Полный текст (2 236 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
ﷺ كَانَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ يَكُونُ بِالنُّطْقِ بِالتَّكْبِيرِ وَلَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى النُّطْقِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَأَفْعَالُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْوُجُوبِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يُجْزِئُ مِنْ النُّطْقِ غَيْرُ التَّكْبِيرِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلُّ لَفْظٍ فِيهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى نَحْوُ اللَّهُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ وَاَللَّهُ الْكَبِيرُ وَاَللَّهُ الْعَظِيمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ عَرَا مِنْ لَفْظِ التَّكْبِيرِ وَبِنِيَّتِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ إحْرَامًا بِالصَّلَاةِ أَصْلُ ذَلِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَلَيْسَ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَلَا مِنْ فَضَائِلِهَا التَّوْجِيهُ عَلَى مَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَأَمَّا بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ شَعْبَانَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ صَلَّيْت مَعَ مَالِكٍ فِي بَيْتِهِ فَكَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَقَالَ مَالِكٌ أَكْرَهُ أَنْ أَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ فَيَقُولُ جَاهِلٌ هَذَا مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْإِحْرَامِ إلَّا التَّكْبِيرُ فَلَا يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُجْزِئُ اللَّهُ الْأَكْبَرُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ غَيَّرَتْ مِنْ بِنْيَةِ قَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ فَمَنَعَتْ صِحَّةَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِهَا أَصْلُ ذَلِكَ اللَّهُ أَكْبَرُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ فِي الرَّفْعِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ إحْدَاهَا بَيَانُ مَوَاضِعِ الرَّفْعِ فَالْخِلَافُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَهَا مَشْرُوعٌ.
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَصْحَابُنَا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَكَانَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ ضَعِيفًا إلَّا فِي الِافْتِتَاحِ وَصَرَّحَ بِهَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي مُخْتَصَرِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرَّفْعَ مَشْرُوعٌ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا ذُكِرَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ الصَّلَاةِ فَكَانَ مِنْ حُكْمِهِ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ عَمَلٌ كَالسَّلَامِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ التَّكْبِيرَ شُرِعَ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ عَمَلٍ قُرِنَ بِهِ لِلِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ عَمَلٌ مِنْ الِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ قَرَنَ بِهِ رَفْعَ الْيَدَيْنِ كَمَا قَرَنَ بِالسَّلَامِ الْإِشَارَةَ بِالرَّأْسِ وَالْوَجْهِ إلَى الْيَمِينِ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الثَّانِي فَعِنْدَ الِانْحِطَاطِ لِلرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ الْمَنْعَ مِنْهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ عَنْهُ الرَّفْعَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَتَعَلَّقَ أَصْحَابُنَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّهْشَلِيُّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ ثُمَّ لَا يَعُودُ» وَهَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا تَكْبِيرٌ لِلِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ رَفْعُ الْيَدَيْنِ كَالِانْتِقَالِ مِنْ الْجُلُوسِ إلَى السُّجُودِ.
وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الرَّكْعَةِ تَكْبِيرَةٌ تَجْعَلُ مُدْرِكَهَا مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى فَشُرِعَ فِيهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا التَّكْبِيرُ عِنْدَ السُّجُودِ فَلَمْ يُشْرَعْ الرَّفْعُ مَعَهُ وَقَدْ رُوِيَتْ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ لَا تَثْبُتُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا نِهَايَةُ الرَّفْعِ فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى مَنْكِبَيْهِ وَبِهِ قَالَ
стр. 142
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ صَلَاتَهُ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ » )
ــ
[المنتقى]
الشَّافِعِيُّ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ يَرْفَعُ إلَى صَدْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَرْفَعُ إلَى أُذُنَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى نِهَايَةِ الرَّفْعِ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ وَفِيهِ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَأَمَّا مَا رَوَى مَالِكٌ بْنُ الْحُوَيْرِثِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ» فَلَنَا عَلَى ذَلِكَ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: التَّرْجِيحُ.
وَالثَّانِي: الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ.
فَأَمَّا التَّرْجِيحُ فَإِنَّ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ مِنْ قَتَادَةَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّا نَقُولُ كَانَ يُحَاذِي بِكَفَّيْهِ مَنْكِبَيْهِ وَبِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ أُذُنَيْهِ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ إطْرَاحِ أَحَدِهِمَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا صِفَةُ الرَّفْعِ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنَا الْعِرَاقِيُّونَ أَنْ تَكُونَ يَدَاهُ قَائِمَتَيْنِ تُحَاذِي كَفَّاهُ مَنْكِبَيْهِ وَأَصَابِعُهُ أُذُنَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُمَا تَكُونَانِ مَنْصُوبَتَيْنِ ظُهُورُهُمَا إلَى السَّمَاءِ وَبُطُونُهُمَا إلَى الْأَرْضِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَوْلَى لِأَنَّا نَتَمَكَّنُ بِذَلِكَ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ فِي التَّكَلُّفِ وَأَيْسَرُ فِي الرَّفْعِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا لَمْ يَذْكُرْ يَحْيَى رَفْعَهُمَا عِنْدَ الِانْحِنَاءِ لِلرُّكُوعِ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو مُصْعَبٍ وَالْقَعْنَبِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُوَطَّأِ وَزَادَ الرَّفْعَ عِنْدَ الِانْحِنَاءِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُمْ وَقَوْلُهُمْ أَوَّلًا لِأَنَّهُمْ زَادُوا وَفِيهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ الْأَثْبَاتِ.
(ش) : قَوْلُهُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ» يُرِيدُ بِالْخَفْضِ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَبِالرَّفْعِ الرَّفْعَ مِنْ السُّجُودِ وَأَمَّا الرَّفْعُ مِنْ الرُّكُوعِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حُكْمَهُ التَّحْمِيدُ دُونَ التَّكْبِيرِ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّحْمِيدُ لِلِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ وَحُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْس الْخَفْضَيْنِ وَأَمَّا الرَّفْعُ عِنْدَ التَّكْبِيرِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الثَّالِثَةِ فَإِنَّ حُكْمَهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ إذَا اسْتَوَى قَائِمًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُكَبِّرُ فِي نَفْسِ الْقِيَامِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ هَذَا رَفْعُ رَأْسٍ مِنْ سُجُودٍ فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ إلَى اسْتِيفَاءِ الْقِيَامِ كَالْقِيَامِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ اخْتِصَاصِ إحْدَى الْحَالَتَيْنِ بِالتَّكْبِيرِ اخْتَصَّ بِهَا رَفْعُ الرَّأْسِ مِنْ السُّجُودِ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ الْعَمَلِ وَابْتِدَاءُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَمَلِ فَعَرَا آخِرُ الْقِيَامِ مِنْ تَكْبِيرٍ وَمِنْ حُكْمِهِ أَيْضًا أَنْ لَا يَنْتَقِلَ مِنْ عَمَلٍ إلَى عَمَلٍ إلَّا بِتَكْبِيرِ فَاخْتَصَّ بِذَلِكَ أَوَّلُ الْقِيَامِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَوَّلُ الْوُقُوفِ.
وَالثَّانِي أَنَّهَا حَالٌ قَدْ شُرِعَ فِيهَا تَكْبِيرَةٌ وَهِيَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَأَمَّا الْقِيَامُ مِنْ الْجُلُوسِ فَإِنَّهُ آخِرُ عَمَلٍ فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِ ابْتِدَاءُ تَكْبِيرٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ إخْبَارٌ عَنْ رَفْعِهِمَا فِي الْجُمْلَةِ وَلَمْ يُعَيِّنْ مَوْضِعَ رَفْعِهِمَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ إلَّا عَلَى مَنْ مَنَعَ الرَّفْعَ جُمْلَةً.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ وَاَللَّهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) .
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ أَوْ رَفَعَ يَقُولُ وَاَللَّهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْتَضِي الشَّبَهَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا عَامٌّ فِي التَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّاوِيَ إنَّمَا ذَكَرَ مِنْ صَلَاةِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّكْبِيرَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَصَدَ بِهِ الشَّبَهَ
стр. 143
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا أَدْرَكَ الرَّجُلُ الرَّكْعَةَ فَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً أَجْزَأَتْ عَنْهُ تِلْكَ التَّكْبِيرَةُ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ إذَا نَوَى بِتِلْكَ التَّكْبِيرَةِ افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ) .
ــ
[المنتقى]
بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إنَّ التَّكْبِيرَ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى التَّكْبِيرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّكْبِيرَ غَيْرُ وَاجِبٍ إلَّا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي قَوْلِهِ أَنَّ التَّكْبِيرَ كُلَّهُ وَاجِبٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا تَكْبِيرٌ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُشْرَعْ لِلِافْتِتَاحِ فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا كَالتَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَأَمَّا مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهَا تَقْتَضِي وُجُوبَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى اقْتِدَائِهِمْ بِصَلَاتِهِ وَحِرْصِهِمْ عَلَى الشَّبَهِ بِهِ وَفَخْرِهِمْ بِالْمَزِيَّةِ فِي ذَلِكَ، وَتَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ وَالرَّدَّ لِقَوْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ) .
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ يَقْتَضِي ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّا نَخُصُّهُ بِالدَّلِيلِ فِي رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي السُّجُودِ أَخْفَضُ مِنْهُ فِي الرُّكُوعِ وَلَا وَجْهَ لَهُ نَعْلَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُون لِلِاتِّبَاعِ إنْ كَانَ فِيهِ أَثَرٌ فَالِاتِّبَاعُ أَحْسَنُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ أُحِبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ لَا يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ وَبِقَوْلِهِ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ فَإِنْ جَهَرَ بِذَلِكَ جَهْرًا يُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَأُحِبُّ أَنْ لَا يَجْهَرَ مَعَهُ إلَّا بِالسَّلَامِ جَهْرًا يُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَانَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا دُونَ ذَلِكَ) .
(ش) : قَوْلُهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا دُونَ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَكَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ كَذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهُ بْنُ عُمَرَ كَانَ يَفْعَلُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا وَيَرَى ذَلِكَ وَاسِعًا فِيهِمَا.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ فَكَانَ يَأْمُرُنَا نُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضْنَا وَرَفَعْنَا) .
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ مُؤَكِّدُ أَحْكَامِ السُّنَنِ فِي الصَّلَاةِ وَلِذَلِكَ كَانَ يَهْتَبِلُ بِهِ اهْتِبَالًا يَخُصُّهُ بِالتَّعْلِيمِ.
(ش) : قَوْلُهُ إذَا أَدْرَكَ الرَّجُلُ الرَّكْعَةَ فَكَبَّرَ يُرِيدُ إدْرَاكَ أَصْلِهَا مَعَ الْإِمَامِ وَلَمْ يَفُتْهُ ذَلِكَ وَهُوَ بِأَنْ يَصِيرَ الْإِمَامُ إلَى رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ بِالْإِحْرَامِ لَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً أَجْزَأَتْ عَنْهُ تِلْكَ التَّكْبِيرَةُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَتِلْكَ التَّكْبِيرَةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ خَفْضِ الْمَأْمُومِ إلَى الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمَأْمُومِ مِنْ جُزْءٍ مِنْ الْقِيَامِ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْتَتِحَهَا رَاكِعًا وَإِنَّمَا يَفْتَتِحُهَا قَائِمًا وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْقِيَامِ قَدْرُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَحْمِلُ عَنْهُ الْقِرَاءَةَ فَيُحْمَلُ عَنْهُ قِيَامُهَا وَلَمَّا لَمْ يَحْمِلْ عَنْهُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَمْ يُحْمَلْ عَنْهُ قِيَامُهَا وَظَاهِرُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّهُ قَالَ فَإِنْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ يَنْوِي بِذَلِكَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهَا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ تَمَادَى وَأَعَادَ الصَّلَاةَ وَالتَّكْبِيرُ لِلرُّكُوعِ لَا يَكُونُ فِي حَالِ الْقِيَامِ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي نَفْسِ الِانْحِطَاطِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا ابْتَدَأَهُ فِي آخِرِ أَجْزَاءِ الْقِيَامِ أَجُزْأَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إذَا نَوَى بِتِلْكَ التَّكْبِيرَةِ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ الَّتِي لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَلَا تَتَمَيَّزُ مِنْ غَيْرِهَا إلَّا
стр. 144
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فَنَسِيَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ وَتَكْبِيرَ الرُّكُوعِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ وَلَا عِنْدَ الرُّكُوعِ وَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ يَبْتَدِئُ صَلَاتَهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَوْ سَهَا مَعَ الْإِمَامِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَكَبَّرَ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ رَأَيْت ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ إذَا نَوَى بِهَا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ) .
ــ
[المنتقى]
بِمُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ إذَا رَكَعَ دُونَ تَكْبِيرٍ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ مَتَى مَا ذَكَرَ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي صَلَاةٍ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِيهَا وَلَا لَفْظُهُ فَهُوَ إذَا ذَكَرَ كَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَعَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ الصَّلَاةَ فَإِنْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ يَنْوِي بِذَلِكَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ أَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ أَوَّلَ رَكْعَةٍ وَلَمْ يَنْوِ الِافْتِتَاحَ فَهَلْ يَتَمَادَى فِي الصَّلَاةِ أَوْ يَبْتَدِئُهَا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: أَنْ يَبْتَدِئَهَا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَتَمَادَى وَيُعِيدُهَا.
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهَا صَلَاةٌ لَا تُجْزِئُهُ وَلَا تَبْرَأُ بِهَا ذِمَّتُهُ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَتَمَادَى عَلَيْهَا كَمَا لَوْ لَمْ يُكَبِّرْ لِلرُّكُوعِ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ بِالتَّمَادِي عَلَيْهَا ثُمَّ يَقْضِي الصَّلَاةَ بِنَفْسِ الِانْفِرَادِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهَا صَلَاةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ يَرَى أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ عَنْهُ وَرَبِيعَةُ يَقُولُ لَا تُجْزِي عَنْهُ فَقَدْ عَقَدَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا فَيُكْرَهُ أَنْ يُبْطِلَ صَلَاتَهُ وَعَمَلًا قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إجْزَائِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَمَادَى عَلَيْهَا ثُمَّ يُعِيدَهَا فَيَجْمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَأَمَّا إنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ رَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ فَنَسِيَ الْإِحْرَامَ فَلْيُكَبِّرْ مَتَى مَا ذَكَرَ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ أَوْ لَمْ يُكَبِّرْ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ بِسَلَامٍ وَلَا كَلَامٍ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فِي الثَّانِيَةِ تَمَادَى وَأَعَادَ زَادَ ابْنُ الْمَوَّازِ بَعْدَ أَنْ يَقْضِيَ رَكْعَةً.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْوَارِدَ لِلصَّلَاةِ وَالْعَامِدَ إلَيْهَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ لَا تُوجَدَ مِنْهُ نِيَّةٌ إلَيْهَا فَإِذَا نَسِيَهَا عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَاَلَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَهُوَ عِنْدِي مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ وَرَبِيعَةَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ إذَا نَوَاهَا قَبْلَ التَّكْبِيرِ عِنْدَ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ وَإِنْ نَسِيَهَا عِنْدَ التَّكْبِيرِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ شِهَابٍ.
فَإِذَا وُجِدَتْ مِنْهُ النِّيَّةُ عِنْدَ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ وَلَمْ يُكَبِّرْ لِلْإِحْرَامِ وَكَبَّرَ لِلرُّكُوعِ اقْتَضَتْ النِّيَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ فَأَجْزَأَتْهُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ شِهَابٍ وَلَمْ تُجْزِهِ عِنْدَ رَبِيعَةَ مَا لَمْ تُقَارِنْ النِّيَّةُ التَّكْبِيرَ وَإِنْ لَمْ يُكَبِّرْ لِلرُّكُوعِ لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى وَكَبَّرَ لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَصَلَ بَيْنَ النِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَبَيْنَ تَكْبِيرَةِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ عَمَلُهُ لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى فَلَمْ يَصِحَّ انْتِظَامُهَا بِهَا لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ النِّيَّةِ وَبَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَلَا مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا فِيمَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ فَلَمْ يُكَبِّرْ إلَّا لِلرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَأَمَّا مَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مِنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ تَمَامَ الصَّلَاةِ عَلَى تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ إنَّمَا هُوَ لِئَلَّا يُبْطِلَ عَمَلًا مُخْتَلَفًا فِي إجْزَائِهِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَتِنَا فَيَجِبُ إتْمَامُهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فِي الْجُمُعَةِ فَقَدْ رَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُجْزِيه فِي هَذَا خَاصَّةً أَنْ يُكَبِّرَ فِي الثَّانِيَةِ وَيَجْعَلَهَا أُولَاهُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَتَمَادَى وَيُعِيدُهَا ظُهْرًا.
وَجْهُ رِوَايَةِ يَحْيَى أَنَّ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ تَصِحُّ فِي غَيْرِ إمَامٍ فَيَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَيُعِيدُهَا لِأَنَّ تَمَادِيهِ لَا يُفِيتُهَا وَالْجُمُعَةُ لَا تَصِحُّ بِغَيْرِ إمَامٍ فَتَمَادِيهِ مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةٍ لَا تُجْزِيهِ يُفِيتُ الْجُمُعَةَ الَّتِي تُجْزِيهِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ ذَكَرَهَا بَعْدَ أَنْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَيَلْزَمُهُ
стр. 145
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يُصَلِّي لِنَفْسِهِ فَيَنْسَى تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ صَلَاتَهُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي إمَامٍ نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ أَرَى أَنْ يُعِيدَ وَيُعِيدَ مَنْ خَلْفَهُ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ مَنْ خَلْفَهُ قَدْ كَبَّرَ فَإِنَّهُمْ يُعِيدُونَ) .
الْقِرَاءَةُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِالطُّورِ فِي الْمَغْرِبِ» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدِ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نَسِيٍّ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ
ــ
[المنتقى]
التَّمَادِي كَمُصَلِّي الْعَصْرَ وَغَيْرَهَا.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَحُكْمُهُ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْمَأْمُومِ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ تُحْمَلُ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ وَالْقِيَامُ لَهَا فَلِذَلِكَ كَانَ فِي أَمْرِهِ مَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الْفَذُّ فَلَا يَحْمِلُ ذَلِكَ عَنْهُ أَحَدٌ وَهُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُشْكِلْ أَمْرُهُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَنَّ مَا عَمِلَ لَيْسَ بِصَلَاةٍ وَلَا مُجْزِئٌ عَنْهُ فَكَانَ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَتَرْكُ الِاعْتِدَادِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْهَا وَالْإِمَامُ كَالْفَذِّ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَإِذَا أَسْقَطَهَا الْإِمَامُ سَاهِيًا أَوْ عَامِدًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَتَعَدَّى فَسَادُ ذَلِكَ إلَى صَلَاةِ الْمَأْمُومِ كَمَا لَوْ تَرَكَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ صَلَاةَ مَنْ خَلْفَهُ وَإِنْ رَكَعُوا وَسَجَدُوا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْقِرَاءَةُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ]
(ش) : قَوْلُهُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِالطُّورِ فِي الْمَغْرِبِ يُرِيدُ أَنَّهُ قَرَأَ بِهَا بَعْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ بِمَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَالْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ فَرْضٌ وَنَفْلٌ فَأَمَّا الْفَرْضُ فَهُوَ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا بَيَانُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا النَّفَلُ فَهُوَ قِرَاءَةُ سُورَةٍ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ» .
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَأَيُّ سُورَةٍ قَرَأَ بِهَا أَجْزَأَتْهُ إلَّا أَنَّهُ يَخْتَارُ التَّطْوِيلَ فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ وَالتَّخْفِيفَ فِي بَعْضِهَا فَأَطْوَلُ الصَّلَوَاتِ قِرَاءَةً صَلَاةُ الصُّبْحِ ثُمَّ الظُّهْرِ ثُمَّ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ثُمَّ الْمَغْرِبِ وَالْعَصْرِ وَهُمَا مُتَسَاوِيَتَانِ وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَإِنْ كَانَ الرُّوَاةُ عَنْهُ لِذَلِكَ غَيْرَ وَاحِدٍ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأَ فِي الظُّهْرِ بِأَقْصَرَ مِنْ ذَلِكَ وَيَقْرَأَ فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَنَحْوِهَا وَيَقْرَأَ فِي الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَقْرَأُ فِيهِمَا ب ق وَالضُّحَى إلَى آخِرِ الْقُرْآنِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَقَالَتْ لَهُ يَا بُنَيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِك هَذِهِ السُّورَةَ إنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ) .
(ش) : قَوْلُهَا لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِك هَذِهِ السُّورَةَ يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَّرَهَا قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيَّاهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَّرَهَا بِقِرَاءَتِهِ إيَّاهَا ثُمَّ فَسَرَّتْ أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَّرَهَا هُوَ آخِرُ مَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهَا آخِرُ قِرَاءَةٍ سَمِعَتْهُ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ وَأَنَّ ذَلِكَ صَادَفَ قِرَاءَتَهُ إيَّاهَا فِي الْمَغْرِبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا آخِرُ مَا سَمِعَتْهُ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ وَإِنْ جَازَ أَنْ تَكُونَ سَمِعَتْهُ يَقْرَأُ بِهَا فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدِ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نَسِيٍّ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّهُ قَالَ قَدِمْت الْمَدِينَةَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَصَلَّيْت وَرَاءَهُ الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ ثُمَّ قَامَ فِي الثَّالِثَةِ فَدَنَوْت مِنْهُ حَتَّى أَنَّ ثِيَابِي لَتَكَادُ أَنْ تَمَسَّ ثِيَابَهُ فَسَمِعْته قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِهَذِهِ الْآيَةِ ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] ) .
стр. 146
أَنَّهُ قَالَ قَدِمْت الْمَدِينَةَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَصَلَّيْت وَرَاءَهُ الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ ثُمَّ قَامَ فِي الثَّالِثَةِ فَدَنَوْت مِنْهُ حَتَّى أَنَّ ثِيَابِي لَتَكَادُ أَنْ تَمَسَّ ثِيَابَهُ فَسَمِعْته قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِهَذِهِ الْآيَةِ ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ قَدِمْت الْمَدِينَةَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْدَمْهَا قَبْلَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ قَدِمَهَا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَدِمَهَا قَبْلَ خِلَافَتِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَوَّلَ قَدْمَةً قَدِمَ الْمَدِينَةَ كَانَتْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ إلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّهُ قَالَ فَاتَنِي النَّبِيُّ ﷺ بِخَمْسِ لَيَالٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَصَلَّيْت وَرَاءَهُ الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ سُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ الْمُسْتَحَبُّ فِي الْجَمَاعَةِ وَالْعَدَدِ الَّذِي لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ وَالصَّائِمُ وَالْمُسْتَعْجِلُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ قَامَ فِي الثَّالِثَةِ فَدَنَوْت مِنْهُ حَتَّى أَنَّ ثِيَابِي لَتَمَسُّ ثِيَابَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِدُنُوِّهِ مِنْهُ تَأْخِيرَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى قَرُبَ مِنْ الصَّفِّ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الصَّفَّ كُلَّهُ تَقَدَّمَ حَتَّى قَرُبُوا مِنْ مَقَامِ أَبِي بَكْرٍ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ دَنَا وَحْدَهُ حَتَّى قَرُبَ مِنْ مَقَامِ أَبِي بَكْرٍ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الصَّفِّ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُمْ وَيَتَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَقْرَبَ مِنْ الْإِمَامِ لِمَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ فِيمَا يَلْزَمُ مِنْ إقَامَةِ الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ صَلَّى وَحْدَهُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ فَقَرُبَ مِنْهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ مَا لَمْ يَقْرَبْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِهَذِهِ الْآيَةِ ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ دَعَا بِهَذِهِ فِي آخِرِ الرَّكْعَةِ عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ لِمَعْنَى تَذْكِرَةٍ أَوْ خُشُوعٍ حَضَرَهُ لَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ قَرَنَ قِرَاءَتَهُ تِلْكَ بِقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ عَلَى حَسَبِ مَا تُقْرَنُ بِهَا قِرَاءَةُ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ يَقْرَأُ فِي الْأَرْبَعِ جَمِيعًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَكَانَ يَقْرَأُ أَحْيَانًا بِالسُّورَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ كَذَلِكَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ سُورَةٍ) ش قَوْلُهُ كَانَ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ الْحَدِيثَ يُرِيدُ أَنَّ فِعْلَهُ إنَّمَا كَانَ فِيمَا يَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا قِرَاءَتُهُ فِي الْأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بِسُورَةٍ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ حِرْصًا عَلَى التَّطْوِيلِ فِي الصَّلَاةِ إنْ كَانَتْ الْأَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فَرِيضَةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي النَّافِلَةِ غَيْرَ أَنَّ لَفْظَ الْأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي الْفَرِيضَةِ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ لَا عُرْفَ فِي الشَّرْعِ لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ النَّافِلَةِ فَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهَا أَوْلَى إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ النَّافِلَةِ فِي وَقْتٍ كَانَتْ تَفَرَّدَتْ فِيهِ نَافِلَتُهُ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ أَوْ بَعْدَهَا أَوْ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِتَسْلِيمٍ وَاحِدٍ سَهْوًا أَوْ تَجْوِيزًا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَصَفَ قِرَاءَتَهُ فِي الْفَرِيضَةِ بَيَّنَهَا فَقَالَ وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ سُورَةٍ وَأَيُّهُمْ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِشَيْءٍ سِوَى أُمِّ الْقُرْآنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَقْرَأُ فِي الْأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ كُلِّهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ سُورَةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَتَيْنِ وَفِي
стр. 147
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ «الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ قَالَ صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ فَقَرَأَ فِيهَا بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ» ) .
ــ
[المنتقى]
الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَا لَا يُطَوِّلُ فِي الثَّانِيَةِ وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ مَبْنِيَّتَانِ عَلَى الْحَذْفِ وَالِاخْتِصَارِ وَلِذَلِكَ أُسِرَّتْ قِرَاءَتُهُمَا وَلَمْ يُجْهَرْ فِيهِمَا فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَكَانَ يَقْرَأُ أَحْيَانَا بِالسُّورَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ الْفَرِيضَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ وَاحْتِرَازًا مِمَّنْ يَدْخُلُ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الضُّعَفَاءِ فَكَانَ إذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ قَرَأَ مِنْ السُّوَرِ بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ مَا يَسْتَحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ بِهِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ خَوْفًا أَنْ يَشْرَعَ فِي قِرَاءَةِ سُورَةٍ طَوِيلَةٍ فَيَدْخُلَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ مَنْ لَا يَقْوَى عَلَى الْقِيَامِ فَيَشْرَعَ لِذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ سُورَةٍ قَصِيرَةٍ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا وَأَرَادَ مِنْ طُولِ الصَّلَاةِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ زَادَ سُورَةً أُخْرَى مِثْلَهَا ثُمَّ ثَالِثَةً حَتَّى يَبْلُغَ غَرَضَهُ مِنْ طُولِ الْقِرَاءَةِ وَلَوْ أَرَادَ التَّطْوِيلَ مِنْ أَوَّلِ قِرَاءَتِهِ وَعَزَمَ عَلَيْهِ لَشَرَعَ فِي قِرَاءَةِ سُورَةٍ طَوِيلَةٍ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ﵀ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ بِسُورَتَيْنِ وَثَلَاثٍ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَسُورَةٍ وَاحِدَةٍ أَحَبُّ إلَيْنَا.
وَوَجْهُ جَوَازِهِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ لَقَدْ عَرَفْت النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
وَوَجْهُ اخْتِيَارِ السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ أَنَّهُ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ الْمَأْثُورُ عَنْهُ وَخَبَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي النَّوَافِلِ دُونَ الْفَرَائِضِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ السُّورَةَ تُقْرَأُ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَى حُكْمِهَا سُورَةٌ وَاحِدَةٌ كَامِلَةٌ مِثْلُهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْقِرَاءَةِ بِبَعْضِ سُورَةٍ فَقَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَآيَةٍ مِثْلِ آيَةِ الدَّيْنِ.
وَجْهُ كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ الْآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قِرَاءَتِهِ بِالْمُرْسَلَاتِ فِي رَكْعَةٍ وَبِ " ق " وَالطُّورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ السُّوَرِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ قِرَاءَةَ السُّورَةِ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ لِأُمِّ الْقُرْآنِ فَكَمَا لَا يَقْتَصِرُ عَلَى بَعْضِ أُمِّ الْقُرْآنِ كَذَلِكَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى بَعْضِ السُّورَةِ.
وَوَجْهُ إبَاحَةِ ذَلِكَ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ قَالَ «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَوْ ذِكْرُ مُوسَى ﵇ أَخَذَتْ النَّبِيَّ ﷺ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ حَاضِرُ ذَلِكَ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ كَذَلِكَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ سُورَةٍ يُرِيدُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَأَمَّا الرَّكْعَةُ الثَّالِثَةُ فَإِنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ مِنْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ خَاصَّةً وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَغْرِبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعُدُولَ عَنْ ظَاهِرِ قَوْلِهِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ يَقْرَأُ فِي الْأَرْبَعِ جَمِيعًا الصَّلَاةَ الرَّبَاعِيَةَ وَقَوْلُهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرَادَ بِهِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَيَقْرَأُ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ فَقَرَأَ فِيهَا بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ إخْبَارٌ عَنْ مُشَاهَدَتِهِ لِلصَّلَاةِ وَبَيَانٌ لِسَمَاعِهِ لِمَا أَرَادَ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ مِنْ الْحُكْمِ وَقِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذِهِ السُّورَةِ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَهِيَ صَلَاةُ الْعَتَمَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَصَدَ التَّخْفِيفَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ السُّوَرِ الَّتِي يَقْرَأُ بِهَا الْإِمَامُ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ مَعَ سَلَامَةِ الْحَالِ لِأَنَّ مَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَوَاتِ مِنْ السُّوَرِ لَيْسَتْ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ بَلْ مِنْهَا مَا يَكُونُ تَخْفِيفًا عَلَى الْجَمَاعَةِ وَمِنْهَا مَا يَكُونُ إتْمَامًا مَعَ الْأَخْذِ بِالْحَظِّ مِنْ التَّخْفِيفِ الَّذِي يَلْزَمُ فِيهَا وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْصِدَ مِنْ السُّوَرِ مَا يَلِيقُ بِالْجَمَاعَةِ فِي تِلْكَ
стр. 148
الْعَمَلُ فِي الْقِرَاءَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَعَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ وَعَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ» ) .
ــ
[المنتقى]
الصَّلَاةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا يَمْنَعُ الْإِتْمَامَ وَالْإِكْمَالَ وَعَرَفَ أَحْوَالَ مَنْ مَعَهُ فَالْإِتْمَامُ أَفْضَلُ وَالتَّخْفِيفُ جَائِزٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْعَمَلُ فِي الْقِرَاءَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ الْقَسِّيُّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ رَوَى سَحْنُونٌ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهَا ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُرِيدُ مُخَطَّطَةً بِالْحَرِيرِ كَانَتْ تُعْمَلُ بِالْقَسِّ الْمَاحُوزِ الَّذِي يَلِي الْفَرْمَاءَ فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لُبْسِهَا وَهَذَا فِي الْحَرِيرِ الْمَحْضِ أَوْ مَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْحَرِيرَ الْمَحْضَ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ لُبْسُهُ فِي غَيْرِ الْغَزْوِ وَأَمَّا الْغَزْوُ فَأَجَازَ ابْنُ حَبِيبٍ لُبْسَهُ وَالصَّلَاةَ فِيهِ وَمَنَعَ مِنْهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ مَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ خَارِجٌ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ الْغَزْوَ مَوْضِعُ مُبَاهَاةٍ وَإِرْهَابٍ عَلَى الْعَدُوِّ.
وَوَجْهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْغَزْوِ مِنْ اللِّبَاسِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْغَزْوِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
(فَرْعٌ) وَيُمْنَعُ لُبْسُ الْحَرِيرِ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يُفْرَشُ وَلَا يُبْسَطُ وَلَا يُتَّكَأُ عَلَيْهِ وَلَا يُلْتَحَفُ فِيهِ وَلَا يُرْكَبُ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَيْسَ بِمُعْتَادٍ.
(فَرْعٌ) مَنْ صَلَّى بِثَوْبِ حَرِيرٍ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ مَنْ صَلَّى بِهِ وَهُوَ وَاجِدٌ لِغَيْرِهِ لَمْ يُعِدْ فِي الْوَقْتِ وَلَا فِي غَيْرِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الثَّمَانِيَةِ وَسَوَاءٌ مَنْ صَلَّى بِهِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا.
وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ كَانَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِمَّا يَسْتُرُهُ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ يَسْتُرُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ كَانَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ يَسْتُرُهُ أَثِمَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ أَعَادَ أَبَدًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَالْمُعَصْفَرُ زَادَ أَبُو مُصْعَبٍ هَذَا اللَّفْظُ فَقَالَ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَالْمُعَصْفَرِ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَعْنَبِيُّ وَمَعْمَرٌ وَبِشْرُ بْنُ عُمَرَ وَأَحْمَدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ السَّهْمِيِّ وَجَمَاعَةٌ وَرَوَاهُ الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ فَقَالَ عَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ وَعَنْ لُبْسِ الْمُفَدَّمِ وَالْمُعَصْفَرِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمْ يَذْكُرْ الْمُفَدَّمَ غَيْرُ الضَّحَّاكِ.
وَرَوَى سَحْنُونٌ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَا يَرَوْنَ بَأْسًا بِالْمُفَدَّمِ لِلرَّجُلِ فِي الدُّورِ وَالْأَبْنِيَةِ وَلَا بَأْسَ بِهِ مَعَ النِّسَاءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَنَا أَسْتَحِبُّ فِي لُبْسِهِ لِلرِّجَالِ أَنْ يُصْبَغَ بِنِصْفِ مَا يُصْبَغُ بِهِ لِلْمَرْأَةِ وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَعَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ، خَاتَمُ الذَّهَبِ مَمْنُوعٌ لِلرِّجَالِ فَمَنْ صَلَّى بِهِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَهَذَا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي ثِيَابِ الْحَرِيرِ إذَا كَانَ مَعَهُ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِ فِي ثَوْبِ الْحَرِيرِ وَأَمَّا مَنْ صَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ حُلِيَّ ذَهَبٍ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي يُلْبَسُ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَعَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ الدُّعَاءَ فِي الرُّكُوعِ إنَّمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الرُّكُوعِ وَهَذَا يَقْتَضِي إفْرَادَهُ لِذَلِكَ وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ خَصَّ كُلَّ حَالَةٍ مِنْ الْحَالَتَيْنِ بِنَوْعٍ مِنْ الْعَمَلِ فَالظَّاهِرُ اخْتِصَاصُهُ بِهِ وَإِلَّا بَطَلَتْ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ فَلَا يُعْدَلُ عَنْ هَذَا
стр. 149
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ التَّمَّارِ عَنْ الْبَيَاضِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَقَدْ عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ إنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلْيَنْظُرْ بِمَا يُنَاجِيهِ بِهِ ولَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ قُمْت وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكُلُّهُمْ كَانَ لَا يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إذَا افْتَتَحُوا الصَّلَاةَ) .
ــ
[المنتقى]
الظَّاهِرِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَقَدْ عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ ظَاهِرُهُ أَنَّ صَلَاتَهُمْ كَانَتْ نَافِلَةً لَمَعَانٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فَرِيضَةً لَأَمَّهُمْ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ .
وَالثَّانِي: عُلُوُّ أَصْوَاتِهِمْ وَقِرَاءَةُ جَمِيعِهِمْ وَلَوْ كَانَتْ فَرِيضَةً لَرَفَعَ صَوْتَهُ الْإِمَامُ وَحْدَهُ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ الْفَرِيضَةَ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ بِصَلَاةِ إمَامٍ وَقَدْ بُيِّنَ فِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَمَضَانَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ جَمَعَهُمْ عَلَى إمَامٍ فِي نَوَافِلِ رَمَضَانَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «أَنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ» تَنْبِيهٌ عَلَى مَعْنَى الصَّلَاةِ وَالْمَقْصُودُ بِهَا لِيَكْثُرَ مَعْنَى الِاحْتِرَازِ مِنْ الْأُمُورِ الْمَكْرُوهَةِ الْمُدْخِلَةِ لِلنَّقْصِ فِيهَا وَالْإِقْبَالَ عَلَى أُمُورِ الطَّاعَةِ الْمُتَمِّمَةِ لَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ بِمَا يُنَاجِيهِ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ قِرَاءَةَ جَمِيعِهِمْ، وَقِرَاءَةُ كُلٍّ طَاعَةٌ وَقُرْبَةٌ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ لَا يُنَاجِيَهُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ مِنْ رَفْعِ صَوْتِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ «وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ» لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إيذَاءَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَمَنْعًا مِنْ الْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ وَتَفْرِيغِ السِّرِّ لَهَا وَتَأَمُّلِ مَا يُنَاجِي بِهِ رَبَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَإِذَا كَانَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَمْنُوعًا حِينَئِذٍ لِإِذَايَةِ الْمُصَلِّينَ فَبِأَنْ يُمْنَعَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِخْفَافًا بِالْمَسَاجِدِ وَاطِّرَاحًا لِتَوْقِيرِهَا وَتَنْزِيهِهَا الْوَاجِبِ وَإِفْرَادِهَا لِمَا بُنِيَتْ لَهُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ الْعَظِيمُ ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْإِمَامِ فِيمَا يُجْهَرُ بِهِ مِنْ الْفَرَائِضِ فَلَا بَأْسَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ لِمَنْ تَنَفَّلَ فِي بَيْتِهِ وَلَعَلَّهُ أَنْشَطُ لَهُ وَأَقْوَى وَزَادَ فِي الْمُخْتَصَرِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
(ش) : قَوْلُهُ قُمْت وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ يُرِيدُ الْقِيَامَ وَرَاءَهُمْ فِي الصَّفِّ وَذَلِكَ هَيْئَتُهُ وَهُوَ أَنْ يَقِفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ الْوُقُوفَ الْمُعْتَادَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الِاعْتِمَادِ عَلَى رِجْلَيْهِ جَمِيعًا فَيَقْرِنُهُمَا وَيُحَرِّكُهُمَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يُرَوِّحَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَيَعْتَمِدَ عَلَى الْأُخْرَى وَيُقَدِّمَ إحْدَاهُمَا وَيُؤَخِّرَ الْأُخْرَى لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْوُقُوفُ الْمُعْتَادُ الْعَارِي عَنْ الِاسْتِعْمَالِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَكُلُّهُمْ كَانَ لَا يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إذَا افْتَتَحُوا الصَّلَاةَ يَقْتَضِي نَفْيَ ذَلِكَ جُمْلَةً وَذَلِكَ يَكُونُ فِي وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخْبِرَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ فِعْلِهِ فِي السِّرِّ وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى اهْتِمَامِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵀ بِهَذَا الْحُكْمِ وَتَتَبُّعِ فِعْلِ الْخُلَفَاءِ فِيهِ.
وَالثَّانِي: فِيمَا جَهَرُوا وَذَلِكَ أَنْ يَسْمَعَ قِرَاءَتَهُمْ لِأُمِّ الْقُرْآنِ بِإِثْرِ فَرَاغِهِمْ مِنْ الْإِحْرَامِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ فَيَعْلَمَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْرَؤُهَا وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ تَرْكِ قِرَاءَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الْفَرِيضَةِ فَلَا يَقْرَؤُهَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَبْسُوطِ إنْ جَهَرَ فِي الْمَكْتُوبَةِ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ بِهَا فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقْرَأُ بِهَا سِرًّا وَلَا يَجْهَرُ بِهَا وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَصْلٍ بُنِيَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا ﵀ ذَهَبَ إلَى أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ.
стр. 150
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا نَسْمَعُ قِرَاءَةَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عِنْدَ دَارِ أَبِي جَهْمٍ بِالْبَلَاطِ) .
ــ
[المنتقى]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ آيَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ أَقَامُوا لِلنَّاسِ الصَّلَاةَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً بِحَضْرَةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَقْرَءُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَلَوْ كَانَتْ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ لَمَا جَازَ إقْرَارُهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَمَا لَوْ تَرَكُوا قِرَاءَةَ أُمِّ الْقُرْآنِ لَمَا أُقِرُّوا عَلَى ذَلِكَ فَتَرْكُهُمْ لِلْقِرَاءَةِ بِهَا وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِقِرَاءَةِ جَمِيعِ الْقُرْآنِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ وَإِجْمَاعٌ مُسْتَقِرٌّ عَلَى أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَيْسَتْ مِنْهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَلْقَى الْقُرْآنَ إلَى أُمَّتِهِ إلْقَاءً شَائِعًا يُوجِبُ الْحُجَّةَ وَيَقْطَعُ الْعُذْرَ وَيُثْبِتُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ وَيَمْنَعُ الِاخْتِلَافَ وَالتَّشَكُّكَ وَيُوجِبُ تَكْفِيرَ مَنْ جَحَدَ حَرْفًا مِنْهُ وَلَيْسَ هَذَا طَرِيقَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ وَلَمْ يَقَعْ لَنَا بِهِ الْعِلْمُ وَلَا يُوجِبُ جَحْدُ ذَلِكَ تَكْفِيرَ مَنْ جَحَدَهُ فَوَجَبَ بِأَنْ لَا يَكُونَ قُرْآنًا وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالنَّقْلِ وَلَا يَخْلُو إثْبَاتُكُمْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةً مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ بِنَقْلِ تَوَاتُرٍ أَوْ بِآحَادٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِنَقْلِ تَوَاتُرٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَبَلَغَنَا كَمَا بَلَغَكُمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ آحَادٍ لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْآحَادِ وَإِذَا بَطَلَ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ آيَةً مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْرَأُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ فَخَبَرُ حُمَيْدٍ الْمَذْكُورُ وَهُوَ إجْمَاعٌ لِصَلَاةِ الْإِمَامِ بِحَضْرَةِ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ وَعَدَمِ الْمُنْكِرِ عَلَيْهِ وَالْمُخَالَفِ لَهُ «وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ» الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي بِنِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدَيْ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ثُمَّ ذَكَرَ آيَ أُمِّ الْقُرْآنِ حَتَّى أَتَى عَلَى جَمِيعِهَا وَمَا يُقَالُ لِلْعَبْدِ عِنْدَ قِرَاءَةِ كُلِّ ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهَا.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا قِرَاءَةُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي النَّوَافِلِ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنَا الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُقْرَأَ بِهَا فِي النَّافِلَةِ فِي أَوَّلِ الْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَفِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ يُقْرَأُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ وَزَادَ إلَّا أَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فَيُؤْمَرَ أَنْ يَفْصِلَ بِهَا بَيْنَ السُّوَرِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَسْتَفْتِحُ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَيَقْرَأُ بَعْدَ ذَلِكَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ إلَّا سُورَةَ بَرَاءَةٌ.
(ش) : يَحْتَمِلُ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ الْإِمَامَ فِي الصَّلَاةِ فَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا وَالصَّلَاةُ الَّتِي كَانَ يُفْعَلُ ذَلِكَ فِيهَا هِيَ الْفَرِيضَةُ الَّتِي كَانَ يَجْتَمِعُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِيهَا فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ يُنْكِرُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَدْ جَهَرَ عَلَيْهِ بِالْقِرَاءَةِ وَالْبَلَاطُ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ وَإِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ أَحَدَ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجِدَ نِهَايَةَ مَا كَانَ يَسْمَعُ مِنْهُ صَوْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَإِمَّا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَوْضِعَ جُلُوسِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَخْبَرَ عَنْهُ فَأَخْبَرَ عَمَّا كَانَ فِي عِلْمِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ صَوْتَ عُمَرَ إنَّمَا سُمِعَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ لِجَهَارَتِهِ وَقُوَّتِهِ وَقَوْلُ مَالِكٍ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ لَمَعَانٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ فَاتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ فَسَمِعَ قِرَاءَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي حَالِ مَرَضٍ مَنَعَهُ مِنْ إتْيَانِ الْمَسْجِدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ عَنْ طَائِفَتِهِ وَأَهْلِهِ وَمِمَّنْ يَنْضَافُ إلَيْهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ صَوْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى مَا يَقُولُهُ وَجْهُ الْقَبِيلَةِ وَكَبِيرُ الْمَحَلَّةِ فَعَلْنَا ذَلِكَ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ أَتْبَاعُهُ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَلْيَقَ بِفَضْلِ مَالِكٍ وَدِينِهِ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ وَهُوَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إتْيَانِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
стр. 151
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَرَأَ بِنَفْسِهِ فِيمَا يَقْضِي وَجَهَرَ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْت أُصَلِّي إلَى جَانِبِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ فَيَغْمِزُنِي فَأَفْتَحُ عَلَيْهِ وَنَحْنُ نُصَلِّي) .
ــ
[المنتقى]
كَانَ يَجْهَرُ ذَلِكَ فِي نَافِلَتِهِ بِاللَّيْلِ وَتَهَجُّدِهِ فَكَانَ يُسْمَعُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
(ش) : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى دِينِهِ وَفَضْلِهِ قَدْ كَانَ يُدْرِكُهُ مَا يُدْرِكُ الْبَشَرَ مِنْ فَوَاتِ بَعْضِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ اتَّبَعَ الْإِمَامَ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَرَأَ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُسْقِطْ عَنْهُ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ فِيمَا أَدْرَكَ مَعَهُ مِنْ صَلَاةِ الْجَهْرِ فَكَانَ يَأْتِي فِيمَا يُصَلِّيهِ لِنَفْسِهِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى حَسَبِ مَا أَتَى بِهِ الْإِمَامُ مِنْ الْجَهْرِ وَقَدْ حَمَلَ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ فَسَّرَ حَدِيثَهُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ أَنَّ الْمَأْمُومَ إنَّمَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى نَحْوِ مَا فَاتَهُ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالْجَهْرِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ إلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ مَنْ رَأَى إتْمَامَ الصَّلَاةِ وَأَنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الْمَأْمُومُ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ فِي مِثْلِ أَنْ يَفُوتَهُ رَكْعَةٌ مِنْ الصُّبْحِ أَوْ يُدْرِكَ رَكْعَةً مِنْ الْمَغْرِبِ أَوْ الْعِشَاءِ فَإِنَّ الْخِلَافَ مُرْتَفِعٌ هُنَاكَ وَلَا بُدَّ لِلْمَأْمُومِ مِنْ الْجَهْرِ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
(ش) : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ رُومَانٍ كَانَ يُصَلِّي بِصَلَاةِ نَافِعٍ وَيَأْتَمُّ بِهِ فِي نَفْلٍ أَوْ فَرْضٍ وَقَوْلُ يَزِيدَ فَيَغْمِزُنِي فَأَفْتَحُ عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يُرْتَجُ عَلَيْهِ فَيَغْمِزُهُ فِي الصَّلَاةِ قَالَ عِيسَى وَإِنَّمَا كَانَ يَغْمِزُهُ بِيَدِهِ دُونَ الْغَمْزِ بِالْعَيْنِ وَإِنَّمَا كَانَ يَسْتَدْعِي بِذَلِكَ أَنْ يَفْتَحَ عَلَيْهِ وَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ ﵀ وَغَيْرُهُ الْفَتْحَ عَلَى الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُرْتَجَ عَلَيْهِ وَالْفَاتِحَ عَلَيْهِ لَا يَخْلُوَانِ أَنْ يَكُونَا فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي صَلَاتَيْنِ أَوْ يَكُونَ الْمُرْتَجُ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَالْفَاتِحُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فَإِنْ كَانَا فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْفَتْحَ عَلَيْهِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَرَ مَالِكٌ بَأْسًا وَكَرِهَهُ الْكُوفِيُّونَ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ أَنَّ الْفَتْحَ عَلَى الْإِمَامِ مَعُونَةٌ عَلَى إتْمَامِ صَلَاتِهِ وَإِصَابَةِ الْقِرَاءَةِ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْصَاتِ عِنْدَ إصَابَةِ الْقِرَاءَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَا فِي صَلَاتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ لَا يَفْتَحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّ فِيهِ اشْتِغَالًا لِلْفَاتِحِ عَنْ صَلَاتِهِ بِصَلَاةِ غَيْرِهِ وَتَغْرِيرًا بِفَرْضِهِ وَرُبَّمَا أَدَّاهُ ذَلِكَ إلَى السَّهْوِ وَإِدْخَالِ نَقْصٍ فِي الْعِبَادَةِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا فَتَحَ عَلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَدْ أَبْطَلَ صَلَاتَهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُعِيدُ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَفْتَحَ مَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ عَلَى مَنْ هُوَ فِي صَلَاةٍ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْفَتْحُ عَلَى الْإِمَامِ إنَّمَا يَكُونُ إذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ وَإِذَا غَيَّرَ قِرَاءَتَهُ فَأَمَّا مِنْ الْإِرْتَاجِ عَلَيْهِ فَهُوَ إذَا وَقَفَ يَنْتَظِرُ التَّلْقِينَ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَمَّا إذَا غَيَّرَ الْقِرَاءَةَ فَلَا يُفْتَحُ إذَا خَرَجَ مِنْ سُورَةٍ إلَى سُورَةٍ أَوْ مِنْ آيَةٍ إلَى أُخْرَى مَا لَمْ يَخْلِطْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِآيَةِ عَذَابٍ أَوْ يُغَيِّرْ تَغْيِيرًا يَقْتَضِي كُفْرًا فَإِنَّهُ يُنَبَّهُ عَلَى الصَّوَابِ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا غَمْزُ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ يَزِيدَ بْنَ رُومَانٍ لِيَفْتَحَ عَلَيْهِ فَقَدْ كَانَ الْوَجْهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ رُومَانٍ إذَا وَقَفَ نَافِعٌ وَلَا يُحْوِجُهُ إلَى غَمْزِهِ وَذَلِكَ الصَّوَابُ لِأَنَّ الْغَمْزَ زِيَادَةُ عَمَلٍ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ الْمَأْمُومُ عِنْدَ تَوَقُّفِ الْإِمَامِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ فَقَدْ رَأَيْت جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِنَا ذَكَرُوا خَبَرَ يَزِيدَ بْنِ رُومَانٍ وَتَكَلَّمُوا عَلَيْهِ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْهُمْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَعَلَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ فِيهِ لَمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ الْعَوْنِ عَلَى إتْمَامِ الْقِرَاءَةِ وَأَنَّهُ عَمَلٌ لِلصَّلَاةِ مَعَ قِرَاءَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَفْتَحْ الْمَأْمُومُ عَلَى الْإِمَامِ مَعَ ذَلِكَ فَوَجْهُ الْعَمَلِ فِيهِ أَنْ يَتَرَدَّدَ الْإِمَامُ أَوْ يُخَطْرِفَ تِلْكَ الْآيَةَ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ رَكَعَ وَسَجَدَ وَسَلَّمَ قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَنْظُرُ فِي مُصْحَفٍ إنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَذَلِكَ عِنْدِي إذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ أُمِّ الْقُرْآنِ وَأَمَّا إنْ أُرْتِجَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ فَلْيَسْتَدْعِ الْفَتْحَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ أَمْكَنَهُ وَلْيَغْمِزْ مَنْ
стр. 152
الْقِرَاءَةُ فِي الصُّبْحِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ صَلَّى الصُّبْحَ فَقَرَأَ فِيهَا بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا) .
ــ
[المنتقى]
يُصَلِّي مَعَهُ وَلْيَنْظُرْ فِي مُصْحَفٍ إنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ لِتَمَامِ فَرْضِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[الْقِرَاءَةُ فِي الصُّبْحِ]
(ش) : مَعْنَاهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ كَانَ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ قَرَأَ بِالْبَقَرَةِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ يُدْرِكُ الْإِسْفَارَ وَإِنْ بَدَأَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ.
وَقَدْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَنْصَرِفْنَ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ فِي الْغَلَسِ وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ جَائِزٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَقَرَأَ فِيهَا بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا سُئِلَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ أَجَزَّأَ السُّورَةَ بَيْنَهُمَا أَمْ قَرَأَهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَكِنْ يَقْرَأُ بِسُورَةٍ وَإِنَّمَا قَالَ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ لَوْ أَكْمَلَهَا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ لَخَرَجَ عَنْ الْوَقْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَلَمَّا كَانَ الْأَظْهَرُ عِنْدَهُ مِنْ جِهَةِ السُّورَةِ أَنَّهُ قَرَأَ بَعْضَهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَجَابَ بِأَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَهُ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً كَامِلَةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرَ بْنِ رَبِيعَةَ يَقُولُ صَلَّيْنَا وَرَاءَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الصُّبْحَ فَقَرَأَ فِيهَا بِسُورَةِ يُوسُفَ وَسُورَةِ الْحَجِّ قِرَاءَةً بَطِيئَةً فَقُلْت وَاَللَّهِ إذًا لَقَدْ كَانَ يَقُومُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ قَالَ أَجَلْ) .
(ش) : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ بِسُورَةِ يُوسُفَ وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِسُورَةِ الْحَجِّ وَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ أُمِّ الْقُرْآنِ لِعِلْمِ السَّامِعِ بِذَلِكَ وَقَوْلُهُ قِرَاءَةً بَطِيئَةً يُرِيدُ يَتَمَهَّلُ فِي النُّطْقِ بِالْحُرُوفِ وَيُبَالِغُ فِي التَّرْتِيلِ.
وَقَوْلُ عُرْوَةَ لَهُ لَقَدْ كَانَ يَقُومُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ إنَّمَا عَلِمَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ تَكَرَّرَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي مُصَلَّاهُ إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ لِأَنَّ ذَلِكَ تَعَمُّدٌ لِأَدَاءِ بَعْضِ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا وَلَا يُظَنُّ هَذَا بِمِثْلِ عُمَرَ ﵁ وَعَلَى مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ آخِرَ وَقْتِهَا وَعَلِمَ أَنَّهُ إنْ خَفَّفَ صَلَاتَهُ مَعَ الْإِتْمَامِ لِفَرْضِهَا أَدْرَكَ جَمِيعَهَا فِي الْوَقْتِ وَإِنْ أَطَالَ قِرَاءَتَهَا أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً وَأَتَى بِسَائِرِهَا فِي غَيْرِ الْوَقْتِ أَنْ يُخَفِّفَ صَلَاتَهُ لِأَنَّ فَضِيلَةَ الْوَقْتِ أَعْظَمُ مِنْ فَضِيلَةِ الْإِطَالَةِ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُؤَدِّيَ الْفَرْضَ كُلَّهُ فِي الْوَقْتِ وَيَتَنَفَّلَ بَعْدَهُ بِمَا شَاءَ وَالْإِطَالَةُ فِي الْقِرَاءَةِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الَّذِي يُجْزِئُ مِنْهَا فِي مَعْنَى النَّافِلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْفُرَافِصَةَ بْنَ عُمَيْرٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ مَا أَخَذْت سُورَةَ يُوسُفَ إلَّا مِنْ قِرَاءَةِ عُثْمَانَ إيَّاهَا فِي الصُّبْحِ مِنْ كَثْرَةِ مَا كَانَ يُرَدِّدُهَا) ش قَوْلُهُ مَا أَخَذْت سُورَةَ يُوسُفَ يُرِيدُ مَا حَفِظَتْهَا إلَّا مِنْ قِرَاءَةِ عُثْمَانَ إيَّاهَا فِي الصُّبْحِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ إنْصَاتِهِ إلَى قِرَاءَةِ الْإِمَامِ وَتَفْرِيغِهِ سِرَّهُ لِمَا يَقْرَأُ بِهِ وَكَثْرَةِ تَرْدَادِ الْإِمَامِ بِهَذِهِ السُّورَةِ وَذَلِكَ جَائِزٌ فَقَدْ يَحْضُرُ الْإِنْسَانَ مِنْ الْخُشُوعِ عِنْدَ قِرَاءَةِ بَعْضِ السُّوَرِ أَكْثَرُ مِمَّا يَحْضُرُهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ بَعْضٍ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْصِدَ بِالْقِرَاءَةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَوْقَاتِهِ مَا يَحْضُرُهُ الْخُشُوعُ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ فِي السَّفَرِ بِالْعَشْرِ السُّوَرِ الْأُوَلِ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ) .
(ش) : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي سَفَرِهِ بِالسُّوَرِ الَّتِي ذَكَرَهَا لَا يَكَادُ يَخْرُجُ مِنْهَا وَذَلِكَ لِتَمَهُّلِهِ وَتَأَنِّيهِ وَقِلَّةِ عَجَلَتِهِ وَإِلَّا فَالْغَالِبُ مِنْ حَالِ الْأَسْفَارِ الْعَجَلَةُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يَقْرَأُ فِيهَا بِالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَالْأَكْرِيَاءُ يُعَجِّلُونَ النَّاسَ وَلِأَنَّ
стр. 153
مَا جَاءَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ (ص) : (مَالِكٌ «عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كَرِيزٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ لَحِقَهُ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى يَدِهِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَ سُورَةً مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلَهَا قَالَ أُبَيٌّ فَجَعَلْت أُبْطِئُ فِي الْمَشْي رَجَاءَ ذَلِكَ ثُمَّ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ السُّورَةُ الَّتِي وَعَدْتَنِي بِهَا قَالَ كَيْفَ تَقْرَأُ إذَا افْتَتَحْت الصَّلَاةَ قَالَ فَقَرَأْت عَلَيْهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى أَتَيْت عَلَى آخِرِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هِيَ هَذِهِ السُّورَةُ وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيت» )
ــ
[المنتقى]
السَّفَرَ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَيُحْذَفُ فِيهِ بَعْضُ أَرْكَانِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالْحَاجَةِ إلَى اسْتِصْحَابِ الرُّفْقَةِ فَبِأَنْ يُخَفِّفَ الْقِرَاءَةَ فِيهَا أَوْلَى وَأَحْرَى إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُطِيلَ مَا أَرَادَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَا جَاءَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ]
(ش) : إنَّ حَمْلَ الْخَبَرِ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ بِصَلَاةِ أُبَيٍّ أَفَادَ جَوَازَ مُنَادَاةِ الْمُصَلَّى وَذَلِكَ بِالْأَمْرِ الْيَسِيرِ مِمَّا لَا يَشْغَلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَعِيَهُ مَعَ الِاشْتِغَالِ بِصَلَاتِهِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ سَوَاءً كَانَ فِي مَكْتُوبَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ فَأَمَّا إنْ كَانَ كَثِيرًا لَا يَعِيهِ إلَّا مَعَ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ وَالِاشْتِغَالِ عَنْ صَلَاتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلِذَلِكَ لَمْ يُخْبِرْ النَّبِيُّ ﷺ أُبَيًّا فِي الصَّلَاةِ بِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا.
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَمِنَ عَلَى أُبَيٍّ أَنْ يُجِيبَهُ فِي الصَّلَاةِ لِعِلْمِهِ وَفِي قَوْلِهِ هَذَا نَظَرٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ احْتَجَّ عَلَى أُبَيٍّ بَعْدَ إخْبَارِهِ لَهُ بِأَنَّهُ كَانَ فِي الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي إجَابَةَ النَّبِيِّ ﷺ حَالَ الصَّلَاةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ أُبَيٍّ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَوْ أَجَابَهُ بِالتَّلْبِيَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ وَيَكُونُ هَذَا حُكْمًا يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِجَابَتِهِ وَلِأَنَّ إجَابَتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ وَالتَّعْظِيمِ لَهُ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَذْكَارِ الَّتِي لَا تُنَافَى بِالصَّلَاةِ بَلْ هِيَ مَشْرُوعَةٌ فِيهَا.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا سَمِعَ الْمَأْمُومُ ذِكْرَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ فَصَلَّى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَا يَجْهَرُ بِهِ وَلَا يُكْثِرُ مِنْهُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا يَجْهَرُ بِهِ لِئَلَّا يَخْلِطَ عَلَى النَّاسِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا يُكْثِرُ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِذَلِكَ عَنْ صَلَاتِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا اسْتَدْعَى مِنْهُ أَنْ يُجِيبَهُ بِلَفْظِ الْقُرْآنِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ مَا جَازَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ فِي صَلَاتِهِ مِنْ مَعْنَى الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ فَرَفَعَ بِذَلِكَ صَوْتَهُ لِيُنَبِّهَ بِهِ رَجُلًا أَوْ لِيَسْتَوْقِفَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَقَدْ اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ لَحِقَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ أَجَابَهُ حِينَ أَمْكَنَتْهُ الْإِجَابَةُ عَلَى أَسْرَعِ مَا أَمْكَنَهُ وَلَعَلَّهُ قَدْ تَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ أَتَاهُ أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ لِيُكَلِّمَهُ وَهُوَ فِي نَافِلَةٍ يُبَادِرُ الْأَمْرَ بِالتَّسْبِيحِ وَيُوجِزُ لَهُمَا فِي صَلَاتِهِ وَيُكَلِّمُهُمَا وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِيمَنْ جَلَسَ إلَى مُصَلِّي نَافِلَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُكَلِّمَهُ فَلْيُجَوِّزْ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَيْهِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا نُدِبَ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ مَعَ إتْمَامِ النَّافِلَةِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الْعَوْدَةِ إلَيْهَا إنْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ فِيهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أُبَيٍّ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى يَدِي إنَّمَا ذَلِكَ لِمَعْنَى التَّأْنِيسِ وَالتَّقْرِيبِ وَالتَّنَبُّهِ عَلَى الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ وَالتَّأَمُّلِ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ
стр. 154
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ مَنْ صَلَّى رَكْعَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَلَمْ يُصَلِّ إلَّا وَرَاءَ إمَامٍ) .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «إنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَ سُورَةً» عَلَى مَعْنَى التَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِقْرَارِ بِقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ تَعْلِيمُ ذَلِكَ يَسِيرًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ بِتَمَامِهِ إلَّا أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ وَمَعْنَى تَعْلَمَ سُورَةً أَنْ يَعْلَمَ مِنْ حَالِهَا مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ عَالِمًا بِالسُّورَةِ وَحَافِظًا لَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا» ذَكَرَ شُيُوخُنَا أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ غَيْرِهَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا يُجْزِي غَيْرُهَا عَنْهَا وَسَائِرُ السُّوَرِ يُجْزِئُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَهِيَ سُورَةٌ قَسَمَهَا اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَا مِنْ أَنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ ثَوَابٍ أَوْ حَسَنَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَجَعَلْت أُبْطِئُ فِي الْمَشْيِ رَجَاءَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى حِرْصِهِ عَلَى الْعِلْمِ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ إنَّ إبْطَاءَهُ خَوْفًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ النِّسْيَانِ فَيَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ إنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ شِدَّةُ الْحِرْصِ وَإِنْ بَعُدَ خَوْفُ النِّسْيَانِ بِقُرْبِ الْمُدَّةِ عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ يُزِيلُهُ بِقَوْلِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ السُّورَةُ الَّتِي وَعَدْتَنِي بِهَا وَهَذِهِ مُبَالَغَةٌ فِي الْحِرْصِ وَاسْتِنْجَازٌ لِلْوَعْدِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «كَيْفَ تَقْرَأُ إذَا افْتَتَحْت الصَّلَاةَ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنْ حُكْمِ الصَّلَاةِ أَنْ يُقْرَأَ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ عِنْدَ افْتِتَاحِهَا وَلَوْ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِهَا فِي الصَّلَاةِ تُجْزِي وَلَمْ تَتَعَيَّنْ بِهَا لَمَا صَحَّ هَذَا السُّؤَالُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ لِأُبَيِّ لِجَوَازِ أَنْ يُجِيبَهُ بِغَيْرِ أُمِّ الْقُرْآنِ فَلَا يَتِمُّ الْغَرَضُ مِنْ تَعْلِيمِهِ أَحْكَامَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَصِفَاتِهَا وَإِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ لِمَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهَا فَقَالَ لَهُ كَيْفَ تَقْرَأُ إذَا افْتَتَحْت الصَّلَاةَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أُبَيٍّ فَقَرَأْت الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى أَتَيْت عَلَى آخِرِهَا اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَيْسَتْ بِآيَةٍ فِي أَوَّلِهَا لِأَنَّ أُبَيًّا يَذْكُرُ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَ أَنَّهُ قَرَأَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ لَبَدَأَ بِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ يَعْنِي أَنَّ مِنْ فَضَائِلِهَا أَيْضًا السَّبْعُ الْمَثَانِي وَهَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي السَّبْعِ الْمَثَانِي وَقِيلَ إنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ عَلَى مَعْنَى التَّخْصِيصِ لَهَا بِهَذَا الِاسْمِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ قُرْآنًا عَظِيمًا كَمَا يُقَالُ فِي مَكَّةَ بَيْتُ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتْ الْبُيُوتُ كُلُّهَا لِلَّهِ وَلَكِنْ عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ وَالتَّعْظِيمِ لِمَكَّةَ وَيُقَالُ مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَإِنْ كَانَ كُلُّ بَشَرٍ عَبْدُ اللَّهِ وَكُلُّ رَسُولٍ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ وَالتَّعْظِيمِ لَهُ ﷺ .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «الَّذِي أُعْطِيت» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ مَنْ صَلَّى رَكْعَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَلَمْ يُصَلِّ إلَّا وَرَاءَ إمَامٍ) ش قَوْلُهُ مَنْ صَلَّى رَكْعَةً يَعْنِي مَنْ أَتَى مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بِرَكْعَةٍ وَلَمْ يَقْرَأْ مَعَ تِلْكَ الْأَفْعَالِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ لِأَنَّهَا أَصْلٌ لَهُ فِيمَا مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يُقْرَأَ فِيهِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ
стр. 155
الْقِرَاءَةُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ هِيَ خِدَاجٌ هِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَامٍّ فَقُلْت يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ قَالَ فَغَمَزَ ذِرَاعِي ثُمَّ قَالَ اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِك يَا فَارِسِيُّ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ ﵎ قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي بِنِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] يَقُولُ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي وَيَقُولُ الْعَبْدُ ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] يَقُولُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَيَقُولُ الْعَبْدُ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَجَّدَنِي عَبْدِي وَيَقُولُ الْعَبْدُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَهَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ يَقُولُ
ــ
[المنتقى]
ثَلَاثًا فَقَالَ وَاَلَّذِي بَعَثَك مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي فَقَالَ فَإِذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا» .
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَاَلَّذِي يَجِبُ قِرَاءَتُهُ أُمُّ الْقُرْآنِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ يَقْرَأُ مَا شَاءَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ وَيُجْزِيهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ «خَبَرُ أَبِي قَتَادَةَ الْمُتَقَدِّمُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سُورَةً مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» وَأَفْعَالُهُ عَلَى الْوُجُوبِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَمَنْ صَلَّى رَكْعَةً وَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَلَمْ يُصَلِّ إلَّا وَرَاءَ إمَامٍ يَقْتَضِي قِرَاءَةَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَلَيْسَتْ بِصَلَاةٍ لِلْفَذِّ وَلَا لِلْإِمَامِ فَمَنْ قَرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَدْ أَتَى مِنْ صَلَاتِهِ بِمَا لَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهِ وَإِنْ تَرَكَ قِرَاءَتَهَا فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الصَّلَاةَ غَيْرُ جَائِزَةٍ إلَّا رِوَايَةً شَاذَّةً رَوَاهَا الْوَاقِدِيُّ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهَا وَإِنْ قَرَأَ بِهَا فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ دُونَ بَعْضٍ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنَا الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا بِقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ عَوْنٍ وَأَيُّوبٌ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ الْمَخْزُومِيُّ إذَا قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ «حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ الْمُتَقَدِّمُ وَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الْأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ وَقَدْ قَالَ ﷺ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَإِذَا كَانَ شُرِطَ فِي صِحَّةِ بَعْضِهَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ سَائِرِهَا كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي رَكْعَةٍ فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ رَوَاهَا كُلَّهَا عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ:
إحْدَاهَا: أَنَّهُ يُجْزِئُهُ سَجْدَتَا السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يُلْغِي الرَّكْعَةَ وَلَا يَعْتَدُّ بِهَا وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ بَعْدَ السَّلَامِ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يُتِمُّ صَلَاتَهُ وَيُعِيدُهَا.
(فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ رُبَاعِيَّةً فَإِنْ كَانَتْ ثُلَاثِيَّةً فَقَدْ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا عِنْدَ مَالِكٍ مَحْمَلٌ وَاحِدٌ وَمَنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي رَكْعَةٍ مِنْ الصُّبْحِ أَعَادَ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ وَأَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ الِاخْتِلَافِ مَا يَدْخُلُ الرُّبَاعِيَّةَ وَحَكَى هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي الْمَبْسُوطِ بِجَوَازِهَا لِأَنَّهُ يَسْتَخِفُّ فِي عَامَّةِ الْأَشْيَاءِ الثُّلُثَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 156
الْعَبْدُ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» )
ــ
[المنتقى]
[الْقِرَاءَةُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ يَعْنِي نَاقِصَةً عَمَّا يَجِبُ فِيهَا وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُزَنِيَّة عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ نَافِعٍ أَنَّ الْخِدَاجَ النَّاقِصُ الَّذِي لَا يَتِمُّ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا تَكُونَ مُجْزِئَةً وَقَدْ تَعَلَّقَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَجَعَلَهُ دَلِيلًا عَلَى الْإِجْزَاءِ لِأَنَّهُ سَمَّاهَا صَلَاةً وَوَصَفَهَا بِالنُّقْصَانِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَثْبُتَ لَهَا حُكْمُ الصَّلَاةِ وَإِنْ نَقَصَتْ فَضِيلَتُهَا أَوْ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهَا لَا تَخْرُجُ بِعَدَمِهَا عَنْ كَوْنِهَا صَلَاةً وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ لِأَنَّ اسْمَ الصَّلَاةِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْمُجْزِئِ مِنْهَا وَغَيْرِ الْمُجْزِئِ يُقَالُ صَلَاةٌ فَاسِدَةٌ وَصَلَاةٌ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ كَمَا يُقَالُ صَلَاةٌ صَحِيحَةٌ وَصَلَاةٌ مُجْزِئَةٌ وَإِطْلَاقُ اسْمِ النُّقْصَانِ عَلَيْهَا يَقْتَضِي نُقْصَانَ أَجْزَائِهَا وَالصَّلَاةُ لَا تَتَبَعَّضُ فَإِذَا بَطَلَ بَعْضُهَا بَطَلَ جَمِيعُهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ اسْمُ النُّقْصَانِ عَلَى عَدَمِ الْفَضِيلَةِ لِمَنْ كَمُلَتْ أَجْزَاؤُهُ وَوَصْفُ الصَّلَاةِ بِأَنَّهَا خِدَاجٌ إذَا لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ يَعْنِي فَسَادَهَا وَقَدْ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ غَيْرُ تَامٍّ فَإِنْ قَرَأَ فِي بَعْضِ رَكَعَاتِهَا دُونَ بَعْضٍ فَهَذِهِ قَضِيَّةٌ لَمْ يُذْكَرْ حُكْمُهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا يَتَنَاوَلُهَا لَفْظُهُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى يَخْرُجُ فَسَادُ كُلِّ رَكْعَةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أَبِي السَّائِبِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ اعْتِرَاضٌ مِنْهُ عَلَى الْعُمُومِ بِجَوَازِ التَّخْصِيصِ عَلَيْهِ بِالْعَمَلِ الشَّائِعِ عِنْدَهُ وَمَا شَاهَدَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي تَرْكِ الْقِرَاءَةِ وَرَاءَ الْإِمَامِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَغَمَزَ ذِرَاعِي عَلَى مَعْنَى التَّأْنِيسِ لَهُ وَتَنْبِيهِهِ عَلَى فَهْمِ مُرَادِهِ وَالْحَثِّ لَهُ عَلَى جَمْعِ ذِهْنِهِ وَفَهْمِهِ لِجَوَابِهِ وَقَالَ لَهُ اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِك يَا فَارِسِيُّ تَرْجَمَ مَالِكٌ ﵀ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يُجْهَرُ فِيهِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ أَنَّ التَّرْجَمَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى قَوْلِهِ كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ لِأَنَّهُ مَنْ تَأَوَّلَ خِدَاجًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ غَيْرَ تَامَّةٍ وَلَا مُجْزِئَةٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرَادَهُ فِي الْمَأْمُومِ فِيمَا يُسِرُّ فِيهِ الْإِمَامُ لِأَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَهُ أَنْ يَقْرَأَ فَإِنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَحْمِلُهَا وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْقِرَاءَةُ لِيَشْغَلَ نَفْسَهُ فِي الصَّلَاةِ بِالْقِرَاءَةِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَلَا يَتَفَرَّغُ لِلْوَسْوَاسِ وَأَمَّا مِنْ حَمْلِ قَوْلِهِ خِدَاجٌ عَلَى نُقْصَانِ الْفَضِيلَةِ فَهَذَا الْقَوْلُ أُجْرِيَ عَلَى رَأْيِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَنْ تُرْسَمَ التَّرْجَمَةُ عَلَى قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِك يَا فَارِسِيُّ وَالْقِرَاءَةُ فِي النَّفْسِ هِيَ بِتَحْرِيكِ اللِّسَانِ بِالتَّكَلُّمِ وَإِنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ سِرًّا رَوَاهُ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ وَلَوْ أَسْمَعَ نَفْسَهُ يَسِيرًا لَكَانَ أَحَبَّ إلَيَّ.
وَقَدْ قَالَ فِي الْمُزَنِيَّة عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ نَافِعٍ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى قَوْلِهِ اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِك يَا فَارِسِيُّ وَلَعَلَّهُمَا أَرَادَا إجْرَاءَهَا عَلَى قَلْبِهِ دُونَ أَنْ يَقْرَأَهَا بِلِسَانِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَبُّ قِرَاءَتَهَا بِاللِّسَانِ وَالشَّفَتَيْنِ دُونَ الِاقْتِصَارِ عَلَى النَّفْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ احْتِجَاجٌ مِنْهُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي النَّفْسِ وَأَنْ لَا يَتْرُكَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ وَرَاءَ الْإِمَامِ فِيمَا يُسِرُّ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ لِمَا أَعْلَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ فَضِيلَةِ الْقِرَاءَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي بِنِصْفَيْنِ» ثُمَّ عَدَّ آيَ أُمِّ الْقُرْآنِ فَسَمَّاهَا صَلَاةً لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصَّلَاةَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الدُّعَاءُ وَهَذِهِ هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي أُمِرْنَا بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ بِهَا دُونَ سَائِرِ مَا يَقَعُ هَذَا الِاسْمُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَيْضًا يَصِحُّ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْأَلْفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ فَلَا يَقَعُ تَحْتَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي الْحَدِيثِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ غَيْرَ أُمِّ الْقُرْآنِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ ثُمَّ وَقَعَ التَّخْصِيصُ وَالْبَيَانُ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أُمُّ الْقُرْآنِ
стр. 157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
دُونَ غَيْرِهَا.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ الصَّلَاةَ هِيَ الْأَفْعَالُ لَكِنَّهُ سَمَّى أُمَّ الْقُرْآنِ صَلَاةً لَمَّا كَانَتْ لَا تَتِمُّ إلَّا بِهَا وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَالَ الْحَجُّ عَرَفَةَ» لَمَّا كَانَ الْحَجُّ لَا يَتِمُّ إلَّا بِعَرَفَةَ.
(فَصْلٌ) :
«وقَوْله تَعَالَى قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي بِنِصْفَيْنِ» مَعْنَى هَذِهِ الْقِسْمَةِ أَنَّهُ جَعَلَ لِنَفْسِهِ نِصْفًا ثَنَاءً عَلَيْهِ وَنِصْفًا دُعَاءً إلَى رَبِّهِ فِي الِاسْتِعَانَةِ لَهُ فِي تَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْبَارِي تَعَالَى بِفَضْلِهِ إذَا أَتَى الْعَبْدُ بِالنِّصْفِ الَّذِي لِرَبِّهِ مِنْ الْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالتَّمْجِيدِ لَهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ هُوَ مَا يَدْعُوهُ فِيهِ مِنْ الْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ وَقَدْ وَعَدَ بِذَلِكَ تَعَالَى وَوَعَدَهُ الْحَقُّ بِقَوْلِهِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ بِنِصْفَيْنِ يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ فِي الْقِسْمَةِ وَلَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ التَّسَاوِي فِي الْمَعْنَى أَوْ فِي عَدَدِ الْأَلْفَاظِ أَوْ فِي عَدَدِ الْآيِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى لِأَنَّ قَسَمَ الْبَارِي تَعَالَى ثَنَاءٌ عَلَيْهِ وَقَسَمَ الْعَبْدِ دُعَاءٌ وَرَغْبَةٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْنِ وَالْبَارِي تَعَالَى مُنْفَرِدٌ بِالثَّنَاءِ وَالْعَبْدُ مُنْفَرِدٌ بِالدُّعَاءِ وَالرَّغْبَةِ الَّتِي يُنَزَّهُ الْبَارِي عَنْهَا كَمَا لَا يُقَالُ هَذَا الثَّوْبُ وَالْعَبْدُ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو بِنِصْفَيْنِ إذَا كَانَ الثَّوْبُ لِأَحَدِهِمَا وَالْعَبْدُ لِلْآخِرِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ عَدَدَ الْأَلْفَاظِ وَلَا عَدَدَ الْحُرُوفِ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَا تَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ تَعَالَى عَدَدَ الْآيِ وَيُبَيِّنَ هَذَا قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ يَقُولُ الْعَبْدُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَهَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْقِسْمَةَ بِالْآيِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَيْسَتْ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ لِأَنَّ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ يَخْتَصُّ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالتَّمْجِيدِ لَهُ وَعَلَى ذَلِكَ ذُكِرَتْ فِي الْحَدِيثِ وَالْآيَةُ الرَّابِعَةُ فِيهَا إقْرَارٌ لِلَّهِ بِالْعِبَادَةِ وَاسْتِعَانَةٌ بِهِ فَهِيَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ وَبِذَلِكَ وُصِفَتْ فِي الْحَدِيثِ وَالثَّلَاثُ الْآيَاتِ مِنْ السُّورَةِ تَخْتَصُّ بِالْعَبْدِ رَغْبَةً فِي التَّوْفِيقِ وَبِذَلِكَ وُصِفَتْ فِي الْحَدِيثِ وَلَوْ كَانَتْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ لَكَانَ الْبَارِي يَخْتَصُّ مِنْ السُّورَةِ بِأَرْبَعِ آيَاتٍ ثُمَّ تَكُونُ آيَةٌ خَامِسَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ ثُمَّ يَخْتَصُّ الْعَبْدُ بِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ أَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ وَهَذَا يَمْنَعُ قِسْمَتَهَا بِنِصْفَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] عَلَى مَعْنَى الْبَيَانِ لِلصَّلَاةِ الَّتِي قَسَمَ الْبَارِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ وَبَيَانُ مَعْنَى الْقِسْمَةِ لَهَا فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَا يَقُولُهُ الْبَارِي تَعَالَى عِنْدَ قِرَاءَةِ الْعَبْدِ كُلَّ آيَةٍ مِنْهَا وَأَعْلَمَ الْعَبْدَ أَنَّ رَبَّهُ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ وَحَمْدَهُ وَثَنَاءَهُ عَلَيْهِ وَتَمْجِيدَهُ إيَّاهُ وَدُعَاءَهُ وَرَغْبَتَهُ إلَيْهِ حَضًّا لِلْعَبْدِ عَلَى الْخُشُوعِ عِنْدَ قِرَاءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَا هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي لَا نَعْلَمُ اجْتِمَاعَهَا فِي سُورَةٍ مِنْ السُّوَرِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ يَقُولُ الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] بَيَانُ أَنَّ هَذَا أَوَّلُ السُّورَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَدَأَ بِقَوْلِهِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] وَلَوْ كَانَتْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَوَّلَ السُّورَةِ لَبَدَأَ بِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَرَأَ جَمِيعَ مَا سَمَّى صَلَاةً وَذَكَرَ فَضْلَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا فَلَوْ كَانَتْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْهَا لَقَرَأَهَا وَذَكَرَ فَضْلَهَا.
(فَصْلٌ) :
وقَوْله تَعَالَى يَقُولُ الْعَبْدُ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] يَقُولُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي مَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَثْنَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ بِخَلْقِهِ وَعِبَادِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْعَبْدِ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] مَجَّدَنِي عَبْدِي وَالدِّينُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْحِسَابُ وَقِيلَ الْجَزَاءُ وَهَذَا إقْرَارٌ مِنْ الْعِبَادِ لِلْبَارِئِ بِأَنَّهُ مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِمُلْكِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَيَّامِ لَمَعَانٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ خَصَّ يَوْمَ الدِّينِ
стр. 158
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانٍ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ كَانَ يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَحَبُّ مِمَّا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) .
تَرْكُ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا سَأَلَ هَلْ يَقْرَأُ أَحَدٌ خَلْفَ الْإِمَامِ قَالَ إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ خَلْفَ الْإِمَامِ فَحَسْبُهُ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيَقْرَأْ قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ)
ــ
[المنتقى]
بِالذِّكْرِ لِعَظَمَتِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَذُلِّ الْمُلَّاكِ فِيهِ وَعَجْزِهِمْ عَنْ مِلْكِ شَيْءٍ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْجَزَاءُ وَيُرْجَى الثَّوَابُ وَيُخْشَى الْعِقَابُ فَيَجِبَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْعِبَادَةِ مَنْ يَمْلِكُهُ وَيَمْلِكُ فِيهِ النَّفْعَ وَالضَّرَرَ وَهُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَآلَ الْأَيَّامِ إلَيْهِ وَانْقِطَاعَ كُلِّ مَمْلَكَةٍ قَبْلَهُ فَيَجِبُ أَنْ يُفْرَدَ بِالْعِبَادَةِ مَنْ يَبْقَى مُلْكُهُ دُونَ مِنْ يَنْقَطِعُ مُلْكُهُ وَتَضْمَحِلُّ رِئَاسَتُهُ وَإِنَّمَا قَالَ مَجَّدَنِي فِي هَذَا اللَّفْظِ وَإِنْ كَانَ التَّمْجِيدُ ثَنَاءً إلَّا أَنَّ الْمَجْدَ الشَّرَفُ وَالْعُلُوُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَفِي قَوْلِ الْعَبْدِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ اخْتِصَاصٌ بِهَذَا الْمَعْنَى.
(فَصْلٌ) :
وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵎ عِنْدَ قَوْلِ الْعَبْدِ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي أَنَّ بَعْضَ الْآيَةِ تَعْظِيمٌ لِلْبَارِئِ تَعَالَى وَبَعْضَهَا اسْتِعَانَةٌ مِنْ الْعَبْدِ لَهُ عَلَى أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَيَقُولُ مَعَ ذَلِكَ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ وَظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ مَا سَأَلَ مِنْ الْعَوْنِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى عِنْدَ قَوْلِ الْعَبْدِ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] إلَى آخِرِ الْآيَةِ فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ مُخْتَصَّةٌ بِالْعَبْدِ لِأَنَّهَا دُعَاؤُهُ بِالتَّوْفِيقِ إلَى صِرَاطِ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ وَالْعِصْمَةِ مِنْ صِرَاطِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ وَقَدْ وَعَدَ رَبُّنَا لِمَنْ قَرَأَ بِذَلِكَ وَسَأَلَ أَنَّ لَهُ مَا سَأَلَ وَاَللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانٍ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ كَانَ يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَحَبُّ مِمَّا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) .
ش مَعَانِي هَذِهِ الْمُتُونِ وَاحِدَةٌ وَإِنَّمَا أَوْرَدَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ عَمَلَ الْأَئِمَّةِ وَالْفُقَهَاءِ لِيَقْوَى بِذَلِكَ تَأْوِيلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ قِرَاءَةُ الْمَأْمُومِ وَذَكَرَ أَنَّهُ أَحَبُّ الْأَقْوَالِ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ وَلَا يَقْرَأُ خَلْفَهُ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ لَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ أَصْلًا أَسَرَّ الْإِمَامُ أَوْ جَهَرَ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّا إنَّمَا مَنَعْنَا الْمَأْمُومَ مِنْ الْقِرَاءَةِ حَالَ جَهْرِ الْإِمَامِ لِلْإِنْصَاتِ إلَيْهِ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ عِنْدَ الْإِسْرَارِ فَاسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَشْغَلْ نَفْسَهُ بِالتَّفَكُّرِ فِي قِرَاءَةِ الْإِمَامِ إذَا جَهَرَ وَلَمْ يَشْغَلْ نَفْسَهُ بِالتَّدَبُّرِ وَلَا يَقْرَأُ هُوَ إذَا أَسَرَّ الْإِمَامُ تَفَرَّغَ لِلْوَسْوَاسِ وَحَدِيثِ النَّفْسِ وَمَا يَشْغَلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ فَاسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ وَتَعَلَّقَ ابْنُ وَهْبٍ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَرَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ أَيُّكُمْ قَرَأَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ أَنَا وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إلَّا الْخَيْرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَرَفْت أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا» وَالْجَوَابُ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ هَذَا الْقَارِئِ أَنَّهُ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قِرَاءَتَهُ بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَهَذَا مَمْنُوعٌ بِاتِّفَاقٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَرْكُ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ]
(ش) : قَوْلُهُ فَحَسْبُهُ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ يُرِيدُ أَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ تَكْفِيهِ أَنْ يَقْرَأَ هُوَ وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيَقْرَأْ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ مَنْ يَكْفِيهِ بِالْقِرَاءَةِ ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ فَقَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَقْرَأُ وَرَاءَ
стр. 159
(ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنْ يَقْرَأَ الرَّجُلُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ وَيَتْرُكَ الْقِرَاءَةَ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ) .
ــ
[المنتقى]
الْإِمَامِ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِالْمَنْعِ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَرَاءَ الْإِمَامِ وَأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ بِذَلِكَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَهَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لَا يَقْرَأُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ يَقْرَأُ وَرَاءَهُ فِيمَا يُسِرُّ فِيهِ وَأَتَى بِاللَّفْظِ عَامًّا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ اللَّفْظِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْرَأُ وَرَاءَ الْإِمَامِ جُمْلَةً وَلَكِنْ أَوْرَدَهُ مَالِكٌ ﵀ وَإِنْ كَانَ لَا يَأْخُذُ بِقَوْلِهِ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ لِيُبَيِّنَ قِرَاءَةَ الِاخْتِلَافِ فِي تَرْكِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ ثُمَّ يُسَوِّغَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إيرَادَ دَلِيلٍ عَلَى مَا يَقُولُ بِهِ مِنْهُ.
(ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنْ يَقْرَأَ الرَّجُلُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ وَيَتْرُكَ الْقِرَاءَةَ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ) .
ش ذَكَرَ مَالِكٌ ﵀ بِإِثْرِ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ مَا يَخْتَارُهُ وَيَرَاهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اخْتِلَافَ النَّاسِ ثُمَّ احْتَجَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى تَرْكِ الْقِرَاءَةِ وَرَاءَ الْإِمَامِ إذَا جَهَرَ فِي الْقِرَاءَةِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ هَلْ قَرَأَ مَعِي مِنْكُمْ أَحَدٌ آنِفًا فَقَالَ رَجُلٌ نَعَمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنِّي أَقُولُ مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) .
(ش) : قَوْلُهُ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ صَلَاةٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا الدُّعَاءَ وَيَكُونُ مَعْنَى جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ بِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالصَّلَاةِ الْأَفْعَالَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ قَالَ هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَجْهَرُوا بِالْقِرَاءَةِ وَلَوْ جَهَرُوا بِالْقِرَاءَةِ لَقَالَ مَالِي أُنَازِعُ الْقُرْآنَ كَمَا قَالَ حِينَ أَخْبَرُوهُ بِالْقِرَاءَةِ مَعَهُ وَلَوْ قَرَأَ بَعْضُهُمْ لَقَالَ مَنْ قَرَأَ مَعِي آنِفًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْتَدَأَهُمْ بِالسُّؤَالِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الْعِلْمَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَقُولُ لَكُمْ مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ وَقَدْ يُقَالُ مِثْلُ هَذَا اللَّفْظِ لَمَعَانٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُعَاتِبَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ فَيَقُولَ مَالِي فَعَلْت كَذَا وَكَذَا.
وَقَدْ يُقَالُ ذَلِكَ لِمَعْنَى التَّثْرِيبِ وَاللَّوْمِ لِمَنْ فَعَلَ مَا لَا يُحِبُّ فَيَقُولُ مَالِي أُوذِيَ وَمَا لِي أَمْنَعُ حَقِّي.
وَقَدْ يَقُولُ ذَلِكَ إذَا أَنْكَرَ أَمْرًا غَابَ عَنْهُ سَبَبُهُ فَيَقُولُ الْإِنْسَانُ مَالِي لَمْ أُدْرِكْ أَمْرَ كَذَا وَمَالِي أُوقَفُ عَلَى أَمْرِ كَذَا وَمَعْنَى ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ مَا الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ إبَاحَتِي لَكُمْ الْقِرَاءَةَ مَعِي فِي الصَّلَاةِ فَتَنَازَعُوا فِي الْقِرَاءَةِ فِيهَا وَمَعْنَى مُنَازَعَتِهِمْ لَهُ لَا يُفْرِدُوهُ بِالْقِرَاءَةِ وَيَقْرَءُونَ مَعَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُنَازَعَتَهُمْ لَهُ فِي الْقِرَاءَةِ.
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ وَالتَّنَازُعُ يَكُون بِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى التَّجَاذُبِ.
وَالثَّانِي: بِمَعْنَى الْمُعَاطَاةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] أَيْ يَتَعَاطَوْنَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهُمْ تَلَقَّوْا إنْكَارَهُ عَلَيْهِمْ الْقِرَاءَةَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ بِالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ وَتَرْكِ مَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلُ مَالِكٍ ﵀ فِي تَرْكِ الْمَأْمُومِ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي حَالِ الْجَهْرِ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّقَ حُكْمَ الِامْتِنَاعِ مِنْ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْجَهْرِ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْجَهْرَ عِلَّةُ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمَأْمُومِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وَهَذَا يَقْتَضِي مَنْعَ الْقِرَاءَةِ جُمْلَةً وَجَمِيعِ الْكَلَامِ وَوُجُوبَ الْإِنْصَاتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ كُلِّ قَارِئٍ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ
стр. 160
مَا جَاءَ فِي التَّأْمِينِ خَلْفَ الْإِمَامِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ آمِينَ» ) .
ــ
[المنتقى]
فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» وَهَذَا أَمْرٌ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا حَالُ ائْتِمَامٍ فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ مَعَهَا الْقِرَاءَةُ عَنْ الْمَأْمُومِ أَصْلُهُ مَا لَوْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا.
(فَصْلٌ) :
فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مِمَّنْ يَسْكُتُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ سَكَتَ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ يَقْرَأُ مَنْ خَلْفَهُ فِي سَكْتَتِهِ أُمَّ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ قِرَاءَتِهِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالْقِرَاءَةِ أَوْلَى مِنْ تَفْرِيغِهِ لِلْوَسْوَاسِ وَحَدِيثِ النَّفْسِ إذَا لَمْ يَقْرَأْ الْإِمَامُ قِرَاءَةً يَنْصِتُ لَهَا وَيَشْتَغِلُ بِتَأَمُّلِهَا وَتَدَبُّرِهَا.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قَرَأَ الْمَأْمُومُ خَلْفَ الْإِمَامِ حَالَ جَهْرِهِ بِالْقِرَاءَةِ فَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
وَرُوِيَ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا أَنَّهَا قِرَاءَةُ قُرْآنٍ فَلَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ أَصْلُ ذَلِكَ حَالُ الْإِسْرَارِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَصِفَةُ الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ الْقَارِئُ نَفْسَهُ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ أَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنْ الْمَأْمُومِينَ فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتُسْمِعُ نَفْسَهَا وَلَا تُسْمِعُ غَيْرَهَا فِي قِرَاءَةٍ وَلَا تَلْبِيَةٍ لِأَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ وَلَيْسَتْ بِإِمَامِ فَتُسْمِعَ غَيْرَهَا رَوَى ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ هَلْ هُمَا مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ هَيْئَاتِهَا فَمَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ يَقْتَضِي أَنَّهَا مِنْ الْهَيْئَاتِ وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَقْتَضِي أَنَّهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ فَمَنْ جَهَرَ فِيمَا يُسَرُّ فِيهِ أَوْ أَسَرَّ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ كَقَوْلِهِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] .
وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَامِدًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ لَا يُعِيدُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ الصَّلَوَاتِ مَا يُجْهَرُ فِيهَا وَمِنْهَا مَا يُسَرُّ فِيهَا فَاَلَّتِي يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ الصُّبْحُ وَالْجُمُعَةُ وَالرَّكْعَتَانِ الْأُولَتَانِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَمِنْ غَيْرِ الْفَرَائِضِ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْوَتْرِ إذَا أَمَّ فِيهَا فَأَمَّا النَّاسُ إذَا أَوْتَرُوا فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُمْ يُسِرُّونَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْهَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ وَأَمَّا مَا يُسَرُّ فِيهِ مِنْ الْفَرَائِضِ فَصَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَمَا بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَمِنْ غَيْرِ الْفَرَائِضِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ وَأَمَّا النَّوَافِلُ الَّتِي لَا تَتَقَدَّرُ كَصَلَاةِ اللَّيْلِ وَغَيْرِهَا فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَجْهَرَ فِيهَا جَهَرَ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُسِرَّ فِيهَا أَسَرَّ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْجَهْرُ فِي اللَّيْلِ أَفْضَلُ وَقَالَ مَالِكٌ يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَكَانَ النَّاسُ يَتَوَاعَدُونَ بِالْمَدِينَةِ لِقِيَامِ الْقُرَّاءِ بِاللَّيْلِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَيُسْتَحَبُّ فِي نَوَافِلِ النَّهَارِ.
[مَا جَاءَ فِي التَّأْمِينِ خَلْفَ الْإِمَامِ]
(ش) : قَوْلُهُ إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إلَى أَنَّ مَعْنَاهُ بَلَغَ مَوْضِعَ التَّأْمِينَ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ إذَا دَعَا قَالُوا وَقَدْ يُسَمَّى الدَّاعِي مُؤَمِّنًا كَمَا يُسَمَّى الْمُؤَمِّنُ دَاعِيًا وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] وَإِنَّمَا كَانَ أَحَدُهُمَا دَاعِيًا وَالْآخَرُ مُؤَمِّنًا وَالْأَظْهَرُ عِنْدَنَا أَنَّ مَعْنَى تَأْمِينِ الْإِمَامِ قَوْلُ آمِينَ كَمَا أَنَّ مَعْنَى أَمِّنُوا قُولُوا آمِينَ إلَّا أَنْ يُعْدَلَ عَنْ هَذَا الظَّاهِرِ بِدَلِيلٍ إنْ وُجِدَ إلَيْهِ وَجْهٌ سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُ أَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لِلْمُؤَمِّنِ دَاعٍ وَجَبَ أَنْ يُقَالَ لِلدَّاعِي مُؤَمِّنٌ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ اللُّغَةَ لَا تُؤْخَذُ بِالْقِيَاسِ وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ بِالسَّمَاعِ مَعَ أَنَّ تَأْوِيلَهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]
стр. 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ دَاعِيًا وَالثَّانِيَ كَانَ مُؤَمِّنًا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا كَانَا دَاعِيَيْنِ وَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِيهِمَا وَالْأَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ إخْبَارَهُ ﷺ عَنْ تَأْمِينِ الْإِمَامِ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ وَلَا عَلَى النَّدْبِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ يُخْبَرُ عَنْ فِعْلِ الْمُبَاحِ وَلَا يُنْكَرُ عَلَى فَاعِلِهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ مِنْ الْإِخْلَاصِ وَالْخُشُوعِ وَحُضُورِ النِّيَّةِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ الْغَفْلَةِ وَقِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ دُعَاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ كَدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ لَهُمْ فَمَنْ كَانَ دُعَاؤُهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَافَقَ دُعَاءَهُمْ وَقِيلَ إنَّ الْمَلَائِكَةَ الْحَفَظَةَ الْمُتَعَاقِبِينَ يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ فَيُؤَمِّنُونَ إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَمَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ فِي حُضُورِهِمْ الصَّلَاةَ وَقَوْلِهِمْ آمِينَ عِنْدَ تَأْمِينِ الْإِمَامِ غُفِرَ لَهُ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ مَعْنَى الْمُوَافَقَةِ الْإِجَابَةُ فَمَنْ اُسْتُجِيبَ لَهُ كَمَا يُسْتَجَابُ لِلْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ وَهَذِهِ تَأْوِيلَاتٌ فِيهَا تَعَسُّفٌ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا دَلِيلٌ وَالْأَوْلَى حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ قَالَ آمِينَ عِنْدَ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ آمِينَ غُفِرَ لَهُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الدَّاوُدِيُّ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْبَارِي تَعَالَى يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمِنْ وَافَقَ قَوْلُهُ آمِينَ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ آمِينَ وَقَوْلُهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ يَقْتَضِي غُفْرَانَ جَمِيعِ الذُّنُوبِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ آمِينَ مُرْسَلٌ وَلَمْ يُسْنِدْهُ أَحَدٌ غَيْرُ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَدْ غَلَطَ فِيهِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ وَلَوْ أُسْنِدَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ آمِينَ فِيمَا يَؤُمُّ فِيهِ جَهْرًا وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ قَوْلًا مُطْلَقًا وَلَعَلَّهُ كَانَ يَقُولُهُ فِيمَا يُصَلِّي فِيهِ فَذًّا أَوْ يَؤُمُّ فِيهِ سِرًّا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَفِي آمِينَ لُغَتَانِ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ وَحَكَى الدَّاوُدِيُّ فِي آمِينَ لُغَةً ثَالِثَةً آمِّينَ بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ وَذَكَرَ أَنَّهَا شَاذَّةٌ وَذَكَرَ ثَعْلَبُ أَنَّهَا خَطَأٌ وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ دُرُسْتَوَيْهِ أَنَّ الْقَصْرَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَإِنَّمَا قَصَرَ الشَّاعِرُ فِي قَوْلِهِ
تَبَاعَدَ مِنِّي فَطْحَلٌ إنْ سَأَلْته ... أَمِينَ فَزَادَ اللَّهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدَا
لِلضَّرُورَةِ إنْ كَانَ قَصَرَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ
فَآمِينَ زَادَ اللَّهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدًا
بِالْمَدِّ وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إذَا قَالَ الْإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا آمِينَ إلَّا بِالْمَدِّ قَالَ وَمَعْنَى آمِينَ اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لِي وَهِيَ كَلِمَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ أَتَتْ مُعَرَّبَةً مَبْنِيَّةً عَلَى الْفَتْحِ لِلْيَاءِ الَّتِي قَبْلَ نُونِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَخْلُو الْمُصَلِّي إمَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ فَذًّا فَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُسِرَّ الْقِرَاءَةَ أَوْ يَجْهَرَ بِهَا فَإِنْ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ آمِينَ فَرَوَى عَنْهُ الْمِصْرِيُّونَ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَوَى عَنْهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يَقُولُهَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَجْهُ رِوَايَةِ الْمِصْرِيِّينَ أَنَّ الْإِمَامَ دَاعٍ وَمِنْ سُنَّةِ الْمُؤَمِّنِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الدَّاعِي.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمَدَنِيِّينَ وَهِيَ عِنْدِي الْخَبَرُ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ لِأَنَّ الْأُمَّةَ بَيْنَ قَائِلَيْنِ قَائِلٌ يَقُولُ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَقَائِلٌ يَقُولُ هُوَ مَكْرُوهٌ فَإِذَا بَطَلَتْ الْكَرَاهِيَةُ بِإِقْرَارِ النَّبِيِّ ﷺ ثَبَتَ النَّدْبُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا الْحَدَثِ بِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا آمِينَ» لِأَنَّ الْفَاءَ فِي الشَّرْطِ لَا تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ وَلَوْ اقْتَضَتْ التَّعْقِيبَ فَإِنَّ خَبَرَ مَنْ رُوِيَ «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» يَمْنَعُ مِنْهُ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِمَامَ إذَا أَسَرَّ آمِينَ فَإِنَّ قَوْلَ الْمَأْمُومِ آمِينَ يَكُونُ عَقِيبَ قَوْلِهِ وَلَا الضَّالِّينَ وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا أَيْ إذَا قَدَرْتُمْ أَنَّهُ أَمَّنَ بِقَوْلِهِ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ عَقِبَ قَوْلِهِ وَلَا الضَّالِّينَ وَيَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا إمَامٌ فَكَانَ التَّأْمِينُ مَشْرُوعًا لَهُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا أَسَرَّ الْقِرَاءَةَ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَأْمُومُ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ
стр. 162
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ فَوَافَقَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ) .
ــ
[المنتقى]
يَسْمَعْهَا فَلَا يَقُلْ آمِينَ قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزَنِيَّة.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَحَرَّى قَدْ يُصَادِفُ تَأْمِينُهُ آيَةَ وَعِيدٍ وَلَيْسَتْ مِمَّا شُرِعَ التَّأْمِينُ عِنْدَهَا.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْمِصْرِيِّينَ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى تَفْرِيعٍ وَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْمَدَنِيِّينَ أَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ فَإِنَّهُ يُسِرُّهَا وَلَا يَجْهَرُ بِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجْهَرُ بِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا آمِينَ» وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَأْمِينُهُ ظَاهِرًا لَعَلَّقَ تَأْمِينَنَا بِهِ لَا بِقَوْلِهِ وَلَا الضَّالِّينَ إلَّا أَنَّهُ بِهِ يُعْرَفُ قَوْلُهُ آمِينَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ دُعَاءٌ مِنْ غَيْرِ الذِّكْرِ حَالَ الْقِيَامِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ الْجَهْرُ كَسَائِرِ مَا يُدْعَى بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا أَسَرَّ الْإِمَامُ الْقِرَاءَةَ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّهُ يَقُولُ آمِينَ لِأَنَّهُ قَدْ عَرَا دُعَاؤُهُ مِنْ مُؤَمِّنٍ عَلَيْهِ غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ أَمَّنَ هُوَ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَإِنَّهُ يُؤَمِّنُ فَإِنْ جَهَرَ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ يُؤَمِّنُ عِنْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ وَلَا الضَّالِّينَ وَإِنْ أَسَرَّ الْقِرَاءَةَ فَإِنَّهُ يُؤَمِّنُ عِنْدَ قَوْلِهِ هُوَ وَلَا الضَّالِّينَ لِأَنَّنَا قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يَقْرَأُ فِيمَا يُسِرُّ الْإِمَامُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ وَأَمَّا الْفَذُّ فَإِنَّهُ يُؤَمِّنُ عِنْدَ تَمَامِهِ بِقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ أَوْ أَسَرَّ وَلَا يَجْهَرُ بِقَوْلِ آمِينَ كَالْإِمَامِ.
(ش) : قَوْلُهُ إذَا قَالَ الْإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ أَنَّ مِنْ حُكْمِ الصَّلَاةِ الْقِرَاءَةَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَأَنَّ الصَّلَاةَ مَعْرُوفَةٌ غَيْرُ خَالِيَةٍ مِنْهَا حَتَّى صَارَ لِقِرَاءَتِهَا وَلِانْتِهَائِهَا أَحْكَامٌ فِي الصَّلَاةِ لِلْأَئِمَّةِ وَالْمَأْمُومِينَ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ رُبَّمَا تَرَكَهَا وَقَرَأَ بِغَيْرِهَا لَقِيلَ إنْ قَالَ الْإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا آمِينَ لِأَنَّ إذَا تُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ يُقَالُ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلِّ وَلَا يُقَالُ إنْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلِّ لِأَنَّ إنْ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُشَكُّ فِي وُقُوعِهِ فَتَقُولُ إنْ جَاءَ زَيْدٌ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا وَلَا تَقُلْ إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا وَأَنْتَ شَاكٌّ فِي مَجِيئِهِ هَذَا ظَاهِرُ الِاسْتِعْمَالِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
(ش) : الْحَدِيثَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ يَخْتَصَّانِ بِالْمَأْمُومِ وَهَذَا الْحَدِيثُ عَامٌّ فِي كُلِّ قَائِلٍ آمِينَ وَدَعَا إلَيْهِ وَحَضَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَنَّ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ إذَا وَافَقَ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ آمِينَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَهَذِهِ حَالٌ يَرْجُوهَا كُلُّ مُؤْمِنٍ إلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى الْمَنْعِ وَبِهَذَا الْحَدِيثِ يَتَبَيَّنُ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ مِنْ أَنَّ مُوَافَقَةَ تَأْمِينِ الْمُصَلِّي تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ مَعَ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ وَخَصَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ يُرِيدُ مَنْ كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ فِي السَّمَاءِ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْبَارِي تَعَالَى قَدْ جَعَلَ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ آمِينَ عِنْدَ دُعَاءِ الْمُصَلِّي بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِذَا وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَهُمْ كَانَ دَلِيلًا عَلَى إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَغْفِرَةَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَتَّفِقُ مِمَّنْ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لَهُ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَتِهِ وَلَا يَحْرِمَنَا إيَّاهَا بِرَحْمَتِهِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ بِالْوُضُوءِ يَخْرُجُ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ وَمِنْ حَدِيثِ الصُّنَابِحِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ وَأَنَّ مَشْيَهُ إلَى الْمَسْجِدِ يَكُونُ نَافِلَةً لَهُ فَمَا الَّذِي يُغْفَرُ لَهُ بِقَوْلِ آمِينَ قَالَ الدَّاوُدِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ هَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ فِي الْوُضُوءِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ بَعْدَ حَدِيثِ الْوُضُوءِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ مَا يُحْدِثُ فِي مَمْشَاهُ مِنْ الذُّنُوبِ وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ وَيَحْتَمِلُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا بِقَرَائِنَ لَمْ يُطْلِعْنَا اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ اسْتِصْحَابِ نِيَّةٍ وَتَمَامِ خُشُوعٍ وَأَنَّهُ مِنْ عَدِمَ ذَلِكَ عِنْدَ الْوُضُوءِ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ آمِينَ
стр. 163
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ) .
الْعَمَلُ فِي الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعَافِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ «رَآنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ
ــ
[المنتقى]
وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَخْتَصَّ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِغُفْرَانِ نَوْعٍ مِنْ الذُّنُوبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَنَبِيُّنَا الصَّادِقُ الْمَعْرُوفُ ﷺ .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ الْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فِي مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ.
وَقَدْ وَرَدَ بَيَانُهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ فَمَعْنَاهُ اللَّهُمَّ اسْمَعْ لِمَنْ حَمِدَك فَيَقُولُ الْمَأْمُومُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ كَالدَّاعِي وَالْمُؤَمِّنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى التَّرْغِيبِ فِي التَّحْمِيدِ وَقَدْ أَكَّدَ ذَلِكَ ﷺ بِقَوْلِهِ «فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» وَمَعْنَى الْمُوَافَقَةِ فِي ذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي التَّأْمِينِ إلَّا أَنَّ فِي هَذَا الْخَبَرِ لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ كَقَوْلِ الْمَأْمُومِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَسَائِلَ مِنْ الْفِقْهِ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ:
أَحَدُهَا: قَوْلُ الْإِمَامِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ هَلْ يَقُولُ مَعَهَا اللَّهُمَّ رَبّنَا وَلَك الْحَمْدُ أَمْ لَا فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ نَافِعٍ يَقُولُ الْإِمَامُ اللَّفْظَتَيْنِ وَكَذَلِكَ الْمَأْمُومُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبّنَا وَلَك الْحَمْدُ فَقَدْ خَصَّ الْإِمَامَ بِلَفْظٍ وَخَصَّ الْمَأْمُومَ بِلَفْظٍ آخَرَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا أَضَافَهُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ مَا أَضَافَهُ إلَى غَيْرِهِ وَإِلَّا بَطَلَ مَعْنَى التَّخْصِيصِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ رُكْنٍ إلَى رُكْنٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ وَاحِدًا فِي حَقِّ الْإِمَامِ كَالذِّكْرِ فِي الْقِيَامِ مِنْ السُّجُودِ وَالْكَلَامُ فِي الْمَأْمُومِ كَالْكَلَامِ فِي الْإِمَامِ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِيهِمَا وَاحِدٌ وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَإِنَّهُ يَقُولُهُمَا لِأَنَّ كُلَّ مَا يَقُولُهُ الْمَأْمُومُ عَلَى سَبِيلِ الْإِجَابَةِ لِلْإِمَامِ بِغَيْرِ لَفْظِهِ فَإِنَّ الْمُنْفَرِدَ يَأْتِي بِهِمَا جَمِيعًا أَصْلُ ذَلِكَ آخِرُ أُمِّ الْقُرْآنِ وَقَوْلِ آمِينَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا خِلَافَ فِي صِفَةِ مَا يَقُولُهُ الْإِمَامُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يَقُولُهُ الْمَأْمُومُ وَاخْتَلَفَتْ الْآثَارُ فِي ذَلِكَ فَرُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ بِزِيَادَةِ اللَّهُمَّ وَنُقْصَانِ الْوَاوِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَك الْحَمْدُ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ رَبّنَا وَلَك وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ اللَّهُمَّ رَبّنَا وَلَك الْحَمْدُ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ رَبّنَا لَك الْحَمْدُ وَاخْتَارَهُ أَشْهَبُ وَجْهُ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي سَعِيدٍ قَدْ رَوَاهُ وَهُوَ ثِقَةٌ وَالْأَخْذُ بِالزَّائِدِ أَوْلَى إذَا كَانَ ثِقَةً وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي لَفْظِ الذِّكْرِ.
وَوَجْهُ مَا اخْتَارَهُ أَشْهَبُ أَنَّ الْوَاوَ الزَّائِدَةَ فِي الْكَلَامِ لَا تُفِيدُ مَعْنًى فَكَانَ حَذْفُهَا أَوْلَى وَقَدْ قَالَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهَا وَاوُ الِابْتِدَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ اللَّهُمَّ افْعَلْ وَلَك الْحَمْدُ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ قَوْلَ الْمُصَلِّي سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ يَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ عَنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِذْكَارِ لِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمَأْمُومِينَ إذْ الصَّلَاةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ أَنْ يَسْمَعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَيَكُونَ مَعْنًى يَسْمَعُهُ أَيْ يُثِيبُهُ وَيَتَقَبَّلُ مِنْهُ وَقَوْلُ الْمَأْمُومِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ مَعْنَاهُ الْمُبَادَرَةُ إلَى فِعْلِ مَا دَعَا إلَيْهِ وَالْعَمَلِ بِمَا دَعَا لَهُ أَيْ يُثَابُ عَلَيْهِ وَيَتَقَبَّلُ مِنْهُ.
стр. 164
وَأَنَا أَعْبَثُ بِالْحَصْبَاءِ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا انْصَرَفْت نَهَانِي. وَقَالَ اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ فَقُلْت كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ قَالَ كَانَ إذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى وَقَالَ هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَصَلَّى إلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ فَلَمَّا جَلَسَ الرَّجُلُ فِي أَرْبَعٍ تَرَبَّعَ وَثَنَى رِجْلَيْهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ عَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ الرَّجُلُ فَإِنَّك تَفْعَلُ ذَلِكَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَإِنِّي أَشْتَكِي)
ــ
[المنتقى]
[الْعَمَلُ فِي الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ]
(ش) : قَوْلُهُ رَآنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَنَا أَعْبَثُ بِالْحَصْبَاءِ فِي الصَّلَاةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِي الصَّلَاةِ أَيْضًا وَيَنْظُرُ إلَيْهِ عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ فَأَخَّرَ تَعْلِيمَهُ بِسَبَبِ الصَّلَاةِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَبَثُ فِي الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَنْعِهِ مِنْ الْعَبَثِ بِالْحَصْبَاءِ مَنْعُهُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ فَجَمَعَ لَهُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّهُ عَلَّمَهُ سُنَّةَ الصَّلَاةِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ ذَلِكَ الِامْتِنَاعُ مِنْ كُلِّ عَبَثٍ فِي حَالِ الْجُلُوسِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْبَثَ بِشَيْءٍ مَعَ امْتِثَالِهِ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ أَتَاهُ بِالْحُجَّةِ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَكَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ حِرْصٌ عَلَى الْعِلْمِ وَمُبَادَرَةٌ بِالسُّؤَالِ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُعَلِّمًا لَهُ وَمُخْبِرًا بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ إذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِعْلُهُ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ وَلَوْ كَانَ هَذَا فِعْلَهُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ لَمَا صَحَّ إطْلَاقُهُ الْإِخْبَارَ عَنْ صَلَاتِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ يَعْنِي غَيْرَ السَّبَّابَةِ قَبَضَهَا وَهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي وَصَفَ هِيَ عَقْدُ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَعْنَى إشَارَتِهِ بِالسَّبَّابَةِ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ وَزَادَ فِي آخِرِهِ وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَوَّلًا ثُمَّ لَقِيته فَسَمِعْته مِنْهُ وَزَادَ فِيهِ مُسْلِمٌ قَالَ هِيَ مُدْيَةُ الشَّيْطَانِ لَا يَسْهُو أَحَدُكُمْ مَا دَامَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ وَهُوَ يَقُولُ هَكَذَا فَفِيهِ أَنَّ تَحْرِيكَ السَّبَّابَةِ إنَّمَا هُوَ لِرَفْعِ السَّهْوِ وَقَمْعِ الشَّيْطَانِ يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُهَا مِنْ تَحْتِ الْبُرْنُسِ وَيُوَاظِبُ عَلَى تَحْرِيكِهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَمُدُّهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ وَيَجْعَلُ جَنْبَهَا الْأَيْسَرَ مِنْ فَوْقُ وَقَالَهُ يَحْيَى بْنُ مَرْيَمَ فَمَنْ ذَهَبَ إلَى تَحْرِيكِهِمَا فَهُوَ الَّذِي يَتَأَوَّلُ الِاشْتِغَالَ بِهَا عِنْدَ السَّهْوِ وَقَمْعَ الشَّيْطَانِ وَمَنْ ذَهَبَ إلَى مَدِّهَا فَهُوَ الَّذِي يَتَأَوَّلُ التَّوْحِيدَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُحَرِّكُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ مَدَّهَا وَالْإِشَارَةَ بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ فَلَمَّا جَلَسَ الرَّجُلُ فِي أَرْبَعٍ تَرَبَّعَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ فَيَضَعُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى وَرِجْلَهُ الْيُسْرَى تَحْتَ رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَرَبَّعَ وَيَثْنِيَ رِجْلَيْهِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ فَتَكُونَ رِجْلُهُ الْيُسْرَى تَحْتَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ الْيُمْنَى وَيَثْنِيَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى فَتَكُونَ عِنْدَ أَلْيَتِهِ الْيُمْنَى وَيُشْبِهُ أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ قَعْدَةَ الرَّجُلِ.
فَلَمَّا انْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ صَلَاتِهِ عَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تَرَكَ هَيْئَةَ الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ الرَّجُلُ لِعَبْدِ اللَّهِ إنَّك تَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فَلِذَلِكَ امْتَثَلَ الرَّجُلُ فِعْلَهُ فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ لِشَكْوَى رِجْلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ فُدِعَ بِخَيْبَرَ فَلَمْ تَعُدْ رِجْلَاهُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَكَانَ يَشْتَكِيهَا فَكَانَ يَجْلِسُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْوَاجِبُ أَنْ يَتَكَلَّفَ سُنَّةَ الصَّلَاةِ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا أَتَى بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَصِفَةُ
стр. 165
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَرْجِعُ فِي السَّجْدَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ إنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةَ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا أَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنِّي أَشْتَكِي)
ــ
[المنتقى]
الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَنْصِبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَيَثْنِيَ الْيُسْرَى وَيُخْرِجَهُمَا جَمِيعًا مِنْ جِهَةِ وَرِكِهِ الْأَيْمَنِ وَيُفْضِيَ بِأَلْيَتِهِ إلَى الْأَرْضِ وَيَجْعَلَ بَاطِنَ إبْهَامِهِ الْيُمْنَى إلَى الْأَرْضِ وَلَا يَجْعَلَ جَنْبَهَا وَلَا ظَاهِرَهَا إلَى الْأَرْضِ هَذِهِ صِفَةُ الْجُلُوسِ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ فِي الْجِلْسَتَيْنِ وَفِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجْلِسُ فِي الْجِلْسَةِ الْأُولَى عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى وَيَجْلِسُ فِي الْجِلْسَةِ الْأَخِيرَةِ مُتَوَرِّكًا يُخْرِجُ رِجْلَيْهِ مِنْ جِهَةِ وَرِكِهِ الْيُمْنَى وَيُفْضِي بِأَلْيَتِهِ إلَى الْأَرْضِ وَيُضْجِعُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجْلِسُ فِي الْجِلْسَتَيْنِ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْجِلْسَةِ الْأُولَى وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ الْحَدِيثُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا مِنْ الْأَصْلِ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إنَّمَا سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى وَتَثْنِيَ رِجْلَكَ الْيُسْرَى وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا فِعْلٌ يَتَكَرَّرُ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَكَرَّرَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ كَالْقِيَامِ وَالسُّجُودِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَرْجِعُ فِي السَّجْدَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ إنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةَ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا أَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنِّي أَشْتَكِي) .
(ش) : مَعْنَى رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ فِي السَّجْدَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ كَانَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ سَجْدَتَيْهِ فِي الصَّلَاةِ إلَى أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى قَدَمَيْهِ فَرُجُوعُهُ مِنْ الْأُولَى إلَى الْقُعُودِ عَلَى رِجْلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ عَلَى التَّوَرُّكِ فَكَانَ يَفْعَلُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِأَقْرَبِ مَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ هَيْئَاتِ الْجُلُوسِ مِمَّا كَانَ أَيْسَرَ عَلَيْهِ فِي الرُّجُوعِ إلَى السُّجُودِ وَهَذِهِ الْهَيْئَةُ يَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ مِنْهَا إلَى السُّجُودِ فَأَمَّا هَيْئَتُهُ فِي الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلَى السُّجُودِ وَأَمَّا رُجُوعُهُ عَلَى قَدَمَيْهِ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ إلَى قِيَامٍ أَوْ جُلُوسٍ فَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ إلَى جُلُوسٍ عَادَ إلَى تِلْكَ الْحَالِ ثُمَّ تَرَبَّعَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ إلَى قِيَامٍ رَجَعَ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ إلَى الِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا وَهُوَ قَاعِدٌ وَأَلْيَتَاهُ تَكَادُ أَنْ تَمَسَّ الْأَرْضَ ثُمَّ يَنْهَضُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ إلَى الْقِيَامِ وَهُوَ الْإِقْعَاءُ الَّذِي كَرِهَهُ مَالِكٌ وَنَفَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْهُ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَفْعَلُهُ لِأَجْلِ شَكْوَاهُ.
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ الرُّجُوعَ عَلَى الْقَدَمَيْنِ مِنْ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ وَيَقْعُدُ عَلَى قَدَمَيْهِ يَسِيرًا ثُمَّ يَنْهَضُ إلَى الْقِيَامِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ وَلَا يُسَمِّيهِ إقْعَاءً وَإِنَّمَا الْإِقْعَاءُ عِنْدَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ عَلَى عَقِبَيْهِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِمَا.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ إنَّ الْإِقْعَاءَ هُوَ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ عَلَى أَلْيَتِهِ نَاصِبًا فَخِذَيْهِ مِثْلَ إقْعَاءِ الْكَلْبِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ ﵀ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا جُلُوسٌ لَمْ يُسَنَّ فِيهِ ذِكْرٌ وَلَيْسَ يُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ مُشْتَبِهِينَ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ كَالْجُلُوسِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ وَعِيسَى بْنِ دِينَارٍ مَنْ انْصَرَفَ عَلَى ظُهُورِ قَدَمَيْهِ لَمْ يَعُدْ.
(فَصْلٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ ذِكْرَ الْمُغِيرَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ذَلِكَ لَمَّا رَأَى مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ مَا يُخَالِفُهُ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ لِسُنَّةٍ عَلِمَهَا أَوْ لِتَمْيِيزٍ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ أَوْ لِعُذْرٍ اضْطَرَّهُ إلَى ذَلِكَ فَأَخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ ذَلِكَ الْعُذْرَ الشَّكْوَى الَّتِي بِهِ لَا أَنَّهُ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَتَرَبَّعُ فِي الصَّلَاة إذَا جَلَسَ قَالَ فَفَعَلْته وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ فَنَهَانِي عَبْدُ اللَّهِ وَقَالَ إنَّمَا سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَك الْيُمْنَى وَتَثْنِيَ رِجْلَك الْيُسْرَى فَقُلْت لَهُ فَإِنَّك تَفْعَلُ ذَلِكَ فَقَالَ إنَّ رِجْلَيَّ لَا تَحْمِلَانِي) .
ش قَوْلُهُ فَفَعَلْته وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ أَخْبَرَ أَنَّ مَا فَعَلَ مِنْ التَّرَبُّعِ فِي جُلُوسِ الصَّلَاةِ إذْ رَأَى أَبَاهُ يَفْعَلُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ عُذْرَهُ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ مِمَّنْ رَسَخَ فِي الْعِلْمِ حَتَّى نَهَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِسُنَّةِ الصَّلَاةِ
стр. 166
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَرَاهُمْ الْجُلُوسَ فِي التَّشَهُّدِ فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَجَلَسَ عَلَى وَرِكِهِ الْأَيْسَرِ وَلَمْ يَجْلِسْ عَلَى قَدَمِهِ ثُمَّ قَالَ أَرَانِي هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَحَدَّثَنِي أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) .
التَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِي أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يُعَلِّمُ النَّاسَ التَّشَهُّدَ يَقُولُ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ)
ــ
[المنتقى]
وَأَمَرَهُ بِهَا.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَرَاهُمْ الْجُلُوسَ فِي التَّشَهُّدِ فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَجَلَسَ عَلَى وَرِكِهِ الْأَيْسَرِ وَلَمْ يَجْلِسْ عَلَى قَدَمِهِ ثُمَّ قَالَ أَرَانِي هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَحَدَّثَنِي أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) .
(ش) : هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اهْتِمَامِ التَّابِعِينَ وَمَنْ قَبْلَهُمْ بِهَيْئَةِ الْجُلُوسِ وَأَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ عَنْ بَعْضٍ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي الْخَبَرِ وَجَلَسَ عَلَى وَرِكِهِ الْأَيْسَرِ يُرِيدُ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى طَرَفِ وَرِكِهِ وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَجْلِسْ عَلَى قَدَمَيْهِ وَمَتَى لَمْ يَجْلِسْ عَلَى قَدَمَيْهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُفْضِيَ بِأَلْيَتِهِ إلَى الْأَرْضِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَرَانِي هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَذَا قَوْلُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَأَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْر عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَمَّا إخْبَارُهُ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ قَبْلَ شَكْوَاهُ مِنْ رِجْلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ وَيُطَاعُ فِيهِ.
[التَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ]
(ش) : قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ التَّحِيَّاتُ جَمْعُ تَحِيَّةٍ وَالسَّلَامُ مِنْهُ وَقَالَ غَيْرُهُ التَّحِيَّاتُ الْمُلْكُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالزَّاكِيَاتُ صَالِحُ الْأَعْمَالِ وَالطَّيِّبَاتُ طَيِّبَاتُ الْقَوْلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَعِنْدِي أَنَّ مَعْنَى الصَّلَوَاتِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِهَا غَيْرُ اللَّهِ وَهَذَا تَشَهُّدُ عُمَرَ ﵁ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَاخْتَارَ تَشَهُّدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ تَشَهُّدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ تَشَهُّدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَجْرِي مَجْرَى الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَّمَهُ لِلنَّاسِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَلَا خَالَفَهُ فِيهِ وَلَا قَالَ لَهُ إنَّ غَيْرَهُ مِنْ التَّشَهُّدِ يَجْرِي مَجْرَاهُ فَثَبَتَ بِذَلِكَ إقْرَارُهُمْ عَلَيْهِ وَمُوَافَقَتُهُمْ إيَّاهُ عَلَى تَعْيِينِهِ وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ يَجْرِي مَجْرَاهُ لَقَالَ لَهُ الصَّحَابَةُ وَأَكْثَرُهُمْ إنَّكَ قَدْ ضَيَّقْت عَلَى النَّاسِ وَاسِعًا وَقَصَرْتهمْ عَلَى مَا هُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَقَدْ أَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْقُرْآنِ الْقِرَاءَةَ بِمَا تَيَسَّرَ عَلَيْنَا مِنْ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ الْمُنْزَلَةِ فَكَيْفَ بِالتَّشَهُّدِ وَلَيْسَتْ لَهُ دَرَجَةُ الْقُرْآنِ أَنْ يَقْصِرَ النَّاسَ فِيهِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ وَيَمْنَعَ مِمَّا تَيَسَّرَ مِمَّا سِوَاهُ وَلَمَّا لَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ أَحَدٌ بِذَلِكَ وَلَا بِغَيْرِهِ عُلِمَ أَنَّهُ التَّشَهُّدُ الْمَشْرُوعُ هَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ شُيُوخُنَا الْعِرَاقِيُّونَ فِي التَّشَهُّدِ.
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ إنَّ ذَلِكَ مِنْ مَالِكٍ ﵀ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ وَكَيْفَمَا تَشَهَّدَ الْمُصَلِّي عِنْدَهُ جَائِزٌ وَلَيْسَ فِي تَعْلِيمِ عُمَرَ النَّاسَ هَذَا التَّشَهُّدَ مَنْعٌ مِنْ غَيْرِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ قَالَ قَوْمٌ السَّلَامُ اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] فَمَعْنَى السَّلَامُ عَلَيْكُمْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أَيْ عَلَى حِفْظِكُمْ وَقَالَ قَوْمٌ السَّلَامُ الْمُسَلِّمُ لِعِبَادِهِ.
وَقَالَ قَوْمٌ مَعْنَاهُ ذُو السَّلَامِ فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ السَّلَامَ مَقَامَهُ وَالسَّلَامُ التَّسْلِيمُ يُقَالُ سَلَّمَ سَلَامًا وَتَسْلِيمًا وَقَالَ قَوْمٌ مَعْنَاهُ السَّلَامَةُ عَلَيْكُمْ وَالسَّلَامُ جَمْعُ سَلَامَةٍ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَشَهَّدُ فَيَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ شَهِدْت أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ
стр. 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَشَهِدْت أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ هَذَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَيَدْعُو إذَا قَضَى تَشَهُّدَهُ بِمَا بَدَا لَهُ فَإِذَا جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ تَشَهَّدَ كَذَلِكَ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ يُقَدِّمُ التَّشَهُّدَ ثُمَّ يَدْعُو بِمَا بَدَا لَهُ فَإِذَا قَضَى تَشَهُّدَهُ وَأَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ قَالَ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى الْإِمَامِ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ عَنْ يَسَارِهِ رَدَّ عَلَيْهِ) .
(ش) : قَوْلُهُ فَيَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ التَّشَهُّدِ عِنْدَ مَالِكٍ الْبَسْمَلَةُ فِي أَوَّلِ التَّشَهُّدِ لِأَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ السُّنَّةَ تَشَهُّدُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ ذَلِكَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ مِنْ الْعَجْزِ فَلَمْ يَسْتَفْتِحْ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يَقُولُ هَذَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ثُمَّ يَدْعُو إذَا قَضَى تَشَهُّدَهُ بَيَانٌ أَنَّ التَّشَهُّدَ عِنْدَهُ قَبْلَ الدُّعَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ نَقُولُ السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَذَكَرَ التَّشَهُّدَ حَتَّى بَلَغَ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُو بِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَدْعُو إذَا قَضَى تَشَهُّدَهُ بِمَا بَدَا لَهُ يُرِيدُ مِنْ أُمُورِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ مَا لَمْ يَمْنَعْ الدُّعَاءُ بِهِ وَلَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا بِغَيْرِ الْقُرْآنِ وَيَدْعُو عَلَى الظَّالِمِ وَيَدْعُو لِلْمَظْلُومِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَدْعُو بِغَيْرِ الْقُرْآنِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ يَدْعُو لِرِجَالٍ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَك عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِي يُوسُفَ» .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ يَدْعُو فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ مَوْضِعٌ لِلدُّعَاءِ وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ بَعْدَهُ.
وَجْهُ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ آخِرَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ لَمَّا كَانَ مُشْبِهًا لِأَوَّلِهِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ بِمُنْتَهَى الْعِبَادَةِ وَلَمْ يُشْرَعْ لِيَسْتَدْرِكَ فِيهِ مَا فَاتَ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ مَوْضِعًا لِلدُّعَاءِ كَأَوَّلِهِ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ آخِرُ تَشَهُّدٍ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يُمْنَعْ فِيهِ الدُّعَاءُ أَصْلُ ذَلِكَ التَّشَهُّدُ الثَّانِي.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِذَا جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ تَشَهَّدَ كَذَلِكَ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ يُقَدِّمُ التَّشَهُّدَ بَيَانَ أَنَّ التَّشَهُّدَيْنِ عِنْدَهُ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَفْظٍ وَاحِدٍ مُتَقَدِّمَيْنِ عَلَى الدُّعَاءِ مِنْ مَوْضِعِهِمَا وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وُجُوبِ التَّشَهُّدِ فَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَاللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ هُوَ وَاجِبٌ فِي الْجِلْسَتَيْنِ جَمِيعًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ وَاجِبٌ فِي الْجِلْسَةِ الْأُخْرَى دُونَ الْأُولَى وَرَوَاهُ أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ وَدَلِيلُنَا عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّهُ ذِكْرٌ لَا يُجْهَرُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ بِوَجْهٍ فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا كَالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِذَا قَضَى تَشَهُّدَهُ وَأَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ قَالَ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ يُرِيدُ أَنَّهُ يُعِيدُ مِنْ آخِرِ التَّشَهُّدِ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ السَّلَامِ وَهُوَ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى الْمُصَلِّي وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ثُمَّ يَصِلُ بِذَلِكَ سَلَامَهُ مِنْ الصَّلَاةِ لِيُدْخِلَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالدُّعَاءُ بَعْدَهُ فِي حُكْمِهِ وَيَكُونُ آخِرُ التَّشَهُّدِ الْمَسْنُونِ مُتَّصِلًا بِسَلَامِهِ.
وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ اسْتَحَبَّ لِلْمَأْمُومِ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
стр. 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَيُسَلِّمُ بِإِثْرِ سَلَامِ إمَامِهِ وَلَا يَثْبُتُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَتَشَهَّدَ فَيَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى الْإِمَامِ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ عَنْ يَسَارِهِ رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا بَيَانُ حُكْمِ الْمَأْمُومِ فِي السَّلَامِ وَفِي هَذَا سَبْعُ مَسَائِلَ إحْدَاهَا أَنَّ السَّلَامَ وَاجِبٌ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْ الصَّلَاةِ بِغَيْرِهِ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَتَحَلَّلُ مِنْهَا بِكُلِّ فِعْلٍ وَقَوْلٍ يُنَافِيهَا وَيَقْصِدُ بِهِ إلَى الْخُرُوجِ عَنْهَا وَالِانْفِصَالِ مِنْهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا أَحْدَثَ فِي التَّشَهُّدِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ صَحَّتْ وَكَمُلَتْ وَهُوَ يَقْرُبُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ «صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ» فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ سَلَّمَ وَأَفْعَالُهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَقَدْ قَالَ ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَصِفَةُ التَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِالتَّعْرِيفِ فَإِنْ نُكِّرَ وَنُوِّنَ لَمْ يَجُزْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ يُجْزِئُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ.
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ وَاَلَّذِي رَأَيْت لَهُ إنَّمَا حَكَاهُ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا رُوِيَ عَنْ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ «أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ كُلَّمَا وَضَعَ اللَّهُ أَكْبَرُ كُلَّمَا رَفَعَ يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ عَنْ يَمِينِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ عَنْ يَسَارِهِ» وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ الَّذِي لَمْ يُرْوَ عَنْهُ خِلَافُهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْفَرْضُ مِنْ السَّلَامِ وَاحِدٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الْفَرْضُ اثْنَتَانِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا نُطْقٌ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ الصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ مِنْهُ وَاحِدًا كَالتَّكْبِيرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ أَحْوَالَ الْمُصَلِّينَ فِي ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ مَأْمُومٌ وَغَيْرُ مَأْمُومٍ فَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْمُومِ وَهُوَ الْإِمَامُ أَوْ الْفَذُّ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً يَخْرُجُ بِهَا عَنْ صَلَاتِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ قَالَ اللَّيْثُ وَرَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ يُسَلِّمُ الْفَذُّ تَسْلِيمَةً عَنْ يَسَارِهِ وَبِهَذَا كَانَ يَأْخُذُ مَالِكٌ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ إنَّ كُلَّ مُسَلِّمٍ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ تَسْلِيمَةً عَنْ يَمِينِهِ وَتَسْلِيمَةً عَنْ يَسَارِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُشِيرُ بِالْأُولَى عَنْ يَمِينِهِ وَبِالثَّانِيَةِ عَنْ يَسَارِهِ وَيَنْوِي الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ بِالتَّسْلِيمَةِ الَّتِي فِي جِهَتِهِ عَنْ يَمِينِهِ كَانَ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثُ فِي أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً وَهِيَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ لَمْ يُخْرِجْ الْبُخَارِيُّ مِنْهَا شَيْئًا وَأَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ وَهُوَ إخْبَارٌ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي إفْرَادَ السَّلَامِ الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ فِي حُكْمِ الْإِمَامِ وَالْفَذِّ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى حُكْمِ الرَّدِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ إحْدَاهُمَا يَخْرُجُ بِهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَالثَّانِيَةُ يَرُدُّ بِهَا عَلَى الْإِمَامِ وَأَصْلُ ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «وَإِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ» وَهَذَا حُكْمُ الْمُصَلِّي فِي جَمَاعَةٍ فَيُسَلِّمُ أَوَّلًا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ.
وَوَجْهُ التَّعَلُّقِ بِهِ أَنَّهُ ﷺ شُرِعَ لِلْمُصَلِّي أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ فَيُسَلِّمَ أَوَّلًا عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ يُسَلِّمَ عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ يَرُدَّ هُوَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ سَلَّمُوا هَذَا فِيمَنْ عَنْ يَسَارِهِ قِسْنَا عَلَيْهِ الْإِمَامَ لِأَنَّهُ مُسَلِّمٌ عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي صَلَاتِهِ فَكَانَ حُكْمُهُ الرَّدَّ عَلَيْهِ كَالْمَأْمُومِينَ.
(فَرْعٌ) فَعَلَى هَذَا يُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ تَسْلِيمَتَيْنِ إحْدَاهُمَا عَنْ يَمِينِهِ يَتَحَلَّلُ بِهَا مِنْ صَلَاتِهِ وَأُخْرَى يَرُدُّ بِهَا عَلَى إمَامِهِ وَهَلْ يَرُدُّ بِتِلْكَ الثَّانِيَةِ عَلَى مَنْ كَانَ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ يُسَلِّمُ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ تَسْلِيمَةً ثَالِثَةً قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ فَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ.
стр. 169
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَسَلَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ إذَا تَشَهَّدَتْ التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) .
ــ
[المنتقى]
يَجُزْ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرُدَّ عَلَى اثْنَيْنِ مِنْ الْمَأْمُومِينَ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُفْرِدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِتَسْلِيمَةٍ وَذَلِكَ بَاطِلٌ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يُفْرِدُ الْمَأْمُومِينَ بِتَسْلِيمَةٍ ثَالِثَةٍ فَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْمَأْمُومِينَ غَيْرُ حُكْمِ الْإِمَامِ وَقَدْ يَنْفَرِدُ الْإِمَامُ عَنْهُمْ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُفْرِدَهُمْ بِسَلَامٍ يَرُدُّ بِهِ عَلَيْهِمْ كَالْإِمَامِ لَمَّا كَانَ لَهُ حُكْمٌ غَيْرُ حُكْمِ الْخُرُوجِ عَنْ الصَّلَاةِ أُفْرِدَ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ بِأَيِّ سَلَامِ الرَّدِّ يَبْدَأُ الْمَأْمُومُ فَرَوَى أَشْهَبُ وَمُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالرَّدِّ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَنْ يَسَارِهِ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى أَنْ يَبْدَأَ بِالرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ وَحَكَى عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ رِوَايَةً ثَالِثَةً وَهُوَ التَّخْيِيرُ فِي ذَلِكَ.
وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْإِمَامَ بَدَأَ بِالسَّلَامِ فَكَانَ أَنْ يَبْدَأَ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ أَوْلَى.
(فَرْعٌ) وَمَنْ فَاتَهُ بَعْضُ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَسَلَّمَ بَعْدَ الْقَضَاءِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ عَلَى الْإِمَامِ قَالَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الرَّدِّ الِاتِّصَالَ بِالسَّلَامِ فَإِذَا بَطَلَ ذَلِكَ بَطَلَ حُكْمُهُ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ حُكْمَ الْإِمَامِ بَاقٍ فَلَزِمَهُ مِنْهُ مَا يَلْزَمُ لَوْ بَقِيَتْ صَلَاتُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجْهَرُ الْمَأْمُومُ بِأَوَّلِ السَّلَامِ وَهُوَ الَّذِي يَرُدُّ بِهِ عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ فَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُخْفِيَهُ لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ فِيهِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ السَّلَامَ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي الرَّدَّ عَلَيْهِ فِيهِ فَلِذَلِكَ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْجَهْرِ بِهِ وَالسَّلَامُ الثَّانِي هُوَ رَدٌّ فَلَا يَسْتَدْعِي بِهِ رَدًّا فَلِذَلِكَ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْإِسْرَارِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا تَعْيِينُ مَوَاضِعِ الْإِشَارَةِ بِالسَّلَامِ فَذَلِكَ عَلَى قَدْرِ أَحْكَامِ الْمُصَلِّينَ فَأَمَّا الْإِمَامُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يُسَلِّمُ وَاحِدَةً قُبَالَةَ وَجْهِهِ وَيَتَيَامَنُ بِهَا قَلِيلًا وَهَذَا حُكْمُ الْفَذِّ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ إحْدَاهُمَا يُشِيرُ بِهَا عَنْ يَمِينِهِ وَالثَّانِيَةُ يُشِيرُ بِهَا عَنْ يَسَارِهِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ «كُنْت أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ» وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُسَلِّمُ الْأُولَى وَيَتَيَامَنُ بِهَا قَلِيلًا وَلَمْ يَذْكُرُوا قُبَالَةَ وَجْهِهِ وَيَقْصِدُ بِهَا الْإِمَامَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إمَامَهُ وَيُسَلِّمُ الَّتِي يَرُدُّ بِهَا عَلَى الْمَأْمُومِ وَيُشِيرُ بِهَا عَنْ يَسَارِهِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَسَلَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ إذَا تَشَهَّدَتْ التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) .
(ش) : قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ حَتَّى وَصَلَتْ السَّلَامَ بِآخِرِ التَّشَهُّدِ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ إنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَهَذِهِ مَقَالَةٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَقَدَّمَ الشَّافِعِيَّ قَالَ بِهَا.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تَقُولُ إذَا تَشَهَّدَتْ التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) .
(ش) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَقَدْ أَثْبَتُّمْ أَنَّ تَشَهُّدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ هُوَ الصَّوَابُ الْمَأْمُورُ بِهِ وَأَنَّ مَا عَدَاهُ لَيْسَ بِمَأْمُورٍ بِهِ وَرَدَدْتُمْ بِدَلِيلِكُمْ ذَلِكَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَحَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَهُمَا مُسْنَدَانِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَلِمَ أَدْخَلَ مَالِكٌ ﵀ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَحَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَهُمَا أَشَدُّ خِلَافًا لِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَعَ كَوْنِهِمَا مَوْقُوفَيْنِ فَالْجَوَابُ أَنَّ مَالِكًا ﵀ إنَّمَا اخْتَارَ تَشَهُّدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَى سَائِرِ مَا رُوِيَ فِيهِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إلَّا أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَقُولُ مَنْ أَخَذَ بِغَيْرِهِ لَا يَأْثَمُ وَلَا يَكُونُ.
стр. 170
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ وَنَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ مَعَ إمَامٍ فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِرَكْعَةٍ أَيَتَشَهَّدُ مَعَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَالْأَرْبَعِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ وَتْرًا فَقَالَا لِيَتَشَهَّدْ مَعَهُ قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) .
مَا يَفْعَلُ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ مَلِيحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّعْدِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ فَإِنَّ نَاصِيَتَهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ سَهَا فَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَنَّ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَرْجِعَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا وَلَا يَنْتَظِرَ الْإِمَامَ وَذَلِكَ خَطَأٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ إنَّمَا نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ) .
ــ
[المنتقى]
تَارِكًا لِلتَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ غَيَّرَ شَيْئًا مِنْ الْأَدْعِيَةِ الَّتِي عَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ وَحَضَّهُمْ عَلَيْهَا وَأَتَوْا بِمَعَانِيهَا وَنَقْلِ شَيْءٍ مِنْ أَلْفَاظِهَا فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ قَدْ تَرَكْت الْأَفْضَلَ مِنْ الدُّعَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ إنَّكَ تَرَكْت الدُّعَاءَ جُمْلَةً وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّشَهُّدِ عَلَى الْوُجُوبِ وَلَا جَعَلَهُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَتَكُونُ أَلْفَاظُهُ الْمُخْتَصَّةُ بِهِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ.
(ش) : وَجْهُ مَا رَوَاهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَتْبَعُ الْإِمَامَ فِي الْأَفْعَالِ وَإِنْ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا وَالْأَقْوَالُ تَتْبَعُ الْأَفْعَالَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَتَى سَقَطَتْ عَنْ الْمَأْمُومِ الْأَفْعَالُ سَقَطَتْ الْأَقْوَالُ بِأَنْ يُدْرِكَهُ رَاكِعًا فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ وَإِنْ لَمْ تَسْقُطْ الْأَفْعَالُ بِأَنْ يُدْرِكَهُ فِي أَوَّلِ الرَّكْعَةِ لَمْ تَسْقُطْ الْأَقْوَالُ فَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ يَتْبَعُ الْإِمَامَ فِي الْجُلُوسِ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْتَدُّ بِهِ فَكَذَلِكَ فِي التَّشَهُّدِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ.
[مَا يَفْعَلُ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ]
(ش) : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَعِيدُ لِمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ وَخَفَضَهُ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ إمَامِهِ وَإِخْبَارٌ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ وَأَنَّ انْقِيَادَهُ لَهُ وَطَاعَتَهُ إيَّاهُ فِي الْمُبَادَرَةِ بِالْخَفْضِ وَالرَّفْعِ قَبْلَ إمَامِهِ انْقِيَادٌ لِمَنْ كَانَتْ نَاصِيَتُهُ بِيَدِهِ وَفِي رَفْعِ الْمَأْمُومِ وَخَفْضِهِ مَعَ الْإِمَامِ ثَلَاثُ صِفَاتٍ إحْدَاهَا أَنْ يَخْفِضَ وَيَرْفَعَ بَعْدَهُ فَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَخْفِضَ وَيَرْفَعَ مَعَهُ فَهَذَا يُكْرَهُ وَلَكِنَّهُ لَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ صَلَاتُهُ، وَالثَّالِثَةُ أَنْ يَرْفَعَ وَيَخْفِضَ قَبْلَ الْإِمَامِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي إمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ» .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَتْبَعَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ إمَامِهِ سَاهِيًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ أَوْ بَعْدَ رُكُوعِهِ فَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ رُكُوعِهِ فَعَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِاتِّبَاعِ إمَامِهِ إنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ وَحُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ النَّاعِسِ وَالْغَافِلِ يَفُوتُهُ الْإِمَامُ بِرَكْعَةٍ فَيَتْبَعُهُ مَا لَمْ يَفُتْ فَإِنْ رَفَعَ مِنْ رُكُوعِهِ بَعْدَ رُكُوعِ إمَامِهِ فَلَا يَخْلُو مِنْ إحْدَى حَالَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَبِعَ الْإِمَامَ فِي رُكُوعِهِ بِمِقْدَارِ فَرْضِهِ أَوْ رَفَعَ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ فَإِنْ رَفَعَ قَبْلَ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ عِنْدِي حُكْمُ مَنْ رَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَبِعَ الْإِمَامَ فِي مِقْدَارِ الْفَرْضِ فَرُكُوعُهُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ قَدْ اتَّبَعَ إمَامَهُ فِي فَرْضِهِ.
(فَرْعٌ) وَلَا يَخْلُو أَنْ يُدْرِكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا إنْ رَجَعَ لِاتِّبَاعِهِ أَنْ يَفُوتَهُ ذَلِكَ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُدْرِكُهُ رَاكِعًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مُتَابَعَتِهِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ لِأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِلْإِمَامِ وَقَدْ قَالَ تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهُ رَاكِعًا فَهَلْ يَرْجِعُ أَمْ لَا قَالَ أَشْهَبُ لَا يَرْجِعُ وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ
стр. 171
مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ سَاهِيًا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ النَّاسُ نَعَمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ» )
ــ
[المنتقى]
عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ يَرْجِعُ وَيَبْقَى بَعْدَ الْإِمَامِ بِقَدْرِ مَا انْفَرَدَ الْإِمَامُ بَعْدَهُ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى فَرْضَهُ مِنْ اتِّبَاعِ الْإِمَامِ فَكَانَ اتِّبَاعُهُ فِيمَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ أَوْلَى مِنْ مُخَالَفَتِهِ بِمَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ.
وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ اتِّبَاعَ الْإِمَامِ يَلْزَمُهُ فِي فَضِيلَةِ الرَّكْعَةِ كَمَا يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُهُ فِي فَرِيضَتِهَا وَلَوْ فَاتَهُ فَرْضُهَا مَعَهُ لَعَادَ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ إذَا فَاتَهُ فَضْلُهَا وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَبْنِيَ هَذَا الْقَوْلَ عَلَى أَنَّ الرَّفْعَ مِنْ الرُّكُوعِ مُسْتَحِقٌّ فَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ لِاتِّبَاعِ الْإِمَامِ فِيهِ وَلَكِنْ لَا يَمْكُثُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ بِمِقْدَارِ مَا أَقَامَ الْإِمَامُ بَعْدَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا حُكْمُ الرَّفْعِ فَأَمَّا الْخَفْضُ قَبْلَ الْإِمَامِ لِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ بِلَا خِلَافٍ عَنْ الْمَذْهَبِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الرُّكُوعُ أَوْ السُّجُودُ فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ رُكُوعِ الْإِمَامِ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا مِقْدَارَ فَرْضِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَسَاءَ فِي خَفْضِهِ قَبْلَ إمَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بَعْدَ رُكُوعِ إمَامِهِ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا مِقْدَارَ فَرْضِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ لِاتِّبَاعِ إمَامِهِ بِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِي الْأَفْعَالِ فَأَمَّا الْأَقْوَالُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ فَرَائِضُ وَفَضَائِلُ فَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامُ وَمَتَى تَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ سَاهِيًا أَوْ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ دُخُولٌ فِي الصَّلَاةِ فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا قَبْلَ إمَامِهِ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَتْبَعَهُ فِيهَا لِأَنَّهُ عَقَدَهَا غَيْرَ مُؤْتَمٍّ وَأَمَّا السَّلَامُ فَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ إمَامِهِ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ سَلَّمَ سَاهِيًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَحَمَلَ عَنْهُ الْإِمَامُ سَهْوَهُ.
[مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ سَاهِيًا]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنْ اثْنَتَيْنِ يَعْنِي انْصَرَفَ وَخَرَجَ عَنْهَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَتْ رُبَاعِيَّةً عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهَا كَانَتْ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَأَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْحَصْرَ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ وَاسْمُهُ الْخِرْبَاقُ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْكَارًا لِفِعْلِهِ مَعَ أَنَّهُ شَرَعَ الشَّرَائِعَ وَعَنْهُ تُؤْخَذُ الصَّلَاةُ إلَّا أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ جَوَّزَ عَلَيْهِ النِّسْيَانَ وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ حَدَثَ فِيهَا تَقْصِيرٌ فَطَلَبَ مِنْهُ بَيَانُ ذَلِكَ فَصَادَفَ سُؤَالُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ يَقِينًا أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ كَمُلَتْ أَوْ شَكًّا فِي ذَلِكَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ وَقَوْلُهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ وَهُوَ يَتَيَقَّنُ كَمَالَ صَلَاتِهِ فَيَسْتَشْهِدُ عَلَى رَدِّ قَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ بِقَوْلِ مَنْ شَهِدَ مَعَهُ الصَّلَاةَ وَبَيَّنَ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْخَبَرِ الْآخَرِ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَيَقُّنًا لِتَمَامِ صَلَاتِهِ وَلَوْ كَانَ شَاكًّا فِي تَمَامِ صَلَاتِهِ وَكَمَالِهَا لَأَخَذَ فِي الْإِتْيَانِ بِمَا شَكَّ فِيهِ وَلَا الْتَزَمَ مِنْ الصَّمْتِ مَا يَلْتَزِمُهُ الْمُصَلِّي فَلَمَّا أَخْبَرَ الصَّحَابَةُ بِتَصْدِيقِ قَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ طَرَأَ عَلَيْهِ الشَّكُّ أَوْ الذِّكْرُ فَأَخَذَ فِي إتْمَامِ صَلَاتِهِ وَالْتِزَامُ الصَّمْتِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا مَا لَمْ تَدْعُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ لِسَبَبِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ وَقَدْ دَخَلَهُ الشَّكُّ فِي إتْمَامِ صَلَاتَهُ بِقَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ فَأَرَادَ أَنْ يَتَيَقَّنَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ بِخَبَرِ مَنْ شَهِدَ مَعَهُ الصَّلَاةَ فَلَمَّا صَدَّقُوا ذَا الْيَدَيْنِ وَتَيَقَّنَ أَنَّ صَلَاتَهُمْ لَمْ تَتِمَّ أَخَذَ فِي إتْمَامِهَا وَالْتَزَمَ شُرُوطَهَا.
وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ الْكَلَامُ مَعَ الشَّكِّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّهُ قَدْ تَيَقَّنَ كَمَالَ صَلَاتِهِ وَاعْتَقَدَ الْخُرُوجَ مِنْهَا وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ
стр. 172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مِنْهَا فَحُدُوثُ الشَّكِّ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعَ إلَيْهَا وَهَذَا أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ تَرِدُ لِأَصْحَابِنَا مَسَائِلُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّكَّ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى يَقِينٍ مُؤَثِّرٌ وَتَرِدُ مَسَائِلُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ عَلَى يَقِينٍ ثُمَّ شَكَّ بَنَى عَلَى يَقِينِهِ فَإِنْ سَأَلَ مَنْ خَلْفَهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ فَقَدْ أَحْسَنَ وَلْيُتِمَّ مَا بَقِيَ وَيُجْزِيهِمْ وَلَوْ كَانَ الْفَذُّ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ عَلَى يَقِينٍ ثُمَّ شَكَّ فَقَدْ قَالَ أَصْبُغُ لَا يَسْأَلُ مَنْ حَوْلَهُ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ أَخْطَأَ بِخِلَافِ الْإِمَامِ الَّذِي يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلَى يَقِينِ مَنْ مَعَهُ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الشَّكَّ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى الْيَقِينِ مُؤَثِّرٌ وَيُوجِبُ الرُّجُوعَ إلَى الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَجْعَلُوا لَهُ حُكْمَ الشَّكِّ دَاخِلَ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَوْ شَكَّ قَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَإِنْ فَعَلَ اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَكَذَلِكَ لَوْ سَلَّمَ عَلَى شَكٍّ ثُمَّ سَأَلَهُمْ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْوَاضِحَةِ وَكِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ يُجْزِيهِ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ حُكْمَ الشَّاكِّ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى يَقِينِهِ وَيُتِمَّ صَلَاتَهُ فَإِذَا سَلَّمَ عَلَى شَكٍّ فَقَدْ أَبْطَلَ صَلَاتَهُ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ الْكَلَامَ وَقَطَعَ الصَّلَاةَ فِي وَقْتٍ يَلْزَمُهُ التَّمَادِي فِيهَا.
وَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ سَلَامٌ لَوْ قَارَنَهُ تَيَقُّنٌ بِتَمَامِ الصَّلَاةِ كَمُلَتْ الصَّلَاةُ فَإِذَا قَارَنَهُ شَكٌّ ثُمَّ تَيَقَّنَ كَمَالَ صَلَاتِهِ وَجَبَ أَنْ يُكْمِلَ بِهِ الصَّلَاةَ أَصْلُ ذَلِكَ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ ثُمَّ شَكَّ فِي الْوُضُوءِ فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ عَلَى وُضُوئِهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تُجْزِئُهُ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ يَقْتَضِي أَحَدَ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ سَلَّمَ وَلَمْ يَقُمْ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى قَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ مَا قَالَ فَمَنْ كَانَ هَذَا فَذَكَرَ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي صَلَاتِهِ فَهَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِئْنَافِ الْهَيْئَةِ شَيْءٌ وَأَمَّا إنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ فَعَادَ إلَى الْجُلُوسِ لَمَّا عَلِمَ بِالسَّهْوِ ثُمَّ قَامَ إلَى صَلَاتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَحَلَّلَ مِنْ صَلَاتِهِ فِي حَالِ جُلُوسِهِ فَكَانَ قِيَامُهُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَقِيَامُهُ لِلصَّلَاةِ مُسْتَحِقٌّ فَيَجِبُ أَنْ يَعُودَ إلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي تَحَلَّلَ مِنْ صَلَاتِهِ فِيهَا ثُمَّ يَكُونُ قِيَامُهُ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ وَهُوَ فِي صَلَاةٍ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ سَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ فَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّهُ يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ لَا يَجْلِسُ.
وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ النُّهُوضَ مُسْتَحِقٌّ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْهُ فِي الصَّلَاةِ وَبِذَلِكَ احْتَجَّ ابْنُ الْقَاسِمِ لِقَوْلِهِ هَذَا.
وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ أَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَالنُّهُوضُ إلَى الْقِيَامِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ إذَا فَاتَ مَحِلُّهُ بِالْقِيَامِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَوْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَةٍ أَوْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ دَخَلَ بِإِحْرَامٍ وَلَمْ يَجْلِسْ وَهَذَا مُطَّرِدٌ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ نَافِعٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّ الْجُلُوسَ لِلرَّكْعَتَيْنِ قَدْ انْقَضَى وَالْقِيَامُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ كَالْقِيَامِ بَعْدَ السُّجُودِ مِنْ رَكْعَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ إذَا لَمْ يَفْهَمْ عَنْهُ الْإِمَامُ بِالتَّسْبِيحِ مَوْضِعَ السَّهْوِ أَنْ يُكَلِّمَهُ بِذَلِكَ وَيُعْلِمَهُ بِمَوْضِعِ السَّهْوِ وَلَا يُفْسِدَ ذَلِكَ صَلَاتَهُ عَلَى نَحْوِ مَا فَعَلَ ذُو الْيَدَيْنِ فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ سَوَاءٍ كَانَ سَهْوُهُ فِي ذَلِكَ فِي سَلَامِهِ مِنْ اثْنَتَيْنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ السَّهْوِ وَهَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَالِكٍ وَعَلَيْهِ تَنَاظَرَ شُيُوخُنَا بِالْعِرَاقِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيمَنْ سَهَا فَسَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ عَلَى مِثْلِ خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ وَهَذَا الْحُكْمُ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ وَابْنُ نَافِعٍ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَإِنْ فَعَلَهُ أَحَدٌ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُ الْيَوْمَ وَمَنْ فَعَلَهُ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَمْنُوعًا الْيَوْمَ وَأَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْإِجَابَةِ يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] وَلَمْ يَخُصَّ صَلَاةً مِنْ غَيْرِهَا وَقَدْ أَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُبَيٍّ إذْ لَمْ يُجِبْهُ حِينَ
стр. 173
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَالَ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالُوا نَعَمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَهُوَ جَالِسٌ» ) .
ــ
[المنتقى]
دَعَاهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَنَبَّهَهُ عَلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فَيَكُونُ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ هُوَ الْأَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالتَّكْبِيرُ لِلرُّجُوعِ إلَى الصَّلَاةِ مُسْتَحِقٌّ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَكُلُّ مَنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ بِقُرْبِ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ بِإِحْرَامٍ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ إنْ لَمْ يُكَبِّرْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْهَا بِالسَّلَامِ فَلَا يَعُودُ إلَيْهَا إلَّا بِإِحْرَامٍ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ نُكْتَةً عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَذَكَرَ ذَلِكَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَقَامِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إذَا رَجَعَ إلَى صَلَاتِهِ بِالْقُرْبِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْصَرِفْ وَلَمْ يَعْمَلْ عَمَلًا وَإِنَّمَا حَصَلَ مِنْهُ السَّلَامُ فَقَطْ فَهُوَ كَلَامٌ تَكَلَّمَ بِهِ فِي حَالِ صَلَاتِهِ سَهْوًا فَإِنَّهُ يَتَمَادَى مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ يُجَدِّدُهُ وَلَوْ ذَكَرَ ذَلِكَ وَهُوَ قَائِمٌ لَمْ يَنْصَرِفْ مِنْ مَوْضِعِهِ لَزِمَهُ أَنْ يُحْرِمَ كَالْمُنْصَرِفِ وَهَذَا الَّذِي قَالَ فِيهِ نَظَرٌ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَذَلِكَ أَنَّ السَّلَامَ مِنْ الصَّلَاةِ سَهْوٌ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَقْصِدَ التَّحَلُّلَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ سَاهِيًا فَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ إحْرَامٍ يَعُودُ بِهِ إلَى صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّحَلُّلُ مِنْهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ بِسَلَامِهِ التَّحَلُّلَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ صَلَاتَهُ فَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى إحْرَامٍ يَعُودُ بِهِ إلَى صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ وَإِلَّا كَانَ بِنَاؤُهُ عَارِيًّا مِنْ الْإِحْرَامِ وَأَمَّا الَّذِي يَتَكَلَّمُ سَاهِيًا فَلَا يَقْصِدُ التَّحَلُّلَ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَوْ قَصَدَ ذَلِكَ لَأَبْطَلَ صَلَاتَهُ وَأَمَّا مَا اعْتَبَرَهُ مِنْ الْفِعْلِ فَإِنَّ الْأَفْعَالَ لَا يَقَعُ التَّحَلُّلُ بِهَا فَلَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي وُجُوبِ الْإِحْرَامِ.
(فَرْعٌ) وَمَتَى يُكَبِّرُ حَكَى أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نُكَتِهِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ ثُمَّ يَجْلِسُ قَالَ رَوَاهُ بَعْضُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ التَّكْبِيرِ عَنْ وَقْتِ ذِكْرِهِ وَحَكَى ابْنُ شَبْلُونٍ أَنَّهُ يَجْلِسُ أَوَّلًا ثُمَّ يُكَبِّرُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي فَارَقَ عَلَيْهَا صَلَاتَهُ وَهُوَ الْجُلُوسُ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الطُّلَيْطِلِيِّ فِيمَنْ ذَكَرَ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ أَنَّهُ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَةً يَنْوِي بِهَا الرُّجُوعَ إلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَةً أُخْرَى يَقُومُ بِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ يُفِيدُ اعْتِدَادَهُ بِالرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَإِضَافَةُ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ إلَيْهِمَا لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَشُكُّ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ اللَّتَيْنِ صَلَّى بَعْدَ سَهْوِهِ غَيْرُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَلَّى قَبْلَهُ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْقَضَاءِ وَالْبَدَلِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَأَنْ يُصَلِّيَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْبِنَاءِ عَلَيْهِمَا وَالْإِضَافَةِ إلَيْهِمَا احْتَاجَ إلَى أَنْ يُبَيِّنَ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ صَلَّاهُمَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَسَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ بَيَانٌ وَاضِحٌ فِي أَنَّ السَّجْدَتَيْنِ كَانَتَا بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ وَبَيَانٌ وَاضِحٌ فِي مِقْدَارِ سُجُودِهِ فِيهِمَا وَأَنَّهُمَا كَسُجُودِهِ فِي صَلَاتِهِ أَوْ أَطْوَلَ وَقَدْ بَيَّنَ مَعَ ذَلِكَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا وَالرَّفْعَ مِنْ آخِرِهِمَا وَلَمْ يَذْكُرْ التَّشَهُّدَ بَعْدَهُمَا وَلَا السَّلَامَ مِنْهُمَا وَيَقْتَضِي ذَلِكَ التَّكْبِيرَ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ لِسُجُودِ السَّهْوِ وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْإِمَامَ يُسْمِعُ مَنْ خَلْفَهُ التَّكْبِيرَ وَالسَّلَامَ فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَيَفْعَلُونَ كَفِعْلِهِ.
ش بَيَّنَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّلَاةَ الَّتِي جَرَتْ فِيهَا قِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ وَقَوْلُهُ ﷺ لِذِي الْيَدَيْنِ لَمَّا قَالَ لَهُ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيت كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَيَانٌ أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ حُكْمُ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَقْصُرْ
стр. 174
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ بُكَيْر بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي خَثْمَةَ قَالَ بَلَغَنِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ إحْدَى صَلَاتَيْ النَّهَارِ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَصُرَتْ الصَّلَاةُ وَمَا نَسِيتُ فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ أَصَدَقَ ذُو الشِّمَالَيْنِ فَقَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ سَلَّمَ» مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِثْلُ ذَلِكَ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ كُلُّ سَهْوٍ كَانَ نُقْصَانًا مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ سُجُودَهُ قَبْلَ السَّلَامِ وَكُلُّ سَهْوٍ كَانَ زِيَادَةً فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ سُجُودَهُ بَعْدَ السَّلَامِ) .
ــ
[المنتقى]
شَيْءٌ مِنْهَا فَثَبَتَ بِذَلِكَ عِنْدَ ذِي الْيَدَيْنِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ الْقِسْمُ الْآخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ نَسِيَ إلَّا أَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ عَنْ يَقِينِهِ وَمَا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ فَعَلَهُ مِنْ إتْمَامِ الصَّلَاةِ فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ النِّسْيَانُ وَقَوْلُهُ ﷺ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ اسْتِبْعَادٌ لِقَوْلِهِ وَقَطْعٌ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَذْهَبُ عَلَى الْجَمَاعَةِ الصِّحَّةُ فِي ذَلِكَ وَقَوْلُهُ فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّلَاةِ يَقْتَضِي اعْتِدَادَهُ بِمَا صَلَّى مِنْهَا.
(ش) : قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذُو الشِّمَالَيْنِ فِيهِ نَظَرٌ وَقَالَ ابْنُ خَيْثَمَةَ ذُو الشِّمَالَيْنِ عُمَيْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نَضْلَةَ مِنْ خُزَاعَةَ حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وَذُو الْيَدَيْنِ هُوَ الْخِرْبَاقُ وَهُوَ غَيْرُ ذِي الشِّمَالَيْنِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مَعًا خَالَفَهُ فِيهِ الْحُفَّاظُ مِنْ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَأَبُو سُفْيَانَ وَغَيْرُهُمَا وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحُفَّاظُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَبَيَّنَ هَذَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو مُصْعَبٍ وَغَيْرُهُ وَهَذَا يَقْتَضِي مُشَاهَدَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِهَذِهِ الصَّلَاةِ وَذُو الشِّمَالَيْنِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وَإِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَعْوَامٍ جَمَّةٍ.
(فَصْلٌ) :
وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ شِهَابٍ فِي حَدِيثِهِ هَذَا فِي الْمُوَطَّأِ سُجُودَ السَّهْوِ وَقَدْ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْأَخْذُ بِالزَّائِدِ أَوْلَى إذَا كَانَ رَاوِيهِ ثِقَةً.
(ش) : هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَمَنْ تَبِعَهُ ﵏ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ السُّجُودُ كُلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ السُّجُودُ كُلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ سُجُودَ الزِّيَادَةِ بَعْدَ السَّلَامِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ نَصٌّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنْ قِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ السَّلَامُ الَّذِي فِي التَّشَهُّدِ فَالْجَوَابُ أَنَّ السَّلَامَ إذَا أُطْلِقَ فِي الشَّرْعِ وَأُضِيفَ إلَى الصَّلَاةِ اقْتَضَى السَّلَامَ مِنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ الْأَظْهَرُ فِيهِ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ تَسَاوَى مَعَ الْإِطْلَاقِ لَكَانَ قَوْلُهُ بَعْدَ السَّلَامِ يَقْتَضِي اسْتِغْرَاقَ جِنْسِ السَّلَامِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ السُّجُودُ بَعْدَ كُلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ سَهْوَ الزِّيَادَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوجِبَ سُجُودَ سَهْوٍ فِيهَا لِأَنَّ النَّقْصَ إنَّمَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِالزِّيَادَةِ فِي فِعْلِهَا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُزَالَ ذَلِكَ النَّقْصُ وَيُجْبَرَ بِزِيَادَةٍ أُخْرَى لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ مَا أَدْخَلَ النَّقْصُ فِيهَا.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهَلْ يُحْرِمُ لَهُمَا أَوْ لَا، عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ يُحْرِمُ لَهُمَا وَالثَّانِيَةُ نَفْيُ ذَلِكَ. وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى لَا يُحْرِمُ لَهُمَا قَالَ ثُمَّ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِمَا إلَّا بِإِحْرَامٍ.
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ صَلَاةٌ فِي نَفْسِهَا لِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى طَهَارَةٍ وَتُفْعَلُ بَعْدَ شَهْرٍ مِنْ السَّهْوِ وَيُسَلَّمُ مِنْهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّكْبِيرُ فِي أَوَّلِهَا تَكْبِيرَ إحْرَامٍ وَأَنْ تَفْتَقِرَ إلَى النِّيَّةِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا سُجُودٌ يُفْعَلُ خَارِجَ الصَّلَاةِ مُفْرَدًا كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ.
(فَرْعٌ) وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَتَشَهَّدُ لَهُمَا وَيُسَلِّمُ
стр. 175
إتْمَامُ الْمُصَلِّي مَا ذَكَرَ إذَا شَكَّ فِي صَلَاتِهِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَإِنْ كَانَتْ الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّى خَامِسَةً شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ رَابِعَةً فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ» ) .
ــ
[المنتقى]
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَا يَتَشَهَّدُ لَهُمَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ وَكَانَ فِي يَدِهِ طُولٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ فَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إلَى النَّاسِ فَقَالَ أَصَدَقَ هَذَا فَقَالُوا نَعَمْ فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ» وَهَذَا نَصٌّ فِي السَّلَامِ بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ السُّجُودَ إذَا كَانَ شَفْعًا لَمْ يَكُنْ إلَّا فِي صَلَاةٍ وَكُلُّ مَوْضِعٍ شُرِعَ فِيهِ السُّجُودُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فَإِنَّمَا شُرِعَ وَتْرًا كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَسُجُودِ الشُّكْرِ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ فَإِنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهَا إلَّا بِسَلَامٍ بَعْدَهُ كَسُجُودِ الصَّلَاةِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ ﵀ فِي صِفَةِ السَّلَامِ مِنْهَا فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ أَنَّهَا فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُسِرُّ وَلَا يَجْهَرُ بِهَا.
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ سَلَامٌ عَقِبَ سُجُودِ سَهْوٍ فَجَازَ أَنْ يَجْهَرَ بِهِ كَسَلَامِ الصَّلَاةِ نَفْسِهَا بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا صَلَاةٌ يَقْتَصِرُ فِيهَا عَلَى رُكْنٍ وَاحِدٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَكَانَتْ سُنَّةُ السَّلَامِ مِنْهَا الْإِسْرَارَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْخِلَافُ فِي الْجِنَازَةِ كَالْخِلَافِ فِي هَذَا وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا ذِكْرُ السُّجُودِ لِسَهْوِ النَّقْصِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ السَّلَامِ.
[إتْمَامُ الْمُصَلِّي مَا ذَكَرَ إذَا شَكَّ فِي صَلَاتِهِ]
(ش) : قَوْلُهُ إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّهْوَ وَالشَّكَّ يَقَعُ مِنَّا فِي الصَّلَاةِ مَعَ أَدَائِهَا وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ وَقَوْلُهُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَةً وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ظَاهِرُهُ خِلَافُ مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ السُّجُودَ فِي السَّهْوِ بِالزِّيَادَةِ بَعْدَ السَّلَامِ وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَلَنَا فِي ذَلِكَ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: التَّرْجِيحُ.
وَالثَّانِي: الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ.
فَأَمَّا التَّرْجِيحُ فَلَنَا أَخْبَارٌ كُلُّهَا صِحَاحٌ وَلَا اضْطِرَابَ فِي أَسَانِيدِهَا وَخَبَرُهُمْ مُضْطَرِبُ الْإِسْنَادِ لِأَنَّ مَالِكًا وَأَكْثَرَ الْحُفَّاظِ عَلَى إرْسَالِهِ.
وَقَدْ اضْطَرَبَ فِي إسْنَادِهِ فَرَوَاهُ ابْنُ بِلَالٍ وَغَيْرُهُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَكَانَ مَا تَعَلَّقْنَا بِهِ أَوْلَى لِسَلَامَةِ رِوَايَتِهِ مِنْ الْإِطْلَاقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ خَبَرَ عَطَاءٍ رَوَاهُ وَاحِدٌ وَالْأَخْبَارَ الَّتِي تَعَلَّقْنَا بِهَا رَوَاهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّعَلُّقُ بِخَبَرِهِمْ أَوْلَى لِأَنَّ السَّهْوَ عَنْ الْجَمَاعَةِ أَبْعَدُ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ رُوَاةَ مَا تَعَلَّقْنَا بِهِ أَثْبَتُ لِأَنَّ عَلْقَمَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ أَثْبَتُ مِنْ عَطَاءٍ فَكَانَ التَّعَلُّقُ بِرِوَايَتِهِمَا أَوْلَى.
وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فَإِنَّا نَجْمَعُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّلَامِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ السَّلَامُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ عَطَاءٍ سَلَامُ التَّشَهُّدِ وَقَدْ أَطْلَقَ النَّبِيُّ ﷺ اسْمَ السَّلَامِ وَهُوَ فِي قَوْلِهِ ﵇ وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ.
وَوَجْهٌ ثَانٍ: وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ عَطَاءٍ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَةً وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مُجَرَّدَ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ نَصُّ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ وَالسَّلَامِ فَكَانَ حَمْلُ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إطْرَاحِ أَحَدِهِمَا
стр. 176
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَوَخَّ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ نَسِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُصَلِّهِ ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَهُوَ جَالِسٌ) .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَتْ الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّى خَامِسَةً شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ التَّأْوِيلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي قَدْ تَرَكَ ذِكْرَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ أَشَارَ إلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ شَفَعَهُمَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ وَيَقُومُ ذَلِكَ مَقَامَ ذِكْرِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَعَلَى هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الصَّلَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الشَّفْعِ فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهَا مَا يُوتِرُهَا مِنْ زِيَادَةٍ وَجَبَ إصْلَاحُ ذَلِكَ بِمَا يَشْفَعُهَا وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ مَا أَرَادَ بِهِ الشَّفْعَ يُوتِرُ الصَّلَاةَ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ تَكُونَ السَّجْدَتَانِ خَارِجَ الصَّلَاةِ لِأَنَّ مَا يَقَعُ بِهِ الشَّفْعُ يَقَعُ بِهِ الْوَتْرُ فَلَوْ كَانَتْ السَّجْدَتَانِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى شَفْعٍ فَيَنْقُلَهَا ذَلِكَ إلَى الْوَتْرِ فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ السَّجْدَتَانِ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَإِنْ قِيلَ فَإِنْ كَانَتْ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَمْ يَقَعْ بِهَا شَفْعٌ كَمَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهَا وَتْرٌ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ شَفْعًا فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مَا يُفْعَلُ خَارِجَ الصَّلَاةِ يَجْبُرُ الصَّلَاةَ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي نَقْصِهَا وَإِفْسَادِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ سَلَّمَ مُتَيَقِّنًا لِتَمَامِ صَلَاتِهِ ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَرَجَعَ إلَى صَلَاتِهِ فَصَلَّاهَا عَلَى مَا بَدَا لَهُ فَإِنَّهُ يَجْبُرُ بِذَلِكَ نَقْصَ صَلَاتِهِ وَيُتِمُّهَا فَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ إتْمَامِهَا أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَتَمَّ صَلَاتَهُ أَوْ لَا لَمْ يُؤَثِّرْ هَذَا فِي نَصِّ صَلَاتِهِ وَلَا فِي إفْسَادِهَا وَلَا وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ لِشَيْءٍ مِنْ زِيَادَتِهِ تِلْكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنْ كَانَتْ رَابِعَةً فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمُ الشَّيْطَانِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ السَّهْوَ بَعْدَ السَّلَامِ وَأَنَّ السَّلَامَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ هُوَ سَلَامُ التَّشَهُّدِ لِأَنَّ تَرْغِيمَ الشَّيْطَانِ إنَّمَا يَصِحُّ بَعْدَ تَمَامِ الْعِبَادَةِ وَبَعْدَ أَنْ يُؤْمَنَ إفْسَادُهُ إيَّاهَا بِالسَّهْوِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ تَعَلَّقَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ إنَّ السُّجُودَ لِلسَّهْوِ الْمُتَيَقَّنِ أَنَّهُ نَقْصٌ وَلِلسَّهْوِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ قَبْلَ السَّلَامِ وَإِنَّمَا يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ مَنْ تَيَقَّنَ الزِّيَادَةَ.
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ فَلْيَتَوَخَّ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ نَسِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُصَلِّهِ عَلَّقَ الْإِعَادَةَ بِالظَّنِّ وَلَمْ يَذْكُرْ التَّجْوِيزَ وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمَ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَإِنَّمَا يَعْتَدُّ مِنْ صَلَاتِهِ بِمَا تَيَقَّنَ أَدَاءَهُ لَهُ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَرْجِعُ إلَى غَالِبِ ظَنِّهِ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنَّهُ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا لَمْ يُصَلِّ خَامِسَةً وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا ثَالِثَةٌ صَلَّى رَابِعَةً وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ عَطَاءٍ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ وَهُوَ نَصٌّ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ ﵀ وَقَدْ أَسْنَدَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الصَّلَاةَ مُتَيَقَّنٌ تَعَلُّقُهَا بِالذِّمَّةِ فَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ مِنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَلْزَمُ الشَّاكَّ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَتَذَكَّرَ مَا لَمْ يَطُلْ ذَلِكَ فَإِنْ تَذَكَّرَ وَإِلَّا بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَأَلْغَى وَالشَّكَّ وَهَلْ يَلْزَمُهُ سُجُودُ سَهْوٍ لِتَذَكُّرِهِ أَمْ لَا أَفْعَالُ الصَّلَاةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ فِي تَطْوِيلِهِ قُرْبَةٌ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ فَهَذَا لَيْسَ فِي تَطْوِيلِهِ لِذَلِكَ سُجُودُ سَهْوٍ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْجُلُوسِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ عَنْ حَدِّهِ فَيَسْجُدَ لِسَهْوِهِ وَأَمَّا مَا لَا قُرْبَةَ فِي تَطْوِيلِهِ كَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ أَوْ الْمُسْتَوْفِزِ لِلْقِيَامِ عَلَى يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مَنْ أَطَالَ التَّذَكُّرَ عَلَى ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ لِأَنَّ الشَّكَّ بِانْفِرَادِهِ لَا يُوجِبُ سُجُودَ سَهْوٍ وَتَطْوِيلُ ذَلِكَ الْفِعْلِ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِسُجُودِ السَّهْوِ وَقَالَ أَشْهَبُ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا طَوَّلَهَا بِالشَّكِّ وَلَا قُرْبَةَ فِي تَطْوِيلِهَا فَلَزِمَ بِذَلِكَ سُجُودُ السَّهْوِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَهُوَ جَالِسٌ يَعْنِي قَبْلَ قِيَامِهِ وَزَوَالِهِ عَنْ مُصَلَّاهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ الدُّخُولَ فِيهَا لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ جُلُوسٍ وَكَذَلِكَ الِانْفِصَالُ عَنْهَا وَلَا يَنْحَطُّ لَهَا مِنْ قِيَامٍ كَمَا
стр. 177
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَفِيفِ بْنِ عَمْرِو السَّهْمِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَكَعْبَ الْأَحْبَارِ عَنْ الَّذِي يَشُكُّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَكِلَاهُمَا قَالَ لِيُصَلِّ رَكْعَةً أُخْرَى ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ النِّسْيَانِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ لِيَتَوَخَّ أَحَدُكُمْ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ نَسِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُصَلِّهِ) .
ــ
[المنتقى]
يَفْعَلُ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ لِمَنْ قَرَأَهَا وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا.
(ش) : جَوَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَهُوَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَقْرِيرُ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اتِّصَالِ عَمَلِ الصَّحَابَةِ بِهِ.
(ش) : وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مِثْلُ رِوَايَةِ سَالِمٍ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ سُجُودَ السَّهْوِ وَهُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَكَعْبٍ.
[مَنْ قَامَ بَعْدَ الْإِتْمَامِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ]
ِ (ش) : مَعْنَى قَوْلِهِ بَعْدَ الْإِتْمَامِ يُرِيدُ إتْمَامَ رُكُوعِ صَلَاتِهِ وَسُجُودِهَا وَهُوَ أَنْ يَقُومَ مِنْ الرَّابِعَةِ إلَى الْخَامِسَةِ سَاهِيًا وَقَوْلُهُ أَوْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ يَعْنِي أَنْ يَقُومَ مِنْهُمَا وَلَا يَجْلِسُ الْجِلْسَةَ الْأُولَى.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ وَلَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ثُمَّ سَلَّمَ» ) .
(ش) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونُوا قَدْ عَلِمُوا حُكْمَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَأَنَّهُ إذَا اسْتَوَى قَائِمًا لَا يَرْجِعُ إلَى الْجِلْسَةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَرَائِضِ وَلَا مَحِلًّا لِلْفَرْضِ أَوْ يَكُونُوا لَمْ يَعْلَمُوا فَسَبَّحُوا فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ قُومُوا وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَسَبَّحُوا بِهِ فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ قُومُوا ثُمَّ قَالَ هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثُ مَسَائِلَ:
إحْدَاهَا: أَنْ يُسَبِّحُوا بِهِ وَقَدْ شَرَعَ فِي الْقِيَامِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ الْأَرْضِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ الْأَرْضِ وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ قِيَامَهُ.
وَالثَّالِثَةُ: بَعْدَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الْقِيَامَ.
فَأَمَّا إذَا سَبَّحُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَ الْأَرْضَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ وَأَمَّا إذَا سَبَّحُوا بِهِ بَعْدَ أَنْ فَارَقَ الْأَرْضَ وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ الْقِيَامَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ وَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ لِلزِّيَادَةِ بَعْدَ السَّلَامِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَرْجِعُ بَعْدَ أَنْ يُفَارِقَ الْأَرْضَ.
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ يَرْجِعُ مَا لَمْ يَتَشَبَّثْ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْوُقُوفُ وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِرُكْنٍ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى فِعْلِ الْجُلُوسِ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَحِلَّ قَدْ فَاتَ بِالِانْتِقَالِ عَلَى هَيْئَتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا إذَا سَبَّحُوا بِهِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا فَلَا يَرْجِعُ إلَى الْجُلُوسِ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ مَحِلُّ الْجِلْسَةِ وَتَلَبَّسَ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْوُقُوفُ فَإِنْ رَجَعَ فَهَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ لَا تَفْسُدُ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحِلِّ الْجُلُوسِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ بِالْجُلُوسِ كَمَا لَوْ رَجَعَ إلَى الْجُلُوسِ قَبْلَ اسْتِوَائِهِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْجُلُوسِ فَوَجَبَ أَنْ تَبْطُلَ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ رَجَعَ بَعْدَ الرُّكُوعِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَفْسُدُ بِالرُّجُوعِ فَهَلْ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ وَأَشْهَبُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ قَضَى الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ الدُّعَاءُ وَصَارَ مَنْ وَرَاءَهُ يَنْتَظِرُونَ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالصَّلَاةِ الْأَفْعَالَ وَالْأَقْوَالَ
стр. 178
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ فَقَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يَجْلِسْ فِيهِمَا فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ» ) .
النَّظَرُ فِي الصَّلَاةِ إلَى مَا يَشْغَلُك عَنْهَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ «أَهْدَى
ــ
[المنتقى]
الَّتِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا هَذَا الِاسْمُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَيَكُونُ مَعْنَى قَضَى صَلَاتَهُ قَارَبَ قَضَاءَهَا وَأَتَى بِجَمِيعِهَا غَيْرِ التَّسْلِيمِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ كَبَّرَ يَقْتَضِي أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ يُكَبَّرُ لَهُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ مِمَّا شُرِعَ فِيهِ التَّكْبِيرُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ثُمَّ سَلَّمَ نَصٌّ فِي أَنَّهُ سَجَدَ لِسَهْوِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَمَّا كَانَ مُقْتَضَى سَهْوِهِ النَّقْصَ مِمَّا سُنَّ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ الْجِلْسَةُ الْأُولَى وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَسْجُدُ لِمِثْلِ هَذَا بَعْدَ السَّلَامِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ هَذَا الْحَدِيثُ هُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا جُبْرَانٌ لِلنَّقْصِ الْوَاقِعِ فِي الْعِبَادَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا كَهَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فِي الْحَجِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ سَجْدَةُ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ فَهَلْ يُعَادِلُهُ التَّشَهُّدُ أَمْ لَا فِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ:
وَجْهُ قَوْلِهِ يُعَادُ أَنَّ هَاتَيْنِ سَجْدَتَانِ فِي الصَّلَاةِ فَكَانَ مِنْ سُنَّتِهَا أَنْ لَا يُسَلِّمَ مِنْهُمَا إلَّا بَعْدَ تَشَهُّدِ سَجْدَتَيْ الصَّلَاةِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ سُنَّةَ الصَّلَاةِ لَا يَتَكَرَّرُ التَّشَهُّدُ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِذَا أَعَدْنَا التَّشَهُّدَ بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ فَقَدْ كَرَّرْنَاهُ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ الصَّلَاةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا إحْرَامَ لِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ حَكَى ذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَوَجْهُهُ أَنَّ كُلَّ سُجُودٍ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِإِحْرَامٍ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ فَذَكَرَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ بِالْقُرْبِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَسْجُدُهُمَا فِي مَوْضِعِ ذِكْرِ ذَلِكَ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ فَلَا يَسْجُدُهُمَا إلَّا فِي الْمَسْجِدِ وَكَذَلِكَ فِي السَّلَامِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ أَتَمَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لَمْ تُجْزِهِ الْجُمُعَةُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ سُجُودَ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ سُجُودٌ مِنْ نَفْسِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنْهَا فَلَا يَكُونُ إلَّا فِي مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ كَسُجُودِ الصَّلَاةِ وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الرَّاعِفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُتِمُّ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
(ش) : بَيَّنَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي حَدِيثِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَقَوْلُهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ يُرِيدُ انْقَضَتْ أَفْعَالُ صَلَاتِهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا التَّحَلُّلُ مِنْهَا وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ شِهَابٍ بِقَوْلِهِ وَانْتَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ وَقَوْلِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ يُرِيدُ لِسَهْوِهِ ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ السَّلَامَ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَذْكُرْ التَّشَهُّدَ مِنْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ فَقَامَ بَعْدَ إتْمَامِهِ الْأَرْبَعَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِهِ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَتَمَّ أَنَّهُ يَرْجِعُ فَيَجْلِسُ وَلَا يَسْجُدُ وَلَوْ سَجَدَ إحْدَى السَّجْدَتَيْنِ لَمْ أَرَ أَنْ يَسْجُدَ الْأُخْرَى ثُمَّ إذَا قَضَى صَلَاتَهُ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ التَّسْلِيمِ) .
(ش) : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ نَعْلَمُهُ لِأَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فَإِذَا زَادَ سَاهِيًا وَهُوَ فِي نَفْسِ الزِّيَادَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنْهَا مَتَى مَا ذَكَرَ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَعَلَى أَيِّ حَالٍ ذَكَرَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ التَّرْكُ لِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ وَالْأَخْذِ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَشَهُّدِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ قَضَى صَلَاتَهُ يُرِيدُ أَتَمَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا مِنْ جُلُوسٍ وَتَشَهُّدٍ وَسَلَامٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ يُرِيدُ لِسَهْوِهِ بَعْدَ السَّلَامِ.
стр. 179
أَبُو جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمِيصَةً شَامِيَّةً لَهَا عَلَمٌ يَشْهَدُ فِيهَا الصَّلَاةَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رُدِّي هَذِهِ الْخَمِيصَةَ إلَى أَبِي جَهْمٍ فَإِنِّي نَظَرْت إلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ فَكَادَ يَفْتِنُنِي» )
ــ
[المنتقى]
[النَّظَرُ فِي الصَّلَاةِ إلَى مَا يَشْغَلُك عَنْهَا]
(ش) : الْخَمِيصَةُ كِسَاءُ صُوفٍ رَقِيقٌ يَكُونُ لَهُ فِي الْأَغْلَبِ عَلَمٌ وَكَانَتْ مِنْ لِبَاسِ أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَشُهُودُهُ ﷺ فِيهَا الصَّلَاةَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ بِهَا وَذَلِكَ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصُّوفَ وَالشَّعْرَ لَا يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ حَلَالٌ لَنَا وَهُمْ كَانُوا سُكَّانَ الشَّامِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ جِهَتِهِمْ عَلَى الذَّكَاةِ لِمَا عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَمَلَهُمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رُدِّي هَذِهِ الْخَمِيصَةَ إلَى أَبِي جَهْمٍ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ رَدِّ الْهَدِيَّةِ إلَى مُهْدِيهَا بِاخْتِيَارِ الْمُهْدَى إلَيْهِ وَقَوْلُهُ فَإِنِّي نَظَرْتُ إلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَيَّنَ عِلَّةَ رَدِّهَا لِيُقْتَدَى بِهِ فِي تَرْكِ لِبَاسِهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ.
وَالثَّانِي: عَلَى وَجْهِ التَّأْنِيسِ لِأَبِي جَهْمٍ فِي رَدِّ هَدِيَّتِهِ إلَيْهِ وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْفِتْنَةَ لَمْ تَقَعْ وَأَنَّ صَلَاتَهُ ﷺ كَمُلَتْ بِقَوْلِهِ فَكَادَ يَفْتِنُنِي.
(ش) : لِبَاسُهُ ﷺ الْخَمِيصَةَ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَةِ لُبْسِهَا وَإِنْ كَانَ لَهَا عَلَمٌ وَالْأَنْبِجَانِيَّةَ وَالْأَنْبِجَانِيُّ كِسَاءُ صُوفٍ غَلِيظٌ إنْ أَرَدْت الثَّوْبَ وَالْكِسَاءَ ذَكَّرْتَ وَإِنْ أَرَدْت الرُّقْعَةَ وَالْخَمِيصَةَ أَنَّثْت قَالَ ثَعْلَبٌ يُقَالُ أَنْبِجَانِيَّةٌ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا فِي كُلِّ مَا كَثُفَ وَالْتَفَّ يُقَالُ شَاةٌ أَنْبِجَانِيَّةٌ إذَا كَانَ صُوفُهَا كَثِيرًا مُلْتَفًّا وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ إنَّمَا هِيَ مَنْبَجَانِيٌّ وَلَا يُقَالُ الْبَجَانِيُّ إنَّمَا هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى مَنْبِجَ وَفُتِحَتْ بَاؤُهُ فِي النَّسَبِ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ مَنْظَرَانِيٍّ وَمَخْبَرَانِيٍّ وَاَلَّذِي قَالَهُ ثَعْلَبٌ أَظْهَرُ وَالنَّسَبُ إلَى مَنْبِجَ مَنْبِجِيٌّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَعْطَاهَا أَبَا جَهْمٍ وَأَخَذَ مِنْ أَبِي جَهْمٍ أَنْبِجَانِيَّةً لَهُ يَقْتَضِي الْمُعَاوَضَةَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا التَّبَسُّطَ عَلَى مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُسْعِفُ رَغْبَتَهُ وَلَا يَرُدُّ إرَادَتَهُ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ الَّذِي يَرْوِيهِ عَلْقَمَةُ فِي أَنَّ أَصْلَ الْخَمِيصَةِ مِنْ عِنْدِ أَبِي جَهْمٍ أَهْدَاهَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا أُهْدَاهُ مِنْ الْمُهْدِي لَهُ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ الَّتِي يُكْرَهُ لِلْمُتَصَدِّقِ بِهَا أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِمَنْعِ النَّبِيِّ ﷺ عُمَرَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْفَرَسَ الَّذِي كَانَ حَمَلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أَبِي جَهْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِمَ؟ سُؤَالٌ عَنْ مَعْنَى كَرَاهِيَتِهِ لِلْخَمِيصَةِ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ حَدَثَ فِيهَا تَحْرِيمُ لُبْسِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنِّي نَظَرْت إلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَةِ الِاشْتِغَالِ عَنْ الصَّلَاةِ بِالنَّظَرِ إلَى غَيْرِهَا يُقَلِّبُهُ فِيهَا دُونَ تَكَلُّفٍ وَلَا قَصْدٍ وَلَا امْتِنَاعٍ مِنْ كُلِّ مَا يَشْغَلُ فِيهَا وَالْقَصْدِ إلَى التَّفَرُّغِ لَهَا وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنْ الثِّيَابِ خَيْرَهَا وَلَا مَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْظَرَ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْ أَبَا جَهْمٍ مِنْ لُبْسِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يُفْرَضْ عَلَى غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهَا وَيُزِيلَ عَنْ نَفْسِهِ كُلَّ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِدْخَالِ النَّقْصِ فِيهَا بِالشُّغُلِ عَنْهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاجِبًا فَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ «أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِطِهِ فَطَارَ دُبْسِيٌّ فَطَفِقَ يَتَرَدَّدُ يَلْتَمِسُ مَخْرَجًا فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ فَجَعَلَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ سَاعَةً ثُمَّ رَجَعَ إلَى صَلَاتِهِ فَإِذَا هُوَ لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى فَقَالَ لَقَدْ أَصَابَتْنِي فِي مَالِي هَذَا فِتْنَةٌ فَجَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ الَّذِي أَصَابَهُ فِي حَائِطِهِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ صَدَقَةٌ لِلَّهِ فَضَعْهُ حَيْثُ شِئْتَ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ فَطَفِقَ يَتَرَدَّدُ يَلْتَمِسُ مَخْرَجًا يَعْنِي أَنَّ
стр. 180
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَبِسَ خَمِيصَةً لَهَا عَلَمٌ ثُمَّ أَعْطَاهَا أَبَا جَهْمٍ وَأَخَذَ مِنْ أَبِي جَهْمٍ أَنْبِجَانِيَّةً لَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِمَ فَقَالَ إنِّي نَظَرْت إلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ» ) .
ــ
[المنتقى]
اتِّسَاقَ النَّخْلِ وَاتِّصَالَ جَرَائِدِهَا لِتَنَسُّقِهَا كَانَتْ تَمْنَعُ الدُّبْسِيَّ مِنْ الْخُرُوجِ فَجَعَلَ يَتَرَدَّدُ بِطَلَبِ الْمَخْرَجِ فَرَأَى ذَلِكَ أَبُو طَلْحَةَ فَأَتْبَعَهُ بَصَرَهُ اتِّبَاعَ الْمَسْرُورِ بِصَلَاحِ مَالِهِ وَحُسْنِ إقْبَالِهِ وَتَنَعُّمِهِ فَشَغَلَهُ ذَلِكَ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ صَلَاتِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى صَلَاتِهِ مَعْنَاهُ رَجَعَ إلَى الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَتَفْرِيغِ نَفْسِهِ لِإِتْمَامِهَا فَإِذَا هُوَ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى لِأَنَّهُ نَسِيَ ذَلِكَ بِنَظْرَةٍ إلَى الدُّبْسِيِّ فَقَالَ لَقَدْ أَصَابَتْنِي فِي مَالِي هَذَا فِتْنَةٌ أَصْلُ الْفِتْنَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الِاخْتِبَارُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اخْتَبَرْنَاك اخْتِبَارًا إلَّا أَنَّ لَفْظَ الْفِتْنَةِ إذَا أُطْلِقَ فَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِيمَنْ أَخْرَجَهُ الِاخْتِبَارُ عَنْ الْحَقِّ يُقَالُ فُلَانٌ مَفْتُونٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ اُخْتُبِرَ فَوُجِدَ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ فَمَعْنَى قَوْلِهِ أَصَابَتْنِي فِتْنَةٌ أَيْ اُخْتُبِرْت بِهَذَا الْمَالِ فَشَغَلَنِي عَنْ الصَّلَاةِ وَتَكُونُ الْفِتْنَةُ بِمَعْنَى الْمَيْلِ عَنْ الْحَقِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] مَعْنَاهُ يُمِيلُونَك فَيَكُونُ مَعْنَى أَصَابَتْنِي فِتْنَةٌ أَيْ أَصَابَتْنِي مِنْ بَهْجَةِ هَذَا الْمَالِ مَا أَمَالَنِي عَنْ الْإِقْبَالِ إلَى صَلَاتِي وَتَكُونُ الْفِتْنَةُ أَيْضًا الْإِحْرَاقَ يُقَالُ فَتَنْتُ الرَّغِيفَ إذَا أَحْرَقْتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أَيْ يُحْرَقُونَ وَاللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ فَتَنْت الرَّجُلَ وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ أَفَتَنْت الرَّجُلَ لَمَّا أَصَابَتْ أَبَا طَلْحَةَ الْفِتْنَةُ فِي مَالِهِ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ الَّذِي أَصَابَهُ فِي حَائِطِهِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ صَدَقَةٌ لِلَّهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ إخْرَاجَ مَا فُتِنَ بِهِ مِنْ مَالِهِ وَتَكْفِيرَ اشْتِغَالِهِ عَنْ صَلَاتِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا كَانَ يَقِلُّ مِنْهُمْ وَيَعْظُمُ فِي نُفُوسِهِمْ فَكَيْفَ مِمَّنْ يَكْثُرُ ذَلِكَ مِنْهُ تَغَمَّدَ اللَّهُ زَلَلَنَا بِفَضْلِهِ وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّ الْإِقْبَالَ عَلَى الصَّلَاةِ وَتَرْكِ الِالْتِفَاتِ فِيهَا مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ أَحْكَامِهَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] قَالَ الْإِقْبَالُ عَلَيْهَا وَالْخُشُوعُ فِيهَا وَقَدْ كُرِهَ كُلُّ مَا يَكُونُ سَبَبًا إلَى الِالْتِفَاتِ فِيهَا قَالَ مَالِكٌ وَلِذَلِكَ كَرِهَ النَّاسُ تَزْوِيقَ الْمَسْجِدِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْفُسَيْفِسَاءِ وَتَأَوَّلُوا أَنَّهُ يَشْغَلُ النَّاسَ فِي صَلَاتِهِمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ هُوَ صَدَقَةٌ لِلَّهِ ضَعْهُ حَيْثُ شِئْت يَقْتَضِي الصَّدَقَةَ بِرَقَبَةِ الْمَالِ وَإِنَّمَا صَرَفَ ذَلِكَ إلَى اخْتِيَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعِلْمِهِ بِأَفْضَلِ مَا تُصْرَفُ إلَيْهِ الصَّدَقَاتُ وَحَاجَتُهُ إلَى صَرْفِهَا فِي وُجُوهِهَا.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِطٍ لَهُ بِالْقُفِّ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ الثَّمَرِ وَالنَّخْلُ قَدْ ذُلِّلَتْ فَهِيَ مُطَوَّقَةٌ بِثَمَرِهَا فَنَظَرَ إلَيْهَا فَأَعْجَبَهُ مَا رَأَى مِنْ ثَمَرِهَا ثُمَّ رَجَعَ إلَى صَلَاتِهِ فَإِذَا هُوَ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَقَالَ لَقَدْ أَصَابَتْنِي فِي مَالِي هَذَا فِتْنَةٌ فَجَاءَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ وَقَالَ هُوَ صَدَقَةٌ فَاجْعَلْهُ فِي سُبُلِ الْخَيْرِ فَبَاعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِخَمْسِينَ أَلْفًا فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَالُ الْخَمْسِينَ) .
(ش) : قَوْلُهُ بِالْقُفِّ الْقُفُّ مَا صَلُبَ مِنْ الْأَرْضِ وَاجْتَمَعَ وَأَصْلُ الْقُفُوفِ الِاجْتِمَاعُ وَمِنْهُ قَفَا شَعْرِك أَيْ اجْتَمَعَ وَتَقَبَّضَ وَقَوْلُهُ قَدْ ذُلِّلَتْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى مَعْنَى ذُلِّلَتْ مَالَتْ الثَّمَرَةُ بِعَرَاجِينِهَا فَبَرَزَتْ وَصَارَتْ كَالطَّوْقِ لِلنَّخْلَةِ.
وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النَّخْلَ تُجْمَعُ عَرَاجِينُهَا بِحَبْلٍ أَوْ شَيْءٍ فَتَبْرُزُ الثَّمَرَةُ فَتَبِينُ لِلْخَرْصِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الثَّمَرَةَ تُفْتَلُ عَرَاجِينُهَا لِتُثْمِرَ وَرَوَى عِيسَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَتَمَكَّنَ الْخِرْصُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ الثَّمَرَةَ إذَا عَظُمَتْ وَبَلَغَتْ حَدَّ النُّضْجِ ثَقُلَتْ فَمَالَتْ بِعَرَاجِينِهَا فَهُوَ مَعْنَى تَذْلِيلِهَا وَهُوَ فِيمَا يَقَعُ فِي نَفْسِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ [الإنسان: ١٤] .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ هُوَ صَدَقَةٌ هَذِهِ اللَّفْظَةُ بِانْفِرَادِهَا تَقْتَضِي الْبِرَّ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ صَدَقَةً لِلَّهِ وَلِذَلِكَ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ اعْتِصَارُ صَدَقَتِهِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ فَإِنَّ لَهُ اعْتِصَارَهَا حَتَّى يَقُولَ هِبَةٌ لِلَّهِ وَتُفَارِقُ الصَّدَقَةُ
следующие страницы →