← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الصَّوْمِ، فَإِنْ أَبَى فَهُوَ مُضَارٌّ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ يُرْفَعُ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ، فَإِنْ رَأَى الْعِتْقَ خَيْرًا لَهُ مِنْ فِرَاقِ أَهْلِهِ أَعْطَاهُ رَقَبَةً يُكَفِّرُ بِهَا، وَإِنْ رَأَى ذَلِكَ خَيْرًا فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَلَا يَصُومُ وَمِنْ الْمُزَنِيَّة قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ لَمْ يَرَ لَهُ وَلِيُّهُ الْكَفَّارَةَ بِالْعِتْقِ كَفَّرَ هُوَ بِالصَّوْمِ فَقَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا تَقَرَّرَ وُجُوبُهُ بِالشَّرْعِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ لَيْسَ مَصْرُوفًا أَدَاؤُهُ إلَى إذْنِ الْوَلِيِّ، فَإِذَا أَخْرَجَهُ الْمُوَلَّى عَنْهُ نَفَذَ إخْرَاجُهُ وَأَجْزَأَ عَنْهُ كَزَكَاةِ مَالِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَنْعَ الْوَلِيِّ مِنْ الْعِتْقِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ مِنْ النَّظَرِ يَقُومُ مَقَامَ عَدَمِ الرَّقَبَةِ فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ إلَى الصَّوْمِ، وَقَوْلُ مَالِكٍ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لِلسُّلْطَانِ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ لَمَّا كَانَ الْخُرُوجُ عَنْ هَذَا الْحَقِّ يَصِحُّ بِوَجْهَيْنِ كَانَ لَهُ النَّظَرُ فِي أَرْشَدِهِمَا، وَعَلَى أَنَّ مَنْعَ السُّلْطَانِ مِنْ الْعِتْقِ لَا يُبِيحُ الِانْتِقَالَ إلَى الصَّوْمِ مَعَ وُجُودِ الرَّقَبَةِ، وَإِنَّمَا لَهُ النَّظَرُ فِي أَرْشَدِ الْأَمْرَيْنِ: الْعِتْقِ عَنْهُ أَوْ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لِلْوَلِيِّ النَّظَرَ فِي إنْفَاذِ الْعِتْقِ أَوْ مَنْعِهِ، وَإِذَا مَنَعَ مِنْهُ قَامَ ذَلِكَ مَقَامَ عَدَمِ الرَّقَبَةِ فَانْتَقَلَ إلَى الصَّوْمِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِحَقِّ غَيْرِهِ كَالْعَبْدِ، فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ لَهُ الْكَفَّارَةُ بِالْعِتْقِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حَقُّ السَّيِّدِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَثْبُتُ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ وُقُوعَ الْعِتْقِ عَنْهُ، وَعَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمَبْسُوطِ لَا يُجْزِئُهُ الْعِتْقُ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ الْوَلَاءُ. وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يُكَفِّرُ بِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِسَيِّدِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَجُوزُ لَهُ الْعِتْقُ، وَإِنَّ فَرْضَهُ الصِّيَامُ فَهَلْ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهُ أَمْ لَا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لِأَهْلِهِ مَنْعُهُ إذَا أَضَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ فِي خِدْمَتِهِ وَعَمَلِهِ، وَإِذَا لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِهِمْ، وَإِنَّمَا قَصَدُوا لِيُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ أُجْبِرُوا عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْ الصَّوْمِ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِهِ فِي عَمَلِهِ وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزَنِيَّة وَقَالَ لَوْ شَاءَ سَيِّدُهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي النِّكَاحِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ مَعْنًى أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَضُرُّ بِسَيِّدِهِ فِي عَمَلِهِ كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ هَذَا صَوْمٌ قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ كَالْفَرْضِ وَلِأَنَّ هَذَا مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ الَّتِي قَدْ مَلَكَهَا بِالنِّكَاحِ فَلَا يَكُونُ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ إلَّا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ لَهُ مَنْعُهُ إذَا أَضَرَّ ذَلِكَ بِهِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ يُؤَدِّي الْخَرَاجَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ، فَإِنْ قَوِيَ عَلَى صَوْمِهِ وَعَمَلِهِ فَلَا يُمْنَعُ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ. (فَرْعٌ) فَإِذَا كَانَ يَضُرُّ بِعَمَلِهِ وَسَوَّغْنَا لِلسَّيِّدِ مَنْعَهُ مِنْ الصَّوْمِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ مَنَعَهُ سَيِّدُهُ الصِّيَامَ وَأَذِنَ لَهُ فِي الْإِطْعَامِ أَجْزَأَهُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْإِطْعَامِ فَالصِّيَامُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا أَدْرِي مَا هَذَا وَلَيْسَ يُطْعِمُ أَحَدٌ يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ وَلَا أَرَى جَوَابَ مَالِكٍ فِي الْمَسْأَلَةِ إلَّا وَهْمًا وَلَعَلَّهُ أَرَادَ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: إنَّ مَعْنَاهُ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الصَّوْمِ فَيَقُولُ: الْإِطْعَامُ يُجْزِئُهُ وَلَيْسَ يَسْتَحْسِنُهُ؛ لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ التَّصَرُّفَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى الْمَسَاكِينِ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الصَّوْمَ يَضُرُّ بِهِ فِي عَمَلِهِ فَلِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْهُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَيَأْذَنُ لَهُ فِي الْإِطْعَامِ فَالصِّيَامُ كَانَ أَفْضَلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَصُومُ إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَلَا يُطْعِمُ إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ فَالصِّيَامُ أَحَبُّ إلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ السَّيِّدُ أَنْ يَتَمَوَّلَهُ قَبْلَ إنْفَاذِهِ وَيَقْدِرُ عَلَى إزَالَةِ الْمَالِ مِنْهُ قَبْلَ إنْفَاذِهِ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ رَجَعَ عَنْ إذْنِهِ وَفِي الْمُزَنِيَّة قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ: لَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ الْمُتَظَاهِرِ عِتْقٌ وَلَا إطْعَامٌ، وَلَوْ كَانَ يَجِدُ مَا يُطْعِمُ وَيُعْتِقُ وَلَكِنْ يَصُومُ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ لَا يُطْعِمُ؛ لِأَنَّ إذْنَ السَّيِّدِ لَا يَخْرُجُ إلَّا طَعَامٌ مِنْ مِلْكِ السَّيِّدِ إلَّا إلَى الْمَسَاكِينِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ أَنَّ مِلْكَ الْعَبْدِ غَيْرُ مُسْتَقَرٍّ وَلَفْظُهُ يَقْتَضِي

стр. 1087

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَتَظَاهَرُ مِنْ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إيلَاءٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ذَهَبَ يَصُومُ صِيَامَ كَفَّارَةِ الْمُتَظَاهِرِ دَخَلَ عَلَيْهِ طَلَاقُ الْإِيلَاءِ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صِيَامِهِ) . مَا جَاءَ فِي الْخِيَارِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ «عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ فَكَانَتْ إحْدَى السُّنَنِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ فَقُرِّبَ إلَيْهِ خُبْزٌ وَإِدَامٌ مِنْ إدَامِ الْبَيْتِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ» ) ــ [المنتقى] غَيْرَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِلْكُهُ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ عَلَيْهِ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مِلْكِ السَّيِّدِ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ هَذَا أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ إنَّمَا يَمْلِكُ مَا يُضَافُ إلَيْهِ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ مَا يُطْعِمُ وَلَيْسَ فِي الْإِطْعَامِ مَعْنًى يُرَاعَى غَيْرُ إذْنِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ لِحَقِّ السَّيِّدِ، فَإِذَا أَذِنَ فِيهِ السَّيِّدُ جَازَ كَالصَّوْمِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مَا قَدَّمْنَاهُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْعَبْدَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إيلَاءٌ بِنَفْسِ الظِّهَارِ وَلَا بِالتَّوْقِيفِ؛ لِأَنَّ صِيَامَهُ شَهْرَانِ وَأَجَلُهُ فِي الْإِيلَاءِ شَهْرَانِ، فَإِنْ أَفْطَرَ سَاهِيًا أَوْ لِمَرَضٍ يَقْضِي أَجَلَ الْإِيلَاءِ قَبْلَ إتْمَامِ الْكَفَّارَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَضْرِبَ أَجَلَ الْإِيلَاءِ عَلَى هَذَا، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ مَالِكٍ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَضْرِبُ لَهُ أَجَلَ الْإِيلَاءِ بِوَجْهٍ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ لَا يَنْقَضِي حَتَّى يَنْقَضِيَ أَجَلُ الْإِيلَاءِ وَتَعْلِيلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ يَقْتَضِي غَيْرَهَا غَيْرَ أَنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ بِذَلِكَ وَلَا يُوجَدُ لِمَالِكٍ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ هَذَا مِنْ بَعْضِ مَا يَعْتَذِرُ بِهِ الْعَبْدُ فِي رَفْعِ أَجَلِ الْإِيلَاءِ عَنْ نَفْسِهِ، وَالثَّانِي أَنْ يُرِيدَ الْعَبْدُ الصَّوْمَ وَيَمْنَعُهُ مِنْهُ سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ عُذْرًا لِلْعَبْدِ يَمْنَعُ دُخُولَ الْإِيلَاءِ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَدْخُلُ عَلَى الْعَبْدِ إيلَاءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُضَارًّا لَا يُرِيدُ أَنْ يَفِيءَ أَوْ يَمْنَعَهُ أَهْلُهُ الصِّيَامَ بِأَمْرٍ لَهُمْ فِيهِ عُذْرٌ فَهَذَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ إنْ رَافَعَتْهُ امْرَأَتُهُ فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَجَلَ إنَّمَا يُضْرَبُ بِالشَّرْعِ فِي الْكَفَّارَةِ إذَا امْتَنَعَ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ إذَا مَنَعَهُ مِنْهُ أَهْلُهُ، فَإِنَّمَا يَضْرِبُ لَهُ الْأَجَلَ لِيُبِيحَ أَهْلُهُ لَهُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ التَّكْفِيرَ بِالصِّيَامِ، وَأَمَّا أَصْبَغُ فَلَمْ يَرَ مَنْعَ أَهْلِهِ مِنْ الصِّيَامِ ضَرَرًا يَدْخُلُ عَلَيْهِ بِهِ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قِبَلِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ حُرٌّ يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ كَمَا لَا يَدْخُلُ عَلَى الْحُرِّ الْإِيلَاءُ بِتَرْكِ عِتْقِ عَبْدٍ لَا يَمْلِكُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَا جَاءَ فِي الْخِيَارِ] (ش) : قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ تُرِيدُ ثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ مَشْرُوعَةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ أَسْبَابُهَا مُخْتَصَّةً بِبَرِيرَةِ وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَحَفُّظَ أَسْبَابِ الْأَحْكَامِ مِمَّا اهْتَبَلَ بِهِ الصَّحَابَةُ ﵃ وَنَقَلَهُ عَنْهُمْ الْعُلَمَاءُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَوْنٌ عَلَى فَهْمِ مَعْنَى الْحُكْمِ وَعُمُومِهِ أَوْ خُصُوصِهِ، وَوَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِمَنْ تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ اخْتِصَاصٍ بِهِ أَوْ تَعَدٍّ إلَى غَيْرِهِ وَفِيهِ عَوْنٌ عَلَى حِفْظِ الْأَحْكَامِ وَاسْتِدَامَةِ حِفْظِهَا. (فَصْلٌ) : ثُمَّ فَسَّرَتْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: إنَّ إحْدَى السُّنَنِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا اسْمُهُ مُغِيثٌ كَذَلِكَ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْبَقَاءِ مَعَهُ عَلَى حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ الْمُفَارَقَةِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ رُتْبَةٌ أَرْفَعُ مِنْ رُتْبَةِ الرِّقِّ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ حُرَّةً إلَّا بِأَنْ يُبَيِّنَ لَهَا أَمْرَهُ

стр. 1088

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَلَوْ غَرَّهَا ثُمَّ اطَّلَعَتْ عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ لَكَانَ لَهَا مُفَارَقَتُهُ فَلَمَّا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ أَمَةً وَكَانَتْ مِنْ نِسَائِهِ مُسَاوِيَةً لَهُ فِي الرُّتْبَةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارٌ مَا كَانَتْ رَقِيقًا مِثْلَهُ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ رُتْبَتُهَا بِالْحُرِّيَّةِ كَانَ لَهَا أَنْ تُفَارِقَهُ لِنَقْصِهِ عَنْ رُتْبَتِهَا أَوْ تُقِيمَ مَعَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فَقَالَ مَرَّةً لَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا إلَّا وَاحِدَةً هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَكْثَرِ الْكُتُبِ وَفِي الْمَزنِيَّةِ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ: لَهَا إيقَاعُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ: إذَا أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ تَحْتَ عَبْدٍ كَانَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا أَكْثَرَ مِنْ تَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَقَدْ قَالَ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِقَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلِ لَهَا ذَلِكَ وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ثِنْتَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَمِيعُ طَلَاقِ الْعَبْدِ وَلَعَلَّهُ مِمَّا أَصْلَحَهُ أَبُو ثَابِتٍ وَالْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ عَلَى أَنَّ لِقَوْلِهِ ثَلَاثًا وَجْهًا سَائِغًا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَوَجْهُ قَوْلِهِ: إنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا طَلْقَةً بَائِنَةً أَنَّ عَدَدَ الطَّلَاقِ إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ مُخْتَصٌّ بِالْأَزْوَاجِ وَلَمَّا حَصَلَ لِلزَّوْجَةِ مَا تَمْلِكُ بِهِ نَفْسَهَا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ طَلْقَةً بَائِنَةً، وَلَوْ كَانَتْ تَمْلِكُ عَدَدَ الطَّلَاقِ لَكَانَتْ الْوَاحِدَةُ رَجْعِيَّةً، وَالطَّلَاقُ الْوَاجِبُ بِالشَّرْعِ هُوَ بَائِنٌ، وَإِنْ عَرَا عَنْ الْعِوَضِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ جِهَةَ الزَّوْجَةِ لَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهَا الطَّلَاقُ انْتَقَلَ إلَيْهَا الْعَدَدُ وَكَانَتْ جِهَةَ حُرِّيَّةٍ فَكَمُلَتْ فِيهَا الثَّلَاثُ وَيُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ زِيَادَ بْنَ جَعْفَرٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ، فَإِنَّهَا أَمْلَكُ لِنَفْسِهَا، وَهُوَ خَاطِبٌ مِنْ الْخُطَّابِ فَلَمْ يُحَرِّمْهَا عَلَيْهِ بِالثِّنْتَيْنِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَبِينُ إلَّا بِالثَّلَاثِ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُزَنِيَّة كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ أُعْتِقَتْ فِي عِدَّتِهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ طَلَاقَ الْعَبْدِ ثِنْتَانِ فَثَبَتَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَلَا نِيَّةَ لَهَا كَانَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا كَانَ مَوْضُوعًا لِلطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ وَصَحَّ أَنْ يُوقَعَ بِهِ الثَّلَاثُ، فَإِنَّ إطْلَاقَهُ يَقْتَضِي الْوَاحِدَةَ كَقَوْلِ الزَّوْجِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ طَلَاقٌ وَلَيْسَ بِفَسْخٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا كَانَ الزَّوْجَانِ نَصْرَانِيَّيْنِ وَسَيِّدَاهُمَا مُسْلِمَيْنِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمَهُمَا قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَالْمَوَّازِيَّةِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَمَّا كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْفُرْقَةِ مِنْ اسْتِبَاحَةِ الْأَمَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَانَ الْحُكْمُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ فَأُجْرِيَ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَرُوِيَ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ السَّيِّدُ نَصْرَانِيًّا، أَنْكَرَهَا سَحْنُونٌ وَقَالَ لَا يَعْرِضُ لَهُمْ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : ، وَإِذَا كَانَ نِصْفُ الْأَمَةِ حُرًّا فَأُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَلَهَا الْخِيَارُ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمَ الْأَمَةِ مَا بَقِيَ فِيهَا شُعْبَةٌ مِنْ الرِّقِّ فَلَا خِيَارَ لَهَا كَمَا لَا خِيَارَ لِلْأَمَةِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْأَمَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ يُعْتِقُ بَعْضَهَا لَا خِيَارَ لَهَا حَتَّى يُعْتِقَ جَمِيعَهَا، فَإِذَا كَمُلَ عِتْقُهَا انْتَقَلَتْ إلَى حُكْمِ الْحُرِّيَّةِ فَثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ، وَلَوْ أَنَّ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ تُوُفِّيَ سَيِّدُهَا فَعَتَقَا أَوْ مُكَاتَبَةً أَدَّتْ كِتَابَتَهَا كَانَ لَهَا الْخِيَارُ إذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الْخِيَارِ بِتَمَامِ الْعِتْقِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ فِي حَالِ حَيْضٍ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تَخْتَارُ حَتَّى تَطْهُرَ، فَإِنْ اخْتَارَتْ مَضَى، فَإِنْ أَخَّرَتْ فَعَتَقَ الزَّوْجُ قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ لَمْ يَقْطَعْ ذَلِكَ خِيَارَهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ فِي وَقْتٍ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ الْمَنْعُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا أَخَّرَتْ إيقَاعَهُ لِلشَّرْعِ لَا رِضًى بِالزَّوْجِيَّةِ فَكَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى خِيَارِهَا، وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ إذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ فَلَمْ يَبْلُغْهَا حَتَّى عَتَقَ زَوْجُهَا بَطَلَ خِيَارُهَا وَقَالَ: لَا خِيَارَ لَهَا إذَا لَمْ تَخْتَرْ حَتَّى يَعْتِقَ زَوْجُهَا وَيَحْتَمِلُ هَذَا أَنْ يَكُونَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَائِضَ مَمْنُوعَةٌ بِالشَّرْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَنَّ أَمَةً تَحْتَ عَبْدٍ قَالَتْ: مَتَى أُعْتِقْت فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت

стр. 1089

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] زَوْجِي فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحُرَّةِ ذَاتِ الشَّرْطِ فِي النِّكَاحِ، وَالتَّسَرِّي تَقُولُ مَتَى فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ زَوْجِي فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي أَنَّ ذَلِكَ لَهَا قَالَ الْمُغِيرَةُ هُمَا سَوَاءٌ وَلَا شَيْءَ لَهُمَا فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمَةِ تُعْتَقُ، وَالْحُرَّةِ تَأْخُذُ بِشَرْطِهَا عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَمَةَ لَيْسَتْ بِصِفَةِ مَنْ يَخْتَارُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ خِيَارُهَا، وَالْحُرَّةَ بِصِفَةِ مَنْ يَخْتَارُ وَمِمَّنْ قَدْ ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ نُفُوذَهُ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَقَدْ أَوْقَعَتْهُ عَلَى حَسَبِ مَا جُعِلَ إلَيْهَا مِنْ تَأْخِيرِ الْوُقُوعِ وَلَمْ يُعَلِّقْ بِوُجُودِ تِلْكَ الصِّفَةِ إيقَاعَهَا الطَّلَاقَ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ بِهَا وُقُوعَهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ الْحُرَّةَ إنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ إلَيْهَا فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ بَعْدَ أَنْ يُوجَدَ مِنْ الزَّوْجِ النِّكَاحُ أَوْ التَّسَرِّي فَكَمَا لَا يَصِحُّ وُقُوعُ الطَّلَاقِ قَبْلَهُ فَكَذَلِكَ الْأَمَةُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ لَهَا بَعْدَ وُجُودِ الْعِتْقِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهَا قَبْلَهُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا ﵂: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَ أَهْلُهَا وَهُمْ بَنُو هِلَالٍ كَاتَبُوهَا فَأَرَادَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنْ تَشْتَرِيَهَا وَيَكُونَ وَلَاؤُهَا لَهَا وَأَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَسْتَثْنُوا وَلَاءَهَا فَجَوَّزَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْعَ وَأَبْطَلَ اشْتِرَاطَ الْبَائِعَيْنِ الْوَلَاءَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «: الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا عَلَى أُصُولٍ نُبَيِّنُهَا بَعْدُ فِي كِتَابِ الْكِتَابَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ بَرِيرَةُ قَدْ عَجَزَتْ عَنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهَا مِنْ نُجُومِهَا وَصَارَتْ فِي حُكْمِ مَنْ عَادَ إلَى الرِّقِّ فَلِذَلِكَ أَجَازَ بَيْعَهَا، وَوَجْهُ مَا أَمَرَ بِهِ ﷺ مِنْ إبْطَالِ اشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ أَنَّ الْوَلَاءَ لَيْسَ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ الْبَيْعُ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَتَرَتَّبُ بِالْعِتْقِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي مَنَافِعَ الْعَبْدِ مَا دَامَ حَيًّا فِي رِقِّهِ وَهِيَ الَّتِي يَتَنَاوَلُهَا شِرَاؤُهُ وَمَنْ اشْتَرَطَ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا اشْتَرَطَ مَعْنًى يَثْبُتُ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ فَصَحَّ شِرَاؤُهُ وَلَمْ يُؤَثِّرْ اسْتِثْنَاؤُهُ فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الِاسْتِثْنَاءَ مَا يَتَنَاوَلُهُ عَقْدُ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا تَنَاوَلَ مَعْنًى آخَرَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَبِيعِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ نَكَحَ عَلَى أَنْ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ أَصْبَغَ يُفْسَخُ، وَإِنْ دَخَلَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَيْسَ بِنِكَاحٍ لَا يَتَوَارَثُ فِي أَصْلِهِ فَيَكُونُ حَرَامًا، وَإِنَّمَا دَفَعَ الْمِيرَاثَ بِالشَّرْطِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَسْقُطَ الشَّرْطُ وَيَثْبُتَ النِّكَاحُ وَبَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَالْمُغِيرَةِ. وَقَالَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: إنَّ الْوَلَاءَ اشْتَرَطَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ لِنَفْسِهَا، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ» أَيْ اشْتَرِطِيهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّامَ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى عَلَى، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّامَ عَلَى أَصْلِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْدِلَ بِهَا عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَالثَّانِي أَنَّهُ ﷺ زَجَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ﷺ «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَشَرْطُهُ بَاطِلٌ كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ مَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ أَعْتِقْ يَا فُلَانُ، وَالْوَلَاءُ لِي إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً لِتُعْتِقَهَا قَالَ أَهْلُهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَمْنَعُك ذَلِكَ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، وَهَذَا نَصٌّ فِي مَنْعِ ذَلِكَ التَّأْوِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا: وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ تُرِيدُ مَمْلُوءَةً بِاللَّحْمِ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ مَرَقَةٍ حَتَّى صَارَتْ تَفُورُ بِالْغَلَيَانِ فَقُرِّبَ إلَيْهِ خُبْزٌ وَإِدَامٌ مِنْ إدَامِ الْبَيْتِ يُرِيدُ مَا يَكُونُ مُدَّخَرًا فِي الْبُيُوتِ كَالسَّمْنِ، وَالْمِلْحِ وَلَا يَكَادُ يُعْدَمُ مِنْهَا وَقَوْلُهُ ﷺ : «أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ» إنْكَارٌ لِتَقْدِيمِهِمْ إلَيْهِ مَا دُونَ اللَّحْمِ مِنْ الْإِدَامِ مَعَ وُجُودِ اللَّحْمِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُقَدَّمُ

стр. 1090

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَتُعْتَقُ: إنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا لَمْ يَمَسَّهَا قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ مَسَّهَا فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَهِلَتْ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ، فَإِنَّهَا تُتَّهَمُ وَلَا تُصَدَّقُ فِيمَا ادَّعَتْ مِنْ الْجَهَالَةِ وَلَا خِيَارَ لَهَا بَعْدَ أَنْ يَمَسَّهَا) ــ [المنتقى] إلَيْهِ إلَّا أَفْضَلُ مَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ الْإِدَامِ، وَالطَّعَامِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَكْلَ الْإِنْسَانِ أَفْضَلَ مَا مَعَهُ مِنْ الْإِدَامِ لَيْسَ بِمُنَافٍ لِلْوَرَعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ؛ لِأَنَّ الْوَرَعَ إنَّمَا هُوَ فِي سَلَامَةِ الْمَكْسَبِ مِنْ الشُّبْهَةِ وَبَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِيثَارَ بِهِ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْبَرِّ كَمَا أَنَّ إنْفَاقَهُ عَلَى الْعِيَالِ، وَالتَّوَسُّعَةَ مِنْهُ عَلَيْهِمْ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْبَرِّ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُمْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنَّهُ لَحْمٌ تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ إخْبَارٌ لَهُ بِالْوَجْهِ الَّذِي مُنِعَ مِنْ تَقْدِيمِهِ إلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَهَذَا مِمَّا تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُمْتَنَعُ مِنْهُ لِفَضْلِهِ عَلَى سَائِرِ الْإِدَامِ، وَلَوْ عُهِدَ مِنْهُ تَرْكُهُ لِذَلِكَ كَمَا عُهِدَ مِنْهُ تَرْكُهُ أَكْلَ الصَّدَقَةِ لَجُووِبَ بِهِ وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ السَّرَفُ فِي الْمَطْعَمِ، وَالْخُرُوجُ بِهِ عَنْ الْعَادَةِ، وَمَا تُتَّخَذُ بِهِ الْمَطَاعِمُ الْمُسْتَطَابَةُ الْمُعْتَادَةُ وَتَجَاوَزَ ذَلِكَ إلَى السَّرَفِ الْخَارِجِ عَنْ الْعَادَةِ وَجَمْعِ الْإِدَامِ، وَالْأَلْوَانِ عَلَى أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ وَضِيقِ مَعَاشِهِمْ وَلَا بَأْسَ بِجَمْعِ الْإِدَامِ فِي النَّادِرِ لِضَيْفٍ أَوْ وَلِيمَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَوْ احْتِفَالٍ فِي عِيدٍ أَوْ اجْتِمَاعٍ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ الْوَرَعِ الْخُرُوجُ إلَى حَدِّ السَّرَفِ بِكَثْرَةِ الْأَلْوَانِ، وَالْخُرُوجِ بِهَا عَنْ الْوُجُوهِ الْمُعْتَادَةِ مِنْ وَضْعِ الطِّيبِ فِيهَا بِكَثِيرِ الْأَثْمَانِ، وَأَقْبَحُ مَا يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ الْحَاجَةِ بِالنَّاسِ وَضِيقِ مَعَاشِهِمْ وَضَرُورَتِهِمْ إلَى الْمُوَاسَاةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ : «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ» يُرِيدُ ﷺ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مُتَصَدِّقُهَا فَجَعَلَهُ ﷺ مَحَلًّا لِقَبُولِهَا أَوْ كَانَ هُوَ ﷺ مِمَّنْ يَأْكُلُهَا قَبْلَ أَنْ تَكْمُلَ الصَّدَقَةُ فِيهَا بِبُلُوغِهَا مَحَلَّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ مَحَلَّهَا وَصَارَتْ بِيَدِ مَنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ جَازَ أَنْ يُهْدِيَهَا إلَيْهِ مَنْ قَبَضَهَا وَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ أَوْ يَبِيعَهَا مِنْهُ أَوْ يُصَيِّرَهَا إلَيْهِ بِغَيْرِ وَجْهِ الصَّدَقَةِ، وَلَوْ كَانَ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مَرَّةً ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الصَّدَقَةِ أَبَدًا لَمَا جَازَ لِلْفَقِيرِ إذَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ غَنِيٍّ بَلْ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهَا تَنْتَقِلُ عَنْ حُكْمِ الصَّدَقَةِ إلَى حُكْمِ الْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، وَالْمِيرَاثِ فَيَرِثُهَا الْغَنِيُّ عَنْ مُوَرِّثِهِ الْفَقِيرِ وَتَصِيرُ إلَيْهِ عَنْهُ بِالْهِبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّمْلِيكِ وَلَا يَكُونُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حُكْمُ الصَّدَقَةِ، وَإِنَّمَا لَهُ حُكْمُ الْوَجْهِ الَّذِي نُقِلَ آخِرًا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. (ش) : قَوْلُهُ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَتُعْتَقُ: أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَنْ تَعَلَّقَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ اقْتَضَى ذَلِكَ عِنْدَهُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ تَحْتَ الْحُرِّ أَنْ لَا خِيَارَ لَهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، فَإِنَّ الرُّتْبَةَ الَّتِي تَحْصُلُ لَهَا بِالْحُرِّيَّةِ فَوْقَ رُتْبَةِ الْعَبْدِ فَأَوْجَبَ لَهَا ذَلِكَ الْخِيَارَ، وَإِذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا لَمْ تَكُنْ بِالْعِتْقِ أَرْفَعَ رُتْبَةً مِنْهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا الْخِيَارُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: إنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا لَمْ يَمَسَّهَا يُرِيدُ أَنْ لَا يَخْتَصَّ خِيَارُهَا بِالْمَجْلِسِ الَّذِي يَعْلَمُ فِيهِ بِعِتْقِهَا بَلْ لَهَا ذَلِكَ مَا لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ نَفْسِهَا طَائِعَةً أَوْ يَتْرُكُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً أَوْ يُوقِفُهَا السُّلْطَانُ فَإِمَّا قَضَتْ وَإِمَّا أَخْرَجَ ذَلِكَ مِنْ يَدِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا قِيلَ لَهَا: اخْتَارِي بَعْدَ الْعِتْقِ فَقَالَتْ حَتَّى أَنْظُرَ وَأَسْتَشِيرَ وَمَنَعَتْهُ نَفْسَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْطَعُ خِيَارَهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْعِتْقِ وَلَا بِمَجْلِسِ عِلْمِهَا بِهِ وَفِي الْمُزَنِيَّة سُئِلَ ابْنُ كِنَانَةَ عَنْ أَمَةٍ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَأَقَامَتْ تَحْتَهُ أَيَّامًا ثُمَّ هَاجَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ فَأَرَادَتْ أَنْ تَخْتَارَ فَقَالَ: إذَا عَلِمَ مِنْ حَالِهَا بَعْدَ عِتْقِهَا بِالرِّضَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ لِشَيْءٍ وَقَعَ بَيْنَهُمَا وَرَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهَا ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا بِالرِّضَا، وَالْإِقَامَةِ وَتَرْكِ الْخِيَارِ

стр. 1091

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ مَوْلَاةً لِبَنِي عَدِيٍّ يُقَالُ لَهَا زَبْرَاءُ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ وَهِيَ أَمَةٌ يَوْمَئِذٍ فَعَتَقَتْ قَالَتْ فَأَرْسَلَتْ إلَيَّ حَفْصَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَتْنِي فَقَالَتْ: إنِّي مُخْبِرَتُك خَبَرًا وَلَا أُحِبُّ أَنْ تَصْنَعِي شَيْئًا إنَّ أَمْرَك بِيَدِك مَا لَمْ يَمَسّكِ زَوْجُك، فَإِنْ مَسَّكِ فَلَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ قَالَتْ فَقُلْت هُوَ الطَّلَاقُ ثُمَّ الطَّلَاقُ ثُمَّ الطَّلَاقُ فَفَارَقَتْهُ ثَلَاثًا) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهِ جُنُونٌ أَوْ ضَرَرٌ، فَإِنَّهَا تُخَيَّرُ، فَإِنْ شَاءَتْ قَرَّتْ، وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْ) . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: فَإِنْ مَسَّهَا فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَهِلَتْ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ لَمْ تُصَدَّقْ وَلَا خِيَارَ لَهَا، وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ ادِّعَاءَهَا الْجَهْلَ يَحِقُّ لَهَا بَعْدَ أَنْ يُوجَدَ مِنْهَا مَا ظَاهِرُهُ إسْقَاطُ ذَلِكَ الْحَقِّ لَا تُصَدَّقُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ فِي حَقٍّ أَسْقَطَتْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَلَا خِيَارَ لَهَا بَعْدَ أَنْ يَمَسَّهَا يُرِيدُ بَعْدَ عِلْمِهَا بِالْعِتْقِ، وَلَوْ قَالَتْ: لَمْ أَعْلَمْ بِالْعِتْقِ، وَقَدْ مَسَّهَا بَعْدَهُ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهَا مُصَدَّقَةٌ مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا عَلِمَتْ بِذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عِلْمِهَا وَمَا يُدَّعَى عَلَيْهَا مِنْ الْعِلْمِ فَأَمْرٌ طَارِئٌ يَجِبُ عَلَى مُدَّعِيهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ مَوْلَاةً لِبَنِي عَدِيٍّ يُقَالُ لَهَا زَبْرَاءُ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ وَهِيَ أَمَةٌ يَوْمَئِذٍ فَعَتَقَتْ قَالَتْ فَأَرْسَلَتْ إلَيَّ حَفْصَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَتْنِي فَقَالَتْ: إنِّي مُخْبِرَتُك خَبَرًا وَلَا أُحِبُّ أَنْ تَصْنَعِي شَيْئًا إنَّ أَمْرَك بِيَدِك مَا لَمْ يَمَسّكِ زَوْجُك، فَإِنْ مَسَّكِ فَلَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ قَالَتْ فَقُلْت هُوَ الطَّلَاقُ ثُمَّ الطَّلَاقُ ثُمَّ الطَّلَاقُ فَفَارَقَتْهُ ثَلَاثًا) . (ش) : قَوْلُهُ: " أَنَّ مَوْلَاةً لِبَنِي عَدِيٍّ يُقَالُ لَهَا زَبْرَاءُ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ وَهِيَ أَمَةٌ يَوْمَئِذٍ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَوْلَاةَ غَيْرُ الْأَمَةِ، وَأَنَّهَا لَا تُوصَفُ بِمَوْلَاةٍ حِينَ كَوْنِهَا أَمَةً وَلِذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْ مَوْلَاةٍ لِبَنِي عَدِيٍّ وَذَكَرَ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً يَوْمَ كَانَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ، وَلَوْ كَانَتْ مَوْلَاةً حِينَ كَوْنِهَا أَمَةً لَاسْتَغْنَى عَنْ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ مَوْلَاةً لِبَنِي عَدِيٍّ أَمَةً يَوْمَ كَانَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا وَصَفَتْ زَوْجَهَا بِالْعُبُودِيَّةِ لِتُشِيرَ إلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ الَّذِي ثَبَتَ لَهَا بِالْعِتْقِ مُتَعَلِّقٌ بِمَنْ كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَعَتَقَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ وَبِذَلِكَ الْعِتْقِ وُصِفَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنَّهَا مَوْلَاةُ مَنْ أَعْتَقَهَا فَلَمَّا عَتَقَتْ أَرْسَلَتْ إلَيْهَا حَفْصَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ تُعْلِمُهَا بِمَا ثَبَتَ لَهَا مِنْ التَّخْيِيرِ بِالْعِتْقِ، وَهَذَا حُكْمُ كُلِّ مَنْ عَلَّمَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَقًّا يَخَافُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ وَيَضِيعَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَنْ يُنَبِّهَهُ عَلَيْهِ وَيُعَلِّمَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا: إنِّي مُخْبِرَتُك خَبَرًا وَلَا أُحِبَّ أَنْ تَصْنَعِي شَيْئًا يَقْتَضِي دِينُ حَفْصَةَ وَفَضْلُهَا، وَأَنَّهَا لَمْ تَقْصِدْ بِذَلِكَ أَذَى الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا قَصَدَتْ إعْلَامَهَا بِمَا يَجِبُ لَهَا ثُمَّ أَعْلَمَتْهَا أَنَّهَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُفَارِقَهُ بَلْ تُحِبُّ أَنْ تَبْقَى عَلَى حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ ثُمَّ أَعْلَمَتْهَا بِحُكْمِهَا فَقَالَتْ لَهَا: إنَّ أَمْرَك بِيَدِك مَا لَمْ يَمَسّكِ زَوْجُك فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مُدَّةَ كَوْنِ أَمْرِهَا بِيَدِهَا مَا لَمْ يَمَسَّهَا وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا خِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ كُلَّهَا مُدَّةٌ لِامْتِنَاعِ خِيَارِهَا، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهَا أَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ مِنْ الْمُدَّةِ ثَبَتَ لَهَا فِيهَا حُكْمُ الْخِيَارِ لَمَّا كَانَ مِنْ عِتْقِهَا تَحْتَ عَبْدٍ وَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ الْخِيَارُ بِالْمَسِيسِ وَيَرْجِعَ إلَى حُكْمِ مِلْكِ الزَّوْجِ لَهَا ثُمَّ بَيَّنَتْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: فَإِنْ مَسَّكِ فَلَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَقُلْت: هُوَ الطَّلَاقُ ثُمَّ الطَّلَاقُ ثُمَّ الطَّلَاقُ فَفَارَقَتْهُ ثَلَاثًا يَقْتَضِي مَا قُلْنَاهُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَمَّا كَانَتْ حُرَّةً وَمَلَكَتْ الطَّلَاقَ مَلَكَتْهُ ثَلَاثًا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ فِيهَا طَلَاقٌ، وَلَوْ تَقَدَّمَ لَهُ فِيهَا طَلْقَةٌ لَاحْتُسِبَتْ بِهَا عَلَيْهِ وَاجْتَزَأَتْ الْآنَ بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ تُبْرِئُهَا مِنْهُ وَفِي الْمَبْسُوطِ فِي عَبْدٍ تَحْتَهُ أَمَةٌ فَطَلَّقَهَا طَلْقَةً ثُمَّ عَتَقَ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَانِيَةً فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاثٍ؛ لِأَنَّ نِصْفَ طَلَاقِ الْعَبْدِ طَلْقَةٌ تَقُومُ مَقَامَ طَلْقَةٍ وَنِصْفٍ، فَإِذَا أَوْقَعَهَا كَانَ كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَنِصْفَ طَلْقَةٍ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ الْحُرُّ لَزِمَهُ طَلْقَتَانِ فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا أَوْقَعَ طَلْقَةً لَزِمَهُ طَلْقَتَانِ، فَإِذَا أَعْتَقَ، فَإِنَّمَا بَقِيَتْ لَهُ طَلْقَةٌ، وَالنِّصْفُ لَا يَصِحُّ إيقَاعُهُ، فَإِنَّمَا بَقِيَتْ لَهُ فِيهَا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ. (ش) : قَوْلُهُ ﵁: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهِ جُنُونٌ أَوْ ضَرَرٌ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ قُلْت لِعِيسَى بْنِ دِينَارٍ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ، فَإِنَّهُ

стр. 1092

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبْدِ ثُمَّ تُعْتَقُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَوْ يَمَسَّهَا أَنَّهَا إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَلَا صَدَاقَ لَهَا وَهِيَ تَطْلِيقَةٌ، وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: إذَا خَيَّرَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَاخْتَارَتْهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ قَالَ مَالِكٌ، وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخَيَّرَةِ: إذَا خَيَّرَهَا زَوْجُهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَقَدْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ قَالَ زَوْجُهَا: لَمْ أُخَيِّرْك إلَّا وَاحِدَةً فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت) ــ [المنتقى] بِالْخِيَارِ مَا هَذَا الضَّرَرُ فَقَالَ جُذَامٌ أَوْ شَيْءٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ فَأَمَّا رِوَايَةُ الْأَصْلِ الَّذِي فَسَّرْنَاهُ فَالضَّرَرُ فِي الزَّوْجِ الْجُذَامُ، وَالْعُنَّةُ، وَالضَّرَرُ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ، وَأَمَّا عَلَى سُؤَالِ ابْنِ زَيْدٍ، فَإِنَّ الضَّرَرَ فِي الْمَرْأَةِ غَيْرَ مَا ذُكِرَ دَاءُ الْفَرْجِ، وَهُوَ الْقَرْنُ الَّذِي يَمْنَعُ الْوَطْءَ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ مَوَانِعِ الْوَطْءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَعَانِي هَذِهِ الصِّفَاتِ وَأَحْكَامِهَا بِمَا يُغْنِي عَنْ الْإِعَادَةِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْأَمَةَ إذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ؛ فَإِنَّ لَهَا الْخِيَارَ سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَأَلْت عِيسَى بْنَ دِينَارٍ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ لَمَّا جَعَلَ لَهَا قَبْلَ أَنْ بَنَى بِهَا طَلْقَةً بَائِنَةً، وَهُوَ يَقُولُ فِي الَّتِي دَخَلَ بِهَا تَطْلُقُ مَا شَاءَتْ أَلْبَتَّةَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ مَالِكٌ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً بَائِنَةً إذَا لَمْ تُطَلِّقْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَأَمْرُهَا وَاحِدٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ مَا شَاءَتْ مِنْ الطَّلَاقِ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ مِثْلَهُ، وَأَمَّا إذَا دَخَلَ بِهَا فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَلَا صَدَاقَ لَهَا يُرِيدُ أَنَّهَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ بِمَعْنًى تَيَقَّنَ فِي الزَّوْجِ فَلَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ كَاَلَّتِي تُفَارِقُ زَوْجَهَا بِجُنُونٍ أَوْ جُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَهِيَ طَلْقَةٌ يُرِيدُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ لَمْ يُوقِعْ غَيْرَ وَاحِدَةٍ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، وَلَوْ أَوْقَعَتْ الطَّلَاقَ لَكَانَ لَهَا ذَلِكَ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا غَيْرُ طَلْقَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَبِينُ بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الرَّجُلَ إذَا خَيَّرَ زَوْجَتَهُ فَاخْتَارَتْ الْمُقَامَ مَعَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ طَلَاقًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرْنَاهُ» فَلَمْ يَعُدَّ لَنَا طَلَاقًا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَخْتَارَهُ أَوْ يُمَلِّكَهَا إيَّاهُ فَتُوقِعَهُ، فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ أَوْ لَمْ يُوقِعْ الطَّلَاقَ مَنْ مَلَكَهُ وَجَبَ أَنْ لَا يَقَعَ؛ أَصْلُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ يُوَكِّلَ أَجْنَبِيًّا عَلَى الطَّلَاقِ فَلَا يُوقِعُهُ. (ش) : قَوْلُهُ فِي الْمُخَيَّرَةِ إذَا خَيَّرَهَا زَوْجُهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَقَدْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا يُرِيدُ أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ التَّخْيِيرِ يَقْتَضِي تَمَلُّكَهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ التَّخْيِيرَ إنَّمَا هُوَ تَخْيِيرٌ بَيْنَ قَطْعِ الْعِصْمَةِ وَإِبْقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إلَّا بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى التَّخْيِيرِ فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي أَنَّ التَّخْيِيرَ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ جَمْعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ: وَمَا عَلِمْت مَنْ كَرِهَهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ مَا رَوَى مَسْرُوقٌ «عَنْ عَائِشَةَ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرْنَاهُ» ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ إيقَاعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ جَمِيعًا أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِإِيقَاعِ طَلَاقٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَمْلِيكُ الزَّوْجَةِ إيَّاهُ، وَإِنَّمَا مَنَعَ هُوَ مِنْ إيقَاعِهِ. (فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّ التَّخْيِيرَ مُبَاحٌ لِلزَّوْجِ فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجَةِ اخْتِيَارُ الْفُرْقَةِ وَهِيَ ثَلَاثٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ إنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلزَّوْجِ دُونَ الزَّوْجَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَقَدْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهَا: قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي إنَّمَا يَقْتَضِي فِي التَّخْيِيرِ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ وَكَذَلِكَ التَّمْلِيكُ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ إنَّمَا يَقْتَضِي مِلْكَهَا لِنَفْسِهَا وَإِزَالَةَ مِلْكِ الزَّوْجِ مِنْهَا فَهَذَا مَعْنَى اخْتِيَارِهَا لِنَفْسِهَا، وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَإِذَا اقْتَضَى تَخْيِيرُهُ

стр. 1093

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] لَهَا تَمْلِيكَهُ الثَّلَاثَ وَاقْتَضَى اخْتِيَارُهَا لِنَفْسِهَا الثَّلَاثَ حُكِمَ بِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُطْلِقَ الْمُخَيِّرُ تَخْيِيرَهُ أَوْ يُقَيِّدَهُ، فَإِنْ أَطْلَقَهُ أَوْ قَيَّدَهُ بِالثَّلَاثِ حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا قَيَّدَهُ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ التَّمْلِيكِ، فَإِذَا أَطْلَقَ فَأَجَابَتْهُ الْمَرْأَةُ فَلَا يَخْلُو أَنْ تُجِيبَ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي الثَّلَاثَ أَوْ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي مَا دُونَ ذَلِكَ أَوْ بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ، فَإِنْ أَجَابَتْ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي الثَّلَاثَ فَحُكْمُهُ مَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي ثُمَّ قَالَتْ: أَرَدْت بِهِ وَاحِدَةً لَمْ تُصَدَّقْ فِي ذَلِكَ وَلَزِمَتْهَا الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ خَيَّرَهَا فَقَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً بَائِنَةً فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ التَّخْيِيرَ إنَّمَا يَقْتَضِي قَطْعَ الْعِصْمَةِ، فَإِذَا قَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً كَانَتْ قَدْ رَدَّتْ التَّخْيِيرَ وَلَا يَنْفَعُهَا قَوْلُهَا بَائِنَةً؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ لَا تَكُونُ بَائِنَةً، وَإِنْ صَرَّحَتْ بِأَنَّهَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ قَالَتْ: اخْتَرْت وَاحِدَةً فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ قَالُوا: لَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ إلَّا عَبْدُ الْمَلِكِ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَكُونُ ثَلَاثًا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَمَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهَا قَضَتْ بِغَيْرِ مَا جَعَلَهُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ إلَيْهَا قَطْعَ الْعِصْمَةِ فَلَمْ تَقْطَعْهَا، وَإِنَّمَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْهَا مِمَّا جَعَلَ إلَيْهَا فَكَانَ ذَلِكَ رَدًّا لِمَا جَعَلَهُ إلَيْهَا، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ طَلَاقَ التَّخْيِيرِ يَقْتَضِي قَطْعَ الْعِصْمَةِ، وَهُوَ لَا يَتَبَعَّضُ، وَإِذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بِبَعْضِهِ لَزِمَ إتْمَامُهُ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا نِصْفَ طَلْقَةٍ لَكَانَتْ كَامِلَةً لَمَّا كَانَتْ الطَّلْقَةُ لَا تَتَبَعَّضُ، وَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَيَّرُ قَبْلَ الدُّخُولِ يَقْتَضِي تَخْيِيرَهُ الثَّلَاثَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا أَوْ يَسْكُتَ، فَإِنْ أَنْكَرَ عَلَيْهَا وَقَالَ: لَمْ أُخَيِّرْك إلَّا فِي قَطْعِ الْعِصْمَةِ بِالثَّلَاثِ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا قَضَتْ بِهِ مِنْ الْوَاحِدَةِ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَسْتَأْنِفَ اخْتِيَارَ نَفْسِهَا بِالثَّلَاثِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَذَلِكَ قَوْلُ جَمَاعَةِ أَصْحَابِنَا إلَّا أَشْهَبَ، فَإِنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، وَإِنْ سَكَتَ وَلَمْ يُنْكِرْ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ تَبَيَّنَ مِنْهُ الرِّضَى بِهَا لَزِمَتْهُ وَلَهُ الرَّجْعَةُ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الطَّلْقَةُ مِنْ قِبَلِ الْخِيَارِ طَلْقَةً لَا رَجْعَةَ فِيهَا، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بِحَضْرَةِ الزَّوْجِ وَأَظْهَرَ مَا يَقْتَضِي الرِّضَى بِطَلَاقِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَوْلُهَا: قَبِلْت نَفْسِي عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهَا: اخْتَرْت نَفْسِي قَالَهُ مُحَمَّدٌ: إلَّا أَشْهَبَ قَالَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَبِلْت أَمْرِي تُسْأَلُ عَمَّا أَرَادَتْ بِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ أَتَتْ بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ مِثْلُ أَنْ تَقُولَ: قَبِلْت أَوْ قَبِلْت أَمْرِي أَوْ اخْتَرْت فَقَطْ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ هَذَا الْفِرَاقُ وَتُسْأَلُ عَمَّا أَرَادَتْ بِهِ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ فِي قَوْلِهَا: اخْتَرْت أَمْرِي هُوَ فِرَاقٌ فِي التَّخْيِيرِ، وَالتَّمْلِيكِ وَلَا تُسْئَلُ عَمَّا أَرَادَتْ وَلَا تَحِلُّ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَجْهُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ أَنَّ قَوْلَهَا قَبِلْت أَمْرِي لَفْظٌ عَامٌّ فِي الْأَمْرِ يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ فَلَهَا أَنْ تُفَسِّرَهُ بِمَا شَاءَتْ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ: أَنَّ ظَاهِرَ قَبُولِهَا إنَّمَا هُوَ لَمَّا جَعَلَ إلَيْهَا مَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ الْفُرْقَةِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ. (فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ لَهَا التَّفْسِيرَ سُئِلَتْ عَمَّا أَرَادَتْ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: إنْ قَالَتْ أَرَدْت أَنِّي قَبِلْت مَا جَعَلَ إلَيَّ مِنْ الِاخْتِيَارِ أَوْ الْمِلْكِ، وَأَنَا أَنْظُرُ الْآنَ فَأُوقِعُ إنْ شِئْت أَوْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ لَهَا وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ إنْ قَالَتْ: لَمْ أُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهَا مِمَّنْ يَعْلَمُ الْفَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ وَقَصَدَتْهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا وَلَا يَكَادُ يُفَرَّقُ بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ الرِّجَالِ إلَّا مَنْ يَفْقَهُ فَرَأَيْت مَذْهَبَهُ أَنَّهَا الْبَتَّةُ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ يَحْتَمِلُ مَا قَالَتْهُ فَيَقْبَلُ مِنْهَا ذَلِكَ وَلَا يُلْزِمُهُ أَنْ لَا يَعْلَمَ هَذَا إلَّا مَنْ يَفْقَهُ فَقَدْ عَلِمَتْهُ هِيَ وَأَخْبَرَتْ بِهِ عَنْ نَفْسِهَا وَلَا يَحْمِلُ النَّاسُ فِي أَحْكَامِهِمْ إلَّا عَلَى الْمَعْرِفَةِ. (فَرْعٌ) : وَلَوْ قَالَتْ: أَرَدْت بِذَلِكَ الْبَقَاءَ مَعَ زَوْجِي فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهَا وَيَكُونُ طَلَاقًا إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِمَا يَعْرِفُ بِهِ صِدْقَهَا، وَلَوْ قَالَتْ: كُنْت لَاعِبَةً أَوْ مُسْتَهْزِئَةً لَمْ يَلْزَمْهَا شَيْءٌ وَدِينَتْ

стр. 1094

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ خَيَّرَهَا فَقَالَتْ: قَدْ قَبِلْت وَاحِدَةً وَقَالَ: لَمْ أُرِدْ هَذَا إنَّمَا خَيَّرْتُك فِي الثَّلَاثِ جَمِيعًا أَنَّهَا إنْ لَمْ تَقْبَلْ إلَّا وَاحِدَةً أَقَامَتْ عِنْدَهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِرَاقًا إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى) . مَا جَاءَ فِي الْخُلْعِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ «عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إلَى الصُّبْحِ فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ عِنْدَ بَابِهِ فِي الْغَلَسِ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ هَذِهِ فَقَالَتْ: أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: مَا شَأْنُك فَقَالَتْ: لَا أَنَا وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لِزَوْجِهَا فَلَمَّا جَاءَ زَوْجُهَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ قَدْ ذَكَرَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَذْكُرَ فَقَالَتْ حَبِيبَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ: خُذْ مِنْهَا فَأَخَذَ مِنْهَا وَجَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا» ) ــ [المنتقى] وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ عِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ مِنْهَا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهَا إذَا قُبِلَ مِنْهَا الِاسْتِهْزَاءُ أَوْ اللَّعِبُ فَبِأَنْ يُقْبَلَ مِنْهَا مَا قَالَتْهُ مِنْ الرِّضَى بِزَوْجِهَا أَوْلَى وَأَحْرَى. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ قَالَ: اخْتَارِي الثَّلَاثَ فَقَضَتْ بِثَلَاثٍ نَفَذَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ قَضَتْ بِوَاحِدَةٍ فَلَا شَيْءَ لَهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَوَجْهُهُ أَنَّ إطْلَاقَ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي الثَّلَاثَ فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلِذَلِكَ لَمْ تَنْوِ هِيَ شَيْئًا. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ قَالَتْ: أَرَدْت وَاحِدَةً وَطَلَّقَتْ هِيَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً أَوْ فَسَّرَتْ اللَّفْظَ الْمُحْتَمَلَ بِوَاحِدَةٍ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ هِيَ عَلَى مَا نَوَتْ، وَإِنْ طَلَّقَتْ هِيَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا فَهُوَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّمْلِيكِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ زَوْجُهَا لَمْ أُخَيِّرْك إلَّا فِي وَاحِدَةٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَيَّرَهَا بِلَفْظٍ هُوَ صَرِيحٌ فِي الثَّلَاثِ فَاخْتَارَتْ بِلَفْظٍ هُوَ صَرِيحٌ فِي اخْتِيَارِ الثَّلَاثِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ زَادَ وَاحِدَةً، وَلَوْ قَالَتْ هِيَ: أَرَدْت وَاحِدَةً لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ خَيَّرَهَا فَقَالَتْ: قَدْ قَبِلْت وَاحِدَةً وَقَالَ: لَمْ أُرِدْ هَذَا إنَّمَا خَيَّرْتُك فِي الثَّلَاثِ جَمِيعًا أَنَّهَا إنْ لَمْ تَقْبَلْ إلَّا وَاحِدَةً أَقَامَتْ عِنْدَهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِرَاقًا إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى) . (ش) : قَوْلُهُ: إنَّهُ خَيَّرَهَا فَقَالَتْ: قَبِلْت وَاحِدَةً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ تَخْيِيرَهُ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْمُقَامِ أَوْ قَطْعِ الْعِصْمَةِ، فَإِذَا اخْتَارَتْ وَاحِدَةً فَقَدْ أَعْرَضَتْ عَمَّا جُعِلَ لَهَا فَاخْتَارَتْ غَيْرَهُ فَلَمْ يَلْزَمْهُ مَا اخْتَارَتْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَل ذَلِكَ إلَيْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: إنَّهَا إنْ لَمْ تَقْبَلْ إلَّا وَاحِدَةً أَقَامَتْ عِنْده يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إنْ لَمْ يَكُنْ فِي جَوَابِهَا لَهُ قَبِلَتْ إلَّا وَاحِدَةً عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرِ عَنْهَا فَقَدْ بَطَلَ خِيَارُهَا وَلَزِمَهَا الْمُقَامُ عِنْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالثَّانِي أَنَّهَا إنْ لَمْ تَسْتَأْنِفْ اخْتِيَارَ الثَّلَاثِ بَعْدَ أَنْ نَاكَرَهَا الزَّوْجُ، فَإِنَّهَا لَا تَنْتَفِعُ بِمَا أَوْقَعَتْهُ مِنْ الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ لَهَا أَنْ تَسْتَأْنِفَ اخْتِيَارَ الثَّلَاثِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا بَعْدَ أَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهَا الزَّوْجُ مَا أَوْقَعَتْهُ مِنْ الْوُجُوهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَا جَاءَ فِي الْخُلْعِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ : مَنْ هَذِهِ يَقْتَضِي الْمُبَالَغَةَ فِي التَّغْلِيسِ إلَّا أَنْ لَا يُمَيِّزَهَا، وَإِنْ عَرَفَ أَنَّهَا مِنْ النِّسَاءِ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَسْتُورَةَ الْوَجْهِ لَكِنْ ذِكْرُ الْغَلَسِ مَعَ قَوْلِهِ مَنْ هَذِهِ أَظْهَرُ فِيمَا قُلْنَاهُ وَقَوْلُهُ ﷺ : لَمَّا قَالَتْ: أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ مَا شَأْنُك إنْكَارٌ لِمَجِيئِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إذْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ زِيَارَةٍ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا وَقْتَ طَلَبِ حَاجَةٍ، وَإِنَّمَا تُبَكِّرُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِمَعْنًى مُهِمٍّ فَأَخْبَرَتْهُ بِشَأْنِهَا فَقَالَتْ: لَا أَنَا وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لِزَوْجِهَا إمَّا لِتُعْلِمَهُ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ الَّذِي تَشْكُو هُوَ زَوْجُهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي لِيَعْلَمَ مَنْ نَقَلَ إلَيْهِ الْحَدِيثَ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ الَّذِي أَرَادَتْ مُبَايِنَتَهُ وَقَطْعَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ هُوَ زَوْجُهَا، وَإِنَّ مَا نَزَعَتْ مِنْ فِرَاقِهِ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهَا لَا أَنَا وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ

стр. 1095

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا: لَا أَنَا وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ ظَاهِرُهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ وَحُكْمُهُ حُكْمُ النُّشُوزِ وَتُجْبَرُ عَلَى الرُّجُوعِ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُرِدْ فِرَاقَهَا بِخُلْعٍ أَوْ غَيْرِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِزَوْجِهَا لَمَّا جَاءَ «هَذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ قَدْ ذَكَرَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَذْكُرَهُ» إعْلَامًا لَهُ بِمَا أَتَتْ لَهُ وَظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَصَدَ ﷺ الْإِخْبَارَ عَنْ مَعْنَى مَا أَتَتْ لَهُ وَلَمْ يُفَسِّرْ تَفَاصِيلَ قَوْلِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ قَدْ تَشَكَّتْ إلَيْهِ ضَرَرًا فَلَمْ يَحْتَجْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ إلَى أَنْ يُفَسِّرَ لَهُ ذَلِكَ الضَّرَرَ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْهُ الزَّوْجُ وَيَكْفِي مِنْ الْإِعْلَامِ لِلزَّوْجِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: اشْتَكَتْ ضَرَرًا، فَإِنْ أَنْكَرَهُ سُئِلَتْ الْبَيِّنَةُ عَمَّا تَشَكَّتْ مِنْهُ، وَإِنْ سَأَلَ التَّفْسِيرَ لِيُنْكِرَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا فَعَلَهُ أَوْ لِيُبْدِيَ عُذْرَهُ فِيمَا أَتَى بِهِ مِنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ حَبِيبَةُ لَمْ تَشْتَكِ مِنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ضَرَرًا وَلَكِنَّهَا كَرِهَتْ مُصَاحَبَتَهُ خَاصَّةً فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ مَا تَشَكَّتْ مِنْهُ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ وَلَكِنْ لَا أُطِيقُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ قَالَتْ: نَعَمْ» وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْخُلْعُ مِنْ غَيْرِ اشْتِكَاءِ ضَرَرٍ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] . (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا كَانَ الضَّرَرُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَةِ، وَالْكَرَاهِيَةُ لِلزَّوْجِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْخُلْعِ، وَإِنْ كَانَ الضَّرَرُ مِنْهُمَا مَعًا فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ: وَهُوَ مَنْصُوصٌ لِمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ عُلَمَائِنَا قَالَ: وَلَيْسَتْ كَمَسْأَلَةِ الْحَكَمَيْنِ إذَا كَانَ الضَّرَرُ مِنْهَا جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَكَمَيْنِ لِلْحَكَمَيْنِ فَيَنْفُذُ حُكْمُهُمَا فِي ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ إذَا جَازَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَكَمَيْنِ فَبِأَنْ يَجُوزَ مِنْهُمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ أَوْلَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا بَذَلَتْهُ لِزَوْجِهَا عَلَى أَنْ يُفَارِقَهَا، وَقَدْ صَرَّحَ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ قَالَتْ: نَعَمْ» ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: ﷺ خُذْ مِنْهَا إبَاحَةٌ مِنْهُ ﷺ أَخْذَ الْفِدَاءِ مِنْهَا، وَقَدْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ نَدْبًا إلَى ذَلِكَ لَمَّا رَأَى مِنْ إشْفَاقِهَا وَاسْتِضْرَارِهَا بِالْمُقَامِ مَعَهُ، وَقَدْ بَلَغَ ذَلِكَ مِنْهَا إلَى أَنْ خَافَتْ أَنْ تَأْتِيَ مَا تَأْثَمُ بِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَخَذَ مِنْهَا فَجَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا إتْمَامًا مِنْهُ لِمَا قَرَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا مِنْ الْخُلْعِ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِطَلَاقٍ وَلَا خُلْعٍ، وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَنَدِمَ فَقَالَ لَهُ أَهْلُهَا: نُؤَدِّي إلَيْك مَا أَخَذْنَا مِنْك وَتُؤَدِّي إلَيْنَا أُخْتَنَا وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ طَلَاقٌ وَلَا كَلِمَةٌ فَقِيلَ: إنَّهُ إنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَلِكَ تَطْلِيقَةً وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى تَطْلِيقَتَيْنِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا قَصَدَ إلَى الصُّلْحِ عَلَى أَنْ أَخَذَ مَتَاعَهُ وَسَلَّمَ إلَيْهَا مَتَاعَهَا فَهُوَ خُلْعٌ لَازِمٌ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لَمْ يَقُلْ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِمَّا أَتَوْهُ إنْفَاذُ الطَّلَاقِ وَإِيقَاعُهُ، وَالْفُرْقَةُ الْمَوْجُودَةُ بَيْنَهُمَا، وَالِانْفِصَالُ إنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الطَّلَاقِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا كَالْإِشَارَةِ بِهِ أَوْ الْكِتَابَةِ لَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَجَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ إنْ كَانَتْ الدَّارُ لَهَا أَنَّهَا جَلَسَتْ فِيهَا دُونَهُ مُدَّةَ الْعِدَّةِ مَعَ خَدَمٍ إنْ كَانَ لَهَا أَوْ حَاشِيَةٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهَا قَبْلَ الْخُلْعِ وَوُصِفَتْ بِذَلِكَ أَنَّهَا جَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا لَمَّا كَانَ هَذَا الْجُلُوسُ لَهَا وَمُخْتَصًّا بِهَا وَقَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا كَانَ الْجُلُوسُ لَهُ وَيُحْتَمَلُ إنْ كَانَتْ الدَّارُ لَهَا أَنَّهَا

стр. 1096

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ مَوْلَاةٍ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ عُبَيْدٍ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لَهَا فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) ــ [المنتقى] بَقِيَتْ فِيهَا لَمْ يَنْقُلْهَا عَنْهَا لِاسْتِحْقَاقِهَا لَهَا وَلَعَلَّهُ كَانَ سَاكِنًا مَعَهَا فِي مَحَلِّهَا عِنْدَ أَقَارِبِهَا فَانْتَقَلَ هُوَ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ إلَى أَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ: إنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لَهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْرَ مَا أَصْدَقَهَا، وَأَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ فَأَمَّا الْخُلْعُ بِكُلِّ مَا أَصْدَقَهَا أَوْ أَقَلَّ فَجَائِزٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، وَأَمَّا الْخُلْعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَسَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لَهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمَّتْهُ وَوَصَفَتْهُ وَأَحْضَرَتْهُ حَتَّى كَانَ مَعْرُوفًا غَيْرَ مَجْهُولٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخُلْعُ وَقَعَ لَهَا بِهَذَا اللَّفْظِ عَلَى أَنْ تَنْخَلِعَ لَهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لَهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ مَجْهُولًا وَلَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ أَنْ يُوجَدَ لَهَا شَيْءٌ أَوْ لَا يُوجَدَ لَهَا شَيْءٌ، فَإِنْ وُجِدَ لَهَا شَيْءٌ لَهُ مِقْدَارٌ، فَإِنَّ الْخُلْعَ نَافِذٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخُلْعَ عَلَى الْعَبْدِ الْآبِقِ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَوْ الْجَمَلِ الشَّارِدِ، وَالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا وَفِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمَبْسُوطِ يَجُوزُ بِمَا يُثْمِرُ نَخْلُهُ الْعَامَ وَبِمَا تَلِدُ غَنَمُهُ الْعَامَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، وَهَذَا عَامٌّ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ مِمَّا يُمْلَكُ بِالْهِبَةِ، وَالْوَصِيَّةِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ كَالْمَعْلُومِ. ١ - (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَصِحُّ الْخُلْعُ بِالْغَرَرِ، فَإِنَّهُ إنْ سَلِمَ وَقَبَضَهُ فَهُوَ لَهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَلِفَ فَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ، وَالطَّلَاقُ نَافِذٌ عَلَى حُكْمِهِ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَقْدٌ يَجُوزُ فِي مُعَيَّنٍ مِنْ الْغَرَرِ، فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ كَالْهِبَةِ، وَالْوَصِيَّةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى نَفَقَةٍ وَلَهَا مُدَّةُ الْحَوْلَيْنِ وَرَضَاعُهُ فِيهِمَا جَازَ ذَلِكَ، فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهَا نَفَقَةَ الِابْنِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ أَرْبَعَ سِنِينَ أَوْ ثَلَاثًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ الِابْنِ وَإِرْضَاعِهِ فِي الْحَوْلَيْنِ فَهُوَ بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ عَنْ الزَّوْجَةِ، وَإِنْ شَرَطَ الزَّوْجُ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَالِكٌ بِمَا بَطَلَ مِنْ شَرْطِهِ شَيْئًا، وَأَجَازَ ذَلِكَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْحَوْلَيْنِ مِنْ مُدَّةِ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ، أَوْ إلَى انْقِضَاءِ أَمَدِ الْحَضَانَةِ الْمَخْزُومِيِّ وَاخْتَارَهُ سَحْنُونٌ وَوَجَّهَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنَّ الْمُتَخَالِعَيْنِ أَدْخَلَا الْغَرَرَ فِيمَا أَوْقَعَا بِهِ الْخُلْعَ مِنْ النَّفَقَةِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْغَرَرِ كَالْعَبْدِ الْآبِقِ، وَالْجَمَلِ الشَّارِدِ فَالْغَرَرُ دَخَلَ فِيهِ بِغَيْرِ فِعْلِهَا وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ لَمْ يَمْنَعْ مَالِكٌ الْخُلْعَ بِنَفَقَةِ مَا زَادَ عَلَى الْحَوْلَيْنِ لِأَجْلِ الْغَرَرِ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مُخْتَصٌّ بِالْأَبِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى غَيْرِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ نَفَقَةِ الْحَوْلَيْنِ أَنَّ تِلْكَ النَّفَقَةَ وَهِيَ الرَّضَاعُ قَدْ تَجِبُ عَلَى الْأُمِّ حَالَ الزَّوْجِيَّةِ وَبَعْدَ الطَّلَاقِ إذَا أَعْسَرَ الْأَبُ فَجَازَ أَنْ تُنْقَلَ هَذِهِ النَّفَقَةُ إلَى الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا مَحَلٌّ لَهَا وَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ مَالِكًا احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ تَجُوزُ إزَالَتُهُ بِالْغَرَرِ فَجَازَ إزَالَتُهُ بِنَفَقَةِ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ أَصْلُ ذَلِكَ الْعِتْقُ. (فَرْعٌ) : فَإِنْ وَقَعَ الْخُلْعُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُبَاحِ بِنَفَقَةِ الِابْنِ فَمَاتَ الصَّبِيُّ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَهَلْ لِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا بِبَقِيَّةِ النَّفَقَةِ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَتْبَعُهَا بِشَيْءٍ وَرَوَى عَنْهُ أَبُو الْفَرْجِ يَتْبَعُهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ لِنَفْسِهِ مَا لَا يَتَمَوَّلَهُ، وَإِنَّمَا شَرَطَ أَنْ تَكْفِيَهُ مُؤْنَةَ الْوَلَدِ، فَإِذَا مَاتَ الْوَلَدُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ كَمَا لَوْ تَطَوَّعَ رَجُلٌ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى الصَّبِيِّ بِبَيِّنَةٍ فَمَاتَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ بِتَطَوُّعِهِ تَحَمُّلَ مُؤْنَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا إنْ مَاتَتْ فَنَفَقَةُ الْوَلَدِ فِي مَالِهَا؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ ثَبَتَ فِيهِ قَبْلَ مَوْتِهَا فَلَا يَسْقُطُ بِمَوْتِهَا، وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَبِي الْفَرَجِ أَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ لَهُ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ بِالْخُلْعِ فَلَا يَسْقُطُ بِمَوْتِ الصَّبِيِّ كَمَا لَوْ خَالَعَهَا بِمَالٍ مُتَعَلِّقٍ بِذِمَّتِهَا

стр. 1097

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَإِنْ أَعَسَرَتْ بِالنَّفَقَةِ أَنْفَقَ الْأَبُ وَهَلْ يَتْبَعُهَا بِمِثْلِ النَّفَقَةِ رَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يُتْبِعُهَا بِهِ وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَتْبَعُهَا وَقَالَ أَيْضًا لَا يَتْبَعُهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلِابْنِ عَلَى أَبِيهِ ثُمَّ عَاوَضَ بِهِ الْأَبُ الْأُمَّ فَأَثْبَتَهُ فِي ذِمَّتِهَا عِوَضًا مِنْ طَلَاقِهَا، فَإِذَا أَعَسَرَتْ بِهِ كَانَ لِلِابْنِ أَنْ يُتْبِعَ بِهِ الْأَبَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقًّا عَلَيْهِ وَيَنْقُلَهُ إلَى عَدِيمٍ فَيَرْجِعُ الِابْنُ بِهِ عَلَى الْأَبِ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ الْأَبُ عَلَى الْأُمِّ دَيْنًا يَتْبَعُهَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ طَلَاقِهَا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ أَمْرٌ غَيْرُ ثَابِتٍ عَلَى الْأَبِ وَلَا عَلَى الْأُمِّ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِيُسْرِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ حِينَ الْوُجُوبِ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى أَنَّهَا إنْ وَلَدَتْ مِنْهُ فَعَلَيْهَا نَفَقَتُهُ فِي الْحَوْلَيْنِ، فَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَطْلُبَهُ بِنَفَقَةِ الْحَمْلِ وَبِصَدَاقِهَا عَلَيْهِ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ لَهَا صَدَاقٌ وَلَا نَفَقَةُ حَمْلٍ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ لَهَا نَفَقَةُ الْحَمْلِ وَلَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ، وَوَجْهُ قَوْلِهَا: إنَّهُ لَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ أَنَّهَا لَمْ تَشْتَرِطْ بَقَاءً فَكَانَ الظَّاهِرُ إسْقَاطَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ مِنْهَا بِتَرْكِ مَا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى زَادَتْ نَفَقَةُ الْحَمْلِ وَلَمْ تَكُنْ فِي ذِمَّتِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا أَنَّهَا قَدْ أَسْقَطَتْ نَفَقَةَ الْوَلَدِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَبِأَنْ تُسْقِطَ مَا وَجَبَ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَوْلَى كَمَا قُلْنَا فِي الصَّدَاقِ: إنَّهَا إذَا أَسْقَطَتْ نَفَقَةَ الْحَوْلَيْنِ اقْتَضَى ذَلِكَ إسْقَاطَ الصَّدَاقِ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ: إنَّهَا أَسْقَطَتْ عَنْهُ نَفَقَةً مُقَدَّرَةً فَلَا يَتَعَدَّى الْإِسْقَاطُ إلَى غَيْرِهَا وَإِلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا وَلَا وَجَبَ بِسَبَبِهَا؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْحَمْلِ فِي غَيْرِ مُدَّةِ الْحَوْلَيْنِ وَمِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْحَوْلَيْنِ وَاجِبَةٌ بِغَيْرِ سَبَبِهَا وَلَا يُشْبِهُ هَذَا مَا أَسْقَطَ مِنْ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ تَقَرَّرَ وَوَجَبَ وَنَفَقَةُ الْحَمْلِ لَمْ تَجِبْ بَعْدُ فَلَا تَسْقُطُ إلَّا بِالنَّصِّ عَلَيْهَا. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا إنْ خَالَعَهَا عَلَى جَمِيعِ مَا تَمْلِكُ وَلَمْ يُوجَدْ لَهَا شَيْءٌ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ إذَا خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا فَلَمْ يُوجَدْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ، أَوْ وُجِدَ فِيهِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَالْحَجَرِ قَالَ أَشْهَبُ لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ، وَإِنْ وُجِدَ فِيهِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَالدِّرْهَمِ وَنَحْوِهِ لَزِمَهُ الْخُلْعُ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَلْزَمُهُ الْخُلْعُ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِمَا غَرَّتْهُ بِهِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَسَحْنُونٌ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا غَرَّتْهُ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْخُلْعُ كَمَا لَوْ قَالَتْ لَهُ: أُخَالِعُكَ بِعَبْدِي هَذَا، وَهُوَ حُرٌّ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ خُلْعٌ، أَوْ أُخَالِعُكَ بِهَذِهِ الدَّارِ وَلَمْ تَكُنْ لَهَا فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَبْسُوطِ: إنَّهَا تَبْقَى عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ لَهَا فَأَسْلَمَتْهَا إلَيْهِ فَاسْتَحَقَّتْ مِنْ يَدِهِ بَعْدَ الْخُلْعِ وَرَجَعَ عَلَيْهَا بِقِيمَةِ مَا اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لِأَنَّ هَذَا قَدْ قَبَضَهُ، وَالْأَوَّلُ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَإِنَّمَا خَالَعَهَا بِهِ عَلَى أَنْ تُسَلِّمَهُ إلَيْهِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ: إذَا خَالَعَهَا عَلَى عَطَائِهَا، أَوْ وَصِيَّةٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَهِيَ زَوْجَةٌ وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى حُرٍّ غَرَّتْهُ بِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ لَهَا عَطَاءٌ فَسَقَطَ اسْمُهَا، أَوْ لَمْ يَحْمِلْ الثُّلُثَ وَصِيَّتُهَا، فَإِنَّهُ يَمْضِي الْخُلْعُ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. (فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ الْخُلْعُ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ: لَا يَكُونُ طَلَاقًا وَقَالَ مُطَرِّفٌ: لَوْ أَخَذَتْ لَوْزَةً، أَوْ حَصَاةً وَخَالَعَتْهُ بِهَا، فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَإِنْ قَلَّ فَرَضِيَ بِهِ وَعَرَفَ مَا هُوَ فَهُوَ خُلْعٌ، وَأَمَّا حَصَاةٌ وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَلَيْسَ بِخُلْعٍ، وَهُوَ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ إنَّمَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ شَيْءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَمَّا وَجَدَهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ بَطَلَ الطَّلَاقُ جُمْلَةً كَمَا لَوْ غَرَّتْهُ مِنْ حُرٍّ فَخَالَعَتْهُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ، وَوَجْهُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ أَنَّ الطَّلَاقَ قَدْ وَقَعَ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ عِوَضٌ لَمْ يَكُنْ بَائِنًا وَكَانَ رَجْعِيًّا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى خَمْرٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَا لَا يَحِلُّ مِنْ تَعْجِيلِ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ نَفَذَ الْخُلْعُ وَبَطَلَ الْعِوَضُ وَبَقِيَ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ إلَى أَجَلِهِ وَيَكُونُ الطَّلَاقُ بَائِنًا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: هُوَ رَجْعِيٌّ وَلَا يَكُونُ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا شَيْءٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ عَلَى هَذَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: عَلَيْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ فَكَانَ بَائِنًا وَلِأَنَّ الزَّوْجَ لَمَّا رَضِيَ مَا لَا يَحِلُّ مِنْ الْعِوَضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ

стр. 1098

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُفْتَدِيَةِ الَّتِي تَفْتَدِي مِنْ زَوْجِهَا: إنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ زَوْجَهَا أَضَرَّ بِهَا وَضَيَّقَ عَلَيْهَا وَعَلِمَ أَنَّهُ ظَالِمٌ لِهَا مَضَى الطَّلَاقُ وَرَدَّ عَلَيْهَا مَا لَهَا قَالَ: فَهَذَا الَّذِي كُنْت أَسْمَعُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا) . ــ [المنتقى] عَلَيْهَا بِشَيْءٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ قَصَدَ إلَى إيقَاعِ الْخُلْعِ دُونَ عِوَضٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ هُوَ خُلْعٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَقَالَ أَشْهَبُ: يَكُونُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا، وَالدَّلِيلُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ عَدَمَ حُصُولِ الْعِوَضِ فِي الْخُلْعِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا خَالَعَ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ طَلَاقٌ عَرَا عَنْ عِوَضٍ وَاسْتِيفَاءِ عَدَدٍ فَكَانَ رَجْعِيًّا كَمَا لَوْ كَانَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُمَا إذَا تَدَاعَيَا إلَى الصُّلْحِ وَافْتَرَقَا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا فَهُوَ فِرَاقٌ كَمَا لَوْ أَخَذَ مِنْهَا وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمَا لَوْ قَصَدَا إلَى الصُّلْحِ عَلَى أَنْ أَخَذَ مَتَاعَهُ وَسَلَّمَ إلَيْهَا مَتَاعَهَا أَنَّهُ خُلْعٌ لَازِمٌ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ لَمْ يَقُلْ قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إلَى الصُّلْحِ وَقَالَ: لِي مَتَاعِي وَلَك مَتَاعُك أَوْ لَك زِيَادَةُ كَذَا؛ فَلَهُ الرَّجْعَةُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا إذَا قَضَيَا الصُّلْحَ فَقَدْ أَحْرَزَ مَا صَارَ إلَيْهِ بِالطَّلَاقِ الَّذِي طَلَّقَهَا الْآنَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الصُّلْحِ الَّذِي ذُكِرَ أَنْ يُطَلِّقَهَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا قَصَدَ طَلَاقَهَا دُونَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَأَبَاحَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ مَا لَهَا وَيَأْخُذَ مَالَهُ فَهَذَا لَيْسَ بِخُلْعٍ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي بَارَيْتُك: إنَّهَا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ طَلَّقَهَا لِتُبْرِئَهُ مِمَّا كَانَتْ تَطْلُبُهُ بِهِ مُحِقَّةً أَوْ مُبْطِلَةً وَيُبْرِئَهَا هُوَ أَيْضًا، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْخُلْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلِذَلِكَ. ١ - قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَالْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَلِك عِنْدِي شَيْءٌ قَالَتْ: لَا، وَلَا لَك عِنْدِي شَيْءٌ قَالَ: لَا قَالَ: فَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِئْت مِنْهَا وَبَرِئَتْ مِنِّي فَافْتَرَقَا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ قَامَتْ بِمَا كَانَ لَهَا قِبَلَهُ وَقَالَتْ لَمْ أُرِدْ الْمُبَارَأَةَ وَقَالَ هُوَ أَرَدْت الْمُبَارَأَةَ، فَإِنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ: كُنَّا نَرَى أَنَّهُمَا أَرَادَا الْمُبَارَأَةَ فَذَلِكَ نَافِذٌ وَلَا شَيْءَ لَهَا عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدُوا بِمَا ذَكَرْنَا أَوَّلَ السُّؤَالِ فَقَطْ فَلَا شَيْءَ لَهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ صَالَحَهَا عَلَى أَنْ أَعْطَاهَا شَيْئًا مِنْ مَالِهِ وَفَارَقَهَا وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا وَظَنَّ أَنَّهُ وَجْهُ الصُّلْحِ فَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ هُوَ خُلْعٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ طَلَاقٌ لَمْ يَأْخُذْ الزَّوْجُ بِهِ عِوَضًا فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ كَوْنَهُ رَجْعِيًّا كَمَا لَوْ لَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ عَطَاءٌ فِي خُلْعٍ فَاقْتَضَى الْبَيْنُونَةَ وَقَطْعَ الرَّجْعَةِ كَمَا لَوْ أَعْطَتْهُ الزَّوْجَةُ وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ قَطَعَ بِمَا أَعْطَاهَا مُطَالَبَتَهَا قِبَلَهُ، وَذَلِكَ سَبَبُ حُكْمِ الْخُلْعِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْمُفْتَدِيَةَ إذَا كَانَ افْتِدَاؤُهَا لِإِضْرَارِ زَوْجِهَا وَظُلْمِهِ لَهَا لَمْ يَلْزَمْهَا مَا افْتَدَتْ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ إضْرَارَ زَوْجِهَا بِهَا لَا يَجُوزُ لَهُ بَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ عَلِمَ مِنْ امْرَأَتِهِ بِالزِّنَى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُضَارَّهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ وَمِنْ الْإِضْرَارِ بِهَا الْمُوجِبِ لِرَدِّ مَا أَخَذَ مِنْهَا أَنْ يُؤْثِرَ عَلَيْهَا ضَرَّتَهَا وَلَا يَفِيَ بِحَقِّهَا فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهَا إذَا لَمْ تَرْضَ بِالْأَثَرَةِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ بِهَا بِأَثَرَةٍ وَلَا غَيْرِهَا أَوْ يُفَارِقَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهَا الْبُغْضُ لَهَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَإِنَّمَا الْإِضْرَارُ عِنْدِي الْأَذَى بِضَرْبٍ أَوْ اتِّصَالِ شَتْمٍ فِي غَيْرِ حَقٍّ، أَوْ أَخْذِ مَالٍ أَوْ إيثَارٍ، وَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ وَلَيْسَ عِنْدَنَا فِي قِلَّةِ الضَّرَرِ وَكَثْرَتِهِ شَيْءٌ مَعْرُوفٌ وَلَا مَوْقُوتٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّرُ بِحَدٍّ لَا يَكُون ضَرَرًا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُضِرٌّ بِهَا مِنْ تَكْرَارِهِ أَذَاهُ لَهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ أَضَرَّ بِهَا أَوْ ضَيَّقَ عَلَيْهَا وَعَلِمَ أَنَّهُ ظَالِمٌ لَهَا مَضَى الطَّلَاقُ وَرَدَّ عَلَيْهَا مَا لَهَا يُرِيدُ أَنَّ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ طَلَاقِ الْخُلْعِ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ بِاخْتِيَارِهِ وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ مِنْهَا مِنْ الْعِوَضِ وَلَا يَأْخُذُ مِنْهَا مَا كَانَتْ الْتَزَمَتْهُ لَهُ مِنْ نَفَقَةٍ وَرَضَاعٍ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهَا دَفَعَتْهُ إلَيْهِ غَيْرَ مُحْتَاجَةٍ لِرَفْعِهِ

стр. 1099

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِأَنْ تَفْتَدِيَ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا) ــ [المنتقى] وَإِنَّمَا دَفَعَتْهُ إلَيْهِ لِتَتَخَلَّصَ بِذَلِكَ مِنْ ضَرَرِهِ وَظُلْمِهِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى تَرْكِ الظُّلْمِ، وَالتَّعَدِّي عِوَضًا فَعَلَى هَذَا يَرُدُّ مَا أَخَذَ مِنْهَا وَيُسْقِطُ عَنْهَا مَا الْتَزَمَتْهُ مِنْ نَفَقَةٍ وَأُجْرَةِ رَضَاعٍ قَالَهُ مَالِكٌ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] ، وَالْفَاحِشَةُ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْأَذَى، وَالْبَذَاءُ وَلِذَلِكَ يُقَالُ: أَفْحَشَ الرَّجُلُ فِي قَوْلِهِ إذَا بَالَغَ فِي السَّبِّ قَالَ ابْنُ بُكَيْر مِنْ أَصْحَابِنَا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاحِشَةُ النُّشُوزُ وَقَالَ ابْنُ بُكَيْر: إذَا نُعِتَتْ الْفَاحِشَةُ بِمُبَيِّنَةٍ فَهِيَ مِنْ بَابِ الْبَذَاءِ بِاللِّسَانِ، وَإِذَا لَمْ تُنْعَتْ وَأُطْلِقَتْ فَهِيَ الزِّنَى وَقِيلَ إذَا كَانَتْ الْفَاحِشَةُ بِالْأَلِفِ، وَاللَّامِ فَهِيَ الزِّنَى، وَاللِّوَاطُ قَالَ الْحَسَنُ مَعْنَى ذَلِكَ سُمِحَ لِلْأَزْوَاجِ فِي الْمُضَارَّةِ بِهِنَّ إذَا أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ حَتَّى يَفْتَدِينَ بِبَعْضِ مَا أَعْطَوْهُنَّ وَمِثْلُهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي النُّشُوزِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَعَلِمَ أَنَّهُ ظَالِمٌ لَهَا يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهَا أَنَّهُ أَضَرَّ بِهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ إنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ. ١ - وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا قَامَتْ بَعْدَ الْخُلْعِ بَيِّنَةٌ يَشْهَدُونَ عَلَى السَّمَاعِ أَنَّهُ كَانَ يَضُرُّ بِذَلِكَ قَالَ: وَهَلْ يَشْهَدُ هَؤُلَاءِ عَلَى السَّمَاعِ يَسْمَعُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ أَوْ مِنْ الْجِيرَانِ وَيَكُونُ فَاشِيًا، وَالشَّهَادَةُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي تَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ عَنْ الْإِضْرَارِ بِهَا مُتَوَاتِرًا حَتَّى يَقَعَ الْعِلْمُ بِذَلِكَ لِلشُّهُودِ يَشْهَدُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى عِلْمِهِمْ كَمَا يَشْهَدُ فِي الْمَوْتِ عَلَى عِلْمِهِ مَنْ لَمْ يُعَايِنْ الْمَيِّتَ عَلَى الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ بِذَلِكَ وَكَمَا يَشْهَدُ فِي النَّسَبِ وَعِدَّةِ الْوَلَدِ، وَالْوِرَاثَةِ عَلَى عِلْمِهِ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْوَجْهِ مَا قَالَهُ أَصْبَغُ: إنَّهُ إنْ شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى الْبَتَاتِ صَحَّتْ شَهَادَتُهُ وَيَحْلِفُ إنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ وَيَرُدُّ إلَيْهَا مَا أَخَذَ مِنْهَا وَيُمْضِي الْفِرَاقَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ يَمِينَهَا عَلَى مَالٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَى السَّمَاعِ الْفَاشِيِّ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ وَلَا يُقْبَلُ فِي مِثْلِ هَذَا أَقَلُّ مِنْ شَاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى السَّمَاعِ لَا يُقْبَلُ فِيهَا شَاهِدٌ مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي وَلَا يُقْبَلُ فِيهَا أَقَلُّ مِنْ شَاهِدَيْنِ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْوَجْهِ لَمَّا سَأَلَهُ أَصْبَغُ يَجُوزُ فِي ذَلِكَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى الْبَتِّ كَيْفَ يَعْرِفُ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ: يَقُولُ سَمِعْت وَاسْتَبَانَ لِي قَالَ عِيسَى بِهِ فَانْظُرْ فِيهِ فَتُوقَفُ لِدِينِهِ وَفَضْلِهِ فِيمَا لَمْ يَتَحَقَّقْهُ، وَأَنْفَذَهُ أَصْبَغُ مِنْ رَأْيِهِ لَمَّا تَحَقَّقَهُ ثُمَّ اسْتَصْوَبَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاحْتَجَّ عَلَى صِحَّةِ الْحُكْمِ بِهِ مَعَ يَمِينِ الزَّوْجَةِ بِأَنْ قَالَ: إنَّ يَمِينَهَا عَلَى مَالٍ فَهَذَا وَجْهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَكِنَّ الْمُوَثِّقِينَ خَلَطُوا الْوَجْهَيْنِ فِي عُقُودِهِمْ فَغَيَّرُوا مَعْنَاهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى مَالٍ وَأَخَذَ مِنْهَا حَمِيلًا بِمَا لَحِقَهُ مِنْ دَرْكٍ فَقَدْ حَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْعَطَّارِ أَنَّهَا إنْ أَثْبَتَتْ الضَّرَرَ لَمْ تَسْقُطْ التَّبَعَةُ عَنْ الْحَمِيلِ فِيمَا ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ بِضَرْبٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَا يَرْجِعُ الْحَمِيلُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِشَيْءٍ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الصَّقَلِّيِّينَ إلَى هَذَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ ثَبَتَ إضْرَارُ الزَّوْجِ بِهَا، وَالْتَزَمَ هُوَ تَصْدِيقَهَا فِي ذَلِكَ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِيمَنْ تَشَكَّتْ امْرَأَتُهُ ضَرَرَهُ فَأَشْهَدَ لَهَا إنْ عَادَ فَهِيَ مُصَدَّقَةٌ فِي ذَلِكَ وَأَمْرُهَا بِيَدِهَا تُطَلِّقُ نَفْسَهَا أَلْبَتَّةَ فَأَشْهَدَتْ بَعْدَ أَيَّامٍ وَزَوْجُهَا غَائِبٌ أَنَّ زَوْجَهَا عَادَ إلَى أَذَاهَا، وَأَنَّهَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا، وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ أَنْ يَكُونَ أَذَاهَا ثُمَّ قَدِمَتْ الْمَرْأَةُ وَزَعَمَتْ أَنَّهَا كَذَبَتْ فِيمَا شَكَتْ مِنْ الْأَذَى وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهَا قَالَ: قَدْ بَانَتْ مِنْهُ وَلَزِمَهُ مَا قَضَتْ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا مُصَدَّقَةً وَقَالَ مِثْلَهُ أَشْهَبُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ الْمَرْأَةَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَصْدَقَهَا وَأَقَلَّ وَمِثْلَ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الْجِنْسِ، وَالْقَدْرِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ مُعَاوَضَةٌ فِي إرْسَالِ مَا يَمْلِكُهُ الزَّوْجُ فَلَمْ يَكُنْ عِوَضُهَا مُقَدَّرًا كَالْكِتَابَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ خَالَعَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ عَلَى دَارٍ، أَوْ ثَوْبٍ أَوْ عَبْدٍ وَكَانَ قَدْ أَصْدَقَهَا مِائَةَ دِينَارٍ

стр. 1100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] قَبَضَتْهَا أَوْ لَمْ تَقْبِضْهَا، فَإِنَّهَا تَرُدُّ الْمِائَةَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاحْتَجَّ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهَا إلَّا بِمَا كَانَ فِي يَدِهَا مِمَّا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ فِي النِّكَاحِ فَبِأَنْ تَرُدَّ مَا يُدْفَعُ إلَيْهَا أَوْلَى وَأَحْرَى، وَقَالَ أَصْبَغُ إنْ قَبَضَتْهُ فَلَا تَرُدُّ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ مَا أَعْطَتْ الزَّوْجَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ، أَوْ أَكْثَرَ أَوْ النِّصْفُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الصُّلْحِ إلَّا أَنْ تَشْتَرِطَ الزَّوْجَةُ رَدَّ شَيْءٍ مِنْهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى عَشْرَةٍ مِنْ صَدَاقِهَا قَالَ مَالِكٌ لَهَا نِصْفُ مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهَا عَشْرَةً مِنْ صَدَاقِهَا يَقْتَضِي بَقَاءَ الْبَاقِي عَلَى حُكْمِهِ، وَلَوْ أَعْطَتْهُ عَشْرَةً عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا تَطْلِيقَةً أَتْبَعَتْهُ بِنِصْفِ هَذَا الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهَا اشْتَرَتْ بِهَا هَذِهِ الطَّلْقَةَ، وَأَمَّا فِي الْخُلْعِ الْمُبْهَمِ فَلَا تَتْبَعْهُ بِشَيْءٍ خَلَعَتْهُ بِعَطِيَّةٍ أَوْ بِغَيْرِ عَطِيَّةٍ، وَأَمَّا بَعْدَ الْبِنَاءِ فَلَا تَرُدُّ هِيَ مَا قَبَضَتْ مِنْ الصَّدَاقِ إنْ كَانَتْ قَبَضَتْهُ وَتَتْبَعُهُ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ مَهْرِهَا إنْ كَانَتْ لَمْ تَقْبِضْهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَتْ مَالِكَةً أَمْرَ نَفْسِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا بِأَبٍ، أَوْ وَصِيٍّ، أَوْ سَيِّدٍ يَحْجُرُ عَلَى أَمَتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ خُلْعُهَا، فَإِنْ وَقَعَ الطَّلَاقُ نَفَذَ الْخُلْعُ وَارْتَجَعَ الْوَلِيُّ مَا أَعْطَتْهُ مِنْ الْمَالِ وَطَالَبَ بِمَا وَهَبَتْهُ مِنْ صَدَاقٍ، أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصَرُّفَ لَهَا فِي مَالِهَا فَكَانَ لِلْوَلِيِّ اسْتِرْجَاعُ مَا أَمْضَتْ مِنْهُ، وَهَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا. وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ الْمَحِيضَ، وَقَدْ بَنَى بِهَا الزَّوْجُ فَصَالَحَتْهُ عَلَى مَا أَعْطَتْهُ أَنَّ ذَلِكَ نَافِذٌ وَلَهُ مَا أَخَذَ إنْ كَانَ مِمَّا يُصَالَحُ بِهِ مِثْلُهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا مَالِكَةٌ أَمْرَهَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ وَلَهَا أَنْ تُسْقِطَ حَقَّهَا إذَا شَاءَتْ فَكَانَ لَهَا الْمُعَاوَضَةُ عَنْهُ بِاسْتِخْلَاصِهِ عَلَى عِوَضٍ تَدْفَعُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ غَبْنٌ عَلَيْهَا كَمَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَشْتَرِيَ خُبْزًا لِقُوتِهَا لَمَّا كَانَتْ تَمْلِكُ أَكْلَهُ أَوْ تَرْكَهُ وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ نَظَرٌ فِي ذَلِكَ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ اللَّبَّادِ إنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمَالَ مَرْدُودٌ، وَالْخُلْعَ مَاضٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ بَلَغَتْ، فَإِنْ كَانَتْ بَالِغًا فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ: يَجُوزُ أَنْ تَفْتَدِيَ مِنْ زَوْجِهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَلَهُ مَا أَخَذَ وَلَا رُجُوعَ لَهَا فِيهِ وَقَالَ أَصْبَغُ: لَا يَجُوزُ مَا بَادَلَتْ بِهِ الصَّغِيرَةُ وَلَا السَّفِيهَةُ الْبَالِغُ وَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ وَيَرُدُّ الزَّوْجُ مَا أَخَذَ وَبِمُضِيِّ الْفِرَاقِ، وَقَوْلُ سَحْنُونٍ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْيَتِيمَةَ الْبَالِغَ مَالِكَةٌ أَمْرَ نَفْسِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ وَقَوْلُ أَصْبَغَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهَا مَحْجُورٌ عَلَيْهَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِعَ عَنْهُ الْأَبُ، وَالْوَصِيُّ وَلَا يُطَلِّقُ عَلَيْهِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْمُبَارَأَةِ، وَأَمَّا الْبَالِغُ السَّفِيهُ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِعَ عَنْهُ أَبٌ وَلَا وَصِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُبَارِي عَنْ السَّفِيهِ وَيُزَوِّجُهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي إجْبَارِهِ عَلَى النِّكَاحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِعَ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ وَصِيًّا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إلَّا لِلْأَبِ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْوَصِيَّ يُخَالِعُ عَنْ الْيَتِيمَةِ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا وَيُلْزِمُهَا ذَلِكَ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ الْإِجْبَارَ بِنَفْسِهِ لَا يَمْلِكُ الْخُلْعَ كَالْوَلِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِوَصِيٍّ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ وَلِيٌّ يَحْجُبُ سَائِرَ الْأَوْلِيَاءِ حَالَ الْبَكَارَةِ كَالْأَبِ وَرَوَى زِيَادُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُبَارِيَ الْوَلِيُّ، وَالْخَلِيفَةُ عَنْ الصَّغِيرَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمَرِيضَةُ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ الْخُلْعُ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهُ جَوَازَ ذَلِكَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَاوَضَهَا بِالطَّلَاقِ عَلَى أَمْرٍ لَا تَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَةَ لَا تَمْلِكُ تَصْيِيرَ مَا لَهَا إلَيْهِ حَالَ مَرَضِهَا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ مَرَضَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ فَلَمْ يَمْنَعْ الْمَقْصُودَ بِهِ مِنْ إزَالَةِ الْمِلْكِ. (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَجُوزُ الْخُلْعُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ يَكُونُ لَهُ خُلْعُ مِثْلِهَا وَيَرُدُّ مَا بَقِيَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ مَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ فَلَهُ قَدْرُ مِيرَاثِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَا خَالَعَتْهُ بِهِ أَقَلَّ فَلَهُ الْأَقَلُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا مُعَاوَضَةٌ بِمَا يُرْسِلُ الزَّوْجُ مِنْ مِلْكِ بُضْعِهَا وَهِيَ فِي مَرَضِهَا

стр. 1101

طَلَاقُ الْمُخْتَلِعَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ جَاءَتْ هِيَ وَعَمُّهَا إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فِي زَمَانِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: عِدَّتُهَا عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُفْتَدِيَةِ: إنَّهَا لَا تَرْجِعُ إلَى زَوْجِهَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، فَإِنْ هُوَ نَكَحَهَا فَفَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا عِدَّةٌ مِنْ الطَّلَاقِ الْآخَرِ وَتَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا الْأُولَى قَالَ مَالِكٌ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ) . ــ [المنتقى] غَيْرُ مَمْنُوعَةٍ مِنْ الْمُعَاوَضَةِ بِمَا لَهَا، وَإِنَّمَا هِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْمُحَابَاةِ فَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ خُلْعُ مِثْلِهَا، وَمَنْعُ الْمُحَابَاةِ إنْ زَادَتْهُ عَلَى خُلْعِ مِثْلِهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمِيرَاثَ كَانَ لَهُ إنْ مَاتَتْ مِنْ مَرَضِهَا، فَإِنْ خَالَعَتْهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ حَقِّهِ فَكَانَ لَهُ مَا أَبْقَى مِنْهُ. (فَرْعٌ) : فَإِذَا اعْتَبَرْنَا مِيرَاثَهُ مِنْهَا، فَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى مَا لَهَا مِنْ يَوْمِ مَاتَتْ وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهَا مَا أَنْفَقَتْ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا مَا تَلِفَ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ مِنْهَا يَوْمَ الصُّلْحِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى مَا تَلِفَ مِنْ مَالِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمِيرَاثَ إنَّمَا يَكُونُ يَوْمَ مَوْتِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ بِقَدْرِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا لَزِمَ يَوْمَ الصُّلْحِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا يُعْتَبَرُ بِهِ الْعِوَضُ مِنْهَا بِمَا كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ لُزُومِ الْعَقْدِ. [طَلَاقُ الْمُخْتَلِعَةِ] (ش) : قَوْلُ الرُّبَيِّعِ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا وَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَرَادَتْ بِذَلِكَ أَنَّهُ أَمْرٌ غَيْرُ مَحْظُورٍ، عَلَى أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ ظُلْمِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُخَالِعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ يَقْتَضِيهِ إلَّا رَغْبَةُ الْمَرْأَةِ عَنْ الزَّوْجِ وَكَرَاهِيَتِهَا لَهُ، وَقَدْ «خَالَعَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ زَوْجَهُ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ فَحَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ» فَكَيْفَ يُنْكِرُهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ وَلَعَلَّهُ قَدْ شَاهَدَ ذَلِكَ الْخُلْعَ، أَوْ بَلَغَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ احْتَجَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨] فَأَفْرَدَ الْإِعْرَاضَ مِنْ النُّشُوزِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ: عِدَّتُهَا عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ يُرِيدُ الْمُطَلَّقَةَ الَّتِي لَمْ تُعْطِ عَلَى ذَلِكَ عِوَضًا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْعِدَّةَ عَنْ الطَّلَاقِ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطَّلَاقِ بَلْ هِيَ سَوَاءٌ فِي الطَّلَاقِ عَلَى وَجْهِ الْخُلْعِ بِالْعِوَضِ، وَالطَّلَاقِ الْمُبْتَدَأِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ وَابْنَ شِهَابٍ كَانُوا يَقُولُونَ: عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ مِثْلُ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ) . (ش) : قَوْلُهُمْ ﵃: إنَّ عِدَّةَ الْمُخْتَلِعَةِ مِثْلُ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ فَسَّرُوا ذَلِكَ بِأَنَّهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، وَهَذَا فِي ذَاتِ الْأَقْرَاءِ وَلَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ أَنَّهَا لَا تُسَاوِيهَا إلَّا فِي الْأَقْرَاءِ بَلْ هِيَ مُسَاوِيَةٌ لَهَا فِي الْعِدَّةِ بِالْحَمْلِ، وَالشُّهُورِ، وَالْمُرْتَابَةُ كَمَا هِيَ مُسَاوِيَةٌ لَهَا فِي الِاعْتِدَادِ بِالْأَقْرَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : ، وَالْخُلْعُ طَلَاقٌ وَلَيْسَ بِفَسْخٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الزَّوْجَ أَخَذَ عِوَضًا عَلَى إرْسَالِ مَا يَمْلِكُهُ وَاَلَّذِي يَمْلِكُ الطَّلَاقَ دُونَ الْفَسْخِ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ كُلَّ فُرْقَةٍ يَصِحُّ إبْقَاءُ النِّكَاحِ مَعَ الْمُوجِبِ لَهَا، وَإِنَّهَا طَلَاقٌ كَفُرْقَةِ الْعِنِّينِ، وَالْمُعْسِرِ بِالنَّفَقَةِ. (ش) : قَوْلُهُ ﵀ فِي الْمُفْتَدِيَةِ: إنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْمُخْتَلِعَةِ،. وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُبَارِئَةَ هِيَ الَّتِي تُبَارِي مِنْ زَوْجِهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا فَتَقُولُ: خُذْ الَّذِي لَك وَاتْرُكْنِي، وَالْمُفْتَدِيَةُ هِيَ الَّتِي تُعْطِيهِ بَعْضَ الَّذِي لَهَا وَتُمْسِكُ بَعْضَهُ وَكَذَلِكَ الْمُصَالِحَةُ، وَالْمُخْتَلِعَةُ هِيَ الَّتِي تُعْطِيهِ جَمِيعَ مَالِهَا وَتَنْخَلِعُ عَنْهُ وَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُبَارِئَةِ، وَالْمُفْتَدِيَةِ، وَالْمُخْتَلِعَةِ، وَرَوَى

стр. 1102

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ إذَا افْتَدَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بِشَيْءٍ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فَطَلَّقَهَا طَلَاقًا مُتَتَابِعًا نَسَقًا فَذَلِكَ ثَابِتٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ صُمَاتٌ فَمَا أَتْبَعَهُ بَعْدَ الصُّمَاتِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) . ــ [المنتقى] عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُبَارِئَةَ هِيَ الَّتِي لَا تَأْخُذُ شَيْئًا وَلَا تُعْطِي، وَالْمُخْتَلِعَةَ هِيَ الَّتِي تُعْطِي، وَهَذَا كُلُّهُ يَكُونُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ فَمَا كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا عِدَّةَ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ الْأَرْبَعَةُ تَعُودُ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ صِفَاتُهَا مِنْ جِهَةِ الْإِيقَاعِ وَفَسَّرَهَا بِمَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فِي الْمُفْتَدِيَةِ: إنَّهَا لَا تَرْجِعُ إلَى زَوْجِهَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ يَقْتَضِي فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ طَلَاقَهُ لَيْسَ بِرَجْعِيٍّ بَلْ هُوَ بَائِنٌ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهَا إنَّمَا أَعْطَتْهُ الْعِوَضَ لِتَمْلِكَ نَفْسَهَا، وَلَوْ كَانَ طَلَاقُ الْخُلْعِ رَجْعِيًّا لَمْ تَمْلِكْ نَفْسَهَا وَلَمْ تَنْتَفِعْ بِهِ وَلَاجْتَمَعَ لِلزَّوْجِ الْعِوَضُ، وَالْمُعَوَّضُ عَنْهُ، وَالْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَهَا فَأَمَّا بَعْدَ الْعِدَّةِ فَهُوَ أَحَدُ الْخُطَّابِ، وَأَمَّا فِي الْعِدَّةِ، فَإِنَّ الْعِدَّةَ مِنْهُ فَلَا تَمْنَعُهُ عَقْدَ النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا تَمْنَعُ غَيْرَهُ، فَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا فَذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يَثْقُلْ حِمْلُهَا فَتَكُونُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَزَوَّجَ مَرِيضَةً وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا مَعَ إطْلَاقِ الْعَقْدِ، وَلَوْ بَذَلَتْ لَهُ الْعِوَضَ وَشَرَطَ الرَّجْعَةَ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ رَوَاهُمَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إحْدَاهُمَا: ثُبُوتُهَا وَبِهَا قَالَ سَحْنُونٌ، وَالثَّانِيَةُ نَفْيُهَا قَالَ سَحْنُونٌ: وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُمَا قَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ فِي مُقَابَلَةِ مَا سَقَطَ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ مَا يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ مِنْهُ فَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ أَنِّي لَا أَطَأُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: فَإِنْ هُوَ نَكَحَهَا فَفَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ مِنْ الطَّلَاقِ الْآخَرِ يُرِيدُ ﵀ لِأَنَّ هَذَا نِكَاحٌ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ فَلَا تَثْبُتُ فِيهِ عِدَّةٌ لِقَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] ، وَهَذَا إنْ كَانَ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا وَفَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ فَهِيَ عَلَى عِدَّتِهَا الْأُولَى؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الثَّانِيَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعِدَّةِ وَلَا يُبْطِلُ التَّمَادِيَ عَلَيْهَا إلَّا بِالْمَسِيسِ، فَإِذَا عَرَا مِنْ الْمَسِيسِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْعِدَّةِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (ش) : قَوْلُهُ ﵀: إذَا افْتَدَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بِشَيْءٍ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا طَلَاقًا مُتَتَابِعًا نَسَقًا فَذَلِكَ ثَابِتٌ عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ فِي طَلَاقِ الْخُلْعِ الَّذِي تَبِينُ بِهِ الزَّوْجَةُ وَتَخْرُجُ بِهِ عَنْ حُكْمِ الزَّوْجِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَكَانَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا، فَإِنَّ حُكْمَهُ فِي اللُّزُومِ حُكْمُ مَنْ قَالَ لَهَا ذَلِكَ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ نَسَقَ الْكَلَامِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ مُتَّصِلًا يُوجِبُ لَهُ حُكْمًا وَاحِدًا وَلِذَلِكَ إذَا اتَّصَلَ الِاسْتِثْنَاءُ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَثَّرَ وَثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِذَا انْفَصَلَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكَلَامِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵀، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ صُمَاتٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ يُرِيدُ إنْ لَمْ يَتَّصِلْ كَلَامُهُ وَتَخَلَّلَهُ صَمْتٌ أَوْ كَلَامٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَا قَبْلَهُ وَلَمَّا كَانَتْ الْمُخْتَلِعَةُ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ مُبْتَدَأٌ لَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقٌ يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُخَالَعَةِ صُمَاتٌ؛ لِأَنَّ مَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَلَاقٍ صَمْتٌ فَهُوَ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ لَهُ حُكْمُ الطَّلَاقِ الْمُبْتَدَأِ. وَلَمَّا كَانَتْ الْمُخْتَلِعَةُ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ فِي الْعِدَّةِ لَمْ يَلْحَقْهَا الطَّلَاقُ الَّذِي حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ صَمْتٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْحَقُ الْمُخْتَلِعَةَ الطَّلَاقُ فِي الْعِدَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ بِلَفْظٍ يَعُمُّهَا وَسَائِرُ نِسَائِهِ فَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقٌ يَخُصُّهَا أَصْلُ ذَلِكَ الْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1103

مَا جَاءَ فِي اللِّعَانِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ «أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ جَاءَ إلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِمُ أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عَاصِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْته عَنْهَا فَقَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاَللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا فَقَامَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَطَ النَّاسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ فِيك وَفِي صَاحِبَتِك فَاذْهَبْ فَائْتِ بِهَا قَالَ سَهْلٌ فَتَلَاعَنَا، وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْت عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَمْسَكْتهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » قَالَ مَالِكٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَكَانَتْ تِلْكَ بَعْدُ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ) ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي اللِّعَانِ] (ش) : قَوْلُهُ: إنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ يُقَالُ: إنَّهُ عُوَيْمِرُ بْنُ أَبْيَضَ الْعَجْلَانِيُّ جَاءَ إلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ عَلَى حَسَبِ مَا يَلْجَأُ النَّاسُ فِي مُهِمِّ أُمُورِهِمْ وَمَا دَهَمَهُمْ إلَى أَهْلِ الْفَضْلِ، وَالْعِلْمِ، وَالتَّقَدُّمِ مِنْهُمْ وَعُوَيْمِرٌ هَذَا مِنْ أَقَارِبِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْمَذْكُورِ فَلَجَأَ إلَيْهِ لِيَسْأَلَ لَهُ النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا نَزَلَ بِهِ لِكَوْنِ عَاصِمٍ مِمَّنْ يَقْرُبُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ لِتَقَدُّمِهِ وَفَضْلِهِ مَعَ عِلْمِهِ وَدِينِهِ فَكَانَ أَعْلَمَ بِمَا سُئِلَ فِيهِ وَأَوْعَى لِلْجَوَابِ عَنْهُ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُ: إنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَالَ عَاصِمٌ مَا اُبْتُلِيتُ بِهَذَا الْأَمْرِ إلَّا لِقَوْلِي. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ، وَهَذَا مِنْ التَّحَرُّزِ فِي السُّؤَالِ لِئَلَّا يُصَرِّحَ بِقَذْفِ مَنْ نُسِبَ إلَيْهِ ذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَعَلَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ اللِّعَانِ لَمْ يَكُنْ نَزَلَ بَعْدُ وَلَعَلَّهُ أَيْضًا لَمْ يُرِدْ أَنْ يُعْلِنَ بِخَبَرِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ إعْلَانُهُ وَكِتْمَانُهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَبْدُو إلَيْهِ مِنْ حُكْمِ الْقَضِيَّةِ وَلِذَلِكَ اسْتَنَابَ عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ فِي السُّؤَالِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ الْقِصَاصُ، وَالثَّانِي هَلْ مِنْ وَجْهٍ يَصِلُ بِهِ إلَى إزَالَةِ مَا أَصَابَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِلَى شِفَاءِ غَيْظِهِ بِغَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ قَتْلِهِ الَّذِي إذَا فَعَلَ قُتِلَ بِهِ ثُمَّ قَالَ: سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ كَرِهَ مِثْلَ هَذَا أَنْ يَقْذِفَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ وَيَرْمِيَهَا بِزِنًى مِنْ غَيْرِ أَنْ تُقَدَّمَ لَهُ بَيِّنَةٌ بِمَا يَدَّعِيهِ لِمَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَا يَجِبُ فِي قَذْفِهِ الْأَجْنَبِيَّةَ وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ لَمَّا قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ : الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي

стр. 1104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] ظَهْرِك فَقَالَ هِلَالٌ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ إنِّي لَصَادِقٌ فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الْحَدِّ فَنَزَلَ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] » وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ كَرِهَ التَّسَرُّعَ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ كَرِهَ السُّؤَالَ لِمَعْنًى يَقْتَرِنُ بِهِ فَكَرِهَهُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ سُؤَالِ مَنْ يُرِيدُ بِهِ التَّشْغِيبَ وَلَا يَقْصِدُ التَّفَقُّهَ كَمَا كَانَ يَسْأَلُهُ بَعْضُهُمْ عَنْ نَاقَةٍ ضَلَّتْ لَهُ، أَوْ مَنْ أَبُوهُ وَمَا جَرَى مَجْرَى هَذَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: اُتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَيْهِمْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ كَانَ ﷺ يَكْرَهُ كَثْرَةَ السُّؤَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ وَوَكَّلَ النَّاسَ فِيهِ إلَى اجْتِهَادِ عُلَمَائِهِمْ، وَإِذَا سُئِلَ عَنْ الْقَضِيَّةِ وَنَصَّ عَلَيْهَا لَزِمَ امْتِثَالُ ذَلِكَ النَّصِّ وَلَمْ تَحِلَّ مُخَالَفَتُهُ وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ بَعْضُ التَّشْغِيبِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» وَلَيْسَ هَذَا حُكْمَ سَائِرِ النَّاسِ وَتَسَاؤُلِهِمْ عَنْ الْمَسَائِلِ، فَإِنَّهُ مَنْ قَصَدَ بِسُؤَالِ الْعَالِمِ التَّبْكِيتَ، وَالتَّعْنِيتَ، وَالْأَذَى لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَجَدَ عِنْدَهُ عِلْمًا، أَوْ لَمْ يَجِدْ لِفَسَادِ مَقْصِدِ السَّائِلِ، فَإِنْ سَأَلَ عَلَى سَبِيلِ الْمُنَاظَرَةِ، وَالْمُجَارَاةِ فِيهَا لِيَتَبَيَّنَ الْحَقَّ أَوْ يُبْدِيَهَا فِي النَّظَرِ وَيُسْتَعَانُ بِذَلِكَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ فَهُوَ وَجْهٌ مِنْ السُّؤَالِ صَحِيحٌ، وَلَوْ سَأَلَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِفْتَاءِ مَنْ فَرْضُهُ ذَلِكَ فَهَذَا أَمْرٌ وَاجِبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا وَجْهٌ يُتَوَقَّعُ الْآنَ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَنْتَقِلُ عَنْ الْجَوَازِ إلَى الْمَنْعِ لِتَكَلُّمِ الْعُلَمَاءِ فِي وَقْتِنَا هَذَا فِي الْمَسَائِلِ وَلَا لِسُؤَالِ الْعَالِمِ وَفُتْيَاهُ فِي الْأَحْكَامِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ فِي مَسْأَلَتِهِ الَّتِي كَلَّفَ عَاصِمًا السُّؤَالَ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَاءَهُ مُقْتَضِيًا الْجَوَابَ فِيهَا حِينَ كَلَّفَهُ السُّؤَالَ عَنْهَا فَقَالَ لَهُ عَاصِمٌ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ يُرِيدُ أَنَّ مَا كَلَّفْتنِي مِنْ السُّؤَالِ لَمْ يُثْمِرْ خَيْرًا وَلَا سَبَبَهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَرِهَ مَسْأَلَتَك، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُخْبِرْ عَنْهَا بِشَيْءٍ غَيْرَ مَا أَظْهَرَ مِنْ كَرَاهِيَةِ السُّؤَالِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ لَا يُسْرِعَ بِالْجَوَابِ عَمَّا اُسْتُفْتِيَ فِيهِ إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ وَجْهُ الصَّوَابِ فِيهِ، وَإِذَا خَافَ أَنْ لَا يَتَسَبَّبَ بِهِ إلَى مَحْظُورٍ حَتَّى يَكْشِفَ عَنْ وَجْهِهِ وَسَبَبِهِ وَجِهَةِ السَّائِلِ وَمَقْصِدِهِ مَا أَمْكَنَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُوَيْمِرٍ: وَاَللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا يُرِيدُ اسْتِدَامَةَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ السُّؤَالِ عَنْ مَسْأَلَتِهِ وَطَلَبِ حُكْمِهِ وَلَمْ يَرُدَّهُ عَنْ ذَلِكَ مَا ظَهْرَ إلَيْهِ مِنْ كَرَاهِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَسْأَلَتِهِ حِينَ لَمْ يُمْكِنْهُ الصَّبْرُ عَلَى مَا زَعَمَ أَنَّهُ ظَهَرَ إلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَالَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ وَلَعَلَّهُ خَافَ حَمْلًا فَاحْتَاجَ إلَى أَنْ يَعْلَمَ وَجْهَ نَفْيِهِ عَنْهُ وَلَعَلَّهُ قَدْ تَأَوَّلَ فِي الْكَرَاهِيَةِ لِمَسْأَلَتِهِ بَعْضَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِمَّا لَا يَمْنَعُهُ السُّؤَالَ عَنْهَا إنْ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ بِهِ، أَوْ لَعَلَّهُ رَجَا أَنْ يُبَيِّنَ مِنْ حَالِهِ إذَا سَأَلَهُ مَا يَصِلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجِبَ عَلَى نَفْسِهِ حَدًّا وَتَرْتَفِعُ بِهِ الْكَرَاهِيَةُ فَلَمَّا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ عَنْ مَسْأَلَتِهِ بِمِثْلِ مَا كَانَ كَلَّفَ عَاصِمًا أَنْ يَسْأَلَ لَهُ عَنْهَا وَقَوْلُهُ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ زَادَ عَلَى هَذَا أَنَّهُ رَآهَا تَزْنِي مَعَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ فَقَطْ، فَإِنْ كَانَ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّهُ إذَا ادَّعَى الرُّؤْيَةَ وَوَصَفَ ذَلِكَ كَمَا يَصِفُ الشُّهُودُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَادَّعَى الرُّؤْيَةَ وَلَمْ يُفَسِّرْهَا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَدَّعِ رُؤْيَةً فَهَلْ يُلَاعِنُ أَمْ لَا فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا: يُلَاعِنُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ، وَجْهُ قَوْلِنَا

стр. 1105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] إنَّهُ يُلَاعِنُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَ رُؤْيَةً، أَوْ لَا وَلِأَنَّهُ قَاذِفٌ لِزَوْجَتِهِ لَمْ يَتَبَيَّنْ كَذِبُهُ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ كَمَا لَوْ ادَّعَى رُؤْيَةً، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا حُرَّةٌ عَفِيفَةٌ مُسْلِمَةٌ قَذَفَهَا مَنْ لَمْ يُحَقِّقْ قَذْفَهُ فَلَزِمَهُ الْحَدُّ كَالْأَجْنَبِيِّ وَلَفْظُ الْوُجُودِ مَعَ امْرَأَتِهِ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْقَذْفِ. وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا فِي لِحَافِهَا، أَوْ وَجَدْتُهَا قَدْ تَجَرَّدَتْ لِرَجُلٍ، أَوْ وَجَدْتُهَا وَهِيَ مُضْطَجِعَةٌ مَعَ رَجُلٍ عُرْيَانَيْنِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ لَا لِعَانَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إلَّا أَنْ يَرْمِيَهَا بِزِنًى أَوْ يَنْفِيَ حَمْلَهَا فَأَرَى إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَ فَعَلَيْهِ الْأَدَبُ دُونَ الْحَدِّ، وَوَجْهُ ذَلِكَ إذَا فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْإِخْبَارَ عَمَّا تَلَفَّظَ بِهِ، وَأَمَّا لَوْ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّعْرِيضَ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ يُحَدُّ الزَّوْجُ فِي التَّعْرِيضِ وَلَا يُلَاعِنُ، وَقَدْ وَجَدْت فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ يُلَاعِنُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّعْرِيضِ بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ اُمْتُحِنَ بِمِثْلِ هَذَا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِمْسَاكِ، وَالسُّكُوتِ وَلِذَلِكَ جُعِلَ لَهُ الْمَخْرَجُ بِاللِّعَانِ، فَإِذَا عَدَلَ عَنْ التَّصْرِيحِ إلَى التَّعْرِيضِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى كَذِبِهِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَإِنَّهُ يُرِيدُ زَوْجَتَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ إذَا أُطْلِقَ فُهِمَ مِنْهُ الزَّوْجُ فَاقْتَضَى ذَلِكَ إضَافَةَ الْقَذْفِ إلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَلَوْ أَضَافَهُ إلَى غَيْرِ الزَّوْجِيَّةِ بِأَنْ يَقُولَ: رَأَيْتُكِ تَزْنِي قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ فَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] ثُمَّ خَصَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] فَخَصَّ الْأَزْوَاجَ بِحُكْمِ اللِّعَانِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَضَافَ الْقَذْفَ إلَى غَيْرِ زَوْجِهِ يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ قَذَفَهَا بِزِنًى، وَلَوْ حَمَلَتْ مِنْهُ لَمْ يَلْحَقْهُ فَلَزِمَهُ الْحَدُّ كَمَا لَوْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً حِينَ الْقَذْفِ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَوْ قَذَفَهَا، أَنْكَرَ حَمْلَهَا ثُمَّ اسْتَدَامَ الزَّوْجِيَّةَ، وَالْوَطْءَ لَظَهَرَ بِذَلِكَ كَذِبُهُ وَحُدَّ، فَإِذَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهَا زَنَتْ فِيهِ فَبِأَنْ يُحَدَّ وَلَا يُلَاعِنَ أَوْلَى وَأَحْرَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فِيهِ تَحَرُّزٌ مِنْ التَّصْرِيحِ بِاسْمِ الْمَقْذُوفِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَلَمْ تَقُمْ لَهُ الْبَيِّنَةُ لَكَانَ قَاذِفًا لَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهُ بِاللِّعَانِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُسْقِطُ ذَلِكَ تَلَاعُنُ الزَّوْجَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ شَخْصٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِالْتِعَانِ الزَّوْجِ فَلَمْ يَسْقُطْ قَذْفُهُ بِلِعَانِهِ مَعَ كَوْنِهِ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهُ كَالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ حُدَّ لِلرَّجُلِ الْمُسَمَّى، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ اللِّعَانُ قَالَ سَحْنُونٌ: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ حُدَّ بِقَذْفِ رَجُلٍ دَخَلَ فِيهِ كُلُّ قَذْفٍ ثَبَتَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ الْحَدِّ لِمَنْ قَامَ بِهِ، أَوْ لِمَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا لَمْ يُسَمِّهِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَدٌّ خِلَافًا لِأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ لَا يَجِبُ اسْتِيفَاؤُهُ لَهُ إلَّا بِمُطَالَبَةِ مُسْتَحِقِّهِ، وَإِذَا كَانَ مَجْهُولَ الْعَيْنِ، وَالِاسْمِ لَمْ تَصْلُحْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ كَمَا لَوْ قَالَ: رَأَيْت رَجُلًا يَزْنِي. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ سُؤَالٌ عَامٌّ لَكِنَّ جَوَابَهُ ﷺ خَاصٌّ بِقَوْلِهِ «قَدْ نَزَلَ فِيك وَفِي صَاحِبَتِك قُرْآنٌ فَاذْهَبْ فَائِتِ بِهَا» وَقَالَ السَّائِلُ: أَيَقْتُلُهُ فَيَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ، وَقَدْ سَأَلَ عَنْ قِصَّتِهِ بِلَفْظِ الْغَائِبِ لِئَلَّا يَلْزَمَهُ حُكْمُ الْإِقْرَارِ وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ لَمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهِ مِنْ حَدِّ الْقَذْفِ، وَالذَّهَابِ إلَى التَّسَتُّرِ أَنْ ذَهَبَ إلَيْهِ إنْ كَانَ وَقَعَ لَهُ سَهْوٌ، أَوْ قِلَّةُ اسْتِثْبَاتٍ وَقَوْلُهُ: أَيَقْتُلُهُ فَيَقْتُلُونَهُ وَإِقْرَارُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ

стр. 1106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ : «قَدْ نَزَلَ فِيك وَفِي صَاحِبَتِك قُرْآنٌ فَاذْهَبْ فَائِتِ بِهَا» يَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَرَفَ أَنَّهُ صَاحِبُ الْمَسْأَلَةِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْوَحْيِ الَّذِي أُنْزِلَ فِي قِصَّتِهِمَا فَأُعْلِمَ فِيهِ أَنَّ السَّائِلَ، وَإِنْ كَانَ وَرَّى فَلَمْ يُضِفْ الْأَمْرَ إلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ صَاحِبُ ذَلِكَ، وَالْمُبْتَلَى بِهِ فَأَعْلَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ فِيهِ وَفِي صَاحِبَتِهِ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ أُوحِيَ إلَيْهِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهَا وَمِمَّا يَجِبُ أَنْ يُبَاحَ لَهُمْ السُّؤَالُ عَنْهَا، أَوْ يَكُونَ ظَهَرَ ذَلِكَ إلَيْهِ قَبْلَ الْوَحْيِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ سَهْلٍ فَتَلَاعَنَا، وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ اللِّعَانِ الِاسْتِتَارُ بِهِ بَلْ مِنْ سُنَّتِهِ إحْضَارُ النَّاسِ لَهُ لِيَشْتَهِرَ أَمْرُهُ بِلُحُوقِ النَّسَبِ بِالزَّوْجِ أَوْ انْتِقَالِهِ عَنْهُ وَلَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ الْإِمَامِ، أَوْ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَفْتَقِرُ إلَى حَاكِمٍ بِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ النَّهَارِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حُكْمٌ فَلَمْ يَخْتَصَّ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَيَكُونُ بِأَثَرِ صَلَاةٍ قَالَ مَالِكٌ وَبِأَثَرِ مَكْتُوبَةٍ أَحَبُّ إلَيَّ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَلَمْ يَكُنْ سُنَّةً يُرِيدُ أَنَّهَا يَمِينٌ تَقْتَضِي التَّغْلِيظَ فَغُلِّظَتْ بِالْوَقْتِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ يَمْنَعُهُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إلَّا بِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَ: وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا كَذَا، وَكَذَا فَصَدَّقَهُ» وَفِي ذَلِكَ فَائِدَةُ اجْتِمَاعِ النَّاسِ مَعَ الِانْصِرَافِ مِنْ عِبَادَةٍ تُذَكِّرُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَتَنْهَى عَنْ الْبَاطِلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَكُونُ إلَّا بِأَثَرِ صَلَاةٍ وَفِي مَقْطَعِ الْحُقُوقِ فَكَأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ شَرْطًا كَالْمَكَانِ، وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِالْمَكَانِ، فَإِنَّهَا يَمِينٌ فِيمَا لَهُ بَالٌ يَحْتَاجُ إلَى التَّغْلِيظِ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تُغَلَّظَ بِالْمَكَانِ كَالْيَمِينِ فِي الْحُقُوقِ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنَا شَاهِدٌ، وَأَمَّا الْيَهُودِيَّةُ، وَالنَّصْرَانِيَّةُ فَتُلَاعِنُ بِحَيْثُ تُعَظِّمُهُ مِنْ الْبِيَعِ، وَالْكَنَائِسِ قَالَهُ مَالِكٌ. (فَرْعٌ) : فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْ دُخُولٍ يَقْطَعُ الْحَقَّ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ انْقِضَاؤُهُ مُعْتَادًا كَالْحَيْضِ، أَوْ لَا يَكُونَ مُعْتَادًا كَالْمَرَضِ، فَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا لَاعَنَ هُوَ لِمَا يُرِيدُ مِنْ الِاسْتِعْجَالِ وَيَخَافُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ مَانِعٌ مِنْ اللِّعَانِ هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ لِيَدْرَأَ عَنْ نَفْسِهِ الْحَدَّ وَتُؤَخِّرَ هِيَ إلَى أَنْ تَطْهُرَ فَتَلَاعَنَ، فَإِنْ كَانَ مَرِيضًا، وَكَانَتْ مَرِيضَةً أَرْسَلَ الْإِمَامُ إلَى الْمَرِيضِ مِنْهُمَا عُدُولًا رَوَاهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حُكْمٌ مِنْ سُنَّتِهِ التَّعْجِيلُ، وَالْمَرَضُ لَا يُدْرَى لَهُ غَايَةٌ فَسَقَطَ الْمَكَانُ بِالتَّعْجِيلِ لِلضَّرُورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا يُرِيدُ أَكْمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ فِي حَقِّهِ قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَمْسَكْتهَا يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ مَا عَلِمَ وَتَيَقَّنَ مِنْ حَالِهَا فَالْمُوجِبُ لِلِعَانِهَا فَهُوَ كَاذِبٌ عَلَيْهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُبَيِّنُ كَذِبَهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ زَوْجَتَهُ قَدْ زَنَتْ وَثَبَتَ فِي حَقِّهَا اللِّعَانُ إمَّا بِرُؤْيَةٍ، أَوْ قَذْفٍ أَوْ انْتِفَاءٍ مِنْ حَمْلٍ ثُمَّ ظَهَرَ مِنْهُ مِنْ الْبَقَاءِ عَلَى ذَلِكَ، وَالسُّكُوتِ عَنْهُ طَوِيلَ الْمُدَّةِ، أَوْ وَطْئِهَا أَوْ الِالْتِذَاذِ بِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى إمْسَاكِهِ لَهَا، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ حَقُّهُ مِنْ اللِّعَانِ وَيَتَبَيَّنُ بِمَا فَعَلَهُ كَذِبُهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ وَجَمَاعَةُ أَصْحَابِنَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: إنِّي أَحْكُمُ عَلَى نَفْسِي بِحُكْمِ الْكَاذِبِ إنْ أَمْسَكْتهَا كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: أَنَا فَاسِقٌ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا، وَأَنَا ظَالِمٌ إنْ تَرَكْت حَقِّي وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ

стр. 1107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا يُرِيدُ أَنَّهُ أَتَى بِهَذَا اللَّفْظِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَمْسَكْتهَا؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا أَنَّ مِنْ دَلِيلِ صِدْقِهِ أَنْ لَا يُمْكِنَهُ الْمُقَامُ مَعَهَا وَلَا الْإِمْسَاكُ لَهَا عَلَى حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا لَكَانَ فِي مَعْنَى الْمُمْسِكِ لَهَا وَلَا يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى صِدْقِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ اطَّلَعَ مِنْ زَوْجَتِهِ عَلَى مِثْلِ هَذَا يَبْلُغُ بِهِ الْغَضَبُ إلَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَحَلَّ قَتْلَهَا لَقَتَلَهَا، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِلشَّرْعِ أَبَانَهَا، أَوْ أَبْعَدَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا يُمْكِنُهُ حَتَّى لَا يَرَاهَا وَلَا يَقْدِرَ أَنْ يَسْمَعَ ذِكْرَهَا وَلَا خَبَرَهَا فَكَيْفَ أَنْ يُمْسِكَ عِصْمَتَهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ آخِرَ طَلْقَةٍ بَقِيَتْ لَهُ فِيهَا بِوَصْفِ طَلَاقِهِ كُلِّهِ فِيهَا مَا أَوْقَعَ قَبْلَ اللِّعَانِ وَمَا أَوْقَعَ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ صَرَّحَ فِي طَلَاقِهَا بِالثَّلَاثِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَنَّ إيقَاعَ الثَّلَاثِ مَمْنُوعٌ عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا وَاجِبًا بِالشَّرْعِ. وَلَعَلَّهُ قَدْ جَرَى فِي الْمَجْلِسِ مَا عَلِمَ بِهِ عُوَيْمِرٌ حُكْمَ ذَلِكَ، أَوْ أَوْقَعَهُ ابْتِدَاءً لَمَّا بَلَغَ بِهِ الْغَضَبُ مِنْ فِعْلِهَا، وَالْبُغْضُ لَهَا، وَالْغَيْظُ عَلَيْهَا فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ حُكْمَهُ لَوْ لَمْ يَبْرَأْ بِهِ، فَإِنَّ طَلَاقَ اللِّعَانِ تَحْرِيمُهُ مُؤَبَّدٌ، وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الثَّلَاثِ يَرْتَفِعُ بِوَجْهٍ وَتَحْرِيمَ اللِّعَانِ لَا يَرْتَفِعُ بِوَجْهٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ قَدْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلْقَتَيْنِ فَطَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَمْ يُوَاقِعْ مَحْظُورًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِقَوْلِنَا ثَلَاثًا إلَّا مَا يُؤَثِّرُ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا سِيَّمَا إذَا نَوَى أَنَّ ذَلِكَ آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ طَلَّقَهَا وَمَعَ هَذَا، فَإِنَّ قَذْفَهَا بِالزِّنَى يَقْتَضِي مُبَاعَدَتَهَا فَلَوْ وَطِئَهَا بَعْدَ أَنْ قَذَفَهَا حُدَّ وَلَمْ يُلَاعِنْ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ فَكَانَ فِرَاقُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ فِيمَا قَذَفَهَا بِهِ وَمَا وُجِدَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ الْوَطْءِ فَلَا تَأْثِيرَ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إنَّهُ إذَا قَذَفَهَا وَقَالَ: رَأَيْتُهَا تَزْنِي وَلَاعَنَ وَلَمْ يُسْأَلْ هَلْ وَطِئَهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا يَضُرُّهُ إنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ، فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَطِئَهَا بَعْدَ ذَلِكَ حُدَّ وَلَمْ يُلَاعِنْ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَاعِي الِاسْتِبْرَاءَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ بِذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْفُرْقَةَ إنَّمَا وَقَعَتْ بِأَنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ فُرْقَةَ اللِّعَانِ مُؤَبَّدَةٌ بِإِجْمَاعٍ إذَا لَمْ يُكْذِبْ نَفْسَهُ، وَفُرْقَةُ الثَّلَاثِ لَا تَتَأَبَّدُ وَلَا تَتَعَلَّقُ بِالتَّمَادِي عَلَى حُكْمِ اللِّعَانِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَقَعُ فُرْقَةُ اللِّعَانِ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا فُرْقَةٌ تَجِبُ بِاللِّعَانِ فَاسْتَغْنَتْ عَنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَلَوْ احْتَاجَتْ إلَى ذَلِكَ لَمْ تَجِبْ بِاللِّعَانِ، وَدَلِيلٌ ثَانٍ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ فُرْقَةٌ تَقْتَضِي تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ كَالْفُرْقَةِ الْوَاقِعَةِ بِتَحْرِيمِ الرَّضَاعِ، وَالْمُصَاهَرَةِ. (فَرْعٌ) وَلَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِالْتِعَانِ الزَّوْجِ حَتَّى تُكْمِلَ الْمَرْأَةُ الِالْتِعَانَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِالْتِعَانِ الزَّوْجِ وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَلَكِنْ لَا تَتِمُّ إلَّا بِلِعَانِهَا وَبِذَلِكَ يُدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابُ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْمَذْهَبِ إنَّمَا هُوَ خِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَا تَتَبَعَّضُ وَلَا خِلَافَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا لَوْ لَمْ تُلَاعِنْ لَمْ تَثْبُتْ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ وَكَذَلِكَ لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ إتْمَامِ الْتِعَانِهَا. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ، وَوَجْهُ مَا نَقُولُهُ أَنَّ التَّلَاعُنَ لَمْ يَكْمُلْ فَلَمْ تَقَعْ الْفُرْقَةُ كَمَا لَوْ بَقِيَ مِنْ لِعَانِ الزَّوْجِ شَيْءٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ الْمُتَلَاعِنَ بِأَثَرِ الْفَرَاغِ مِنْ اللِّعَانِ بِالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِذَلِكَ وَلَمْ يَرِدْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ فَيَقْضِي بِمَا صَحَّ عَنْهُ رَوَاهُ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى قَالَ: إنِّي لَأُحِبُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُطَلِّقَ مِثْلَ مَا صَنَعَ عُوَيْمِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَيَكْفِي فِي ذَلِكَ مَا مَضَى مِنْ

стр. 1108

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ» ) ــ [المنتقى] سُنَّةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنَّهُمَا لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ عِيسَى: لَا تَأْثِيرَ لَهُ وَلَا يَتَعَلَّقُ لَهُ حُكْمٌ أَكْثَرُ مِنْ ظِهَارِ الزَّوْجِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى مُفَارَقَتِهَا، وَالْإِبْعَادِ لَهَا وَإِظْهَارِ مَعْرِفَتِهِ بِمَا يَقْتَضِيهِ اللِّعَانُ مِنْ التَّحْرِيمِ وَيَقْتَدِي فِي ذَلِكَ بِمَا فَعَلَهُ أَحَدُ الصَّحَابَةِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى اللِّعَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ سُكُوتَهُ عَنْهَا بَعْدَ عِلْمِهِ دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ ذَلِكَ بِمَا يُؤَكِّدُ صِدْقَهُ. (فَصْلٌ) : قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ: فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ يُرِيدُ أَنَّ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ اسْتِحْبَابَ إظْهَارِ الطَّلَاقِ بَعْدَ اللِّعَانِ عَلَى مَا قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا بِانْقِضَاءِ اللِّعَانِ وَتَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : قَوْلُهُ: إنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ انْتِفَاءَهُ مِنْ وَلَدِهَا كَانَ سَبَبَ اللِّعَانِ وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّهُ لَاعَنَهَا بِدَعْوَى ادَّعَاهَا مِنْ رُؤْيَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا فَلَاعَنَ لِذَلِكَ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فَأَمَّا نَفْيُ الْوَلَدِ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ يَجِبُ بِهِ اللِّعَانُ، وَإِنْ عَرَا عَنْ الْقَذْفِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُلَاعِنُ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهِ الْقَذْفُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ ضَرُورَتَهُ إلَى نَفْيِ الْوَلَدِ أَشَدُّ مِنْ ضَرُورَتِهِ إلَى قَذْفِهَا؛ لِأَنَّ بِهِ حَاجَةً إلَى أَنْ يُزِيلَ عَنْ نَفْسِهِ نَسَبًا لَيْسَ مِنْهُ، وَذَلِكَ يَصِحُّ بِنَفْيِ الْوَلَدِ أَكْثَرُ مِمَّا يَصِحُّ بِالْقَذْفِ، فَإِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ بِالْقَذْفِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ فَلَأَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِ الْحَمْلِ وَحَاجَتُهُ آكَدُ أَوْلَى وَأَحْرَى. ١ - (مَسْأَلَةٌ) وَنَفْيُ الْوَلَدِ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ فَيَنْفِيهِ، وَالثَّانِي أَنْ تَلِدَ وَلَدًا فَيَنْفِيهِ فَأَمَّا ظُهُورُ الْحَمْلِ، فَإِنَّ الزَّوْجَ إذَا رَآهُ، فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يُقِرَّ بِهِ، أَوْ يَنْفِيَهُ، أَوْ يَسْكُتَ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ نَفَاهُ حُدَّ، وَأَمَّا إنْ نَفَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَدَّعِيَ اسْتِبْرَاءً، أَوْ لَا يَدَّعِيَهُ، فَإِنْ ادَّعَى اسْتِبْرَاءً فَلَا خِلَافَ أَنَّ لَهُ الْمُلَاعَنَةَ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ اسْتِبْرَاءً فَهَلْ يُلَاعِنُ، أَوْ يُحَدُّ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ الْحَمْلِ: لَيْسَ لَهُ نَفْيُ الْحَمْلِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِبْرَاءَ، وَهُوَ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: جُلُّ رُوَاةِ مَالِكٍ عَلَى مُرَاعَاةِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَقَدْ قَالَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ نَافِعٍ: يُلَاعِنُ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ اسْتِبْرَاءً وَرَوَاهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَدَّعِ الِاسْتِبْرَاءَ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ نَفْيُ الْحَمْلِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ وَلَدَهُ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ تَصِحُّ مِنْهُ بِغَيْرِ الِاسْتِبْرَاءِ وَيَدْرَأُ عَنْ نَفْسِهِ الْحَدَّ بِذَلِكَ وَيَحْصُلُ مِنْ نَفْيِ الْوَلَدِ مَعَ ذَلِكَ مَا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ. (فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يُرَاعِي الِاسْتِبْرَاءَ فَكَمْ يُجْزِئُ مِنْهُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ يُجْزِئُ مِنْهُ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ مَالِكٍ ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ هَاهُنَا إنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ تَحَقُّقُ نَفْيِ الْحَمْلِ وَوُجُودُ وَجْهٍ يَقْتَضِيهِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْحَيْضَةِ الْوَاحِدَةِ كَاسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِبْرَاءَ لَيْسَ بِعِدَّةٍ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ عَدَدُ الْأَقْرَاءِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ لِحُرَّةٍ فَاعْتُبِرَ فِيهِ بِعَدَدِ الْأَقْرَاءِ كَالْعِدَّةِ. (فَرْعٌ) : وَإِذَا قُلْنَا بِنَفْيِ الِاسْتِبْرَاءِ فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَطَأُ وَلَا أَدْرِي هَلْ هُوَ مِنِّي فَلَاعَنَ لِمَا ادَّعَاهُ مِنْ الزِّنَا فَاخْتَلَفَ فِي هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابُهُ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ مَنْفِيٌّ بِاللِّعَانِ، وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْحَمْلِ، وَهَذَا إغْرَاقٌ وَاَلَّذِي أَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْحَمْلِ أَوْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ بِهِ لَاحِقٌ، وَإِنْ كَانَ لَاعَنَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَهُوَ مَنْفِيٌّ بِاللِّعَانِ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَشْهَبُ: إنْ لَاعَنَ بِرُؤْيَةٍ ثُمَّ ظَهَرَ حَمْلٌ فَهُوَ بِهِ لَاحِقٌ وَلَا يَنْفِيهِ إلَّا بِلِعَانٍ مُدَّعٍ فِيهِ اسْتِبْرَاءً

стр. 1109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] (مَسْأَلَةٌ) : الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحَامِلَ تُلَاعِنُ إذَا نَفَى الزَّوْجُ حَمْلَهَا وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا وَلَا قَذْفَ حَتَّى تَضَعَ إذْ لَعَلَّهُ لَا حَمْلَ بِهَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] الْآيَةَ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حَالِ الْحَمْلِ وَبُعْدِ الْوَضْعِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ نَسَبٍ جَازَ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ بَعْدَ انْفِصَالِ الْوَلَدِ جَازَ إسْقَاطُهُ قَبْلَهُ كَالْفِرَاشِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ حَمْلَهَا فَيَنْفِيهِ وَلَا يَتَيَقَّنُ زِنَاهَا بِالْتِعَانِهِ إنْ نَكَلَتْ وَلِجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ حَمْلٌ. (فَرْعٌ) : فَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَتَلَاعَنَا ثُمَّ انْفَشَّ الْحَمْلُ لَمْ يُحَدَّ الزَّوْجُ وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ أَبَدًا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ اللِّعَانِ قَدْ ثَبَتَ بَيْنَهُمَا فَلَا يَزُولُ التَّحْرِيمُ بِمَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الْكَذِبُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِالْحَمْلِ. ١ - (فَرْعٌ) وَمَنْ أَنْكَرَ وَلَدَهُ بِالْعَزْلِ لَحِقَ الْوَلَدُ بِهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ وَطِئَ فِي مَوْضِعٍ يُمْكِنُ وُصُولُ الْمَاءِ مِنْهُ إلَى الْفَرْجِ وَكَذَلِكَ الدُّبُرُ، فَإِنَّ الْمَاءَ يَخْرُجُ مِنْهُ إلَى الْفَرْجِ حَكَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ فَأَمَّا الْعَزْلُ فَوَجْهُهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْبِقُهُ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يَشْعُرُ بِهِ قَبْلَ الْعَزْلِ فَيَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ، وَأَمَّا لَوْ وَطِئَ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ، فَإِنَّهُ يَبْعُدُ عِنْدِي أَنْ يُخْلَقَ مِنْهُ وَلَدٌ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَمَا جَازَ أَنْ تُحَدَّ امْرَأَةٌ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ وَلَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ وَطْءٍ فِي غَيْرِ فَرْجٍ فَلَا يَجِبُ بِهِ رَجْمٌ وَلَا حَدٌّ، وَإِنْ وَجَبَتْ بِهِ عُقُوبَةٌ، أَوْ يَكُونُ مَا أَنْزَلَهُ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ وَطْئِهَا فَوَصَلَ إلَى فَرْجِهَا وَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا اقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَخْلُو مِنْهُ الْوَلَدُ إنَّمَا هُوَ مَا يَخْرُجُ بَعْدَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَأَنَّهُ قَدْ يَلْتَقِي الْخِتَانَانِ قَبْلَ الِافْتِضَاضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا قَذَفَهَا بِزِنًا وَقَالَ: قَدْ وَطِئْتُهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَلَمْ اسْتَبْرِئْهَا حَتَّى رَأَيْتهَا تَزْنِي فَهَذَا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا لَاعَنَ لِلرُّؤْيَةِ يَنْتَفِي الْوَلَدُ إلَّا أَنْ تَكُونَ ظَاهِرَةَ الْحَمْلِ يَوْمَ ادَّعَى الرُّؤْيَةَ أَوْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَيُلْحَقُ بِهِ وَيَقْتَضِي مَذْهَبُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يُلَاعِنُ لِلرُّؤْيَةِ وَدَفْعِ الْحَدِّ عَنْهُ وَلَا يَنْتَفِي بِذَلِكَ الْوَلَدُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنَّمَا لَهُ إنْكَارُ الْحَمْلِ وَنَفْيُهُ حِينَ عَلِمَ بِهِ، أَوْ عَلِمَ بِالْوِلَادَةِ، وَأَمَّا إنْ عَلِمَ بِذَلِكَ ثُمَّ أَقَامَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ لَا يُنْكِرُ فَلَا إنْكَارَ لَهُ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْإِنْكَارِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ إنْكَارُهُ بَعْدَ الْوَضْعِ بِيَوْمٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَنْفِهِ حَتَّى مَضَتْ سَنَةٌ، أَوْ سَنَتَانِ ثُمَّ نَفَاهُ لَاعَنَ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ قَدْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ الْإِنْكَارِ وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ إذَا ادَّعَى رُؤْيَةً قَدِيمَةً ثُمَّ قَامَ الْآنَ بِهَا أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ وَيُحَدَّ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُ عَنْ إنْكَارِهِ ذَلِكَ، وَالْقِيَامِ بِهِ حِينَ رَآهُ دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِهِ وَيُحَدُّ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا نَفْيُ وَلَدِهِ فَهُوَ أَنْ يَقْدُمَ مِنْ سَفَرِهِ فَيَجِدَ امْرَأَتَهُ قَدْ وَلَدَتْ، أَوْ ادَّعَتْ وَلَدًا فَيَنْفِيَهُ، وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ: لَمْ تَلِدِيهِ وَلَيْسَ بِوَلَدِك، وَالثَّانِي أَنْ يَقُولَ: وَلَدْتِيهِ وَلَكِنْ لَيْسَ مِنِّي؛ فَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَإِذَا قَالَ: لَمْ تَلِدِيهِ جُمْلَةً وَقَالَتْ هِيَ: وَلَدْته مِنْك قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: هُوَ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ وَقَالَ أَشْهَبُ: الْمَرْأَةُ مُصَدَّقَةٌ وَلَا لِعَانَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ نَفْيَ الْوَلَدِ مِنْهُ فَيُلَاعِنُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ نَكَلَ بَعْدَ أَنْ نَفَاهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَمْ يُلَاعِنْ لَمْ يُحَدَّ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ قَالَ: وَلَدْتِيهِ وَلَيْسَ مِنِّي فَقَدْ قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ غَابَ عَنْ زَوْجَتِهِ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ قَدِمَ فَوَجَدَهَا قَدْ وَلَدَتْ أَوْلَادًا فَأَنْكَرَهُمْ وَقَالَتْ هِيَ: هُمْ مِنْهُ كَانَ يَأْتِينِي فِي السِّرِّ لَمْ يَنْفِهِمْ إلَّا بِلِعَانٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ، فَإِذَا كَانَ الْفِرَاشُ لَهُ مَعَ غَيْبَتِهِ فَمَا وُلِدَ فِيهِ لَاحِقٌ بِهِ وَلَازِمٌ لَهُ وَلَا يَنْتَفِي مَنْ وُلِدَ فِيهِ إلَّا بِلِعَانٍ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ أَوْقَعَ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَعْلَمَهُمَا بِحُكْمِهِمَا، وَأَنَّ حُكْمَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ انْقِطَاعُ الْعِصْمَةِ بَيْنَهُمَا وَتَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ

стр. 1110

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦] ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧] ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨] ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] ــ [المنتقى] مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ أَحَدُهُمَا كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا، وَهَذَا إخْبَارٌ بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا مَحْكُومٌ لَهُ فَيَحْكُمُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الشَّرْعِ فِي التَّحْلِيلِ، وَالتَّحْرِيمِ ثَابِتَةٌ بِالشَّرْعِ وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ كَتَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ، وَالرَّضَاعِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ يُرِيدُ أَنَّهُ صَرَفَ نَسَبَهُ إلَى أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ يَنْتَسِبُ إلَى أَبِيهِ فَلَمَّا مَنَعَهُ مِنْ أَنْ يَنْتَسِبَ إلَى أَبٍ وَنَسَبَهُ إلَى أُمِّهِ كَانَ ذَلِكَ وَجْهًا مِنْ إلْحَاقِهِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهَا لَهُ فِي الِانْتِسَابِ مَقَامَ الْأَبِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُ مَالِكٍ: قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ﴾ [النور: ٦] إلَى آخِرِهِ هَذَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ هَذَا بِالزَّوْجَاتِ دُونَ غَيْرِهِنَّ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْأَزْوَاجِ شُهَدَاءُ بِمَا يَدَّعُونَ عَلَى الزَّوْجَاتِ مِنْ الزِّنَا، وَهَذَا يُخْرِجُ الزَّوْجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمُ الشَّاهِدِ، وَلَوْ شَهِدَ بِذَلِكَ عَلَيْهَا أَرْبَعَةٌ أَحَدُهُمْ زَوْجُهَا لَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ فَكَانَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُلَاعِنَ، فَإِنْ تَمَّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا حُدَّ الثَّلَاثَةُ الْأَجْنَبِيُّونَ، فَإِنْ أَبَى الزَّوْجُ أَنْ يُلَاعِنَ حُدَّ الزَّوْجُ مَعَهُمْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الزَّوْجِ إنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ فِيهَا قَذْفٌ وَتُرْجَمُ الْمَرْأَةُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] الْآيَةَ وَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ اسْتَثْنَى الْأَزْوَاجَ مِنْ الشُّهَدَاءِ فَاقْتَضَى أَنْ لَا يَكُونُوا شُهُودًا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ بَيِّنَةٌ فِي الزِّنَا لَمْ تَتِمَّ إلَّا بِالزَّوْجِ فَلَمْ يُحْكَمْ بِهَا كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ الْقَذْفُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِزِنَاهَا فَأُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ كَانَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَثْبَتَ زَوْجُهَا الزِّنَا لَمْ يَنْتَفِ نَسَبُ الْوَلَدِ، وَإِنْ لَاعَنَ الزَّوْجُ وَنَكَلَتْ الْمَرْأَةُ أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ إنْ كَانَتْ بِكْرًا بِجَلْدِ مِائَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا بِالرَّجْمِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّ أَلْفَاظَ اللِّعَانِ أَيْمَانٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: اللِّعَانُ شَهَادَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦] . فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ قَرَنَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ قَوْلَهُ: بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ، وَهَذَا مَعْنَى الْيَمِينِ، فَإِنَّ الْيَمِينَ قَدْ يُقَالُ فِيهَا أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا، وَكَذَا، وَالثَّانِي أَنَّهُ أَقْسَمَ عَلَى فِعْلِهِ، وَالشَّاهِدُ لَا يَشْهَدُ عَلَى فِعْلِهِ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنْ يَدْفَعَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ الْحَدَّ عِنْدَنَا، وَالْحَبْسَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ عِنْدَهُ عَذَابٌ، وَهَذَا حُكْمُ الْيَمِينِ فَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْأَنْسَابِ لِيَدْفَعَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَاعَنَ بَيْنَ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَزَوْجَتِهِ ثُمَّ وَلَدَتْ عَلَى شِبْهِ الَّذِي قُذِفَتْ بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لَهُ وَلَهَا شَأْنٌ» وَدَلِيلٌ آخَرُ، وَهُوَ مَا رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ اللِّعَانَ يَصِحُّ مِنْ الْفَاسِقِ، وَالْأَعْمَى، وَالشَّهَادَةُ لَا تَصِحُّ مِنْ الْفَاسِقِ وَلَا تَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ الْأَعْمَى. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَيَبْدَأُ الرَّجُلُ بِاللِّعَانِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] الْآيَةَ فَبَدَأَ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَوَّلُ لِعَانٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ شَرِيكَ ابْنَ سَحْمَاءَ بِامْرَأَتِهِ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِك فَرَدَّدَهُ عَلَيْهِ مِرَارًا فَقَالَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ: وَاَللَّهِ

стр. 1111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنِّي لَصَادِقٌ وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ عَلَيْك مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الْجَلْدِ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إذْ نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] الْآيَةَ فَدَعَا هِلَالًا فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ ثُمَّ دُعِيَتْ الْمَرْأَةُ فَشَهِدَتْ عَلَى نَفْسِهَا أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ» الْحَدِيثَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الزَّوْجَ بَدَأَ بِالْقَذْفِ فَلَزِمَ أَنْ يَبْدَأَ بِاللِّعَانِ. ١ - (فَرْعٌ) ، فَإِنْ بَدَأَتْ الْمَرْأَةُ بِاللِّعَانِ فَهَلْ تُعِيدُهُ بَعْدَ الْتِعَانِ الزَّوْجِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ لِعَانِهَا قَبْلَ الزَّوْجِ وَتُعِيدُ اللِّعَانَ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَاَلَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا لَا تُعِيدُ اللِّعَانَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] ، وَهَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ أَنْ حَقَّ عَلَيْهَا الْعَذَابُ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْتِعَانِ الزَّوْجِ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ أَشْهَبُ أَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْحُقُوقِ فَلَوْ بَدَأَ الطَّالِبُ بِالْيَمِينِ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ نُكُولِ الْمَطْلُوبِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا لِعَانٌ مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فَيَصِحُّ أَنْ يَقَعَ أَوَّلًا كَلِعَانِ الزَّوْجِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ أَنْكَرَ الْقَذْفَ فَلَمَّا أَقَامَتْ بِذَلِكَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً ادَّعَى رُؤْيَةَ الزِّنَا، فَإِنَّ لَهُ اللِّعَانَ بِخِلَافِ الْحُقُوقِ وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: أَرَدْت التَّسَتُّرَ رَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : ، وَإِذَا قَذَفَ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يُسْقِطَهُ بِاللِّعَانِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَكِنْ يُحْبَسُ حَتَّى يَلْتَعِنَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِك» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ قَاذِفٌ حُرَّةً عَفِيفَةً فَثَبَتَ فِي حَقِّهِ الْحَدُّ كَالْأَجْنَبِيَّةِ. ١ - ، وَلَوْ الْتَعَنَ بَعْضَ اللِّعَانِ فَبَقِيَ مِنْهُ أَقَلُّهُ فَقَالَتْ الْمَرْأَةَ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْكِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ تَرَكَ الِالْتِعَانَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ تَعْفُ الْمَرْأَةُ وَلَكِنْ أَقَرَّتْ ثُمَّ رَجَعَتْ فَاعْتَذَرَتْ بِمَا تُعْذَرُ بِهِ لَمْ يُحَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَأُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ. (مَسْأَلَةٌ) : ، فَإِذَا الْتَعَنَ الرَّجُلُ وَسَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِلِعَانِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ وَتَوْجِيهُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَانْتِفَاءُ الْوَلَدِ إنْ كَانَ اللِّعَانُ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تُحْبَسُ إنْ امْتَنَعَتْ مِنْ اللِّعَانِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨] ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ تَوَجَّهَ إلَيْهَا بِلِعَانِ الزَّوْجِ عَذَابٌ، وَهُوَ الْحَدُّ، فَإِنَّ لَهَا أَنْ تَدْرَأَهُ عَنْ نَفْسِهَا بِاللِّعَانِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ مَعْنًى يَخْرُجُ بِهِ الْقَاذِفُ مِنْ قَذْفِهِ فَتَوَجَّهَ إلَى الْمَقْذُوفِ بِهِ الْحَدُّ أَصْلُ ذَلِكَ السُّنَّةُ. (فَرْعٌ) : وَإِنْ تَمَادَتْ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ اللِّعَانِ أَنْفَذَ عَلَيْهَا الرَّجْمَ، أَوْ الْجَلْدَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ رَجَعَتْ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ تَعُودُ إلَى اللِّعَانِ، فَإِنْ نَكَلَ الزَّوْجُ لَحِقَ بِهِ وَلَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّهَا مُقِرَّةٌ بِذَلِكَ بِنُكُولِهَا، وَإِنْ رَجَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى اللِّعَانِ، فَإِنَّ حُكْمَ النُّكُولِ بَاقٍ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْ الزَّوْجِ وَرَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا لِأَبِي عَلِيِّ بْنِ خَلْدُونٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَرَوِيَّيْنِ وَقَاسَا عَلَى طَرِيقَتِهِمْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَعِنْدِي أَنَّ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ وَرَأَيْتُ لِلشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ وَلِأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْكَاتِبِ يَمْضِي عَلَيْهَا وَلَيْسَ لَهَا الرُّجُوعُ إلَى اللِّعَانِ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهَا إذَا نَكَلَتْ عَنْ اللِّعَانِ بَعْدَ لِعَانِ الزَّوْجِ فَقَدْ صَدَّقَتْهُ وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ فَلَيْسَ لَهَا الرُّجُوعُ عَنْهُ كَمَا لَيْسَ لَهَا الرُّجُوعُ عَنْ إقْرَارٍ بِحَقٍّ لِخَصْمٍ يَطْلُبُهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَصِفَةُ اللِّعَانِ قَالَ مَالِكٌ يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ أَيْضًا مَالِكٌ: أَشْهَدُ بِعِلْمِ اللَّهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيَقُولُ فِي الرِّوَايَةِ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ لَرَأَيْتهَا تَزْنِي يَقُولُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ قَالَ

стр. 1112

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا، وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَأُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَلَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ أَبَدًا قَالَ: وَعَلَى هَذَا أَنَّ السُّنَّةَ عِنْدَنَا الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا وَلَا اخْتِلَافَ) . ــ [المنتقى] أَصْبَغُ يَقُولُ كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ ثُمَّ يَقُولُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْخَامِسَةِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ ثُمَّ تَقُولُ هِيَ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ مَا رَآنِي أَزْنِي ثُمَّ تُخَمِّسُ بِالْغَضَبِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيَقُولُ فِي نَفْيِ الْحَمْلِ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي قَالَ أَصْبَغُ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَزِيدَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَلَزَنَتْ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَتَقُولُ هِيَ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ وَمَا زَنَيْتُ قَالَ أَصْبَغُ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَزِيدَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَإِنَّهُ لَمِنْهُ ثُمَّ تُخَمِّسُ بِالْغَضَبِ قَالَ أَصْبَغُ: فَإِنْ قَالَ هُوَ فِي الْخَامِسَةِ مَكَانَ إنْ كُنْتُ مِنْ الْكَاذِبِينَ إنْ كُنْتُ كَذَبْتُهَا أَجْزَأَهُ، وَلَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ فِي الْخَامِسَةِ مَكَانَ إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ: إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ أَجْزَأَهَا وَأَحَبُّ إلَيَّ لَفْظُ الْقُرْآنِ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ يَقُولُ هُوَ فِي الْأَرْبَعَةِ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ وَفِي الْخَامِسَةِ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ وَتَقُولُ هِيَ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ وَفِي الْخَامِسَةِ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ فَكَأَنَّ أَصْبَغَ أَشَارَ إلَى أَنَّ لَفْظَ اللِّعَانِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، وَأَنَّ لَهُمَا أَنْ يَأْتِيَا بِأَيِّ لَفْظٍ شَاءَا وَرَأْيُ الْإِمَامِ إذَا كَانَ مُوَافِقًا لِلْمَعْنَى إلَّا أَنَّ لَفْظَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ لَفْظَهُ مُتَعَيِّنٌ بِلَفْظِ الْقُرْآنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَالَ مَالِكٌ ﵀: السُّنَّةُ عِنْدَنَا يُرِيدُ مَا رُسِمَ عِنْدَهُمْ وَأُثْبِتَ مِنْ حُكْمِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ لَا يَتَنَاكَحَا أَبَدًا؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ اللِّعَانِ مُؤَبَّدٌ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: فُرْقَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَسْخٌ وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّ التَّحْرِيمَ مُؤَبَّدٌ، وَلَوْ كَانَ طَلَاقًا لَمْ يَتَأَبَّدُوا إنَّمَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُ الْفَسْخِ كَالرَّضَاعِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ بِالْبَيِّنِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَسْخَ لَا يَتَأَبَّدُ لِنَفْسِهِ فَقَدْ يُفْسَخُ النِّكَاحُ الْفَاسِدُ ثُمَّ يَتَنَاكَحَانِ بَعْدُ، وَإِنَّمَا يَتَأَبَّدُ التَّحْرِيمُ، أَوْ لَا يَتَأَبَّدُ لِمُوجِبِهِ الَّذِي أَوْجَبَ تَأْبِيدَ التَّحْرِيمِ فِي الرَّضَاعِ لِلرَّضَاعِ نَفْسِهِ دُونَ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ الرَّضَاعُ قَبْلَ الْفَسْخِ لَتَأَبَّدَ التَّحْرِيمُ، وَهَذَا حُكْمُ اللِّعَانِ الَّذِي هُوَ مُوجِبٌ لِلتَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى «سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ حَدِيثِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا» ، وَهَذَا يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ فَسْخًا؛ لِأَنَّهُمَا مَغْلُوبَانِ عَلَى الْفُرْقَةِ مِنْ غَيْرِ إيقَاعِ مُوقِعٍ، وَالطَّلَاقُ لَا يَكُونُ إلَّا بِإِيقَاعٍ مُطْلَقٍ، وَوَجْهٌ ثَانٍ أَنَّهُمَا مَغْلُوبَانِ عَلَى الْفُرْقَةِ مِنْ غَيْرِ فَسَادِ عَقْدِ النِّكَاحِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فَسْخًا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يُغْلَبَانِ عَلَى إيقَاعِهِ إلَّا لِفَسَادٍ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَلَا يُغْلَبَانِ عَلَيْهِ وَمَا غُلِبَ عَلَيْهِ فَهُوَ فَسْخٌ بِكُلِّ وَجْهٍ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ وَأَبْطَلَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ اللِّعَانِ وَصَارَ قَذْفُهُ لَهَا ظُلْمًا فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَإِنْ قَذَفَهَا ثَانِيًا بَعْدَ أَنْ حُدَّ لَهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: يُحَدُّ إلَّا أَنْ يُلَاعِنَ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ إلَى اللِّعَانِ بَعْدَ تَقْرِيرِ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَقَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْوَلَدَ لَاحِقٌ بِهِ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ اللِّعَانِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُلَاعِنَ الزَّوْجُ حُدَّ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَاعَنَ هُوَ وَقَبْلَ أَنْ تُلَاعِنَ هِيَ جُلِدَ الْحَدَّ وَسَقَطَ عَنْهَا اللِّعَانُ وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنَفَقَةِ الْحَمْلِ وَأَجْرِ الرَّضَاعِ وَنَفَقَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ مَلِيًّا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ أَبَدًا يُرِيدُ أَنَّ إكْذَابَهُ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِّعَانِ لَا يَرْفَعُ التَّحْرِيمَ الْوَاقِعَ بَيْنَهُمَا

стр. 1113

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا فَارَقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا فِيهِ رَجْعَةٌ ثُمَّ أَنْكَرَ حَمْلَهَا لَاعَنَهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا وَكَانَ حَمْلُهَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ إذَا ادَّعَتْهُ مَا لَمْ يَأْتِ دُونَ ذَلِكَ مِنْ الزَّمَانِ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ فَلَا يَعْرِفُ أَنَّهُ مِنْهُ قَالَ: فَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا وَاَلَّذِي سَمِعْت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا وَهِيَ حَامِلٌ يُقِرُّ بِحَمْلِهَا ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهَا تَزْنِي قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهَا جُلِدَ الْحَدَّ وَلَمْ يُلَاعِنْهَا، فَإِنْ أَنْكَرَ حَمْلَهَا بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا لَاعَنَهَا قَالَ: وَهُوَ الَّذِي سَمِعْت) . ــ [المنتقى] بِاللِّعَانِ وَلَا يَخْلُو أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ قَبْلَ إتْمَامِ اللِّعَانِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ إتْمَامِ اللِّعَانِ، وَقَدْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ لِعَانِهَا قَالَ مَالِكٌ: يَحُدُّوهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا؛ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اللِّعَانَ لَمْ يَتِمَّ بَعْدُ فَهُمَا عَلَى حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا بِتَمَامِ اللِّعَانِ، وَإِنَّمَا تَنْفَصِمُ الزَّوْجِيَّةُ بَيْنَهُمَا بِتَمَامِ اللِّعَانِ فَمَتَى كَانَ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ وَتَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَرْتَفِعُ التَّحْرِيمُ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلزَّوْجِ مِنْ الْمُتَلَاعِنَيْنِ: لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ تَحْرِيمٌ لَا يَرْتَفِعُ بِزَوْجٍ وَإِصَابَةٍ فَكَانَ مُؤَبَّدًا كَتَحْرِيمِ الرَّضَاعِ. (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ الْمُطَلِّقَ لِزَوْجَتِهِ طَلَاقًا بَائِنًا لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بِهَا حَمْلٌ ظَاهِرٌ، أَوْ لَا يَكُونَ بِهَا حَمْلٌ، فَإِنْ كَانَ بِهَا حَمْلٌ ظَاهِرٌ فَأَنْكَرَهُ؛ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بِاللِّعَانِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ نَسَبًا لَيْسَ مِنْهُ كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ نَفَى الْحَمْلَ وَادَّعَى رُؤْيَةَ زِنًا أَوْ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ، فَإِنْ ادَّعَى رُؤْيَةَ الزِّنَا لَمْ يَخْلُ أَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِبْرَاءَ، أَوْ لَا يَدَّعِيَهُ، فَإِنْ ادَّعَى الِاسْتِبْرَاءَ، وَالرُّؤْيَةَ وَنَفْيَ الْحَمْلِ فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُلَاعِنُ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ اسْتِبْرَاءً وَادَّعَى رُؤْيَةً وَنَفْيَ الْحَمْلِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ فِي الَّذِي يُطَلِّقُ طَلَاقًا بَائِنًا وَقَالَ: رَأَيْتهَا تَزْنِي يُرِيدُ نَفْيَ مَا تَأْتِي بِهِ مِنْ حَمْلٍ، فَإِنَّهُ لَا يُلَاعِنُ إنْ لَمْ يَدَّعِ اسْتِبْرَاءً، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ رُؤْيَةً وَادَّعَى اسْتِبْرَاءً، فَإِنَّهُ يُلَاعِنُ وَرَوَى أَبُو الْفَرَجِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ نَفَى حَمْلَهَا فِي الْعِدَّةِ لَاعَنَ وَلَمْ يُحَدَّ عَلَى الطَّلَاقِ، وَقَدْ شَرَطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ادِّعَاءَ الِاسْتِبْرَاءِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ لَمْ يَنْفِ الْحَمْلَ وَقَذَفَهَا فِي الْعِدَّةِ مِنْ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ فَقَدْ رَوَى أَبُو الْفَرَجِ أَنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ؛ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي هَذَا الْوَقْتِ فِي قَذْفِهَا؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ لَا يَنْفِي حَمْلَهَا، فَإِذَا لَمْ يَنْفِهِ بِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الْقَذْفِ فَلَزِمَهُ الْحَدُّ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا حَمْلٌ وَقَالَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ: رَأَيْتهَا تَزْنِي فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ: يُلَاعِنُ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: لَا يُلَاعِنُ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَذَفَهَا بِوَطْءٍ يَحْتَاجُ إلَى نَفْيِ نَسَبِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْفِهِ لَحِقَ بِهِ كَاَلَّذِي لَمْ يُطَلِّقْ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ لَا يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ وَاخْتَارَهُ سَحْنُونٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا ادَّعَى أَنَّهُ رَآهَا تَزْنِي فِي الْعِدَّةِ، فَإِنْ قَالَ: رَأَيْتهَا تَزْنِي قَبْلَ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ فَفِي كِتَابِ أَبِي الْفَرَجِ يُحَدُّ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ فَيَنْفِيَهُ وَيَدَّعِيَ الِاسْتِبْرَاءَ فَيُلَاعِنَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَنْظُرَ، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنْ لَا حَمْلَ بِهَا حُدَّ لَهَا، وَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ لَاعَنَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَا لِعَانَ لَهُ فِي الرُّؤْيَةِ: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ فِيهِ إقْرَارٌ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الزِّنَا غَيْرَ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنَّ الْمُطَلِّقَ بَائِنًا لَا يُلَاعِنُ إلَّا لِنَفْيِ الْحَمْلِ وَلَا يُلَاعِنُ لِلرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يُلَاعِنُ وَلَا يُحَدُّ، وَالْخِلَافُ بَيْنَ أَبِي الْفَرَجِ وَابْنِ الْمَوَّازِ فِي تَأَخُّرِ الْحَدِّ بَعْدَ الْقَذْفِ فَأَبُو الْفَرَجِ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ؛ لِأَنَّهُ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْقَذْفُ وَادَّعَى الْمَخْرَجَ لَا يُمْهَلُ وَيُعَجَّلُ الْحَدُّ وَابْنُ الْمَوَّازِ يَذْهَبُ إلَى تَأْخِيرِ الْحَدِّ لِلزِّنَا عَلَى الزَّوْجِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ لِحَاجَةِ الزَّوْجِ إلَى ذَلِكَ دُونَ الْأَجْنَبِيِّ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَكَانَ حَمْلُهَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ يُرِيدُ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَمَدِ الْحَمْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ لَا بُدَّ أَنْ

стр. 1114

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَالْعَبْدُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي قَذْفِهِ وَلِعَانِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْحُرِّ فِي مُلَاعَنَتِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ حَدٌّ قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ، وَالْحُرَّةُ النَّصْرَانِيَّةُ، وَالْيَهُودِيَّةُ تُلَاعِنُ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ إذَا تَزَوَّجَ إحْدَاهُنَّ فَأَصَابَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَهُنَّ مِنْ الْأَزْوَاجِ قَالَ: وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) . ــ [المنتقى] تَأْتِيَ بِالْوَلَدِ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ، أَوْ بَعْدَ الْحَيْضِ، فَإِنْ أَتَتْ بِهِ قَبْلَ الْحَيْضِ لِأَكْثَرِ أَمَدِ حَمْلٍ فَهُوَ لَاحِقٌ بِالزَّوْجِ إلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ، وَأَكْثَرُ أَمَدِ الْحَمْلِ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الْمَالِكِيِّينَ فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ أَعْوَامٍ وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ سَبْعُ سِنِينَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَكْثَرُ الْحَمْلِ سَنَتَانِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : ، وَإِنْ حَاضَتْ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِمِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَلْحَقُ بِهِ، وَإِنْ حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ، وَقَدْ تَحِيضُ الْمَرْأَةُ عَلَى الْحَمْلِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهَا حَائِضٌ حَيْضًا مُسْتَقِيمًا وَتَيَقَّنَ ذَلِكَ وَعَرَفَهُ النِّسَاءُ لَرَأَيْتهَا زَانِيَةً وَيَسْقُطُ نَسَبُ الْوَلَدِ عَنْ الْمَيِّتِ، وَالْحَيِّ وَلَكِنْ لَا يُحَاطُ بِمَعْرِفَتِهِ قَالَ أَصْبَغُ لَيْسَ هَذَا بِقَوْلٍ، وَلَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَمْ يُوجِبْ زِنًى وَلَا حَدًّا، وَهُوَ شُبْهَةٌ، وَالْوَلَدُ لَاحِقٌ إلَّا أَنْ يُلَاعِنَ الْمُطَلِّقُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مَا ادَّعَتْهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْسُبَ ذَلِكَ إلَيْهِ وَيَقُولَ: إنَّهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَقُلْ: إنَّهُ مِنْهُ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إلَيْهِ لَمْ يَحْتَجْ هُوَ إلَى لِعَانٍ إلَّا لِنَفْيِ النَّسَبِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ صَدَّقَتْهُ فِي الْقَذْفِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: مَا لَمْ يَأْتِ دُونَ ذَلِكَ مِنْ الزَّمَانِ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ فَلَا يَعْرِفُ أَنَّهُ مِنْهُ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَأْتِي مِنْ طُولِ الزَّمَانِ مَا يَزِيدُ عَلَى أَكْثَرِ أَمَدِ الْحَمْلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَشَكَّ حِينَئِذٍ أَنَّهُ مِنْهُ شَكًّا يَمْنَعُ إلْحَاقَهُ بِهِ أَوْلَى مِنْ نَفْيِهِ عَنْهُ، وَأَمَّا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ فَهَذَا الشَّكُّ مَعْدُومٌ بَلْ الظَّاهِرُ مَنْعُهُ لِثُبُوتِ حَقِّ الْفِرَاشِ لَهُ. (ش) : قَوْلُهُ: وَالْعَبْدُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي قَذْفِهِ وَلِعَانِهِ لَهَا حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْحُرِّ وَرَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لِعَانَ الْعَبْدِ كَالْحُرِّ فِي الْحُرَّةِ، وَالْأَمَةُ تَشْهَدُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَتُخَمِّسُ بِالْغَضَبِ، وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ حُدَّ لِلْحُرَّةِ أَرْبَعِينَ وَلَا يُحَدُّ لِلْأَمَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ حَدٌّ يُرِيدُ سَوَاءً كَانَ الْقَاذِفُ عَبْدًا أَوْ حُرًّا فَهَذَا اللَّفْظُ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الِاسْتِثْنَاءِ فَمَعْنَاهُ الْعَطْفُ عَلَى مَا مَضَى، وَالتَّفْسِيرُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ فِيهِ، وَإِنَّمَا بَيَّنَ أَنَّ حُكْمَ الْعَبْدِ حُكْمُ الْحُرِّ فِي قَذْفِ الْأَمَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا حُكْمُ كُلِّ مَنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا مِنْ الْكِتَابِيَّاتِ، فَإِنَّ الزَّوْجَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِقَذْفِهَا، فَإِنْ قَذَفَهَا بِرُؤْيَةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْ اللِّعَانِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُلَاعِنَ لِئَلَّا يَكُونَ مِمَّا ادَّعَاهُ مِنْ الْوَطْءِ وَلَدٌ يَلْحَقُ بِهِ نَسَبُهُ أَوْ لِيَلْحَقَ قَوْلُهُ: فَلَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْ نَفَى حَمْلَهَا، فَإِنَّمَا يُلَاعِنُ لِيَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ الْحَمْلَ، وَإِنْ لَمْ يُلَاعِنْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَاعَنَ لَزِمَ الْأَمَةَ أَنْ تُلَاعِنَ لِتَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَقَّ عَلَيْهَا الْقَذْفُ بِلِعَانِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ، وَأَمَّا الْكِتَابِيَّةُ فَلَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ بِالْتِعَانِ الزَّوْجِ وَلَهَا أَنْ تَلْتَعِنَ لِتَدْرَأَ عَنْ نَفْسِهَا عَارَ مَا قَدْ قُذِفَتْ بِهِ وَتَقْطَعَ عِصْمَةَ الزَّوْجِ عَنْهَا قَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ: إذَا لَاعَنَ الزَّوْجُ رُدَّتْ إلَى أَهْلِ دِينِهَا إنْ نَكَلَتْ عَنْ اللِّعَانِ، فَإِنْ لَمْ تَلْتَعِنْ فَقَدْ رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ هُمَا عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، فَإِنْ الْتَعَنَتْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَالْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ، وَالْحُرَّةُ، وَالْيَهُودِيَّةُ تُلَاعِنُ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ خَصَّ الْأَمَةَ بِالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ أَمَةً كِتَابِيَّةً، وَأَمَّا الْحُرَّةُ الْكِتَابِيَّةُ فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ إلَى ذِكْرِ الْحُرَّةِ فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنْ تُلَاعِنَ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ إذَا تَزَوَّجَ إحْدَاهُنَّ وَقَوْلُهُ: فَأَصَابَهَا لَيْسَتْ الْإِصَابَةُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ اللِّعَانِ وَلَا وُجُوبِهِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَمْ يَبْنِ بِهَا وَلَمْ يَخْلُ بِهَا حَتَّى أَتَتْ بِوَلَدٍ فَأَنْكَرَهُ إنَّهُ يُلَاعِنُ إذَا قَالَتْ: إنَّهُ يَغْشَاهَا وَأَمْكَنَ مَا قَالَتْ قَالَ سَحْنُونٌ مَعْنَاهُ أَنْ يُمْكِنَ

стр. 1115

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَالْعَبْدُ إذَا تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ، أَوْ الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ، أَوْ الْحُرَّةَ النَّصْرَانِيَّةَ أَوْ الْيَهُودِيَّةَ لَاعَنَهَا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُلَاعِنُ امْرَأَتَهُ فَيَنْزِعُ وَيُكْذِبُ نَفْسَهُ بَعْدَ يَمِينٍ أَوْ يَمِينَيْنِ مَا لَمْ يَلْتَعِنْ فِي الْخَامِسَةِ أَنَّهُ إذَا نَزَعَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَعِنَ جُلِدَ الْحَدَّ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، فَإِذَا مَضَتْ الثَّلَاثَةُ الْأَشْهُرُ قَالَتْ الْمَرْأَةُ أَنَا حَامِلٌ قَالَ: إنْ أَنْكَرَ زَوْجُهَا حَمْلَهَا لَاعَنَهَا) . ــ [المنتقى] إتْيَانُهُ إلَيْهَا وَأَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ يَوْمِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَمِنْ يَوْمِ إمْكَانِهِ إتْيَانَهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْفِرَاشَ قَدْ ثَبَتَ لَهُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَلَا يُنْفَى الْوَلَدُ إلَّا بِاللِّعَانِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَهُنَّ الْأَزْوَاجُ تَعَلَّقَ بِالْعُمُومِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَةَ الْأَمَةَ، أَوْ الْكِتَابِيَّةَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَلَمَّا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْحُرَّةِ، وَالْأَمَةِ، وَالْمُسْلِمَةِ وَغَيْرِهَا حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَلَوْ أَنَّ الصَّغِيرَ يَقْذِفُ زَوْجَتَهُ الْكَبِيرَةَ بِرُؤْيَةِ زِنًى لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ لِعَانٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يُلْحَقْ بِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْمُلَاعَنَةِ. (ش) : قَوْلُهُ: إنَّ الْعَبْدَ إذَا تَزَوَّجَ الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ، أَوْ الْحُرَّةَ النَّصْرَانِيَّةَ أَوْ الْيَهُودِيَّةَ لَاعَنَهَا يُرِيدُ أَنَّ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ فِي جَمِيعِهِنَّ لِيَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ حَمْلًا ظَهَرَ بِهَا أَوْ إنْ قَذَفَ بِرُؤْيَةٍ فَلْيَدْفَعْ عَنْ نَفْسِهِ النَّسَبَ الَّذِي تَتَوَقَّعُهُ مِمَّا ادَّعَاهُ مِنْ الرُّؤْيَةِ، وَأَمَّا فِي الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ فَيَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ أَيْضًا لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الْحَدَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بِقَذْفِهَا إنْ لَمْ يُلَاعِنْ، وَأَمَّا فِي الْأَمَةِ أَوْ الْكِتَابِيَّةِ الْحُرَّةِ فَلَا يُلَاعِنُ إلَّا لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ دَفْعِ النَّسَبِ دُونَ دَفْعِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ بِقَذْفِهِنَّ. (ش) : قَوْلُهُ ﵀: إنَّ مَنْ لَاعَنَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ نَزَعَ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ يَمِينٍ أَوْ يَمِينَيْنِ مَا لَمْ يَلْتَعِنْ فِي الْخَامِسَةِ جُلِدَ الْحَدَّ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا أَوْرَدَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ بَعْضَهَا، وَالْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ الْخَامِسَةِ الْوَاقِعَةِ مِنْهُ، فَإِنَّهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا عِنْدَهُ حُكْمَ إكْذَابِهِ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ هِيَ بِالْخَامِسَةِ، وَهَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِذَا لَاعَنَ الزَّوْجُ مِنْ نَفْيِ حَمْلٍ وَنَكَلَتْ هِيَ وَأَخَّرَ رَجْمَهَا حَتَّى تَضَعَ ثُمَّ أَكْذَبَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ تَضَعَ وَبَعْدَ أَنْ نَكَلَتْ فَإِنَّ لِعَانَهُ قَاطِعٌ لِعِصْمَتِهِ وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا وَتُرْجَمُ إذَا وَضَعَتْ، أَنْكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَأَمَّا مَنْ رَدَّ الْفِعْلَ إلَيْهَا فَقَالَ بَعْدَ يَمِينٍ أَوْ يَمِينَيْنِ يُرِيدُ مِنْ أَيْمَانِهَا وَقَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ هِيَ بِالْخَامِسَةِ فَهُوَ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ تَمَامِ لِعَانِهَا أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ بَاقِيَةٌ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ وَتَتَأَبَّدُ بِتَمَامِ لِعَانِهَا، وَأَمَّا الْحَدُّ فَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ مَتَى وَقَعَ تَكْذِيبُهُ نَفْسَهُ وَكَذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ الْوَلَدِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ نَفْسَهُ، فَإِنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ كَاذِبٌ فِي قَذْفِهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ، وَالثَّانِي أَنْ يَسْتَلْحِقَ الْوَلَدَ فَهَذَا يَكُونُ قَرِيبًا إنْ كَانَ قَذْفُهُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ قَذْفُهُ إيَّاهَا بِادِّعَاءِ رُؤْيَةِ الزِّنَى وَلَاعَنَ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ أَقَرَّ بِالْوَلَدِ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ: لَا يُحَدُّ وَكَذَلِكَ لَوْ لَاعَنَ عَلَى الرُّؤْيَةِ، وَإِنْكَارِ الْوَلَدِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى نَفْيِ الْوَلَدِ خَاصَّةً فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَيَلْحَقُ الْوَلَدُ بِهِ، وَجْهُ مَنْ قَالَهُ فِيمَنْ لَاعَنَ عَلَى الرُّؤْيَةِ ثُمَّ أَقَرَّ بِالْوَلَدِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي إقْرَارِهِ بِالْوَلَدِ تَكْذِيبٌ لِمَا لَاعَنَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ قَوْلِهِ فِيمَنْ لَاعَنَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ لَا يُحَدُّ أَنَّهُ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ بَقِيَ لِعَانُهُ مَحَلًّا لِلتَّصْدِيقِ، وَهُوَ رُؤْيَةُ الزِّنَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى يُكَذِّبَ جَمِيعَ مَا لَاعَنَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِعَانُهُ فَادَّعَى الرُّؤْيَةَ وَنَفْيَ الْوَلَدِ ثُمَّ أَقَرَّ بِالْوَلَدِ لَحُدَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ ﵀ فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ نَفَى حَمْلَهَا: إنَّهُ يُلَاعِنُ يُرِيدُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِمَا يَلِدْ لَهُ النِّسَاءُ لَحِقَ الزَّوْجَ سَوَاءٌ أَتَتْ بِهِ فِي الْعِدَّةِ، أَوْ بَعْدَهَا إلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ الزَّوْجُ فَيُلَاعِنُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: فَإِذَا مَضَتْ الثَّلَاثَةُ الْأَشْهُرِ قَالَتْ الْمَرْأَةُ: أَنَا حَامِلٌ خَصَّ الثَّلَاثَةَ الْأَشْهُرَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا

стр. 1116

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ يُلَاعِنُهَا زَوْجُهَا ثُمَّ يَشْتَرِيهَا إنَّهُ لَا يَطَؤُهَا، وَإِنْ مَلَكَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَرَاجَعَانِ أَبَدًا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ: إذَا لَاعَنَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَيْسَ لَهَا إلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ) . مِيرَاثُ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَقُولُ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدِ الزِّنَا إنَّهُ إذَا مَاتَ وَرِثَتْ أُمُّهُ حَقَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَإِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ وَيَرِثُ الْبَقِيَّةَ مَوَالِي أُمِّهِ إنْ كَانَتْ مَوْلَاةً، وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً وَرِثَتْ حَقَّهَا وَوَرِثَ إخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ وَكَانَ مَا بَقِيَ لِلْمُسْلِمِينَ قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلُ ذَلِكَ قَالَ قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْت أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا) . ــ [المنتقى] أَوَّلُ الْمُدَّةِ الَّتِي تَحُسُّ الْمَرْأَةُ فِيهَا بِالْحَمْلِ وَلِذَلِكَ يَخْتَصُّ بِهَا حُكْمُ الْعِدَّةِ دُونَ مَا قَصَرَ عَنْ ذَلِكَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: إذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ: إنِّي حَامِلٌ لَاعَنَ إنْ أَنْكَرَ الْحَمْلَ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي تَعَلُّقَ هَذَا الْحُكْمِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا دُونَ ظُهُورِ الْحَمْلِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ أَنْكَرَ حَمْلَهَا حِينَ ادَّعَتْ الْحَمْلَ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِنْكَارِ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ إذَا ظَهَرَ الْحَمْلُ، وَإِذَا وَلَدَتْ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَنْفِ الْحَمْلَ حِينَ ادِّعَائِهَا إيَّاهُ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِقْرَارِ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ بَعْدَ ذَلِكَ لِظُهُورِ حَمْلٍ وَلَا لِوِلَادَةٍ. (ش) : قَوْلُهُ ﵀ فِي الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ يُلَاعِنُهَا زَوْجُهَا ثُمَّ يَشْتَرِيهَا: إنَّهُ لَا يَطَؤُهَا يُرِيدُ أَنَّ كَمَالَ اللِّعَانِ بَيْنَهُمَا قَدْ أَبَّدَ تَحْرِيمَ الْوَطْءِ وَمَا لَا يُسْتَبَاحُ وَطْؤُهُ بِالزَّوْجِيَّةِ لَا يُسْتَبَاحُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، وَالنِّكَاحُ أَبْلَغُ فِي إبَاحَةِ الْوَطْءِ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ النِّكَاحِ الْوَطْءُ وَلَيْسَ مَقْصُودُ الْمِلْكِ الْوَطْءَ وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ لَا يَسْتَبِيحُ وَطْأَهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبْقِيَ عَلَى زَوْجَتِهِ الْمُلَاعَنَةِ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْلِكَ مَنْ لَا يَسْتَبِيحُ وَطْأَهَا وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْلِكَ الَّتِي قَدْ لَاعَنَهَا فَإِذَا لَمْ يَسْتَبِحْ وَطْءَ الْمُلَاعَنَةِ بِالنِّكَاحِ الَّذِي مَقْصُودُهُ الْوَطْءُ فَبِأَنْ لَا يَسْتَبِيحَ ذَلِكَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَوْلَى وَأَحْرَى. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَوْلُهُ ﵀: وَذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا لَعَلَّهُ يُرِيدُ بِالسُّنَّةِ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِلْمُلَاعِنِ: لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا» وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَا مَضَى بِهِ مِنْ الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ إلَى هَلُمَّ جَرًّا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ أَنَّ كُلَّ مُتَلَاعِنَيْنِ تَثْبُتُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجَةِ عَلَى قَذْفِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَعْدَ تَكْذِيبِهِ لِنَفْسِهِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى حُكْمِ الْقَذْفِ. (ش) : قَوْلُهُ ﵀: إنَّ مَنْ لَاعَنَ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لِرُؤْيَةٍ أَوْ نَفْيِ حَمْلٍ، فَإِنْ كَانَ لِرُؤْيَةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ، وَإِنْ كَانَ لِنَفْيِ حَمْلٍ، فَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا بِالتَّلَاعُنِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ زَوْجَةٍ، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَحِقَ إلَّا أَنْ تُلَاعِنَ وَهَلْ يُلَاعِنُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (فَصْلٌ) : وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: تَزَوَّجْت مُنْذُ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ وَقَالَتْ هِيَ تَزَوَّجْتُ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَبِهَا حَمْلٌ فَلَا بُدَّ مِنْ اللِّعَانِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الزَّوْجِ فَلَا يَنْفِيهِ إلَّا بِلِعَانٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: إنَّ لَهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ عَلَى مَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِسَبَبِ الزَّوْجِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُعْلَمُ بِهِ صِدْقُهُ كَالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ إنَّهُ لَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ فَسْخٌ قَبْلَ الْبِنَاءِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا سُكْنَى لَهَا وَلَا مُتْعَةَ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَمَا تَدَّعِيهِ مِنْ الْوَطْءِ لَا يُوجِبُ لَهَا تَكْمِيلَ الصَّدَاقِ وَلَا السُّكْنَى مَعَ إنْكَارِ الزَّوْجِ كَالنِّصْفِ الثَّانِي مِنْ الصَّدَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مِيرَاثُ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ] (ش) : قَوْلُهُ ﵀: إنَّ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ

стр. 1117

طَلَاقُ الْبِكْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ أَنَّهُ طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا فَجَاءَ يَسْتَفْتِي فَذَهَبْتُ مَعَهُ أَسْأَلُ لَهُ فَسَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا: لَا نَرَى أَنْ تَنْكِحَهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَك قَالَ: فَإِنَّمَا طَلَاقِي إيَّاهَا وَاحِدَةً فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّكَ أَرْسَلْتَ مِنْ يَدِك مَا كَانَ لَك مِنْ فَضْلٍ) . ــ [المنتقى] وَوَلَدَ الزِّنَا تَرِثُ أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ نَسَبُهُ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي إلْحَاقِهِ بِهَا إلَى عَقْدِ النِّكَاحِ فَلِذَلِكَ لَا يَنْتَفِي عَنْهَا بِلِعَانٍ وَلَا إقْرَارٍ بِزِنًا وَلَا تَحَقُّقِهِ، وَإِنَّمَا يَنْتَفِي عَنْ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ إلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ فَلِذَلِكَ صَحَّ انْتِفَاؤُهُ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ أَصْلُ التَّوَارُثِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ لَبَطَلَ كُلُّ مِيرَاثٍ بِسَبَبِهِ وَلَمَا ثَبَتَ مِيرَاثُ الْأُمِّ مَعَ اللِّعَانِ، وَالزِّنَا ثَبَتَ كُلُّ مِيرَاثٍ بِسَبَبِهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵀ فِي كِتَابٍ يَقْتَضِي أَنَّ عُمُومَ آيَاتِ التَّوَارُثِ يَتَنَاوَلُهُمْ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَوَرِثَ الْبَقِيَّةَ مَوَالِي أُمِّهِ إنْ كَانَتْ مَوْلَاةً، وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً فَبَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَوْلَاةً وَوَرِثَ بِالْوَلَاءِ كُلُّ مَنْ تَلِدُهُ فَمَوَالِي أُمِّهِ مَوَالِي كُلِّ مَنْ تَلِدُهُ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ مَنْ يَرِثُ إلَّا الْأُمُّ، وَالْإِخْوَةُ وَلَا يُحِيطُونَ بِالْمِيرَاثِ فَالْبَاقِي مَوْرُوثٌ بِالْوَلَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً فَلِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ الْأُبُوَّةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ مَا فَضَلَ عَنْ الْفُرُوضِ وَلَا تُورَثُ بِالْوَلَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [طَلَاقُ الْبِكْرِ] (ش) : قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ لِلَّذِي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لَا نَرَى أَنْ تَنْكِحَهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَك تَصْرِيحٌ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ عَلَى غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَعَلَى ذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَمَالِكٌ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ طَاوُسٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَعَطَاءٌ: هِيَ وَاحِدَةٌ سَوَاءٌ وَقَعَ ذَلِكَ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَلْفَاظٍ مُتَتَابِعَةٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّ إيقَاعُهُ الطَّلْقَةَ الْوَاحِدَةَ عَلَيْهَا صَحَّ أَنْ يُكْمِلَ لَهَا الثَّلَاثَ كَالْمَدْخُولِ بِهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ السَّائِلِ: إنَّمَا طَلَاقِي إيَّاهَا وَاحِدَةً يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ إنَّمَا أَوْقَعَهَا فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَيَجْمَعُ ذَلِكَ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ إذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَزِمَتْهُ الثَّلَاثُ، وَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ لَزِمَتْهُ الْوَاحِدَةُ دُونَ الثِّنْتَيْنِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ مَالِكٌ: تَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ إذَا اتَّصَلَ كَلَامُهُ وَلَمْ يَنْفَصِلْ؛ لِأَنَّ كُلَّ كَلَامٍ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْعَطْفُ عَلَيْهِ كَطَلَاقِ الْمَدْخُولِ بِهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَمَنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا قَبْلَ الْبِنَاءِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، وَهُوَ يَرَى ذَلِكَ حَلَالًا، فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا إنْ دَخَلَ بِهَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَقَالَ النَّخَعِيُّ: لَهَا مَهْرٌ وَنِصْفٌ؛ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ أَضْعَفُ مِنْ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ بِالْمَسِيسِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ إلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ فَكَذَلِكَ فِي الْفَاسِدِ وَلِأَنَّ الْوَطْءَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ مُسْتَنِدٌ إلَى الْعَقْدِ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ مَا لَا يَجِبُ بِالْعَقْدِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ إبْرَاهِيمُ أَنَّ لَهُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي الَّذِي يَعْقُبُهُ الطَّلَاقُ وَنِصْفُ الصَّدَاقِ وَلَهُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي صَدَاقٌ كَامِلٌ بِمَا أَفْرَدَ بِهِ الدُّخُولَ فَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ

стр. 1118

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بِكِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا قَالَ عَطَاءٌ فَقُلْت: إنَّمَا طَلَاقُ الْبِكْرِ وَاحِدَةٌ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إنَّمَا أَنْتَ قَاصٌّ الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُكَيْر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ فَجَاءَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ إيَاسِ بْنُ الْبُكَيْرِ فَقَالَ: إنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَمَاذَا تَرَيَانِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: هَذَا الْأَمْرُ مَا لَنَا فِيهِ قَوْلٌ فَاذْهَبْ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنِّي تَرَكَتْهُمَا عِنْدَ عَائِشَةَ فَسَلْهُمَا ثُمَّ ائْتِنَا فَأَخْبِرْنَا فَذَهَبَ فَسَأَلَهُمَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَدْ جَاءَتْك مُعْضِلَةٌ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) . ــ [المنتقى] وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُ عَطَاءٍ لِلسَّائِلِ، وَقَدْ طَلَّقَ ثَلَاثًا: إنَّمَا طَلَاقُ الْبِكْرِ وَاحِدَةٌ يَحْتَمِلُ أَحَدَ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَ إلَّا وَاحِدَةً، أَوْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَلْحَقَهَا إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى نَفْيِ الْجَوَازِ، وَالْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ الْمَدْخُولِ بِهَا مَعَ أَنَّ جَوَابَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَا تَلْحَقُهَا إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ أَوْقَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ عَطَاءٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إنَّمَا أَنْتَ قَاصٌّ بِمَعْنَى إنَّك مِمَّنْ لَا يُفْتِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا يَعْرِفُ حُكْمَهَا، وَإِنَّ رُتْبَتَك أَنْ تَقُصَّ عَلَى النَّاسِ دُونَ أَنْ تُفْتِيَ ثُمَّ أَظْهَرَ مَا عِنْدَهُ مِنْ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ مِمَّا يُخَالِفُ قَوْلَ عَطَاءٍ فَقَالَ لَهُ: إنَّ الطَّلْقَةَ الْوَاحِدَةَ تُبِينُهَا يُرِيدُ مِنْ الزَّوْجِ فَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا، وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الثَّلَاثَ تَقَعُ عَلَيْهَا وَلِذَلِكَ لَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، وَإِنَّ حُكْمَ مَنْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا عِنْدِي غَيْرُ حُكْمِ مَنْ طَلُقَتْ عَلَيْهِ وَاحِدَةً. (ش) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: إنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَا لَنَا فِيهِ قَوْلٌ إقْرَارٌ مِنْهُ بِالْحَقِّ وَتَوَقُّفٌ عَنْ الْفَتْوَى فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ صَوَابُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ أَنْ يَلْزَمَهُ كُلُّ ذِي دِينٍ أَنْ يَقُولَ إذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ: لَا أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إذَا أَخْطَأَ الْعَالِمُ لَا أَدْرِي أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ وَأَمَرَ السَّائِلَ أَنْ يَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمَا، أَوْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ فَيُخْبِرَهُ بِقَوْلِهِمَا لِيُسَهِّلَ لَهُ ذَلِكَ طَرِيقَ النَّظَرِ فِي الصَّوَابِ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الْعَالِمِ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ يُسَهِّلُ لَهُ طَرِيقَ النَّظَرِ وَيُعِينُهُ عَلَيْهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَدْ جَاءَتْك مُعْضِلَةٌ إخْبَارٌ عَنْ خَفَاءِ الْمَسْأَلَةِ عَلَيْهِ وَتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَى وَجْهِ الصَّوَابِ فِيهَا يُقَالُ: أَعْضَلَ الْأَمْرُ إذَا أَعْيَا وَجْهُ تَنَاوُلِهِ فَقَدَّمَ أَبَا هُرَيْرَةَ فِي الْفَتْوَى بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَهُ بِتَعَذُّرِ تَبْيِينِهَا وَمَعْرِفَةِ وَجْهِ الصَّوَابِ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ مَا يَصِيرُ إلَيْهِ، أَوْ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْوُصُولِ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِهَا فَلَمَّا وَافَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ الصَّوَابَ فِيهَا وَقَالَ: الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ لِتَبَيُّنِ وَجْهِ الصَّوَابِ لَهُ. وَقَدْ رَوَى طَاوُسٌ وَعَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: هِيَ وَاحِدَةٌ فَلَعَلَّهُ كَانَ يَقُولُ بِذَلِكَ حَتَّى سَمِعَ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابُ فِيهِ فَرَجَعَ إلَى الْقَوْلِ بِهِ. وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ أَنَّ السَّائِلَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ كَانَ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ، وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ لَمَّا أَفْتَى بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ

стр. 1119

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَالثَّيِّبُ إذَا مَلَكَهَا الزَّوْجُ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الْبِكْرِ الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) . طَلَاقُ الْمَرِيضِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: وَكَانَ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ مَرِيضٌ فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِنْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا) . ــ [المنتقى] زَيَّنْتهَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَوْ نَوَّرْتهَا أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا يَعْنِي أَنَّهُ أَصَابَ. (ش) : قَوْلُهُ ﵀: إنَّ الثَّيِّبَ كَالْبِكْرِ فِي ذَلِكَ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِبَكَارَتِهَا، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا، فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا زَوْجُهَا فَحُكْمُهَا فِي الْوَاحِدَةِ حُكْمُ الْبِكْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [طَلَاقُ الْمَرِيضِ] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الْمَرَضِ الَّذِي بِهِ يَبْقَى حُكْمُ مِيرَاثِ الْمُطَلَّقَةِ] (ش) : قَوْلُهُ: إنَّ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ كَانَ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ أَعْلَمَهُمْ بِحُكْمِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَمَا جَرَى فِيهَا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِنْ صِفَةِ الطَّلَاقِ وَلِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مِنْ الْحُكْمِ مِنْ سَائِرِ الرُّوَاةِ لِذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ مَرِيضٌ يُرِيدُ أَنَّ طَلَاقَهُ إيَّاهَا كَانَ أَلْبَتَّةَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى إبَاحَةَ ذَلِكَ، أَوْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فِي آخِرِ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ فَكَانَتْ تِلْكَ الطَّلْقَةُ بَتَّةً؛ لِأَنَّهَا بِهَا تَبِينُ عَنْهُ، وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ وَرَّثَهَا مِنْهُ وَفِي ذَلِكَ بَابَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي صِفَةِ الْمَرِيضِ وَمَا يَلْحَقُ بِهِ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي تَجْرِي مَجْرَاهُ فِي بَقَاءِ حُكْمِ الْمِيرَاثِ، وَ الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ طَلَاقِ الْمَرِيضِ . (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الْمَرَضِ الَّذِي بِهِ يَبْقَى حُكْمُ مِيرَاثِ الْمُطَلَّقَةِ) قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنَّ كُلَّ مَرَضٍ يُقْعِدُ صَاحِبَهُ عَنْ الدُّخُولِ، وَالْخُرُوجِ، وَإِنْ كَانَ جُذَامًا أَوْ بَرَصًا، أَوْ فَالِجًا، فَإِنَّهُ يُحْجَبُ فِيهِ عَنْ مَالِهِ، وَإِنْ طَلَّقَ فِيهِ زَوْجَتَهُ وَرِثَتْهُ وَلَيْسَ لِلْقُوَّةِ، وَالرِّيحِ، وَالرَّمَدِ وَكَذَلِكَ إذَا صَحَّ الْبَدَنُ وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ الْفَالِجِ، وَالْبَرَصِ، وَالْجُذَامِ يَصِحُّ مَعَهُ بَدَنُهُ وَيَتَصَرَّفُ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي الزَّاحِفِ فِي الصَّفِّ أَنَّهُ كَالْمَرِيضِ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ فَأَمَّا مَا نَالَتْهُ شِدَّةٌ فِي الْبَحْرِ فَلَمْ يَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ كَالْمَرِيضِ وَأَرَاهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ أَشْهَبُ: هُوَ كَالْمَرِيضِ وَجْهُ الْقَوْلِ أَنَّ الْمَخَافَةَ مِنْ شِدَّةِ الْبَحْرِ لَمْ تَتَعَيَّنْ وَلَا وُجِدَ سَبَبُ الْعَطَبِ؛ لِأَنَّ الْعَطَبَ إنَّمَا يَكُونُ بِانْكِسَارِ الْمَرْكَبِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الزَّاحِفِ فِي الْقِتَالِ، فَإِنَّمَا هُوَ الْبَحْرُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَخَافَةِ فِي مَوْضِعٍ مَخُوفٍ وَلَمْ يُرَ بَعْدُ، وَالْوُقُوفُ فِي الْمُعَسْكَرِ مَعَ مُعَايَنَةِ الْعَدُوِّ دُونَ مُبَاشَرَةِ حَرْبٍ وَلَا يَقْرَبُ مِنْهُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ فِي حَالَةِ مَخَافَةٍ عَلَى نَفْسِهِ يَتَكَرَّرُ مِنْهَا الْهَلَاكُ فَلَمْ تَمْنَعْ صِحَّةُ جِسْمِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمَرِيضِ فِي مَالِهِ كَالزَّاحِفِ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ طَلَاقِ الْمَرِيضِ] ١ (الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ طَلَاقِ الْمَرِيضِ) مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِهِ وَرِثَتْهُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَبَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ إذَا اتَّصَلَ مَرَضُهُ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: إنَّ الْمَبْتُوتَةَ فِي الْمَرَضِ لَا تَرِثُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا مُحَمَّدٍ قَالَ: إنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمْ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا فُرْقَةٌ فِي حَالِ مَنْعِ تَصَرُّفِهِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ الثُّلُثِ فَلَمْ يَقْطَعْ مِيرَاثَ الزَّوْجَةِ كَالْمَوْتِ وَلِأَنَّ لِلتُّهْمَةِ تَأْثِيرًا فِي الْمِيرَاثِ بِدَلِيلِ مَنْعِ الْقَاتِلِ الْمِيرَاثَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ طَلَّقَهَا بِنُشُوزٍ مِنْهَا أَوْ لِعَانٍ، أَوْ خُلْعٍ، فَإِنَّ حُكْمَ الْمِيرَاثِ بَاقٍ

стр. 1120

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ الْأَعْرَجِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَرَّثَ نِسَاءَ ابْنِ مُكَمِّلٍ مِنْهُ وَكَانَ طَلَّقَهُنَّ، وَهُوَ مَرِيضٌ) . (ص) : (مَالِكٌ إنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ سَأَلَتْهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَقَالَ: إذَا حِضْت ثُمَّ طَهُرْت فَآذِنِينِي فَلَمْ تَحِضْ حَتَّى مَرِضَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَلَمَّا طَهُرَتْ آذَنَتْهُ ــ [المنتقى] لَهَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ وَرَّثَ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَقَدْ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْإِذْنَ لَا يَسْقُطُ فِي مِيرَاثِ الْوَارِثِ كَمَا لَوْ أَذِنَ الِابْنُ لِأَبِيهِ فِي إخْرَاجِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ، فَإِنْ ارْتَدَّ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ فَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ لَمْ تَرِثْهُ؛ لِأَنَّ بِارْتِدَادِهِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا، وَرُجُوعُهُ إلَى الْإِسْلَامِ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ طَلَّقَ أَلْبَتَّةَ فِي صِحَّتِهِ لَمْ يُصَدَّقْ وَوَرِثَتْهُ امْرَأَتُهُ إذَا أَنْكَرَتْ ذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ يَدَّعِي مَا يُسْقِطُ مِيرَاثَهَا وَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ فِي حَالَةٍ لَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ مَاتَ فَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّ الزَّوْجَ كَانَ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ فِي صِحَّةٍ فَقَدْ جَعَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ كَالْمُطَلِّقِ فِي الْمَرَضِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا يَقَعُ يَوْمَ الْحُكْمِ، وَلَوْ وَقَعَ يَوْمَ الْقَوْلِ لَكَانَ فِيهِ هَذَا الْحَدُّ إذَا أَنْكَرَ الطَّلَاقَ وَأَقَرَّ بِالْوَطْءِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ طَلَّقَ فِي صِحَّتِهِ طَلْقَةً ثُمَّ مَرِضَ فَأَرْدَفَهَا فِي صِحَّتِهِ ثَانِيَةً ثُمَّ مَاتَ فَلَهَا الْمِيرَاثُ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا مِنْ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ ارْتَجَعَ مِنْ الْأَوَّلِ انْفَسَخَتْ الْعِدَّةُ ثُمَّ إنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَرَضِ كَانَ لِهَذَا الطَّلَاقِ حُكْمُهُ فَوَرِثَتْهُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ طَلَّقَ زَوْجَةً نَصْرَانِيَّةً، أَوْ أَمَةً فِي مَرَضِهِ ثُمَّ أَسْلَمَتْ النَّصْرَانِيَّةُ وَأُعْتِقَتْ الْأَمَةُ بَعْدَ الْعِدَّةِ وَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ وَرِثَتَاهُ رَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا تَرِثَانِهِ وَلَا يُتَّهَمُ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ إلَّا أَنْ يُطَلِّقَ وَاحِدَةً وَتَمُوتَ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَتْ هَذِهِ وَعَتَقَتْ هَذِهِ فَتَرِثَانِهِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَاتَ وَحُرْمَتُهُمَا وَاحِدَةٌ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَ فِي الْمَرَضِ فَثَبَتَ الْمِيرَاثُ لِلْمَرْأَةِ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُسْلِمَةً حِينَ الطَّلَاقِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَارِثَةً حِينَ طَلَّقَهَا فَلَمْ يَقْتَضِ بُطْلَانُهُ إيَّاهَا إخْرَاجَهَا مِنْ الْمِيرَاثِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ فَمَرِضَ الْحَالِفُ ثُمَّ حَنِثَ فِي مَرَضِهِ وَمَاتَ مِنْهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَرِثُهُ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: إنْ كَانَ بَيِّنَ الْمِلْكَ فَلَمْ يَقْضِهِ فَامْرَأَتُهُ تَرِثُهُ كَالْمُطَلِّقِ فِي الْمَرَضِ، وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا فَطَرَأَ لَهُ مَالٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى مَاتَ فَقَدْ حَنِثَ وَلَا تَرِثُهُ وَقَالَ سَحْنُونٌ عَنْ أَبِيهِ: لَا أَعْرِفُ هَذَا وَلَا أَرَاهُ وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّهَا تَرِثُهُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ وَقَعَ فِي الْمَرَضِ؛ وَجْهُ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَلِمَ بِهِ فَلَمْ يَقْصِدْ طَلَاقَهَا وَلَا إخْرَاجَهَا مِنْ الْمِيرَاثِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَرِثْهُ، وَوَجْهُ مَا قَالَ سَحْنُونٌ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ مُرَاعَاةِ وَقْتِ الطَّلَاقِ لَا وَقْتِ إيقَاعِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ كَانَ الْحِنْثُ مِنْ سَبَبِهَا مِثْلُ أَنْ يَحْلِفَ، وَهُوَ صَحِيحٌ بِطَلَاقِهَا إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ فَدَخَلَتْهَا وَهُوَ مَرِيضٌ قَاصِدَةً إلَى طَلَاقِهِ فَهِيَ طَالِقٌ وَلَا مِيرَاثَ لَهَا رَوَاهُ زِيَادُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مَالِكٍ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا تَرِثُهُ؛ وَجْهُ الْقَوْلَيْنِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. (ش) : قَوْلُهُ وَرَّثَ نِسَاءَ ابْنِ مُكَمِّلٍ مِنْهُ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُكَمِّلٍ الْمَدَنِيَّ الْأَعْشَى وَكَانَ طَلَّقَهُنَّ، وَهُوَ مَرِيضٌ يُرِيدُ الْمَرَضَ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ وَلَا يُعْلَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ هَلْ تُوُفِّيَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزٍ أَنَّ نَسَائِهِ كُنَّ ثَلَاثًا إحْدَاهُنَّ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ فَارِطٍ، وَأَنَّهُ طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي فَالِجٍ أَصَابَهُ ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ طَلَاقِهِ إيَّاهُمَا سِنِينَ، وَأَنَّهُمَا وَرِثَتَاهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُنَّ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَطَلَّقَهَا، وَهُوَ مَرِيضٌ، أَوْ مَنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَتَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ تَرِثُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: لَا تَرِثُ الْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَا بَعْدَ الْعِدَّةِ، وَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ فِي الْمَرَضِ فَوَرِثَتْهُ مَعَ سَلَامَةِ الْحَالِ كَمَا لَوْ مَاتَ فِي الْعِدَّةِ.

стр. 1121

فَطَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ أَوْ تَطْلِيقَةً لَمْ يَكُنْ بَقِيَ لَهُ عَلَيْهَا مِنْ الطَّلَاقِ غَيْرُهَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَوْمَئِذٍ مَرِيضٌ فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِنْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ جَدِّي حِبَّانَ امْرَأَتَانِ: هَاشِمِيَّةٌ، وَأَنْصَارِيَّةٌ فَطَلَّقَ الْأَنْصَارِيَّةَ وَهِيَ تُرْضِعُ فَمَرَّتْ بِهَا سَنَةٌ ثُمَّ هَلَكَ وَلَمْ تَحِضْ فَقَالَتْ: أَنَا أَرِثُهُ لَمْ أَحِضْ فَاخْتَصَمَتَا إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَضَى لَهَا بِالْمِيرَاثِ فَلَامَتْ الْهَاشِمِيَّةُ عُثْمَانَ فَقَالَ: هَذَا عَمَلُ ابْنِ عَمِّك هُوَ أَشَارَ عَلَيْنَا بِهَذَا يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: إذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، وَهُوَ مَرِيضٌ، فَإِنَّهَا تَرِثُهُ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لَمَّا سَأَلَتْهُ امْرَأَتُهُ الطَّلَاقَ: إذَا حِضْت ثُمَّ طَهُرْت فَآذِنِينِي مُرَاعَاةً لِسُنَّةِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ أَصَابَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ وَسُنَّةُ الطَّلَاقِ أَنْ يُطَلِّقَ فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ وَلَا يَعْقُبُ حَيْضًا طَلَّقَ فِيهِ وَيُقَالُ: إنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ تَمَاضُرُ بِنْتُ الْأَصْبَغِ أُمُّ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَلَمْ تَبْلُغْ الْوَقْتَ الَّذِي رَسَمَهُ لَهَا حَتَّى مَرَضِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَلَمَّا آذَنَتْهُ بِذَلِكَ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا إمَّا أَنَّهُ جَمَعَ الثَّلَاثَ إنْ كَانَ يَرَى إبَاحَةَ ذَلِكَ، أَوْ طَلَّقَ آخِرَ طَلْقَةٍ بَقِيَتْ لَهُ فِيهَا، وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ الرَّاوِي. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِنْهُ يَقْتَضِي أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ وَرَّثَ نِسَاءَ الْمُطَلِّقِ فِي الْمَرَضِ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ الطَّلَاقِ مِنْ فِعْلِهِنَّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزَّوْجَةَ هِيَ سَأَلَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ الطَّلَاقَ وَرَغَّبَتْهُ، وَقَدْ وَرَّثَهَا عُثْمَانُ مَعَ ذَلِكَ، وَقَدْ جَعَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِعْلَ عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ إمَامٌ حَكَمَ فِي قَضِيَّةِ رَجُلٍ مَشْهُورٍ أَحَدِ الْعَشَرَةِ وَمِثْلُ هَذَا يَنْتَشِرُ قَضَاؤُهُ بِهِ فِي الْأَمْصَارِ وَيُنْقَلُ إلَى الْآفَاقِ فَلَمْ يَتَحَصَّلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى تَصْوِيبِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِنْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْحُكْمِ لَهَا بِالْمِيرَاثِ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْعِدَّةُ، وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي الْوَفَاةِ الَّتِي اسْتَحَقَّ بِهَا الْمِيرَاثَ، وَإِذَا كَانَتْ بَائِنًا مِنْهُ وَرَّثَهَا مَعَ ذَلِكَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُتَوَفَّى فِي الْعِدَّةِ، أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ تَرِثُ مُطَلَّقَةً بَائِنًا مُتَوَفًّى فِي عِدَّةٍ فَحُكْمُهَا وَحُكْمُ الَّتِي قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. (ش) : قَوْلُهُ: فَطَلَّقَ الْأَنْصَارِيَّةَ وَهِيَ تُرْضِعُ فَتُوُفِّيَ فَانْقَضَتْ سَنَةٌ وَلَمْ تَحِضْ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْأَنْصَارِيَّةَ لَمْ تَحِضْ لِأَجْلِ الرَّضَاعِ حَتَّى تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، وَذَلِكَ أَنَّ ارْتِفَاعَ حَيْضِ الْمُطَلَّقَةِ يَكُونُ لِسَبَبٍ مَعْرُوفٍ وَلِغَيْرِ سَبَبٍ مَعْرُوفٍ: فَأَمَّا مَا كَانَ لِسَبَبٍ مَعْرُوفٍ فَكَالرَّضَاعِ، وَالْمَرَضِ، فَإِنْ تَأَخَّرَ لِلرَّضَاعِ، فَإِنَّهَا لَا تَعْتَدُّ إلَّا بِالْأَقْرَاءِ طَالَ الْوَقْتُ، أَوْ قَصُرَ، وَقَدْ احْتَجَّ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ: فَإِنَّ حِبَّانَ بْنَ مُنْقِذٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ فَمَكَثَتْ نَحْوَ سَنَةٍ لَا تَحِيضُ لِأَجْلِ الرَّضَاعِ ثُمَّ مَرِضَ فَخَافَ أَنْ تَرِثَهُ إنْ مَاتَ فَخَاصَمَهَا إلَى عُثْمَانَ وَعِنْدَهُ عَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ لَهُمَا: مَا تَرَيَانِ فَقَالَا: لَا نَرَى أَنَّهَا تَرِثُهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقَوَاعِدِ اللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ وَلَا مِنْ اللَّائِي يَحِضْنَ فَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى حِيَاضِهَا مَا كَانَ لَمْ يَمْنَعْهَا إلَّا الرَّضَاعُ فَانْتَزَعَ حِبَّانُ ابْنَهُ فَلَمَّا حَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ مَاتَ حِبَّانُ فَوَرِثَتْ مِنْهُ وَاعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: فَأَجْمَعُوا أَنَّ التَّأْخِيرَ بِالرَّضَاعِ لَا يُسَوِّغُ الِاعْتِدَادَ بِغَيْرِ الْحَيْضِ وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ لَمْ يَحِضْ وَلَا مِمَّنْ يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْعَادَةَ الْمُسْتَقِرَّةُ بِأَنَّ الرَّضَاعَ يُؤَثِّرُ فِي تَأْخِيرِ الْحَيْضِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ رِيبَةً، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ رِيبَةً وَجَبَ انْتِظَارُ زَوَالِهِ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْحَيْضِ إذْ هِيَ مِمَّنْ تَحِيضُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: هَذَا عَمَلُ ابْنِ عَمِّك هُوَ أَشَارَ عَلَيْنَا بِهَذَا أَرَادَ تَطْيِيبَ نَفْسِهَا بِأَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ وَلَامَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ إلَّا بَعْدَ مُشَاوَرَةِ الْعُلَمَاءِ، وَأَنَّ ابْنَ عَمِّهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي لَا تَشُكُّ هِيَ فِي إشْفَاقِهِ عَلَيْهَا

стр. 1122

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ طَلَّقَهَا، وَهُوَ مَرِيضٌ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَلَهَا الْمِيرَاثُ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ، وَالْمِيرَاثُ قَالَ مَالِكٌ: الْبِكْرُ، وَالثَّيِّبُ فِي هَذَا عِنْدَنَا سَوَاءٌ) . مَا جَاءَ فِي مُتْعَةِ الطَّلَاقِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ فَمَتَّعَ بِوَلِيدَةٍ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ إلَّا الَّتِي تَطْلُقُ، وَقَدْ فُرِضَ لَهَا صَدَاقٌ وَلَمْ ــ [المنتقى] وَإِرَادَتِهِ الْخَيْرَ لَهَا هُوَ مِمَّنْ أَفْتَى بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا، وَهُوَ مَرِيضٌ: إنَّ لَهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ ابْنُ شِهَابٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالنَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا فَلَمْ يَكُنْ لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا كَمَا لَوْ طَلَّقَ فِي الصِّحَّةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: لَهَا فِي الْمِيرَاثِ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَالْمِيرَاثِ خِلَافًا لِلزُّهْرِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُطَلِّقٌ فِي الْمَرَضِ لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ فِيهِ لَكَانَ لَهَا الْمِيرَاثُ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا إسْقَاطُ مِيرَاثِهَا بِالطَّلَاقِ كَاَلَّذِي دَخَلَ بِهَا. (فَرْقٌ) : وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَكْمِيلِ الصَّدَاقِ، وَالْمِيرَاثِ أَنَّ الصَّدَاقَ عِوَضٌ فِي مُعَاوَضَتِهِ وَنِصْفُهُ يَجِبُ بِالْعَقْدِ فَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُهُ وَنِصْفُهُ يَجِبُ بِالدُّخُولِ أَوْ بِالْمَوْتِ عَلَى حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ وَلَهُ إبْطَالُ ذَلِكَ بِالطَّلَاقِ، وَأَمَّا الْمِيرَاثُ فَهُوَ قَدْ تَعَيَّنَ لَهَا بِعِوَضِهِ تَسْتَحِقُّ اسْتِيفَاءَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا إسْقَاطُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا خِلَافًا لِلْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: لَهَا الصَّدَاقُ، وَالْمِيرَاثُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ؛ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ لَمْ يَبْنِ بِهَا فَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْمَرَضِ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الْمِيرَاثِ دُونَ الْعِدَّةِ وَلِذَلِكَ لَوْ طَلَّقَهَا حَالَ الْمَرَضِ فَتُوُفِّيَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، أَوْ كَانَ طَلَاقُهُ بَائِنًا لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَكَانَ لَهَا الْمِيرَاثُ. [مَا جَاءَ فِي مُتْعَةِ الطَّلَاقِ] (ش) : قَوْلُهُ: طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ فَمَتَّعَ بِوَلِيدَةٍ يُرِيدُ أَعْطَاهَا إيَّاهَا بِأَثَرِ طَلَاقِهِ إيَّاهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُتْعَةِ فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْمُطَلِّقُ وَلَا يُحْكَمُ بِهَا عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ: إنَّهَا لَحَقٌّ عَلَى الزَّوْجِ وَلَا يَقْضِي بِهَا عَلَيْهِ وَلْيُحَرِّضْهُ السُّلْطَانُ عَلَيْهَا وَلَا تُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ بِهَا وَهِيَ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ لَا تَرُدُّ شَيْئًا مِمَّا أَخَذَتْ وَهِيَ عَلَى الْمَوْلَى إذَا طَلَّقَ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ سَلِمَ مِنْ نِهَايَةِ الْمُقَابَحَةِ وَارْتِجَاعِ شَيْءٍ مِنْ الزَّوْجَةِ فَأَمَّا مَنْ تَرُدُّ شَيْئًا مِمَّا أَخَذَتْ فَكَيْفَ يُزَادُ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْمُفَارَقَةُ عَنْ مُقَابَحَةٍ كَالْمُلَاعَنَةِ فَلَا مُتْعَةَ لَهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: لِأَنَّ الْمُتْعَةَ تَسْلِيَةٌ عَنْ الْفِرَاقِ، وَالْمَلَاعِنُ لَا يُرِيدُ تَسْلِيَةَ مَنْ لَاعَنَ مِنْ الزَّوْجَاتِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَاَلَّتِي لَمْ يُسَمِّ لَهَا الصَّدَاقَ إذَا دَخَلَ بِهَا لَهَا الْمُتْعَةُ كَاَلَّتِي سَمَّى لَهَا وَدَخَلَ بِهَا، وَالصَّدَاقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَزِعُ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَا فَارَقَتْ عَنْ نِهَايَةِ مُقَابَحَةٍ فَكَانَ لَهَا الْمُتْعَةُ كَاَلَّتِي سَمَّى لَهَا وَدَخَلَ بِهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ بِهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا قَبْلَ أَنْ يُمَتِّعَهَا فَلَا مُتْعَةَ لَهَا قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ؛ لِأَنَّ الْمُتْعَةَ تَسْلِيَةٌ عَنْ الْفِرَاقِ، وَالتَّسْلِيَةُ بِالِارْتِجَاعِ أَعْظَمُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ رَبِيعَةُ: إنَّمَا الْمُتْعَةُ لِمَنْ لَا رَدَّ لَهُ عَلَيْهَا يُرِيدُ لِمَنْ لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَاَلَّتِي لَهُ رَجْعَةٌ فَلَمْ تَرْتَجِعْ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ فَقَدْ صَارَتْ فِي حُكْمِ مَنْ لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَذَكَرَ فَضْلُ بْنُ مَسْلَمَةَ نَحْوَ هَذَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ وَقْتَ الْمُتْعَةِ مِنْ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ إذَا انْقَضَتْ وَقْتُ الرَّجْعَةِ وَسَبَبُ الْبَيْنُونَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَكُلُّ فُرْقَةٍ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ، أَوْ بَعْدَهُ فَلَا مُتْعَةَ فِيهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا اخْتَارَتْ الْفِرَاقَ فَلَا تُسَلَّى عَنْ الْمَشَقَّةِ الَّتِي تَلْحَقُ بِهَا.

стр. 1123

تُمَسَّ فَحَسْبُهَا نِصْفُ مَا فُرِضَ لَهَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ مِثْلُ ذَلِكَ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِلْمُتْعَةِ عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ فِي قَلِيلِهَا وَلَا كَثِيرِهَا) . مَا جَاءَ فِي طَلَاقِ الْعَبْدِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ نُفَيْعًا مُكَاتَبًا كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ عَبْدًا لَهَا كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ فَطَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَأَمَرَهُ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَيَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَقِيَهُ عِنْدَ الدَّرَجِ آخِذًا بِيَدِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَسَأَلَهُمَا فَابْتَدَرَاهُ جَمِيعًا فَقَالَا: حَرُمَتْ عَلَيْك حَرُمَتْ عَلَيْك مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ نُفَيْعًا مُكَاتَبًا كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ طَلَّقَ امْرَأَةً حُرَّةً تَطْلِيقَتَيْنِ فَاسْتَفْتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: حَرُمَتْ عَلَيْك مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ أَنَّ نُفَيْعًا مُكَاتَبًا كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ اسْتَفْتَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ: إنِّي طَلَّقْت امْرَأَةً حُرَّةً تَطْلِيقَتَيْنِ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: حَرُمَتْ عَلَيْك) . ــ [المنتقى] (ش) : قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا مَنْ يُؤْمَرُ بِالْمُتْعَةِ، وَقَدْ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: لَا مُتْعَةَ فِي نِكَاحٍ مَفْسُوخٍ وَلَا فِيمَا يَدْخُلُهُ الْفَسْخُ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ مِثْلُ مِلْكِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ، وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] فَكَانَ هَذَا الْحُكْمُ مُخْتَصًّا بِالطَّلَاقِ دُونَ الْفَسْخِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ أَمْرٌ غُلِبَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ فَيُسَلِّيهَا بِالْمُتْعَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ جَهِلَ الْمُتْعَةَ حَتَّى مَضَتْ أَعْوَامٌ فَلْيُرْجِعْ ذَلِكَ إلَيْهَا إنْ تَزَوَّجَتْ، أَوْ إلَى وَرَثَتِهَا إنْ مَاتَتْ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ أَصْبَغُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ مَاتَتْ؛ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لَهَا فَيَنْتَقِلُ عَنْهَا إلَى وَرَثَتِهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا عِوَضَ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَسْلِيَةٌ مِنْ الطَّلَاقِ، وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ. (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي جِنْسِهَا وَلَا قَدْرِهَا قَالَ مَالِكٌ: وَهِيَ عَلَى قَدْرِ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَعْلَاهَا الْخَادِمُ وَدُونَ ذَلِكَ الْوَرِقُ وَدُونَ ذَلِكَ الْكِسْوَةُ. [مَا جَاءَ فِي طَلَاقِ الْعَبْدِ] (ش) : قَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لِنُفَيْعٍ، وَقَدْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ: حَرُمَتْ عَلَيْك يَقْتَضِي أَنَّ مَعْنَى التَّحْرِيمِ اسْتِيفَاءُ عَدَدِ الطَّلَاقِ، وَالْمَنْعُ مِنْ الِارْتِجَاعِ إلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يَقْتَضِي إيقَاعَ الثَّلَاثِ وَتَضَمَّنَ الْحَدِيثُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ إلَّا تَطْلِيقَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: إذَا طَلَّقَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ ثَلَاثُ حِيَضٍ وَعِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ) . (ش) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَذَا يَقْتَضِي مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى التَّحْرِيمِ اسْتِيفَاءُ الطَّلَاقِ، وَالْمَنْعُ مِنْ اسْتِئْنَافِ زَوْجِيَّةٍ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِمْ، وَطَرِيقُ هَذَا اللُّغَةُ فَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَا قَالَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنْ يَحْمِلَ قَوْلَ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ عَلَى هَذَا وَمَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الطَّلَاقِ بِحَالِ الزَّوْجِ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَالرِّقِّ وَفِي الِاعْتِبَارِ فِي الْعِدَّةِ بِحَالِ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ -

стр. 1124

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ أَنْ يَنْكِحَ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ لَيْسَ بِيَدِ غَيْرِهِ مِنْ طَلَاقِهِ شَيْءٌ فَأَمَّا أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ أَمَةَ غُلَامِهِ، أَوْ أَمَةَ وَلِيدَتِهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) . نَفَقَةُ الْأَمَةِ إذَا طَلُقَتْ وَهِيَ حَامِلٌ (ص) : (قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى حُرٍّ وَلَا عَلَى عَبْدٍ طَلَّقَا مَمْلُوكَةً وَلَا عَلَى عَبْدٍ طَلَّقَ حُرَّةً طَلَاقًا بَائِنًا نَفَقَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ عَلَى حُرٍّ أَنْ يَسْتَرْضِعَ ابْنَهُ، وَهُوَ عِنْدَ قَوْمٍ آخَرِينَ وَلَا عَلَى عَبْدٍ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِهِ عَلَى مَا يَمْلِكُ سَيِّدُهُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) . عِدَّةُ الَّتِي تَفْقِدُ زَوْجَهَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ فَقَدَتْ زَوْجَهَا فَلَمْ تَدْرِ أَيْنَ هُوَ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ثُمَّ تَحِلُّ) ــ [المنتقى] وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلِابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاعَى فِي الطَّلَاقِ رِقُّ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو ثَوْرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ ﵁: إنَّ مَنْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ يُرِيدُ أَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ وَلَا يُوقِعَ عَلَيْهَا طَلَاقًا وَلَا يَمْنَعَ الْعَبْدَ مِنْ إيقَاعِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ النِّكَاحِ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَبِهِ أَخَذَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ، وَالْعِرَاقِ. وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ السَّيِّدِ وَقَالَ غَيْرُهُمَا: إنْ كَانَ السَّيِّدُ زَوَّجَهُ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ مُزَوَّجًا فَلَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ السَّيِّدَ لَمَّا أَذِنَ لَهُ فِي النِّكَاحِ فَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَمْلِكَ سَائِرَ أَحْكَامِهِ كَمَا مَلَّكَهُ الِاسْتِمْتَاعَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَلَهُ أَنْ يَنْتَزِعَ أَمَةً عِنْدَ عَبْدِهِ قَدْ اسْتَمْتَعَ بِهَا كَمَا لَهُ أَنْ يَنْتَزِعَ أَمَةَ وَلِيدَتِهِ؛ لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَنْتَزِعَ مَالَ عَبِيدِهِ وَإِمَائِهِ. [نَفَقَةُ الْأَمَةِ إذَا طَلُقَتْ وَهِيَ حَامِلٌ] (ش) : قَوْلُهُ ﵀: لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى عَبْدٍ وَلَا عَلَى حُرٍّ طَلَّقَا مَمْلُوكَةً يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا؛ لِأَنَّ ابْنَهَا رَقِيقٌ لِسَيِّدِهَا فَالنَّفَقَةُ تَلْزَمُهُ دُونَ الزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ. وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحَكَمِ أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ الْحُرِّ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ وَهِيَ حَامِلٌ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ نَفَقَةٌ تَجِبُ بِسَبَبِ الْوَلَدِ، وَهُوَ عَبْدٌ فَلَمْ يَلْزَمْ إيَّاهُ أَصْلُ ذَلِكَ نَفَقَتُهُ بَعْدَ الِانْفِصَالِ مِنْ الرَّضَاعِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَحُكْمُهَا حُكْمُ الزَّوْجَةِ فِي النَّفَقَةِ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْعَبْدُ يُطَلِّقُ الْحُرَّةَ حَامِلًا فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجِيَّةِ قَدْ بَطَلَتْ بِالطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يُنْفِقَ مَالًا لِسَيِّدِهِ فِيهِ حَقُّ الِانْتِزَاعِ، وَالْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ عَلَى ابْنِهِ، وَهُوَ حُرٌّ كَمَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْوِلَادَةِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: لَيْسَ عَلَى حُرٍّ أَنْ يَسْتَرْضِعَ ابْنَهُ، وَهُوَ عِنْدَ قَوْمٍ آخَرِينَ يُرِيدُ لَيْسَ عَلَيْهِ رَضَاعُ ابْنِهِ وَكَذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا مِمَّنْ يَقُولُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْحَامِلِ وَمَنْ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعَبْدَ نَفَقَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ دُونَ ابْنِهِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا عِنْدَ مَوْلَى الْأُمِّ فَكَانَتْ نَفَقَتُهُ وَمُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ. [عِدَّةُ الَّتِي تَفْقِدُ زَوْجَهَا] (ش) : قَوْلُهُ ﵁: أَيُّمَا امْرَأَةٍ فَقَدَتْ زَوْجَهَا فَلَمْ تَدْرِ أَيْنَ هُوَ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ أَرْبَعَ سِنِينَ لَمْ يَعْتَبِرْ بِمَا أَقَامَتْ قَبْلَ أَنْ تَرْفَعَ إلَيْهِ، وَلَوْ أَقَامَتْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَالْمَفْقُودُ الَّذِي ذَهَبَتْ فِيهِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ هُوَ الَّذِي يَغِيبُ عَنْ

стр. 1125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] امْرَأَتِهِ بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُفْقَدْ فِي مَعْرَكَةٍ فَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ هَلَاكُهُ فِيهَا فَهَذَا إذَا رَفَعَتْ امْرَأَتُهُ أَمْرَهَا إلَى السُّلْطَانِ قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: الْمَفْقُودُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ مَفْقُودٌ لَا يُدْرَى مَوْضِعُهُ فَهَذَا يَكْشِفُ الْإِمَامُ عَنْ أَمْرِهِ ثُمَّ يَضْرِبُ لَهُ الْأَجَلَ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَمَفْقُودٌ فِي صَفِّ الْمُسْلِمِينَ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ فَهَذَا لَا تُنْكَحُ زَوْجَتُهُ أَبَدًا وَتُوقَفُ هِيَ وَمَالُهُ حَتَّى يَنْقَضِيَ تَعْمِيرُهُ وَمَفْقُودٌ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَهُمْ لَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ وَيَتَلَوَّمُ لِزَوْجَتِهِ بِقَدْرِ اجْتِهَادِهِ فَالْمَفْقُودُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَوَّلًا هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ أَهْلُهُ عَنْ وَجْهِ مَغِيبِهِ وَجِهَةِ سَفَرِهِ، وَعَنْ وَقْتِ انْقِطَاعِ خَبَرِهِ ثُمَّ يَسْأَلُ وَيَبْحَثُ عَنْ خَبَرِهِ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَيَكْتُبُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوقَفْ لَهُ عَلَى خَبَرٍ اسْتَأْنَفَ لَهَا ضَرْبَ أَجَلٍ أَرْبَعَ سِنِينَ، فَإِنْ جَاءَ فِي الْمُدَّةِ، أَوْ جَاءَ خَبَرُ حَيَاتِهِ فَهِيَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ وَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ خَبَرٌ حَتَّى انْقَضَتْ الْمُدَّةُ اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، فَإِنْ جَاءَ فِي الْعِدَّةِ فَهِيَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَإِنْ انْقَطَعَ وَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ قَبْلَ مَجِيئِهِ، أَوْ مَجِيءِ عِلْمٍ بِحَيَاتِهِ فَقَدْ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ الْإِمَامَ يَضْرِبُ لَهَا أَجَلًا بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْ أَمْرِ الَّذِي بِهِ يُعْلَمُ انْقِطَاعُ خَبَرِهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ ذَلِكَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَالَ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا حَقٌّ فِي الزَّوْجِ، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا لِفَرْقٍ بَيْنَهُمَا بِالْعُنَّةِ، وَمَغِيبُ عَيْنِهِ أَشَدُّ مِنْ الْعُنَّةِ فَأَنْ تَثْبُتَ لَهَا الْفُرْقَة بِهِ أَوْلَى، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَاَلَّذِي رَوَى عَنْ عَلِيٍّ ذَلِكَ رَوَاهُ عَنْهُ خِلَاسٌ وَفِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ ضَعْفٌ وَرَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ امْرَأَةٌ اُبْتُلِيَتْ فَلْتَصْبِرْ حَتَّى يَأْتِيَهَا مَوْتٌ أَوْ فِرَاقٌ وَهِيَ أَسَانِيدُ غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ وَمَا اتَّصَلَ مِنْهَا فَلَيْسَ بِقَوِيٍّ وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ. وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ رَاهْوَيْهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: هِيَ زَوْجَةُ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ الْأَجَلُ بِأَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ بَيْنَ قَائِلَيْنِ: قَائِلٍ يَقُولُ: لَا يُضْرَبُ لَهَا أَجَلٌ، وَقَائِلٍ يَقُولُ: يُضْرَبُ لَهَا أَجَلٌ غَيْرَ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ يُضْرَبُ لَهَا أَجَلٌ غَيْرَ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ حَالِ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَنَّهُ يَسْمَعُ فِيهَا خَبَرَ مَنْ كَانَ حَيًّا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْبَحْثِ، وَالسُّؤَالِ عَنْهُ وَمُكَاتَبَةِ الْجِهَةِ الَّتِي غَابَ إلَيْهَا بِأَمْرِهِ،. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَضْرِبُ لَهُ الْأَجَلَ إلَّا الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، فَإِنْ ضَرَبَ الْأَجَلَ مِنْ يَوْمِ رَفَعَتْ الْأَمْرَ إلَيْهِ وَجَهِلَ ذَلِكَ لَمْ يَأْتَنِفْ ضَرْبَ الْأَجَلِ وَلَكِنَّهُ يَحْسِبُهُ مِنْ يَوْمِ ثَبَتَ عِنْدَهُ بَعْدَ الْفَحْصِ عَنْهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَحُكْمُ الْإِمَامِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ حُكْمٌ لِلزَّوْجَةِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْأَرْبَعُ سِنِينَ كَانَ لَهَا أَنْ تَعْتَدَّ دُونَ إذْنِ الْإِمَامِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَعِدَّتُهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ فِي حَقِّهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا يَحْتَاجُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا إلَى إذْنِ الْإِمَامِ فِي تَزْوِيجِهَا قَالَ: لِأَنَّ إذْنَهُ قَدْ حَصَلَ بِضَرْبِ الْأَجَلِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ لَهُ نِسَاءٌ فَرَفَعَتْ إحْدَاهُنَّ أَمْرَهُ إلَى الْإِمَامِ وَأَبَى سَائِرُهُنَّ فَضَرَبَ لِلْقَائِمَةِ الْأَجَلَ بَعْدَ الْبَحْثِ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ سَأَلَ عَنْهَا فَتَفَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: أَرَى ضَرْبَ الْأَجَلِ لِلْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ ضَرْبًا لِجَمِيعِهِنَّ، فَإِذَا انْقَضَى الْأَجَلُ تَزَوَّجْنَ إنْ أَحْبَبْنَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ عَلَى امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ إحْدَادٌ فِي الْعِدَّةِ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ نَافِعٍ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا إحْدَادَ عَلَيْهَا وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهَا عِدَّةٌ مِنْ وَفَاةٍ أَنَّهُ إنَّمَا يَحْكُمُ بِكَوْنِهِ مَيِّتًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَسَمِعَ خَبَرَهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهَا فُرْقَةٌ يَحْتَسِبُ بِهَا طَلْقَةً فَلَمْ يَجِبْ فِي الْعِدَّةِ إحْدَادٌ كَطَلَاقِ الْحَاضِرِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَحُكْمُ الزَّوْجَةِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا زَوْجُهَا إذَا فُقِدَ حُكْمُ الْمَدْخُولِ بِهَا فِي الْأَجَلِ، وَالْعِدَّةِ وَاخْتُلِفَ فِي صَدَاقِهَا
следующие страницы →