِائَة سكباني فَلَمَّا انضموا إِلَى الْعَرَب الْمَذْكُورين كَانَ السكبان يضْربُونَ بالبندق وَالْعرب يضْربُونَ بِالرِّمَاحِ وَالسُّيُوف وَأخذُوا قلعة القسطل وقلعة القطيفة ونهبوا المعصرة وَقتلُوا بهَا من الرِّجَال وَالنِّسَاء مَا يزِيد على عشرَة أشخاص فَلَمَّا بالغوا بِالْقَتْلِ والنهب والغارة والعدوان قصدهم سِنَان باشا وَمَعَهُ الْعَسْكَر الشَّامي وانضم إِلَيْهِم عرب المفارجة وَكَبِيرهمْ عَمْرو بن جبر فأدركوا الْعَرَب والسكبان فِي نواحي قلعة القطراني فَقتلُوا من السكبان نَحْو ثلثمِائة رجل وأمسكوا مِنْهُم نَحْو خمسين رجلا ودخلوا بهم إِلَى دمشق راكبين للجمال وعَلى كتف كل وَاحِد مِنْهُم خَشَبَة طَوِيلَة هِيَ خازوق لَهُ وَفِي الْيَوْم الثَّانِي أتلفوهم وَفرقُوا أَجْسَادهم على المحلات بِدِمَشْق وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن سِنَان باشا هَذَا أعْطى من السعد فِي أُمُوره مَا لم يُعْط لأحد من الْحُكَّام وَبعد عَزله من دمشق أعْطى كَفَالَة حلب وَتُوفِّي بعد ذَلِك وَلم يذكر البوريني فِي تَارِيخه وَفَاته وَالظَّاهِر من فحوى كَلَامه أَن وَفَاته لم تتجاوز الْعشْرين من هَذَا الْقرن بِكَثِير وَالله أعلم
سِنَان باشا ابْن مَحْمُود نزيل دمشق ومتولى الْجَامِع الْأمَوِي بهَا أَمِير الْأُمَرَاء وَصدر أَعْيَان الشَّام فِي وقته أَصله من قَرْيَة دورلى بِكَسْر الدَّال الْمُهْملَة وَبعدهَا وَاو مَكْسُورَة وَرَاء سَاكِنة وَلَام مَكْسُورَة من ضواحي قرمان ورد إِلَى دمشق فِي خدمَة
стр. 717
الْوَزير مصطفى باشا الخناق نَائِب الشَّام فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَبَعْدَمَا عزل مخدومه أَقَامَ هُوَ بِدِمَشْق وَصَارَ من جندها وَصَارَ زعيم دمشق مَرَّات وسرداراً بِخِدْمَة المحكمة وَصَارَ محتسباً مُدَّة طَوِيلَة وأحدث بهَا ثَمَان عشرَة بِدعَة بَاقِيَة إِلَى يَوْمنَا ثمَّ ترقى حَتَّى صَار باشجاويش وَحج سنتَيْن وَعمر دَارا قبالة البيمارستان النوري تعرف قَدِيما بدار الصَّابُونِي والصابوني هَذَا هُوَ صَاحب جَامع الصابونية وَبعد مُدَّة صَار كتخدا الْجند وسلك سلوكاً غَرِيبا حَتَّى فاق من قبله وأتعب من بعده وَكَانَ سخياً إِلَى الْغَايَة وَله بذل وعطايا وقرى ثمَّ صَار أَمِير الْحَاج وَأعْطى حُكُومَة نابلس فحج بِالنَّاسِ سنتَيْن وَذَلِكَ سنة تسع وَخمسين وَسنة سِتِّينَ ثمَّ عزل ورق حَاله وَلم يتَغَيَّر عَن كرمه ثمَّ سعى لَهُ بعض الْأَعْيَان وصيره أَمِير الْأُمَرَاء بالقدس وَبَعْدَمَا عزل عَنْهَا عَاد مديوناً وتضعضع حَاله وَكثر عَلَيْهِ الدّين حَتَّى بَاعَ أملاكه وسافر إِلَى الرّوم فَلم يحصل لَهُ منصب بل صَارَت لَهُ علوفة فِي خزينة دمشق على سَبِيل التقاعد وَذَلِكَ فِي سنة تسع وَسِتِّينَ ثمَّ صَار مُتَوَلِّي أوقاف الْجَامِع الْأمَوِي وَلما قدم الْوَزير أَحْمد باشا الْفَاضِل جعله كتخدا الدفتر بِدِمَشْق وَهَذِه الْخدمَة تتَعَلَّق بأرباب التيمار وَأهل الزعامات وَمن يتولاها يكون ضابطاً لَهُم فانتظم حَاله وتنبه من رقدة الخمول قَالَ وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى فِي تَرْجَمته وَبَعْدَمَا ناهز الثَّمَانِينَ ابتلى بمحبة غُلَام كَانَ عِنْده من الخدام وَلم يكن عهد فِي طبعه الرقة وَلَا عرف للغرام حَقه وَبَعْدَمَا تحكم عشقه فِيهِ نفر عَنهُ وَقصد تجافيه وخدم عِنْد الْوَزير قبلان نَائِب الشَّام وعسر عَلَيْهِ خلاصه من يَده واجتهد فِي تَحْصِيله غَايَة الِاجْتِهَاد فَلم يظفر مِنْهُ بِمُرَاد وَلم يزل يعاني فِيهِ الْغصَص ويتوقع مواقع الفرص إِلَى أَن مَاتَ وَمَا مَاتَت حسرته وخلفت أمْنِيته منيته وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْإِثْنَيْنِ ثَانِي شهر رَمَضَان سنة سِتّ وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِالْقربِ من مَزَار بِلَال الحبشي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
سيف الدّين أَبُو الْفَتْح ابْن عَطاء الله الوفائي الفضالي الْمقري الشَّافِعِي الْبَصِير شيخ الْقُرَّاء بِمصْر فِي عصره قَالَ بعض الْفُضَلَاء فِي حَقه فَاضل جني فواكه جنية من عُلُوم الْقُرْآن وَتقدم فِي علومه على الأقران قَرَأَ بالروايات على الشَّيْخَيْنِ الْإِمَامَيْنِ شحادة اليمني وَأحمد بن عبد الْحق وَبِهِمَا تخرج وَأخذ عَنهُ جمع من أكَابِر الشُّيُوخ مِنْهُم الشَّيْخ سُلْطَان المزاحي وَمُحَمّد بن عَلَاء الدّين البابلي وَله مؤلفات مفيدة نافعة مِنْهَا شرح بديع على الجزرية فِي التجويد ورسائل كَثِيرَة فِي القراآت وَكَانَت وَفَاته بِمصْر
стр. 718
بِمصْر يَوْم الِاثْنَيْنِ ثامن عشر جُمَادَى الأولى سنة عشْرين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
(حرف الشين الْمُعْجَمَة)
شاهين بن مَنْصُور بن عَامر الأرمناوي الْحَنَفِيّ أفقه الْحَنَفِيَّة فِي عصرنا الْأَخير بِالْقَاهِرَةِ اشْتهر صيته وسارت فَتَاوَاهُ فِي الْبِلَاد وَولد بِبَلَدِهِ وَحفظ الْقُرْآن والكنز والألفية والشاطبية والرحبية وَغَيرهَا ورحل إِلَى الْأَزْهَر فَقَرَأَ بالروايات على الشَّيْخ الْعَلامَة المقرى عبد الرَّحْمَن اليمني ولازم فِي الْفِقْه الإِمَام الشهَاب الشَّوْبَرِيّ وَأحمد المنشاوي وَأحمد الرِّفَاعِي وَحسن الشُّرُنْبُلَالِيّ وَفِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد الأحمدي الشهير بسيبويه تلميذ الْعَلامَة ابْن قَاسم الْعَبَّادِيّ ولازمه كثيرا وبشره بأَشْيَاء حصلت لَهُ وَأخذ عَن الْعَلامَة سري الدّين الدروري والنور الشبراملسي وسلطان المزاحي وَالشَّمْس البابلي وَيس الْحِمصِي وَمُحَمّد المنزلاوي وَعمر الدفري والشهاب القليوبي وَعبد السَّلَام اللَّقَّانِيّ وَإِبْرَاهِيم المأموني وَأَجَازَهُ جلّ شُيُوخه وتصدّر للإقراء فِي الْأَزْهَر فِي فنون عديدة كالفقه والفرائض والحساب والنحو وَغَيرهَا وَعنهُ أَخذ جمع من أَعْيَان الأفاضل وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَلَاثِينَ بعد الْألف وَتُوفِّي بِمصْر فِي سنة مائَة وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
شحادة بن إِبْرَاهِيم الْحلَبِي الشَّافِعِي نزيل الْقَاهِرَة قَالَ بعض الأفاضل فِي وَصفه عَلامَة الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وَشَيخ أهل الْفُرُوع وَالْأُصُول ووحيد عصره وعميد مصره وَشَيخ الْجَامِع الْأَزْهَر ومشكاة مصباحه الأنور وَلَيْث الْعلم الَّذِي لَا يجارى وغيب الْفضل الَّذِي لَا يُبَارى ولد بِمصْر وَبهَا نَشأ وجدّ فِي الِاشْتِغَال بِالْعلمِ حَتَّى بلغ الْغَايَة القصوى وشدّت إِلَيْهِ الرّحال وَأخذ عَنهُ أكَابِر الرِّجَال وأدار عَلَيْهِ من أبحاثه بسلاف لَفظه الرَّقِيق مَا يقوم مقَام الرحق وَمن شُيُوخه خَاتِمَة الْفُقَهَاء الشهَاب أَحْمد الرَّمْلِيّ وخاتمة الْمُحدثين النَّجْم مُحَمَّد الغيطي وخاتمة الْمُحَقِّقين الشهَاب أَحْمد بن قَاسم الْعَبَّادِيّ وَغَيرهم وَعنهُ أَخذ كثير كالشيخ الْعَلامَة إِبْرَاهِيم المأموني والشهاب القليوبي والأديب الْفَاضِل درويش مُحَمَّد أَبُو الْمَعَالِي الطالوي وَذكره فِي سانحاته وَأثْنى عَلَيْهِ وَقدره بَين عُلَمَاء الْقَاهِرَة ممتاز مُسلم وَلم يشْتَهر لَهُ تأليف سوى رِسَالَة لَطِيفَة قرظ بهَا على رِسَالَة فِي نسب بني طالو لتلميذه أبي الْمَعَالِي وَكَانَت وَفَاته يَوْم الِاثْنَيْنِ حادي عشري جُمَادَى الْآخِرَة سنة عشرَة وَألف بِالْقَاهِرَةِ وَقد جَاوز الثَّمَانِينَ
стр. 719
الْأَمِير شَدِيد بن احْمَد الْأَمِير حَاكم الْعَرَب وَهُوَ من آل جَبَّار حكام الْعَرَب أَبَا عَن جد يُقَال أَنهم من ذُرِّيَّة جَعْفَر الْبَرْمَكِي ومقام هَؤُلَاءِ فِي بِلَاد سلمية وعانا والحديثة وَمن عَادَتهم أَن من استولى مِنْهُم على خيمة المَال وَالسِّلَاح يكون حَاكما على الْعَرَب جَمِيعهم وَذَلِكَ أَن لَهُم خيمة من الشّعْر كَبِيرَة جدا وَلها نواطير وحرس بالنوبة فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَكلهَا صناديق مقفلة بالأقفال الْحَدِيد المحكمة والصناديق مَمْلُوءَة من الذَّهَب وَالْفِضَّة والجوهر وَالسِّلَاح وَغير ذَلِك من نفائس الْأَشْيَاء النفيسة وَكَانَ شَدِيد استولى عَلَيْهَا بعد أَبِيه أَحْمد وَكَانَ ظَالِما جباراً عنيداً متكبراً خسيساً قَبِيح المنظر وَالْفِعْل وَالْوَصْف غير محسن فِي شَيْء من الْأَشْيَاء وَلم يزل حَاكما إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة ثَمَان عشرَة بعد الْألف وَاتفقَ فِي هلكه عَجِيبَة أَنه كَانَ فِي خيمة فِي بعض صحارى حلب وَكَانَ ابْن عَمه مُدْلِج بن ظَاهر مَعَه فِي الْخَيْمَة وَكَانَ شَدِيد يلْعَب بالشطرنج مَعَ بعض أَقَاربه وَلم يكن عِنْده من إخْوَته أحد فاختلس مُدْلِج الفرصة فِي خلو الْأَمِير فناداه وَهُوَ يلْعَب يَا شَدِيد يَا شَدِيد فَقَالَ نعم فَمَا أتم قَوْله نعم إِلَّا ومدلج قد ضربه بخنجر فِي بَطْنه خرج من ظَهره وَلم يحْتَج فِي إِخْرَاج روحه إِلَى ضَرْبَة أُخْرَى وَلَقَد أرسل الْأَمِير فَخر الدّين بن معن مَكْتُوبًا يخبر فِيهِ عَن قتل شَدِيد وَقَالَ فِي مكتوبه إِن تَارِيخ قَتله قد اتّفق فِي هَذِه الْكَلِمَات وَهِي قَوْله مُدْلِج قتل شَدِيد ولد أَحْمد وَمن الْعجب أَن وَالِد شَدِيد أَحْمد كَانَ قتل ظَاهرا وَالِد مُدْلِج فِي بَيته وَهُوَ ضيف عِنْده فَقدر الله أَن ولد الْمَقْتُول قتل ولد الْقَاتِل قلت وَهَذَا ظَاهر هُوَ ابْن مُدْلِج المترجم فِي الْكَوَاكِب السائرة وَهُوَ ظَاهر بن عساف بن عجل بن مظين بن قدموس كَانَ أَمِير عرب الشَّام وَله قُوَّة وبطش بِحَيْثُ يمسك الدِّرْهَم من الْفضة بِأُصْبُعَيْهِ ويفركه فَيذْهب نقشه ويفتت الْحِنْطَة بَين أصبعيه وَمن عَجِيب أمره أَنه دخل عَلَيْهِ وَلَده قرموش وَهُوَ مَرِيض ليَقْتُلهُ فَضَربهُ بِسيف فَقتله وَشرب شخص لَبَنًا حليباً وَكَانَ بيد امْرَأَة فشكته إِلَيْهِ فاستخبره فَأنْكر وَحلف بحياته أَنه لم يشربه فطعنه بِرُمْح كَانَ بِيَدِهِ فَإِذا اللَّبن خَارج من جَوْفه فَأمر الْمَرْأَة بِأخذ بعير من بعرانه عوض لَبنهَا وَمَات على فرَاشه وَذَلِكَ فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة انْتهى
شرف الدّين بن زين العابدين بن محيي الدّين بن ولي الدّين بن جمال الدّين بن القَاضِي زَكَرِيَّا بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ السنيكي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي وَتقدم أَبوهُ الإِمَام الْجَلِيل كَانَ صَدرا من صُدُور زَمَنه مُعظما عِنْد الْعلمَاء مَقْبُول الشَّفَاعَة
стр. 720
متقشفاً ورعاً دينا أَخذ الحَدِيث وَالْفِقْه وَغَيرهمَا عَن جمع مِنْهُم وَالِده وَأخذ عَن الشَّمْس شَوْبَرِيّ والنور الشبراملسي وَأَجَازَهُ شُيُوخه وتصدر للإقراء وَأفَاد وانتفع بِهِ خلق كثير وَألف مؤلفات عديدة مِنْهَا الطَّبَقَات ذكر فِيهَا شُيُوخه وعلماء عصره وَكَانَ لَهُ اعتناء تَامّ بِالْأَسَانِيدِ وَمَعْرِفَة الشُّيُوخ ومواليدهم ووفياتهم وَكَانَ الشبراملسي مَعَ جلالته يعظمه كثيرا وأقعد فِي آخر عمره وَانْقطع فِي بَيته فَكَانَت الطّلبَة تَأتيه وَتَأْخُذ عَنهُ وَكَانَت كتبه كَثِيرَة بِحَيْثُ أَنه اجْتمع عِنْده كتب جده شيخ الْإِسْلَام وَمن بعده من أسلافه على كثرتها وأضاف إِلَيْهَا مثلهَا شِرَاء واستكتاباً فَكَانَ إِذا أَتَاهُ أحد بِكِتَاب أَي كتاب للْبيع لَا يُخرجهُ من بَيته وَلَو بِزِيَادَة على ثمن مثله وَكَانَ حَرِيصًا على خطوط الْعلمَاء ضنيناً بهَا وَرَأَيْت بِخَط صاحبنا الْفَاضِل مصطفى ابْن فتح الله أَنه أخبرهُ أَن عِنْده من طَبَقَات السُّبْكِيّ الْكُبْرَى ثَمَانِيَة عشر نُسْخَة وَثَمَانِية وَعشْرين شرحاً على البُخَارِيّ وَأَرْبَعين تَفْسِيرا إِلَى غير ذَلِك وَلما مَاتَ تَفَرَّقت كتبه شذر مذر وَكَانَت تبَاع بالرتبيل بعد أَن كَانَ يشح بِوَرَقَة مِنْهَا قَالَ وَاتفقَ أَن شَيخنَا الْعَلامَة إِبْرَاهِيم الكوراني الْمدنِي أَرَادَ تَحْصِيل رِسَالَة لِلْحَافِظِ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي فِيمَا علق الشَّافِعِي القَوْل بِهِ على الصِّحَّة وَكَانَت مَوْجُودَة عِنْده فعول على لما تَوَجَّهت إِلَى مصر فِي استعارتها مِنْهُ وكتابتها فلازمته لأَجلهَا نَحْو شَهْرَيْن وَهُوَ يعْتَذر إليّ وَلم يُمكن تَحْصِيلهَا مِنْهُ وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من الْعلمَاء النزهين وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَلَاثِينَ وَألف تَقْرِيبًا وَتُوفِّي فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف وَدفن بالقرافة الْكُبْرَى بِقرب تربة الإِمَام الشَّافِعِي عِنْد قبر جده القَاضِي زَكَرِيَّا فِي قبَّة جدوده المعروفين
شرف الدّين بن عبد الْقَادِر بن بَرَكَات بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن حبيب الْغَزِّي الْحَنَفِيّ أحد الْعلمَاء الأجلاء من أهل التَّحْرِير والإتقان وَكَانَ فَقِيها مُتَمَكنًا مُفَسرًا نحوياً كَبِير الشَّأْن عالي الهمة وَله تآليف شائعة مِنْهَا حَاشِيَته الْمَشْهُورَة على الْأَشْبَاه والنظار لِابْنِ نجيم سَمَّاهَا تنوير البصائر وَرَأَيْت بِخَطِّهِ كثيرا من التحريرات على الدُّرَر وَالْغرر فِي الْفِقْه وَله كتاب محَاسِن الْفَضَائِل بِجمع الرسائل وَهُوَ ثَلَاث رسائل ثِنْتَانِ لَهُ وَوَاحِدَة لِلْحسنِ البوريني الدِّمَشْقِي رَأَيْتهَا وطالعتها جَمِيعًا وَسبب جمعهَا أَن الْحسن كَانَ أرسل إِلَى الْأَمِير أَحْمد بن رضوَان حَاكم غَزَّة رِسَالَة وَفِي ضمنهَا سُؤال عَن عبارَة للْمولى أبي السُّعُود وَقعت فِي تَفْسِيره فِي سُورَة الْفرْقَان عِنْد قَوْله
стр. 721
تَعَالَى لَهُم فِيهَا مَا يشاؤن خَالِدين حَيْثُ قَالَ حَال من الضَّمِير المستكن فِي الْجَار وَالْمَجْرُور لاعتماده على الْمُبْتَدَأ وَقيل من فَاعل يشاؤون انْتهى وَطلب البوريني الْجَواب من شرف الدّين فألف رسَالَته الأولى وَقَالَ فِي ديباجتها بعد الحمدلة وَسبب التَّأْلِيف فاشتغلت بايتارقوس الْبَيَان وشرعت فِي الْجَواب مستمدا العون من الْملك الديَّان وكتبت فِي ذَلِك رِسَالَة سميتها ارواء الصادي فِي الْجَواب عَن أبي السُّعُود الْعِمَادِيّ وأرسلتها إِلَى الْفَاضِل الْحسن البوريني ذِي الأيادي فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ وتأملها بفكره اعْترف بِصِحَّة بَعْضهَا وَاعْترض على آخر بنكره فَكتبت لَهُ الْجَواب عَن إِيرَاده وَأَنه دَافع لمراده فَأَحْبَبْت أَن أجمع هَذِه الرسائل فِي كتاب مُفْرد وأجعله خدمَة لسدة مَوْلَانَا الْأَمِير الأمجد إِلَى أَن قَالَ وَسميت هَذَا الْكتاب محَاسِن الْفَضَائِل بِجمع الرسائل ورتبته على حسب الْوَاقِع فِي الزَّمَان فَقدمت رِسَالَة إرواء الصادي وثنيت برسالة الْحسن البوريني وثلثت برسالتنا الموسومة بأرج العهري والجادي فِي الدّفع عَن إرواس الصادي وَحَاصِل مَا أجَاب بِهِ أَن مَا مَوْصُولَة وَاقعَة على فنون الملاذ والمشتهيات وأنواع النَّعيم وَمن جملَة الْمَذْكُور الْحور والولدان وَغَيرهمَا من بني آدم وَبنَاته وَمَا الموصولة يَسْتَوِي فِيهَا الْمُذكر والمؤنث والمثنى وَالْجمع وَالْغَالِب اسْتِعْمَالهَا فِيمَا لَا يعلم وَقد تسْتَعْمل فيهمَا وَيجوز فِي ضميرها مُرَاعَاة اللَّفْظ وَالْمعْنَى فرجوع الضَّمِير مجموعاً بِاعْتِبَار معنى مَا وَهَذَا جَوَاب عَن أحد الْوَجْهَيْنِ وَالْجَوَاب عَن الثَّانِي وَهُوَ جمعه جمع الْعُقَلَاء أَن هَذَا من بَاب التغليب فغلب من يعقل من الْحور وَنَحْوهَا على مَا لَا يعقل من أَنْوَاع النَّعيم لِأَن كلمة مَا مَوْضُوعَة للْكُلّ أَو لارادة الْوَصْف كَمَا قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ويعبدون من دون الله مَا أُرِيد مَا يعم الْعُقَلَاء وَغَيره أما لِأَن كلمة مَا مَوْضُوعَة للْكُلّ أَو لِأَنَّهُ أَرَادَ الْوَصْف لَا الذَّات كَأَنَّهُ قيل ومعبودهم أَو اعْتِبَار الْغَلَبَة عبدتها فَهِيَ على هَذَا حَال حَقِيقَة أَو ذَلِك بِاعْتِبَار مُلَابسَة بَين النَّعيم الْمعبر عَنهُ بماو بَين أَصْحَابه فصح كَون خَالِدين حَالا من الضَّمِير فِي الْخَبَر سَبَبِيَّة أَي خَالِدين أَهله فِيهِ ففاعل الْوَصْف يرجع إِلَى الْمُتَّقِينَ كَمَا فِي قَوْلك مَرَرْت بِالدَّار قَائِما سكانها كَمَا صرح بِهِ النحويون وَلَا يرد عَلَيْهِ عدم بروز الضَّمِير لِأَن هَذَا على مَذْهَب الْكُوفِي وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك لوروده كثيرا وَالْأول أولى كَمَا لَا يخفى انْتهى قلت وَقد تجاززت الْحَد الْمَضْرُوب للتاريخ وَلَكِن رُبمَا حسن هَذَا الاستطراد عِنْد قوم وَبِالْجُمْلَةِ فالمقصود الْفَائِدَة وَلَعَلَّ كتَابنَا هَذَا
стр. 722
لَا يَخْلُو عَنْهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَكَانَت وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة
شرف الدّين الْمَعْرُوف بالدمشقي الشَّافِعِي أحد أفاضل الشَّام الْمَشْهُورين بِالْفَضْلِ التَّام وَكَانَ متجراً ذَا فنون كَثِيرَة قَرَأَ الْكثير وَضبط وَقيد وَجلسَ مجْلِس التدريس ونفع كثيرا من الأفاضل أخذُوا عَنهُ وانتفعوا بِهِ وَصَارَ معيد درس الحَدِيث تَحت قبَّة النسْر وَشَيْخه إِذْ ذَاك الشَّمْس مُحَمَّد الميداني وَكَانَ الشَّمْس يجله كثيرا ويعظمه وَمرض مرّة سَبْعَة أَيَّام فَترك الدَّرْس لأَجله وَكَانَ لَهُ حَلقَة تدريس بِمَسْجِد هِشَام فِي سوق جقمق يقري بِهِ دروساً خَاصَّة وَعَن غَرِيب أمره أَنه كَانَ فِي علم الْعرُوض ثَانِي الْخَلِيل إِلَّا أَنه لم يتَّفق لَهُ نظم بَيت وَكَانَ إِذا قَرَأَ الشّعْر قَرَأَ على طَريقَة المجودين بمراعاة الْإِظْهَار والإدغام والإخفاء وَغير ذَلِك فَيَقَع سَمحا بَارِدًا وَكَانَ شَيخنَا النَّجْم الفرضي يثني على تَحْقِيقه وَحسن تفهيمه وَهُوَ مِمَّن أَخذ عَنهُ ونحا نَحوه وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من كبار الْعلمَاء الَّذين ظنت حَصَاة فَضلهمْ فِي الْآفَاق وَكَانَت وَفَاته بعد عصر الْأَرْبَعَاء ختام شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير
شرف الدّين العسيلي الْقُدسِي كَانَ من الأدباء أهل النادرة وَكَانَ يعرف علم الرمل والزايرجا وَاتفقَ لَهُ أَنه سَافر إِلَى الرّوم وَالْمولى عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد الَّذِي صَار آخر أمره مفتياً فِي الدولة العثمانية قَاضِي العساكر باناطولي فاستخرج لَهُ أَنه فِي شهر كَذَا يُرْسل الْملك خليفه ويوليه الافتاء وَأخْبرهمْ بذلك فَلَمَّا وَقع لَهُ مَا قَالَه أحسن إِلَيْهِ وقربه وولاه قَضَاء شبشير من أقليم مصر فَذهب إِلَيْهَا وَعَاد إِلَى الرّوم فَأعْطَاهُ قَضَاء الْمنزلَة فاختر مِنْهُ الْمنية قبل ضَبطهَا وَكَانَ لَهُ شعر رَأَيْت لَهُ هَذِه القصيدة كتبت بهَا إِلَى مفتي الْحَنَفِيَّة بالقدس الشَّيْخ هبة الله بن عبد الْغفار العجمي ملغزاً وَهِي قَوْله
(سليل الْمَعَالِي فرع أصل الفواضل ... وَبدر الْعلي يَا شمس أفق الأفاضل)
(وَيَا وَاحِدًا فِي الدَّهْر مَا بَين أَهله ... وإنسان عين الْفضل روح الْكَامِل)
(وَيَا هبة الله الْجَلِيل جماله ... وواسطة العقد الفريد المماثل)
(أفدني رفيع الشان يَا وَاحِد العلى ... منيع الذرى قطبا بصدر المحافل)
(فيا اسْم بِهِ شَيْء لطيف مصحف ... كَذَا فِيهِ معنى الْقرب يَبْدُو لواصل)
(تصرف بقلب ثمَّ حرف مُصحفا ... ترى صنعتي ضدا حوتها معاولي)
(وَفِيه بقلب اسْم فَاضل عصره ... وثانيه وردي من ثغور المناهل)
стр. 723
(نتيجة هَذَا الِاسْم روحي فداؤها ... هِيَ الشَّمْس إِن تبدو ضحى فِي الأصائل)
(غرامي بِهِ نَام وَإِن دَامَ هاجري ... بصد وَبعد فَهُوَ لَا شكّ قاتلي)
(تصرف وَبَين يَا بديع بدائعي ... وميز بِحَال مِنْك نعت العوامل)
(فَلَا زلت كشافا لكل عويصة ... همام الْمَعَالِي قرم صدر الجحافل)
(مدى الدَّهْر مَا صاغ العسيلي قلائدا ... من الدّرّ يبديها كشكل الْمسَائِل)
فَأَجَابَهُ بقوله
(أروض حوى الأزهار رطب الخمائل ... أم الغادة الْحَسْنَاء حلت منازلي)
(أم الأغيد الْوَسْنَان وفى بعهده ... وأنعم لي بعد القلى بالتواصل)
(وَمَا ذَاك الأنظم مُفْرد عصره ... هُوَ الشّرف المفضال رب الْفَضَائِل)
(بلاغته فِي النّظم لَا شَيْء فَوْقهَا ... فَصَاحَته أزرت بسحبان وَائِل)
(فيافذ هَذَا الدَّهْر قد جَاءَ مِنْكُم ... إِلَى نحونا لغز رفيع الْمنَازل)
(فسحبان نصف اللغز ياهين أَهله ... وتاليه وردى من ثغور المناهل)
(نتيجته أَنِّي أعيذ محبه ... بِيُوسُف وَالْإِخْلَاص من كل عاذل)
(فسامح ضَعِيف النّظم مولَايَ أَنه ... إِذا رامه يلقاه صَعب التَّنَاوُل)
(فَلَا زلت بالآداب تتحف صاحبا ... وتبدى اللآلي فِي نظام الرسائل)
شعْبَان بن ولي الدّين البوسنوي التوسيلي نزيل قسطنطينية قَاضِي العساكر الصَّدْر الْكَبِير النبيه الْقدر كَانَ فَاضلا كَامِلا وَاسع الصَّدْر مَبْسُوط الرَّاحَة قدم إِلَى قسطنطينية فِي سنة خمس وَعشْرين وَألف وَهُوَ رَقِيق الْحَال وَكَانَ إِذا حدث بمبدأ حَاله يذكر قصَّة وَقعت لَهُ مَعَ رمال كَانَ رَآهُ واستخبر مِنْهُ عَن طالعه فَنظر الرمال فِيمَا خطه مرّة بعد أُخْرَى وَقَالَ لَهُ أَن صدق هَذَا الرمل فَصَاحب هَذَا الطالع يصير صَدرا وَتَكون لَهُ رفْعَة زَائِدَة بِحَيْثُ أَنه يصير قَاضِي الْعَسْكَر قَالَ وَكنت أعجب من ذَلِك ثمَّ بعد مُدَّة صَار من طلبة الْمولى أبي سعيد بن أسعد الْمُقدم ذكره وَهُوَ مدرس بِالْمَدْرَسَةِ السليمانية ثمَّ لَازم من الْمولى يحيى قَاضِي الْعَسْكَر باناطولي ودرس وَذكر وَالِدي المروحوم فِي تَرْجَمته قَالَ أَخْبرنِي من لَفظه على أغا الطَّوِيل لما ورد دمشق لِلْحَجِّ فِي سنة ثَمَان وَخمسين أَنه لما ولي الْمولى مُحَمَّد البهائي قَضَاء سلانيك كَانَ الصَّدْر الْكَبِير إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بالروزنامة حَيّ شفيعه فترجى عِنْد النِّيَابَة لصَاحب التَّرْجَمَة فَمَا أمكنه ذَلِك ثمَّ صَار الْمولى إِبْرَاهِيم بن كَمَال الدّين الطاشكبري بعده قَاضِيا
стр. 724
فصيره نَائِبا لَهُ وأنعم عَلَيْهِ وسما حَظه عِنْد ذَلِك فصيره الْمولى حُسَيْن ابْن أخي مفتي الدولة مدرساً بمدرسة جده الْعَلامَة سعدى الْمحشِي فَترك النِّيَابَة قبل الْعَزْل مِنْهَا وَقدم إِلَى قسطنطينية وَاخْتَلَطَ بأكابر الدولة وَاتفقَ بعد مُدَّة طُلُوع الْوَزير الْأَعْظَم مُحَمَّد باشا المنبسط الْقدَم إِلَى سفر الْعَجم وَكَانَ الروزنامة جي الْمُقدم ذكره عِنْده فِي نِهَايَة الخطوط فَقرب صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى خاطر الْوَزير فصيره قَاضِيا ينظر الْأَحْكَام فِي الْعَسْكَر الْمعِين مَعَه فَسَار بِخِدْمَة الْوَزير وَصَارَ لَهُ فِي الطَّرِيق رُتْبَة الدَّاخِل ورتبة الصحن ثمَّ أنعم عَلَيْهِ بِقَضَاء أمد مَعَ بَقَائِهِ فِي الْخدمَة الْمَذْكُورَة وَلما قدم السُّلْطَان مُرَاد إِلَى أَخذ روان وعزل الْمولى أَحْمد بن زين الدّين الْمَعْرُوف بالمنطقي عَن قَضَاء دمشق سعى لَهُ الْوَزير مصطفى باشا السلاحدار نديم السُّلْطَان وَكَانَ إِذْ ذذاك نَائِب الشَّام فأنعم عَلَيْهِ السُّلْطَان بهَا وقدمها وَأظْهر عفة وَمَكَارِم أَخْلَاق وَنِعما لم تعهد من قَاض قبله وَله فِي هَذَا الْبَاب مَنَاقِب غَرِيبَة أورد مِنْهَا وَالِدي المرحوم أَشْيَاء ومدحه شعراء ذَلِك الْعَصْر بالقصائد الطنانة مِنْهُم أَحْمد بن شاهين فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ هَذِه القصيدة وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة دَعَاهُ إِلَى مَجْلِسه فتمارض وَامْتنع من الْمَجِيء وَكتب إِلَيْهِ يعْتَذر بقوله
(مولَايَ يَا من لَهُ فِي كل جارحة ... مني لِسَان يُؤَدِّي شكرماوجبا)
(وَمن إِذا مَا ذكرنَا حسن عشرته ... وَطيب أخلاقه طرنا بِهِ طَربا)
(وَمن لَهُ فِي فُؤَادِي من محبته ... منَازِل بلغت فِي أفقها الشهبا)
مِنْهَا
(أَنْت الَّذِي مارأينا مثله أبدا ... فضلا وبذلا وخلقا مِنْهُ منتخبا)
(كَأَنَّهُ من معد فِي خلائقه ... وَلَيْسَ مِنْهُ إِذا مَا قَالَ لي نسبا)
(وَلَيْسَ فضل الْفَتى فِي فضل نسبته ... إِن الْفَتى من يعد الْمجد والحسبا)
(أَتَى كتابك فِي أَمر بذلت لَهُ ... وَجها لأمرك فَوق الترب منسحبا)
(موشحا فِي كل أَمر راق مسمعه ... كَأَنَّهُ الدّرّ بكرا لَيْسَ منثقبا)
(وَبت ألثمه حبا وتكرمة ... وَبَات يزعجني قلبا إِلَيْك صبا)
(لَكِن عُذْري بعد عَن ذراك وَذَا ... باد وَعذر مَتى للْعَبد قد وجبا)
(وَلست وَالله إِلَّا عبد تكرمة ... لَا عبد مَخْمَصَة إِن رحب منتسبا)
(فَلَا تظن على مَا فِي من أنف ... أَو انقباض بَان أدعى فاحتجبا)
(وَالله يعلم إِن لم يبْق لي زمن ... فِي أَمر جمعية مَعَ غَيْركُمْ أربا)
стр. 725
(واعذر فديتك وَاصْفَحْ عَن مؤاخذتي ... فَمن لعبد إِذا وافاك أَو هربا)
(واسلم على كل حَال أَنْت طالبها ... فَلَا يسر الْفَتى إِلَّا بِمَا طلبا)
وَمِنْهُم الْأَمِير المنجكي فَإِنَّهُ قَالَ فِي مدحه قصيدته الفائية الْمَشْهُورَة ومطلعها
(صَبر الْفُؤَاد على فعال الجافي ... نعم الْكَفِيل لكل أَمر كَافِي)
(فاحمل على النَّفس الصعاب مؤملا ... من فضل رَبك وَاسع الألطاف)
(أَو لست من قوم إِذا ذكر العلى ... كَانُوا لَهُ من أشرف الأخلاف)
(شادوا الْمَسَاجِد والقصور فَهَذِهِ ... للعابدين وَتلك للأضياف)
(إِنِّي وَإِن كنت الْقَلِيل ثراؤه ... لست المقصر عَن ندى أسلافي)
(كَانَ الزَّمَان لَهُم مُطيعًا خاضعاً ... وَأرَاهُ منتصباً لفعل خلافي)
(لم تبْق لي الْأَيَّام إِلَّا من لَهُ ... أسعى بِخَير وَهُوَ فِي اتلافي)
(أَو محرقاً قلبِي بهجر عتابه ... وَعَلِيهِ من نعماي ظلّ ضافي)
(أَو لَيْسَ من إِحْدَى الْأُمُور تخلفي ... عَن مجْلِس الْمولى بِغَيْر خلاف)
(اقضي قُضَاة الْمُسلمين وقامع الْقَوْم ... الْبُغَاة بصارم الأنصاف)
(كشاف أسرار البلاغة من غَدا ... للنَّاس من دَاء الْجَهَالَة شافي)
(بَحر الْعُلُوم الزاخر الطود الَّذِي ... أمنت دمشق بِهِ من الأرجاف)
(من لَيْسَ تبلغ بعض أيسر وَصفه ... إِن أسهبت أَو أطنبت أوصافي)
(مولَايَ شعْبَان الْمُعظم قدره ... أَنْت الرَّجَاء لكل راج عافي)
(عذاراً لعبد لَيْسَ يبلغ بعض مَا ... هُوَ وَاجِب من حق قدرك وافي)
(وَيرى صفاتك فِي النظام قد اغتدت ... بَين الورى كالدر فِي الأصداف)
(إِن الْمقَال لحَال من هُوَ موثق ... بعقال أرجاف الزَّمَان منافي)
(لكنما الورقاء أصدح مَا ترى ... عِنْد افتقاد الرَّوْض والألاف)
(وَأَنا الَّذِي لَك مَا حييت لِسَانه ... رطب بأنواع الثَّنَاء موافي)
(أبقاك رَبك للعباد فَلم تزل ... لتلافهم بيد الندى متلافي)
(واسلم على مر الدهور ملاحظا ... بالعون والإسعاد والإسعاف)
وَكتب إِلَيْهِ الأديب أَبُو بكر الْعمريّ هَذِه الأبيات وَيخرج من الْبَيْت الأول اسْم شعْبَان بطرِيق النعمية وَهِي قَوْله
(غرَّة الشَّام أَصبَحت شمس فضل ... لَاحَ مِنْهَا فِي الشَّام أَي شُعَاع)
стр. 726
(هُوَ قَاضِي الْقُضَاة عين الْمُسَمّى ... فِي المعمى يدريه رب اطلَاع)
(أيهذا الْعَزِيز بَيته إِنِّي ... لَك دَاع وَلَا كمثلى دَاعِي)
(ولعمري أظهرت فِي الشَّام عدلا ... قد رَوَاهُ توَافق الْإِجْمَاع)
(زادك الله رفْعَة وعلوما ... وعلوا مَا طَاف بِالْبَيْتِ ساعي)
وَاتفقَ أَنه توجه إِلَى الْحَج وَهُوَ مولى بعد أَن اسْتَأْذن من طرف السلطنة بذلك وَأَن يكون جدي محب الله قَائِما مقَامه فَجَاءَهُ أَمر شرِيف بِالْإِذْنِ وَمَعَهُ حجر من الألماس محفوف بأحجار مُخْتَلفَة مَكْفُوفَة بصفائح الْفضة وَالذَّهَب أرْسلهُ الْوَزير السلاحدار الْمَذْكُور ليوضع تَحت الحجرين الْمَشْهُورين بالحجرة النَّبَوِيَّة اللَّذين كَانَ أرسلهما السُّلْطَان أَحْمد كَمَا سلف فِي تَرْجَمته فَوَضعه صَاحب التَّرْجَمَة فِي جِدَار الضريح فَزَاد بِهِ شعار الاسلام جمالاً واكتسب هُوَ بِهَذِهِ لخدمة فَضِيلَة وإجلالاً وَقد قَالَ فِيهِ السَّيِّد مُحَمَّد جمال الدّين الْمَعْرُوف بكبريت الْمدنِي الْآتِي ذكره مُشِيرا لذَلِك بِهَذِهِ الأبيات
(زار خير الْأَنَام حبر همام ... قد تسمى شعْبَان وَهُوَ ربيع)
(عَم جيران أَحْمد بنوال ... دون ذَاك النوال خصب مريع)
(جَاءَ بالجوهر الثمين لطه ... من وَزِير هُوَ الجناب المنيع)
(مصطفى الْمجد والندى والمعالي ... وسلحدار نعْمَة لَا تضيع)
(يَا لَهُ جوهراً تسامى وسامى ... بمقام فِيهِ الثَّنَاء يضوع)
(عتد وَجه النَّبِي قد وضعوه ... فغدا وَهُوَ مشرق ولموع)
(كَانَ هَذَا فِي عَام سبع وَألف ... وَتَمام النظام فِيهِ بديع)
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الْحجر الميمون مِمَّا زَاد وزان وَصَارَ أثرا حسنا يبْقى إِن شَاءَ الله تَعَالَى على ممر الْأَزْمَان كَمَا قيل
(إِذا الدّرّ زَان حسن وُجُوه ... كَانَ للدر حسن وَجهك زينا)
(وتزيدين أطيب الطّيب حسنا ... أَن تمسيه أَيْن مثلك أَيّنَا)
وكما قَالَ الآخر
(أَقُول والدر على جيدها ... يزهو بِمَا فِيهَا من الزين)
(مَا علق الْجَوْهَر فِي نحرها ... إِلَّا لما يخْشَى من الْعين)
وَقَالَ ابْن حجر فِي الْجَوْهَر المنظم تجاه الْوَجْه الشريف فِي الْجِدَار مِسْمَار من فضَّة
стр. 727
مموه بِالذَّهَب فِي رخامة حَمْرَاء من استقبله كَانَ مُسْتَقْبل الْوَجْه الشريف حَتَّى كَانَ فِي أَيَّام السُّلْطَان أَحْمد خَان فَجعل عَلَيْهِ حجرين من الألماس مكفتين بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَب فهما من آثاره وَلَيْسَ لَهما قيمَة بِالنِّسْبَةِ لمن أرسلا إِلَى حجرته فَللَّه در الْقَائِل حَيْثُ يَقُول
(الْكَوْكَب الدُّرِّي من شَأْنه ... يخفى لَدَى وَجه السراج الْمُنِير)
(فكثروا الْجَوْهَر أَو قللُوا ... فالجوهر الْفَرد عديم النظير)
انْتهى وَلما عَاد صَاحب التَّرْجَمَة من الْحَج أهْدى الْهَدَايَا السّنيَّة لغالب أهالي دمشق ثمَّ نقل بعد ذَلِك إِلَى قَضَاء مصر وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ عزل فَتوجه إِلَى قسطنطينية واقتنى دَارا بِالْقربِ من جَامع السُّلْطَان مُحَمَّد ثمَّ صَار قَاضِيا بأدرنة وَبعدهَا صَارَت لَهُ رُتْبَة قَضَاء قسطنطينية ثمَّ صَار قَاضِي الْعَسْكَر بأناطولي فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ ثمَّ صَار صدر ابروم إيلي فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وعزل فَصَارَ لَهُ بعض القصبات على التَّأْبِيد وَأقَام فِي دَاره صَدرا مبجلاً موقراً إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَاخِر ذِي الْقعدَة سنة سبع وَسبعين وَألف عَن ثَمَان وَسبعين سنة والنوسيلي بِفَتْح النُّون وَالْوَاو وَكسر السِّين وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَبعدهَا لَام بَلْدَة بِالْقربِ من بوسنة
شعْبَان بن الدمرداشي الْمصْرِيّ نزيل غَزَّة هَاشم الْمَعْرُوف بِأبي الْقُرُون كَانَ وَالِده من أُمَرَاء الجراكسة بِمصْر وَصَارَ أَولا هُوَ من جندها ثمَّ أَخذ طَرِيق الأحمدية عَن الشَّيْخ أَحْمد الجركسي خَليفَة سَيِّدي أَحْمد البدوي وَصَارَ من الكمل فِي الْعُلُوم الظَّاهِرَة والباطنة ثمَّ ساح فورد دمشق فِي حُدُود سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وَنزل أَولا بزاوية الأحمدية دَاخل بَاب النَّصْر ثمَّ انْتقل إِلَى الْمدرسَة اليدغمشية بِخَط تَحت القلعة وَأقَام بهَا مُدَّة وَظهر لَهُ بعض مكاشفات وأحوال ثمَّ قصد الْحَج وَأخْبر أَنه فِي الْعود يُؤمر بالذهاب إِلَى غَزَّة هَاشم لِأَن حاكمها الباطني يَمُوت وَيُوجه مقَامه إِلَيْهِ وَكَانَ يَقُول أَن حُكُومَة غَزَّة الباطنية لَهَا رُتْبَة عالية عِنْد أهل الْبَاطِن لكَونهَا آخر الْبِلَاد المقدسة وَلما عَاد من الْحَج وَقع لَهُ مَا كَانَ يَقُوله فَتوجه إِلَى غَزَّة وَأقَام بهَا مُدَّة حَيَاته وَكَانَ لَهُ أَحْوَال عَجِيبَة من جُمْلَتهَا تسخير بعض الْهَوَام لَهُ وانقيادها إِلَيْهِ حَدثنِي بعض من أعْتَمد عَلَيْهِ عَن كثير مِمَّن لَقِيَهُمْ أَنه كَانَ عِنْده حَيَّة عَظِيمَة ألفته وَكَانَ سَمَّاهَا باسم فَكَانَ إِذا ناداها بذلك الِاسْم جَاءَتْهُ مسرعة وَقَعَدت على ركبته ثمَّ إِذا أَرَادَ ذهابها ناداها باسمها أَن اذهبي فتذهب وَمن غَرِيب حَاله أَنه كَانَ يمِيل
стр. 728
إِلَى سَماع الْآلَات ويطرب لَهَا وَذكر لي كثير من النَّاس أَنه لما قربت وَفَاته أوصى بِأَن يغسل على السماع فنفذ مريدوه وَصيته وَكَانَ لَهُ مريدون وحفدة وَبِالْجُمْلَةِ فعامة من لقيناه معتقدون ولَايَته وصلاحه وَالله أعلم بِحَالهِ وَكَانَت وَفَاته بِذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَسبعين وَألف وَدفن بغزة
شعْبَان الفيومي الْأَزْهَرِي الشَّافِعِي الإِمَام الْعَالم الْعَامِل الْفَقِيه المتضلع من الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة شيخ الْأَزْهَر نفع الله بِعِلْمِهِ فَمَا قَرَأَ عَلَيْهِ أحد إِلَّا انْتفع بِهِ وحصلت لَهُ بركته ولد بالفيوم فِي سنة خمس عشرَة وَألف تَقْرِيبًا وَحفظ الْقُرْآن ورحل إِلَى مصر وَأخذ عَن من بهَا من أكَابِر الْعلمَاء كالشهاب القليوبي وَحضر الشَّمْس الشَّوْبَرِيّ وَكَانَ ملازماً لَهما سِنِين عديدة وَكَانَ مُسْتَغْرقا أوقاته فِي إقراء الْعلم والتدريس فِي الْعُلُوم النافعة وَكَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ اسْتِقْلَالا كل يَوْم مَا ينيف على مائَة طَالب وَله فِي كل يَوْم ثَلَاثَة دروس حافلة وَاحِدهَا بعد الْفجْر إِلَى قريب طُلُوع الشَّمْس وَالثَّانِي بعد الظّهْر وَالثَّالِث بعد الْعَصْر هَذَا دأبه دَائِما وَكَانَ يجْتَمع فِيهَا من طلبة الْعلم خلق كثير وَكَانَ محافظاً على الْجُلُوس فِي الْأَزْهَر لَا يخرج مِنْهُ إِلَّا لحَاجَة وَكَانَ يستحضر غَالب كتب الْفِقْه المتداولة بَين المصريين وَتخرج بِهِ كثير من الْعلمَاء مِنْهُم الْعَلامَة مَنْصُور الطوخي وَإِبْرَاهِيم الْبرمَاوِيّ وعطية الشَّوْبَرِيّ وَغَيرهم وَكَانَ قَلِيل الْكَلَام كثير الاحتشام لَا يتَرَدَّد إِلَى أحد مُعظما عِنْد الْعلمَاء مَشْهُورا بالورع وَكَانَ إِذا قَرَأَ الْقُرْآن يكَاد يغيب عَن حواسه وَكَانَ كثير الدُّعَاء لمن يقْرَأ عَلَيْهِ وَلَا يسمع مِنْهُ كَلَام إِلَّا فِي تَقْرِير مسَائِل الْعلم وَكَانَ إِذا مر فِي السُّوق يمر مسرعاً مطرق الرَّأْس وَله كرامات علية مِنْهَا أَن رجلا تسلط عَلَيْهِ فَكَانَ إِذا مر مطرقاً يحاكيه ويمثل بِهِ ويطرق رَأسه مثله فَأتى إِلَيْهِ ذَات يَوْم وَهُوَ مطرق فَفعل مثله وأطرق رَأسه فَلم يقدر على رَفعه وَلَا تحريكه يَمِينا وَلَا شمالاً ثمَّ أَتَى إِلَيْهِ وَاعْتذر وَتَابَ من ذَنبه فَعَفَا عَنهُ ودعا لَهُ فعافاه الله تَعَالَى ببركته وَمِنْهَا الاسْتقَامَة فِي جَمِيع الْأَحْوَال الَّتِي هِيَ أوفى كَرَامَة وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فِي جُمَادَى الأولى سنة خمس وَسبعين وَألف وَدفن بتربة المجاورين رَحمَه الله تَعَالَى
شهَاب الدّين بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْعِمَادِيّ الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ وَقد تقدم أَخُوهُ إِبْرَاهِيم أحد الصُّدُور الْفُضَلَاء وَكَانَ فَاضلا نبيلاً حسن الْفَهم أديباً شَاعِرًا منشياً وَله خطّ بديع وَسُرْعَة كِتَابَة وَضبط وَكَانَ وَاسِطَة عقد بَيت الْعِمَادِيّ وَإِلَيْهِ يرجع حلّه وعقده وَكَانَ وَالِده وشقيقاه منقادين إِلَى تَدْبيره لَا يسعهم خِلَافه بِحَال
стр. 729
وَكَانَ لَهُ شهامة ودراية بالأمور تربى فِي حجر وَالِده واشتغل فِي مبدأ أمره على الْحسن البوريني والعلامتين الشهابين أَحْمد العيثاوي وَأحمد الوفائي وَعلي وَالِده وَأخذ عَن أبي الْعَبَّاس الْمقري ولازم من الْمولى السَّيِّد مُحَمَّد بن السَّيِّد مَحْمُود الْحميدِي الْمَعْرُوف بشريف قَاضِي الْعَسْكَر ونقيب الممالك العثمانية ودرس وَولي قَضَاء الركب الشَّامي وَحج وَفِي صحبته وَالِده ووالدته وَعَمَّته وأخواه وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف ودرس بعدة مدارس مِنْهَا الْمدرسَة النورية الْكُبْرَى والناصرية الجوانية برتبة الدَّاخِل وَلما انْتقل وَالِده بالوفاة سَافر هُوَ وَأَخُوهُ إِبْرَاهِيم إِلَى الرّوم وتطلب فَتْوَى الشَّام فَلم يَتَيَسَّر لَهُ وَعَاد إِلَى دمشق ثمَّ فرغ لَهُ أَخُوهُ عماد الدّين الْآتِي ذكره عَن الْمدرسَة الشبلية وَبعد ذَلِك ولي تدريس السليمية وَلما مَاتَ أَخُوهُ عماد الدّين الْمَذْكُور كَانَ مفتيا فوجهت إِلَيْهِ الْفتيا بتقرير قَاضِي دمشق واختير من طرف السلطنة خَلِيل السعسعاني الْمُقدم ذكره ثمَّ فِي سنة ثَلَاث وَسبعين صَار مفتيا بعد عبد الْوَهَّاب الفرفوري وَأخذ الْفَتْوَى عَنهُ قَرِيبا الْعَلَاء الحصكفي وَأقَام هُوَ بدارهم لَا يخالط أحدا وَلم يزل منغص الْعَيْش شاكيا لدهره متلهفا على ماضي عزه ومنصبه وَرَأَيْت لَهُ ترسلات وأشعارا كَثِيرَة يتظلم فِيهَا من الزَّمَان فَمن ذَلِك قَوْله من رِسَالَة إِلَى مفتي الدولة وَالْعلم الشريف مُحِيط بمظلوميتنا الَّتِي هِيَ أبين من فلق الصُّبْح وأوضح من الضح من عزلنا ظلما وغدرا عَن خدمتنا الموروثة لنا عَن الْآبَاء من سالف الإعصار وَتَقْدِيم غير الْأَهْل بالأجبار من غير مُوجب يَقْتَضِيهِ العقوق بعد الْحُقُوق إِلَّا الْجد وَالِاجْتِهَاد بالاضطرار فِي مداراة من تحار فِي مرضاته الأفكار وَمَا هُوَ إِلَّا الدَّهْر جَار فحار برقه خلب وَهُوَ أشعب فَلذَلِك أعضب وأشعب وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان وصنع الله أغلب
(رفعت إِلَى رحماك مولَايَ قصتي ... بنفثة مصدور وَلست ألام)
(فَأَنت الَّذِي قد شاع فِي الدَّهْر عدله ... وجود لَهُ كالجود وَهُوَ سجام)
(إِذا لم تكن أَنْت الْمعِين فَلَيْسَ لي ... سواك معِين يرتجى ويرام)
(فضع مِنْك لي هَذَا الْجَمِيل تفضلا ... فَلَيْسَ سوى صنع الْإِلَه مرام)
(وشيد عمادي واغتنم دَعْوَة الورى ... فَهَذَا رجائي وَالدُّعَاء ختام)
(فَلَا زلت فِي الْفَتْوَى وَلَا زلت ملْجأ ... لِأَنَّك للدّين القويم عِصَام)
(مدى الدَّهْر مَا حق أُعِيد لأَهله ... وَمَا ضاء نجم واستحال ظلام)
стр. 730
وَلما عزل فِي الْمرة الْأَخِيرَة نظم هَذِه الأبيات وَهِي
(رب فَتْوَى ضلت إِلَى غير أهل ... كَانَ توجيهها بِغَيْر صَوَاب)
(أَن حَقًا أضاعه بعض قوم ... أسأَل الله ردّه لِلشِّهَابِ)
(هوارث عَن وَالِد وأخيه ... حق للسيف ردّة للقراب)
وَمِمَّا يستجاد لَهُ من الشّعْر قَوْله
(أيا دير مَرْوَان سقاك غرام ... تروح وتغد وعينهن سَلام)
(وحياك من دير وَحيا معاهدا ... بمغناك مَا ناع الزَّمَان حمام)
(وقفت على ربع بِهِ رَاح دارسا ... وَقد فاع من عرف الرياض خزام)
(فَقلت ولي فِيهِ رسيس صبَابَة ... وَفِي الْقلب مني لوعة وغرام)
(كَأَن لم يكن بَين الْحجُون إِلَى الصَّفَا ... أنيس وَلم تهرق هُنَاكَ مدام)
وَقَوله فِي الْغَزل
(بروحي فتانا بلحظيه فاتك ... يرينا المنايا الْحمر بالأعين النجل)
(يمِيل بقدّ أخجل الْغُصْن والقنا ... يجد على قتل المحبين بِالْهَزْلِ)
(عجبت لهَذَا الْحبّ ترْضى فعاله ... وَأَن هُوَ بعد الْعِزّ بدل بالذل)
وَكتب إِلَى وَالِدي فِي صدر رِسَالَة أرسلها إِلَيْهِ إِلَى الرّوم تَتَضَمَّن عتابا
(أمولاي فضل الله دَامَ لَك الْفضل ... ودمت بِهِ تزهو وَأَنت لَهُ أهل)
(يبعد مني الْقلب مَا عج لغوة ... بجلق حَتَّى مجه الْعقل وَالنَّقْل)
(فَلَا تغضبن أَن الشهَاب لواثق ... بِرُكْن عماد شاده الْمجد وَالْفضل)
(وَأَنت لَا دري بِي وداداً وخلة ... وَأَن لَيْسَ يلوي الْقلب عَن حبكم عذل)
(فقلي قلبِي مثل مَا قد عهدته ... وقلبك فِيمَا أدّعى شَاهد عدل)
وَمن نثره المتحف قَوْله من تقريظ قرظ بِهِ رحْلَة وَالِدي المرحوم الأولى إِلَى الرّوم حمدا لَك يَا من جعل لنا الأَرْض ذلولا لنمشي فِي مناكبها وسخر لنا الْفلك لتجري فِي الْبَحْر بأَمْره ولنمطتي كَاهِل مراكبنا وأمرنا بالسعي ابْتِغَاء فَضله ولطف بِنَا فِي تيسير التسيير فِي بره وبحره وحزنه وسهله وَصَلَاة وَسلَامًا على سيدنَا مُحَمَّد خَاتم الْأَنْبِيَاء الْكِرَام وحاتم الْكَرم الْقَائِل سَافر واتغنموا وَالْمُسَافر من حرم إِلَى حرم وعَلى آله وَصَحبه الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالتَّابِعِينَ لَهُم مَا دَار الْفلك الدوار وَبعد فقد وقفنا على هَذِه الرحلة الَّتِي تشد إِلَيْهَا الرّحال وتعجز عَن بكر فكر منشيها
стр. 731
فحول الرِّجَال وسرحنا طرف الطّرف فِي روضها النَّضِير وشرحنا الصَّدْر بلذيذ أنباء الْخَبَر المعرب عَن ضمير مُقْتَضى الْحَال وَلَا ينبئك مثل خَبِير وأمعنا النّظر فِي مجَاز حسن مَعَانِيهَا وإعجاز مُبَالغَة تراكيب قصَص مغانيها فَلم نجد لَهَا فِي الْحَقِيقَة من نَظِير وعرفنا بهَا عرف ذَلِك الْفضل الْمَوْرُوث عَن طيب الأَصْل فَلم نعبرعنه بسوى العبير نجنى طورا من ذَلِك اليانع ثمار الْأَخْبَار عَن كتب وآونة ترتع فِي روض أريض من الْأَدَب لما أودع فِيهِ محرره من لطائف النكات وأبدع فِيهِ من ظرائف الأبيات الأبيات مَا يطرب كل سامع ويعجب كل مطالع ويغرب بِمَا يعرب عَن بدور الْمنَازل بِحَسب الطالع بِحَيْثُ صَار ذَلِك أنسا للحاضر المحاضر وَزَاد للحامل الْمُسَافِر وَقد حذا فِي ذَلِك حَذْو جده الْعَلامَة فنثر ونظم وَمن يشابه أَبَاهُ فَمَا ظلم واقتفى أَثَره فِي سيره ففاته بمراحل من رحلته المشحونة بأدبه فَكَانَ الْمُشبه أبلغ من الْمُشبه بِهِ وجد بجده فورى بِمَا روى قدح زنده وَلَا بدع فَهُوَ لَيْسَ يدعى فِيمَا يدعى وَقد تلمذ للْمولى المرحوم شيخ الْإِسْلَام الْوَالِد الْمَاجِد مده وفاز فِيهِ بِمَا أجَازه وأمده وَورث الْفضل وَالْأَدب عَن جد وَأب فضلا عَمَّا منح بِهِ من الْقبُول فَحسب
(إِذا قيل من أضحى بجلق مدهشا ... بتبريزه فِي الْفضل وَالْعلم مذ نشا)
(فَقل وَاحِد كالألف فِي كل مجمع ... وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يشا)
هَذَا بعد مَا طالعنا رحْلَة جده شيح الْإِسْلَام المرحوم الْمُشْتَملَة على مراحل مصر وَالروم وأطلعنا على مَا حفت بِهِ من أرقام الأعقام وخطوط الخطوط المنسوبة إِلَى الْعلمَاء الْأَعْلَام فَكَانَ مِمَّن انتظم فِي سمطها والتحف بمرطها وأجاد وجد المرحوم الْعَلامَة عماد الدّين الْعِمَادِيّ الْجد فقد نثر فِي طرسها جَوَاهِر كَلمه ووشى بِمَا أنشأ فِي طرازها من نقش قلمه فثار عِنْد ذَلِك منا الْعِمَاد ودعانا دَاعِي الْفضل فِي اقتفاء أثر الأجداد فَلَا جرم حِينَئِذٍ أَن تحذو الْفُرُوع حَذْو الْأُصُول وَإِن لم يدْرك الضالع شأو الضليع فِي الْفضل فَفِي الفضول مَعَ الِاعْتِرَاف بالبضاعة المزجاه مرتجين من فَضله سُبْحَانَهُ حسن الْقبُول وَمَا خَابَ من رجاه فجزى الله الْمُؤلف على هَذَا التَّأْلِيف من أَنْوَاع الألطاف آلافا وضاعف جَزَاء هَذَا التصنيف من خير الدَّاريْنِ أضعافا وأدام بكتابه الِانْتِفَاع ولجنابه الِارْتفَاع ولأحبابه الِاتِّبَاع مَا نفحت رياض الْآدَاب فرنحت الْقُلُوب والألباب وَمَا طويت شقة
стр. 732
بَين إغتراب وقفل غَرِيب إِلَى وَطنه وآب انْتهى وَقد رَأَيْت من آثاره كتابا صَغِير الحجم جمعه من بعض تعليقات لَهُ على مَوَاطِن من التَّفْسِير وَالْفِقْه ورسائل من منشآته وتقريظات وَرَأَيْت لَهُ أَيْضا مجموعا جمع فِيهِ مدائحه الَّتِي مدح بهَا وَهِي حِصَّة وافرة بِالْجُمْلَةِ فأخباره وآثاره شهية لَطِيفَة الْموقع وَقد تَرْجَمته فِي كتابي النفحة وَذكرت لَهُ أَشْيَاء مستعذبة وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة سبع بعد الْألف وَتُوفِّي نَهَار الْجُمُعَة حادي عشرى رَجَب سنة ثَمَان وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير تَحت قدمي وَالِديهِ
شيخ بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن شيخ بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن السقاف الشهير وَالِده بالضعيف الشَّيْخ الْعَظِيم الْقدر أحد الْمَشَايِخ العارفين الزهاد الورعين ذكره الشلي وَقَالَ فِي وَصفه ولد بِمَدِينَة قسم وَحفظ الْقُرْآن بالتجويد واشتغل واعتنى بعلوم الصُّوفِيَّة وشارك فِي الْفِقْه والنحو وَصَحب جمَاعَة من أكَابِر العارفين مِنْهُم الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبُو بكر بن سَالم وَولده عمر المحضار والمعلم عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم قسم وَغَيرهم وانتفع بِهِ غير وَاحِد وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ شدَّة التَّوَاضُع كأبيه وَكَانَ فِي معاشرته لطيفاً يحب الْعلمَاء ويحترمهم وَيرْحَم الضُّعَفَاء وَلم يزل إِلَى أَن مَاتَ بِمَدِينَة قسم فِي سنة سِتّ عشرَة بعد الْألف ﵀
شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العبدروس اليمني الْأُسْتَاذ الْكَبِير الْمُحدث الصُّوفِي الْفَقِيه ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وَغَيره واشتغل على وَالِده أَخذ عَنهُ علوماً كَثِيرَة وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة وتفقه بالفقيه فضل بن عبد الرَّحْمَن با فضل وَالشَّيْخ زين باحسين بَافضل وَأخذ عَن القَاضِي عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين وَغَيرهم ورحل إِلَى الشحر واليمن والحرمين فِي سنة سِتّ عشرَة بعد الْألف وَأخذ عَن الشَّيْخ مُحَمَّد الطيار وَله مَعَه مناظرات ومفاكهات وَأخذ عَن الشَّيْخ الْعِرَاقِيّ صَاحب أكمة سعيف وَهِي قَرْيَة قريب الجندر وَحج فِي هَذِه السّنة وَأخذ بالحرمين عَن جمَاعَة وَأخذ فِي رُجُوعه من الْحجاز عَن السَّيِّد الْعَارِف بِاللَّه عبد الله ابْن عَليّ صَاحب الوهط وَالسَّيِّد الإِمَام أَحْمد بن عمر العيدروس بعدن وَالشَّيْخ عبد الْمَانِع وَألبسهُ خرقَة التصوف أَكثر مشايخه وَأخذ بِالْيمن عَن كثيرين مِنْهُم الشَّيْخ أَحْمد الحشيبري وَالسَّيِّد جَعْفَر بن رفيع الدّين وَالشَّيْخ مُوسَى بن جَعْفَر الكشميري وَالسَّيِّد عَليّ الأهدل وَسمع خلقا كثيرا ولازم الِاشْتِغَال وَالتَّقوى ثمَّ رَحل إِلَى
стр. 733
الْهِنْد فَدَخلَهَا فِي سنة خمس وَعشْرين وَألف وَأخذ عَن عَمه الشَّيْخ عبد الْقَادِر بن شيخ وَكَانَ يُحِبهُ ويثني عَلَيْهِ وبشره ببشارات وَألبسهُ الْخِرْقَة وَحكمه وَكتب لَهُ إجَازَة مُطلقَة فِي أَحْكَام التَّحْكِيم ثمَّ قصد إقليم الدكن وَاجْتمعَ بالوزير الْأَعْظَم عنبر وبسلطانه برهَان نظام شاه وَحصل لَهُ عِنْدهمَا جاه عَظِيم وَأخذ عَنهُ جمَاعَة ثمَّ سعى بعض المردة بالنميمة فأفسدوا أَمر تِلْكَ الدائرة ففارقهم صَاحب التَّرْجَمَة وَقصد السُّلْطَان إِبْرَاهِيم عَادل شاه فَأَجله وعظمه وتبجح السُّلْطَان بمجيئه إِلَيْهِ وَعظم أمره فِي بِلَاده وَكَانَ لَا يصدر إِلَّا عَن رَأْيه وَسبب إقباله الزَّائِد عَلَيْهِ أَنه وَقع لَهُ حَال اجتماعه بِهِ كَرَامَة وَهِي أَن السُّلْطَان كَانَت إِصَابَته فِي مقعدته جِرَاحَة منعته الرَّاحَة وَالْجُلُوس وعجزت عَن علاجه حذاق الْأَطِبَّاء وَكَانَ سَببهَا أَن السَّيِّد الْجَلِيل عَليّ ابْن علو دَعَا عَلَيْهِ بِجرح لَا يبرأ فَلَمَّا أقبل صَاحب التَّرْجَمَة وَرَآهُ على حَالَته أمره أَن يجلس مستوياً فَجَلَسَ من حِينَئِذٍ وبرأ مِنْهَا وَكَانَ السُّلْطَان إِبْرَاهِيم رَافِضِيًّا فَلم يزل بِهِ حَتَّى أدخلهُ فِي عداد أهل السّنة فَلَمَّا رأى أهل تِلْكَ المملكة انقياد السُّلْطَان إِلَيْهِ أَقبلُوا عَلَيْهِ وهابوه وَحصل كتبا نفيسة وَاجْتمعَ لَهُ من الْأَمْوَال مَا لَا يُحْصى كَثْرَة وَكَانَ عزم أَن يعمر فِي حَضرمَوْت عمَارَة عالية ويغرس حدائق وَعين عدّة أوقاف تصرف على الْأَشْرَاف فَلم يُمكنهُ الزَّمَان وغرق جَمِيع مَا أرْسلهُ من الدَّرَاهِم فِي الْبَحْر وَله مصنفات عديدة مِنْهَا كتاب فِي الْخِرْقَة الشَّرِيفَة سَمَّاهُ السلسلة وَهُوَ غَرِيب الأسلوب وَلم يزل مُقيما عِنْد السُّلْطَان إِبْرَاهِيم عَادل شاه حَتَّى مَاتَ السُّلْطَان فَرَحل صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى دولت آباد وَكَانَ بهَا الْوَزير الْأَعْظَم فتح خَان ابْن الْملك عنبر فقربه وَأَدْنَاهُ وَأقَام عِنْده فِي أخصب عَيْش وأرغده إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بالروضة الْمَعْرُوفَة بِقرب دولت آباد وقبره ظَاهر يزار وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة رَحمَه الله تَعَالَى
شيخ بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الله بن علوي بن أبي بكر بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد ابْن أَحْمد بن الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم الْفَقِيه الْمُقدم عرف كسلفه بالجفري بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْفَاء ثمَّ بعْدهَا رَاء المفضال الْكَامِل الْمَاجِد القَاضِي الْأَجَل الْمُحْتَرَم كَانَ من رُؤَسَاء الْعلم جليل الْمِقْدَار ذائع الذّكر مَقْبُول السمعة وافر الْحُرْمَة ولد بقرية تريس بِالسِّين الْمُهْملَة وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ عَن جمَاعَة من العارفين ثمَّ دخل بِلَاد الْهِنْد
стр. 734
والسواحل وَأخذ عَن أجلاء لَقِيَهُمْ من الْعلمَاء الْأَعْلَام وَضبط وَقيد ورحل إِلَى الْحَرَمَيْنِ وفَاق فِي الْعُلُوم النقلية والعقلية ثمَّ تدير بندر الشحر فاشتهر بهَا وَعلا صيته وَأَقْبل عَلَيْهِ أَهلهَا وعظموه وأجلوه وَولى بهَا مشيخة التدريس بِالْمَدْرَسَةِ السُّلْطَانِيَّة فدرس فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَأفَاد وانتفع بِهِ خلق كثير وَولى خطابة الْجَامِع ثمَّ ولي الْقَضَاء وَجمع بَين أَطْرَاف الرياسة والمراتب وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من صُدُور الْعلمَاء الْأَعْلَام وَكَانَت وَفَاته ببندر الشحر فِي صفر سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف
(حرف الصَّاد الْمُهْملَة)
السَّيِّد صَادِق بن أَحْمد بن مُحَمَّد مير بادشاه الْحَنَفِيّ مفتي مَكَّة الْعَالم الْعَلامَة كَانَ من أجلاء فضلاء الدَّهْر ذَا فنون كَثِيرَة أَخذ بِمَكَّة عَن عُلَمَاء عصره وَله أجازة من الإِمَام مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر النَّحْوِيّ يرى الْحَنَفِيّ الْمصْرِيّ وَولي إِفْتَاء الْحَنَفِيَّة بِمَكَّة وذاع فَضله وسما قدره وجده مير بادشاه الْمَذْكُور صَاحب الْحَاشِيَة على الْبَيْضَاوِيّ من كبار أهل التَّحْقِيق وَكَانَت وَفَاة السَّيِّد صَادِق يَوْم الْأَحَد سَابِع عشر شعْبَان سنة تسع وَسبعين وَألف وَتُوفِّي ذَلِك الْيَوْم مَعَه من الْأَعْيَان الشَّيْخ المجذوب عَلان بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن عَلان الصديقي الشَّافِعِي وَالسَّيِّد مُحَمَّد هَاشم بن علوي المهدلي
صَالح بن أَحْمد الشَّيْخ الإِمَام الْمَعْرُوف بالبلقيني الْمصْرِيّ شيخ الْمحيا بِالْقَاهِرَةِ وَابْن شَيْخه الشهَاب الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى علاّمة الْمُحَقِّقين كَانَ من كبار الْعلمَاء والزهاد وَله الْقدَم الراسخة فِي التصوف وَفقه الشَّافِعِي والمعقولات بأسرها أَخذ عَن أَبِيه وَغَيره وشاع أمره وقصده النَّاس للتلقي عَنهُ وَكَانَ يقرىء شرح القطب وحواشيه من الْمنطق وَهُوَ فِي شكل عُرْيَان الرَّأْس فِي غَالب الْأَوْقَات وَلم يزل فِي إِفَادَة واجتهاد بِالْعبَادَة إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فِي إِحْدَى الجمادين سنة خمس عشرَة بعد الْألف عَن نَحْو ثَمَانِينَ سنة والبلقيني بِضَم أَوله نِسْبَة لبلقينة من غربية مصر
صَالح بن إِسْحَاق الشرواني الأَصْل القسطنطيني الْمَعْرُوف بظهوري وَإِسْحَاق زَاده قَاضِي قُضَاة مصر وَأحد فضلاء الْعَصْر الَّذِي اتّفقت على فَضله كلمة الكملة وَكَانَ من حَسَنَات الرّوم وأدبائها لم يخرج مِنْهَا فِي عصرنا هَذَا من يعادله فِي الْفضل ورقة الطَّبْع وحلاوة الْمنطق ونزاهة النَّفس إِلَّا الْقَلِيل وَكَانَ من شفوف طبعه مغرماً بمنادمة الْأَصْحَاب ومذاكرة الْأَدَب ومناقلة الْأَخْبَار وَكَانَ عَالما بأيام النَّاس والأنساب والتواريخ وَكَانَ يحفظ من الشّعْر وَالْأَخْبَار شَيْئا كثيرا وَله مصنفات
стр. 735
حَسَنَة الأسلوب تدل على زِيَادَة تبحره مِنْهَا بعض تعليقات على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وَله رسائل كَثِيرَة لم يبيض مِنْهَا شَيْئا من سَواد مسوداته وأشعاره بالتركية ومنشآته سائرة مرغوبة وَكَانَ مغرماً بالكيمياء وعملها وَله مهارة كُلية فِي تَحْقِيق علمهَا وَألف فِيهَا مؤلفات وأتلف عَلَيْهَا مَالا كثيرا وَكَانَ أَكثر اشْتِغَاله فِي الْعُلُوم على الْمولى مُحَمَّد الْكرْدِي الشهير بمنلا جلبي قَاضِي الْقُضَاة بِالشَّام الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى ولازم من الْمولى عبد الله بن عمر معلم السُّلْطَان عُثْمَان أَبوهُ الْآتِي ذكره أَيْضا وَحج فِي صُحْبَة وَالِده لما ولي قَضَاء مَكَّة فِي سنة خمسين وَألف ثمَّ عَاد إِلَى الرّوم ودرس بمدارس قسطنطينية إِلَى أَن ولي الْمولى شيخ الْإِسْلَام يحيى بن عمر المنقاري الْفتيا وراجت فِي زَمَنه بضَاعَة الأفاضل وَصدر مِنْهُ الامتحان للمدرسين فَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة مِمَّن ظَهرت فضيلته وَبَانَتْ مزيته وَشهد لَهُ بِالْفَضْلِ فصيره مدرساً بمدرسة أياصوفية ثمَّ ولاه الْمدرسَة السليمانية وَأعْطى رُتْبَة دَار الحَدِيث وَمِنْهَا صَار قَاضِيا بينكى شهر برتبة قَضَاء الشَّام ثمَّ ولي قَضَاء بروسة ثمَّ مصر وَبهَا توفّي وَهُوَ قَاض وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَألف عَن اثْنَتَيْنِ وَخمسين سنة رَحمَه الله تَعَالَى
صَالح بن عبد الْقَادِر الخلوتي الكبيسي الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي ثمَّ الْحَنَفِيّ كَانَ فَاضلا صَالحا أَخذ طَرِيق الخلوتية عَن الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ بن سَالم الْمُقدم ذكره وَلزِمَ الْعِبَادَة والأوراد وَحصل فِي التصوف معرفَة ونظم الشّعْر لَكِن لم أَقف من نظمه على شَيْء حَتَّى أثْبته لَهُ وَكَانَت وِلَادَته فِي أَوَاخِر ذِي الْحجَّة سنة سبع وَأَرْبَعين وَألف وَتُوفِّي يَوْم الْجُمُعَة ختام شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس
صَالح بن عَليّ الصَّفَدِي الْحَنَفِيّ مفتي الْحَنَفِيَّة بصفد كَانَ فَقِيها فَاضلا حسن التَّحْرِير رَحل فِي مبدأ أمره إِلَى الْقُدس وَأخذ بهَا عَن الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد العلمي ثمَّ رَحل إِلَى الْقَاهِرَة وتفقه بهَا على الْحسن الشُّرُنْبُلَالِيّ والشهاب الشَّوْبَرِيّ الْمُقدم ذكرهمَا وَأخذ الحَدِيث وَغَيره عَن الشَّيْخ سُلْطَان وَالشَّمْس البابلي وَغَيرهمَا وَرجع إِلَى وَطنه فدرس وَأفَاد وَألف وَله من التآليف الشهيرة كِتَابه بغية المبتدى فِي اخْتِصَار متن الْكَنْز ثمَّ سكن عكة وَكَانَ يُفْتِي بهَا إِلَى أَن مَاتَ ابْن عَمه أَبُو الْهدى فِي سنة خمس وَخمسين وَألف وَكَانَ مفتي الْحَنَفِيَّة بصفد فوجهت الْفَتْوَى بهَا إِلَيْهِ وانتقل إِلَيْهَا وسكنها وَلم يزل مفتياً بهَا إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة ثَمَان وَسبعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 736
القَاضِي صَالح بن عمر بن القَاضِي سعد الدّين بن الْعلم أَخُو الشَّيْخ مُحَمَّد العلمي الصُّوفِي الْمَشْهُور الْآتِي ذكره كَانَ قدم إِلَى دمشق وَولي بهَا نِيَابَة قَضَاء الْمَالِكِيَّة بمحكمة الميدان حِين كَانَ عَمه القَاضِي فَخر الدّين عُثْمَان بِدِمَشْق متخلياً عَن نِيَابَة الحكم بمحكمة الْبَاب وَشرع فِي طَرِيق الزعماء فسعى لِابْنِ أَخِيه الْمَذْكُور فِي نِيَابَة الْمَالِكِيَّة بمحكمة السويقة الْمَذْكُورَة وَكَانَ لَهُم تعلقات بالقدس فَلم يقدر على الْإِقَامَة بِدِمَشْق فَكَانَ يتوطن بالقدس وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَى الشَّام لزيارة أَخِيه الشَّيْخ مُحَمَّد وخاله الْعَلامَة مُحَمَّد بن عَليّ مدرس الشبلية الْآتِي ذكرهمَا وَكَانَ بَينه وَبَين الشَّيْخ عَليّ بن مُحَمَّد القلعي الْقُدسِي نزاع بِسَبَب وقف سَيِّدي أَحْمد الثَّوْريّ فاتفق أَن مَاتَ ذَاك فِي شعْبَان غَرِيبا فِي قَرْيَة من قرى سَيِّدي عَليّ بن عليل وَمَات هَذَا فِي رَابِع عشر شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ بعد الْألف غَرِيبا فِي الرملة
صَالح بن مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد الْخَطِيب ابْن مُحَمَّد الْخَطِيب ابْن مُحَمَّد الْخَطِيب ابْن إِبْرَاهِيم الْخَطِيب التُّمُرْتَاشِيّ الْغَزِّي الْحَنَفِيّ ابْن الإِمَام الْكَبِير صَاحب التَّنْوِير فِي الْفِقْه الْآتِي ذكره الإِمَام ابْن الإِمَام كَانَ فَاضلا متبحراً بحاثاً وَله إحاطة بِفُرُوع الْمَذْهَب أَخذ عَن وَالِده ورحل إِلَى مصر وَأخذ عَن علمائها وتصدر فِي ذَلِك الْقطر بعد وَفَاة أَبِيه ونفع النَّاس فِي الْفَتَاوَى وَألف التآليف النافعة فِي الْفِقْه وَغَيره مِنْهَا حَاشِيَة على الْأَشْبَاه والنظائر الَّتِي سَمَّاهَا زواهر الْجَوَاهِر وَله منظومة فِي الْفِقْه وَشرح تحفة الْمُلُوك وَشرح ألفية وَلَده مُحَمَّد الْآتِي ذكره فِي النَّحْو الَّتِي أَولهَا
(قَالَ مُحَمَّد هُوَ ابْن صَالح ... أَحْمد رَبِّي الله خير فاتح)
وَله شرح النقاية سَمَّاهُ الْعِنَايَة وَشرح تَارِيخ شيخ الْإِسْلَام سعدي المحشى وَله رسائل كَثِيرَة مِنْهَا رِسَالَة فِي سيدنَا مُحَمَّد وأخيه هَارُون ﵉ ورسالة فِي علم الْوَضع وترسلاته وأشعاره وافرة مطبوعة وقفت لَهُ على هَذِه الأبيات كتب بهَا إِلَى الْخَيْر الرَّمْلِيّ فِي صدر رِسَالَة وَقد استحسنتها فأثبتها لَهُ وَهِي قَوْله
(إِن جزت عَن رَملَة لي ثمَّ إِنْسَان ... حبر همام لَهُ علم وإحسان)
(فِي الْعلم نعمانه فِي الْجُود حاتمه ... وَمَاله فيهمَا ضد وأفران)
(وَالْخَيْر أَوله وَالْخَيْر شيمته ... وَالدّين قيد لَهُ فِي الْعلم إِمْكَان)
(قَالُوا هُوَ الْبَحْر قلت الْبَحْر ذُو غرق ... قَالُوا هُوَ الْبَدْر لَا يعروه نُقْصَان)
(قَالُوا هُوَ اللَّيْث قلت اللَّيْث ذُو حمق ... قَالُوا هُوَ الشَّمْس قلت الشَّمْس ميزَان)
стр. 737
(قَالُوا هُوَ السَّيْف قلت السَّيْف ذُو كلل ... وَرُبمَا جَاءَ مِنْهُ صَاح عدوات)
(قَالُوا فَمَا هُوَ قل لي قلت قد جمعت ... فِيهِ الْخِصَال وزادت فِيهِ عرفان)
(أَخُوهُ شمس بِهِ ضاءت مَنَازِله ... وصدره بعلوم الله رَيَّان)
(ليثان حبران فِي آجام معرفَة ... يروي بانداهما للْعلم ظمآن)
( ... قد جَاءَ للرملة البيضا وَقد درست ... فِيهَا الْعُلُوم وفيهَا لَاحَ طغيان)
(فجدد الْعلم فِيهَا واستنار بِهِ ... عرش الْعُلُوم وفيهَا زَاد إِيمَان)
وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من أجلاء الْعلمَاء وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي سنة خمس وَخمسين بعد الْألف
صَالح بن مُحَمَّد بن صَالح بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ بن يس الدجاني الْمَقْدِسِي كَانَ من أهل الْفضل وَالْأَدب وبيتهم بالقدس بَيت علم وتصوف خرج مِنْهَا نامر كثير من الْمَشَاهِير وجدهم أَحْمد بن عَليّ أحد أَصْحَاب سَيِّدي عَليّ بن مَيْمُون وَصَاحب سَيِّدي مُحَمَّد بن عراق وَكَانَ من كبار الصُّوفِيَّة فِي زَمَنه وَله تَرْجَمَة وَاسِعَة فِي الْكَوَاكِب السائرة للنجم الْغَزِّي ذكر فِيهَا أَشْيَاء من مناقبه وأحواله وَصَالح هَذَا ولد بالقدس وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ على أَبِيه مُحَمَّد الْآتِي ذكره فِي أَنْوَاع الْعُلُوم ونظم ونثر وَكَانَ مَقْبُول الشيمة لطيف الطَّبْع حسن الْعشْرَة خلوقا متوددا وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمس وَخمسين وَألف
صَالح بن نصر الله وَيعرف بِابْن سلوم بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام الْحلَبِي رَئِيس أطباء الدولة العثمانية ونديم السُّلْطَان مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم سيد الْأَطِبَّاء والحكماء وَوَاحِد الظرفاء والندماء أظهر فِي فنون الطِّبّ كل معنى غَرِيب وركها بمقدمات حسه كل تركيب عَجِيب فأنتج اسْتِخْرَاج الْأَمْرَاض من أوكارها وَكَانَ كل طَبِيب يعجز عَن إظهارها كَانَ للطفة إِذا جس نبضا يُعْطِيهِ روح الْأَرْوَاح وَيفْعل لرقته فِي النُّفُوس ماذ تَفْعَلهُ الراح وَهَذَا التَّعْرِيف لغيري احتجته فَفِي مَحَله أدرجته ولد بحلب وَنَشَأ بهَا وَأخذ عَن أكَابِر شيوخها واشتغل بالعلوم الْعَقْلِيَّة وجد فِي تَحْصِيلهَا حَتَّى برع وَغلب عَلَيْهِ علم الطِّبّ وَكَانَ حسن الصَّوْت عَارِفًا بالموسيقى صارفا أوقاته فِي الملاذ ومسالمة أَبنَاء الْوَقْت ثمَّ تولى مشيخة الْأَطِبَّاء بحلب وَلم يزل على تِلْكَ الْحَالة حَتَّى رَحل إِلَى الرّوم واختلظ بكبرائها واشتهر أمره بَينهم ونما حَظه حَتَّى وصل خَبره إِلَى السُّلْطَان فاستدعاه وَأَعْجَبهُ لطف طبعه فصيره رَئِيس الْأَطِبَّاء وَأَعْطَاهُ رُتْبَة قَضَاء قسطنطينية وقربه وَأَدْنَاهُ وَبلغ من الإقبال
стр. 738
ونفوذ الْكَلِمَة مبلغا رفيعا وَكَانَ فِي حد ذَاته أعجب من رؤى وَسمع فِي لطف البداهة والنكتة والنادرة وَله رِوَايَة فِي الشّعْر وَالْأَخْبَار وَاسِعَة وَكَانَ ينظم الشّعْر وَلم أر لَهُ الا هَذَا الْمَقْطُوع وَقد جَاءَ فِيهِ بمضمون لطيف وَهُوَ
(سقاني من أَهْوى كلون خدوده ... مدا مَا يرى سر الْقُلُوب مذاعا)
(ومذ شَبَّبَ الإبريق فِي كأس حاننا ... أَقَامَت دراويش الْحباب سَمَاعا)
وَألف فِي الطِّبّ تأليفا لطيفا سَمَّاهُ برْء سَاعَة وسمت همته فِي اقتناص شوارد المكرمات حَتَّى نفع بجاهه كثيرا من أهل دائرته ومدحه شعراء الْعَصْر وَأحسن مَا رَأَيْت من مدائحه قصيدة مدحه بهَا صاحبنا المرحوم عبد الْبَاقِي بن أَحْمد السمان الدِّمَشْقِي مستهلها
(بذكرك بعد الله يستفتح الذّكر ... فَمَا لسواك الْآن نهى وَلَا أَمر)
(وباسمك يسترقى السقيم فيشتفى ... بِهِ ويسح الْغَيْث أَو يبطل السحر)
(وَلَو لقن الشَّيْخ المريد حُرُوفه ... تجلت لَهُ الْأَنْوَار وانكشف السّتْر)
(ولور قموافي راية الْجَيْش رسمه ... لجاء على آثارها الْفَتْح والنصر)
(وَمَا الْمجد إِلَّا صُورَة أَنْت روحها ... كَمَا أَنْت معنى لَفظه الْكَوْن والدهر)
(وَمَا الْخَيْر إِلَّا مِنْك أوفيك أَو لَدَى ... جنابك أَو من شِئْت واليمن واليسر)
(جنابك مَسْعُود وبابك كعبة ... تَطوف بهَا الآمال تسبيحها الشُّكْر)
(تكَاد ترى خلق الفعال حَقِيقَة ... إِذا عدت ذَا سقم فعادلة الْعُمر)
(إِذا جدت بالدنيا جَمِيعًا لآمل ... تَقول لَهُ عد ثَانِيًا وَلَك الْعذر)
(إِذا مَا تَلا أوصافك الغر مادح ... يُقَال أفيمن همه الْحَمد وَالْأَجْر)
(وَقد حزت مجدا يحسر الطّرف دونه ... وتعنو لَهُ الأفلاك أَو تسْجد الزهر)
(وسعدا مكينا الوحوى الْبَدْر بعضه ... تنْزع عَن نقص وَلم يكسف الْبَدْر)
(وَأُوتِيت مَا لم يُؤْت لُقْمَان بعضه ... فَأَنت بِجمع الْفضل بَين الورى وتر)
(وجودا يكَاد الْبَحْر يشبه فيضه ... وهيهات أَن يحْكى مواهبك الْبَحْر)
مِنْهَا
(أمولاي إقبالا لعبد تَوَجَّهت ... إِلَيْك بِهِ الآمال وصلته الشُّكْر)
(إِذا مَا جرى ذكراك فِي مجْلِس غَدا ... يمِيل كَمَا النشوان مَالَتْ بِهِ الْخمر)
(وَيبْخَل بالتصريح بِاسْمِك غيرَة ... وحبا وإجلالا وَإِن علم الْأَمر)
(وَهل تختفي الشَّمْس المنيرة فِي الضُّحَى ... ويكتم نور الْبَدْر أَو يستر الْفجْر)
стр. 739
وَكَانَت وَفَاته بينكي شهر وَهُوَ فِي خدمَة السُّلْطَان فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف
صَالح الرُّومِي الْمَعْرُوف بدرس عَام القسطنطيني الْمُحَقق الشهير أحد من أَدْرَكته فَرَأَيْت الْفضل مُشْتَمِلًا بِهِ وَهُوَ أحد نَوَادِر الدَّهْر فِي الْفضل والإتقان وَتَحْقِيق الْعُلُوم والفضلاء الرّوم تهافت بَالغ على الْوُصُول إِلَيْهِ والإقتباس مِمَّا لَدَيْهِ وَهُوَ فِي نفس الْأَمر عَجِيب الصَّنْعَة فِي تَقْرِيره وتفهيمه جَار على طَريقَة محققي الْعَجم والأكراد فِي مُرَاعَاة آدَاب الْبَحْث وَكَانَت لَهُ فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة مهارة كُلية بِحَيْثُ لَا يشق فِيهَا غباره وَقد ولد بقسطنطينية وَبَلغنِي أَنه كَانَ فِي ابْتِدَاء أمره مزيناً ثمَّ حبب إِلَيْهِ الطّلب فجد واجتهد وَصرف شطرا عَظِيما من عمره فِي الِاشْتِغَال حَتَّى بهر وَمهر وَجلسَ مجْلِس التدريس فأكبت عَلَيْهِ الطّلبَة وَمَا برحوا فِي زِيَادَة واعتناء بِهِ ثمَّ سلك طَرِيق الموَالِي فدرس بعدة مدارس وَلما قدمت قسطنطينية من أدرنة فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ صادفته مدرساً بِإِحْدَى مدرستي زَكَرِيَّاء برتبة موصلة الصُّحُف وَكَانَ إِذْ ذَاك يقرى كتاب مُغنِي اللبيب لِابْنِ هِشَام فيحضره جمع كثير من الأفاضل ثمَّ انْتقل إِلَى إِحْدَى الْمدَارِس الثمان فدرس فِيهَا شرح المواقف على مُقْتَضى شَرط واقفها وَكَانَ لَهُ فِي بَيته دروس خَاصَّة وَتُوفِّي وَهُوَ مدرس إِحْدَى الثمان وَكَانَت وَفَاته يَوْم الاربعاء رَابِع عشر رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف
صَالح باشا الموستاري نَائِب الشَّام كَانَ فِي الأَصْل من خدمَة الْوَزير مصطفى باشا الْمَعْرُوف بالفراري ورد فِي خدمته إِلَى دمشق وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى مصر حَاكما بهَا ثمَّ بعد أَن عزل مخدومه عَن مصر صَحبه إِلَى الرّوم وَصَارَ ضَابِط الْجند الشَّامي وَورد إِلَى دمشق فِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف وَلم يحصل لَهُ حَظّ تَامّ لوُجُود صولة الْجند فِي ذَلِك الْوَقْت ثمَّ بعد زَوَال بَعضهم نفذت كَلمته وَلما ولي الْوَزير أَحْمد باشا الْفَاضِل نِيَابَة الشَّام جعله قَائِما مقَامه إِلَى أَن قدم إِلَيْهَا فصيره كتنداه وَلما ولي الوزارة الْعُظْمَى جعله أَمِيرا خور السُّلْطَان ثمَّ جعله ضَابِط الْجند بقسطنطينية وسافر فِي خدمَة الْوَزير إِلَى سفر إيران فاتفق أَنه اسْتشْهد نَائِب الشَّام الْوَزير مصطفى باشا القليلي فَوجه إِلَيْهِ مَكَانَهُ وَأرْسل متسلماً من قبله وَأقَام هُوَ فِي السّفر السلطاني وَأمر بعمارة خَان حسية ووكل فِي الْعِمَارَة وَالصرْف جمَاعَة من أهل دمشق فعمروه ووسعوه ثمَّ أَمر بعمارة خَان السبك فعمروه عمَارَة لَطِيفَة وقلدوا فِي بُنْيَانه ببنيان عمَارَة
стр. 740
القطيفة من السُّوق وَالْجَامِع وَالْحمام والعمارة وَوَقع هَذَا الخان فِي موقعه وَاتفقَ لَهُ تواريخ عديدة بِالْعَرَبِيَّةِ والتركية وأجودها التَّارِيخ الَّذِي صنعه الْأَمِير المنجكي رَحمَه الله تَعَالَى وَذَلِكَ قَوْله
(صَالح للخير لما أَن بني ... مخلصا خَانا بِفعل متقن)
(وَهُوَ وَالِي الشَّام من أضحى لَهُ ... حسن ذكر فِي جَمِيع الألسن)
(قَالَ دَاعِي الْبر بشرى أَرخُوا ... فِي سَبِيل الله خَان قد بنى)
وَكَانَ ذَلِك فِي سنة خمس وَسبعين وَألف ثمَّ عمر واله بأَمْره الْحمام خَارج بَاب الْجَابِيَة بِملَّة القماحين ورتب عشرَة أَجزَاء بالجامع الْأمَوِي تجاه رَوْضَة سيدنَا يحيى ﵇ وَشرط نظارة وَفقه لمفتي دمشق وَكَانَ يحب الْعلمَاء ويجالس الصلحاء وَكَانَت وَفَاته بِمَدِينَة صوفية فِي سنة سِتّ وَسبعين وَألف والموستاري بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْوَاو وَالسِّين الْمُهْملَة وَبعدهَا تَاء مثناة من فَوق وَألف وَرَاء نِسْبَة إِلَى بَلْدَة مَشْهُورَة فِي دَائِرَة بوسنة
السَّيِّد صبغة الله بن روح الله بن جمال الله البروجي الشريف الْحُسَيْنِي النقشبندي نزيل الْمَدِينَة المنورة الْأُسْتَاذ الْكَبِير الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى كَانَ أحد أَفْرَاد الزَّمَان فِي المعارف الإلهية وَله الْيَد الطُّولى فِي أَنْوَاع الْفُنُون وَله الْحَاشِيَة الْمَشْهُورَة على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وَهِي مَشْهُورَة فِي بِلَاد الرّوم وَله مصنفات غَيرهَا مِنْهَا كتاب بَاب الْوحدَة ورسالة إراءة الدقائق فِي شرح مرْآة الْحَقَائِق ورسالتان فِي الصَّنْعَة الجابرية ورسالة فِي الجفر وَمَا لَا يسع المريد تَركه كل يَوْم من سنَن الْقَوْم وتعريب جَوَاهِر الْغَوْث ولد بِمَدِينَة بروج بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْوَاو ثمَّ جِيم مَدِينَة بِالْهِنْدِ وَأَصله من أصفهان انْتقل جده مِنْهَا إِلَى الْهِنْد وَسكن بِالْمَدِينَةِ الْمَذْكُورَة وَأخذ فِي الْهِنْد عَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى وجيه الدّين الْعلوِي الْهِنْدِيّ تلميذ الشَّيْخ مُحَمَّد الْغَوْث البسطامي وتأدب بِهِ وأكمل عِنْده الطَّرِيق وَأَجَازَهُ للإرشاد فَأقبل عَلَيْهِ النَّاس وَبعد صيته وَعظم أمره عِنْد مُلُوك الْهِنْد إِلَى الْغَايَة لما شاهدوه من غزير علمه وزهده وورعه مَعَ عدم تردده إِلَى أحد من أعيانها وَعدم قبُوله الْعَطاء من السُّلْطَان وَغَيره إِلَّا نَادرا ثمَّ رَحل إِلَى الْحجاز وَحج فِي سنة خمس بعد الْألف وَأقَام بِالْمَدِينَةِ يدرس للطلبة ويربي المريدين وانتفع بِهِ الجم الْغَفِير أَجلهم السَّيِّد الأمجد ميرزا توفّي بِالْمَدِينَةِ فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن
следующие страницы →