Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ دَخَلَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَتْ إنَّ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ اسْتَمْتَعَ بِامْرَأَةٍ مُوَلَّدَةٍ فَحَمَلَتْ مِنْهُ فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ فَقَالَ هَذِهِ الْمُتْعَةُ لَوْ كُنْت تَقَدَّمْت فِيهَا لَرَجَمْت) .
ــ
[المنتقى]
لِقَوْلِ عَلِيٍّ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إنْ وَقَعَ يُفْسَخُ زَادَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَقْدُ نِكَاحٍ فَسَدَ بِعَقْدِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُفْسَخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ كَالنِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً عَلَى أَنْ يَأْتِيَهَا نَهَارًا وَلَا يَأْتِيَهَا لَيْلًا فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَا أُحَرِّمُهُ فَإِنْ وَقَعَ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَجْهُ الْمَنْعِ فِي ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ شَيْئًا مِنْ الْمُتْعَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ مُدَّةَ النِّكَاحِ التَّحْدِيدُ وَذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي فَسَادِهِ وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ شَرَطَ فِي النِّكَاحِ ضِدَّ مُقْتَضَاهُ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ تَأَبُّدُ الْمُوَاصَلَةِ وَاسْتِكْمَالُ مِلْكِهِ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأَةِ زَوْجَانِ وَإِنَّمَا قُلْنَا يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْعَقْدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجِبُ لَهَا بِالْبِنَاءِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ الْمُسَمَّى وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْعَقْدِ دُونَ الْمَهْرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَا يُرِيدُ إمْسَاكَهَا إلَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا مُدَّةً ثُمَّ يُفَارِقَهَا فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَيْسَ مِنْ الْجَمِيلِ وَلَا مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَمَعْنَى ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّ النِّكَاحَ وَقَعَ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا وَإِنَّمَا نِكَاحُ الْمُتْعَةِ مَا شُرِطَتْ فِيهِ الْفُرْقَةُ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةٍ قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ عَلَى غَيْرِ إمْسَاكٍ فَيَسُرُّهُ أَمْرُهَا فَيُمْسِكُهَا وَقَدْ يَتَزَوَّجُهَا يُرِيدُ إمْسَاكَهَا ثُمَّ يَرَى مِنْهَا ضِدَّ الْمُوَافَقَةِ فَيُفَارِقُهَا يُرِيدُ أَنَّ هَذَا لَا يُنَافِي النِّكَاحَ فَإِنَّ لِلرَّجُلِ الْإِمْسَاكَ أَوْ الْمُفَارَقَةَ وَإِنَّمَا يُنَافِي النِّكَاحَ التَّوْقِيتُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ دَخَلَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَتْ إنَّ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ اسْتَمْتَعَ بِامْرَأَةٍ مُوَلَّدَةٍ فَحَمَلَتْ مِنْهُ فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ فَقَالَ هَذِهِ الْمُتْعَةُ لَوْ كُنْت تَقَدَّمْت فِيهَا لَرَجَمْت) .
(ش) : قَوْلُهُ فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ عَظَّمَ هَذَا الْأَمْرَ وَاسْتَشْنَعَ أَنْ يَقَعَ مَا تَقَدَّمَ فِيهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمَنْعِ وَالتَّحْرِيمِ فَأَعْجَلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَهْتَبِلَ بِأَمْرِ رِدَائِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ " هَذِهِ الْمُتْعَةُ " يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمُتْعَةَ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا وَلَوْ كُنْت تَقَدَّمْت فِيهَا لَرَجَمْت يُرِيدُ: أَعْلَمْت النَّاسَ إعْلَامًا شَائِعًا بِمَا أَعْتَقِدُ فِي ذَلِكَ وَآخُذُ بِهِ مِنْ التَّحْرِيمِ حَتَّى لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ فَيَكُونَ الْمُتَمَتِّعُ مُقْتَحِمًا لِلتَّحْرِيمِ فَأَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّهُ مَنْ جَهِلَ التَّحْرِيمَ وَكَانَ الْأَمْرُ الْمُحَرَّمُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى مِثْلُهُ وَلَا يُعْلَمُ عِلْمُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِيهِ إبَاحَةٌ فَإِنَّهُ يُدْرَأُ فِيهِ الْحَدُّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ بَعْضَ الْخِلَافِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَأَرَادَ بِقَوْلِهِ " لَوْ تَقَدَّمْت فِيهَا " بَيِّنَةَ مَا عِنْدِي فِيهِ مِنْ النَّصِّ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَيَزُولَ الْخِلَافُ " لَرَجَمْت " لِتَقَدُّمِ الْإِجْمَاعِ وَانْعِقَادِهِ فِيهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ " لَوْ كُنْت تَقَدَّمْت فِيهِ لَرَجَمْت " رَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ يُرْجَمُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ إنْ كَانَ مُحْصَنًا وَيُجْلَدُ مَنْ لَمْ يُحْصَنْ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا رَجْمَ فِيهِ وَإِنْ دَخَلَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْهُ بِمَكْرُوهِ ذَلِكَ وَلَكِنْ يُعَاقَبُ عُقُوبَةً مُوجِعَةً لَا يَبْلُغُ بِهَا الْحَدَّ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ يُدْرَأُ فِيهِ الْحَدُّ وَيُعَاقَبُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِمَكْرُوهِ ذَلِكَ وَجْهُ قَوْلِ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ وَخَطَبَهُمْ بِهِ وَخُطَبُهُ تَنْتَشِرُ وَقَضَايَاهُ تَنْتَقِلُ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَلَا حُفِظَ لَهُ مُخَالِفٌ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْبَغُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مُزَيْنٍ عَنْهُ أَنَّ كُلَّ نِكَاحٍ حَرَّمَتْهُ السُّنَّةُ وَلَمْ يُحَرِّمْهُ
стр. 1017
نِكَاحُ الْعَبْدِ (ص) : (مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ يَنْكِحُ الْعَبْدُ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي ذَلِكَ) .
ــ
[المنتقى]
الْقُرْآنُ فَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ أَتَاهُ رَجُلٌ عَالِمًا عَامِدًا وَإِنَّمَا فِيهِ النَّكَالُ، وَكُلُّ نِكَاحٍ حَرَّمَهُ الْقُرْآنُ أَتَاهُ عَالِمًا عَامِدًا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ قَالَ وَهَذَا الْأَصْلُ الَّذِي عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ مَا حَرَّمَتْهُ السُّنَّةُ وَوَقَعَ الْإِجْمَاعُ وَالْإِنْكَارُ عَلَى تَحْرِيمِهِ يَثْبُتُ فِيهِ الْحَدُّ كَمَا يَثْبُتُ فِيمَا حَرَّمَهُ الْقُرْآنُ قَالَ وَاَلَّذِي عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ الْخِلَافَ إذَا انْقَطَعَ وَوَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَحَدِ أَقْوَالِهِ بَعْدَ مَوْتِ قَائِلِهِ وَقَبْلَ رُجُوعِهِ عَنْهُ فَإِنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِمَوْتِ الْمُخَالِفِ فَعَلَى هَذَا حُكْمُ الْخِلَافِ بَاقٍ فِي حُكْمِ قَضِيَّةِ الْمُتْعَةِ وَبِذَلِكَ لَا يُحَدُّ فَاعِلُهُ وَقَالَ جَمَاعَةٌ إنَّهُ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِمَوْتِ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ فَعَلَى هَذَا قَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ قَائِلٌ بِهِ فَعِنْدِي هَذَا يُحَدُّ فَاعِلُهُ وَهَذَا عَلَى قَوْلِنَا إنَّهُ لَمْ يَصِحَّ رُجُوعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَلَوْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بِتَحْرِيمِهِ وَأَتَاهُ أَحَدٌ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْحَقَ بِهِ الْوَلَدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ لَوْ كُنْت أَعْلَمْت النَّاسَ بِرَأْيِي فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيمِهِ وَوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ أَتَاهُ لَأَقَمْت الْحَدَّ فِيهِ بِالرَّجْمِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَجْرِي عِنْدَ الْخِلَافِ إلَّا عَلَى مَا رَآهُ الْإِمَامُ الَّذِي يَحْكُمُ فِي ذَلِكَ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ النَّصِّ أَوْ وَجْهِ التَّأْوِيلِ مَا يَمْنَعُ قَوْلَ الْمُخَالِفِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[نِكَاحُ الْعَبْدِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ]
(ش) : قَوْلُهُ يَنْكِحُ الْعَبْدُ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ مُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُنَّ كَالْحُرِّ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ لِلْحُرِّ وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ أَمْ لَا قَالَ مَالِكٌ بِجَوَازِهِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّا لَنَقُولُ ذَلِكَ وَمَا أَدْرِي مَا هَذَا.
وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ إلَّا اثْنَيْنِ وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] مَا حَلَّ لَكُمْ فَبَيِّنُوا أَوَّلًا أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ حَلَالٌ لِلْعَبِيدِ حَتَّى يَثْبُتَ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ لَهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ فِي مُوَاجَهَةِ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ فَإِذَا قَالَ لَهُمْ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَقَدْ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الَّذِي يَطِيبُ وَيَحِلُّ هُوَ مَثْنَى وَثُلَاثُ وَرُبَاعُ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ لَفْظَةَ الطَّيِّبِ أَبْيَنُ فِي اللَّذَّةِ وَمَا يَشْتَهِيهِ الْإِنْسَانُ لَا سِيَّمَا إذَا أُضِيفَ ذَلِكَ إلَى الْمُسْتَطِيبِ فَقِيلَ لَهُ افْعَلْ مَا طَابَ لَك فَإِذَا أُطْلِقَ وَلَمْ يُضَفْ إلَى الْمُكَلَّفِ جَازَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِبَاحَةُ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ وَلَوْ جَازَ حَمْلُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعَ الْإِضَافَةِ لَكَانَ فِيمَا قُلْنَا أَظْهَرُ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْخِطَابَ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْأَحْرَارِ دُونَ الْعَبِيدِ لِأَنَّ نَفَقَاتِ زَوْجَاتِ الْعَبِيدِ عَلَى سَادَاتِهِمْ وَهُوَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] مَعْنَاهُ يَكْثُرُ عِيَالُكُمْ وَيَشُقُّ الْإِنْفَاقُ عَلَيْكُمْ كَذَلِكَ فَسَّرَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ اعْتَبَرَ بِهِ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ بَلْ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ عَالَ يَعُولُ إذَا كَثُرَ عِيَالُهُ وَإِنَّمَا يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ أَعَالَ يُعِيلُ إذَا كَثُرَ عِيَالُهُ وَإِنَّمَا يُقَالُ عَالَ يَعُولُ إذَا مَالَ وَعَالَتْ الْفَرِيضَةُ تَعُولُ إذَا زَادَ حِسَابُهَا وَالْعَوْلُ قُوتُ الْعِيَالِ وَهُوَ مَا يُعَالُونَ بِهِ وَالْعَيْلَةُ الْحَاجَةُ يُقَالُ مِنْهُ عَالَ يُعِيلُ إذَا افْتَقَرَ.
وَاَلَّذِي قَالَ بِهِ جَمَاعَةُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ أَنْ لَا تَعُولُوا أَنْ لَا تَمِيلُوا كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمْ وَأَنْشَدُوا بَيْتَ أَبِي طَالِبٍ
بِمِيزَانِ قِسْطٍ لَا يَخُسُّ شَعِيرَةً ... وَوَزَّانِ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ
стр. 1018
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْعَبْدُ مُخَالِفٌ لِلْمُحَلِّلِ إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ ثَبَتَ نِكَاحُهُ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَالْمُحَلِّلُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ أَذَا أُرِيدَ بِالنِّكَاحِ التَّحْلِيلَ)
ــ
[المنتقى]
يَعْنِي غَيْرَ مَائِلِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَلَّ زَوْجَاتُهُ اللَّاتِي يَخَافُ أَنْ لَا يَعْدِلُ بَيْنَهُنَّ كَانَ أَبْعَدَ لَهُ مِنْ الْمِيلِ وَالْجَوْرِ فِيمَا بَيْنَهُنَّ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ قَالَ ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فَذَكَرَ مَا لَا يَحْرُمُ فِيهِ الْمِيلُ مِنْ السَّرَارِي وَلَا يَلْزَمُ بَيْنَهُنَّ الْعَدْلُ، وَلَوْ أَرَادَ النَّهْيَ عَنْ كَثْرَةِ الْعِيَالِ وَالْإِنْفَاقِ لَمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْعِيَالِ تَحْصُلُ بِالْإِمَاءِ كَمَا تَحْصُلُ بِالْأَحْرَارِ، وَالْإِنْفَاقُ يَلْزَمُ عَلَيْهِنَّ كَمَا يَلْزَمُ لِلزَّوْجَاتِ، وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ إنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَى زَوْجَاتِهِ بَلْ ذَلِكَ لَازِمٌ فِيمَا يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ يُوصَى لَهُ بِهِ وَأَمَّا سَيِّدُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ نَفَقَتِهِنَّ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَا طَرِيقُهُ الشَّهْوَةُ وَالْمَلَاذُ يَتَسَاوَى فِيهِ حُكْمُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: ٢٨] وَمَعْنَى ذَلِكَ إنْكَارُ مُسَاوَاةِ الْعَبِيدِ الْأَحْرَارَ فِيمَا رُزِقُوهُ وَيُلْغَى هَذَا الْحُكْمُ، وَلَوْ جَازَ لِعَبْدٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا لَكَانَ قَدْ سَاوَى الْحُرَّ فِيمَا رُزِقَهُ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ لَيْسَ بِالْبَيِّنِ إلَّا أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى نَفَى أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِيمَا خَلَقَهُ وَتَمَلَّكَهُ كَمَا لَيْسَ لِعَبِيدِنَا شَرِكَةٌ فِيمَا رُزِقْنَاهُ وَزَوْجَةُ الْعَبْدِ لَيْسَ مِمَّا رُزِقْنَاهُ فَيُشَارِكُنَا فِيهَا وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَإِنَّ الْعَبِيدَ يُشَارِكُونَ الْأَحْرَارَ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ مِنْ جَوَازِ الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ وَتَحْرِيمِ الظُّلْمِ لَهُمْ وَإِبَاحَاتِ الْمُبَاحَاتِ مِنْ الْمَلَاذِ وَالْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا النِّكَاحُ فَقَدْ أُبِيحَ لِلْعَبْدِ مِنْهُ مَا لَمْ يُبَحْ لِلْحُرِّ وَهُوَ نِكَاحُ الْإِمَاءِ مِنْ غَيْرِ عَدَمِ طَوْلٍ وَلَا خَوْفِ عَنَتٍ.
وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّنَا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ نَفْيُ مُسَاوَاةِ الْعَبْدِ لِلْحُرِّ فِي النِّكَاحِ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْكِحُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَالْحُرَّ يَنْكِحُ بِغَيْرِ إذْنٍ فَثَبَتَ بِذَلِكَ عَدَمُ الْمُسَاوَاةِ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ فِي عَدَدِ الزَّوْجَاتِ وَلَا لَفْظٌ عَامٌّ يُتَعَلَّقُ بِهِ وَلِذَلِكَ تُسَاوِي الْأَمَةُ الْحُرَّةَ فِي عَدَدِ الْأَزْوَاجِ وَقَدْ تَعَلَّقَ فِي هَذَا الْقَوْلِ مَنْ احْتَجَّ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵃ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ وَهَذَا لَمْ يَشْتَهِرْ مِنْ قَوْلِهِمْ اشْتِهَارًا يَصِحُّ بِهِ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ الْخِلَافِ، وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ مَعْنَى ذُو عَدَدٍ بُنِيَ عَلَى التَّفْصِيلِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُسَاوِيَ فِيهِ الْعَبْدُ الْحُرَّ كَالطَّلَاقِ وَالْعَدَدِ وَالْحُدُودِ وَوَصْفُهُ بِأَنِّي بُنِيَ عَلَى التَّفْصِيلِ غَيْرُ مُسْلِمٍ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا يَتَزَوَّجُ أَرْبَعًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُنَّ حَرَائِرَ وَجَمِيعُهُنَّ إمَاءٌ وَبَعْضُهُنَّ حَرَائِرُ وَسَائِرُهُنَّ إمَاءٌ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ فَجَازَ أَنْ يَنْكِحَ أَرْبَعَ حَرَائِرَ كَالْحُرِّ.
(ش) : قَوْلُهُ وَالْعَبْدُ مُخَالِفٌ لِلْمُحَلِّلِ يُرِيدُ أَنَّ نِكَاحَ الْعَبْدِ يَثْبُتُ إذَا أَذِنَ فِيهِ السَّيِّدُ وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ لَا يَثْبُتُ بِوَجْهٍ وَلَا بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ إذَا أُرِيدَ بِهِ التَّحْلِيلُ وَذَلِكَ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ تَحْلِيلَ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لِمَنْ طَلَّقَهَا وَأَمَّا مَنْ تَزَوَّجَ لِغَيْرِ تَحْلِيلٍ ثُمَّ طَلَّقَ أَوْ أَقَامَ فَلَيْسَ بِمُحَلِّلٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَ نِكَاحِ الْعَبْدِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِإِجَازَةِ السَّيِّدِ وَبَيْنَ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِإِجَازَةِ مُجِيزٍ أَنَّ نِكَاحَ الْعَبْدِ إنَّمَا يَرِدُ لِحَقِّ السَّيِّدِ فَإِنْ أَجَازَهُ السَّيِّدُ جَازَ وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ إنَّمَا يَرِدُ الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ لِأَحَدٍ إجَازَتُهُ، وَفِي نِكَاحِ الْعَبْدِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ، الْأَوَّلُ فِي مِلْكِ السَّيِّدِ نِكَاحَ الْعَبْدِ، وَالثَّانِي فِيمَا يَجُوزُ مِنْ عَقْدِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَتَجْوِيزِ السَّيِّدِ لَهُ وَفَسْخِهِ، وَالثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ فِي نِكَاحِهِ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مِلْكِ السَّيِّدِ نِكَاحَ الْعَبْدِ] ١
السَّيِّدُ يَمْلِكُ نِكَاحَ الْعَبْدِ وَلَهُ أَنْ يَجْبُرَهُ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لَا يَجْبُرُهُ
стр. 1019
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَلَى النِّكَاحِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] قُلْنَا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَمْلِكُوا الْإِنْكَاحَ لَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ قَرَنَ ذِكْرَهُمْ بِذِكْرِ الْإِمَاءِ وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ لِلسَّيِّدِ إجْبَارَ أَمَتِهِ عَلَى النِّكَاحِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ بِمَنْزِلَتِهَا وَهَذَا مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِالْقَرَائِنِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ يَمْلِكُ رِقَّهُ يَمْلِكُ إجْبَارَهُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْأَمَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إذَا انْفَرَدَ بِمِلْكِ جَمِيعِهِ وَلَمْ يُرِدْ بِإِنْكَاحِهِ ذَلِكَ الْإِضْرَارَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ شَرِيكٌ أَوْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا لَمْ يَمْلِكْ إجْبَارَهُ عَلَى النِّكَاحِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ انْتِزَاعَ مَالِهِ فَلَا يَمْلِكُ إنْكَاحَهُ كَالْحُرِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ زَوَّجَهُ سَيِّدُهُ جَبْرًا مَلَكَ ارْتِجَاعَ زَوْجَتِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَبَاحَ لَهُ الْبُضْعَ بِالنِّكَاحِ أَوْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ فَقَدْ مَلَكَ جَمِيعَ أَحْكَامِهِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ كَمَا لَيْسَ لَهُ مِنْهُ مَنْعُهُ مِنْ الْوَطْءِ، وَالرَّجْعَةُ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ فَمَلَكَهَا الْعَبْدُ بِذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
لَا يُجْبَرُ السَّيِّدُ عَلَى إنْكَاحِ عَبْدِهِ وَلَا إنْكَاحِ أَمَتِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ يُجْبَرُ عَلَى نِكَاحِ عَبْدِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ مَحْضُ مِلْكِ رِقِّهِ فَإِذَا دَعَاهُ إلَى إنْكَاحِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ كَالْأَمَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يُجْبَرُ السَّيِّدُ عَلَى إنْكَاحِ مُكَاتَبِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ وَالْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مَحْبُوسًا بِالرِّقِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ الْمَالِكِ لِرِقِّهِ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا يَجُوزُ مِنْ عَقْدِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَتَجْوِيزِ السَّيِّدِ لَهُ وَفَسْخِهِ]
أَمَّا فِي حُكْمِ عَقْدِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَتَجْوِيزِ السَّيِّدِ لَهُ وَفَسْخِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنْ تَزَوَّجَ بِإِذْنِهِ فَنِكَاحُهُ صَحِيحٌ وَإِنْ بَاشَرَ الْعَبْدُ الْعَقْدَ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ النِّكَاحَ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ فِي ذَلِكَ إذْنُ السَّيِّدِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِمَنَافِعِهِ وَمَالِهِ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنَّ لِلسَّيِّدِ فَسْخُهُ وَهَلْ لَهُ أَنْ يُجِيزَهُ؟ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ إجَازَتَهُ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْفَرْجِ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إجَازَةُ السَّيِّدِ قَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَقْدٌ بَاشَرَهُ مَنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ وَإِنَّمَا فِيهِ الْخِيَارُ لِلسَّيِّدِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِمَنَافِعِهِ وَمَالِهِ، وَالْخِيَارُ إذَا ثَبَتَ بِالشَّرْعِ دُونَ الشَّرْطِ لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ النِّكَاحِ كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعُنَّةِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجُنُونِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ إنْكَاحُ الرَّجُلِ ابْنَةَ الْأَجْنَبِيِّ الْبِكْرَ إنْ أَجَازَ ذَلِكَ أَبُوهَا وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ نِكَاحَ الْعَبْدِ إنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْفَسْخِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَإِنْكَاحُ الرَّجُلِ ابْنَةَ الْأَجْنَبِيِّ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِجَازَةِ فَلَا يَجُوزُ كَاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّ لِلسَّيِّدِ الْفَسْخَ أَوْ الْإِجَازَةَ فَإِنْ أَرَادَ الْفَسْخَ فَإِنَّهُ يَكُونُ طَلَاقًا وَكَمْ طَلْقَةً يَمْلِكُ السَّيِّدُ مِنْ ذَلِكَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ السَّيِّدَ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَيْهِ وَاحِدَةً أَوْ أَلْبَتَّةَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً وَتَكُونُ تِلْكَ الطَّلْقَةُ بَائِنَةً، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ مَنْ كَانَ بِيَدِهِ إيقَاعُ الطَّلَاقِ بِالشَّرْعِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ إيقَاعَ الْوَاحِدَةِ وَالْبَتَّةِ كَالزَّوْجِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ لِمَا أَدْخَلَ عَلَيْهِ النِّكَاحُ فِي عَبْدِهِ مِنْ الْعَيْبِ وَالطَّلْقَةُ الْوَاحِدَةُ الْبَائِنَةُ تُفْرِغُ لَهُ عَبْدَهُ وَتُزِيلُ عَنْهُ عَيْبَهُ فَلَا حَاجَةَ لَهُ إلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إيقَاعُهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ عَلِمَ السَّيِّدُ بِنِكَاحِ عَبْدِهِ فَقَالَ لَا أُجِيزُ ثُمَّ أَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ الْإِجَازَةَ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ مَجْلِسِهِ وَكَانَ كَلَامًا كَالْمُرَاجَعَةِ وَالْجَوَابِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَأَمَّا إنْ قَالَ لَا أُجِيزُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَيَّامٍ أَجَزْت فَلَا أَرَاهُ جَائِزًا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَا أُجِيزُ التَّفْرِيقَ فَإِنَّ هَذَا لَا تَكُونُ لَهُ الْإِجَازَةُ بَعْدَ الْفَسْخِ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ التَّوَقُّفَ فِي الْأَمْرِ
стр. 1020
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ إذَا مَلَكَتْهُ امْرَأَتُهُ أَوْ الزَّوْجُ يَمْلِكُ امْرَأَتَهُ إنْ مَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ يَكُونُ فَسْخًا بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَإِنْ تَرَاجَعَا بِنِكَاحٍ بَعْدُ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْفُرْقَةُ طَلَاقًا) .
ــ
[المنتقى]
وَالتَّأَمُّلَ وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ سَأُشَاوِرُ نَفْسِي أَوْ مَا أَشْبَهَهُ فَإِنَّ لِهَذَا أَنْ يُجِيزَ أَوْ يَفْسَخَ وَإِنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَأَمَّا إنْ قَالَ لَا أُجِيزُ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُرَادَ بِهِ فَهَذَا لَهُ أَنْ يُجِيزَ مَا دَامَ فِي مَقَامِهِ وَيُصَدَّقُ السَّيِّدُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ فِيمَا زَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَا أُجِيزُ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَقُمْ فَإِنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ لَمْ تَكُنْ لَهُ الْإِجَازَةُ وَهَذَا كُلُّهُ مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قِيَامَهُ مِنْ مَجْلِسِهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ مُرَادَهُ نِسْبَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ مُرَادَهُ التَّفْرِيقُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ أَرَادَ السَّيِّدُ الْفَسْخَ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنْ الْمَجْلِسِ وَقَدْ بَيَّنَ فِي الْمَجْلِسِ أَنَّهُ يُرِيدُ اسْتِدَامَةَ الْخِيَارِ فَإِنَّ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَسْتَمْتِعَ الْعَبْدُ بِزَوْجِهِ بَعْدَ عِلْمِ السَّيِّدِ بِنِكَاحِهِ عَلَى وَجْهٍ كَانَ يَقْدِرُ سَيِّدُهُ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ لَهُ الْفَسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَمْتَعَ بِهَا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ التَّمْكِينِ وَذَلِكَ أَبْيَنُ مَا يَكُونُ مِنْ الْإِجَازَةِ وَمِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَ السَّيِّدُ بِنِكَاحِ عَبْدِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ثُمَّ رَآهُ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَلَمْ يَمْنَعْهُ فَإِنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ وَالصَّدَاقُ عَلَى الْعَبْدِ وَنَحْوُهُ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ فِي نِكَاحِ الْعَبْدِ] ١
(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ فِي نِكَاحِ الْعَبْدِ) الْعَبْدُ لَا يَخْلُو أَنْ يَنْكِحَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنْ نَكَحَ بِإِذْنِهِ فَالْمَهْرُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ لَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ ذَلِكَ وَمَعْنَى ذِمَّةِ الْعَبْدِ مَا يَطْرَأُ لَهُ بَعْدَ النِّكَاحِ مِنْ مَالٍ بِصَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَبِهِ يَتَعَلَّقُ الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجَةِ دُونَ مَكَاسِبِهِ الَّتِي هِيَ عِوَضُ حَرَكَاتِهِ بِصَنْعَةٍ أَوْ خِدْمَةٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ فِي مَكْسَبِهِ الَّذِي هُوَ عِوَضٌ مِنْ حَرَكَاتِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ إذْنَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ لَمَّا كَانَ لَا يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِهِ شَيْئًا وَمِنْ رَقَبَتِهِ فَكَذَلِكَ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ حَقًّا مِنْ مَنَافِعِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إنْ كَانَ نَكَحَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَأَنْكَرَ السَّيِّدُ قَدْرَ الْمَهْرِ فَإِنْ كَانَ مَهْرَ مِثْلِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهِ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَى السَّيِّدِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ فَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ السَّيِّدُ وَاعْتَرَضَ فِيهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَالزَّوْجَةُ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ أَنْ تَرْضَى مِنْ ذَلِكَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَبَيْنَ أَنْ تَمْتَنِعَ فَيُفْسَخُ النِّكَاحُ فَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَاعْتَرَضَ فِيهِ بَعْدَ لُزُومِ النِّكَاحِ وَفَوَاتِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ مَا زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ إطْلَاقَ الْإِذْنِ إنَّمَا يَقْتَضِي الْمُعْتَادَ فَلَا يَلْزَمُهُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ نَكَحَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَأَجَازَ السَّيِّدُ فَلَهَا جَمِيعُ الْمَهْرِ لِأَنَّ إجَازَتَهُ لِلنِّكَاحِ إجَازَةٌ لِلْمَهْرِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَمُحَمَّدٌ وَإِنْ فَسَخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الْمَهْرِ وَإِنْ فَسَخَهُ بَعْدَ الْبِنَاءِ اسْتَرَدَّهُ السَّيِّدُ إلَّا قَدْرَ مَا يَسْتَحِلُّ بِهِ وَهُوَ رُبْعُ دِينَارٍ لِأَنَّ الْمَالَ مَالُ السَّيِّدِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ السَّيِّدِ وَلِذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ التَّصَرُّفُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِهِ وَأَمَّا مَا ارْتَجَعَ مِنْ الْمَهْرِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّهُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ فَلَا يَكُونُ عَلَى السَّيِّدِ شَيْءٌ مِنْهَا سَوَاءٌ نَكَحَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْعَبْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَحَبُّ إلَيَّ إذَا نَكَحَ الْعَبْدُ أَنْ تَشْتَرِطَ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ السَّيِّدِ بِمَالِ الْعَبْدِ فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِيهَا وَقَدْ فَسَّرْته فِي بَابِ جَامِعِ الطَّلَاقِ.
(فَرْعٌ) وَالسَّيِّدُ أَوْلَى بِخَرَاجِهِ وَبِمَا فِي يَدِهِ فَإِنْ وَجَدَ الْعَبْدُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ وَإِلَّا تَلُومُ لَهُ فَإِنْ وَجَدَ نَفَقَةً وَإِلَّا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا كَالْحُرَّةِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مِلْكَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ فَسْخٌ لِنِكَاحِهِ لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ يُنَافِي النِّكَاحَ وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ عَبْدَهَا وَلَمَّا كَانَ مِلْكُ الْيَمِينِ أَقْوَى لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ
стр. 1021
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْعَبْدُ إذَا أَعْتَقَتْهُ امْرَأَتُهُ إذَا مَلَكَتْهُ وَهِيَ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ لَمْ يَتَرَاجَعَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ) .
نِكَاحُ الْمُشْرِكِ إذَا أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ قَبْلَهُ (ص) : (مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ «بَلَغَهُ أَنَّ نِسَاءً كُنَّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسْلِمْنَ بِأَرْضِهِنَّ وَهُنَّ غَيْرُ مُهَاجِرَاتٍ وَأَزْوَاجُهُنَّ حِينَ أَسْلَمْنَ كُفَّارٌ مِنْهُنَّ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَكَانَتْ تَحْتَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهَرَبَ زَوْجُهَا صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مِنْ الْإِسْلَامِ فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَ عَمِّهِ وَهْبَ بْنَ عُمَيْرٍ بِرِدَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَانًا لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْإِسْلَامِ وَأَنْ يَقْدُمَ عَلَيْهِ فَإِنْ رَضِيَ أَمْرًا قَبِلَهُ وَإِلَّا سَيَّرَهُ شَهْرَيْنِ فَلَمَّا قَدِمَ صَفْوَانُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرِدَائِهِ نَادَاهُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنَّ هَذَا وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ جَاءَنِي بِرِدَائِك وَزَعَمَ أَنَّك دَعَوْتَنِي إلَى الْقُدُومِ عَلَيْك فَإِنْ رَضِيت أَمْرًا قَبِلْته وَإِلَّا سَيَّرَتْنِي شَهْرَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ فَقَالَ لَا وَاَللَّهِ لَا أَنْزِلُ حَتَّى تُبَيِّنَ
ــ
[المنتقى]
وَالْمَنَافِعَ كُلَّهَا أَبْطَلَ حُكْمَ النِّكَاحِ تَقَدَّمَ النِّكَاحُ أَوْ تَأَخَّرَ فَإِنْ تَقَدَّمَ مِلْكُ الْيَمِينِ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ وَلَوْ تَزَوَّجَ أَمَتَهُ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً لَهُ وَبَقِيَتْ عَلَى حَالِهَا أَمَةً لَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ لَهُ عَبْدٌ لَهُ أَمَةٌ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ صَحَّ النِّكَاحُ لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا مِنْهُ انْتِزَاعٌ لِلْأَمَةِ وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهَا بَقِيَّةُ رِقٍّ كَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَالْمُعْتَقَةِ إلَى أَجَلٍ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا وَلَا يَتَزَوَّجَ أَمَةً لَهُ فِيهَا شُبْهَةُ مِلْكٍ كَأَمَةِ عَبْدِهِ وَأَمَةِ ابْنِهِ وَاحْتَجَّ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي أَمَةِ الِابْنِ بِأَنَّهَا مَالٌ لَهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي وَطِئَهَا وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ أَصْحَابِنَا إلَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ إنْكَاحَ الْأَبِ أَمَةَ الِابْنِ عَلَى مَا يُكْرَهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنْ مَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ يَكُونُ فَسْخًا يَقْتَضِي أَنَّ النِّكَاحَ إذَا انْعَقَدَ عَلَى صِحَّةٍ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ مِلْكُ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ فُسِخَ النِّكَاحُ وَبَطَلَ وَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ كُلِّ نِكَاحٍ تَقَدَّمَ عَلَى الصِّحَّةِ وَطَرَأَ عَلَيْهِ مَا يُوجِبُ تَحْرِيمَهُ وَيَمْنَعُ اسْتِدَامَتَهُ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابْنَهُ أَمَتَهُ ثُمَّ تُوُفِّيَ فَوَرِثَهَا أَوْ وَرِثَ جُزْءًا مِنْهَا لَا يُفْسَخُ نِكَاحُهَا وَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ عَبْدَهُ ثُمَّ تُوُفِّيَ فَوَرِثَتْ جُزْءًا مِنْهُ لَا يُفْسَخُ نِكَاحُهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَقَدْ وَقَعَ فِي كِتَابِ الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ فِيمَنْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ لَا شَيْءَ لَهَا وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ كَالطَّلَاقِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ مَعْنًى يُوجِبُ الْفَسْخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الصَّدَاقِ كَالرَّضَاعِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يَكُونُ فَسْخًا بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَإِنْ تَرَاجَعَا بِنِكَاحٍ بَعْدُ لَمْ تَكُنْ الْفُرْقَةُ طَلَاقًا يُرِيدُ أَنَّهُمَا لَا يَتَرَاجَعَانِ إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا بِحُكْمِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ قَدْ انْفَسَخَ وَبَطَلَ حُكْمُهُ وَخَرَجَا عَنْهُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَلِذَلِكَ إذَا تَزَوَّجَهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ لَمْ تُعْتَدَّ عَلَيْهِ فُرْقَةُ الْفَسْخِ طَلْقَةً بَلْ يَبْقَى لَهُ عَلَيْهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ إنْ كَانَ حُرًّا أَوْ طَلْقَتَانِ إنْ كَانَ عَبْدًا.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْعَبْدَ إذَا مَلَكَتْهُ امْرَأَتُهُ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا وَهِيَ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ وَأَعْتَقَتْهُ وَصَارَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهَا فَإِنَّهُمَا لَا يَتَرَاجَعَانِ إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ طَلَاقُهُ إيَّاهَا رَجْعِيًّا فَإِنَّ مِلْكَهَا إيَّاهُ قَدْ قَطَعَ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهَا مِنْ الرَّجْعَةِ وَقَدْ ارْتَفَعَ ذَلِكَ الْمِلْكُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا أَزَالَ الْمِلْكَ مَنَعَ الرَّجْعَةَ كَالرِّدَّةِ.
стр. 1022
لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَلْ لَك تَسْيِيرُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ فَأَرْسَلَ إلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ يَسْتَعِيرُهُ أَدَاةً وَسِلَاحًا عِنْدَهُ فَقَالَ صَفْوَانُ أَطَوْعًا أَمْ كَرْهًا فَقَالَ بَلْ طَوْعًا فَأَعَارَهُ الْأَدَاةَ وَالسِّلَاحَ الَّذِي عِنْدَهُ ثُمَّ خَرَجَ صَفْوَانُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ كَافِرٌ فَشَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ وَهُوَ كَافِرٌ وَامْرَأَتُهُ مُسْلِمَةٌ وَلَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ حَتَّى أَسْلَمَ صَفْوَانُ وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ النِّكَاحِ» مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ بَيْنَ إسْلَامِ صَفْوَانَ وَبَيْنَ إسْلَامِ امْرَأَتِهِ نَحْوٌ مِنْ شَهْرَيْنِ)
ــ
[المنتقى]
[نِكَاحُ الْمُشْرِكِ إذَا أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ قَبْلَهُ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ نِسَاءً كُنَّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسْلِمْنَ بِأَرْضِهِنَّ وَهُنَّ غَيْرُ مُهَاجِرَاتٍ وَأَزْوَاجُهُنَّ حِينَ أَسْلَمْنَ كُفَّارٌ مِنْهُنَّ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَهِيَ عَاتِكَةُ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ إلَى قَوْلِهِ أَسْلَمَتْ عَامَ الْفَتْحِ يُحْتَمَلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنْ تَكُونَ أَسْلَمَتْ فِي وَقْتً تُمْكِنُ الْهِجْرَةُ فِيهِ وَذَلِكَ قَبْلَ الْفَتْحِ لِأَنَّهُ قَالَ أَسْلَمْنَ بِأَرْضِهِنَّ وَلَمْ يُهَاجِرْنَ وَأَزْوَاجُهُنَّ كُفَّارٌ وَلَوْ كَانَ وَقْتٌ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْهِجْرَةُ لَمَا احْتَاجَ إلَى نَفْيِ الْهِجْرَةِ عَنْهُنَّ لِأَنَّ تِلْكَ حَالُ سَائِرِ النِّسَاءِ لَا يُمْكِنُ سِوَاهَا ثُمَّ قَالَ مِنْهُنَّ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ثُمَّ أَسْلَمَتْ عَامَ الْفَتْحِ وَمَنْ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ قَبْلَ الْفَتْحِ فَإِنَّمَا أَسْلَمَتْ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْهِجْرَةُ وَأَمَّا مَنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الْفَتْحِ فَقَدْ فَاتَتْهَا الْهِجْرَةُ لِأَنَّهُ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَعَاتِكَةُ إذَا أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَرَّ زَوْجُهَا صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ لَكِنَّهُ إنَّمَا أَضَافَهَا إلَى مَنْ لَمْ تُهَاجِرْ وَوَصَفَهَا بِعَدَمِ الْهِجْرَةِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ إنَّمَا أُنْزِلَ بِحُكْمِ مَنْ هَاجَرَ وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا حُكْمُ مَنْ هَاجَرَ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَهَرَبَ زَوْجُهَا مِنْ الْإِسْلَامِ يُرِيدُ أَنَّهُ فَرَّ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِيهِ وَلَمْ يَفِرَّ مِنْ الْقَتْلِ لِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ أَمِنَ مِنْ الْقَتْلِ وَقَدْ عَرَفَ ذَلِكَ صَفْوَانُ وَغَيْرُهُ لَكِنَّ فِرَارَهُ كَانَ مِنْ الْإِسْلَامِ الَّذِي أَبَاهُ وَعَلَيْهِ قُوتِلَ حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى الدِّينَ فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠] .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَ عَمِّهِ وَهْبَ بْنَ عُمَيْرٍ بِرِدَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَانًا لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَدَعَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَإِلَى أَنْ يَقْدُمَ عَلَيْهِ فَإِنْ رَضِيَ أَمْرًا قَبِلَهُ وَإِلَّا سَيَّرَهُ شَهْرَيْنِ يُرِيدُ أَنَّهُ أَرْسَلَ ابْنَ عَمِّهِ لِسُكُونِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ إلَى قَوْلِهِ وَثِقَتِهِ بِهِ وَقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَمَعْرِفَتِهِ بِإِشْفَاقِهِ وَقَرَنَ بِهِ رِدَاءَهُ لِيَتَحَقَّقَ بِذَلِكَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ بِهِ وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ مِنْ تَأْمِينِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ وَدُعَائِهِ إيَّاهُ إلَى مَا ذَكَرَهُ لَهُ عَلَى حَسْبِ عَادَةِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ مِنْ أَنَّ مَنْ أَمَّنَ مِنْهُمْ أَحَدًا أَعْطَاهُ سَوْطَهُ أَوْ رِدَاءَهُ أَوْ حَبْلًا أَوْ شَيْئًا يَكُونُ كَالشَّاهِدِ لَهُ عَلَى التَّأْمِينِ وَيُشْهَرُ بِهِ تَأْمِينُهُ لَهُ وَقَوْلُهُ وَدَعَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ بِمَعْنَى أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ وَيُبَيِّنَ لَهُ شَرَائِعَهُ وَأَحْكَامَهُ وَهَدْيَهُ فَإِنْ رَضِيَهُ الْتَزَمَهُ وَدَخَلَ فِيهِ وَقَبِلَهُ مِنْهُ وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ سَيَّرَهُ شَهْرَيْنِ يَعْنِي أَنَّهُ يُؤَمِّنُهُ فِيهِمَا لَا يَعْرِضُ لَهُ أَحَدٌ حَكَاهُ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ لِيَتَمَكَّنَ فِيهِمَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى حَيْثُ يَأْمَنُ مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ وَسَائِرِ الْأُمَمِ قَالَ أَبُو الْمُطَرِّفِ الْقَنَازِعِيُّ ﵀ وَهَذَا أَصْلٌ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَعَلَى حَسْبِ مَا يَرَوْنَهُ مَصْلَحَةً لَهُمْ وَمَا قَالَهُ لَيْسَ بِالْبَيِّنِ وَإِنَّمَا هُوَ تَأْمِينٌ لِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لِيَرَى الْإِسْلَامَ وَحَالَهُ فَإِنْ رَضِيَهُ دَخَلَ فِيهِ وَإِلَّا كَانَ آمِنًا مُدَّةً يُمْكِنُهُ أَنْ يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يُسَمِّيَ التَّأْمِينَ صُلْحًا مَجَازًا أَوْ اتِّسَاعًا أَوْ لِأَنَّ الْمُؤَمَّنَ أَيْضًا يَأْمَنُهُ مَنْ أَمَّنَهُ لَكِنْ لِهَذَا الْمَعْنَى اسْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ التَّأْمِينُ وَالصُّلْحُ أَيْضًا اسْمٌ لِمَعْنًى آخَرَ يَخْتَصُّ بِهِ وَتَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُمَا لِأَنَّ الْمُصَالَحَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُهُ وَالْمُؤَمَّنُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُهُ وَإِنَّمَا يَجْرِي
стр. 1023
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَلَيْهِ حُكْمُ مَنْ أَمَّنَهُ عَلَى حَسْبِ مَا يَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَمَّا قَدِمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ أَنَّهُ نَادَاهُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ جَاءَنِي بِرِدَائِك يَزْعُمُ أَنَّك دَعَوْتنِي إلَى الْقُدُومِ عَلَيْك يُرِيدُ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ حِينَ قُدُومِهِ نَادَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ يُرِيدُ إشْهَارَ تَأْمِينِهِ وَالْإِعْلَانَ بِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعَ كُفْرِهِ قَدْ خَافَ أَمْرًا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ إنْ لَمْ يُشْهِرْ تَأْمِينَهُ مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ وَفَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ لَمْ يَغْدِرْ قَطُّ بِذِمَّةٍ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْ حَالِهِ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ لِهِرَقْلَ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَيَغْدِرُ؟ قَالَ لَا وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِي ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ قَالَ ذَلِكَ وَأَعْلَنَ بِهِ لِيَعْلَمَ عِلْمَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ فَرُبَّمَا خَفَى ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ فَاغْتَالَهُ وَبَدَرَ بِقَتْلِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَفْوَانُ أَرَادَ تَحْقِيقَ مَا جَاءَ بِهِ ابْنُ عَمِّهِ لِتَجْوِيزِهِ الْوَهْمَ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لِمَنْ قَامَ بِقَوْلٍ يَقُولُهُ وَيُعْلِنُ بِهِ وَالنَّاسُ جُلُوسٌ مُنْصِتُونَ بِمَعْنَى أَنَّهُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَأَنَّهُ يُسْمِعُ جَمِيعَهُمْ وَلَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ إخْبَارَ الْجَالِسِ لَدَى مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَحَادَثَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ اجْلِسْ أَبَا وَهْبٍ فَكَنَّاهُ وَهِيَ كُنْيَةُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مُزَيْنٍ عَنْهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُكَنَّى الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ ﷺ بِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَكَانَ مُشْرِكًا قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يُكَنَّى الْيَهُودِيُّ وَلَا النَّصْرَانِيُّ الذِّمِّيُّ لِأَنَّ اللَّهَ أَلْزَمَهُمْ الذِّلَّةَ وَالصَّغَارَ وَفِي تَكْنِيَتِهِ إكْرَامُهُ وَتَعْظِيمُهُ وَإِنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو الْعَرَبَ خَاصَّةً بِكُنَاهَا مَعَ الْإِشْرَاكِ اسْتِئْلَافًا لَهَا بِذَلِكَ وَلِمَنْ كَانَ وَرَاءَهَا مِنْ عَشَائِرِهَا كَمَا جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ مَنَّ عَلَى غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَسْرَى الْعَرَبِ الْمُشْرِكِينَ أَطْلَقَهُمْ امْتِنَانًا وَاسْتِئْلَافًا بِغَيْرِ فِدَاءٍ فَكَانَ الْغَيْرُ إنَّمَا قَصَرَ ذَلِكَ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَتَقْسِيمٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْكُنَى قَدْ يُدْعَى بِهَا عَلَى غَيْرِ سَبِيلِ الْإِكْرَامِ إمَّا لِشُهْرَتِهَا وَأَنَّهَا تُغْلَبُ عَلَى الِاسْمِ وَيُشْتَهَرُ بِهَا صَاحِبُهَا دُونَ الِاسْمِ فَهَذَا لَا اخْتِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] فَكَنَّاهُ لِاشْتِهَارِهِ بِكُنْيَتِهِ فَلَمْ يُرِدْ إكْرَامَهُ بِهَذَا وَلَا اسْتِئْلَافَهُ فَفِي السُّورَةِ مِنْ ذَمِّهِ وَالْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ سَيَصْلَى النَّارَ مَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ غَلَبَتْ الْكُنَى عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كَأَبِي بَكْرٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ وَغَلَبَتْ الْأَسْمَاءُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ كَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ بِالِانْتِسَابِ إلَى أَسْمَائِهِمْ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَلَمْ يَقُلْ أَنَا ابْنُ أَبِي الْحَارِثِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَضَعَ مِنْ جَدِّهِ وَلَا قَصَدَ إلَى تَصْغِيرِ حَالِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ لِحَسَّانَ لَمَّا اسْتَأْذَنَهُ فِي هِجَاءِ قُرَيْشٍ كَيْفَ بِنَسَبِي فِيهِمْ فَقَالَ لَأَسُلَّنك مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ فَقَدْ يُدْعَى بِالْكُنَى عَلَى مَعْنَى الشُّهْرَةِ وَغَلَبَتِهَا وَقَدْ يَكُونُ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا اسْمَ لَهُ وَاسْمُهُ كُنْيَتُهُ كَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ وَغَيْرِهِمَا وَأَمَّا الْكُنْيَةُ عَلَى سَبِيلِ الْإِكْرَامِ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى بِهَا مَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ أَوْ لَا هِيَ الَّتِي يَصِحُّ فِيهَا الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَقَالَ لَا وَاَللَّهِ حَتَّى تُبَيِّنَ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَلْ لَك تَسْيِيرُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ حَتَّى تُبَيِّنَ مَا أَنَفَذْت بِهِ إلَيَّ هَلْ هُوَ عَلَى مَا بَلَغَنِي فَأَنْزِلَ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ فَأَنْظُرَ فِيهِ فَيَكُونُ التَّبَيُّنُ حِينَئِذٍ لَهُ خَاصَّةً لِيَعْلَمَ وَجْهَ التَّأْمِينِ كَيْفَ هُوَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ حَتَّى تُبَيِّنَ لِي بِأَنْ يَسْمَعَ هَؤُلَاءِ تَأْمِينَك لِي فَآمَنُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ إذَا اُشْتُهِرَ الْأَمَانُ أَوْ تُعْلِمَ بِذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِك فَلَا يَكُونُ مِنْهُمْ مَنْ أَخَافُ
стр. 1024
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
إذَايَتَهُ فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالزِّيَادَةِ فِي التَّأْمِينِ عَلَى مَا بَلَغَهُ وَرَضِيَهُ فَقَالَ بَلْ لَك تَسْيِيرُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ أَمْرُ التَّسْيِيرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة: ٢] وَإِنَّمَا بَالَغَ فِي ذَلِكَ ﷺ اسْتِئْلَافًا لَهُ وَاسْتِمَالَةً إلَى الْإِسْلَامِ وَلِيَعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْغَرَضُ فِي قَتْلِهِ وَلَا التَّشَفِّي مِنْهُ لِعَدَاوَتِهِ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ أَنْ يُدْعَى إلَى الْإِسْلَامِ فَيَدْخُلَ فِيهِ فَيُكَفِّرَ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ سَيِّئِ عَمَلِهِ وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ قَطُّ إلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةٌ مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ بِهَا وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ الْجِهَادِ وَمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ رَبُّهُ مِنْ قِتَالِ مَنْ لَا يَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يُقِرُّ بِهِ فَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَدَخَلَ فِيهِ أَطْرَحَ عَدَاوَتَهُ وَأَظْهَرَ مَوَدَّتَهُ وَلَمْ يَبْلُغْ بِأَحَدٍ أَكْثَرَ مِمَّا بَلَغَ بِوَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ قَالَ لَهُ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ عَنِّي وَجْهَك.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ هَوَازِنَ بِجَيْشٍ فَأَرْسَلَ إلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ يَسْتَعِيرَهُ أَدَاةً وَسِلَاحًا عِنْدَهُ فَقَالَ صَفْوَانُ أَطَوْعًا أَمْ كَرْهًا فَقَالَ بَلْ طَوْعًا يُرِيدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَرَجَ إلَى حُنَيْنٍ قَبْلَ هَوَازِنَ اسْتَعَارَ مِنْ صَفْوَانَ أَدَاةً وَسِلَاحًا كَانَتْ عِنْدَهُ وَالْعَارِيَّةُ مُبَاحَةٌ مِنْ الْكَافِرِ وَغَيْرِهِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَ الْمُسْلِمُ ثَوْبًا لَبِسَهُ كَافِرٌ حَتَّى يَغْسِلَهُ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الثِّيَابِ الَّتِي يُفْسِدُهَا الْغَسْلُ فَلْيَلْبِسْهَا وَيُصَلِّي فِيهَا دُونَ أَنْ يَغْسِلَهَا فَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ لَبِسَهَا مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَسْتَدِمْ لُبْسَهَا حِينَ الصَّلَاةِ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا لِأَنَّ الدُّرُوعَ مِمَّا يُفْسِدُهَا الْغَسْلُ وَأَمَّا أَحْكَامُ الْعَارِيَّةِ إذَا تَلِفَتْ عِنْدَ الْمُعَارِ فَنَحْنُ نَذْكُرُهَا فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ رَجَعَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَاهُ إلَى الْخُرُوجِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا خَرَجَ بِاخْتِيَارِهِ وَلَمْ يَدْعُهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَى ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ لَا يَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ الْخُرُوجِ لَمَّا رَجَا أَنْ يَرَى فِي طَرِيقِهِ وَسَفَرِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مَا يُقَوِّي فِي نَفْسِهِ أَمْرَ الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِ وَهَلْ الْمَنْعُ لَمْ يَتَنَاوَلْ خُرُوجَهُ مَعَهُ وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ اسْتِعَانَتَهُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَشَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ وَهُوَ كَافِرٌ وَامْرَأَتُهُ مُسْلِمَةٌ وَلَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ حَتَّى أَسْلَمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ يُرِيدُ لَمْ يَفْسَخْ نِكَاحَهُ وَأَمَّا التَّفْرِقَةُ بِأَنْ لَا يُجَامِعَهَا فَهِيَ مُتَيَقِّنَةٌ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا الرَّاوِي فِي حَدِيثِهِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَقْوَالٍ فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَا تَبِينُ مِنْ زَوْجِهَا الْكَافِرِ بِنَفْسِ إسْلَامِهَا وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ وَابْنُ شِهَابٍ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ وَجَمَاعَةٌ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ إذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ بِسَاعَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ.
وَحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا وَمَرَاسِيلُ ابْنِ شِهَابٍ لَا يُحْتَجُّ بِهَا غَيْرَ أَنَّ هَاتَيْنِ الْقِصَّتَيْنِ قِصَّةَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَقِصَّةَ عِكْرِمَةَ قَدْ شُهِرَتَا وَتَوَاتَرَ خَبَرُهُمَا فَكَانَ ذَلِكَ يَقُومُ لَهُمَا مَقَامَ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ.
وَقَدْ رَوَى وَكِيعٌ عَنْ أَسْمَاءَ وَعَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ «امْرَأَةً أَسْلَمَتْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ زَوْجُهَا بَعْدَهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا كَانَتْ أَسْلَمَتْ مَعِي فَرَدَّهَا عَلَيْهِ» وَقَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَدِيمُ مِلْكَ عِصْمَتِهِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى كُفْرِهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄ أَنَّهَا تُخَيَّرُ فَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ وَإِنْ شَاءَتْ قَرَّتْ عِنْدَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَدِيمُ مِلْكَ عِصْمَتِهَا مَعَ بَقَائِهِ عَلَى كُفْرِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]
стр. 1025
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَهَذَا نَصٌّ فِي تَحْرِيمِ الْمُهَاجِرَاتِ فَهُوَ حُجَّةٌ فَإِنْ سَلِمَ قِسْنَا عَلَيْهِ غَيْرَ الْمُهَاجِرَاتِ فَقُلْنَا إنَّ هَذِهِ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهَا تَحْتَ الْكَافِرِ أَوْ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَدِيمَ الْكَافِرُ مِلْكَ عِصْمَتِهَا كَالْمُهَاجِرَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ إسْلَامُهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ إسْلَامُهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُسْلِمَا جَمِيعًا أَوْ يُسْلِمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ فَإِنْ أَسْلَمَا جَمِيعًا فِي وَقْتٍ مِثْلِ أَنْ يَأْتِيَا جَمِيعًا مُسْلِمِينَ فَفِي النَّوَادِرِ أَنَّهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا فَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَتَقَدَّمَ الزَّوْجُ أَوْ الزَّوْجَةُ فَإِنْ تَقَدَّمَ الزَّوْجُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا وَإِنْ تَقَدَّمَتْ الزَّوْجَةُ فَقَدْ رَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي النَّصْرَانِيِّ تُسْلِمُ زَوْجَتُهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ هُوَ مَكَانَهُ فَلَا رَجْعَةَ لَهُ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي إسْلَامِ الزَّوْجَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِنَفْسِ إسْلَامِهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ إسْلَامَ الزَّوْجَةِ إذَا لَمْ يَتْبَعْهُ إسْلَامُ الزَّوْجِ وَقَعَتْ بِهِ الْفُرْقَةُ وَإِذَا تَبِعَهُ إسْلَامُ الزَّوْجِ لَمْ تَقَعْ بِهِ فُرْقَةٌ دُونَ اعْتِبَارِ إسْلَامِ الزَّوْجِ لَمَّا بَقِيَا عَلَى نِكَاحِهِمَا وَإِنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ فِي عِدَّةِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَلَا يَقَعُ ذَلِكَ مِنْ حَالِهِمَا إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ يُمْكِنُ فِيهَا مَعْرِفَةُ مَا يَكُونُ مِنْ الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ فَإِذَا وَقَعَ إسْلَامُ الزَّوْجَةِ كَانَ مُرَاعًى عَلَى مَا يَأْتِي تَفْسِيرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ وَأَشْهَبَ عَلَى تَفْسِيرِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ مَعْنًى يُوجِبُ فُرْقَةً فِي النِّكَاحِ فَإِذَا وُجِدَ قَبْلَ الْبِنَاءِ قَطَعَ الْعِصْمَةَ وَالطَّلَاقَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَإِنَّهُ إنْ أَسْلَمَ بَعْدَهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى عِصْمَتِهِ مَجُوسِيًّا كَانَ أَوْ كِتَابِيًّا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَيَكُونُ أَحَقُّ بِهَا بِمُجَرَّدِ إسْلَامِهِ دُونَ رَجْعَةٍ لِأَنَّ إسْلَامَهُ كَالِارْتِجَاعِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّشْغِيبَ دُخُولُ النِّكَاحِ بِمَا تَجَرَّدَ مِنْ إسْلَامِ الزَّوْجَةِ وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَمْلِكَ عِصْمَتَهَا كَافِرٌ وَهَذَا تَشْغِيبٌ أَوْجَبَ الْعِدَّةَ وَلَمْ يُوجِبْ الْفُرْقَةَ كَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ فَإِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ قَبْلَ انْقِطَاعِ الْمُدَّةِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَقَدْ زَالَ التَّشْغِيبُ وَانْجَبَرَ الثَّلْمُ وَصَحَّحَ إسْلَامُهُ الْعَقْدَ فَبَقِيَتْ عِنْدَهُ عَلَى حُكْمِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى رَجْعَةٍ لِأَنَّ تَشْغِيبٌ الْعَقْدِ لَمْ يَقَعْ بِمَا تَجْبُرُهُ الرَّجْعَةُ وَإِنَّمَا وَقَعَ بِمَا يَجْبُرُهُ إسْلَامُ الزَّوْجِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ارْتَجَعَهَا وَبَقِيَ عَلَى كُفْرِهِ لَمْ تَصِحَّ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي فِي تَحْرِيمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ إسْلَامَ الزَّوْجَةِ لَا يُوجِبُ فُرْقَةً إذَا تَعَقَّبَهُ إسْلَامُ الزَّوْجِ فَإِذَا لَمْ يَتَعَقَّبْهُ إسْلَامُ الزَّوْجِ وَقَعَتْ بِهِ الْفُرْقَةُ وَذَلِكَ إنَّمَا يُعْرَفُ بَعْدَ مُدَّةٍ فَإِذَا وَقَعَ إسْلَامُ الزَّوْجَةِ بَعْدَ مُدَّةٍ كَانَتْ مُرَاعًى فَإِنْ تَعَقَّبَهُ إسْلَامُ الزَّوْجِ عَلِمْنَا أَنَّ إسْلَامَ الزَّوْجَةِ إسْلَامٌ لَا يُؤَثِّرُ فُرْقَةً وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ وَإِثْبَاتُهُ فَبَقِيَا عَلَى مَا كَانَا عَقَدَاهُ مِنْ النِّكَاحِ وَأَسْلَمَا عَلَيْهِ فَلَا مَعْنَى لِرَجْعَتِهِ وَلَا لِمَا يَقُومُ مَقَامَهَا لِأَنَّ نِكَاحَهُمَا لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ إلَّا مَا أَثَّرَ فِيهِ تَصْحِيحًا وَتَبْيِينًا وَإِنْ لَمْ يَتَعَقَّبْهُ إسْلَامُ الزَّوْجِ عَلِمْنَا أَنَّ إسْلَامَ الزَّوْجَةِ قَدْ وَقَعَتْ بِهِ الْفُرْقَةُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّهَا تَحْتَسِبُ بِعِدَّتِهَا إذَا عَلِمْنَا وُقُوعَ الْفُرْقَةِ مِنْ يَوْمِ إسْلَامِهَا وَلَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِامْتِنَاعِ الزَّوْجِ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ بِظُهُورِ ذَلِكَ عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةٍ تَكُونُ عِدَّةً أَوْجَبَ أَنْ تَسْتَأْنِفَ الْعِدَّةَ مِنْ يَوْمِئِذٍ لِأَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ يَوْمِ تَكُونُ الْفُرْقَةُ.
(فَرْعٌ) وَالْمُدَّةُ الْمُرَاعَاةُ فِي الدُّخُولِ بِهَا مِنْ يَوْمِ إسْلَامِهَا إلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَإِنْ أَسْلَمَا فِيهَا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ فِيهَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهَا وَلَا تَوَقُّفَ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْمُدَّةِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَبَى فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فَأَشَارَ إلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ خَلَعَهَا الْإِسْلَامُ عَنْهُ كَمَا تُخْلَعُ الْأَمَةُ مِنْ الْعَبْدِ إذَا عَتَقَتْ تَحْتَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْعِدَّةَ مُدَّةٌ ضُرِبَتْ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا لِيَعْلَمَ مَا أَوْقَع الزَّوْجُ مِنْ الطَّلَاقِ هَلْ هُوَ بَائِنٌ أَوْ غَيْرُ بَائِنٍ فَإِنْ تَعَقَّبَهُ ارْتِجَاعٌ فِي الْعِدَّةِ عُلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ بَائِنٍ فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُنَا مِثْلُهُ.
(فَرْعٌ) وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَرْبِيِّينَ وَالذِّمِّيِّينَ
стр. 1026
(ص) : (قَالَ ابْنُ شِهَابُ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْكُفْرِ إلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا إلَّا أَنْ يَقْدُمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) .
ــ
[المنتقى]
وَالْوَثَنِيِّينَ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلُ الْأَمْصَارِ خِلَافًا لِأَهْلِ الْكُوفَةِ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا حُكْمُ الْحَرْبِيِّينَ دُونَ الْوَثَنِيِّينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنْ أَسْلَمَتْ مِنْهُمْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الزَّوْجِ عُرِضَ عَلَيْهِ فَإِنْ أَسْلَمَ فِي الْوَقْتِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ عُجِّلَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا كُفْرٌ يَمْنَعُ اسْتِدَامَةَ النِّكَاحِ فَكَانَ حُكْمُهُ مَوْقُوفًا عَلَى إسْلَامِ الزَّوْجِ كَكُفْرِ الْكِتَابِيِّينَ الْحَرْبِيِّينَ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ تَكُونُ هَذِهِ الْفُرْقَةُ طَلَاقًا أَوْ فَسْخًا قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ هِيَ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا فُرْقَةٌ وَاقِعَةٌ بِاخْتِيَارِ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ كَالطَّلَاقِ الْمُبْتَدَا وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ فُرْقَةٌ وَاقِعَةٌ بِالشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ مُوقِعٍ فَكَانَتْ فَسْخًا كَالْفُرْقَةِ الْوَاقِعَةِ بِمِلْكِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ وَهَذَا إذَا قُلْنَا إنَّ الْفُرْقَةَ الْوَاقِعَةَ بِالرِّدَّةِ فَسْخٌ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ فَعَلَى هَذَا الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ فُرْقَةَ الْمُرْتَدَّةِ مِنْ نِكَاحٍ صَحَّحَهُ الْإِسْلَامُ وَالْفُرْقَةُ الْوَاقِعَةُ بِإِسْلَامِ زَوْجَةِ الْكَافِرِ فُرْقَةٌ مِنْ نِكَاحٍ لَمْ يُصَحِّحْهُ إسْلَامٌ.
١ -
(فَرْعٌ) وَهَلْ عَلَى الْكَافِرِ الَّذِي أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا نَفَقَةَ لَهَا رَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهَا النَّفَقَةُ وَفِي رِوَايَةِ عِيسَى مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهَا مُمْتَنِعَةٌ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَصْبَغَ أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ يَمْلِكُ اسْتِبَاحَةَ وَطْئِهَا كَالْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ.
(ش) : قَوْلُهُ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا إلَّا أَنْ يَقْدُمَ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا يُرِيدُ مَعَ إسْلَامِهَا وَبَقَائِهِ عَلَى الْكُفْرِ وَأَمَّا لَوْ أَسْلَمَا جَمِيعًا وَهَاجَرَتْ هِيَ دُونَهُ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ فِي وَقْتِنَا هَذَا لَمَا خَرَجَتْ عَنْ عِصْمَتِهِ وَأَمَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَقَدْ كَانَ لِلْهِجْرَةِ أَحْكَامٌ مَخْصُوصَةٌ غَيْرَ أَنَّ الظَّاهِرَ مَا قُلْنَاهُ وَقَدْ شَرَطَ أَنْ يَقْدُمَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَقْدُمَ مُسْلِمًا وَلَوْ قَدِمَ كَافِرًا لَبَانَتْ مِنْهُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ فِيهَا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا» وَاخْتَلَفَ عَنْهُ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ وَالرَّازِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْفَضْلِ عَنْهُ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْهُ بَعْدَ سَنَتَيْنِ وَرِوَايَةُ عَلِيٍّ حَسْبَمَا قَدْ عُلِمَ مِنْ الضَّعْفِ وَالِاضْطِرَابِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ زَيْنَبَ ابْنَتَهُ إلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ» .
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ غَيْرِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ وَأَقْرَبُ وَلَوْ ثَبَتَ مَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَدَّهَا عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ لَاحْتَمَلَ أَنْ يُرِدْ بِهِ عَلَى مِثْلِ الصَّدَاقِ الْأَوَّلِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ
وَقَالَ قَتَادَةُ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ سُورَةُ بَرَاءَةٍ بِقَطْعِ الْعُهُودِ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ اسْتَكْمَلَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا مَنْسُوخًا وَثَبَتَ النَّسْخُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهَا إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بَانَتْ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ «أُمَّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَكَانَتْ تَحْتَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مِنْ الْإِسْلَامِ حَتَّى قَدِمَ الْيَمَنَ فَارْتَحَلَتْ أُمُّ حَكِيمٍ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ بِالْيَمَنِ فَدَعَتْهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبَ إلَيْهِ فَرِحًا وَمَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ حَتَّى بَايَعَهُ فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا ذَلِكَ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ أُمَّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ عَنْ الْإِسْلَامِ إصْرَارًا مِنْهُ عَلَى الْكُفْرِ وَزَوَالِهِ
стр. 1027
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ قَبْلَ امْرَأَتِهِ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا إذَا عَرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ فَلَمْ تُسْلِمْ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] .
ــ
[المنتقى]
يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْوَطْءِ وَيَدْخُلُ التَّشْغِيبُ فِي النِّكَاحِ وَيَجْرِي بِهِ إلَى بَيْنُونَةٍ إنْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ وَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَيْهِ أُمُّ حَكِيمٍ بِالْيَمَنِ دَعَتْهُ إلَى الْإِسْلَامِ اقْتَضَى ذَلِكَ إصْلَاحَ مَا تَشَغَّبَ مِنْ النِّكَاحِ وَتَصْحِيحَ مَا كَانَ فَاسِدًا مِنْهُ بِحُكْمِ الْكُفْرِ لِأَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ فَاسِدَةٌ لِمَا يُعْدَمُ فِيهَا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ مِنْ الْوَلِيِّ وَالْمَهْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَكِنَّ الْإِسْلَامَ يُصَحِّحُهَا كَمَا يُصَحِّحُ مِلْكَهُمْ لِلْأَمْوَالِ وَإِنْ مَلَكُوهَا عَلَى وَجْهٍ فَاسِدٍ لَوْ كَانَ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَصِحَّ فَلَمَّا وُجِدَ الْإِسْلَامُ فِي نِكَاحِ عِكْرِمَةَ صَحَّحَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ فَسَادٍ وَأَصْلَحَ مَا كَانَ دَخَلَهُ مِنْ تَشَغَّبَ بِإِسْلَامِ زَوْجَتِهِ قَبْلَهُ وَذَلِكَ كَمَا كَانَ فِي الْعِدَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبَ إلَيْهِ فَرِحًا وَمَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ وَذَلِكَ مِنْ حِرْصِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى دُخُولِ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ وَأَنْ هَدَاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إلَى الْإِسْلَامِ لَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ مِنْ عُظَمَاءِ النَّاسِ وَأَعْيَانِهِمْ كَعِكْرِمَةَ فِي قَوْمِهِ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ سَادَاتِ بَنِي مَخْزُومٍ وَعُظَمَائِهِمْ وَبِهَذَا وَصَفَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ فَقَالَ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وَلَمْ يَحْمِلْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَاوَتِهِ وَعَدَاوَةِ أَبِيهِ عَلَى أَنْ لَا يَنَالَهُ، وَحِرْصُهُ عَلَى مَنْفَعَتِهِ وَاهْتِدَائِهِ بِهِ مَا يَنَالُ غَيْرَهُ ﷺ وَشَرَفٍ وَكَرَمٍ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى حَسْبِ مَا قَالَهُ إنَّ الْكَافِرِينَ إذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ قَبْلَ الزَّوْجَةِ لَمْ يُخَيَّلْ أَنْ تَكُونَ كِتَابِيَّةً أَوْ غَيْرَ كِتَابِيَّةٍ فَإِنْ كَانَا كِتَابِيَّيْنِ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا وَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ غَيْرَ كِتَابِيَّةٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَنَى بِهَا فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ تَوَقَّفَ فَإِنْ أَسْلَمَتْ قَالَ مُحَمَّدٌ يُرِيدُ مَكَانَهَا وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَأَصْبَغُ تَنْقَطِعُ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمَا قَالَ مُحَمَّدٌ يُرِيدُ بِإِسْلَامِ الزَّوْجَةِ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ إسْلَامَ الزَّوْجِ إنَّمَا يَمْنَعُ اسْتِدَامَةَ النِّكَاحِ وَلَا يَقْتَضِي إيقَاعَ فُرْقَةٍ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ إنَّمَا يَمْنَعُ اسْتِدَامَةَ النِّكَاحِ مِنْ إسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إذَا وُجِدَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الْعِصْمَةَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ الزَّوْجَةُ أَوَّلًا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ بَنَى بِهَا ثُمَّ أَسْلَمَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُعْرَضُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمَتْ وَإِلَّا فُسِخَ نِكَاحُهُمَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ زَادَ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُعْرَضُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ الْيَوْمَ وَالثَّلَاثَةَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ يُعْرَضُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمَتْ وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهَا فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ إسْلَامَ الزَّوْجِ لَا يَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ وَإِنَّمَا يَقَعُ بِالْحُكْمِ أَوْ بِالْإِغْفَالِ حَتَّى تَطُولَ الْمُدَّةُ وَلَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِنَفْسِ إسْلَامِهِ لَمَا عُرِضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ حُكْمُ ذَلِكَ حُكْمُ الْمَرْأَةِ تُسْلِمُ قَبْلَ زَوْجِهَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ إسْلَامَ الثَّانِي مِنْهُمَا فِي الْعِدَّةِ وَقَدْ اسْتَدَلَّ مَالِكٌ ﵀ فِي رَدِّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي مَسْأَلَتِنَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْعِدَّةَ حَقٌّ لِارْتِجَاعِ الْمُعْتَدَّةِ لِلنِّكَاحِ فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيمَا فِيهِ الرَّجْعَةُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ وَإِذَا كَانَ الِارْتِجَاعُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَةِ لَمْ تُرَاعِ فِيهِ الْعِدَّةَ اللَّازِمَةَ لِأَنَّ الْعِدَّةَ عَلَيْهَا لَا لَهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ غَفَلَ عَنْهَا إلَى أَنْ تَطَاوَلَ مِثْلُ الشَّهْرِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّهُ قَدْ بَرِئَ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا قَدَّمْنَا وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْفُرْقَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِحُكْمِ التَّوْفِيقِ وَامْتِنَاعِهَا مِنْ الْإِسْلَامِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَأَمَّا مَا مَضَى مِنْ زَمَنِ الْعِدَّةِ قَبْلَ التَّوْقِيفِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِسْلَامِ فَلَا تَنْقَطِعُ بِهِ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمَا كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ.
стр. 1028
مَا جَاءَ فِي الْوَلِيمَةِ (ص) : (مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ «عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمْ سُقْت إلَيْهَا فَقَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» ) .
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي الْوَلِيمَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ أَثَرَ الصُّفْرَةِ كَانَ بِجَسَدِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي ثِيَابِهِ، إذَا اُسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ كَمَا يُقَالُ أَصَابَ فُلَانًا الطِّينُ وَالْمَطَرُ وَإِنَّمَا أَصَابَ ذَلِكَ ثِيَابَهُ وَالصُّفْرَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ صُفْرَةَ زَعْفَرَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، اُسْتُعْمِلَ عَلَى وَجْهِ الصَّبْغِ لِلثِّيَابِ أَوْ الْجَسَدِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ صُفْرَةَ طِيبٍ لَهُ لَوْنٌ قَدْ تَطَيَّبَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَبَقِيَتْ مِنْ لَوْنِهِ عَلَى ثِيَابِهِ أَوْ جَسَدِهِ بَقِيَّةٌ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ فَقَالَ فِيهِ وَبِهِ رَدْغُ زَعْفَرَانٍ فَبَيَّنَ أَنَّ تِلْكَ الصُّفْرَةَ صُفْرَةُ زَعْفَرَانٍ وَبَيَّنَ أَصْحَابُ مَالِكٍ ﵁ لِبَاسَ الثِّيَابِ الْمَصْبُوغَةِ بِالصُّفْرَةِ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ يُرِيدُ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ لَا لِحْيَتَهُ هَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ سُفْيَانَ فِي الصَّبْغِ بِالزَّعْفَرَانِ هَذَا جَائِزٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي الثِّيَابِ دُونَ الْجَسَدِ وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَصْبُغَ ثِيَابَهُ وَلِحْيَتَهُ بِالزَّعْفَرَانِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَصْبُغُ لِحْيَتَهُ بِالصُّفْرَةِ حَتَّى تَمْتَلِئَ ثِيَابَهُ مِنْ الصُّفْرَةِ فَقِيلَ لَهُ مَا تَصْنَعُ بِالصُّفْرَةِ فَقَالَ إنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْهَا فَإِنَّهُ كَانَ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ حَتَّى عِمَامَتَهُ.
(فَصْلٌ) :
فَإِنْ كَانَ أَثَرُ الصُّفْرَةِ الَّتِي كَانَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ أَثَرَ صُفْرَةِ صِبَاغٍ بِالزَّعْفَرَانِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَلْوَانِ الصَّبْغِ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالطِّيبِ وَلَا يَنْتَفِضُ عَلَى الْجَسَدِ كَالصُّفْرَةِ الْمَصْبُوغَةِ بِالصُّفْرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَصْبِغَةِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَأَلَهُ لِمَا رَأَى عَلَيْهِ مِنْ التَّجَمُّلِ لِلْعُرْسِ لِيَعْلَمَ مَا سَبَبُ ذَلِكَ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ رَأَى عَلَيْهِ بَشَاشَةَ الْعُرْسِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرَى بِهِ مِنْ الصُّفْرَةِ أَوْ الطِّيبِ عَلَى جَسَدِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَنْعُ إلَّا فِي عُرْسٍ أَوْ مَا جَرَى مَجْرَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ إنْ كَانَ اسْتَبَاحَهُ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ فَيُقِرَّهُ عَلَيْهِ أَوْ اسْتَبَاحَهُ بِغَيْرِ وَجْهٍ فَيُعْلِمَهُ حُكْمَهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ كَمْ سُقْت إلَيْهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَهُ لَمَّا كَانَ الْمَهْرُ مُقَدَّرًا عِنْدَهُ فَيَعْلَمَ إنْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ قَدْ بَلَغَ الْمِقْدَارَ فَيُقِرَّهُ عَلَيْهِ أَوْ قَصُرَ عَنْهُ فَيَأْمُرَهُ بِتَصْحِيحِ ذَلِكَ إمَّا بِإِكْمَالِهِ أَوْ بِمَا يَرَاهُ وَيُؤَيِّدُ صِحَّةَ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الْمِقْدَارِ فَقَالَ كَمْ سُقْت إلَيْهَا وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ الْجِنْسِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ زِنَةَ نَوَاةٍ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ النَّوَاةَ مِنْ الذَّهَبِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَالْوُقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَالنَّشُّ عِشْرُونَ دِرْهَمًا وَالنَّشُّ نِصْفُ الشَّيْءِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ النَّوَاةُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثٌ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْ غَيْرِهِمْ لِأَنَّ أَهْلَ كُلِّ بَلَدٍ أَعْلَمُ بِعُرْفِ بَلَدِهِمْ فِي التَّخَاطُبِ وَالتَّحَاوُرِ.
стр. 1029
(ص) : (مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُولِمُ بِالْوَلِيمَةِ مَا فِيهَا خُبْزٌ وَلَا لَحْمٌ) .
ــ
[المنتقى]
فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ وَالْوَلِيمَةُ طَعَامُ النِّكَاحِ قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَأَمَرَهُ ﷺ بِذَلِكَ عَلَى مَعْنَى النَّدْبِ إلَيْهَا لِمَا فِيهَا مِنْ إشْهَارِ النِّكَاحِ وَإِظْهَارِهِ بَلْ هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا مِمَّا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ السِّفَاحِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: أَسْتَحِبُّ الْإِطْعَامَ فِي الْوَلِيمَةِ وَكَثْرَةَ الشُّهُودِ فِي النِّكَاحِ لِيَشْتَهِرَ وَتَثْبُتَ مَعْرِفَتُهُ فَهَذَا فِي الْوَلِيمَةِ مَعَ مَا يَقْتَرِنُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ كَرْمِ الْأَخْلَاقِ وَمُكَارَمَةِ الْإِخْوَانِ وَمُوَاسَاةِ أَهْلِ الْحَاجَةِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ ﷺ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَلَا بَعْدَهُ وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ مَنْ حَاوَلَ تَفْسِيرَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا قَالَ إنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَلِيمَةَ بَعْدَ الْبِنَاءِ جَائِزَةٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْبِنَاءِ وَلَوْ بَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ الْبِنَاءِ لَمْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ فَاتَ ذَلِكَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَأَمَرَهُ بِهِ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَيَتَعَقَّبُهُ الْبِنَاءُ وَيَتَّصِلُ بِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَرَى أَنْ يُولِمَ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُولِمَ بَعْدَ الْبِنَاءِ قَالَ فَلْيُجِبْ وَلَيْسَ مِثْلُ الْوَلِيمَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحِبُّ الْإِطْعَامَ عَلَى النِّكَاحِ عِنْدَ عَقْدِهِ وَعِنْدَ الْبِنَاءِ وَلَفْظُ عِنْدَ الْبِنَاءِ يَقْتَضِي قُرْبَ الْبِنَاءِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ وَكَيْفَمَا كَانَ فَلَيْسَ فِيهِ مَنْعٌ لِأَنَّ مِنْهُ شُهْرَةُ النِّكَاحِ وَهَذَا لَا يُعْدَمُ لِتَقْدِيمِهِ وَلَا لِتَأْخِيرِهِ إلَّا أَنَّ تَقْدِيمَ إشْهَارِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَتَّصِلُ الْبِنَاءُ بِهِ عِنْدِي أَفْضَلُ كَالْإِشْهَادِ فَأَمَّا تَأْخِيرُهُ فَإِنَّهُ عَارٍ مِنْ فَائِدَةِ الْإِشْهَادِ الَّذِي شُرِعَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْبِنَاءِ وَمُنِعَ تَقْدِيمُ الْبِنَاءِ قَبْلَ وُجُودِ شَيْءٍ مِنْهُ كَالْإِشْهَادِ وَهِيَ عَادَةُ النَّاسِ الْيَوْمَ فِي الْوَلِيمَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ قَالَ ذَلِكَ لِمَنْ فَاتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اخْتَارَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَصَرُ عَلَيْهِ فِي إشْهَارِ النِّكَاحِ وَإِنَّمَا يُشْهَرُ أَوَّلًا بِالْإِشْهَادِ وَهَذِهِ زِيَادَةٌ فِي الْإِشْهَارِ تَخْتَصُّ بِإِشْهَارِ الْبِنَاءِ وَيَكُونُ فِيهِ مَعْنَى الرِّضَا بِمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ حَالِ الزَّوْجَةِ فَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ بِمَا بَعْدَ الْبِنَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَوْ بِشَاةٍ وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي التَّقْلِيلَ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِحَدٍّ لِأَقَلِّ الْوَلِيمَةِ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى حَسْبِ الْوُجُودِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ أَقَلَّ مَا رَآهُ ﷺ فِي حَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَفِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَقَدْ رَوَى ثَابِتٌ ذِكْرَ تَزْوِيجِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ عِنْدَ أَنَسٍ فَقَالَ «مَا رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ أَوْلَمَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَيْهَا أَوْلَمَ بِشَاةٍ» .
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُولِمُ بِالْوَلِيمَةِ مَا فِيهَا خُبْزٌ وَلَا لَحْمٌ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَفَرٍ حَيْثُ لَا يَجِدُ الْخُبْزَ وَلَا اللَّحْمَ وَلَا يُوجَدُ فِيهِ مَا يَتَزَوَّدُونَ بِهِ مِنْ الْأَقِطِ وَالتَّمْرِ وَالسَّوِيقِ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِضِيقِ الْحَالِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ أَنَّهُ تَرَكَ الْوَلِيمَةَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَائِهِ.
وَقَدْ رَوَى مَنْصُورُ ابْنُ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ «أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ النَّدْبِ إلَيْهَا وَالْحَضِّ عَلَيْهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ «وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحِبُّ الْإِطْعَامَ عَلَى النِّكَاحِ وَلَمْ يَدَعْ الْوَلِيمَةَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَائِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُؤْخَذَ فِي كُلِّ حَالٍ بِمَا يَسَعُ وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا» .
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي أُبِيحَ مِنْ الْوَلِيمَةِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا سُمْعَةٍ وَالْمُعْتَادُ مِنْهَا يَوْمٌ وَاحِدٌ وَقَدْ أُبِيحَ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ.
وَرُوِيَ أَنَّ الْيَوْمَ الثَّانِيَ فَضْلٌ وَالثَّالِثُ سَعَةٌ وَأَجَابَ الْحَسَنُ رَجُلًا دَعَاهُ فِي
стр. 1030
(ص) : (مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا» ) .
(ص) : (مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ) .
ــ
[المنتقى]
الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ثُمَّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ثُمَّ دَعَاهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَلَمْ يُجِبْهُ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ مِثْلُهُ وَقَدْ أَوْلَمَ ابْنُ سِيرِينَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ وَدَعَا فِي بَعْضِهَا أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَمَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلْيُولِمْ مِنْ يَوْمِ ابْتِنَائِهِ إلَى مِثْلِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْإِشْهَارَ لِنِكَاحِهِ وَالتَّوْسِعَةَ عَلَى النَّاسِ وَلَا يَقْصِدُ بِهِ الْمُبَاهَاةَ وَالسُّمْعَةَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَالِيَ أَيَّامًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ اسْتِدَامَتُهُ أَيَّامًا وَأَمَّا أَنْ يَدْعُوَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَعَاهُ أَوْ مَنْ دَعَاهُ مَرَّةً فَذَلِكَ سَائِغٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِتَكْرَارِ الْأَيَّامِ الِاسْتِيعَابَ وَأَمَّا إذَا قَالَ لَهُمْ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ يَتَكَرَّرُ عَلَى طَعَامِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ الْمُبَاهَاةِ وَالْفَخْرِ فَإِذَا تَكَرَّرَ فِي فِعْلٍ مِنْ الْأَفْعَالِ مَقْصِدُ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ جُعِلَ ذَلِكَ مُقْتَضَاهُ.
(ش) : اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ مَالِكٌ إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَرَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَجِيبُوا الدَّعْوَةَ إذَا دُعِيتُمْ» وَرَوَى مَعْمَرُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ» وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الزُّبَيْدِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَلَى حَسْبِ هَذَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحُكْمِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُزَنِيَّة إنَّمَا هَذَا فِي طَعَامِ الْعُرْسِ وَلَيْسَ طَعَامُ الْإِمْلَاكِ مِثْلَهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْإِمْلَاكَ حِينَ الْعَقْدِ وَأَنَّ الْعُرْسَ حِينَ الْبِنَاءِ وَهَذَا الَّذِي لَزِمَ إتْيَانُهُ لِمَا فِي الْوَلِيمَةِ مِنْ إشْهَارِهِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ الْوَلِيمَةُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تُؤْتَى وَلِيمَةُ النِّكَاحِ وَمَا سَمِعْت أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تُؤْتَى غَيْرُهَا مِنْ الْأَصْنِعَةِ وَأَرَى أَنْ تُجَابَ الدَّعْوَةُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إجَابَةُ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَاجِبَةٌ وَلَا أُرَخِّصُ فِي تَرْكِ غَيْرِهَا مِنْ الدَّعَوَاتِ الَّتِي لَا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ وَلِيمَةٍ كَالْإِمْلَاكِ وَالنِّفَاسِ وَالْخِتَانِ وَحَادِثِ سُرُورٍ وَمَنْ تَرَكَهَا لَمْ يُقَلْ لَهُ إنَّهُ عَاصٍ وَهَذَا خِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ وَوَجْهُ وُجُوبِهَا الْأَمْرُ بِذَلِكَ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْإِعْلَانُ لِلنِّكَاحِ وَالْإِثْبَاتُ لِحُكْمِهِ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتْمًا وَلَيْسَ بِفَرِيضَةٍ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَأْتِيَ فَإِنْ اشْتَغَلَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ لِحَمْلِهِ عَلَى النَّدْبِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ عَلَى وَجْهٍ وَاجِبٌ وَعَلَى وَجْهٍ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ فِي غَيْرِ الْعُرْسِ وَهَذَا عِنْدِي إنَّمَا يُرِيدُ الطَّعَامَ الَّذِي يُصْنَعُ لِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِاِتِّخَاذِ الطَّعَامِ لَهَا فَعَلَى هَذَا الطَّعَامُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: طَعَامُ الْعُرْسِ وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ إتْيَانُهُ وَالضَّرْبُ الثَّانِي طَعَامٌ لَهُ سَبَبٌ مُعْتَادٌ كَالطَّعَامِ لِلْمَوْلُودِ وَالْخِتَانِ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مَكْرُوهٍ وَيَقْتَضِي عَلَى تَفْسِيرِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ النَّصْرَانِيُّ يَتَّخِذُ طَعَامًا لِخِتَانِ ابْنِهِ أَفَيُجِيبُهُ قَالَ إنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ فَهَذَا فِي النَّصْرَانِيِّ قَدْ أَبَاحَهُ فَكَيْفَ بِالْمُسْلِمِ وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ الطَّعَامُ الَّذِي لَا سَبَبَ لَهُ فَهَذَا الَّذِي يُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ الْفَضْلِ التَّرَفُّعُ عَنْ الْإِجَابَةِ إلَيْهِ وَيُكْرَهُ التَّسَرُّعُ إلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّفَضُّلِ عَلَى مَنْ يُدْعَى إلَيْهِ.
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُرِيدُ أَنَّهُ طَعَامٌ مَخْصُوصٌ بِقَصْدٍ مَذْمُومٍ يَقِلُّ مَعَهُ الْأَجْرُ عَلَى كَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنْ الْإِنْفَاقِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يُصْنَعُ لِيُدْعَى لَهُ
стр. 1031
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ إنَّ «خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ قَالَ أَنَسٌ فَذَهَبْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ فَقَرَّبَ إلَيْهِ خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءُ قَالَ أَنَسٌ فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوْلِ الْقَصْعَةِ فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ» ) .
ــ
[المنتقى]
الْأَغْنِيَاءُ دُونَ الْمَسَاكِينِ لِمَا فِي دُعَاءِ الْمَسَاكِينِ مِنْ ابْتِذَالِ الْمَنْزِلِ وَالْوِطَاءِ وَالْمَكَانِ فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَجْعَلُهُ شَرَّ الطَّعَامِ لِأَنَّ خَيْرَ الطَّعَامِ وَأَكْثَرَهُ أَجْرًا مَا يُدْعَى إلَيْهِ الْمَسَاكِينُ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهِ وَلِمَا فِي الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ مِنْ سَدِّ خُلَّتِهِمْ وَإِشْبَاعِ جَوْعَتِهِمْ فَأَمَّا إطْعَامُ الْأَغْنِيَاءِ فَلَيْسَ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى وَإِنَّمَا فِيهِ نَوْعٌ مِنْ الْمُهَادَاةِ وَالتَّوَدُّدِ إذَا سَلِمَ مِنْ السُّمْعَةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵁ دَعَا فِي وَلِيمَتِهِ الْأَغْنِيَاءَ وَالْفُقَرَاءَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لِلْفُقَرَاءِ هَاهُنَا لَا تُفْسِدُوا عَلَيْهِمْ ثِيَابَهُمْ فَإِنَّا نُطْعِمُكُمْ مِمَّا يَأْكُلُونَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ طَعَامِ الْوَلِيمَةِ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ إلَى طَعَامِ الْوَلِيمَةِ وَعَلَى ذَلِكَ تَأَوَّلَ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ.
وَقَدْ نَصَّ مَالِكٌ ﵀ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى وُجُوبِ إتْيَانِ طَعَامِ الْوَلِيمَةِ لِمَنْ دُعِيَ إلَيْهَا وَصِفَةُ الدَّعْوَةِ الَّتِي تَجِبُ بِهَا الْإِجَابَةُ أَنْ يَلْقَى صَاحِبُ الْعُرْسِ الرَّجُلَ فَيَدْعُوَهُ أَوْ يَقُولَ لِغَيْرِهِ اُدْعُ لِي فُلَانًا فَيُعَيِّنَّهُ فَإِنْ قَالَ اُدْعُ لِي مَنْ لَقِيت فَلَا بَأْسَ عَلَى مَنْ دُعِيَ بِمِثْلِ هَذَا أَنْ يَتَخَلَّفَ لِأَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ لَمْ يُعَيِّنْهُ وَلَا عَرَّفَهُ وَذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ إتْيَانُ الْعُرْسِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالدَّعْوَةِ، وَالدَّعْوَةُ مُخْتَصَّةٌ بِصَاحِبِ الْعُرْسِ فَإِذَا عَيَّنَهُ لَزِمَهُ إتْيَانُ الدَّعْوَةِ لِتَوَجُّهِهَا مِمَّنْ تَخْتَصُّ بِهِ الدَّعْوَةُ وَلَهُ أَنْ لَا يُعَيِّنَ الْمَدْعُوَّ، فَيَدْعُو مَنْ شَاءَ وَيَمْنَعُ مَنْ شَاءَ وَإِذَا لَمْ يُعَيِّنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا لَزِمَهُ إتْيَانُ الدَّعْوَةِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْأَكْلُ أَمْ لَا لَمْ أَجِدْ فِيهِ نَصًّا جَلِيًّا لِأَصْحَابِنَا وَفِي الْمَذْهَبِ مَسَائِلُ تَقْتَضِي الْقَوْلَيْنِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَرَى أَنْ يُجِيبَ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ أَوْ كَانَ صَائِمًا قَالَ أَصْبَغُ لَيْسَ ذَلِكَ بِالْوَكِيدِ وَإِنَّهُ لَخَفِيفٌ فَقَوْلُ مَالِكٍ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ إتْيَانِ الدَّعْوَةِ وَأَنَّ الْأَكْلَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلِذَلِكَ أَوْجَبَ الْإِتْيَانَ عَلَى مَنْ لَا يُرِيدُ الْأَكْلَ أَوْ مَنْ يَصُومُ وَقَوْلُ أَصْبَغَ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْأَكْلِ وَلِذَلِكَ أَسْقَطَ وُجُوبَ الْإِتْيَانِ عَنْ الصَّائِمِ الَّذِي لَا يَأْكُلُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ فِي الْوَلِيمَةِ زِحَامٌ أَوْ غُلِقَ الْبَابُ دُونَهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ هُوَ فِي سَعَةٍ إذَا تَخَلَّفَ عَنْهَا أَوْ رَجَعَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الِابْتِذَالُ فِي الزِّحَامِ وَتَكَلُّفُ الِامْتِهَانِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَثْلِمُ الْمُرُوءَةَ وَالتَّصَاوُنَ وَيُسْقِطُ الْوَقَارَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ بِهِ عُذْرُ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ فِي الْعُرْسِ لَهْوٌ غَيْرُ مُبَاحٍ كَالْعُودِ وَالطُّنْبُورِ وَالْمِزْهَرِ الْمُرَبَّعِ لَمْ يَلْزَمْهُ إتْيَانُهُ وَأَمَّا الدُّفُّ الْمُدَوَّرُ أَوْ الْكَبَرُ فَمُبَاحٌ فِي الْعُرْسِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ فِي الْمُزَنِيَّة وَيَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ وَلَا يَكُونُ مَعَهُ عَزْفٌ وَلَا غِنَاءٌ إلَّا الرَّجَزَ الْمُرْسَلَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ مِمَّا يَقُولُهُ النِّسَاءُ
أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ ... فَحَيَّوْنَا نُحَيِّيكُمْ
وَلَوْلَا الْحَبَّةُ السَّمْرَا ... ءُ لَمْ نَحْلُلْ بِوَادِيكُمْ
فَإِنْ كَانَ فِي الْوَلِيمَةِ لَهْوٌ مَحْظُورٌ أَبْطَلَ وُجُوبَ إتْيَانِهَا فَمَنْ جَاءَ الْوَلِيمَةَ فَوَجَدَ ذَلِكَ فِيهَا فَلْيَرْجِعْ وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْعُدَ وَيَأْكُلَ وَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى.
(ش) : أَدْخَلَ مَالِكٌ ﵀ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الْوَلِيمَةِ وَلَيْسَ فِي ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّعَامَ طَعَامُ وَلِيمَةٍ وَلَا غَيْرِهَا وَلَكِنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِذِي الْفَضْلِ وَالْهَيْئَةِ الْإِجَابَةُ إلَى طَعَامٍ صُنِعَ لِغَيْرِ سَبَبٍ أَدْخَلَ هَذَا
стр. 1032
(ص) : (كِتَابُ الطَّلَاقِ) (مَا جَاءَ فِي الْبَتَّةِ) (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ إنِّي طَلَّقْت امْرَأَتِي مِائَةَ تَطْلِيقَةٍ فَمَاذَا تَرَى عَلَيَّ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ طَلُقَتْ مِنْك بِثَلَاثٍ، وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ اتَّخَذْت بِهَا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا)
ــ
[المنتقى]
الْحَدِيثَ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الْوَلِيمَةِ إمَّا لِأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهُ كَانَ فِي وَلِيمَةٍ أَوْ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ طَعَامَ وَلِيمَةِ فَيَمْنَعُ بِذَلِكَ احْتِجَاجَ مَنْ يُوجِبُ إجَابَةَ طَعَامٍ غَيْرِ الْوَلِيمَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ إذَا احْتَمَلَ الْوَجْهَيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لِضَرُورَةٍ وَحَاجَةٍ إلَى الطَّعَامِ فَقَدْ أَجَابَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ كَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي طَلْحَةَ لِمِثْلِ هَذَا وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ مِنْ تَعْظِيمِ الصَّحَابَةِ لَهُ وَتَبَرُّكِهِمْ بِأَكْلِهِ طَعَامَهُمْ وَدُخُولِهِ مَنَازِلَهُمْ مَا عَلِمَ بِهِ أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ شَقَّ عَلَيْهِمْ فَكَانَ يَسْتَأْلِفُهُمْ وَيُطَيِّبُ نُفُوسَهُمْ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذَا الْخَيَّاطَ كَانَ غُلَامًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَعَلَى هَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ لِأَنَّ طَعَامَ غُلَامِهِ لَهُ اسْتَبَاحَهُ بِالِانْتِزَاعِ، وَالْأَكْلُ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الِانْتِزَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أَنَسٍ فَذَهَبْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخَيَّاطُ قَدْ أَبَاحَ ذَلِكَ لِأَنَسٍ أَوْ مَنْ شَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبَاحًا لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ يَرْضَى بِذَلِكَ وَلَا يَكْرَهُهُ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ إبَاحَتَهُ لِذَلِكَ لَرَدَّهُ أَوْ لَاسْتَأْذَنَهُ فِي أَمْرِهِ وَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ دَعَاهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ فَتَبِعْهُمْ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ ﷺ لِلَّذِي دَعَاهُ إنَّ هَذَا تَبِعْنَا فَإِمَّا أَنْ تَأْذَنَ لَهُ وَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَ فَأَذِنَ لَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَقَرَّبَ إلَيْهِ خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ، وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءُ وَقَدْ رَوَى ابْنُ بُكَيْر وَالْقَعْنَبِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةَ الْقَدِيدِ وَهَذَانِ عَلَمٌ مِنْ فَضْلِهِ وَتَوَاضُعِهِ ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ الطَّعَامِ مَا يَسُدُّ بِهِ جُوعَهُ وَلَا يَتَأَنَّقُ فِيهِ تَأَنُّقُ الْمُتْرَفِينَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أَنَسٍ فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّه ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوْلِ الْقَصْعَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ ﷺ لَمَّا انْفَرَدَ بِالْأَكْلِ مَعَ خَادِمِهِ وَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ مِنْهُ بَلْ يَتَبَرَّكُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَوْضِعٍ مَشَتْ فِيهِ يَدُهُ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ تَجُولَ يَدُهُ فِي الصَّحْفَةِ مَنْ يَأْكُلُ مَعَهُ مَنْ لَا يَحِلُّ مِنْهُ هَذَا الْمَحِلَّ وَرُبَّمَا كَرِهَ أَنْ يَمَسَّ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِذَلِكَ «قَالَ ﷺ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيك» يُرِيدُ بِذَلِكَ ﷺ تَعْلِيمَهُ وَتَأْدِيبَهُ تَأْدِيبَ مِثْلِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الدُّبَّاءُ قَدْ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُهُ حَوْلَ الصَّحْفَةِ وَفِي مَوْضِعٍ لَا يَصِلُ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ إلَّا بَعْدَ تَنَاوُلِهِ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إمَّا لِاتِّفَاقٍ فِي وَضْعِهِ أَوْ لِأَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ قَصَدَ إبْعَادَهُ مِنْهُ وَتَقْرِيبَ الْقَدِيدِ مِمَّا يَلِيهِ لَمَّا ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ الدُّبَّاءِ فَاحْتَاجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَكْلِهِ الدُّبَّاءَ إلَى أَنْ يَتَنَاوَلَهُ مِنْ حَوْلِ الصَّحْفَةِ وَقَدْ جُوِّزَ مِثْلُ هَذَا لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ حَيْثُ كَانَ مِنْ الصَّحْفَةِ إذَا اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُ الطَّعَامِ فِيهَا وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا بَيِّنَاهُ إذَا تَسَاوَتْ أَجْنَاسُهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْجَعْدُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ «أُمَّ سُلَيْمٍ أَهْدَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْسَةً فِي بُرْمَةٍ فَوَضْع يَدَهُ عَلَيْهَا وَتَكَلَّمَ بِمَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ دَعَا عَشَرَةً يَأْكُلُونَ فَيَقُولُ لَهُمْ اُذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ حَتَّى تَصْرَعْنَ عَنْهَا» .
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّ الْحَيْسَ مُتَسَاوِي الْأَجْزَاءِ وَالْتِزَامُ ذَلِكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَفْضَلُ وَأَجْمَلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 1033
الشَّيْطَانِ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ إلَى رَجُلٍ أُخْتَهُ فَذَكَرَ أَنَّهَا قَدْ كَانَتْ أَحْدَثَتْ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَضَرَبَهُ أَوْ كَادَ يَضْرِبُهُ ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ وَلِلْخَبَرِ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَا يَقُولَانِ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ يُطَلِّقُ إحْدَاهُنَّ أَلْبَتَّةَ أَنَّهُ يَتَزَوَّجُ إنْ شَاءَ وَلَا يَنْتَظِرُ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَفْتَيَا الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَامَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بِذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ قَالَ طَلِّقْهَا فِي مَجَالِسَ شَتَّى) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ ثَلَاثٌ لَيْسَ فِيهِنَّ لَعِبٌ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ) .
ــ
[المنتقى]
[جَامِعُ النِّكَاحِ]
(ش) : أَمْرُهُ ﷺ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً أَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً أَنْ يَأْخُذَ بِنَاصِيَتِهَا وَهُوَ مُقَدَّم شَعْرِ الرَّأْسِ وَيَدْعُوَ بِالْبَرَكَةِ وَأَمْرُهُ الَّذِي اشْتَرَى الْبَعِيرَ أَنْ يَأْخُذَ بِذُرْوَةِ سَنَامِهِ وَهِيَ أَعْلَاهُ وَيَسْتَعِيذَ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَصَّ الْإِبِلَ بِذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الْجِنِّ فَاسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ مِنْ سُوءِ مَا خُلِقَتْ مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ فِي الْإِبِلِ شَيْءٌ مِنْ أَخْلَاقِ مَنْ خُلِقَتْ مِنْهُ وَقَدْ قِيلَ إنَّ مَعْنَى مَا رُوِيَ أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الْجِنِّ أَنَّ فِيهَا مِنْ النِّفَارِ وَالْحِدَّةِ وَالْأَذَى وَالصَّوْلِ إذَا هَاجَتْ مَا شُبِّهَتْ مِنْ أَجْلِهِ بِالْجِنِّ فَعَلَى هَذَا أَيْضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُؤْمَرَ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الَّذِي شُبِّهَ بِهِ مَا اشْتَرَاهُ بِشَرِّهِ وَأَذَاهُ وَرُبَّمَا سَبَّبَتْ لَهُ أَسْبَابَ الشَّرِّ وَحَمَلَهُ عَلَى النِّفَاقِ وَالْأَذَى وَالتَّرْوِيعِ وَالْهَيَجَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : إخْبَارُ الرَّجُلِ عَنْ أُخْتِهِ إذَا خُطِبَتْ إلَيْهِ أَنَّهَا أَحْدَثَتْ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهَا مَا يُوجِبُ عَلَيْهَا حَدَّ الزِّنَى.
وَرُوِيَ نَحْوُهُ فِي الْمُزَنِيَّة عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَلَعَلَّهَا قَدْ كَانَتْ أَقْلَعَتْ وَتَابَتْ وَمَنْ عَادَ إلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ لَا يَحِلُّ ذِكْرُهُ بِسُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَلَا يَلْزَمُ الْوَلِيَّ أَنْ يُخْبِرَ مِنْ حَالِ وَلِيَّتِهِ إلَّا بِمَا يَلْزَمُ فِي رَدِّهَا وَهِيَ الْعُيُوبُ الْأَرْبَعَةُ: الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَدَاءُ الْفَرْجِ وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْعُيُوبِ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ طَلَاقُهُ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا فَإِنْ كَانَ بَائِنًا فَهُوَ عَلَى مَا قَالَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَظِرَ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَتَزَوَّجُ رَابِعَةً غَيْرَهَا وَلَا أُخْتَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ مَعْنًى يَقَعُ بِهِ الْبَيْنُونَةُ وَيَمْنَعُ الرَّجْعَةَ فَوَجَبَ أَنْ يَفْسَخَ نِكَاحَ الْأُخْتِ كَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ رَجْعِيَّةً فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا وَلَا عَمَّتَهَا وَلَا خَالَتَهَا وَلَا رَابِعَةً غَيْرَهَا وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ أَحْكَامَ الزَّوْجِيَّةِ بَاقِيَةٌ بَيْنَهُمَا وَقَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ لَهُ طَلِّقْهَا فِي مَجَالِسَ شَتَّى بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوقِعَ أَلْبَتَّةَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَلَا طَلْقَتَيْنِ لَا تَتَخَلَّلُهُمَا رَجْعَةٌ وَلَا نِكَاحٌ عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا وَلَمْ يَحْتَجْ عُرْوَةُ إلَى ذِكْرِ هَذَا لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي جَوَازِ عَقْدِ نِكَاحِ غَيْرِهَا وَإِنَّمَا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي حَظْرِ إيقَاعِهَا عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ.
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ ثَلَاثٌ لَيْسَ فِيهِنَّ لَعِبٌ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِنَّ حُكْمُ اللَّاعِبِ وَلَا يُعْذَرُ اللَّاعِبُ فِيهِنَّ بِلَعِبِهِ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى مِثْلِ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْجَادُّ مِنْ اللُّزُومِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ وَهُوَ يَلْعَبُ زَوِّجْ ابْنَتَك مِنْ ابْنِي، وَأَنَا أَمْهَرُهَا كَذَا فَقَالَ الْآخَرُ عَلَى لَعِبٍ وَضَحِكٍ أَتُرِيدُ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ قَدْ زَوَّجْتُهُ فَذَلِكَ نِكَاحٌ لَازِمٌ فَهَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَرَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَجُلٍ أَبْصَرَ رَجُلًا فَقِيلَ لَهُ تَنْظُرُ إلَيْهِ وَلَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ خَتَنُكَ فَقَالَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي زَوَّجْته ابْنَتِي بِمَا شَاءَ فَقَامَ الرَّجُلُ يَطْلُبُ زَوْجَتَهُ بِأَثَرِ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ فَقَالَ الْأَبُ كُنْتُ لَاعِبًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ
стр. 1034
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِنْتَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيِّ فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى كَبِرَتْ فَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَتَاةً شَابَّةً فَآثَرَ الشَّابَّةَ عَلَيْهَا فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ أَمْهَلَهَا حَتَّى إذَا كَادَتْ تَحِلُّ رَاجَعَهَا ثُمَّ عَادَ فَآثَرَ الشَّابَّةَ عَلَيْهَا فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ رَاجَعَهَا ثُمَّ عَادَ فَآثَرَ الشَّابَّةَ فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَقَالَ مَا شِئْت إنَّمَا بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ فَإِنْ شِئْت اسْتَقْرَرْتِ عَلَى مَا تَرَيْنَ مِنْ الْأَثَرَةِ وَإِنْ شِئْت فَارَقْتُك قَالَتْ بَلْ أَسْتَقِرُّ عَلَى الْأَثَرَةِ فَأَمْسَكَهَا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَرَ رَافِعٌ عَلَيْهِ إثْمًا حِينَ قَرَّتْ عِنْدَهُ عَلَى الْأَثَرَةِ)
ــ
[المنتقى]
مَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ النِّكَاحِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَحَكَى أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ اللَّبَّادِ قَالَ يَلْزَمُهُ النِّكَاحُ فَرِوَايَةُ أَبِي زَيْدٍ مَبْنِيَّةٌ عَلَى خِلَافِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ لَعِبَ النِّكَاحِ لَازِمٌ وَحُكْمُ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ حُكْمُ الْبُيُوعِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ هَزْلٍ وَلَا لَعِبٍ وَيُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا أَقَرَّا جَمِيعًا أَنَّهُمَا كَانَا لَاعِبَيْنِ وَأَنَّهُمَا لَمْ يُرِيدَا النِّكَاحَ فَهَذَانِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ وَيَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَقَدْ تَجَوَّزَ فِي الْعِبَارَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ يُفْسَخُ وَلَا يُقَرُّ.
(ش) : قَوْلُهُ فَآثَرَ الشَّابَّةَ عَلَيْهَا الْإِيثَارُ يَكُونُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ أَحَدُهُمَا الْإِيثَارُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَحَبَّةِ لِإِحْدَاهُمَا وَالْمَيْلِ إلَيْهَا فَهَذَا الضَّرْبُ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ دَفْعَهُ وَلَا الِامْتِنَاعَ مِنْهُ وَإِنَّمَا الْإِنْسَانُ مُضْطَرٌّ إلَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالضَّرْبُ الثَّانِي إيثَارُ إحْدَى الزَّوْجَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى فِي سَعَةِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَالْكِسْوَةِ وَسَعَةِ الْمَسْكَنِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ بِحَسْبِ مَا تَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نَفَقَةُ مِثْلِهَا وَمُؤْنَةُ مِثْلِهَا وَمَسْكَنُ مِثْلِهَا عَلَى قَدْرِ شَرَفِهَا وَجَمَالِهَا وَشَبَابِهَا وَسَمَاحَتِهَا فَهَذَا الْإِيثَارُ وَاجِبٌ لَيْسَ لِلْأُخْرَى الِاعْتِرَاضُ فِيهِ وَلَا لِلزَّوْجِ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ وَلَوْ امْتَنَعَ الْحُكْمُ بِهِ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ مِنْ الْإِيثَارِ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالْمُؤْنَةِ مَا يَجِبُ لَهَا ثُمَّ يُؤْثِرُ إحْدَاهُمَا بِأَنْ يَكْسُوَهَا الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ وَالْحُلِيَّ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ فَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الْإِيثَارِ لَيْسَ لِمَنْ وُفِّيَتْ حَقَّهَا أَنْ تَمْنَعَ الزِّيَادَةَ لِضَرَّتِهَا لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ الزَّوْجُ وَإِنَّمَا لَهُ فِعْلُهُ إذَا شَاءَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ أَنْ يُؤْثِرَ إحْدَى الزَّوْجَتَيْنِ بِنَفْسِهِ مِثْلُ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ إحْدَاهُمَا وَلَا يَبِيتُ عِنْدَ الْأُخْرَى أَوْ يَكُونَ مَبِيتُهُ عِنْدَ إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ أَوْ يُجَامِعَهَا وَيَجْلِسَ عِنْدَهَا فِي يَوْمِ الْأُخْرَى أَوْ يَنْقُصَ إحْدَاهُمَا مِنْ نَفَقَةِ مِثْلِهَا وَيَزِيدَ الْأُخْرَى أَوْ يُجْرِيَ عَلَيْهَا مَا يَجِبُ لَهَا فَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الْإِيثَارِ لَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ فِعْلُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْمُؤْثَرِ لَهَا فَإِنْ فَعَلَهُ كَانَ لَهَا الِاعْتِرَاضُ فِيهِ وَالِاسْتِعْدَاءُ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩] وَإِنْ أَذِنَتْ لَهُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ وَقَدْ وَهَبَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمَعَةَ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يَقْسِمُ بِذَلِكَ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ وَفِي الْمُزَنِيَّة عَنْ عِيسَى أَنَّهُ يَقَعُ فِي نَفْسِي أَنَّ الْإِيثَارَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ فِي الْقَسْمِ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ فِي الْمَبِيتِ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَدْلُ فِيهِ بَيْنَ نِسَائِهِ لِأَنَّ الْأَثَرَةَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ جَائِزَةٌ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يُؤْثِرَ بِهِ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ الَّذِي يَعْدِلُ بَيْنَهُنَّ فِي الْمَبِيتِ وَمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَى قَدْرِهَا وَقَدْرِ عِيَالِهِ عِنْدَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ ارْتَجَعَهَا إنْ كَانَ إيثَارُهُ أَوَّلًا الْإِيثَارَ الَّذِي لَا اعْتِرَاضَ لَهَا فِيهِ وَلَا لَهَا الْمَنْعُ مِنْهُ وَلَا الْمُطَالَبَةُ بِمِثْلِهِ فَإِنَّ مُنَاشَدَتِهَا إيَّاهُ الطَّلَاقَ عَلَى سَبِيلِ الرَّغْبَةِ إلَيْهِ وَكَانَ طَلَاقُهُ إيَّاهَا إسْعَافًا لِرَغْبَتِهَا وَمُوَافَقَةً لِإِرَادَتِهَا وَإِنْ كَانَ إيثَارُهُ إيثَارًا لَهَا الِاعْتِرَاضُ فِيهِ وَالْمَنْعُ مِنْهُ لَكِنَّهُ أَتَى مِنْ ذَلِكَ مَا أَتَى بِإِذْنِهَا وَمِنْ إبَاحَتِهَا ثُمَّ ظَهَرَ إلَيْهَا الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ مُنَاشَدَتِهَا إيَّاهُ الطَّلَاقَ بِمَعْنَى مُطَالَبَتِهِ بِالْحَقِّ وَدُعَائِهِ إلَى الْحُكْمِ الْوَاجِبِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَبَاحَتْ لِزَوْجِهَا الْإِيثَارَ عَلَيْهَا بِأَنْ لَا يَقْسِمَ لَهَا أَوْ
стр. 1035
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
تُبِيحَ لَهُ فِي يَوْمِهَا الْجُلُوسَ عِنْدَ ضَرَّتِهَا ثُمَّ بَدَا لَهَا الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ كَانَ لَهَا الرُّجُوعُ فِيهِ وَالْمَنْعُ مِنْهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَمِثْلُهُ رُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ لَيْسَ لَهَا الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ ضَرَرٍ لَحِقَ مِنْ الزَّوْجِ مُؤَثِّرٌ فِي الْمُوَاصَلَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ فَإِنَّ لِلْمَرْأَةِ الْخِيَارَ فِيهِ بَعْدَ الرِّضَا بِهِ إذَا كَانَ مِمَّا يُرْجَى زَوَالُهُ وَيَضُرُّ بَقَاؤُهُ كَعَجْزِ الْمُعْتَرِضِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا قُلْنَا لَهَا الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْعَدْلِ بَيْنَهُمَا أَوْ يُطَلِّقَ وَلِذَلِكَ آثَرَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ الطَّلَاقَ وَلَمْ يُؤْثِرُ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ عَلَى حَسْبِ مَا تَقَدَّمَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَطَلَّقَهَا حَتَّى إذَا كَادَتْ أَنْ تَحِلَّ رَاجَعَهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا كَانَ يُرَاجِعُهَا يَعْتَقِدُ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيُخَيِّرُهَا بَيْنَ الرِّضَا بِالْإِيثَارِ أَوْ الطَّلَاقِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا كَانَ يُرَاجِعُهَا عَلَى رِضَاهَا بِالْإِيثَارِ فَيَتَمَادَى عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً ثُمَّ يَبْدُو لَهَا فَتَرْجِعُ عَنْ الرِّضَا بِهِ، وَلَا بَأْسَ بِالْمُرَاجَعَةِ عَلَى الْإِيثَارِ، وَأَمَّا عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَى الْإِيثَارِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ بَعْدَ النِّكَاحِ الصُّلْحُ عَلَى الْأَثَرَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ وَقَعَ النِّكَاحُ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ وَابْنُ حَبِيبٍ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْفَسَادَ فِي الْمَهْرِ وَأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِهَذَا الْمِقْدَارِ عَلَى مَا شَرَطَ مِنْ الْأَثَرَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ عِنْدَ الثَّالِثَةِ مَا شِئْتِ إنَّمَا بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ فَإِنْ شِئْتِ اسْتَقْرَرْت عَلَى مَا تَرَيْنَ مِنْ الْأَثَرَةِ وَإِنْ شِئْتِ فَارَقْتُك يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ طَلَّقَهَا هَذِهِ الطَّلْقَةَ الَّتِي بَقِيَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَى ارْتِجَاعِهَا سَبِيلٌ وَلَوْ رَضِيَتْ بِالْأَثَرَةِ لَمْ يَنْفَعْهَا وَإِنَّمَا بَقِيَ لَهَا أَنْ تَرْضَى الْآنَ بِالْأَثَرَةِ وَتَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُطَلِّقَهَا آخِرَ الطَّلَاقِ فَلَا يَكُونُ إلَيْهَا سَبِيلٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا بَلْ أَسْتَقِرُّ عَلَى الْأَثَرَةِ فَأَمْسَكَهَا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَرَ رَافِعٌ عَلَيْهِ إثْمًا حِينَ قَرَّتْ عِنْدَهُ عَلَى الْأَثَرَةِ يُرِيدُ أَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي الْإِيثَارِ عَلَيْهَا الَّذِي لَا يَجُوزُ لَهُ إلَّا بِإِذْنِهَا وَلَوْ لَمْ تَرْضَ بِهِ لَكَانَ آثِمًا فِيهِ لَوْ تَمَادَى عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا إذَا كَانَ يَرْضَى فَفِي الْمُزَنِيَّة عَنْ عِيسَى قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَافِعٌ فَقَالَ لِي لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَضُرَّهَا وَلَوْ شَاءَ ابْتَدَأَ طَلَاقَهَا مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ نَافِعٍ قَالَ مَا أُحِبُّ ذَلِكَ لِأَحَدٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا ﴿تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] قَالَ يَحْيَى بْنُ إبْرَاهِيمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1036
(ص) : (كِتَابُ الطَّلَاقِ) (مَا جَاءَ فِي الْبَتَّةِ) (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ إنِّي طَلَّقْت امْرَأَتِي مِائَةَ تَطْلِيقَةٍ فَمَاذَا تَرَى عَلَيَّ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ طَلُقَتْ مِنْك بِثَلَاثٍ، وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ اتَّخَذْت بِهَا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا)
ــ
[المنتقى]
[كِتَابُ الطَّلَاقِ] [بَابُ مَا يَجُوزُ إيقَاعُهُ مِنْ الطَّلَاقِ]
(ش) : قَوْلُهُ طَلَّقْت امْرَأَتِي مِائَةَ تَطْلِيقَةٍ يُحْتَمَلُ إيقَاعُهَا مُجْتَمِعَةً وَمُفْتَرِقَةً وَلَا تَأْثِيرَ لِلزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثِ فِي جَمْعِهَا إلَّا مَالَهُ مِنْ التَّأْثِيرِ فِي تَفْرِيقِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَثِمَ فِيهَا وَلَا يُعْتَدُّ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهَا إنْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا بَعْدَ زَوْجٍ، إنَّمَا الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الَّتِي يُطَلِّقُهَا وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى يَتَعَيَّنُ لَهُ الَّتِي تَحْرُمُ بِهَا عَلَيْهِ، وَهِيَ الثَّلَاثُ الْأُوَلُ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ الطَّلَاقِ، فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً لَا يَتَعَيَّنُ بِهَا طَلَاقٌ وَاَلَّذِي يَجْمَعُ لَا يَتَعَيَّنُ لَهُ الثَّلَاثُ الَّتِي تَحْرُمُ بِهَا عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ إلَّا فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ إذَا قَالَ لَهَا طَلَّقْتُك مِائَةً إلَّا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهَا بَائِنٌ مِنْهُ بِثَلَاثٍ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَقَعُ عَلَيْهَا إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ فَمَنْ جَعَلَ مَا زَادَ عَلَى لَفْظِ الثَّلَاثِ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ حُكْمِ الثَّلَاثِ أَلْزَمَهُ الثَّلَاثَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا وَمَنْ جَعَلَ لِلَفْظِ الْمِائَةِ تَأْثِيرًا جَعَلَ لِمَا زَادَ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الثَّلَاثِ تَأْثِيرًا فَلَمْ يَبْقَ مِنْ الطَّلَاقِ إلَّا وَاحِدَةٌ.
(بَابُ مَا يَجُوزُ إيقَاعُهُ مِنْ الطَّلَاقِ) يُعْتَبَرُ بِثَلَاثَةِ مَعَانٍ: الْعَدَدُ، وَالصِّفَةُ، وَالزَّمَانُ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الطَّلَاقُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: طَلَاقُ سُنَّةٍ وَطَلَاقُ بِدْعَةٍ وَطَلَاقٌ لَا يُوصَفُ بِسُنَّةٍ وَلَا بِبِدْعَةٍ قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِنَا طَلَاقُ سُنَّةٍ أَنَّهُ أُوقِعَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي
стр. 1037
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِيقَاعِهِ عَلَيْهِ وَمَعْنَى وَصْفِنَا بِأَنَّهُ لِلْبِدْعَةِ أَنَّهُ أُوقِعَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِيقَاعِهِ عَلَيْهِ، وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ فِيمَنْ عَقَدَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَقْسَامُ تَصِحُّ مِنْ جِهَةِ الزَّمَانِ فَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ، وَالصِّفَةِ فَلَا يَكُونُ إلَّا قِسْمَانِ: سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ وَيَبْطُلُ الْقِسْمُ الثَّالِثُ، فَأَمَّا الْعَدَدُ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُوقِعَ أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَمَنْ أَوْقَعَ طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَقَدْ طَلَّقَ بِغَيْرِ السُّنَّةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مُوقِعُ الثَّلَاثِ جُمْلَةً مُطَلِّقٌ لِلسُّنَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِصِفَةِ الطَّلَاقِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ أَوْ يَكُونَ إخْبَارًا عَنْ صِفَةِ الطَّلَاقِ الشَّرْعِيِّ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إنَّ الْأَلِفَ، وَاللَّامَ تَكُونُ لِلْحَصْرِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ الطَّلَاقُ الشَّرْعِيُّ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنْ قِيلَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْإِخْبَارُ عَنْ أَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ طَلْقَتَانِ، وَأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِرَجْعِيٍّ قَالُوا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثُمَّ أَفْرَدَ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ لَمَّا لَمْ تَكُنْ رَجْعِيَّةً وَفَارَقَ حُكْمُهَا حُكْمَ الطَّلْقَتَيْنِ فَقَالَ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] إذَا كَانَ الْمُرَادُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْإِخْبَارِ عَنْ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ دُونَ غَيْرِهِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ أُضْمِرَ فِي الْكَلَامِ مَعَ اسْتِقْلَالِهِ دُونَهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ لِأَنَّكُمْ تُضْمِرُونَ الرَّجْعِيَّ وَتَقُولُونَ مَعْنَاهُ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ مَرَّتَانِ، وَإِذَا اسْتَقَلَّ الْكَلَامُ دُونَ ضَمِيرٍ لَمْ يَجُزْ تَعْدِيلُهَا إلَّا بِدَلِيلٍ وَجَوَابٌ ثَانٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ عَمَّا ذَكَرْتُمْ لَقَالَ: الطَّلَاقُ طَلْقَتَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ أَوْقَعَهُنَّ مُجْتَمِعَتَيْنِ أَوْ مُتَفَرِّقَتَيْنِ فَلَمَّا قَالَ مَرَّتَانِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا لِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ مُفْتَرِقًا ثَبَتَ أَنَّهُ قَصَدَ الْإِخْبَارَ عَنْ صِفَةِ إيقَاعِهِ لَا الْإِخْبَارَ عَنْ عَدَدِ الرَّجْعِيِّ مِنْهُ، فَإِنْ قَالُوا: إنَّ لَفْظَ التَّكْرَارِ إذَا عُلِّقَ بِاسْمٍ أُرِيدَ بِهِ الْعَدَدُ دُونَ تَكْرَارِ الْفِعْلِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] لَمْ يُرِدْ تَفْرِيقَ الْأَجْرِ، إنَّمَا أَرَادَ تَضْعِيفَ الْعَدَدِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] حَقِيقَةٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَكْرَارِ الْفِعْلِ دُونَ الْعَدَدِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُعَلَّقَ عَلَى فِعْلٍ أَوْ اسْمٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّك تَقُولُ: لَقِيت فُلَانًا مَرَّتَيْنِ فَيَقْتَضِي تَكْرَارَ الْفِعْلِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ دَخَلْت مِصْرَ مَرَّتَيْنِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ أَصْلَهُ وَحَقِيقَتَهُ وَدَلَّ الدَّلِيلُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَلَى الْعُدُولِ بِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ لَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إلَّا بِدَلِيلٍ وَجَوَابٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْفَضْلَ قَالَ مَعْنَى ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي الْجَنَّةِ فَعَلَى هَذَا لَمْ يَخْرُجْ اللَّفْظُ عَنْ بَابِهِ الْأَعْدَلِ بِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ، إنْ قُلْنَا إنَّ مَعْنَاهُ التَّضْعِيفُ فِي مَالِهِ وَأَجْرِهِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] يُفِيدُ التَّضْعِيفَ وَيَمْنَعُ الِاقْتِصَارَ عَلَى ضِعْفٍ وَاحِدٍ، لَوْ كَانَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] يُرِيدُ بِهِ التَّضْعِيفَ لَمَنَعَ مِنْ إيقَاعِ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِلَّا بَطَلَ مَعْنَى التَّضْعِيفِ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ.
وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَى مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْر عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ لَبِيدٍ قَالَ «أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا فَقَالَ فَعَلْته لَاعِبًا ثُمَّ قَالَ: تَلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَقْتُلُهُ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَعْنًى ذُو عَدَدٍ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ فَوَجَبَ تَحْرِيمُهُ كَاللِّعَانِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ بِلَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ لَزِمَهُ مَا أَوْقَعَهُ مِنْ الثَّلَاثِ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي إشْرَافِهِ عَنْ بَعْضِ الْمُبْتَدِعَةِ يَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ هَلْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، إنَّمَا يُرْوَى هَذَا عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ ﵃ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
стр. 1038
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِي ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ طَاوُسٍ قَالَ فِيهِ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ هُوَ وَهْمٌ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ خِلَافَ ذَلِكَ، إنَّمَا وَقَعَ الْوَهْمُ فِي التَّأْوِيلِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ بِذَلِكَ صَحِيحَةٌ فَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ الْأَئِمَّةُ مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُمَا وَابْنُ طَاوُسٍ إمَامٌ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُشِيرُونَ إلَيْهِ هُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً فَقَالَ عُمَرُ ﵁ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ» وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوقِعُونَ طَلْقَةً وَاحِدَةً بَدَلَ إيقَاعِ النَّاسِ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: إنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ أَنْ أَحْدَثُوا فِي الطَّلَاقِ اسْتِعْجَالَ أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ كَانَ حَالُهُمْ ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا قَالَهُ، مَا عَابَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ أَنَّهُ أَفْتَى بِلُزُومِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لِمَنْ أَوْقَعَهَا مُجْتَمِعَةً، فَإِنْ كَانَ هَذَا مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ طَاوُسٍ فَهُوَ الَّذِي قُلْنَاهُ، إنْ حُمِلَ حَدِيثُ ابْنِ طَاوُسٍ عَلَى مَا يَتَأَوَّلُ فِيهِ مَنْ لَا يُعْبَأُ بِقَوْلِهِ، فَقَدْ رَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ وَانْعَقَدَ بِهِ الْإِجْمَاعُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا طَلَاقٌ أَوْقَعَهُ مَنْ يَمْلِكُهُ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ؛ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا أَوْقَعَهُ مُفَرَّقًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَسُنَّةُ الطَّلَاقِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا إنْ أَرَادَ إمْضَاءَ الطَّلَاقِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي الْقُرْءِ الثَّانِي طَلْقَةً وَفِي الْقُرْءِ الثَّالِثِ طَلْقَةً، فَإِنَّ الطَّلْقَتَيْنِ الْمُتَأَخِّرَتَيْنِ لَيْسَتَا لِلسُّنَّةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ طَلَاقَ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً فَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَقَدْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَرْتَجِعْهَا فِي خِلَالِ ذَلِكَ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَانِيَةً فَلَا يَحِقُّ لَهُ ذَلِكَ لِمَا يُرِيدُ مِنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ.
فَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ قَوْله تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ، وَهَذَا يَقْتَضِي إيقَاعَ طَلَاقٍ يُعْتَدُّ بِهِ، وَالطَّلْقَةُ الثَّانِيَةُ لَا عِدَّةَ لَهَا فَلَا يَتَنَاوَلُهَا الْأَمْرُ بِصِفَةِ الطَّلَاقِ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا طَلَاقٌ فِي مَدْخُولٍ بِهَا لَا يُوجِبُ عِدَّةً فَلَا يَكُونُ لِلسُّنَّةِ؛ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا طَلَّقَ الثَّلَاثَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الثَّانِيَةَ، وَالثَّالِثَةَ لَيْسَتْ لِلسُّنَّةِ لَمَّا لَمْ تُوجِبْ عِدَّةً إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: طَلْقَةٌ فِي كُلِّ طُهْرٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ طَلْقَتَيْنِ فِي مَجْلِسٍ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ أَشَدُّ مِنْ الْآخَرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا اعْتِبَارُ السُّنَّةِ مِنْ جِهَةِ الزَّمَانِ فَأَنْ يُطَلِّقَ الْمَدْخُولَ بِهَا الْحَامِلَ الَّتِي تَجْرِي حَيْضَتُهَا عَلَى الْمُعْتَادِ فِي طُهْرٍ لَمْ تُمَسَّ فِيهِ وَلَا عَقِيبَ حَيْضَةٍ طَلَّقَ فِيهَا، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ طَلُقَتْ مِنْك بِثَلَاثٍ يُرِيدُ أَنَّ الثَّلَاثَ تَعَلَّقْت بِهَا دُونَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهَا لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِهَا، إذَا طَلُقَتْ مِنْهُ بِثَلَاثٍ وَكَانَ لِلثَّلَاثِ تَعَلُّقٌ بِهَا وَتَأْثِيرٌ فِي نِكَاحِهَا فَقَدْ انْقَطَعَتْ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمَا وَنَفَذَ مَا كَانَ لَهُ فِيهَا مِنْ الطَّلَاقِ، وَبِذَلِكَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ اتَّخَذْتَ بِهَا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا يُرِيدُ أَنَّهُ أَتَى بِهَا تَلَاعُبًا وَاسْتِهْزَاءً وَمُخَالَفَةً لِمَا أَتَتْ بِهِ آيَاتُ اللَّهِ مِنْ أَنَّ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، وَهِيَ الثَّالِثَةُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ قَتَادَةُ، وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ إنَّ الثَّالِثَةَ قَوْلُهُ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فَإِذَا كَانَ الْبَارِئُ تَعَالَى قَدْ نَصَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ ثَلَاثٌ ثُمَّ طَلَّقَ رَجُلٌ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ فَقَدْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَقَصَدَ الِاسْتِهْزَاءَ، وَالتَّلَاعُبَ
стр. 1039
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ إنِّي طَلَّقْت امْرَأَتِي ثَمَانَ تَطْلِيقَاتٍ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَاذَا قِيلَ لَك قَالَ قِيلَ لِي: إنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنِّي فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ صَدَقُوا مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ وَمَنْ لَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ لَبْسًا جَعَلْنَا لَبْسَهُ بِهِ لَا تَلْبِسُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَنَتَحَمَّلُهُ عَنْكُمْ هُوَ كَمَا يَقُولُونَ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ الْبَتَّةُ
ــ
[المنتقى]
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَاذَا قِيلَ لِلسَّائِلِ عَنْ طَلَاقِهِ ثَمَانِيًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِيَرَى أَقْوَالَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ وَيَعْلَمَ اتِّفَاقَهُمْ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ وَرُبَّمَا كَانَ لِلْمُفْتِي فِي ذَلِكَ شَيْءٌ إلَى أَمْرٍ أَغْفَلَهُ، وَإِنْ وَجَدَ الْعُلَمَاءَ قَدْ خَالَفُوا مَا ظَهَرَ إلَيْهِ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى إعَادَةِ النَّظَرِ، وَالزِّيَادَةِ فِي الِاجْتِهَادِ، وَالتَّثَبُّتِ، وَإِنْ رَأَى الْفُقَهَاءَ قَدْ وَافَقُوا رَأْيَهُ قَوِيَ فِي نَفْسِهِ وَظَهَرَ إلَيْهِ وَشَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا أَعَانَهُ عَلَيْهِ، وَأَظْهَرَ الْمُوَافَقَةَ وَالتَّصْحِيحَ لِقَوْلِ الْعُلَمَاءِ وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ مَسْعُودٍ صَدَقُوا فَأَظْهَرَ تَصْدِيقَهُمْ وَمُوَافَقَتَهُمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ لَهُ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ يُرِيدُ أَنَّ سُنَنَ الطَّلَاقِ بَيِّنَةٌ قَدْ بَيَّنَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ لَا يَحْتَاجُ الْعَامِلُ بِهَا وَلَا الْمُفْتِي فِيهَا إلَى بَحْثٍ وَلَا نَظَرٍ وَلَا اجْتِهَادٍ فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى فِي طَلَاقِهِ وَأَوْقَعَهُ عَلَى حَسَبِ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَهُوَ بَيِّنٌ وَاضِحٌ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ بَانَ لَهُ مِنْ نَصِّهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَقْرَأُ أَوْ لَا يَفْهَمُهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَأُخْبِرَ عَنْ أَمْرٍ وَاضِحٍ بَيِّنٍ لَا يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَلَا النَّقْصَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ وَمَنْ لَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ لَبَّسْنَا عَلَيْهِ أَيْ جَعَلْنَا لَبْسَهُ بِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ مَنْ تَعَدَّى الْوَاضِحَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الطَّلَاقِ فَقَدْ لَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ وَدَخَلَ فِي أَمْرٍ مُلْتَبِسٍ مُشْتَبِهٍ يَحْتَاجُ الْمُفْتِي فِيهِ إلَى الْبَحْثِ، وَالِاجْتِهَادِ وَلَا يَتَّضِحُ لَهُ مَعَ ذَلِكَ الْحُكْمُ كَوُضُوحِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَيَجْعَلُ لَبْسَهُ بِهِ وَيُغْلِظُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَتَى تَرَدَّدَتْ الْأَدِلَّةُ بَيْنَ التَّحْرِيمِ، وَالْإِبَاحَةِ وَلَمْ يَكُنْ وَجْهُ الْحُكْمِ بَيِّنًا غَلَبَ التَّحْرِيمُ، وَالْمَنْعُ.
وَالثَّانِي أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُبَاحَ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِي التَّحْقِيقَ فَمَنْ خَالَفَهُ إلَى الطَّلَاقِ الْمَمْنُوعِ الْمُحَرَّمِ اقْتَضَى التَّغْلِيظَ عَلَيْهِ، وَالتَّغْلِيظُ فِي الطَّلَاقِ مَعْنَاهُ الْإِلْزَامُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ لَا تَلْبِسُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَنَتَحَمَّلُهُ عَنْكُمْ، هُوَ كَمَا يَقُولُونَ يُرِيدُ أَنَّ مَنْ طَلَّقَ عَلَى غَيْرِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَلَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّ الْمُفْتِيَ لَا يَتَحَمَّلُ لَهُ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ وَلَا يُوقِعُ هَذَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ فَيَقُولُ لَهُ الْمُفْتِي: إنَّهَا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ حَتَّى يُفَرِّقَهَا؛ لِأَنَّ جَمْعَ الطَّلَاقِ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي ظَاهِرُ الْقُرْآنِ تَفْرِيقَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فَمَنْ لَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ بِلَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ جَعَلَ ذَلِكَ بِمَعْنَى أَنَّهُ أُلْزِمَ الثَّلَاثَ.
وَقَدْ رَوَى مُجَاهِدٌ قَالَ سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَلَا ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] حَتَّى بَلَغَ ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] إنَّك لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَلَا أَجِدُ لَك مَخْرَجًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَسَوَاءٌ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى جُمْلَةِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ فُلَانَةُ طَالِقٌ أَوْ عَلَى جُزْءٍ مِنْهَا فَقَالَ: يَدُك طَالِقٌ أَوْ شَعْرُك طَالِقٌ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ إلَّا فِي خَمْسَةِ أَعْضَاءٍ: الرَّأْسُ، وَالْوَجْهُ، وَالرَّقَبَةُ، وَالظَّهْرُ، وَالْفَرْجُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِهَا اتِّصَالَ خِلْقَةٍ فَوَجَبَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ كَوُقُوعِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا أَوْقَعَهُ عَلَى أَحَدِ الْأَعْضَاءِ الْخَمْسَةِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَأَيُّ عُضْوٍ عُلِّقَ بِهِ الطَّلَاقُ لَزِمَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الشَّعْرِ، وَالْكَلَامِ فَقَالَ سَحْنُونٌ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ بِالشَّعْرِ غَيْرُ لَازِمٍ وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ سُعَالُكِ عَلَيَّ حَرَامٌ قَالَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَازِمٌ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مِمَّا لَا تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ مِمَّا يَقَعُ بِهِ الِالْتِذَاذُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِمْتَاعِ فَأَشْبَهَ الْوَجْهَ، وَالْيَدَيْنِ.
стр. 1040
مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَقُلْت لَهُ كَانَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ يَجْعَلُهَا وَاحِدَةً فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ أَلْفًا مَا أَبْقَتْ الْبَتَّةُ مِنْهُ شَيْئًا مَنْ قَالَ أَلْبَتَّةَ فَقَدْ رَمَى الْغَايَةَ الْقُصْوَى)
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁: الْبَتَّةُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا؟ سُؤَالٌ لِأَصْحَابِهِ وَمَنْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَمَّا بَلَغَهُمْ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا شَدِيدًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالُوا: إنَّ الطَّلَاقَ عَلَى ضَرْبَيْنِ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إلَى أَنَّ الصَّرِيحَ مَا تَضَمَّنَ لَفْظَ الطَّلَاقِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ، أَوْ قَدْ طَلَّقْتُك أَوْ الطَّلَاقُ لَهُ لَازِمٌ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ فَهُوَ كِنَايَةٌ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: صَرِيحُ الطَّلَاقِ أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ وَبَعْضُهَا أَبْيَنُ مِنْ بَعْضٍ: الطَّلَاقُ، وَالسَّرَاحُ، وَالْفِرَاقُ، وَالْحَرَامُ، وَالْخَلِيَّة، وَالْبَرِيَّةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الصَّرِيحُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ، وَهُوَ مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ لَفْظِ الطَّلَاقِ، وَالسَّرَاحِ، وَالْفِرَاقِ وَوَجْهُ الْمَسْأَلَةِ عِنْدِي عَلَى مُطْلَقِ الْكَلَامِ فِيهَا أَنَّ الصَّرِيحَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بِالصَّرِيحِ الْخَالِصَ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلَاقِ دُونَ غَيْرِهِ أَوْ وُضِعَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ وَلِذَلِكَ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ هَذَا صَرِيحُ الْإِيمَانِ أَيْ خَالِصُهُ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُرِيدَ بِالصَّرِيحِ الْبَيِّنَ مِنْ قَوْلِهِمْ صَرَّحَ فُلَانٌ بِالْقَوْلِ إذَا بَيَّنَهُ وَقَصَدَ الْإِخْبَارَ عَنْهُ، فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ مَعْنَى الصَّرِيحِ الْخَالِصُ فَمَعْنَى قَوْلِنَا: صَرِيحُ الطَّلَاقِ أَنَّ هَذَا لَفْظٌ وُضِعَ لِهَذَا الْمَعْنَى دُونَ غَيْرِهِ أَوْ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الصَّرِيحَ لَفْظُ الطَّلَاقِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ وَيَكُونُ مَعْنَى كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ يُسْتَعْمَلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَفِي غَيْرِهِ كَلَفْظِ سَرَّحْتُك وَفَارَقْتُك وَخَلَّيْتُك وَبَارَيْتُك وَبِنْتُ مِنْك.
(فَصْلٌ) :
فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ مَعْنَى الصَّرِيحِ الْبَيِّنُ، فَإِنَّ الصَّرِيحَ مِنْ الطَّلَاقِ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ لَفْظُ الطَّلَاقِ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ كَثِيرًا كَفَارَقْتُك وَسَرَّحْتُك وَخَلَّيْتُك وَبِنْت مِنْك، أَنْتِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَإِنْ اُسْتُعْمِلَتْ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الطَّلَاقِ وَعُرِفَتْ بِهِ فَصَارَتْ بَيِّنَةً وَاضِحَةً فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ كَالْغَائِطِ الَّذِي وُضِعَ لِلْمُطْمَئِنِّ مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ فِي إتْيَانِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فَكَانَ فِيهِ أَبْيَنَ وَأَشْهَرَ مِنْهُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ.
(فَصْلٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْبَتَّةِ فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ هِيَ وَاحِدَةٌ وَبِهِ قَالَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ هِيَ ثَلَاثٌ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا ثَلَاثًا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ تَحْتَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ فَطَلَّقَنِي أَلْبَتَّةَ فَتَزَوَّجْت بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَإِنَّ مَا مَعَهُ إلَّا مِثْلُ الْهُدْبَةِ وَأَخَذَتْ هُدْبَةً مِنْ جِلْبَابِهَا فَقَالَ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» .
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا قَالَتْ كُنْتُ تَحْتَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ فَطَلَّقَنِي أَلْبَتَّةَ ثُمَّ أَجَابَهَا أَنَّهَا لَا تَرْجِعُ إلَيْهِ حَتَّى يَمَسَّهَا غَيْرُهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا حُكْمُ طَلَاقِ الْبَتَّةِ، وَلَوْ اخْتَلَفَ حُكْمُ الْبَتَّةِ لَمَا مَنَعَهَا حَتَّى سَأَلَهَا عَنْ أَنْوَاعِ الْبَتَّةِ كَانَ طَلَاقُهُ إيَّاهَا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَعْنَى الْبَتَّةِ الْقَطْعُ، وَهَذَا يَقْتَضِي قَطْعَ الْعِصْمَةِ بَيْنَهُمْ، وَالْمُبَالَغَةَ فِي ذَلِكَ وَلِذَلِكَ يُقَالُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ يُرِيدُونَ الْمُبَالَغَةَ فِي قَطْعِ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا.
إذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَمُقْتَضَاهَا فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إلَّا بِالثَّلَاثِ، وَأَمَّا قَبْلَ الثَّلَاثِ فَلَهُ الرَّجْعَةُ عَلَيْهَا، وَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا فَلَا يُوجَدُ فِيهِ مَعْنَى الْبَتَّةِ، وَالْقَطْعِ لِمَا بَيْنَهُمَا وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ أَلْفًا مَا أَبْقَتْ الْبَتَّةُ مِنْهُ شَيْئًا
стр. 1041
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابِ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَانَ يَقْضِي فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ أَنَّهَا ثَلَاثٌ تَطْلِيقَاتٍ قَالَ مَالِكٌ، وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) .
مَا جَاءَ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كُتِبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْ الْعِرَاقِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إلَى عَامِلِهِ أَنْ مُرْهُ يُوَافِينِي بِمَكَّةَ فِي الْمَوْسِمِ فَبَيْنَمَا عُمَرُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إذْ لَقِيَهُ الرَّجُلُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ أَنْتَ فَقَالَ أَنَا الَّذِي أُمِرْتُ أَنْ أُجْلَبَ عَلَيْك فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَسْأَلُكَ بِرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ مَا أَرَدْت بِقَوْلِك حَبْلُك عَلَى غَارِبِك فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ لَوْ اسْتَحْلَفْتَنِي فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ مَا صَدَقْتُك أَرَدْتُ بِذَلِكَ الْفِرَاقَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ هُوَ مَا أَرَدْتَ)
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ مَنْ قَالَ أَلْبَتَّةَ فَقَدْ رَمَى الْغَايَةَ الْقُصْوَى يُرِيدُ أَنَّهُ مَنْ قَالَ أَلْبَتَّةَ فِي طَلَاقِهِ فَقَدْ بَلَغَ أَقْصَى الْغَايَاتِ فِي الطَّلَاقِ وَمَنَعَ التَّرَاجُعَ الَّذِي لَا تُوصَفُ الْفُرْقَةُ الَّتِي لَا تَمْنَعُهُ بِالْبَتَّةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالثَّلَاثِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَمَى الْغَايَةَ الْقُصْوَى عَلَى مَا قَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ أَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الْبَتَّةِ، وَعَلَى ذَلِكَ يَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ فِي الْجَوَازِ، وَالْمَنْعِ فَيَقُولُ الْقَائِلُ: لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى مُخَالَفَةِ قَوْلِهِ، وَلَا إلَى الْعُدُولِ مِنْهُ بِوَجْهٍ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ مَعْنَاهُ طَلَاقًا لَا سَبِيلَ فِيهِ إلَى مُرَاجَعَةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالثَّلَاثِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابِ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَانَ يَقْضِي فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ أَنَّهَا ثَلَاثٌ تَطْلِيقَاتٍ قَالَ مَالِكٌ، وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) .
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَانَ يَقْضِي فِي الْبَتَّةِ بِالثَّلَاثِ يَقْتَضِي تَكْرَارَ هَذَا الْقَضَاءِ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُسْتَعْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ فِيمَنْ يَكْثُرُ مِنْهُ الْفِعْلُ، وَإِنَّمَا اسْتَظْهَرَ مَالِكٌ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَرْوَانَ كَانَ أَمِيرًا بِالْمَدِينَةِ فِي زَمَانِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَجِلَّةِ التَّابِعِينَ وَعُلَمَائِهِمْ وَكَانَ لَا يَقْضِي إلَّا عَنْ مَشُورَتِهِمْ وَبِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ وَأَعْلَمُهُمْ، فَإِذَا تَكَرَّرَ قَضَاؤُهُ فِي الْبَتَّةِ أَنَّهَا ثَلَاثٌ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ الظَّاهِرَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، وَالْمَعْمُولَ بِهِ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ أَوْ أَنَّهُ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا فَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهَا ثَلَاثٌ، إنْ نَوَى وَاحِدَةً فَهَلْ يَنْوِي أَوْ لَا فِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا لَا يَنْوِي وَتَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ حَبِيبٍ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ يَنْوِي وَبِهَا قَالَ مَالِكٌ فَالرِّوَايَةُ الْأُولَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ أَلْبَتَّةَ لَا تَتَبَعَّضُ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَصْبَغَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَنَصَّ عَلَيْهِ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهَا تَتَبَعَّضُ وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَرَوَاهُ سَحْنُونٌ عَنْ الْعُتْبِيِّ، وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ يَجِبُ أَنْ يَجْرِيَ الْقَوْلُ فِي الْخُلْعِ وَكُلِّ طَلَاقٍ لَا تَتَعَقَّبُهُ رَجْعَةٌ يُوقِعُهُ الزَّوْجُ بِاخْتِيَارِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا قُلْنَا: إنَّهُ يُنَوَّى فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ إلَّا وَاحِدَةً فِي الْبَتَّةِ، وَالْبَائِنَةِ، وَالْخَلِيَّةِ، وَالْبَرِيَّةِ قَالَ سَحْنُونٌ: إنَّمَا يَحْلِفُ إذَا أَرَادَ نِكَاحَهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ يَمِينٌ قَبْلَ إرَادَةِ النِّكَاحِ وَنَحْوِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِيَمِينِهِ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ، إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عِنْدَ النِّكَاحِ لَمَّا يُرِيدُ مِنْ اسْتِبَاحَتِهَا فَيَحْلِفُ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى اسْتِبَاحَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَا جَاءَ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ]
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّهُ كُتِبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ الْعِرَاقِ عَلَى حَسَبِ مَا يَلْزَمُ مِنْ مُطَالَعَةِ رَأْيِ الْإِمَامِ الْعَلِيمِ بِمَا يَقَعُ لِلنَّاسِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا قَوْلٌ أَوْ تَقَدَّمَ فِيهَا الْخِلَافُ وَفِيهَا إشْكَالٌ وَلَمْ تُقَرَّرْ أَحْكَامُهَا بَعْدُ وَلَا اتَّضَحَ وَجْهُ الْحُكْمِ فِيهَا فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْ الْعِرَاقِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لِامْرَأَتِهِ: حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى عَامِلِهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُوَافِيَهُ فِي الْمَوْسِمِ، وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ
стр. 1042
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَلَى الْمُفْتِي، وَالنَّاظِرِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْعَلَهُ إذَا أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ أَنْ يُشْخِصَ مَنْ نَزَلَتْ بِهِ وَيُسَائِلَهُ وَيُنَاجِيَهُ عَنْ فُصُولِهَا، وَالْمَعَانِي الَّتِي يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهَا وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ لَهُ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ مِنْ قَوْلِهِ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى فَهْمِ مَسْأَلَةٍ أَوْ يَعِظَهُ لِيُقِرَّ بِجَمِيعِهَا وَلَا يَكْتُمَ شَيْئًا مِنْهَا وَلَعَلَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ إنَّمَا وَقَّتَ لَهُ الْمَوْسِمَ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَى الْقَاصِدِ فِي وُرُودِهِ وَانْصِرَافِهِ وَيُضِيفُ إلَى ذَلِكَ عَمَلَ الْحَجِّ وَتَحْصِيلَ عِبَادَةٍ فِي الْمَوْسِمِ إنْ تَيَسَّرَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَوْ أَشْخَصَهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَحْصُلُ لِمَنْ يَقْصِدُ مَكَّةَ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنَّهُ قَصَدَ الْمُبَالَغَةَ فِي وَعْظِهِ وَاسْتِخْبَارِ جَلِيَّةِ مَا عِنْدَهُ بِاسْتِحْلَافِهِ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْبَيْتِ لِمَا يَتَعَيَّنُ مِنْ تَعْظِيمِ الْمُسْلِمِينَ لَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَبَيْنَمَا عُمَرُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إذْ لَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ طَاعَةً لَهُ وَامْتِثَالًا لِأَمْرِهِ بِأَنْ يُوَافِيَهُ فِي الْمَوْسِمِ فَلَمَّا أَنْكَرَ عُمَرُ ﵁ قَصْدَهُ إيَّاهُ بِالسَّلَامِ عَلَى وَجْهِ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ قَصْدِهِ وَأَرَادَ مُكَالَمَتَهُ وَإِعْلَامَهُ بِنَفْسِهِ قَالَ لَهُ مَنْ أَنْتَ فَأَعْلَمَهُ بِأَنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يُوَافِيَهُ فِي الْمَوْسِمِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ أَسْأَلُك بِرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ هَكَذَا رَوَاهُ قَوْمٌ الْبَنِيَّةَ، وَهُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ مُبْتَنًى لَكِنَّهُ خَصَّ الْبَيْتَ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ كَمَا قَالَ وَرَبِّ هَذَا الْبِنَاءِ وَرُوِيَ بِرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ عَلَى مِثْلِ فَعَيْلَةَ قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ الْبَنِيَّةُ الْكَعْبَةُ يُقَالُ لَا وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ مَا كَانَ كَذَا وَكَذَا وَقَوْلُهُ ﵁: مَا أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ لَمَّا عُلِمَ مِنْ تَعْظِيمِ الْمُسْلِمِينَ لِلْبَيْتِ وَصِدْقِ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَسْتَبِيحُ الْكَذِبَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إذَا اُسْتُحْلِفَ فِيهِ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَوْ اسْتَحْلَفْتنِي فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ مَا صَدَقْتُك إخْبَارٌ عَنْ تَعْظِيمِهِ لِلْقَسَمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَنَّهُ يَلْتَزِمُ مِنْ الْبِرِّ فِي حَلِفِهِ عِنْدَهُ مَا لَا يَلْتَزِمُ فِي غَيْرِهِ وَلَعَلَّهُ كَانَ يَمْنَعُهُ مِنْ صِدْقِهِ نَدَمُهُ عَلَى الطَّلَاقِ وَفَرْطِ مَحَبَّتِهِ لِمَنْ طَلَّقَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَرَدْت بِهَا الْفِرَاقَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: هُوَ مَا أَرَدْتَ يُرِيدُ أَنَّهُ أَلْزَمَهُ الْفِرَاقُ وَحَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الْحَدِيثِ مِقْدَارًا أَهُوَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ أَوْ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ لَا رَجْعَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ آخِرُ مَا بَقِيَ لَهُ فِيهَا أَوْ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ، وَلَفْظُ الْفُرْقَةِ عِنْدَ مَالِكٍ ثَلَاثٌ لَا يُنَوَّى فِي الْمَدْخُولِ بِهَا رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَعَسَى أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً، وَلَوْ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ يُنَوَّى مَا خَالَفْتُهُ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ يَحْتَمِلُ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ بَنَى بِهَا أَوْ لَمْ يَبْنِ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ وَهُنَا يَقْتَضِي أَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَ عُمَرَ ﵁ فِي الْفُرْقَةِ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ، وَقَوْلُ مَالِكٍ لَوْ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ نَوَّاهُ مَا خَالَفْتُهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَقْتَضِيهِ هَذَا اللَّفْظُ، فَإِنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي عِنْدَهُ أَنْ يُنَوَّى لَمَا خَالَفَهُ الْعَرَبُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تُخَالِفُ فِي اللُّغَةِ لَا سِيَّمَا مَعَ مَا يَقْتَرِنُ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمِ عُمَرَ ﵁ وَدِينِهِ وَفِقْهِهِ، وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِيهِ بَعْضُ الْإِشْكَالِ وَلَا يَتَرَجَّحُ بَيْنَ أَنْ يُنَوِّيَهُ أَوْ لَا يُنَوِّيَهُ وَيَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ الْآنَ أَنَّهُ لَا يُنَوِّيهِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا فَلَوْ صَحَّ عِنْدَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ نَوَّاهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الَّتِي قَدْ شَاعَتْ لَتَرَجَّحَ عِنْدَهُ هَذَا الْقَوْلُ وَظَاهِرُ قِصَّةِ عُمَرَ عِنْدِي يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ فِيمَنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ فِيمَنْ كَانَ لَهُ فِيهَا جَمِيعُ الطَّلَاقِ فَأُلْزِمَ الثَّلَاثَ، وَذَلِكَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: حَبْلُك عَلَى غَارِبِكِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَبْلَ هُوَ الَّذِي كَانَ بِيَدِ الزَّوْجِ مِنْهَا، وَذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ عِصْمَةِ الزَّوْجَةِ وَمِلْكِهِ لَهَا، فَإِذَا قَالَ لَهَا حَبْلُك عَلَى غَارِبِك فَقَدْ أَقَرَّ بِخُرُوجِهِ عَنْ يَدِهِ وَكَوْنَهُ بِيَدِهَا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ طَلَاقُهُ لَا رَجْعَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ فِيهَا رَجْعَةٌ فَلَيْسَ حَبْلُهَا عَلَى غَارِبِهَا بَلْ هُوَ بِيَدِهِ وَيَرْتَجِعُهَا مَتَى شَاءَ وَخُرُوجُ الْمِلْكِ مِنْ يَدِ الزَّوْجِ حِينَ إيقَاعِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالثَّلَاثَةِ وَبِآخِرِ الطَّلَاقِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ
стр. 1043
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ إنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ إلَيَّ فِي ذَلِكَ)
ــ
[المنتقى]
الْغَارِبُ مِنْ الْبَعِيرِ أَسْفَلُ السَّنَامِ، وَهُوَ مَا انْحَدَرَ مِنْ الْعُنُقِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ كَانَتْ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُطَلِّقُونَ نِسَاءَهُمْ بِهَذَا الْكَلَامِ وَمَعْنَاهُ أَمْرُكِ فِي يَدِكِ فَاصْنَعِي مَا شِئْتِ فَقَدْ انْقَطَعَ سَبَبُكِ مِنْ سَبَبِي.
(فَصْلٌ) :
وَظَاهِرُ قَوْلِ الرَّجُلِ لَوْ اسْتَحْلَفْتنِي فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ مَا صَدَقْتُكَ يَدُلُّ عَلَى الْبَيْنُونَةِ وَانْقِطَاعِ مَا بَيْنَهُمَا لَوْ كَانَ إنَّمَا أُلْزِمَ طَلْقَةً لَهُ بَعْدَهَا رَجْعَةٌ لَكَانَ الْتِزَامُهَا أَسْهَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَشْخَصَ مِنْ الْعِرَاقِ يُسْتَحْلَفُ عِنْدَ الْبَيْتِ عَمَّا أَرَادَ وَيُصَرِّحَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ لَوْ اُسْتُحْلِفَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مَا صَدَقَ.
(فَصْلٌ) :
، وَأَمَّا اسْتِحْلَافُ عُمَرَ ﵁ إيَّاهُ فَلَيْسَ عَلَى مَعْنَى اسْتِحْلَافِ مَنْ يُنَوَّى أَنَّهُ مَا أَرَادَ إلَّا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْتَحْلَفُ إلَّا إذَا أَرَادَ ارْتِجَاعَهَا، إنَّمَا اسْتِحْلَافُهُ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِحْلَافِ لِلْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ أَمْضَاهُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَى يَمِينِهِ وَلَا قَضَى بِهَا وَنَظَرَ إلَى مَا يَلْزَمُهُ فِي صَرِيحِ الْحَقِّ وَلِذَلِكَ لَمْ يُجَاوِبْ الْحَالِفُ بِأَنَّهُ أَرَادَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ، وَإِنَّمَا أَجَابَهُ بِأَنَّهُ أَرَادَ الطَّلَاقَ، وَقَدْ يَلْزَمُ الْمُفْتِيَ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا بِالْمُسْتَفْتِي فِي الْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ أَنْ يَعِظَهُ وَيُذَكِّرَهُ وَيُعَظِّمَ عَلَيْهِ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَحَارِمَهُ لِيَسْتَدْعِيَ بِذَلِكَ إقْرَارَهُ بِالْحَقِّ، فَإِنْ أَقَرَّ بِالْحَقِّ سَهَّلَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ طَرِيقَ الْفَتْوَى وَكَانَ ذَلِكَ أَقْوَى لِلْمَسْأَلَةِ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ تَمَادَى عَلَى الْإِنْكَارِ أَفْتَى عَلَيْهِ بِمَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ فِي الْحَرَامِ إنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ هُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَضَى بِهَا فِي عَدِيِّ بْنِ قَيْسٍ الْكِلَابِيِّ وَقَالَ لَهُ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ مَسَسْتهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَكَ لَأَرْجُمَنَّكَ.
وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّهَا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ثَلَاثٌ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا لَمْ يُصَدَّقْ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَكُونُ طَلَاقًا حَتَّى يَنْوِيَ الطَّلَاقَ فَيَكُونُ مِنْهُ مَا أَرَادَ مِنْ وَاحِدَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ، وَإِنْ أَرَادَ تَحْرِيمَهَا مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَيْسَ بِمُولٍ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا لَفْظٌ جَرَى عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ لَهُ عَلَى وَجْهِ الطَّلَاقِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا أَصْلُ ذَلِكَ لَفْظُ الطَّلَاقِ وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُفَسِّرٌ عَرَا عَنْ الْقُرْبَةِ، وَالْيَمِينِ فَلَمْ تَجِبْ بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَصْلُ ذَلِكَ لَفْظُ الطَّلَاقِ وَدَلِيلٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا لَفْظُ طَلَاقٍ فَلَمْ تَجِبْ بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَصْلُ ذَلِكَ لَفْظُ الطَّلَاقِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ قَالَ نَوَيْت وَاحِدَةً فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُنَوَّى فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَيَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ: إنْ نَوَى وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْوَاحِدَةَ لَا تُحَرِّمُهَا بَلْ لَهُ ارْتِجَاعُهَا، وَإِنَّمَا تُحَرِّمُهَا الثَّلَاثُ، فَإِذَا كَانَ اللَّفْظُ الَّذِي هُوَ التَّحْرِيمُ إنَّمَا يَقْتَضِي مَعْنَى الثَّلَاثِ حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُصَدَّقْ فِي قَوْلِهِ أَرَدْتُ الْوَاحِدَةَ، وَهِيَ لَا تُحَرِّمُهَا، وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ التَّحْرِيمِ إنَّمَا يَقْتَضِي قَطْعَ الْعِصْمَةِ وَتَحْرِيمَ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إلَّا بِالثَّلَاثِ وَلِذَلِكَ يُقَالُ فِي ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ هِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، وَهِيَ لَا تَحِلُّ لَهُ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا زَوْجِيَّةٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ إنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي لَمْ تَحِلَّ لِي إنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي وَإِيَّاهَا ثُوَيْبَةُ» وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ التَّحْرِيمِ مُقْتَضَاهُ تَحْرِيمُ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ تَحْرِيمُ عَقْدِ النِّكَاحِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: إنَّ الطَّلْقَةَ الْوَاحِدَةَ تُبِينُهَا، وَالثَّلَاثَ تُحَرِّمُهَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى التَّحْرِيمِ مَنْعُ عَقْدَ النِّكَاحِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالثَّلَاثِ، وَلَوْ أَرَادَ تَحْرِيمَ
стр. 1044
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْوَطْءِ لَكَانَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الْبَيْنُونَةِ الْوَاقِعَةِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِالطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَهُمْ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ، فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّهُ يُقَالُ: وَطْؤُهَا عَلَيْهِ حَرَامٌ، وَالْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ عِنْدَكُمْ وَطْؤُهَا حَرَامٌ فَيَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقَالُ وَطْؤُهَا عَلَيَّ حَرَامٌ إذَا عَيَّنَ الْوَطْءَ، وَأَمَّا إذَا عَلَّقَ التَّحْرِيمَ عَلَيْهَا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ إلَّا التَّحْرِيمُ الْمَعْرُوفُ وَلِذَلِكَ لَا يُقَالُ فِي الْحَائِضِ، وَالْمُحْرِمَةِ، وَالصَّائِمَةِ هِيَ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهِ وَلَا هِيَ عَلَيْهِ حَرَامٌ وَيُقَالُ وَطْؤُهَا عَلَيْهِ حَرَامٌ وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ إنَّمَا يَقْتَضِي أَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ حِين نُطْقِهِ بِذَلِكَ، وَالرَّجْعِيَّةُ لَيْسَتْ بِحَرَامٍ؛ لِأَنَّ اسْتِبَاحَتَهَا إلَيْهِ، وَمَنْ مَلَكَ اسْتِبَاحَةَ شَيْءٍ لَمْ يُوصَفْ بِأَنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ لَا يُقَالُ فِي الْإِنْسَانِ: مِلْكُ غَيْرِهِ حَرَامٌ عَلَيْهِ لَمَّا كَانَ أَخْذُهُ مُبَاحًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُهُ قَبْلَ أَخْذِهِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَصِفَ نَاقَتَهُ وَلَا شَاتَهُ بِأَنَّ لَحْمَهَا مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا إلَّا بَعْدَ الذَّبْحِ، وَأَمْرُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى اخْتِيَارِهِ وَتُوصَفُ الْمَيْتَةُ بِأَنَّ لَحْمَهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ.
(فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ لَفْظَ التَّحْرِيمِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي فِي ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّحْرِيمِ إنَّمَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا عَلَى الْحَالِ الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا يَوْمَ النُّطْقِ بِهِ، وَهِيَ عَارِيَّةٌ عَنْ الزَّوْجِيَّةِ فَاقْتَضَى وَصْفُهَا بِأَنَّهَا حَرَامٌ تَحْرِيمَ عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا وَاسْتِبَاحَتِهَا بِهِ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ تَتَمَيَّزُ مِمَّنْ لَيْسَتْ بِحَرَامٍ مِمَّنْ هِيَ عَلَى صِفَتِهَا فِي التَّعَرِّي مِنْ الزَّوْجِيَّةِ.
وَأَمَّا الزَّوْجِيَّةُ فَإِنَّ إطْلَاقَ هَذَا اللَّفْظِ فِيهَا يَقْتَضِي أَحَدَ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ عَقْدُ نِكَاحٍ عَلَيْهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي إيقَاعَ الثَّلَاثِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا، وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا أَبَاحَتْهُ الزَّوْجِيَّةُ لَهُ وَمَا مَلَّكَتْهُ إيَّاهُ مِنْ مِلْكِ الْعِصْمَةِ، وَالْوَطْءِ وَضُرُوبِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَالتَّوَارُثِ بِحَقِّ النَّسَبِ وَثُبُوتِ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ مِنْ مِلْكِ الطَّلَاقِ، وَالظِّهَارِ، وَالْإِيلَاءِ، وَاللِّعَانِ، وَالرَّجْعَةِ وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا، وَهَذَا يَحْصُلُ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِالْوَاحِدَةِ، وَأَمَّا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا فَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِإِيقَاعِ مَا يُمْلَكُ فِيهَا مِنْ الطَّلَاقِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ تَحْرِيمُ الْوَطْءِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ مَا يَمْلِكُ اسْتِبَاحَتَهُ مَتَى شَاءَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُصْرَفَ هَذَا اللَّفْظُ إلَى ذَلِكَ إلَّا أَنَّ هَذَا أَظْهَرُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِذَا كَانَ فِيهِ أَظْهَرَ وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا إذَا قَالَ لَمْ أُبْقِ عَدَدًا مِنْ الطَّلَاقِ.
(فَرْعٌ) : وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَإِنَّ مَالِكًا يَنْوِيهِ وَقَوْلُهُ أَرَدْت وَاحِدَةً وَيَحْمِلُهُ عَلَى الثَّلَاثِ إذَا لَمْ يَنْوِ عَدَدًا؛ لِأَنَّهَا تَحْرُمُ بِالْوَاحِدَةِ بِخِلَافِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَهَذَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ تَعْلِيقَ التَّحْرِيمِ عَلَيْهَا إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى تَحْرِيمِ مَا اسْتَبَاحَهُ بِالنِّكَاحِ مِنْهَا، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِالطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ، وَقَدْ رَأَيْت لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْحَرَامَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا يَكُونُ ثَلَاثًا وَلَا يَنْوِي فِي ذَلِكَ كَالْمَدْخُولِ بِهَا، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ عَلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ تَحْرِيمَ عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا كَتَحْرِيمِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ فَيَلْزَمُ هَذَا التَّحْرِيمُ بِالْقَوْلِ وَيَزُولُ بِدُخُولِ الزَّوْجِ بَعْدَهُ وَلَا يَزُولُ تَحْرِيمُ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا الثَّلَاثُ، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ نَوَى وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ الَّذِي يَلْزَمُ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَيْسَ هُوَ التَّحْرِيمَ الَّذِي يَلْزَمُ بِالْوَاحِدَةِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَحْرِيمٌ يُزِيلُهُ عَقْدُ النِّكَاحِ، وَتَحْرِيمُ الثَّلَاثِ لَا يُزِيلُهُ عَقْدُ النِّكَاحِ، إنْ كَانَتْ خَالِيَةً مِنْ زَوْجٍ.
(فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا يَنْوِي فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَلَا يَنْوِي فِي الْمَدْخُولِ بِهَا فَلَوْ حَلَفَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَحَنِثَ بَعْدَهُ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ مَنْ حَلَفَ بِالْحَلَالِ عَلَيْهِ حَرَامٌ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَحَنِثَ بَعْدَهُ وَنَوَى وَاحِدَةً وَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالْحِنْثِ بَعْدَ الْبِنَاءِ لَا يَنْوِي؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ الْحِنْثِ مِمَّنْ لَا يَنْوِي وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِهَا يَوْمَ الْحِنْثِ فَيَجِبُ أَنْ يُرَاعِيَ صِفَةَ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الطَّلَاقِ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَّا أَنْ تَعْلَمَ ذَلِكَ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَلَهُ الرَّجْعَةُ.
وَقَالَ
стр. 1045
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ فِي الْخَلِيَّةِ، وَالْبَرِيَّةِ: إنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا)
ــ
[المنتقى]
سَحْنُونٌ: إذَا حَلَفَ قَبْلَ الْبِنَاءِ بِالْحَرَامِ أَوْ الْخَلِيَّةِ أَوْ الْبَرِيَّةِ ثُمَّ حَنِثَ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَقَالَ: نَوَيْت وَاحِدَةً فَلَهُ ذَلِكَ وَلَهُ الرَّجْعَةُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْيَمِينِ يَوْمَ أُوقِعَتْ لَا يَوْمَ الْحِنْثِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَوْمَ الْيَمِينِ بِصِفَةِ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ لَمْ يَلْزَمْهُ يَمِينُهُ، وَإِنْ كَانَ يَوْمَ الْحِنْثِ بِصِفَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ وَلَوْ كَانَ يَوْمَ الْيَمِينِ بِصِفَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ الْأَيْمَانُ وَكَانَ يَوْمَ الْحِنْثِ بِصِفَةِ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ لِذَهَابِ عَقْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ فِي الْخَلِيَّةِ، وَالْبَرِيَّةِ: إنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَائِشَةُ وَابْنُ عُمَرَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵃ وَلَمْ يَنْوِهِ مَالِكٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَقَدْ رَوَى أَبُو الْفَرْجِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْخَلِيَّةِ، وَالْبَرِيَّةِ أَنَّهُ يَنْوِي فِي الْمَدْخُولِ بِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ مَا نَوَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَهِيَ رَجْعِيَّةٌ، وَهُوَ نَحْوُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْخَلِيَّةِ، وَالْبَرِيَّةِ، وَالْبَائِنِ إذَا أَرَادَ طَلَاقًا فَوَاحِدَةٌ بَائِنٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مِنْ لُزُومِ الثَّلَاثِ أَنَّ مَعْنَى الْخَلِيَّةِ الَّتِي خَلَتْ مِنْ الْأَزْوَاجِ وَلِذَلِكَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الرَّجْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ ذَاتُ زَوْجٍ وَكَذَلِكَ مَعْنَى الْبَرِيَّةِ هِيَ الَّتِي بَرِئَتْ مِنْ عِصْمَةِ الزَّوْجِيَّةِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الزَّوْجِ رَاجِعٌ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطْلُبْهَا بِدَيْنٍ فَيَرْجِعُ قَوْلُهُ بَرِيَّةٌ إلَيْهِ وَإِذَا كَانَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ إزَالَةَ الْعِصْمَةِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إلَّا بِالثَّلَاثِ وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: خَلِيَّةً وَبَرِيَّةً أَنَّهَا قَدْ خَلَتْ مِنْ الزَّوْجِيَّةِ الَّتِي تُمْلَكُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَبَرِئَتْ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ الْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ مِنْهَا مَا كَانَ يَمْلِكُهُ بِالزَّوْجِيَّةِ مَعَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ جَارٍ إلَى الْبَيْنُونَةِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِذَا اُحْتُمِلَ ذَلِكَ جَازَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَيَصْدُقَ فِيهِ، وَهَذَا بَعِيدٌ فِي مَعْنَى اللَّفْظِ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ لَمْ تَبِنْ عَنْ عِصْمَةِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إجْبَارَهَا عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَأَحْكَامُ الزَّوْجِيَّةِ كُلُّهَا ثَابِتَةٌ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ أَشْهَبَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَاحِدَةً بَائِنَةً.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ رَجْعِيَّةً، وَالْأَظْهَرُ مِنْ مَعْنَى اللَّفْظِ أَنْ تَكُونَ بَائِنَةً؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ لَمْ تَبْرَأْ مِنْ الزَّوْجِيَّةِ وَلَا خَلَتْ مِنْهَا.
وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُقُوعِ الْوَاحِدَةِ الْبَائِنَةِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا فَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ الْخُلْعِ إنَّهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ خَالَعْتُ امْرَأَتِي أَوْ بَارَأْتُهَا أَوْ افْتَدَتْ مِنِّي وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: صَالَحْتُ امْرَأَتِي أَخَذَ مِنْهَا عِوَضًا أَوْ لَمْ يَأْخُذْ فَهِيَ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ أَوْ هِيَ مُبَارَئَةٌ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ فِي الَّذِي يَقُولُ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ الصُّلْحِ هِيَ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَلَا يَكُونُ طَلَاقُ الصُّلْحِ إلَّا بِعَطِيَّةٍ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَهِيَ الْبَتَّةُ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ.
فَوَجْهُ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ أَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا مِنْهُ وَاحِدَةً بَائِنَةً بِأَنْ أَضَافَهُ إلَى خُلْعٍ أَوْ صُلْحٍ أَوْ مُفَادَاةٍ أَوْ مُبَارَأَةٍ لَمَّا اسْتَعْمَلَ فِي ذَلِكَ لَفْظَ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي ظَاهِرُهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ اثْنَيْنِ فَكَأَنَّهُ أَبْرَأَهَا مِنْ عِصْمَتِهِ لَمَّا أَبْرَأَتْهُ مِنْ حُقُوقِهَا عَلَيْهِ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَكُونُ طَلْقَةً بَائِنَةً فَكَذَلِكَ مَا وَصَفَ لَهَا فَجَعَلَ هَذَا الْحُكْمَ لِنَفْسِ الطَّلَاقِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا لِلْعِوَضِ فِي الصُّلْحِ، وَالْخُلْعِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ هَذَا النَّوْعُ كُلُّهُ مِنْ الْفُرْقَةِ إنَّمَا يَقْتَضِي بِإِطْلَاقِهِ طَلْقَةً وَاحِدَةً وَوَصَفَ بِهِ طَلَاقَهُ اقْتَضَى طَلْقَةً وَاحِدَةً فَأَمَّا مَنْعُ الرَّجْعَةِ فِي الْخُلْعِ، وَالصُّلْحِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا، فَإِنَّمَا كَانَ لِلْعِوَضِ الَّذِي أَخَذَ فَلَمَّا عَرَا هَذَا الطَّلَاقُ مِنْ الْعِوَضِ لَمْ يَمْنَعْ الرَّجْعَةَ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ مَا وَصَفَ بِهِ طَلَاقَهُ اقْتَضَى الْبَيْنُونَةَ وَمَنْعَ الرَّجْعَةِ وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالثَّلَاثِ حُمِلَ طَلَاقُهُ عَلَى الثَّلَاثِ.
(فَرْعٌ) وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ يَثْبُتُ فِي بَارَيْت وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي بَرِيَّةٍ إلَّا الرِّوَايَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ أَشْهَبَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُلْحَقَ بَرِيَّةٌ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِمَا قَدَّمْنَاهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ بَارَيْت فِيهِ مَعْنَى الصُّلْحِ، وَأَمَّا بَرِيَّةٌ فَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى
стр. 1046
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الصُّلْحِ الَّذِي يُثْبِتُ الْبَيْنُونَةَ مَعَ الْوَاحِدَةِ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً أَوْ ثَلَاثَةً تَمْنَعُ الرَّجْعَةَ بِاسْتِيفَاءِ عَدَدِ الطَّلَاقِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا قَوْلُهُ: خَلَّيْتُك، فَإِنْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ طَلَاقًا اُسْتُحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ وَقُبِلَ مِنْهُ وَمُنِعَ هَذَا فِي خَلَّيْت سَبِيلَك؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ هَذَا فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ أَكْثَرُ مِنْ خَلَّيْت سَبِيلَك قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الطَّلَاقَ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هِيَ مِثْلُ خَلَّيْت سَبِيلَك وَفَارَقْتُك وَسَرَّحْتُك ثَلَاثًا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا حَتَّى يَنْوِيَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَيَحْلِفُ وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ، وَقَدْ قَالَ: إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ لَمْ يَحْلِفْ فَهِيَ ثَلَاثٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى اللَّفْظِ يَقْتَضِي مَا قَالَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ خَلَّى سَبِيلَهَا الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَيْهَا، وَالرَّجْعِيَّةُ لَمْ يُخَلَّ سَبِيلُهَا بَلْ هِيَ فِي حُكْمِهِ بِأَنَّهُ قَدْ خَلَّى سَبِيلَهَا.
(فَرْقٌ) : وَالْفَرْقُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ حَرَامٍ وَبَائِنٍ وَبَتَّةٍ وَبَتْلَةٍ وَخَلِيَّةٍ وَبَرِيَّةٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا إلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ وَفِي الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ الِاتِّسَاعِ فِي الْكَلَامِ أَكْثَرُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْحَرَامِ، وَالْبَائِنِ، وَالْبَرِيَّةِ، وَالْخَلِيَّةِ فِيهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مَعَ اقْتِضَائِهَا مَعْنَى الثَّلَاثِ لَا تَكَادُ تُسْتَعْمَلُ إلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
وَلِلِاسْتِعْمَالِ تَأْثِيرٌ فِي تَحْقِيقِ مَعَانِي الْأَلْفَاظِ كَمَا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي اقْتِضَاءِ الْأَلْفَاظِ غَيْرَ مَا وُضِعَتْ لَهُ مِنْ الْمَعَانِي، وَهَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي الْفَرَجِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ يَنْوِيهِ فِي الْخَلِيَّةِ، وَالْبَرِيَّةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَارَقْتُكِ، فَإِنْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ طَلَاقًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَلِكَ لَهُ وَيَحْلِفُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا وَيَتَرَدَّدُ فِي الْمُفَارَقَةِ إلَى السَّفَرِ، وَالْخُرُوجِ، وَالدُّخُولِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَجَازَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ إذَا ادَّعَاهُ وَلِذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ فِيمَا يُشْبِهُ هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ جَوَابًا لِسُؤَالِهَا الطَّلَاقَ.
(فَرْعٌ) : فَأَمَّا إنْ قَالَ: أَرَدْت الطَّلَاقَ بِقَوْلِي، فَإِنْ شَكَّ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَنْوِي فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهِيَ ثَلَاثٌ وَفِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّهَا ثَلَاثٌ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْمُفَارَقَةَ بِالْوَاحِدَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ بَلْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الثَّلَاثَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمُفَارَقَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ لَفْظَ الْمُفَارَقَةِ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] ، وَالرَّجْعِيَّةُ لَا تَصِحُّ مِنْهَا هَذِهِ الْفُرْقَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ مُفَارَقَةَ الزَّوْجِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا: يَنْوِي فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَانَتْ ثَلَاثًا، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الدُّخُولِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، إنْ لَمْ يَنْوِ فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَثَلَاثًا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ لِلدُّخُولِ تَأْثِيرًا فِي تَغْلِيظِ الطَّلَاقِ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى الْفُرْقَةِ يُوجَدُ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِوَاحِدَةٍ وَلَا يُوجَدُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إلَّا الثَّلَاثُ.
وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ فِي سَرَّحْتُك مِثْلَ هَذَا، وَأَنَّهَا وَاحِدَةٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ إنَّهُ الْقِيَاسُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا قَوْلُهُ سَرَّحْتُك، فَإِنْ قَالَ لَمْ أُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَيَحْلِفُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَوَابًا لِسُؤَالِهِمَا الطَّلَاقَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي فَارَقْتُك، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الطَّلَاقَ وَاحِدَةً فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ قَالَ: لَهُ نِيَّتُهُ وَيَحْلِفُ وَقَالَ هِيَ وَاحِدَةٌ حَتَّى يُرِيدَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَصْدِيقَهُ دُونَ يَمِينٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ ثَلَاثٌ وَلَا يَنْوِي وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ اللَّفْظُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاحِدَةِ وَمَعْنَاهُ يَقْتَضِي الثَّلَاثَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا قُبِلَ مِنْهُ أَنَّهُ نَوَى مَا قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ وَأُحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ اللَّفْظُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاحِدَةِ وَفِي الثَّلَاثِ كَانَ كَلَفْظِ الطَّلَاقِ يُقْبَلُ مِنْهُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ ذَلِكَ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ أَنَّ مَعْنَى التَّسْرِيحِ الطَّلَاقُ وَلِذَلِكَ يُقَالُ سَرَّحْت الدَّابَّةَ إذَا
стр. 1047
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ تَحْتَهُ وَلِيدَةٌ لِقَوْمِ فَقَالَ لِأَهْلِهَا: شَأْنُكُمْ بِهَا فَرَأَى النَّاسُ أَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ) .
ــ
[المنتقى]
أَزَلْت عَنْهَا مَا يَمْنَعُهَا الذَّهَابَ فَكَذَلِكَ فِي الزَّوْجَةِ يَقْتَضِي أَنَّك أَزَلْت عَنْهَا مَا يَمْنَعُهَا التَّصَرُّفَ عَلَى اخْتِيَارِهَا وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَمْلِكَ صَرْفَهَا إلَى الزَّوْجَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي الرَّجْعِيَّةِ فَحُمِلَ عَلَى الثَّلَاثِ، فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يَلْزَمُكُمْ فِي لَفْظِ الطَّلَاقِ، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ إطْلَاقُ الزَّوْجَةِ مِنْ حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ مَعَ بَقَاءِ الرَّجْعَةِ فَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَعْنَى التَّطْلِيقِ يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ الطَّلَاقِ مَوْضُوعَةٌ لِهَذَا الْمَعْنَى وَلَيْسَتْ مَأْخُوذَةً مِنْ الْإِطْلَاقِ وَلَا مِنْ الِانْطِلَاقِ، إنَّمَا وُضِعَتْ لِهَذَا الْمَعْنَى عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ عِنْدَنَا الطَّلْقَةَ الْوَاحِدَةَ وَأَكْثَرَ مِنْهَا وَلِذَلِكَ لَا يُخْتَلَفُ أَنَّهَا صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ عِنْدَنَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا صَرِيحَ غَيْرَهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّهُ إنْ نَوَى بِهَا الثَّلَاثَ لَمْ تَكُنْ لَهُ إلَّا وَاحِدَةٌ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ خَلِيَّةً وَبَرِّيَّةً وَبَائِنًا وَحَرَامًا مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهَا مَنْقُولَةٌ إلَى الطَّلَاقِ عَمَّا وُضِعَتْ لَهُ فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهَا الْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ مِنْ التَّحْرِيمِ، وَالْبَيْنُونَةِ، وَالْإِبْرَاءِ، وَالْخُلُوِّ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يَقْتَضِي زَوَالَ الْمِلْكِ فَلَا يَلْزَمُنَا مَا قُلْتُمْ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا فِي " سَرَّحْتُك " إنَّهَا وَاحِدَةٌ إنْ نَوَى، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ: هِيَ وَاحِدَةٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ثَلَاثٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَهُ نِيَّتُهُ وَيَحْلِفُ وَفِي الَّتِي لَمْ يَبْنِ بِهَا وَاحِدَةٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ: وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ طَلَاقٌ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وَاحِدَةً مَعَ الْبَتَّةِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً دُونَ الْبَتَّةِ أَصْلُ ذَلِكَ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: فَارَقْتُك.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ فِي " سَرَّحْتُك " بَعْضُ الضَّعْفِ، وَالْقِيَاسُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ سَوَاءٌ هِيَ وَاحِدَةٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حَتَّى يُرِيدَ أَكْثَرَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا قَوْلُهُ: خَلَّيْتُ سَبِيلَك فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ طَلَاقًا لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ بِخِلَافِ فَارَقْتُك وَخَلَّيْتُك، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ طَلَاقًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ لَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الطَّلَاقِ، وَلَوْ كَانَ قَبْلَهُ مَا يَقْتَضِيهِ لَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الطَّلَاقَ وَلَمْ أَنْوِ عَدَدًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ هِيَ وَاحِدَةٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّهَا ثَلَاثٌ وَبِهِ أَخَذَ أَصْبَغُ وَابْنُ الْمَوَّازِ، وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلَاقِ وَلَيْسَ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي قَطْعَ الْعِصْمَةِ فَاقْتَضَى طَلْقَةً وَاحِدَةً كَقَوْلِهِ: طَلَّقْتُك، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ تَخْلِيَةَ السَّبِيلِ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ عَلَى مَعْنَى إطْرَاحِ الْعِصْمَةِ وَتَرْكِ الْإِمْسَاكِ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَاقْتَضَى الثَّلَاثَ إطْلَاقُهُ كَقَوْلِك: حَبْلُك عَلَى غَارِبِك.
(فَرْعٌ) : فَإِذَا قَالَ: أَرَدْت وَاحِدَةً فَيَجِيءُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يُصَدَّقُ دُونَ يَمِينٍ وَيَجِيءُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَهُ نِيَّتُهُ وَيَحْلِفُ وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: إنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا لِئَلَّا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ الثَّلَاثَ إنَّمَا تَقَعُ لِتَكَرُّرِ الْأَلْفَاظِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مُقْتَضَى كُلِّ لَفْظٍ مِنْهَا فَبَيَّنَ أَنَّ مُقْتَضَى كُلِّ لَفْظٍ مَا ذَكَرَهُ.
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّهُ قَالَ لِأَهْلِهَا: شَأْنُكُمْ بِهَا يُرِيدُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُغَاضَبَةِ أَوْ طَلَبِ الطَّلَاقِ مِنْهُ أَوْ مَا يَقْتَضِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ الطَّلَاقُ، وَأَمَّا لَوْ تَقَدَّمَتْ قَبْلَ ذَلِكَ رَغْبَتُهُمْ إلَيْهِ فِي أَنْ تَبِيتَ عِنْدَهُمْ أَوْ تُسَافِرَ مَعَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ شَأْنُكُمْ بِهَا أَوْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إلَّا إبَاحَةَ مَا سَأَلْتُمُونِي لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ قَالَ أَشْهَبُ: وَأَمَّا إذَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَقَالَ: لَمْ أُرِدْ طَلَاقًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِاسْتِعْمَالِهَا فِي الطَّلَاقِ، فَإِذَا وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ يُفْهَمُ مِنْهُ ذَلِكَ حُمِلَ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ قَالَ: نَوَيْت الطَّلَاقَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَإِنَّهَا
стр. 1048
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: بَرِئْتِ مِنِّي وَبَرِئْتُ مِنْكِ أَنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ بِمَنْزِلَةِ الْبَتَّةِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ أَوْ بَائِنَةٌ إنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي قَدْ دَخَلَ بِهَا وَيُدَيَّنُ فِي الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَوَاحِدَةً أَرَادَ أَمْ ثَلَاثًا، فَإِنْ قَالَ: وَاحِدَةٌ أُحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ خَاطِبًا مِنْ الْخُطَّابِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْلِي الْمَرْأَةَ الَّتِي قَدْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا وَلَا يُبِينُهَا وَلَا يُبْرِئُهَا إلَّا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ وَاَلَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا يُخَلِّيهَا وَيُبْرِئُهَا وَتُبِينُهَا الْوَاحِدَةُ قَالَ مَالِكٌ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي ذَلِكَ)
ــ
[المنتقى]
ثَلَاثٌ وَلَا نِيَّةَ لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ: وَهَبْتُكُمْ إيَّاهَا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ الْقَاسِمِ عَلَى غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَلِذَلِكَ رَأَى أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ وَفِي الْمُزَنِيَّة أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ يُرِيدُ حَدِيثَ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ وَأَرَاهَا لِلَّتِي قَدْ دَخَلَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَهُوَ بَيِّنٌ أَنَّهُ لَيْسَتْ إلَّا وَاحِدَةً إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَصْبَغُ هِيَ ثَلَاثٌ بَنَى بِهَا أَوْ لَمْ يَبْنِ بِهَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ وَاحِدَةً كَالْمَوْهُوبَةِ وَرَوَاهُ أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(فَرْقٌ) : وَفَرَّقَ أَشْهَبُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ لِأَهْلِهَا شَأْنُكُمْ بِهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: شَأْنُك بِأَهْلِك، فَإِذَا قَالَ لِأَهْلِهَا: شَأْنُكُمْ بِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَنْوِي، وَإِذَا قَالَ لَهَا: شَأْنُك بِأَهْلِك نَوَى وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ سَوَاءٌ يَنْوِي فِي الَّتِي لَمْ يَبْنِ بِهَا وَلَا يَنْوِي فِي الْمَدْخُولِ بِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَيَجِبُ عِنْدِي أَنْ يَدْخُلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْخِلَافِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي خَلَّيْت سَبِيلَك، وَقَوْلُهُ: خَلَّيْت سَبِيلَك يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَشَدَّ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْحَقِي بِأَهْلِك يَجِبُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى هَذَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ يَنْوِي فِي الْحَقِي بِأَهْلِك وَيَحْلِفُ.
وَأَمَّا إذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ رَدٌّ عَلَى أَهْلِك أَوْ وَهَبْتُك لِأَهْلِك أَوْ وَهَبْتُك لِأَبِيك فَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى النَّسَائِيّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا ثَلَاثٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَوَاحِدَةٌ فِي الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: قَبِلَهَا أَبُوهَا أَوْ لَمْ يَقْبَلْهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّلَاقَ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ، فَإِذَا وُجِدَ مِنْهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي الطَّلَاقَ وَلَيْسَ فِيهِ اسْتِثْنَاءُ مَشِيئَةٍ لِأَبٍ لَمْ يُرَاعِ فِي ذَلِكَ مَشِيئَةَ الْأَبِ.
(ش) : قَوْلُهُ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ بَرِئْت مِنِّي وَبَرِئْت مِنْك أَنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ.
(مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا) أَنَّ لَفْظَ الْبَرَاءَةِ يَقْتَضِي الثَّلَاثَ؛ لِأَنَّهُ بِهِ تَقَعُ بَرَاءَتُهُمَا مِنْ الزَّوْجِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَالثَّانِيَةُ أَنَّ إضَافَةَ الطَّلَاقِ إلَى الزَّوْجِ أَوْ إلَى الزَّوْجَةِ سَوَاءٌ، فَإِذَا قَالَ لَهَا: بَرِئْتِ مِنِّي وَبَرِئْتُ مِنْك فَهُوَ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ مِنِّي بَائِنٌ أَوْ أَنْتِ حَرَامٌ أَوْ أَنَا عَلَيْك حَرَامٌ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنَا مِنْك طَالِقٌ أَوْ أَنْتِ مِنِّي طَالِقٌ سَوَاءٌ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى الزَّوْجِ أَوْ إلَى الزَّوْجَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ إضَافَةَ الطَّلَاقِ إلَى الزَّوْجِ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، وَذَلِكَ إذَا قَالَ لَهَا: أَنَا مِنْك طَالِقٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهَا جِهَةٌ لَوْ أَضَافَ إلَيْهَا الطَّلَاقَ بِلَفْظِ الْبَيْنُونَةِ ثَبَتَ حُكْمُهُ كَجِهَةِ الزَّوْجَةِ.
(ش) : قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي الْخَلِيَّةِ، وَالْبَرِيَّةِ وَحُكْمُ الْبَائِنِ حُكْمُ الْخَلِيَّةِ، وَالْبَرِيَّةِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنَّهَا ثَلَاثٌ فِي الَّتِي دَخَلَ بِهَا وَلَا يُدَيَّنُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ وَاحِدَةً لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يُدَيَّنُ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَإِنْ حَلَفَ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَنْتِ بَائِنٌ لَا ادِّعَاءَ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ خَاطِبًا مِنْ الْخُطَّابِ وَفِي ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَحْلِفُ إذَا أَرَادَ النِّكَاحَ، وَلَوْ حَلَفَ عِنْدَ طَلَاقِهِ لَمْ يُقَلْ فِيهِ خَاطِبٌ مِنْ الْخُطَّابِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِيهِ إنَّهُ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ أَنَّهُ عِنْدَ إرَادَتِهِ لِلنِّكَاحِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يُخَلِّي الْمَرْأَةَ الَّتِي قَدْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا وَلَا يُبِينُهَا وَلَا يُبْرِئُهَا إلَّا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ وَاَلَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا يُخَلِّيهَا وَيُبْرِئُهَا وَيُبِينُهَا الْوَاحِدَةُ يَقْتَضِي قَوْلُهُ هَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ الْبَيْنُونَةُ، وَالْإِخْلَاءُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَطْعَ الْعِصْمَةِ بِالنِّيَّةِ، وَلَمَّا
стр. 1049
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
كَانَ عَدَمُ الرَّجْعَةِ لَا يَصِحُّ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا بِدُونِ الثَّلَاثِ حُمِلَ عَلَى الثَّلَاثِ وَلَمْ يُحْمَلْ قَوْلُهُ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَإِنْ ادَّعَاهَا؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْوَاحِدَةِ فِي حَقِّ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَطْعَ الْعِصْمَةِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالثَّلَاثِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ طَلَاقًا لَا تَتَعَقَّبُهُ رَجْعَةٌ وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ الْعِصْمَةَ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ أَظْهَرَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ فِي قَطْعِ الْعِصْمَةِ حُمِلَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، فَإِنْ ادَّعَى نِيَّةً اُسْتُحْلِفَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ هَذَا اللَّفْظُ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ أَظْهَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَيَجِبُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ إذَا قَالَ فِي الْخُلْعِ: طَلَّقْتُك بَائِنَةً أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ وَاحِدَةً فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَيُسْتَحْلَفُ عَلَى ذَلِكَ إنْ أَرَادَ ابْتِدَاءَ نِكَاحِهَا؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الرَّجْعَةِ يُوجَدُ فِي طَلْقَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْبَائِنِ، وَالْخَلِيَّةِ، وَالْبَرِيَّةِ، وَالْبَائِنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْبَعِيدِ فَيُقَالُ بَانَ فُلَانٌ مِنْ ذَلِكَ وَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْإِبَانَةِ بِالْقَطْعِ يُقَالُ ضَرَبَهُ فَأَبَانَ يَدَهُ إذَا قَطَعَهَا فَلَمْ يَبْقَ شَيْئًا مِنْهَا، وَعَلَى أَيِّ الْوَجْهَيْنِ حَمَلْنَا الْبَيْنُونَةَ فِي الطَّلَاقِ اقْتَضَى ذَلِكَ إبْطَالَ الرَّجْعَةِ، وَالْمَنْعَ مِنْ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، وَذَلِكَ أَنَّ بُعْدَهَا عَنْهُ لَا يُرِيدُ بِهِ تَقَارُبَ أَجْسَامِهِمَا، إنَّمَا يُرِيدُ بِهِ بُعْدَهَا عَنْ عِصْمَتِهِ وَزَوْجِيَّتِهِ فَهُوَ أَظْهَرُ فِي انْقِطَاعِ الْعِصْمَةِ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بُعْدَهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِأَنْ لَا تَكُونَ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ فَهِيَ قَرِيبٌ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ مَعْنَاهُ الْقَطْعُ، فَإِنَّهُ أَيْضًا لَا يُوجَدُ هَذَا الْمَعْنَى إلَّا بِانْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ أَوْ بِانْقِطَاعِ الْعِصْمَةِ، وَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ، فَإِنَّ الِاتِّصَالَ بَيْنَهُمَا مَوْجُودٌ، فَإِذَا أَبَانَهَا ثُمَّ ادَّعَى الرَّجْعِيَّةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَنْ نَوَى الطَّلَاقَ وَلَمْ يَلْفِظْ بِشَيْءٍ جُمْلَةً فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ كِتَابَةٌ أَوْ إشَارَةٌ أَوْ لَا يَقْتَرِنَ بِهِ شَيْءٌ، فَإِنْ اقْتَرَنَتْ بِهِ كِتَابَةٌ، وَذَلِكَ أَنْ يَنْوِيَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ بِكِتَابَةٍ، فَإِنَّهَا طَالِقٌ بِذَلِكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَمَنْ كَتَبَ الطَّلَاقَ وَلَمْ يَلْفِظْ بِشَيْءٍ فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ
، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْكَلَامَ هُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ، وَإِظْهَارُهُ بِالْكِتَابَةِ كَإِظْهَارِهِ بِالنُّطْقِ كَلَفْظِهِ بِالتَّوْحِيدِ يَكْتُبُهُ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِهِ.
(فَرْعٌ) : وَإِذَا كَتَبَ الطَّلَاقَ عَلَى غَيْرِ عَزْمٍ فَلَهُ تَرْكُهُ مَا لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ يَدِهِ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ عَنْ يَدِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِرْسَالِ بِهِ إلَى الزَّوْجَةِ فَهُوَ إنْفَاذٌ لَهُ كَالْإِشْهَادِ بِهِ وَسَوَاءٌ كَتَبَ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إذَا جَاءَك كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَالَهُ مَالِكٌ.
(فَرْعٌ) : فَإِذَا كَتَبَ وَلَمْ يُشْهِدْ بِهِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ يَدِهِ، فَإِنَّ لَهُ رَدَّهُ وَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ إنْفَاذَ الطَّلَاقِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَكْتُبُهُ عَلَى وَجْهِ الِارْتِيَابِ فِيهِ أَوْ عَلَى وَجْهِ التَّهْدِيدِ فَيَحْلِفُ لَمَّا احْتَمَلَ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْهُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الطَّلَاقِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ وَأَشَارَ بِهِ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ.
(فَرْقٌ) : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إظْهَارِهِ بِالْكِتَابَةِ أَوْ إظْهَارِهِ بِالنُّطْقِ سَوَاءٌ أَشَارَ بِيَدِهِ أَوْ رَأْسِهِ قَالَ مَالِكٌ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وَلِأَنَّ طَلَاقَ الْأَخْرَسِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْإِشَارَةِ وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْإِشَارَةَ عِبَارَةُ عَمَّا نَوَاهُ مِنْهُ كَالنُّطْقِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ كِتَابَةٌ وَلَا إشَارَةٌ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا عَلَى ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ، «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، وَهَذَا قَدْ نَوَى الطَّلَاقَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ، وَوَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ أَنَّ أَلْفَاظَ الطَّلَاقِ إذَا لَمْ يُرِدْ بِهَا طَلَاقًا لَا يَكُونُ طَلَاقًا، إنَّمَا يُوقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ صِدْقَهُ فِي أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الطَّلَاقَ فَنَحْمِلُهُ عَلَى مُقْتَضَى لَفْظِهِ.
وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ إذَا أَرَادَ بِهَا الطَّلَاقَ وَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالنِّيَّةِ دُونَ اللَّفْظِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ النِّيَّةَ بِمُجَرَّدِهَا لَا تَقُومُ مَقَامَ الْقَوْلِ، وَالْعَمَلِ وَإِنْ افْتَقَرَ الْقَوْلُ، وَالْعَمَلُ إلَى نِيَّةٍ كَالصَّلَاةِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَالْقِرَاءَةِ
стр. 1050
مَا يَبِينُ مِنْ التَّمْلِيكِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنِّي جَعَلْت أَمْرَ امْرَأَتِي فِي يَدِهَا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا فَمَاذَا تَرَى فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَرَاهُ كَمَا قَالَتْ فَقَالَ الرَّجُلُ لَا تَفْعَلْ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَنَا أَفْعَلُ أَنْتَ الَّذِي فَعَلَته)
ــ
[المنتقى]
وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَالْأَفْعَالِ، وَالْعِبَادَاتِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ كُلِي وَاشْرَبِي مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَا تُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلَاقِ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ النِّيَّةِ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، إنَّمَا يَقَعُ بِمَا قَارَنَ النِّيَّةَ مِنْ اللَّفْظِ وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَ كُلِي أَوْ اشْرَبِي إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، إنْ كَانَ قَدْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ وَمَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ لَفْظٌ قَصَدَ بِهِ إلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ فَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا تَلَفَّظَ بِكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ.
[مَا يَبِينُ مِنْ التَّمْلِيكِ]
(ش) : التَّمْلِيكُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَنْ يُمَلِّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ لَهَا قَدْ مَلَّكْتُك أَمْرَك أَوْ يَقُولَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ قَدْ مَلَّكْتُك، إنْ لَمْ يَقُلْ: أَمْرُك وَلَا نَفْسُك، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: طَلَاقُك إلَيْك أَوْ بِيَدِك قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَوْ قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك إنْ شِئْت أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْت فَهَذَا كُلُّهُ تَمْلِيكٌ مَحْضٌ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا السَّائِلُ الَّذِي سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ ﵁ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمْرُك بِيَدِك؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ جَعَلْت أَمْرَ امْرَأَتِي فِي يَدِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا يَقْتَضِي أَنَّهَا جَاوَبَتْهُ تَقُولُ: طَلَّقْت نَفْسِي إلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُسْئَلُ عَمَّا أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا طَلَّقْت نَفْسِي.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تُسْئَلُ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ فِي التَّمْلِيكِ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا تُسْئَلُ لِئَلَّا تَدَّعِيَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فَتُنَاكِرُ أَوْ تَمْضِي، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا إنْ ادَّعَتْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ كَثِيرًا مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ، فَإِذَا أَطْلَقَتْ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِي الْوَاحِدَةِ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهَا أَنَّهَا أَرَادَتْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِئْنَافُ دَعْوَى مِنْهَا كَمَا لَوْ قَالَتْ طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً ثُمَّ قَالَتْ أَرَدْتُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَزْيَدَ الْآنَ عَلَى ذَلِكَ.
(فَرْعٌ) : وَهَكَذَا كُلُّ لَفْظٍ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تُسْئَلُ عَمَّا أَرَادَتْ بِذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُمَلَّكَةِ تَقُولُ قَدْ طَلَّقْتُك هِيَ وَاحِدَةٌ إلَّا أَنَّهَا تُرِيدُ الْمَرْأَةُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لَهَا ذَلِكَ فَثَبَتَ الْقَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ قَالَتْ: قَبِلْتُ نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي أَوْ طَلَّقْت نَفْسِي ثَلَاثًا أَوْ بِنْتُ مِنْك أَوْ حَرُمْت عَلَيْك أَوْ بَرِئْت مِنْك، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الثَّلَاثِ وَلَا تُسْئَلُ الْمَرْأَةُ عَمَّا أَرَادَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ: أَرَدْت أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا لَمْ تُصَدَّقْ فِيهِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَهَذَا فِي اللَّفْظِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ إلَّا الطَّلَاقَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهَا: أَنَا مِنْكَ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ أَوْ بَائِنٌ، وَأَنَا عَلَيْك حَرَامٌ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا، فَأَمَّا قَبِلْت نَفْسِي وَحَمَلَهَا عَلَى الثَّلَاثِ، فَإِنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَبُولَهَا لِنَفْسِهَا قَبُولُهَا لِمِلْكِ نَفْسِهَا، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِوَاحِدَةٍ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بِثَلَاثٍ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَلِذَلِكَ حَمَلَ مِنْ قَوْلِهَا عَلَى الثَّلَاثِ فَلَمْ تُصَدَّقْ بَعْدَ الْبِنَاءِ عَلَى أَنَّهَا أَرَادَتْ بِهِ وَاحِدَةً.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ لَهَا تَفْسِيرَ ذَلِكَ بِالْوَاحِدَةِ بِمَنْزِلَةِ قَبِلْت أَمْرِي وَلَا يَرَاهُ طَلَاقًا
стр. 1051
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
حَتَّى تَوَقَّفَ وَلَمْ يَرَهُ مِثْلَ أَخَذْت نَفْسِي.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَلَّكَهَا عَلَى عِوَضٍ، فَإِنْ مَلَّكَهَا عَلَى عِوَضٍ أَعْطَتْهُ إيَّاهُ فَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إنْ قَالَتْ لَهُ بَرِئْتُ مِنْك أَنَّهَا وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ خُلْعٌ، وَهِيَ مِثْلُ الَّتِي لَمْ يَبْنِ بِهَا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَنْكِحَهَا نِكَاحًا جَدِيدًا أُحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا وَلَّيْتُهَا مِنْ أَمْرِهَا إلَّا وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مَلَّكَهَا بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ وَنَاكَرَهَا فَتَكُونُ بَائِنَةً لِأَجْلِ الْعِوَضِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ قَالَتْ: خَلَّيْتُ سَبِيلَك فَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ قَوْلَهَا لَهُ قَدْ خَلَّيْت سَبِيلَك أَوْ فَارَقْتُكَ كَقَوْلِهِ ذَلِكَ لَهَا؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ ذَلِكَ مِنْهُ يُحْمَلُ عَلَى طَلَاقِ السُّنَّةِ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ حَتَّى يُرِيدَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا هِيَ فَمُمَلَّكَةٌ فَكَانَتْ إجَابَتُهَا عَنْ الْفِرَاقِ فَهُوَ عَلَى الْبَتَاتِ حَتَّى يُرِيدَ وَاحِدَةً، وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَصْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَرَى فِي الزَّوْجِ يَقُولُ لِزَوْجَتِهِ: خَلَّيْت سَبِيلَك هِيَ ثَلَاثٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ الزَّوْجُ لَهَا أَوْ تَقُولَهُ الزَّوْجَةُ لِلزَّوْجِ، وَقَوْلُ أَصْبَغَ مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ قَوْلَ الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ: خَلَّيْتُ سَبِيلَك وَاحِدَةٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِ الزَّوْجِ، وَالزَّوْجَةِ، إنَّمَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا مَعَ هَذَا الْأَصْلِ بِأَنَّ الزَّوْجَ مَلَكَ الطَّلَاقَ بِالشَّرْعِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُوقِعَ مِنْهُ مَا شَاءَ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ أَنْ يُفَرِّقَهُ، وَاللَّفْظُ لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ أَرَدْت وَاحِدَةً، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ، فَإِنَّ الزَّوْجَ مَلَّكَهَا وَلَمْ يَسْتَثْنِ قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَلَّكَهَا جَمِيعَ الطَّلَاقِ وَلِذَلِكَ يُسْتَحْلَفُ إنْ نَاكَرَ فَلَمَّا جَاوَبَتْهُ بِالْفُرْقَةِ كَانَ مُقْتَضَى ذَلِكَ إيقَاعَ جَمِيعِ مَا مَلَّكَهَا إيَّاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا إنْ كَانَ لَفْظٌ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ مِثْلُ أَنْ تَقُولَ: قَبِلْتُ أَمْرِي، فَإِنْ قَالَتْ: أَرَدْت بِهِ قَبِلْتُ مَا جَعَلَ لِي مِنْ التَّمْلِيكِ أَوْ الْخِيَارِ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهَا ثُمَّ قِيلَ لَهَا: طَلِّقِي بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ رُدِّي، وَإِنْ قَالَتْ: أَرَدْت بِقَوْلِي قَبِلْت أَمْرِي الطَّلَاقَ سُئِلَتْ مَا أَرَادَتْ مِنْ الطَّلَاقِ فَيَحْتَاجُ فِي هَذَا إلَى سُؤَالَيْنِ لَمَّا كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ تُسْئَلُ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ قَدْرِ مَا أَرَادَتْ مِنْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ مَا تَلَفَّظَتْ بِهِ يَحْتَمِلُ مِنْ الطَّلَاقِ الْوَاحِدَةَ أَوْ أَكْثَرَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ قَالَتْ قَدْ قَبِلْت لَمْ تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ قَالَتْ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ مِنْ الْمَجْلِسِ لَمْ أُرِدْ إلَّا أَنْ أَنْظُرَ وَأَسْتَخْبِرَ كَانَ لَهَا أَنْ تَقْضِيَ الْآنَ بِوَاحِدَةٍ فَتَلْزَمُهُ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ لَهَا الْمُنَاكَرَةُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ قَبِلْت مُحْتَمِلٌ.
(فَرْعٌ) : فَإِنْ قَالَتْ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ: لَمْ أُرِدْ شَيْئًا لَمْ يُقْبَلْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَسَوَاءٌ أَضَافَتْ الطَّلَاقَ إلَيْهَا أَوْ إلَيْهِ فَقَالَتْ طَلَّقْتُ نَفْسِي أَوْ طَلَّقْتُك أَوْ أَبَنْتُ نَفْسِي أَوْ أَبْنَتُك؛ لِأَنَّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَى جِهَةِ الزَّوْجِ كَإِضَافَتِهِ إلَى جِهَةِ الزَّوْجَةِ كَمَا لَوْ أَوْقَعَهُ الزَّوْجُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَرَاهُ كَمَا قَالَتْ يُرِيدُ أَنَّ مَا قَالَتْ يَلْزَمُهُ عَلَى حَسَبِ مَا أَوْرَدَهُ هُوَ لَكِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا، وَهَذَا تَمْلِيكٌ مَحْضٌ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا، وَهَذَا أَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ بِهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَعَلَّ السَّائِلَ، وَالْمَسْئُولَ قَدْ جَرَى مِنْهُمَا مَا فُهِمَ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّخْيِيرُ، وَالتَّمْلِيكُ بِهَذَا اللَّفْظِ دُونَ لَفْظِ الطَّلَاقِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الزَّوْجُ الطَّلَاقَ فَيَكُونُ مَا نَوَى مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ وَقَالَتْ هِيَ: قَبِلْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ فِيهِ سَلَفٌ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِهِ: إنَّ قَوْلَ الزَّوْجِ قَدْ مَلَّكْتُكِ أَمْرَك، وَأَمْرُك بِيَدِك مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهَا: قَبِلْت نَفْسِي مِنْ كِنَايَاتِهِ مِنْ جِهَتِهَا، فَإِذَا قَالَا جَمِيعًا أَرَدْنَا بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا لَمْ أُرِدْ بِقَوْلِي طَلَاقًا فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ، وَإِنْ قَالَ الْآخَرُ أَرَدْت الطَّلَاقَ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَى كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْمُمَلَّكَةُ ثَيِّبًا مَحْجُورًا عَلَيْهَا أَوْ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الطَّلَاقِ، وَلِذَلِكَ يَنْفُذُ طَلَاقُ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ بِكْرًا بَالِغًا؛ لِأَنَّ الْبِكْرَ الْبَالِغَ يَلْزَمُهُ طَلَاقُهَا، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ
стр. 1052
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ إذَا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَالْقَضَاءُ مَا قَضَتْ إلَّا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا فَيَقُولَ لَمْ أُرِدْ إلَّا وَاحِدَةً فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَيَكُونَ أَمْلَكَ بِهَا مَا كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا)
ــ
[المنتقى]
فِي الصَّغِيرَةِ تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ نَفْسَهَا ذَلِكَ لَهَا وَقَالَ ذَلِكَ لَهَا إذَا بَلَغَتْ فِي حَالِهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُرِيدُ بَلَغَتْ حَدَّ الْوَطْءِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا بَلَغَتْ مَبْلَغًا تَعْرِفُ مَا مَلَكَتْ أَوْ يُوطَأُ مِثْلُهَا فَذَلِكَ لَازِمٌ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ الْمَغْمُورَةِ يُخَيِّرُهَا زَوْجُهَا، وَهِيَ مُفِيقَةٌ فَتَخْتَارُ نَفْسَهَا وَهِيَ مَغْمُورَةٌ أَنَّ قَضَاءَهَا غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَوْ خَيَّرَهَا مَغْمُورَةً فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا جَازَ قَضَاؤُهَا وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَّكَ صَبِيًّا أَمْرَ امْرَأَتِهِ جَازَ مَا قَضَى بِهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ يَعْقِلُ مَا جُعِلَ إلَيْهِ وَمَا يُجِيبُ بِهِ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ وَكَذَلِكَ إذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِ امْرَأَةٍ أَوْ ذِمِّيٍّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ الرَّجُلِ لَا تَفْعَلْ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهِيَةِ لِمَا أَفْتَاهُ بِهِ، وَالْحِرْصُ عَلَى أَنْ يُعِيدَ النَّظَرَ لَعَلَّهُ يُخَالِفُ مَا قَدْ رَآهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَا فَعَلْتُهُ أَنْتَ فَعَلْتَهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ لَا صُنْعَ لِي فِي ذَلِكَ، إنَّمَا قَوْلُك وَعَمَلُك أَدَّى إلَى مَا أَفْتَيْتُكَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْفَتْوَى إنَّمَا هِيَ بِحَسَبِ سُؤَالِ السَّائِلِ وَمَا يَقُومُ لَهُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.
(ش) : قَوْلُهُ ﵁: إذَا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَالْقَضَاءُ مَا قَضَتْ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُكَلَّفَةً أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ مُكَلَّفَةً لَزِمَهُ مَا قَضَتْ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَعْقِلَ التَّمْلِيكَ أَوْ لَا تَعْقِلَهُ، فَإِنْ عَقَلَتْهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُخَيِّرُ زَوْجَتَهُ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ وَقَبْلَ الْبِنَاءِ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهُوَ طَلَاقٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُرِيدُ إذَا بَلَغَتْ حَدَّ الْوَطْءِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا بَلَغَتْ مَبْلَغًا تَعْرِفُ مَا مَلَكَتْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِ صَبِيٍّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ مَغْمُورَةٌ جَازَ قَضَاؤُهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ كَانَتْ مُفِيقَةً ثُمَّ أَصَابَهَا ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ قَضَاءَهَا عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ حَالِهَا وَعَقْلِهَا فَلَمَّا ذَهَبَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا قَضَتْ بِهِ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: الْقَضَاءُ مَا قَضَتْ بِهِ يُرِيدُ أَنَّ لَفْظَ التَّمْلِيكِ يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ تَمْلِيكُ نَفْسِهَا، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالطَّلَاقِ فَقَدْ فُهِمَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ وَضْعُ الطَّلَاقِ بِيَدِهَا كَمَا لَوْ وَكَّلَ أَجْنَبِيًّا عَلَى طَلَاقِهَا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْلُومُ مِنْ لَفْظِ التَّمْلِيكِ وَجَبَ أَنْ يُثْبِتَ حُكْمَهُ كَمَا لَوْ تَلَفَّظَ فِي ذَلِكَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ مَوْضُوعَةٌ لِتَتَفَاهَمَ بِهَا الْمَعَانِي، فَإِذَا كَانَ اللَّفْظُ يُفْهَمُ مِنْ تَمْلِيكِ الطَّلَاقِ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ إذَا وَرَدَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ فِي الْحَالَيْنِ سَوَاءٌ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنِّي لَمْ أُرِدْ تَمْلِيكَ الطَّلَاقِ كَمَا لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ إذَا تَلَفَّظَ بِالطَّلَاقِ وَلِأَنَّ الْعَجَمِيَّ يُمْكِنُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَفْظُ طَلَاقٍ وَيَلْزَمُهُ حُكْمُهُ فِي التَّمْلِيكِ، وَالطَّلَاقِ الْمُبْتَدَأِ وَكَذَلِكَ الْأَخْرَسُ يُفْهَمُ عَنْهُ هَذَا بِالْإِشَارَةِ وَتَسَاوَى ذَلِكَ بِلَفْظِهِ بِهِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ مِنْ النَّدْبِ وَغَيْرِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَأَخَذَ مَالِكٌ بِقَوْلِ عُمَرَ إنَّ الْقَضَاءَ مَا قَضَتْ إلَّا أَنْ تُنَاكِرَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّهَا إنْ رَدَّتْ التَّمْلِيكَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ؛ لِأَنَّهَا قَضَتْ بِالْبَقَاءِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ مَذْهَبَ رَبِيعَةَ فِي التَّمْلِيكِ هِيَ وَاحِدَةٌ قَبِلَتْ أَوْ رَدَّتْ قَالَ مَالِكٌ وَمَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ.
وَقَدْ اخْتَارَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ الْمُقَامَ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِرَاقًا وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ وَكَّلَ عَلَى الطَّلَاقِ فَلَمْ يُوقِعْهُ الْوَكِيلُ لَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلَاقُ فَكَذَلِكَ هَذَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ إلَّا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا الزَّوْجُ فَيَقُولُ: لَمْ أُرِدْ إلَّا وَاحِدَةً، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو التَّمْلِيكُ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لَا يَنْوِي شَيْئًا، فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ فَقَضَتْ بِمَا نَوَاهُ لَزِمَ ذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَّكَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً وَأَوْقَعَتْهَا فَلَزِمَهَا ذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْهَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ
стр. 1053
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَمْلِيكٌ لِمَا زَادَ وَلَا مِنْهَا رِضًا بِذَلِكَ وَلَا إيقَاعَ لَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَكُونُ لَهُ الرَّجْعَةُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقَعُ طَلْقَةً وَاحِدَةً بَائِنَةً إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ثَلَاثًا فَيَكُونَ ثَلَاثًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ جِهَةٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فَكَانَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً كَجِهَةِ الزَّوْجِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَوْقَعَتْ ثَلَاثًا، وَهُوَ قَدْ نَوَى وَاحِدَةً لَزِمَتْهُ وَاحِدَةٌ وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْهَا وَبِهَذَا أَخَذَ مَالِكٌ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُنَاكِرَهَا.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵄ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا قَضَتْ وَلَا يَنْفَعُهُ الْمُنَاكَرَةُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا أَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا صَارَ بِيَدِهَا بِجَعْلِهِ ذَلِكَ إلَيْهَا وَتَفْوِيضِهِ، وَاَلَّذِي جُعِلَ إلَيْهَا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الطَّلَاقِ لَمْ يَجْعَلْهُ إلَيْهَا فَلَمْ يَكُنْ لَهَا إيقَاعُهُ كَالْوَاحِدَةِ قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ إلَيْهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ مَلَّكَهَا ثَلَاثًا صَرَّحَ بِهَا فَأَوْقَعَتْ وَاحِدَةً فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَلْزَمُهُ الطَّلْقَةُ، وَهِيَ رِوَايَةُ مُطَّرِفٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ قَالَ لَهَا قَدْ مَلَّكْتُك أَلْبَتَّةَ فَأَوْقَعَتْ وَاحِدَةً لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَيْئًا؛ لِأَنَّ أَلْبَتَّةَ لَا تَنْقَسِمُ، وَالثَّلَاثَةَ تَنْقَسِمُ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ مَا جَعَلَهُ إلَيْهَا وَقَصَرَتْ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، فَإِذَا أَلْزَمْنَاهُ الْوَاحِدَةَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُوَافَقَةٌ لِمَا جُعِلَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ لَمْ تُوقِعْهَا الزَّوْجَةُ فَلَمْ تَقَعْ، وَالْوَاحِدَةُ لَمْ يَجْعَلْهَا الزَّوْجُ إلَيْهَا، فَإِذَا أَثْبَتْنَا حُكْمَ مَا أَوْقَعَتْ، وَهِيَ الْوَاحِدَةُ أَثْبَتْنَا مَا يُخَالِفُ مَا جَعَلَهُ الزَّوْجُ إلَيْهَا، وَإِذَا جَعَلَ إلَيْهَا وَاحِدَةً وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ وَافَقَتْهُ فِي الْوَاحِدَةِ وَمَا زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَجْعَلْهُ إلَيْهَا يَبْطُلُ وَيَثْبُتُ مَا جَعَلَهُ إلَيْهَا فَتُوجَدُ الْمُوَافَقَةُ لِمَا جَعَلَهُ إلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالثَّلَاثِ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً فَقَالَ: لَمْ أُرِدْ إلَّا التَّمْلِيكَ فِي الثَّلَاثِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَتَقَعُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَيَكُونُ أَمْلَكَ بِمَا قَالَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْهُ قَدْ وُجِدَ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْوَاحِدَةَ وَلِذَلِكَ لَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَادَّعَى وَاحِدَةً لَكَانَتْ وَاحِدَةً فَإِذَا أَوْقَعَتْهَا الزَّوْجَةُ فَقَالَ: لَمْ أُرِدْ إلَّا ثَلَاثًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ النَّدَمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمْرُك بِيَدِكِ فَقَالَتْ قَبِلْتُ ثُمَّ قَالَ أَرَدْت بِالتَّمْلِيكِ أَلْبَتَّةَ وَقَالَتْ هِيَ أَرَدْتُ وَاحِدَةً فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ هِيَ ثَلَاثٌ إلَّا أَنْ تَقُولَ: قَبِلْت وَاحِدَةً وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمَّا فُسِّرَ قَوْلُهُ بِالثَّلَاثِ وَقَالَتْ هِيَ: قَبِلْتُ وَكَانَ ظَاهِرُ ذَلِكَ قَبُولَهَا مَا جَعَلَ إلَيْهَا لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ أَنَّهُ جَعَلَ إلَيْهَا فِعْلَهُ وَلَمْ يَنْفَعْهَا تَفْسِيرُ مَا نَوَتْهُ بِالْوَاحِدَةِ، وَهِيَ تَحْتَمِلُ الثَّلَاثَ مَعَ مُطَابَقَتِهَا لِمَا جَعَلَهُ بِيَدِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ وَيَقُولُ لَمْ أُرِدْ إلَّا وَاحِدَةً يَعْنِي أَنَّ مُنَاكَرَتَهُ لَهَا أَنْ يَقُولَ لَمْ أُرِدْ إلَّا وَاحِدَةً فَهَذَا يَحْلِفُ عَلَى قَوْلِهِ إنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَّا وَاحِدَةً قَالَ مُحَمَّدٌ يَحْلِفُ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ الرَّجْعَةَ مَكَانَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا فَلَا تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنْهُ، فَإِذَا أَرَادَ نِكَاحَهَا حَلَفَ عَلَى مَا نَوَى وَلَا يَحْلِفُ قَبْلَ ذَلِكَ إذْ لَعَلَّهُ لَا يَتَزَوَّجُهَا، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحَمَّدٌ عِنْدِي إنَّمَا هُوَ لِيَحْكُمَ لَهُ الْآنَ بِأَنَّ طَلَاقَ التَّمْلِيكِ رَجْعِيٌّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْتَجِعَهَا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ لَا يُلْزِمَهُ بِتَعْجِيلِ الْيَمِينِ إذْ لَعَلَّهُ لَا يَرْتَجِعُهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي إِسْحَاقَ فِي الَّذِي يُنَاكِرُ إذَا أَبَى أَنْ يَحْلِفَ أُلْزِمَ الثَّلَاثَ عَلَى الْأَصْلِ قَالَ: وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ مَلَكَ فَهُوَ عَلَى أَصْلِ الطَّلَاقِ إلَّا أَنْ يَقُولَ أَرَدْت بَعْضَهُ وَيَحْلِفُ فَهَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُؤْمَرُ فِي الْعِدَّةِ بِالْيَمِينِ، فَإِنْ أَبَى قُضِيَ عَلَيْهِ بِالثَّلَاثِ وَبَعْدَ الْعِدَّةِ لَا يَعْرِضُ لَهُ حَتَّى يُرِيدَ النِّكَاحَ، فَإِذَا أَرَادَ ذَلِكَ اُسْتُحْلِفَ، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالثَّلَاثِ وَكَانَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي تَأْخِيرَ الْيَمِينِ عَنْهُ إلَى أَنْ يُرِيدَ الرَّجْعَةَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ النِّكَاحِ بَعْدَ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا هِيَ لِاسْتِبَاحَةِ الْمُرَاجَعَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْتَجِعَ أُمِرَ بِهَا لِاسْتِبَاحَةِ الرَّجْعَةِ
стр. 1054
مَا يَجِبُ فِيهِ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ التَّمْلِيكِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتِيقٍ وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ مَا شَأْنُك فَقَالَ مَلَّكْت امْرَأَتِي أَمْرَهَا فَفَارَقَتْنِي فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ وَمَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ قَالَ الْقَدَرُ فَقَالَ زَيْدٌ ارْتَجِعْهَا إنْ شِئْت، فَإِنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ، أَنْتَ أَمْلَكُ بِهَا) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ مَلَّكَ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَقَالَتْ: أَنْتَ الطَّلَاقُ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَتْ: أَنْتَ الطَّلَاقُ فَقَالَ: بِفِيكِ الْحَجَرُ ثُمَّ قَالَتْ: أَنْتَ الطَّلَاقُ فَقَالَ: بِفِيك الْحَجَرُ، فَاخْتَصَمَا إلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَاسْتَحْلَفَهُ مَا مَلَّكَهَا إلَّا وَاحِدَةً وَرَدَّهَا إلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَكَانَ الْقَاسِمُ يُعْجِبُهُ هَذَا الْقَضَاءُ وَيَرَاهُ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي ذَلِكَ وَأَحَبُّهُ إلَيَّ)
ــ
[المنتقى]
فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ مُنِعَ مِنْ الْمُرَاجَعَةِ وَكَانَ حُكْمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمَهُ قَبْلَ الْيَمِينِ، وَلَوْ اقْتَضَى نُكُولُهُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِالثَّلَاثِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُنَاكَرَةِ، وَالْمَنْعِ لَهَا مِنْ إيقَاعِ مَا أَوْقَعَتْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ التَّخَاصُمِ فِيهِ وَإِبْطَالِ مَا ادَّعَتْهُ وَإِثْبَاتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا يَجِبُ فِيهِ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ التَّمْلِيكِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَتِيقٍ أَتَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ يَقْتَضِي بِمَا بَعْدَهُ فَرْطَ نَدَمِهِ وَتَأَسُّفِهِ عَلَى فِرَاقِ امْرَأَتِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي اعْتِقَادًا أَنَّهُ لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا إمَّا؛ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ أَوْ أَنَّهَا ثَلَاثٌ، وَلَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةَ لَرَاجَعَهَا وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ لِمَا فَعَلَ بَعْدَ أَمْرِهِ بِهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَرْشَدَهُ إلَيْهِ فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَا شَأْنُك لَمَّا رَأَى بِهِ مِنْ الْبُكَاءِ، وَالنَّدَمِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ مَلَّكَ امْرَأَتَهُ فَفَارَقَتْهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْمُوجِبَ لَمَّا رَأَى لَهُ مِنْ الْبُكَاءِ، وَالْجَزَعِ فَقَالَ زَيْدٌ مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ تَوْبِيخَهُ عَلَى مَا فَعَلَهُ، وَتَهْدِيدَهُ فِيهِ حَتَّى لَا يَأْتِيَهُ مَرَّةً أُخْرَى وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ سُؤَالَهُ عَنْ سَبَبِ هَذَا لِئَلَّا يَكُونَ الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ سَبَبِهِ، وَإِنْ كَانَ مَلَّكَهَا بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَمَّا قَالَ الْقَدَرُ، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ سَبَبٌ يُظْهِرُهُ أَجَابَهُ عَنْ مَسْأَلَتِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ زَيْدٍ: ارْتَجِعْهَا إنْ شِئْت، فَإِنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ، وَأَنْتَ أَمْلَكُ بِهَا رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ قَالَ مَالِكٌ: لَا آخُذُ بِحَدِيثِ زَيْدٍ فِي التَّمْلِيكِ وَلَكِنِّي أَرَى إذَا مَلَّكَ امْرَأَتَهُ أَنَّ الْقَضَاءَ مَا قَضَتْ إلَّا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا فَيُحَلَّفَ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا أَنْ يُعْلَمَ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ مَذْهَبَ زَيْدٍ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا وَاحِدَةً وَإِنْ أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ قَالَ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنِّي لَا أَقُولُ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِقَوْلِهِ فَفَارَقَتْنِي وَالْفِرَاقُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ يَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنْ الْوَاحِدَةِ، وَالْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ فِرَاقًا عَلَى غَيْرِ لَفْظِ الْفِرَاقِ وَأَنَّهَا فَرَاقَتْهُ بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَلَّكَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً بِتَصْرِيحٍ فَلَا يَلْزَمُهُ مَا زَادَتْ وَلَا يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ يَمِينٌ فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ: ارْتَجِعْهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِقَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا إذَا كَانَ لَفْظُهُ مُحْتَمِلًا وَأَوْقَعَتْ الْمُمَلَّكَةُ أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ وَإِنَّمَا كَانَ جَزَعُ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فَرْقًا مِنْ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً بَائِنَةً وَعَلِمَ مِنْ مُخَالَفَتِهَا لَهُ أَنَّهَا إذَا مَلَكَتْ نَفْسَهَا لَمْ تَعُدْ إلَيْهِ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ مَلَّكَ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَقَالَتْ: أَنْتَ الطَّلَاقُ يَقْتَضِي إيقَاعَهَا الطَّلَاقَ بِأَثَرِ تَمْلِيكِهِ إيَّاهَا الطَّلَاقَ، وَلَوْ أَخَّرَتْ قَبُولَ التَّمْلِيكِ بِالْقَوْلِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُوجَدَ مِنْهَا فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْفِرَاقِ أَوْ لَا يُوجَدَ مِنْهَا قَوْلٌ وَلَا فِعْلٌ، فَإِنْ وُجِدَ مِنْهَا فِي الْمَجْلِسِ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْفِرَاقِ مِثْلُ أَنْ تُخَمِّرَ رَأْسَهَا أَوْ تَأْمُرَ بِنَقْلِ رَحْلِهَا إلَى عِنْدِ أَبَوَيْهَا فَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُعَذَّلِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ فَعَلَتْ مِنْ ذَلِكَ مَا يَبِينُ
стр. 1055
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَلَا يُجْهَلُ فَكَأَنَّمَا تَكَلَّمَتْ بِالْقَبُولِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْفِعْلِ الْقَبُولُ لِلتَّمْلِيكِ إثْرَ الطَّلَاقِ وَأَقَلُّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ لِلتَّمْلِيكِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَإِنْ قَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَرَدْت أَلْبَتَّةَ أَلَا تَرَى أَنِّي قَدْ خَمَّرْت رَأْسِي وَفَعَلْتُ مَا تَفْعَلُهُ الْمُحَرَّمَةُ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُنَاكِرَهَا وَيَحْلِفَ أَنَّهُ مَا مَلَّكَهَا إلَّا وَاحِدَةً وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَنْوِي الزَّوْجُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ فِعْلِهَا الْبَيْنُونَةُ فَتَرْكُ الْإِنْكَارِ عَلَيْهَا فِي الْمَجْلِسِ يَقْتَضِي الرِّضَا بِالثَّلَاثِ وَقِيلَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ يَمِينًا أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظُنَّ أَنَّ انْتِقَالَهَا أَوْ مَا فَعَلَتْ يَكُونُ طَلَاقًا بَائِنًا وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْ إلَّا وَاحِدَةً وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَمِينٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ فِيهَا، وَهَذَا لَيْسَ بِخِلَافٍ فِي الظَّاهِرِ.
(فَرْعٌ) ، فَإِنْ فَعَلَتْ هَذَا مِنْ تَخْمِيرِ الرَّأْسِ وَنَقْلِ الثِّيَابِ ثُمَّ قَالَتْ لَمْ أُرِدْ بِهِ طَلَاقًا فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي وَهْبٍ إنْ لَمْ تَكُنْ اخْتَارَتْ فَلَا شَيْءَ لَهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ شَيْئًا أَوْ فَعَلَتْ مَا لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الطَّلَاقِ كَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إذَا لَمْ تَفْعَلْ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْفِرَاقِ ثُمَّ قَالَتْ: أَرَدْتُ الْفِرَاقَ وَنَوَتْهُ فِي الْمَجْلِسِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ فَقَوْلُهُ الْقَدِيمُ إنَّمَا لَهَا ذَلِكَ مَا دَامَا فِي مَجْلِسِهِمَا، فَإِذَا قَامَا مِنْ مَجْلِسِهِمَا قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَ شَيْئًا بَعْدُ بَطَلَ التَّمْلِيكُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ لَهَا ذَلِكَ وَلَا يُزِيلُ التَّمْلِيكَ عَنْهَا إلَّا أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ أَوْ يُوقِفَهَا السُّلْطَانُ فَتُطَلِّقَ أَوْ تَرُدَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إمَّا أَنْ يَكُونَ تَوْكِيلًا فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّ عَقْدَ التَّوْكِيلِ غَيْرُ لَازِمٍ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ مَتَى شَاءَ، وَإِنْ كَانَ هِبَةً فَهُوَ عَقْدٌ لَازِمٌ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلْقَبُولِ وَمَتَى قَامَا مِنْ الْمَجْلِسِ فَقَدْ تَرَكَتْ الْقَبُولَ فَبَطَلَ مَا كَانَ لَهَا مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا أَشْبَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ التَّوْكِيلِ لَوَجَبَ أَنْ يُبْطِلَهُ بِأَثَرِ التَّمْلِيكِ وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بِأَثَرِ تَمْلِيكِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ رُجُوعِهِ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ وَقْتٍ يُمْكِنُهَا فِيهِ الْقَبُولُ وَلَمْ يَظْهَرْ الْقَبُولُ وَنَحْنُ إنَّمَا نَقُولُ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَقُومَا وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ أَنَّهُ طَلَاقٌ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
(فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ إلَّا مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِانْقِضَاءِ وَقْتِ مَنْ يُمْكِنُهَا فِيهِ اخْتِيَارُ الطَّلَاقِ فَلَا يُظْهِرُهُ، إنَّمَا لَهَا ذَلِكَ بِمِقْدَارِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الْجُلُوسِ، وَالِارْتِيَاءِ فِي الْأَمْرِ، وَالنَّظَرِ فِيهِ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْهِبَةِ إنْ وَهَبَهَا مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ إيقَاعِ الطَّلَاقِ، فَإِنْ طَالَ الْمَجْلِسُ جِدًّا وَخَرَجَ عَنْ الْمُعْتَادِ فِي ذَلِكَ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إنَّهُ إذَا طَالَ الْمَجْلِسُ عَامَّةَ النَّهَارِ فَعَلِمَ أَنَّهُمَا قَدْ تَرَكَا ذَلِكَ وَخَرَجَا مِمَّا كَانَا فِيهِ إلَى غَيْرِهِ فَقَدْ بَطَلَ التَّمْلِيكُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ ذَلِكَ بِيَدِهَا، وَإِنْ أَقَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَجْلِسَ التَّعَارُضِ، وَالْأَخْذِ فِي مِثْلِ هَذَا مُعْتَادٌ، فَإِذَا طَالَ الْمَجْلِسُ وَزَادَ عَلَى ذَلِكَ الزِّيَادَةَ الْبَيِّنَةَ الَّتِي يَعْلَمُ بِهَا الْخُرُوجَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَتَرْكِ النَّظَرِ فِيهِ بَطَلَ مَا لَهَا مِنْ الْقَبُولِ كَمَا لَوْ قَامَتْ مِنْ الْمَجْلِسِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ أَشْهَبُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ ذَلِكَ لَهَا مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلِأَنَّ الْمَجْلِسَ، وَإِنْ طَالَ، فَإِنَّهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أُبِيحَ فِيهَا الِارْتِيَاءُ لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْهَا، وَقَدْ يَحْتَاجُ هَذَا مِنْ النَّظَرِ، وَالِارْتِيَاءِ إلَى مَا يَزِيدُ عَلَى مِقْدَارِ الْمَجْلِسِ الْمُعْتَادِ.
(فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ لَهَا ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يَخْرُجَا عَمَّا كَانَا فِيهِ وَيَظْهَرُ تَرْكُهُ، فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ التَّرْكِ أَنْ يَأْخُذَا فِي كَلَامً غَيْرِهِ، وَأَمَّا أَنْ تَمْتَشِطَ أَوْ تَسْكُتَ أَوْ تَعْمَلَ عَمَلًا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ قَطْعًا لِخِيَارِهَا رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِيهَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ لِمَا كَانَا فِيهِ قَدْ يَكُونُ بِالْأَعْمَالِ، وَالنَّوْمِ وَطُولِ الْمَجْلِسِ الْمُفْرِطِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ التَّرْكُ لِمَا كَانَا فِيهِ كَمَا يَكُونُ بِالْأَخْذِ فِي كَلَامِ
следующие страницы →