← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

فَطَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ أَوْ تَطْلِيقَةً لَمْ يَكُنْ بَقِيَ لَهُ عَلَيْهَا مِنْ الطَّلَاقِ غَيْرُهَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَوْمَئِذٍ مَرِيضٌ فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِنْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ جَدِّي حِبَّانَ امْرَأَتَانِ: هَاشِمِيَّةٌ، وَأَنْصَارِيَّةٌ فَطَلَّقَ الْأَنْصَارِيَّةَ وَهِيَ تُرْضِعُ فَمَرَّتْ بِهَا سَنَةٌ ثُمَّ هَلَكَ وَلَمْ تَحِضْ فَقَالَتْ: أَنَا أَرِثُهُ لَمْ أَحِضْ فَاخْتَصَمَتَا إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَضَى لَهَا بِالْمِيرَاثِ فَلَامَتْ الْهَاشِمِيَّةُ عُثْمَانَ فَقَالَ: هَذَا عَمَلُ ابْنِ عَمِّك هُوَ أَشَارَ عَلَيْنَا بِهَذَا يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: إذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، وَهُوَ مَرِيضٌ، فَإِنَّهَا تَرِثُهُ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لَمَّا سَأَلَتْهُ امْرَأَتُهُ الطَّلَاقَ: إذَا حِضْت ثُمَّ طَهُرْت فَآذِنِينِي مُرَاعَاةً لِسُنَّةِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ أَصَابَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ وَسُنَّةُ الطَّلَاقِ أَنْ يُطَلِّقَ فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ وَلَا يَعْقُبُ حَيْضًا طَلَّقَ فِيهِ وَيُقَالُ: إنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ تَمَاضُرُ بِنْتُ الْأَصْبَغِ أُمُّ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَلَمْ تَبْلُغْ الْوَقْتَ الَّذِي رَسَمَهُ لَهَا حَتَّى مَرَضِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَلَمَّا آذَنَتْهُ بِذَلِكَ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا إمَّا أَنَّهُ جَمَعَ الثَّلَاثَ إنْ كَانَ يَرَى إبَاحَةَ ذَلِكَ، أَوْ طَلَّقَ آخِرَ طَلْقَةٍ بَقِيَتْ لَهُ فِيهَا، وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ الرَّاوِي. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِنْهُ يَقْتَضِي أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ وَرَّثَ نِسَاءَ الْمُطَلِّقِ فِي الْمَرَضِ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ الطَّلَاقِ مِنْ فِعْلِهِنَّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزَّوْجَةَ هِيَ سَأَلَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ الطَّلَاقَ وَرَغَّبَتْهُ، وَقَدْ وَرَّثَهَا عُثْمَانُ مَعَ ذَلِكَ، وَقَدْ جَعَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِعْلَ عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ إمَامٌ حَكَمَ فِي قَضِيَّةِ رَجُلٍ مَشْهُورٍ أَحَدِ الْعَشَرَةِ وَمِثْلُ هَذَا يَنْتَشِرُ قَضَاؤُهُ بِهِ فِي الْأَمْصَارِ وَيُنْقَلُ إلَى الْآفَاقِ فَلَمْ يَتَحَصَّلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى تَصْوِيبِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِنْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْحُكْمِ لَهَا بِالْمِيرَاثِ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْعِدَّةُ، وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي الْوَفَاةِ الَّتِي اسْتَحَقَّ بِهَا الْمِيرَاثَ، وَإِذَا كَانَتْ بَائِنًا مِنْهُ وَرَّثَهَا مَعَ ذَلِكَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُتَوَفَّى فِي الْعِدَّةِ، أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ تَرِثُ مُطَلَّقَةً بَائِنًا مُتَوَفًّى فِي عِدَّةٍ فَحُكْمُهَا وَحُكْمُ الَّتِي قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. (ش) : قَوْلُهُ: فَطَلَّقَ الْأَنْصَارِيَّةَ وَهِيَ تُرْضِعُ فَتُوُفِّيَ فَانْقَضَتْ سَنَةٌ وَلَمْ تَحِضْ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْأَنْصَارِيَّةَ لَمْ تَحِضْ لِأَجْلِ الرَّضَاعِ حَتَّى تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، وَذَلِكَ أَنَّ ارْتِفَاعَ حَيْضِ الْمُطَلَّقَةِ يَكُونُ لِسَبَبٍ مَعْرُوفٍ وَلِغَيْرِ سَبَبٍ مَعْرُوفٍ: فَأَمَّا مَا كَانَ لِسَبَبٍ مَعْرُوفٍ فَكَالرَّضَاعِ، وَالْمَرَضِ، فَإِنْ تَأَخَّرَ لِلرَّضَاعِ، فَإِنَّهَا لَا تَعْتَدُّ إلَّا بِالْأَقْرَاءِ طَالَ الْوَقْتُ، أَوْ قَصُرَ، وَقَدْ احْتَجَّ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ: فَإِنَّ حِبَّانَ بْنَ مُنْقِذٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ فَمَكَثَتْ نَحْوَ سَنَةٍ لَا تَحِيضُ لِأَجْلِ الرَّضَاعِ ثُمَّ مَرِضَ فَخَافَ أَنْ تَرِثَهُ إنْ مَاتَ فَخَاصَمَهَا إلَى عُثْمَانَ وَعِنْدَهُ عَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ لَهُمَا: مَا تَرَيَانِ فَقَالَا: لَا نَرَى أَنَّهَا تَرِثُهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقَوَاعِدِ اللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ وَلَا مِنْ اللَّائِي يَحِضْنَ فَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى حِيَاضِهَا مَا كَانَ لَمْ يَمْنَعْهَا إلَّا الرَّضَاعُ فَانْتَزَعَ حِبَّانُ ابْنَهُ فَلَمَّا حَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ مَاتَ حِبَّانُ فَوَرِثَتْ مِنْهُ وَاعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: فَأَجْمَعُوا أَنَّ التَّأْخِيرَ بِالرَّضَاعِ لَا يُسَوِّغُ الِاعْتِدَادَ بِغَيْرِ الْحَيْضِ وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ لَمْ يَحِضْ وَلَا مِمَّنْ يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْعَادَةَ الْمُسْتَقِرَّةُ بِأَنَّ الرَّضَاعَ يُؤَثِّرُ فِي تَأْخِيرِ الْحَيْضِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ رِيبَةً، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ رِيبَةً وَجَبَ انْتِظَارُ زَوَالِهِ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْحَيْضِ إذْ هِيَ مِمَّنْ تَحِيضُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: هَذَا عَمَلُ ابْنِ عَمِّك هُوَ أَشَارَ عَلَيْنَا بِهَذَا أَرَادَ تَطْيِيبَ نَفْسِهَا بِأَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ وَلَامَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ إلَّا بَعْدَ مُشَاوَرَةِ الْعُلَمَاءِ، وَأَنَّ ابْنَ عَمِّهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي لَا تَشُكُّ هِيَ فِي إشْفَاقِهِ عَلَيْهَا

стр. 1122

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ طَلَّقَهَا، وَهُوَ مَرِيضٌ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَلَهَا الْمِيرَاثُ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ، وَالْمِيرَاثُ قَالَ مَالِكٌ: الْبِكْرُ، وَالثَّيِّبُ فِي هَذَا عِنْدَنَا سَوَاءٌ) . مَا جَاءَ فِي مُتْعَةِ الطَّلَاقِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ فَمَتَّعَ بِوَلِيدَةٍ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ إلَّا الَّتِي تَطْلُقُ، وَقَدْ فُرِضَ لَهَا صَدَاقٌ وَلَمْ ــ [المنتقى] وَإِرَادَتِهِ الْخَيْرَ لَهَا هُوَ مِمَّنْ أَفْتَى بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا، وَهُوَ مَرِيضٌ: إنَّ لَهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ ابْنُ شِهَابٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالنَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا فَلَمْ يَكُنْ لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا كَمَا لَوْ طَلَّقَ فِي الصِّحَّةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: لَهَا فِي الْمِيرَاثِ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَالْمِيرَاثِ خِلَافًا لِلزُّهْرِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُطَلِّقٌ فِي الْمَرَضِ لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ فِيهِ لَكَانَ لَهَا الْمِيرَاثُ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا إسْقَاطُ مِيرَاثِهَا بِالطَّلَاقِ كَاَلَّذِي دَخَلَ بِهَا. (فَرْقٌ) : وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَكْمِيلِ الصَّدَاقِ، وَالْمِيرَاثِ أَنَّ الصَّدَاقَ عِوَضٌ فِي مُعَاوَضَتِهِ وَنِصْفُهُ يَجِبُ بِالْعَقْدِ فَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُهُ وَنِصْفُهُ يَجِبُ بِالدُّخُولِ أَوْ بِالْمَوْتِ عَلَى حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ وَلَهُ إبْطَالُ ذَلِكَ بِالطَّلَاقِ، وَأَمَّا الْمِيرَاثُ فَهُوَ قَدْ تَعَيَّنَ لَهَا بِعِوَضِهِ تَسْتَحِقُّ اسْتِيفَاءَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا إسْقَاطُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا خِلَافًا لِلْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: لَهَا الصَّدَاقُ، وَالْمِيرَاثُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ؛ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ لَمْ يَبْنِ بِهَا فَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْمَرَضِ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الْمِيرَاثِ دُونَ الْعِدَّةِ وَلِذَلِكَ لَوْ طَلَّقَهَا حَالَ الْمَرَضِ فَتُوُفِّيَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، أَوْ كَانَ طَلَاقُهُ بَائِنًا لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَكَانَ لَهَا الْمِيرَاثُ. [مَا جَاءَ فِي مُتْعَةِ الطَّلَاقِ] (ش) : قَوْلُهُ: طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ فَمَتَّعَ بِوَلِيدَةٍ يُرِيدُ أَعْطَاهَا إيَّاهَا بِأَثَرِ طَلَاقِهِ إيَّاهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُتْعَةِ فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْمُطَلِّقُ وَلَا يُحْكَمُ بِهَا عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ: إنَّهَا لَحَقٌّ عَلَى الزَّوْجِ وَلَا يَقْضِي بِهَا عَلَيْهِ وَلْيُحَرِّضْهُ السُّلْطَانُ عَلَيْهَا وَلَا تُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ بِهَا وَهِيَ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ لَا تَرُدُّ شَيْئًا مِمَّا أَخَذَتْ وَهِيَ عَلَى الْمَوْلَى إذَا طَلَّقَ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ سَلِمَ مِنْ نِهَايَةِ الْمُقَابَحَةِ وَارْتِجَاعِ شَيْءٍ مِنْ الزَّوْجَةِ فَأَمَّا مَنْ تَرُدُّ شَيْئًا مِمَّا أَخَذَتْ فَكَيْفَ يُزَادُ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْمُفَارَقَةُ عَنْ مُقَابَحَةٍ كَالْمُلَاعَنَةِ فَلَا مُتْعَةَ لَهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: لِأَنَّ الْمُتْعَةَ تَسْلِيَةٌ عَنْ الْفِرَاقِ، وَالْمَلَاعِنُ لَا يُرِيدُ تَسْلِيَةَ مَنْ لَاعَنَ مِنْ الزَّوْجَاتِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَاَلَّتِي لَمْ يُسَمِّ لَهَا الصَّدَاقَ إذَا دَخَلَ بِهَا لَهَا الْمُتْعَةُ كَاَلَّتِي سَمَّى لَهَا وَدَخَلَ بِهَا، وَالصَّدَاقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَزِعُ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَا فَارَقَتْ عَنْ نِهَايَةِ مُقَابَحَةٍ فَكَانَ لَهَا الْمُتْعَةُ كَاَلَّتِي سَمَّى لَهَا وَدَخَلَ بِهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ بِهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا قَبْلَ أَنْ يُمَتِّعَهَا فَلَا مُتْعَةَ لَهَا قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ؛ لِأَنَّ الْمُتْعَةَ تَسْلِيَةٌ عَنْ الْفِرَاقِ، وَالتَّسْلِيَةُ بِالِارْتِجَاعِ أَعْظَمُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ رَبِيعَةُ: إنَّمَا الْمُتْعَةُ لِمَنْ لَا رَدَّ لَهُ عَلَيْهَا يُرِيدُ لِمَنْ لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَاَلَّتِي لَهُ رَجْعَةٌ فَلَمْ تَرْتَجِعْ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ فَقَدْ صَارَتْ فِي حُكْمِ مَنْ لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَذَكَرَ فَضْلُ بْنُ مَسْلَمَةَ نَحْوَ هَذَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ وَقْتَ الْمُتْعَةِ مِنْ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ إذَا انْقَضَتْ وَقْتُ الرَّجْعَةِ وَسَبَبُ الْبَيْنُونَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَكُلُّ فُرْقَةٍ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ، أَوْ بَعْدَهُ فَلَا مُتْعَةَ فِيهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا اخْتَارَتْ الْفِرَاقَ فَلَا تُسَلَّى عَنْ الْمَشَقَّةِ الَّتِي تَلْحَقُ بِهَا.

стр. 1123

تُمَسَّ فَحَسْبُهَا نِصْفُ مَا فُرِضَ لَهَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ مِثْلُ ذَلِكَ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِلْمُتْعَةِ عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ فِي قَلِيلِهَا وَلَا كَثِيرِهَا) . مَا جَاءَ فِي طَلَاقِ الْعَبْدِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ نُفَيْعًا مُكَاتَبًا كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ عَبْدًا لَهَا كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ فَطَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَأَمَرَهُ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَيَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَقِيَهُ عِنْدَ الدَّرَجِ آخِذًا بِيَدِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَسَأَلَهُمَا فَابْتَدَرَاهُ جَمِيعًا فَقَالَا: حَرُمَتْ عَلَيْك حَرُمَتْ عَلَيْك مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ نُفَيْعًا مُكَاتَبًا كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ طَلَّقَ امْرَأَةً حُرَّةً تَطْلِيقَتَيْنِ فَاسْتَفْتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: حَرُمَتْ عَلَيْك مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ أَنَّ نُفَيْعًا مُكَاتَبًا كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ اسْتَفْتَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ: إنِّي طَلَّقْت امْرَأَةً حُرَّةً تَطْلِيقَتَيْنِ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: حَرُمَتْ عَلَيْك) . ــ [المنتقى] (ش) : قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا مَنْ يُؤْمَرُ بِالْمُتْعَةِ، وَقَدْ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: لَا مُتْعَةَ فِي نِكَاحٍ مَفْسُوخٍ وَلَا فِيمَا يَدْخُلُهُ الْفَسْخُ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ مِثْلُ مِلْكِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ، وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] فَكَانَ هَذَا الْحُكْمُ مُخْتَصًّا بِالطَّلَاقِ دُونَ الْفَسْخِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ أَمْرٌ غُلِبَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ فَيُسَلِّيهَا بِالْمُتْعَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ جَهِلَ الْمُتْعَةَ حَتَّى مَضَتْ أَعْوَامٌ فَلْيُرْجِعْ ذَلِكَ إلَيْهَا إنْ تَزَوَّجَتْ، أَوْ إلَى وَرَثَتِهَا إنْ مَاتَتْ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ أَصْبَغُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ مَاتَتْ؛ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لَهَا فَيَنْتَقِلُ عَنْهَا إلَى وَرَثَتِهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا عِوَضَ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَسْلِيَةٌ مِنْ الطَّلَاقِ، وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ. (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي جِنْسِهَا وَلَا قَدْرِهَا قَالَ مَالِكٌ: وَهِيَ عَلَى قَدْرِ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَعْلَاهَا الْخَادِمُ وَدُونَ ذَلِكَ الْوَرِقُ وَدُونَ ذَلِكَ الْكِسْوَةُ. [مَا جَاءَ فِي طَلَاقِ الْعَبْدِ] (ش) : قَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لِنُفَيْعٍ، وَقَدْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ: حَرُمَتْ عَلَيْك يَقْتَضِي أَنَّ مَعْنَى التَّحْرِيمِ اسْتِيفَاءُ عَدَدِ الطَّلَاقِ، وَالْمَنْعُ مِنْ الِارْتِجَاعِ إلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يَقْتَضِي إيقَاعَ الثَّلَاثِ وَتَضَمَّنَ الْحَدِيثُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ إلَّا تَطْلِيقَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: إذَا طَلَّقَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ ثَلَاثُ حِيَضٍ وَعِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ) . (ش) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَذَا يَقْتَضِي مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى التَّحْرِيمِ اسْتِيفَاءُ الطَّلَاقِ، وَالْمَنْعُ مِنْ اسْتِئْنَافِ زَوْجِيَّةٍ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِمْ، وَطَرِيقُ هَذَا اللُّغَةُ فَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَا قَالَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنْ يَحْمِلَ قَوْلَ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ عَلَى هَذَا وَمَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الطَّلَاقِ بِحَالِ الزَّوْجِ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَالرِّقِّ وَفِي الِاعْتِبَارِ فِي الْعِدَّةِ بِحَالِ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ -

стр. 1124

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ أَنْ يَنْكِحَ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ لَيْسَ بِيَدِ غَيْرِهِ مِنْ طَلَاقِهِ شَيْءٌ فَأَمَّا أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ أَمَةَ غُلَامِهِ، أَوْ أَمَةَ وَلِيدَتِهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) . نَفَقَةُ الْأَمَةِ إذَا طَلُقَتْ وَهِيَ حَامِلٌ (ص) : (قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى حُرٍّ وَلَا عَلَى عَبْدٍ طَلَّقَا مَمْلُوكَةً وَلَا عَلَى عَبْدٍ طَلَّقَ حُرَّةً طَلَاقًا بَائِنًا نَفَقَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ عَلَى حُرٍّ أَنْ يَسْتَرْضِعَ ابْنَهُ، وَهُوَ عِنْدَ قَوْمٍ آخَرِينَ وَلَا عَلَى عَبْدٍ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِهِ عَلَى مَا يَمْلِكُ سَيِّدُهُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) . عِدَّةُ الَّتِي تَفْقِدُ زَوْجَهَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ فَقَدَتْ زَوْجَهَا فَلَمْ تَدْرِ أَيْنَ هُوَ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ثُمَّ تَحِلُّ) ــ [المنتقى] وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلِابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاعَى فِي الطَّلَاقِ رِقُّ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو ثَوْرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ ﵁: إنَّ مَنْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ يُرِيدُ أَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ وَلَا يُوقِعَ عَلَيْهَا طَلَاقًا وَلَا يَمْنَعَ الْعَبْدَ مِنْ إيقَاعِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ النِّكَاحِ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَبِهِ أَخَذَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ، وَالْعِرَاقِ. وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ السَّيِّدِ وَقَالَ غَيْرُهُمَا: إنْ كَانَ السَّيِّدُ زَوَّجَهُ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ مُزَوَّجًا فَلَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ السَّيِّدَ لَمَّا أَذِنَ لَهُ فِي النِّكَاحِ فَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَمْلِكَ سَائِرَ أَحْكَامِهِ كَمَا مَلَّكَهُ الِاسْتِمْتَاعَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَلَهُ أَنْ يَنْتَزِعَ أَمَةً عِنْدَ عَبْدِهِ قَدْ اسْتَمْتَعَ بِهَا كَمَا لَهُ أَنْ يَنْتَزِعَ أَمَةَ وَلِيدَتِهِ؛ لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَنْتَزِعَ مَالَ عَبِيدِهِ وَإِمَائِهِ. [نَفَقَةُ الْأَمَةِ إذَا طَلُقَتْ وَهِيَ حَامِلٌ] (ش) : قَوْلُهُ ﵀: لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى عَبْدٍ وَلَا عَلَى حُرٍّ طَلَّقَا مَمْلُوكَةً يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا؛ لِأَنَّ ابْنَهَا رَقِيقٌ لِسَيِّدِهَا فَالنَّفَقَةُ تَلْزَمُهُ دُونَ الزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ. وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحَكَمِ أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ الْحُرِّ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ وَهِيَ حَامِلٌ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ نَفَقَةٌ تَجِبُ بِسَبَبِ الْوَلَدِ، وَهُوَ عَبْدٌ فَلَمْ يَلْزَمْ إيَّاهُ أَصْلُ ذَلِكَ نَفَقَتُهُ بَعْدَ الِانْفِصَالِ مِنْ الرَّضَاعِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَحُكْمُهَا حُكْمُ الزَّوْجَةِ فِي النَّفَقَةِ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْعَبْدُ يُطَلِّقُ الْحُرَّةَ حَامِلًا فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجِيَّةِ قَدْ بَطَلَتْ بِالطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يُنْفِقَ مَالًا لِسَيِّدِهِ فِيهِ حَقُّ الِانْتِزَاعِ، وَالْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ عَلَى ابْنِهِ، وَهُوَ حُرٌّ كَمَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْوِلَادَةِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: لَيْسَ عَلَى حُرٍّ أَنْ يَسْتَرْضِعَ ابْنَهُ، وَهُوَ عِنْدَ قَوْمٍ آخَرِينَ يُرِيدُ لَيْسَ عَلَيْهِ رَضَاعُ ابْنِهِ وَكَذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا مِمَّنْ يَقُولُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْحَامِلِ وَمَنْ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعَبْدَ نَفَقَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ دُونَ ابْنِهِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا عِنْدَ مَوْلَى الْأُمِّ فَكَانَتْ نَفَقَتُهُ وَمُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ. [عِدَّةُ الَّتِي تَفْقِدُ زَوْجَهَا] (ش) : قَوْلُهُ ﵁: أَيُّمَا امْرَأَةٍ فَقَدَتْ زَوْجَهَا فَلَمْ تَدْرِ أَيْنَ هُوَ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ أَرْبَعَ سِنِينَ لَمْ يَعْتَبِرْ بِمَا أَقَامَتْ قَبْلَ أَنْ تَرْفَعَ إلَيْهِ، وَلَوْ أَقَامَتْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَالْمَفْقُودُ الَّذِي ذَهَبَتْ فِيهِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ هُوَ الَّذِي يَغِيبُ عَنْ

стр. 1125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] امْرَأَتِهِ بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُفْقَدْ فِي مَعْرَكَةٍ فَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ هَلَاكُهُ فِيهَا فَهَذَا إذَا رَفَعَتْ امْرَأَتُهُ أَمْرَهَا إلَى السُّلْطَانِ قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: الْمَفْقُودُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ مَفْقُودٌ لَا يُدْرَى مَوْضِعُهُ فَهَذَا يَكْشِفُ الْإِمَامُ عَنْ أَمْرِهِ ثُمَّ يَضْرِبُ لَهُ الْأَجَلَ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَمَفْقُودٌ فِي صَفِّ الْمُسْلِمِينَ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ فَهَذَا لَا تُنْكَحُ زَوْجَتُهُ أَبَدًا وَتُوقَفُ هِيَ وَمَالُهُ حَتَّى يَنْقَضِيَ تَعْمِيرُهُ وَمَفْقُودٌ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَهُمْ لَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ وَيَتَلَوَّمُ لِزَوْجَتِهِ بِقَدْرِ اجْتِهَادِهِ فَالْمَفْقُودُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَوَّلًا هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ أَهْلُهُ عَنْ وَجْهِ مَغِيبِهِ وَجِهَةِ سَفَرِهِ، وَعَنْ وَقْتِ انْقِطَاعِ خَبَرِهِ ثُمَّ يَسْأَلُ وَيَبْحَثُ عَنْ خَبَرِهِ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَيَكْتُبُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوقَفْ لَهُ عَلَى خَبَرٍ اسْتَأْنَفَ لَهَا ضَرْبَ أَجَلٍ أَرْبَعَ سِنِينَ، فَإِنْ جَاءَ فِي الْمُدَّةِ، أَوْ جَاءَ خَبَرُ حَيَاتِهِ فَهِيَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ وَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ خَبَرٌ حَتَّى انْقَضَتْ الْمُدَّةُ اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، فَإِنْ جَاءَ فِي الْعِدَّةِ فَهِيَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَإِنْ انْقَطَعَ وَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ قَبْلَ مَجِيئِهِ، أَوْ مَجِيءِ عِلْمٍ بِحَيَاتِهِ فَقَدْ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ الْإِمَامَ يَضْرِبُ لَهَا أَجَلًا بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْ أَمْرِ الَّذِي بِهِ يُعْلَمُ انْقِطَاعُ خَبَرِهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ ذَلِكَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَالَ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا حَقٌّ فِي الزَّوْجِ، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا لِفَرْقٍ بَيْنَهُمَا بِالْعُنَّةِ، وَمَغِيبُ عَيْنِهِ أَشَدُّ مِنْ الْعُنَّةِ فَأَنْ تَثْبُتَ لَهَا الْفُرْقَة بِهِ أَوْلَى، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَاَلَّذِي رَوَى عَنْ عَلِيٍّ ذَلِكَ رَوَاهُ عَنْهُ خِلَاسٌ وَفِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ ضَعْفٌ وَرَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ امْرَأَةٌ اُبْتُلِيَتْ فَلْتَصْبِرْ حَتَّى يَأْتِيَهَا مَوْتٌ أَوْ فِرَاقٌ وَهِيَ أَسَانِيدُ غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ وَمَا اتَّصَلَ مِنْهَا فَلَيْسَ بِقَوِيٍّ وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ. وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ رَاهْوَيْهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: هِيَ زَوْجَةُ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ الْأَجَلُ بِأَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ بَيْنَ قَائِلَيْنِ: قَائِلٍ يَقُولُ: لَا يُضْرَبُ لَهَا أَجَلٌ، وَقَائِلٍ يَقُولُ: يُضْرَبُ لَهَا أَجَلٌ غَيْرَ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ يُضْرَبُ لَهَا أَجَلٌ غَيْرَ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ حَالِ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَنَّهُ يَسْمَعُ فِيهَا خَبَرَ مَنْ كَانَ حَيًّا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْبَحْثِ، وَالسُّؤَالِ عَنْهُ وَمُكَاتَبَةِ الْجِهَةِ الَّتِي غَابَ إلَيْهَا بِأَمْرِهِ،. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَضْرِبُ لَهُ الْأَجَلَ إلَّا الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، فَإِنْ ضَرَبَ الْأَجَلَ مِنْ يَوْمِ رَفَعَتْ الْأَمْرَ إلَيْهِ وَجَهِلَ ذَلِكَ لَمْ يَأْتَنِفْ ضَرْبَ الْأَجَلِ وَلَكِنَّهُ يَحْسِبُهُ مِنْ يَوْمِ ثَبَتَ عِنْدَهُ بَعْدَ الْفَحْصِ عَنْهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَحُكْمُ الْإِمَامِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ حُكْمٌ لِلزَّوْجَةِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْأَرْبَعُ سِنِينَ كَانَ لَهَا أَنْ تَعْتَدَّ دُونَ إذْنِ الْإِمَامِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَعِدَّتُهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ فِي حَقِّهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا يَحْتَاجُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا إلَى إذْنِ الْإِمَامِ فِي تَزْوِيجِهَا قَالَ: لِأَنَّ إذْنَهُ قَدْ حَصَلَ بِضَرْبِ الْأَجَلِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ لَهُ نِسَاءٌ فَرَفَعَتْ إحْدَاهُنَّ أَمْرَهُ إلَى الْإِمَامِ وَأَبَى سَائِرُهُنَّ فَضَرَبَ لِلْقَائِمَةِ الْأَجَلَ بَعْدَ الْبَحْثِ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ سَأَلَ عَنْهَا فَتَفَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: أَرَى ضَرْبَ الْأَجَلِ لِلْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ ضَرْبًا لِجَمِيعِهِنَّ، فَإِذَا انْقَضَى الْأَجَلُ تَزَوَّجْنَ إنْ أَحْبَبْنَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ عَلَى امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ إحْدَادٌ فِي الْعِدَّةِ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ نَافِعٍ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا إحْدَادَ عَلَيْهَا وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهَا عِدَّةٌ مِنْ وَفَاةٍ أَنَّهُ إنَّمَا يَحْكُمُ بِكَوْنِهِ مَيِّتًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَسَمِعَ خَبَرَهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهَا فُرْقَةٌ يَحْتَسِبُ بِهَا طَلْقَةً فَلَمْ يَجِبْ فِي الْعِدَّةِ إحْدَادٌ كَطَلَاقِ الْحَاضِرِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَحُكْمُ الزَّوْجَةِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا زَوْجُهَا إذَا فُقِدَ حُكْمُ الْمَدْخُولِ بِهَا فِي الْأَجَلِ، وَالْعِدَّةِ وَاخْتُلِفَ فِي صَدَاقِهَا

стр. 1126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فَقَالَ مَالِكٌ: لَهَا جَمِيعُهُ وَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: لَهَا نِصْفُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَجْهُ قَوْلِنَا لَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ أَنَّ أَمْرَهُ يَنْزِلُ عَلَى الْوَفَاةِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ لَهَا جَمِيعَ الصَّدَاقِ وَقَوْلُنَا لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَإِنَّهَا فُرْقَةٌ تُحْتَسَبُ طَلْقَةً كَالطَّلَاقِ، وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا: إنْ كَانَ دَفَعَهُ إلَيْهَا لَمْ يَنْزِعْ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَبَضَتْهُ لَمْ تُعْطَ إلَّا نِصْفَهُ. (فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا: لَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: مَا كَانَ مِنْهُ مُعَجَّلًا عُجِّلَ وَمَا كَانَ مُؤَجَّلًا بَقِيَ إلَى أَجَلِهِ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يُعَجِّلُ لَهَا نِصْفَهُ وَيُؤَخِّرُ لَهَا نِصْفَهُ حَتَّى يَمُوتَ بِالتَّعْمِيرِ فَتَأْخُذَهُ وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ يُعَجِّلُ لَهَا جَمِيعَ الصَّدَاقِ؛ وَوَجْهُ تَأْجِيلِ الْبَعْضِ أَنَّ الْفُرْقَةَ مُرَاعَاةٌ لَا يُدْرَى أَوَفَاةٌ هِيَ أَمْ طَلَاقٌ فَيُوقَفُ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ حَتَّى يَثْبُتَ حُكْمُ الطَّلْقَةِ بِدُخُولِ الزَّوْجِ الثَّانِي، أَوْ بِعَقْدِهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ فَسَقَطَ نِصْفُ الصَّدَاقِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا طَلْقَةٌ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْخَبَرُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَكُونُ لَهَا ذَلِكَ النِّصْفُ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ سَحْنُونٌ، وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ يَبْقَى إلَى أَجَلِهِ فَلِأَنَّ حُكْمَهُ بَاقٍ فِي مَالِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَيَاةِ فَلَا تَحِلُّ دُيُونُهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ يَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ مَالِهِ حَلَّ دَيْنُهُ، أَوْ لَمْ يَحِلَّ وَيُوقَفُ مِيرَاثُهُ إلَى أَقْصَى عُمْرِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ لَمَّا قَضَى بِتَمْوِيتِهِ فِي حَقِّهَا كَانَ أَقَلُّ مَا يَجِبُ لَهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ إنْ كَانَ طَلَاقًا فَعَجَّلَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَسْتَحِقُّ الْبَاقِيَ بِوَفَاتِهِ فَتَبْقَى حَتَّى يَحْكُمَ بِهَا وَأَرَاهُ يُرِيدُ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ فَيَحْكُمُ بِالطَّلَاقِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ سَحْنُونٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) : فَإِذَا قَضَى لِزَوْجَتِهِ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ ثُمَّ قَدِمَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ وَقَدْ تَزَوَّجَتْ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ تَرُدُّ نِصْفَهُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا تَرُدُّ شَيْئًا كَالْمَيِّتِ، وَالْمُعْتَرِضِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيُنْفِقُ عَلَى امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ، وَعَلَى أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ مِنْ مَالِهِ فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعِ سِنِينَ وَيُنْفِقُ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ مِنْ مَالِهِ عَلَى وَلَدِهِ الصِّغَارِ دُونَ الزَّوْجَةِ الْمُعْتَدَّةِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْتِزَامَهَا حُكْمَ الْعِدَّةِ رِضًا بِالْفُرْقَةِ عَلَى وَجْهِ التَّمْوِيتِ لَهُ وَلِلْمُتَوَفَّى زَوْجُهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ. (فَرْعٌ) : فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا فِي أَرْبَعِ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَ الْخَبَرُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ رَدَّتْ مَا أَخَذَتْ مِنْ النَّفَقَةِ مِنْ يَوْمِ تُوُفِّيَ الزَّوْجُ وَكَذَلِكَ وَلَدُهُ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْمَفْقُودِينَ وَهُمْ مَنْ فُقِدَ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ زَوْجَتَهُ لَا تَتَزَوَّجُ أَبَدًا تُوقَفُ هِيَ وَمَالُهُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْعُمْرِ مَا لَا يَحْيَا إلَى مِثْلِهِ وَقَالَ مَالِكٌ إنَّمَا يُضْرَبُ الْأَجَلُ لِلْمَفْقُودِ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ لَا بِبَلَدِ الْكُفْرِ، وَلَوْ عَلِمَ بِمَوْضِعِ الْأَسِيرِ بِبَلَدِ الْكُفْرِ ثُمَّ انْقَطَعَ خَبَرُهُ لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِفِرَاقٍ وَلَا أَجَلٍ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ فُقِدَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ وَأَرْضِ الْإِسْلَامِ فَلْتَتَرَبَّصْ امْرَأَتُهُ سَنَةً مِنْ يَوْمِ يَنْظُرُ فِي أَمْرِهِ السُّلْطَانُ وَيَضْرِبُ لَهُ الْأَجَلَ ثُمَّ تَعْتَدَّ وَقَالَ أَصْبَغُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي فَقِيدِ الْمُعْتَرَكِ إذَا كَانَ بِبَلَدٍ بَعِيدٍ كَإِفْرِيقِيَّةَ أَوْ بَلَدِ الْعَدُوِّ فَهُوَ كَالْمَفْقُودِ. (فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا يُعَمِّرُ فَقَدْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَشْهَبُ يُعَمِّرُ سَبْعِينَ سَنَةً وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي إنْ مَاتَ الْأَوْلَادُ وَأَوْصَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِنَّ حَيَاتَهُنَّ بِتَعْمِيرٍ بِمِائَتَيْ سَنَةٍ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: التَّعْمِيرُ فِي الْمَفْقُودِ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّبْعِينَ إلَى الْمِائَةِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَالْمِائَةُ كَثِيرٌ وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ كُلِّهِ يَأْتِي فِي الْوَصَايَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (فَرْعٌ) : فَإِذَا قُلْنَا بِتَعْمِيرِ السَّبْعِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لِمَنْ فَارَقَ قَبْلَ السَّبْعِينَ، فَإِنْ غَابَ ابْنُ سَبْعِينَ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ يُعَمِّرُ ثَمَانِينَ، فَإِنْ غَابَ ابْنُ ثَمَانِينَ عَمَّرَ تِسْعِينَ، فَإِنْ غَابَ ابْنُ تِسْعِينَ عَمَّرَ مِائَةً وَيَعْمَلُ فِي كُلِّ سِنٍّ بِقَدْرِ مَا يَرَى بِالِاجْتِهَادِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ مِنْ الْمَفْقُودِينَ فِي فِتَنِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ

стр. 1127

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَدَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا سَبِيلَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ إلَيْهَا قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) . (ص) : (وَإِنْ أَدْرَكَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا قَالَ مَالِكٌ وَأَدْرَكْت النَّاسَ يُنْكِرُونَ الَّذِي قَالَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: يُخَيَّرُ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ إذَا جَاءَ فِي صَدَاقِهَا، أَوْ فِي امْرَأَتِهِ) . ــ [المنتقى] لَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ وَيَتَلَوَّمُ الْإِمَامُ لِزَوْجَتِهِ بِقَدْرِ انْصِرَافِ مَنْ انْصَرَفَ وَانْهَزَمَ ثُمَّ تَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ وَتَتَزَوَّجُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قُطْرًا بَعِيدًا عَنْ بَلَدِهِ كَإِفْرِيقِيَّةَ، أَوْ نَحْوِهَا، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ سَنَةً وَنَحْوَهَا قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ تَعْتَدُّ وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَيُقْسَمُ مَالُهُ قَالَ سَحْنُونٌ: إنْ ثَبَتَ حُضُورُهُ فِي الْمُعْتَرَكِ بِالْعُدُولِ، وَإِنْ لَمْ يُشْهَدْ بِمَوْتِهِ وَتَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ مِنْ يَوْمِ الْمُعْتَرَكِ. فَإِنْ كَانَ إنَّمَا رَأَوْهُ خَارِجًا مِنْ الْعَسْكَرِ لَيْسَ فِي الْمُعْتَرَكِ فَهُوَ كَالْمَفْقُودِ يُضْرَبُ لَهُ أَجْلُ الْمَفْقُودِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ فُقِدَ فِي مُعْتَرَكِ الْمُسْلِمِينَ فِي بُعْدٍ فَلْتَتَرَبَّصْ امْرَأَتُهُ سَنَةً ثُمَّ تَعْتَدَّ وَيُؤَخَّرْ مِيرَاثُهُ إلَى التَّعْمِيرِ قَالَ أَصْبَغُ: إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَعْرَكَةُ فِي مَوْضِعِهِ فَلَا تَتَرَبَّصُ أَكْثَرَ مِنْ الْعِدَّةِ وَيُقْسَمُ مِيرَاثُهُ. وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ فُقِدَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ تَتَرَبَّصُ امْرَأَتُهُ سَنَةً ثُمَّ تَعْتَدُّ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْعِدَّةُ دَاخِلَةٌ فِي السَّنَةِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ هِيَ بَعْدَ السَّنَةِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي مَوْضِعِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا فُقِدَ فِي الْمُعْتَرَكِ أَنَّهُ مَقْتُولٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَلِمَ لَعَادَ إلَى مَوْضِعِهِ، وَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ بَعِيدٍ ضُرِبَ لَهُ أَجَلُ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ سَلِمَ لَسُمِعَ خَبَرُهُ فِي السَّنَةِ وَفَرْقٌ بَيْنَ حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ وَحَرْبِ الْعَدُوِّ عَلَى رِوَايَةِ عِيسَى أَنَّ الْعَدُوَّ ذُو أَسْرٍ فَيَنْقَطِعُ خَبَرُهُ مَعَ حَيَاتِهِ وَلِذَلِكَ مَنْ فُقِدَ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ أَجَلُ الْمَفْقُودِ وَمَنْ فُقِدَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ ضُرِبَ لَهُ أَجَلُ الْمَفْقُودِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مُطْلَقَ الدَّوَاعِي مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْمُكَاتَبَةِ، وَالْمُرَاسَلَةِ وَتَتَّصِلُ أَخْبَارُهُ مِنْ بَلَدِ مُقَامِهِ إلَى بَلَدِ أَهْلِهِ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ تَعْتَدُّ ثُمَّ تَتَزَوَّجُ فَيَقْدَمُ الْمَفْقُودُ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا الثَّانِي فَقَالَ فِي الْمُوَطَّأِ: لَا سَبِيلَ لِلْأَوَّلِ إلَيْهَا وَاخْتَارَهُ الْمُغِيرَةُ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يَدْخُلْ الثَّانِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَاخْتَارَهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يَخْلُ الثَّانِي بِهَا خَلْوَةً تُوجِبُ الْعِدَّةَ فَلَا شَيْءَ لِلْأَوَّلِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَفُوتُ الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ الثَّانِي عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي فَوَاتِهَا بِالْعَقْدِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: أَدْرَكْت النَّاسَ يُنْكِرُونَ الَّذِي قَالَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: يُخَيَّرُ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ إذَا جَاءَ فِي صَدَاقِهَا، أَوْ فِي امْرَأَتِهِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ هَذَا الْقَوْلَ مَعَ صِحَّتِهِ عَنْ عُمَرَ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَهُ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ بَنَى بِامْرَأَتِهِ ثُمَّ طَرَأَ مَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْمَهْرِ غَيْرَ أَنَّ هَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِيمَا ذَكَرَهُ شُيُوخُنَا مِنْ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ حَصَلَ فِي أَنْ يُضْرَبَ لَهَا أَجَلٌ وَتَعْتَدَّ ثُمَّ يَسْتَبِيحَ النِّكَاحَ، وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ كُلُّهُ لَمْ يُخَيَّرْ الزَّوْجُ الْآنَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ الرِّوَايَةَ، وَهَذَا قَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ الْمِسْوَرِ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَضَيَا فِي الْمَفْقُودِ أَنَّ امْرَأَتَهُ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَأَرْبَعَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ تَتَزَوَّجُ، فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ خُيِّرَ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَبَيْنَ الصَّدَاقِ قَالَ الزُّهْرِيُّ: يَغْرَمُهُ الزَّوْجُ وَقَالَ مَعْمَرٌ تَغْرَمُهُ الْمَرْأَةُ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ الْإِرْسَالِ فَلَا يُمْتَنَعُ أَنْ تُنْكَرَ عَلَى رُوَاتِهَا، فَإِنَّ مَعْمَرًا قَدْ رَوَى بِالْعِرَاقِ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَحَادِيثَ مَنْ حِفْظِهِ وَهَمَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا، وَقَدْ تُنْكَرُ الرِّوَايَةُ عَلَى الثِّقَةِ إذَا انْفَرَدَ بِهَا وَخَالَفَ الْمَشْهُورَ الْمَحْفُوظَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : ، وَإِذَا دَخَلَ بِهَا الثَّانِي فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ يُفْسَخُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ كَانَ يُفْسَخُ بِطَلَاقٍ كَنِكَاحِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ وَنِكَاحِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَلَا سَبِيلَ لِلْأَوَّلِ إلَيْهَا وَيَجِبُ أَنْ

стр. 1128

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا، وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا ثُمَّ يُرَاجِعُهَا فَلَا تَبْلُغُهَا رَجْعَتُهُ، وَقَدْ بَلَغَهَا طَلَاقُهُ إيَّاهَا فَتَزَوَّجَتْ أَنَّهَا إنْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا الْآخَرُ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا سَبِيلَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا إلَيْهَا قَالَ مَالِكٌ، وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي هُنَا وَفِي الْمَفْقُودِ) ــ [المنتقى] يُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ مَا يُفْسَخُ بَعْدَ الْبِنَاءِ دُونَ مَا لَا يُفْسَخُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) وَإِذْ فَاتَتْ عَلَى الْأَوَّلِ بِعَقْدِ الثَّانِي عَلَيْهَا، أَوْ بِنَائِهِ بِهَا احْتَسَبَ الْأَوَّلُ فُرْقَتَهُ تَطْلِيقَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْفُرْقَةَ فِي حَيَاةِ الزَّوْجِ لَا تَكُونُ إلَّا لِفَسَادٍ فِي الْعَقْدِ، أَوْ فَسَادٍ يَطْرَأُ عَلَيْهِ أَوْ طَلَاقٍ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُوجِبُ الْفَسْخَ فَكَانَ طَلَاقًا. (ش) : وَهَذَا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ: هَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَفْقُودِ، وَالْمُطَلِّقِ زَوْجَتَهُ وَلَمْ تَعْلَمْ بِرَجْعَتِهِ حَتَّى تَزَوَّجَتْ أَنَّ عَقْدَ الثَّانِي عَلَيْهَا يُفِيتُهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ثُمَّ إنَّ مَالِكًا وَقَفَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ أَوْ نَحْوِهِ فِي امْرَأَةِ الْمُطَلِّقِ فَقَالَ: زَوْجُهَا الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا الثَّانِي، وَأَمَّا الْمُنْعَى لَهَا زَوْجُهَا، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ الثَّانِي أَوْلَادًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُنْعَى لَهَا زَوْجُهَا وَبَيْنَ هَذَيْنِ أَنَّ الْمُنْعَى لَهَا زَوْجُهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ وَلَا حَكَمَ إمَامٌ بِصِحَّةِ فِعْلِهَا فَلِذَلِكَ لَمْ تَفُتْ عَلَى زَوْجِهَا، وَأَمَّا الْمَفْقُودُ، فَإِنَّ فُرْقَتَهَا بِحُكْمِ إمَامٍ وَاجْتِهَادِهِ، وَالْمُطَلِّقُ الَّذِي كَتَمَ رَجْعَتَهُ سَبَبُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : ، وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً فَلَمْ تَعْلَمْ بِالرَّجْعَةِ حَتَّى وَطِئَهَا سَيِّدُهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفِيتُهَا عَلَى زَوْجِهَا؛ لِأَنَّ وَطْءَ السَّيِّدِ بِمَنْزِلَةِ وَطْءِ الزَّوْجِ فِي تَفْوِيتِهَا عَلَى الْمَفْقُودِ وَاَلَّذِي خُفِيَتْ رَجْعَتُهُ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵀، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ خِلَافَ هَذَا وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ مَا رَوَى أَنَّ أَبَا دُلَفٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ مُسَافِرًا وَأَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَلَا عِلْمَ لَهَا بِذَلِكَ حَتَّى تَزَوَّجَتْ فَسَأَلَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنْ دَخَلَ بِهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ وَإِلَّا فَهِيَ امْرَأَتُك وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ أَشَارَ إلَى هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَا جَاءَ فِي الْأَقْرَاءِ وَعِدَّةِ الطَّلَاقِ وَطَلَاقِ الْحَائِضِ] ١ ِ أَمَّا الْأَقْرَاءُ فَمَالِكٌ وَأَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: هِيَ الْأَطْهَارُ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْأَقْرَاءُ، وَالْقُرُوءُ وَاحِدُهَا قُرْءٌ مِثْلُ فَرْعٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَأَنْشَدُوا قَوْلَ الْأَعْشَى مُوَرِّثَةٌ مَجْدًا وَفِي الْأَصْلِ رِفْعَةٌ ... بِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا وَاَلَّذِي ضَاعَ هَاهُنَا الْأَطْهَارُ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: وَالْقُرْءُ مَعْنَاهُ الْجَمْعُ وَلِذَلِكَ مَا قَرَأَتْ النَّاقَةُ سَلًى قَطُّ أَيْ لَمْ يَضُمَّ رَحِمُهَا جَنِينًا قَطُّ، وَأَنْشَدُوا لِعَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ تُرِيك إذَا دَخَلْت عَلَى خَلَاءٍ ... وَقَدْ أَمِنَتْ عُيُونَ الْكَاشِحِينَا ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءِ بِكْرٍ ... هِجَانُ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْءَ الطُّهْرُ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ يَكُونُ الْجَمْعُ، وَأَمَّا وَقْتُ الْحَيْضَةِ فَلَيْسَ بِوَقْتِ جَمْعٍ، إنَّمَا هُوَ وَقْتُ إرَاقَةٍ وَدَفْقٍ وَلِذَلِكَ يُقَالُ: قَرَأْت الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ إذَا جَمَعْته فِيهِ وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الْإِرَاقَةِ لَهُ، وَالْإِرْسَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنَّ الْقُرْءَ الْحَيْضُ يُقَالُ أَقْرَاءٌ وَقُرُوءٌ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ الْقُرْءُ الْحَيْضُ يُقَالُ أَقْرَأَتْ الْمَرْأَةُ إذَا حَاضَتْ وَقَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَالْفَرَّاءُ وَقَالَ الْأَخْفَشُ أَقْرَأَتْ الْمَرْأَةُ إذَا حَاضَتْ، أَنْشَدُوا يَا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فَارِضٍ لَهُ ... قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الْحَائِضِ ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْوَقْتَ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ هَذَا بِالْوَقْتِ أَشْبَهُ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْقُرْءُ يَصْلُحُ لِلطُّهْرِ

стр. 1129

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا فَلْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» ) ــ [المنتقى] وَالْحَيْضِ وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَهُوَ فِي الطُّهْرِ أَظْهَرُ وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إذَا احْتَمَلَ الْمَعْنَيَيْنِ وَجَدْنَاهُ مُسْتَعْمَلًا فِي الشَّرْعِ فِي الطُّهْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ وَكَتَبَ لِغُرَّةِ الشَّهْرِ يُرِيدُ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إنَّمَا يُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ وَقْتَ الطُّهْرِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُعْتَبَرَ بِهِ فِي الْعِدَّةِ، فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] يَعْنِي وَقْتًا تَعْتَدُّ بِهِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١] يُرِيدُ مَا تَعْتَدُّ بِهِ الْمَرْأَةُ الْمُطَلَّقَةُ، وَهُوَ الطُّهْرُ الَّذِي تَطْلُقُ فِيهِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ زَمَانَ الطُّهْرِ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى عِدَّةً، وَهُوَ الَّذِي يُطَلَّقُ فِيهِ النِّسَاءُ وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ طَلَّقَ فِي حَالِ الْحَيْضِ لَمْ يَعْتَدَّ بِذَلِكَ الْحَيْضِ وَمَنْ طَلَّقَ فِي حَالِ طُهْرٍ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ عِنْدَنَا بِذَلِكَ الطُّهْرِ فَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَلِأَنَّ الْأَقْرَاءَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ أَوْ لِتَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ بَرَاءَتُهُ فَإِذَا حَاضَتْ حَيْضَةً كَانَتْ مِنْ الْعَلَامَةِ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ فَإِذَا حَاضَتْ الثَّانِيَةَ، وَالثَّالِثَةَ تَأَكَّدَ مَا يُرَادُ مِنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ فَحَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ وَلَمْ تَنْتَظِرْ بَقِيَّةَ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ آخِرَ الْحَيْضِ أَضْعَفُ مِنْ أَوَّلِهِ فَلَا مَعْنَى لِمُرَاقَبَتِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ وَطِىءَ أَمَتَهُ وَأَرَادَ بَيْعَهَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ بِدُخُولِهَا فِي الْحَيْضَةِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى تَطْهُرَ وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: الْقُرْءُ الْوَقْتُ، وَهُوَ يَصْلُحُ لِلطُّهْرِ، وَالْحَيْضِ وَيُقَالُ: هَذَا قَارِي الرِّيَاحِ أَيْ وَقْتُ هُبُوبِهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ يَقْرُبُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ الْقُرْءَ هُوَ الْخُرُوجُ مِنْ طُهْرٍ إلَى حَيْضٍ. وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَا يَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ هُوَ خُرُوجٌ مِنْ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ فَخَرَجَتْ مِنْ طُهْرٍ إلَى حَيْضٍ أَوْ مِنْ حَيْضٍ إلَى طُهْرٍ. (فَصْلٌ) : الطَّلَاقُ الشَّرْعِيُّ هُوَ مِنْ فُرْقَةِ الزَّوْجَةِ يُقَالُ طَلُقَتْ الْمَرْأَةُ وَحُكِيَ طَلَّقَتْ، وَالْمَرْأَةُ طَالِقٌ وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْهَاءَ سَقَطَتْ مِنْ طَالِقٍ؛ لِأَنَّهُ لَاحَظَ التَّذْكِيرَ فِيهِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقَالَ: إنَّ مِثْلَ هَذَا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُؤَنَّثُ، وَالْمُذَكَّرُ يُقَالُ بَعِيرٌ ضَامِرٌ وَنَاقَةٌ ضَامِرٌ وَشَاغِلٌ وَزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَى لَفْظِ التَّذْكِيرِ صِفَةً لِلْمُؤَنَّثِ، وَذَلِكَ بِمَعْنَى النَّسَبِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: امْرَأَةٌ مِذْكَارٌ وَرَجُلٌ مِذْكَارٌ يُرِيدُونَ ذَاتَ ذُكُورٍ وَكَذَلِكَ امْرَأَةٌ طَالِقٌ يُرِيدُونَ ذَاتَ طَلَاقٍ فَإِذَا أَجْرَيْته عَلَى الْفِعْلِ قُلْت طَالِقَةٌ قَالَ الْأَعْشَى أَيَا جَارَتِي بِينِي فَإِنَّك طَالِقَهْ ... كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وَطَارِقَهْ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا فَلْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» ) . (ش) : قَوْلُهُ: إنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِمَا أَوْ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِذَلِكَ مِنْ النِّسَاءِ، فَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا حَائِضٌ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الزَّوْجُ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ هِيَ مُصَدَّقَةٌ وَلَا تُكْشَفُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهَا النِّسَاءُ وَيُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى الرَّجْعَةِ؛ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْحَيْضِ فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ مُصَدَّقَةً فِيهِ كَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ طَلَّقَ فَقَالَتْ: طَلَّقَنِي فِي الْحَيْضِ فَقَالَ بَلْ طَلَّقْتُك، وَأَنْتِ طَاهِرٌ الْقَوْلُ قَوْلُهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تَقُولَهُ بَعْدَمَا طَهُرَتْ، وَأَمَّا إذَا قَالَتْهُ قَبْلَ أَنْ تُقِرَّ بِالطُّهْرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَالَ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ. ١ -

стр. 1130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فَصْلٌ) سُؤَالُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ عَنْ طَلَاقِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ امْرَأَتَهُ فِي حَالِ حَيْضِهَا لِمَا ظَهَرَ إلَيْهِ مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ أَوْ لِمَا سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَنْعِ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ حُكْمَ مَا يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ وَوَقَعَ مِنْهُ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَةً فِي دَمِ حَيْضٍ وَلَا دَمِ نِفَاسٍ لِمَا ذَكَرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» ، وَهَذَا يَقْتَضِي مَنْعَ الطَّلَاقِ فِي غَيْرِهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَالِحَ امْرَأَتَهُ فِي الْحَيْضِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ الَّذِي يَكُونُ بِغَلَبَةٍ مِنْ السُّلْطَانِ فِيمَنْ بِهِ جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ عُنَّةٌ أَوْ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ فِي دَمٍ وَلَا حَيْضٍ وَلَا نِفَاسٍ، وَالْأَمَةُ تُعْتَقُ فِي الْحَيْضِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَخْتَارَ حَتَّى تَطْهُرَ، فَإِنْ فَعَلَتْ مَضَى، وَأَمَّا الْمَوْلَى فَرَوَى أَشْهَبُ لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ حَالَ الْحَيْضِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ تَطْلُقُ عَلَيْهِ؛ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ قَالَ: وَكَيْفَ أُطَلِّقُ عَلَيْهِ وَأُجْبِرُهُ عَلَى الرَّجْعَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الطَّلَاقَ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] ، وَالِارْتِجَاعُ بَعْدَ ذَلِكَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَجِبُ أَنْ يُقْضَى بِالْحَقَّيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ لُزُومُ مَا يُوقِعُ مِنْ الطَّلَاقِ حِينَ الْحَيْضِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا رَأَتْ الْحَائِضُ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ فَلَا يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ حَالَةٌ هِيَ مَمْنُوعَةٌ فِيهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَوَطْءِ الْحَائِضِ لِأَجْلِ الْحَيْضِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ الطَّلَاقُ أَصْلَ ذَلِكَ مَا دَامَتْ حَائِضًا فَإِذَا وَضَعَتْ الْحَامِلُ وَلَدًا وَبَقِيَ فِي بَطْنِهَا آخَرُ فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ: إنْ قُلْنَا تَطْلُقُ الْحَامِلُ حَالَ الْحَيْضِ لَمْ يُجْبَرْ هَذَا عَلَى الرَّجْعَةِ، وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ تُمَيِّزُ فَتَطْلُقُ حَالَ الْحَيْضِ يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ فَيَجْرِي الْأَمْرُ فِي هَذِهِ عَلَى تِلْكَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ عَنْ الْمَرْأَةِ فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثُمَّ عَاوَدَهَا بِالْقُرْبِ أُجْبِرَ الزَّوْجُ عَلَى الرَّجْعَةِ قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ إذْ قَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ مُطَلِّقٌ فِي وَقْتٍ يُضَافُ مَا بَعْدَهُ مِنْ الدَّمِ إلَى مَا قَبْلَهُ فَتَعُدُّ ذَلِكَ كُلَّهُ حَيْضَةً وَاحِدَةً كَاَلَّذِي طَلَّقَ حَالَ الْحَيْضِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِي وَقْتٍ يَجُوزُ إيقَاعُهُ فِيهِ وَيَصِحُّ صَوْمُهُ وَوَطْءُ الزَّوْجِ فِيهِ كَمَا لَوْ أَوْقَعَهُ حَالَ طُهْرٍ كَامِلٍ، وَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ لِبَعْضِ الصَّقَلِّيِّينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُطَلِّقَ الصَّغِيرَةَ، وَالْيَائِسَةَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ وَلَا يُوصَفُ طَلَاقُهُمَا بِأَنَّهُ لِلسُّنَّةِ وَلَا لِلْبِدْعَةِ؛ لِأَنَّ حَالَهُمَا وَاحِدَةٌ لَيْسَتْ لَهُمَا حَالَانِ فَيَخْتَصُّ إيقَاعُ الطَّلَاقِ بِإِحْدَاهُمَا، وَإِنَّمَا جَمِيعُ تِلْكَ الْحَالِ وَقْتٌ لِلْعِدَّةِ فَكَانَتْ وَقْتًا لِلطَّلَاقِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فَفِي طَلَاقِهَا حَالَ الْحَيْضِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: مَا رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ أَشْهَبُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ طَلَاقٌ لَا يَلْحَقُ بِهِ ضَرَرُ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ كَطَلَاقِ الطَّاهِرِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ طَلَاقُ حَائِضٍ فَتَعَلَّقَ بِهِ الْمَنْعُ كَطَلَاقِ الْمَدْخُولِ بِهَا. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ: مَنْعُ أَشْهَبَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ طَلَاقَهَا يَتَنَوَّعُ إلَى السُّنَّةِ، وَالْبِدْعَةِ مِنْ جِهَةِ الْوَقْتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ فَلَا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْحَامِلِ: إنَّهُ يَتَخَرَّجُ طَلَاقُهَا حَالَ حَيْضِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَوَجَدْت لِلْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ وَلِلشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ، وَتَوْجِيهُ الْقَوْلِ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: مُسْتَحَاضَةٌ لَا تُمَيِّزُ وَمُسْتَحَاضَةٌ تُمَيِّزُ فَأَمَّا الَّتِي لَا تُمَيِّزُ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الصَّغِيرَةِ، وَالْيَائِسَةِ قَالَ ابْن شِهَابٍ: تَطْلُقُ الْمُسْتَحَاضَةُ إذَا طَهُرَتْ لِلصَّلَاةِ قَالَ فَجَعَلَ ذَلِكَ طُهْرَهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي

стр. 1131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَنَّهُ أَرَادَ الَّتِي تُمَيِّزُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْمُسْتَحَاضَةَ الَّتِي تُمَيِّزُ وَاَلَّتِي لَا تُمَيِّزُ فَيَكُونُ طُهْرُ الَّتِي تُمَيِّزُ الِاغْتِسَالَ مِنْ الْحَيْضِ وَيَكُونُ طُهْرُ الَّتِي لَا تُمَيِّزُ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابنَا: إنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ حَدَثٌ فِيهِ تَأْثِيرٌ فِي مَنْعِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْحَيْضِ الَّذِي يَمْنَعُهُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ : «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» ظَاهِرُ هَذَا الْأَمْرِ وُجُوبُهُ عَلَى عُمَرَ ﵁ لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدَّمَهُ لِلْحُكْمِ بِذَلِكَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ بِالِارْتِجَاعِ وَيَقْتَضِي أَمْرَ عُمَرَ لِابْنِهِ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَلُزُومِهِ لَهُ. وَإِنْ كَانَ أَمْرُ عُمَرَ بِذَلِكَ بِمَعْنَى التَّقَدُّمِ لِيَحْكُمَ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُ ﷺ : «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ لَازِمٌ لِكُلِّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي حَالِ حَيْضِهَا أَنْ يُرَاجِعَهَا إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بَائِنٌ بِخُلْعٍ أَوْ اسْتِيفَاءِ عَدَدِ الطَّلَاقِ أَوْ طُلِّقَ عَلَيْهِ مِنْ جُنُونٍ أَوْ جُذَامٍ أَوْ عُنَّةٍ أَوْ إعْسَارٍ بِنَفَقَةٍ فَأَمَّا الْعِنِّينُ فَلَا رَجْعَةَ لَهُ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلِزَوَالِ مُوجِبِ الطَّلَاقِ مِثْلُ أَنْ يُفِيقَ الْمَجْنُونُ أَوْ يُوسِرَ الْمُعْسِرُ أَوْ يَخِفَّ الْجُذَامُ إلَى حَالٍ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا لَمْ تَطْلُقْ عَلَيْهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الرَّجْعَةُ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَمَنْ طَلَّقَ مِنْهُمْ حَائِضًا أُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا يُؤْمَرُ بِهَا وَلَا يُجْبَرُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ مُضَارٌّ بِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ فَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَأُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ. (فَرْعٌ) : فَإِنْ أُمِرَ بِالرَّجْعَةِ فَامْتَنَعَ مِنْهَا فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ يُهَدَّدُ سَوَاءً ابْتَدَأَ الطَّلَاقَ أَوْ حَنِثَ، فَإِنْ أَبَى يَسْجُنُهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا ضُرِبَ بِالسَّوْطِ وَيَكُونُ ذَلِكَ قَرِيبًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ تَمَادَى أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ الرَّجْعَةَ وَكَانَتْ الرَّجْعَةُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ امْتِنَاعَهُ مِنْ الرَّجْعَةِ وَبَقَاءَهُ عَلَى حُكْمِ الطَّلَاقِ مَعْصِيَةٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَجْتَرِئَ عَلَى الْإِقْلَاعِ عَنْهَا، وَالْخُرُوجِ مِنْهَا وَإِلَّا لَزِمَ مَا يَجِبُ مِنْ ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ غَفَلَ عَنْهُ حَتَّى طَهُرَتْ فُعِلَ بِهِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ تِلْكَ الْعِدَّةِ وَقَالَ أَشْهَبُ مَا لَمْ تَطْهُرْ مِنْ تِلْكَ الْحَيْضِ ثُمَّ تَطْهُرُ فَلَا تُجْبَرُ؛ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ مِنْ الْعِدَّةِ فَأُجْبِرَ الْمُطَلِّقُ عَلَى ارْتِجَاعِهَا أَصْلُ ذَلِكَ الطُّهْرُ الْأَوَّلُ وَزَمَنُ الْحَيْضِ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَحَبُّ إلَيْنَا؛ لِأَنَّهَا رَجْعَةٌ وَجَبَتْ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ أَنَّهُ لَوْ ارْتَجَعَ لَجَازَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ الْآنَ فَلَا يُجْبَرُ الْآنَ عَلَى الرَّجْعَةِ لِانْقِضَاءِ الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الطَّلَاقِ فِيهِ وَفِي هَذَا الطُّهْرِ أَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ عُمَرَ أَنْ يُطَلِّقَ بَعْدَ أَنْ يَرْتَجِعَ فَلَا مَعْنَى لِجَبْرِهِ فِيهِ عَلَى الِارْتِجَاعِ. (فَرْعٌ) : فَإِنْ أُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ وَلَمْ يَنْوِهَا فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا فَوْقَ الْإِزَارِ مِنْهَا حَالَ حَيْضِهَا، لَوْ نَوَى الرَّجْعَةَ جَازَ لَهُ ذَلِكَ وَرَأَيْت لِلشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ هِيَ رَجْعَةٌ صَحِيحَةٌ وَلَهُ الْوَطْءُ كَالْمُتَزَوِّجِ هَازِلًا يَلْزَمُهُ النِّكَاحُ وَلَهُ الْوَطْءُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ لَمْ يُجْبَرْ فِي الْحَيْضِ الْأَوَّلِ عَلَى الِارْتِجَاعِ فَلَمَّا طَهُرَتْ طَلَّقَهَا ثَانِيَةً قَبْلَ أَنْ يُرَاجِعَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجْعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ الْأَوَّلِ فِي الْحَيْضِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ ذَلِكَ بِمَا زَادَ مِنْ الطَّلْقَةِ الثَّانِيَةِ مَا بَقِيَتْ لَهُ فِيهَا رَجْعَةٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ أُجْبِرَ عَلَى الِارْتِجَاعِ فَارْتَجَعَ فَلَمَّا طَهُرَتْ طَلَّقَهَا ثَانِيَةً قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: بِئْسَ مَا صَنَعَ وَلَا أُجْبِرُهُ عَلَى الرَّجْعَةِ وَجْهُ كَرَاهِيَةِ طَلَاقِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَ ثُمَّ يُمْسِكَ حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ. وَهَذَا عَامٌّ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الِارْتِجَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الطَّلَاقِ تَطْوِيلٌ لِلْعِدَّةِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلِهِ ﷺ : «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ

стр. 1132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] شَاءَ أَمْسَكَ» قَالَ شُيُوخُنَا الْبَغْدَادِيُّونَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُمْسِكَهَا فِي الطُّهْرِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْوَطْءِ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ النِّكَاحِ الْمُبْتَدَأِ، وَالرَّجْعَةِ الْوَطْءُ فَلِذَلِكَ شُرِعَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا فِي طُهْرٍ يَكُونُ لَهُ فِيهِ الْوَطْءُ إنْ شَاءَ لِئَلَّا يَكُونَ ارْتِجَاعُهُ لِغَيْرِ مَقْصُودِ النِّكَاحِ فَيَكُونُ عَلَى مَعْنَى الْإِضْرَارِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَشَرَطَ إرَادَةَ الْإِصْلَاحِ فِي الرَّجْعَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سُنَّةِ النِّكَاحِ وَمُقْتَضَاهُ وَمَقْصُودِهِ، وَلَفْظُ الرَّجْعَةِ يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ. وَلَوْ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ لَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُمْسِكْهَا هَكَذَا رَوَى الْحَدِيثَ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ أَثْبُتُ النَّاسِ فِيهِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ وَابْنُ شِهَابٍ أَثْبُتُ مَنْ يُرْوَى عَنْهُ وَتَابَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ وَرَوَاهُ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ سِيرِينَ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَالُوا فِيهِ «فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ طَلَّقَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ» . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى طَلْحَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَزَادَ فِيهِ «ثُمَّ إنْ شَاءَ طَلَّقَهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ أَوْ حَامِلًا» ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالزِّيَادَةُ مِنْ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ لَا سِيَّمَا مِثْلُ هَذَا، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ سَالِمٌ وَعَلْقَمَةُ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ رَوَوْا الزِّيَادَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَالنَّظَرُ يُعَضِّدُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ يُرَاجِعُهَا، وَإِذَا طَهُرَتْ كَانَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَثَرِ، وَالنَّظَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: «إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ» يَقْتَضِي أَنَّهُ يُوقِعُ الطَّلَاقَ فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ لِمَا فِي الطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ قَدْ مَسَّ فِيهِ مِنْ الْإِلْبَاسِ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي أَتَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ أَوْ بِالْحَمْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ : «فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ وَلَا يُعْقِبْ حَيْضًا طَلَّقَ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً جَازَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ وَاَلَّذِي طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ إذَا ارْتَجَعَ لَوْ أُبِيحَ لَهُ الطَّلَاقُ فِي الطُّهْرِ الْأَوَّلِ لَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَ فِي طُهْرٍ مَسَّ فِيهِ أَوْ يَكُونَ ارْتِجَاعُهُ بِمُضِيِّ نِكَاحٍ لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الْوَطْءِ، وَذَلِكَ مَحْظُورٌ فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنْ الطَّلَاقِ فِي أَوَّلِ طُهْرٍ لِيَسْلَمَ مِنْ ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعْتَدُّ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ الَّذِي يُوقِعُهُ فِي الْحَيْضِ رَجْعِيًّا كَانَ أَوْ بَائِنًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِمَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ وَهُمْ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ عُلَيَّةَ وَدَاوُد، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] قَالَ: وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ فِي حَالِ حَيْضٍ أَوْ طُهْرٍ وَلَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ تَعَالَى أَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ إيقَاعَ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ الطَّلَاقِ وَلَمْ يَخُصَّ حَالًا دُونَ حَالٍ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَا يَمْلِكُ إيقَاعَهُ أَوْ يُرِيدُ بِهِ إنْ وَقَعَ هَذَا الْعَدَدُ مِنْ الطَّلَاقِ لَزِمَهُ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ أَيْضًا عَلَى عُمُومِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: طَلَّقْت امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَ فِيهَا، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ حَيْضَتِهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا قَالَ: وَالطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا فَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: فَفِي الْحَدِيثِ أَدِلَّةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَالَ ﷺ : «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» قَالَ: وَهَذَا لَا يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِي النِّكَاحِ إلَّا بِالطَّلَاقِ الَّذِي يُعْتَدُّ بِهِ، وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا وَاَلَّذِي كَانَ يُحْتَسَبُ بِهِ فِي

стр. 1133

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا انْتَقَلَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَتْ: صَدَقَ عُرْوَةُ، وَقَدْ جَادَلَهَا فِي ذَلِكَ نَاسٌ وَقَالُوا: إنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَقَالَتْ عَائِشَةُ: صَدَقْتُمْ تَدْرُونَ مَا الْأَقْرَاءُ إنَّمَا الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ فَاَلَّذِي عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: مَا أَدْرَكْت أَحَدًا مِنْ فُقَهَائِنَا إلَّا وَهُوَ يَقُولُ هَذَا يُرِيدُ قَوْلَ عَائِشَةَ ﵂) . ــ [المنتقى] ذَلِكَ الزَّمَانِ إنَّمَا كَانَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَقَدْ شُووِرَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَفْتَى فِيهَا بِمَا امْتَثَلَ فَمُحَالٌ أَنْ يَعْتَدَّ بِهَا عَبْدُ اللَّهِ طَلْقَةً مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ ﷺ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ مَبْنِيٍّ عَلَى التَّغْلِيبِ، وَالسِّرَايَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْفُذَ فِي حَالِ الطُّهْرِ، وَالْحَيْضِ كَالْعِتْقِ. وَاسْتِدْلَالٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ إيقَاعَ الطَّلَاقِ وَإِلْزَامَهُ تَغْلِيظٌ وَمَنْعَهُ تَخْفِيفٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمَجْنُونَ، وَالصَّبِيَّ، وَالنَّائِمَ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ عُصَاةٍ وَيَلْزَمُ السَّكْرَانَ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ أَوْقَعَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَبِأَنْ يَلْزَمَ مَنْ أَوْقَعَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ أَوْلَى وَأَحْرَى. (ش) : قَوْلُهُ: إنَّ عَائِشَةَ ﵂ انْتَقَلَتْ حَفْصَةَ حِينَ دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ يَقْتَضِي أَنَّهَا تَعْتَقِدُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا وَاسْتِبْقَاءَ مَا كَانَ لَزِمَهَا مِنْ الْمُقَامِ بِسَبَبِهَا، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَالَهُ شُيُوخُنَا مِنْ أَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْأَطْهَارُ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْمَدْخُولَ بِهَا مَعَ السَّلَامَةِ تَعْتَدُّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَذَهَبَتْ عَائِشَةُ وَأَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ أَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْأَطْهَارُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَدْ احْتَجَّ مَالِكٌ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ، فَإِنَّمَا تَطْلُقُ فِي طُهْرٍ تَعْتَدُّ بِهِ وَيَحْتَجُّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إذْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُطَلِّقَ لِلطُّهْرِ ثُمَّ قَالَ ﷺ : «فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» غَيْرَ أَنَّ آخِرَ الطُّهْرِ يُجْزِئُ عَنْ جَمِيعِهِ وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ الْقُرْءَ الْخُرُوجُ مِنْ الطُّهْرِ إلَى الْحَيْضِ فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ كَمُلَتْ لَهَا ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَكَانَ لَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ مِنْ مَوْضِعِ اعْتِدَادِهَا وَقَالَهُ أَشْهَبُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَمْرَةَ: وَقَدْ جَادَلَهَا فِي ذَلِكَ أُنَاسٌ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُجَادَلَةَ مُبَاحَةٌ عِنْدَ الصَّحَابَةِ بَلْ هِيَ مَأْمُورٌ بِهَا إذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِهَا مِنْ الْقَصْدِ إلَى الْحَقِّ وَطَلَبِ حَقِيقَةِ الْحُكْمِ، فَإِنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَدْ أَتَتْ ذَلِكَ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ النَّاسِ وَشَاعَ ذَلِكَ وَاشْتَهَرَ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ عَلَيْهَا فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُمْ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] عَلَى مَعْنَى الْمَنْعِ لَهَا مِنْ انْتِقَالِ الْمُعْتَدَّةِ بِأَوَّلِ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَجَاوَبَتْهُمْ عَائِشَةُ بِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِالْآيَةِ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّ تَأْوِيلَهَا عَلَى غَيْرِ مَا ظَنَنْتُمْ، وَذَلِكَ أَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْحِيَضُ، وَإِنَّمَا الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّ اسْمَ الْقُرْءِ يَقَعُ عَلَى الطُّهْرِ، وَالْحَيْضِ إلَّا أَنَّهُ فِي الطُّهْرِ أَظْهَرُ فَعَلَى هَذَا يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الطُّهْرِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فِيهِ أَظْهَرُ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَا يُعْدَلَ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْحُكْمَ الثَّانِيَ إذَا عُلِّقَ فِي الشَّرْعِ عَلَى اسْمٍ يَتَنَاوَلُ مَعْنَيَيْنِ تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِمَا وُجُودًا فَإِذَا كَانَ الطَّلَاقُ فِي زَمَنِ الطُّهْرِ فَأَوَّلُ الْأَقْرَاءِ الْأَطْهَارُ فَيَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَائِشَةَ لِمَنْ جَادَلَهَا فِي ذَلِكَ أَتَدْرُونَ مَا الْأَقْرَاءُ، وَإِنَّمَا الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ إنْ كَانَتْ قَالَتْ ذَلِكَ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فَوَاضِحٌ؛ لِأَنَّهَا أَعْلَمَتْهُمْ بِمُقْتَضَاهُ فِي اللُّغَةِ، وَإِنْ كَانَتْ قَالَتْ ذَلِكَ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ، وَالْعِلْمِ بِاللُّغَةِ فِي الْعَرَبِيَّةِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْأَقْرَاءُ وَاقِعَةً فِي الطُّهْرِ عَلَى الْحَيْضِ فَأَعْلَمَتْهُمْ

стр. 1134

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ الْأَحْوَصَ هَلَكَ بِالشَّامِ حِينَ دَخَلَتْ امْرَأَتُهُ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَكَتَبَ إلَيْهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إنَّهَا إذَا دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ وَبَرِئَ مِنْهَا وَلَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ وَابْنَ شِهَابٍ كَانُوا يَقُولُونَ: إذَا دَخَلَتْ الْمُطَلَّقَةُ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَدَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَرِئَتْ وَبَرِئَ مِنْهَا قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا مَالِكٌ عَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى الْمَهْدِيِّ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَا يَقُولَانِ: إذَا طَلُقَتْ الْمَرْأَةُ فَدَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ وَحَلَّتْ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَابْنَ شِهَابٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ عِدَّةَ الْمُخْتَلِعَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ الْأَقْرَاءُ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ) . ــ [المنتقى] أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الشَّرْعِ الطُّهْرُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْعَرَبِ يُرِيدُ بِهِ الطُّهْرَ وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ بِهِ الْحَيْضَ فَأَعْلَمَتْهُمْ أَنَّهُ فِي لُغَةِ قُرَيْشٍ الطُّهْرُ، وَأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ فِي لُغَةِ قُرَيْشٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَا أَدْرَكْت أَحَدًا مِنْ فُقَهَائِنَا إلَّا وَهُوَ يَقُولُ هَذَا يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ إلَّا وَهُوَ يَقُولُ: إنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْأَطْهَارُ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَهُمْ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فَيُرْجَعُ إلَى قَوْلِهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي مُوسَى وَعَبْدِ اللَّهِ أَنَّ الْقُرْءَ الْحَيْضَةُ. وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَثْرَمِ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ كَانَ يَذْهَبُ إلَى ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ رَأَيْت حَدِيثَ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ يَخْتَلِفُ فِي إسْنَادِهِ الْأَعْمَشُ وَمَنْصُورٌ الْحَاكِمُ وَحَدِيثُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَلِيٍّ لَيْسَ هُوَ عِنْدِي سَمَاعًا، وَهُوَ مُرْسَلٌ أَرْسَلَهُ سَعِيدٌ عَنْ عَلِيٍّ وَحَدِيثُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي مُوسَى مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهُ، وَالْأَحَادِيثُ عَمَّنْ قَالَ: الْأَقْرَاءُ هِيَ الْأَطْهَارُ قَوِيَّةٌ صَحِيحَةٌ فَرَجَعَ أَحْمَدُ إلَى هَذَا. (ش) : وَقَوْلُهُ: إنَّ الْأَحْوَصَ هَلَكَ بِالشَّامِ حِينَ دَخَلَتْ امْرَأَتُهُ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ وَكَانَ طَلَّقَهَا يَقْتَضِي عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي حَالِ صِحَّتِهِ، وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي الْمَرَضِ الَّذِي تُوُفِّيَ مِنْهُ لَوَرِثَتْهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فِي ذَلِكَ إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْأُمَرَاءِ أَوْ الْحُكَّامِ مِنْ مُشَاوَرَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاسْتِدْعَاءِ فَتَاوَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِيمَا أَشْكَلَ مِنْ الْمَسَائِلِ بِالْآفَاقِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: إذَا دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ وَبَرِئَ مِنْهَا يُرِيدُ أَنَّهُ انْقَضَى مَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ أَحْكَامِ الْعِدَّةِ مِنْ الِارْتِجَاعِ، وَالنَّفَقَةِ، وَالسُّكْنَى، وَالتَّوَارُثِ، وَالْمَنْعِ مِنْ تَزَوُّجِ غَيْرِهِ. (ش) : قَوْلُهُمْ: إنَّ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ يُرِيدُونَ الَّتِي تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ لِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَلَفْظُ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْخَبَرِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ بِالْأَمْرِ، فَإِنَّ خَبَرَ الْبَارِي تَعَالَى لَا يَكُونُ بِخِلَافِ مَخْبَرِهِ وَنَحْنُ نَرَى مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ مَنْ لَا تَتَرَبَّصُ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْأَمْرِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ: عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ يُرِيدُ أَنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَ الْقُرْأَيْنِ لَا يَمْنَعُ

стр. 1135

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يُحْيِي بْنِ سَعِيدٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّ امْرَأَتَهُ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ فَقَالَ: إذَا حِضْت فَآذِنِينِي فَلَمَّا حَاضَتْ آذَنَتْهُ فَقَالَ: إذَا طَهُرْت فَآذِنِينِي فَلَمَّا طَهُرَتْ آذَنَتْهُ فَطَلَّقَهَا قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي ذَلِكَ) . مَا جَاءَ فِي عِدَّةِ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا إذَا طَلُقَتْ فِيهِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا يَذْكُرَانِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ طَلَّقَ ابْنَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ أَلْبَتَّةَ فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ إلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فَقَالَتْ: اتَّقِ اللَّهَ وَارْدُدْ الْمَرْأَةَ إلَى بَيْتِهَا فَقَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ غَلَبَنِي وَقَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ أَوَ مَا بَلَغَك شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَا يَضُرُّك أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ فَقَالَ مَرْوَانُ: إنْ كَانَ بِك الشَّرُّ فَحَسْبُك مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنْ الشَّرِّ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ فَطَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ فَانْتَقَلَتْ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) . ــ [المنتقى] الِاعْتِبَارَ بِهَا مَا لَمْ يُؤَدِّ تَأْخِيرُ الْقُرْءِ إلَى حَالِ الرِّيبَةِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (ش) : قَوْلُ الْأَنْصَارِيِّ لِامْرَأَتِهِ إذْ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ: إذَا حِضْت فَآذِنِينِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي طُهْرٍ قَدْ مَسَّهَا فِيهِ وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ فِيهِ مَمْنُوعٌ فَأَمَرَهَا أَنْ تُؤْذِنَهُ بِحَيْضِهَا لِيَسْلَمَ طَلَاقُهُ مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا حَاضَتْ قَالَ لَهَا: إذَا طَهُرْت فَآذِنِينِي؛ لِأَنَّ إيقَاعَ الطَّلَاقِ حَالَ الْحَيْضِ مَمْنُوعٌ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَمَّا طَهُرَتْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ وَلَا تَعَقَّبَ حَيْضًا طَلَّقَهَا فِيهِ، وَهُوَ الزَّمَانُ الَّذِي شُرِعَ إيقَاعُ الطَّلَاقِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَا جَاءَ فِي عِدَّةِ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا إذَا طَلُقَتْ فِيهِ] (ش) : قَوْلُهُ: إنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ طَلَّقَ ابْنَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ أَلْبَتَّةَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَإِنَّ تِلْكَ الطَّلْقَةَ تُوصَفُ بِهَا أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا فِي ذَلِكَ حُكْمُ الثَّلَاثِ وَانْتِقَالُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنَتِهِ يُرِيدُ مِنْ مَوْضِعِ عِدَّتِهَا، وَهُوَ مَوْضِعُ سُكْنَاهَا مَعَ زَوْجِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ السُّكْنَى، وَإِنْ كَانَتْ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ حِفْظُ النَّسَبِ وَلِحَقِّ اللَّهِ بِهِ تَعَلُّقٌ فَيُغَلَّظُ لِذَلِكَ فَلَيْسَ لِلزَّوْجَةِ إسْقَاطُهُ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لِلْمَبْتُوتَةِ: السُّكْنَى عَلَى زَوْجِهَا فِي الْعِدَّةِ وَيُحْبَسُ وَيُبَاعُ عَلَيْهِ فِيهِ مَالُهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا حَقٌّ عَلَى الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُؤْخَذُ بِهِ كَمَا يُؤْخَذُ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فَذَلِكَ عَلَيْهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ حَقُّ السُّكْنَى، وَالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِشَرْطِ الْيَسَارِ وَالْغِنَى وَيَسْقُطُ مَعَ الْعَدَمِ فَيَكُونُ عَلَيْهَا أَنْ تُسْكِنَ نَفْسَهَا كَمَا يَكُونُ عَلَيْهَا أَنْ تُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا، وَهَذَا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا الَّتِي يُوطَأُ مِثْلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا سُكْنَى فِي وَفَاةٍ وَلَا طَلَاقٍ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا أَنَّ لَهَا السُّكْنَى فِي الْفِرَاقِ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا إذَا بُوِّئَتْ بَيْتًا قَالَ مَالِكٌ وَتَعْتَدُّ الْأَمَةُ حَيْثُ كَانَتْ إنْ كَانَ الزَّوْجُ يَأْتِيهَا عِنْدَ أَهْلِهَا اعْتَدَّتْ عِنْدَهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُمْ بِالنَّهَارِ وَتَبِيتُ عِنْدَ زَوْجِهَا بِاللَّيْلِ اعْتَدَّتْ فِي مَنْزِلِهِ قَالَ أَشْهَبُ: إنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا فَعَلَيْهِ السُّكْنَى وَإِلَّا فَلَا، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ: إنَّ سُكْنَى الْعِدَّةِ مُعْتَبَرَةٌ بِالسُّكْنَى حَالَ الزَّوْجِيَّةِ وَيَتَعَيَّنُ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ سُكْنَى فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ وَقْتَ كَمَالِ النِّكَاحِ فَبَانَ لَا يَجِبُ لَهَا حَالَ الْفِرَاقِ، وَهُوَ وَقْتُ إسْلَامِ النِّكَاحِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ: إنَّ السُّكْنَى حُكْمٌ يَجِبُ بِالزَّوْجِيَّةِ كَالنَّفَقَةِ فَإِذَا اقْتَضَتْ الزَّوْجِيَّةُ ثُبُوتَ إحْدَاهُمَا اقْتَضَتْ الْأُخْرَى، إذَا لَمْ تَقْتَضِهِ لَمْ تَقْتَضِ الْأُخْرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا

стр. 1136

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ فِي مَسْكَنِ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ طَرِيقُهُ إلَى الْمَسْجِدِ فَكَانَ يَسْلُكُ الطَّرِيقَ الْأُخْرَى مِنْ إدْبَارِ الْبُيُوتِ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ عَلَيْهَا حَتَّى رَاجَعَهَا) . ــ [المنتقى] الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا فَلَا سُكْنَى لَهَا فِي الطَّلَاقِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَنَى بِهَا زَوْجُهَا قَالَهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَيَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ الْبِنَاءِ حُكْمُ الْبِنَاءِ فِي عِدَّةٍ وَلَا كَمَالِ صَدَاقٍ وَلَا وُجُوبِ سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلْمُعْتَدَّةِ السُّكْنَى فَلَا تَبِيتُ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا وَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ نَهَارًا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ النَّصُّ الْإِسْكَانَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] ، وَالْخُرُوجُ بِالنَّهَارِ لَا يُنَافِي السُّكْنَى فَلَمْ تُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ وَلِأَنَّ فِي مَنْعِهَا مِنْ التَّصَرُّفِ إضْرَارٌ بِهَا فَلَيْسَ كُلُّ النِّسَاءِ لَهَا مَنْ يَتَصَرَّفُ لَهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: فَنَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ يُرِيدُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ اتَّقِ اللَّهَ وَرُدَّ الْمَرْأَةَ إلَى بَيْتِهَا إنْكَارًا مِنْهَا لِانْتِقَالِهَا مِنْ بَيْتِهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَائِشَةَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ إنْ أَبَتْهُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهَا: رُدَّ الْمَرْأَةَ إلَى بَيْتِهَا، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ، وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ لَا تُجْبَرُ عَلَى الْمُقَامِ فِي بَيْتِ سُكْنَاهَا مُدَّةَ الْعِدَّةِ لَمَا خَاطَبَتْ بِذَلِكَ مَنْ إلَيْهِ حُكْمُ الْمَدِينَةِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تُخَاطِبُ بِهِ الْمَرْأَةَ فِي خَاصَّتِهَا وَتُعْلِمُهَا أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ لَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ انْتِقَالَهَا لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا خَافَتْ الزَّوْجَةُ الْمُعْتَدَّةُ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا سُقُوطَ الْمَبِيتِ أَوْ كَانَتْ بِقَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمُونَ وَتَخَافُ عَلَى نَفْسِهَا اللُّصُوصَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا فَلَهَا أَنْ تَتَحَوَّلَ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا تَتَحَوَّلُ، وَلَوْ كَانَتْ فِي مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ فَخَافَتْ جَارَ سُوءٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَرْفَعُ أَمْرَهَا إلَى السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا تَنْتَقِلُ إلَّا لِأَمْرٍ لَا تَسْتَطِيعُ الْقَرَارَ عَلَيْهِ، وَالْمَدِينَةُ بِخِلَافِ الْقَرْيَةِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَدِينَةَ فِيهَا مَنْ تَرْفَعُ أَمْرَهَا إلَيْهِ وَيَكْفِيهَا مَنْ تَتَّقِيهِ مِنْ الْجَارِ السُّوءِ وَغَيْرِهِ، وَالْقَرْيَةُ فِي الْغَالِبِ لَيْسَ فِيهَا سُلْطَانٌ وَلَا يُمْنَعُ الْمُتَعَدِّي مِنْ التَّعَدِّي فَإِذَا خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا انْتَقَلَتْ عَنْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ لَمَّا اعْتَرَضَ مَرْوَانُ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَانْتِقَالِهَا إلَى مَنْزِلِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ: لَا يَضُرُّك أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ تُرِيدُ أَنَّ حُكْمَ فَاطِمَةَ غَيْرُ حُكْمِ هَذِهِ لَمَّا اعْتَقَدَتْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ إنَّمَا انْتَقَلَتْ؛ لِأَنَّ مَنْزِلَهَا كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ وَاعْتَقَدَ مَرْوَانُ أَنَّهُ إنَّمَا جَازَ خُرُوجُهَا لِمَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَذَوِيهِ مِنْ الشَّرِّ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ لَسِنَةً فَلِذَلِكَ قَالَ: إنْ كَانَ بِك الشَّرُّ فَحَسْبُك مَا بَيْنَ هَذَيْنِ إنَّ أَبْلَغَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ هَذَيْنِ مِنْهُ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ. وَقَدْ أَنْكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى بِنْتِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ انْتِقَالَهَا حِينَ طَلَّقَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرَ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ انْتِقَالَهَا كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا انْتَقَلَتْ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَأَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يَنْقُلَهَا إلَى مَوْضِعٍ وَأَرَادَتْ هِيَ غَيْرَهُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ مِنْ كَثْرَةِ كِرَاءٍ وَلَا سُكْنَى فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا الَّتِي تَخْتَصُّ بِالسُّكْنَى فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الزَّوْجِ فِيمَا تَخْتَارُهُ ضَرَرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَرْفُهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ وَجْهِ الْإِضْرَارِ بِهَا وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ لِلزَّوْجَةِ، وَإِنَّمَا عَلَى الزَّوْجِ أَدَاءُ الْكِرَاءِ كَسَائِرِ النَّفَقَاتِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَحُكْمُ الْمَنْزِلِ الَّذِي تَنْتَقِلُ إلَيْهِ حُكْمُ الَّذِي انْتَقَلَتْ مِنْهُ مِنْ مُلَازَمَتِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الدَّارِ الَّتِي انْتَقَلَتْ عَنْهَا فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْتَقِلَ مِنْ مَوْضِعِ عِدَّتِهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ انْتَقَلَتْ أَجْبَرَهَا السُّلْطَانُ عَلَى الرُّجُوعِ لِأَنَّهُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِ، وَالْوَلَدِ الْمُرْتَقَبِ، وَقَدْ تُغَلَّظُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ لِأَحَدٍ إسْقَاطُهُ. (ش) : قَوْلُهُ: طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَسْكَنِ حَفْصَةَ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ حَفْصَةَ أَوْ فِي دَارٍ

стр. 1137

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا وَهِيَ فِي بَيْتٍ بِكِرَاءٍ عَلَى مَنْ الْكِرَاءُ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: عَلَى زَوْجِهَا قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ زَوْجِهَا قَالَ فَعَلَيْهَا قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا قَالَ: فَعَلَى الْأَمِيرِ) . مَا جَاءَ فِي نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ ــ [المنتقى] فِيهِ سُكْنَى حَفْصَةَ وَكَانَ ذَلِكَ الْمَسْكَنُ طَرِيقَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إلَى الْمَسْجِدِ إمَّا لِأَنَّ سُكَّانَ تِلْكَ الدَّارِ وَأَرْبَابَهَا أَبَاحُوا لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَرْفَقُ بِهِ أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فِيهَا الْمَمَرُّ بِاسْتِحْقَاقِ رَقَبَةِ الْمَمَرِّ أَوْ اسْتِحْقَاقِ مَنْفَعَتِهِ بَيْنَ يَدَيْ تِلْكَ الْبُيُوتِ الَّتِي كَانَتْ تَسْكُنُ فِي بَعْضِهَا هَذِهِ الْمُطَلَّقَةُ فَلَمَّا طَلَّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ هَذِهِ الزَّوْجَةَ وَاسْتَحَقَّتْ الِاعْتِدَادَ فِي ذَلِكَ الْمَسْكَنِ تَرَكَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ تِلْكَ الْبُيُوتِ وَسَلَكَ الطَّرِيقَ الْأُخْرَى مِنْ أَدْبَارِ الْبُيُوتِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ طَرِيقَانِ إحْدَاهُمَا بَيْنَ يَدَيْ تِلْكَ الْبُيُوتِ، وَالثَّانِيَةُ مِنْ أَدْبَارِهَا فَكَانَ يَأْخُذُ عَلَى طَرِيقِ أَدْبَارِ الْبُيُوتِ لِئَلَّا يَكْشِفَ عَلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ أَوْ يَتَكَلَّفَ الِاسْتِئْذَانَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَبِيحُ النَّظَرَ إلَيْهَا لِكَوْنِهَا مُطَلَّقَةً، وَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً. وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي دُخُولِ الْمُطَلِّقِ عَلَى الزَّوْجَةِ الرَّجْعِيَّةِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ أَوَّلًا فِي الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مُطْلَقًا وَيَأْكُلَ مَعَهَا إذَا كَانَ مَعَهَا مَنْ يَتَحَفَّظُ بِهَا، وَقَدْ زَادَ عَلَى هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ أَنْ تَتَزَيَّنَ لَهُ، وَأَنْ تَتَطَيَّبَ ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَلَا يَرَى شَعْرَهَا وَلَا يَأْكُلُ مَعَهَا حَتَّى يُرَاجِعَهَا، وَهَذَا الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا بِإِذْنٍ وَلَا بِغَيْرِ إذْنٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ وَكَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا رَجْعَةً، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ وَإِلَّا وَقَعَ النَّظَرُ إلَيْهَا، وَالِالْتِذَاذُ بِهَا مَمْنُوعًا مَحْظُورًا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا قَدْ حَرُمَ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، وَالتَّلَذُّذُ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَدْ أَفَادَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِيرٌ كَالْبَائِنِ، وَإِنَّمَا لَهُ فِيهَا الرَّجْعَةُ وَإِزَالَةُ التَّحْرِيمِ بِالرَّدِّ إلَى الزَّوْجِيَّةِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْمَنْعِ فَلَيْسَ لِلْمُطَلِّقِ أَنْ يَتَلَذَّذَ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ الِارْتِجَاعَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى الْمَنْعِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الرَّجْعَةِ وَلِذَلِكَ لَمَّا لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ إلَّا بِطَهَارَةٍ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ يُرِيدُ الصَّلَاةَ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَتَطَهَّرَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يُسَاكِنُهَا، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا انْتَقَلَ عَنْهَا وَلَا يَكُونُ مَعَهَا فِي مَوْضِعٍ يَنْغَلِقُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا سَوَاءٌ كَانَتْ رَجْعِيَّةً أَوْ بَائِنَةً قَالَهُ مَالِكٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا مُحَرَّمٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسَاكِنَهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ. (ش) : سُؤَالُهُ عَنْ الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ فِي بَيْتٍ بِكِرَاءٍ يُرِيدُ الَّتِي قَدْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا وَكَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَقَالَ سَعِيدٌ: الْكِرَاءُ عَلَى الزَّوْجِ يُرِيدُ كِرَاءَ الْعِدَّةِ، وَأَمَّا كِرَاءُ السُّكْنَى فِي مُدَّةِ الزَّوْجِيَّةِ فَلَا يُسْأَلُ عَنْ مِثْلِهِ لِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ السُّكْنَى مُدَّةَ الزَّوْجِيَّةِ عَلَى الزَّوْجِ، وَأَمَّا فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا فَالْكِرَاءُ عَلَى الزَّوْجِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي الْبَائِنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَإِنَّمَا خُوطِبَ بِذَلِكَ مَنْ طَلَّقَ وَكَانَ الْإِنْفَاقُ وَالسُّكْنَى لَازِمَيْنِ لِلزَّوْجِ قَبْلَ الطَّلَاقِ فَلَمَّا أُمِرَ بِالسُّكْنَى بَعْدَ الطَّلَاقِ عُلِمَ أَنَّ حُكْمَهُ بَعْدَ الطَّلَاقِ غَيْرُ حُكْمِ الْإِنْفَاقِ لِأَنَّ لِلزَّوْجَةِ إسْقَاطُ النَّفَقَةِ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَبَعْدَهُ وَلَيْسَ لَهَا إسْقَاطُ السُّكْنَى وَلَا نَقْلُهُ عَنْ مَحِلِّهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الْمَبْتُوتَةَ لَهَا النَّفَقَةُ مَعَ السُّكْنَى رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا لَهَا السُّكْنَى، وَالنَّفَقَةُ وَلَا نُجِيزُ قَوْلَ امْرَأَةٍ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا قَدْ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ: الْمُطَلِّقُ ثَلَاثًا لَا يُجْبَرُ عَلَى النَّفَقَةِ فَلَعَلَّ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عُمَرَ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْحَامِلَ وَلِذَلِكَ قَالَ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَصَدَقَتْ أَمْ نَسِيَتْ وَاَلَّذِي فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُطَلَّقَةِ إنَّمَا هُوَ السُّكْنَى، وَأَمَّا النَّفَقَةُ فَتَخْتَصُّ بِالْحَامِلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] .

стр. 1138

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ بِالشَّامِ فَأَرْسَلَ إلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَك عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ فَجَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: لَيْسَ لَك عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ثُمَّ قَالَ: تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي اعْتَدِّي عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَك عِنْدَهُ فَإِذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْت ذَكَرْت لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمِ بْنَ هِشَامٍ خَطَبَانِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ قَالَتْ: فَكَرِهْته ثُمَّ قَالَ: انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَنَكَحْته فَجَعَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا وَاغْتَبَطْت بِهِ» ) ــ [المنتقى] (مَسْأَلَةٌ) : وَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ وَجُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ لَهَا السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْآيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] وَمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ أَوْصَلَ إلَيْهَا النَّفَقَةَ عَنْ زَوْجِهَا فِي النَّفَقَةِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهَا أَسْخَطَتْ مَا أَنْفَذَ إلَيْهَا فَقَالَ لَهَا: ﷺ لَيْسَ لَك عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَكَانَتْ بَائِنًا وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ السُّكْنَى تَلْزَمُهَا بِسَبَبِ الْعِدَّةِ، وَلَوْ كَانَ لِحَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ لَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ بِالْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَهُ هَذِهِ السُّكْنَى بِالْعِدَّةِ يَقْتَضِي الِانْتِقَالَ عَنْهُ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَثَبَتَ أَنَّهُ سُكْنَى تَجِبُ عَلَيْهَا وَلَهَا بِالْعِدَّةِ. (فَصْلٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِزَوْجِهَا مَالٌ فَعَلَيْهَا يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَيْهَا كِرَاءُ بَقِيَّةِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ وَلَا يَكُونُ لَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إنْ كَانَ عِنْدَهَا مَا تَدْفَعُهُ فِي كِرَاءِ الْمَسْكَنِ بَيَّنَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا فَعَلَى الْأَمِيرِ، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ لَقَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الزَّوْجِ ذَهَبَتْ حَيْثُ شَاءَتْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَا جَاءَ فِي نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ] (ش) : قَوْلُهُ: إنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ تُرِيدُ آخِرَ طَلْقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ لَهُ فِيهَا، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ أَرْسَلَ امْرَأَتَهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ طَلَاقِهَا، وَقَوْلُهَا: وَهُوَ غَائِبٌ بِالشَّامِ تُرِيدُ غَائِبًا عَنْهَا فَأَنْفَذَ إلَيْهَا طَلَاقَهَا ثُمَّ إنَّ وَكِيلَهُ أَرْسَلَ إلَيْهَا بِشَعِيرٍ عَنْ نَفَقَتِهَا فَسَخِطَتْهُ وَلَمْ تَرْضَ ذَلِكَ لِمَا اعْتَقَدَتْ أَنَّ لَهَا عَلَيْهِ النَّفَقَةَ فَسَأَلَتْ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ لَك نَفَقَةٌ» ، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْمَبْتُوتَةَ غَيْرَ الْحَائِلِ لَا نَفَقَةَ لَهَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ فِي قَوْلِهِمَا لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ النَّفَقَةُ فِي الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ مَبْتُوتَةً حَامِلًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ «قَوْلُهُ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: لَيْسَ لَك نَفَقَةٌ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا بَائِنٌ بِالطَّلَاقِ فَلَمْ تَجِبْ النَّفَقَةُ كَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَهَذِهِ رِوَايَةُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهِيَ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا نَفَقَةَ لَك وَلَا سُكْنَى» ، وَإِنَّمَا هُوَ تَأْوِيلٌ مِمَّنْ رَوَى ذَلِكَ أَوْ رَوَى عَنْهُ عَلَى الْمَعْنَى دُونَ لَفْظِ الْحَدِيثِ لَمَّا أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ أَوْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَقَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْحُكْمَيْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : «وَقَوْلُهُ ﷺ فِي أُمِّ شَرِيكٍ: تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ»

стр. 1139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ هَذِهِ السُّكْنَى بِمُدَّةِ الْعِدَّةِ، وَأَنَّهَا أَمْرٌ لَازِمٌ لَهَا وَبَدَلٌ مِنْ الِاعْتِدَادِ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِبَذَاءٍ فِي لِسَانِهَا. وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لَمَّا سَأَلَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا أَيْنَ تَعْتَدُّ فَقَالَ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا فَقَالَ لَهُ مَيْمُونُ فَأَيْنَ حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتْ النَّاسَ إنَّهَا كَانَتْ لَسِنَةً قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: إنَّ الْبَذَاءَ، وَالشَّرَّ الْعَظِيمَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا مِمَّا يَقْتَضِي إخْرَاجَهَا مِنْ مَسْكَنِهِ إلَى غَيْرِهِ وَتَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مِنْ هَذِهِ الْفَاحِشَةِ الْمُبِيحَةِ لِلْخُرُوجِ مَا لَيْسَتْ بِمُبَيِّنَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الزِّنَى فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ الْفَاحِشَةَ الزِّنَى؛ لِأَنَّ أَمْرَ الزِّنَى وَاحِدٌ إذَا غَابَتْ الْحَشَفَةُ وَجَبَ الرَّجْمُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الزِّنَى الْفَاحِشَةُ كَمَا يَقُولُونَ أُخْرِجَتْ فَرُجِمَتْ، وَإِنَّمَا الْفَاحِشَةُ النُّشُوزُ وَسُوءُ الْخَلْقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: إذَا كَثُرَ مِثْلُ هَذَا مِنْ النُّشُوزِ بَيْنَهُمَا، وَالْأَذَى وَلَمْ يَطْمَعْ فِي إصْلَاحِهِ انْتَقَلَتْ الْمَرْأَةُ إلَى مَسْكَنٍ غَيْرِهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي قَيْسٍ أَنَّهَا كَانَتْ فِي مَكَان وَحْشٍ فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا فَلِذَلِكَ تَرَخَّصَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ، وَهَذَا الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ مِمَّا يُبِيحُ لِلْمَرْأَةِ إذَا وَقَعَ أَنْ تَنْتَقِلَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَى غَيْرِهِ كَمَا قِيلَ فِي الْبَدْوِيَّةِ الْمُعْتَدَّةِ أَنَّهَا تَسْتَوِي مَعَ أَهْلِهَا حَيْثُ اسْتَوَوْا فِي الْجُمْلَةِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهَا الِانْتِقَالُ إلَّا لِعُذْرٍ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ الْعُذْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: «رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَك عِنْدَهُ» يَقْتَضِي أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى الْمَرْأَةِ الْقُعُودُ عَلَى حَالَةٍ يُبَاحُ لِلنَّاسِ النَّظَرُ إلَيْهَا مَعَهَا، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ عَنْهَا مَعَ نَظَرِ النَّاسِ إلَيْهَا، وَالْمَكْفُوفُ الْأَعْمَى لَا يَنْظُرُ إلَيْهَا فَلَا حَرَجَ فِي تَرْكِ سَتْرِ شَعْرِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُبَاحُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذِي مَحْرَمِهِ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَرَجٌ فِي النَّظَرِ إلَى الرَّجُلِ عَلَى غَالِبِ أَحْوَالِهِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا جَالِسًا وَمُتَصَرِّفًا بَيْنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَاعَى ﷺ إزَالَةَ الْحَرَجِ عَنْهَا فِي التَّسَتُّرِ لِكَوْنِهِ أَعْمَى وَكَانَتْ هِيَ بَصِيرَةً فَلَمْ يُنْكِرْ نَظَرَهَا إلَيْهِ. وَقَدْ رَوَى نَبْهَانُ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ «أُمِّ سَلَمَةَ كُنْت أَنَا وَمَيْمُونَةُ جَالِسَتَيْنِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى فَقَالَ احْتَجِبَا مِنْهُ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ بِأَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا فَقَالَ: أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا» غَيْرَ أَنَّ نَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثٌ آخَرُ وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ صَحِيحٌ وَرُوِيَ عَنْهُ حَدِيثٌ آخَرُ مُنْكَرٌ أَيْضًا وَرُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي «الْمُكَاتَبِ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّيهِ فِي كِتَابَتِهِ احْتَجَبَتْ مِنْهُ سَيِّدَتُهُ» ، وَعَلَى أَنَّهُ قَدْ قَالَ أَبُو دَاوُد السِّخْتِيَانِيُّ حَدِيثُ نَبْهَانَ خَاصٌّ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَك عِنْدَهُ» ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ ثَابِتٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ مَعَ كَوْنِهِ مَمْنُوعًا مَعَ عَدَمِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَهُ عَوْرَةٌ مَخْصُوصَةٌ فَإِذَا سَتَرَهَا لَمْ يَحْرُمْ النَّظَرُ إلَيْهِ وَجَمِيعُ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا فَإِذَا كَشَفَتْ بَعْضَ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ يَنْظُرُ إلَيْهَا جَازَ لَهَا ذَلِكَ وَلَمْ يَجُزْ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ فِيهِ مَنْ يَنْظُرُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ نَاظِرٌ إلَى عَوْرَةٍ مِنْهَا، وَالْوَجْهُ، وَالْكَفَّانِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَا بِعَوْرَةٍ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَجْنَبِيٍّ النَّظَرُ إلَيْهِمَا إلَّا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ فَحُكْمُ الْمَنْعِ مُتَعَلِّقٌ بِهَا، وَالْإِبَاحَةُ مُخْتَصَّةٌ بِهَا فِي حُكْمِ الْأَجْنَبِيِّ فَذَلِكَ مِنْهَا كَجَمِيعِ جَسَدِ الرَّجُلِ خَلَا مَا يُوصَفُ بِالْعَوْرَةِ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّغْلِيظِ، وَالتَّخْفِيفِ فَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ مَا، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]

стр. 1140

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: الْمَبْتُوتَةُ لَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا حَتَّى تَحِلَّ وَلَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا فَيُنْفِقُ عَلَيْهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا) . ــ [المنتقى] فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ غَضَّ أَبْصَارِهِنَّ عَنْ الْعَوْرَاتِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ غَضَّ أَبْصَارِهِنَّ عَنْ النَّظَرِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ مِنْ الِالْتِذَاذِ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَجْنَبِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «فَإِذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي» يُرِيدُ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُك فَأَعْلِمِينِي قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ: فِيهِ التَّعْرِيضُ بِالْخُطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَعْلَمَتْهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمِ بْنَ هِشَامٍ خَطَبَاهَا، وَهُوَ أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ الْعَدَوِيُّ وَأَبُو جَهْمِ بْنُ هِشَامٍ انْفَرَدَ بِهِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَهُوَ وَهْمٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَقَوْلُهُ ﷺ : «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ فِيهِ شِدَّةً عَلَى النِّسَاءِ وَكَثْرَةَ تَأْدِيبٍ، وَهَذَا اللَّفْظُ، وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَضَعَ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ وَقْتَ نَوْمِهِ وَأَكْلِهِ فَصَحِيحٌ عَلَى مَقَاصِدِ الْعَرَبِ فِي كَلَامِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ إلَّا الْمُبَالَغَةَ فِي وَصْفِهِ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ : «وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ» وَرَاعَى فِي ذَلِكَ حَاجَةَ النِّسَاءِ إلَى الْمَالِ يَكُونُ عِنْدَ الزَّوْجِ لِمَا لَهُنَّ عَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ، وَالْكِسْوَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَوْرَدَتْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمَشُورَةِ وَتَفْوِيضِ الِاخْتِيَارِ إلَيْهِ فَنَصَحَهَا وَذَكَرَ لَهَا مَا عَلِمَ مِنْ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِمَّا تَحْتَاجُ هِيَ إلَى مَعْرِفَتِهِ لِتَعَلُّقِ ذَلِكَ بِمَنَافِعِهَا وَمَضَارِّهَا وَفَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ النُّصْحِ لِلنِّسَاءِ، وَالرِّجَالِ وَأَهْلِ الْحَاجَةِ، وَالضَّعْفِ قَالَ ابْنُ وَضَاحٍ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فِيهِ إنْكَاحُ الْمَوَالِي الْقُرَشِيَّاتِ؛ لِأَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ قُرَشِيَّةٌ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَوْلًى وَجَازَ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَرَهُ مِنْ الْخِطْبَةِ عَلَى الْخِطْبَةِ لَمَّا لَمْ يُوجَدْ رُكُونٌ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا تَسْمِيَةُ صَدَاقٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَرْكَنْ إلَى إحْدَاهُمَا أَنَّهَا إنَّمَا ذَكَرَتْ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَاهَا وَلَمْ تَذْكُرْ رُكُونًا إلَى أَحَدِهِمَا، لَوْ كَانَ مِنْهَا رُكُونٌ إلَى أَحَدِهِمَا لَذَكَرَتْهُ دُونَ الْآخَرِ وَهَذِهِ حَالَةٌ تَجُوزُ فِيهَا الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ غَيْرِهِ فَخَطَبَهَا لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَكَرِهَتْهُ تُرِيدُ أَنَّهَا كَرِهَتْ نِكَاحَهُ لِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي وَلَعَلَّهَا كَرِهَتْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مِنْ الْمَوَالِي وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَكْرَهُ ذَلِكَ وَتَتَرَفَّعُ عَنْهُ فَأَعَادَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ لِمَا عَلِمَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لَهَا وَلِمَا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ مِنْ جَوَازِ إنْكَاحِ الْقُرَشِيَّاتِ الْمَوَالِيَ قَالَتْ: فَنَكَحْته فَجَعَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا كَثِيرًا وَاغْتَبَطَتْ بِهِ تُرِيدُ أَنَّهَا عَرَفَتْ حُسْنَ الْعَاقِبَةِ فِي اتِّبَاعِ رَأْيِ النَّبِيِّ ﷺ وَنِكَاحِهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَإِنْ كَانَتْ كَرِهَتْهُ أَوَّلًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] . (ش) : قَوْلُهُ: الْمَبْتُوتَةُ لَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا حَتَّى تَحِلَّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ السُّكْنَى لَهَا. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: إنَّ ذَلِكَ فِي الرَّجْعِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] ، وَأَنَّ قَوْلَهُ ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] فِي الْبَائِنَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَصَّصَ النَّفَقَةَ عَلَيْهِنَّ بِالْحَمْلِ، وَالرَّجْعِيَّاتُ لَهُنَّ النَّفَقَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنَّ حَوَامِلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

стр. 1141

مَا جَاءَ فِي عِدَّةِ الْأَمَةِ مِنْ طَلَاقِ زَوْجِهَا (ص) : (قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي طَلَاقِ الْعَبْدِ الْأَمَةَ إذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ أَمَةٌ ثُمَّ عَتَقَتْ بَعْدُ فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْأَمَةِ لَا يُغَيِّرُ عِدَّتَهَا عِتْقُهَا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ لَا تَنْتَقِلُ عِدَّتُهَا قَالَ مَالِكٌ: وَمِثْلُ ذَلِكَ الْحَدُّ يَقَعُ عَلَى الْعَبْدِ ثُمَّ يُعْتَقُ بَعْدَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَإِنَّمَا حَدُّهُ حَدُّ عَبْدٍ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَالْحُرُّ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ ثَلَاثًا وَتَعْتَدُّ بِحَيْضَتَيْنِ، وَالْعَبْدُ يُطَلِّقُ الْحُرَّةَ تَطْلِيقَتَيْنِ وَتَعْتَدُّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ تَحْتَهُ الْأَمَةُ ثُمَّ يَبْتَاعُهَا فَيُعْتِقُهَا أَنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْأَمَةِ حَيْضَتَيْنِ مَا لَمْ يُصِبْهَا، فَإِنْ أَصَابَهَا بَعْدَ مِلْكِهِ إيَّاهَا قَبْلَ إعْتَاقِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إلَّا الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ) . ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي عِدَّةِ الْأَمَةِ مِنْ طَلَاقِ زَوْجِهَا] (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ: إنَّ عِتْقَ الْأَمَةِ فِي الْعِدَّةِ لَا يُغَيِّرُ عِدَّتَهَا وَسَوَاءٌ كَانَ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا، فَإِنَّهَا تَتَمَادَى عَلَى عِدَّةِ الْأَمَةِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يُرَاعَى فِي عِدَّتِهَا وَقْتَ وُجُوبِهَا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا فَلَا يُغَيِّرُ حُكْمَهَا مَا طَرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهَا كَالْحَدِّ يَجِبُ عَلَيْهَا مِنْ زِنًا أَوْ قَذْفٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ يَجِبُ عَلَيْهَا وَهِيَ أَمَةٌ ثُمَّ تُعْتَقُ، فَإِنَّهَا لَا يُغَيِّرُ عِتْقُهَا مَا وَجَبَ عَلَيْهَا مِنْ الْحَدِّ وَلَا يُسْتَوْفَى مِنْهَا إلَّا حَدُّ أَمَةٍ وَفَرْقٌ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْأَمَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ تُعْتَقُ فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ يَمُوتُ زَوْجُهَا، فَإِنَّهَا تَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَلَوْ كَانَ طَلَاقًا بَائِنًا لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى عِدَّةِ وَفَاةٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ تَلْزَمُهَا فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ؛ لِأَنَّهَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ كَالتَّوَارُثِ وَلُحُوقُ الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهِيَ بَاقِيَةٌ بَيْنَهُمَا فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ دُونَ الْبَائِنِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَهِيَ حُرَّةٌ فَتَلْزَمُهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَمَةُ الْمُطَلَّقَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِالطَّلَاقِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ بِالْعِتْقِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ إذَا كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا وَاخْتَلَفَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ فَقَالَ: لَا تَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ وَقَالَ أَيْضًا: تَنْتَقِلُ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: هُوَ الْقِيَاسُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا قَدَّمْنَاهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ مَاتَ عَنْ الْأَمَةِ زَوْجُهَا ثُمَّ عَتَقَتْ لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَزِمَتْهَا وَهِيَ أَمَةٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَنْتَقِلُ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْعِدَّةَ يَلْزَمُهَا تَمَامُهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهَا وَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي عِتْقِهَا. (ش) : وَهَذَا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ: إنَّ الْحُرَّ فِي الْأَمَةِ لَهُ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ، وَالِاعْتِدَادَ بِالْأَقْرَاءِ يُعْتَبَرُ فِيهِمَا الرِّقُّ، وَالْحُرِّيَّةُ فَيُعْتَبَرُ الطَّلَاقُ بِحَالِ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهِمْ وَتُعْتَبَرُ الْأَقْرَاءُ بِحَالِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَقْرَاءَ مُخْتَصَّةٌ بِهِنَّ مَوْجُودَةٌ فِيهِنَّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الطَّلَاقُ مُعْتَبَرٌ بِالنِّسَاءِ فَتَطْلُقُ الْحُرَّةُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ، وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا وَتَطْلُقُ الْأَمَةُ تَطْلِيقَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ. (ش) : قَوْلُهُ: تَكُونُ عِنْدَهُ الْأَمَةُ ثُمَّ يَبْتَاعُهَا قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ يُوجِبُ فَسْخَ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الرَّقَبَةِ وَالْمَنَافِعِ فَمَنْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ فَقَدْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَحَلَّتْ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَإِنْ اشْتَرَاهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَهَذِهِ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَلَكِنَّهُ إذَا أَعْتَقَهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ لِأَنَّ عَقْدَ مِلْكِ الْيَمِينِ يُبْطِلُ عَقْدَ النِّكَاحِ، وَإِذَا بَطَلَ لَمْ يَبْقَ لِعَقْدِ النِّكَاحِ حُكْمٌ فِي الْعِدَّةِ لِعَدَمِ الْبِنَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ اشْتَرَاهَا بَعْدَ أَنْ دَخَلَ بِهَا فَأَعْتَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْأَمَةِ قُرْأَيْنِ عَلَى حَسَبِ مَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ حِينَ الْفَسْخِ وَلَا تَتَغَيَّرُ عِدَّتُهَا بِعِتْقِهَا هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: فَإِنْ أَصَابَهَا بَعْدَ الْمِلْكِ وَقَبْلَ الْعِتْقِ فَلَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا الِاسْتِبْرَاءُ، وَذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْمِلْكِ يَهْدِمُ

стр. 1142

جَامِعُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ طَلُقَتْ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ رَفَعَتْهَا حَيْضَتُهَا، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ بَانَ بِهَا حَمْلٌ فَذَلِكَ وَإِلَّا اعْتَدَّتْ بَعْدَ التِّسْعَةِ أَشْهُرٍ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ حَلَّتْ) . ــ [المنتقى] حُكْمَ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَوَطْءَ الْمِلْكِ يَهْدِمُ حُكْمَ الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَعْتَقَ أَمَةً وَطِئَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ تَسْتَبْرِئَ بِحَيْضَةٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ الشُّهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَاشْتَرَاهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ بَاعَهَا كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا عِدَّةٌ يُرِيدُ أَنَّهُ بَاعَهَا أَوْ أَعْتَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَإِنَّمَا يَسْتَبْرِئُهَا بِحَيْضَتَيْنِ إذَا كَانَ بَيْعُهُ إيَّاهَا قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ حَيْضَةً بَعْدَ طَلَاقِهِ إيَّاهَا، وَلَوْ كَانَتْ قَدْ حَاضَتْ حَيْضَةً وَاحِدَةً قَالَهُ مَالِكٌ وَلِهَذِهِ الْحَيْضَةِ حُكْمُ الْعِدَّةِ لِأَنَّ بِهَا تَتِمُّ عِدَّتُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ اشْتَرَاهَا بَعْدَ أَنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ ثُمَّ بَاعَهَا، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَسْتَبْرِئُهَا إلَّا بِحَيْضَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا عِدَّةٌ، وَعِدَّةُ الطَّلَاقِ قَدْ انْقَضَتْ وَاسْتِبْرَاءُ الْإِمَاءِ إنَّمَا يَكُونُ بِحَيْضَةٍ خَرَجَتْ إلَى مِلْكٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ اشْتَرَى مُكَاتَبٌ زَوْجَتَهُ فَعَجَزَ فَرَجَعَ رَقِيقًا فَأَخَذَهَا السَّيِّدُ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: إنَّ الْمُكَاتَبَ لَمْ يَطَأْهَا بَعْدَ أَنْ اشْتَرَاهَا فَعِدَّتُهَا حَيْضَةٌ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَكُونَ حَيْضَتَيْنِ قَالَ وَتَعْتَدُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ فَسْخٍ يَكُونُ فِي النِّكَاحِ فَفِيهِ مِثْلُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ، وَلَوْ وَطِئَهَا الْمُكَاتَبُ بَعْدَ مَا اشْتَرَاهَا لَصَارَتْ إلَى الِاسْتِبْرَاءِ وَبَطَلَتْ عِدَّةُ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهَا وُطِئَتْ بِمِلْكِ الْيَمِينِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَتْ مِمَّنْ تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ لِصِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ فَعِدَّتُهَا مِنْ الطَّلَاقِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةُ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: عِدَّتُهَا شَهْرٌ وَنِصْفٌ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ: عِدَّتُهَا شَهْرَانِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْأَشْهُرَ بَدَلٌ مِنْ الْأَقْرَاءِ فَلَمْ تَخْتَلِفْ بِكَثْرَةِ الْأَقْرَاءِ وَقِلَّتِهَا كَالتَّيَمُّمِ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ مِنْ الْغُسْلِ، وَالْوُضُوءِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، وَالصُّغْرَى. [جَامِعُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ] (ش) : وَقَوْلُهُ فِي الَّتِي تَحِيضُ فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ تَرْفَعُهَا حَيْضَتُهَا: تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا عَلَى الْإِطْلَاقِ غَيْرَ ابْنِ نَافِعٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَتْ تَحِيضُ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ رَفَعَتْهَا حَيْضَتُهَا فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ خَمْسَ سِنِينَ أَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ، وَإِنْ كَانَتْ يَائِسَةً مِنْ الْمَحِيضِ اعْتَدَّتْ بِالسَّنَةِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ قَالَ سَحْنُونَ وَأَصْحَابُنَا لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا وَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التِّسْعَةَ أَشْهُرٍ هِيَ أَمَدُ الْحَمْلِ الْمُعْتَادِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) الْمُعْتَدَّةُ مِنْ الطَّلَاقِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: حَائِضٌ وَغَيْرُ حَائِضٍ فَأَمَّا الْحَائِضُ فَهِيَ الَّتِي قَدْ رَأَتْ الْحَيْضَ، وَلَوْ مَرَّةً فِي عُمْرِهَا ثُمَّ لَمْ تَبْلُغْ سِنَّ الْيَأْسِ مِنْهَا فَهَذِهِ إذَا طَلُقَتْ فَحُكْمُهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِالْأَقْرَاءِ، فَإِنْ لَمْ تَرَ حَيْضًا انْتَظَرَتْ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ عُمَرَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ تَنْتَظِرُ الْحَيْضَ أَبَدًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ التِّسْعَةَ الْأَشْهُرِ مُدَّةُ الْحَمْلِ الْمُعْتَادِ فَالْغَالِبُ أَنْ يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ إنْ كَانَ بِهَا أَوْ تَتَحَقَّقَ الْمَرْأَةُ عَلَامَاتِهِ وَتُحِسَّ بِهِ فَإِذَا سَلِمَتْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَالظَّاهِرُ سَلَامَتُهَا مِنْ الْحَمْلِ إذَا لَمْ تُوجَدْ مِنْهَا رِيبَةٌ غَيْرُ ارْتِفَاعِ الْحَيْضِ، وَقَدْ يَرْتَفِعُ كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ فَلَا يَدُلُّ ارْتِفَاعُهُ عَلَى الْحَمْلِ فَإِذَا انْقَضَتْ التِّسْعَةُ وَلَا تَمَسُّ شَيْئًا اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَأَكْثَرُهُ مِنْ قَوْلِ أَشْهَبَ؛ لِأَنَّ لَهَا حِينَئِذٍ حُكْمُ الْيَائِسَةِ مِنْ الْمَحِيضِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ التَّرَبُّصُ بِالتِّسْعَةِ أَشْهُرٍ وَعَدَمُ

стр. 1143

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الطَّلَاقُ لِلرِّجَالِ، وَالْعِدَّةُ لِلنِّسَاءِ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ سَنَةٌ) . ــ [المنتقى] الْحَيْضِ، وَالْحَمْلِ حُكِمَ لَهَا بِحُكْمِ مَنْ تَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ فَصَارَ ذَلِكَ حُكْمًا كَالْيَائِسَةِ لَمَّا ارْتَفَعَ حَيْضُهَا وَصَارَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إلَّا أَنَّ الْيَائِسَةَ لَمَّا كَانَتْ عَلَامَةُ الْيَأْسِ ظَاهِرَةً مِنْ السِّنِّ وَغَيْرِهِ لَمْ يُحْتَجْ إلَى اعْتِبَارِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَهَذِهِ لَمَّا كَانَ حُكْمُهَا الْحَيْضَ كَانَ ارْتِفَاعُهَا رِيبَةً لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْهُ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَالِاسْتِقْصَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا حَلَّتْ الْمُرْتَابَةُ بِالسَّنَةِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ ثُمَّ طَلُقَتْ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ قَالَ وَأَكْثَرُهُمْ شُيُوخُ أَشْهَبَ أَنَّ عِدَّتَهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ فِي الطَّلَاقِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً لِأَنَّهَا اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ مُدَّةً فَصَارَ لَهَا حُكْمُ الْيَائِسَةِ إلَّا أَنْ يُعَاوِدَهَا الْحَيْضُ، وَلَوْ مَرَّةً فَتَرْجِعُ إلَى الْحَيْضِ إنْ تَمَادَى بِهَا أَوْ الِاسْتِبْرَاءِ أَوْ الْعِدَّةِ إنْ انْقَطَعَ عَنْهَا. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ لَمْ تَحِضْ قَبْلُ. وَقَدْ قَالَ سَحْنُونُ: قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ: إنَّ عِدَّةَ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ الْمَحِيضِ وَاَلَّتِي بَلَغَتْهُ وَلَمْ تَحِضْ، وَإِنْ بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَكَذَلِكَ عِدَّةُ الْيَائِسَةِ مِنْ الْمَحِيضِ وَهِيَ الَّتِي بَلَغَتْ سِنًّا كُلُّ مَنْ بَلَغَتْهُ مِنْ النِّسَاءِ لَمْ تَحِضْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: وَلَا تَنْتَقِصُ مِنْهُ الْأَمَةُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] قَالَ مَالِكٌ ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ وَقَالُوا: لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ أَنْ ارْتَبْتُمْ بِالْفَتْحِ؛ لِأَنَّ الِارْتِيَابَ مَاضٍ، وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ إنْ الْمَكْسُورَةُ بِالِاسْتِقْبَالِ، وَالِارْتِيَابُ قَدْ عُدِمَ بِتَعَدُّدِ وُجُودِ النَّصِّ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الِارْتِيَابَ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ حُكْمَ الْآيَةِ أَوْ لِمَنْ لَا يَقْرَؤُهَا ثَابِتٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّ مَعْنَى ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [الطلاق: ٤] إذَا ارْتَبْتُمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنْ ارْتَبْتُمْ فِي التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُ هَذَا اللَّفْظَ عَلَى مَعْنَى التَّنْبِيهِ عَلَى الدَّلِيلِ فَتَقُولُ: إنْ ارْتَبْتُمْ فِي كَذَا مَعَ ظُهُورِهِ وَوُضُوحِهِ فَيَجِبُ أَنْ يَمْنَعَك مِنْ الِارْتِيَابِ أَمْرُ كَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] وَمَعْنَى ذَلِكَ نَفْيُ الشَّكِّ، وَالِارْتِيَابِ عَنْ مِثْلِ هَذَا لِوُضُوحِهِ وَظُهُورِ أَدِلَّتِهِ، وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَنْ ارْتَبْتُمْ الْآنَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَقْطَعَ الِارْتِيَابَ هَذَا النَّصُّ، وَهَذَا اللَّفْظُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْحَالِ وَلِذَلِكَ يَقُولُ: إنْ شِئْت لَأَنْ فَعَلْت كَذَا، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْمُضِيِّ فَتَقُولُ: إنْ كُنْت تَشُكُّ فِي كَذَا فَحُكْمُهُ كَذَا، وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. (ش) : قَوْلُهُ: ﵁ عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ سَنَةٌ يُرِيدُ أَنَّهَا تُقِيمُ سَنَةً. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الطَّلَاقِ سَنَةٌ كَالْمُرْتَابَةِ؛ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ اسْتِبْرَاءٌ وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ عِدَّةٌ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً فَعَلَى هَذَا يَتَنَاوَلُ قَوْلُ سَعِيدٍ فِي أَنَّ التِّسْعَةَ الْأَشْهُرِ اسْتِبْرَاءٌ، وَالثَّلَاثَةَ الْأَشْهُرِ عِدَّةٌ وَلِذَلِكَ اسْتَوَى فِيهَا حُكْمُ الْحُرَّةِ، وَالْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ بِالْأَشْهُرِ لَا يَخْتَلِفَانِ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ الْحَيْضِ الَّذِي يَخْتَلِفَانِ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْحَائِضُ لَا تُمَيِّزُ دَمًا وَاتَّصَلَ ذَلِكَ بِهَا فِي جَمِيعِ الْعَامِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ حُكْمُهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ تَنْتَقِلَ إلَى حَيْضٍ أَوْ إلَى انْقِطَاعِ دَمٍ، فَإِنْ انْتَقَلَتْ إلَى حَيْضٍ بَطَلَ حُكْمُ الِاسْتِحَاضَةِ فَاعْتَدَّتْ بِالْأَقْرَاءِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الرِّيبَةِ لِأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَا قُرْءَ لَهَا تَبْرَأُ بِهِ فَكَانَتْ مُرْتَابَةً كَاَلَّتِي لَا تَرَى الدَّمَ، فَإِذَا شَرَعَتْ فِي عِدَّةِ الْمُرْتَابَةِ ثُمَّ رَأَتْ الْحَيْضَ انْتَقَلَتْ عَنْ حُكْمِ الِارْتِيَابِ إلَى الْعِدَّةِ بِالْأَقْرَاءِ. ١ - (فَرْعٌ) : وَإِنَّمَا يُعْرَفُ الْحَيْضُ بِأَنْ يَنْقَطِعَ عَنْهَا الدَّمُ ثُمَّ تَسْتَقْبِلَ الْحَيْضَ فَأَمَّا مَعَ اتِّصَالِ الدَّمِ بِأَنْ تَرَى دَمًا لَا تَشُكُّ فِيهِ أَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ لِلَوْنِهِ وَلَذَاعَتِهِ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ: إذَا رَأَتْ دَمًا لَا تَشُكُّ أَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ تَرَكَتْ الصَّلَاةَ فِيهِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا أَجْبَرَهُ عَلَى الِارْتِجَاعِ وَتَغْتَسِلُ بِانْقِطَاعِ هَذَا الدَّمِ الْجَدِيدِ وَلَا تَعْتَدُّ بِهِ مِنْ طَلَاقٍ وَعِدَّتُهَا السَّنَةُ

стр. 1144

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي تَرْفَعُهَا حَيْضَتُهَا حِينَ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا أَنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فِيهِنَّ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ الْأَشْهُرَ الثَّلَاثَ اسْتَقْبَلَتْ الْحَيْضَ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ حَاضَتْ الثَّانِيَةَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ الْأَشْهُرَ الثَّلَاثَةَ اسْتَقْبَلَتْ الْحَيْضَ، وَإِنْ مَرَّتْ بِهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ حَاضَتْ الثَّالِثَةَ كَانَتْ قَدْ اسْتَكْمَلَتْ عِدَّةَ الْحَيْضِ، فَإِنْ لَمْ تَحِضْ اسْتَقْبَلَتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ حَلَّتْ وَلِزَوْجِهَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ الرَّجْعَةُ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَتَّ طَلَاقَهَا) . ــ [المنتقى] وَكَذَلِكَ إنْ رَأَتْ كَثْرَتَهُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: رُبَّمَا عَرَفَتْ إقْبَالَ الْحَيْضِ بِكَثْرَةِ الدَّمِ، وَإِدْبَارَهُ بِقِلَّتِهِ وَلَكِنَّ عِدَّتَهَا سَنَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تُؤْمَنُ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا تَتَحَقَّقُ أَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ بِالْكَثْرَةِ، وَالْقِلَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا طَلُقَتْ مُسْتَحَاضَةً فَانْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ ثُمَّ رَأَتْ بَعْدَهُ طُهْرًا كَامِلًا ثُمَّ حَيْضَهَا، فَإِنَّهَا تَنْتَقِلُ إلَى حُكْمِ الْأَقْرَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ قَالَ أَصْبَغُ قَدْ حَلَّتْ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ تَرَ دَمًا مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ اسْتَحَاضَتْ فَبِتَمَامِ السَّنَةِ مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ تَحِلُّ إلَّا أَنْ تُحِسَّ حَرَكَةً فَتُقِيمُ إلَى أَنْ تَنْفُسَ أَوْ تَضَعَ أَوْ تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْحَمْلِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الِاسْتِحَاضَةُ رِيبَةً وَارْتِفَاعُ الْحَيْضَةِ رِيبَةً لُفِّقَ مِنْهُمَا الْعَامُّ الَّذِي هُوَ مُدَّةُ اعْتِدَادِ الْمُرْتَابَةِ، وَهَذَا فِي تَقَدُّمِ الِاسْتِحَاضَةِ فَأَمَّا فِي تَأَخُّرِهَا فَفِيهِ نَظَرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ حَيْضٍ فَإِذَا وُجِدَ الْحَيْضُ بَطَلَ حُكْمُ الرِّيبَةِ بِارْتِفَاعِ الْحَيْضِ وَاعْتَدَّتْ بِالْأَقْرَاءِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ مَا بَعْدَ الْحَيْضِ مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ إلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الشُّهُورِ كَمَا لَا يُضَافُ مَا بَعْدَ الْحَيْضِ مِنْ الشُّهُورِ إلَى مَا قَبْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَسْتَأْنِفُ الْمُسْتَحَاضَةُ الَّتِي يَنْقَطِعُ عَنْهَا الدَّمُ سَنَةً مِنْ يَوْمِ انْقَطَعَتْ الِاسْتِحَاضَةُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ انْقِطَاعِ الدَّمِ فَلَا يُلَفَّقُ بَعْضُ ذَلِكَ إلَى بَعْضٍ وَلِأَنَّ عِدَّةَ الْمُسْتَرَابَةِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا تَرْتَفِعُ بِهِ رِيبَتُهَا، فَإِذَا زَالَتْ رِيبَتُهَا بِالِاسْتِحَاضَةِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ تَكُونَ عِدَّتُهَا بِارْتِفَاعِ الدَّمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَا زَالَتْ يَدُ رِيبَتِهَا، وَهَذِهِ رِيبَةٌ أُخْرَى طَارِئَةٌ فَيَجِبُ أَنْ تُقِيمَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ لِيَتَبَيَّنَ مَعْنَى هَذِهِ الرِّيبَةِ ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةً مِنْ جِنْسِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ فِي الْمُطَلَّقَةِ تَرْفَعُهَا حَيْضَتُهَا يُرِيدُ أَنْ تَنْقَطِعَ عَنْهَا فَلَا تَرَى دَمَ حَيْضٍ، فَإِنَّ حُكْمَهَا أَنْ تَقْعُدَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ اسْتِبْرَاءً لِمَا طَرَأَ عَلَيْهَا مِنْ الرِّيبَةِ بِارْتِفَاعِ الْحَيْضِ، فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فِيهَا اعْتَدَّتْ بَعْدَهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَارَقَتْ حُكْمَ الْمَحِيضِ فَاعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ كَالْيَائِسَةِ مِنْ الْمَحِيضِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِ عُمَرَ مَنْ بَلَغَتْ سِنَّ الْيَأْسِ؛ لِأَنَّهُ عَامٌّ فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ وَأَيْضًا، فَإِنْ قَالَ: فَإِنْ بَانَ بِهَا حَمْلٌ وَإِلَّا اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي الْيَائِسَةِ مِنْ الْمَحِيضِ؛ لِأَنَّ الْيَائِسَةَ مِنْ الْمَحِيضِ لَا تَحْمِلُ. (فَصْلٌ) : فَإِنْ حَاضَتْ قَبْلَ التِّسْعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا وَقَبْلَ الثَّلَاثَةِ الْأَشْهُرِ بَطَلَ حُكْمُ الشُّهُورِ وَاسْتَأْنَفَتْ الِاعْتِدَادَ بِالْأَقْرَاءِ، فَإِنْ جَرَتْ أَقْرَاؤُهَا عَلَى الْعَادَةِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ، وَإِنْ ارْتَفَعَتْ حَيْضَتُهَا بَعْدَ تِلْكَ الْحَيْضَةِ الْأُولَى، فَإِنْ اتَّصَلَتْ لَهَا بِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ طَهُرَتْ مِنْهَا لَمْ تَرَ فِيهَا دَمَ حَيْضٍ أَلْغَتْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عِدَّتِهَا بِالْحَيْضَةِ، وَالْأَشْهُرِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهَا وَاسْتَأْنَفَتْ الِاسْتِبْرَاءَ مِنْ يَوْمِ طُهْرِهَا مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَةِ، فَإِذَا كَمُلَتْ مُدَّةُ الِاسْتِبْرَاءِ اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ إنْ رَأَتْ حَيْضَةً ثَانِيَةً قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِالشُّهُورِ أَلْغَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ وَاعْتَدَّتْ بِهَذِهِ الْحَيْضَةِ وَبِالْحَيْضَةِ الْأُولَى حَيْضَتَيْنِ مِنْ عِدَّتِهَا ثُمَّ إنْ ارْتَفَعَتْ حَيْضَتُهَا الثَّالِثَةُ اسْتَأْنَفَتْ الِاسْتِبْرَاءَ بِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ لَمْ تَرَ فِي مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ حَيْضًا اعْتَدَّتْ بَعْدَهَا بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَتُلَفِّقُ الْحَيْضَ، وَإِنْ تَخَلَّلَتْهُ الرِّيبَةُ وَلَا تُلَفِّقُ مُدَّةَ الِاسْتِبْرَاءِ بَلْ تُلْغِي كُلَّ

стр. 1145

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَلَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ فَاعْتَدَّتْ بَعْضَ عِدَّتِهَا ثُمَّ ارْتَجَعَهَا ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا أَنَّهَا لَا تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا، وَأَنَّهَا تَسْتَأْنِفُ مِنْ يَوْمِ طَلَاقِهَا عِدَّةً مُسْتَقْبَلَةٌ، وَقَدْ ظَلَمَ زَوْجُهَا نَفْسَهُ وَأَخْطَأَ إنْ كَانَ ارْتَجَعَهَا وَلَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا) ــ [المنتقى] مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا إذَا كَانَ بَعْدَهَا حَيْضٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ تَجَدَّدَ لِرِيبَةٍ مُجَرَّدَةٍ فَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ فِيهِ التَّلْفِيقُ، وَالْحَيْضُ لَيْسَ بِرِيبَةٍ بَلْ يَنْفِي الرِّيبَةَ فَلِذَلِكَ لُفِّقَ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ. ١ - (فَرْعٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَ الْحَيْضُ، فَإِنْ رَأَتْ الدَّمَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ مَا لَا يَكُونُ حَيْضًا فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْمُطَلَّقَةِ تُسْتَرَابُ فَتَرَى فِي السَّنَةِ دَمًا أَوْ مَا لَا يَكُونُ حَيْضًا انْتَظَرَتْ سَنَةً مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ الدَّمَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَلَا يَهْدِمُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ لَا يَهْدِمُ الِاسْتِبْرَاءَ وَلَا يُبْطِلُ حُكْمَهُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَلِزَوْجِهَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ الرَّجْعَةُ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ يُرِيدُ أَنَّ فِي طُولِ مُدَدِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَالْعِدَدِ، وَالْحَيْضِ لَهُ الرَّجْعَةُ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَا يَقْطَعُ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الرَّجْعَةِ وَلَا يَنْقَطِعُ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ تَحِلَّ لِلْأَزْوَاجِ وَيُحْكَمَ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَاقُهَا بَاتًّا فَلَا تَكُونُ لَهُ الرَّجْعَةُ لِأَنَّ الْبَتَّ يُنَافِي الرَّجْعَةَ. (ش) : قَوْلُهُ فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ ارْتَجَعَ ثُمَّ فَارَقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ: إنَّهَا تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ وَلَا تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى يُرِيدُ أَنَّ الرَّجْعَةَ تَهْدِمُ الْعِدَّةَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الزَّوْجِيَّةِ يُنَافِي حُكْمَ الْعِدَّةِ، فَإِذَا ثَبَتَتْ الرَّجْعَةُ بَطَلَتْ الْعِدَّةُ، فَإِذَا وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ طَلَاقٌ اسْتَأْنَفَتْ الْعِدَّةَ؛ لِأَنَّهَا مَدْخُولٌ بِهَا لَمْ يُسْتَبْرَأْ رَحِمُهَا بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَلَزِمَتْ الْعِدَّةُ وَلَمْ يَصِحَّ الْبِنَاءُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ إبْطَالِ الرَّجْعَةِ الْعِدَّةَ فَلَزِمَ ابْتِدَاءُ الْعِدَّةِ مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ الثَّانِي. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَأَخْطَأَ إنْ كَانَ ارْتَجَعَهَا وَلَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا يُرِيدُ أَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنْ طَلَاقٍ غَنِيًّا عَنْ إزَالَتِهِ وَرُبَّمَا دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ بَعْدَ وَقْتٍ إلَيْهِ وَأَخْطَأَ حِينَ ارْتَجَعَ مَنْ لَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّجْعَةِ الْجِمَاعُ مَعَ مَا حَصَلَ فِي ذَلِكَ مِنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَظَلَمَ الْمَرْأَةَ بِذَلِكَ مَعَ عَدَمِ انْتِفَاعِهِ بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدُ بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] ، وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَلَى وَجْهِ الزَّوْجِيَّةِ وَمَقْصُودِهَا وَقَوْلُهُ ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ طَلَاقَ السُّنَّةِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا وَلَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١] ، وَالرَّجْعَةُ تَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُطَلِّقَهَا طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ لَا يَرْتَجِعُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا أَوْ يُطَلِّقُهَا ثَلَاثًا ثُمَّ تَتَزَوَّجُ زَوْجًا غَيْرَهُ فَيُطَلِّقُهَا الزَّوْجُ الثَّانِي ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا الْأَوَّلُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى ارْتِجَاعًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فَسَمَّى تَزْوِيجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ ارْتِجَاعًا، وَالثَّانِي مِنْ وَجْهَيْنِ الرَّجْعَةُ هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ يَرْتَجِعَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ رِضَاهَا وَلَا رِضَا وَلِيِّهَا وَلَا صَدَاقَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْلَكُ بِهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) وَهَذَا الِارْتِجَاعُ الْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] الْإِمْسَاكُ الرَّجْعَةُ وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ» وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ وُقُوعِهِ بِالْقَوْلِ فَأَمَّا بِالْفِعْلِ نَحْوِ الْجِمَاعِ أَوْ الْقُبْلَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: يَصِحُّ بِهَا وَبِسَائِرِ الِاسْتِمْتَاعِ لِلَّذَّةِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَمِثْلُ الْجِسَّةِ اللَّذَّةُ أَوْ يَنْظُرُ إلَى فَرْجِهَا وَمَا قَارَبَ ذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِهَا إذَا أَرَادَ بِذَلِكَ الرَّجْعَةَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: لَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ إلَّا بِالْقَوْلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِ الزَّوْجِ لَهُ رَفْعُهَا مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ رَفْعُهَا مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ بِالْوَطْءِ كَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَكُونُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ

стр. 1146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] رَجْعَةٌ إلَّا إذَا نَوَى بِهَا الرَّجْعَةَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ تَكُونُ رَجْعَةً بِمُجَرَّدِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ ﷺ : «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ مَعْنًى يَصِحُّ لِلْوَطْءِ فَلَمْ يَصِحَّ إلَّا مَعَ النِّيَّةِ، وَالْعَقْدِ كَالتَّلَفُّظِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، وَالرَّجْعَةِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ وَطِئَ فِي الْعِدَّةِ لَا يَنْوِي الرَّجْعَةَ فَلَهُ أَنْ يُرَاجِعَ فِي الْعِدَّةِ وَلَا يَطَأَ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ قَالَهُ مَالِكٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا لَمْ يَنْكِحْهَا وَلَا غَيْرُهُ فِي بَقِيَّةِ أَمَدِ الِاسْتِبْرَاءِ، فَإِنْ فَعَلَ فُسِخَ نِكَاحُهُ وَلَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ كَمَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مَاؤُهُ (فَرْعٌ) وَلَا صَدَاقَ عَلَيْهِ إنْ وَطِئَ فِي الْعِدَّةِ لَا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ارْتَجَعَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَهْرٌ فَلَا يَكُونُ الْوَطْءُ دُونَ الرَّجْعَةِ أَوْلَى بِالْمَهْرِ مِنْ الرَّجْعَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا تَقَعُ الرَّجْعَةُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ دُونَ فِعْلٍ وَلَا قَوْلٍ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، فَإِنْ نَوَى بِهِ الرَّجْعَةَ ثُمَّ فَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْعِدَّةِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ: إنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ بِمَا كَانَ نَوَى مِنْ الرَّجْعَةِ وَلَمْ يُجَدِّدْ نِيَّةً فَهِيَ رَجْعَةٌ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ لِرَجْعَتِهِ الَّتِي كَانَ نَوَاهَا مِثْلُ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ فَذَلِكَ يُجْزِئُهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أَشْهَدَ فِي الْعِدَّةِ أَنَّهُ وَطِئَ أَوْ اسْتَمْتَعَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ: نَوَيْتُ بِذَلِكَ الِاسْتِمْتَاعِ الرَّجْعَةَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ فِي الْعِدَّةِ أَنَّهُ وَطِئَ أَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ ثُمَّ ادَّعَى بَعْدَ الْعِدَّةِ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الرَّجْعَةَ فَهُوَ مُصَدَّقٌ، وَلَوْ أَقَرَّ فِي الْعِدَّةِ أَنَّهُ خَلَا بِهَا ثُمَّ ادَّعَى بَعْدَ الْعِدَّةِ الرَّجْعَةَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَجْعَةً حَتَّى يَكُونَ مَقَامُهُ عِنْدَهَا وَدُخُولُهُ وَخُرُوجُهُ مَعْرُوفًا بِغَيْرِ إقْرَارِهِ فَيُصَدَّقُ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ أَنَّهُ ارْتَجَعَ فِي الْعِدَّةِ فَفَرَّقَ بَيْنَ إقْرَارِهِ بِالْخَلْوَةِ وَإِقْرَارِهِ بِالْوَطْءِ أَنَّ الْخَلْوَةَ لَا تَكُونُ رَجْعَةً، وَإِنْ نَوَى بِهَا الرَّجْعَةَ، وَالْوَطْءُ مَعَ نِيَّةِ الرَّجْعَةِ يَكُونُ رَجْعَةً فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ قَالَ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا: إنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَوَطِئَهَا رَوَى ابْنُ سَحْنُونَ عَنْ أَبِيهِ هِيَ طَالِقٌ بِالْيَمِينِ وَلَهُ الرَّجْعَةُ إنْ نَوَى بِبَقِيَّةِ وَطْئِهِ الرَّجْعَةَ فَهِيَ رَجْعَةٌ وَإِلَّا لَمْ يَحِلَّ لَهُ التَّمَادِي عَلَى الْوَطْءِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ إلَى بَيْنُونَةٍ كَالْكِتَابِيَّةِ إذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ بِنَاءِ زَوْجِهَا بِهَا، وَلِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ رَجْعَةٌ إذَا عَرَا مِنْ النِّيَّةِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ رَجْعَةٌ كَانَ مَمْنُوعًا وَإِلَّا كَانَتْ غَيْرَ مُطَلَّقَةٍ وَتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَصْلًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْوَطْءِ مُبَاحٌ لَهُ، وَهُوَ مِقْدَارُ مَا يَقَعُ بِهِ الْحِنْثُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْمُطَلَّقَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَنْزِلِهَا إلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ أُخْرِجَ عَنْهَا الزَّوْجُ وَلَا يَكُونُ مَعَهَا فِي حُجْرَةٍ تَنْغَلِقُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا، وَالْمَبْتُوتَةُ، وَالرَّجْعِيَّةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الطَّلْقَتَيْنِ بَيِّنٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ دَارًا جَامِعَةً فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ هُوَ فِي بَيْتٍ وَهِيَ فِي بَيْتٍ آخَرَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الدَّارُ الْجَامِعَةُ يَسْكُنُهَا جَمَاعَةٌ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْفَرِدُ بِمَسْكَنِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْكُنَ الزَّوْجُ فِي مَسْكَنٍ يَنْفَرِدُ بِهِ كَمَا تَنْفَرِدُ الزَّوْجَةُ بِمَسْكَنِهَا، وَهَذَا حُكْمُ الْأَجْنَبِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : ، وَالرَّجْعَةُ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْمُطَلَّقَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا، وَهَذَا إذَا تَصَادَقَا عَلَى الْإِصَابَةِ، فَإِنْ ادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا، وَأَنْكَرَهَا الْآخَرُ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى إنْكَارِ الْوَطْءِ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُصَدَّقَانِ عَلَى نَفْيِ النَّسَبِ وَإِسْقَاطِ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ فِي الْعِدَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فِي حَالِ حَيْضِهَا فَلَمَّا طَهُرَتْ طَلَّقَهَا لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَطْءَ مَمْنُوعٌ حَالَ الْحَيْضِ فَلَا يُصَدَّقُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الطَّلَاقِ لِإِحْرَازِ الرَّجْعَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا رَاجَعَ الْمُطَلَّقَةَ فَأَجَابَتْهُ قَدْ أَسْقَطَتْ مُضْغَةً قَالَ مَالِكٌ: هِيَ مُصَدَّقَةٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَصْدِيقَهَا فِيمَا يُمْكِنُ إذَا رَاجَعَتْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ أَوْ عِنْدَ بُلُوغِ ذَلِكَ إلَيْهَا، فَإِنْ قَالَ لَهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقَالَتْ مِنْ الْغَدِ قَدْ كُنْت.

стр. 1147

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَسْلَمَتْ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا، فَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا لَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ طَلَاقًا، فَإِنَّمَا فَسَخَهَا مِنْهُ الْإِسْلَامُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ) . مَا جَاءَ فِي الْحَكَمَيْنِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الْحَكَمَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥] : إنَّ إلَيْهِمَا الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا، وَالِاجْتِمَاعَ قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْحَكَمَيْنِ يَجُوزُ قَوْلُهُمَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ فِي الْفُرْقَةِ، وَالِاجْتِمَاعِ) ــ [المنتقى] أَسْقَطْت مُضْغَةً فَلَا قَوْلَ لَهَا بِخِلَافِ جَوَابِهَا فِي الْوَقْتِ؛ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ بِصَمْتِهَا قَدْ صَدَّقَتْهُ فَثَبَتَتْ لَهَا الرَّجْعَةُ فَلَيْسَ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تُبْطِلَ مَا قَدْ صَحَّ لَهُ مِنْ الرَّجْعَةِ كَصَمْتِ الْيَتِيمَةِ الْبِكْرِ فِي النِّكَاحِ يُثْبِتُ عَلَيْهَا عَقْدَ النِّكَاحِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُبْطِلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِدَعْوَى الْكَرَاهِيَةِ وَعَدَمِ الرِّضَا. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ إجَابَتُهُ أَنَّى قَدْ حِضْت ثَلَاثَ حِيَضٍ قَالَ أَشْهَبُ: تُصَدَّقُ فِي الْأُولَى ثُمَّ يُحْسَبُ مَا بَقِيَ لِلْحَيْضَتَيْنِ فَمَا أَشْبَهَ صُدِّقَتْ فِيهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ ذَلِكَ ثَبَتَتْ رَجْعَتُهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَيْضَةَ الْأُولَى يَصِحُّ أَنْ تَحِيضَهَا إثْرَ الطَّلَاقِ، وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْ إقْرَارِهَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ قُرْبِ الْحَيْضَةِ الَّتِي قَبْلَهَا مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ لَمْ تَحْتَجْ فِي تَصْدِيقِهَا فِي الْحَيْضَةِ الْأُولَى إلَى حِسَابٍ وَاحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ فِي الْحَيْضَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ، فَإِنَّ لِلْحَيْضِ، وَالطُّهْرِ مَقَادِيرَ قَدَّرَهَا الشَّرْعُ فَيُنْظَرُ إلَى أَقَلِّ مَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ صُدِّقَتْ فِيهِ، وَإِنْ ادَّعَتْ مَا لَا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ لَمْ تُصَدَّقْ وَلَزِمَتْهَا الرَّجْعَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ إسْلَامَهَا لَا يَقَعُ بِهِ الْفَسْخُ، وَإِنَّمَا يَقَعُ بِهِ مَنْعُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَإِنَّمَا يَقَعُ فَسْخُ النِّكَاحِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَهُوَ عَلَى دِينِهِ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ وَقَعَ فَسْخُ النِّكَاحِ بِإِسْلَامِهَا لَمْ يَكُنْ أَحَقَّ بِهَا إنْ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ فَسْخِ النِّكَاحِ يُوجِبُ ذَلِكَ كَالْمَرْأَةِ تَشْتَرِي زَوْجَهَا، فَإِنَّهُ يَقَعُ الْفَسْخُ بِتَعْيِينِ الشِّرَاءِ ثُمَّ إنْ أَعْتَقَتْهُ أَوْ بَاعَتْهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا لَمْ يَكُنْ أَمْلَكَ بِهَا وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ. [مَا جَاءَ فِي الْحَكَمَيْنِ] (ش) : قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ ذُكِرَ أَنَّهُ فِي شَأْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَفَاطِمَةَ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بَعَثَ فِي أَمْرِهِمَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لِلْحَكَمَيْنِ: أَتَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا إنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا، وَالْأَصْلُ فِي بَعْثَةِ الْحَكَمَيْنِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِقَوْلِهِ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] الْحُكَّامُ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] أَنَّهُمَا الْحَكَمَانِ وَمِنْ صِفَةِ الْحَكَمَيْنِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ كَوْنِهِمَا حَكَمَيْنِ الْإِسْلَامُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالذُّكُورَةُ، فَإِنْ عُدِمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَحْكِيمُهُمَا بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ وَلَا بِبَعْثَةِ السُّلْطَانِ قَالَهُ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ الْعَدَالَةُ وَلَهُمَا صِفَاتٌ أُخَرُ هِيَ مِنْ صِفَةِ كَمَالِهِمَا أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِهِمَا، وَأَنْ يَكُونَا فَقِيهَيْنِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ جَعَلَ ذَلِكَ الزَّوْجَانِ وَوَلِيَّا الْيَتِيمَيْنِ إلَى مَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُون حَكَمًا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْغَرَرِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] خِطَابٌ لِلْحُكَّامِ وَيَحْتَمِلُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِوَلِيِّ الْيَتِيمَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْعَثَ الْحَكَمَيْنِ إلَّا الْحَاكِمُ أَوْ الزَّوْجَانِ أَوْ وَلِيَّا الزَّوْجَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورَيْنِ، وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ جَعَلَ الزَّوْجَانِ ذَلِكَ إلَى رَجُلٍ

стр. 1148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَاحِدٍ جَازَ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحُكْمِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا وَلَا يَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ وَلَا لِوَلِيِّ الْيَتِيمَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إسْقَاطًا لِحَقِّ الزَّوْجَيْنِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ إلَّا بِحَكَمَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَسَبَبُ تَحْكِيمِ الْحَكَمَيْنِ أَنْ يَقْبُحَ مَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَيَظْهَرَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: اعْلَمْ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِهِمَا أُمِرَ بِإِزَالَتِهِ، وَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمَيْنِ وَسَوَاءٌ بَنَى بِهَا الزَّوْجُ أَوْ لَمْ يَبْنِ بِهَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ؛ لِأَنَّ التَّقَابُحَ قَدْ يَقَعُ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْبِنَاءِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا نَزَعَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أَوْ نَزَعَا جَمِيعًا قَبْلَ حُكْمِ الْحَكَمَيْنِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَبْعَثَ الْحَكَمَيْنِ السُّلْطَانُ أَوْ غَيْرُهُ، فَإِنْ بَعَثَهُمَا السُّلْطَانُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا نُزُوعٌ لِأَنَّ تَحْكِيمَهُمَا حُكْمٌ مِنْ السُّلْطَانِ فَلَيْسَ لَهُمَا نَقْضُهُ، فَإِنْ بَعَثَهُمَا غَيْرُ السُّلْطَانِ جَازَ لَهُمَا النُّزُوعُ مَا لَمْ يَسْتَوْعِبَا الْكَشْفَ عَنْ أَمْرِهِمَا فَلَا نُزُوعَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَلْزَمُ حُكْمُهُمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا اُحْتُجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ حَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا فَلَمَّا ظَهَرَ وَجْهُ الْحَقِّ وَعَلِمَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ أَرَادَ النُّزُوعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) وَمَا يَحْكُمُ بِهِ الْحَكَمَانِ فَعَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ لَا عَلَى وَجْهِ الْوَكَالَةِ، وَالنِّيَابَةِ فَيَنْفُذُ حُكْمُهُمَا، وَإِنْ خَالَفَ مَذْهَبَ الْحَاكِمِ الَّذِي أَنْفَذَ سَوَاءٌ جَمَعَا أَوْ فَرَّقَا وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ: إنَّهُمَا إنْ جَمَعَا جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ فَرَّقَا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ الزَّوْجَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] فَسَمَّاهُمَا حَكَمَيْنِ، وَالْحَكَمُ لَا يَحْتَاجُ فِيمَا يُوقِعُهُ مِنْ الطَّلَاقِ إلَى إذْنِ الزَّوْجِ كَالْوَلِيِّ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ حُكْمِ الْحَكَمَيْنِ أَنْ يَكُونَا فَقِيهَيْنِ لِيَعْلَمَا مَوَاقِعَ الْحَقِّ لِيَحْكُمَا بِهِ وَيَكُونَ أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِهِ، وَالثَّانِي مِنْ أَهْلِهَا؛ لِأَنَّ الْأَهْلَ أَعْلَمُ بِبَاطِنِ أَمْرِهِمَا وَأَعْرَفُ بِوُجُوهِ مَنَافِعِهِمَا وَيَكُونَانِ عَدْلَيْنِ لِيُؤْمَنَ جَوْرُهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِمَا مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ جَازَ أَنْ يَكُونَا أَجْنَبِيَّيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَوَجْهُ نَظَرِ الْحَكَمَيْنِ أَنْ يَنْظُرَا فِي أَمْرِهِمَا، فَإِنْ رَأَيَا الْإِسَاءَةَ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ فَرَّقَا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ رَأَيَا الْإِسَاءَةَ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ تَرَكَاهُمَا وَاسْتَأْمَنَاهُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِهِمَا جَمِيعًا فَرَّقَا بَيْنَهُمَا عَلَى بَعْضِ مَا أَصْدَقَهَا وَلَا يُسْتَوْعَبُ لَهُ وَعِنْدَهُ بَعْضُ الْعِلْمِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . ١ - (مَسْأَلَةٌ) : ، وَإِنْ فَرَّقَا بَيْنَهُمَا بِطَلْقَةٍ بِشَيْءٍ أَخَذَاهُ لَهُ مِنْهَا فَهُوَ خُلْعٌ، وَالطَّلْقَةُ بَائِنَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَهِيَ أَيْضًا طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ قَالَ أَشْهَبُ: إذَا فَرَّقَا بِالْبَتَّةِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ طَلْقَةً بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ أَوْقَعَهَا حَكَمٌ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ الزَّوْجِ وَلَا تَمْلِيكِهِ فَكَانَتْ بَائِنَةً كَالْفُرْقَةِ بِسَبَبِ الْعَقْدِ. (مَسْأَلَةٌ) : ، وَإِنْ حَكَمَا بِالثَّلَاثِ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ مَا أَخْطَأَ فِيهِ السُّلْطَانُ فَفَرَّقَ بِثَلَاثٍ فِيمَا يُفَرَّقُ فِيهِ بِوَاحِدَةٍ فَقَدْ أَخْطَأَ وَتَكُونُ وَاحِدَةً وَكَذَلِكَ الْحَكَمَانِ وَقَالَ أَشْهَبُ: تَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَلْزَمُهُ الْبَتَّةُ وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْعَبْدِ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَيُفَرِّقُ السَّيِّدُ بَيْنَهُمَا بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، وَالْأَمَةُ تُعْتَقُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَتَخْتَارُ نَفْسَهَا بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ هَلْ تَكُونُ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ حَكَمَ أَحَدُهُمَا بِوَاحِدَةٍ، وَالْآخَرُ بِثَلَاثٍ قَالَ مُحَمَّدٌ هِيَ وَاحِدَةٌ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمَا قَدْ اتَّفَقَا عَلَى إيقَاعِ وَاحِدَةٍ فَيَجِبُ أَنْ يَصِحَّ وَيُبْطَلَ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ؛ وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ حُكْمَ الْوَاحِدَةِ غَيْرُ حُكْمِ الثَّلَاثِ فَلَا يُوجَدُ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ فَيَجِبُ أَنْ يُبْطَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ حَكَمَ أَحَدُهُمَا بِطَلْقَةٍ عَلَى مَالٍ، وَالْآخَرُ بِوَاحِدَةٍ بِغَيْرِ مَالٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِاجْتِمَاعٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ رَضِيَتْ أَنْ تُمْضِيَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ الْمَالِ لَزِمَ الزَّوْجَ الطَّلَاقُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ

стр. 1149

مَا جَاءَ فِي يَمِينِ الرَّجُلِ بِطَلَاقِ مَا لَمْ يَنْكِحْ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَابْنَ شِهَابٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانُوا يَقُولُونَ: إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَهَا ثُمَّ أَثِمَ إنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ إذَا نَكَحَهَا) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ فِيمَنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُسَمِّ قَبِيلَةً أَوْ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت) ــ [المنتقى] وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمَا قَدْ اجْتَمَعَا عَلَى الطَّلْقَةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِيمَا يَأْخُذُ الزَّوْجُ مِنْ مَالِ الزَّوْجَةِ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الزَّوْجَةَ إلَّا بِرِضَاهَا فَلَا حَجَّةَ لِلزَّوْجِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَيْسَ لِلْحَكَمَيْنِ أَنْ يُبْطِلَا مَا يَرْجِعُ إلَى الزَّوْجِ مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ كَمَا لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يُفَرِّقَا بَيْنَهُمَا عَلَى شَيْءٍ يَأْخُذَانِهِ لِلزَّوْجَةِ مِنْ الزَّوْجِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّلَاقَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِ فَلَيْسَ لِلْحَكَمَيْنِ أَنْ يُخْرِجَاهُ عَنْ يَدِهِ عَلَى شَيْءٍ يَأْخُذَانِهِ مِنْهُ فَيَكُونُ الْعِوَضَانِ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يُوقِعَاهُ لِشَيْءٍ يَأْخُذَانِهِ لَهُ مِنْ مَالِ الزَّوْجَةِ لِيَكُونَ مَا يَأْخُذَانِهِ مِنْهَا يَصِيرُ إلَى الزَّوْجِ عِوَضًا عَمَّا أُخْرِجَ عَنْ مِلْكِهِ مِنْ الطَّلَاقِ. [مَا جَاءَ فِي يَمِينِ الرَّجُلِ بِطَلَاقِ مَا لَمْ يَنْكِحْ] (ش) : قَوْلُهُمْ فِيمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا يُرِيدُونَ أَنْ يَقُولَ: إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ يَقُولَ: إنْ تَزَوَّجْتُك فَدَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَيُضِيفُ الطَّلَاقَ إلَى النِّكَاحِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُضِفْ الطَّلَاقَ إلَى النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا فَتَدْخُلُ الدَّارَ فَهَذِهِ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى النِّكَاحِ فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ فِي التَّعْيِينِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَفْتَى رَجُلًا حَلَفَ إنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ تَزَوَّجَهَا قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَنَزَلَتْ بِالْمَخْزُومِيِّ فَأَفْتَاهُ مَالِكٌ بِذَلِكَ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ بِالْمَشْهُورَةِ، وَالْمَشْهُورُ رِوَايَةُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يُفْسَخُ إنْ وَقَعَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ أَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى النِّكَاحِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ عَقْدُ النِّكَاحِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُمْ: ثُمَّ أَثِمَ إنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ إذَا نَكَحَهَا مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ إنْ كَانَ قَدْ نَكَحَهَا، وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهَا: إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَدَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ الدَّارَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِدُخُولِهَا قَبْلَ النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا يَلْحَقُهُ الطَّلَاقُ بِدُخُولِهَا بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ. (ش) : قَوْلُهُ فِيمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُ إنْ لَمْ يُسَمِّ قَبِيلَةً أَوْ يُعَيِّنْ امْرَأَةً أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ لِأَنَّ مَالِكًا يَقُولُ: إذَا سَدَّ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ الِاسْتِمْتَاعِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِذَا لَمْ يَسُدَّ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ الِاسْتِمْتَاعِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إنْ تَزَوَّجْت امْرَأَةً مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَوْ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ يُضِيفُ ذَلِكَ إلَى بَلَدٍ فَيَقُولُ: إنْ تَزَوَّجْت امْرَأَةً مِنْ مِصْرَ أَوْ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً بِالشَّامِ أَوْ يُضِيفُ ذَلِكَ إلَى زَمَنٍ لَا يَسْتَوْعِبُ عُمْرَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ تَزَوَّجْت هَذَا الْعَامَ أَوْ هَذِهِ الْعَشَرَةَ الْأَعْوَامِ فَمِثْلُ هَذَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسُدَّ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ الِاسْتِمْتَاعِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا إلَّا فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَتْ الَّتِي اسْتَثْنَى زَوْجَتَهُ الَّتِي عِنْدَهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ قَالَ مَعَك بِخِلَافِ إذَا لَمْ تَكُنْ تَحْتَهُ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ

стр. 1150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَرَوَى نَحْوَهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الَّتِي اسْتَثْنَى زَوْجَةً لَهُ فَقَدْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَمْ يُورِدْهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا أَوْرَدَهُ عَلَى وَجْهِ الِامْتِنَاعِ مِنْ نِكَاحِ غَيْرِهَا، وَلَوْ لَزِمَهُ ذَلِكَ لَلَزِمَهُ إذَا طَلَّقَهَا أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا، وَهَذَا يَسُدُّ بَابَ الِاسْتِمْتَاعِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَجْنَبِيَّةً فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فَرَوَى عَنْهُ الْمِصْرِيُّونَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَنْ عَمَّ وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَثْنَى الْعَدَدَ الْيَسِيرَ كَالْعَشَرَةِ وَنَحْوِهَا أَوْ قَبِيلَةً أَوْ قَرْيَةً وَهُمْ قَلِيلٌ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ فِي ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى الْعَدَدَ الْقَلِيلَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ سَعَةٌ لِلنِّكَاحِ فَهُوَ كَمَنْ عَمَّ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ رِوَايَةُ الْمَدَنِيِّينَ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ إذَا قَالَ: إلَّا فُلَانَةَ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُرَاعَى فِيهِ أَنْ يَتْرُكَ مَا يُمْكِنُ فِيهِ النِّكَاحُ فَإِذَا اسْتَثْنَى مَا لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ غَالِبًا فَهُوَ كَمَنْ عَمَّ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى فَقَدْ عَدَلَ عَنْ الِاسْتِيعَابِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى الْكَثِيرَ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ اللُّزُومِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَتْ الَّتِي اسْتَثْنَى ذَاتَ زَوْجٍ؛ لِأَنَّهُ يُرْجَى لَهُ أَنْ تَخْلُوَ مِنْ الزَّوْجِ فَيَتَزَوَّجَهَا وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَهَا وَطَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ إلَّا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي عِدَّةٍ فَتَحْرُمَ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا وَقَالَ مُطَرِّفٌ: إنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ تَزَوَّجَهَا فَأَبَتَّهَا لَمْ تَلْزَمْهُ الْيَمِينُ، وَلَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الْيَمِينَ تَلْزَمُهُ مَا لَمْ يُقْطَعْ بِتَعَذُّرِ النِّكَاحِ وَاَلَّتِي أَبَتَّهَا لَا يُقْطَعُ بِتَعَذُّرِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ فَتَزَوَّجَهَا الْحَالِفُ فَهَذَا لَا يُقْطَعُ بِتَعَذُّرِ النِّكَاحِ عَلَيْهِ فَلَزِمَتْ الْيَمِينُ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ نِكَاحَهَا لَا يُمْكِنُهُ الْآنَ فَيُعْتَبَرُ بِتَعَذُّرِ النِّكَاحِ عَلَيْهِ حِينَ يَمِينِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَرْعٌ) وَمَنْ قَالَ: كُلُّ ثَيِّبٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ كُلُّ بَكْرٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تَلْزَمُهُ الثَّانِيَةُ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ تَلْزَمُهُ الْيَمِينَانِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْيَمِينُ الثَّانِيَةُ تَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْيَمِينَ الثَّانِيَةَ لَا تَتَنَاوَلُ الْمَنْعَ، وَإِنَّمَا تَتَنَاوَلُ صِنْفًا مِنْ النِّسَاءِ وَيَنْفِي الْكَثِيرُ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ كَالْأَوَّلِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَنْوِيَهَا وَعَمَلَهَا أَوْ يَنْوِيَهَا خَاصَّةً أَوْ لَا يَنْوِيَ شَيْئًا، فَإِنْ نَوَاهَا وَعَمَلَهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ نَوَاهَا خَاصَّةً فَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ فِيمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ إنَّ نَوَى الْحَاضِرَةَ لَزِمَهُ فِيمَنْ عَلَى مَسَافَةِ الْجُمُعَةِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ قَالُوا: وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَزِمَهُ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ حَتَّى يُجَاوِزَ أَرْبَعِينَ مِيلًا وَأَكْثَرَ حَدِّ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَتَبَاعَدَ إلَى حَيْثُ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ قَالَ أَصْبَغُ: وَالْقِيَاسُ أَنْ يَتَبَاعَدَ إلَى حَيْثُ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ إذَا خَرَجَ فِي ظَعْنِهِ وَلَا تَتِمُّ فِيهِ الصَّلَاةُ إذَا قَدِمَ، وَالْأَوَّلُ اسْتِحْسَانٌ، وَلَوْ تَزَوَّجَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي بَرَزَ إلَيْهِ لَمْ تُقْصَرْ حَتَّى يُجَاوِزَهُ لَمْ أَفْسَخْهُ رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ فِي الْحَالِفِ لَا يَتَزَوَّجُ مِنْ قُرْطُبَةَ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا فِي قُرْطُبَةَ وَأَرْبَاضِهَا، وَلَوْ قَالَ بِالْقَيْرَوَانِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا فِي الْمَدِينَةِ نَفْسِهَا، وَلَوْ تَزَوَّجَ مِنْ مَنْزِلِ الْعَلَوِيِّينَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة فَقَدْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ مَوْضِعٍ يَقَعُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ وَفِي حُكْمِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَانَ كُلُّ مَوْضِعٍ لَا تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة لَهُ حُكْمُ الْإِسْكَنْدَرِيَّة فِي ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ: إنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّحَرِّي فَمَنْ تَزَوَّجَ مِنْ مَوْضِعِ مَسَافَةِ الْجُمُعَةِ لَمْ نَفْسَخْهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونَ أَنَّ الِاسْمَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمِصْرَ وَأَرْبَاضَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ هَذَا مَا يَكُونُ مُضَافًا إلَى الْقَرْيَةِ مِنْ الْأَرْبَاضِ الْمُتَّصِلَةِ بِهَا؛ لِأَنَّ.

стр. 1151

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ الطَّلَاقُ وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَمَالُهُ صَدَقَةٌ إنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَحَنِثَ قَالَ: أَمَّا نِسَاؤُهُ فَطَلَاقٌ كَمَا قَالَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُسَمِّ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا أَوْ قَبِيلَةً أَوْ أَرْضًا أَوْ نَحْوَ هَذَا فَلَيْسَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَلْيَتَزَوَّجْ مَا شَاءَ، وَأَمَّا مَالُهُ فَيَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ) . أَجَلُ الَّذِي لَا يَمَسُّ امْرَأَتَهُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ سَنَةٍ، فَإِنْ مَسَّهَا وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ مَتَى يُضْرَبُ لَهُ الْأَجَلُ أَمِنْ يَوْمِ يَبْنِي بِهَا أَمْ مِنْ يَوْمِ تُرَافِعُهُ إلَى السُّلْطَانِ فَقَالَ: بَلْ مِنْ يَوْمِ تُرَافِعُهُ إلَى السُّلْطَانِ) ــ [المنتقى] الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُهَا بِالْمَدِينَةِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ أَنْ يُوَاعِدَهَا بِالْمَدِينَةِ وَيَعْقِدَ نِكَاحَهَا بِغَيْرِهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَاعَى انْعِقَادُ النِّكَاحِ، وَالنِّكَاحُ إنَّمَا انْعَقَدَ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ. ١ - (فَرْعٌ) وَمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُهَا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً أَبُوهَا مِصْرِيٌّ وَأُمُّهَا شَامِيَّةٌ قَالَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ: يَحْنَثُ، وَالْوَلَدُ تَابِعٌ لِلْأَبِ دُونَ الْأُمِّ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا حَيَاتِي طَالِقٌ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَلَوْ ضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا إلَى عَشْرِ سِنِينَ أَوْ عِشْرِينَ سَنَةً طَالِقٌ إنْ كَانَ مِمَّا يُشْبِهُ أَنْ يَعِيشَ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ لَزِمَهُ وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَالتَّعْمِيرُ فِي ذَلِكَ تِسْعُونَ عَامًا وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْعِشْرُونَ سَنَةً كَثِيرٌ يَتَزَوَّجُ وَقَالَ أَصْبَغُ بَعْدَ تَصَبُّرٍ وَتَعَفُّفٍ وَقَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ لَا يَتَزَوَّجُ، وَإِنْ خَافَ الْعَنَتَ فِي الثَّلَاثِينَ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَتَزَوَّجُ فِي الثَّلَاثِينَ إلَّا إنْ خَافَ الْعَنَتَ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ قَدَرَ أَنْ يَتَسَرَّى فَلَا يَنْكِحُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلَا يَنْكِحُ إلَّا أَنْ يَخَافَ الْعَنَتَ، فَإِنْ خَافَ الْعَنَتَ تَزَوَّجَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إنَّمَا يُرَاعَى عُمْرُهُ فِي الْأَغْلَبِ وَمَا لَوْ زَادَ عَلَيْهِ لَمْ يَمِلْ إلَى النِّسَاءِ غَالِبًا، وَذَلِكَ تِسْعُونَ عَامًا فَلِذَا عَلَّقَ يَمِينَهُ بِمُدَّةٍ تَبْلُغُ عُمْرُهُ التِّسْعِينَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَلَّقَ يَمِينَهُ بِجَمِيعِ عُمْرِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَإِنْ قَصَرَ عَنْ ذَلِكَ وَأَبْقَى يَمِينَهُ مُدَّةً مِنْ هَذَا الْعُمْرِ لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مُدَّةَ الْعِشْرِينَ سَنَةً كَثِيرٌ تَلْحَقُ فِيهَا الْمَشَقَّةُ وَلَا تَخْلُو غَالِبًا مِنْ الْعَنَتِ وَحَالُ نِكَاحِهِ أَوْلَى مِنْ الزِّنَا. وَقَدْ أَجَازَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرُهُ وَإِلَى نَحْوِ هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ ﵀ إلَّا أَنَّهُ رَاعَى الثَّلَاثِينَ سَنَةً، وَإِنْ كَانَتْ مُدَّةً طَوِيلَةً إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ الْإِبَاحَةَ بِخَشْيَةِ الْعَنَتِ دُونَ طُولِ الْمُدَّةِ، وَأَمَّا ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَى لَفْظِ الْيَمِينِ دُونَ مَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ اسْتِيفَاءِ عُمْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ الطَّلَاقُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ إذَا وَقَعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَقَوْلُهُ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا طَالِقٌ لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَلَوْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَةِ إنْ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ حَلَفَ إنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً تَمِيمِيَّةً فَهِيَ طَالِقٌ وَتِلْكَ الْمَرْأَةُ مِنْ تَمِيمٍ فَتَزَوَّجَهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَقَعُ عَلَيْهَا طَلْقَتَانِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْيَمِينَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غَيْرُ الْأُخْرَى وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَضَمَّنَتْ طَلْقَةً فَلَمَّا حَلَفَ بِهَا لَزِمَهُ طَلْقَتَانِ وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ لَا يَلْزَمُهُ فِيهَا غَيْرُ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ مُتَكَرِّرَةٌ فِي غَيْرِ وَاحِدَةٍ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ ثَانِيَةً فَتَزَوَّجَهَا، فَإِنَّمَا هِيَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ. [أَجَلُ الَّذِي لَا يَمَسُّ امْرَأَتَهُ] (ش) : قَوْلُهُ: مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُعْتَرَضٌ عَنْهَا ظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَاعْتُرِضَ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَجْبُوبَ الْمَمْسُوحَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى أَنَّهُ ظَهَرَ إلَى الزَّوْجَةِ ذَلِكَ مِنْهُ الْمُؤَثِّرُ فِي مَنْعِ الْوَطْءِ

стр. 1152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الِاعْتِرَاضُ، وَالْعُنَّةُ، وَالْحَصْرُ، وَالْخِصَاءُ، وَالْجَبُّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ الِاعْتِرَاضُ، وَالْعُنَّةُ وَالْجَبُّ، وَالْخِصَاءُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَالْمُعْتَرَضُ هُوَ بِصِفَةِ مَنْ يَأْتِي النِّسَاءَ وَرُبَّمَا جَامَعَ بَعْضَهُنَّ وَاعْتُرِضَ عَنْ بَعْضٍ، وَالْعِنِّينُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَنْتَشِرُ ذَكَرُهُ هُوَ كَالْأُصْبُعِ فِي جَسَدِهِ لَا يَنْقَبِضُ وَلَا يَنْبَسِطُ، وَالْحَصُورُ انْفَرَدَ ابْنُ حَبِيبٍ بِذِكْرِهِ وَقَالَ: هُوَ الَّذِي خُلِقَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ أَوْ بِذَكَرٍ صَغِيرٍ كَالذَّرِّ وَشِبْهِهِ لَا يُمْكِنُ بِهِ وَطْءٌ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: الْعِنِّينُ هُوَ الَّذِي ذَكَرُهُ شَدِيدُ الصِّغَرِ لَا يُمْكِنُهُ الْجِمَاعُ بِمِثْلِهِ وَلَا يَتَأَتَّى مِنْهُ انْتِشَارٌ يُولِجُ بِهِ لِصِغَرِهِ، وَالْخَصِيُّ هُوَ الْمُنْتَزَعُ الْأُنْثَيَيْنِ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ: الْخِصَاءُ سَلُّ الْأُنْثَيَيْنِ وَرَجُلٌ خَصِيٌّ إذَا اشْتَكَى أُنْثَيَيْهِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي زَيْدٍ: الْخِصَاءُ أَنْ تُسَلَّ أُنْثَيَاهُ سَلًّا، فَإِنْ رُضَّتْ وَلَمْ تُخْرَجْ فَهُوَ الْوَجُّ، وَإِنْ شُقَّ الصَّفَنُ فَأُخْرِجَتْ فَهُوَ الْمَشْقُ، فَإِنْ شُقَّتْ حَتَّى تَسْقُطَ فَهُوَ الْعَصْبُ، وَالْمَجْبُوبُ الْمَقْطُوعُ الذَّكَرِ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ يُقَالُ: جَبَبْت الصَّبِيَّ إذَا اسْتَأْصَلْت مَا هُنَالِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْعِنِّينُ، وَالْخَصِيُّ، وَالْمَجْبُوبُ فَمَنْ أَقَرَّ مِنْهُمْ بِحَالِهِ فَلِلزَّوْجَةِ الْخِيَارُ فِي فُرْقَتِهِ دُونَ ضَرْبِ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ أَقَرَّ بِمَعْنًى لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَهُوَ مِمَّا يُوجِبُ الْخِيَارَ لِلزَّوْجَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِمْتَاعِ أَوْ بَعْضِهِ وَلِلزَّوْجَةِ فِي ذَلِكَ حَقٌّ عَلَى وَجْهٍ مَا وَلِذَلِكَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُولِي. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْحَصُورِ، وَالْمَجْبُوبِ الْمَقْطُوعِ ذَكَرُهُ أَوْ ذَكَرُهُ وَأُنْثَيَاهُ أَوْ مَقْطُوعِ الْخُصَى خَاصَّةً يُعْتَبَرُ هَذَا بِالْجَسِّ عَلَى الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُدْرَكُ ذَلِكَ بِالْجَسِّ مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ فَيُعْلَمُ مَا يُدَّعَى وُجُودُهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَعِنْدِي أَنَّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُصَدَّقٍ فِيهِ وَكَانَ لِلنِّسَاءِ أَنْ يَنْظُرْنَ إلَى الْفُرُوجِ فِيمَا يُصَدَّقُ فِيهِ النِّسَاءُ جَازَ لِلرِّجَالِ الشُّهُودِ أَنْ يَنْظُرُوا إلَى هَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ مُصَدَّقٍ فِيهِ، وَهُوَ أَبْيَنُ فِي الشَّهَادَةِ وَأَبْعَدُ مِمَّا يُكْرَهُ وَيُحْظَرُ مِنْ الْمُلَامَسَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمُعْتَرَضُ، فَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، فَإِنْ كَانَ حُرًّا ضُرِبَ لَهُ أَجَلُ سَنَةٍ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: الْبِكْرُ، وَالثَّيِّبُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِيمَا نَعْلَمُ، فَإِنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا إلَّا رِوَايَةً عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لَا تَثْبُتُ وَانْفَرَدَ دَاوُد بِقَوْلِهِ: لَا يُؤَجَّلُ لِلزَّوْجِ وَلَا خِيَارَ لِلزَّوْجَةِ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ بَرِئَ فِي السَّنَةِ وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا إنْ شَاءَتْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا ضُرِبَ لَهُ أَجَلُ سَنَةٍ لِأَنَّهَا مُسْتَوْعِبَةٌ لِجَمِيعِ الْفُصُولِ الْمُوَافِقَةِ لَهُ وَالْمُخَالِفَةِ فَأُبِيحَ لَهُ أَنْ يَتَعَانَى فِي جَمِيعِهَا لِيَصِلَ إلَى الْمُعَانَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُوَافِقُهُ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ سَعَةِ الْمُدَّةِ، وَالْفُسْحَةِ لِمَا عَسَى أَنْ يَقَعَ مِنْ اعْتِقَالِ الْمُعَانَاةِ وَعَدَمِ الْمُعَانِي وَالْمُعَانَى بِهِ وَفِي السَّنَةِ فُسْحَةٌ لِلْوُصُولِ إلَى ذَلِكَ كُلِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: أَجَلُهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: اُخْتُلِفَ فِي أَجَلِ الْعَبِيدِ. فَوَجْهُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ سَنَةٌ اعْتِبَارُهُ بِالْحُرِّ وَلِأَنَّ الْغَرَضَ فِي ذَلِكَ اخْتِبَارُهُ بِتَأْثِيرِ الْأَزْمِنَةِ فِيهِ، وَذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الْحُرُّ، وَالْعَبْدُ فَأَشَارَ إلَى أَنَّهَا مَقُولَةٌ لِمَالِكٍ وَبِهَا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ أَنَّهَا مُدَّةٌ تُقَرِّبُهُ مِنْ الْفِرَاقِ فَكَانَ لَهُ فِيهَا نِصْفُ مُدَّةِ الْحُرِّ كَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ. (فَرْعٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَ صَحِيحًا، فَإِنْ رَفَعَتْهُ، وَهُوَ مَرِيضٌ فَقَدْ رَوَى يَحْيَى إنْ رَفَعَتْهُ، وَهُوَ مَرِيضٌ فَلَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ حَتَّى يَصِحَّ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عُذْرَهُ ظَاهِرٌ، وَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوَطْءُ لِلْمَرَضِ لَمْ تَطْلُقْ عَلَيْهِ فَلَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ فِي وَقْتِ مَرَضِهِ. (فَرْعٌ) وَالسَّنَةُ فِي ذَلِكَ مِنْ يَوْمِ تُرَافِعُهُ امْرَأَتُهُ إلَى السُّلْطَانِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: هَذِهِ عِبَارَةُ أَصْحَابِنَا وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ أَوَّلَ السَّنَةِ مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ رَفْعَهَا إلَى السُّلْطَانِ لَا يُوجِبُ لَهَا الْحُكْمَ إلَّا بَعْدَ إقْرَارِ الزَّوْجِ أَوْ إثْبَاتِ مَا يُوجِبُ لَهَا وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مَا يُوجِبُ ضَرْبَ الْأَجَلِ اسْتَأْنَفَ ضَرْبَهُ مِنْ يَوْمِ إنْفَاذِ الْحُكْمِ

стр. 1153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ وَطِئَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ وَاتَّفَقَا عَلَى وُجُودِ الْوَطْءِ فَلَا خِيَارَ لَهَا وَهُمَا عَلَى حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ اللَّازِمَةِ، فَإِنْ ادَّعَى الْوَطْءَ، وَأَنْكَرَتْهُ الزَّوْجَةُ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ ثَيِّبًا أَوْ بِكْرًا، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْمَدِينَةِ فِي الْمَرْأَةِ تَدَّعِي عَلَى زَوْجِهَا الْعَجْزَ عَنْ الْوَطْءِ وَيُنْكِرُ ذَلِكَ فَأَفْتَى فِيهَا مَالِكٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ بِهَذَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ يُخَلَّى مَعَهَا وَيَكُونُ عَدْلَانِ خَارِجَيْنِ، فَإِنْ خَرَجَ إلَيْهِمَا بِقُطْنَةٍ فِيهَا نُطْفَةٌ صُدِّقَ وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ يُلَطِّخُ ذَكَرَهُ بِزَعْفَرَانٍ، فَإِذَا فَرَغَ أُدْخِلَ عَلَيْهَا امْرَأَتَانِ، فَإِنْ وَجَدَتَا الزَّعْفَرَانَ دَاخِلَ فَرْجِهَا صُدِّقَ وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ أَنَّهُ يُخَلَّى مَعَهَا وَبِالْبَابِ امْرَأَتَانِ، فَإِذَا فَرَغَ نَظَرَتَا فَرْجَهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنِيٌّ فَهُوَ صَادِقٌ وَإِلَّا فَهُوَ كَاذِبٌ. وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ يُخَلَّى مَعَهَا ثُمَّ يَخْرُجُ وَيُلَازِمُهَا امْرَأَتَانِ، فَإِنْ تَطَهَّرَتْ صُدِّقَ، وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ فَهِيَ مُصَدَّقَةٌ فَقَضَى بِقَوْلِ مَالِكٍ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَجْهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّهَا مُدَّعِيَةٌ عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ الْفِرَاقِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَى أَمَانَتِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدِي أَنَّهُ عَلَى السَّلَامَةِ وَهِيَ تَدَّعِي عَيْبًا يُوجِبُ لَهَا نَقْضَ عَقْدٍ قَدْ أَقَرَّا بِصِحَّتِهِ، وَأَمَّا إذَا أَقَرَّ بِتَعَذُّرِ الْوَطْءِ عَلَيْهِ ثُمَّ ادَّعَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَجَلِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَوْكُولًا إلَى أَمَانَتِهِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا. (فَرْعٌ) فَإِنْ حَلَفَ فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ اللَّازِمِ، وَإِنْ نَكَلَ أُحْلِفَتْ، فَإِنْ حَلَفَتْ فَلَهَا أَنْ تُفَارِقَهُ، وَإِنْ نَكَلَتْ بَطَلَتْ دَعْوَاهَا وَلَزِمَهَا الْبَقَاءُ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ نَكَلَ عِنْدَ الْأَجَلِ طَلُقَتْ عَلَيْهِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا: تَطْلُقُ عَلَيْهِ إذَا حَلَفَتْ بَعْدَ نُكُولِهِ، فَإِنَّمَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَلَوْ نَكَلَ قَبْلَ الْأَجَلِ ثُمَّ أَتَى الْأَجَلُ فَادَّعَى أَنَّهُ أَصَابَ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ وَلَيْسَ الْحُكْمُ إلَّا نُكُولُهُ قَبْلَ الْأَجَلِ بِشَيْءٍ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ لَهُ أَنْ يُتَرَبَّصَ عَلَيْهِ إلَى الْأَجَلِ فَلَا مَعْنَى لِاسْتِحْلَافِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَصَابَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ لَمْ يَضُرَّهُ عَجْزُهُ قَبْلَ اسْتِحْلَافِهِ وَلَمْ يَنْقَضِ الْأَجَلُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْبِكْرُ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: فِيهَا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّهَا كَالثَّيِّبِ، وَالْأُخْرَى: أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ، فَإِنْ قُلْنَ بِهَا أَثَرُ إصَابَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ قُلْنَ: إنَّهَا عَلَى حَالِ الْبَكَارَةِ صُدِّقَتْ عَلَيْهِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَبِهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذِهِ زَوْجَةٌ ادَّعَتْ الْعُنَّةَ عَلَى الزَّوْجِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ كَالثَّيِّبِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ لَنَا فِي الْبِكْرِ طَرِيقًا إلَى مَعْرِفَةِ صِدْقِ الصَّادِقِ مِنْهُمَا فَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الرُّجُوعِ إلَى أَمَانَتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ انْقَضَتْ السَّنَةُ وَأَقَرَّا بِعَدَمِ الْوَطْءِ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ فِي أَنْ تُقِيمَ عِنْدَهُ أَوْ تُفَارِقَهُ، فَإِنْ أَقَامَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ أَرَادَتْ الْفِرَاقَ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إذَا صَبَرَتْ عِنْدَ تَمَامِ الْأَجَلِ وَلَمْ تَقُمْ ثُمَّ أَرَادَتْ الْقِيَامَ فَلَهَا ذَلِكَ وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَاخْتَلَفَا فَرَوَى مُحَمَّدٌ تُوقَفُ مَكَانَهُ بِغَيْرِ ضَرْبِ أَجَلٍ وَلَيْسَ لَهَا هِيَ أَنْ تُفَارِقَ دُونَ إذْنِ السُّلْطَانِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا مَتَى شَاءَتْ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ السُّلْطَانِ؛ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَمْرٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَاكِمٍ يَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ لَا سِيَّمَا وَلَيْسَ طَلَاقُهُ بِلَازِمٍ، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِيَارٌ بِمَا تَرَكَتْهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْحَاكِمَ لَمَّا ضَرَبَ الْأَجَلَ فَقَدْ حَكَمَ بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ وَأَخَذَهُ بِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَحْكُمُ بِصِحَّةِ بَقَائِهَا مَعَهُ وَلَا وُجِدَ مِنْهَا تَصْرِيحٌ بِالرِّضَى بِهِ، وَلَوْ أَظْهَرَتْ الصَّبْرَ عَلَيْهِ فَفِي الْوَاضِحَةِ إذَا صَبَرَتْ امْرَأَةُ الْعِنِّينِ يُرِيدُ الْمُعْتَرَضَ ثُمَّ بَدَا لَهَا، فَإِنْ كَانَ بِحَدَثَانٍ مَا رَضِيَتْ لِأَمْرٍ وَقَعَ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، وَإِنْ بَدَا لَهَا بَعْدَ زَمَانٍ قَالَتْ رَجَوْت أَنْ لَا يَتَمَادَى بِهِ فَذَلِكَ لَهَا، وَلَوْ صَبَرَتْ عَلَى الْعِنِّينِ أَوْ الْحَصُورِ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ خِيَارٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالطَّلَاقُ فِي ذَلِكَ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ، وَإِنْ قَالَ: قَدْ انْطَلَقْت يُرِيدُ

стр. 1154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] إذَا ادَّعَى الِانْطِلَاقَ بَعْدَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ بَائِنٌ تَبِعَ النِّكَاحَ مِنْ الْإِصَابَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَ صَحِيحًا، فَإِنْ كَانَ مَرِيضًا عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ أَوْ مَسْجُونًا أَوْ هِيَ مَرِيضَةٌ أَوْ حَائِضٌ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَا يُنْتَظَرُ رَوَاهُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يُنْتَظَرُ بِهِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا أَجَلٌ ضَرَبَهُ الْحَاكِمُ لِثُبُوتِ الِاخْتِيَارِ لَهَا دُونَ امْتِنَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْ جِهَتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ لَهَا الْخِيَارُ بِانْقِضَائِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَنَاوَلَ انْقِضَاءَهُ كَمَا تَنَاوَلَ ابْتِدَاءَهُ وَلِذَلِكَ فَرَّقَ يَحْيَى فِي رِوَايَتِهِ بَيْنَ أَوَّلِ الْأَجَلِ وَآخِرِهِ فَقَالَ: لَا تُضْرَبُ الْآجَالُ حَالَ الْمَرَضِ وَتَطْلُقُ عَلَيْهِ عِنْدَ انْقِضَائِهِ، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ أَجَلٌ ضُرِبَ لِلْإِصَابَةِ، فَإِذَا انْقَضَى لَمْ يُعَجِّلْهُ لَهُ مَعَ وُجُودِ مَانِعٍ كَأَشْهُرِ الْمُولِي. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ انْقَطَعَ ذَكَرُهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: يُعَجَّلُ لَهَا الطَّلَاقُ حِينَئِذٍ وَلَا يُنْتَظَرُ تَمَامُ السَّنَةِ رَوَاهُ عِيسَى عَنْهُ وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَأَصْبَغَ وَغَيْرِهِ لَا فِرَاقَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا حُجَّةَ لَهَا؛ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ قَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْفِرَاقِ لِعَدَمِ الْوَطْءِ، فَإِذَا قُطِعَ ذَكَرُهُ وَتَعَذَّرَ الْوَطْءُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اُطُّلِعَ عَلَى أَنَّهُ مَجْبُوبٌ فَعَجَّلَ الْفِرَاقُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا أَمْرٌ طَارِئٌ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ الْأَجَلُ وَيَثْبُتَ النِّكَاحُ كَالْمُولِي يُقْطَعُ ذَكَرُهُ فِي أَشْهُرِ الْأَجَلِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَجَلَ يَبْطُلُ وَتَثْبُتُ الزَّوْجِيَّةُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَحُكْمُ إيقَاعِ الطَّلَاقِ أَنْ يُؤْمَرَ الزَّوْجُ بِإِيقَاعِهِ فَيُوقِعُ مِنْهُ مَا شَاءَ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ إيقَاعِهِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَفْسَخُ نِكَاحَهُ بِطَلَاقٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ فَسْخٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ لَيْسَ بِغَالِبٍ وَلَا أَوْجَبَهُ فَسَادُ عَقْدٍ فَكَانَ طَلَاقًا كَمَا لَوْ أَوْقَعَهُ الزَّوْجُ كَالْفُرْقَةِ بِاعْتِبَارِ الصَّدَاقِ، وَالنَّفَقَةِ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهَا فُرْقَةٌ يَلْزَمُ الزَّوْجَ إيقَاعُهَا لِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ، فَإِذَا لَمْ يُوقِعْهَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِهَا السُّلْطَانُ فَكَانَتْ طَلْقَةً كَفُرْقَةِ الْمُولِي. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنَّمَا يُوقِعُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ طَلْقَةً وَاحِدَةً تَكُونُ بَائِنَةً؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا رَجْعَةَ فِيهَا وَلَا حَاجَةَ لِأَحَدٍ إلَى إيقَاعِ أَكْثَرَ مِنْهَا مَعَ أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْوَاحِدَةِ مَمْنُوعٌ، فَإِنْ أَوْقَعَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَيَتَخَرَّجُ فِيهِ الْقَوْلُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) فَإِذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ إنْ ضُرِبَ لَهَا الْأَجَلُ بِقُرْبِ الْبِنَاءِ فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مَرَّةً لَهَا جَمِيعُهُ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: إنْ رَفَعَتْهُ بَعْدَ طُولِ مُدَّةٍ ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ فَلَهَا الصَّدَاقُ كُلُّهُ؛ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ اسْتِيفَاءَ عِوَضِ الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْجِمَاعُ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَالثَّانِي: الِاسْتِمْتَاعُ بِالزَّوْجَةِ، وَجِهَازُهَا عَلَى وَجْهِ الْمُكَارَمَةِ وَالْمُرَاضَاةِ وَلِذَلِكَ تَسْتَحِقُّ زَوْجَةُ الْمَجْبُوبِ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَهْرِهَا إذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ بِهَا، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَجْبُوبِ الْوَطْءُ جَازَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِيفَاءُ بِالِاسْتِمْتَاعِ بِالزَّوْجَةِ، وَجِهَازُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي طَوِيلِ الْمُدَّةِ دُونَ قَصِيرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْتَوْفَى فِي السَّاعَةِ وَلَا فِي الْيَوْمِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي طَوِيلِ الْمُدَّةِ بِالسَّنَةِ الْمَضْرُوبَةِ لِاخْتِيَارِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُقْتَضَاهَا الْمُكَارَمَةَ وَالْمُرَاضَاةَ، وَإِنَّمَا مُقْتَضَاهَا الْمُشَاحَّةُ وَطَلَبُ الزَّوْجَةِ الْمُفَارَقَةَ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي طُولِ الْمُدَّةِ بِمَا مَضَى قَبْلَ أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنْ طَالَتْ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ فِيهَا اسْتِمْتَاعُ الزَّوْجِ بِالزَّوْجَةِ وَجِهَازِهَا كَانَ لَهَا جَمِيعُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهَا الْبَدَلُ وَوُجِدَ مِنْهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الِاسْتِيفَاءِ، وَإِنْ قَصَّرَتْ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهَا إلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا نَوْعٌ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِالزَّوْجَةِ وَجِهَازِهَا فَكَانَ لَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ كَمَا لَوْ طَالَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ التَّحَاكُمِ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ -

стр. 1155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فَصْلٌ) فَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَرُدَّ الرَّجُلَ بِمَا يَضُرُّهَا بِهِ مِنْ الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْجُنُونُ بِهِ حِينَ الْعَقْدِ فَغَرَّهَا مِنْ نَفْسِهِ فَاخْتَارَتْ الطَّلَاقَ، فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الصَّدَاقُ، وَإِنْ لَمْ يَبْنِ بِهَا فَلَا شَيْءَ لَهَا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا غَرَّهَا مِنْ نَفْسِهِ بِالْعُنَّةِ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ، وَهَذَا أَبْيَنُ ضَرَرًا فَبِأَنْ يَجِبَ لَهَا الْخِيَارُ بِهِ أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ حَدَثَ بِهِ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ فَعَلَى حَسَبِ ذَلِكَ إنْ كَانَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَلَا شَيْءَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْمَجْنُونِ سَوَاءٌ كَانَ جُنُونَ إفَاقَةٍ أَوْ مُطْبِقٍ إنْ كَانَ يُؤْذِيهَا وَيُخَافُ عَلَيْهَا مِنْهُ حِيلَ بَيْنَهُمَا وَأُجِّلَ سَنَةً يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ بَرِئَ وَإِلَّا فَهِيَ بِالْخِيَارِ، وَإِنْ كَانَ يُعْفِيهَا مِنْ نَفْسِهِ وَلَا تَخَافُ مِنْهُ فِي خَلْوَتِهِ بِهَا فَلَا حُجَّةَ لَهَا وَقَالَ نَحْوَهُ أَشْهَبُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَعْنًى مُؤَثِّرٍ فِي الِاسْتِمْتَاعِ، فَإِذَا أَعْفَاهَا مِنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يُخَفْ مِنْهُ عَلَيْهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا وَأَشَارَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْجُنُونِ الْمَوْجُودِ حِينَ الْعَقْدِ، وَالْحَادِثِ بَعْدَهُ فَقَالَ فِيمَنْ زَوَّجَ ابْنَهُ صَغِيرًا فَلَمَّا بَلَغَ ظَهَرَ أَنَّهُ أَحْمَقُ مُطْبِقٌ فَأَرَادَتْ هِيَ أَوْ وَلِيُّ الصَّغِيرَةِ الْفَسْخَ وَقَالَتْ: كَانَ الْجُنُونُ بِهِ قَدِيمًا وَبِالْبُلُوغِ ظَهَرَ فَهَذَا لَا يُعْرَفُ، وَهُوَ عَلَى أَنَّهُ حَادِثٌ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْجُنُونِ ضُرِبَ لَهُ أَجَلُ سَنَةٍ يَتَعَالَجُ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُحْبَسُ فِي حَدِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ إنْ خِيفَ عَلَيْهَا مِنْهُ، وَهَذَا فِي الَّذِي يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْهُ وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ لَا تَسْتَوْحِشُ مِنْ مُجَالَسَتِهِ وَيُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ أَذًى، فَإِنَّ عِنْدِي أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ بَرِئَ الْمَجْنُونُ فِي السَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ، فَإِنْ بَرِئَ وَإِلَّا فَهِيَ بِالْخِيَارِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ. (فَرْعٌ) وَالْمُوَسْوَسُ وَاَلَّذِي يَغِيبُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ سَوَاءٌ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُؤَجَّلُ الْمُوَسْوَسُ سَنَةً وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ مَعَانٍ يُعْدَمُ مَعَهَا الْعَقْلُ، وَالْمَيْزُ فَأَشْبَهَتْ الْجُنُونَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْجُذَامُ فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إنَّ لَهَا الْخِيَارَ فِي الْجُذَامِ وَكَذَلِكَ إنْ حَدَثَ بِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ مَعْنًى مَنَعَ الِاسْتِمْتَاعَ. (فَرْعٌ) وَمِقْدَارُ الْجُذَامِ الَّذِي يُوجِبُ لَهَا الْخِيَارَ قَالَ أَشْهَبُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَشِعًا حِسًّا لَا يُحْتَمَلُ النَّظَرُ إلَيْهِ وَتُغَضُّ الْأَبْصَارُ دُونَهُ فَلَهَا الْخِيَارُ وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِالرَّجُلِ جُذَامٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤْذِيًا وَلَا فَاحِشًا فَلْيُفَرَّقْ بَيْنَهُنَّ إنْ طَلَبَتْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا تُؤْمَنُ زِيَادَتُهُ. وَأَمَّا الْخَفِيُّ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ وَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ جُذَامٌ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؛ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ نَفْسَ الِاسْتِمْتَاعِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَذًى وَلَا مَضَرَّةٌ مِنْ قُبْحِهِ فَلَا خِيَارَ لَهَا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ، وَالنِّفَارِ مِمَّنْ هُوَ بِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ النَّشَاطَ إلَى الِاسْتِمْتَاعِ، وَالِانْبِسَاطَ إلَيْهِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ مَنْعَ الِاسْتِمْتَاعِ كَمَا لَوْ كَانَ الْجُذَامُ بِالْمَرْأَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) وَلَوْ شَاءَتْ الْمُقَامَ مَعَهُ ثُمَّ قَامَتْ بَعْدَ سِنِينَ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الَّتِي لَهَا الْخِيَارُ بِقُبْحِ جُذَامِ زَوْجِهَا فَشَاءَتْ الْمُقَامَ ثُمَّ بَدَا لَهَا فَذَلِكَ لَهَا. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا خَيَّرَ زَوْجَةَ الْأَجْذَمِ فَاخْتَارَتْ الْمُقَامَ ثُمَّ قَامَتْ بَعْدَ سِنِينَ لَا حُجَّةَ لَهَا إذَا كَانَ رِضَاهَا عِنْدَ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ إذَا أَشْهَدَتْ إلَّا أَنْ يَتَزَايَدَ أَمْرُهُ وَرَوَى عَنْهُ عِيسَى أَنَّهُ قَالَ: لَا حُجَّةَ لَهَا إذَا قَالَتْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيَذْهَبُ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ يَشْتَدُّ ضَرَرُهُ وَيَتَزَايَدُ أَمْرُهُ وَلَا يَكَادُ يَثْبُتُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا إذَا رَضِيَتْ الْمُقَامَ مَعَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ لَزِمَهَا لِأَنَّ السُّلْطَانَ قَدْ حَكَمَ بِإِسْقَاطِ خِيَارِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْبَرَصُ فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَرُدَّ الرَّجُلَ بِمَا يَرُدُّهَا بِهِ مِنْ الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَهَذَا فِيمَا غَرَّهَا بِهِ وَمَا حَدَثَ بِالرَّجُلِ مِنْ جُنُونٍ أَوْ جُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ فَلَهَا الْخِيَارُ

стр. 1156

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا الَّذِي قَدْ مَسَّ امْرَأَتَهُ ثُمَّ اُعْتُرِضَ عَنْهَا، فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ أَنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا) . جَامِعُ الطَّلَاقِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ حِينَ أَسْلَمَ الثَّقَفِيُّ أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» ) . ــ [المنتقى] قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ حُدُوثُ الْبَرَصِ الشَّدِيدِ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَا سَمِعْت أَحَدًا فَرَّقَ فِيهِ وَلَا أَرَى ذَلِكَ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ لَا يُفَرَّقُ فِيهِ، إنْ غَرَّهَا فَعَلَى هَذَا عَنْ مَالِكٍ فِي الَّتِي يَغُرُّهَا زَوْجُهَا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: إثْبَاتُ الْخِيَارِ لَهَا وَبِهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَالثَّانِيَةُ نَفْيُهُ، وَفِي الَّذِي يَحْدُثُ بِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً فِي نَفْيِ الْخِيَارِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ مَا حَدَثَ مِنْهُ شَدِيدًا وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَحْدُثُ بِهِ مِنْ الْبَرَصِ مَا خَفَّ مِنْهُ فَلَا خِيَارَ لَهَا وَمَا فِيهِ ضَرَرٌ لَا تَصْبِرُ عَلَيْهِ فَلَهَا الْخِيَارُ بِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي الْبَرَصِ إذَا غَرَّ بِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهَا فِيهِ الْخِيَارُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُؤَثِّرُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ لِلزَّوْجِ الْخِيَارُ بِهِ إذَا كَانَ بِالزَّوْجَةِ فَكَانَ لِلزَّوْجَةِ الْخِيَارُ إذَا كَانَ بِالزَّوْجِ كَالْجُذَامِ فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إلَى إثْبَاتِ الْخِيَارِ لَهَا بِهَذِهِ الْعُيُوبِ كُلِّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً حِينَ الْعَقْدِ أَوْ ثَبَتَتْ بَعْدَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَحْدُثُ مِنْ ذَلِكَ بِالزَّوْجَةِ وَبَيْنَ مَا يَحْدُثُ بِالزَّوْجِ أَنَّ الزَّوْجَ يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِ الْعَقْدِ بِالطَّلَاقِ، وَالزَّوْجَةَ لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا الْخِيَارُ لَأَدَّى إلَى اسْتِدَامَةِ الضَّرَرِ وَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ يَقْتَضِي أَنَّ حَقَّ الْمَرْأَةِ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا بِمَا حَدَثَ بِالزَّوْجِ مِنْ ذَلِكَ آكَدُ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ مِمَّا يَثْبُتُ بِالْمَرْأَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْقٌ) وَالْفَرْق بَيْنَ مَا يُوجَدُ مِنْهُ حِينَ الْعَقْدِ وَبَيْنَ مَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا بِهِ قَاصِدًا إلَى الْخَدِيعَةِ، وَالْإِضْرَارِ بِهَا وَاَلَّذِي حَدَثَ ذَلِكَ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ غَيْرُ قَاصِدٍ إلَيْهِ بِمَا حَدَثَ بِهَا مِنْهُ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَلَهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ جَمِيعُهُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِهَا عِنْدَ الْعَقْدِ لَكَانَ لَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَنْ يُفَارِقَهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَاقِ، وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ كَثِيرِ مَا حَدَثَ مِنْهُ وَقَلِيلِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ مِنْهُ عِنْدَ الْعَقْدِ، فَإِنَّمَا أَثْبَتَ لَهَا الْخِيَارَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَجْلِ اسْتِدَامَةِ الضَّرَرِ وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّهَا إذَا رَضِيَتْ بِهِ كَانَ لَهَا الْقِيَامُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ وَجْهِ الْعُنَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ وَجْهِ الضَّرَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ: إنَّ مَنْ مَسَّ امْرَأَتَهُ، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ اُعْتُرِضَ عَنْهَا، فَإِنَّهُ لَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَا حُجَّةَ لَهَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ غَيْرَ أَبِي ثَوْرٍ، فَإِنَّهُ قَالَ يُؤَجَّلُ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ وَلِأَنَّ الْمُلَامَسَةَ الْوَاحِدَةَ يَكْمُلُ بِهَا الصَّدَاقُ فَيَبْطُلُ بِهَا حُكْمُ الِاعْتِرَاضِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ اسْتِيفَاءِ الِاسْتِمْتَاعِ أَجْمَعَ إذَا مَنَعَ مِنْهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عُذْرٌ كَمَا لَوْ مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [جَامِعُ الطَّلَاقِ وَفِيهِ أَبْوَاب] (ش) : قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ أَمَرَ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ الَّذِي أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ أَنْ يُمْسِكَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَيُفَارِقَ سَائِرَهُنَّ» وَلَمْ يَحُدَّ لَهُ إمْسَاكَ الْأَوَائِلِ وَلَا غَيْرَهُنَّ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ خُيِّرَ فِي أَنْ يُمْسِكَ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ وَيُفَارِقَ سَائِرَهُنَّ وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ تَحْتَهُ أُخْتَانِ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ وَسَوَاءٌ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ عُقُودٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ إلَّا الْأَوَائِلَ، فَإِنْ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ ثُمَّ تَزَوَّجَ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ صِفَةِ نِكَاحِهِنَّ، وَهُوَ مَوْضِعُ حُكْمٍ، وَالسُّؤَالِ

стр. 1157

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَحُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كُلُّهُمْ يَقُولُ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى تَحِلَّ وَتَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَيَمُوتُ عَنْهَا أَوْ يُطَلِّقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا زَوْجُهَا الْأَوَّلُ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذَلِكَ السُّنَّةُ عِنْدَنَا الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْأَحْنَفِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ وَلَدٍ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: فَدَعَانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ فَجِئْته فَدَخَلْت عَلَيْهِ فَإِذَا سِيَاطٌ مَوْضُوعَةٌ، وَإِذَا قَيْدَانِ مِنْ حَدِيدٍ وَعَبْدَانِ لَهُ قَدْ أَجْلَسَهُمَا فَقَالَ: طَلِّقْهَا وَإِلَّا وَاَلَّذِي يُحْلَفُ بِهِ فَعَلْت بِك كَذَا، وَكَذَا قَالَ: فَقُلْت هِيَ الطَّلَاقُ أَلْفًا قَالَ فَخَرَجْت مِنْ عِنْدِهِ فَأَدْرَكْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ قَالَ فَأَخْبَرْته بِاَلَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِي فَتَغَيَّظَ عَبْدُ اللَّهِ وَقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ، وَأَنَّهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْك فَارْجِعْ إلَى أَهْلِك قَالَ فَلَمْ تُقْرِرْنِي نَفْسِي حَتَّى أَتَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ أَمِيرٌ عَلَيْهَا فَأَخْبَرْته بِاَلَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِي وَبِاَلَّذِي قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عُمَرَ قَالَ فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْك فَارْجِعْ إلَى أَهْلِك وَكَتَبَ إلَى جَابِرِ بْنِ الْأَسْوَدِ الزُّهْرِيِّ ــ [المنتقى] عَنْ أَسْبَابِهِ مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ فَاسِدَةٌ لِعُرُوِّهَا عَنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ لَكِنْ إنْ كَانَ الْفَسَادُ يُقَارِنُ الْعَقْدَ فَقَطْ فَذَلِكَ الَّذِي يُصَحِّحُهُ الْإِسْلَامُ، فَإِنْ كَانَ يَبْقَى بَعْدَ الْعَقْدِ وَأَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ بَطَلَ النِّكَاحُ، وَإِنْ انْقَضَى قَبْلَ الْإِسْلَامِ صَحَّحَهُ الْإِسْلَامُ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ تُسْلِمَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُفْسَخُ النِّكَاحُ قَالَ أَشْهَبُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَنَى بِهَا، وَلَوْ وَطِئَ بَعْدَ إسْلَامِهِ فِي الْعِدَّةِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أَبَدًا وَكَذَلِكَ مَنْ تَزَوَّجَ عَلَى سَنَةٍ لِلْمُتْعَةِ فَأَسْلَمَ قَبْلَ الْأَجَلِ فُسِخَ نِكَاحُهُ، وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْأَجَلِ ثَبَتَ نِكَاحُهُ بَنَى أَوْ لَمْ يَبْنِ قَالَهُ أَشْهَبُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ كِتَابِ أَحْمَدَ وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَلَمْ يَخْتَرْ مِنْهُنَّ حَتَّى مَاتَ قَالَ مُحَمَّدٌ سَمِعْت مَنْ قَالَ: إنَّهُنَّ يَرِثْنَ مِنْهُ الثُّمُنَ مَعَ الْوَلَدِ، وَالرُّبُعَ مَعَ عَدَمِهِ وَمَنْ دَخَلَ بِهَا مِنْهُنَّ فَلَهَا صَدَاقُهَا وَمَنْ لَمْ يَبْنِ بِهَا فَلَهَا خُمُسَا صَدَاقِهَا قَالَ مُحَمَّدٌ: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا إلَّا صَدَاقُ أَرْبَعٍ يُقَسَّمُ ذَلِكَ بَيْنَهُنَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ طَلَّقَ أَرْبَعًا مِنْ الْعَشَرَةِ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْعَشْرِ غَيْرَ الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّ طَلَاقَهُ لِلْأَرْبَعِ اخْتِيَارٌ لِمَنْ طَلَّقَ وَبِالطَّلَاقِ وَقَعَ عَلَى الْمُطَلَّقَاتِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا يَقَعُ فِي نِكَاحٍ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّوْجَةِ، فَإِذَا وَجَّهَ الطَّلَاقَ إلَيْهَا فَقَدْ اخْتَارَهَا زَوْجَةً فَإِذَا اسْتَوْعَبَ أَرْبَعَةً بِالطَّلَاقِ فَقَدْ اسْتَوْعَبَ مَنْ كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى سَائِرِهِنَّ إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ كَمَا لَوْ اخْتَارَ أَرْبَعًا ثُمَّ طَلَّقَهُنَّ. (ش) : قَوْلُ عُمَرَ ﵁: أَيُّمَا امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ يُرِيدُ مَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ الثَّلَاثَ ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى تَحِلَّ وَتَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَيَمُوتُ عَنْهَا أَوْ يُطَلِّقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا الْأَوَّلُ، فَإِنَّهَا عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا يُرِيدُ إنْ كَانَ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الثَّانِي طَلْقَةً، فَإِنَّهَا إذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ تَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى طَلْقَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ طَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ قَبْلَ الثَّانِي، فَإِنَّهَا إذَا رَجَعَتْ لِلْأَوَّلِ لَا يَبْقَى لَهُ فِيهَا إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الزَّوَاجَ لَا يَهْدِمُ مِنْ الطَّلَاقِ إلَّا الثَّلَاثَ فَأَمَّا الطَّلْقَةُ، وَالطَّلْقَتَانِ فَلَا يَهْدِمُهَا الزَّوَاجُ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَهْدِمُ الطَّلْقَةَ، وَالطَّلْقَتَيْنِ، وَإِذَا رَجَعَتْ إلَى الْأَوَّلِ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى جَمِيعِ الطَّلَاقِ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ.

стр. 1158

وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُعَاقِبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَهْلِي قَالَ فَقَدِمْت الْمَدِينَةَ فَجَهَّزَتْ صَفِيَّةُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ امْرَأَتِي حَتَّى أَدْخَلَتْهَا عَلَيَّ بِعِلْمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ثُمَّ دَعَوْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمَ عُرْسِي إلَى وَلِيمَتِي فَجَاءَنِي) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَرَأَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي بِذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَ فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ: فَدَخَلْت عَلَيْهِ، فَإِذَا سِيَاطٌ مَوْضُوعَةٌ وَقَيْدَانِ مِنْ حَدِيدٍ وَعَبْدَانِ يَقْتَضِي مَعَ كَمَالِ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا كَانَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِمَّا يَقَعُ بِهِ الْإِكْرَاهُ الَّذِي يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ التَّهْدِيدَ بِالضَّرْبِ، وَإِنْ قَلَّ، وَأَنَّ السِّجْنَ إكْرَاهٌ وَكَذَلِكَ أَخْذُ بَعْضِ الْمَالِ وَقَالَ فِيمَنْ مَرَّ بِعَشَّارٍ فَقَالَ فِي أَمَةٍ هِيَ لَهُ حُرَّةٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي يَمِينِ الْمُكْرَهِ إنْ كَانَ لَمْ يَحْلِفْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُ أَنَّ الْحَالِفَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَنْزِعُ عَنْهُ وَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِهِ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ وَأَنْ لَا يُسْرِعَ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ حَدِيثُ ثَابِتِ بْنِ الْأَحْنَفِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: فَقَالَ طَلِّقْهَا وَإِلَّا وَاَلَّذِي يُحْلَفُ بِهِ فَعَلْت بِك كَذَا، وَكَذَا فَقُلْت هِيَ الطَّلَاقُ أَلْفًا يَقْتَضِي أَنَّهُ طَلَّقَهَا مُكْرَهًا، وَقَدْ أَفْتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُ الْمُكْرَهَ طَلَاقُهُ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَيُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا طَلَاقَ فِي إغْلَاقٍ» ، وَالْإِغْلَاقُ الْإِكْرَاهُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا طَلَاقٌ لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ فَإِذَا أَوْقَعَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ كَطَلَاقِ الْمَجْنُونِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَسَوَاءٌ أُكْرِهَ عَلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ أَوْ الْإِقْرَارِ بِهِ أَوْ الْيَمِينِ بِهِ أَوْ الْحِنْثِ فِي يَمِينٍ لَزِمَتْ بِهِ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَتَضَمَّنُ الطَّلَاقَ فَلَمْ يَلْزَمْ بِالْإِكْرَاهِ كَالْإِقْرَارِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: ثُمَّ دَعَوْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إلَى وَلِيمَتِي فَجَاءَنِي يَقْتَضِي بَقَاءَهُ عَلَى مَا أَفْتَاهُ بِهِ مِنْ أَنَّ الْمُكْرَهَ لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ وَلِذَلِكَ حَضَرَ وَلِيمَةَ بِنَائِهِ بِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَدْ كَانَ طَلَّقَهَا مُكْرَهًا وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ إلَى جَابِرِ بْنِ الْأَسْوَدِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُعَاقِبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِمَا كَانَ مِنْ تَعَدِّيهِ عَلَى ثَابِتٍ وَظُلْمِهِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَا أَلْجَأَهُ إلَيْهِ مِنْ الطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُهُ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُنْصِفَ ضَعِيفَهُمْ مِنْ قَوِيِّهِمْ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. (ش) : قَوْلُهُ: فَطَلِّقُوهُنَّ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُورِدُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فَلَا تَكُونُ إلَّا عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْمُصْحَفُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا فَتِلْكَ الْمُدَّةُ الَّتِي تُسْتَقْبَلُ بِهَا الْعِدَّةُ يُرِيدُ أَنْ تَبْدَأَ فِيهَا، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تَطْلُقَ فِي حَالَةٍ تَعْتَدُّ بِهَا وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الطَّلَاقُ فِي حَالِ الْحَيْضِ فَثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالطَّلَاقِ تَنَاوَلَ حَالَ الطُّهْرِ وَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ زَمَنَ الطُّهْرِ هُوَ الَّذِي يَقَعُ الِاعْتِدَادُ بِهِ، وَهُوَ الَّذِي تُسْتَقْبَلُ الْعِدَّةُ بِهِ وَقَوْلُهُ عَنْ مَالِكٍ: إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَ فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقَدْ أُنْكِرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَقِيلَ إنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀؛ لِأَنَّ طَلَاقَ السُّنَّةِ عِنْدَهُ أَنْ يُطَلِّقَ طَلْقَةً فِي كُلِّ طُهْرٍ أَيْ فِي أَيِّ طُهْرٍ سَأَلَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ بِهِ الطَّلَاقَ وَيُوقِعَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا يُتْبِعُهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ طَلْقَةً ثَانِيَةً وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الطَّلَاقِ إيقَاعُ طَلَاقٍ فِي الطُّهْرِ الثَّانِي وَلَا الْمَنْعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ جِهَتُهُ التَّعَلُّقُ بِالْعُمُومِ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِالْعُمُومِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِي طُهْرٍ قَدْ مَسَّ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1159

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ ارْتَجَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا أَلْفَ مَرَّةٍ فَعَمَدَ رَجُلٌ إلَى امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا حَتَّى إذَا شَارَفَتْ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُؤْوِيكِ إلَيَّ وَلَا تَحِلِّينَ أَبَدًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ الطَّلَاقَ جَدِيدًا مِنْ يَوْمئِذٍ مَنْ كَانَ طَلَّقَ مِنْهُمْ أَوْ لَمْ يُطَلِّقْ مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا وَلَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا وَلَا يُرِيدُ إمْسَاكَهَا كَيْمَا تَطُولَ بِذَلِكَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ لِيُضَارَّهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١] يَعِظُهُمْ اللَّهُ بِذَلِكَ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا عَنْ طَلَاقِ السَّكْرَانِ فَقَالَا: إذَا طَلَّقَ السَّكْرَانُ جَازَ طَلَاقُهُ، وَإِنْ قَتَلَ قُتِلَ بِهِ قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) . ــ [المنتقى] (ش) : الْآيَةُ الْأُولَى نَزَلَتْ فِي تَقْدِيرِ الطَّلَاقِ وَمَا لِلرَّجُلِ مِنْهُ وَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا طَلْقَتَانِ تَعْقُبُهُمَا رَجْعَةٌ وَطَلْقَةٌ ثَالِثَةٌ لَا رَجْعَةَ بَعْدَهَا فَقَطَعَ بِذَلِكَ ﵎ ضَرَرَ مَنْ كَانَ يَسْتَدِيمُ الطَّلَاقَ، وَالِارْتِجَاعَ يَمْنَعُ بِذَلِكَ الزَّوْجَةَ مِنْ أَنْ تَحِلَّ لِغَيْرِهِ وَلَا يُعِيدُهَا هُوَ إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا عَقْدُ النِّكَاحِ مِنْ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ وَقَصْدِ الْمُوَاصَلَةِ فَقَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ جَمِيعَ مَا لِلزَّوْجِ فِي الْمَرْأَةِ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ، فَإِذَا اسْتَوْعَبَهَا فِي كَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَاتٍ وَوَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ أَوْقَاتٍ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهَا رَجْعَةٌ وَلَا كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ نِكَاحِ غَيْرِهِ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ مَرَّتَانِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أَنَّ هَذَا حُكْمُ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَهَذَا لِلزَّوْجِ وَلَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا بِإِحْسَانٍ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى الْمُوَاصَلَةِ، وَالْمَقْصُودُ بِالزَّوْجِيَّةِ لَا يُضَارُّهَا وَيُطَوِّلُ عَلَيْهَا بِالرَّجْعَةِ عِدَّتَهَا وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] يُرِيدُ فِي تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهِنَّ أَوْ يُسَرِّحُهَا بِإِحْسَانٍ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بِهَا حَاجَةٌ، فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ. ١ - (فَصْلٌ) : وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] نَهَاهُمْ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَنْ أَنْ يَكُونَ الِارْتِجَاعُ الَّذِي أُبِيحَ لَهُمْ عَلَى وَجْهِ الْإِضْرَارِ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَنْفُذُ فِيهِ حُكْمُهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أُمِرُوا بِإِيقَاعِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ دُونَ الْإِضْرَارِ فَمَنْ أَوْقَعَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِضْرَارِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ فَمَا تَنَاوَلَتْهُ الْآيَةُ الْأُولَى غَيْرُ مَا تَنَاوَلَتْهُ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُمَا إذَا طَلَّقَ السَّكْرَانُ جَازَ طَلَاقُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ. وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيّ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَرَبِيعَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَزِمَهُ الْقَطْعُ بِالسَّرِقَةِ، وَالْقِصَاصُ فِي الْقَتْلِ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ أَصْلُ ذَلِكَ الصَّحِيحُ وَلَا خِلَافَ فِي إلْزَامِهِ الْقَطْعَ بِالسَّرِقَةِ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ اللَّيْثِيِّ وَلَيْسَ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ، وَأَمَّا الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ أَيَّدَهُ اللَّهُ: وَاَلَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّ السَّكْرَانَ الْمَذْكُورَ لَا يَذْهَبُ عَقْلُهُ جُمْلَةً، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ مَعَ صِحَّةِ قَصْدِهِ إلَى مَا يَقْصِدُهُ وَلِذَلِكَ يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْقَتْلِ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَأَمَّا لَوْ بَلَغَ إلَى حَدِّ أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ وَلَا يَبْقَى لَهُ عَقْلٌ جُمْلَةً فَهَذَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ تَطْلِيقٌ إذَا بَلَغَ هَذِهِ الْحَالَةَ وَلَا يَتَهَيَّأُ مِنْهُ ضَرْبٌ وَلَا قَصْدٌ إلَى قَتْلٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ سُكْرِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ سُكْرَ الْخَمْرِ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْجُنُونِ الَّذِي يُذْهِبُ الْعَقْلَ جُمْلَةً، وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ الْعَقْلُ تَغْيِيرًا يَجْتَرِئُ بِهِ عَلَى مَعَانٍ لَا يَجْتَرِئُ عَلَيْهَا صَاحِيًا كَالسَّفِيهِ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ بَلَغَ حَدَّ الْإِغْمَاءِ لَمَا اُقْتُصَّ مِنْهُ وَلَا لَزِمَهُ طَلَاقٌ وَلَا غَيْرُهُ كَسَائِرِ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ

стр. 1160

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَانَ يَقُولُ: إذَا لَمْ يَجِدْ الرَّجُلُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَالَ مَالِكٌ، وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْت أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا) ــ [المنتقى] (فَرْعٌ) وَأَمَّا مَنْ سُقِيَ السَّيْكَرَانَ ثُمَّ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَهُوَ كَالْبِرْسَامِ، وَهُوَ لَمْ يُدْخِلْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ قَصَدَ شُرْبَهُ عَلَى وَجْهِ الدَّوَاءِ، وَالْعِلَاجِ فَأَصَابَهُ مَا بَلَغَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَشَارِبِ الْخَمْرِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ شُرْبَ السَّيْكَرَانِ يُذْهِبُ الْعَقْلَ وَيَجْعَلُ صَاحِبَهُ كَالْمُبَرْسَمِ وَقَالَ ذَلِكَ فِي الْمَرِيضِ يُطَلِّقُ فِي هَذَيَانِهِ لَا يَلْزَمُهُ، وَلَوْ طَلَّقَ، وَقَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنْ الْمَرَضِ ثُمَّ صَحَّ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ حَلَفَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ، وَأَمَّا شَارِبُ الْخَمْرِ فَمُلْتَذُّ بِسُكْرِهِ وَمَعْنَاهُ الِاجْتِرَاءُ عَلَى الْمَعَاصِي وَتَشَعُّبِ الْأَمَانِي مَعَ بَقَاءِ كَثِيرٍ مِنْ الْمَيْزِ الَّذِي يَلْزَمُهُ بِهِ الْقِصَاصُ، وَالْحُدُودُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ الْحُدُودَ، وَالطَّلَاقَ تَلْزَمُهُ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَحْرِيمٍ وَلَا كَانَ فِيهِ عِتْقٌ كَالْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ وَعَطِيَّتِهِ، وَإِنْكَاحِ ابْنَتِهِ وَإِقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ قَالَ سَحْنُونُ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: يَجُوزُ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهِ حَالَ سُكْرِهِ أَنَّهُ سَفِيهٌ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَا يَلْزَمُ السَّفِيهُ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ هَذِهِ حُقُوقٌ لَازِمَةٌ كَالطَّلَاقِ، وَالْحُدُودِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ مَنْ لَيْسَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ وَمَعَهُ مِنْ الْمَيْزِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِهِ الْقِصَاصُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ سَائِرُ أَفْعَالِهِ كَالصَّاحِي، وَأَمَّا وَصِيَّتُهُ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ: مَا كَانَ مِنْهَا لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ كَالْعِتْقِ الْمُبْتَلِّ فَهُوَ لَازِمٌ ثُمَّ رَجَعَ سَحْنُونُ بِالْعَشِيِّ فَقَالَ تَلْزَمُهُ وَصِيَّتُهُ بِالْعِتْقِ وَوَصِيَّتُهُ لِقَوْمٍ وَلَا يَكُونُ أَسْوَأَ حَالًا مِنْ الصَّبِيِّ، وَالسَّفِيهِ تَجُوزُ وَصِيَّتُهُمَا فَالسَّكْرَانُ أَحْرَى أَنْ تَجُوزَ وَصِيَّتُهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ وَلَا السَّفِيهَ. (ش) : قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَجِدْ الرَّجُلُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا يَقْتَضِي أَنَّ لَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةً لَازِمَةً لَهُ تُقَابِلُ اسْتِحْقَاقَهُ لِاسْتِدَامَةِ نِكَاحِهَا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ اسْتِدَامَةِ الِاسْتِمْتَاعِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَفِي هَذَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ أَحَدُهَا فِي ذِكْرِ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ مِنْ الزَّوْجَاتِ وَتَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مِنْ الْأَزْوَاجِ، وَالْبَابُ الثَّانِي فِيمَا يَسْقُطُ بِهِ النَّفَقَةُ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ نُشُوزٍ، وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ وَصِفَتِهَا، وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا يَجِبُ مِنْ الْخِيَارِ بِالْإِعْسَارِ عَنْ ذَلِكَ. [الْبَاب الْأَوَّل فِي ذِكْر مِنْ يَسْتَحِقّ النَّفَقَة مِنْ الزَّوْجَات وَتَسْتَحِقّ عَلَيْهِ مِنْ الْأَزْوَاج] ١ تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ الْحُرِّ لِزَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ مَا دَامَتْ الزَّوْجِيَّةُ بَيْنَهُمَا بَاقِيَةً وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قِبَلِهَا نُشُوزٌ، وَذَلِكَ إذَا دَخَلَ بِهَا أَوْ دُعِيَ إلَى الدُّخُولِ بِهَا وَكَانَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ بَالِغًا وَتَكُونَ هِيَ مِمَّنْ يُسْتَمْتَعُ بِمِثْلِهَا وَيُمْكِنُ وَطْؤُهَا، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ أَوْ كَانَتْ هِيَ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا لِصِغَرِهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي تَرْكِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ غَيْرُ مُتَأَتٍّ مِنْهَا فَلَمْ تَسْتَحِقَّ الْعِوَضَ مِنْ النَّفَقَةِ كَالْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجَانِ مُوسِرَيْنِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧] ، فَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُتْبَعْ بِمَا أَنْفَقَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا حَالَ إعْسَارِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَقٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ إذَا أَيْسَرَ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَأَرَادَ السَّفَرَ نُظِرَ إلَى قَدْرِ سَفَرِهِ فَوَضَعَ لَهَا مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ أَوْ أَقَامَ حَمِيلًا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ لَهَا عَلَيْهِ حَمِيلٌ بِالنَّفَقَةِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إذَا غَابَ تَعَذَّرَ عَلَيْهَا تَحْصِيلُ النَّفَقَةِ مِنْ جِهَتِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا يَرَى مِنْ جِهَةِ
следующие страницы →