Полный текст (2 236 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ لَهُ نِسْوَةٌ وَجَوَارٍ هَلْ يَطَؤُهُنَّ جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ فَقَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ فَأَمَّا النِّسَاءُ الْحَرَائِرُ فَيُكْرَهُ أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ فِي يَوْمِ الْأُخْرَى فَأَمَّا أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ ثُمَّ يُصِيبَ الْأُخْرَى وَهُوَ جُنُبٌ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ) .
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ جُنُبٍ وُضِعَ لَهُ مَاءٌ يَغْتَسِلُ بِهِ فَسَهَا فَأَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِيهِ لِيَعْرِفَ حَرَّ الْمَاءِ مِنْ بَرْدِهِ قَالَ مَالِكٌ إنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَ أُصْبُعَهُ أَذًى فَلَا أَرَى ذَلِكَ يُنَجِّسُ عَلَيْهِ الْمَاءَ) .
ــ
[المنتقى]
أَوْ تَمَسُّهُ.
وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ قَالَتْ فَقُلْت إنِّي حَائِضٌ فَقَالَ إنَّ حَيْضَتَك لَيْسَتْ بِيَدِك» .
(ش) : قَوْلُهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِالْمَاءِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ» لِأَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا يُرَادُ لِلصَّلَاةِ أَوْ لِمَا جَرَى مَجْرَاهَا مِمَّا شُرِطَ فِيهِ الطَّهَارَةُ وَلَيْسَ الْجِمَاعُ مِمَّا شُرِطَ فِيهِ الطَّهَارَةُ فَيَحْتَاجُ إلَى الْغُسْلِ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ غَسْلُ فَرْجِهِ وَمَوَاضِعِ النَّجَاسَةِ مِنْ جَسَدِهِ لِئَلَّا تَنْجُسَ بِذَلِكَ ثِيَابُهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَالْوُضُوءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ غَسْلِ الْفَرْجِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مِنْ الْجَسَدِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَمَّا النِّسَاءُ الْحَرَائِرُ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فِي يَوْمِ الْأُخْرَى هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ بِمَعْنَى الْقَسْمِ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصِيبَ امْرَأَةً مِنْ حَرَائِرِ نِسَائِهِ فِي يَوْمٍ صَارَ بِالْقَسْمِ لِأُخْرَى إلَّا أَنْ تَأْذَنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَمَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أَنَسِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُنَّ يَحْتَمِلُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ ﷺ .
وَالثَّانِي: إبَاحَتُهُنَّ لَهُ وَرِضَاهُنَّ بِهِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَصَابِعِهِ مَاءٌ فَإِنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي أَصَابِعِهِ أَذًى فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا فَإِنَّ إدْخَالَ يَدِهِ فِيهِ لَا يُفْسِدُهُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَلْيَتَحَيَّلْ فِي شَيْءٍ يَتَنَاوَلُ بِهِ الْمَاءَ فَيَغْسِلُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ غَيْرُ هَذَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَا بِيَدِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ يُغَيِّرُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْمَاءِ أَوْ لَا يُغَيِّرُهُ فَإِنْ كَانَ يُغَيِّرُهُ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَجِّسُ الْمَاءَ وَيُفْسِدُهُ وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَنَاوُلِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُغَيِّرُهُ فَلْيُدْخِلْ يَدَهُ فِيهِ ثُمَّ يَغْسِلْ يَدَيْهِ بِمَا يَغْرِفُ بِهِمَا مِنْ الْمَاءِ ثُمَّ يَتَوَضَّأْ أَوْ يَغْتَسِلْ لِأَنَّ إدْخَالَ يَدِهِ فِي الْمَاءِ إذَا لَمْ يُغَيِّرْهُ فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُهُ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَحُكْمُ هَذَا حُكْمُ مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَنَاوُلِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُغَيِّرُهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْيَسِيرِ تُحِلُّهُ نَجَاسَةٌ لَا تُغَيِّرُهُ فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ التَّيَمُّمِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُدْخِلُ يَدَهُ فِيهِ ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِمَا فَضَلَ وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُحْتَمَلٌ فَتَأَوَّلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ أَنَّ التَّيَمُّمَ أَوْلَى مِنْهُ فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَا يُدْخِلُ يَدَهُ فِيهِ وَيَتَيَمَّمُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يَغْتَسِلُ الْجُنُبُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَإِنْ غَسَلَ عَنْهُ الْأَذَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا غَسَلَ عَنْهُ الْأَذَى وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا يَحْمِلُ مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ لَجَازَ وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ عَنْهُ الْأَذَى فَيَقْتَضِي قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَاءِ الْكَثِيرِ مِقْدَارًا يَزِيدُ عَلَى مَا يَتَغَيَّرُ بِالنَّجَاسَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فِي حَيِّزِ الْمَمْنُوعِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا أَخْذُهُ الْمَاءَ بِفِيهِ لِيَغْسِلَ بِهِ يَدَيْهِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ الْمَنْعَ مِنْهُ وَرَوَى مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إبَاحَةَ ذَلِكَ.
وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ مَا يَنْضَافُ إلَيْهِ مِنْ الرِّيقِ مَعَ قِلَّتِهِ يَجْعَلُهُ مَاءً مُضَافًا وَيَمْنَعُ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِهِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الرِّيقَ قَرَّبَهُ لِطَعْمِ الْمَاءِ وَلَوْنِهِ وَرِيحِهِ مَعَ قِلَّتِهِ لَا يُغَيِّرُهُ فَلَا يَمْنَعُ رَفْعَ النَّجَاسَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا اغْتِسَالُ الْجُنُبِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يَغْتَسِلُ الْجُنُبُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ
стр. 107
هَذَا بَابٌ فِي التَّيَمُّمِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ قَالَتْ عَائِشَةُ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ قَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعَنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدَ بْنُ حُضَيْرٍ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْت عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ» ) .
ــ
[المنتقى]
وَإِنْ غَسَلَ عَنْهُ الْأَذَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ إذَا غَسَلَ عَنْهُ الْأَذَى وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا يَحْمِلُ مَا وَقَعَ فِيهِ لَجَازَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ مِنْهُ الْأَذَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ فِي التَّيَمُّمِ]
(ش) : قَوْلُ عَائِشَةَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ سَفَرِ الرَّجُلِ بِأَهْلِهِ وَقَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَزْوَاجٌ فَيَحْتَمِلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ بِجَمِيعِهِنَّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ بِبَعْضِهِنَّ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسْهِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ إذَا أَرَادَ سَفَرًا وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي هَذِهِ مَوَاضِعُ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ وَالْعِقْدُ قِلَادَةُ دُرٍّ كَانَ فِيهَا جَزْعٌ وَرُوِيَ أَنَّ الْقِلَادَةَ كَانَتْ مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ وَلَمْ يَكُنْ الْمُقَامُ لِأَجْلِ انْقِطَاعِهِ وَإِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ ضَيَاعِهِ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ انْقَطَعَ بِغَيْرِ عِلْمِهَا فَلَمَّا ذَكَرَتْ أَمْرَهُ خَفِيَ عَلَيْهَا مَكَانُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ تُرِيدُ أَنَّهُ أَقَامَ حَتَّى يُمْكِنَهُ الْتِمَاسُهُ بِذَهَابِ الظَّلَّامِ الْمَانِعِ مِنْ الْتِمَاسِهِ أَوْ لِانْتِظَارِ مَنْ أَرْسَلَهُ لِطَلَبِ ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَقَامَ وَلَا يَظُنُّ عَدَمَ الْمَاءِ وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَاسْتَيْقَظَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْمَاءِ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَقَامَ عَلَى الْتِمَاسِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِعَدَمِ الْمَاءِ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ إقَامَتُهُ لِطَلَبِ الْعِقْدِ خَاصَّةً لِيَكُونَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ فَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ الْمُقَامُ عَلَى طَلَبِ مَالِهِ وَحِفْظِهِ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى عَدَمِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ وَالِاضْطِرَارِ إلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ وَيَجُوزُ لَهُ أَيْضًا سُلُوكُ طَرِيقٍ يَتَيَقَّنُ فِيهِ عَدَمَ الْمَاءِ طَلَبًا لِلْمَالِ وَرَعْيِ الْمَوَاشِي فِي الْفَلَوَاتِ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ الْمُقَامُ بِمَوْضِعٍ لَا مَاءَ فِيهِ وَلَيْسَ بِقَرَارٍ لَهُ فَبِأَنْ يَجُوزَ لَهُ الْمُرُورُ بِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى وَنَحْوُ هَذَا لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي الْمَبْسُوطِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ إقَامَةُ النَّاسِ مَعَهُ دُونَ مَاءٍ مَعَ عِلْمِهِمْ بِعَدَمِهِ وَتَرْكِهِ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُقَامِ بِمَوْضِعٍ لَا مَاءَ فِيهِ لِمَنْ لَا مَاءَ مَعَهُ لِمَا يَعِنُّ لَهُ مِنْ الْحَاجَاتِ فِيهِ أَوْ لِمَنْ يَكُونُ مَعَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُمْ أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى
стр. 108
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَيَمَّمَ لِصَلَاةٍ حَضَرَتْ ثُمَّ حَضَرَتْ صَلَاةٌ أُخْرَى أَيَتَيَمَّمُ لَهَا أَمْ يَكْفِيهِ تَيَمُّمُهُ ذَلِكَ قَالَ بَلْ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَغِيَ الْمَاءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَمَنْ ابْتَغَى الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ) .
ــ
[المنتقى]
مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ دَلِيلٌ عَلَى عِلْمِهِمْ بِعَدَمِ الْمَاءِ وَأَنَّ الْمُقَامَ إنَّمَا كَانَ لِطَلَبِ الْعِقْدِ خَاصَّةً وَإِنَّمَا نُسِبَ الْمُقَامُ فِي ذَلِكَ إلَى عَائِشَةَ وَشَكَوْا فِعْلَهَا إمَّا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ بِعَدَمِ الْمَاءِ عِنْدَهُمْ فَظَنُّوا أَنَّهُ أَقَامَ لِطَلَبِ عِقْدِ عَائِشَةَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِعَدَمِ الْمَاءِ حَتَّى ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ إدْرَاكِ الْمَاءِ وَخِيفَ ذَلِكَ فِيهِ أَوْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ عَلَى طَلَبِ الْعِقْدِ وَنَامَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَبِيلٌ إلَى الرَّحِيلِ دُونَ إذْنِهِ وَلَا أَمْكَنَهُمْ إيقَاظُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذَا نَامَ لَا يُوقَظُ لِأَجْلِ الْوَحْيِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا «فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ» يُرِيدُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ لِيُعَاتِبَهَا فِيمَا ذُكِرَ لَهُ عَنْهَا أَوْ لِيَعْلَمَ عُذْرَهَا فِي ذَلِكَ وَدَخَلَ عَلَيْهَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِهَا وَلَمْ تَمْنَعْ هَذِهِ الْحَالَةُ دُخُولَ أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ تُرِيدُ أَنَّهُ لَامَهَا وَبَالَغَ فِي لَوْمِهَا وَطَعَنَهَا بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِهَا أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي عَتْبِهَا وَإِظْهَارِ التَّغْلِيظِ عَلَيْهَا أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيكُهَا سَبَبًا لِإِيقَاظِهِ ﷺ لَمَّا خَافَ مِنْ وَقْتِ فَوَاتِ الصَّلَاةِ عَلَى نَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ لِيُوقِظَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي تُرِيدُ أَنَّ طَعْنَ أَبِي بَكْرٍ فِي خَاصِرَتِهَا كَانَ يَقْتَضِي تَحْرِيكَهَا لِأَلَمِهِ وَلَكِنْ مَنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ إكْرَامُهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَرِفْقُهَا بِهِ وَإِشْفَاقُهَا مِنْ أَنْ تَتَحَرَّكَ فَخِذُهَا فَيَنْقَطِعَ عَلَيْهِ نَوْمُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ» قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَوْمُهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِعَدَمِ الْمَاءِ غَيْرَ أَنَّهُ ﷺ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ مِنْ حَالِهِ فِي وَقْتِ نَوْمِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ بِمُجَرَّدِ النَّوْمِ وَأَمَّا الْوَاحِدُ مِنَّا فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا يَكُونُ مِنْهُ حَالَ النَّوْمِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ بِالنَّوْمِ وَالْإِحْدَاثُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ يَكُونُ مُعْتَادًا وَلَا يُمْكِنُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ كَالنَّوْمِ وَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فَهَذَا يَجُوزُ فِعْلُهُ لِلْمُتَوَضِّئِ مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ وَضَرْبٌ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ كَالْجِمَاعِ وَالْمُلَامَسَةِ وَمَسِّ الذَّكَرِ فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ فِيمَا يَقْرُبُ وَيَطْرَأُ مِنْ الْمَشَقَّةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّيَمُّمِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] قَالَ أُسَيْدَ بْنُ حُضَيْرٍ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ يُرِيدُ أَنَّ بَرَكَتَكُمْ كَانَتْ مُتَوَالِيَةً عَلَى الصَّحَابَةِ مُتَكَرِّرَةً وَكَانُوا سَبَبًا لِكُلِّ مَا لَهُمْ فِيهِ رِفْقٌ وَمَصْلَحَةٌ.
(ش) : قَوْلُهُ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَصْلُهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ.
وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ يَرْفَعُ الْحَدَثَيْنِ جَمِيعًا وَدَلِيلُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَنَّهُ مَعْنًى لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فَلَمْ يَرْفَعْهُ مَعَ عَدَمِهِ كَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَإِنَّهُ يُسْتَبَاحُ بِهِ مَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ مَعَ الْحَدَثِ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ وَعِبَادَةٌ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ فَأَمَّا الْعِبَادَةُ الْمُؤَقَّتَةُ فَإِنَّهَا لَا تُسْتَبَاحُ بِالتَّيَمُّمِ إلَّا مَعَ ثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: عَدَمُ الْمَاءِ وَعَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ.
وَالثَّانِي: طَلَبُ الْمَاءِ.
وَالثَّالِثُ: دُخُولُ وَقْتِ الْعِبَادَةِ الْمُؤَقَّتَةِ فَأَمَّا عَدَمُ الْمَاءِ فَإِنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِالْوَقْتِ مَعَ التَّمَادِي عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ السَّفَرِ.
فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُجْهِدَ نَفْسَهُ فِي الْجَرْيِ لِإِدْرَاكِ الْمَاءِ وَلَا أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مَشْيِهِ الْمُعْتَادِ وَلَا أَنْ يَعْدِلَ عَنْ طَرِيقِهِ أَكْثَرَ مِنْ مِقْدَارِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ بِالْعُدُولِ لَهُ إلَى الِاسْتِقَاءِ
стр. 109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مِنْ الْعُيُونِ وَالْمِيَاهِ الَّتِي يُعْدَلُ لَهَا عَنْ الطُّرُقِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ كُلَّ مَا يَشُقُّ عَلَى الْمُسَافِرِ طَلَبُهُ وَالْخُرُوجُ إلَيْهِ وَإِنْ خَرَجَ إلَيْهِ فَاتَهُ أَصْحَابُهُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَلَمْ يَحُدَّ فِيهِ حَدًّا وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ إذَا لَمْ يَخَفْ فِي نِصْفِ الْمِيلِ إلَّا الْعَنَاءَ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَالَ مُحَمَّدٌ فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ الْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ الضَّعِيفُ بِخِلَافِ الْقَوِيِّ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي عُدُولِ الْمُسَافِرِ عَنْ طَرِيقِهِ الْمِيلَيْنِ إلَى الْمَاءِ أَرَاهُ كَثِيرًا وَإِنْ كَانَ آمِنًا وَلَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ فِي سَفَرٍ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَاَلَّذِي يُرَاعَى مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ أَنْ يَجِدَ مِنْهُ مَا يَكْفِي لِطَهَارَتِهِ وَإِنْ وَجَدَ مِنْهُ أَقَلَّ مِنْ الْكِفَايَةِ تَيَمَّمَ وَلَمْ يَسْتَعْمِلْ مَا وَجَدَ مِنْهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَسْتَعْمِلُ مَا مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ يَتَيَمَّمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ مَائِعٌ وَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ كَمَا لَوْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا.
١ -
(فَرْعٌ) وَأَمَّا عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ كَأَنْ يَجِدَ الْمَاءَ وَلَكِنَّهُ يَخَافُ مِنْ تَنَاوُلِهِ مَضَرَّةً بِجِسْمِهِ مِنْ تَلَفِ نَفْسِهِ أَوْ تَجَدُّدِ مَرَضِهِ أَوْ زِيَادَتِهِ حَكَى ذَلِكَ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ مِثْلَ أَنْ يَخَافَ الصَّحِيحُ نَزْلَةً أَوْ حُمَّى وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَرِيضُ يَخَافُ زِيَادَةَ مَرَضٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ إلَّا أَنْ يَخَافَ التَّلَفَ وَرَوَاهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَنْ مَالِكٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ ذَكَرَ الْإِحْدَاثَ وَهِيَ مُلَامَسَةُ النِّسَاءِ وَالْمَجِيءُ مِنْ الْغَائِطِ فَأَمَرَ بِالْوُضُوءِ إلَّا مَعَ الْمَرَضِ أَوْ مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ نَقَلَ إلَى التَّيَمُّمِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَلَّقَ الْمَرَضُ بِعَدَمِ الْمَاءِ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِيهِ وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَإِنَّمَا عَلَّقَهُ بِالسَّفَرِ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِهِ عَدَمُ الْمَاءِ وَقِلَّتُهُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَسْحٌ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ فَلَمْ يَفْتَرِقْ الْحُكْمُ فِيهِ بَيْنَ خَوْفِ الْمَرَضِ وَخَوْفِ التَّلَفِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي وَهُوَ طَلَبُ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يُرَاعَى فِي الظَّاهِرِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ الْفَوَائِتِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي وَجْهًا آخَرَ أَنْ يَكُونَ طَلَبُ الْمَاءِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ وَأَنَّ تَيَمُّمَهُ لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ طَلَبُ الْمَاءِ لَمَا كَانَ تَيَمُّمًا يَسْتَبِيحُ بِهِ الصَّلَاةَ وَلَكِنَّهُ لَمَّا صَحَّ تَيَمُّمُهُ بِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ طَلَبِ الْمَاءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَيَكُونُ تَحْدِيدُ الْخِلَافِ فِي هَذَا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي الْفَرَجِ طَلَبُ الْمَاءِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ فَلَمْ تَجِدُوا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا بَعْدَ طَلَبِ الْمَاءِ وَقَدْ شُرِطَ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الطَّلَبُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا بَدَلٌ مَأْمُورٌ بِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ مُبْدَلِهِ فَلَا يُجْزِي فِعْلُهُ إلَّا مَعَ تَيَقُّنِ عَدَمِ مُبْدَلِهِ كَالصَّوْمِ مَعَ الْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْ فَرْضٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتَيْهِمَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ دُخُولِ الْوَقْتِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ وَلَوَجَبَ طَلَبُ الْمَاءِ لِكُلِّ تَيَمُّمٍ فَإِنْ فَعَلَ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ وَقْتَيْ الصَّلَاةِ اشْتِرَاكٌ أَعَادَ الثَّانِيَةَ أَبَدًا وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكٌ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُعِيدُ الثَّانِيَةَ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ فِي ثَمَانِيَتِهِ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ يُعِيدُ الثَّانِيَةَ أَبَدًا وَهُوَ الَّذِي يُنَاظِرُ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي
стр. 110
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَيَمَّمَ أَيَؤُمُّ أَصْحَابَهُ وَهُمْ عَلَى وُضُوءٍ فَقَالَ يَؤُمُّهُمْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَوْ أَمَّهُمْ هُوَ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا) .
(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَيَمَّمَ حِينَ لَمْ يَجِدْ مَاءً فَقَامَ وَكَبَّرَ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَطَلَعَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ مَعَهُ مَاءٌ قَالَ لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ بَلْ يُتِمُّهَا بِالتَّيَمُّمِ وَلْيَتَوَضَّأْ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ الصَّلَوَاتِ) .
ــ
[المنتقى]
صِحَّةِ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ صَلَّى نَوَافِلَ مُتَّصِلَةً بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّى فَرِيضَةً ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا نَافِلَةً أَوْ نَوَافِلَ وَاتَّصَلَ ذَلِكَ بِالْفَرِيضَةِ وَلَوْ صَلَّى نَافِلَةً ثُمَّ صَلَّى بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ الْفَرِيضَةَ فَاَلَّذِي رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَسْتَأْنِفُ التَّيَمُّمَ لِلْفَرِيضَةِ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ خَفَّفَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ طَلَبَ الْمَاءِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُجُودُ الْمَاءِ فِيهَا أَوْ سُؤَالُ مَنْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُجُودُهُ عِنْدَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ وَأَمَّا الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَتَطَلَّبُ بِغَلَبَةِ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ فَهُوَ دُخُولُ الْوَقْتِ وَهَذَا مُرَاعًى فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] وَهَذَا يُفِيدُ أَنْ يَكُونَ التَّيَمُّمُ فِي وَقْتِ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ هَذَا مُسْتَغْنٍ عَنْ التَّيَمُّمِ فَلَمْ يُجْزِهِ التَّيَمُّمُ كَالْوَاجِدِ لِلْمَاءِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَؤُمَّ الْمُتَوَضِّئِينَ مُتَوَضِّئٌ لِأَنَّ مِنْ حُكْمِ الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ حَالُهُ مُسَاوِيًا لِحَالِ مَنْ خَلْفَهُ وَأَفْضَلَ مِنْهَا وَالتَّيَمُّمُ غَيْرُ لَاحِقٍ بِفَضِيلَةِ الْمُتَوَضِّئِ فَلَا يَؤُمُّهُ وَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ يَؤُمُّهُمْ الْمُتَيَمِّمُ لِأَنَّ مُتَسَاوِيَةٌ بِحَالِ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمَاءِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ لَوْ أَمَّهُمْ هُوَ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا يُرِيدُ أَنَّ الْأَفْضَلَ مَا تَقَدَّمَ وَأَنَّ إمَامَتَهُ لَهُمْ مِمَّا لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ وَإِنْ مَنَعَتْ فَضِيلَتَهَا.
وَقَدْ قَالَ رَبِيعَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ لَهُمْ وَدَلِيلُنَا أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ تَصِحُّ بِهَا الصَّلَاةُ فَصَحَّتْ بِهَا إمَامَتُهُ الْمُتَوَضِّئِينَ كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ وَذَلِكَ أَنَّ تَيَمُّمَ الْوَاجِدِ لِلْمَاءِ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
إحْدَاهَا: أَنْ يَجِدَ الْمَاءَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالصَّلَاةِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَجِدَهُ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالصَّلَاةِ وَقَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَجِدَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فَإِنْ وَجَدَهُ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ حَدِيثُ «أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ بَقِيَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمْسِسْهُ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا بَدَلٌ مِنْ مُبْدَلٍ يُرَادُ لِغَيْرِهِ فَإِذَا وُجِدَ الْمُبْدَلُ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالْمَقْصُودِ وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ كَوُجُودِ النَّصِّ قَبْلَ إنْفَاذِ الْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ الْمُخَالِفِ لَهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالصَّلَاةِ وَقَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعُ الصَّلَاةِ وَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ وَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ لِمَا يُسْتَقْبَلُ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَيَتَوَضَّأُ وَيَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ مُتَعَبَّدٍ بِهَا بِتَيَمُّمٍ مَأْمُورٍ بِهِ فَلَمْ يَلْزَمْ الْخُرُوجُ عَنْهَا بِطُلُوعِ الْمَاءِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ طَاوُسٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَإِعَادَةُ الصَّلَاةِ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ
стр. 111
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً فَعَمِلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ التَّيَمُّمِ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَلَيْسَ الَّذِي وَجَدَ مَاءً بِأَطْهَرَ مِنْهُ وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً لِأَنَّهُمَا أُمِرَا جَمِيعًا فَكُلٌّ عَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَإِنَّمَا الْعَمَلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْوُضُوءِ لِمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ وَالتَّيَمُّمِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ الْجُنُبِ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيَقْرَأُ حِزْبَهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَيَتَنَفَّلُ مَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ بِالتَّيَمُّمِ) .
ــ
[المنتقى]
إلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ هَذَا أَدَّى الصَّلَاةَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا بِهِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا بِوُجُودِ الْمَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا كَمَا لَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ.
(ش) : قَوْلُهُ فَعَمِلَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ التَّيَمُّمِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ لِاجْتِمَاعِ شُرُوطِ التَّيَمُّمِ فِيهِ مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ بَعْدَ الطَّلَبِ وَدُخُولِ الْوَقْتِ فَهَذَا الَّذِي أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى وَقَوْلُهُ لَيْسَ الَّذِي وَجَدَ الْمَاءَ بِأَطْهَرَ مِنْهُ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الْمُتَيَمِّمَ قَدْ أَدَّى فَرْضَهُ كَمَا أَدَّاهُ الْمُتَوَضِّئُ وَلَيْسَتْ اسْتِبَاحَةُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمَاءِ لِصَلَاتِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ اسْتِبَاحَةِ الْمُتَيَمِّمِ لَهَا وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً يُرِيدُ فِي الْأَدَاءِ لِأَنَّ ذِمَّةَ الْمُتَيَمِّمِ قَدْ بَرِئَتْ مِنْ صَلَاتِهِ كَمَا بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُتَوَضِّئِ وَبَيَّنَ هَذَا بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُمَا أُمِرَا جَمِيعًا أُمِرَ الْمُتَيَمِّمُ بِالتَّيَمُّمِ وَأُمِرَ الْوَاجِدُ لِلْمَاءِ بِالْوُضُوءِ فَإِذَا تَيَمَّمَ هَذَا وَصَلَّى وَتَوَضَّأَ الْآخَرُ فَقَدْ فَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أُمِرَ بِهِ وَأَدَّى فَرْضَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَزِمَ وَكَذَلِكَ الصَّحِيحُ وَصَاحِبُ الْجَبَائِرِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ عَمِلَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ لِلشُّجُوجِ وَمُبَاشَرَةِ الْعُضْوِ بِالْمَاءِ لِلصَّحِيحِ فَلَا يُقَالُ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَدَّى فَرْضَهُ دُونَ الْآخَرِ وَلَا أَنَّ طَهَارَةَ أَحَدِهِمَا أَتَمُّ فِي بَابِ الْإِجْزَاءِ وَهُوَ الَّذِي قَصَدَهُ مَالِكٌ ﵀ وَأَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْفَضِيلَةِ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهَا فَإِنَّ الْفَضْلَ قَدْ يُوجَدُ فِي الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ الْجُنُبَ يَتَيَمَّمُ وَيَقْرَأُ حِزْبَهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَيَتَنَفَّلُ مِرَارًا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجُنُبَ يَتَيَمَّمُ وَيَقْرَأُ حِزْبَهُ مِنْ الْقُرْآنِ يَسْتَبِيحُ مَا تَمْنَعُ مِنْهُ الْجَنَابَةُ بِالتَّيَمُّمِ.
وَالثَّانِي: تَفْسِيرُ مَا يَسْتَبِيحُهُ الْجُنُبُ بِالتَّيَمُّمِ فَأَمَّا اسْتِبَاحَةُ الْجُنُبِ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا مِنْ مَمْنُوعَاتِ الْجَنَابَةِ بِالتَّيَمُّمِ فَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَرُوِيَ مَنْعُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنْ قَوْلِهِمَا أَنَّهُمَا إنَّمَا مَنَعَا ذَلِكَ لِلذَّرِيعَةِ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا وَائِلٍ رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِيهَا لَأَوْشَكَ إذَا يَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمْ الْمَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ.
وَقَدْ رَوَى الضَّحَّاكُ ابْنُ مُزَاحِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ تَرَكَ قَوْلَهُ فِي الْجُنُبِ لَا يُصَلِّي حَتَّى يَغْتَسِلَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ الصَّلَاةِ إذَا رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ قَالَ مَا مَنَعَك يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ قَالَ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ قَالَ عَلَيْك بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيك» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا حُكْمُ مُحْدِثٍ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ فَكَانَ فَرْضُهُ التَّيَمُّمَ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ كَالْمُحْدِثِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا يَسْتَبِيحُهُ الْجُنُبُ بِالتَّيَمُّمِ فَهُوَ كُلُّ أَمْرٍ مِنْ شَرْطِهِ الطَّهَارَةُ الْكُبْرَى كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إنَّ الْجُنُبَ لَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ فَعَلَى هَذَا إذَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ بِالتَّيَمُّمِ يُرِيدُ أَنَّ مَنْ كَانَ وَاجِدًا لِلْمَاءِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَبِيحَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِالتَّيَمُّمِ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَكُونُ بَدَلًا مِنْ الْوُضُوءِ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَعَدَمِ الْمَاءِ وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ وَإِجْزَائِهِ وَأَمَّا فِي الْحَضَرِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ فِي الْحَضَرِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ فِي الْحَضَرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ عَادِمَ الْمَاءِ مَعْنًى يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ فِي السَّفَرِ فَوَجَبَ أَنْ يَجُوزَ مَعَهُ
стр. 112
الْعَمَلُ فِي التَّيَمُّمِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ الْجُرْفِ حَتَّى إذَا كَانَا بِالْمِرْبَدِ نَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ فَتَيَمَّمَ صَعِيدًا طَيِّبًا وَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ صَلَّى)
ــ
[المنتقى]
التَّيَمُّمُ فِي الْحَضَرِ كَالْمَرَضِ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا بِالتَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ فَهَلْ يُعِيدُ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَوْ لَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُعِيدُ أَبَدًا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ وَبِالتَّيَمُّمِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ مُجْزِئَةً كَالْمُسَافِرِ.
[الْعَمَلُ فِي التَّيَمُّمِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَقْبَلَ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ الْجُرْفِ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَأَمَّا الْمِرْبَدُ فَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ مِيلًا أَوْ مِيلَيْنِ وَهَذَا يَقْتَضِي اعْتِقَادَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ جَوَازَ التَّيَمُّمِ لِعَدَمِ الْمَاءِ فِي الْحَضَرِ لِأَنَّ مَنْ يَقْصُرُ التَّيَمُّمَ عَلَى السَّفَرِ لَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْمَسَافَةِ إلَّا فِيمَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
(فَصْلٌ) :
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَإِنَّمَا يَتَيَمَّمُ عَبْدُ اللَّهِ بِالْمِرْبَدِ وَهُوَ بِطَرَفِ الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَنْتَظِرْ الْمَاءَ لِأَنَّهُ خَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ وَيَجِبُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ خُرُوجَ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ وَهُوَ أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ.
وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ وَابْنُ عَجْلَانَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَنَّهُ لَمْ يُعِدْ.
وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ انْفَرَدَ بِهِ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ أَيْ أَنَّهَا مُرْتَفِعَةٌ عَنْ الْأُفُقِ لَمْ تَغِبْ بَعْدُ إلَّا أَنَّ الصُّفْرَةَ قَدْ دَخَلْتهَا فَخَافَ فَوَاتَ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْمُخْتَارِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ قَدْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ فَتَيَمَّمَ عَلَى هَذَا الِاجْتِهَادِ وَصَلَّى ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ كَانَ فِي فُسْحَةٍ مِنْ الْوَقْتِ فَلَمْ يُعِدْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ مَنْ رَجَا إدْرَاكَ الْمَاءِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَتَيَمَّمَ فِي أَوَّلِهِ وَصَلَّى فَإِنَّهُ تُجْزِيهِ وَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ خَاصَّةً عَلَى مَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ رَأَى هَذَا الرَّأْيَ وَذَهَبَ إلَيْهِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْعَادِمُونَ الْمَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْمُكَلَّفِ عَدَمُ الْمَاءِ فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَشُكَّ فِي الْأَمْرِ وَالثَّالِثُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ وُجُودُ الْمَاءِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّيَمُّمُ.
وَالصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَإِذَا فَاتَتْهُ فَضِيلَةُ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَحُوزَ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَأَمَّا إذَا شَكَّ فِي الْأَمْرِ فَاَلَّذِي حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَتَيَمَّمَ مِنْ الْوَقْتِ فِي آخِرِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ أَوَّلِ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ رَجَاءَ إدْرَاكِ فَضِيلَةِ الْمَاءِ مَا لَمْ تَفُتْ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ فَإِذَا خَافَ أَوَّلَ فَضِيلَةِ الْوَقْتِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى لِئَلَّا تَفُوتَهُ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ لَا يُدْرِكُ فَضِيلَةَ الْمَاءِ فَتَفُوتُهُ الْفَضِيلَتَانِ وَأَمَّا إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إدْرَاكُ الْمَاءِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ إلَى أَنْ يَجِدَ الْمَاءَ فِي آخِرِهِ لِأَنَّ فَضِيلَةَ الْمَاءِ أَعْظَمُ مِنْ فَضِيلَةِ أَصْلِ الْوَقْتِ لِأَنَّ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَفَضِيلَةَ الْمَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَفَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ يَجُوزُ تَرْكُهَا دُونَ ضَرُورَةٍ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ فَضِيلَةِ الْمَاءِ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَالْوَقْتُ فِي ذَلِكَ هُوَ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فَلَوْ عَلِمَ وُجُودَ الْمَاءِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَتَيَمَّمَ فِي أَوَّلِهِ وَصَلَّى فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تُجْزِئُهُ فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ خَاصَّةً.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إنْ وَجَدَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ فَلَمْ يُعِدْ أَعَادَ الصَّلَاةَ أَبَدًا.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِيَحُوزَ فَضِيلَةً لَا تَتِمُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ فَكَانَ تَيَمُّمُهُ صَحِيحًا كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ لِلنَّافِلَةِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِصَلَاةٍ
стр. 113
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَيَمَّمُ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَسُئِلَ مَالِكٌ كَيْفَ التَّيَمُّمُ وَأَيْنَ يَبْلُغُ بِهِ فَقَالَ يَضْرِبُ ضَرْبَةً لِوَجْهِهِ وَضَرْبَةً لِلْيَدَيْنِ وَيَمْسَحُهُمَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ) .
ــ
[المنتقى]
مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ التَّيَمُّمِ كَاَلَّذِي تَيَمَّمَ قَبْلَ الْوَقْتِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي الْمَبْسُوطِ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا وَلَمْ يُرِدْ كَرَمَ الْأَرْضِ وَلَا لُؤْمَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ صَلَّى لَا خِلَافَ فِي أَنَّ حُكْمَ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ فِي الِاسْتِيعَابِ وَاحِدٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْوُضُوءِ وَأَمَّا الْيَدَانِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِهِمَا فِي التَّيَمُّمِ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ حُكْمُهُمَا الْمَسْحُ إلَى الْمَنَاكِبِ وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: أَنَّ فَرْضَ التَّيَمُّمِ فِيهِمَا إلَى الْكُوعَيْنِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ.
وَالثَّانِيَةُ: إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ «مَا قَالَهُ عُمَرُ بْنُ يَسَارٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمَا تَذْكُرُ أَنَا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْت فَصَلَّيْت فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا يَكْفِيك هَذَا فَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ عُلِّقَ فِي الشَّرْعِ عَلَى اسْمِ الْيَدِ فَوَجَبَ أَنْ يُخَصَّ بِالْكُوعِ كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ مَنْ تَيَمَّمَ إلَى الْكُوعَيْنِ أَعَادَ الصَّلَاةَ أَبَدًا.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ تَتَعَدَّى مَحَلَّ مُوجِبِهَا فَلَمْ يَقْتَصِرْ بِفَرْضِ الْيَدَيْنِ فِيهِمَا عَلَى أَدْوَنَ مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ كَالْوُضُوءِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَيَمَّمُ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَسُئِلَ مَالِكٌ كَيْفَ التَّيَمُّمُ وَأَيْنَ يَبْلُغُ بِهِ فَقَالَ يَضْرِبُ ضَرْبَةً لِوَجْهِهِ وَضَرْبَةً لِلْيَدَيْنِ وَيَمْسَحُهُمَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ) ش وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ حُكْمَ التَّيَمُّمِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ فَشُرِعَ فِيهَا اسْتِئْنَافُ الطَّهُورِ لِكُلِّ عُضْوٍ كَالْوُضُوءِ وَإِنَّمَا يُجْزِئُ فِي الْيَدَيْنِ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الطُّهْرَ فِي الْيَدِ الْيُمْنَى إنَّمَا يُفْعَلُ بِالْيَدِ الْيُسْرَى خَاصَّةً وَالطُّهْرَ فِي الْيَدِ الْيُسْرَى إنَّمَا يُفْعَلُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى خَاصَّةً فَجَعَلَ لِكُلِّ يَدٍ طَهَارَةً بِيَدٍ لَيْسَ يُبَاشِرُهَا تَطَهُّرُ عُضْوٍ آخَرَ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اسْتِئْنَافِ طُهُورٍ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فَهَلْ يَكْفِيهِ أَوْ لَا حَكَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ لَا يُجْزِئُهُ وَيُعِيدُ أَبَدًا وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَرْجُو أَنْ تُجْزِئَهُ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ هَذَا مَسْحٌ مُفْتَرَضٌ فِي طَهَارَةٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِيَ إلَّا بِاسْتِئْنَافِ الطُّهُورِ وَأَصْلُ ذَلِكَ إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ بِفَضْلِ ذِرَاعَيْهِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْمَسْحَ فِي الْوُضُوءِ مِنْ فُرُوضِهِ مَمْسُوحٌ بِهِ وَهُوَ الْمَاءُ وَلِذَلِكَ قَالَ أَنَّهُ إذَا فَنَى الْمَاءُ مِنْ يَدَيْهِ قَبْلَ اسْتِيعَابِ رَأْسِهِ جَدَّدَ آخَرَ فَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَلَيْسَ مِنْ فُرُوضِهِ مَمْسُوحٌ بِهِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَبْقَى إلَى آخِرِ الْعُضْوِ مِنْ آثَارِ مَا تَعَلَّقَ بِالْيَدِ مِنْ التُّرَابِ شَيْءٌ وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ عَلَى الْحَجَرِ الصَّلْدِ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ مِنْهُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الصَّعِيدِ فِي التَّيَمُّمِ وَهَذَا قَدْ وُجِدَ فِي مَسْأَلَتِنَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَيَمْسَحُهُمَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْوُجُوبَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الِاسْتِحْبَابَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِفَةِ الْمَسْحِ فَقَالَ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَبْدَأُ فَيَمْسَحُ الْيُمْنَى بِالْيُسْرَى يَبْدَأُ مِنْ ظَاهِرِهَا مِنْ أَطْرَافِ أَصَابِعِهَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ يَمْسَحُ مِنْ بَاطِنِهَا إلَى الْمِرْفَقِ إلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ مِنْ جِهَةِ الْكَفِّ ثُمَّ يَمْسَحُ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى مِثْلَ ذَلِكَ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَّرِفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَبْدَأُ فَيَمْسَحُ الْيُمْنَى بِالْيُسْرَى مِنْ ظَاهِرِهَا عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهَا إلَى الْمِرْفَقِ ثُمَّ يَمْسَحُ بَاطِنَهَا مِنْ الْمِرْفَقِ إلَى الْكَفِّ وَلَا يَمْسَحُ الْكَفَّ ثُمَّ يَمْسَحُ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى مِثْلَ ذَلِكَ وَيَمْسَحُ الْكَفَّيْنِ بَعْضَهُمَا بِبَعْضٍ مَرَّةً وَاحِدَةً وَاخْتَارَ أَصْحَابُنَا رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّ
стр. 114
تَيَمُّمُ الْجُنُبِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الرَّجُلِ الْجُنُبِ يَتَيَمَّمُ ثُمَّ يُدْرِكُ الْمَاءَ فَقَالَ سَعِيدٌ إذَا أَدْرَكَ الْمَاءَ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ احْتَلَمَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ وَلَا يَقْدِرُ مِنْ الْمَاءِ إلَّا عَلَى قَدْرِ الْوُضُوءِ وَهُوَ لَا يَعْطَشُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَاءَ فَقَالَ يَغْسِلُ بِذَلِكَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ الْأَذَى ثُمَّ يَتَيَمَّمُ صَعِيدًا طَيِّبًا كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى) .
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ جُنُبٍ أَرَادَ أَنْ يَتَيَمَّمَ فَلَمْ يَجِدْ تُرَابًا إلَّا تُرَابَ سَبْخَةٍ هَلْ يَتَيَمَّمُ بِالسِّبَاخِ وَهَلْ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي السِّبَاخِ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي السِّبَاخِ وَالتَّيَمُّمِ مِنْهَا لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] فَكُلُّ مَا كَانَ صَعِيدًا فَهُوَ يُتَيَمَّمُ بِهِ سِبَاخًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ) .
ــ
[المنتقى]
أَعْضَاءَ الطَّهَارَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَشْرَعُ فِي تَطْهِيرِ عُضْوٍ إلَّا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الَّذِي قَبْلَهُ.
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَهُ فِي التَّيَمُّمِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مُتَابَعَةُ الْعُضْوَيْنِ وَوَجْهُ ذَلِكَ اسْتِيعَابُ ظَاهِرِ بَشَرَةِ الْيَدَيْنِ بِالْمَسْحِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ لَمْ أَرَ تَخْلِيلَ الْأَصَابِعِ فِي التَّيَمُّمِ لِغَيْرِهِ.
[تَيَمُّمُ الْجُنُبِ]
(ش) : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ جُنُبًا وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ لِأَنَّهُ إذَا تَيَمَّمَ بَعْدَ أَنْ تَمَّتْ لَهُ شُرُوطُ التَّيَمُّمِ الْمُتَقَدِّمَةُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ لَمْ تَلْزَمْهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهَا عَلَى مَا لَزِمَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَغْتَسِلَ لِمَا يُسْتَقْبَلُ لِأَنَّ تَيَمُّمَهُ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثَ جَنَابَتِهِ وَإِنَّمَا أَبَاحَ لَهُ الصَّلَاةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ حَدَثَ الْجَنَابَةِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِاحْتِلَامٍ وَلَا يَقْدِرُ مِنْ الْمَاءِ إلَّا عَلَى قَدْرِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ لِلْمَاءِ وَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ يَتَوَضَّأُ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَيُصَلِّي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ إلَّا قَدْرُ مَا يَغْسِلُ بِهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّيَمُّمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَغْسِلُ بِهِ وَجْهَهُ غَسَلَهُ وَمَسَحَ كَفَّيْهِ بِالتُّرَابِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ مَنْ وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ أَقَلَّ مِنْ كِفَايَتِهِ لِلطَّهَارَةِ فَلَيْسَ بِوَاجِدٍ لِلْمَاءِ وَأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوُجُودِهِ قَدْرُ الْكِفَايَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَهُوَ فِي سَفَرٍ إنَّمَا خَصَّ السَّفَرَ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَسْفَارِ وَاشْتَرَطَ أَنَّهُ لَا يَخَافُ الْعَطَشَ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِئَلَّا يَكُونَ تَرْكُهُ لِاسْتِعْمَالِهِ بِسَبَبِ ضَرُورَةِ الْعَطَشِ إذْ هُوَ مَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يَغْسِلُ بِذَلِكَ الْمَاءِ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ الْأَذَى لِأَنَّهُ كَانَتْ عَلَيْهِ طَهَارَتَانِ طَهَارَةُ الْجَنَابَةِ وَطَهَارَةُ النَّجَاسَةِ فَلَمَّا أَمْكَنَهُ فِعْلُ إحْدَاهُمَا فَعَلَهَا وَهِيَ طَهَارَةُ النَّجَاسَةِ وَأَبْدَلَ التَّيَمُّمَ مِنْ الْآخَرِ أَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَغْسِلُ بِهِ النَّجَاسَةَ عَنْهُ لَتَيَمَّمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ يَكُونُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَدَلِيلُنَا أَنَّ هَذِهِ نَجَاسَةٌ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَجِبْ لِأَجْلِهَا الْإِعَادَةُ وَأَصْلُ ذَلِكَ إذَا صَلَّى بِدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَأَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ صَعِيدًا طَيِّبًا كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ مَنْ خُوطِبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى " فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ".
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي السِّبَاخِ وَالتَّيَمُّمِ بِهَا لِلْآيَةِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا.
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يُتَيَمَّمُ بِالسِّبَاخِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَى جَابِرٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «أُعْطِيت خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعْطِيت الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْت إلَى النَّاسِ عَامَّةً» فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ -
стр. 115
مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَا يَحِلُّ لِي مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِتَشُدَّ عَلَيْهَا إزَارَهَا ثُمَّ شَأْنَك بِأَعْلَاهَا» ) .
ــ
[المنتقى]
«جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ السِّبَاخِ وَغَيْرِهَا وَأَصْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِغَيْرِ التُّرَابِ وَلَهُ فِي التُّرَابِ قَوْلَانِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ لَا يَتَيَمَّمُ بِرَمْلٍ لَا تُرَابَ فِيهِ وَلَا بِحَجَرٍ سَقَطَ عَنْهُ تُرَابُهُ فَذَهَبَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ قَوْله تَعَالَى فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا وَالصَّعِيدُ وَجْهُ الْأَرْضِ تُرَابًا كَانَ أَوْ رَمْلًا أَوْ حَجَرًا قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالزُّجَاجُ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَلَمْ يَخُصَّ تُرَابًا مِنْ غَيْرِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا جُزْءٌ طَاهِرٌ مِنْ الْأَرْضِ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ جِنْسِ الْأَصْلِ فَجَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ كَالتُّرَابِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالْجِيرِ وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ قَدْ تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ عَنْ جِنْسِ أَصْلِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالْمِلْحِ أَمْ لَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ يَتَيَمَّمُ بِهِ وَرَأَيْت لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا لَا يَتَيَمَّمُ بِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْمِلْحُ عِنْدِي عَلَى ضَرْبَيْنِ:
مَعْدِنِيٌّ بَحْتٌ مِنْ الْأَرْضِ كَالْحِجَارَةِ فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الزِّرْنِيخِ وَالْكُحْلِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي يَجْمُدُ مِنْ الْمَاءِ فَحُكْمُهُ عِنْدِي حُكْمُ الثَّلْجِ بَلْ هُوَ أَشَدُّ مِنْ الثَّلْجِ لِمَا فِيهِ مِنْ الصِّنَاعَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الثَّلْجُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ وَيَتَيَمَّمُ بِهِ زَادَ ابْنُ وَهْبٍ وَالْجَلِيدُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَى عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالثَّلْجِ.
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الثَّلْجَ جَامِدٌ إذَا قَصَدَ الْمُكَلَّفُ تَغْيِيرَ الْمَاءِ بِهِ لَمْ يَسْلُبْهُ ذَلِكَ حُكْمَ التَّطْهِيرِ فَجَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ حَالَ انْفِرَادِهِ كَالتُّرَابِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَعِيدٍ فَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ كَالنَّبَاتِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَقَلُّ مَا يَكْفِي التَّيَمُّمُ مِنْ التُّرَابِ مَا يَضْرِبُ عَلَيْهِ بِيَدِهِ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَضْرِبُ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ لَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ إذَا لَمْ يَكْمُلْ تَيَمُّمُهُ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ الضَّرْبَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تُجْزِئُ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ وَيُجْزِيهِ لِذَلِكَ لِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا مِنْ مَرِيضٍ أَوْ مَرْبُوطٍ لَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا صَلَاةَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ وَرَوَى أَصْبَغُ وَأَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُصَلِّي كَذَلِكَ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا مُحْدِثٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِ حَدَثٍ وَلَا اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ كَالْحَائِضِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا مُكَلَّفٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَةِ حَدَثِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُهُ بِهِ كَاَلَّذِي لَا يَجِدُ الْمَاءَ يَجِدُ التُّرَابَ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ يُعِيدُ أَبَدًا وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَّرِفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ أَصْبَغَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُعِيدُ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ قَالَ وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا يُعِيدُ فَمَعْنَاهُ فِي الْمَرْبُوطِ عَلَى طَهَارَةٍ لَا يُصَلِّي إيمَاءً.
[مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ]
(ش) : قَوْلُهُ مَا يَحِلُّ لِي مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ وَإِنْ كَانَ لَفْظًا عَامًّا فَهُوَ خَاصٌّ بِالِاسْتِمْتَاعِ بِالْوَطْءِ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ
стр. 116
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيّ ﷺ كَانَتْ مُضْطَجِعَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَأَنَّهَا قَدْ وَثَبَتْ وَثْبَةً شَدِيدَةً فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَالَكِ لَعَلَّك نَفِسْت يَعْنِي الْحَيْضَةَ فَقَالَتْ نَعَمْ قَالَ شُدِّي عَلَى نَفْسِك إزَارَكِ ثُمَّ عُودِي إلَى مَضْجَعِك» ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا عَنْ الْحَائِضِ هَلْ يُصِيبُهَا زَوْجُهَا إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ فَقَالَا لَا حَتَّى تَغْتَسِلَ) .
ــ
[المنتقى]
السُّؤَالُ عَلَى عَيْنٍ مِنْ الْأَعْيَانِ انْصَرَفَ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ إلَى الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ الْمَرْأَةِ الِاسْتِمْتَاعِ وَالْوَطْءِ فَكَانَ السُّؤَالُ عَلَى مَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ وَطْئِهَا فِي حَالِ حَيْضِهَا لِمَا عَلِمَ أَنَّهُ مَمْنُوعُ مِنْ وَطْئِهَا فِي الْفَرْجِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَانْصَرَفَ الِاعْتِزَالُ أَيْضًا إلَى اعْتِزَالِ وَطْءٍ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَعَلِمَ هَذَا السَّائِلُ أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا وَالْمُبَاشَرَةِ لَهَا وَالْقُبَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ مُبَاحٌ فَطَلَبَ تَحْدِيدَ الْمُبَاحِ وَتَمْيِيزَهُ مِنْ الْمَحْظُورِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ « ﷺ لِتَشُدَّ عَلَيْهَا إزَارَهَا ثُمَّ شَأْنَك بِأَعْلَاهَا» جَوَابٌ لِلسَّائِلِ وَنَصٌّ مِنْهُ لَهُ عَلَى الْمُبَاحِ بِأَنَّهُ مَا فَوْقَ الْمِئْزَرِ وَلَيْسَ بِمُبَاحٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَطَأَ امْرَأَتَهُ تَحْتَ الْإِزَارِ فِي فَرْجٍ وَلَا غَيْرِهِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَذَهَبَ أَصْبَغُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ وَطْؤُهَا تَحْتَ الْإِزَارِ فِيمَا عَدَا الْفَرْجَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ اعْتِزَالَهُنَّ بِالْوَطْءِ فَيَجِبُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَاسْتِدْلَالِي فِي الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْوَطْءَ فِي الْحَيْضِ إنَّمَا مُنِعَ لِمَوْضِعِ أَذَى الدَّمِ أَنْ يَنَالَ الرَّجُلَ أَوْ يُصِيبَهُ وَلَا يُؤْمَنُ ذَلِكَ فِيمَا دُونَ الْإِزَارِ وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ فِيمَا فَوْقَ الْإِزَارِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤْمَنُ بِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَحْوَطُ وَالْقَوْلُ الثَّانِي مُحْتَمَلٌ إذَا أُمِنَ الدَّمُ.
(فَصْلٌ) :
فَأَمَّا الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ فِي وَقْتِ الْحَيْضِ فَلَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَثِمَ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ.
وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ عَلَيْهِ دِينَارٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا وَطْءٌ مُحَرَّمٌ لَا لِحُرْمَةِ عِبَادَةٍ فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ كَفَّارَةٌ كَالزِّنَا.
(ش) : قَوْلُهَا أَنَّهَا وَثَبَتْ وَثْبَةً شَدِيدَةً يُرِيدُ لِمَا رَأَتْهُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهَا وَقَوْلُهُ «لَعَلَّك نَفِسْت» يُرِيدُ لَعَلَّ الْمُوجِبَ لِوَثْبَتِك النِّفَاسُ وَهُوَ الْحَيْضُ فَقَالَتْ نَعَمْ فَأَعْلَمَهَا بِمَا يَجِبُ أَنْ تَمْتَثِلَهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ فَقَالَ «شُدِّي عَلَى نَفْسِك إزَارَك» يُرِيدُ أَنْ تَشُدَّ الْإِزَارِ عَلَى مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِشَدِّهِ عَلَيْهَا مِنْهَا وَنَفْسُهَا حَقِيقَتُهَا فَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ شُدِّي الْإِزَارَ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ كَمَا لَوْ قَالَ شُدِّي عَلَيْك إزَارَكِ لَفُهِمَ ذَلِكَ مِنْهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «ثُمَّ عُودِي إلَى مَضْجَعِك» دَلِيلٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ إذَا ائْتَزَرَتْ وَمُضَاجَعَتِهَا لِأَنَّ الَّذِي حُظِرَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا فِي مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ وَأَمَّا الِالْتِذَاذُ بِهَا فَلَيْسَ بِمَمْنُوعٍ وَلَا مَحْظُورٍ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَرْسَلَ إلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُهَا هَلْ يُبَاشِرُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَتْ لِتُشَدَّ إزَارَهَا عَلَى أَسْفَلِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا إنْ شَاءَ) .
(ش) : سُؤَالُ عَبْدِ اللَّهِ عَائِشَةَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ لِمَوْضِعِهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّهَا عَرَفَتْ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ مِرَارًا فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ لِتَشُدَّ عَلَيْهَا إزَارَهَا عَلَى أَسْفَلِهَا تُرِيدُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ ثُمَّ يُبَاشِرُهَا إنْ شَاءَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ بَعْدَ شَدِّ إزَارِهَا.
(ش) : قَوْلُهُ هَلْ يُصِيبُهَا زَوْجُهَا إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ يُرِيدُ بِذَلِكَ إذَا رَأَتْ عَلَامَةَ وُجُوبِ الطُّهْرِ وَأَمَّا الطُّهْرُ فَلَيْسَ بِمَرْئِيٍّ وَإِنَّمَا تَرَى الْمَرْأَةُ مِنْ الْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ أَوْ الْجُفُوفِ
стр. 117
طُهْرُ الْحَائِضِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ مَوْلَاةٍ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ يَسْأَلْنَهَا عَنْ الصَّلَاةِ فَتَقُولُ لَهُنَّ لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضَةِ) .
ــ
[المنتقى]
مَا يُوجِبُ عَلَيْهَا الطُّهْرَ وَلَا يَجِبُ لِزَوْجِهَا أَنْ يُصِيبَهَا بِذَلِكَ حَتَّى تَغْتَسِلَ سَوَاءً كَانَ انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ أَوْ لِأَقَلِّهِ وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ بُكَيْر الْإِمْسَاكُ عَنْهَا اسْتِحْسَانٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ لِأَكْثَرِ أَمَدِ الْحَيْضِ وَهُوَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ عِنْدَهُ جَازَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَطَأَهَا قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ فَإِنْ انْقَطَعَ عَنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يُحْكَمَ بِطُهْرِهَا لِمَجِيءِ آخِرِ وَقْتِ صَلَاةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَالتَّطَهُّرُ إنَّمَا هُوَ الِاغْتِسَالُ لِأَنَّهُ تَفَعُّلٌ وَلَا يُقَالُ لِانْقِطَاعِ الدَّمِ تَطَهُّرٌ وَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ لَهُ طُهْرٌ فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَعْنَى يَطْهُرْنَ يَغْتَسِلْنَ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ تَطَهَّرَتْ الْمَرْأَةُ إذَا انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ فِعْلِهَا كَمَا يُقَالُ تَطَهَّرَتْ الْأَرْضُ إذَا زَالَ مَا فِيهَا مِنْ الْأَذَى وَالنَّجَاسَةِ وَيُقَالُ تَقَطَّعَ الْحَبْلُ وَتَكَسَّرَ الْكُوزُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمَا وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ انْقَطَعَ الْحَبْلُ وَانْكَسَرَ الْكُوزُ وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا مَعْنَى تَطَهَّرْنَ تَطَهَّرْنَ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ عَنْهُنَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِهِنَّ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْفَرَّاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الشَّأْنِ قَالَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ حَتَّى يَطْهُرْنَ هُوَ الْغُسْلُ وَلَا نَعْلَمُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفًا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ تَطَهَّرْنَ هُوَ تَفَعَّلْنَ وَالتَّفَعُّلُ وُقُوعُ الْفِعْلِ مِمَّنْ يُضَافُ إلَيْهِ هَذَا مُقْتَضَاهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَهُوَ يَمْنَعُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى انْقِطَاعِ الدَّمِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ النِّسَاءِ وَقَوْلُهُمْ تَطَهَّرَتْ الْأَرْضُ وَتَكَسَّرَ الْكُوزُ عَلَى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ وَالِاتِّسَاعِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهَا وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ طَهُرَتْ لِمَا يُقَالُ طَالَ الزَّرْعُ وَكَثُرَ الْمَاءُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمَا وَلَكِنَّهُ يُضَافُ إلَيْهِمَا مَجَازًا وَاتِّسَاعًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ اللَّفْظُ عَنْ مَوْضُوعِهِ وَمُقْتَضَاهُ إلَى مَجَازٍ لَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ لَكُمْ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ وَمِمَّا يُبَيِّنُ مَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْآيَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَمَدَحَ الْمُتَطَهِّرِينَ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ التَّطْهِيرُ مِنْ فِعْلِهِمْ وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ انْقِطَاعَ الدَّمِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْمَرْأَةِ وَلَا تُمْدَحُ بِهِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَإِذَا لَمْ تَجِدْ الَّتِي انْقَطَعَ دَمُ حَيْضَتِهَا الْمَاءَ فَتَيَمَّمَتْ لَمْ يَجُزْ وَطْؤُهَا بِطُهْرِ التَّيَمُّمِ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَيَجُوزُ وَطْؤُهَا بِالتَّيَمُّمِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ صَلَّتْ بِالتَّيَمُّمِ جَازَ وَطْؤُهَا وَإِنْ لَمْ تُصَلِّ لَمْ يَجُزْ وَطْؤُهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ الْوَطْءَ يَتَقَدَّمُهُ مَعْنًى يُبْطِلُ التَّيَمُّمَ وَهُوَ الْمُبَاشَرَةُ فَلَمْ يَجُزْ بَعْدَهُ الْوَطْءُ كَمَا لَوْ رَأَى الْمَاءَ.
[طُهْرُ الْحَائِضِ]
(ش) : قَوْلُهَا كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ تُرِيدُ لِعِلْمِهَا بِهَذَا الْأَمْرِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ فِي السُّؤَالِ عَنْ أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَتُظْهِرُ إلَيْهِ مِنْ السُّؤَالِ عَنْهُ مَا يَسْتَحْيِ مِنْهُ النِّسَاءُ فَاسْتَقَرَّ عِنْدَهَا مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَصِلْ إلَى غَيْرِهَا فَكَانَ النِّسَاءُ يَرْجِعْنَ فِي عِلْمِ ذَلِكَ إلَيْهَا فَكُنَّ يَبْعَثْنَ إلَيْهَا بِالدُّرْجَةِ وَهِيَ جَمْعُ دَرَجٍ فِيهِ الْكُرْسُفُ وَهُوَ الْقَطَنُ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مَا يُسْتَبْرَأُ بِهِ الرَّحِمُ وَالدَّمُ لِنَقَائِهِ وَبَيَاضِهِ وَتَجْفِيفِهِ الرُّطُوبَاتِ فَتَظْهَرُ فِيهِ آثَارُ الدَّمِ مَا لَا تَظْهَرُ فِي غَيْرِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ فَإِنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَسْأَلْنَ عَائِشَةَ إذَا رَأَيْنَهَا عَنْ الصَّلَاةِ
стр. 118
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمَّتِهِ عَنْ ابْنَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ بَلَغَهَا أَنَّ نِسَاءً كُنَّ يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إلَى الطُّهْرِ فَكَانَتْ تَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ وَتَقُولُ مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا) .
ــ
[المنتقى]
فَكَانَتْ عَائِشَةُ تَحْكُمُ بِأَنَّهَا حَيْضَةٌ وَتَقُولُ لَهُنَّ لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ وَتَرَى أَنَّهُنَّ مَمْنُوعَاتٌ مِنْ الصَّلَاةِ إذَا رَأَيْنَ الصُّفْرَةَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ لِأَنَّهَا حَيْضٌ وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ الصُّفْرَةَ وَالْغُبْرَةَ وَالْكُدْرَةَ كُلَّهَا دِمَاءٌ يُحْكَمُ لَهَا بِحُكْمِ الدَّمِ وَذَلِكَ يُرَى فِي وَقْتَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَبْلَ الطُّهْرِ.
وَالثَّانِي: بَعْدَهُ فَأَمَّا مَا رَأَتْ مِنْهُ قَبْلَ الطُّهْرِ فَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ دَمُ حَيْضٍ سَوَاءٌ تَقَدَّمَهُ دَمٌ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ وَكَذَلِكَ لَوْ رَأَتْ زَمَنَ الْحَيْضِ ابْتِدَاءً دُونَ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ دَمٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ حَيْضًا وَإِنْ رَأَتْهُ النُّفَسَاءُ كَانَ نِفَاسًا وَإِنْ كَانَ فِي زَمَنِ الِاسْتِحَاضَةِ كَانَ اسْتِحَاضَةً وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَكُونُ حَيْضًا إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ دَمٌ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَيْضًا إلَّا فِي الْأَيَّامِ الْمُعْتَادَةِ فَإِنْ رَأَتْهُ الْمُبْتَدَأَةُ أَوْ رَأَتْهُ الْمُعْتَادَةُ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْعَادَةِ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَهِيَ مِنْ أَعْلَمْ النَّاسِ بِهَذَا الشَّأْنِ وَقَدْ شَاعَ ذَلِكَ مِنْ فَتْوَاهَا مَعَ تَكَرُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهَا أَحَدٌ وَلَا خَالَفَهَا فِيهِ مُخَالِفٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَعْنًى لَوْ رُئِيَ بَعْدَ دَمِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَانَ حَيْضًا فَإِذَا رُئِيَ مُبْتَدَأً وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا كَالدَّمِ الْأَحْمَرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا رُئِيَ بَعْدَ الطُّهْرِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مَا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ مِنْ قَطْرَةِ دَمٍ أَوْ غُسَالَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ غُسْلٌ وَإِنَّمَا يَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ وَهِيَ التِّرْيَةُ عِنْدَهُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا قَالَ الدَّاوُدِيُّ التِّرْيَةُ الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ دُونَ الصُّفْرَةِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَدِّلِ فِي الْمَبْسُوطِ التِّرْيَةُ هِيَ الدَّفْعَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ لَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْحَيْضِ مَا يَكُونُ حَيْضَةً كَامِلَةً.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تُرِيدُ لَا تَعْجَلْنَ بِالصَّلَاةِ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ وَهِيَ عَلَامَةُ الطُّهْرِ وَالْمُعْتَادُ فِي الطُّهْرِ أَمْرَانِ:
الْقَصَّةُ الْبَيْضَاءُ وَهِيَ مَاءٌ أَبْيَضُ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ شَبَهُ الْمَنِيِّ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ شَبَهُ الْبَوْل.
وَالْأَمْرُ الثَّانِي الْجُفُوفُ وَهُوَ أَنْ تُدْخِلَ الْمَرْأَةُ الْقُطْنَ أَوْ الْخِرْقَةَ فِي قُبُلِهَا فَيَخْرُجَ ذَلِكَ جَافًّا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ وَعَادَةُ النِّسَاءِ تَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ فَمِنْهُنَّ مَنْ عَادَتُهَا أَنْ تَرَى الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ وَمِنْهُنَّ مَنْ عَادَتُهَا أَنْ تَرَى الْجَفَافَ فَمَنْ كَانَتْ مَنْ عَادَتُهَا أَنْ تَرَى أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ فَرَأَتْهُ حُكِمَ بِطُهْرِهَا وَإِنْ رَأَتْ غَيْرَهُ هَلْ تَطْهُرُ بِذَلِكَ أَمْ لَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقَصَّةُ الْبَيْضَاءُ.
وَمَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا بِرُؤْيَةِ الْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ لَمْ تَطْهُرْ بِرُؤْيَةِ الْجُفُوفِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْجُفُوفُ أَبْلَغُ فَمَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ طَهُرَتْ بِالْجُفُوفِ وَمَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا الْجُفُوفَ لَمْ تَطْهُرْ بِالْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ.
وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ عَلَامَةٌ لِلطُّهْرِ لَا تَكُونُ إلَّا عِنْدَهُ وَالْجُفُوفُ قَدْ يُوجَدُ فِي أَثْنَاءِ الدَّمِ كَثِيرًا فَكَانَتْ الْقَصَّةُ الْبَيْضَاءُ الَّتِي لَا تُوجَدُ مَعَ الدَّمِ أَصْلًا أَبْلَغَ فِي الدَّلِيلِ عَلَى انْقِطَاعِهِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ الْقَصَّةَ مِنْ بَقَايَا مَاءٍ تُرْخِيهِ الرَّحِمُ مِنْ الْحَيْضَةِ كَالصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ، وَالْجُفُوفَ انْقِطَاعُ ذَلِكَ كُلِّهِ فَكَانَ أَبْلَغَ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَبُو جَعْفَرَ الدَّاوُدِيُّ النَّظَرُ أَنْ يَقَعَ الطُّهْرُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَتْ تِلْكَ عَادَتُهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ عَادَتَهَا.
(فَرْعٌ) وَهَذَا فِي الْمُعْتَادَةِ فَأَمَّا الْمُبْتَدَأَةُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهَا لَا تَطْهُرُ إلَّا بِالْجُفُوفِ وَهَذَا مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ نُزُوعٌ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ.
(ش) : وَقَوْلُهَا بَلَغَهَا أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ تُرِيدُ أَنَّهُنَّ كُنَّ
стр. 119
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْحَائِضِ تَطْهُرُ فَلَا تَجِدُ مَاءً هَلْ تَتَيَمَّمُ قَالَ نَعَمْ لِتَتَيَمَّمْ فَإِنَّ مِثْلَهَا مِثْلُ الْجُنُبِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً تَيَمَّمَ) .
جَامِعُ الْحَيْضَةِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ الْمَرْأَةُ الْحَامِلُ تَرَى الدَّمَ أَنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ) .
ــ
[المنتقى]
يَفْعَلْنَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ نَوْمِهِنَّ يَنَمْنَ ثُمَّ يَقُمْنَ فَيَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ ثُمَّ يَعُدْنَ إلَى النَّوْمِ وَلَمْ يَكُنَّ يُرِدْنَ الصَّلَاةَ مِنْ اللَّيْلِ فَكَانَتْ تَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ لِتَكَلُّفِهِنَّ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَلْزَمُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ النَّظَرُ إلَى الطُّهْرِ إذَا أَرَدْنَ النَّوْمَ وَإِذَا قُمْنَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ.
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَنْظُرْنَ قُرْبَ الْفَجْرِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ صَلَاةُ الْعِشَاءَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ الصَّوْمُ إنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ وَمِنْ الْمَبْسُوطِ وَعَلَيْهِنَّ أَنْ يَنْظُرْنَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَأَمَّا أَنْ يَقُمْنَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ أَوْ قَبْلَ الْفَجْرِ لِلنَّظَرِ إلَى الطُّهْرِ خَاصَّةً فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَلَمْ يُكَلِّفْ النَّاسَ مَصَابِيحَ وَوَجْه ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِنَّ النَّظَرُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ إلَى الطُّهْرِ لَمَا جَازَ لَهُنَّ النَّوْمُ لِئَلَّا يَفُوتَهُنَّ النَّظَرُ بِالنَّوْمِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ ابْنَةِ زَيْدٍ مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا تُرِيدُ أَنَّ هَذَا تَكَلُّفُ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَتْهُ مِنْ النِّسَاءِ كُنَّ أَكْثَرَ اجْتِهَادًا وَأَفْضَلَ عِلْمًا وَلَمْ يَكُنَّ يَصْنَعْنَ ذَلِكَ لِسَبَبِ الْعِشَاءَيْنِ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى الطُّهْرِ بِسَبَبِهِمَا قَدْ انْقَضَى عِنْدَ النَّوْمِ أَوْ اللَّيْلِ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى قَوْلِ أَبِي جَعْفَرَ الدِّمْيَاطِيِّ فِي آخِرِ وَقْتِهِمَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ ذَلِكَ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ الْحَيْضَ بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِهِ حَدَثٌ يُمْكِنُ رَفْعُهُ بِالْغُسْلِ كَالْجَنَابَةِ وَالْجُنُبُ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ تَيَمَّمَ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ مَوَانِعِ الْجَنَابَةِ فَكَذَلِكَ الْحَائِضُ إذَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ تَتَيَمَّمُ وَتَسْتَبِيحُ بِذَلِكَ مَوَانِعَ الْحَيْضِ غَيْرَ الْوَطْءِ كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ.
[جَامِعُ الْحَيْضَةِ]
(ش) : قَوْلُهَا فِي الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ أَنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ تُرِيدُ أَنَّ دَمَهَا دَمُ حَيْضٍ يُحْكَمُ لَهُ بِإِسْقَاطِ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَمَنْعِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَوَانِعِ الْحَيْضِ كَمَا لَوْ كَانَتْ حَائِضًا وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَا رَأَتْهُ الْحَامِلُ مِنْ الدَّمِ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ وَلَيْسَ بِدَمِ حَيْضٍ فَلَا تَدَعُ الصَّلَاةَ وَلَا الصَّوْمَ وَلَا تَمْتَنِعُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ مَوَانِعِ الْحَيْضِ وَقَالَ لَوْ أَخَذَتْ فِي هَذَا بِالْأَحْوَطِ فَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَلَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا ثُمَّ تَقْضِي الصَّوْمَ لَكَانَ أَحْوَطَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا دَمٌ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ خَارِجٌ مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا كَدَمِ الْحَائِلِ.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ فَقَالَ تَكُفُّ عَنْ الصَّلَاةِ قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) .
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَمْنَعُ الْحَيْضَ وَأَنَّ الدَّمَ مَتَى وُجِدَ مِنْ الْحَامِلِ حُكِمَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا وَامْتَنَعَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ مَوَانِعِ الْحَيْضِ وَنَصَّ عَلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا آكَدُ الْعِبَادَاتِ وَأَعْظَمُهَا شَأْنًا وَإِذَا كَانَ الدَّمُ يَمْنَعُهَا وَيُوجِبُ الْكَفَّ عَنْهَا فَبِأَنْ يَمْنَعُ ذَلِكَ أَوْلَى وَأَحْرَى.
١ -
وَدَمُ الْحَيْضِ يَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: رَفْعُ حَدَثِهِ.
وَالثَّانِي: صِحَّةُ الصَّلَاةِ.
وَالثَّالِثُ: صِحَّةُ الصَّوْمِ.
وَالرَّابِعُ: مَسُّ الْمُصْحَفِ.
وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لِلْحَائِضِ أَنْ تُمْسِكَ اللَّوْحَ تَقْرَأُ فِيهِ وَتَكْتُبُ الْقُرْآنَ عَلَى وَجْهِ التَّعَلُّمِ وَمَا كُتِبَ فِي الرِّقَاعِ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ عَلَى وَجْهِ التَّعَوُّذِ فَيُعَلَّقُ عَلَى الْحَائِضِ وَالصَّبِيِّ وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا حُرِزَ أَوْ جُعِلَ فِي شَيْءٍ يُكِنُّهُ.
وَالْخَامِسُ: الْجِمَاعُ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.
وَالسَّادِسُ: دُخُولُ الْمَسْجِدِ.
وَالسَّابِعُ: الطَّوَافُ.
وَالثَّامِنُ: الِاعْتِكَافُ.
وَالتَّاسِعُ: إيقَاعُ الطَّلَاقِ عَلَى الْحَائِضِ.
وَفِي مَنْعِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: الْمَنْعُ.
وَالثَّانِيَةُ: الْإِبَاحَةُ.
стр. 120
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ كُنْت أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهَا قَالَتْ «سَأَلَتْ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ أَرَأَيْت إحْدَانَا إذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَصَابَ ثَوْبَ إحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ» .
ــ
[المنتقى]
ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ تِسْعَةَ أَشْيَاءَ فَلَمْ يَذْكُرْ الِاعْتِكَافَ وَلَا إيقَاعَ الطَّلَاقِ وَزَادَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَنْعَهُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَقَالَ فِي الصَّوْمِ يَمْنَعُ فِعْلَهُ وَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَهُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ إذَا لَمْ يَصِحَّ انْتَفَى وُجُوبُهُ لِأَنَّ تَكْلِيفَهُ لَا يَصِحُّ فَإِذَا قُلْنَا أَنَّ دَمَ الْحَيْضِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِنَا أَنَّهُ يَمْنَعُ وُجُوبَهُ لِأَنَّ تَكْلِيفَهُ لَا يَصِحُّ فَإِذَا قُلْنَا أَنَّ دَمَ الْحَيْضِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِنَا أَنَّهُ يَمْنَعُ وُجُوبَهَا لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجِبَ وَلَا يَصِحُّ فِعْلُهَا.
وَذَلِكَ قَوْلُهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّوْمِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الصَّوْمَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ لَا يَجِبُ لِوَجْهٍ وَلَوْ وَجَبَ لَأَثِمَتْ الْحَائِضُ بِتَأْخِيرِهِ وَلَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ مِنْهَا فِعْلُهُ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهَا صِيَامٌ آخَرُ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَإِنَّمَا يُقَالُ أَنَّ مَا تَفْعَلُهُ الْحَائِضُ مِنْ الصَّوْمِ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ الْحَيْضِ قَضَاءٌ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ.
(ش) : تَرْجِيلُهَا لِرَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ إذَا كَانَ بِمَعْنَى الِاسْتِمْتَاعِ وَفِي هَذَا زِيَادَةُ جَوَازِ مُبَاشَرَتِهَا لِغَيْرِ الِاسْتِمْتَاعِ وَتَصَرُّفِهَا كَتَصَرُّفِ الطَّاهِرِ فِي جَمِيعِ حَوَائِجِ الرِّجَالِ وَقَدْ كَانَتْ الْيَهُودُ إذَا حَاضَتْ مِنْهُمْ الْمَرْأَةُ أَخْرَجُوهَا مِنْ الْبَيْتِ فَلَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ تَتَصَرَّفْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِمُخَالَفَتِهِمْ فِي ذَلِكَ وَأَبَاحَ مُبَاشَرَتَهَا لِأَنَّ الْحَائِضَ لَيْسَتْ بِنَجَسٍ وَإِنَّمَا النَّجَاسَةُ فِي الدَّمِ وَأَمَّا الْحَدَثُ فَلَيْسَ بِنَجَاسَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ.
وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَقَالَتْ إنِّي حَائِضٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ حَيْضَتَك لَيْسَتْ فِي يَدِك» وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ نَجَاسَةَ الْحَيْضِ لَيْسَتْ فِي يَدِهَا فَتَنْجَسُ الْخُمْرَةُ بِذَلِكَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا اسْتِنَادُ الْمُصَلِّي إلَى الْحَائِضِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَرِيضِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا إلَّا أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى أَحَدٍ أَنَّهُ يُصَلِّي مُسْتَنِدًا وَلَا يَسْتَنِدُ إلَى حَائِضٍ وَلَا إلَى جُنُبٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ يَسْتَنِدُ إنْ شَاءَ إلَى حَائِضٍ وَإِلَى جُنُبٍ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ حَدَثَ الْحَيْضِ لَمَّا مَنَعَ الْحَائِضَ الصَّلَاةَ مَنَعَ غَيْرَهَا أَنْ يَسْتَنِدَ إلَيْهَا كَالنَّجَاسَةِ.
وَوَجْهُ مَا قَالَهُ أَشْهَبُ مَا رَوَى مَنْصُورُ بْنُ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا حَدَثٌ فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ صَلَاةِ مَنْ اسْتَنَدَ إلَيْهِ كَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ مِنْ قَوْلِهِمَا وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَ ذَلِكَ لِنَجَاسَةِ الثَّوْبِ أَوْ الْجَسَدِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ ثَوْبَ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ لَا يَسْلَمُ مِنْ نَجَاسَةٍ وَأَنَّ أَشْهَبَ إنَّمَا جَوَّزَ ذَلِكَ إذَا تَيَقَّنَ سَلَامَةَ ثِيَابِهِمَا مِنْ النَّجَاسَةِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
(ش) : سُؤَالُ الْمَرْأَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَمَّا يَلْزَمُ مَنْ أَصَابَهَا ذَلِكَ مِنْ الِامْتِنَاعِ مِنْ لُبْسِ الثَّوْبِ أَوْ قَطْعِ مَوْضِعِ الدَّمِ لِشَنَاعَةِ نَجَاسَتِهِ فِي نَفْسِهَا وَأَنَّهُ لَيْسَ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَسْأَلَ كَيْفَ تَصْنَعُ فِي غُسْلِهِ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَقْرُصَهُ «رَوَاهُ يَحْيَى فَلْتُقْرِضْهُ» بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ بُكَيْر وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ «وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ فَلْتُقَرِّصْهُ» بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَوْضِعِ الدَّمِ بِأُصْبُعِهَا وَتَغْمِزَهُ لِلْغُسْلِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ هُوَ الْغُسْلُ وَاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ الْمَاءِ مَعَ الْقَرْصِ لِمَا عُلِمَ أَنَّهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِأَنَّ فَائِدَتَهُ إنَّمَا تَتِمُّ ثُمَّ يَكُونُ النَّضْحُ بَعْدَ ذَلِكَ لِسَائِرِ
стр. 121
الْمُسْتَحَاضَة (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا ذَلِكَ عَرَقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي الدَّمَ عَنْك وَصَلِّي» ) .
ــ
[المنتقى]
الثَّوْبِ لِمَا لَمْ يُتَيَقَّنْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ كَانَتْ إحْدَانَا تَحِيضُ وَلَمْ تَقْرُصْ الدَّمَ مِنْ ثَوْبِهَا عِنْدَ طُهْرِهَا فَتَغْسِلُهُ وَتَنْضَحُ عَلَى سَائِرِهِ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ فَأَخْبَرَتْ أَنَّ النَّضْحَ كَانَ عَلَى سَائِرِ الثَّوْبِ وَأَنَّ الْقَرْضَ وَالْغَسْلَ كَانَ لِمَوْضِعِ الدَّمِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْرِيصُ مَعَهُ نَضْحُ الْمَاءِ فَيَكُونَانِ غَسْلًا لِلدَّمِ وَتَكُونُ ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] وَمَعْنَاهُ وَاهْتَدَى إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ لِأَنَّ ثُمَّ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَالْمُهْلَةَ وَقَوْلُهُ ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ كَمَالُ طَهَارَتِهِ لِأَنَّهَا لَا تُصَلِّي فِيهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ تُتِمَّ طَهَارَتَهُ.
[الْمُسْتَحَاضَة]
(ش) : قَوْلُهُ «إنِّي لَا أَطْهُرُ تُرِيدُ» لَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا الدَّمُ فَهَلْ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَبَدًا مَا دَامَتْ تَرَى الدَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّمَا ذَلِكَ عَرَقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ» يُرِيدُ أَنَّ الدَّمَ إذَا تَمَادَى بِهَا عُلِمَ أَنَّهُ عَرَقٌ لِأَنَّ دَمَ الْحَيْضَةِ يَنْقَطِعُ وَيَأْتِي بَعْدَهُ الطُّهْرُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْفَرِيرِيّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَعْنَى إقْبَالِ الْحَيْضَةِ وَإِدْبَارِهَا فِي الَّتِي تَنْقَطِعُ حَيْضَتُهَا وَتَخْتَلِطُ بِأَيَّامِ الطُّهْرِ فَأُمِرَتْ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ إذَا رَأَتْ الدَّمَ وَهُوَ إقْبَالُ الْحَيْضَةِ وَأُمِرَتْ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ وَهُوَ إدْبَارُ الْحَيْضَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَالْحَدِيثُ عِنْدِي يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ لِدَمِ الْحَيْضِ بِاللَّوْنِ وَالرَّائِحَةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا كَانَتْ دَمُ الْحَيْضَةِ فَهُوَ دَمٌ أَسْوَدُ مُعَرَّقٌ» وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ لَيْسَ بِثَابِتٍ إلَّا أَنَّ فِيهِ تَرْجِيحًا لِلتَّأْوِيلِ فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ وَكَانَتْ مُسْتَحَاضَةً فَإِنَّهَا تُصَلِّي أَبَدًا وَتَصُومُ حَتَّى تَرَى دَمًا لَا تَشُكُّ أَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ وَيَمْضِي لَهَا مِنْ الْعِدَّةِ مِقْدَارُ أَقَلِّ الطُّهْرِ فَتُمْسِكُ عَنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَتَكُونُ حَائِضًا فَإِنْ رَأَتْ دَمَ حَيْضٍ لَا تَشُكُّ فِيهِ وَلَمْ يَمْضِ لَهَا مِقْدَارُ أَقَلِّ الطُّهْرِ أَوْ مَضَى لَهَا مِقْدَارُ طُهْرٍ وَلَمْ تَرَ التَّغْيِيرَ الَّذِي لَا يَكُونُ إلَّا لِلْحَيْضِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ حَائِضًا وَلَا تَمْتَنِعُ مِنْ صَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا زَوْجُهَا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ تَقْدِيرُ الْحَدِيثِ فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ بِأَنْ تَرَى الدَّمَ الْمُتَغَيِّرَ وَقَدْ مَضَى الطُّهْرُ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا وَذَلِكَ بِأَنْ تَرَى غَيْرَ دَمِ الْحَيْضِ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي فَيَكُونُ هَذَا فِعْلَهَا أَبَدًا مُسْتَمِرًّا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ التَّمْيِيزِ فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ تَرَكَتْ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَمَدِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ فَإِذَا انْقَضَى اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ وَكَانَتْ مُسْتَحَاضَةً فَيَكُونُ إقْبَالُ الْحَيْضَةِ أَوَّلَ مَا تَرَى الدَّمَ وَإِدْبَارُهَا عِنْدَ التَّقْدِيرِ لَهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيمِ لِمَنْ يُصِيبُهَا بَعْدَ هَذَا مَا قَدْ أَصَابَ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ وَهَذَا إذَا حَمَلْنَا قَوْلَهَا إنِّي لَا أَطْهُرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّ الدَّمَ يَتَّصِلُ وَلَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا وَإِنْ قُلْنَا أَنَّهُ عَلَى الْمَجَازِ وَأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَكَادُ يَنْقَطِعُ فَإِنَّهُ يَكُونُ إقْبَالُ الْحَيْضِ أَوَّلَ مَا تَرَى الدَّمَ ثُمَّ إدْبَارُهَا إذَا انْقَضَى مِقْدَارُ دَمِ الْحَيْضِ ثُمَّ إقْبَالُهَا إذَا رَأَتْهُ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ انْقِطَاعِهِ وَهَكَذَا أَبَدًا فَيَكُونُ ذَلِكَ جَوَابَ فَاطِمَةِ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ فِيمَا سَأَلَتْهُ عَنْهَا وَمَا تَمْتَثِلُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
عَنْ مَالِكٍ فِي مِقْدَارِ أَقَلِّ الطُّهْرِ رِوَايَتَانِ:
رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرَ مُقَدَّرٍ وَأَنَّ الرُّجُوعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ اُحْتِيجَ إلَى تَحْدِيدِهِ وَلَمْ يَرِدْ
стр. 122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِي الشَّرْعِ تَحْدِيدُهُ فَإِنَّ الرُّجُوعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ كَالْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ وَاخْتُلِفَ فِي التَّقْدِيرِ فَرَوَى فِي الْمَبْسُوطِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنِ مَسْلَمَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَجْهُ مَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي تَحِيضُ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَجَعَلَ عِدَّةَ الْيَائِسَةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَأَعْلَمَنَا بِذَلِكَ أَنَّ بَدَلَ كُلِّ قُرْءٍ شَهْرٌ فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ الشَّهْرُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُقِيمَ مَقَامَ أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَأَقَلِّ الطُّهْرِ أَوْ مَقَامَ أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِ الطُّهْرِ أَوْ مَقَامَ أَكْثَرِهِمَا أَوْ مَقَامَ أَقَلِّهِمَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَامَ مَقَامَ أَقَلِّهِمَا لِأَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ الَّذِي يَقَعُ الِاسْتِبْرَاءُ بِهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ أَوْ خَمْسَةُ أَيَّامٍ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي ذَلِكَ وَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَأَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا دُونَ مُدَّةِ الشَّهْرِ بِكَثِيرٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَامَ مَقَامَ أَكْثَرِهِمَا وَلَا مَقَامَ أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِ الطُّهْرِ لِأَنَّ أَكْثَرَ الطُّهْرِ لَا حَدَّ لَهُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُقَامَ مَقَامَ أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَأَقَلِّ الطُّهْرِ وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَجْعَلُ الْحَيْضَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ الطُّهْرِ بَقِيَّةُ الشَّهْرِ وَذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا يُرِيدُ قَدْرَ الْحَيْضَةِ وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ قَدْرُ الْحَيْضَةِ عَلَى مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ إنْ كَانَ فِي الشَّرْعِ تَقْدِيرُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ ﷺ قَدْرَهُ عَلَى مَا تَرَاهُ الْحَائِضُ الْمُكَلَّفَةُ لِذَلِكَ وَتُقَدِّرُهُ وَأَنَّ ذَلِكَ يُصْرَفُ إلَى اجْتِهَادِهَا أَوْ لِاجْتِهَادِ مَنْ يُقَدِّرُ ذَلِكَ لَهَا مِمَّنْ يَلْزَمُ الْحَائِضَ تَقْلِيدُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَدْرِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَادَتِهَا فِي حَيْضِهَا وَفِي هَذَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ:
إحْدَاهَا: مَعْرِفَةُ أَقَلِّ الْحَيْضِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَكْثَرِهِ.
وَالثَّالِثَةُ: مَعْرِفَةُ مِقْدَارِ حَيْضِ الْمُبْتَدَأَةِ وَالْمُعْتَادَةِ إذَا تَمَادَى بِهَا الدَّمُ اتَّصَلَتْ أَيَّامُ الدَّمِ أَوْ تَخَلَّلَهَا طُهْرٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) فَأَمَّا أَقَلُّ الْحَيْضِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا عَنْ مَالِكٍ لَا حَدَّ لَهُ وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلٍ عَلَى أَصْلِهِ فَأَمَّا فِي مَوَاضِعِ الْحَيْضِ فَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ وَأَمَّا فِي الِاعْتِدَادِ وَالِاسْتِبْرَاءِ فَلِأَقَلِّهِ حَدٌّ.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الدَّفْعَةَ مِنْ الدَّمِ حَيْضٌ وَلَيْسَتْ بِحَيْضَةٍ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّتِي تَرَى الدَّمَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ يَسْأَلْنَ عَنْهُ النِّسَاءَ فَإِنْ قُلْنَ يَقَعُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ اسْتَبْرَأَتْ بِهِ الْأَمَةُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يَقَعُ الِاسْتِبْرَاءُ وَالِاعْتِدَادُ بِأَقَلِّ مِنْ خَمْسَةِ أَيَّامٍ زَادَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْهُ بِلَيَالِيِهَا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَيَرْجِعُ الْخِلَافُ فِي إعَادَةِ الصَّلَاةِ إذَا كَانَ الدَّمُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَعَ الشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَلَنَا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: اقْتِصَارُهُ فِي إجَابَتِهِمْ عَنْ سُؤَالِهِمْ عَنْ الْمَحِيضِ بِأَنَّهُ أَذًى وَتَفْسِيرُهُ لَهُمْ الْمَحِيضَ بِالْأَذَى وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ أَذًى مِنْ هَذَا الْجِنْسِ لَمَّا كَانَ فِي جَوَابِهِ تَفْسِيرٌ وَلَا إعْلَامَ بِمَعْنَى الْحَيْضِ.
وَالدَّلِيلُ الثَّانِي: أَمْرُهُ بِاعْتِزَالِ النِّسَاءِ فِي الْمَحِيضِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَنَا طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَتِهِ لِيَصِحَّ اعْتِزَالُهُنَّ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَكَانَ قَدْ عَلَّقَ الْأَمْرَ بِمَا لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهِ وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ.
وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ «فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ» وَلَنَا فِي هَذَا دَلِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَمَرَهَا بِأَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ عِنْدَ إقْبَالِ أَمْرٍ يُسَمَّى بِإِقْبَالِهِ حَيْضًا وَعِنْدَهُمْ لَا يَكُونُ حَيْضًا إلَّا بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَالدَّلِيلُ الثَّانِي: أَنَّهُ أَمَرَهَا بِأَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ عِنْدَ إقْبَالِ الْحَيْضَةِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَرْكَ الصَّلَاةِ بِأَقَلِّ الدَّمِ وَأَنَّهُ حَيْضٌ بِإِقْبَالِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا إلَّا بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَمَا جَازَ تَرْكُ الصَّلَاةِ إلَّا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَلَمَّا
стр. 123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَجْمَعْنَا عَلَى وُجُوبِ تَرْكِ الصَّلَاةِ بِأَوَّلِ مَا تَرَى مِنْ الدَّمِ ثَبَتَ أَنَّهُ حَيْضٌ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا دَمٌ يُسْقِطُ فَرْضَ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَكُنْ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ كَدَمِ النِّفَاسِ.
(مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهُوَ مَعْرِفَةُ أَكْثَرِ الْحَيْضِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَكْثَرُ الْحَيْضِ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَبِهِ قَالَ دَاوُد وَدَلِيلُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَذَلِكَ يَقْتَضِي حَمْلَهُ عَلَى كُلِّ أَذًى مِنْ جِنْسِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ مُدَّةُ أَبْقَتْ لِأَقَلِّ الطُّهْرِ وَقْتًا فِي الشَّهْرِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا كَالْعَشَرَةِ أَيَّامٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ مِقْدَارُ مُكْثِ الْحَائِضِ إذَا اتَّصَلَ بِهَا الدَّمُ فَإِنَّ الْحَائِضَ عَلَى ضَرْبَيْنِ حَائِلٌ وَحَامِلٌ فَأَمَّا الْحَائِلُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ مُبْتَدَأَةٌ وَمُعْتَادَةٌ فَأَمَّا الْمُبْتَدَأَةُ فَهِيَ الَّتِي تَرَى الدَّمَ أَوَّلَ بُلُوغِهَا فَإِنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ فَعَنْ مَالِكٍ فِيهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ رَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ أَنَّهَا تَقْعُدُ أَيَّامَ لَدَّاتِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَكُونُ مُسْتَحَاضَةً وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ تَقْعُدُ أَيَّامَ لَدَّاتِهَا تَسْتَظْهِرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَكْثَرُ الْمَدَنِيِّينَ تَقْعُدُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَقْعُدُ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ ثُمَّ تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً وَهُوَ نَحْوُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تُقِيمُ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ فَإِنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ فَلَهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ الْحَيْضُ مِنْ ذَلِكَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَتُعِيدُ صَلَاةَ سَائِرِ الْمُدَّةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَعُدُّ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَتُعِيدُ صَلَاةَ سَائِرِ الْمُدَّةِ.
وَجْهُ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَكُنْ لَهَا عَادَةٌ تَرْجِعُ إلَيْهَا وَجُهِلَ أَمْرُهَا وَجَبَ اعْتِبَارُهَا بِأَحْوَالِ لَدَّاتِهَا إذْ لَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَةِ حَالِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ الِاسْتِظْهَارِ أَنَّ هَذَا خَارِجٌ مِنْ الْجَسَدِ أُرِيدَ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَجَازَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَصْلُ ذَلِكَ لَبَنُ الْمُصَرَّاةِ.
وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذِهِ مُدَّةُ حَيْضٍ فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ فِيهَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا كَأَيَّامِ لَدَّاتِهَا وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ إعَادَةِ الصَّلَاةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ تِلْكَ الْأَيَّامَ لَوْ لَمْ يُحْكَمْ بِكَوْنِهَا حَيْضًا لَمَا جَازَ أَنْ تُمْنَع فِيهَا الصَّلَاةُ فَلَمَّا مُنِعَتْ فِيهَا مِنْ الصَّلَاةِ تَجِبُ عَلَيْهَا إعَادَتُهَا وَقَدْ كَانَ الْأَصَحُّ إذَا لَمْ يُتَبَيَّنْ أَمْرُهَا أَنْ تُؤْمَرَ بِالصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَصِحُّ مِنْهَا وَتَجِبُ عَلَيْهَا فَقَدْ أَدَّتْهَا وَأَخَذَتْ بِالْأَحْوَطِ فِي أَمْرِهَا وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَصِحُّ مِنْهَا وَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا فَقَدْ فَعَلَتْهَا اسْتِظْهَارًا فَأَمَّا أَنْ تُمْنَعَ مِنْهَا فِي وَقْتِهَا الَّذِي يَخْتَصُّ بِهَا وَتُمْنَعَ مِنْ أَدَائِهَا وَتُؤْمَرَ بِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ كَغَيْرِ الْحَائِضِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي الَّتِي تَرَى الدَّمَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَعَادَتُهَا ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ أَنَّهَا تَسْتَظْهِرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثُمَّ تَصُومُ وَتُصَلِّي اسْتِظْهَارًا إلَى انْقِضَاءِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الصَّوْمِ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهَا الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ فَقَدْ أَدَّتْهُمَا وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ مِنْهَا فَهِيَ تَقْضِي الصَّوْمَ وَتَسْلَمُ مِنْ تَضْيِيعِ عِبَادَةٍ فِي وَقْتِهَا وَتَرْكِهَا حِينَ وُجُوبِهِ وَهَذَا وَجْهُ الِاحْتِيَاطِ فِيمَا شَكَّ فِيهِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الْمُعْتَادَةُ فَإِنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ أَكْثَرَ مِنْ أَيَّامِ عَادَتِهَا فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: أَنَّهَا تُقِيمُ أَيَّامَ عَادَتِهَا ثُمَّ تَسْتَظْهِرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تُقِيمُ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً عَلَى مَعْنَى الِاحْتِيَاطِ تَصُومُ وَتُصَلِّي وَلَا يَطَؤُهَا زَوْجُهَا ثُمَّ تَنْظُرُ فِي أَمْرِهَا فَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا عِنْدَ تَمَامِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا عُلِمَ أَنَّهَا قَدْ انْتَقَلَتْ عَادَتُهَا وَكَانَتْ الْمُدَّةُ كُلُّهَا حَيْضًا وَإِنْ زَادَتْ الْمُدَّةُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا عُلِمَ أَنَّهَا قَدْ انْتَقَلَتْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ وَاعْتَدَّتْ بِحَيْضِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَادَتِهَا وَتَقْضِي الصَّوْمَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الزِّيَادَةِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَمُطَّرِفٌ تَجْلِسُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فَذَلِكَ أَكْثَرُ حَيْضِهَا وَإِنْ زَادَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَيْضَةِ
стр. 124
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِتَنْظُرْ إلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكْ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنْ الشَّهْرِ فَإِذَا خَافَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّي» ) .
ــ
[المنتقى]
الثَّانِيَةِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ تَجْلِسُ أَيَّامَ عَادَتِهَا ثُمَّ تَسْتَظْهِرُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ تَجْلِسُ أَيَّامَ عَادَتِهَا دُونَ اسْتِظْهَارٍ وَقَالَ مُطَّرِفٌ تَجْلِسُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَبَدًا ثُمَّ تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الْحَامِلُ فَاخْتُلِفَ فِي أَكْثَرِ مُدَّةِ حَيْضِهَا فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا رَوَاهُ أَبُو زَيْدٍ فِي ثَمَانِيَتِهِ وَقَالَ لَا أَنْظُرُ إلَى أَوَّلِ الْحَمْلِ وَلَا إلَى آخِرِهِ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْهُ فِي مُدَّةِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَنَحْوِهَا مِنْ أَوَّلِ الْحَمْلِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ تُضَعِّفُ الْحَامِلُ أَيَّامَ عَادَتِهَا فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَرَ حَيْضَتُهَا ثَلَاثُونَ يَوْمًا.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ مِنْ شُهُورِ الْحَمْلِ أَيَّامَ عَادَتِهَا وَتَسْتَظْهِرُ بِثَلَاثٍ وَفِي الثَّانِي تُضَعِّفُ أَيَّامَ عَادَتِهَا دُونَ اسْتِظْهَارِ وَالثَّالِثُ تُضَعِّفُ أَيَّامَ عَادَتِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَالرَّابِعَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ يَوْمًا وَهِيَ فِي الْوَاضِحَةِ مِنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غَسْلَ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْغُسْلِ مِنْ الْمَحِيضِ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ عِلْمُهُ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ يُقَالُ هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثِهِمَا عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَقَوْلُهُ كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ يُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ كَثْرَةِ الدَّمِ بِهَا كَأَنَّهَا تُهْرِيقُهُ فَاسْتَفْتَتْ أُمَّ سَلَمَةَ لَهَا لِاسْتِحْيَائِهَا مِنْ ذَلِكَ إذْ كَانَتْ امْرَأَتَهُ وَكَانَ فِي ذِكْرِهِ عَوْرَةٌ فَسَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ أَنْ تَسْأَلَ لَهَا عَنْ حُكْمِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تَحِلُّ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ مَحَلًّا يُزِيلُ الْخَجَلَ فِي سُؤَالِهَا إيَّاهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ عَرَفَ الْمَرْأَةَ بِاسْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ إشَارَةٍ إلَيْهَا وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْتَفْسِرْ حَالَهَا مَعَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ النِّسَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ حَالِ صِغَرٍ وَحَالِ حَيْضٍ وَحَالِ يَأْسٍ فَأَمَّا حَالُ الصِّغَرِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِمَا رُئِيَ فِيهِ مِنْ الدَّمِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَإِنَّمَا هُوَ دَمُ جُرْحٍ فَاسِدٌ وَأَمَّا حَالُ الْحَيْضِ فَهُوَ الَّذِي أَجَابَ عَنْهُ ﷺ وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُنَا فِيهِ وَأَمَّا حَالُ الْيَأْسِ مِنْ الْمَحِيضِ فَهُوَ فِي سِنِّ الشَّيْخِ وَالْهَرَمِ وَمَا رُئِيَ مِنْ الدَّمِ فِي تِلْكَ الْحَالِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ وَهَلْ يَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْحَيْضِ أَمْ لَا اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ اعْتِدَادٌ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] .
(فَرْعٌ) وَهَلْ تَتْرُكُ الْيَائِسَةُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فِي النَّوَادِرِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ لَا تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَلَا الصَّلَاةَ.
وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ هَذَا دَمٌ كَثِيرٌ وُجِدَ بِكَثْرَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ كَغَيْرِ الْيَائِسَةِ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ دَمُ مَنْ لَا يَحْمِلُ مِثْلُهَا فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ كَدَمِ الصَّغِيرَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهَا تَرَكَتْ الصَّلَاةَ كَالْحَائِضِ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا دَمٌ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ فَلَمْ يُوجِبْ الْغُسْلَ كَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ.
(فَرْعٌ) وَالسِّنُّ الَّذِي يُحْكَمُ فِيهِ لِلْمَرْأَةِ بِالْيَأْسِ مِنْ الْمَحِيضِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ خَمْسُونَ عَامًا وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ بِنْتُ خَمْسِينَ عَجُوزٌ فِي
стр. 125
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا رَأَتْ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وكَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي)
ــ
[المنتقى]
الْغَابِرِينَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ قَلَّ امْرَأَةٌ تُجَاوِزُ الْخَمْسِينَ فَتَحِيضُ إلَّا أَنْ تَكُونَ قُرَشِيَّةً.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «لِتَنْظُرْ إلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا مَا أَصَابَهَا» تَعْلِيقُهُ ذَلِكَ بِالشَّهْرِ لِمَا فِي عَادَةِ النِّسَاءِ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ أَنَّهُنَّ يَحِضْنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَلِذَلِكَ أُقِيمَتْ حَيْضَةٌ وَطُهْرُهَا مَقَامَ شَهْرٍ وَقَصْرُ حَيْضِهَا عَلَى أَيَّامِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ عَلِمَ حَيْضَتَهَا وَأَنَّهَا كَانَتْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَلِذَلِكَ قَصَرَهَا عَلَيْهَا وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ حَيْضَتَهَا لِجَوَازِ أَنْ تَخْتَلِفَ عَادَتُهَا فَيَكُونَ الْجَوَابُ غَيْرَ مُسْتَوْفٍ فِي حَقِّهَا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مِقْدَارَ حَيْضِهَا فَأَجَابَهَا بِجَوَابٍ يَقْتَضِي حُكْمَ كُلِّ حَائِضٍ مُعْتَادَةٍ وَذَلِكَ أَنَّهَا لَمَّا أَحَالَهَا مِنْ عَدَدِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَادَتِهَا مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ وَعَلِمَ أَنَّهَا عَادَةُ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ اخْتَلَفَ فَغَيْرُ خَارِجَةٍ عَنْ قَدْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ فَقَدْ أَمَرَهُنَّ بِاعْتِبَارِ قَدْرٍ مِنْ أَيَّامِ الْحَيْضِ عَلَى حَسَبِ عَادَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حُكْمِ الْحَائِضِ إذَا تَمَادَى بِهَا الدَّمُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ حَيْضَتُهَا عَلَى مَا ثَبَتَ مِنْ عَادَتِهَا وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ وَأَبِي مُصْعَبٍ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ تَنْتَقِلُ إلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَمُطَرِّفٌ وَحَمَلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْمَرْأَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أَجَابَهَا عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ حَالِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «فَلْتَتْرُكْ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنْ الشَّهْرِ» يَقْتَضِي مَنْعَ الْحَيْضِ لِلصَّلَاةِ وَتَعْلِيقُ ذَلِكَ بِالشَّهْرِ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْحَيْضَ يَتَكَرَّرُ غَالِبًا وَأَنَّ لِلْحَيْضِ قَدْرًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ لَا يَخْتَلِفُ أَقَلُّهُ وَلَا أَكْثَرُهُ وَإِنْ زَادَ عَلَى قَدْرِ أَكْثَرِهِ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْحَيْضِ الْمَانِعِ مُدَّةَ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ الْقَدْرُ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَعَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا لِكُلِّ امْرَأَةٍ قَدْرُ عَادَتِهَا إلَّا أَنَّهَا لَا تَزِيدُ الْعَادَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِذَا زَادَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا خَرَجَتْ عَنْ حُكْمِ الْمَحِيضِ إلَى حُكْمِ الِاسْتِحَاضَةِ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِعَادَةٍ.
(ش) : قَوْلُهَا أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ هَذَا وَهْمٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ كَانَتْ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ وَأُخْتُهَا حِصَنَةٌ كَانَتْ تَحْتَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأُخْتُهَا أُمُّ حَبِيبَةَ هِيَ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَاسْمُهَا حَبِيبَةُ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَتْ ابْنَةُ جَحْشٍ فَلَمْ يُسَمِّهَا وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ فَإِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا فَهُوَ الصَّوَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا وَكَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي يَحْتَمِلُ أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ كَانَتْ تَتَكَرَّرُ عَلَيْهَا فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ مَتَى اُسْتُحِيضَتْ عِنْدَ خُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ وَتَتَمَادَى بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الصَّلَاةِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ مَتَى انْقَطَعَ عَنْهَا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فَقَالَ مَرَّةً تَغْتَسِلُ وَقَالَ مَرَّةً لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ وَاسِعٌ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ لِلصَّلَاةِ إذَا أَرَادَتْهَا.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْقَعْقَاعَ بْنَ حَكِيمٍ وَزَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ أَرْسَلَاهُ إلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَسْأَلُهُ كَيْفَ تَغْتَسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ فَقَالَ تَغْتَسِلُ مِنْ طُهْرٍ إلَى طُهْرٍ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ اسْتَثْفَرَتْ) .
(ش) : قَوْلُهُ كَيْفَ تَغْتَسِلُ يَقْتَضِي صِفَةَ غُسْلِهَا وَالْمُرَادُ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ السُّؤَالُ عَنْ وَقْتِ اغْتِسَالِهَا وَلِذَلِكَ جَاوَبَهُ سَعِيدٌ بِوَقْتِ الْغُسْلِ دُونَ صِفَتِهِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ قَالَ مَالِكٌ إنِّي لَأَظُنُّ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ
стр. 126
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ إلَّا أَنْ تَغْتَسِلَ غُسْلًا وَاحِدًا ثُمَّ تَتَوَضَّأَ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إذَا صَلَّتْ آنَ لِزَوْجِهَا أَنْ يُصِيبَهَا وَكَذَلِكَ النُّفَسَاءُ إذَا بَلَغَتْ أَقْصَى مَا يُمْسِكُ النِّسَاءُ الدَّمَ فَإِنْ رَأَتْ الدَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُصِيبُهَا زَوْجُهَا وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ) .
ــ
[المنتقى]
مِنْ ظُهْرٍ إلَى ظُهْرٍ إنَّمَا هُوَ مِنْ طُهْرٍ إلَى طُهْرٍ فَقَلَبَهَا النَّاسُ فَقَالُوا مِنْ ظُهْرٍ إلَى ظُهْرٍ.
وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هُودُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَا إنَّمَا هُوَ مِنْ طُهْرٍ إلَى طُهْرٍ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ ﵀ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِوَقْتِ الظُّهْرِ مَعْنًى يَقْتَضِي اغْتِسَالَهَا فَرَأَى أَنَّ اللَّفْظَ قَدْ صُحِّفَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَصْلُهُ مَا ذَكَرَهُ وَذَلِكَ لِمَنْ تُمَيِّزُ الدَّمَ فَتَغْتَسِلُ إذَا انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ الْأَسْوَدُ أَوْ حُكِمَ بِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ لِتَمَادِيهِ فَالِاغْتِسَالُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَهُ وَجْهٌ صَحِيحٌ وَقَدْ بَيَّنَ عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ مِنْ ظُهْرٍ إلَى ظُهْرٍ فَقَالَ تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَعَبْدُ الْكَرِيمِ حَافِظٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ شَرَعَ لَهَا الْغُسْلَ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَجْدِيدًا لِلنَّظَافَةِ وَذَلِكَ الْوَقْتُ أَحَقُّ بِالْغُسْلِ لِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْحَرِّ وَكَثْرَةِ الْعَرَقِ وَظُهُورِ الرَّائِحَةِ الَّتِي تَحْتَاجُ الْمَرْأَةُ إلَى إزَالَتِهَا وَخِفَّةِ الْغُسْلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلِذَلِكَ شُرِعَ غُسْلُ الْجُمُعَةِ ذَلِكَ الْوَقْتِ دُونَ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّمَا ذَلِكَ عَرَقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ» وَهَذَا يَنْفِي وُجُوبَ الْغُسْلِ كَسَائِرِ الْعُرُوقِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ غُسْلٌ فَهَلْ يَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مِنْهُ مَا يَكُونُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَهَذَا يَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضٍ وَمِنْهُ مَا يَتَكَرَّرُ بِالسَّاعَاتِ فَيُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَلَا يَجِبُ وَدَلِيلُنَا عَلَى نَفْيِ الْوُضُوءِ أَنَّهُ دَمٌ لَا يَجِبُ بِهِ الْغُسْلُ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْوُضُوءُ كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ إلَّا أَنْ تَغْتَسِلَ غُسْلًا وَاحِدًا ثُمَّ تَتَوَضَّأَ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ) .
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهَا غُسْلٌ وَاحِدً عِنْدَ انْقِضَاءِ حَيْضَتِهَا وَابْتِدَاءِ اسْتِحَاضَتِهَا لِتُزِيلَ بِذَلِكَ حَدَثَ الْحَيْضِ وَأَمَّا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الْحَسَنِ قَالَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ حَدَثٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِحَدَثٍ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ مَوَانِعَ الْحَيْضِ هِيَ الصَّلَاةُ وَالْوَطْءُ فَإِذَا وَجَبَتْ الصَّلَاةُ وَجَبَتْ إبَاحَةُ الْوَطْءِ وَمَا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ الطُّهْرُ فَلَا تَمْنَعُ مِنْهُ الِاسْتِحَاضَةُ وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيُّ لَا يُصِيبُ الْمُسْتَحَاضَةَ زَوْجُهَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
حُكْمُ النُّفَسَاءِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْحَائِضِ إذَا بَلَغَتْ أَقْصَى مَا يُمْسِكُ النُّفَسَاءَ دَمُ النِّفَاسِ وَتَمَادَى بِهَا الدَّمُ اغْتَسَلَتْ وَكَانَتْ مُسْتَحَاضَةً وَاخْتَلَفَتْ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي أَقْصَى مَا يُمْسِكُ النِّسَاءَ النِّفَاسُ فَقَالَ مَرَّةً لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ وَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى النِّسَاءِ وَمَعْرِفَتِهِنَّ.
وَقَالَ مَرَّةً أَقْصَى ذَلِكَ سِتُّونَ يَوْمًا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ سِتُّونَ أَوْ سَبْعُونَ يَوْمًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا.
وَجْهُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّ الرُّجُوعَ فِي ذَلِكَ إلَى الْمَعْرُوفِ وَالْعَادَةِ وَقَدْ وُجِدَ النِّفَاسُ سِتِّينَ يَوْمًا عَادَةً مُسْتَمِرَّةً.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَقَلُّ النِّفَاسِ لَا حَدَّ لَهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَقَلُّهُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ طَرِيقُهُ الْعَادَةُ وَقَدْ وُجِدَ مُعْتَادًا بِأَقَلَّ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحَدَّ بِأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا كَمَا لَمْ يُحَدَّ بِثَلَاثِينَ يَوْمًا لَمَّا وُجِدَ مُعْتَادًا بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا الْمِقْدَارِ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ عَلَى حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ حَدِيثَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ
стр. 127
مَا جَاءَ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ (ص) : (عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إيَّاهُ» ) .
مَا جَاءَ فِي الْبَوْلِ قَائِمًا وَغَيْرِهِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ «دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ فَكَشَفَ عَنْ فَرْجِهِ لِيَبُولَ فَصَاحَ النَّاسُ بِهِ حَتَّى عَلَا الصَّوْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اُتْرُكُوهُ فَتَرَكُوهُ فَبَالَ ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ
ــ
[المنتقى]
النَّبِيِّ ﷺ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ حَدِيثَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهَا لَا تَغْتَسِلُ إلَّا غُسْلًا وَاحِدًا ثُمَّ تَتَوَضَّأَ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.
[مَا جَاءَ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ]
(ش) : قَوْلُهَا أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَبِيٍّ مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَأْتُونَ بِصِبْيَانِهِمْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَدْعُوَ لَهُمْ وَيُحَنِّكَهُمْ وَيُسَمِّيَهُمْ تَبَرُّكًا بِهِ ﷺ فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إيَّاهُ يُرِيدُ أَتْبَعَ الْمَاءَ بَوْلَ الصَّبِيِّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ عَلَى قَوْلِنَا أَنَّ أَفْعَالَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْوُجُوبِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا لَمَا وَجَبَ إتْبَاعُهُ بِالْمَاءِ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالْجَارِيَةِ سَوَاءً أَكَلَا الطَّعَامَ أَوْ لَمْ يَأْكُلَاهُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بَوْلُ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ طَاهِرٌ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ لِنَجَاسَتِهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ بِالْمُخْتَصَرِ لَا يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ وَلَا الْغُلَامِ حَتَّى يَأْكُلَا الطَّعَامَ وَهَذِهِ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مَا تَقَدَّمَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا بَوْلُ آدَمِيٍّ فَوَجَبَ غَسْلُ الثَّوْبِ مِنْهُ أَصْلُ ذَلِكَ بَوْلُ مَنْ أَكَلَ الطَّعَامَ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مُحْصِنٍ «أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ يُرِيدُ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَأْتُونَ بِمَنْ وُلِدَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ يُحَنِّكُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجَاءَ الْبَرَكَةِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهَذَا إذَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ لَمْ يَقْبَلْ غِذَاءً مِنْ رَضَاعٍ وَلَا غَيْرِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَتَقَوَّتُ بِالطَّعَامِ وَلَمْ يَسْتَغْنِ بِهِ عَنْ الرَّضَاعِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَأْتُونَ بِأَبْنَائِهِمْ لِيَدْعُوَ لَهُمْ لَا سِيَّمَا عِنْدَ شَيْءٍ يَجِدُهُ أَحَدُهُمْ مِنْ مَرَضٍ أَوْ شِبْهِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ يُرِيدُ وَضْعَهُ فِيهِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ إجْلَاسًا وَإِنْ كَانَ الطِّفْلُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ لَا يَجْلِسُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى التَّأْوِيلِ خَالِصًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْإِجْلَاسَ الْمُعْتَادَ وَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلَيْنِ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ فِيهِ جُلُوسُهُ وَقَوْلُهُ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ إلَى قَوْلِهِ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ يُرِيدُ أَنَّهُ صَبَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ مَا غَمَرَهُ وَأَذْهَبَ لَوْنَهُ وَطَعْمَهُ وَرِيحَهُ فَطَهُرَ بِذَلِكَ الثَّوْبُ وَهَذِهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ فِي أَنَّ قَلِيلَ الْمَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ إذَا غَلَبَ عَلَيْهَا وَلَيْسَ يَفْتَقِرُ تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ إلَى إمْرَارِ الْيَدِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ إزَالَةُ الْعَيْنِ وَالْحُكْمُ لَمْ يَأْتِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ غَلَبَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
стр. 128
- ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَبُولُ قَائِمًا) .
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ غَسْلِ الْفَرْجِ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ هَلْ جَاءَ فِيهِ أَثَرٌ فَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ مَنْ مَضَى كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ مِنْ الْغَائِطِ وَأَنَا أُحِبُّ غَسْلَ الْفَرْجِ مِنْ الْبَوْلِ) .
مَا جَاءَ فِي السِّوَاكِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ السَّبَّاقِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي جُمُعَةٍ مِنْ الْجُمَعِ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا فَاغْتَسِلُوا وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ وعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ» )
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي الْبَوْلِ قَائِمًا وَغَيْرِهِ]
(ش) : قَوْلُهُ دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ لِيَبُولَ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ دَخَلَ وَصَلَّى فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَعْهَدْ الْمَسَاجِدَ وَلَا عَرَفَ مَا يَجِبُ لَهَا مِنْ الْإِكْرَامِ وَالتَّنْزِيهِ وَصَاحَ النَّاسُ إنْكَارًا لِفِعْلِهِ وَمُبَادَرَةً إلَى مَنْعِهِ فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ اُتْرُكُوهُ رِفْقًا بِهِ وَلُطْفًا فِي تَعْلِيمِهِ وَهَذِهِ سُنَّةٌ مِنْ الرِّفْقِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ لَا سِيَّمَا لِمَنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ الِاسْتِهَانَةُ بِهِ فَيُعَلَّمُ أُصُولَ الشَّرَائِعِ وَيُعْذَرُ فِي غَيْرِهَا حَتَّى تَمَكَّنَ الْإِسْلَامُ مِنْ قُلُوبِهِمْ لِأَنَّهُمْ إنْ أُخِذُوا بِالتَّشْدِيدِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ خِيفَ عَلَيْهِمْ أَنْ تَنْفِرَ قُلُوبُهُمْ عَنْ الْإِيمَانِ وَتَبْغَضَ الْإِسْلَامَ فَيَئُولَ ذَلِكَ إلَى الِارْتِدَادِ وَالْكُفْرِ الَّذِي هُوَ أَشَدُّ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ الذَّنُوبُ الدَّلْوُ فَصُبَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَاءَ إذَا صُبَّ عَلَى الْبَوْلِ فَغَمَرَهُ وَأَذْهَبَ عَيْنَهُ وَصِفَاتِهِ حُكِمَ بِطَهَارَةِ الْمَغْسُولِ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا فِي قَوْلِهِمْ أَنَّ قَلِيلَ الْمَاءِ يُنَجِّسُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ وَهَذَا مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَرْفَعُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ تَطْهِيرُهَا وَقَدْ حَكَمَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِصَبِّ دَلْوٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى مَا نَجُسَ مِنْهُ بِالْبَوْلِ وَلَا مَعْنَى لَهُ إلَّا تَطْهِيرُهُ لِلْمُصَلِّينَ فِيهِ.
(ش) : الْبَوْلُ عَلَى قَدْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُبَالُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ مَوْضِعًا طَاهِرًا دَمِثًا لَيِّنًا يُؤْمَنُ فِيهِ تَطَايُرُ الْبَوْلِ عَلَى الْبَائِلِ جَازَ أَنْ يُبَالَ فِيهِ قَائِمًا لِأَنَّ الْبَائِلَ حِينَئِذٍ يَأْمَنُ تَطَايُرَ الْبَوْلِ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَبُولَ قَاعِدًا لِأَنَّهُ يَأْمَنُ عَلَى ثَوْبِهِ مِنْ الْمَوْضِعِ وَالْبَوْلُ قَاعِدًا أَفْضَلُ وَأَوْلَى لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لِلْبَائِلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ مَوْضِعًا ظَاهِرًا جَلَدًا يُخَافُ أَنْ يَتَطَايَرَ مِنْهُ الْبَوْلُ إذَا بَالَ قَائِمًا فَحُكْمُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَنْ يَبُولَ الْبَائِلُ فِيهِ جَالِسًا لِأَنَّ طَهَارَتَهُ تُبِيحُ لَهُ الْجُلُوسَ وَصَلَابَةُ الْأَرْضِ تَمْنَعُ الْوُقُوفَ لِئَلَّا يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ مِنْ وَقْعِ الْبَوْلِ مَا يُنَجِّسُ ثِيَابَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ دَمِثًا وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ قَذِرٌ بَالَ قَائِمًا وَلَمْ يَبُلْ جَالِسًا لِأَنَّ جُلُوسَهُ يُفْسِدُ ثَوْبَهُ وَهُوَ يَأْمَنُ تَطَايُرَ الْبَوْلِ إذَا وَقَفَ.
وَقَدْ رَوَى حُذَيْفَةُ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا» .
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ صُلْبًا نَجِسًا لَمْ يَبُلْ فِيهِ قَائِمًا وَبَالَ قَاعِدًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
(ش) : قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْغَسْلَ أَفْضَلُ مِنْ الِاسْتِجْمَارِ وَأَنَّهُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ غَسْلِ الْفَرْجِ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ هَلْ فِيهِ أَثَرٌ فَأَجَابَ عَنْهُ وَخَصَّ مَالِكٌ غَسْلَ الْفَرْجِ بِالْمَاءِ لِأَنَّ الْبَوْلَ مَائِعٌ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ الِانْتِشَارِ فَلِذَلِكَ رَأَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ أَخْبَرَ بِأَنَّ عِنْدَهُ أَثَرٌ فِي غَسْلِ الْفَرْجِ مِنْ الْغَائِطِ وَأَنَّهُ يَسْتَحِبُّ غَسْلَ الْفَرْجِ مِنْ الْبَوْلِ فَبَيَّنَ مَا عِنْدَهُ فِيهِ أَثَرٌ وَمَيَّزَهُ مِمَّا يَذْهَبُ إلَيْهِ لِنَوْعٍ مِنْ النَّظَرِ.
[مَا جَاءَ فِي السِّوَاكِ]
(ش) : قَوْلُهُ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ أَنَّهُ شُرِعَ فِيهِ الْغُسْل لِأَنَّهُ عِيدٌ وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ فِي الْحُكْمِ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَعْيَادَ مَشْرُوعٌ فِيهَا التَّجَمُّلُ
стр. 129
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ» ) .
مَا جَاءَ فِي النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ خَشَبَتَيْنِ يُضْرَبُ بِهِمَا لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ فَأُرِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ مِنْ الْخَزْرَجِ خَشَبَتَيْنِ فِي النَّوْمِ فَقَالَ إنَّ هَاتَيْنِ لَنَحْوٌ مِمَّا يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَلَا تُؤَذِّنُونَ لِلصَّلَاةِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْأَذَانِ» )
ــ
[المنتقى]
وَالْمُبَاهَاةُ وَالنَّظَافَةُ مِنْ أَفْضَلِ التَّجَمُّلِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ عَلَى مَعْنَى النَّدْبِ إلَيْهِ وَالتَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَلَا لَازِمٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالْكُلْفَةِ وَقَدْ يَشُقُّ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى مَنْ لَا يَجِدُهُ أَوْ مَنْ يَتَكَلَّفُ تَحْصِيلَهُ بِمُؤْنَةٍ وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ فِي الْغَالِبِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ» أَمَرَ بِهِ وَنَدَبَ إلَيْهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ قَالَ السِّوَاكُ وَاجِبٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ تَنْظِيفٌ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا كَغَسْلِ الْفَمِ مِنْ الذَّفَرِ وَالْغَمَرِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ» ) ش قَوْلُهُ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ» عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ إشْفَاقِهِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ وَرِفْقِهِ بِهِمْ وَحِرْصِهِ عَلَى التَّخْفِيفِ عَنْهُمْ وَالْمُرَاعَاةِ لِمَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ هَاهُنَا الْوُجُوبُ وَاللُّزُومُ دُونَ النَّدْبِ فَقَدْ نَدَبَ ﷺ إلَى السِّوَاكِ وَلَيْسَ فِي النَّدْبِ إلَيْهِ مَشَقَّةٌ لِأَنَّهُ إعْلَامٌ بِفَضِيلَتِهِ وَاسْتِدْعَاءٌ لِفَضْلِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ امْتِنَاعُهُ ﷺ مِنْ الْأَمْرِ لَهُمْ لِمَعْنَى الْمَشَقَّةِ أَيْ لَوْلَا الْمَشَقَّةُ لَأَمَرَهُمْ بِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ الْآمِرُ بِالْأَحْكَامِ وَإِيجَابِهَا وَأَنَّ ذَلِكَ مَصْرُوفٌ إلَى اجْتِهَادِهِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْهُ الْإِشْفَاقُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهِمْ السِّوَاكَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ كَانَ الْبَارِي تَعَالَى قَدْ أَمَرَهُ بِهِ وَأَوْجَبَهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْبَارِي أَمَرَ بِهِ وَأَوْجَبَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إيجَابُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ عَلَى أُمَّتِهِ وَيَدُلُّ هَذَا أَيْضًا عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِهِ لَأَمَرَهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ امْتَنَعَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ فَهَذَا يَثْبُتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَيَثْبُت بِحَدِيثِ الْأَعْرَجِ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْأَمْرِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ فِي الْجُمْلَةِ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ]
(ش) : قَوْلُهُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ خَشَبَتَيْنِ يُضْرَبُ بِهِمَا» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِي أُمُورِ الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ يُنَصَّ لَهُ عَلَى الْحُكْمِ وَلِذَلِكَ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى اتِّخَاذِ الْخَشَبَتَيْنِ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْأَذَانَ صَارَ إلَيْهِ وَلَوْ أَمَرَهُ بِاِتِّخَاذِ الْخَشَبَتَيْنِ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ ذَلِكَ لِرُؤْيَا رَآهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ ﷺ اجْتِمَاعَ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأُرِيَ عَبْدُ اللَّهُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ خَشَبَتَيْنِ فِي النَّوْمِ إلَى أَنْ قِيلَ أَلَا تُؤَذِّنُونَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى مِثْلَ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَشَارَ بِذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» ) .
стр. 130
الْمُؤَذِّنُ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ «إذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ يُرِيدُ الْأَذَانَ» لِأَنَّهُ النِّدَاءُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَأَنَّهُ مَتَى سَمِعَ النِّدَاءَ فَعَلَى السَّامِعِ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ.
وَقَدْ يَكُونُ الْأَذَانُ فِي وَقْتٍ يَكُونُ السَّامِعُ فِي صَلَاةِ نَافِلَةٍ أَوْ فَرْضٍ أَوْ قِرَاءَةِ قُرْآنٍ فَدَلَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ فِي النَّافِلَةِ وَلَا يَقُولُهُ فِي الْفَرِيضَةِ وَرَوَى أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَقُولُهُ فِي فَرْضٍ وَلَا نَفْلٍ.
وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْفَرِيضَةَ آكَدُ مِنْ النَّافِلَةِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهَا وَالِاشْتِغَالُ عَنْهَا بِالنَّافِلَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي نَافِلَةٍ فَهَذِهِ زِيَادَةٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَهُوَ يَعُودُ إلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنْ نَافِلَةٍ وَلِذَلِكَ جَازَ الِاشْتِغَالُ فِي النَّافِلَةِ بِالتَّعَوُّذِ وَالْبَسْمَلَةِ وَالْإِتْيَانِ بِهَا وَمُنِعَ ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ أَنَّ هَذَا ذِكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ فَلَا يُمْنَعُ فِي صَلَاةِ فَرْضٍ وَلَا نَفْلٍ كَالتَّشَهُّدِ وَالدُّعَاءِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ الصَّلَاةَ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ فَلَا يَجُوزُ قَطْعُهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَذْكَارِ لِأَنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ لِمَا هُوَ مِثْلُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَتِهِ يَقُولُ التَّشَهُّدَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِذَا رَجَعَ إلَيْهِ الْمُؤَذِّنُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَنْ يَقُولُ مِثْلَهُ.
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ يُعَاوِدُ التَّشَهُّدَ إذَا عَاوَدَهُ الْمُؤَذِّنُ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ إنَّمَا يَرْجِعُ إلَيْهِ بِرَفْعِ صَوْتِهِ يُرِيدُ الْإِسْمَاعَ وَالسَّامِعُ لَهُ إنَّمَا يَقُولُهُ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ لَهُ.
وَوَجْهُ قَوْلُ الدَّاوُدِيِّ التَّعَلُّقُ بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» .
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ مَالِكٌ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ أَنَّ ذَلِكَ إلَى آخِرِ التَّشَهُّدِ فِيمَا يَقَعُ فِي قَلْبِي وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا يُرِيدُ مَالِكٌ أَنَّ تَخْصِيصَهُ اللَّفْظَ الْعَامَّ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ لَا مِنْ جِهَةِ نَصٍّ عِنْدَهُ وَأَنَّ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَا رَآهُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ هَلْ يَقُولُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ بَأْسٌ أَوْ لَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مَعْنَى قَوْلِهِ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا يَعْنِي لَوْ أَتَمَّ الْأَذَانَ مَعَ الْمُؤَذِّنِ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ الْقَوْلَ إلَى آخِرِ التَّشَهُّدِ خَاصَّةً وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ التَّشَهُّدَ مِنْ الدُّعَاءِ إلَى الصَّلَاةِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُؤَذِّنُونَ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ السَّامِعِ مِثْلَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَاعٍ لِلصَّلَاةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِنْ شَاءَ السَّامِعُ قَالَ مِثْلَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ.
وَقَالَ حَبِيبٌ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْ حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ السَّامِعُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ فَإِذَا عَادَ إلَى التَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ قَالَ مِثْلَهُ.
وَجْهُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا انْتَهَى إلَى التَّشَهُّدِ فَلَمْ يَتْبَعْهُ فِيمَا بَعْدَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهُ مِنْ الْقَوْلِ لِأَنَّهُ لَمَّا قَطَعَ مُتَابَعَتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ بَعْدَهُ.
وَوَجْهُ مَا قَالَهُ أَبُو الْقَاسِمِ مِنْ التَّخْيِيرِ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى التَّكْبِيرِ فَقَدْ شُرِعَ لَهُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ وَشُرِعَ لَهُ أَيْضًا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْقَوْلِ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] فَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَهُمَا وَمَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ رَوَاهُ عُمَرُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» وَلَكِنَّهُ مَشْرُوعٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فَإِنَّ هَذَا إذَا كَانَ السَّامِعُ خَارِجَ الصَّلَاةِ بِأَنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَدْ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيُّ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ تَبْطُلُ وَهُوَ كَالْمُتَكَلِّمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ يَقُولُ ذَلِكَ قَبْلَ الْمُؤَذِّنِ أَوْ بَعْدَهُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إنْ أَبْطَأَ الْمُؤَذِّنُ فَلَهُ أَنْ يُعَجِّلَ قَبْلَهُ وَرَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ يَقُولُ بَعْدَهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَهَذَا يَخْتَلِفُ فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ ذِكْرٍ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ وَكَانَ الْمُؤَذِّنُ بَطِيئًا يُطَوِّلُ مِنْ صَوْتِهِ لِلِاسْتِمَاعِ فَلَهُ أَنْ يُعَجِّلَ لِيَعُودَ إلَى
стр. 131
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيِّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» ) .
(ص) : (مَالِكٌ «عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ وَإِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وأَتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ» ) .
ــ
[المنتقى]
مَا هُوَ فِيهِ مِنْ ذِكْرٍ أَوْ صَلَاةٍ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا لِلِاسْتِمَاعِ فَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْمُؤَذِّنِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ قَائِلًا مِثْلَ قَوْلِهِ إلَّا بَعْدَ قَوْلِهِ.
(ش) : قَوْلُهُ «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» يُرِيدُ ﷺ تَعْظِيمَ أَمْرِ الثَّوَابِ عَلَى النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ يَعْلَمُونَ مِقْدَارَ ذَلِكَ لَتَبَادَرُوا ثَوَابَهُ كُلُّهُمْ وَلَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ تَشَاحًّا فِيهِ وَرَغْبَةً فِي ثَوَابِهِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَقِيلَ مَعْنَاهُ السَّابِقُ إلَى الْمَسْجِدِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ الصَّفُّ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ مَقْصُورَةٌ يُمْنَعُ مِنْ دُخُولِهَا بَعْضُ النَّاسِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَالصَّفُّ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يَلِي الْمَقْصُورَةَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إلَيْهِ» التَّهْجِيرُ هُوَ التَّبْكِيرُ إلَى الصَّلَاةِ فِي الْهَاجِرَةِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا لِلظُّهْرِ أَوْ الْجُمُعَةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّنَفُّلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ذَلِكَ الْوَقْتَ تَنَفَّلَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» خَصَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ بِذَلِكَ لِأَنَّ السَّعْيَ إلَيْهِمَا أَشَقُّ مِنْ السَّعْيِ إلَى غَيْرِهِمَا لِمَا فِي أَوْقَاتِهِمَا مِنْ مَشَقَّةِ الْخُرُوجِ وَالتَّصَرُّفِ فَأَخْبَرَ ﷺ عَنْ عَظِيمِ الْأَجْرِ عَلَى إتْيَانِهِمَا حَضًّا لِلنَّاسِ عَلَيْهِمَا وَأَنَّ الْمَشْيَ إلَيْهِمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا حَبْوًا لَاسْتَسْهَلَهُ مَنْ يَعْلَمُ مِقْدَارَ الثَّوَابِ عَلَيْهِمَا.
(ش) : قَوْلُهُ «إذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ» التَّثْوِيبُ إعَادَةُ الصَّوْتِ يُقَالُ نَادَى فُلَانٌ ثُمَّ ثَوَّبَ يُرِيدُ أَعَادَ النِّدَاءَ وَقَدْ وَرَدَ فِي الشَّرْعِ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ إلَى التَّشَهُّدِ فِي الْأَذَانِ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ إلَى الْأَذَانِ وَقَدْ يُقَالُ لِلْأَذَانِ بَعْدَ الْأَذَانِ تَثْوِيبٌ وَقَدْ يُقَالُ لِلْإِقَامَةِ تَثْوِيبٌ لِأَنَّهَا إعَادَةٌ لِلنِّدَاءِ بِالصَّلَاةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ وَهِيَ الَّتِي تَقْتَضِي تَعْجِيلَ مَنْ سَمِعَهَا خَوْفَ فَوَاتِ بَعْضِهَا فَأَمَّا الْأَذَانُ وَالتَّرْجِيعُ فِيهِ فَلَا يَقْتَضِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «وَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ» السَّعْيُ هُنَا الْجَرْيُ مُنِعَ فِي إتْيَانِ الصَّلَاةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَرْكِ الْوَقَارِ الْمَشْرُوعِ فِيهَا وَفِي الْقَصْدِ إلَيْهَا وَأَمَّا الْإِسْرَاعُ الَّذِي لَا يُنَافِي الْوَقَارَ وَالسَّكِينَةَ لِمَنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ وَخَافَ أَنْ يَفُوتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَمِعَ الْإِقَامَةَ وَهُوَ بِالْبَقِيعِ فَأَسْرَعَ الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا» يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فِي الدُّخُولِ مَعَ الْإِمَامِ عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي يُوجَدُ عَلَيْهَا وَلَا يَشْتَغِلُ بِإِعَادَةِ مَا فَاتَ مِنْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي أَنْ لَا يُصَلِّيَ مَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ وَيَقْتَضِي أَنْ يَتْبَعَهُ فِيمَا لَا يَعْتَدُّ بِهِ مِنْ صَلَاتِهِ كَالسَّجْدَةِ الَّتِي فَاتَتْ رَكْعَتُهَا لِأَنَّهُ مِمَّا أَدْرَكَ فِعْلَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» اُخْتُلِفَ فِي رِوَايَةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَرَوَاهَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَذَلِكَ وَتَابَعَهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ «عَنْ الزُّهْرِيِّ غَيْرَ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَإِنَّهُ قَالَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَكَذَلِكَ رَوَاهُ
стр. 132
(ص) : «مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ إنِّي أَرَاك تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْت فِي غَنَمِك أَوْ بَادِيَتِك فَأَذَّنْت بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ النِّدَاءَ فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ حَتَّى إذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ اُذْكُرْ كَذَا اُذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى» )
ــ
[المنتقى]
أَبُو رَافِعِ بْنِ سِيرِينَ وَأَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(ش) : قَوْلُهُ فَإِذَا كُنْت فِي غَنَمِك أَوْ بَادِيَتِك فَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ ذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ النِّدَاءَ إنَّمَا يَلْزَمُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ وَالْقَبَائِلِ وَحَيْثُ يَكُونُ الْأَئِمَّةُ.
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ مَالِكٌ وَأَمَّا الرَّجُلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَإِنْ أَذَّنَ فَحَسَنٌ وَإِنْ تَرَكَ الْأَذَانَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْجَمَاعَاتُ يُصَلِّي بِهِمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ غَيْرُ الْإِمَامِ الْمُقَدَّمِ لِأُمُورِ النَّاسِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَذَانٌ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ لِلرَّجُلِ الْمُنْفَرِدِ فِي غَنَمِهِ أَوْ بَادِيَتِهِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي غَنَمِهِ أَوْ بَادِيَتِهِ مُعْتَزِلًا عَنْ الْحَوَاضِرِ الَّتِي يُقَامُ فِيهَا الْأَذَانُ فِي الْمَسَاجِدِ يَحْتَاجُ إلَى شِعَارِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ الْأَذَانُ لِيَتَحَرَّكَ بِشِعَارِ الْإِسْلَامِ وَتَجْتَنِبَهُ سَرَايَا الْمُسْلِمِينَ وَجُيُوشُهُمْ.
وَقَدْ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغِيرُ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَكَانَ يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَالَ خَرَجْت مِنْ النَّارِ فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعْزَى» وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فِي حَوَاضِرِ الْمُسْلِمِينَ وَبِلَادِهِمْ اسْتَغْنَى عَنْ الْأَذَانِ لِأَنَّ الْأَذَانَ فِي الْمَسَاجِدِ وَعِنْدَ الْإِمَامِ شِعَارٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِمَّنْ سَكَنَ ذَلِكَ الْبَلَدَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ» أَمَرَهُ بِرَفْعِ صَوْتِهِ بِالْإِعَادَةِ لِيَسْمَعَهُ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ وَتُعْلَمُ بِذَلِكَ حَالُهُ وَجَعَلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ سَمِعَ صَوْتَهُ مِنْ جِنٍّ وَإِنْسٍ وَقَوْلُهُ وَلَا شَيْءَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ سَائِرَ الْحَيَوَانِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ أَنْ يَسْمَعَ صَوْتَهُ وَمَعْنَى فَائِدَةِ الْمُؤَذِّنِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ بِهِ أَعْظَمَ أَجْرًا فِي الْآخِرَةِ مِمَّنْ أَذَّنَ فَلَمْ يَسْمَعْهُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ بِهِ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «إذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ» إخْبَارٌ عَنْ انْزِعَاجِهِ وَفِرَارِهِ حِينَ الْأَذَانِ عَنْ سَمَاعِهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَارِي تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ بِتَأَذِّيهِ بِالْأَذَانِ حِينَ سَمَاعِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ يَبْعُدُ إلَى مِثْلِ الرَّوْحَاءِ عَنْ الْمَدِينَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «فَإِذَا قُضِيَ الْأَذَانُ أَقْبَلَ» يُرِيدُ أَقْبَلَ إلَى الْإِنْسَانِ لِيُوَسْوِسَ لَهُ وَيُدْهِيَهُ عَنْ أَعْمَالِ الطَّاعَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «حَتَّى إذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ» قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَقَالَ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ مَعْنَاهُ حَتَّى إذَا نُودِيَ لَهَا يُرِيدُ النِّدَاءَ الثَّانِيَ وَقَوْلُ عِيسَى أَبَيْنُ.
وَقَدْ رُوِيَ مُفَسَّرًا مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فَإِذَا سَمِعَ الْإِقَامَةَ ذَهَبَ حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ.
(فَصْلٌ) :
قَوْلُهُ «حَتَّى إذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ» يُرِيدُ حَتَّى يَمُرَّ بَيْنَ الْمَرْءِ
стр. 133
(ص) : «مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ سَاعَتَانِ تُفْتَحُ لَهُمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَقَلَّ دَاعٍ تُرَدُّ عَلَيْهِ دَعْوَتُهُ حَضْرَةُ النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ وَالصَّفُّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) .
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ النِّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ هَلْ يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَحُلَّ الْوَقْتُ فَقَالَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ) .
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ تَثْنِيَةِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَمَتَى يَجِبُ الْقِيَامُ عَلَى النَّاسِ حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ فَقَالَ لَمْ يَبْلُغْنِي فِي النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ إلَّا مَا أَدْرَكْت النَّاسَ عَلَيْهِ فَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَإِنَّهَا لَا تُثَنَّى وَذَلِكَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا وَأَمَّا قِيَامُ النَّاسِ حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ بِحَدٍّ يُقَامُ لَهُ إلَّا إنِّي أَرَى ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ النَّاسِ فَإِنَّ مِنْهُمْ الثَّقِيلَ وَالْخَفِيفَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَكُونُوا كَرَجُلٍ وَاحِدٍ) .
ــ
[المنتقى]
وَنَفْسِهِ فَيَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُهُ مِنْهَا وَالْإِقْبَالِ عَلَى صَلَاتِهِ وَالِاهْتِبَالِ بِمَعْرِفَتِهِ مَا قَضَى مِنْهَا وَمَا بَقِيَ عَلَيْهِ فَيَقُولَ لَهُ اُذْكُرْ كَذَا اُذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ ذَكَرَهُ فِي صَلَاتِهِ فَيَشْغَلَهُ بِذَلِكَ عَنْهَا حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى مَعْنَاهُ يَبْقَى مُتَحَيِّرًا لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى يُقَالُ ظَلَّ فُلَانٌ يَفْعَلُ كَذَا إذَا أَقَامَ يَفْعَلُهُ قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَيُرْوَى حَتَّى يَضِلَّ الرَّجُلُ وَمَعْنَاهُ يَتَحَيَّرُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى ذَلِكَ غَيْرَ مَا قَالَ أَبُو جَعْفَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : «مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ سَاعَتَانِ تُفْتَحُ لَهُمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَقَلَّ دَاعٍ تُرَدُّ عَلَيْهِ دَعْوَتُهُ حَضْرَةُ النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ وَالصَّفُّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ «سَاعَتَانِ تُفْتَحُ لَهُمَا» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ تُفْتَحُ فِيهِمَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ مِنْ أَجْلِ فَضِيلَتِهِمَا وَقَوْلُهُ «وَقَلَّ دَاعٍ تُرَدُّ عَلَيْهِ دَعْوَتُهُ حَضْرَةُ النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ» إخْبَارٌ بِأَنَّ الْإِجَابَةَ فِي ذَيْنِك الْوَقْتَيْنِ هِيَ الْأَكْثَرُ وَأَنَّ رَدَّ الدُّعَاءِ فِيهِمَا يَنْدُرُ وَلَا يَكَادُ يَقَعُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا يُؤَذَّنُ لَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَوَقْتُهَا زَوَالُ الشَّمْسِ كَالظُّهْرِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ الْجُمُعَةِ مَنْ صَلَّاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَعَادَ الْخُطْبَةَ وَالصَّلَاةَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ وَلَوْ خَطَبَ بِهِمْ قَبْلَ الزَّوَالِ وَصَلَّى بَعْدَهُ لَمْ يُجْزِهِمْ وَيُعِيدُونَ الْجُمُعَةَ بِخُطْبَةٍ مَا لَمْ تَغْرُبُ الشَّمْسُ زَادَ ابْنُ سَحْنُونٍ وَيُعِيدُونَ الظُّهْرَ أَفْذَاذًا أَبَدًا وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُؤَذَّنُ لَهَا وَتُصَلَّى قَبْلَ الزَّوَالِ وَالدَّلِيلُ لَنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ فَرْضٍ يَجُوزُ الْأَذَانُ لَهَا بَعْدَ الزَّوَالِ فَلَمْ يَجُزْ الْأَذَانُ لَهَا قَبْلَ الزَّوَالِ كَالظُّهْرِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ رَقَى الْمِنْبَرَ فَجَلَسَ فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى الْمَنَارِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَخَطَبَ قَالَ ثُمَّ أَمَرَ عُثْمَانُ لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ أَنْ يُؤَذَّنَ عِنْدَ الزَّوَالِ بِالزَّوْرَاءِ وَهُوَ مَوْضِعُ السُّوقِ لِيَرْتَفِعَ مِنْهَا النَّاسُ فَإِذَا خَرَجَ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى الْمَنَارِ» ثُمَّ إنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي إمَارَتِهِ نَقَلَ الْأَذَانَ الَّذِي فِي الزَّوْرَاءِ فَجَعَلَهُ مُؤَذِّنًا وَاحِدًا يُؤَذِّنُ عِنْدَ الزَّوَالِ عَلَى الْمَنَارِ فَإِذَا خَرَجَ هِشَامٌ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا فَرَغُوا خَطَبَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ إلَّا مَا أَدْرَكَ النَّاسَ عَلَيْهِ وَاتَّصَلَ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَصْلٌ يَجِبُ أَنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ وَفِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ خَمْسُ مَسَائِلَ.
(الْأُولَى) أَنَّهُ يُقَالُ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ مَرَّتَيْنِ وَلَا يُقَالُ أَرْبَعًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يُرَبَّعُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي غَيْرِهِ أَنَّ الْأَذَانَ بِالْمَدِينَةِ أَمْرٌ مُتَّصِلٌ يُؤْتَى بِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِرَارًا جَمَّةً بِحَضْرَةِ الْجُمْهُورِ الْعَظِيمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ مَالِكٌ ﵏ وَعَاصَرَهُمْ وَهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ لَا يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهِمْ التَّوَاطُؤُ وَلَا يَصِحُّ عَلَى جَمِيعِهِمْ النِّسْيَانُ وَالسَّهْوُ عَمَّا ذُكِرَ بِالْأَمْسِ مِنْ الْأَذَانِ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ تَرْكُ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ أَرَادَ تَبْدِيلَهُ أَوْ تَغْيِيرَهُ كَمَا لَا يَجُوزُ وَلَا يَصِحُّ عَلَى جَمِيعِهِمْ نِسْيَانُ يَوْمِهِمْ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَلِأَشْهُرِهِمْ الَّذِي يُؤَرِّخُونَ بِهِ وَاهْتِمَامُهُمْ بِأَمْرِ الْأَذَانِ وَمُثَابَرَتُهُمْ عَلَى مُرَاعَاتِهِ أَكْثَرُ مِنْ اهْتِمَامِهِمْ بِذِكْرِ
стр. 134
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَوْمٍ حُضُورٍ أَرَادُوا أَنْ يَجْمَعُوا الْمَكْتُوبَةَ فَأَرَادُوا أَنْ يُقِيمُوا وَلَا يُؤَذِّنُوا قَالَ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُمْ وَإِنَّمَا يَجِبُ النِّدَاءُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ الَّتِي تُجْمَعُ فِيهَا الصَّلَاةُ) .
ــ
[المنتقى]
الْيَوْمِ وَالشَّهْرِ وَمُرَاعَاتِهِمْ لَهُ فَإِذَا رَأَيْنَا الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالْأَمْسِ الْأَذَانَ قَدْ سَمِعُوهُ الْيَوْمَ وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ إنْكَارٌ لِشَيْءٍ مِنْهُ عُلِمَ أَنَّهُ هُوَ الْأَذَانُ الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا حُكْمُهُ مِنْ التَّكْرَارِ وَالِانْتِشَارِ وَيَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ التَّبْدِيلُ وَالتَّغْيِيرُ وَيَذْهَبُ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِهِمْ جَازَ أَنْ يَذْهَبَ عَلَيْهِمْ تَبْدِيلُ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ فَكَيْفَ أَنْ يَرْضَى بِالْتِزَامِهِ مُسْلِمٌ وَهَذَا أَمْرٌ طَرِيقُهُ الْقَطْعُ وَالْعِلْمُ وَهُوَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مُقْتَضَاهَا غَلَبَةُ الظَّنِّ.
وَقَدْ اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ «حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَهُ هَذَا الْأَذَانَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» إلَى آخِرِهِ.
(أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فَإِنَّ التَّرْجِيعَ مَسْنُونٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ بِمَسْنُونٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ بِالْمَدِينَةِ وَالْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ بِهَا عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ «حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ فِي الْأَذَانِ وَفِيهِ ثُمَّ يَعُودُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» .
(وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فَهِيَ أَنَّ قَوْلَهُ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَسْنُونٌ فِي الْأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ ذَلِكَ بِمَسْنُونٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ بِالْمَدِينَةِ وَالْعَمَلُ الْمُتَّصِلُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهَلْ يُقَالُ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ قَالَ مَالِكٌ يُقَالُ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يُقَالُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ ﵀ الْعَمَلُ الْمُسْتَفِيضُ بِالْمَدِينَةِ وَمَا رَوَى أَنَسٌ «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا أَحَدُ النِّدَاءَيْنِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْمُخْتَصُّ بِهِ مِنْ جِنْسِهِ فِي شَفْعٍ أَوْ وَتْرٍ أَصْلُهُ قَوْلُهُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ فِي الْإِقَامَةِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ لَفْظٌ يَخْتَصُّ بِأَحَدِ النِّدَاءَيْنِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ سُنَّتُهُ الْإِفْرَادَ أَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ فِي الْإِقَامَةِ.
(وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) فَهِيَ أَنَّ الْإِقَامَةَ لَا تُثَنَّى فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُثَنَّى كَالْأَذَانِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ نَقْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُتَوَاتِرُ وَعِلْمُهُمْ الْمُسْتَفِيضُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ.
(وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) فَإِنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُقِيمَ يَقُولُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَرَوَى عَنْهُ الْمِصْرِيُّونَ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ شَعْبَانَ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عُمُومُ قَوْلِ أَنَسٍ أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَمَّا قِيَامُ النَّاسِ حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ فَلَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ بِحَدٍّ يُقَامُ لَهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ حَدٌّ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ أَحْوَالِ النَّاسِ فَمِنْهُمْ الْخَفِيفُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي التَّقْدِيمِ وَمِنْهُمْ الثَّقِيلُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي التَّأْخِيرِ وَإِنَّمَا يُرَادُ أَنْ يَتَكَامَلَ النَّاسُ قِيَامًا فِي صُفُوفِهِمْ فِي آخِرِ الْإِقَامَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْقِيَامَ يَكُونُ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ وَمَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ ﵀ بَيِّنٌ لِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَخِفُّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فَيُدْرِكُ الْإِمَامَ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَثْقُلُ عَلَيْهِ وَيَحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّأَنِّي وَالتَّكَلُّفِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي أَنْ يُشْرَعَ الْقِيَامُ قَبْلَ ذَلِكَ لِيُدْرِكَ التَّكْبِيرَ مَعَ الْإِمَامِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَهُوَ أَنَّ الْأَذَانَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ عَطَاءٌ مَنْ صَلَّى دُونَ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ أَعَادَ.
وَقَالَ دَاوُد الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ فَرْضٌ فِي الْجَمَاعَةِ وَلَيْسَ عَلَى الْفَذِّ وَلَا عَلَى
стр. 135
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ تَسْلِيمِ الْمُؤَذِّنِ عَلَى الْإِمَامِ وَدُعَائِهِ إيَّاهُ لِلصَّلَاةِ وَمَنْ أَوَّلُ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ التَّسْلِيمَ كَانَ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ) .
ــ
[المنتقى]
الْمَرْأَةِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ ذِكْرٍ لَا يَكُونُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْفَذِّ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَذَانَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْجَمَاعَاتِ الرَّاتِبَةِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ مُؤَكَّدِ السُّنَنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَحَمْلُ لَفْظِ مَالِكٍ عَلَى ظَاهِرِهِ عِنْدِي أَوْلَى وَأَنَّ الْأَذَانَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَوُجُوبُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ مِصْرٍ اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِ الْأَذَانِ لَأَثِمُوا بِذَلِكَ وَلَوَجَبَ جَبْرُهُمْ عَلَيْهِ وَأَخْذُهُمْ بِهِ وَوُجُوبُهُ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ شِعَارُ الْإِسْلَامِ وَلِذَلِكَ رَوَى أَنَسٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُغِيرَ اسْتَمَعَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ» .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ دَعَا إلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي لَا يَجُوزُ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ فِيهَا وَالْإِعْلَامِ بِأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَرْكِ مُرَاعَاتِهَا إلَّا أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَحْمِلُ مُرَاعَاتَهَا عَنْ بَعْضٍ فَإِذَا عَلِمَ بِأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ أَعْلَمَ بِهَا بِالْأَذَانِ فَعَلَى هَذَا تُحْمَلُ الْأَخْبَارُ بِالْأَمْرِ بِالْأَذَانِ عَلَى ظَاهِرِهَا.
وَمَالِكٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَرَادَ بِهِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْأَذَانَ مَأْمُورٌ بِهِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ خَاصَّةً فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَلْزَمُ الدُّعَاءُ فِيهَا إلَيْهَا وَهِيَ الْمَسَاجِدُ وَمَوَاضِعُ الْأَئِمَّةِ وَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ الَّتِي نُصِبَتْ لِإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ وَأُمِرَ النَّاسُ بِإِتْيَانِهَا لِذَلِكَ وَأَمَّا الْفَذُّ وَالْجَمَاعَةُ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَدُونَ ائْتِمَامٍ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَوَاضِرِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ أَذَانٌ لِأَنَّ مَعْنَى شِعَارِ الْإِسْلَامِ قَدْ سَقَطَ عَنْهُمْ بِقِيَامِ أَهْلِ الْمِصْرِ بِهِ وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لِلدُّعَاءِ إلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّ مَوْضِعَهُمْ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ مَنْصُوبٍ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ فَيُدْعَى النَّاسُ إلَيْهِ فَإِنْ أَذَّنُوا فَحَسَنٌ لِأَنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْلَامٌ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ وَأَخْذٌ بِحَظٍّ مِنْ إظْهَارِ شِعَارِ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَرْضِ قَفْرٍ أَوْ سَفَرٍ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ لَا أَذَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلٍ فَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ مَعَ جَمَاعَةٍ فِي سَفَرٍ أَوْ وَحْدَهُ فَإِنَّ مِنْ سُنَّتِهِ الْأَذَانَ لِأَنَّهُ جَمَاعَةٌ وَقَدْ نَصَبَ مَوْضِعَهُ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ فَلَزِمَ أَنْ يَدْعُوَ إلَى الصَّلَاةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ إمَامٍ فَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ الْأَذَانَ مَشْرُوعٌ لِأَنَّهُ شِعَارُ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَقَدْ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا هِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَقَدْ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ أَنَّ مَنْ تَرَكَهَا عَامِدًا أَعَادَ الصَّلَاةَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يُعِيدُ قَالَ الْقَاضِي وَأَنَّ ابْنَ كِنَانَةَ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّغْلِيظَ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ مَالِكٌ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ أَجْمَعِينَ وَإِنَّمَا كَانَ الْمُؤَذِّنُونَ يُؤَذِّنُونَ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي شُغُلٍ جَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَأَعْلَمَهُ بِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ دُونَ تَكَلُّفٍ وَلَا اسْتِعْمَالٍ فَأَمَّا مَا كَانَ يُتَكَلَّفُ الْيَوْمَ لِلْأَمِيرِ مِنْ وُقُوفِ الْمُؤَذِّنِ بِبَابِهِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءِ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الْمُبَاهَاةِ وَالتَّكَبُّرِ وَالصَّلَاةُ يَجِبُ أَنْ تُنَزَّهَ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي مَبْسُوطِهِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ كَيْفِيَّةَ السَّلَامِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا الْأَمِيرُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ يَرْحَمُك اللَّهُ قَالَ وَأَمَّا فِي الْجُمُعَةِ فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا الْأَمِيرُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ قَدْ حَانَتْ الصَّلَاةُ قَدْ حَانَتْ الصَّلَاةُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ
стр. 136
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مُؤَذِّنٍ أَذَّنَ لِقَوْمٍ ثُمَّ انْتَظَرَ هَلْ يَأْتِيهِ أَحَدٌ فَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى وَحْدَهُ ثُمَّ جَاءَ النَّاسُ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ قَالَ لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ فَلْيُصَلِّ لِنَفْسِهِ وَحْدَهُ) .
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مُؤَذِّنٍ أَذَّنَ لِقَوْمٍ ثُمَّ تَنَفَّلَ فَأَرَادُوا أَنْ يُصَلُّوا بِإِقَامَةِ غَيْرِهِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إقَامَتُهُ وَإِقَامَةُ غَيْرِهِ سَوَاءٌ) .
ــ
[المنتقى]
ذَلِكَ عَلَى أَبِي مَحْذُورَةَ دُعَاءَهُ إيَّاهُ لِلصَّلَاةِ وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ﵁.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ لِلْمَسْجِدِ لَهُ إقَامَةُ الصَّلَاةِ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ فَإِذَا جَمَعَ فِيهِ الصَّلَاةَ ثُمَّ أَتَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَجْمَعَ فِيهِ لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ يَجِبُ الِاجْتِمَاعُ إلَيْهِمْ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى تَقْدِيمِهِمْ فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الِاخْتِلَافُ عَلَيْهِمْ وَلَوْ جَازَ الْجَمْعُ فِي مَسْجِدٍ مَرَّتَيْنِ لَكَانَ ذَلِكَ دَاعِيَةً إلَى الِافْتِرَاقِ وَالِاخْتِلَافِ وَلَكَانَ أَهْلُ الْبِدَعِ يُفَارِقُونَ الْجَمَاعَةَ بِإِمَامِهِمْ وَيَتَأَخَّرُونَ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ ثُمَّ يُقَدِّمُونَ مِنْهُمْ وَلَوْ جَازَ مِثْلُ هَذَا لَفَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ بِالْإِمَامِ الَّذِي تُؤَدَّى إلَيْهِ الطَّاعَةُ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى إظْهَارِ مُنَابَذَةِ الْأَئِمَّةِ وَمُخَالَفَتِهِمْ وَمُفَارَقَةِ الْجَمَاعَةِ فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ سَدُّ هَذَا الْبَابِ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَوْ وُسِّعَ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ لَأَدَّى إلَى أَنْ لَا تُرَاعَى أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ وَلَأَخَّرَ مَنْ شَاءَ وَصَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فِي جَمَاعَةٍ وَقَصْرُ النَّاسِ عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ دَاعٍ إلَى مُرَاعَاةِ صَلَاتِهِ وَالْمُبَادَرَةِ إلَى إدْرَاكِ الصَّلَاةِ مَعَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ يُجْمَعُ فِيهِ بَعْضُ الصَّلَوَاتِ وَلَا يُجْمَعُ سَائِرُهَا فَهَلْ يَجْمَعُ فِيهِ غَيْرُ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ فِي تِلْكَ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا أَمْ لَا وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ يُجْمَعُ فِيهَا غَيْرُ صَلَوَاتِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ إنَّمَا يُرَاعَى الْخِلَافُ عَلَيْهِ فِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي يَجْمَعُهَا وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَلَا خِلَافَ عَلَيْهِ فِيهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِمَامٍ فِيهَا.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا رَتَبَ لِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسْجِدِ كَانَ إمَامَهُ فِي جَمِيعِهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتَاتَ عَلَيْهِ فِي الْجَمْعِ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي مُؤَذِّنٍ أَذَّنَ لِقَوْمٍ ثُمَّ انْتَظَرَ أَنْ يَأْتِيَهُ أَحَدٌ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَسْأَلْ مَالِكٌ ﵀ إنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ إمَامَ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرَ إمَامِهِ وَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَإِنْ كَانَ إمَامَ الْمَسْجِدِ فَأَذَّنَ وَانْتَظَرَ الْجَمَاعَةَ فَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ فَصَلَّى وَحْدَهُ ثُمَّ أَتَتْ الْجَمَاعَةُ بَعْدَهُ فَإِنَّهَا لَا تَجْمَعُ فِيهِ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْجَمَاعَةِ بِالْإِمَامِ لَا بِالْمَأْمُومِينَ بِدَلِيلِ أَنَّ أَمْرَهَا مَصْرُوفٌ إلَيْهِ وَاتِّبَاعُهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ وَلَوْ تَعَمَّدَ إفْسَادَ صَلَاتِهِمْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ وَلَوْ تَعَمَّدُوا إفْسَادَ صَلَاتِهِمْ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ فَثَبَتَ أَنَّهُمْ تَبَعٌ لَهُ فَإِنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَقَدْ قُضِيَتْ الْجَمَاعَةُ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ فَلَا يُصَلِّيهَا فِيهِ غَيْرُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ لَا يَؤُمُّهُمْ فَهَلْ تَقُومُ صَلَاتُهُ مَقَامَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْجَمَاعَةِ.
وَقَالَ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الْفَذِّ.
وَجْهُ مَا قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ إمَامٌ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فَإِذَا جَمَعَ فِي مَوْضِعِهِ فَقَدْ أَقَامَ الْجَمَاعَةَ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ مَنْ يَؤُمُّ فِيهِ فَلَا يُجْمَعُ فِيهِ ثَانِيَةً.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ لَيْسَ بِإِمَامٍ فِي الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا يُؤْتَمُّ بِهِ فِي مُرَاعَاةِ الْأَوْقَاتِ وَالدُّعَاءِ إلَى الصَّلَوَاتِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ قَوْلَ عِيسَى إنَّمَا هُوَ فِي مَسْجِدٍ لَهُ مُؤَذِّنٌ رَاتِبٌ وَلَيْسَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ وَلَوْ كَانَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ لَكَانَ حُكْمُ الْجَمَاعَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ دُونَ الْمُؤَذِّنِ.
(ش) : سُؤَالُهُ عَنْ مُؤَذِّنٍ أَذَّنَ لِقَوْمٍ ثُمَّ تَنَفَّلَ هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَابْنُ الْقَاسِمِ وَالْقَعْنَبِيُّ وَرَوَاهُ ابْنُ بُكَيْر ثُمَّ تَنَفَّلَ فَأَمَّا تَنَفُّلُهُ بَعْدَ الْأَذَانِ فَإِنَّ تَنَفُّلَهُ وَتَنَفُّلَ غَيْرِهِ بَعْدَ الْأَذَانِ جَائِزٌ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُسْتَحَبُّ التَّنَفُّلُ بَعْدَ الْأَذَانِ إلَّا فِي الْمَغْرِبِ قَالَ الْقَاضِي وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُزَادَ وَبِإِثْرِ الْأَذَانِ لِلْجُمُعَةِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ مَأْمُورٌ بِتَقْدِيمِهَا بِإِثْرِ الْأَذَانِ لِلِاخْتِلَافِ بِاخْتِصَاصِهَا بِذَلِكَ الْوَقْتِ وَلِمَا فِي تَعْجِيلِهَا مِنْ الرِّفْقِ
стр. 137
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَمْ تَزَلْ الصُّبْحُ يُنَادَى لَهَا قَبْلَ الْفَجْرِ فَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّا لَمْ نَرَهَا يُنَادَى لَهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَحُلَّ وَقْتُهَا)
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ جَاءَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يُؤْذِنَهُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَوَجَدَهُ نَائِمًا فَقَالَ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ
ــ
[المنتقى]
بِالنَّاسِ لِفِطْرِ الصَّائِمِ وَانْصِرَافِ الْمُتَصَرِّفِ جَمِيعَ نَهَارِهِ إلَى بَيْتِهِ فَكَانَ تَعْجِيلُهَا أَوْلَى مِنْ التَّنَفُّلِ قَبْلَهَا فَمَنْ آثَرَ التَّنَفُّلَ تَنَفَّلَ بَعْدَهَا وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَإِنَّ الْأَذَانَ تَتَعَقَّبُهُ الْخُطْبَةُ وَهِيَ تَمْنَعُ التَّنَفُّلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا قَوْلُهُ إقَامَتُهُ وَإِقَامَةُ غَيْرِهِ سَوَاءٌ فَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ وَدَلِيلُنَا عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مُؤَذِّنٌ فَجَازَ أَنْ يُقِيمَ غَيْرُهُ كَالْمُؤَذِّنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ لَا يُنَادَى لِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ قَبْلَ وَقْتِهَا لِأَنَّ الْأَذَانَ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَوَاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَأَمَّا صَلَاةُ الصُّبْحِ فَإِنَّهُ يُنَادَى لَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُنَادَى لَهَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ كَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ فَسَمِعَ الْأَذَانَ فَعَلِمَ أَنَّهُ عِلْمُهُمْ الْمُتَّصِلُ فَرَجَعَ فِي ذَلِكَ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ كَمَا رَجَعَ فِي مَسْأَلَةِ الصَّاعِ بِمَا شَهِدَ مِنْ النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ مَا وَقَعَ لَهُ بِهِ الْعِلْمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ قَوْلُهُ ﷺ «أَنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآثَارِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَذَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ هُوَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ إنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي الْأَذَانِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَالْآثَارُ حُجَّةٌ لِمَنْ أَثْبَتَهُ وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي الْمَقْصُودِ بِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ اتِّصَالِ الْأَذَانِ إلَى الْفَجْرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَقْتِ الْأَذَانِ لَهَا فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَسَحْنُونٌ لَا يُؤَذَّنُ لَهَا حَتَّى يَبْقَى السُّدُسُ الْآخِرُ مِنْ اللَّيْلِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُؤَذَّنُ لَهَا بَعْدَ آخِرِ أَوْقَاتِ الْعِشَاءِ وَذَلِكَ نِصْفُ اللَّيْلِ وَقَالَ الْوَقَارُ يُؤَذَّنُ لَهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَهَذَا قَوْلٌ فِيهِ بُعْدٌ وَالْأَظْهَرُ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ قَالَ ذَلِكَ إنْكَارًا لِاسْتِعْمَالِهِ لَفْظَةً مِنْ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ فِي غَيْرِ الْأَذَانِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ لَهُ اجْعَلْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي الْأَذَانِ يَعْنِي لَا تَسْتَعْمِلْهَا فِي غَيْرِهِ وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا التَّثْوِيبَ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْمُؤَذِّنُ إذَا اسْتَبْطَأَ النَّاسَ حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ لِإِفْرَادِ بَعْضِ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَالنِّدَاءِ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَذَانِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ التَّثْوِيبَ بَعْدَ الْأَذَانِ وَالْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ مَكْرُوهٌ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْكَرَ عُمَرُ قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فَقَالَ اجْعَلْهَا فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ يَعْنِي لَا تَسْتَعْمِلْهَا فِي غَيْرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَتْرُكُ الْمُؤَذِّنُ قَوْلَهُ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ وَمَنْ أَذَّنَ فِي ضَيْعَتِهِ مُتَنَحِّيًا عَنْ النَّاسِ فَتَرَكَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ لَا يَأْتِيَ بِهِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ شَعْبَانَ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْت عَلَيْهِ النَّاسَ إلَّا النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ) .
(ش) : قَوْلُهُ مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْت عَلَيْهِ النَّاسَ يُرِيدُ الصَّحَابَةَ لِأَنَّهُ قَدْ أَنْكَرَ أَكْثَرَ أَفْعَالِ أَهْلِ عَصْرِهِ وَرَأَى أَنَّهَا مُخَالِفَةً لِمَا أَدْرَكَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّحَابَةِ وَذَلِكَ أَنَّ التَّغْيِيرَ يُمْكِنُ أَنْ يَلْحَقَ صِفَةَ الْفِعْلِ كَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ أَوْقَاتِهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَلْحَقَ الْفِعْلَ جُمْلَةً كَتَرْكِ الْأَمْرِ بِكَثِيرٍ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُنْكَرِ مَعَ عِلْمِ النَّاسِ بِذَلِكَ كُلِّهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إلَّا النِّدَاءَ يُرِيدُ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَلَوْ دَخَلَهُ تَغْيِيرٌ لَعَرَفَ النَّاسُ ذَلِكَ وَلَعَرَفُوا أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَهُ فَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْمَدِينَةِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ لَمْ يَدْخُلْهُ تَغْيِيرٌ وَلَا تَبْدِيلٌ.
стр. 138
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَمِعَ الْإِقَامَةَ وَهُوَ بِالْبَقِيعِ فَأَسْرَعَ الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ) .
النِّدَاءُ فِي السَّفَرِ وَعَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ (ص) : (مَالِكٌ «عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ فَقَالَ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ثُمَّ قَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ يَقُولُ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِي السَّفَرِ إلَّا فِي الصُّبْحِ فَإِنَّهُ كَانَ يُنَادِي فِيهَا وَيُقِيمُ وَكَانَ يَقُولُ إنَّمَا الْأَذَانُ لِلْإِمَامِ الَّذِي يَجْتَمِعُ النَّاسُ إلَيْهِ) .
(ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ الرَّجُلُ وَهُوَ رَاكِبٌ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : إسْرَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَانَ مِنْ غَيْرِ جَرْيٍ وَلَا خُرُوجٍ عَنْ حَدِّ الْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ الْمَأْمُورِ بِهِمَا فِي إتْيَانِ الصَّلَاةِ وَهَذَا جَائِزٌ فِعْلُهُ وَمَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ سَمِعَ مُؤَذِّنَ الْحَرَسِ فَحَرَّكَ فَرَسَهُ لِيُدْرِكَ الصَّلَاةَ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُحَرِّكَهُ لِلْإِسْرَاعِ فِي الْمَشْيِ دُونَ جَرْيٍ وَلَا خُرُوجٍ عَنْ حَدِّ الْوَقَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[النِّدَاءُ فِي السَّفَرِ وَعَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ]
(ش) : قَوْلُهُ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ دَلِيلٌ عَلَى السَّفَرِ فَأَذِنَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِي رِحَالِهِمْ بِصَلَاتِهِ إذَا كَانَ إمَامًا وَلِذَلِكَ احْتَاجَ أَنْ يُبِيحَ لَهُمْ الصَّلَاةَ فِي الرِّحَالِ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ وَالرِّيحِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَذِنَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِي رِحَالِهِمْ أَفْذَاذًا أَوْ يَؤُمَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَأَرَادَ التَّخْفِيفَ عَنْهُمْ بِالْأَذَانِ بِالصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ وَاسْتَدَلَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ مُؤَذِّنَهُ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ ذَاتِ الْمَطَرِ وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ إمَامًا لَهُمْ فَقَاسَ ابْنُ عُمَرَ حَالَ الرِّيحِ بِحَالِ الْمَطَرِ وَالْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَهُمَا الْمَشَقَّةُ اللَّاحِقَةُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ الْمُؤَذِّنُ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ بَعْدَ كَمَالِ الْأَذَانِ وَهُوَ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْأَذَانَ مُتَّصِلٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّلَهُ مَا لَيْسَ مِنْهُ لِأَنَّهُ عَلَمٌ عَلَى الْوَقْتِ وَدُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِاتِّصَالِهِ وَلَوْ تَفَرَّقَ وَتَخَلَّلَهُ كَلَامٌ آخَرُ لَمَا وَقَعَ بِهِ الْإِعْلَامُ لِأَنَّ مِثْلَ أَلْفَاظِهِ تَتَكَرَّرُ فِي كَلَامِ النَّاسِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِي السَّفَرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ أَمِيرٍ فِي هَذَا السَّفَرِ وَإِنَّمَا كَانَ أَمِيرًا فِي الرُّفْقَةِ إذَا أَذَّنَ فِيهَا فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ وَقَالَ بَعْدَ أَذَانِهِ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ وَلِذَلِكَ أَبَاحَ النَّاسَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَنْ يُصَلِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي رَحْلِهِ لِمَا كَانَ يَلْزَمُهُمْ مِنْ الِاجْتِمَاعِ إلَيْهِ وَقَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إنَّمَا الْأَذَانُ لِلْإِمَامِ الَّذِي يَجْتَمِعُ إلَيْهِ النَّاسُ فَكَانَ هُوَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْإِقَامَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يَلْزَمُ النَّاسَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ إلَيْهِ وَكَانَ يُؤَذِّنُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ عَلَى مَعْنَى إظْهَارِ شِعَارِ الْإِسْلَامِ لَمَّا كَانَ فِي وَقْتِ الْإِغَارَةِ وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغِيرُ إذَا لَمْ يَسْمَعْ الْأَذَانَ وَيُمْسِكُ إذَا سَمِعَهُ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُؤَذِّنُ لِذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَمَنْ أَمَّ جَمَاعَةً فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَلَا مَعَ الْإِمَامِ الَّذِي تُؤَدَّى إلَيْهِ الطَّاعَةُ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْأَذَانُ إلَّا لِمُسَافِرٍ أَوْ وَحِيدٍ فِي فَلَاةٍ فَيُرْغَبُ أَذَانُهُ وَهُوَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ شِعَارُ الْإِسْلَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ لَهُ إذَا كُنْت فِي سَفَرٍ فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَذِّنَ وَتُقِيمَ فَعَلْت وَإِنْ شِئْتَ فَأَقِمْ وَلَا تُؤَذِّنْ) .
(ش) : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْأَذَانَ لَا يَلْزَمُ الْمُسَافِرَ لِأَنَّ السَّفَرَ مَوْضِعُ تَخْفِيفٍ وَلِعَدَمِ الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامِ وَأَمَّا مَا شُرِعَ مِنْ أَذَانِ الْمُسَافِرِ فِي الصُّبْحِ أَوْ غَيْرِهَا لِإِظْهَارِ شِعَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَلْزَمُ لُزُومُهُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ وَمَوْضِعِ الْإِمَامِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ الرَّاكِبَ يُؤَذِّنُ وَذَلِكَ أَنَّهَا حَالَةٌ لَا تَمْنَعُ الْإِبْلَاغَ وَلَيْسَ مِنْ سُنَّةِ الْأَذَانِ الِاتِّصَالُ بِالصَّلَاةِ فَيُفْصَلُ بَيْنَهُمَا بِالنُّزُولِ وَالْمَشْيِ إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ
стр. 139
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ صَلَّى بِأَرْضِ فَلَاةٍ صَلَّى عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ فَإِذَا أَذَّنَ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ صَلَّى وَرَاءَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ) .
قَدْرُ السُّحُورِ مِنْ النِّدَاءِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ بِلَالًا
ــ
[المنتقى]
مَسْأَلَةٌ) وَهَلْ يُؤَذِّنُ الْقَاعِدُ أَمْ لَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُؤَذِّنُ الْقَاعِدُ وَفِي كِتَابِ الْقَاضِي أَبِي الْفَرَجِ لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ الْقَاعِدُ.
وَجْهُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْإِبْلَاغَ وَالِاسْتِعْلَاءَ فِي الْأَذَانِ مَشْرُوعٌ وَلِذَلِكَ شُرِعَ الْأَذَانُ فِي الْمَنَارِ وَالْقُعُودُ ضِدُّ الِاسْتِعْلَاءِ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَبِي الْفَرَجِ أَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ مَشْرُوعٌ فِي الْمَكَانِ دُونَ حَالِ الْمُؤَذِّنِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ الرَّاكِبُ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ يُقِيمُ الرَّاكِبُ أَمْ لَا فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: لَا يُقِيمُ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْإِقَامَةِ الِاتِّصَالَ بِالصَّلَاةِ، وَنُزُولُهُ مِنْ دَابَّتِهِ وَمَشْيُهُ إلَى مَوْضِعِ صَلَاتِهِ عَمَلٌ يَفْصِلُ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُقِيمُ الرَّاكِبُ لِأَنَّ نُزُولَهُ إلَى الصَّلَاةِ عَمَلٌ يَسِيرٌ فَلَمْ يُعَدَّ فَاصِلَا كَأَخْذِ الثَّوْبِ وَبَسْطِ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ.
(ش) : قَوْلُهُ صَلَّى عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَبْلُغَ بِالْمَلَكَيْنِ دَرَجَةَ الْجَمَاعَةِ إذَا كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا وَهُوَ رَاغِبٌ فِيهَا وَأَنَّ هَذَا الْمُصَلِّيَ إنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ صَلَّى وَرَائِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ عَدَدٌ عَظِيمٌ فَيَكُونُ فَضْلُ صَلَاتِهِ أَكْثَرَ لِكَثْرَةِ عَدَدِ مَنْ يُصَلِّي وَرَاءَهُ وَيَقْتَضِي هَذَا أَنَّ لِلْجَمَاعَةِ الْكَبِيرَةِ مِنْ الْفَضِيلَةِ مَا لَيْسَ لِلْجَمَاعَةِ الْيَسِيرَةِ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ لِهَذَا الْمُصَلِّي فِي ذَلِكَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَّلَاةُ صَلَاةَ فَرْضٍ وَلِذَلِكَ يُتِمُّ فَضِيلَتَهَا بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ صَلَّى عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ يَسَارِهِ مَلَكٌ وَلَيْسَ هَذَا مَقَامَ الْآدَمِيِّينَ مَعَ الْإِمَامِ عِنْدَ مَالِكٍ وَإِنَّمَا يَقِفَانِ وَرَاءَهُ وَسَنُبَيِّنُ حُكْمَهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مُسْنَدًا فَيُحْتَجُّ بِهِ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَلَا طَرِيقَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ إلَى أَنْ يَعْرِفَ هَذَا بِنَظَرٍ فَيُقَلِّدَهُ فِيهِ مَنْ فَرْضُهُ التَّقْلِيدُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فَرْضًا يَخْتَصُّ بِالْمَلَائِكَةِ وَحُكْمُ الْآدَمِيِّينَ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ لِأَنَّ أَنَسًا صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ قُمْت أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَلَكَانِ هُمَا الْحَافِظَانِ وَأَنَّ ذَلِكَ مَكَانَهُمَا مِنْ الْمُكَلَّفِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَإِذَا أَذَّنَ وَأَقَامَ فَإِنَّمَا يُصَلِّي وَرَاءَهُ غَيْرُهُمَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ أَوْ أَقَامَ صَلَّى وَرَاءَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ هَذِهِ رِوَايَةُ يَحْيَى وَأَبِي مُصْعَبٍ وَغَيْرِهِ يَقُولُ فَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ صَلَّى وَرَاءَهُ أَمْثَالُ الْجِبَالِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عِنْدِي هِيَ الْأَصْلُ وَرِوَايَةُ يَحْيَى تَحْتَمِلُ الشَّكَّ وَلَوْ كَانَتْ لِلتَّقْسِيمِ وَقُلْنَا أَنَّ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ فَرْضٍ اقْتَضَتْهَا أَنَّ مَنْ صَلَّى بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ أَوْ بِإِقَامَةٍ فَقَطْ صَلَّى وَرَاءَهُ أَمْثَالُ الْجِبَالِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَمَنْ صَلَّى الْفَرْضَ دُونَ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ صَلَّى عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ يَسَارِهِ مَلَكٌ وَتَرْكُ الْإِقَامَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَذَلِكَ يُنَافِي الْفَضِيلَةَ قَالَ صَلَّى عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ يَسَارِهِ مَلَكٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ إنْ صَلَّى نَافِلَةً فَلَمْ يُؤَذِّنْ وَلَمْ يُقِمْ صَلَّى عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ يَسَارِهِ مَلَكٌ وَإِنْ صَلَّى فَرِيضَةً فَاقْتَصَرَ عَلَى الْإِقَامَةِ صَلَّى وَرَاءَهُ أَمْثَالُ الْجِبَالِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَقَوْلُ أَبِي مُصْعَبٍ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاتَانِ صَلَاتَيْ فَرْضٍ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِقَامَةِ صَلَّى عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ يَسَارِهِ مَلَكٌ تَتِمُّ بِهِمَا فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ وَإِنْ أَضَافَ إلَى الْإِقَامَةِ الْأَذَانَ صَلَّى وَرَاءَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ.
стр. 140
يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» ) .
مَا جَاءَ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا وَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ» ) .
ــ
[المنتقى]
[قَدْرُ السُّحُورِ مِنْ النِّدَاءِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَجَوَازِ الْأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ «فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» فَأَبَاحَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ فِي وَقْتٍ يُؤَذِّنُ فِيهِ بِلَالٌ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْت أَصْبَحْت» ) .
(ش) : قَوْلُهُ «فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» يَقْتَضِي مَنْعَ الْأَكْلِ إذَا أَذَّنَ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ فِي الْغَايَةِ وَيَدُلُّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ مُؤَذِّنَيْنِ فِي مَسْجِدٍ يُؤَذِّنَانِ لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلْقَوْمِ فِي السَّفَرِ وَالْحَرَسِ وَالْمَرْكَبِ ثَلَاثَةُ مُؤَذِّنِينَ وَأَرْبَعَةٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُتَّخَذَ فِي الْمَسْجِدِ أَرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ وَخَمْسَةٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا بَأْسَ فِيمَا اتَّسَعَ وَقْتُهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ كَالصُّبْحِ وَالظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ أَنْ يُؤَذِّنَ خَمْسَةٌ إلَى عَشَرَةٍ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ وَفِي الْعَصْرِ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَى الْخَمْسَةِ وَلَا يُؤَذِّنُ فِي الْمَغْرِبِ إلَّا وَاحِدٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَذَانِ الْأَعْمَى إذْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ اتَّخَذَهُ مُؤَذِّنًا لِأَنَّ عَمَاهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْإِعْلَامِ بِالصَّلَاةِ إذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُعْلِمُهُ بِالْأَوْقَاتِ وَيَرْقُبُهَا لَهُ فَيُجْزِئُ عَنْهَا عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يُخْبِرُ بِهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ مَالِكٌ إنَّ الْمُؤَذِّنَ إمَامٌ وَالْأَعْمَى يَجُوزُ أَنْ يَكُون إمَامًا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ وَقْتُ الصَّلَاةِ إلَى الْأَئِمَّةِ إقَامَتُهَا وَيُقْتَدَى بِهِمْ فِيهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْت أَصْبَحْت قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ أَصْبَحْت أَصْبَحْت لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الصُّبْحَ قَدْ ظَهَرَ وَانْفَجَرَ وَلَكِنَّهُ عَلَى مَعْنَى التَّحْذِيرِ مِنْ طُلُوعِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَلِهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَنَّهُ كَانَ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ مَنْ يَرْقُبُ الْفَجْرَ أَصْبَحْت بِمَعْنَى أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ بَدَا فَيُؤَذِّنُ حِينَئِذٍ وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ وَضَّاحٍ أَذَانُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ قَبْلَ انْفِجَارِ الصُّبْحِ وَلَكَانَ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَإِنْ قِيلَ لَوْ لَمْ يُؤَذِّنْ حَتَّى يَقُولَ لَهُ مَنْ رَأَى الْفَجْرَ أَصْبَحْت وَقَدْ أَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَكْلَ حَتَّى يُؤَذِّنَ لَكَانَ أَكْلُ الْمُنْتَظِرِ لِأَذَانِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ وَقَعَ أَكْلُهُ إلَى وَقْتٍ يَتَبَيَّنُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ صَوْمِهِ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ لِلصَّائِمِ أَنْ يَأْكُلَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ وَأَنَّهُ إنْ أَكَلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ فَصَوْمُهُ صَحِيحٌ وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ «فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مُبَاحٌ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي أُمِرَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنْ يُؤَذِّنَ فِيهِ إذَا قِيلَ لَهُ أَصْبَحْت وَهُوَ أَوَّلُ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
[مَا جَاءَ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
стр. 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
ﷺ كَانَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ يَكُونُ بِالنُّطْقِ بِالتَّكْبِيرِ وَلَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى النُّطْقِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَأَفْعَالُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْوُجُوبِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يُجْزِئُ مِنْ النُّطْقِ غَيْرُ التَّكْبِيرِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلُّ لَفْظٍ فِيهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى نَحْوُ اللَّهُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ وَاَللَّهُ الْكَبِيرُ وَاَللَّهُ الْعَظِيمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ عَرَا مِنْ لَفْظِ التَّكْبِيرِ وَبِنِيَّتِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ إحْرَامًا بِالصَّلَاةِ أَصْلُ ذَلِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَلَيْسَ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَلَا مِنْ فَضَائِلِهَا التَّوْجِيهُ عَلَى مَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَأَمَّا بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ شَعْبَانَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ صَلَّيْت مَعَ مَالِكٍ فِي بَيْتِهِ فَكَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَقَالَ مَالِكٌ أَكْرَهُ أَنْ أَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ فَيَقُولُ جَاهِلٌ هَذَا مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْإِحْرَامِ إلَّا التَّكْبِيرُ فَلَا يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُجْزِئُ اللَّهُ الْأَكْبَرُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ غَيَّرَتْ مِنْ بِنْيَةِ قَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ فَمَنَعَتْ صِحَّةَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِهَا أَصْلُ ذَلِكَ اللَّهُ أَكْبَرُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ فِي الرَّفْعِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ إحْدَاهَا بَيَانُ مَوَاضِعِ الرَّفْعِ فَالْخِلَافُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَهَا مَشْرُوعٌ.
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَصْحَابُنَا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَكَانَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ ضَعِيفًا إلَّا فِي الِافْتِتَاحِ وَصَرَّحَ بِهَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي مُخْتَصَرِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرَّفْعَ مَشْرُوعٌ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا ذُكِرَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ الصَّلَاةِ فَكَانَ مِنْ حُكْمِهِ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ عَمَلٌ كَالسَّلَامِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ التَّكْبِيرَ شُرِعَ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ عَمَلٍ قُرِنَ بِهِ لِلِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ عَمَلٌ مِنْ الِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ قَرَنَ بِهِ رَفْعَ الْيَدَيْنِ كَمَا قَرَنَ بِالسَّلَامِ الْإِشَارَةَ بِالرَّأْسِ وَالْوَجْهِ إلَى الْيَمِينِ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الثَّانِي فَعِنْدَ الِانْحِطَاطِ لِلرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ الْمَنْعَ مِنْهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ عَنْهُ الرَّفْعَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَتَعَلَّقَ أَصْحَابُنَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّهْشَلِيُّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ ثُمَّ لَا يَعُودُ» وَهَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا تَكْبِيرٌ لِلِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ رَفْعُ الْيَدَيْنِ كَالِانْتِقَالِ مِنْ الْجُلُوسِ إلَى السُّجُودِ.
وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الرَّكْعَةِ تَكْبِيرَةٌ تَجْعَلُ مُدْرِكَهَا مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى فَشُرِعَ فِيهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا التَّكْبِيرُ عِنْدَ السُّجُودِ فَلَمْ يُشْرَعْ الرَّفْعُ مَعَهُ وَقَدْ رُوِيَتْ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ لَا تَثْبُتُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا نِهَايَةُ الرَّفْعِ فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى مَنْكِبَيْهِ وَبِهِ قَالَ
стр. 142
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ صَلَاتَهُ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ » )
ــ
[المنتقى]
الشَّافِعِيُّ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ يَرْفَعُ إلَى صَدْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَرْفَعُ إلَى أُذُنَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى نِهَايَةِ الرَّفْعِ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ وَفِيهِ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَأَمَّا مَا رَوَى مَالِكٌ بْنُ الْحُوَيْرِثِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ» فَلَنَا عَلَى ذَلِكَ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: التَّرْجِيحُ.
وَالثَّانِي: الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ.
فَأَمَّا التَّرْجِيحُ فَإِنَّ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ مِنْ قَتَادَةَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّا نَقُولُ كَانَ يُحَاذِي بِكَفَّيْهِ مَنْكِبَيْهِ وَبِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ أُذُنَيْهِ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ إطْرَاحِ أَحَدِهِمَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا صِفَةُ الرَّفْعِ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنَا الْعِرَاقِيُّونَ أَنْ تَكُونَ يَدَاهُ قَائِمَتَيْنِ تُحَاذِي كَفَّاهُ مَنْكِبَيْهِ وَأَصَابِعُهُ أُذُنَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُمَا تَكُونَانِ مَنْصُوبَتَيْنِ ظُهُورُهُمَا إلَى السَّمَاءِ وَبُطُونُهُمَا إلَى الْأَرْضِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَوْلَى لِأَنَّا نَتَمَكَّنُ بِذَلِكَ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ فِي التَّكَلُّفِ وَأَيْسَرُ فِي الرَّفْعِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا لَمْ يَذْكُرْ يَحْيَى رَفْعَهُمَا عِنْدَ الِانْحِنَاءِ لِلرُّكُوعِ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو مُصْعَبٍ وَالْقَعْنَبِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُوَطَّأِ وَزَادَ الرَّفْعَ عِنْدَ الِانْحِنَاءِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُمْ وَقَوْلُهُمْ أَوَّلًا لِأَنَّهُمْ زَادُوا وَفِيهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ الْأَثْبَاتِ.
(ش) : قَوْلُهُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ» يُرِيدُ بِالْخَفْضِ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَبِالرَّفْعِ الرَّفْعَ مِنْ السُّجُودِ وَأَمَّا الرَّفْعُ مِنْ الرُّكُوعِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حُكْمَهُ التَّحْمِيدُ دُونَ التَّكْبِيرِ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّحْمِيدُ لِلِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ وَحُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْس الْخَفْضَيْنِ وَأَمَّا الرَّفْعُ عِنْدَ التَّكْبِيرِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الثَّالِثَةِ فَإِنَّ حُكْمَهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ إذَا اسْتَوَى قَائِمًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُكَبِّرُ فِي نَفْسِ الْقِيَامِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ هَذَا رَفْعُ رَأْسٍ مِنْ سُجُودٍ فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ إلَى اسْتِيفَاءِ الْقِيَامِ كَالْقِيَامِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ اخْتِصَاصِ إحْدَى الْحَالَتَيْنِ بِالتَّكْبِيرِ اخْتَصَّ بِهَا رَفْعُ الرَّأْسِ مِنْ السُّجُودِ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ الْعَمَلِ وَابْتِدَاءُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَمَلِ فَعَرَا آخِرُ الْقِيَامِ مِنْ تَكْبِيرٍ وَمِنْ حُكْمِهِ أَيْضًا أَنْ لَا يَنْتَقِلَ مِنْ عَمَلٍ إلَى عَمَلٍ إلَّا بِتَكْبِيرِ فَاخْتَصَّ بِذَلِكَ أَوَّلُ الْقِيَامِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَوَّلُ الْوُقُوفِ.
وَالثَّانِي أَنَّهَا حَالٌ قَدْ شُرِعَ فِيهَا تَكْبِيرَةٌ وَهِيَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَأَمَّا الْقِيَامُ مِنْ الْجُلُوسِ فَإِنَّهُ آخِرُ عَمَلٍ فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِ ابْتِدَاءُ تَكْبِيرٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ إخْبَارٌ عَنْ رَفْعِهِمَا فِي الْجُمْلَةِ وَلَمْ يُعَيِّنْ مَوْضِعَ رَفْعِهِمَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ إلَّا عَلَى مَنْ مَنَعَ الرَّفْعَ جُمْلَةً.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ وَاَللَّهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) .
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ أَوْ رَفَعَ يَقُولُ وَاَللَّهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْتَضِي الشَّبَهَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا عَامٌّ فِي التَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّاوِيَ إنَّمَا ذَكَرَ مِنْ صَلَاةِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّكْبِيرَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَصَدَ بِهِ الشَّبَهَ
стр. 143
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا أَدْرَكَ الرَّجُلُ الرَّكْعَةَ فَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً أَجْزَأَتْ عَنْهُ تِلْكَ التَّكْبِيرَةُ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ إذَا نَوَى بِتِلْكَ التَّكْبِيرَةِ افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ) .
ــ
[المنتقى]
بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إنَّ التَّكْبِيرَ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى التَّكْبِيرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّكْبِيرَ غَيْرُ وَاجِبٍ إلَّا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي قَوْلِهِ أَنَّ التَّكْبِيرَ كُلَّهُ وَاجِبٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا تَكْبِيرٌ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُشْرَعْ لِلِافْتِتَاحِ فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا كَالتَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَأَمَّا مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهَا تَقْتَضِي وُجُوبَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى اقْتِدَائِهِمْ بِصَلَاتِهِ وَحِرْصِهِمْ عَلَى الشَّبَهِ بِهِ وَفَخْرِهِمْ بِالْمَزِيَّةِ فِي ذَلِكَ، وَتَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ وَالرَّدَّ لِقَوْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ) .
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ يَقْتَضِي ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّا نَخُصُّهُ بِالدَّلِيلِ فِي رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي السُّجُودِ أَخْفَضُ مِنْهُ فِي الرُّكُوعِ وَلَا وَجْهَ لَهُ نَعْلَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُون لِلِاتِّبَاعِ إنْ كَانَ فِيهِ أَثَرٌ فَالِاتِّبَاعُ أَحْسَنُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ أُحِبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ لَا يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ وَبِقَوْلِهِ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ فَإِنْ جَهَرَ بِذَلِكَ جَهْرًا يُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَأُحِبُّ أَنْ لَا يَجْهَرَ مَعَهُ إلَّا بِالسَّلَامِ جَهْرًا يُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَانَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا دُونَ ذَلِكَ) .
(ش) : قَوْلُهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا دُونَ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَكَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ كَذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهُ بْنُ عُمَرَ كَانَ يَفْعَلُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا وَيَرَى ذَلِكَ وَاسِعًا فِيهِمَا.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ فَكَانَ يَأْمُرُنَا نُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضْنَا وَرَفَعْنَا) .
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ مُؤَكِّدُ أَحْكَامِ السُّنَنِ فِي الصَّلَاةِ وَلِذَلِكَ كَانَ يَهْتَبِلُ بِهِ اهْتِبَالًا يَخُصُّهُ بِالتَّعْلِيمِ.
(ش) : قَوْلُهُ إذَا أَدْرَكَ الرَّجُلُ الرَّكْعَةَ فَكَبَّرَ يُرِيدُ إدْرَاكَ أَصْلِهَا مَعَ الْإِمَامِ وَلَمْ يَفُتْهُ ذَلِكَ وَهُوَ بِأَنْ يَصِيرَ الْإِمَامُ إلَى رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ بِالْإِحْرَامِ لَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً أَجْزَأَتْ عَنْهُ تِلْكَ التَّكْبِيرَةُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَتِلْكَ التَّكْبِيرَةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ خَفْضِ الْمَأْمُومِ إلَى الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمَأْمُومِ مِنْ جُزْءٍ مِنْ الْقِيَامِ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْتَتِحَهَا رَاكِعًا وَإِنَّمَا يَفْتَتِحُهَا قَائِمًا وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْقِيَامِ قَدْرُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَحْمِلُ عَنْهُ الْقِرَاءَةَ فَيُحْمَلُ عَنْهُ قِيَامُهَا وَلَمَّا لَمْ يَحْمِلْ عَنْهُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَمْ يُحْمَلْ عَنْهُ قِيَامُهَا وَظَاهِرُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّهُ قَالَ فَإِنْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ يَنْوِي بِذَلِكَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهَا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ تَمَادَى وَأَعَادَ الصَّلَاةَ وَالتَّكْبِيرُ لِلرُّكُوعِ لَا يَكُونُ فِي حَالِ الْقِيَامِ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي نَفْسِ الِانْحِطَاطِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا ابْتَدَأَهُ فِي آخِرِ أَجْزَاءِ الْقِيَامِ أَجُزْأَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إذَا نَوَى بِتِلْكَ التَّكْبِيرَةِ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ الَّتِي لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَلَا تَتَمَيَّزُ مِنْ غَيْرِهَا إلَّا
стр. 144
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فَنَسِيَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ وَتَكْبِيرَ الرُّكُوعِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ وَلَا عِنْدَ الرُّكُوعِ وَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ يَبْتَدِئُ صَلَاتَهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَوْ سَهَا مَعَ الْإِمَامِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَكَبَّرَ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ رَأَيْت ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ إذَا نَوَى بِهَا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ) .
ــ
[المنتقى]
بِمُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ إذَا رَكَعَ دُونَ تَكْبِيرٍ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ مَتَى مَا ذَكَرَ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي صَلَاةٍ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِيهَا وَلَا لَفْظُهُ فَهُوَ إذَا ذَكَرَ كَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَعَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ الصَّلَاةَ فَإِنْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ يَنْوِي بِذَلِكَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ أَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ أَوَّلَ رَكْعَةٍ وَلَمْ يَنْوِ الِافْتِتَاحَ فَهَلْ يَتَمَادَى فِي الصَّلَاةِ أَوْ يَبْتَدِئُهَا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: أَنْ يَبْتَدِئَهَا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَتَمَادَى وَيُعِيدُهَا.
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهَا صَلَاةٌ لَا تُجْزِئُهُ وَلَا تَبْرَأُ بِهَا ذِمَّتُهُ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَتَمَادَى عَلَيْهَا كَمَا لَوْ لَمْ يُكَبِّرْ لِلرُّكُوعِ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ بِالتَّمَادِي عَلَيْهَا ثُمَّ يَقْضِي الصَّلَاةَ بِنَفْسِ الِانْفِرَادِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهَا صَلَاةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ يَرَى أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ عَنْهُ وَرَبِيعَةُ يَقُولُ لَا تُجْزِي عَنْهُ فَقَدْ عَقَدَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا فَيُكْرَهُ أَنْ يُبْطِلَ صَلَاتَهُ وَعَمَلًا قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إجْزَائِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَمَادَى عَلَيْهَا ثُمَّ يُعِيدَهَا فَيَجْمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَأَمَّا إنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ رَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ فَنَسِيَ الْإِحْرَامَ فَلْيُكَبِّرْ مَتَى مَا ذَكَرَ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ أَوْ لَمْ يُكَبِّرْ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ بِسَلَامٍ وَلَا كَلَامٍ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فِي الثَّانِيَةِ تَمَادَى وَأَعَادَ زَادَ ابْنُ الْمَوَّازِ بَعْدَ أَنْ يَقْضِيَ رَكْعَةً.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْوَارِدَ لِلصَّلَاةِ وَالْعَامِدَ إلَيْهَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ لَا تُوجَدَ مِنْهُ نِيَّةٌ إلَيْهَا فَإِذَا نَسِيَهَا عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَاَلَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَهُوَ عِنْدِي مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ وَرَبِيعَةَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ إذَا نَوَاهَا قَبْلَ التَّكْبِيرِ عِنْدَ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ وَإِنْ نَسِيَهَا عِنْدَ التَّكْبِيرِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ شِهَابٍ.
فَإِذَا وُجِدَتْ مِنْهُ النِّيَّةُ عِنْدَ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ وَلَمْ يُكَبِّرْ لِلْإِحْرَامِ وَكَبَّرَ لِلرُّكُوعِ اقْتَضَتْ النِّيَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ فَأَجْزَأَتْهُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ شِهَابٍ وَلَمْ تُجْزِهِ عِنْدَ رَبِيعَةَ مَا لَمْ تُقَارِنْ النِّيَّةُ التَّكْبِيرَ وَإِنْ لَمْ يُكَبِّرْ لِلرُّكُوعِ لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى وَكَبَّرَ لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَصَلَ بَيْنَ النِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَبَيْنَ تَكْبِيرَةِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ عَمَلُهُ لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى فَلَمْ يَصِحَّ انْتِظَامُهَا بِهَا لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ النِّيَّةِ وَبَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَلَا مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا فِيمَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ فَلَمْ يُكَبِّرْ إلَّا لِلرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَأَمَّا مَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مِنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ تَمَامَ الصَّلَاةِ عَلَى تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ إنَّمَا هُوَ لِئَلَّا يُبْطِلَ عَمَلًا مُخْتَلَفًا فِي إجْزَائِهِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَتِنَا فَيَجِبُ إتْمَامُهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فِي الْجُمُعَةِ فَقَدْ رَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُجْزِيه فِي هَذَا خَاصَّةً أَنْ يُكَبِّرَ فِي الثَّانِيَةِ وَيَجْعَلَهَا أُولَاهُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَتَمَادَى وَيُعِيدُهَا ظُهْرًا.
وَجْهُ رِوَايَةِ يَحْيَى أَنَّ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ تَصِحُّ فِي غَيْرِ إمَامٍ فَيَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَيُعِيدُهَا لِأَنَّ تَمَادِيهِ لَا يُفِيتُهَا وَالْجُمُعَةُ لَا تَصِحُّ بِغَيْرِ إمَامٍ فَتَمَادِيهِ مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةٍ لَا تُجْزِيهِ يُفِيتُ الْجُمُعَةَ الَّتِي تُجْزِيهِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ ذَكَرَهَا بَعْدَ أَنْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَيَلْزَمُهُ
стр. 145
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يُصَلِّي لِنَفْسِهِ فَيَنْسَى تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ صَلَاتَهُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي إمَامٍ نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ أَرَى أَنْ يُعِيدَ وَيُعِيدَ مَنْ خَلْفَهُ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ مَنْ خَلْفَهُ قَدْ كَبَّرَ فَإِنَّهُمْ يُعِيدُونَ) .
الْقِرَاءَةُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِالطُّورِ فِي الْمَغْرِبِ» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدِ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نَسِيٍّ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ
ــ
[المنتقى]
التَّمَادِي كَمُصَلِّي الْعَصْرَ وَغَيْرَهَا.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَحُكْمُهُ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْمَأْمُومِ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ تُحْمَلُ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ وَالْقِيَامُ لَهَا فَلِذَلِكَ كَانَ فِي أَمْرِهِ مَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الْفَذُّ فَلَا يَحْمِلُ ذَلِكَ عَنْهُ أَحَدٌ وَهُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُشْكِلْ أَمْرُهُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَنَّ مَا عَمِلَ لَيْسَ بِصَلَاةٍ وَلَا مُجْزِئٌ عَنْهُ فَكَانَ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَتَرْكُ الِاعْتِدَادِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْهَا وَالْإِمَامُ كَالْفَذِّ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَإِذَا أَسْقَطَهَا الْإِمَامُ سَاهِيًا أَوْ عَامِدًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَتَعَدَّى فَسَادُ ذَلِكَ إلَى صَلَاةِ الْمَأْمُومِ كَمَا لَوْ تَرَكَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ صَلَاةَ مَنْ خَلْفَهُ وَإِنْ رَكَعُوا وَسَجَدُوا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْقِرَاءَةُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ]
(ش) : قَوْلُهُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِالطُّورِ فِي الْمَغْرِبِ يُرِيدُ أَنَّهُ قَرَأَ بِهَا بَعْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ بِمَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَالْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ فَرْضٌ وَنَفْلٌ فَأَمَّا الْفَرْضُ فَهُوَ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا بَيَانُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا النَّفَلُ فَهُوَ قِرَاءَةُ سُورَةٍ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ» .
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَأَيُّ سُورَةٍ قَرَأَ بِهَا أَجْزَأَتْهُ إلَّا أَنَّهُ يَخْتَارُ التَّطْوِيلَ فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ وَالتَّخْفِيفَ فِي بَعْضِهَا فَأَطْوَلُ الصَّلَوَاتِ قِرَاءَةً صَلَاةُ الصُّبْحِ ثُمَّ الظُّهْرِ ثُمَّ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ثُمَّ الْمَغْرِبِ وَالْعَصْرِ وَهُمَا مُتَسَاوِيَتَانِ وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَإِنْ كَانَ الرُّوَاةُ عَنْهُ لِذَلِكَ غَيْرَ وَاحِدٍ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأَ فِي الظُّهْرِ بِأَقْصَرَ مِنْ ذَلِكَ وَيَقْرَأَ فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَنَحْوِهَا وَيَقْرَأَ فِي الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَقْرَأُ فِيهِمَا ب ق وَالضُّحَى إلَى آخِرِ الْقُرْآنِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَقَالَتْ لَهُ يَا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِك هَذِهِ السُّورَةَ إنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ) .
(ش) : قَوْلُهَا لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِك هَذِهِ السُّورَةَ يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَّرَهَا قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيَّاهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَّرَهَا بِقِرَاءَتِهِ إيَّاهَا ثُمَّ فَسَرَّتْ أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَّرَهَا هُوَ آخِرُ مَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهَا آخِرُ قِرَاءَةٍ سَمِعَتْهُ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ وَأَنَّ ذَلِكَ صَادَفَ قِرَاءَتَهُ إيَّاهَا فِي الْمَغْرِبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا آخِرُ مَا سَمِعَتْهُ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ وَإِنْ جَازَ أَنْ تَكُونَ سَمِعَتْهُ يَقْرَأُ بِهَا فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدِ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نَسِيٍّ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّهُ قَالَ قَدِمْت الْمَدِينَةَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَصَلَّيْت وَرَاءَهُ الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ ثُمَّ قَامَ فِي الثَّالِثَةِ فَدَنَوْت مِنْهُ حَتَّى أَنَّ ثِيَابِي لَتَكَادُ أَنْ تَمَسَّ ثِيَابَهُ فَسَمِعْته قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِهَذِهِ الْآيَةِ ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] ) .
следующие страницы →