Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
حَتَّى تَوَقَّفَ وَلَمْ يَرَهُ مِثْلَ أَخَذْت نَفْسِي.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَلَّكَهَا عَلَى عِوَضٍ، فَإِنْ مَلَّكَهَا عَلَى عِوَضٍ أَعْطَتْهُ إيَّاهُ فَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إنْ قَالَتْ لَهُ بَرِئْتُ مِنْك أَنَّهَا وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ خُلْعٌ، وَهِيَ مِثْلُ الَّتِي لَمْ يَبْنِ بِهَا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَنْكِحَهَا نِكَاحًا جَدِيدًا أُحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا وَلَّيْتُهَا مِنْ أَمْرِهَا إلَّا وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مَلَّكَهَا بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ وَنَاكَرَهَا فَتَكُونُ بَائِنَةً لِأَجْلِ الْعِوَضِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ قَالَتْ: خَلَّيْتُ سَبِيلَك فَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ قَوْلَهَا لَهُ قَدْ خَلَّيْت سَبِيلَك أَوْ فَارَقْتُكَ كَقَوْلِهِ ذَلِكَ لَهَا؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ ذَلِكَ مِنْهُ يُحْمَلُ عَلَى طَلَاقِ السُّنَّةِ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ حَتَّى يُرِيدَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا هِيَ فَمُمَلَّكَةٌ فَكَانَتْ إجَابَتُهَا عَنْ الْفِرَاقِ فَهُوَ عَلَى الْبَتَاتِ حَتَّى يُرِيدَ وَاحِدَةً، وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَصْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَرَى فِي الزَّوْجِ يَقُولُ لِزَوْجَتِهِ: خَلَّيْت سَبِيلَك هِيَ ثَلَاثٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ الزَّوْجُ لَهَا أَوْ تَقُولَهُ الزَّوْجَةُ لِلزَّوْجِ، وَقَوْلُ أَصْبَغَ مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ قَوْلَ الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ: خَلَّيْتُ سَبِيلَك وَاحِدَةٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِ الزَّوْجِ، وَالزَّوْجَةِ، إنَّمَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا مَعَ هَذَا الْأَصْلِ بِأَنَّ الزَّوْجَ مَلَكَ الطَّلَاقَ بِالشَّرْعِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُوقِعَ مِنْهُ مَا شَاءَ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ أَنْ يُفَرِّقَهُ، وَاللَّفْظُ لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ أَرَدْت وَاحِدَةً، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ، فَإِنَّ الزَّوْجَ مَلَّكَهَا وَلَمْ يَسْتَثْنِ قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَلَّكَهَا جَمِيعَ الطَّلَاقِ وَلِذَلِكَ يُسْتَحْلَفُ إنْ نَاكَرَ فَلَمَّا جَاوَبَتْهُ بِالْفُرْقَةِ كَانَ مُقْتَضَى ذَلِكَ إيقَاعَ جَمِيعِ مَا مَلَّكَهَا إيَّاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا إنْ كَانَ لَفْظٌ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ مِثْلُ أَنْ تَقُولَ: قَبِلْتُ أَمْرِي، فَإِنْ قَالَتْ: أَرَدْت بِهِ قَبِلْتُ مَا جَعَلَ لِي مِنْ التَّمْلِيكِ أَوْ الْخِيَارِ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهَا ثُمَّ قِيلَ لَهَا: طَلِّقِي بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ رُدِّي، وَإِنْ قَالَتْ: أَرَدْت بِقَوْلِي قَبِلْت أَمْرِي الطَّلَاقَ سُئِلَتْ مَا أَرَادَتْ مِنْ الطَّلَاقِ فَيَحْتَاجُ فِي هَذَا إلَى سُؤَالَيْنِ لَمَّا كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ تُسْئَلُ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ قَدْرِ مَا أَرَادَتْ مِنْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ مَا تَلَفَّظَتْ بِهِ يَحْتَمِلُ مِنْ الطَّلَاقِ الْوَاحِدَةَ أَوْ أَكْثَرَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ قَالَتْ قَدْ قَبِلْت لَمْ تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ قَالَتْ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ مِنْ الْمَجْلِسِ لَمْ أُرِدْ إلَّا أَنْ أَنْظُرَ وَأَسْتَخْبِرَ كَانَ لَهَا أَنْ تَقْضِيَ الْآنَ بِوَاحِدَةٍ فَتَلْزَمُهُ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ لَهَا الْمُنَاكَرَةُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ قَبِلْت مُحْتَمِلٌ.
(فَرْعٌ) : فَإِنْ قَالَتْ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ: لَمْ أُرِدْ شَيْئًا لَمْ يُقْبَلْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَسَوَاءٌ أَضَافَتْ الطَّلَاقَ إلَيْهَا أَوْ إلَيْهِ فَقَالَتْ طَلَّقْتُ نَفْسِي أَوْ طَلَّقْتُك أَوْ أَبَنْتُ نَفْسِي أَوْ أَبْنَتُك؛ لِأَنَّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَى جِهَةِ الزَّوْجِ كَإِضَافَتِهِ إلَى جِهَةِ الزَّوْجَةِ كَمَا لَوْ أَوْقَعَهُ الزَّوْجُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَرَاهُ كَمَا قَالَتْ يُرِيدُ أَنَّ مَا قَالَتْ يَلْزَمُهُ عَلَى حَسَبِ مَا أَوْرَدَهُ هُوَ لَكِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا، وَهَذَا تَمْلِيكٌ مَحْضٌ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا، وَهَذَا أَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ بِهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَعَلَّ السَّائِلَ، وَالْمَسْئُولَ قَدْ جَرَى مِنْهُمَا مَا فُهِمَ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّخْيِيرُ، وَالتَّمْلِيكُ بِهَذَا اللَّفْظِ دُونَ لَفْظِ الطَّلَاقِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الزَّوْجُ الطَّلَاقَ فَيَكُونُ مَا نَوَى مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ وَقَالَتْ هِيَ: قَبِلْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ فِيهِ سَلَفٌ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِهِ: إنَّ قَوْلَ الزَّوْجِ قَدْ مَلَّكْتُكِ أَمْرَك، وَأَمْرُك بِيَدِك مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهَا: قَبِلْت نَفْسِي مِنْ كِنَايَاتِهِ مِنْ جِهَتِهَا، فَإِذَا قَالَا جَمِيعًا أَرَدْنَا بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا لَمْ أُرِدْ بِقَوْلِي طَلَاقًا فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ، وَإِنْ قَالَ الْآخَرُ أَرَدْت الطَّلَاقَ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَى كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْمُمَلَّكَةُ ثَيِّبًا مَحْجُورًا عَلَيْهَا أَوْ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الطَّلَاقِ، وَلِذَلِكَ يَنْفُذُ طَلَاقُ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ بِكْرًا بَالِغًا؛ لِأَنَّ الْبِكْرَ الْبَالِغَ يَلْزَمُهُ طَلَاقُهَا، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ
стр. 1052
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ إذَا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَالْقَضَاءُ مَا قَضَتْ إلَّا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا فَيَقُولَ لَمْ أُرِدْ إلَّا وَاحِدَةً فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَيَكُونَ أَمْلَكَ بِهَا مَا كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا)
ــ
[المنتقى]
فِي الصَّغِيرَةِ تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ نَفْسَهَا ذَلِكَ لَهَا وَقَالَ ذَلِكَ لَهَا إذَا بَلَغَتْ فِي حَالِهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُرِيدُ بَلَغَتْ حَدَّ الْوَطْءِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا بَلَغَتْ مَبْلَغًا تَعْرِفُ مَا مَلَكَتْ أَوْ يُوطَأُ مِثْلُهَا فَذَلِكَ لَازِمٌ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ الْمَغْمُورَةِ يُخَيِّرُهَا زَوْجُهَا، وَهِيَ مُفِيقَةٌ فَتَخْتَارُ نَفْسَهَا وَهِيَ مَغْمُورَةٌ أَنَّ قَضَاءَهَا غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَوْ خَيَّرَهَا مَغْمُورَةً فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا جَازَ قَضَاؤُهَا وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَّكَ صَبِيًّا أَمْرَ امْرَأَتِهِ جَازَ مَا قَضَى بِهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ يَعْقِلُ مَا جُعِلَ إلَيْهِ وَمَا يُجِيبُ بِهِ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ وَكَذَلِكَ إذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِ امْرَأَةٍ أَوْ ذِمِّيٍّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ الرَّجُلِ لَا تَفْعَلْ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهِيَةِ لِمَا أَفْتَاهُ بِهِ، وَالْحِرْصُ عَلَى أَنْ يُعِيدَ النَّظَرَ لَعَلَّهُ يُخَالِفُ مَا قَدْ رَآهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَا فَعَلْتُهُ أَنْتَ فَعَلْتَهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ لَا صُنْعَ لِي فِي ذَلِكَ، إنَّمَا قَوْلُك وَعَمَلُك أَدَّى إلَى مَا أَفْتَيْتُكَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْفَتْوَى إنَّمَا هِيَ بِحَسَبِ سُؤَالِ السَّائِلِ وَمَا يَقُومُ لَهُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.
(ش) : قَوْلُهُ ﵁: إذَا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَالْقَضَاءُ مَا قَضَتْ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُكَلَّفَةً أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ مُكَلَّفَةً لَزِمَهُ مَا قَضَتْ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَعْقِلَ التَّمْلِيكَ أَوْ لَا تَعْقِلَهُ، فَإِنْ عَقَلَتْهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُخَيِّرُ زَوْجَتَهُ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ وَقَبْلَ الْبِنَاءِ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهُوَ طَلَاقٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُرِيدُ إذَا بَلَغَتْ حَدَّ الْوَطْءِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا بَلَغَتْ مَبْلَغًا تَعْرِفُ مَا مَلَكَتْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِ صَبِيٍّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ مَغْمُورَةٌ جَازَ قَضَاؤُهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ كَانَتْ مُفِيقَةً ثُمَّ أَصَابَهَا ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ قَضَاءَهَا عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ حَالِهَا وَعَقْلِهَا فَلَمَّا ذَهَبَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا قَضَتْ بِهِ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: الْقَضَاءُ مَا قَضَتْ بِهِ يُرِيدُ أَنَّ لَفْظَ التَّمْلِيكِ يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ تَمْلِيكُ نَفْسِهَا، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالطَّلَاقِ فَقَدْ فُهِمَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ وَضْعُ الطَّلَاقِ بِيَدِهَا كَمَا لَوْ وَكَّلَ أَجْنَبِيًّا عَلَى طَلَاقِهَا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْلُومُ مِنْ لَفْظِ التَّمْلِيكِ وَجَبَ أَنْ يُثْبِتَ حُكْمَهُ كَمَا لَوْ تَلَفَّظَ فِي ذَلِكَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ مَوْضُوعَةٌ لِتَتَفَاهَمَ بِهَا الْمَعَانِي، فَإِذَا كَانَ اللَّفْظُ يُفْهَمُ مِنْ تَمْلِيكِ الطَّلَاقِ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ إذَا وَرَدَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ فِي الْحَالَيْنِ سَوَاءٌ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنِّي لَمْ أُرِدْ تَمْلِيكَ الطَّلَاقِ كَمَا لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ إذَا تَلَفَّظَ بِالطَّلَاقِ وَلِأَنَّ الْعَجَمِيَّ يُمْكِنُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَفْظُ طَلَاقٍ وَيَلْزَمُهُ حُكْمُهُ فِي التَّمْلِيكِ، وَالطَّلَاقِ الْمُبْتَدَأِ وَكَذَلِكَ الْأَخْرَسُ يُفْهَمُ عَنْهُ هَذَا بِالْإِشَارَةِ وَتَسَاوَى ذَلِكَ بِلَفْظِهِ بِهِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ مِنْ النَّدْبِ وَغَيْرِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَأَخَذَ مَالِكٌ بِقَوْلِ عُمَرَ إنَّ الْقَضَاءَ مَا قَضَتْ إلَّا أَنْ تُنَاكِرَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّهَا إنْ رَدَّتْ التَّمْلِيكَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ؛ لِأَنَّهَا قَضَتْ بِالْبَقَاءِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ مَذْهَبَ رَبِيعَةَ فِي التَّمْلِيكِ هِيَ وَاحِدَةٌ قَبِلَتْ أَوْ رَدَّتْ قَالَ مَالِكٌ وَمَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ.
وَقَدْ اخْتَارَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ الْمُقَامَ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِرَاقًا وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ وَكَّلَ عَلَى الطَّلَاقِ فَلَمْ يُوقِعْهُ الْوَكِيلُ لَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلَاقُ فَكَذَلِكَ هَذَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ إلَّا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا الزَّوْجُ فَيَقُولُ: لَمْ أُرِدْ إلَّا وَاحِدَةً، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو التَّمْلِيكُ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لَا يَنْوِي شَيْئًا، فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ فَقَضَتْ بِمَا نَوَاهُ لَزِمَ ذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَّكَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً وَأَوْقَعَتْهَا فَلَزِمَهَا ذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْهَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ
стр. 1053
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَمْلِيكٌ لِمَا زَادَ وَلَا مِنْهَا رِضًا بِذَلِكَ وَلَا إيقَاعَ لَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَكُونُ لَهُ الرَّجْعَةُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقَعُ طَلْقَةً وَاحِدَةً بَائِنَةً إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ثَلَاثًا فَيَكُونَ ثَلَاثًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ جِهَةٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فَكَانَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً كَجِهَةِ الزَّوْجِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَوْقَعَتْ ثَلَاثًا، وَهُوَ قَدْ نَوَى وَاحِدَةً لَزِمَتْهُ وَاحِدَةٌ وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْهَا وَبِهَذَا أَخَذَ مَالِكٌ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُنَاكِرَهَا.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵄ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا قَضَتْ وَلَا يَنْفَعُهُ الْمُنَاكَرَةُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا أَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا صَارَ بِيَدِهَا بِجَعْلِهِ ذَلِكَ إلَيْهَا وَتَفْوِيضِهِ، وَاَلَّذِي جُعِلَ إلَيْهَا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الطَّلَاقِ لَمْ يَجْعَلْهُ إلَيْهَا فَلَمْ يَكُنْ لَهَا إيقَاعُهُ كَالْوَاحِدَةِ قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ إلَيْهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ مَلَّكَهَا ثَلَاثًا صَرَّحَ بِهَا فَأَوْقَعَتْ وَاحِدَةً فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَلْزَمُهُ الطَّلْقَةُ، وَهِيَ رِوَايَةُ مُطَّرِفٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ قَالَ لَهَا قَدْ مَلَّكْتُك أَلْبَتَّةَ فَأَوْقَعَتْ وَاحِدَةً لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَيْئًا؛ لِأَنَّ أَلْبَتَّةَ لَا تَنْقَسِمُ، وَالثَّلَاثَةَ تَنْقَسِمُ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ مَا جَعَلَهُ إلَيْهَا وَقَصَرَتْ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، فَإِذَا أَلْزَمْنَاهُ الْوَاحِدَةَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُوَافَقَةٌ لِمَا جُعِلَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ لَمْ تُوقِعْهَا الزَّوْجَةُ فَلَمْ تَقَعْ، وَالْوَاحِدَةُ لَمْ يَجْعَلْهَا الزَّوْجُ إلَيْهَا، فَإِذَا أَثْبَتْنَا حُكْمَ مَا أَوْقَعَتْ، وَهِيَ الْوَاحِدَةُ أَثْبَتْنَا مَا يُخَالِفُ مَا جَعَلَهُ الزَّوْجُ إلَيْهَا، وَإِذَا جَعَلَ إلَيْهَا وَاحِدَةً وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ وَافَقَتْهُ فِي الْوَاحِدَةِ وَمَا زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَجْعَلْهُ إلَيْهَا يَبْطُلُ وَيَثْبُتُ مَا جَعَلَهُ إلَيْهَا فَتُوجَدُ الْمُوَافَقَةُ لِمَا جَعَلَهُ إلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالثَّلَاثِ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً فَقَالَ: لَمْ أُرِدْ إلَّا التَّمْلِيكَ فِي الثَّلَاثِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَتَقَعُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَيَكُونُ أَمْلَكَ بِمَا قَالَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْهُ قَدْ وُجِدَ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْوَاحِدَةَ وَلِذَلِكَ لَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَادَّعَى وَاحِدَةً لَكَانَتْ وَاحِدَةً فَإِذَا أَوْقَعَتْهَا الزَّوْجَةُ فَقَالَ: لَمْ أُرِدْ إلَّا ثَلَاثًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ النَّدَمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمْرُك بِيَدِكِ فَقَالَتْ قَبِلْتُ ثُمَّ قَالَ أَرَدْت بِالتَّمْلِيكِ أَلْبَتَّةَ وَقَالَتْ هِيَ أَرَدْتُ وَاحِدَةً فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ هِيَ ثَلَاثٌ إلَّا أَنْ تَقُولَ: قَبِلْت وَاحِدَةً وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمَّا فُسِّرَ قَوْلُهُ بِالثَّلَاثِ وَقَالَتْ هِيَ: قَبِلْتُ وَكَانَ ظَاهِرُ ذَلِكَ قَبُولَهَا مَا جَعَلَ إلَيْهَا لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ أَنَّهُ جَعَلَ إلَيْهَا فِعْلَهُ وَلَمْ يَنْفَعْهَا تَفْسِيرُ مَا نَوَتْهُ بِالْوَاحِدَةِ، وَهِيَ تَحْتَمِلُ الثَّلَاثَ مَعَ مُطَابَقَتِهَا لِمَا جَعَلَهُ بِيَدِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ وَيَقُولُ لَمْ أُرِدْ إلَّا وَاحِدَةً يَعْنِي أَنَّ مُنَاكَرَتَهُ لَهَا أَنْ يَقُولَ لَمْ أُرِدْ إلَّا وَاحِدَةً فَهَذَا يَحْلِفُ عَلَى قَوْلِهِ إنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَّا وَاحِدَةً قَالَ مُحَمَّدٌ يَحْلِفُ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ الرَّجْعَةَ مَكَانَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا فَلَا تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنْهُ، فَإِذَا أَرَادَ نِكَاحَهَا حَلَفَ عَلَى مَا نَوَى وَلَا يَحْلِفُ قَبْلَ ذَلِكَ إذْ لَعَلَّهُ لَا يَتَزَوَّجُهَا، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحَمَّدٌ عِنْدِي إنَّمَا هُوَ لِيَحْكُمَ لَهُ الْآنَ بِأَنَّ طَلَاقَ التَّمْلِيكِ رَجْعِيٌّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْتَجِعَهَا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ لَا يُلْزِمَهُ بِتَعْجِيلِ الْيَمِينِ إذْ لَعَلَّهُ لَا يَرْتَجِعُهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي إِسْحَاقَ فِي الَّذِي يُنَاكِرُ إذَا أَبَى أَنْ يَحْلِفَ أُلْزِمَ الثَّلَاثَ عَلَى الْأَصْلِ قَالَ: وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ مَلَكَ فَهُوَ عَلَى أَصْلِ الطَّلَاقِ إلَّا أَنْ يَقُولَ أَرَدْت بَعْضَهُ وَيَحْلِفُ فَهَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُؤْمَرُ فِي الْعِدَّةِ بِالْيَمِينِ، فَإِنْ أَبَى قُضِيَ عَلَيْهِ بِالثَّلَاثِ وَبَعْدَ الْعِدَّةِ لَا يَعْرِضُ لَهُ حَتَّى يُرِيدَ النِّكَاحَ، فَإِذَا أَرَادَ ذَلِكَ اُسْتُحْلِفَ، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالثَّلَاثِ وَكَانَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي تَأْخِيرَ الْيَمِينِ عَنْهُ إلَى أَنْ يُرِيدَ الرَّجْعَةَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ النِّكَاحِ بَعْدَ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا هِيَ لِاسْتِبَاحَةِ الْمُرَاجَعَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْتَجِعَ أُمِرَ بِهَا لِاسْتِبَاحَةِ الرَّجْعَةِ
стр. 1054
مَا يَجِبُ فِيهِ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ التَّمْلِيكِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتِيقٍ وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ مَا شَأْنُك فَقَالَ مَلَّكْت امْرَأَتِي أَمْرَهَا فَفَارَقَتْنِي فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ وَمَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ قَالَ الْقَدَرُ فَقَالَ زَيْدٌ ارْتَجِعْهَا إنْ شِئْت، فَإِنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ، أَنْتَ أَمْلَكُ بِهَا) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ مَلَّكَ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَقَالَتْ: أَنْتَ الطَّلَاقُ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَتْ: أَنْتَ الطَّلَاقُ فَقَالَ: بِفِيكِ الْحَجَرُ ثُمَّ قَالَتْ: أَنْتَ الطَّلَاقُ فَقَالَ: بِفِيك الْحَجَرُ، فَاخْتَصَمَا إلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَاسْتَحْلَفَهُ مَا مَلَّكَهَا إلَّا وَاحِدَةً وَرَدَّهَا إلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَكَانَ الْقَاسِمُ يُعْجِبُهُ هَذَا الْقَضَاءُ وَيَرَاهُ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي ذَلِكَ وَأَحَبُّهُ إلَيَّ)
ــ
[المنتقى]
فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ مُنِعَ مِنْ الْمُرَاجَعَةِ وَكَانَ حُكْمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمَهُ قَبْلَ الْيَمِينِ، وَلَوْ اقْتَضَى نُكُولُهُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِالثَّلَاثِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُنَاكَرَةِ، وَالْمَنْعِ لَهَا مِنْ إيقَاعِ مَا أَوْقَعَتْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ التَّخَاصُمِ فِيهِ وَإِبْطَالِ مَا ادَّعَتْهُ وَإِثْبَاتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا يَجِبُ فِيهِ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ التَّمْلِيكِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَتِيقٍ أَتَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ يَقْتَضِي بِمَا بَعْدَهُ فَرْطَ نَدَمِهِ وَتَأَسُّفِهِ عَلَى فِرَاقِ امْرَأَتِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي اعْتِقَادًا أَنَّهُ لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا إمَّا؛ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ أَوْ أَنَّهَا ثَلَاثٌ، وَلَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةَ لَرَاجَعَهَا وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ لِمَا فَعَلَ بَعْدَ أَمْرِهِ بِهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَرْشَدَهُ إلَيْهِ فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَا شَأْنُك لَمَّا رَأَى بِهِ مِنْ الْبُكَاءِ، وَالنَّدَمِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ مَلَّكَ امْرَأَتَهُ فَفَارَقَتْهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْمُوجِبَ لَمَّا رَأَى لَهُ مِنْ الْبُكَاءِ، وَالْجَزَعِ فَقَالَ زَيْدٌ مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ تَوْبِيخَهُ عَلَى مَا فَعَلَهُ، وَتَهْدِيدَهُ فِيهِ حَتَّى لَا يَأْتِيَهُ مَرَّةً أُخْرَى وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ سُؤَالَهُ عَنْ سَبَبِ هَذَا لِئَلَّا يَكُونَ الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ سَبَبِهِ، وَإِنْ كَانَ مَلَّكَهَا بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَمَّا قَالَ الْقَدَرُ، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ سَبَبٌ يُظْهِرُهُ أَجَابَهُ عَنْ مَسْأَلَتِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ زَيْدٍ: ارْتَجِعْهَا إنْ شِئْت، فَإِنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ، وَأَنْتَ أَمْلَكُ بِهَا رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ قَالَ مَالِكٌ: لَا آخُذُ بِحَدِيثِ زَيْدٍ فِي التَّمْلِيكِ وَلَكِنِّي أَرَى إذَا مَلَّكَ امْرَأَتَهُ أَنَّ الْقَضَاءَ مَا قَضَتْ إلَّا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا فَيُحَلَّفَ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا أَنْ يُعْلَمَ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ مَذْهَبَ زَيْدٍ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا وَاحِدَةً وَإِنْ أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ قَالَ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنِّي لَا أَقُولُ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِقَوْلِهِ فَفَارَقَتْنِي وَالْفِرَاقُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ يَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنْ الْوَاحِدَةِ، وَالْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ فِرَاقًا عَلَى غَيْرِ لَفْظِ الْفِرَاقِ وَأَنَّهَا فَرَاقَتْهُ بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَلَّكَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً بِتَصْرِيحٍ فَلَا يَلْزَمُهُ مَا زَادَتْ وَلَا يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ يَمِينٌ فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ: ارْتَجِعْهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِقَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا إذَا كَانَ لَفْظُهُ مُحْتَمِلًا وَأَوْقَعَتْ الْمُمَلَّكَةُ أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ وَإِنَّمَا كَانَ جَزَعُ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فَرْقًا مِنْ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً بَائِنَةً وَعَلِمَ مِنْ مُخَالَفَتِهَا لَهُ أَنَّهَا إذَا مَلَكَتْ نَفْسَهَا لَمْ تَعُدْ إلَيْهِ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ مَلَّكَ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَقَالَتْ: أَنْتَ الطَّلَاقُ يَقْتَضِي إيقَاعَهَا الطَّلَاقَ بِأَثَرِ تَمْلِيكِهِ إيَّاهَا الطَّلَاقَ، وَلَوْ أَخَّرَتْ قَبُولَ التَّمْلِيكِ بِالْقَوْلِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُوجَدَ مِنْهَا فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْفِرَاقِ أَوْ لَا يُوجَدَ مِنْهَا قَوْلٌ وَلَا فِعْلٌ، فَإِنْ وُجِدَ مِنْهَا فِي الْمَجْلِسِ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْفِرَاقِ مِثْلُ أَنْ تُخَمِّرَ رَأْسَهَا أَوْ تَأْمُرَ بِنَقْلِ رَحْلِهَا إلَى عِنْدِ أَبَوَيْهَا فَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُعَذَّلِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ فَعَلَتْ مِنْ ذَلِكَ مَا يَبِينُ
стр. 1055
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَلَا يُجْهَلُ فَكَأَنَّمَا تَكَلَّمَتْ بِالْقَبُولِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْفِعْلِ الْقَبُولُ لِلتَّمْلِيكِ إثْرَ الطَّلَاقِ وَأَقَلُّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ لِلتَّمْلِيكِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَإِنْ قَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَرَدْت أَلْبَتَّةَ أَلَا تَرَى أَنِّي قَدْ خَمَّرْت رَأْسِي وَفَعَلْتُ مَا تَفْعَلُهُ الْمُحَرَّمَةُ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُنَاكِرَهَا وَيَحْلِفَ أَنَّهُ مَا مَلَّكَهَا إلَّا وَاحِدَةً وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَنْوِي الزَّوْجُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ فِعْلِهَا الْبَيْنُونَةُ فَتَرْكُ الْإِنْكَارِ عَلَيْهَا فِي الْمَجْلِسِ يَقْتَضِي الرِّضَا بِالثَّلَاثِ وَقِيلَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ يَمِينًا أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظُنَّ أَنَّ انْتِقَالَهَا أَوْ مَا فَعَلَتْ يَكُونُ طَلَاقًا بَائِنًا وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْ إلَّا وَاحِدَةً وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَمِينٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ فِيهَا، وَهَذَا لَيْسَ بِخِلَافٍ فِي الظَّاهِرِ.
(فَرْعٌ) ، فَإِنْ فَعَلَتْ هَذَا مِنْ تَخْمِيرِ الرَّأْسِ وَنَقْلِ الثِّيَابِ ثُمَّ قَالَتْ لَمْ أُرِدْ بِهِ طَلَاقًا فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي وَهْبٍ إنْ لَمْ تَكُنْ اخْتَارَتْ فَلَا شَيْءَ لَهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ شَيْئًا أَوْ فَعَلَتْ مَا لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الطَّلَاقِ كَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إذَا لَمْ تَفْعَلْ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْفِرَاقِ ثُمَّ قَالَتْ: أَرَدْتُ الْفِرَاقَ وَنَوَتْهُ فِي الْمَجْلِسِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ فَقَوْلُهُ الْقَدِيمُ إنَّمَا لَهَا ذَلِكَ مَا دَامَا فِي مَجْلِسِهِمَا، فَإِذَا قَامَا مِنْ مَجْلِسِهِمَا قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَ شَيْئًا بَعْدُ بَطَلَ التَّمْلِيكُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ لَهَا ذَلِكَ وَلَا يُزِيلُ التَّمْلِيكَ عَنْهَا إلَّا أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ أَوْ يُوقِفَهَا السُّلْطَانُ فَتُطَلِّقَ أَوْ تَرُدَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إمَّا أَنْ يَكُونَ تَوْكِيلًا فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّ عَقْدَ التَّوْكِيلِ غَيْرُ لَازِمٍ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ مَتَى شَاءَ، وَإِنْ كَانَ هِبَةً فَهُوَ عَقْدٌ لَازِمٌ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلْقَبُولِ وَمَتَى قَامَا مِنْ الْمَجْلِسِ فَقَدْ تَرَكَتْ الْقَبُولَ فَبَطَلَ مَا كَانَ لَهَا مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا أَشْبَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ التَّوْكِيلِ لَوَجَبَ أَنْ يُبْطِلَهُ بِأَثَرِ التَّمْلِيكِ وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بِأَثَرِ تَمْلِيكِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ رُجُوعِهِ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ وَقْتٍ يُمْكِنُهَا فِيهِ الْقَبُولُ وَلَمْ يَظْهَرْ الْقَبُولُ وَنَحْنُ إنَّمَا نَقُولُ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَقُومَا وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ أَنَّهُ طَلَاقٌ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
(فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ إلَّا مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِانْقِضَاءِ وَقْتِ مَنْ يُمْكِنُهَا فِيهِ اخْتِيَارُ الطَّلَاقِ فَلَا يُظْهِرُهُ، إنَّمَا لَهَا ذَلِكَ بِمِقْدَارِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الْجُلُوسِ، وَالِارْتِيَاءِ فِي الْأَمْرِ، وَالنَّظَرِ فِيهِ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْهِبَةِ إنْ وَهَبَهَا مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ إيقَاعِ الطَّلَاقِ، فَإِنْ طَالَ الْمَجْلِسُ جِدًّا وَخَرَجَ عَنْ الْمُعْتَادِ فِي ذَلِكَ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إنَّهُ إذَا طَالَ الْمَجْلِسُ عَامَّةَ النَّهَارِ فَعَلِمَ أَنَّهُمَا قَدْ تَرَكَا ذَلِكَ وَخَرَجَا مِمَّا كَانَا فِيهِ إلَى غَيْرِهِ فَقَدْ بَطَلَ التَّمْلِيكُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ ذَلِكَ بِيَدِهَا، وَإِنْ أَقَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَجْلِسَ التَّعَارُضِ، وَالْأَخْذِ فِي مِثْلِ هَذَا مُعْتَادٌ، فَإِذَا طَالَ الْمَجْلِسُ وَزَادَ عَلَى ذَلِكَ الزِّيَادَةَ الْبَيِّنَةَ الَّتِي يَعْلَمُ بِهَا الْخُرُوجَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَتَرْكِ النَّظَرِ فِيهِ بَطَلَ مَا لَهَا مِنْ الْقَبُولِ كَمَا لَوْ قَامَتْ مِنْ الْمَجْلِسِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ أَشْهَبُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ ذَلِكَ لَهَا مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلِأَنَّ الْمَجْلِسَ، وَإِنْ طَالَ، فَإِنَّهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أُبِيحَ فِيهَا الِارْتِيَاءُ لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْهَا، وَقَدْ يَحْتَاجُ هَذَا مِنْ النَّظَرِ، وَالِارْتِيَاءِ إلَى مَا يَزِيدُ عَلَى مِقْدَارِ الْمَجْلِسِ الْمُعْتَادِ.
(فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ لَهَا ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يَخْرُجَا عَمَّا كَانَا فِيهِ وَيَظْهَرُ تَرْكُهُ، فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ التَّرْكِ أَنْ يَأْخُذَا فِي كَلَامً غَيْرِهِ، وَأَمَّا أَنْ تَمْتَشِطَ أَوْ تَسْكُتَ أَوْ تَعْمَلَ عَمَلًا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ قَطْعًا لِخِيَارِهَا رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِيهَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ لِمَا كَانَا فِيهِ قَدْ يَكُونُ بِالْأَعْمَالِ، وَالنَّوْمِ وَطُولِ الْمَجْلِسِ الْمُفْرِطِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ التَّرْكُ لِمَا كَانَا فِيهِ كَمَا يَكُونُ بِالْأَخْذِ فِي كَلَامِ
стр. 1056
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
غَيْرِهِ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا لَمْ تُجَاوِبْ بِشَيْءٍ عَنْ التَّمْلِيكِ، فَأَمَّا إذَا جَاوَبَتْ فَقَالَتْ: قَبِلْت أَمْرِي فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إنَّمَا ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالْمَجْلِسِ قَالَ مَالِكٌ يَكُونُ ذَلِكَ بِيَدِهَا حَتَّى تُوقَفَ أَوْ تُمَكِّنَ مِنْ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا: قَدْ قَبِلْت أَمْرِي إنْ أَرَادَتْ بِهِ الطَّلَاقَ فَقَدْ قَضَتْ وَيَلْزَمُ مَا قَضَتْ بِهِ إلَّا أَنْ يُنَاكِرَهَا فِيمَا زَادَتْ عَلَى الْوَاحِدَةِ، إنْ قَالَتْ أَرَدْت بِهِ قَبِلْت مَا جَعَلَ إلَيَّ مِنْ التَّمْلِيكِ وَلَمْ أُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ فَقَدْ قَبِلْت مَا وُهِبْتُهُ بِالْمَجْلِسِ فَجَازَ أَنْ يُوقِعَ الطَّلَاقَ أَوْ يَتْرُكَهُ بَعْدَ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ قَبُولَهَا لِلْهِبَةِ قَدْ وُجِدَ مِنْهَا فَتَمَّتْ الْهِبَةُ بِالْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ.
(فَرْعٌ) ، فَإِنْ قَالَتْ قَبِلْت أَمْرِي فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ تُفَسِّرْ ذَلِكَ حَتَّى حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ أَوْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا ثُمَّ قَالَتْ أَرَدْت بِذَلِكَ طَلْقَةً وَاحِدَةً قُبِلَ قَوْلُهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ وَلَا رَجْعَةَ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهَا: قَبِلْت أَمْرِي يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ، فَإِذَا فَسَّرَتْهُ بِالطَّلَاقِ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهَا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا يَمِينٌ كَمَا لَوْ فَسَّرَتْهُ بِهِ فِي الْعِدَّةِ، وَإِذَا كَانَ تَفْسِيرُهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ فَقَدْ انْقَضَى وَقْتُ الرَّجْعَةِ، وَالزَّوْجُ ضَيَّعَ حَقَّهُ حِينَ لَمْ يُوَاقِعْهَا وَيَسْتَفْسِرْ قَوْلَهَا قَبْلَ الْعِدَّةِ وَرَضِيَ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَانْقِطَاعِ مُدَّةِ الرَّجْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْتَجِعْ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قَالَتْ بَعْدَ أَنْ وَطِئَهَا أَرَدْت بِذَلِكَ الطَّلَاقَ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تُصَدَّقُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ مَا بِيَدِهَا، وَإِنَّمَا يُصَدَّقُ قَوْلُهَا مَا دَامَ التَّمْلِيكُ بِيَدِهَا، وَإِمْكَانُهَا إيَّاهُ مِنْ نَفْسِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُرِدْ الطَّلَاقَ فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَدَّعِيَ الْآنَ غَيْرَهُ، لَوْ كَانَتْ خَالَعَتْهُ بَعْدَ قَوْلِهَا مَلَكْت أَمْرِي صُدِّقَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا أَرَادَتْ الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهَا لَا يُنَافِي مَا تُفَسِّرُ بِهِ الْآنَ وَيُنَاكِرُهَا إنْ زَادَتْ عَلَى الْوَاحِدَةِ وَرَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(فَرْعٌ) : فَإِذَا قَالَتْ: أَرَدْت الِارْتِيَاءَ، وَالنَّظَرَ صُدِّقَتْ، فَإِنْ زَادَتْ الْآنَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ طَلُقَتْ وَاحِدَةً كَانَ لَهُ الرَّجْعَةُ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ كَانَ لَهُ الْمُنَاكَرَةُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ مَلَّكَ رَجُلٌ أَمْرَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِيهِ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ قَالَ لِخَتَنَتِهِ: إذَا تَكَارَيْتِ لِابْنَتِكِ وَخَرَجْتِ مِنْ الْقَرْيَةِ فَأَمْرُهَا بِيَدِكِ فَتَكَارَتْ بِهَا لِتُخْرِجَهَا فَأَبَى وَبَدَا لَهُمَا قَالَ ذَلِكَ لَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِي سَبَبِ التَّمْلِيكِ، وَهُوَ بِأَنْ يَمْنَعَ أُمَّهَا الْخُرُوجَ بِهَا، وَلَوْ أَخْرَجَتْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي التَّمْلِيكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَهُوَ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ لَا نَعْلَمُهُ لِغَيْرِهِ: إنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْعَلَ إلَى الْمَرْأَةِ طَلَاقَهَا، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُوَكِّلَهَا، وَالْآخَرُ أَنْ يُمَلِّكَهَا عَلَى التَّوْكِيلِ بِهِ أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ تُطَلِّقْ نَفْسَهَا وَفِي التَّمْلِيكِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُبْطِلَ تَمْلِيكَهَا وَقَالَ فِي الْمَعُونَةِ إذَا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: التَّمْلِيكُ، وَالثَّانِي التَّوْكِيلُ.
(فَرْعٌ) :، فَإِنْ قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك إلَى شَهْرٍ أَوْ إلَى أَجَلٍ يُسَمِّيهِ فَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ يَحْيَى السَّبَائِيِّ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ الْخِيَارَ لِامْرَأَتِهِ فِي نَفْسِهَا إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ يُسَمِّيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَمَا أَشْبَهَهُ وَيُوقَفُ عَنْ امْرَأَتِهِ فِي الْيَوْمِ وَشَبَهِهِ حَتَّى يَرْجِعَ ذَلِكَ إلَيْهِ أَوْ يُفَارِقَهُ، فَإِنْ فَعَلَ فَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُهُ مَرَّةً قَالَ إنْ لَمْ يَقْضِ سَاعَتَيْنِ فَلَا خِيَارَ لَهَا مِنْهَا لِأَجَلٍ أَوْ بُعْدٍ.
وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ لَهَا مَا لَمْ يَطَأْهَا وَيُوقَفْ، وَالتَّوْجِيهُ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(فَرْعٌ) وَإِنْ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِ رَجُلٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ إنَّمَا ذَلِكَ لَهُ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَ فَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ مِنْ الْمَجْلِسِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ أَرَى لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ تَرْفَعْهُ إلَى السُّلْطَانِ أَوْ تُوطَأْ، وَقَرَنَ ذَلِكَ بِتَمْلِيكِ الْمَرْأَةِ فَجَعَلَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى مَا فِي تَمْلِيكِ الْمَرْأَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَالطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ بِصِفَةٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ تَوْكِيلٌ وَقَالَ أَيْضًا إنَّ حُكْمَهُ مُخْتَصٌّ بِهِ وَيُخَالِفُ سَائِرَ حُكْمِ التَّوْكِيلِ، فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ طَلَاقٌ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ، فَإِنَّهُ
стр. 1057
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يُخَالِفُ تَعْلِيقَهُ بِدُخُولِ الدَّارِ أَوْ أَكْلِ الطَّعَامِ أَوْ لِبَاسِ الثَّوْبِ، فَإِنَّ تَعْلِيقَهُ بِأَحَدِ هَذِهِ الصِّفَاتِ يَتَأَبَّدُ، وَتَعْلِيقَهُ عَلَى وَجْهِ تَمْلِيكِ الزَّوْجِ أَوْ الْأَجْنَبِيِّ لَا يَتَأَبَّدُ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِالْمَجْلِسِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي لَهَا إسْقَاطُ ذَلِكَ بِتَمْكِينِهِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ أَوْ رَدِّ ذَلِكَ، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّوْكِيلِ، فَإِنَّهُ يُخَالِفُ التَّوْكِيلَ، فَإِنَّ التَّوْكِيلَ عَقْدٌ جَدِيدٌ لَهُ رَدُّهُ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ إبْقَاءِ مَا وُكِّلَ عَلَيْهِ، إذَا قُلْنَا: إنَّهُ تَمْلِيكٌ يُخَالِفُ حُكْمَ التَّوْكِيلِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يُبَيِّنَ مَعْنَاهُ وَيُمَيِّزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْكِيلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ التَّمْلِيكَ إنَّمَا هُوَ لَهَا فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ وَتَعْلِيقِهِ بِاخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَمَعْنَى التَّوْكِيلِ الِاسْتِنَابَةُ لَهُ فِي إيقَاعِهِ دُونَ تَعْلِيقِ ذَلِكَ بِمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَقَدْ بَسَطْت الْقَوْلَ فِي سُنَنِ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَتَعْلِيلِهَا فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ بِمَا يُغْنِي النَّاظِرَ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ مُخَاطِبًا لَهَا بِالطَّلَاقِ، فَإِنْ أَرْسَلَ بِهِ إلَيْهَا فَلَمْ تُجِبْ بِشَيْءٍ حَتَّى انْصَرَفَ عَنْهَا الرَّسُولُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ ذَلِكَ بِيَدِهِ وَلَيْسَ بِحُضُورِ الزَّوْجِ إلَّا أَنْ يَتَطَاوَلَ الزَّمَانُ وَيَظْهَرَ مِنْ أَفْعَالِهَا مَا تَفْعَلُهُ الرَّاضِيَةُ بِالزَّوْجِ وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُشَافَهَةِ بِالتَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّ مُشَافَهَةَ الزَّوْجِ لَهَا بِذَلِكَ تَقْتَضِي الْجَوَابَ، وَقَدْ يُرْسِلُ إلَيْهَا بِمَا لَا يَنْتَظِرُ عَنْهُ جَوَابًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَفِي هَذَا عِنْدِي نَظَرٌ، فَإِنَّ إخْبَارَ الرَّسُولِ لَهَا بِالتَّمْلِيكِ كَإِخْبَارِ الزَّوْجِ، وَقَدْ يُخْبِرُهَا الزَّوْجُ بِالتَّمْلِيكِ وَلَا يَقْتَضِي بِذَلِكَ جَوَابًا كَالرَّسُولِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أَنَّهَا قَدْ تُؤَخِّرُ الْجَوَابَ لِتُوَصِّلَهُ إلَى الزَّوْجِ مَعَ غَيْرِ الرَّسُولِ كَمَا تُرِيدُ أَنْ تُؤَخِّرَهُ عَنْ الزَّوْجِ حَتَّى تُرْسِلَ بِهَا إلَيْهِ، وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّ تَوْجِيهَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى مَا فِي تَمْلِيكِ الزَّوْجِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا كُلُّهُ إذَا قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك، وَأَمَّا إنْ قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك إنْ شِئْت أَوْ إذَا شِئْت فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ ذَلِكَ كُلُّهُ وَاحِدٌ، وَذَلِكَ بِيَدِهَا، وَإِنْ افْتَرَقَا مِنْ الْمَجْلِسِ قَبْلَ أَنْ يُقَيِّدَ ذَلِكَ بِجَوَابٍ وَضَعَّفَ هَذَا أَصْبَغُ فِي إنْ شِئْت.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ لَمَّا قَالَتْ لَهُ: أَنْتَ الطَّلَاقُ فِي الثَّانِيَةِ: بِفِيك الْحَجَرُ إنْكَارٌ لِلطَّلْقَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِنَّمَا سَكَتَ فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَهُ يَقْتَضِيهَا فَلَمَّا زَادَتْ عَلَى مَا اعْتَقَدَ مِنْ الطَّلَاقِ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَهَذَا حُكْمُ الْمُنَاكَرَةِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهَا عَلَى مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِقَوْلِهَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يُخْبِرُ بِإِنْكَارِهِ عَمَّا اعْتَقَدَهُ حِينَ التَّمْلِيكِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ارْتِيَاءٍ وَلَا نَظَرٍ، فَإِذَا لَمْ يُجَاوِبْهَا بِالْإِنْكَارِ وَسَكَتَ فَقَدْ رَضِيَ بِمَا أَوْقَعَتْهُ مِنْ الطَّلَاقِ أَوْ كَانَ سُكُوتُهُ بِمَعْنَى الْإِقْرَارِ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي مَلَّكَهَا فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَأَخَّرَ إنْكَارُهُ عَنْ قَوْلِهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَيْسَ مُنَاكَرَةً بَعْدَ الْمَجْلِسِ وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي التَّمْلِيكِ لَهَا أَنْ تَقْضِيَ بَعْدَ الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يُوقَفْ أَوْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ حَاضِرًا مَعَهَا مُخَاطِبًا لَهَا، وَإِنْ كَانَ أَنْفَذَ إلَيْهَا بِالتَّمْلِيكِ، فَإِذَا بَلَغَهُ أَنَّهَا قَدْ زَادَتْ عَلَى طَلْقَةٍ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَمَا يَبْلُغُهُ أَنَّهَا قَضَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ صَمَتَ لَزِمَهُ مَا قَالَتْ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي الثَّالِثَةِ بِفِيك الْحَجَرُ إنْكَارٌ لَهَا أَيْضًا فَاخْتَصَمَا فِي ذَلِكَ إلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَاسْتَحْلَفَهُ مَا مَلَّكَهَا إلَّا وَاحِدَةً وَرَدَّهَا إلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ رَجْعِيَّةً فَجَعَلَ لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فَتَكُونَ عِنْده عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا فَكَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ يُعْجِبُهُ هَذَا الْقَضَاءُ لِمَا فِيهِ مِنْ وَجْهِ الصَّوَابِ وَيَرَاهُ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِيهِ مِنْ قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ إلَيْهَا إيقَاعَ الثَّلَاثِ، وَقَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ وَاحِدَةً بَائِنَةً، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ حَدَّثَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ تَمْلِيكًا حَتَّى يَقُولَ أَرَدْت بِهِ الطَّلَاقَ، فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ الَّتِي اخْتَارَ مِنْهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 1058
مَا لَا يَبِينُ مِنْ التَّمْلِيكِ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا خَطَبَتْ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ فَزَوَّجُوهُ ثُمَّ إنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقَالُوا مَا زَوَّجْنَا إلَّا عَائِشَةَ فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَجَعَلَ أَمْرَ قَرِيبَةَ بِيَدِهَا فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا) .
ــ
[المنتقى]
[مَا لَا يَبِينُ مِنْ التَّمْلِيكِ]
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّهَا خَطَبَتْ قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَزَوَّجُوهَا مِنْهُ ثُمَّ إنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ فِي أَمْرٍ يُرِيدُ أَنَّهُمْ وَجَدُوا عَلَيْهِ فِي أَمْرٍ خَالَفَهُمْ فِيهِ فَقَالُوا مَا زَوَّجْنَا إلَّا عَائِشَةَ يُرِيدُ أَنَّهُمْ إنَّمَا وَثِقُوا بِفَضْلِهَا، وَأَنَّهَا لَا تَرْضَى لَهُمْ بِأَذًى وَلَا تُسَوِّغُ أَخَاهَا الْإِضْرَارَ بِهِمْ فِي وَلِيَّتِهِمْ فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ بِذَلِكَ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَعَلَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَصْرِفَهُ وَتَسْتَنْزِلَهُ عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي عَتَبُوا عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ وَلَعَلَّهُ كَانَ نِكَاحًا عَلَيْهَا أَوْ تَسَرِّيًا أَوْ إيثَارًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَمْرَ قَرِيبَةَ بِيَدِهَا يُرِيدُ مَلَّكَهَا أَنْ تَبْقَى عِنْدَهُ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي عَتَبُوا عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ أَوْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا إنْ شَاءَتْ وَفِي ذَلِكَ إزَالَةُ مَلَامَتِهِمْ عَنْ عَائِشَةَ فَاخْتَارَتْ قَرِيبَةُ، وَهِيَ الْمُمَلَّكَةُ زَوْجَهَا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ عَلَيْهِمَا وَلَا أَفْتَاهُمَا بِهِ مَنْ كَانَ يُفْتِي فِي الْوَقْتِ وَلَا رَآهُ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ كَعَائِشَةَ وَغَيْرِهَا، وَعَلَى هَذَا الْجُمْهُورُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ زَوَّجَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ غَائِبٌ بِالشَّامِ فَلَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: وَمِثْلِي يُصْنَعُ هَذَا بِهِ وَمِثْلِي يُفْتَاتُ عَلَيْهِ فَكَلَّمْت عَائِشَةُ الْمُنْذِرَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ الْمُنْذِرُ: فَإِنَّ ذَلِكَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَا كُنْت لِأَرُدَّ أَمْرًا قَضَيْتِهِ فَقَرَّتْ حَفْصَةُ عِنْدَ الْمُنْذِرِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا) .
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ عَائِشَةَ زَوَّجَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ غَائِبٌ بِالشَّامِ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدَهُمَا أَنَّهَا بَاشَرَتْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ وَرَوَاهُ ابْنُ مُزَيَّنٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ قَالَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ يُرِيدُ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حِينَ كَانَ بِهَا عِيسَى؛ لِأَنَّ مَالِكًا وَفُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ لَا يُجَوِّزُونَ نِكَاحًا عَقَدَتْهُ امْرَأَةٌ وَيُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا قَدَّرَتْ الْمَهْرَ وَأَحْوَالَ النِّكَاحِ، وَتَوَلَّى الْعَقْدَ أَحَدٌ مِنْ عَصَبَتِهَا وَنُسِبَ الْعَقْدُ إلَى عَائِشَةَ لَمَّا كَانَ تَقْرِيرُهُ إلَيْهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُقَرِّرُ أَمْرَ النِّكَاحِ ثُمَّ تَقُولُ: اعْقِدُوا، فَإِنَّ النِّسَاءَ لَا يَعْقِدْنَ النِّكَاحَ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَصِحُّ أَنْ تَعْقِدَ نِكَاحًا لِنَفْسِهَا وَلَا لِامْرَأَةٍ غَيْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا عَقْدُ نِكَاحِ حَفْصَةَ وَأَبُوهَا غَائِبٌ، وَهِيَ بِكْرٌ، فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ نِكَاحَ بِكْرٍ ذَاتِ أَبٍ غَيْرُ أَبِيهَا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ غَابَ غَيْبَةَ انْقِطَاعٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا تُرْجَى رَجْعَتُهُ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِثْلُ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ مِصْرَ غَازِيًا إلَى الْأَنْدَلُسِ وَإِفْرِيقِيَةَ أَوْ طَنْجَةَ فَهَذِهِ تُزَوَّجُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: إذَا كَانَ اسْتِئْذَانُهُ يَتَعَذَّرُ، وَهِيَ عَانِسٌ بَالِغٌ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا تُزَوَّجُ حَيَاةَ الْأَبِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ إذَا قَطَعَ نَفَقَتَهُ عَنْهَا وَأَطَالَ غَيْبَتَهُ زُوِّجَتْ، وَإِنْ جَرَتْ عَلَيْهَا نَفَقَةُ الْأَبِ لَمْ تُزَوَّجْ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلِأَبِي الْعَبَّاسِ الْإِبْيَانِيِّ فِي حَدِّ الْبُعْدِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَنْفُذُ فِيهِ حُكْمُ الِابْنَةِ، فَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ يَنْفُذُ فِيهِ كُتُبُهُ لَمْ تُزَوَّجْ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: فَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ غَيْبَةَ الْأَبِ إذَا طَالَتْ وَانْقَطَعَ عَنْهَا أَضَرَّ ذَلِكَ بِهَا فَجَرَى مَجْرَى عَضْلِهَا، لَوْ كَانَ الْأَبُ حَاضِرًا وَعَضَلَهَا وَعُلِمَ أَنَّهُ يَقْصِدُ الْإِضْرَارَ بِهَا لَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ الْحَاكِمُ
стр. 1059
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلَا عَنْ الرَّجُلِ يُمَلِّكُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَتَرُدُّ ذَلِكَ إلَيْهِ وَلَا تَقْضِي فِيهِ شَيْئًا فَقَالَا لَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَلَمْ تُفَارِقْهُ وَقَرَّتْ عِنْدَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ) .
ــ
[المنتقى]
فَكَذَلِكَ مَعَ طُولِ الْغَيْبَةِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ الْوِلَايَةَ بَاقِيَةٌ لِلْأَبِ لَا تَسْقُطُ بِغَيْبَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ إزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْهَا، وَهَذَا مَوْجُودٌ مَعَ انْقِطَاعِ النَّفَقَةِ وَمَعْدُومٌ مَعَ إدَامَتِهَا فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ رَأَتْ غَيْرَ هَذَا أَوْ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَدْ كَانَ وَكَّلَ مَنْ يَعْقِدُ هَذَا النِّكَاحَ فَعَقَدَ عَلَى أَدْنَى مِنْ الْمَهْرِ الَّذِي كَانَ يَعْتَقِدُ هُوَ أَنْ يُبْذَلَ لِمِثْلِهِ أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَعْقِدُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ دُونَ تَعْيِينٍ إلَّا أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يَقُومُ لَهُ مَقَامَ التَّعْيِينِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبِكْرَ ذَاتَ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْضَى بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَأَمَّا الثَّيِّبُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُعَيِّنْ الزَّوْجَ وَظَنَّ أَنَّهُ يَعْدِلُ بِهِ عَنْ مِثْلِ الْمُنْذِرِ إلَى مِثْلِ عُرْوَةَ أَوْ عَبْدِ اللَّهِ مِمَّنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الْمُنْذِرِ فَلِذَلِكَ أَنْكَرَ أَنْ يُصْنَعَ بِهِ مِثْلَ هَذَا أَوْ يُفْتَاتَ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ احْتَاجَ الْمُنْذِرُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ بِيَدِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ النِّكَاحُ لَازِمًا لَمَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَرَّ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدَ لِنِكَاحِ حَفْصَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخُوهُ أَوْ ابْنُهُ إنْ كَانَ قَائِمًا بِأَمْرِهِ فَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الرَّجُلِ يُزَوِّجُ أُخْتَهُ الْبِكْرَ وَأَبُوهُ غَائِبٌ إنْ كَانَ الْقَائِمَ بِأَمْرِهِ فَأَجَازَهُ أَبُوهُ جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا جَازَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ النَّاظِرَ فِي عِيَالِ أَخِيهِ أَوْ أَبِيهِ، وَالْقَائِمَ لَهُ فِي حَوَائِجِهِ الْمُفَاوِضَ لَهُ فِي أُمُورِهِ فَتَغَيَّبَ الْأَبُ فَتُزَوَّجُ ابْنَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ بِوَجْهِ الصِّحَّةِ، وَالنَّظَرِ لَهُنَّ إذَا أَجَازَهُ الْغَائِبُ إذَا قَدِمَ جَازَ وَثَبَتَ وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْغَيْبَةَ، إنَّمَا جَازَ أَنْ يُجَوِّزَهُ الْأَبُ بَعْدَ طُولِ الْغَيْبَةِ؛ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْفَسْخِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ عَاقِدُ نِكَاحِ حَفْصَةَ ابْنًا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَوْ أَخًا لَهُ إنْ كَانَ فِي حَيَاةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ عَصَبَتِهَا مِمَّنْ كَانَ الْقَائِمَ بِأَمْرِهِ، وَالنَّاظِرَ لَهُ، فَإِنَّهُ مِمَّا يَجُوزُ إذَا أَجَازَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْأَخُ، وَالْجَدُّ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ كَمَا زَوَّجَتْ عَائِشَةُ بِنْتَ أَخِيهَا فَرَضِيَ قَالَ مَالِكٌ، وَذَلِكَ لِمَكَانِهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ وَكَّلْت عَائِشَةُ رَجُلًا عَلَى الْعَقْدِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ بِكْرًا، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَذَلِكَ جَائِزٌ لَازِمٌ، إنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ الْمُنْذِرَ فِي ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهَا أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ سَخِطَ بَعْضَ الْأَمْرِ فَجَعَلَ الْأَمْرَ إلَيْهِ لِيُزِيلَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ لَوْمَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِأَجْلِ ذَلِكَ الِافْتِيَاتِ عَلَيْهِ فَامْتَنَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ إبْطَالِ النِّكَاحِ تَسْلِيمًا لِمَا رَأَتْهُ عَائِشَةُ وَاخْتَارَتْهُ وَقَوْلُهُ مَا كُنْت لِأَرُدَّ أَمْرًا قَضَيْتِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ إضَافَةِ الْأَمْرِ إلَيْهَا لِمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ تَوَلِّيهِ وَتَقْرِيرِهِ.
(ش) : كَرَّرَ مَالِكٌ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْقَوْلَ وَكَثَّرَ مِنْ الْآثَارِ لِمُخَالَفَةِ رَبِيعَةَ فِي ذَلِكَ يَذْكُرُ أَنَّ رَدَّ الْمُمَلَّكَةِ التَّمْلِيكَ لَا يَقْتَضِي طَلَاقًا قَالَ وَلَا يُوجِبُهُ، وَلَوْ أَوْجَبَهُ لَكَانَ نَفْيُ التَّمْلِيكِ يَقْتَضِيهِ وَلَمَا وَجَبَ أَنْ تُسْئَلَ الْمَرْأَةُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَقْتَضِي مِنْهَا قَبُولٌ وَلَا رَدٌّ وَتَرَكَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ حُكْمَ السَّاكِتَةِ الَّتِي لَمْ تَقْبَلْ وَلَمْ تَرُدَّ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيهِ مِنْ الْقَوْلِ مَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُمَلَّكَةِ إذَا مَلَّكَهَا زَوْجُهَا أَمْرَهَا ثُمَّ افْتَرَقَا وَلَمْ تَقْبَلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلَيْسَ بِيَدِهَا مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَهُوَ لَهَا مَا دَامَا فِي مَجْلِسِهِمَا) .
١ -
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّهُمَا إذَا افْتَرَقَا وَلَمْ تَقْبَلْ فَلَيْسَ بِيَدِهَا مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ هَذَا قَوْلُهُ الْأَوَّلُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَدْ رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ إلَى أَنَّ لَهَا ذَلِكَ وَيُوقِفُهَا السُّلْطَانُ قَالَ أَشْهَبُ: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ
стр. 1060
الْإِيلَاءُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إذَا آلَى الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا طَلَاقٌ، وَإِنْ مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ حَتَّى يُوقَفَ فَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ وَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ قَالَ مَالِكٌ، وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَيُّمَا رَجُلٍ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ، فَإِنَّهُ إذَا مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ وُقِفَ حَتَّى يُطَلِّقَ أَوْ يَفِيءَ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ إذَا مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ حَتَّى يُوقَفَ)
ــ
[المنتقى]
مَرَّةً ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنَّ لَهَا ذَلِكَ وَثَبَتَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فِي الْمُوَطَّأِ، وَهُوَ مِنْ آخِرِ مَنْ رَوَى عَنْهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَتَرَجَّحُ فِيهِ فِي أَوْقَاتِ الْفَتْوَى وَأَبْقَى فِي مُوَطَّئِهِ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ فَلَمْ يُغَيِّرْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْقِيَامِ مِنْ الْمَجْلِسِ فَقَالَتْ الزَّوْجَةُ قَدْ قَضَيْت بِالطَّلَاقِ وَقَالَ الزَّوْجُ مَلَّكْتُك وَلَمْ تَقْضِ شَيْئًا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا حِينَ أَقَرَّهَا بِالتَّمْلِيكِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ لَهَا بَعْدَ الْمَجْلِسِ لَكِنَّهُ إذَا أَقَرَّ لَهَا بِالتَّمْلِيكِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إبْطَالُهُ بِدَعْوَى أَنَّهَا لَمْ تَقْضِ بِالطَّلَاقِ كَالْأَجْنَبِيِّ يُوَكِّلُهُ عَلَى الطَّلَاقِ ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَدَّعِيَ الْقَضَاءَ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ لَهَا أَنْ تَقْضِيَ الْآنَ بِالطَّلَاقِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهَا الرَّدَّ، فَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهَا الرَّدَّ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْإِيلَاءُ]
(ش) : قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ الْإِيلَاءُ الْيَمِينُ فَمَنْ حَلَفَ فَقَدْ آلَى قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْإِيلَاءَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْيَمِينُ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ يُقَالُ آلَيْت أُولِي إيلَاءً وَأَلِيَّةً وَقَالَ الْمُفَضَّلُ الْإِيلَاءُ الْيَمِينُ يُقَالُ آلَى يُولِي إيلَاءً، وَالِاسْمُ الْأَلِيَّةُ وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّاعِرُ
قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ ... وَإِنْ نَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بَرَّتْ
وَقَالَ الْأَعْشَى فِي الْقَصِيدَةِ الَّتِي مَدَحَ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ
فَآلَيْت لَا أَرْثِي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ ... وَلَا مِنْ وَجًى حَتَّى تُلَاقِيَ مُحَمَّدَا
نَبِيٌّ يَرَى مَا لَا يَرَوْنَ وَذِكْرُهُ ... أَغَارَ لِعَمْرِي فِي الْبِلَادِ وَأَنْجَدَا
مَعْنَاهُ أَقْسَمْت إلَّا أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الشَّرْعِ فِي الْقَسَم عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ وَطْءِ الزَّوْجَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فَقَالَ تَعَالَى ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وَتَقْدِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يُقْسِمُونَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ نِسَائِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: آلَيْت مِنْ كَذَا، وَإِنَّمَا يُقَالُ آلَيْت عَلَى كَذَا وَآلَيْت لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَلَا فَعَلْت كَذَا لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مَعْنَاهُ آلَى لَيَمْتَنِعَنَّ مِنْ امْرَأَتِهِ وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَذَفَ ذَلِكَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَقِيلَ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ حَكَى هَذَا الْفَضْلُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ بَعْضِ النُّحَاةِ وَقَالَ الْفَرَّاءُ إنَّ " مِنْ " هُنَا بِمَعْنَى عَلَى أَيْ يُؤْلُونَ عَلَى نِسَائِهِمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: إذَا آلَى الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ، وَإِنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ حَتَّى يُوقَفَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ الْإِيلَاءَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْغَضَبِ دُونَ الرِّضَا، وَأَنَّهُ إذَا حَلَفَ فِي الرِّضَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ بِيَمِينٍ تُلْزَمُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ أَزْيَدَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بِحَالِ الْغَضَبِ وَلِأَنَّ لِلزَّوْجَةِ حَقًّا فِي الْوَطْءِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الِامْتِنَاعِ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ مِمَّنْ يَسْتَطِيعُ الْوَطْءَ وَكَانَتْ الزَّوْجَةُ لَهَا حَقٌّ فِي الْوَطْءِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْجِمَاعَ كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ وَرَأْيُهُ أَنَّهُ فَإِنَّمَا الْإِيلَاءُ عَلَى مَنْ يَسْتَطِيعُ الْجِمَاعَ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَسْتَطِيعُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ
стр. 1061
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْإِيلَاءِ كَالْخَصِيِّ وَكَاَلَّذِي يَقْطَعُ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْإِيلَاءِ فَلَيْسَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَوْقِيتٌ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْخَصِيِّ: إنَّ إيلَاءَهُ لَازِمٌ وَيُوَقِّتُ عَلَى سَنَةٍ أَجَلَ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّ لَهَا مَنْفَعَةً يَلْتَذُّ بِهَا مِنْ مُبَاشَرَةٍ وَغَيْرِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا آلَى الصَّبِيُّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ فَلَا يَلْزَمُهُ الْآنَ وَلَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَلَيْسَ بِمُولٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِيلَاءَ يَمِينٌ، وَالْأَيْمَانُ لَا تَنْعَقِدُ مِنْهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَبْسُوطِ: وَكَذَلِكَ مَنْ آلَى مِنْ صَغِيرَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى تَبْلُغَ حَدَّ الْوَطْءِ فَمِنْ يَوْمئِذٍ يَكُونُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَالِفَ كَبِيرٌ يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ، إنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ، وَالتَّوْقِيتِ لَمَّا حَلَفَ عَلَى مَنْ لَا حَقَّ لَهَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ فَلَمَّا بَلَغَتْ حَدَّ الْوَطْءِ وَصَارَ لَهَا حَقٌّ فِيهِ لَزِمَتْ الْيَمِينُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَكَانَ أَجَلُ الْإِيلَاءِ مِنْ يَوْمِ ثَبَتَ لَهَا فِي الْوَطْءِ حَقٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ الْإِيلَاءُ يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِكُلِّ يَمِينٍ] ١
(بَابٌ: الْإِيلَاءُ يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِكُلِّ يَمِينٍ يَجِبُ عَلَى الْحَالِفِ بِهَا شَيْءٌ كَالْحَالِفِ بِاَللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ) قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: مِثْلُ أَنْ يَحْلِفَ بِسُلْطَانِ اللَّهِ أَوْ بِقُدْرَتِهِ أَوْ بِذِمَّتِهِ أَوْ بِرَحْمَتِهِ أَوْ بِنُورِهِ أَوْ بِحَمْدِهِ أَوْ شَأْنِهِ زَادَ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَوْ عَظَمَتِهِ، وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ بِجَلَالِ اللَّهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ أَيْمَانٌ تَلْزَمُ بِهَا الْكَفَّارَةُ فَثَبَتَ بِهَا حُكْمُ الْإِيلَاءِ كَقَوْلِهِ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ قَالَ: أُقْسِمُ بِاَللَّهِ أَوْ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَوْ أَعْزِمُ بِاَللَّهِ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ يَكُونُ مُولِيًا، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ بِاَللَّهِ، فَإِنْ قَالَ أَحْلِفُ أَوْ أُقْسِمُ أَوْ أَشْهَدُ أَوْ أَعْزِمُ وَلَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ قَالَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ بِهِ إيلَاءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِاَللَّهِ وَنَوَاهُ فَيَكُونُ يَمِينًا وَيَكُونُ مُولِيًا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمَبْسُوطِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَشْهَدُ وَلِعَمْرِي لَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِاَللَّهِ فَيَكُونُ مُولِيًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَعْزِمُ أَوْ أَعْزِمُ عَلَى نَفْسِي عِنْدِي مِثْلُ قَوْلِهِ أُقْسِمُ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَنْ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ فَيَكُونُ يَمِينًا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْقَائِلِ أَقْسَمْت أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ أَحْلِفُ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا يَمِينٌ قَالَ وَلَيْسَ قَوْلُهُ: أَعْزِمُ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا يَمِينٌ، فَإِنْ قَالَ أَعْزِمُ بِاَللَّهِ فَلَا أَشُكُّ أَنَّهَا يَمِينٌ، فَإِنْ قَالَ أَعْزِمُ عَلَيْك بِاَللَّهِ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وَهُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك: أَسْأَلُك بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا فَلَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَوْ قَالَ عَلِيَّ ذِمَّةُ اللَّهِ أَوْ قَالَ عَلَيَّ نَذْرُ ذَلِكَ كُلُّهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَبْسُوطِ وَوَجْهُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ حَلَفَ بِالصِّيَامِ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ فَقَالَ إنْ وَطِئْتُك فَعَلَيَّ صِيَامُ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ فَهُوَ مُولٍ، وَهَكَذَا عَلَى مَا يَلْزَمُهُ مِنْ حَجٍّ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: لَا يَكُونُ مُولِيًا إلَّا بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وَلَمْ يُفَرِّقْ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ يَمِينٌ لَزِمَهُ بِهَا حُكْمٌ فَثَبَتَ بِهَا حُكْمُ الْإِيلَاءِ أَصْلُ ذَلِكَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إنْ آلَى مِنْهَا بِصِيَامٍ فَهُوَ مُولٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ بِصِيَامٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ قِلَّتَهُ مِنْ كَثْرَتِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا آلَى مِنْهَا بِصِيَامِ يَوْمٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا.
(فَرْعٌ) : فَإِنْ قَالَ إنْ جَامَعْتُك فَعَلَيَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي أَنَا فِيهِ أَوْ شَهْرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَأَقَلُّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُولٍ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَأَكْثَرُهُ فِي الْمَبْسُوطِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ بِالصَّلَاةِ إنْ وَطِئْتُك فَعَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَةٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَبْسُوطِ هُوَ مُولٍ زَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ أَوْ آلَى بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ هَدْيٍ أَوْ عِتْقٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ آلَى بِصَدَقَةٍ أَوْ عِتْقِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُعَيَّنًا وَلَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ لَزِمَهُ الْإِيلَاءُ، فَإِنْ بَاعَهُ زَالَ عَنْهُ، وَوَجْهُ
стр. 1062
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
ذَلِكَ أَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِعَيْنِ الْعَبْدِ فَلَمَّا بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ لَمْ يَبْقَ لِلْيَمِينِ تَعَلُّقٌ فَبَطَلَ حُكْمُهَا وَصَارَتْ الزَّوْجَةُ غَيْرَ مُولًى مِنْهَا.
(فَرْعٌ) فَإِنْ اسْتَرْجَعَ الْعَبْدَ بِشِرَاءٍ فِي تَفْلِيسٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهُ قَالَ لَا تَعُودُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَعُودُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ إنْ عَادَ إلَيْهِ الْعَبْدُ بِمِيرَاثٍ أَوْ اشْتَرَاهُ فِي فَلْسٍ مِمَّنْ كَانَ عِنْدَهُ أَوْ بَاعَهُ السُّلْطَانُ عَلَى الْحَالِفِ فِي فَلْسٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ الْإِيلَاءُ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ إنْ بَاعَهُ بِاخْتِيَارِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِبَيْعِ الْبَائِعِ لَهُ بِاخْتِيَارِهِ لِبُعْدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ مِنْ التُّهْمَةِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ ذَلِكَ الْمِلْكَ قَدْ زَالَ بِبَيْعِهِ فَلَا يَعُودُ حُكْمُهُ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ كَمَا لَوْ آلَى بِطَلَاقِ امْرَأَةِ آخَرَ ثَلَاثًا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ، فَإِنَّ الْإِيلَاءَ لَا يَعُودُ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ خُرُوجَ الْعَبْدِ مِنْ مِلْكِهِ وَرُجُوعَهُ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ تَطْلِيقِهِ الَّتِي حَلَفَ بِطَلَاقِهَا وَاحِدَةً ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا قَبْلَ زَوْجٍ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنَّ الْإِيلَاءَ يَعُودُ عَلَيْهِ، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الَّذِي بَقِيَ فِيهَا بَعْدَ ارْتِجَاعِهَا إنَّمَا هُوَ مِنْ حُكْمِ النِّكَاحِ الَّذِي حَلَفَ لَهُ وَمِلْكُهُ لِلْعَبْدِ بَعْدَ أَنْ بَاعَهُ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ الِابْتِيَاعِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ يَثْبُتُ بِالِابْتِيَاعِ الثَّانِي كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ، فَإِنَّ مَا ثَبَتَ لَهُ فِيهَا مِنْ طَلَاقٍ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ الثَّانِي فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْإِيلَاءُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : فَإِنْ كَانَ الْعِتْقُ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَقَالَ: إنْ وَطِئْتُك فَعَلَيَّ عِتْقُ عَبِيدِي فَهُوَ مُولٍ، فَإِنْ قَالَ إنْ وَطِئْتُك فَكُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ مِمَّا أَسْتَقْبِلُ حُرٌّ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّنْ يَشْتَرِيهِ بَعْدَ يَمِينِهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُولِيًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَعْلِيلُهُ فِي الْأَيْمَانِ، وَالنَّذْرِ.
(فَرْعٌ) : فَإِنْ قَالَ إنْ وَطِئْتُك فَكُلُّ عَبْدٍ أَشْتَرِيهِ مِنْ الْفُسْطَاطِ حُرٌّ قَالَ مَالِكٌ مَنْ قَالَ: كُلُّ عَبْدٍ أَشْتَرِيهِ مِنْ الْفُسْطَاطِ حُرٌّ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ عِتْقُ مَنْ يَشْتَرِيهِ وَلَكِنْ لَا يَكُونُ مُولِيًا بِإِيلَائِهِ بِذَلِكَ حَتَّى يَشْتَرِيَ الْعَبْدَ، فَإِذَا اشْتَرَاهُ وَقَعَ عَلَيْهِ الْإِيلَاءُ وَطِئَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَطَأْ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ قَالَ غَيْرُهُ يَكُونُ مُولِيًا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَقَعُ عَلَيْهِ الْحِنْثُ بِالْفَيْءِ فَهُوَ مُولٍ، وَهَذَا إذَا وَطِئَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ اشْتَرَى بَعْدَ ذَلِكَ عَبْدًا مِنْ الْفُسْطَاطِ، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْإِيلَاءِ قَالَ سَحْنُونٌ،.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِثْلَهُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْأَوَّلِ: إنَّ هَذَا حَالٌ لَا يَلْزَمُهُ فِيهَا شَيْءٌ بِالْحِنْثِ فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ أَصْلُ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِيلَاءِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ سَحْنُونٌ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ بِهَا يَقَعُ الْحِنْثُ عَلَيْهِ إذَا حَنِثَ، وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُولِيًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ آلَى بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُولِيَ بِطَلَاقِ الْمَوْلَى مِنْهَا أَوْ بِطَلَاقِ غَيْرِهَا، فَإِنْ آلَى مِنْهَا بِطَلَاقِهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ الَّذِي حَلَفَ بِهِ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا، فَإِنْ كَانَ بَائِنًا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا بَائِنًا فَهَلْ يَكُونُ مُولِيًا أَمْ لَا قَالَ مَالِكٌ هُوَ مُولٍ وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهَا لَوْ رَضِيَتْ عَلَى الْبَقَاءِ مَعَهُ دُونَ وَطْءٍ لَمْ يُطَلِّقْ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ عِنْدِي فِي كُلِّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ فِعْلُهُ، وَالْبِرُّ فِيهِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك حَتَّى أَمَسَّ السَّمَاءَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ هَذَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ مِنْ سَاعَتِهِ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً وَلَا يُتْرَكُ مَعَهَا إلَى الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَفِيءَ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ رَجْعَتَهُ تُوَصِّلُهُ إلَى الْفَيْئَةِ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ مِنْ وَطْئِهِ عَلَى مُجَاوَزَةِ الْخِتَانِ حَرَامٌ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ وَطْءٍ حَرَامٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَوَى فِي الْمُزَنِيَّة زِيَادُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مَالِكٍ إذَا قَالَ: إنْ وَطِئْتُك إلَى أَجَلِ كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ بَائِنًا وَكَانَ ذَلِكَ أَجَلًا طَوِيلًا، فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إذَا قَامَتْ بِهِ وَلَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.
(فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ مُولٍ لَا يُعَجَّلُ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُطَلَّقُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَجَلِ وَفِي الْمَبْسُوطِ قَالَ مَالِكٌ أَيْضًا: إنَّ لَهُ أَنْ يَحْنَثَ فِيهَا بِالْوَطْءِ فَتَطْلُقُ عَلَيْهِ بِالْبَتَّةِ.
فَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْفَيْئَةَ مَمْنُوعٌ فِيهَا، وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ وَطْأَهُ مَحْظُورٌ وَلَا يَلْزَمُهَا الْبَقَاءُ مَعَهُ عَلَى الْإِيلَاءِ فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ
стр. 1063
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يَمِينٌ مُعَلَّقَةٌ بِشَرْطٍ فَلَا يَقَعُ إلَّا بِوُجُودِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَطْءَ مُبَاحٌ غَيْرُ مَمْنُوعٍ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا لَهُ أَنْ يَطَأَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَهُ أَنْ يَتَمَادَى حَتَّى تَنْزِلَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَفْعَلَ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا قَالَ أَصْبَغُ، وَذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدِي حَرَجًا قَالَ أَصْبَغُ، وَذَلِكَ مَا لَمْ يُحْرَجْ، فَإِنْ أُحْرِجَ لَمْ تَكُنْ الْعَوْدَةُ قَالَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ قُطِعَ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَلَى حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ الْمُبِيحَةِ لِلْوَطْءِ قَبْلَ الْحِنْثِ فَلَهُ أَنْ يُولِجَ وَلَا خِلَافَ أَنَّ بِالْإِيلَاجِ يَقَعُ الْحِنْثُ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِحْرَاجِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْوَطْءِ فَكَذَلِكَ بَاقِي الْوَطْءِ حَتَّى يَنْزِلَ.
وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ لَفْظَ الْوَطْءِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ حِنْثُهُ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ إيلَاؤُهُ إنَّمَا يَنْطَلِقُ غَالِبًا عَلَى الْوَطْءِ التَّامِّ دُونَ الْإِيلَاجِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْيَمِينَ فِعْلٌ يَتَنَاوَلُ أَقَلَّ أَجْزَائِهِ وَيَقَعُ الْحِنْثُ بِأَيْسَرِ جُزْءٍ مِنْهُ كَمَا يَقَعُ بِجَمِيعِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِيلَاجَ يَقَعُ بِهِ الْحِنْثُ وَبِهِ يَقَعُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فَوَجَبَ أَنْ يَحْرُمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي مِنْ وَطْئِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُصَادِفُ امْرَأَةً قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِالثَّلَاثِ.
(فَرْعٌ) : فَإِنْ كَانَ حَلَفَ بِطَلَاقٍ رَجْعِيٍّ كَالطَّلْقَةِ، وَالطَّلْقَتَيْنِ لِمَنْ لَهُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَاَلَّذِي قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَبْسُوطِ: إنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ وَيَنْوِيَ بِمَا زَادَ مِنْ وَطْئِهِ عَلَى الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ اللَّذَيْنِ يَقَعُ بِهِ حِنْثُهُ الرَّجْعَةَ مَكَّنَّاهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَبَى مِنْ ذَلِكَ مُنِعَ مِنْ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ بَاقِيَهُ بَعْدَ الْحِنْثِ حَرَامٌ وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَطَأَ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ وَطْءٍ آخَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَبَى مِنْ الرَّجْعَةِ بِبَقِيَّةِ وَطْءٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُطَلِّقُ عَلَيْهِ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ مَدْخُولًا بِهَا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ تَحْقِيقَ رَجْعَتِهِ بِأَنْ يَنْوِيَ بِبَقِيَّةِ وَطْئِهِ الرَّجْعَةَ، وَقَدْ كَانَ لَهُ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ وَطْئِهَا؛ لِأَنَّ مَا يَقَعُ بِهِ حِنْثُهُ يُكْمِلُ لَهُ دُخُولَهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا إنْ حَلَفَ بِالنَّبِيِّ أَوْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْكَعْبَةِ أَنْ لَا يَطَأَهَا أَوْ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ زَانٍ إنْ وَطِئَهَا فَهَذَا لَيْسَ بِمُولٍ قَالَهُ مَالِكٌ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ أَوْرَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْقَسَمِ، وَأَمَّا لَوْ أَرَادَ أَنَّهُ مُولٍ بِمَا قَالَهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ لَا مَرْحَبًا يُرِيدُ بِذَلِكَ الْإِيلَاءَ فَقَالَ قَالَ مَالِكٌ كُلُّ كَلَامٍ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ فَهَذَا، وَالطَّلَاقُ سَوَاءٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا وَاسْتَثْنَى فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا، فَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ لَيْسَ بِمُولٍ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَحِلُّ الْيَمِينَ وَلَكِنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ فَمَا كَانَتْ يَمِينُهُ فِيهِ مُنْعَقِدَةً لَزِمَهُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ بِالْمُخَالَفَةِ كَفَّارَةٌ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَحِلُّ الْيَمِينَ وَيَجْعَلُ الْحَالِفَ كَأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِالْمُخَالَفَةِ كَفَّارَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُجَامِعَهَا سَنَةً وَقَالَ: أَرَدْت أَنْ لَا أُسَاكِنَهَا فِي هَذِهِ الدَّارِ سَنَةً فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْإِيلَاءُ إذَا أَتَى بِلَفْظٍ يَمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ، وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْوَطْءَ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بِهِ مُولِيًا، فَإِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَلْتَقِيَ مَعَهَا سَنَةً وَكَانَ هَذَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ كَانَ بِهِ مُولِيًا، وَهَذَا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ مِنْ التَّأْوِيلِ مَا تَحْتَمِلُ الْمُجَامَعَةُ فَحُكْمُهُ إذَا حَلَفَ بِاَللَّهِ أَنْ يُصَدَّقَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَيُقَالَ لَهُ لَا بُدَّ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ هَذَا اللَّفْظِ الَّذِي ظَاهِرُهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْوَطْءِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا فَقَالَ: لَمَّا وَقَفَ إنَّمَا أَرَدْت أَنْ لَا أَطَأَهَا بِقَدَمِي إنَّهُ يُقَالُ لَهُ جَامِعْهَا حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّك تُرِيدُ الْإِيلَاءَ، أَنْتَ فِي الْكَفَّارَةِ أَعْلَمُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاَلَّذِي حَلَفَ أَنْ لَا يُجَامِعَهَا مِثْلُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّهَا إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِطَلَاقِ غَيْرِهَا أَنْ لَا يُصَدَّقَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ لَفْظِهِ يَقْتَضِي الْجِمَاعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَقَوْلُهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ، وَإِنْ مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ يُرِيدُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى
стр. 1064
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَهُوَ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ الشَّرْعِيِّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ مُدَّةٍ مُقَدَّرَةٍ، وَإِنْ طَالَتْ فَلَيْسَتْ بِمُدَّةٍ لِلْإِيلَاءِ الشَّرْعِيِّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ إيلَاءً إذَا عَلَّقَهُ لِلْأَبَدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ إيلَاؤُهُ لِمُدَّةٍ مُقَدَّرَةٍ أَوْ مُؤَبَّدَةٍ فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَمَا زَادَ فَالْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، وَالْكَلَامُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ بِنَفْسِ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ عِنْدَهُ يَقَعُ عَلَيْهِ طَلْقَةُ الْإِيلَاءِ وَعِنْدَهُ لَا بُدَّ أَنْ يُوقَفَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ إيلَاءً مَحْضًا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ وَطْئِهَا كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك أَبَدًا سَنَةً فَهَذَا أَوَّلُ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ يَوْمَ يَمِينِهِ، وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ يَمِينُهُ الْمَنْعَ مِنْ الْوَطْءِ وَلَكِنَّهَا تُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أُكَلِّمْ فُلَانًا أَوْ إنْ لَمْ أَدْخُلْ الدَّارَ فَهَذِهِ الْيَمِينُ لَمْ تَتَنَاوَلْ تَحْرِيمَ الْوَطْءِ وَلَكِنَّهَا تُفْضِي إلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ صُورَةُ حَالِهِ بَعْدَ الْيَمِينِ صُورَةَ الْحَانِثِ وَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ الْوَطْءَ حَتَّى يَبَرَّ بِأَنْ يُكَلِّمَ فُلَانًا أَوْ يَدْخُلَ الدَّارَ، وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ وَطْئِهَا كَانَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ وَطْئِهَا بِسَبَبِ يَمِينِهِ فَيَضْرِبُ لَهُ أَجَلَ الْإِيلَاءِ، وَأَوَّلُ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ مِنْ يَوْمِ يَرْفَعُهُ إلَى الْحَاكِمِ فَيَرَى فِي ذَلِكَ ضَرْبَ الْأَجَلِ وَيَضْرِبُهُ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَلَوْ حَلَفَ وَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ وَطْئِهَا وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ إيلَاءٌ؛ لِأَنَّ بَعْدَ يَمِينِهِ حَالُ بِرٍّ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَمَادَى عَلَيْهِ كَانَ بَارًّا أَبَدًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَحَكَى أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ قَالَ قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَقَالَ بِهِ فِيمَا بَلَغَنَا بِضْعَةَ عَشْرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِمُضِيِّ الْأَجَلِ تَقَعُ عَلَيْهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] .
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرِ حَقًّا لِتَرَبُّصِ الزَّوْجِ، وَمَا كَانَ حَقًّا لَهُ لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِلْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ، وَهُوَ الْفَيْئَةُ أَوْ الطَّلَاقُ كَأَجَلِ الدَّيْنِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا لَفْظٌ لَا يَقَعُ بِهِ وَلَا بِبَعْضِهِ طَلَاقٌ مُعَجَّلٌ فَلَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ مُؤَجَّلٌ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا حَلَفَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ وَطْئِهَا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ حَتَّى يُوقَفَ فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ يَقْتَضِي مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا طَلَبُ الزَّوْجَةِ لَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَهُ عَلَى مُقْتَضَى يَمِينِهِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ اعْتِرَاضٌ وَلَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ إذَا لَمْ تَأْتِهِ الْمَرْأَةُ أَنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ فَيُوقِفَهُ لَعَلَّهَا أَنْ تَرْضَى بِذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ فِي الْمُزَنِيَّة.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ ذَلِكَ فِي حِلٍّ إلَّا أَنْ تَتْرُكَ لَهُ ذَلِكَ وَقَالَتْ لَا حَاجَةَ لِي بِإِيقَافِهِ فَهُوَ حَقٌّ تَرَكْته إلَّا أَنَّ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِيهِ مَتَى شَاءَتْ، وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ فَيُوقِفُ لَهَا مَكَانَهُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: وَتَحْلِفُ مَا كَانَ تَرَكَهَا عَلَى التَّأْبِيدِ إلَّا عَلَى أَنْ تَنْتَظِرَ ثُمَّ يُوقِفَ مَكَانَهُ دُونَ أَجَلٍ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَصْبَغُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الضَّرَرِ لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَةَ إذَا كَانَ مِمَّا يُثْبِتُ لَهُ الْخِيَارَ كَالرِّضَى بِالْأَثَرَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَتْ حُرَّةً، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً وَأَرَادَتْ الصَّبْرَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فَلِلسَّيِّدِ إيقَافُهُ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْبَغُ فِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَعْزِلَ عَنْهَا، وَإِنْ رَضِيَتْ بِذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ فَتَرْكُهُ جَمِيعًا أَشَدُّ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِهِ قَالَ أَصْبَغُ: وَإِنْ رَضِيَ السَّيِّدُ بِتَرْكِ الْوَطْءِ وَلَمْ تَرْضَ بِذَلِكَ الْأَمَةُ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهَا ذَلِكَ وَكَانَ لَهَا الْقِيَامُ وَمُطَالَبَةُ الزَّوْجِ وَتَوْقِيفُهُ؛ لِأَنَّ لَهَا حَقًّا فِي ذَلِكَ
стр. 1065
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَالثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَوْ الْحَاكِمِ فَهُوَ الَّذِي يُوقِفُهُ وَيْحُكُمْ عَلَيْهِ بِمَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَإِنَّهُ حُكْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَإِنَّمَا يَجْتَهِدُ فِي إنْفَاذِهِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ حُكْمٍ فَإِذَا رَأَى التَّوْقِيفَ، فَإِنَّ تَوْقِيفَهُ إنَّمَا هُوَ لِيَفِيءَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ إيلَائِهِ، وَالْفَيْئَةُ الرُّجُوعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] أَيْ تَرْجِعَ أَوْ تَطْلُقَ إنْ امْتَنَعَ مِنْ الْفَيْئَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْإِضْرَارُ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إنَّمَا نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إذَا كَرِهَ الْمَرْأَةَ، وَعَنِتَ عَلَيْهَا آلَى مِنْهَا ثُمَّ يَتْرُكُهَا مُعَلَّقَةً لَا هِيَ ذَاتُ زَوْجٍ وَلَا هِيَ مُطَلَّقَةٌ فَتَتَزَوَّجَ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْإِضْرَارَ بِهَا فَمَنَعَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ وَجَعَلَ لِلْأَزْوَاجِ مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فِي تَأْدِيبِ الْمَرْأَةِ بِالْهَجْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] «، وَقَدْ آلَى النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا» .
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرِ هِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ ذَاتُ الزَّوْجِ أَنْ تَصْبِرَ عَنْهُ أَكْثَرَهَا وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَطُوفُ لَيْلَةً بِالْمَدِينَةِ فَسَمِعَ امْرَأَةً تُنْشِدُ:
أَلَا طَالَ هَذَا اللَّيْلُ وَاسْوَدَّ جَانِبُهُ ... وَأَرَّقَنِي إذْ لَا خَلِيلَ أُلَاعِبُهُ
فَوَاَللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ تُخْشَى عَوَاقِبُهُ ... لَزُعْزِعَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهُ
مَخَافَةَ رَبِّي وَالْحَيَاءُ يَكُفُّنِي ... وَأُكْرِمُ زَوْجِي أَنْ تُنَالَ مَرَاكِبُهُ
فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ اسْتَدْعَى عُمَرُ تِلْكَ الْمَرْأَةَ فَقَالَ لَهَا أَيْنَ زَوْجُك فَقَالَتْ بَعَثْت بِهِ إلَى الْعِرَاقِ وَاسْتَدْعَى نِسَاءً وَسَأَلَهُنَّ عَنْ الْمَرْأَةِ كَمْ مِقْدَارُ مَا تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا فَقُلْنَ شَهْرَيْنِ وَيَقِلُّ صَبْرُهَا فِي ثَلَاثَةٍ وَيُفْقَدُ صَبْرُهَا فِي أَرْبَعَةٍ فَجَعَلَ عُمَرُ مُدَّةَ غَزْوِ الرَّجُلِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ اسْتَرَدَّ الْغَازِينَ وَوَجَّهَ بِقَوْمِ آخَرِينَ، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يُقَوِّي اخْتِصَاصَ أَجَلِ الْإِيلَاءِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَإِنَّ لَهَا رِفْعَةَ سَاعَةٍ تَنْقَضِي الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ الَّتِي تَنَاوَلَتْهَا يَمِينُهُ لِمَنْعِ الْوَطْءِ مُدَّةً فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَرَفَعَتْهُ وَقَفَ مَكَانَهُ فَإِمَّا فَاءَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ وَإِلَّا طَلُقَتْ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُدَّةَ الْمَضْرُوبَةَ لَهُ الَّتِي فِيهَا الْخِيَارُ، وَالِارْتِيَاءُ، وَالنَّظَرُ، وَالْمَشُورَةُ انْقَضَتْ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَادَ أَجَلًا عَلَى مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إضْرَارٌ بِالْمَرْأَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلِلْمَرْأَةِ بَعْدَ التَّوْقِيفِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ الْفَيْئَةِ أَنْ تَصْبِرَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُقَ عَلَيْهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَوْقِيفَهَا لَهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ وَكَذَلِكَ امْتِنَاعُهُ مِنْ الْفَيْئَةِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلزَّوْجَةِ خَاصَّةً، فَإِنْ رَضِيَتْ الْمُقَامَ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا كَانَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْفِرَاقِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ وَإِمَّا أَنْ يُطَلَّقَ عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنْ يَفِيءَ إلَى الْوَطْءِ الَّذِي حَلَفَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ، فَإِنْ أَبَى الْفَيْئَةَ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ عُذْرُ مَرَضٍ أَوْ سِجْنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَكِنَّ إيثَارَهُ بِالطَّلَاقِ يُسْتَوْفَى مِنْهُ حَالَ الْعُذْرِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ ذَا الَّذِي يُوقِعُ الطَّلَاقَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحَاكِمَ يَأْمُرُ بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ، فَإِنْ أَوْقَعَهُ كَانَ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ، وَإِنْ أَبَى مِنْ إيقَاعِهِ مَعَ امْتِنَاعِهِ مِنْ الْفَيْئَةِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ: إنَّ الْإِمَامَ يُلْزِمُهُ ذَلِكَ طَائِعًا أَوْ كَارِهًا وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ يَأْمُرُهُ الْإِمَامُ بِطَلَاقِهَا إنْ لَمْ يُرِدْ الْفَيْئَةَ، فَإِنْ طَلَّقَ وَإِلَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ.
(فَرْعٌ) : فَإِنْ كَانَ بِهِ عُذْرٌ فَلَمْ يَفِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ إيقَاعَ هَذَا الطَّلَاقِ مُعَيَّنٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ لِانْقِضَاءِ أَجَلِ الْإِيلَاءِ الْمُقَرَّرِ بِالشَّرْعِ وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ تَرِثَهُ إذَا مَاتَ فِي عِدَّتِهَا.
(فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ السَّبَائِيِّ عَنْ مَالِكٍ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ إنْ أَبَى مِنْ الْفَيْئَةِ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُطَلَّقُ عَلَيْهِ حَالَ الْحَيْضِ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي الْإِيلَاءِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا يُطَلَّقُ عَلَيْهِ حَالَ الْحَيْضِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ
стр. 1066
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
اللَّهُ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ الْمُولِي يَوْمَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَقِيَامِ الزَّوْجَةِ عَلَيْهِ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا غَيْبَةً قَرِيبَةً كُتِبَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا غَيْبَةً بَعِيدَةً فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَ غَائِبًا بَعْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِ الْإِيلَاءِ طَلَّقَ عَلَيْهِ وَلَا يَجْعَلُ الْإِمَامُ لَهُ أَجَلًا غَيْرَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْتَالَ فِي تَغْيِيرِ أَجَلِ اللَّهِ تَعَالَى.
(فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ فِي الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ يَكْتُبُ إلَيْهِ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَسِيرَةُ شَهْرَيْنِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يُكْتَبَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَجَعَلَ الشَّهْرَيْنِ فِي حَيِّزِ الْقُرْبِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا وَأَرَادَ سَفَرًا بَعِيدًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ أَرَادَ السَّفَرَ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَقَامَتْ امْرَأَتُهُ فِي ذَلِكَ مَنَعَهُ الْإِمَامُ مِنْ السَّفَرِ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ، وَإِنْ أَبَى عَرَّفَهُ أَنَّهُ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ، فَإِنْ خَرَجَ وَطَلَبَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَجَلِ طَلَّقَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَرْفَعْ خَبَرَهُ حَتَّى سَافَرَ لَمْ تَطْلُقْ عَلَيْهِ حَتَّى يَكْتُبَ إلَيْهِ أَنْ يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: إنْ كَانَ مُقِرًّا بِالْإِيلَاءِ لَمْ يُحْبَسْ، وَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ طَلَّقَ عَلَيْهِ وَقَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا أَرَادَ الْمُولِي سَفَرًا بَعِيدًا قِيلَ لَهُ: وَكِّلْ مَنْ يَفِيءُ لَك عِنْدَ الْأَجَلِ أَوْ يُطَلِّقُ عَلَيْك وَمِنْ فَيْئَةِ وَكِيلِهِ أَنْ يُكَفِّرَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا وَأَرَادَ الْفَيْئَةَ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ وَعُذِرَ بِحَيْضِهَا فِي بَابِ الْجِمَاعِ كَالْمَرِيضِ رَوَاهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ كِنَانَةَ، وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا غَيْبَةً قَرِيبَةً مِمَّا يُكْتَبُ إلَيْهِ فِيهَا فَقَالَ: أَنَا أُرِيدُ الْفَيْئَةَ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ مِمَّا تُكَفَّرُ اسْتَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ فَيْئَتِهِ بِأَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ قَالَ مَالِكٌ وَلَمْ تُعْرَفْ فَيْئَتُهُ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ، فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُكَفِّرَهَا فِي مَوْضِعِهِ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ فِي الْفَيْئَةِ حَتَّى يَقْدُمَ، فَإِنْ وَطِئَ وَإِلَّا طَلُقَتْ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا مُقِيمًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ سِجْنٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ تَكُونَ حَائِضًا أَوْ لَا يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ، فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سِجْنٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ وَابْنِ دِينَارٍ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُسَافِرِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْقَرِيبِ الْغَيْبَةِ الَّذِي يُكَاتَبُ وَيُجِيبُ إلَى الْفَيْئَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ لَا يُوقَفُ وَيُدْعَى إلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا يُعَجَّلُ عَلَيْهِ بِطَلَاقٍ وَلَكِنَّهُ يُمْهَلُ مَا دَامَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْفَيْئَةِ لِلْمَرَضِ أَوْ السِّجْنِ، وَالْقَوْلُ الْمُتَقَدِّمُ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنْعِ التَّكْفِيرِ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا لَمْ يُوقَفْ لَهَا حَتَّى تَطْهُرَ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ كِنَانَة فِي الْمُزَنِيَّة أَنَّهُ يُوقَفُ إلَّا إنْ فَاءَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَرِيضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ.
(فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا تُجْزِئُهُ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ فَكَانَتْ الرَّقَبَةُ الَّتِي حَلَفَ بِهَا مُعَيَّنَةً أَوْ الْمَالُ الَّذِي حَلَفَ بِصَدَقَتِهِ مُعَيَّنًا، فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ.
(فَرْعٌ) : فَإِنْ كَانَتْ الرَّقَبَةُ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ أَوْ صَدَقَةً بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِاَللَّهِ فَكَفَّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ تُجْزِئُهُ وَبَعْدَ الْحِنْثِ أَحْسَنُ وَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُبْرِئُهُ ذَلِكَ مِنْ الْإِيلَاءِ حَتَّى يَطَأَ؛ لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ كَفَّرَ عَنْ غَيْرِهَا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ فِي الْأَحْكَامِ وَزَوَالُ حُكْمِ الْإِيلَاءِ عَنْهُ، وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَيُجْزِئُهُ أَنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ وَمَعْنَى ذَلِكَ مَا قَالَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ كَفَّارَةُ الْإِيلَاءِ مُعَيَّنَةً جَوَّزْنَا عَلَيْهِ قَصْدَ الْإِضْرَارِ، وَأَنْ يُعْتِقَ وَيُكَفِّرَ عَنْ مُعَيَّنٍ مُتَقَدِّمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَا يُكَفِّرُ عَنْ إيلَائِهِ بَلْ يُبْقِيهِ إضْرَارًا لَهَا هَذَا وَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْجَوَازِ فَإِنَّهُ أَقْصَى مَا يُمْكِنُهُ فِي ذَلِكَ، وَالتُّهْمَةُ فِي مِثْلِ هَذَا تَبْعُدُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عُذْرٌ فَالْعُذْرُ وَحْدَهُ يَمْنَعُ تَعْجِيلَ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ إذَا قَارَنَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ كَانَ لَا عُذْرَ لَهُ طُولِبَ بِالْوَطْءِ الَّذِي يُصَحِّحُ كَوْنَ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ لِلْإِيلَاءِ وَاَللَّهُ
стр. 1067
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَأَبَا بَكْرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَا يَقُولَانِ فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنْ امْرَأَتِهِ أَنَّهَا إذَا مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ وَلِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَانَ يَقْضِي فِي الرَّجُلِ إذَا آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ أَنَّهَا إذَا مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ وَلَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ رَأْيُ ابْنِ شِهَابٍ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنْ امْرَأَتِهِ فَيُوقَفُ فَيُطَلِّقُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ثُمَّ يُرَاجِعُ امْرَأَتَهُ إنَّهُ إنْ لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهَا وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سِجْنٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعُذْرِ، فَإِنَّ ارْتِجَاعَهُ إيَّاهَا ثَابِتٌ عَلَيْهَا، فَإِنْ مَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ وُقِفَ أَيْضًا، فَإِنْ لَمْ يَفِئْ دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ بِالْإِيلَاءِ الْأَوَّلِ إذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ نَكَحَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَلَا عِدَّةَ لَهُ عَلَيْهَا وَلَا رَجْعَةَ) .
ــ
[المنتقى]
أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ مُقِيمًا خَالِيًا مِنْ عُذْرٍ فَقَالَ أَنَا أَفِيءُ فَفَاءَ بِلِسَانِهِ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْكَفَّارَةِ قَالَ مَالِكٌ يُخْتَبَرُ الْمَرَّةَ، وَالْمَرَّتَيْنِ، فَإِنْ فَاءَ وَإِلَّا طُلِّقَ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ أَجَلُ الْإِيلَاءِ مِمَّا يَضْرِبُهُ الْحَاكِمُ وَانْقَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْإِيلَاءُ فَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ مَالِكٍ إذَا انْقَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يَقْضِهِ حَقَّهُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ غَدًا أَقْضِيهِ وَبَعْدَ غَدٍ أَقْضِيهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَجَلٌ لِلْإِيلَاءِ كَالْمُقَدَّرِ بِالشَّرْعِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: فَإِمَّا فَاءَ وَإِلَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ، وَالْفَيْئَةُ لِلْمُتَمَكِّنِ مِنْ الْوَطْءِ إنَّمَا هِيَ بِالْوَطْءِ أَوْ بِالْكَفَّارَةِ فَأَمَّا الْوَطْءُ فَلَا يُجْزِئُهُ مِنْهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ وَلَا تَقْبِيلٌ وَلَا مُلَامَسَةٌ قَالَهُ مَالِكٌ، وَقَدْ قَالَ إنَّهُ إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يَنْوِ الْفَرْجَ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إذَا وَطِئَ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِمَا يَحْنَثُ بِهِ فَقَدْ بَطَلَتْ يَمِينُهُ، وَإِذَا بَطَلَتْ يَمِينُهُ لَمْ يَبْقَ إيلَاءٌ وَمَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ أَرَادَ الْفَرْجَ أَوْ لَمْ يُرِدْهُ مَصْرُوفٌ إلَى نِيَّتِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ كَفَّارَةٌ فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّوْجَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْفَرْجَ فَلَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ فِي إسْقَاطِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ عَنْ نَفْسِهِ وَتُقْبَلُ فِي إيجَابِهِ الْكَفَّارَةُ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِاَللَّهِ فَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ بِزَعْمِهِ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّوْجَةِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(ش) : أَظْهَرَ مَالِكٌ ﵀ خِلَافَ الْعُلَمَاءِ لِمَا اخْتَارَهُ مِنْ التَّوْقِيفِ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَأَوْرَدَ قَوْلَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا اخْتَارَهُ بِأَنَّ بِانْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ تَقَعُ تَطْلِيقَةٌ سَوَاءٌ أَرَادَ الْفَيْئَةَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُرِدْهَا، وَهَذَا فِعْلُ مِثْلِهِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ، وَالْفَضْلِ، وَالتَّوَسُّعِ فِي الْعِلْمِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي مَا حَكَى عَنْهُ شُيُوخُنَا أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْحَقَّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ بِأَنَّ اخْتِيَارَهُ هُوَ الصَّوَابُ، وَإِنَّمَا يَعْتَقِدُ أَنَّ مَا اخْتَارَهُ هُوَ الصَّوَابُ كَمَا أَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ أَنَّهُمَا قَدْ شَهِدَا بِالْحَقِّ لَزِمَهُ الْحُكْمُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ وَقَفَ بَعْدَ أَجَلِ الْإِيلَاءِ فَيُطَلِّقُ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ طَلَاقُ الْمُولِي طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ إنَّهُ طَلَاقٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا عَرَا عَنْ الْعِوَضِ وَلَمْ يَسْتَوْفِ الْعِدَّةَ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ بَائِنًا أَصْلُ ذَلِكَ سَائِرُ الطَّلَاقِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَلَا سَبِيلَ إلَيْهَا وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا يُرِيدُ أَنَّ إصَابَتَهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ رَجْعَتِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَجْعَتُهُ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ إنَّمَا طَلَّقَ عَلَيْهِ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ الْوَطْءِ مَعَ بَقَاءِ الْإِيلَاءِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي حَالِ الرَّجْعَةِ، فَإِذَا كَانَ يَهْدِمُ النِّكَاحَ الَّذِي صَحَّ وَتَقَرَّرَ حُكْمُهُ وَثَبَتَ فَبِأَنْ يَمْنَعَ صِحَّةَ الرَّجْعَةِ أَوْلَى، وَإِنَّمَا يَدَّعِي بِالرَّجْعَةِ لِلْفَيْئَةِ، فَإِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ مُدَّةَ الْعِدَّةِ بَطَلَتْ الرَّجْعَةُ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَلَوْ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً فَمَضَتْ
стр. 1068
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنْ امْرَأَتِهِ فَيُوقَفُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَيُطَلِّقُ ثُمَّ يَرْتَجِعُ وَلَا يَمَسُّهَا فَتَنْقَضِي أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا أَنَّهُ لَا يُوقَفُ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ، وَإِنَّهُ إنْ أَصَابَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَ أَحَقَّ بِهَا، وَإِنْ مَضَتْ عِدَّتُهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهَا قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي ذَلِكَ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَنْقَضِي الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ قَالَ هُمَا طَلْقَتَانِ إنْ هُوَ وَقَفَ وَلَمْ يَفِئْ، وَإِنْ مَضَتْ
ــ
[المنتقى]
بَعْدَ رَجْعَتِهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لَمْ يُوقَفْ ثَانِيَةً، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُ بِهِ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ، فَإِنْ وَطِئَ فِيهَا وَإِلَّا بَطَلَتْ رَجْعَتُهُ، وَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْيَمِينِ شَيْءٌ، وَإِنْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْيَمِينِ قَبْلَ الْعِدَّةِ صَحَّتْ رَجْعَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا فِي الْعِدَّةِ قَالَهُ مَالِكٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ قَدْ وَطِئْتهَا وَقَالَتْ الزَّوْجَةُ إنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى ادَّعَى الزَّوْجُ الْوَطْءَ لِيَدْفَعَ بِهِ الْفُرْقَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ كَالْمُعْتَرِضِ.
(فَرْعٌ) وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سِجْنٍ أَوْ سَفَرٍ، فَإِنَّ رَجْعَتَهُ ثَابِتَةٌ عَلَيْهَا، فَإِذَا زَالَ الْعُذْرُ بِقُدُومِهِ مِنْ سَفَرِهِ أَوْ إفَاقَتِهِ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ انْطِلَاقِهِ مِنْ سِجْنِهِ فَمُكِّنَ مِنْهَا وَأَبَى الْوَطْءَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا إنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ قَدْ انْقَضَتْ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمَبْسُوطِ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَتَكُونُ بَائِنًا مِنْهُ مِنْ يَوْمِ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مُرَاعَاةِ عُذْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ مُرَاعَاةً، فَإِنْ صَدَقَ عُذْرُهُ بِالْفَيْئَةِ إذَا أَمْكَنَهُ حَكَمَ بِصِدْقِهِ فِيمَا مَضَى، وَإِنْ أَكْذَبَ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْفَيْئَةِ فَالِامْتِنَاعُ حِينَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا حَمَلَ أَمْرَهُ عَلَى الْكَذِبِ فِيهَا، وَالرَّدِّ وَأُمْضِيَتْ الْأَحْكَامُ عَلَى مَا كَانَتْ تَجِبُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
(فَرْعٌ) : قَالَ مَالِكٌ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا الْآنَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَحَمْلُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يَخْلُ بِهَا فِي الْعِدَّةِ، فَإِنْ خَلَا بِهَا فِي الْعِدَّةِ فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الْأَزْوَاجِ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا فِيهَا بِمَنْزِلَةِ زَوْجٍ خَلَا بِزَوْجَتِهِ وَتَقَارًّا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَإِنَّ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ لِلْأَزْوَاجِ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ إذَا طَلَّقَ عَلَيْهِ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ الْفَيْئَةِ فَارْتَجَعَ فِي الْعِدَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يُوقَفُ مَرَّةً أُخْرَى غَيْرَ التَّوْقِيفِ الْأَوَّلِ وَلَا يُطَلَّقُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ آخَرُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ أَمْرُهُ مُرَاعًى، فَإِنْ مَسَّ فِي الْعِدَّةِ صَحَّتْ الرَّجْعَةُ وَبَطَلَ الْإِيلَاءُ لِوُجُودِ الْحِنْثِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَطَأْ فِي الْعِدَّةِ مَعَ ارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ بَطَلَتْ الرَّجْعَةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ رَاجَعَ فِي الْعِدَّةِ فَمَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَطَأْ وُقِفَ مَرَّةً أُخْرَى، فَإِنْ فَاءَ وَإِلَّا طَلُقَتْ عَلَيْهِ طَلْقَةً بَائِنَةً، فَإِنْ ارْتَجَعَ وَفَعَلَ فَحُسِبَ ذَلِكَ مِنْ التَّوْقِيفِ، وَالطَّلَاقِ حَتَّى يَكْمُلَ مَا لَهُ فِيهَا مِنْ الطَّلَاقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
لَوْ أَبَى الْفَيْئَةَ فَطَلُقَتْ عَلَيْهِ فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَأَرَادَتْ أَنْ تُوقِفَهُ ثَانِيَةً، فَإِنَّ لَهَا أَنْ تُوقِفَهُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ يَتَزَوَّجُهَا الزَّوْجُ الثَّانِي وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِيلَاءَ يَنْعَقِدُ قَبْلَ النِّكَاحِ كَمَا يَنْعَقِدُ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ لَكِنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرِ لَا يُعْتَدُّ بِهَا إلَّا مِنْ مُدَّةِ الزَّوْجِيَّةِ فَمَنْ آلَى مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا اعْتَدَّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ تَزَوَّجَهَا، وَهُوَ مِنْ يَوْمِ يُمْكِنُهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَيَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ حَقُّ الزَّوْجِيَّةِ مِنْ الْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا وَلَا يَتَعَلَّقُ لَهَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ حَقٌّ، فَإِذَا طَلَّقَهَا وَخَرَجَتْ الْعِدَّةُ بَطَلَ حُكْمُ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ؛ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالْوَطْءِ لَا تَصِحُّ، فَإِذَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَادَ حُكْمُ الْأَشْهُرِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
١ -
(فَرْعٌ) : فَإِذَا لَمْ يَفِئْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَشْهُرِ طَلُقَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ فِي نِكَاحٍ ثُمَّ يُوجَدُ فِيهِ بِنَاءٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَائِنًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَبَى الْفَيْئَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَشْهُرِ فَطَلُقَتْ عَلَيْهِ فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُدَّةِ يَمِينِهِ أَشْهُرٌ فَلَمَّا تَزَوَّجَتْهُ أَرَادَتْ تَوْقِيفَهُ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا نِكَاحٌ مُسْتَأْنَفٌ، وَإِنَّمَا عَادَ عَلَيْهِ الْإِيلَاءُ مِنْ أَوَّلِهِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُوقِفَهُ حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْهُ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ يَمِينِهِ، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُدَّةِ يَمِينِهِ إلَّا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَأَدْنَى لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إيلَاءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 1069
عِدَّةُ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَلَيْسَ الْإِيلَاءُ بِطَلَاقٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرِ الَّتِي كَانَتْ يُوقَفُ بَعْدَهَا مَضَتْ وَلَيْسَتْ لَهُ يَوْمئِذٍ بِامْرَأَةٍ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا ثُمَّ مَكَثَ حَتَّى يَنْقَضِيَ أَكْثَرُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إيلَاءً إنَّمَا يُوقَفُ فِي الْإِيلَاءِ مَنْ حَلَفَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَأَمَّا مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ إيلَاءً إلَّا أَنَّهُ إذَا جَاءَ الْأَجَلُ الَّذِي يُوقَفُ عِنْدَهُ خَرَجَ مِنْ يَمِينِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَقْفٌ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْلَى مِنْهَا يَصِحُّ إيقَاعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ وَلَا يُبْطِلُ طَلَاقُهُ حُكْمَ الْأَشْهُرِ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ يَلْحَقُ فِيهِ الطَّلَاقُ، وَالظِّهَارُ فَلَحِقَ فِيهِ حُكْمُ الْإِيلَاءِ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْأَشْهُرُ، وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا أَنَّهَا تُوقِفُهُ إنْ شَاءَتْ، وَإِذَا كَانَ لَهَا أَنْ تُوقِفَهُ، فَإِنْ فَاءَ فَحُكْمُ الْفَيْئَةِ أَنْ يَرْجِعَ فَيَطَأَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ طَلُقَتْ عَلَيْهِ بِالْإِيلَاءِ وَكَانَتْ مَعَ الطَّلْقَةِ الَّتِي أَوْقَعَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ عَلَى مَا ذُكِرَ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: فَإِذَا أَوْقَفَهُ الْإِمَامُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ بَعْدُ وَلَا يُجْزِي عَنْهُ مَا مَضَى مِنْ الطَّلَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَوْلُهُ: فَإِنْ مَضَتْ عِدَّةُ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَلَيْسَ الْإِيلَاءُ بِطَلَاقٍ يُرِيدُ أَنَّ الطَّلَاقَ الَّذِي أَوْقَعَهُ إنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَشْهُرِ فَقَدْ بَطَلَ حُكْمُ الْأَشْهُرِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنْهُ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا عَلَيْهِ حَقُّ مُطَالَبَةٍ بِوَطْءٍ وَلِذَلِكَ قَالَ وَلَيْسَتْ لَهُ بِامْرَأَةٍ يُرِيدُ بِذَلِكَ مَا قُلْنَاهُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَمَا دُونَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَنْ حَلَفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَزَائِدٌ أَلْزَمَهُ الْإِيلَاءَ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ زَوْجَتَهُ يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ تَرَكَهَا دُونَ أَنْ يَطَأَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ بِالْإِيلَاءِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ لَهُ تَرَبُّصَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ الَّتِي مَنَعَتْ يَمِينَهُ مِنْ الْوَطْءِ فِيهَا قَبْلَ وَقْتِ التَّوْقِيفِ لَمْ يَجِبْ أَنْ يُوقَفَ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَمْ تَتَنَاوَلْ الْمَنْعَ مِنْ الْوَطْءِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ فَلَمْ يَزُلْ تَوْقِيفُهُ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّهُ إذَا جَاءَ الْأَجَلُ الَّذِي يُوقَفُ عِنْدَهُ خَرَجَ مِنْ يَمِينِهِ يُرِيدُ أَنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي تَنَاوَلَتْهَا يَمِينُهُ قَدْ انْقَضَتْ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ تَوْقِيفٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ حَتَّى يَقْضِيَ غَرِيمُهُ حَقَّهُ أَوْ يَفْعَلَ كَذَا كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِمَّا يُقَرَّرُ عَلَيْهِ أَوْ لَا يُقَرَّرُ عَلَيْهِ فَهُوَ مُولٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ قَدْ حَلَفَ يَمِينًا يَمْنَعُ وَطْأَهَا وَلَا يَصِلُ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِحِنْثٍ فِيهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ حُكْمٌ مِنْ عَمَلٍ أَوْ غُرْمِ مَالٍ كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا جُمْلَةً قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُزَنِيَّة إذَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَقَفَ فَإِمَّا فَاءَ وَإِمَّا طَلَّقَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْحَجِّ أَوْ إلَى بَلَدٍ يَتَكَلَّفُ لَهُ سَفَرًا قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَقُولُ وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُك فِي هَذَا الْمِصْرِ أَوْ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ هُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَا أَطَؤُك حَتَّى أَخْرُجَ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ خُرُوجُهُ يَتَكَلَّفُ فِيهِ الْمُؤْنَةَ، وَالْكُلْفَةَ فَهُوَ مُولٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الِانْتِقَالَ، وَالْخُرُوجَ بِهَا إلَى مَوْضِعٍ تَلْحَقُهُ مُؤْنَةٌ وَنَفَقَةٌ بِالِانْتِقَالِ إلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ أَرَادَ بِهِ الْخُرُوجَ مِنْ نَفْسِ حَاضِرَتِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَقْرَبُ مِنْهَا كَالْخُرُوجِ إلَى جَنَّتِهِ أَوْ مَزْرَعَتِهِ الْقَرِيبَةِ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُك حَتَّى أُكَلِّمَ فُلَانًا وَفُلَانٌ حَاضِرٌ وَحَتَّى أَدْخُلَ الدَّارَ، وَالدَّارُ قَرِيبَةُ الْمَكَانِ مِنْهُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَتْ مَسَافَةُ السَّفَرِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ طَلُقَتْ عَلَيْهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَلَمْ يُخَيَّرْ وَلَمْ يُنْتَظَرْ إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَكُونُ مُولِيًا مَا لَمْ يَطَأْهَا، فَإِنْ وَطِئَهَا، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ السَّنَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمَوَّازِ رِوَايَةً ثَانِيَةً أَنَّهُ إذَا مَضَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ يَمِينِهِ وُقِفَ فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ وَإِلَّا طَلُقَتْ عَلَيْهِ قَالَ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيْنَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ كَذَا
стр. 1070
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ حَلَفَ لِامْرَأَتِهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إيلَاءً، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَرَهُ إيلَاءً) .
ــ
[المنتقى]
وَكَذَا وَطْأَةً رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ مُولٍ وَأَجَلُهُ مِنْ يَوْمِ حَلَفَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِوَطْئِهِ وَاحِدَةً مِنْهَا.
(ش) : قَوْلُهُ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهُ لَا يَكُونُ إيلَاءً هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْإِيلَاءِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الْإِيلَاءِ مِنْ تَوْقِيفِ الزَّوْجِ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَإِنْ كَانَ اسْمُ الْإِيلَاءِ يَقَعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ حَلِفٌ، وَالْحَلِفُ هُوَ إيلَاءٌ بِكُلِّ حَالِفٍ مُولٍ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ إلَّا أَنَّ الْمَوْلَى الَّذِي يَلْزَمُهُ التَّوْقِيفُ هُوَ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ الْإِيلَاءُ الشَّرْعِيُّ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ مُولٍ وَلَا اعْتِبَارَ بِرَضَاعِ الْوَلَدِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْإِيلَاءَ الشَّرْعِيَّ تُعْتَبَرُ فِيهِ مَعَانٍ قَرَّرَهَا الشَّرْعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ إنَّمَا قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِالزَّوْجَةِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ مَنَعَ مِنْ إمْسَاكِ النِّسَاءِ عَلَى وَجْهِ الْإِضْرَارِ بِهِنَّ فَقَالَ ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] وَيُعْرَفُ ذَلِكَ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ وَجْهُ مَنْفَعَةٍ وَلَا مَانِعَ مِنْ الْوَطْءِ، وَالْحَالِفُ لَا يَطَأُ حَتَّى يَفْطِمَ وَلَدَهُ؛ لِأَنَّ لِوَلَدِهِ مَنْفَعَةً فِي تَرْكِ وَطْءِ أُمِّهِ الَّتِي تُرْضِعُهُ وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ حَتَّى ذَكَرْت أَنَّ فَارِسَ، وَالرُّومَ تَفْعَلُهُ» وَالْغِيلَةُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ تُرْضِعُ فَهُوَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ قَدْ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ هَذَا عَلَى أَنَّهُ مِمَّا يُخَافُ ضَرَرُهُ، وَإِنَّمَا تَرَكَ النَّهْيَ عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ مِنْ التَّوْكِيدِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَتْ الْأُمُّ تُرْضِعُهُ، لَوْ كَانَتْ لَا تُرْضِعُهُ، وَإِنَّمَا يُرْضِعُهُ غَيْرُهَا لَكَانَ عِنْدِي حُكْمُهَا حُكْمَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهَا، فَإِذَا كَانَ لِتَرْكِهِ الْوَطْءَ وَجْهُ مَنْفَعَةٍ سَقَطَ عَنْهُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَضَارِّ وَلِذَلِكَ قُلْنَا إنَّهُ مَنْ مَنَعَهُ مِنْ وَطْئِهَا مَرَضٌ أَوْ سِجْنٌ أَوْ مَانِعٌ يُعْلَمُ سَقَطَ عَنْهُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ حَتَّى يَزُولَ عَنْهُ ذَلِكَ الْمَانِعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ حَلَفَ لِامْرَأَتِهِ الَّتِي تُرْضِعُ وَلَدَهُ أَنْ لَا يَطَأَهَا سَنَتَيْنِ وَقَالَ أَرَدْت بِذَلِكَ كَمَالَ الرَّضَاعِ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، ذَلِكَ لَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ تَوْقِيفٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَلَّقُ يَمِينُهُ بِالضَّرَرِ إنْ مَاتَ ابْنُهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ السَّنَتَيْنِ أَوْ فُطِمَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَكُونُ بِهِ مُولِيًا مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ حَتَّى يَفْطِمَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ يَمِينُهُ بِالضَّرَرِ عَلَى وَجْهٍ، وَأَمَّا مَنْ ضَرَبَ لِذَلِكَ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ فَحُكْمُهُ مَا تَقَدَّمَ بِيَمِينِهِ فَلَزِمَهُ التَّوْقِيفُ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَوِزَانُ مَسْأَلَةِ الرَّضَاعِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَرِيضِ أَنْ يَحْلِفَ أَنْ لَا يَطَأَ مَا دَامَ مَرِيضًا فَهَذَا يَجِبُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ تَوْقِيفٌ كَمَا أَنَّ وَالِدَ الرَّضِيعِ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ أَكْثَرَ مِنْ عَامَيْنِ لِعِلْمِ إضْرَارِهِ بِيَمِينِهِ وَلَزِمَهُ التَّوْقِيفُ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ يَمِينِهِ وَتَكُونُ فَيْئَتُهُ بِالْقَوْلِ عِنْدَ التَّوْقِيفِ يُصَدِّقُ ذَلِكَ فَيْئَتُهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الرَّضَاعِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ مَاتَ ابْنُهُ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ السَّنَتَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ مِنْ يَوْمِ مَاتَ ابْنُهُ، فَإِذَا انْقَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وُقِفَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ يَمِينَهُ تَنَاوَلَتْ الْإِضْرَارَ بِالزَّوْجَةِ فَاعْتَدَّ بِمُدَّةِ التَّرَبُّصِ لَهُ مِنْ يَوْمِ لَمْ يَبْقَ لِيَمِينِهِ وَجْهٌ غَيْرُ الضَّرَرِ كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ أَجْنَبِيَّةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَكَانَتْ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ مِنْ يَوْمِ تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِالضَّرَرِ وَكَانَ لَهَا حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِالْوَطْءِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ تَرَكَ الرَّجُلُ وَطْءَ امْرَأَتِهِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ عَلَى وَجْهِ الضَّرَرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَعُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُ وَطَالَتْ الْمُدَّةُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُولِي وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَتْرُكُ، وَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ حَتَّى يَطَأَ أَوْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ ضَرْبِ أَجَلٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَانِعٌ مِنْ يَمِينٍ وَلَا غَيْرِهَا فَلَمْ يُضْرَبْ لَهُ أَجَلُ تَرَبُّصٍ، وَالْمُولِي يَمْنَعُهُ الْيَمِينُ الَّتِي تَلْزَمُهُ فَضَرَبَ لَهُ أَجَلُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لِيَرَى وَيَتَسَبَّبَ فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْيَمِينِ الَّتِي
стр. 1071
إيلَاءُ الْعَبْدِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ إيلَاءِ الْعَبْدِ فَقَالَ هُوَ نَحْوُ إيلَاءِ الْحُرِّ، وَهُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ وَإِيلَاءُ الْعَبْدِ شَهْرَانِ)
ــ
[المنتقى]
لَزِمَتْهُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي الْمَرِيضِ يُولِي مِنْ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ يُوقَفُ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ فَاءَ بِلِسَانِهِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُفِيقَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ، وَالِدِ الْمُرْضِعِ أَنَّ وَالِدَ الْمُرْضِعِ لِرَضَاعِ وَلَدِهِ غَايَةٌ مَعْلُومَةٌ قَدْ عَلَّقَ يَمِينَهُ بِهَا فَكَأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى مُدَّةِ الرَّضَاعِ، وَالْمَرِيضُ لَيْسَ لِمَرَضِهِ مُدَّةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فَإِذَا عَلَّقَ يَمِينَهُ بِمُدَّةٍ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَقَدْ قَصَدَ الْإِضْرَارَ.
[إيلَاءُ الْعَبْدِ]
(ش) : قَوْلُهُ إيلَاءُ الْعَبْدِ نَحْوُ إيلَاءِ الْحُرِّ، وَهُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ يُرِيدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ نَحْوُ إيلَاءِ الْحُرِّ فِي لُزُومِهِ حُكْمَ الْأَيْمَانِ وَاعْتِبَارِهِ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ، وَالتَّوْقِيفِ عِنْدَ انْقِضَائِهَا مَعَ بَقَاءِ الْيَمِينِ، فَإِنْ فَاءَ وَإِلَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ إيلَاءَهُ تَعَلَّقَ بِالْمَنْعِ مِنْ الْوَطْءِ عَارِيًّا عَنْ الْعُذْرِ، وَالْمَنْفَعَةِ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ التَّرَبُّصِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: وَإِيلَاءُ الْعَبْدِ شَهْرَانِ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ سَوَاءٌ كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ أَوْ أَمَةٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إيلَاءُ الْعَبْدِ مِنْ الْأَمَةِ شَهْرَانِ وَمِنْ الْحُرَّةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إيلَاؤُهُ مِنْهُمَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمُ الْبَيْنُونَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُسَاوِيَ فِيهِ الْحُرُّ الْعَبْدَ أَصْلُ ذَلِكَ الطَّلَاقُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ آلَى الْعَبْدُ ثُمَّ عَتَقَ مَكَانَهُ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ إيلَاءِ الْعَبِيدِ، وَلَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ عَتَقَ بَعْدَ أَنْ لَزِمَهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّهُ لَوْ زَنَى فِي حَالِ الرِّقِّ ثُمَّ أُعْتِقَ لَمْ يَنْتَقِلْ حَدُّهُ عَنْ حَدِّ الْعَبْدِ إلَى حَدِّ الْحُرِّ.
[ظِهَارُ الْحُرِّ] ١
الظِّهَارُ هُوَ وَصْفُ الْمُظَاهِرِ مَنْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ بِأَنَّهَا عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ وَلَهُ فِي الشَّرْعِ أَلْفَاظٌ وَأَحْكَامٌ تَخْتَصُّ بِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ: الظِّهَارُ يَمِينٌ تُكَفَّرُ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مُطْلَقَ الظِّهَارِ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ يَمِينًا إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّهِ، وَالظِّهَارُ مُحَرَّمٌ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] فَفِي الْآيَةِ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا إنْكَارُ مَا قَالُوا وَتَكْذِيبُهُ، وَالثَّانِي أَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مُنْكَرٌ وَزُورٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: وَمِنْ ظَاهَرَ أُدِّبَ لِقَوْلِهِ الْمُنْكَرَ وَأَلْزَمَهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَالظِّهَارُ تَحْرِيمُ الْوَطْءِ الْمُبَاحِ مِنْ الزَّوْجَةِ، وَالْأَمَةِ وَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْقُبْلَةِ، وَالنَّظَرِ، وَالْمُبَاشَرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُقَبِّلُ وَلَا يُبَاشِرُ وَلَا يَلْمِسُ وَلَا يَنْظُرُ إلَى صَدْرٍ وَلَا شَعْرٍ وَفِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ وَلَا إلَى شَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْعُو إلَى خَيْرٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا فِي بَيْتٍ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُؤْمَنُ وَفِي التَّفْرِيعِ لِابْنِ الْجَلَّابِ لَا يُقَبِّلُ وَلَا يُبَاشِرُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الرَّأْسِ، وَالْوَجْهِ، وَالْيَدَيْنِ وَسَائِرِ الْأَطْرَافِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى التَّحْرِيمِ كَالْوَطْءِ وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ لِئَلَّا يَدْعُوَ إلَى الْجِمَاعِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَبْسُوطِ فِي الْمُتَظَاهِرِ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَيَنْظُرُ إلَى الصَّدْرِ، وَالشَّعْرِ، وَالْمَحَاسِنِ إنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ لِذَلِكَ كُلِّهِ كَالتَّغْيِيرِ فِي الْجِمَاعِ الَّذِي لَا يَحِلُّ لِمَنْ لَمْ يُكَفِّرْ نَحْوُ كَرَاهِيَتِهِمْ الْقُبْلَةَ لِلشَّابِّ الصَّائِمِ، وَالْمُلَامَسَةَ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ كُلَّ مَعْنًى طَرَأَ عَلَى النِّكَاحِ مَنَعَ الْوَطْءَ مِنْ أَجْلِ تَحْرِيمٍ حَادِثٍ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ
стр. 1072
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الِاسْتِمْتَاعَ كُلَّهُ، وَاللَّذَّةَ بِقُبْلَةٍ وَغَيْرِهَا كَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَالِاعْتِكَافِ، وَالْإِحْرَامِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا زَوْجَةٌ مُنِعَ وَطْؤُهَا لِمَعْنًى لَيْسَ لِعِبَادَةٍ وَلَا يُفْضِي إلَى بَيْنُونَةٍ فَلَمْ يُمْنَعْ الِاسْتِمْتَاعُ بِغَيْرِ الْوَطْءِ كَالْحَيْضِ، وَالْعِبَادَاتُ الَّتِي تَمْنَعُ الزَّوْجَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ إذَا اخْتَصَّتْ بِالزَّوْجَةِ، فَإِنَّمَا يُمْنَعُ الزَّوْجُ مِنْهَا مَا يُفْسِدُ عَلَى الزَّوْجَةِ عِبَادَتَهَا وَلِذَلِكَ لَا يُمْنَعُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا وَلَيْسَ فِي الظِّهَارِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ لِئَلَّا يُحَرِّكَهُ إلَى مَوَاقِعِ الْمُحَرَّمِ مِنْ الْوَطْءِ، فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَنْظُرُ الْوَجْهَ، وَالْيَدَيْنِ، فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ لِغَيْرِ وَجْهِ الِاسْتِمْتَاعِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ قِيلَ لَمَالِكٍ أَيَنْظُرُ إلَى وَجْهِهَا قَالَ نَعَمْ، وَغَيْرُهُ أَيْضًا قَدْ يَنْظُرُ إلَى وَجْهِهَا.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ مَنْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فِي شَهْرَيْ الصِّيَامِ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ قَطَعَ ذَلِكَ التَّتَابُعَ وَقَالَ أَصْبَغُ لَا يَقْطَعُ ذَلِكَ التَّتَابُعَ وَرَجَعَ إلَيْهِ سَحْنُونٌ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلَانِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الظِّهَارُ مُطْلَقًا فَتَحْرِيمُهُ مُطْلَقٌ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا بَعْدَ الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي الْيَوْمَ فَلَا خِلَافَ فِي ثُبُوتِ الظِّهَارِ مِنْ الْيَوْمِ وَهَلْ يَبْطُلُ بِانْقِضَاءِ الْيَوْمِ أَمْ لَا الْمَشْهُورُ أَنَّهُ بَاقٍ بَعْدَ الْيَوْمِ حَتَّى يُكَفِّرَ كَالطَّلَاقِ وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: يَطَؤُهَا دُونَ كَفَّارَةٍ أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الظِّهَارِ وَدَلِيلُنَا أَنَّ هَذَا لَفْظٌ يَحْرُمُ بِهِ الْوَطْءُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَقْيِيدُهُ كَإِطْلَاقِهِ كَالطَّلَاقِ.
[بَاب أَلْفَاظ الظِّهَار]
(بَابٌ فَأَمَّا أَلْفَاظُهُ فَأَصْلُهَا أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢] ثُمَّ قَالَ ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] فَهَذَا اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ يَخْتَصُّ بِأَمْرَيْنِ بِالْأُمِّ، وَالظَّهْرِ، فَإِنْ عَدَلَ عَنْ هَذَا اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ الْعُدُولُ عَنْهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يُعَلِّقَ التَّشْبِيهَ بِعُضْوٍ مِنْ الْأُمِّ غَيْرِ الظَّهْرِ، وَالثَّانِي أَنْ يُعَلِّقَهُ بِظَهْرِ غَيْرِ الْأُمِّ، وَالثَّالِثُ أَنْ يُعَلِّقَهُ بِعُضْوٍ غَيْرِ الظَّهْرِ مِنْ امْرَأَةٍ غَيْرِ الْأُمِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا إنْ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِعُضْوٍ مِنْ أُمِّهِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَرَأْسِ أُمِّي أَوْ يَقُولَ كَالْبَطْنِ أَوْ الْفَرْجِ أَوْ الْقَدَمِ أَوْ الْفَخِذِ أَوْ الْعَضُدِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يَكُونُ مُظَاهِرًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَمَنْ شَبَّهَ امْرَأَةً بِبَعْضِ أُمِّهِ فَهُوَ مُظَاهِرٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا إلَّا بِتَشْبِيهِهِ بِالظَّهْرِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: لَا يَكُونُ الظِّهَارُ إلَّا فِي تَمْثِيلِهِ بِعُضْوٍ مِنْ أُمِّهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ: إنَّهُ عُضْوٌ مِنْ ذَاتِ مَحْرَمٍ أَثْبَتَ لِامْرَأَتِهِ حُكْمَهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُظَاهِرًا كَالظَّهْرِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَإِنْ أَثْبَتَ لِلْجُمْلَةِ حُكْمَ الْجُمْلَةِ فَقَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: هُوَ مُظَاهِرٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ أُمِّي قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلَيْهِمَا إنْ لَمْ يَنْوِ الظِّهَارَ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْبِرِّ، وَالْكَرَامَةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُظَاهِرًا إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ جُمْلَةً، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةُ الْإِكْرَامِ، وَالْبِرِّ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مُظَاهِرًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ تَشْبِيهُ امْرَأَتِهِ بِأُمِّهِ دُونَ نِيَّةٍ تَصْرِفُ ذَلِكَ فِي التَّحْرِيمِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُظَاهِرًا هَذَا أَصْلُ ذَلِكَ إذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
١ -
(فَرْعٌ) فَإِنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَأُمِّي أَوْ مِثْلَ أُمِّي أَوْ كَظَهْرِ أُمِّي حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَكُونُ ظِهَارًا وَلَمْ يَشْتَرِطْ نِيَّةً وَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَكِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مُظَاهِرٌ إنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ لَهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَدْ أَتَى بِصَرِيحِ الظِّهَارِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا كَمَا لَوْ عَرَّاهُ عَنْ لَفْظِ التَّحْرِيمِ.
стр. 1073
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فَرْعٌ) وَقَوْلُهُ أَنْتِ عَلَيَّ أَحْرَمُ مِنْ أُمِّي إنْ لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ هُوَ مُظَاهِرٌ وَرَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ أَحْرَمُ مِنْ أُمِّي أَنَّهَا الْبَتَّةُ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ أَحْرَمُ مِنْ أُمِّي أَنَّهُ ظِهَارٌ، وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَيَحْتَمِلُ الظِّهَارَ إلَّا أَنَّهُ فِي الظِّهَارِ أَبْيَنُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَعْمَلَ تَشْبِيهَ الزَّوْجَةِ بِالْأُمِّ فِي الظِّهَارِ فَحُمِلَ عَلَى مَا يَصْلُحُ أَنْ يُرَادَ بِهِ، فَإِذَا عُدِمَتْ النِّيَّةُ حُمِلَ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لَفْظَ التَّحْرِيمِ يَقْتَضِي الطَّلَاقَ الْبَائِنَ، وَالتَّشْبِيهَ بِالْأُمِّ يَقْتَضِي الظِّهَارَ، وَإِذَا تَرَدَّدَ الْحُكْمُ بَيْنَ التَّغْلِيظِ، وَالتَّخْفِيفِ حُمِلَ عَلَى أَشَدِّهِمَا كَمَنْ شَكَّ فِي طَلْقَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ، فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثِ، وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ التَّشْبِيهَ بِالْأُمِّ قَرَّرَ الشَّارِعُ بِهِ حُكْمَ الظِّهَارِ فَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ بَابِهِ لَفْظُ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَدِئَ بِالظِّهَارِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا قَصَدَ التَّحْرِيمَ فَحَكَمَ اللَّهُ فِيهِ بِالظِّهَارِ هَذَا الَّذِي احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا عَلَّقَهُ بِظَهْرِ غَيْرِ الْأُمِّ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ فُلَانَةَ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهِ أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهِ فَهُوَ مُظَاهِرٌ بِذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: هُوَ مُظَاهِرٌ كَانَ لَهَا زَوْجٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَكُونُ طَلَاقًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَكُونُ طَلَاقًا وَلَا ظِهَارًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِظَهْرِ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ حُكْمُ الظِّهَارِ أَصْلُهُ إذَا قَالَ: كَظَهْرِ أُمِّهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالظِّهَارِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِتَحْرِيمٍ مُؤَبَّدٍ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِرَفْعِ عَقْدِ الِاسْتِبَاحَةِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالطَّلَاقِ، وَإِنْ عَلَّقَهُ بِظَهْرِ مَنْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا عَلَّقَ بِغَيْرِ الظَّهْرِ مِنْ غَيْرِ الْأُمِّ، وَذَلِكَ أَنْ يُعَلِّقَهُ بِعُضْوٍ غَيْرِ الظَّهْرِ فَيَقُولُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَرَأْسِ فُلَانَةَ أَوْ يَدِهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يُضَافَ ذَلِكَ إلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ، فَإِنْ أَضَافَهُ إلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ بِنَسَبٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ رَضَاعٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ ظِهَارٌ فَحُكْمُهُ فِي الظِّهَارِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَكَذَلِكَ الْأَجْنَبِيَّةُ.
[بَاب مِنْ يظاهر مِنْهَا]
(بَابٌ) فَأَمَّا مَنْ يُظَاهِرُ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ حُكْمُ الظِّهَارِ مِنْ كُلِّ مَنْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ وَطْؤُهَا مِنْ زَوْجَةٍ أَمَةٍ أَوْ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ أَوْ كِتَابِيَّةٍ أَوْ مَا تَمْلِكُ يَمِينُهُ مِنْ أَمَةٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ أَوْ مُدَبَّرَةٍ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَكُونُ الظِّهَارُ إلَّا فِي زَوْجَةٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ، وَالسُّرِّيَّةُ مِنْ النِّسَاءِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ فَرْجٌ مُبَاحٌ لَهُ فَجَازَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ الظِّهَارِ كَالزَّوْجَةِ وَفِي الْمَبْسُوطِ سَوَاءٌ كَانَتْ صَبِيَّةً أَوْ مُحَرَّمَةً أَوْ حَائِضًا أَوْ رَتْقَاءَ أَوْ صَائِمَةً فَهُوَ مُظَاهِرٌ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَمَةِ شِقْصٌ لَمْ يَلْزَمْهُ فِيهَا ظِهَارٌ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لِنَقْصِ مِلْكِهِ فِيهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُكَاتَبَةِ، وَالْمُعْتَقَةِ إلَى أَجَلٍ وَكُلِّ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا مِنْ الْإِمَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ، وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ ظِهَارُهُ بِهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ظِهَارُ الْحُرِّ يُرِيدُ أَنَّ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ الْمُكَلَّفَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ يَلْزَمُهُ الظِّهَارُ سَوَاءٌ كَانَ مَالِكًا لِأَمْرِ نَفْسِهِ أَوْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَأَمَّا الْمَالِكُ لِأَمْرِ نَفْسِهِ فَسَنُبَيِّنُ حُكْمَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الظِّهَارُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ وَيَصِحُّ مِنْهُ الطَّلَاقُ فَلَزِمَهُ
стр. 1074
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَلِيم الزُّرَقِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَةً إنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إنَّ رَجُلًا جَعَلَ امْرَأَةً عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ إنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا فَأَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا أَنْ لَا يَقْرَبَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ تَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَهَا فَقَالَا: إنْ نَكَحَهَا فَلَا يَمَسَّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ تَظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِثْلُ
ــ
[المنتقى]
الظِّهَارُ كَالْمَالِكِ لِأَمْرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الذِّمِّيُّ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ كَالْمَجْنُونِ، وَالصَّغِيرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْخَصِيُّ، وَالْمَجْبُوبُ، وَالْعِنِّينُ، وَالشَّيْخُ الْفَانِي فَقَدْ رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ لَا يَلْزَمُهُمْ ظِهَارٌ وَلَا إيلَاءٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْجِمَاعِ مَعْنَاهُ وَلَا يَرْجُوهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الظِّهَارَ لَا يُحَرِّمُ الِاسْتِمْتَاعَ بِغَيْرِ الْوَطْءِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الظِّهَارَ يُحَرِّمُ الِاسْتِمْتَاعَ كَمَا يُحَرِّمُ الْوَطْءَ، وَهُوَ مُمْكِنٌ مِنْ جَمِيعِهِمْ وَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُمْ الظِّهَارُ، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرِّمٍ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَمْنُوعٌ لِئَلَّا يَكُونَ دَاعِيَةً إلَى الْجِمَاعِ فَلَا يَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ الْمَجْبُوبِ وَلَا الْخَصِيِّ وَلَا الْعِنِّينِ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُمْ، وَأَمَّا الْإِيلَاءُ، فَإِنَّمَا يُسْقِطُ عَنْهُمْ حُكْمَ التَّوْقِيفِ لِلْفَيْئَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ عَلَيْهَا وَلَا يُمْكِنُهُمْ فِعْلُهَا وَلَا تَرْكُهَا يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الشَّيْخَ الْفَانِيَ لَوْ تَحَامَلَ وَجَامَعَ لَحَنِثَ فِي إيلَائِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا السَّكْرَانُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الظِّهَارُ حَكَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ فَكَذَلِكَ الظِّهَارُ عِنْدِي قَالَ وَلَا يَلْزَمُ الْمُعْتَدَّةَ وَلَا الصَّبِيَّ ظِهَارٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ وَكَذَلِكَ الْمُكْرَهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الَّذِي يُفِيقُ مِنْ سُكْرِهِ فَتَقُولُ لَهُ امْرَأَتُهُ: تَظَاهَرْت مِنِّي حَالَ سُكْرِك فَيَقُولُ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ لَا يُقَرُّ بِهَا حَتَّى يُكَفِّرَ.
(ش) : قَوْلُهُ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَةً إنْ تَزَوَّجَهَا فَجَاوَبَهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الظِّهَارِ يَقْتَضِي لُزُومَ الطَّلَاقِ عِنْدَهُ، وَإِنَّهَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ إنْ تَزَوَّجَهَا، وَكَذَلِكَ الظِّهَارُ عَلَى حَسَبِ مَا جَاوَبَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِيمَنْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَةٍ إنْ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَزِمَهُ الظِّهَارُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا مُبَيَّنًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(ش) : سُؤَالُهُ عَنْ رَجُلٍ تَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَهَا يُرِيدُ قَالَ لَهَا: إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَهَذِهِ الَّتِي يَلْزَمُهُ التَّظَاهُرُ مِنْهَا إنْ تَزَوَّجَهَا، وَأَمَّا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَلَمْ يُضِفْ ذَلِكَ إلَى تَزَوُّجِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
وَرَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسُلَيْمَانِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ السَّائِلَ كَانَ قَدْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُك، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَلَا ظِهَارَ عَلَيْهِ إذَا تَزَوَّجَهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ لَا يَلْزَمُهُ ظِهَارٌ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا أَضَافَ الظِّهَارَ إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ إذَا وُجِدَتْ الزَّوْجِيَّةُ أَصْلُهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ لِزَوْجَتِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ ذَكَرَ لَهُ نِكَاحَ امْرَأَةٍ فَقَالَ هِيَ أُمِّي فَهُوَ مُظَاهِرٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلَى مَا عُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنْ فَعَلْت ذَلِكَ فَهِيَ أُمِّي، وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهَا ذَلِكَ يُرِيدُ أَنْ يَصِفَهَا بِالْكِبَرِ فَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ ظِهَارٌ وَلَا غَيْرُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: إنْ نَكَحَهَا فَلَا يَمَسَّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ يُرِيدُ ﵁ أَنَّ بِعَقْدِ النِّكَاحِ تَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لَمَّا وُجِدَتْ مِنْهُ الْعَوْدَةُ الْمُصَحِّحَةُ لِلْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْمَسِيسِ لِقَوْلِهِ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] ، وَأَمَّا لَوْ كَفَّرَ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَةَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ، وَهِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْكَفَّارَةِ.
стр. 1075
ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ قَالَ اللَّهُ ﵎ فِي كَفَّارَةِ الْمُتَظَاهِرِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ٣] ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]
ــ
[المنتقى]
(ش) : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ: أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَنَّهُ مُتَظَاهِرٌ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ جَمِيعِهِنَّ وَيُجْزِئُهُ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ خِلَافًا لِأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ وَاحِدَةٌ وَظِهَارَهُ وَاحِدٌ فَلَمْ يَلْزَمْهُ بِهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا لَوْ حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً: لَا أَلْبَسُ الثَّوْبَ وَلَا آكُلُ الْخُبْزَ وَلَا أَدْخُلُ الدَّارَ ثُمَّ حَنِثَ لَمْ تَلْزَمْهُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْنَثَ فِي إحْدَاهُنَّ دُونَ الْأُخْرَى.
(فَرْعٌ) فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَقَدْ حَنِثَ فِي جَمِيعِهِنَّ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْرَبَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ حَتَّى يُكَفِّرَ لِوُجُوبِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَسِيسِ، فَإِنْ كَفَّرَ عَنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ بَطَلَ حُكْمُ الظِّهَارِ وَجَازَ أَنْ يَطَأَ سَائِرَهُنَّ دُونَ كَفَّارَةٍ تَلْزَمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِكَفَّارَتِهِ إلَّا الْأُولَى قَالَهُ كُلَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بِهَا غَيْرُ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِلَفْظِ ظِهَارٍ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ فَيَقُولُ لِإِحْدَاهُنَّ أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ يَقُولُ لِلْأُخْرَى: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ قَالَ لِلثَّالِثَةِ كَذَلِكَ وَيَقُولُ لِلرَّابِعَةِ كَذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ بِالْعَوْدَةِ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ ثُمَّ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ الثَّوْبَ ثُمَّ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ فَحَنِثَ لَزِمَتْهُ بِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ قَالَ لِأُخْرَى: أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِظِهَارٍ يَخُصُّهَا لَا يَحْصُلُ بِهِ حَانِثًا فِي الْأُخْرَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ: مَنْ دَخَلَتْ مِنْكُنَّ الدَّارَ فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ إنْ دَخَلْنَ كُلُّهُنَّ الدَّارَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَفَّارَةٌ، وَلَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتُنَّ الدَّارَ فَأَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي جَمِيعِهِنَّ إلَّا كَفَّارَةٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: مَنْ دَخَلَتْ مِنْكُنَّ الدَّارَ فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَقَدْ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِحُكْمِ نَفْسِهَا وَلِذَلِكَ إنْ دَخَلَتْ إحْدَاهُنَّ الدَّارَ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا فِي غَيْرِهَا وَيَكُونُ مُظَاهِرًا فِي الَّتِي دَخَلَتْ خَاصَّةً فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي إفْرَادَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِظِهَارٍ يَخُصُّهَا، وَإِذَا كَانَ الظِّهَارُ يَخُصُّهَا لَزِمَتْ فِيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا قَالَ لَهُنَّ: إنْ دَخَلْتُنَّ الدَّارَ فَأَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَإِنَّهُ إنْ دَخَلَتْ إحْدَاهُنَّ الدَّارَ ثَبَتَ حُكْمُ ظِهَارِهِ مِنْ جَمِيعِهِنَّ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الظِّهَارِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ حَتَّى يَدْخُلَ جَمِيعُهُنَّ فَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنْ لَا يَنْفَرِدَ دُخُولُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِظِهَارٍ يَخُصُّهَا دُونَ غَيْرِهَا فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ فِي جَمِيعِهِنَّ، وَالْيَمِينُ الْوَاحِدَةُ لَا يَجِبُ بِهَا غَيْرُ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا إذَا قَالَ كُلُّ مَنْ دَخَلَتْ مِنْكُنَّ الدَّارَ فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ مَنْ دَخَلَتْ مِنْكُنَّ الدَّارَ فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ قَالَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ تُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ كُلِّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مُخَالِفٌ لِحُكْمِ قَوْلِهِ مَنْ تَزَوَّجْت مِنْكُنَّ، وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: إنْ تَزَوَّجْتُكُنَّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْبَابَ كُلَّهُ بَابٌ وَاحِدٌ لَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ إلَّا كَفَّارَةٌ وَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلًا أَصَحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كَفَّارَة الظِّهَار]
(ش) : قَوْلُهُ فِي كَفَّارَةِ الْمُتَظَاهِرِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] يَقْتَضِي أَنَّ الرَّقَبَةَ تُجْزِئُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَلَهَا صِفَاتُ الْإِسْلَامِ، وَالسَّلَامَةِ فَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِي فِي كَفَّارَةٍ إلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يُجْزِي خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْإِسْلَامُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ رَقَبَةٌ مُخْرَجَةٌ عَلَى وَجْهِ الْكَفَّارَةِ فَاعْتُبِرَ فِيهَا الْإِيمَانُ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَيُجْزِي فِي ذَلِكَ الصَّغِيرُ، وَالْأَعْجَمِيُّ عَلَى حَسَبِ
стр. 1076
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مَا تَقَدَّمَ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
وَلَوْ أَعْتَقَ عَنْ ظِهَارِهِ مَنْفُوسًا فَلَمَّا كَبُرَ وُجِدَ أَخْرَسَ أَوْ مُقْعَدًا أَوْ أَصَمَّ أَوْ أَبْكَمَ أَوْ مُطْبَقًا جُنُونًا فَقَدْ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ دَاوُد بْنِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَدْ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ يَحْدُثُ وَكَذَلِكَ فِي الْمَبِيعِ لَا يُرَدُّ بِهَذَا الْعَيْبِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ: إنْ اشْتَرَيْت فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُجْزِئُهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِتْقٌ لِغَيْرِ الظِّهَارِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الظِّهَارُ فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ وَبِذَلِكَ يُخَالِفُ مَنْ قَالَ: إنْ اشْتَرَيْت فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ ثُمَّ اشْتَرَاهُ عَنْ ظِهَارِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُجْزِئُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ فِيهِ عَقْدُ عِتْقٍ لَازِمٍ لِغَيْرِ الظِّهَارِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ فِيهِ عِتْقٌ إلَّا لِلظِّهَارِ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَشْتَرِي عَبْدًا وَنِيَّتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ لِلظِّهَارِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَرْأَةِ تُعْطِي زَوْجَهَا رَقَبَةً يُعْتِقُهَا عَنْ ظِهَارِهِ أَوْ ثَمَنِهَا إنْ كَانَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الْعِتْقِ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا أَيْضًا قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِ عِتْقَهُ لِلظِّهَارِ مَنْ يَمْلِكُهُ فَكَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَثْبَتَ فِيهِ الْعِتْقَ دُونَ الْمُظَاهِرِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَثْبَتَ فِيهِ عِتْقَ الظِّهَارِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ ظِهَارِهِ، وَهُوَ إنَّمَا يَمْلِكُ نِصْفَهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُجْزِئُهُ وَتَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ قَالَ أَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ: لَا يُعْجِبُنِي هَذَا وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَا لَزِمَهُ مِنْ الْعِتْقِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي إنَّمَا لَزِمَهُ بِسَبَبِ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ فَكَانَ لَهُ حُكْمُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ: إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي، فَإِنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ عِتْقُهُ وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إذَا اشْتَرَاهُ أَجْزَأَهُ عَنْ ظِهَارِهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْعِتْقَ الثَّانِيَ وَقَعَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْعِتْقَ عَنْ ظِهَارِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِتَبْعِيضِ الْعِتْقِ فَلَمْ يُجْزِهِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا لَزِمَهُ عِتْقٌ عَنْ جَمِيعِهِ لِيَمِينٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ فَأَعْتَقَ نِصْفَهُ عَنْ ظِهَارِهِ ثُمَّ أَعْتَقَ بَاقِيَهُ عَنْ ذَلِكَ الظِّهَارِ فَقَدْ رَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ أَصْبَغَ لَا يُجْزِئُهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ تَبْعِيضِهِ، وَالثَّانِي أَنْ لَا يُعْتَقَ الْبَاقِي بِالسِّرَايَةِ، وَإِنَّمَا يُعْتَقُ بِعِتْقِهِ عَلَيْهِ إنْ أَرَادَ ذَلِكَ أَوْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ بِهِ إنْ أَبَاهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَبْعِيضُهُ أَوْ عَلَى أَنَّ النِّصْفَ الثَّانِيَ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالسَّنَةِ وَلَيْسَ عِتْقُهُ بِمَوْقُوفٍ عَلَى اخْتِيَارِهِ فَلَا يُجْزِئُهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَعْتَقَ عَنْهُ غَيْرُهُ عَبْدًا بِغَيْرِ عِلْمِهِ عَنْ ظِهَارِهِ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يُجْزِئُهُ، وَإِنْ رَضِيَ بِذَلِكَ بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُجْزِي عَنْ الْحَيِّ، وَإِنْ كَانَ بِسُؤَالِهِ وَرَغْبَتِهِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَعْنًى تَجُوزُ فِيهِ النِّيَابَةُ؛ لِأَنَّ طَرِيقَهُ الْمَالُ وَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَ عَنْ الْمَيِّتِ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ مِنْهُ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهُ هُوَ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ وَهَبَهُ إيَّاهُ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْ ظِهَارِهِ لَمْ يُجْزِهِ فَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَهُ عَنْهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَدْ مَلَّكَ الْوَاهِبَ أَوْ الْبَائِعَ الْعِتْقَ فِي ذَلِكَ الْعَبْدِ قَبْلَ وُقُوعِهِ وَلَزِمَ الْمَوْهُوبُ لَهُ إيقَاعُهُ بِالشَّرْطِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ مِنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ بِشَرْطِ عِتْقِهِ عَنْهُ أَوْ وَهَبَهُمْ إيَّاهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ لَمْ يُجْزِهِ وَاَلَّذِي أَنْفَذَ عِتْقَهُ عَلَى الْعِتْقِ عَنْهُ عَتَقَهُ وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْ الْمَيِّتِ.
وَقَدْ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَرْأَةِ تُعْطِي زَوْجَهَا الرَّقَبَةَ يُعْتِقُهَا عَنْ ظِهَارِهِ أَوْ ثَمَنَ الرَّقَبَةِ إنْ كَانَ بِشَرْطِ الْعِتْقِ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ أَجْزَأَهُ، وَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَرَوَاهُ فِي الْمُزَنِيَّة عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا: يُجْزِئُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَإِنَّهُ قَالَ يُجْزِئُهُ إنْ لَمْ يَدْفَعْ فِي ثَمَنِهِ شَيْئًا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ: يُرِيدُ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ عِتْقٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ فَعَلَى هَذَا إنَّمَا يُجْزِئُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
стр. 1077
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنْ لَا يَدْفَعَ إلَيْهِ فِيهِ ثَمَنًا، وَالثَّانِي: أَنْ يَرْضَى الْمُعْتَقُ عَنْهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ إذَا بَلَغَهُ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ: لَا يُجْزِئُهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ نِيَّةَ الْعِتْقِ لِلظِّهَارِ مَعْدُومَةٌ وَلَمْ تَتَعَقَّبْهَا إجَازَةٌ، وَهِيَ تَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ وَفِي ذَلِكَ شَرْطٌ ثَالِثٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ بَعْدَ الْعَوْدَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُرَاعِيَ الْعَوْدَةَ، وَإِنَّمَا يُرَاعِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا السَّلَامَةُ، فَإِنَّهَا تُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِجِنْسٍ مَخْصُوصٍ مِنْ الرَّقِيقِ وَلَا ذُكُورَةٍ وَلَا أُنُوثَةٍ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وقَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] الْوُجُودُ هُوَ أَنْ يَمْلِكَ رَقَبَةً أَوْ ثَمَنَهَا أَوْ مَا قِيمَتُهُ قَدْرُ ثَمَنِهَا مِنْ عَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا أَمَةٌ ظَاهَرَ مِنْهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ يَمْلِكُ مِنْ الْعُرُوضِ مَا يَشْتَرِي بِهِ رَقَبَةً أَوْ كَانَتْ لَهُ دَارٌ يَسْكُنُهَا ثَمَنُهَا قِيمَتُهُ رَقَبَةٍ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِرَقَبَةٍ مَعْنَاهُ مُجْزِئَةٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
، وَالْمُظَاهِرُ الْمُوسِرُ يُمْكِنُهُ الْعِتْقُ فَلَا يُعْتِقُ حَتَّى يَعْدَمَ فَيَصُومَ ثُمَّ يَيْسَرَ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ يُعْتِقُ، وَهَذَا عِنْدِي عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَدِّيَ لَمَّا يَجِبْ عَلَيْهِ مِنْ حَقٍّ إنَّمَا يَنْظُرُ إلَى حَالِهِ يَوْمَ الْأَدَاءِ دُونَ يَوْمِ الْوُجُوبِ، وَكَذَلِكَ مَنْ ضَيَّعَ الصَّلَاةَ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ فَأَرَادَ أَنْ يَقْضِيَهَا حَالَ عَجْزِهِ عَنْ الْقِيَامِ أَدَّاهَا جَالِسًا ثُمَّ إنْ قَوِيَ عَلَى الْقِيَامِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا قَائِمًا وَكَذَلِكَ مَنْ فَرَّطَ فِي الصَّلَاةِ مَعَ إمْكَانِ أَدَائِهَا بِالْمَاءِ ثُمَّ قَضَاهَا بِالتَّيَمُّمِ لِعَدَمِ الْمَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا ثَانِيًا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْعِتْقُ تَعَلَّقَتْ الرَّقَبَةُ بِذِمَّتِهِ فَلَمَّا أَعْسَرَ قَبْلَ الْعِتْقِ أُمِرَ بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مَا يُمْكِنُهُ بِشَرْطِ إنْ أَيْسَرَ بِالرَّقَبَةِ الَّتِي قَدْ تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ كَانَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهَا، وَحُكْمُ الْأَمْوَالِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ حُكْمِ الْأَعْمَالِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ إنَّمَا ذَلِكَ لِمَنْ وَطِئَ فَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ بِالْعِتْقِ لِيُسْرِهِ فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى أَعْسَرَ فَصَامَ فَأَمَّا إنْ لَمْ يَطَأْ حَتَّى أَعْسَرَ فَصَامَ ثُمَّ أَيْسَرَ فَلَا يُؤْمَرُ بِالْعِتْقِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ بَدَأَ بِالصِّيَامِ لِعُسْرِهِ وَعَدَمِ الرَّقَبَةِ ثُمَّ أَيْسَرَ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْحَالِفِ، وَالْمُمْتَنِعِ إذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ أَيْسَرَ لَا يَرْجِعُ إلَّا أَنْ يَسْتَاءَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظِّهَارِ وَقَتْلِ النَّفْسِ وَسَوَّى عَبْدُ الْمَلِكِ بَيْنَهُمَا وَقَالَ إذَا مَضَى لَهُ الْيَوْمُ، وَالْيَوْمَانِ أَحْبَبْت لَهُ الرُّجُوعَ فِي التَّمَتُّعِ، وَالْكَفَّارَةِ، وَمَعْنَى مَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ تَفْرِيقِ مَالِكٍ بَيْنَ الظِّهَارِ، وَالْيَمِينِ مَا رَوَى زِيَادُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً عَنْ ظِهَارِهِ فَصَامَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ وَجَدَ رَقَبَةً، فَإِنَّهُ يُعْتِقُ، وَلَوْ صَامَ النِّصْفَ أَوْ الثُّلُثَ أَوْ أَيَّامًا لَهَا اسْمٌ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ صِيَامَهُ وَلَا يُعْتِقُ، وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ إذَا صَامَ يَوْمَيْنِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الزَّاهِي يَوْمًا ثُمَّ أَفَادَ مَالًا قَالَ يَمْضِي وَيُجْزِئُهُ وَيُعْتِقُ أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤] ، فَإِذَا دَخَلَ فِي الصَّوْمِ، وَهُوَ غَيْرُ وَاجِدٍ لِلرَّقَبَةِ مَضَى فِي صَوْمِهِ وَأَجْزَأَهُ كَالْمُتَيَمِّمِ يَرَى الْمَاءَ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا تَلْزَمُهُ الْعَوْدَةُ إلَى الْعِتْقِ كَالْمُعْتَدَّةِ بِالشُّهُورِ إذَا رَأَتْ الْحَيْضَ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ لَمْ تَبْطُلْ عِدَّتُهَا؛ لِأَنَّهَا تَعْتَدُّ بِمَا مَضَى قَرَأَ، وَالْوَاجِدُ لِلرَّقَبَةِ لَوْ أَعْتَقَ لَبَطَلَ مَا تَلَبَّسَ بِهِ مِنْ صَوْمِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ صَامَ عَنْ ظِهَارِهِ لِعَدَمِ الرَّقَبَةِ فَأَفْسَدَ صَوْمَهُ بِوَطْءِ امْرَأَتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ فَقَدْ رَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة إنْ وَجَدَ رَقَبَةً حِينَ أُفْسِدَ صَوْمُهُ يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِهِ يَوْمَ الْأَدَاءِ، وَهَذَا لَمَّا أَبْطَلَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَوْمِهِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِئْنَافُ كَانَ هَذَا وَقْتَ أَدَائِهِ فَلَمَّا كَانَ غَنِيًّا حِينَ ابْتِدَاءِ الْأَدَاءِ لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ إلَى عَشْرِ سِنِينَ حُرٌّ ثُمَّ لَزِمَهُ ظِهَارٌ، وَهُوَ مُوسِرٌ، فَإِنْ صَبَرَتْ امْرَأَتُهُ هَذِهِ الْعَشْرَ سِنِينَ فَلَا
стр. 1078
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يَصُومُ، وَإِنْ لَمْ تَصْبِرْ وَقَامَتْ بِهِ فَفَرْضُهُ الصِّيَامُ رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الصِّيَامُ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤] وَفِي هَذَا حُكْمَانِ:
أَحَدُهُمَا التَّتَابُعُ، وَالثَّانِي خُلُوُّ الشَّهْرَيْنِ مِنْ مُجَامَعَةِ الزَّوْجَةِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا وَتَقَدُّمُهَا عَلَى ذَلِكَ فَأَمَّا التَّتَابُعُ فَإِنْ يَتَّصِلْ صِيَامُهَا وَلَا يَفْصِلُ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِطْرٌ لِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ أَفْطَرَ فِي سَفَرِهِ فِي صِيَامِ تَظَاهُرَ ابْتَدَأَ، وَإِنْ أَفْطَرَ لِمَرَضٍ بَنَى إذَا صَحَّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُسَافِرَ لَمْ يُبَحْ لَهُ الْفِطْرُ لِعَجْزِهِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ لِتَخْفِيفِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِ، وَالتَّتَابُعُ مِنْ بَابِ الْمَشَقَّةِ، وَقَدْ شَرَطَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَرِيضُ، فَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ لِعَجْزِهِ عَنْ الصِّيَامِ كَالْحَائِضِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا؛ لِأَنَّ النَّاسِيَ مَعْذُورٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا أَوْ مَرِيضًا ابْتَدَأَ الصِّيَامَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مَعْنًى لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَلَمْ يُوجَدْ بِاخْتِيَارِهِ فَلَمْ يَبْطُلْ التَّتَابُعُ كَالِاحْتِلَامِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ جَامَعَ فِي صِيَامِ ظِهَارِهِ نَاسِيًا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَسْتَأْنِفُ الصَّوْمَ، وَأَمَّا إذَا فَصَلَ بَيْنَهُ زَمَنٌ يَمْنَعُ الصَّوْمَ بِالشَّرْعِ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ تَقْدِيمِ الصَّوْمِ عَلَى الْمُجَامَعَةِ فَهُوَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤] ، وَذَلِكَ يُوجِبُ تَمَامَ صَوْمِهِمَا قَبْلَ الْمُلَامَسَةِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ صَائِمًا لِشَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا، وَإِنْ جَامَعَ فِي أَثْنَاءِ صَوْمِهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا الْمُظَاهَرَ مِنْهَا أَوْ غَيْرَهَا نَهَارًا ابْتَدَأَ الصَّوْمَ قَالَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ، وَالْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ إنْ وَطِئَهَا لَيْلًا لَمْ يَبْطُلْ صِيَامُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤] فَجَعَلَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي الصِّيَامِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ الَّذِي بِهِ يَتَخَلَّصُ مِنْ حُكْمِ الظِّهَارِ فَمَنْ جَامَعَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الصِّيَامَ فَلَمْ يَأْتِ بِصِيَامِ الشَّهْرَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَتَمَاسَّا فَلَمْ يَبْرَأْ بِذَلِكَ مِنْ صَوْمِ الظِّهَارِ كَالْوَاخِذِ بِالْعَدَدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ شَرَعَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ تَمَامِهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْكَفَّارَةَ مِنْ أَوَّلِهَا، فَإِنْ تَمَادَى عَلَى إتْمَامِهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ طَلَاقُهُ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا، فَإِنْ كَانَ بَائِنًا فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَأْنَفَ الْكَفَّارَةَ مِنْ أَوَّلِهَا، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ التَّمَادِي بَعْدَ أَنْ بَانَتْ مِنْهُ إذَا ابْتَدَأَ الْكَفَّارَةَ، وَهُوَ مُجْمِعٌ عَلَى إمْسَاكِهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَتَى بِالْكَفَّارَةِ فِي وَقْتٍ لَيْسَتْ لَهُ بِزَوْجَةٍ فَلَمْ يُجْزِهِ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ الْكَفَّارَةَ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ لِلْكَفَّارَةِ حُكْمَ الِابْتِدَاءِ بِهَا، فَإِذَا ابْتَدَأَهَا فِي وَقْتٍ يَصِحُّ فِيهِ التَّكْفِيرُ لَمْ يَمْنَعْ مَا يَطْرَأُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ الصِّيَامَ مُعْسِرًا ثُمَّ أَيْسَرَ، وَهَذَا عِنْدِي مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ وَاحْتِجَاجِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَرْتَجِعَ ثُمَّ يُكَفِّرَ، فَإِنْ كَفَّرَ قَبْلَ أَنْ يَرْتَجِعَ وَقَبْلَ أَنْ تَبِينَ مِنْهُ أَجْزَأَهُ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَهَذَا إذَا صَامَ أَوْ أَطْعَمَ فِي الْعِدَّةِ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَتَمَادَى عَلَى صِيَامِهِ فَقَدْ رَوَى فِي الْمُزَنِيَّة مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ أَتَمَّ صِيَامَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ بَقِيَ مِنْهُ يَوْمٌ وَاحِدٌ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ صَامَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ بِزَوْجَةٍ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَأْنَفَ الصِّيَامَ مِنْ أَوَّلِهِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْكَفَّارَةُ بِصِيَامٍ، فَإِنْ كَانَتْ بِإِطْعَامٍ فَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ قَبْلَ إتْمَامِهَا فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ تَبْطُلُ الْكَفَّارَةُ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا يَوْمًا مَا اسْتَأْنَفَ الْإِطْعَامَ كُلَّهُ وَقَالَ أَصْبَغُ يَبْنِي عَلَى الْإِطْعَامِ وَيَبْتَدِئُ الصِّيَامَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا كَفَّارَةٌ يُبْطِلُهَا تَخَلُّلُ الْوَطْءِ فَأَبْطَلَهَا تَخَلُّلُ الْبَيْنُونَةِ كَالصِّيَامِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْإِطْعَامَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ التَّتَابُعُ فَلَمْ يَبْطُلْ بِالْبَيْنُونَةِ بِخِلَافِ الصِّيَامِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وقَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] يَقْتَضِي أَنَّ جَوَازَ الْإِطْعَامِ مُرَتَّبٌ عَلَى
стр. 1079
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْعَجْزِ عَنْ الصِّيَامِ وَعَدَمِ الرَّقَبَةِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ هَذَا الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ فَقَالَ هُوَ عِنْدِي الشَّيْخُ الَّذِي لَا يَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ مِنْ كِبَرٍ أَوْ ضَعْفٍ فَلَوْ أَطْعَمَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الصَّوْمِ لَمْ يُجْزِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] ، فَإِنَّمَا نَقَلَ إلَى الْإِطْعَامِ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَاَلَّذِي يُجْزِئُهُ مَنْ فِي الْجِنْسِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَأَمَّا الْقَدْرُ، فَإِنَّهُ يَعُودُ إلَى مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إلَى عَدَدِ مَنْ يُطْعِمُ، وَالثَّانِي إلَى قَدْرِ مَا يُطْعِمُ فَأَمَّا عَدَدُ مَنْ يُطْعِمُ فَهُمْ سِتُّونَ مِسْكِينًا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] ، وَلَوْ أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الْعَدَدَ وَلْيُطْعِمْ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا مَا يُجْزِئُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَيُجْزِئُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْقَدْرُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يُفْتِي فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ بِمُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ وَيَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ مُدُّ هِشَامٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَهُ أَوَّلًا لَمَّا كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ بَيْنَ النَّاسِ يَبِينُ بِهِ مِقْدَارُ مَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ، وَالتَّفْسِيرِ كَمَا يَقُولُ الْإِنْسَانُ فِي بَلَدِهِ يُجْزِئُك مِنْ هَذَا الْمُدِّ كَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُ قَدْ ظَنَّ بِهِ أَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ مِقْدَارًا فِي نَفْسِهِ أَنْكَرَهُ وَكَرِهَهُ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ أَوْ قُلْنَا بِتَقْدِيرِهِ بِالْمُدِّ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُدِّ هِشَامٍ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّ مُدَّ هِشَامٍ الَّذِي جَعَلَهُ لِفَرْضِ الزَّوْجَةِ فِيهِ مُدٌّ وَثُلُثٌ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مُدَّانِ إلَّا ثُلُثٌ وَرَوَى الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى أَنَّهُ مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَ بْنَ عِيسَى مَدَنِيٌّ فَهُوَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ لِطُولِ مُقَامِهِ بِالْمَدِينَةِ مَعَ ضَبْطِهِ، وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا الْمُدَّ مَوْجُودٌ إلَى الْيَوْمِ، وَهُوَ كَيْلُ السَّرَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ، وَهُوَ مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ فَقَدْ شَاهَدْت ذَلِكَ وَبَاشَرْته وَحَقَّقْته وَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ أَنَّهُ يُطْعِمُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ عَنْ كُلِّ مِسْكِينٍ مِنْ الْحِنْطَةِ بِقَدْرِ مَا يُطْعِمُ أَوْسَطَ عِيَالِهِ فِي الْيَوْمِ، وَاللَّيْلَةِ، وَكَذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَيْضًا شِبَعُهُ فِي الْيَوْمِ، وَاللَّيْلَةِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُغَدِّيهِمْ وَيُعَشِّيهِمْ أَحَبُّ إلَيْك أَوْ يُعْطِيهِمْ حِنْطَةً فِي كِلَا الْكَفَّارَتَيْنِ فَقَالَ أَحَبُّ إلَى مَالِكٍ لَوْ أَعْطَاهُمْ، فَإِنْ أَطْعَمَهُمْ أَجْزَأَ عَنْهُ يُطْعِمُهُمْ خُبْزًا وَإِدَامًا، وَهَذَا يَقْتَضِي مُسَاوَاةَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ لِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِيمَا يُجْزِئُ مِنْ الطَّعَامِ، وَلَوْ كَانَ الْأَفْضَلُ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُزَادَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَيَبْلُغَ الْمُدَّيْنِ فَقَدْ رَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة أَمَّا الظِّهَارُ فَمُدٌّ بِمُدِّ هِشَامٍ أَوْ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمُدَّيْنِ مُدَّيْنِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] ، وَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُدَّيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ مِنْ أَوْسَطِ فَأَفْضَلُ الشِّبَعِ مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مُدٌّ بِمُدِّ هِشَامٍ وَاَلَّذِي بَيْنَهُمَا يَسِيرُ قَدْرُ الثُّلُثِ، وَأَمَّا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِيهِ ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] قَالَ مَالِكٌ الْوَسَطُ بِالْمَدِينَةِ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَمَّا بِالْبُلْدَانِ الَّتِي يُكَفَّرُ فِيهَا بِالْحِنْطَةِ فَالْوَسَطُ مِنْ الشِّبَعِ غَدَاءٌ وَعِشَاءٌ.
فَوَجْهُ الْقَوْلِ بِتَقْدِيرِهِ بِمُدَيَّنِ مِنْ مُدِّ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ إطْعَامٌ لَمْ يَجِبْ بِمَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِالصَّوْمِ وَلِأَنَّهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَكَانَ الْإِطْعَامُ فِيهِ بِنَفْسِ الصَّاعِ كَفِدْيَةِ الْأَذَى، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا وَرَدَ بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَلَمْ يُقَدِّرْ ذَلِكَ، وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مُدَّ هِشَامٍ مَوْضُوعٌ لِتَقْدِيرِ النَّفَقَاتِ الْمُوَسَّعَاتِ أَشَارَ إلَيْهِ مَالِكٌ لِيَرَى قَدْرَ مَا يَخْتَارُهُ مِنْ ذَلِكَ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ التَّغْلِيظِ لِقَلِيلِ الذِّمَّةِ وَمُرْتَكِبِ الْمَحْظُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : وَهَذَا لِمَنْ كَانَتْ الْحِنْطَةُ قُوتَهُ فَأَمَّا الشَّعِيرُ لِمَنْ أَجْزَأَهُ إخْرَاجُهُ أَوْ التَّمْرُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَرَى أَنْ يُطْعِمَ فِي الظِّهَارِ مِنْ الشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ عِدْلَ شِبَعِ مُدِّ هِشَامٍ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالْأَظْهَرُ
стр. 1080
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَتَظَاهَرُ مِنْ امْرَأَتِهِ فِي مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ تَظَاهَرَ ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ تَظَاهَرَ بَعْدَ أَنْ يُكَفِّرَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا) .
ــ
[المنتقى]
عِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنْ التَّمْرِ، وَالشَّعِيرِ مُدٌّ بِمُدِّ هِشَامٍ أَوْ مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا يَلْزَمُهُ مِنْ مَكِيلَةِ الْقَمْحِ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ صَامَ عَنْ ظِهَارِهِ حِينَ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً فَمَرِضَ فِي أَثْنَاءِ الصِّيَامِ فَقَدْ رَوَى زِيَادُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ مَرَضُهُ مِمَّا لَا يَطْمَعُ بِالْبُرْءِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُطْعِمُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ انْتَظَرَ أَنْ يَبْرَأَ أَوْ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ صَامَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ طَالَ مَرَضُهُ وَاحْتَاجَ إلَى امْرَأَتِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ، وَإِنْ رَجَا الْبُرْءَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مِمَّا يَرْجُو الْبُرْءَ مِنْهُ انْتَظَرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَوَانِعِ الَّتِي تَعْرِضُ فِي اسْتِدَامَةِ الصَّوْمِ كَالْحَيْضِ يَعْرِضُ لِلْمَرْأَةِ فِي شَهْرَيْ التَّتَابُعِ فَلَا يُجْزِئُهُ الْإِطْعَامُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُرْجَى فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ فَكَانَ فَرْضُهُ الْإِطْعَامَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: إنْ حَصَلَتْ لَهُ الْمَشَقَّةُ بِالْحَاجَةِ إلَى أَهْلِهِ مَعَ طُولِ الْمَرَضِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ جَازَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الْإِطْعَامِ كَالْإِعْسَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَيْسَ فِي نَصِّ الْقُرْآنِ ذِكْرٌ لِلْكِسْوَةِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ بَلَى ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى الْعِتْقِ أَوْ الصِّيَامِ أَوْ الْإِطْعَامِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ قَالَ: وَإِنْ كَسَا وَأَطْعَمَ عَنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِهِ: أَسَدُّ وَقَالَ فِي الْمَجَالِسِ تُجْزِئُهُ وَأَظُنُّهُ قَوْلَ مَالِكٍ وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُجْزِئُهُ وَأَخْرَجَ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِيمَنْ ظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَأَطْعَمَ عَنْ وَاحِدَةٍ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَكَسَا عَنْ أُخْرَى سِتِّينَ مِسْكِينًا ثُمَّ وَجَدَ الْعِتْقَ فَأَعْتَقَ عَنْ وَاحِدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَقَبَةِ الرَّابِعَةِ فَلْيُطْعِمْ أَوْ يَكْسُ وَيُجْزِئُهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: اُنْظُرْ قَوْلَ مُحَمَّدٍ فِي الْكِسْوَةِ مَا أَعْرِفُهُ لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْته عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ لِيَكُونَ أَقْوَى فِي الْمَذْهَبِ فَتَحَقَّقَ بِهَذَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الظِّهَارِ تَتَنَوَّعُ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ: عِتْقٌ وَصِيَامٌ وَإِطْعَامٌ وَكِسْوَةٌ وَكَأَنَّهُ يَنُوبُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَيَحْتَمِلُ هَذَا عِنْدِي وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنْ بَابِ إخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الْكَفَّارَاتِ فَيُخْرِجُ الْكِسْوَةَ عَنْ الطَّعَامِ إذَا كَانَتْ مِثْلَ قِيمَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ، وَكَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ لَا يُرَاعَى قَدْرُ الْكِسْوَةِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ الْكِسْوَةُ لَمَّا نَابَتْ عَنْ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ عَلَى عَدَدٍ وَاحِدٍ نَابَتْ هَاهُنَا عَنْهُ وَغَيْرِهَا مِنْ الْكَفَّارَاتِ، وَإِنْ نَابَ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ فَبِعَدَدٍ مُخَالِفٍ فَاخْتَصَّتْ الْكِسْوَةُ بِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْإِطْعَامِ وَقَلَّ مَنْ يَقُولُ بِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ فِي أَثْنَاءِ إطْعَامِهِ وَمِنْ شَرْطِ إطْعَامِهِ تَقْدِيمُهُ عَلَى وَطْءِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ كَفَّارَةٌ عَنْ ظِهَارٍ فَكَانَ حُكْمُهَا أَنْ تَتَقَدَّمَ عَلَى الْوَطْءِ كَالْعِتْقِ، وَالصَّوْمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَسَوَاءٌ وَطِئَ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا فَإِنَّهُ يَبْطُلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إطْعَامِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءُ إطْعَامٍ آخَرَ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ تَقْدِيمِ جَمِيعِهِ عَلَى الْوَطْءِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَتَخَلَّلَهُ وَطْءٌ.
(ش) : قَوْلُهُ فِي الرَّجُلِ يَتَظَاهَرُ مِنْ امْرَأَتِهِ فِي مَجَالِسَ شَتَّى لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا عَلَى إطْلَاقِ النِّيَّةِ دُونَ تَقْيِيدِهَا بِالتَّكْرَارِ مَعَ كَوْنِ الظِّهَارِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ يَقُولُ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَوْ مَجْلِسٍ آخَرَ، وَنَوَى تَأْكِيدَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَتَكْرَارَهُ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ تَكَرَّرَتْ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فَكَانَ إطْلَاقُهَا يَقْتَضِي التَّأْكِيدَ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ نَوَى بِالْقَوْلِ الثَّانِي كَفَّارَةً ثَانِيَةً فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ الْأُولَى بِالْوَطْءِ، فَإِنْ وَطِئَ ثُمَّ ظَاهَرَ مِنْهَا مَرَّةً أُخْرَى فَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ الْحِنْثُ بِالْوَطْءِ وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ
стр. 1081
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ تَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ مَسَّهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَيَكُفُّ عَنْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ وَيَسْتَغْفِرَ اللَّهَ قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت) .
ــ
[المنتقى]
كَانَ ظِهَارُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ظِهَارَ مُبْتَدِئٍ لَهُ حُكْمُهُ كَاَلَّذِي يَحْلِفُ أَنْ لَا يَدْخُلَ الدَّارَ مِرَارًا ثُمَّ يَدْخُلَهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا فَحَنِثَ بِدُخُولِهَا ثُمَّ حَلَفَ مَرَّةً أُخْرَى أَنْ لَا يَدْخُلَهَا كَانَتْ الْيَمِينُ الثَّانِيَةُ غَيْرَ الْأُولَى يَجِبُ فِيهَا مِنْ الْكَفَّارَةِ بِالْحِنْثِ غَيْرُ مَا يَجِبُ بِالْأُولَى.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا: إنَّ تَكْرَارَ الظِّهَارِ بِمَعْنَى تَكَرُّرِ الْكَفَّارَةِ يُوجِبُ تَقَدُّمَ ذَلِكَ مِنْ الْكَفَّارَاتِ، فَإِنْ أَدَّى كَفَّارَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ كَانَ يَقُولُ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ جَمِيعَ الْكَفَّارَاتِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَالشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ إذَا كَفَّرَ كَفَّارَةً وَاحِدَةً حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ وَطْئِهَا مِنْ أَجْلِ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ كَانَ مُولِيًا مِنْهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ؛ لِأَنَّ سَائِرَ الْكَفَّارَاتِ نَذْرٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ شَرَعَ فِي الْكَفَّارَةِ عَنْ ظِهَارِهِ فَلَمْ يُتِمَّهَا حَتَّى ظَاهَرَ مَرَّةً أُخْرَى فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ يَبْتَدِئُ الْكَفَّارَةَ مِنْ الظِّهَارِ الثَّانِي وَيُجْزِئُهُ وَقِيلَ بَلْ يُتِمُّ الْأَوَّلَ ثُمَّ يَبْتَدِئُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ إذَا بَقِيَ الْيَسِيرُ مِنْهَا، وَأَمَّا إنْ مَضَى يَوْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَيَبْتَدِئُ وَيُجْزِئُهُ لَهُمَا وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَهُ الْآنَ سَوَاءٌ صَامَ مِنْ الْأُولَى يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا وَجْهُ قَوْلِنَا بِالْإِجْزَاءِ أَنَّهَا كَفَّارَةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْحِنْثِ، فَإِذَا ظَاهَرَ مِنْهَا وَشَرَعَ فِي الْكَفَّارَةِ ثُمَّ أَرْدَفَ ثَانِيًا مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ سَقَطَ حُكْمُ الْأَوَّلِ وَثَبَتَ الثَّانِي وَتُفَارِقُ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ بِأَنَّ كَفَّارَتَهَا إذَا شَرَعَ فِيهَا بَعْدَ الْحِنْثِ لَمْ يُمْكِنْ إسْقَاطُهَا، فَإِذَا كُرِّرَتْ يَمِينٌ أُخْرَى كَانَ لَهَا حُكْمُهَا كَالْأُولَى، وَلَوْ لَزِمَتْ فِي الظِّهَارِ الْكَفَّارَةُ الْأُولَى فَحَنِثَ ثُمَّ ظَاهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ظِهَارًا آخَرَ لَكَانَتْ فِيهِ كَفَّارَتَانِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَحَنِثَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَفِي هَذَا كَفَّارَتَانِ قَالَهُ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا فَوَزَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْيَمِينِ أَنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ عَلَى رِوَايَةِ تَجْوِيزِ ذَلِكَ ثُمَّ يَشْرَعَ فِي الصِّيَامِ فَيَحْلِفَ فِي ذَلِكَ ثَانِيَةً ثُمَّ يُرِيدَ أَنْ يُكَفِّرَ، فَإِنَّهُ تُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ يَبْتَدِئُهَا، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذِهِ يَمِينٌ شَرَعَ فِي تَكْرِيرِهَا: فَإِذَا كُرِّرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهَا يَمِينٌ مُسْتَأْنَفَةٌ كَمَا لَوْ نَوَى بِيَمِينِهِ الثَّانِيَةِ كَفَّارَةً ثَانِيَةً، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ فِي الْمَذْهَبِ وَأَظْهَرُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَالْقَوْلَانِ عِنْدِي مَبْنِيَّانِ عَلَى قَوْلِنَا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْعَوْدَةِ أَوْ عَلَى قَوْلِنَا بِصِحَّةِ الظِّهَارِ لِلْعَوْدَةِ، فَإِذَا قُلْنَا: تَجِبُ بِالْعَوْدَةِ، فَإِنَّهُ إذَا ظَاهَرَ مَرَّةً أُخْرَى لَزِمَهُ إتْمَامُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالْعَوْدَةِ الْأُولَى ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْكَفَّارَةَ الثَّانِيَةَ، إذَا قُلْنَا: لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ بِالْعَوْدَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهَا مَتَى شَاءَ، فَإِذَا ظَاهَرَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا فَقَدْ تَرَكَ الْكَفَّارَةَ الْأُولَى وَتَلْزَمُهُ الثَّانِيَةُ وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَتَى بِلَفْظِ الظِّهَارِ دُونَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْكَفَّارَةِ، وَقَدْ رَأَيْت نَحْوَهُ لِأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْكَاتِبِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: فَإِنْ تَظَاهَرَ ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ تَظَاهَرَ بَعْدَ أَنْ يُكَفِّرَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ إذَا ظَاهَرَ بَعْدَ أَنْ أَتَمَّ الْكَفَّارَةَ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِذَلِكَ الظِّهَارِ مِنْ كَفَّارَةٍ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ الْأُولَى لَيْسَتْ بِكَفَّارَةٍ عَمَّا يَأْتِي بَعْدَهَا مِنْ الْأَيْمَانِ، وَإِنَّمَا هِيَ كَفَّارَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ قَبْلَهَا كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
(ش) : قَوْلُهُ: مَنْ تَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ مَسَّهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يَقْتَضِي إبَاحَةَ ذَلِكَ بَلْ هُوَ مَحْظُورٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] لَكِنَّهُ مَنْ اجْتَرَأَ وَوَطِئَ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ فَقَدْ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا؛ لِأَنَّ ظِهَارَهُ وَاحِدٌ فَتَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لَكِنْ مِنْ حُكْمِهَا تَقَدُّمُهَا عَلَى الْوَطْءِ، فَإِذَا وُجِدَ الْوَطْءُ قَبْلَهَا لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي إسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ وَلَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ لِلْكَفَّارَةِ بَعْدَ وُجُوبِ التَّظَاهُرِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ: حَالَةٌ لَا تُجْزِئُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ، وَهِيَ قَبْلَ الْعَوْدَةِ فَمَنْ كَفَّرَ
стр. 1082
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَالظِّهَارُ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَالنَّسَبِ سَوَاءٌ قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ ظِهَارٌ) .
ــ
[المنتقى]
حِينَئِذٍ فَهَلْ تُجْزِئُهُ كَفَّارَتُهُ تِلْكَ أَمْ لَا رَوَى سَحْنُونٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْمُتَظَاهِرَ يُكَفِّرُ بَعْدَ نِيَّةِ الْعَوْدَةِ لَكِنْ يُرِيدُ أَنْ يُطَلِّقَهَا أَوْ يَقُولَ: إنْ رَاجَعْتهَا حَلَّتْ لِي بِغَيْرِ ظِهَارٍ لَا تُجْزِئُهُ حَتَّى يَنْوِيَ الْعَوْدَةَ قَالَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَنْ كَفَّرَ بِغَيْرِ نِيَّةِ الْعَوْدَةِ لَمْ يُجْزِهِ.
وَقَدْ رَأَيْت لِلشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَا يُرَاعِي الْعَوْدَةَ، وَإِنَّمَا يُرَاعِي ذَلِكَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ الْعَوْدَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ: إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَأَمَّا الْحَالِفُ بِالظِّهَارِ إنْ فَعَلَ كَذَا فَقَدْ رَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ كَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يَفْعَلَ كَذَا لَا يُقَدِّمُ الطَّلَاقَ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا بِطَلَاقٍ أَوْ ظِهَارٍ فَإِنَّ لَهُ تَقْدِيمَ الْكَفَّارَةِ، وَالطَّلَاقِ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ لَيَفْعَلَنَّ عَلَى حِنْثٍ وَمِنْ وَقْتِ يَمِينِهِ فَلَا يُقَالُ فِيهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَفَّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَهُ الَّذِي حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا وُجِدَتْ الْعَوْدَةُ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ الْوَطْءُ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ فِي هَذِهِ الْحَالِ مُجْزِئَةٌ وَلَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ: لَوْ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَتْ سَقَطَتْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ، وَلَوْ شَرَعَ فِيهَا لَسَقَطَ عَنْهُ بَاقِيهَا إلَّا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ فَتَثْبُتُ الْكَفَّارَةُ ثَانِيَةً وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ إذَا أَجْمَعَ عَلَى الْعَوْدَةِ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَخْبَرَنِيهِ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ بَعْدَ الْوَطْءِ فَإِنَّهَا حَالَةٌ يَتَقَرَّرُ فِيهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَتْ أَوْ طَلَّقَهَا لَزِمَهُ إخْرَاجُ الْكَفَّارَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَوْ كَانَ شَرَعَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ أَوْ طَلَّقَهَا لَزِمَهُ إتْمَامُهَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَيَكُفُّ عَنْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ وَيَسْتَغْفِرَ اللَّهَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَتَى الْمَحْظُورَ مِنْ تَقْدِيمِ الْمَسِيسِ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَتُوبَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَسْتَدِيمَهُ بَلْ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْنَعَهُ نَفْسَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، وَيَحُولُ السُّلْطَانُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَيُؤَدِّبُهُ إنْ أَرَادَ ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَرَادَ ارْتِكَابَ الْمَحْظُورِ الْمَزْجُورِ عَنْهُ فَوَجَبَ رَدْعُهُ عَنْهُ بِالْأَدَبِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَيَكُونُ مَعَهَا فِي الْبَيْتِ وَيَدْخُلُ عَلَيْهَا بِالْإِذْنِ إذَا أَمِنَتْ نَاحِيَتَهُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الظِّهَارَ لَازِمٌ مِنْ جَمِيعِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ فَمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِالرَّضَاعَةِ أَوْ النَّسَبِ وَلَمْ يَذْكُرْ تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ لِأُمِّ زَوْجَتِهِ وَزَوْجَةِ أَبِيهِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُنَّ حُكْمَ مَنْ ظَاهَرَ؛ لِأَنَّهُنَّ مِمَّنْ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّأْبِيدُ وَفِي الْمَبْسُوطِ، وَالْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَإِنْ ظَاهَرَ مِنْ صِهْرٍ فَهُوَ مُظَاهِرٌ فِي رَأْيِي؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] .
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ ابْنِي أَوْ رَجُلٍ مِنْ النَّاسِ فَهُوَ ظِهَارٌ رَوَاهُ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِظَهْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ كَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَأَشَدُّ تَحْرِيمًا فَلَزِمَهُ الظِّهَارُ كَمَا لَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ بَهِيمَةٍ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَبَعْضِ مَنْ حَرَّمَ الْقُرْآنُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ مَنْ تَحِلُّ لَهُ مِنْ إمَائِهِ وَأَزْوَاجِهِ فَلَيْسَ بِمُظَاهِرٍ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا شَبَّهَهَا بِمُبَاحَةٍ فَبَقِيَتْ عَلَى حُكْمِ الْإِبَاحَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ ظِهَارٌ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُنَّ أَنْ يُظَاهِرْنَ مِنْ الْأَزْوَاجِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَيْسَ إلَيْهِنَّ، وَإِنَّمَا التَّحْرِيمُ إلَى الْأَزْوَاجِ كَالطَّلَاقِ، وَلَوْ طَلَّقَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمُ الطَّلَاقِ، وَأَصْلُ هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] فَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِالرِّجَالِ فِي نِسَائِهِمْ وَبِاَللَّهِ
стр. 1083
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﵎ ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] قَالَ: سَمِعْت أَنَّ تَفْسِيرَ ذَلِكَ أَنْ يَتَظَاهَرَ الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ يُجْمِعَ عَلَى إمْسَاكِهَا وَإِصَابَتِهَا، فَإِنْ أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، فَإِنْ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُجْمِعْ بَعْدَ تَظَاهُرِهِ مِنْهَا عَلَى إمْسَاكِهَا وَإِصَابَتِهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَمَسَّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ) .
ــ
[المنتقى]
تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] قَالَ مَالِكٌ النِّسَاءُ وَاقِعٌ عَلَى الْإِمَاءِ الْحَرَائِرِ، وَالْإِمَاءِ الزَّوْجَاتِ، وَالسَّرَارِي وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الزَّوْجَاتِ، وَالسَّرَارِي.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] قَالَ مَالِكٌ: إنَّ تَفْسِيرَ ذَلِكَ يَعْنِي الْعَوْدَةَ أَنْ يُجْمِعَ بَعْدَ الظِّهَارِ عَلَى إمْسَاكِهَا وَإِصَابَتِهَا هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَةِ بِمَاذَا تَتَعَلَّقُ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَمُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِشَرْطَيْنِ: وُجُودُ الظِّهَارِ، وَالْعَوْدَةُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالثَّوْرِيُّ: تَجِبُ بِنَفْسِ الظِّهَارِ دُونَ شَرْطٍ آخَرَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] فَعَلَّقَ الْكَفَّارَةَ بِالظِّهَارِ، وَالْعَوْدَةِ فَمَنْ قَالَ: إنَّمَا تَجِبُ بِنَفْسِ الظِّهَارِ دُونَ الْعَوْدَةِ فَقَدْ خَالَفَا النَّصَّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَتَى عُلِّقَ عَلَى صِفَتَيْنِ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا شَرْطَانِ فِي ثُبُوتِهِ كَمَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَسْلَمَ وَشَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَصْفَيْنِ شَرْطَانِ فِي وُجُوبِ الْجَلْدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعَوْدَةَ شَرْطٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْكَفَّارَةُ كَالظِّهَارِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مَا هِيَ وَلِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الْعَزْمُ عَلَى إمْسَاكِهَا، وَالثَّانِي الْعَزْمُ عَلَى وَطْئِهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمُوَطَّأِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا وَيَقْتَضِي قَوْلُهُ هَذَا أَنَّ إفْرَادَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَزْمِ عَلَيْهِ عَوْدَةٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَهُمَا عِنْدِي رَاجِعَانِ إلَى مَعْنَى الْإِمْسَاكِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْوَطْءِ فَقَدْ عَزَمَ عَلَى إمْسَاكِهَا إلَى أَنْ يَطَأَ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى الْإِمْسَاكِ أَنْ يَنْوِيَ إمْسَاكَهَا أَبَدًا بَلْ لَوْ عَزَمَ عَلَى إمْسَاكِهَا سَنَةً لَكَانَ عَازِمًا عَلَى الْإِمْسَاكِ، وَأَمَّا الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْجَلَّابِ وَغَيْرُهُ رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّ الْعَزْمَ هُوَ نَفْسُ الْوَطْءِ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَطَاوُسٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ الزَّمَانِ مُدَّةٌ يُمْكِنُهُ فِيهَا إيقَاعُ الطَّلَاقِ فَلَا يُوقِعُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] وَثُمَّ تَقْتَضِي الْمُهْلَةَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَوْدَةَ تَكُونُ بَعْدَ إيقَاعِ الظِّهَارِ بِمُهْلَةٍ.
وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْعَوْدَةُ مِنْ فِعْلِ الْمُظَاهِرِ، إمَّا عَزْمٌ وَإِمَّا غَيْرُهُ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ وَتَرْكِ طَلَاقٍ فَهُوَ عُدُولٌ عَنْ الظَّاهِرِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَجَازَ أَنْ يَتَأَخَّرَ وُجُوبُهَا عَنْ الْيَمِينِ أَصْلُ ذَلِكَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ الْعَوْدَةَ تَتَقَدَّمُ وَتَتَأَخَّرُ فَذَهَبَ دَاوُد إلَى أَنَّ الْعَوْدَةَ هِيَ إعَادَةُ لَفْظِ الظِّهَارِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْأَيْمَانِ بِمُخَالَفَةِ الْيَمِينِ وَمَنْ ظَاهَرَ اقْتَضَى ظِهَارُهُ تَحْرِيمَ زَوْجَتِهِ، فَإِذَا أَرَادَ اسْتِبَاحَتَهَا فَقَدْ عَادَ فِيمَا تَرَكَ وَرَجَعَ إلَى الْوَطْءِ الَّذِي حَرُمَ وَفِي مِثْلِ هَذَا يُقَالُ عَادَ فُلَانٌ لِكَذَا وَإِلَى كَذَا إذَا كَانَ قَدْ تَرَكَهُ وَحَرَّمَهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ وَلِذَلِكَ يُقَالُ عَادَ فُلَانٌ لِشُرْبِ الْخَمْرِ إذَا كَانَ قَدْ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ مِنْهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ التَّلَفُّظُ بِالظِّهَارِ ثَانِيًا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ لَأَوْجَبَهَا الْأَوَّلُ فَلَمَّا لَمْ يُوجِبْهُ الْأَوَّلُ لَمْ يُوجِبْهُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ [المجادلة: ٣]
стр. 1084
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَتَظَاهَرُ مِنْ أَمَتِهِ إنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنْ يُصِيبَهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: لَا يَدْخُلُ عَلَى الرَّجُلِ إيلَاءٌ فِي تَظَاهُرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُضَارًّا لَا يُرِيدُ أَنْ يَفِيءَ مِنْ تَظَاهُرِهِ) .
ــ
[المنتقى]
مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْفَيْئَةِ هَاهُنَا إعَادَةُ الْإِيلَاءِ فَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْعَوْدَةِ إعَادَةُ الظِّهَارِ وَقَالَ الْأَخْفَشُ: تَقْدِيرُهُ وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ لِمَا قَالُوا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ أَجْلِ مَا قَالُوا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: فَإِنْ أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي وُجُوبَهَا بِنَفْسِ الْعَزْمِ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ وُجُوبًا مُتَفَرِّقًا كَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْحِنْثِ الَّذِي لَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا بِالْأَدَاءِ، وَالثَّانِي أَنْ لَا يَجِبَ بِالْعَوْدَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ شَرْطًا فِي اسْتِبَاحَةِ الْوَطْءِ كَالطَّهَارَةِ الَّتِي لَا تَجِبُ لِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ أَرَادَ صَلَاةً أَوْ مَسَّ مُصْحَفًا لِاسْتِبَاحَةِ ذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ مَالِكٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: إنَّ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] إنَّهُ إرَادَةُ الْإِمْسَاكِ، وَالْوَطْءِ، فَإِذَا أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ إنْ مَاتَتْ أَوْ طَلَّقَهَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَهَذَا عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَأَمَّا عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي، وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ مَسَائِلِ أَصْحَابِنَا وَأَقْوَالِهِمْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ أَنَّهُ إذَا أَجْمَعَ عَلَى الْإِمْسَاكِ ثُمَّ صَامَ بَعْضَ الْكَفَّارَةِ ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَإِنْ نَكَحَهَا يَوْمًا ابْتَدَأَ، وَلَوْ تَقَرَّرَ وُجُوبُهَا لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ بِذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَطِئَ ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ أَوْ طَلَّقَهَا لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ لَمَّا تَقَرَّرَ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ بِالْوَطْءِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: وَإِنْ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُجْمِعْ بَعْدَ تَظَاهُرِهِ مِنْهَا عَلَى إمْسَاكِهَا وَإِصَابَتِهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَمْ تَجِبْ بَعْدَ عَزْمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْإِمْسَاكِ وَيَقْتَضِي أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْإِمْسَاكِ عَوْدَةٌ أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ بَعْدَ الْعَوْدَةِ يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ وَيُسْقِطُ التَّمَادِيَ عَلَى مَا قَدْ شَرَعَ فِيهِ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِهِ أَنْ لَا يُجْمِعَ عَلَى الْإِمْسَاكِ قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ: فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدُ لَمْ يَمَسَّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ يَقْتَضِي بَقَاءَ حُكْمِ الظِّهَارِ، وَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ الْمَسِيسِ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ وَيَقْتَضِي قَوْلُهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْإِمْسَاكِ عَوْدَةٌ.
(ش) : قَوْلُهُ: إنْ أَرَادَ مَنْ تَظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ أَنْ يُصِيبَهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ يَقْتَضِي تَعَلُّقَ الظِّهَارِ بِالْأَمَةِ كَتَعَلُّقِهِ بِالزَّوْجَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً فَظَاهَرَ مِنْهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا أَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ حَتَّى يُكَفِّرَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلظِّهَارِ تَأْثِيرًا فِي تَحْرِيمِ الْوَطْءِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ تَحِلَّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
(ش) : قَوْلُهُ: لَا يَدْخُلُ عَلَى الرَّجُلِ إيلَاءٌ فِي تَظَاهُرِهِ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ تَظَاهُرًا غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِصِفَةٍ، وَإِنْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا، وَكَذَا فَإِنَّهُ يَضْرِبُ لَهُ أَجَلَ الْإِيلَاءِ مِنْ يَوْمِ يَرْفَعُهُ إلَى السُّلْطَانِ وَيُلْزِمُهُ حُكْمَ الْمُولِي؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مَمْنُوعٌ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ حَتَّى يَفْعَلَ مَا عَلَّقَ يَمِينَهُ بِهِ، فَإِذَا كَانَ مُمْتَنِعًا مِنْ الْوَطْءِ لِأَجْلِ يَمِينِهِ بِالظِّهَارِ وَلَمْ تَكُنْ الْيَمِينُ مُبَاشَرَةً لِلْمَنْعِ مِنْ الْوَطْءِ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ الْإِيلَاءُ إلَّا إذَا طَالَبَتْهُ الزَّوْجَةُ بِذَلِكَ وَرَفَعَتْهُ فَيَضْرِبُ لَهُ السُّلْطَانُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَجَلَ الْمُولِي.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا كَانَ الظِّهَارُ مُطْلَقًا غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِصِفَةٍ فَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَمْ تُبَاشِرْ الْمَنْعَ مِنْ الْوَطْءِ، وَإِنَّمَا تَحْرِيمُ الْوَطْءِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهِ كَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُضَارًّا لَا يُرِيدُ أَنْ يَفِيءَ مِنْ تَظَاهُرِهِ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَجِدَ الْكَفَّارَةَ فَلَا يُكَفِّرُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ ضَرَرَهُ لَمْ يُوقَفْ إلَّا أَنْ يَطُولَ ذَلِكَ وَرَوَى أَشْهَبُ
стр. 1085
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا عَلَيْك مَا عِشْت فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُجْزِئُهُ عَنْ ذَلِكَ عِتْقُ رَقَبَةٍ) .
ظِهَارُ الْعَبْدِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ ظِهَارِ الْعَبْدِ فَقَالَ نَحْوَ ظِهَارِ الْحُرِّ قَالَ مَالِكٌ: يُرِيدُ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْحُرِّ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَظِهَارُ الْعَبْدِ عَلَيْهِ وَاجِبٌ وَصِيَامُ الْعَبْدِ فِي الظِّهَارِ شَهْرَانِ)
ــ
[المنتقى]
عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُتَظَاهِرِ لَا يَجِدُ مَا يُعْتِقُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ وَلَا يَجِدُ مَا يُطْعِمُ فَلَا مَخْرَجَ لَهُ وَلْيَكُفَّ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى يَجِدَ مَا يُكَفِّرُ بِهِ يُرِيدُ وَلَا حُجَّةَ لَهَا فَفِي هَذَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَبَيَّنَ ضَرَرُهُ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ الْإِيلَاءُ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ لَا يَتَبَيَّنَ ضَرَرُهُ وَلَا عُذْرُهُ فَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ أَجَلُ الْإِيلَاءِ بِطُولِ الْمُدَّةِ، وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَبَيَّنَ عُذْرُهُ فَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إيلَاءٌ جُمْلَةً.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَجَلِ الْإِيلَاءِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يُبْتَدَأُ لَهُ أَجَلُ الْمُولِي عِنْدَمَا يَرَى النَّاسُ مِنْ إضْرَارِهِ ثُمَّ يَجْرِي بِحِسَابِ الْمُولِي تَأَوَّلَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ عَلَى أَنَّهُ يَضْرِبُ لَهُ الْأَجَلَ مِنْ يَوْمِ يَتَبَيَّنُ ضَرَرُهُ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَجَلُهُ مِنْ يَوْمِ التَّظَاهُرِ وَلِذَلِكَ اخْتَصَرَ بَعْضُ الْمُخْتَصِرِينَ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَدْ بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ قُلْت لِعِيسَى بْنِ دِينَارٍ أَرَأَيْت مَعْنَى هَذَا أَيْ أَوَّلُ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ يُعْتِقُ عَنْهَا رَقَبَةً ثُمَّ إنْ تَزَوَّجَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ نَعَمْ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَبِهِ آخُذُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَظَاهَرَ مِنْ نِسْوَةٍ لَهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ يَجْتَزِئُ بِهَا عَنْهُنَّ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ نَافِعِ بْنِ نَافِعٍ لَسْت آخُذُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَى أَنَّهُ قَدْ تَظَاهَرَ مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا عَلَيْهَا فَكُلَّمَا نَكَحَ امْرَأَةً كَفَّرَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا كَفَّارَةً عَنْ كُلِّ امْرَأَةٍ، وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِيمَنْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ عَنْ كُلِّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا أَبَدًا وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ مِمَّنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك مَا عِشْت فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي يُجْزِئُهُ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[ظِهَارُ الْعَبْدِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ ظِهَارَ الْعَبْدِ كَظِهَارِ الْحُرِّ فِي لُزُومِهِ وَتَعَلُّقِ أَحْكَامِهِ بِهِ عَلَى مَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ ﵀ مِنْ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْحُرِّ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] الْآيَةَ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْأَحْرَارِ، وَالْعَبِيدِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْعَبْدَ لَمَّا لَمْ يُكَفِّرْ بِالْعِتْقِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الظِّهَارِ وَلَا مُخَاطَبًا بِالْآيَةِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي الْمُعْسِرِ الضَّعِيفِ عَنْ الصِّيَامِ وَلِأَنَّهُ قَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ بِوَاجِدٍ لِلرَّقَبَةِ فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ فَحُكْمُهُ ثَابِتٌ بِالْآيَةِ.
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ ظِهَارَ الْعَبْدِ عَلَيْهِ وَاجِبٌ يُرِيدُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَيَثْبُتُ فِي حَقِّهِ حُكْمُهُ، وَقَوْلُهُ: وَصِيَامُهُ فِي الظِّهَارِ شَهْرَانِ يُرِيدُ أَنَّ حُكْمَهُ فِي قَدْرِ الصِّيَامِ حُكْمُ الْحُرِّ؛ لِأَنَّ صِيَامَهُ عَلَى وَجْهِ الْكَفَّارَةِ، وَالْكَفَّارَاتُ يَسْتَوِي فِيهَا حُكْمُ الْأَحْرَارِ، وَالْعَبِيدِ كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ، وَأَمَّا الْعِتْقُ فَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَثْبُتُ لَهُ فَأَمَّا الْحَجْرُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ نَفْسِهِ كَالسَّفِيهِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فَهَذَا يَلْزَمُهُ الظِّهَارُ كَمَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، وَأَمَّا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ بِهِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ إنْ كَانَ مَلِيًّا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا رَأْسٌ لَمْ أُحِبَّ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ وَقَالَ أَصْبَغُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا يُجْزِئُهُ إلَّا الْعِتْقُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ صَامَ
стр. 1086
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الصَّوْمِ، فَإِنْ أَبَى فَهُوَ مُضَارٌّ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ يُرْفَعُ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ، فَإِنْ رَأَى الْعِتْقَ خَيْرًا لَهُ مِنْ فِرَاقِ أَهْلِهِ أَعْطَاهُ رَقَبَةً يُكَفِّرُ بِهَا، وَإِنْ رَأَى ذَلِكَ خَيْرًا فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَلَا يَصُومُ وَمِنْ الْمُزَنِيَّة قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ لَمْ يَرَ لَهُ وَلِيُّهُ الْكَفَّارَةَ بِالْعِتْقِ كَفَّرَ هُوَ بِالصَّوْمِ فَقَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا تَقَرَّرَ وُجُوبُهُ بِالشَّرْعِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ لَيْسَ مَصْرُوفًا أَدَاؤُهُ إلَى إذْنِ الْوَلِيِّ، فَإِذَا أَخْرَجَهُ الْمُوَلَّى عَنْهُ نَفَذَ إخْرَاجُهُ وَأَجْزَأَ عَنْهُ كَزَكَاةِ مَالِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَنْعَ الْوَلِيِّ مِنْ الْعِتْقِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ مِنْ النَّظَرِ يَقُومُ مَقَامَ عَدَمِ الرَّقَبَةِ فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ إلَى الصَّوْمِ، وَقَوْلُ مَالِكٍ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لِلسُّلْطَانِ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ لَمَّا كَانَ الْخُرُوجُ عَنْ هَذَا الْحَقِّ يَصِحُّ بِوَجْهَيْنِ كَانَ لَهُ النَّظَرُ فِي أَرْشَدِهِمَا، وَعَلَى أَنَّ مَنْعَ السُّلْطَانِ مِنْ الْعِتْقِ لَا يُبِيحُ الِانْتِقَالَ إلَى الصَّوْمِ مَعَ وُجُودِ الرَّقَبَةِ، وَإِنَّمَا لَهُ النَّظَرُ فِي أَرْشَدِ الْأَمْرَيْنِ: الْعِتْقِ عَنْهُ أَوْ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لِلْوَلِيِّ النَّظَرَ فِي إنْفَاذِ الْعِتْقِ أَوْ مَنْعِهِ، وَإِذَا مَنَعَ مِنْهُ قَامَ ذَلِكَ مَقَامَ عَدَمِ الرَّقَبَةِ فَانْتَقَلَ إلَى الصَّوْمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِحَقِّ غَيْرِهِ كَالْعَبْدِ، فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ لَهُ الْكَفَّارَةُ بِالْعِتْقِ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: حَقُّ السَّيِّدِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَثْبُتُ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ وُقُوعَ الْعِتْقِ عَنْهُ، وَعَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمَبْسُوطِ لَا يُجْزِئُهُ الْعِتْقُ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ الْوَلَاءُ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يُكَفِّرُ بِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِسَيِّدِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَجُوزُ لَهُ الْعِتْقُ، وَإِنَّ فَرْضَهُ الصِّيَامُ فَهَلْ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهُ أَمْ لَا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لِأَهْلِهِ مَنْعُهُ إذَا أَضَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ فِي خِدْمَتِهِ وَعَمَلِهِ، وَإِذَا لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِهِمْ، وَإِنَّمَا قَصَدُوا لِيُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ أُجْبِرُوا عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْ الصَّوْمِ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِهِ فِي عَمَلِهِ وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزَنِيَّة وَقَالَ لَوْ شَاءَ سَيِّدُهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي النِّكَاحِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ مَعْنًى أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَضُرُّ بِسَيِّدِهِ فِي عَمَلِهِ كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ هَذَا صَوْمٌ قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ كَالْفَرْضِ وَلِأَنَّ هَذَا مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ الَّتِي قَدْ مَلَكَهَا بِالنِّكَاحِ فَلَا يَكُونُ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ إلَّا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ لَهُ مَنْعُهُ إذَا أَضَرَّ ذَلِكَ بِهِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ يُؤَدِّي الْخَرَاجَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ، فَإِنْ قَوِيَ عَلَى صَوْمِهِ وَعَمَلِهِ فَلَا يُمْنَعُ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا كَانَ يَضُرُّ بِعَمَلِهِ وَسَوَّغْنَا لِلسَّيِّدِ مَنْعَهُ مِنْ الصَّوْمِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ مَنَعَهُ سَيِّدُهُ الصِّيَامَ وَأَذِنَ لَهُ فِي الْإِطْعَامِ أَجْزَأَهُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْإِطْعَامِ فَالصِّيَامُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا أَدْرِي مَا هَذَا وَلَيْسَ يُطْعِمُ أَحَدٌ يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ وَلَا أَرَى جَوَابَ مَالِكٍ فِي الْمَسْأَلَةِ إلَّا وَهْمًا وَلَعَلَّهُ أَرَادَ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: إنَّ مَعْنَاهُ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الصَّوْمِ فَيَقُولُ: الْإِطْعَامُ يُجْزِئُهُ وَلَيْسَ يَسْتَحْسِنُهُ؛ لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ التَّصَرُّفَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى الْمَسَاكِينِ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الصَّوْمَ يَضُرُّ بِهِ فِي عَمَلِهِ فَلِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْهُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَيَأْذَنُ لَهُ فِي الْإِطْعَامِ فَالصِّيَامُ كَانَ أَفْضَلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَصُومُ إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَلَا يُطْعِمُ إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ فَالصِّيَامُ أَحَبُّ إلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ السَّيِّدُ أَنْ يَتَمَوَّلَهُ قَبْلَ إنْفَاذِهِ وَيَقْدِرُ عَلَى إزَالَةِ الْمَالِ مِنْهُ قَبْلَ إنْفَاذِهِ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ رَجَعَ عَنْ إذْنِهِ وَفِي الْمُزَنِيَّة قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ: لَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ الْمُتَظَاهِرِ عِتْقٌ وَلَا إطْعَامٌ، وَلَوْ كَانَ يَجِدُ مَا يُطْعِمُ وَيُعْتِقُ وَلَكِنْ يَصُومُ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ لَا يُطْعِمُ؛ لِأَنَّ إذْنَ السَّيِّدِ لَا يَخْرُجُ إلَّا طَعَامٌ مِنْ مِلْكِ السَّيِّدِ إلَّا إلَى الْمَسَاكِينِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ أَنَّ مِلْكَ الْعَبْدِ غَيْرُ مُسْتَقَرٍّ وَلَفْظُهُ يَقْتَضِي
стр. 1087
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَتَظَاهَرُ مِنْ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إيلَاءٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ذَهَبَ يَصُومُ صِيَامَ كَفَّارَةِ الْمُتَظَاهِرِ دَخَلَ عَلَيْهِ طَلَاقُ الْإِيلَاءِ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صِيَامِهِ) .
مَا جَاءَ فِي الْخِيَارِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ «عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ فَكَانَتْ إحْدَى السُّنَنِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ فَقُرِّبَ إلَيْهِ خُبْزٌ وَإِدَامٌ مِنْ إدَامِ الْبَيْتِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ» )
ــ
[المنتقى]
غَيْرَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِلْكُهُ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ عَلَيْهِ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مِلْكِ السَّيِّدِ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ هَذَا أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ إنَّمَا يَمْلِكُ مَا يُضَافُ إلَيْهِ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ مَا يُطْعِمُ وَلَيْسَ فِي الْإِطْعَامِ مَعْنًى يُرَاعَى غَيْرُ إذْنِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ لِحَقِّ السَّيِّدِ، فَإِذَا أَذِنَ فِيهِ السَّيِّدُ جَازَ كَالصَّوْمِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مَا قَدَّمْنَاهُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْعَبْدَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إيلَاءٌ بِنَفْسِ الظِّهَارِ وَلَا بِالتَّوْقِيفِ؛ لِأَنَّ صِيَامَهُ شَهْرَانِ وَأَجَلُهُ فِي الْإِيلَاءِ شَهْرَانِ، فَإِنْ أَفْطَرَ سَاهِيًا أَوْ لِمَرَضٍ يَقْضِي أَجَلَ الْإِيلَاءِ قَبْلَ إتْمَامِ الْكَفَّارَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَضْرِبَ أَجَلَ الْإِيلَاءِ عَلَى هَذَا، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ مَالِكٍ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَضْرِبُ لَهُ أَجَلَ الْإِيلَاءِ بِوَجْهٍ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ لَا يَنْقَضِي حَتَّى يَنْقَضِيَ أَجَلُ الْإِيلَاءِ وَتَعْلِيلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ يَقْتَضِي غَيْرَهَا غَيْرَ أَنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ بِذَلِكَ وَلَا يُوجَدُ لِمَالِكٍ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ هَذَا مِنْ بَعْضِ مَا يَعْتَذِرُ بِهِ الْعَبْدُ فِي رَفْعِ أَجَلِ الْإِيلَاءِ عَنْ نَفْسِهِ، وَالثَّانِي أَنْ يُرِيدَ الْعَبْدُ الصَّوْمَ وَيَمْنَعُهُ مِنْهُ سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ عُذْرًا لِلْعَبْدِ يَمْنَعُ دُخُولَ الْإِيلَاءِ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَدْخُلُ عَلَى الْعَبْدِ إيلَاءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُضَارًّا لَا يُرِيدُ أَنْ يَفِيءَ أَوْ يَمْنَعَهُ أَهْلُهُ الصِّيَامَ بِأَمْرٍ لَهُمْ فِيهِ عُذْرٌ فَهَذَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ إنْ رَافَعَتْهُ امْرَأَتُهُ فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَجَلَ إنَّمَا يُضْرَبُ بِالشَّرْعِ فِي الْكَفَّارَةِ إذَا امْتَنَعَ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ إذَا مَنَعَهُ مِنْهُ أَهْلُهُ، فَإِنَّمَا يَضْرِبُ لَهُ الْأَجَلَ لِيُبِيحَ أَهْلُهُ لَهُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ التَّكْفِيرَ بِالصِّيَامِ، وَأَمَّا أَصْبَغُ فَلَمْ يَرَ مَنْعَ أَهْلِهِ مِنْ الصِّيَامِ ضَرَرًا يَدْخُلُ عَلَيْهِ بِهِ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قِبَلِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ حُرٌّ يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ كَمَا لَا يَدْخُلُ عَلَى الْحُرِّ الْإِيلَاءُ بِتَرْكِ عِتْقِ عَبْدٍ لَا يَمْلِكُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَا جَاءَ فِي الْخِيَارِ]
(ش) : قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ تُرِيدُ ثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ مَشْرُوعَةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ أَسْبَابُهَا مُخْتَصَّةً بِبَرِيرَةِ وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَحَفُّظَ أَسْبَابِ الْأَحْكَامِ مِمَّا اهْتَبَلَ بِهِ الصَّحَابَةُ ﵃ وَنَقَلَهُ عَنْهُمْ الْعُلَمَاءُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَوْنٌ عَلَى فَهْمِ مَعْنَى الْحُكْمِ وَعُمُومِهِ أَوْ خُصُوصِهِ، وَوَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِمَنْ تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ اخْتِصَاصٍ بِهِ أَوْ تَعَدٍّ إلَى غَيْرِهِ وَفِيهِ عَوْنٌ عَلَى حِفْظِ الْأَحْكَامِ وَاسْتِدَامَةِ حِفْظِهَا.
(فَصْلٌ) :
ثُمَّ فَسَّرَتْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: إنَّ إحْدَى السُّنَنِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا اسْمُهُ مُغِيثٌ كَذَلِكَ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْبَقَاءِ مَعَهُ عَلَى حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ الْمُفَارَقَةِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ رُتْبَةٌ أَرْفَعُ مِنْ رُتْبَةِ الرِّقِّ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ حُرَّةً إلَّا بِأَنْ يُبَيِّنَ لَهَا أَمْرَهُ
стр. 1088
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَلَوْ غَرَّهَا ثُمَّ اطَّلَعَتْ عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ لَكَانَ لَهَا مُفَارَقَتُهُ فَلَمَّا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ أَمَةً وَكَانَتْ مِنْ نِسَائِهِ مُسَاوِيَةً لَهُ فِي الرُّتْبَةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارٌ مَا كَانَتْ رَقِيقًا مِثْلَهُ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ رُتْبَتُهَا بِالْحُرِّيَّةِ كَانَ لَهَا أَنْ تُفَارِقَهُ لِنَقْصِهِ عَنْ رُتْبَتِهَا أَوْ تُقِيمَ مَعَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فَقَالَ مَرَّةً لَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا إلَّا وَاحِدَةً هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَكْثَرِ الْكُتُبِ وَفِي الْمَزنِيَّةِ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ: لَهَا إيقَاعُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ: إذَا أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ تَحْتَ عَبْدٍ كَانَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا أَكْثَرَ مِنْ تَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَقَدْ قَالَ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِقَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلِ لَهَا ذَلِكَ وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ثِنْتَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَمِيعُ طَلَاقِ الْعَبْدِ وَلَعَلَّهُ مِمَّا أَصْلَحَهُ أَبُو ثَابِتٍ وَالْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ عَلَى أَنَّ لِقَوْلِهِ ثَلَاثًا وَجْهًا سَائِغًا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَوَجْهُ قَوْلِهِ: إنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا طَلْقَةً بَائِنَةً أَنَّ عَدَدَ الطَّلَاقِ إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ مُخْتَصٌّ بِالْأَزْوَاجِ وَلَمَّا حَصَلَ لِلزَّوْجَةِ مَا تَمْلِكُ بِهِ نَفْسَهَا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ طَلْقَةً بَائِنَةً، وَلَوْ كَانَتْ تَمْلِكُ عَدَدَ الطَّلَاقِ لَكَانَتْ الْوَاحِدَةُ رَجْعِيَّةً، وَالطَّلَاقُ الْوَاجِبُ بِالشَّرْعِ هُوَ بَائِنٌ، وَإِنْ عَرَا عَنْ الْعِوَضِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ جِهَةَ الزَّوْجَةِ لَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهَا الطَّلَاقُ انْتَقَلَ إلَيْهَا الْعَدَدُ وَكَانَتْ جِهَةَ حُرِّيَّةٍ فَكَمُلَتْ فِيهَا الثَّلَاثُ وَيُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ زِيَادَ بْنَ جَعْفَرٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ، فَإِنَّهَا أَمْلَكُ لِنَفْسِهَا، وَهُوَ خَاطِبٌ مِنْ الْخُطَّابِ فَلَمْ يُحَرِّمْهَا عَلَيْهِ بِالثِّنْتَيْنِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَبِينُ إلَّا بِالثَّلَاثِ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُزَنِيَّة كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ أُعْتِقَتْ فِي عِدَّتِهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ طَلَاقَ الْعَبْدِ ثِنْتَانِ فَثَبَتَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَلَا نِيَّةَ لَهَا كَانَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا كَانَ مَوْضُوعًا لِلطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ وَصَحَّ أَنْ يُوقَعَ بِهِ الثَّلَاثُ، فَإِنَّ إطْلَاقَهُ يَقْتَضِي الْوَاحِدَةَ كَقَوْلِ الزَّوْجِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ طَلَاقٌ وَلَيْسَ بِفَسْخٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا كَانَ الزَّوْجَانِ نَصْرَانِيَّيْنِ وَسَيِّدَاهُمَا مُسْلِمَيْنِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمَهُمَا قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَالْمَوَّازِيَّةِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَمَّا كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْفُرْقَةِ مِنْ اسْتِبَاحَةِ الْأَمَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَانَ الْحُكْمُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ فَأُجْرِيَ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَرُوِيَ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ السَّيِّدُ نَصْرَانِيًّا، أَنْكَرَهَا سَحْنُونٌ وَقَالَ لَا يَعْرِضُ لَهُمْ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
، وَإِذَا كَانَ نِصْفُ الْأَمَةِ حُرًّا فَأُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَلَهَا الْخِيَارُ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمَ الْأَمَةِ مَا بَقِيَ فِيهَا شُعْبَةٌ مِنْ الرِّقِّ فَلَا خِيَارَ لَهَا كَمَا لَا خِيَارَ لِلْأَمَةِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْأَمَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ يُعْتِقُ بَعْضَهَا لَا خِيَارَ لَهَا حَتَّى يُعْتِقَ جَمِيعَهَا، فَإِذَا كَمُلَ عِتْقُهَا انْتَقَلَتْ إلَى حُكْمِ الْحُرِّيَّةِ فَثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ، وَلَوْ أَنَّ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ تُوُفِّيَ سَيِّدُهَا فَعَتَقَا أَوْ مُكَاتَبَةً أَدَّتْ كِتَابَتَهَا كَانَ لَهَا الْخِيَارُ إذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الْخِيَارِ بِتَمَامِ الْعِتْقِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ فِي حَالِ حَيْضٍ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تَخْتَارُ حَتَّى تَطْهُرَ، فَإِنْ اخْتَارَتْ مَضَى، فَإِنْ أَخَّرَتْ فَعَتَقَ الزَّوْجُ قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ لَمْ يَقْطَعْ ذَلِكَ خِيَارَهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ فِي وَقْتٍ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ الْمَنْعُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا أَخَّرَتْ إيقَاعَهُ لِلشَّرْعِ لَا رِضًى بِالزَّوْجِيَّةِ فَكَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى خِيَارِهَا، وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ إذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ فَلَمْ يَبْلُغْهَا حَتَّى عَتَقَ زَوْجُهَا بَطَلَ خِيَارُهَا وَقَالَ: لَا خِيَارَ لَهَا إذَا لَمْ تَخْتَرْ حَتَّى يَعْتِقَ زَوْجُهَا وَيَحْتَمِلُ هَذَا أَنْ يَكُونَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَائِضَ مَمْنُوعَةٌ بِالشَّرْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَنَّ أَمَةً تَحْتَ عَبْدٍ قَالَتْ: مَتَى أُعْتِقْت فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت
стр. 1089
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
زَوْجِي فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحُرَّةِ ذَاتِ الشَّرْطِ فِي النِّكَاحِ، وَالتَّسَرِّي تَقُولُ مَتَى فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ زَوْجِي فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي أَنَّ ذَلِكَ لَهَا قَالَ الْمُغِيرَةُ هُمَا سَوَاءٌ وَلَا شَيْءَ لَهُمَا فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمَةِ تُعْتَقُ، وَالْحُرَّةِ تَأْخُذُ بِشَرْطِهَا عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَمَةَ لَيْسَتْ بِصِفَةِ مَنْ يَخْتَارُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ خِيَارُهَا، وَالْحُرَّةَ بِصِفَةِ مَنْ يَخْتَارُ وَمِمَّنْ قَدْ ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ نُفُوذَهُ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَقَدْ أَوْقَعَتْهُ عَلَى حَسَبِ مَا جُعِلَ إلَيْهَا مِنْ تَأْخِيرِ الْوُقُوعِ وَلَمْ يُعَلِّقْ بِوُجُودِ تِلْكَ الصِّفَةِ إيقَاعَهَا الطَّلَاقَ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ بِهَا وُقُوعَهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ الْحُرَّةَ إنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ إلَيْهَا فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ بَعْدَ أَنْ يُوجَدَ مِنْ الزَّوْجِ النِّكَاحُ أَوْ التَّسَرِّي فَكَمَا لَا يَصِحُّ وُقُوعُ الطَّلَاقِ قَبْلَهُ فَكَذَلِكَ الْأَمَةُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ لَهَا بَعْدَ وُجُودِ الْعِتْقِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهَا قَبْلَهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا ﵂: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَ أَهْلُهَا وَهُمْ بَنُو هِلَالٍ كَاتَبُوهَا فَأَرَادَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنْ تَشْتَرِيَهَا وَيَكُونَ وَلَاؤُهَا لَهَا وَأَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَسْتَثْنُوا وَلَاءَهَا فَجَوَّزَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْعَ وَأَبْطَلَ اشْتِرَاطَ الْبَائِعَيْنِ الْوَلَاءَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «: الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا عَلَى أُصُولٍ نُبَيِّنُهَا بَعْدُ فِي كِتَابِ الْكِتَابَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ بَرِيرَةُ قَدْ عَجَزَتْ عَنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهَا مِنْ نُجُومِهَا وَصَارَتْ فِي حُكْمِ مَنْ عَادَ إلَى الرِّقِّ فَلِذَلِكَ أَجَازَ بَيْعَهَا، وَوَجْهُ مَا أَمَرَ بِهِ ﷺ مِنْ إبْطَالِ اشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ أَنَّ الْوَلَاءَ لَيْسَ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ الْبَيْعُ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَتَرَتَّبُ بِالْعِتْقِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي مَنَافِعَ الْعَبْدِ مَا دَامَ حَيًّا فِي رِقِّهِ وَهِيَ الَّتِي يَتَنَاوَلُهَا شِرَاؤُهُ وَمَنْ اشْتَرَطَ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا اشْتَرَطَ مَعْنًى يَثْبُتُ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ فَصَحَّ شِرَاؤُهُ وَلَمْ يُؤَثِّرْ اسْتِثْنَاؤُهُ فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الِاسْتِثْنَاءَ مَا يَتَنَاوَلُهُ عَقْدُ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا تَنَاوَلَ مَعْنًى آخَرَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَبِيعِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ نَكَحَ عَلَى أَنْ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ أَصْبَغَ يُفْسَخُ، وَإِنْ دَخَلَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَيْسَ بِنِكَاحٍ لَا يَتَوَارَثُ فِي أَصْلِهِ فَيَكُونُ حَرَامًا، وَإِنَّمَا دَفَعَ الْمِيرَاثَ بِالشَّرْطِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَسْقُطَ الشَّرْطُ وَيَثْبُتَ النِّكَاحُ وَبَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَالْمُغِيرَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: إنَّ الْوَلَاءَ اشْتَرَطَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ لِنَفْسِهَا، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ» أَيْ اشْتَرِطِيهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّامَ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى عَلَى، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّامَ عَلَى أَصْلِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْدِلَ بِهَا عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَالثَّانِي أَنَّهُ ﷺ زَجَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ﷺ «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَشَرْطُهُ بَاطِلٌ كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ مَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ أَعْتِقْ يَا فُلَانُ، وَالْوَلَاءُ لِي إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً لِتُعْتِقَهَا قَالَ أَهْلُهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَمْنَعُك ذَلِكَ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، وَهَذَا نَصٌّ فِي مَنْعِ ذَلِكَ التَّأْوِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا: وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ تُرِيدُ مَمْلُوءَةً بِاللَّحْمِ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ مَرَقَةٍ حَتَّى صَارَتْ تَفُورُ بِالْغَلَيَانِ فَقُرِّبَ إلَيْهِ خُبْزٌ وَإِدَامٌ مِنْ إدَامِ الْبَيْتِ يُرِيدُ مَا يَكُونُ مُدَّخَرًا فِي الْبُيُوتِ كَالسَّمْنِ، وَالْمِلْحِ وَلَا يَكَادُ يُعْدَمُ مِنْهَا وَقَوْلُهُ ﷺ : «أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ» إنْكَارٌ لِتَقْدِيمِهِمْ إلَيْهِ مَا دُونَ اللَّحْمِ مِنْ الْإِدَامِ مَعَ وُجُودِ اللَّحْمِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُقَدَّمُ
стр. 1090
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَتُعْتَقُ: إنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا لَمْ يَمَسَّهَا قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ مَسَّهَا فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَهِلَتْ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ، فَإِنَّهَا تُتَّهَمُ وَلَا تُصَدَّقُ فِيمَا ادَّعَتْ مِنْ الْجَهَالَةِ وَلَا خِيَارَ لَهَا بَعْدَ أَنْ يَمَسَّهَا)
ــ
[المنتقى]
إلَيْهِ إلَّا أَفْضَلُ مَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ الْإِدَامِ، وَالطَّعَامِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَكْلَ الْإِنْسَانِ أَفْضَلَ مَا مَعَهُ مِنْ الْإِدَامِ لَيْسَ بِمُنَافٍ لِلْوَرَعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ؛ لِأَنَّ الْوَرَعَ إنَّمَا هُوَ فِي سَلَامَةِ الْمَكْسَبِ مِنْ الشُّبْهَةِ وَبَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِيثَارَ بِهِ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْبَرِّ كَمَا أَنَّ إنْفَاقَهُ عَلَى الْعِيَالِ، وَالتَّوَسُّعَةَ مِنْهُ عَلَيْهِمْ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْبَرِّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُمْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنَّهُ لَحْمٌ تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ إخْبَارٌ لَهُ بِالْوَجْهِ الَّذِي مُنِعَ مِنْ تَقْدِيمِهِ إلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَهَذَا مِمَّا تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُمْتَنَعُ مِنْهُ لِفَضْلِهِ عَلَى سَائِرِ الْإِدَامِ، وَلَوْ عُهِدَ مِنْهُ تَرْكُهُ لِذَلِكَ كَمَا عُهِدَ مِنْهُ تَرْكُهُ أَكْلَ الصَّدَقَةِ لَجُووِبَ بِهِ وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ السَّرَفُ فِي الْمَطْعَمِ، وَالْخُرُوجُ بِهِ عَنْ الْعَادَةِ، وَمَا تُتَّخَذُ بِهِ الْمَطَاعِمُ الْمُسْتَطَابَةُ الْمُعْتَادَةُ وَتَجَاوَزَ ذَلِكَ إلَى السَّرَفِ الْخَارِجِ عَنْ الْعَادَةِ وَجَمْعِ الْإِدَامِ، وَالْأَلْوَانِ عَلَى أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ وَضِيقِ مَعَاشِهِمْ وَلَا بَأْسَ بِجَمْعِ الْإِدَامِ فِي النَّادِرِ لِضَيْفٍ أَوْ وَلِيمَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَوْ احْتِفَالٍ فِي عِيدٍ أَوْ اجْتِمَاعٍ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ الْوَرَعِ الْخُرُوجُ إلَى حَدِّ السَّرَفِ بِكَثْرَةِ الْأَلْوَانِ، وَالْخُرُوجِ بِهَا عَنْ الْوُجُوهِ الْمُعْتَادَةِ مِنْ وَضْعِ الطِّيبِ فِيهَا بِكَثِيرِ الْأَثْمَانِ، وَأَقْبَحُ مَا يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ الْحَاجَةِ بِالنَّاسِ وَضِيقِ مَعَاشِهِمْ وَضَرُورَتِهِمْ إلَى الْمُوَاسَاةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ : «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ» يُرِيدُ ﷺ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مُتَصَدِّقُهَا فَجَعَلَهُ ﷺ مَحَلًّا لِقَبُولِهَا أَوْ كَانَ هُوَ ﷺ مِمَّنْ يَأْكُلُهَا قَبْلَ أَنْ تَكْمُلَ الصَّدَقَةُ فِيهَا بِبُلُوغِهَا مَحَلَّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ مَحَلَّهَا وَصَارَتْ بِيَدِ مَنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ جَازَ أَنْ يُهْدِيَهَا إلَيْهِ مَنْ قَبَضَهَا وَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ أَوْ يَبِيعَهَا مِنْهُ أَوْ يُصَيِّرَهَا إلَيْهِ بِغَيْرِ وَجْهِ الصَّدَقَةِ، وَلَوْ كَانَ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مَرَّةً ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الصَّدَقَةِ أَبَدًا لَمَا جَازَ لِلْفَقِيرِ إذَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ غَنِيٍّ بَلْ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهَا تَنْتَقِلُ عَنْ حُكْمِ الصَّدَقَةِ إلَى حُكْمِ الْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، وَالْمِيرَاثِ فَيَرِثُهَا الْغَنِيُّ عَنْ مُوَرِّثِهِ الْفَقِيرِ وَتَصِيرُ إلَيْهِ عَنْهُ بِالْهِبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّمْلِيكِ وَلَا يَكُونُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حُكْمُ الصَّدَقَةِ، وَإِنَّمَا لَهُ حُكْمُ الْوَجْهِ الَّذِي نُقِلَ آخِرًا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
(ش) : قَوْلُهُ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَتُعْتَقُ: أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَنْ تَعَلَّقَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ اقْتَضَى ذَلِكَ عِنْدَهُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ تَحْتَ الْحُرِّ أَنْ لَا خِيَارَ لَهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، فَإِنَّ الرُّتْبَةَ الَّتِي تَحْصُلُ لَهَا بِالْحُرِّيَّةِ فَوْقَ رُتْبَةِ الْعَبْدِ فَأَوْجَبَ لَهَا ذَلِكَ الْخِيَارَ، وَإِذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا لَمْ تَكُنْ بِالْعِتْقِ أَرْفَعَ رُتْبَةً مِنْهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا الْخِيَارُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: إنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا لَمْ يَمَسَّهَا يُرِيدُ أَنْ لَا يَخْتَصَّ خِيَارُهَا بِالْمَجْلِسِ الَّذِي يَعْلَمُ فِيهِ بِعِتْقِهَا بَلْ لَهَا ذَلِكَ مَا لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ نَفْسِهَا طَائِعَةً أَوْ يَتْرُكُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً أَوْ يُوقِفُهَا السُّلْطَانُ فَإِمَّا قَضَتْ وَإِمَّا أَخْرَجَ ذَلِكَ مِنْ يَدِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا قِيلَ لَهَا: اخْتَارِي بَعْدَ الْعِتْقِ فَقَالَتْ حَتَّى أَنْظُرَ وَأَسْتَشِيرَ وَمَنَعَتْهُ نَفْسَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْطَعُ خِيَارَهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْعِتْقِ وَلَا بِمَجْلِسِ عِلْمِهَا بِهِ وَفِي الْمُزَنِيَّة سُئِلَ ابْنُ كِنَانَةَ عَنْ أَمَةٍ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَأَقَامَتْ تَحْتَهُ أَيَّامًا ثُمَّ هَاجَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ فَأَرَادَتْ أَنْ تَخْتَارَ فَقَالَ: إذَا عَلِمَ مِنْ حَالِهَا بَعْدَ عِتْقِهَا بِالرِّضَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ لِشَيْءٍ وَقَعَ بَيْنَهُمَا وَرَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهَا ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا بِالرِّضَا، وَالْإِقَامَةِ وَتَرْكِ الْخِيَارِ
следующие страницы →