← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا الَّذِي قَدْ مَسَّ امْرَأَتَهُ ثُمَّ اُعْتُرِضَ عَنْهَا، فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ أَنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا) . جَامِعُ الطَّلَاقِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ حِينَ أَسْلَمَ الثَّقَفِيُّ أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» ) . ــ [المنتقى] قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ حُدُوثُ الْبَرَصِ الشَّدِيدِ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَا سَمِعْت أَحَدًا فَرَّقَ فِيهِ وَلَا أَرَى ذَلِكَ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ لَا يُفَرَّقُ فِيهِ، إنْ غَرَّهَا فَعَلَى هَذَا عَنْ مَالِكٍ فِي الَّتِي يَغُرُّهَا زَوْجُهَا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: إثْبَاتُ الْخِيَارِ لَهَا وَبِهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَالثَّانِيَةُ نَفْيُهُ، وَفِي الَّذِي يَحْدُثُ بِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً فِي نَفْيِ الْخِيَارِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ مَا حَدَثَ مِنْهُ شَدِيدًا وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَحْدُثُ بِهِ مِنْ الْبَرَصِ مَا خَفَّ مِنْهُ فَلَا خِيَارَ لَهَا وَمَا فِيهِ ضَرَرٌ لَا تَصْبِرُ عَلَيْهِ فَلَهَا الْخِيَارُ بِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي الْبَرَصِ إذَا غَرَّ بِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهَا فِيهِ الْخِيَارُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُؤَثِّرُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ لِلزَّوْجِ الْخِيَارُ بِهِ إذَا كَانَ بِالزَّوْجَةِ فَكَانَ لِلزَّوْجَةِ الْخِيَارُ إذَا كَانَ بِالزَّوْجِ كَالْجُذَامِ فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إلَى إثْبَاتِ الْخِيَارِ لَهَا بِهَذِهِ الْعُيُوبِ كُلِّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً حِينَ الْعَقْدِ أَوْ ثَبَتَتْ بَعْدَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَحْدُثُ مِنْ ذَلِكَ بِالزَّوْجَةِ وَبَيْنَ مَا يَحْدُثُ بِالزَّوْجِ أَنَّ الزَّوْجَ يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِ الْعَقْدِ بِالطَّلَاقِ، وَالزَّوْجَةَ لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا الْخِيَارُ لَأَدَّى إلَى اسْتِدَامَةِ الضَّرَرِ وَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ يَقْتَضِي أَنَّ حَقَّ الْمَرْأَةِ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا بِمَا حَدَثَ بِالزَّوْجِ مِنْ ذَلِكَ آكَدُ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ مِمَّا يَثْبُتُ بِالْمَرْأَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْقٌ) وَالْفَرْق بَيْنَ مَا يُوجَدُ مِنْهُ حِينَ الْعَقْدِ وَبَيْنَ مَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا بِهِ قَاصِدًا إلَى الْخَدِيعَةِ، وَالْإِضْرَارِ بِهَا وَاَلَّذِي حَدَثَ ذَلِكَ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ غَيْرُ قَاصِدٍ إلَيْهِ بِمَا حَدَثَ بِهَا مِنْهُ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَلَهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ جَمِيعُهُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِهَا عِنْدَ الْعَقْدِ لَكَانَ لَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَنْ يُفَارِقَهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَاقِ، وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ كَثِيرِ مَا حَدَثَ مِنْهُ وَقَلِيلِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ مِنْهُ عِنْدَ الْعَقْدِ، فَإِنَّمَا أَثْبَتَ لَهَا الْخِيَارَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَجْلِ اسْتِدَامَةِ الضَّرَرِ وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّهَا إذَا رَضِيَتْ بِهِ كَانَ لَهَا الْقِيَامُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ وَجْهِ الْعُنَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ وَجْهِ الضَّرَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ: إنَّ مَنْ مَسَّ امْرَأَتَهُ، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ اُعْتُرِضَ عَنْهَا، فَإِنَّهُ لَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَا حُجَّةَ لَهَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ غَيْرَ أَبِي ثَوْرٍ، فَإِنَّهُ قَالَ يُؤَجَّلُ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ وَلِأَنَّ الْمُلَامَسَةَ الْوَاحِدَةَ يَكْمُلُ بِهَا الصَّدَاقُ فَيَبْطُلُ بِهَا حُكْمُ الِاعْتِرَاضِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ اسْتِيفَاءِ الِاسْتِمْتَاعِ أَجْمَعَ إذَا مَنَعَ مِنْهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عُذْرٌ كَمَا لَوْ مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [جَامِعُ الطَّلَاقِ وَفِيهِ أَبْوَاب] (ش) : قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ أَمَرَ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ الَّذِي أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ أَنْ يُمْسِكَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَيُفَارِقَ سَائِرَهُنَّ» وَلَمْ يَحُدَّ لَهُ إمْسَاكَ الْأَوَائِلِ وَلَا غَيْرَهُنَّ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ خُيِّرَ فِي أَنْ يُمْسِكَ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ وَيُفَارِقَ سَائِرَهُنَّ وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ تَحْتَهُ أُخْتَانِ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ وَسَوَاءٌ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ عُقُودٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ إلَّا الْأَوَائِلَ، فَإِنْ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ ثُمَّ تَزَوَّجَ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ صِفَةِ نِكَاحِهِنَّ، وَهُوَ مَوْضِعُ حُكْمٍ، وَالسُّؤَالِ

стр. 1157

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَحُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كُلُّهُمْ يَقُولُ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى تَحِلَّ وَتَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَيَمُوتُ عَنْهَا أَوْ يُطَلِّقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا زَوْجُهَا الْأَوَّلُ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذَلِكَ السُّنَّةُ عِنْدَنَا الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْأَحْنَفِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ وَلَدٍ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: فَدَعَانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ فَجِئْته فَدَخَلْت عَلَيْهِ فَإِذَا سِيَاطٌ مَوْضُوعَةٌ، وَإِذَا قَيْدَانِ مِنْ حَدِيدٍ وَعَبْدَانِ لَهُ قَدْ أَجْلَسَهُمَا فَقَالَ: طَلِّقْهَا وَإِلَّا وَاَلَّذِي يُحْلَفُ بِهِ فَعَلْت بِك كَذَا، وَكَذَا قَالَ: فَقُلْت هِيَ الطَّلَاقُ أَلْفًا قَالَ فَخَرَجْت مِنْ عِنْدِهِ فَأَدْرَكْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ قَالَ فَأَخْبَرْته بِاَلَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِي فَتَغَيَّظَ عَبْدُ اللَّهِ وَقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ، وَأَنَّهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْك فَارْجِعْ إلَى أَهْلِك قَالَ فَلَمْ تُقْرِرْنِي نَفْسِي حَتَّى أَتَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ أَمِيرٌ عَلَيْهَا فَأَخْبَرْته بِاَلَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِي وَبِاَلَّذِي قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عُمَرَ قَالَ فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْك فَارْجِعْ إلَى أَهْلِك وَكَتَبَ إلَى جَابِرِ بْنِ الْأَسْوَدِ الزُّهْرِيِّ ــ [المنتقى] عَنْ أَسْبَابِهِ مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ فَاسِدَةٌ لِعُرُوِّهَا عَنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ لَكِنْ إنْ كَانَ الْفَسَادُ يُقَارِنُ الْعَقْدَ فَقَطْ فَذَلِكَ الَّذِي يُصَحِّحُهُ الْإِسْلَامُ، فَإِنْ كَانَ يَبْقَى بَعْدَ الْعَقْدِ وَأَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ بَطَلَ النِّكَاحُ، وَإِنْ انْقَضَى قَبْلَ الْإِسْلَامِ صَحَّحَهُ الْإِسْلَامُ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ تُسْلِمَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُفْسَخُ النِّكَاحُ قَالَ أَشْهَبُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَنَى بِهَا، وَلَوْ وَطِئَ بَعْدَ إسْلَامِهِ فِي الْعِدَّةِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أَبَدًا وَكَذَلِكَ مَنْ تَزَوَّجَ عَلَى سَنَةٍ لِلْمُتْعَةِ فَأَسْلَمَ قَبْلَ الْأَجَلِ فُسِخَ نِكَاحُهُ، وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْأَجَلِ ثَبَتَ نِكَاحُهُ بَنَى أَوْ لَمْ يَبْنِ قَالَهُ أَشْهَبُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ كِتَابِ أَحْمَدَ وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَلَمْ يَخْتَرْ مِنْهُنَّ حَتَّى مَاتَ قَالَ مُحَمَّدٌ سَمِعْت مَنْ قَالَ: إنَّهُنَّ يَرِثْنَ مِنْهُ الثُّمُنَ مَعَ الْوَلَدِ، وَالرُّبُعَ مَعَ عَدَمِهِ وَمَنْ دَخَلَ بِهَا مِنْهُنَّ فَلَهَا صَدَاقُهَا وَمَنْ لَمْ يَبْنِ بِهَا فَلَهَا خُمُسَا صَدَاقِهَا قَالَ مُحَمَّدٌ: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا إلَّا صَدَاقُ أَرْبَعٍ يُقَسَّمُ ذَلِكَ بَيْنَهُنَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ طَلَّقَ أَرْبَعًا مِنْ الْعَشَرَةِ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْعَشْرِ غَيْرَ الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّ طَلَاقَهُ لِلْأَرْبَعِ اخْتِيَارٌ لِمَنْ طَلَّقَ وَبِالطَّلَاقِ وَقَعَ عَلَى الْمُطَلَّقَاتِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا يَقَعُ فِي نِكَاحٍ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّوْجَةِ، فَإِذَا وَجَّهَ الطَّلَاقَ إلَيْهَا فَقَدْ اخْتَارَهَا زَوْجَةً فَإِذَا اسْتَوْعَبَ أَرْبَعَةً بِالطَّلَاقِ فَقَدْ اسْتَوْعَبَ مَنْ كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى سَائِرِهِنَّ إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ كَمَا لَوْ اخْتَارَ أَرْبَعًا ثُمَّ طَلَّقَهُنَّ. (ش) : قَوْلُ عُمَرَ ﵁: أَيُّمَا امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ يُرِيدُ مَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ الثَّلَاثَ ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى تَحِلَّ وَتَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَيَمُوتُ عَنْهَا أَوْ يُطَلِّقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا الْأَوَّلُ، فَإِنَّهَا عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا يُرِيدُ إنْ كَانَ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الثَّانِي طَلْقَةً، فَإِنَّهَا إذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ تَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى طَلْقَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ طَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ قَبْلَ الثَّانِي، فَإِنَّهَا إذَا رَجَعَتْ لِلْأَوَّلِ لَا يَبْقَى لَهُ فِيهَا إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الزَّوَاجَ لَا يَهْدِمُ مِنْ الطَّلَاقِ إلَّا الثَّلَاثَ فَأَمَّا الطَّلْقَةُ، وَالطَّلْقَتَانِ فَلَا يَهْدِمُهَا الزَّوَاجُ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَهْدِمُ الطَّلْقَةَ، وَالطَّلْقَتَيْنِ، وَإِذَا رَجَعَتْ إلَى الْأَوَّلِ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى جَمِيعِ الطَّلَاقِ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ.

стр. 1158

وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُعَاقِبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَهْلِي قَالَ فَقَدِمْت الْمَدِينَةَ فَجَهَّزَتْ صَفِيَّةُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ امْرَأَتِي حَتَّى أَدْخَلَتْهَا عَلَيَّ بِعِلْمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ثُمَّ دَعَوْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمَ عُرْسِي إلَى وَلِيمَتِي فَجَاءَنِي) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَرَأَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي بِذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَ فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ: فَدَخَلْت عَلَيْهِ، فَإِذَا سِيَاطٌ مَوْضُوعَةٌ وَقَيْدَانِ مِنْ حَدِيدٍ وَعَبْدَانِ يَقْتَضِي مَعَ كَمَالِ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا كَانَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِمَّا يَقَعُ بِهِ الْإِكْرَاهُ الَّذِي يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ التَّهْدِيدَ بِالضَّرْبِ، وَإِنْ قَلَّ، وَأَنَّ السِّجْنَ إكْرَاهٌ وَكَذَلِكَ أَخْذُ بَعْضِ الْمَالِ وَقَالَ فِيمَنْ مَرَّ بِعَشَّارٍ فَقَالَ فِي أَمَةٍ هِيَ لَهُ حُرَّةٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي يَمِينِ الْمُكْرَهِ إنْ كَانَ لَمْ يَحْلِفْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُ أَنَّ الْحَالِفَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَنْزِعُ عَنْهُ وَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِهِ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ وَأَنْ لَا يُسْرِعَ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ حَدِيثُ ثَابِتِ بْنِ الْأَحْنَفِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: فَقَالَ طَلِّقْهَا وَإِلَّا وَاَلَّذِي يُحْلَفُ بِهِ فَعَلْت بِك كَذَا، وَكَذَا فَقُلْت هِيَ الطَّلَاقُ أَلْفًا يَقْتَضِي أَنَّهُ طَلَّقَهَا مُكْرَهًا، وَقَدْ أَفْتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُ الْمُكْرَهَ طَلَاقُهُ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَيُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا طَلَاقَ فِي إغْلَاقٍ» ، وَالْإِغْلَاقُ الْإِكْرَاهُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا طَلَاقٌ لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ فَإِذَا أَوْقَعَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ كَطَلَاقِ الْمَجْنُونِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَسَوَاءٌ أُكْرِهَ عَلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ أَوْ الْإِقْرَارِ بِهِ أَوْ الْيَمِينِ بِهِ أَوْ الْحِنْثِ فِي يَمِينٍ لَزِمَتْ بِهِ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَتَضَمَّنُ الطَّلَاقَ فَلَمْ يَلْزَمْ بِالْإِكْرَاهِ كَالْإِقْرَارِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: ثُمَّ دَعَوْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إلَى وَلِيمَتِي فَجَاءَنِي يَقْتَضِي بَقَاءَهُ عَلَى مَا أَفْتَاهُ بِهِ مِنْ أَنَّ الْمُكْرَهَ لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ وَلِذَلِكَ حَضَرَ وَلِيمَةَ بِنَائِهِ بِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَدْ كَانَ طَلَّقَهَا مُكْرَهًا وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ إلَى جَابِرِ بْنِ الْأَسْوَدِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُعَاقِبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِمَا كَانَ مِنْ تَعَدِّيهِ عَلَى ثَابِتٍ وَظُلْمِهِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَا أَلْجَأَهُ إلَيْهِ مِنْ الطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُهُ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُنْصِفَ ضَعِيفَهُمْ مِنْ قَوِيِّهِمْ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. (ش) : قَوْلُهُ: فَطَلِّقُوهُنَّ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُورِدُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فَلَا تَكُونُ إلَّا عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْمُصْحَفُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا فَتِلْكَ الْمُدَّةُ الَّتِي تُسْتَقْبَلُ بِهَا الْعِدَّةُ يُرِيدُ أَنْ تَبْدَأَ فِيهَا، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تَطْلُقَ فِي حَالَةٍ تَعْتَدُّ بِهَا وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الطَّلَاقُ فِي حَالِ الْحَيْضِ فَثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالطَّلَاقِ تَنَاوَلَ حَالَ الطُّهْرِ وَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ زَمَنَ الطُّهْرِ هُوَ الَّذِي يَقَعُ الِاعْتِدَادُ بِهِ، وَهُوَ الَّذِي تُسْتَقْبَلُ الْعِدَّةُ بِهِ وَقَوْلُهُ عَنْ مَالِكٍ: إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَ فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقَدْ أُنْكِرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَقِيلَ إنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀؛ لِأَنَّ طَلَاقَ السُّنَّةِ عِنْدَهُ أَنْ يُطَلِّقَ طَلْقَةً فِي كُلِّ طُهْرٍ أَيْ فِي أَيِّ طُهْرٍ سَأَلَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ بِهِ الطَّلَاقَ وَيُوقِعَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا يُتْبِعُهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ طَلْقَةً ثَانِيَةً وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الطَّلَاقِ إيقَاعُ طَلَاقٍ فِي الطُّهْرِ الثَّانِي وَلَا الْمَنْعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ جِهَتُهُ التَّعَلُّقُ بِالْعُمُومِ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِالْعُمُومِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِي طُهْرٍ قَدْ مَسَّ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1159

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ ارْتَجَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا أَلْفَ مَرَّةٍ فَعَمَدَ رَجُلٌ إلَى امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا حَتَّى إذَا شَارَفَتْ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُؤْوِيكِ إلَيَّ وَلَا تَحِلِّينَ أَبَدًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ الطَّلَاقَ جَدِيدًا مِنْ يَوْمئِذٍ مَنْ كَانَ طَلَّقَ مِنْهُمْ أَوْ لَمْ يُطَلِّقْ مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا وَلَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا وَلَا يُرِيدُ إمْسَاكَهَا كَيْمَا تَطُولَ بِذَلِكَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ لِيُضَارَّهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١] يَعِظُهُمْ اللَّهُ بِذَلِكَ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا عَنْ طَلَاقِ السَّكْرَانِ فَقَالَا: إذَا طَلَّقَ السَّكْرَانُ جَازَ طَلَاقُهُ، وَإِنْ قَتَلَ قُتِلَ بِهِ قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) . ــ [المنتقى] (ش) : الْآيَةُ الْأُولَى نَزَلَتْ فِي تَقْدِيرِ الطَّلَاقِ وَمَا لِلرَّجُلِ مِنْهُ وَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا طَلْقَتَانِ تَعْقُبُهُمَا رَجْعَةٌ وَطَلْقَةٌ ثَالِثَةٌ لَا رَجْعَةَ بَعْدَهَا فَقَطَعَ بِذَلِكَ ﵎ ضَرَرَ مَنْ كَانَ يَسْتَدِيمُ الطَّلَاقَ، وَالِارْتِجَاعَ يَمْنَعُ بِذَلِكَ الزَّوْجَةَ مِنْ أَنْ تَحِلَّ لِغَيْرِهِ وَلَا يُعِيدُهَا هُوَ إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا عَقْدُ النِّكَاحِ مِنْ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ وَقَصْدِ الْمُوَاصَلَةِ فَقَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ جَمِيعَ مَا لِلزَّوْجِ فِي الْمَرْأَةِ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ، فَإِذَا اسْتَوْعَبَهَا فِي كَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَاتٍ وَوَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ أَوْقَاتٍ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهَا رَجْعَةٌ وَلَا كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ نِكَاحِ غَيْرِهِ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ مَرَّتَانِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أَنَّ هَذَا حُكْمُ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَهَذَا لِلزَّوْجِ وَلَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا بِإِحْسَانٍ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى الْمُوَاصَلَةِ، وَالْمَقْصُودُ بِالزَّوْجِيَّةِ لَا يُضَارُّهَا وَيُطَوِّلُ عَلَيْهَا بِالرَّجْعَةِ عِدَّتَهَا وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] يُرِيدُ فِي تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهِنَّ أَوْ يُسَرِّحُهَا بِإِحْسَانٍ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بِهَا حَاجَةٌ، فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ. ١ - (فَصْلٌ) : وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] نَهَاهُمْ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَنْ أَنْ يَكُونَ الِارْتِجَاعُ الَّذِي أُبِيحَ لَهُمْ عَلَى وَجْهِ الْإِضْرَارِ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَنْفُذُ فِيهِ حُكْمُهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أُمِرُوا بِإِيقَاعِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ دُونَ الْإِضْرَارِ فَمَنْ أَوْقَعَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِضْرَارِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ فَمَا تَنَاوَلَتْهُ الْآيَةُ الْأُولَى غَيْرُ مَا تَنَاوَلَتْهُ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُمَا إذَا طَلَّقَ السَّكْرَانُ جَازَ طَلَاقُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ. وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيّ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَرَبِيعَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَزِمَهُ الْقَطْعُ بِالسَّرِقَةِ، وَالْقِصَاصُ فِي الْقَتْلِ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ أَصْلُ ذَلِكَ الصَّحِيحُ وَلَا خِلَافَ فِي إلْزَامِهِ الْقَطْعَ بِالسَّرِقَةِ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ اللَّيْثِيِّ وَلَيْسَ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ، وَأَمَّا الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ أَيَّدَهُ اللَّهُ: وَاَلَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّ السَّكْرَانَ الْمَذْكُورَ لَا يَذْهَبُ عَقْلُهُ جُمْلَةً، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ مَعَ صِحَّةِ قَصْدِهِ إلَى مَا يَقْصِدُهُ وَلِذَلِكَ يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْقَتْلِ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَأَمَّا لَوْ بَلَغَ إلَى حَدِّ أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ وَلَا يَبْقَى لَهُ عَقْلٌ جُمْلَةً فَهَذَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ تَطْلِيقٌ إذَا بَلَغَ هَذِهِ الْحَالَةَ وَلَا يَتَهَيَّأُ مِنْهُ ضَرْبٌ وَلَا قَصْدٌ إلَى قَتْلٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ سُكْرِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ سُكْرَ الْخَمْرِ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْجُنُونِ الَّذِي يُذْهِبُ الْعَقْلَ جُمْلَةً، وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ الْعَقْلُ تَغْيِيرًا يَجْتَرِئُ بِهِ عَلَى مَعَانٍ لَا يَجْتَرِئُ عَلَيْهَا صَاحِيًا كَالسَّفِيهِ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ بَلَغَ حَدَّ الْإِغْمَاءِ لَمَا اُقْتُصَّ مِنْهُ وَلَا لَزِمَهُ طَلَاقٌ وَلَا غَيْرُهُ كَسَائِرِ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ

стр. 1160

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَانَ يَقُولُ: إذَا لَمْ يَجِدْ الرَّجُلُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَالَ مَالِكٌ، وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْت أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا) ــ [المنتقى] (فَرْعٌ) وَأَمَّا مَنْ سُقِيَ السَّيْكَرَانَ ثُمَّ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَهُوَ كَالْبِرْسَامِ، وَهُوَ لَمْ يُدْخِلْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ قَصَدَ شُرْبَهُ عَلَى وَجْهِ الدَّوَاءِ، وَالْعِلَاجِ فَأَصَابَهُ مَا بَلَغَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَشَارِبِ الْخَمْرِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ شُرْبَ السَّيْكَرَانِ يُذْهِبُ الْعَقْلَ وَيَجْعَلُ صَاحِبَهُ كَالْمُبَرْسَمِ وَقَالَ ذَلِكَ فِي الْمَرِيضِ يُطَلِّقُ فِي هَذَيَانِهِ لَا يَلْزَمُهُ، وَلَوْ طَلَّقَ، وَقَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنْ الْمَرَضِ ثُمَّ صَحَّ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ حَلَفَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ، وَأَمَّا شَارِبُ الْخَمْرِ فَمُلْتَذُّ بِسُكْرِهِ وَمَعْنَاهُ الِاجْتِرَاءُ عَلَى الْمَعَاصِي وَتَشَعُّبِ الْأَمَانِي مَعَ بَقَاءِ كَثِيرٍ مِنْ الْمَيْزِ الَّذِي يَلْزَمُهُ بِهِ الْقِصَاصُ، وَالْحُدُودُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ الْحُدُودَ، وَالطَّلَاقَ تَلْزَمُهُ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَحْرِيمٍ وَلَا كَانَ فِيهِ عِتْقٌ كَالْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ وَعَطِيَّتِهِ، وَإِنْكَاحِ ابْنَتِهِ وَإِقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ قَالَ سَحْنُونُ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: يَجُوزُ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهِ حَالَ سُكْرِهِ أَنَّهُ سَفِيهٌ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَا يَلْزَمُ السَّفِيهُ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ هَذِهِ حُقُوقٌ لَازِمَةٌ كَالطَّلَاقِ، وَالْحُدُودِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ مَنْ لَيْسَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ وَمَعَهُ مِنْ الْمَيْزِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِهِ الْقِصَاصُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ سَائِرُ أَفْعَالِهِ كَالصَّاحِي، وَأَمَّا وَصِيَّتُهُ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ: مَا كَانَ مِنْهَا لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ كَالْعِتْقِ الْمُبْتَلِّ فَهُوَ لَازِمٌ ثُمَّ رَجَعَ سَحْنُونُ بِالْعَشِيِّ فَقَالَ تَلْزَمُهُ وَصِيَّتُهُ بِالْعِتْقِ وَوَصِيَّتُهُ لِقَوْمٍ وَلَا يَكُونُ أَسْوَأَ حَالًا مِنْ الصَّبِيِّ، وَالسَّفِيهِ تَجُوزُ وَصِيَّتُهُمَا فَالسَّكْرَانُ أَحْرَى أَنْ تَجُوزَ وَصِيَّتُهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ وَلَا السَّفِيهَ. (ش) : قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَجِدْ الرَّجُلُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا يَقْتَضِي أَنَّ لَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةً لَازِمَةً لَهُ تُقَابِلُ اسْتِحْقَاقَهُ لِاسْتِدَامَةِ نِكَاحِهَا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ اسْتِدَامَةِ الِاسْتِمْتَاعِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَفِي هَذَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ أَحَدُهَا فِي ذِكْرِ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ مِنْ الزَّوْجَاتِ وَتَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مِنْ الْأَزْوَاجِ، وَالْبَابُ الثَّانِي فِيمَا يَسْقُطُ بِهِ النَّفَقَةُ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ نُشُوزٍ، وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ وَصِفَتِهَا، وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا يَجِبُ مِنْ الْخِيَارِ بِالْإِعْسَارِ عَنْ ذَلِكَ. [الْبَاب الْأَوَّل فِي ذِكْر مِنْ يَسْتَحِقّ النَّفَقَة مِنْ الزَّوْجَات وَتَسْتَحِقّ عَلَيْهِ مِنْ الْأَزْوَاج] ١ تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ الْحُرِّ لِزَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ مَا دَامَتْ الزَّوْجِيَّةُ بَيْنَهُمَا بَاقِيَةً وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قِبَلِهَا نُشُوزٌ، وَذَلِكَ إذَا دَخَلَ بِهَا أَوْ دُعِيَ إلَى الدُّخُولِ بِهَا وَكَانَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ بَالِغًا وَتَكُونَ هِيَ مِمَّنْ يُسْتَمْتَعُ بِمِثْلِهَا وَيُمْكِنُ وَطْؤُهَا، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ أَوْ كَانَتْ هِيَ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا لِصِغَرِهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي تَرْكِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ غَيْرُ مُتَأَتٍّ مِنْهَا فَلَمْ تَسْتَحِقَّ الْعِوَضَ مِنْ النَّفَقَةِ كَالْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجَانِ مُوسِرَيْنِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧] ، فَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُتْبَعْ بِمَا أَنْفَقَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا حَالَ إعْسَارِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَقٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ إذَا أَيْسَرَ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَأَرَادَ السَّفَرَ نُظِرَ إلَى قَدْرِ سَفَرِهِ فَوَضَعَ لَهَا مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ أَوْ أَقَامَ حَمِيلًا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ لَهَا عَلَيْهِ حَمِيلٌ بِالنَّفَقَةِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إذَا غَابَ تَعَذَّرَ عَلَيْهَا تَحْصِيلُ النَّفَقَةِ مِنْ جِهَتِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا يَرَى مِنْ جِهَةِ

стр. 1161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] سَفَرِهِ كَاَلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ يُرِيدُ سَفَرًا يَقْتَضِي حُلُولَ أَجَلِهِ قَبْلَ إيَابِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُوَجِّهَ وَجْهًا لِقَضَائِهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ نَفَقَةُ زَوْجَةٍ فَلَمْ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ تَوَثُّقُهُ بِهَا كَالْحَاضِرِ الْمُقِيمِ مَعَهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا غَابَ الزَّوْجُ مُوسِرًا وَاحْتَاجَتْ الزَّوْجَةُ إلَى نَفَقَةٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ تُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا لِتَرْجِعَ عَلَيْهِ أَوْ تَرْفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ، فَإِنْ أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا ثُمَّ قَدِمَ زَوْجُهَا فَأَقَرَّ بِذَلِكَ دَفَعَ إلَيْهَا مَا أَنْفَقَتْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِمَّا يُفْرَضُ لِمِثْلِهَا عَلَى مِثْلِهِ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ الزَّائِدَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ مَانَعَهَا فِي ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَدَّعِي أَنَّهُ أَوْصَلَ إلَيْهَا مَا أَنْفَقَتْهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا مُدَّةَ غَيْبَتِهِ، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَوْصَلَ إلَيْهَا، فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَشْهَدْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا فِي بَيْتِهِ مِنْ نَفَقَةٍ وَمَا أَشْبَهَهَا لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَشْهَدَتْ عَلَى ذَلِكَ أَهْلَ مَحِلِّهَا وَجِيرَانَهَا فَلَمَّا قَدِمَ زَعَمَ أَنَّهُ خَلَّفَ النَّفَقَةَ أَوْ بَعَثَ بِهَا وَوَصَلَتْ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَكِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ الزَّوْجُ وَيُصَدَّقُ كَالْحَاضِرِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي ذَلِكَ قَضَاءٌ عَلَيْهِ وَلَا أَمْرٌ مِنْ الْحَاكِمِ لَهَا بِالْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهَا فَلَمَّا عَرِيَتْ قِصَّتُهَا مِنْ حُكْمِ حَاكِمٍ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي ذَلِكَ الْإِشْهَادُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَتْ رَفَعَتْ ذَلِكَ إلَى حَاكِمٍ مِنْ الْحُكَّامِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّ الْقَوْلَ لَهَا مِنْ يَوْمِ رَفَعَتْ ذَلِكَ وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَرَآهُ كَالْحُكْمِ لَهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا رَفَعَتْ ذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ وَنَظَرَ فِي أَمْرِهِ وَلَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا وَأَبَاحَ لَهَا الْإِنْفَاقَ عَلَى نَفْسِهَا لِتَرْجِعَ بِهِ صَارَتْ الْيَدُ لَهَا فِيمَا تُنْفِقُهُ فَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَهَا. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ قَالَ: كُنْت مُعْسِرًا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَمَا أَثْبَتَ فِيهِ عَدَمَهُ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا قَدِمَ اتَّبَعَتْهُ بِمَا كَانَ فِي مُدَّةِ الْحُكْمِ لَهَا مُوسِرًا وَسَقَطَ مَا كَانَ فِيهِ مُعْسِرًا سَوَاءٌ كَانَ وَقْتَ الْحُكْمِ أَوْ وَقْتَ الْقُدُومِ مُعْسِرًا أَوْ مُوسِرًا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا تَضَمَّنَهُ حُكْمُ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ النَّفَقَةَ مُعْسِرًا وَلَا أَنْ يُسْقِطَهَا عَنْ مُوسِرٍ وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ إنْ جُهِلَ أَمْرُهُ وَأَرَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لَهَا وَيَشْهَدُ لَهَا بِذَلِكَ الْإِمَامُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مَلِيًّا فَقَدْ فُرِضَتْ لَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةُ مِثْلِهَا مِنْ مِثْلِهِ وَيُؤَرِّخُ الْيَوْمَ وَيَذْكُرُ الشَّهْرَ فَلَا يُؤَثِّرُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ إلَّا فِي تَحْقِيقِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ حَالِهِ فِي عُسْرٍ أَوْ يُسْرٍ وَفِي إزَالَةِ يَدِهِ عَمَّا تُنْفِقُهُ بِحُكْمِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) فَإِذَا ثَبَتَ عُسْرُهُ أَوْ يُسْرُهُ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ جُهِلَ أَمْرُهُ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْحَالَةُ الَّتِي يَقْدُمُ عَلَيْهَا، فَإِنْ قَدِمَ مُعْسِرًا فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ الِاعْتِبَارِ، وَإِنْ قَدِمَ مُوسِرًا لَمْ يُصَدَّقْ فِي ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي خَرَجَ عَلَيْهَا، فَإِنْ خَرَجَ مُعْسِرًا فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ خَرَجَ مُوسِرًا فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ خَرَجَ عَلَيْهَا فَهُوَ عَلَى الْيَسَارِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بِالْإِعْسَارِ. وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ وَسَحْنُونٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، وَعَلَى الْمَرْأَةِ الْبَيِّنَةُ؛ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْحَالَةَ الَّتِي قَدِمَ عَلَيْهَا هِيَ الْحَالَةُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهَا حَالَتُهُ يَوْمَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ يَسَارٌ مِمَّا تُحْمَلُ عَلَيْهِ أَحْوَالُهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَهَذِهِ الْحَالَةُ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهَا ثَابِتَةٌ لَهُ يَوْمَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْحَالَةَ الَّتِي فَارَقَ عَلَيْهَا يَجِبُ اسْتِصْحَابُهَا حَتَّى يَبِينَ خُرُوجُهُ عَنْهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ أَنَّ الْأَحْوَالَ تَخْتَلِفُ وَتَنْتَقِلُ فَلَا يُعْتَبَرُ بِحَالٍ، وَالْأَصْلُ الْعَدَمُ لَا سِيَّمَا فِيمَا يَثْبُتُ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ. (فَصْلٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَا حُرَّيْنِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَا عَبْدَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ لَهُ زَوْجَةٌ حُرَّةٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْعَبْدَ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ قَالَ مَالِكٌ: وَيُقَالُ لَهُ أَنْفِقْ أَوْ طَلِّقْ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَشْتَرِطَ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مِنْ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ فَلَزِمَتْ الزَّوْجَ الْعَبْدَ كَالصَّدَاقِ، وَإِنَّمَا يُسْتَأْذَنُ السَّيِّدُ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِمَالِ الْعَبْدِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَا عَبْدَيْنِ أَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً فَفِي الْوَاضِحَةِ أَنَّ عَلَى الْعَبْدِ النَّفَقَةَ عَلَى زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ لَا عَلَى سَيِّدِهِ. وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا نَفَقَةَ لَهَا إلَّا أَنْ تَشْتَرِطَ عَلَيْهِ وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَمَةَ إنْ بُوِّئَتْ مَعَ زَوْجِهَا

стр. 1162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْحُرِّ أَوْ الْعَبْدِ فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ أَهْلِهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا إلَّا أَنْ تَشْتَرِطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ ثُمَّ قَالَ أَيْضًا: إنْ كَانَتْ تَبِيتُ عِنْدَهُ بِاللَّيْلِ خَاصَّةً فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا ثُمَّ قَالَ لَهَا النَّفَقَةُ بِكُلِّ حَالٍ كَانَتْ تَبِيتُ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ أَهْلِهَا وَإِلَى هَذَا رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَتْ هِيَ تَأْتِيهِ فَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ يَأْتِيهَا فِي أَهْلِهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ نَفَقَةُ الْأَمَةِ وَكِسْوَتُهَا عَلَى أَهْلِهَا وَعِنْدَهُمْ عِدَّتُهَا حَتَّى يَشْتَرِطَ ضَمَّهَا إلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُرْسِلُوهَا إلَيْهِ فِي كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ وَنَفَقَةُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَيَوْمِهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ رَدَّهَا فِي صَبِيحَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَوْ تَرَكَهَا عِنْدَهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَنَفَقَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ لَازِمَةٌ لَهُ وَقَالَ أَصْبَغُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَتْ وَهِيَ مَعَ أَهْلِهَا حَيْثُ كَانُوا حَتَّى يَشْتَرِطَ ضَمَّهَا إلَيْهِ. [الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا تَسْقُطُ بِهِ النَّفَقَةُ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ نُشُوزٍ] ١ ٍ أَمَّا مَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ عَنْ الزَّوْجِ فَالطَّلَاقُ الْبَائِنُ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ بِأَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ مِنْ عِوَضٍ أَوْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ لَا مِنْ أَجْلِ الزَّوْجِيَّةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] . (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا النَّاشِزُ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا نَفَقَةَ لِنَاشِزٍ خِلَافًا لِلْحَكَمِ، وَعَلَى هَذَا شُيُوخُنَا الْعِرَاقِيُّونَ، وَأَمَّا الْمَغَارِبَةُ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ فِي الْمَرْأَةِ يَغِيبُ زَوْجُهَا فَتَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ وَتَأْبَى أَنْ تَرْجِعَ وَيَأْبَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا حَتَّى تَرْجِعَ قَالَ مَالِكٌ: لَهَا إتْبَاعُهُ بِذَلِكَ وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ فِي الْمَرْأَةِ تَهْرُبُ مِنْ زَوْجِهَا إلَى تُونُسَ أَوْ تَنْشُزُ عَنْهُ الْأَيَّامَ فَتَطْلُبُهُ بِالنَّفَقَةِ فَقَالَتْ: فَعَلْت ذَلِكَ بِغْضَةً فِيهِ فَلَهَا النَّفَقَةُ كَالْعَبْدِ الْآبِقِ نَفَقَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ دُونَ مِلْكِهِ، فَإِذَا عَدِمَ التَّمَكُّنَ لَمْ تَجِبْ النَّفَقَةُ كَالثَّمَنِ، وَالْمَثْمُونِ فِي الْبِيَاعَاتِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِبَاحَةِ فَمَتَى كَانَ الِاسْتِمْتَاعُ مُبَاحًا وَجَبَتْ النَّفَقَةُ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ وَلَا تَسْقُطُ بِمَنْعِ النِّكَاحِ كَمَا لَا تَسْقُطُ نَفَقَةُ الْعَبْدِ بِالْإِبَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ وَصِفَتِهَا] فَأَمَّا قَدْرُ النَّفَقَةِ وَصِفَتُهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ بِقَدْرِ الْعُسْرِ، وَالْيُسْرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيُرَاعَى قَدْرُهَا مِنْ قَدْرِهِ وَيُرَاعَى غَلَاءُ السِّعْرِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ الْمُرْضِعُ كَغَيْرِهَا وَيُفْرَضُ لِلْمُرْضِعِ مَا يَقُومُ بِهَا فِي رَضَاعِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَتْ النَّفَقَةُ بِمُقَدَّرَةٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ إنَّهَا مُقَدَّرَةٌ مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الزَّوْجِ خَاصَّةً فَعَلَى الْمُوسِرِ مُدَّانِ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ مُدٌّ وَنِصْفٌ، وَعَلَى الْمُعْسِرِ مُدٌّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ « ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِهِنْدِ بِنْتِ عَمَّتِهِ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ أَحْوَالَ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ، فَإِذَا خَالَفَ حَالُ الْغَنِيِّ حَالَ الْمُتَوَسِّطِ خَالَفَ أَيْضًا حَالُ الْغَنِيِّ حَالَ غَنِيٍّ آخَرَ دُونَهُ فِي الْغِنَى؛ لِأَنَّ الزَّوْجَةَ لَهَا حَقٌّ وَلِلنَّفَقَةِ تَعَلُّقٌ بِهَا فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ بِحَالِهَا فِيهَا كَالْمَهْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ يُفْرَضُ لِلْمَرْأَةِ مُدٌّ بِمُدِّ مَرْوَانَ كُلَّ يَوْمٍ، وَهُوَ مُدٌّ وَثُلُثٌ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ اتَّخَذَهُ هِشَامُ بْنُ إسْمَاعِيلَ لِفَرْضِ الزَّوْجَاتِ فَاسْتَحْسَنَهُ مَالِكٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا غَالِبُ أَقْوَاتِ النَّاسِ لِأَنَّ مُدَّ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَبْلُغُ السَّعَةَ مِنْ الْقُوتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُفْرَضُ لَهَا فِي الشَّهْرِ وَيْبَتَانِ وَنِصْفٌ إلَى ثَلَاثِ وَيْبَاتٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَفِي الْوَيْبَاتِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَأَرَى الْقَفِيزَ الْقُرْطُبِيَّ فِي الشَّهْرِ وَسَطًا عِنْدَنَا وَفِيهِ أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ مُدًّا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ إنَّمَا فَرَضَ الْوَيْبَتَيْنِ وَنِصْفًا

стр. 1163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] إلَى الثَّلَاثِ بِمِصْرَ وَهِيَ أَرْخَصُ سِعْرًا وَأَوْسَعُ عَيْشًا وَاخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ الْقَفِيزَ بِالْأَنْدَلُسِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنَّ الْوَيْبَتَيْنِ وَسَطٌ مِنْ الشِّبَعِ بِالْأَمْصَارِ، وَذَلِكَ نَحْوُ الْقَفِيزِ الْقُرْطُبِيِّ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ لَوَسَطٌ مِنْ عَيْشِهِمْ فَبَيَّنَ أَنَّ فِي الْبَلَدِ فِي ذَلِكَ تَأْثِيرًا يُرَاعَى؛ لِأَنَّ النَّاسَ إنَّمَا يُحْمَلُونَ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي سَعَةِ الْأَقْوَاتِ وَضِيقِهَا فَلَوْ أُلْزِمَ رِجَالُ الْمَدِينَةِ أَقْوَاتَ أَهْلِ الْآفَاقِ لَأَجْحَفَ ذَلِكَ بِهِمْ، وَلَوْ قُصِرَ نِسَاءُ أَهْلِ الْآفَاقِ عَلَى أَقْوَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَأَضَرَّ ذَلِكَ بِهِنَّ فَكُلٌّ يُحْمَلُ عَلَى عَادَتِهِ وَمَا أُلِفَ مِنْ قُوتِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ السَّعَةُ زِيدَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ سَعَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ زِيدَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى الْخَادِمُ وَنَفَقَتُهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِذَا كَانَ الْعَيْشُ الْبُرَّ فَالْأَقَلُّ مِمَّا تَعِيشُ بِهِ وَتَخْتَلِفُ أَحْوَالُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ الرَّجُلُ يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ وَيَقِلُّ كَسْبُهُ فَيُفْرَضُ عَلَيْهِ بِمِصْرَ وَيْبَتَانِ فِي الشَّهْرِ فَأَشَارَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَقَلِّ أَهْلِ مِصْرَ. (مَسْأَلَةٌ) : هَذَا أَصْلُ الْقُوتِ وَيُضَمُّ إلَى ذَلِكَ دِرْهَمُ الطَّحِينِ، وَالْخَبِيزِ، وَالْحَطَبِ، وَالْمَاءِ، وَالزَّيْتِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَغَسْلُ ثَوْبٍ وَخَلٌّ وَلَا يُفْرَضُ عَلَى أَهْلِ السَّعَةِ اللَّحْمُ كُلَّ لَيْلَةٍ وَلَكِنْ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يُفْرَضُ لَهَا فَاكِهَةٌ وَلَا صَبْرٌ وَنَحْوُهُ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ هَذَا لِفَقْرِهِمَا وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ لِغِنَاهُمَا إذَا تَشَاحَّا يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ وُجُوهٌ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِيعَابِهَا بِالْإِنْفَاقِ وَلَا يُضَافُ إلَيْهَا غَيْرُهَا، وَإِنْ وَقَعَتْ الزِّيَادَةُ، وَالنَّقْصُ فِي مُعْتَادٍ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ فَقَالَ: وَيُضَافُ لِذَلِكَ حِنَّاءٌ لِمَشْطِ رَأْسِهَا وَدَهْنِهِ وَسِرَاجِهَا وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ دُهْنٌ لِرَأْسِهَا وَسِرَاجِهَا ابْنُ الْمَوَّازِ، وَهَذَا لِلْمُوسِرِ، وَالْمُعْسِرِ إلَّا أَنَّ الْمُوسِرَ يُزَادُ عَلَيْهِ بِقَدْرِهِ مِنْ قَدْرِهِ يُرِيدُ فِي مَقَادِيرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْعُسْرُ بَيِّنًا فَالْأَقَلُّ مِمَّا تَعِيشُ بِهِ وَتَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ أَحْوَالُ النَّاسِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَهَا فِي الشَّهْرِ مِنْ الزَّيْتِ نِصْفُ رُبْعٍ وَمِنْ الْخَلِّ رُبْعٌ وَمِنْ اللَّحْمِ عَلَى الْمَلِيءِ بِدِرْهَمٍ فِي الْجُمُعَةِ وَدِرْهَمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فِي صَرْفِهَا مِنْ مَاءٍ وَغَسْلِ ثَوْبٍ وَطَحْنٍ وَخَبْزٍ وَغَيْرِهِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ إنْ أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَهَا الشَّعِيرَ، فَإِنْ كَانَ النَّاسُ قَدْ أَكَلُوهُ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْقَمْحُ هُوَ الَّذِي يُؤْكَلُ فَذَلِكَ عَلَيْهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الشَّعِيرُ قُوتَ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ أَوْ يَقِلَّ الْقَمْحُ وَيَعِزَّ لِغَلَاءِ السِّعْرِ حَتَّى يَأْكُلَ أَكْثَرُ النَّاسِ الشَّعِيرَ مِمَّنْ هُوَ فِي مَنْصِبِهِ، وَعَلَى مِثْلِ حَالِهِ فَهَذَا لَهُ أَنْ يُنْفِقَ الشَّعِيرَ، وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ قُوتُ أَهْلِهِ الْقَمْحُ وَكَانَ وَقْتَ خِصْبٍ فَأَرَادَ أَنْ يَخْتَصَّ بِالشَّعِيرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الثِّيَابُ فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ثِيَابُ لِبَاسٍ وَهِيَ مَا تَنْتَقِلُ بِانْتِقَالِهَا وَثِيَابٌ تُلْبَسُ عَلَى وَجْهِ التَّغَطِّي، وَالْغِطَاءُ، وَالْفُرُشُ وَاسْمُ اللِّبَاسِ أَظْهَرُ فِي الْأَوَّلِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَيْهِ قَمِيصٌ وَفَرْوٌ لِشِتَائِهَا مِنْ لِبَاسِ مِثْلِهَا مِنْ جَوَارِبَ أَوْ فَنِلِّيَاتٍ وَقَمِيصٍ يُوَارِيهِ وَمُقَنَّعَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَخِمَارٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِزَارٌ وَخُفَّانِ وَجَوْرَبَانِ لِشِتَائِهَا وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَلَيْهِ فِي اللِّبَاسِ بِقَدْرِهَا مِنْ قَدْرِهِ مِنْ غَيْرِ خَزٍّ وَلَا وَشْيٍ وَلَا حَرِيرٍ يُرِيدُ، وَإِنْ كَانَ مُتَّسِعًا فَعَلَيْهِ مَا يَصْلُحُ لِلشِّتَاءِ، وَالصَّيْفِ مِنْ قَمِيصٍ وَجُبَّةٍ وَخِمَارٍ وَمُقَنَّعَةٍ وَسِبْتِيَّةٍ وَإِزَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا غِنَى لَهَا عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهَا يَلْبَسُ الْقُطْنَ وَمِثْلُهُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فُرِضَ عَلَيْهِ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الْمُوسِرِ لَهُ زَوْجَةٌ ذَاتُ شَرَفٍ فَلْيُفْرَضْ عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ الْوَسَطُ مِمَّا لَا يُعَرِّيهَا إذَا لَبِسَتْهُ وَلَا يُجْحِفُ بِمَالِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْعَصَبِ إلَّا غَلِيظُهُ وَكَذَلِكَ مِنْ الشَّطَوِيِّ، وَالْخَزِّ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى يَعْنِي فِي بَلَدٍ يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِبَاسُهُمْ وَيَكُونُ مَا يُفْرَضُ عَلَى مِثْلِهِ فِي قَدْرِ مَالِهِ قَالَ أَشْهَبُ مِنْهُنَّ مَنْ لَوْ كَسَاهَا الصُّوفَ أُدِّبَ، وَذَلِكَ عَلَى أَقْدَارِهِنَّ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الصُّوفُ مِنْ لِبَاسِهِنَّ وَلَكِنْ يَحْكُمُ بِمَا يَرَى أَنَّهُ مِنْ لِبَاسِهَا وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ الْفَرْوِ، وَالْقَمِيصِ عَلَيْهِ إنَّمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ زِيَّ بَلَدِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا يَتْبَعُ فِي ذَلِكَ زِيَّ النَّاسِ فِي وَقْتِ الْحُكْمِ وَلَا يَخْرُجُ مَعَ ذَلِكَ عَمَّا تَقَدَّمَ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ. (مَسْأَلَةٌ) :

стр. 1164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَأَمَّا الْوِطَاءُ، وَالْغِطَاءُ، وَالْفُرُشُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ كَانَتْ حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِالْبِنَاءِ وَعِنْدَهَا شُورَتُهَا مِنْ صَدَاقِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ مَعَهَا بِأُزُرِهَا وَبُسُطِهَا وَمَرَافِقِهَا وَوَسَائِدِهَا قَالَ أَصْبَغُ: إنَّمَا يُفْرَضُ ذَلِكَ لِلَّتِي لَا شُورَةَ لَهَا وَلَا شَيْءَ مَعَهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، فَإِنْ طَالَ الْعُمُرُ وَخَلَقَتْ الشُّورَةُ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي صَدَاقِهَا مَا تَتَشَوَّرُ بِهِ فَعَلَيْهِ الْوَسَطُ مِنْ ذَلِكَ لِلصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ يُفْرَضُ لَهَا فِرَاشٌ وَمُرْفَقَةٌ وَإِزَارٌ وَلِحَافٌ وَلِبَدٌ لِلشِّتَاءِ وَسَرِيرٌ إنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِبَرَاغِيثَ أَوْ فَأْرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا سَرِيرَ عَلَيْهِ وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلَهُ إلَّا اللِّبَدَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: عَلَيْهِ حَصِيرٌ مِنْ حَلْفَاءَ أَوْ بَرَدَى يَكُونُ تَحْتَ الْفِرَاشِ وَمَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ هَذَا الْأَصْلُ فِي كِسْوَتِهَا فَيُزَادُ فِي الْجَوْدَةِ وَيُنْقَصُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ حَالِهَا وَحَالِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَعَلَيْهِ خِمَارُ رَأْسِهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَعَلَيْهِ دُهْنُ رَأْسِهَا وَشِرَاءُ حِنَّاءٍ وَمُشْطٍ وَكُحْلٍ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَيْسَ عَلَيْهِ نُضُوخٌ وَلَا إصْبَاغٌ وَلَا الْمُشْطُ وَلَا الْمُكْحُلَةُ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ لَهَا الْحِنَّاءُ لِرَأْسِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ الطِّيبُ، وَالزَّعْفَرَانُ وَخِضَابُ الْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ زِينَتِهَا إلَّا مَا تَسْتَضِرُّ بِتَرْكِهَا إيَّاهُ كَالْكُحْلِ الَّذِي يَضُرُّ تَرْكُهُ بِبَصَرِ مَنْ يَعْتَادُهُ، وَالْمَشْطِ الَّذِي بِالْحِنَّاءِ، وَالدَّهْنِ لِمَنْ اعْتَادَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ لِمَنْ اعْتَادَهُ يُفْسِدُ الشَّعْرَ وَيُمَزِّقُهُ وَاَلَّذِي نَفَى ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّمَا هُوَ الْمُكْحُلَةُ وَلَمْ يَنْفِ الْكُحْلَ نَفْسَهُ فَتَضَمَّنَ الْقَوْلَانِ أَنَّ الْكُحْلَ يَلْزَمُهُ دُونَ الْمُكْحُلَةِ، وَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ مَا تَمْتَشِطُ بِهِ مِنْ الدُّهْنِ، وَالْحِنَّاءِ دُونَ الْآلَةِ الَّتِي تَمْتَشِطُ بِهَا. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّ الْحَاكِمَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَوْ بِأَثْمَانِهَا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ الْإِمَامُ إلَى أَنْ يَجْتَهِدَ فِي صِفَاتِهَا إنْ حَضَرَتْ كَمَا يَحْتَاجُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي قِيمَتِهَا، وَإِنْ غَابَتْ فَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِ وَأَقْرَبَ تَنَاوُلًا وَأَبْيَنَ وُصُولًا إلَى الْحَقِّ أَخَذَ بِهِ وَكَانَ الِاخْتِيَارُ فِي ذَلِكَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْصِدُ الْعَدْلَ فِي ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ بِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَ لَهُ وَأَيْسَرَ عَلَيْهِ. (فَرْعٌ) وَلِكَمْ يُفْرَضُ لَهَا عَلَيْهِ؟ قَالَ ابْنُ سَحْنُونَ عَنْ أَبِيهِ: إنَّ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَرَى السُّلْطَانُ مِنْ جِدَّتِهِ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْرِي عَلَيْهَا يَوْمًا بِيَوْمٍ وَمِنْهُمْ جُمُعَةً بِجُمُعَةٍ وَمِنْهُمْ شَهْرًا بِشَهْرٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ أَجْرُ الْقَابِلَةِ عَلَى الزَّوْجِ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ لِلْمَرْأَةِ فَذَلِكَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِلْوَلَدِ فَذَلِكَ عَلَى الْأَبِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمَا فَذَلِكَ بَيْنَهُمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ أَيَّدَهُ اللَّهُ: وَالْأَظْهَرُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمُؤَنِ الَّتِي لَا تَسْتَبِدُّ عَنْهَا الزَّوْجِيَّةُ غَالِبًا، وَإِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَالْكِسْوَةُ، وَالْمَرْأَةُ تَنْفَرِدُ بِمَنْفَعَةِ ذَلِكَ فَبِأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَا تَنْفَرِدَ الْمَرْأَةُ بِمَنْفَعَتِهِ أَوْلَى وَلِذَلِكَ يُنْفَقُ عَلَى الْحَامِلِ بِسَبَبِ الْحَمْلِ، وَإِنْ كَانَ مُعْظَمُ الْمَنْفَعَةِ لِلْحَامِلِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَجْرُ الْحِجَامَةِ وَلَا الطِّيبِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَذَلِكَ أَنَّهَا مِنْ الْمُؤَنِ الَّتِي تَنْدُرُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ مَا لَا تَسْتَبِدُّ مِنْهُ مِنْ الْمُؤَنِ الْمُعْتَادِ كَالطَّعَامِ، وَالشَّرَابِ وَلِذَلِكَ لَمْ تَلْزَمْهُ الْفَاكِهَةُ لَمَّا كَانَتْ مِمَّا تَسْتَبِدُّ عَنْهَا مِنْ الْمُؤَنِ وَتَسْتَغْنِي عَنْ اسْتِعْمَالِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَعَلَيْهِ إخْدَامُهَا إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْدِمُ نَفْسَهَا لِحَالِهَا وَغِنَى زَوْجِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهَا مِنْ الْخِدْمَةِ الْبَاطِنَةِ فِي بَيْتِهَا شَيْءٌ، وَالْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ هِيَ الْعَجْنُ، وَالطَّبْخُ، وَالْكَنْسُ، وَالْفَرْشُ وَسَقْيُ الْمَاءِ إذَا كَانَ مَعَهَا وَعَمَلُ الْبَيْتِ كُلُّهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْدِمَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الضِّعَةِ وَلَيْسَ فِي صَدَاقِهَا مَا تَشْتَرِي بِهِ خَادِمًا فَلَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَخْدِمَهَا وَعَلَيْهَا الْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ، وَأَمَّا الْغَزْلُ، وَالنَّسْجُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِحَالٍ إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَلِيًّا إلَّا أَنَّهُ فِي الْحَالِ مِثْلُهَا مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَشْرَفِ الرِّجَالِ الَّذِينَ لَا يَمْتَهِنُونَ نِسَاءَهُمْ فِي الْخِدْمَةِ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إخْدَامُهَا، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ قَدْرٍ وَشَرَفٍ وَعَلَيْهَا الْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ كَالدَّنِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْخِدْمَةَ جَارِيَةٌ

стр. 1165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ الْأَحْوَالِ، وَاعْتِبَارُ حَالِ الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَنْزِلَ لَهُ، وَالْحَالُ جَارِيَةٌ عَلَى قَدْرِهِ وَلِحَالِ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ اعْتِبَارٌ، فَإِنْ كَانَا رَفِيعَيْ الْحَالِ فَالْخِدْمَةُ سَاقِطَةٌ، وَإِنْ كَانَ هُوَ شَرِيفًا رَفِيعَ الْحَالِ فَلَا خِدْمَةَ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَكَانَ غَنِيًّا رُوعِيَ فِي هَذَا شَرَفُهَا مَعَ غِنَاهُ فَلَهَا الْخِدْمَةُ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا لَمْ يَنْفَعْهَا شَرَفُهَا وَكَانَتْ الْخِدْمَةُ عَلَيْهَا ذَكَرَ مَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَاَلَّذِي يَلْزَمُهُ مِنْ الْخِدْمَةِ الْإِنْفَاقُ عَلَى خَادِمِهَا، وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَدْفَعُ إلَيْهَا خَادِمًا وَلَا أُنْفِقُ عَلَى خَادِمِهَا وَلَمْ تَرْضَ هِيَ إلَّا بِخَادِمِهَا فَذَلِكَ لَهَا وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَخْدُمْهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ خَادِمَهَا أَطْوَعُ لَهَا وَخِدْمَةُ خَادِمِهَا أَرْفَعُ لِحَالِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُضِرَّ بِهَا فِي إزَالَتِهَا عَنْهَا وَإِبْدَالِهَا بِغَيْرِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا كَانَ مِثْلُهَا لَا تَكْفِيهَا خَادِمٌ وَاحِدَةٌ وَحَالُهُ يَحْمِلُ لَزِمَهُ أَنْ يَخْدِمَهَا خِدْمَةَ مِثْلِهَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ خِدْمَةَ الثَّانِيَةِ خِدْمَةٌ تَحْتَاجُ الزَّوْجَةُ إلَيْهَا مَعَ أَنَّ حَالَهُمَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِهِمَا فَكَانَتْ لَازِمَةً لِلزَّوْجِ كَخِدْمَةِ الْخَادِمِ الْأُولَى. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا يَجِبُ مِنْ الْخِيَارِ لِلزَّوْجَةِ بِالْإِعْسَارِ عَنْ ذَلِكَ] ١ َ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ الْإِعْسَارَ بِالنَّفَقَةِ، وَالْمُؤْنَةِ يُوجِبُ الْخِيَارَ لِلزَّوْجَةِ بَيْنَ أَنْ تَطْلُقَ عَلَيْهِ وَبَيْنَ أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ بِلَا نَفَقَةٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ بِذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا نَوْعُ مِلْكٍ تَسْتَحِقُّ بِهِ النَّفَقَةَ فَكَانَ لِلْإِعْسَارِ بِهَا تَأْثِيرٌ فِي إزَالَتِهِ كَمِلْكِ الْيَمِينِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ أُعْسِرَ بِمِثْلِ قُوتِهَا غَيْرَ أَنَّهُ يَجِدُ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ ذَاتُ الْحَالِ، وَالشَّرَفِ مِمَّنْ لَا تَلْبَسُ خَشِنَ الثِّيَابِ وَلَا تَتَنَاوَلُ غَلِيظَ الْعَيْشِ فَأُعْدِمَ الزَّوْجُ حَتَّى لَا يَجِدُ إلَّا كِسْوَةً دَنِيَّةً وَقُوتًا دُونَ قُوتِ خَادِمِهَا مِنْ قَمْحٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ سَلْتٍ غَيْرِ مَأْدُومٍ رَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَرُبَّ بَلَدٍ لَا يُنْفِقُ فَقِيرُهُمْ وَغَنِيُّهُمْ إلَّا الشَّعِيرَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا الْخُبْزَ وَنَحْوَهُ وَمَا يُوَارِي عَوْرَتَهَا، وَلَوْ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ قَالَ مَالِكٌ مِنْ غَلِيظِ الْكَتَّانِ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا كَانَتْ غَنِيَّةً أَوْ فَقِيرَةً، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا اُضْطُرَّ لِعُسْرِهِ إلَى أَنْ يُنْفِقَ قُوتًا لَيْسَ مِنْ أَقْوَاتِهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ لَهَا الْخِيَارَ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِقُوتٍ مُعْتَادٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ لَهَا الْخِيَارُ إذَا لَمْ يَجِدْ قُوتًا مُعْتَادًا. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ عَدِمَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ النَّفَقَةَ أَوْ الْكِسْوَةَ وَوَجَدَ الْآخَرَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ إنْ طَلَبَتْهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُعْسِرٌ بِمَا يَلْزَمُهُ لَهَا بِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ أَعْسَرَ بِالصَّدَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ قَالَ سَحْنُونٌ أَوْ بِبَعْضِهِ فَلَهَا الْخِيَارُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَهْرَ أَكْثَرُ اخْتِصَاصًا بِالنِّكَاحِ مِنْ النَّفَقَةِ لِأَنَّهُ عِوَضُ الْبُضْعِ ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ بِالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ فَبِأَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ بِالْإِعْسَارِ بِالْمَهْرِ أَوْلَى وَأَحْرَى. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَإِنْ أُعْسِرَ بِالنَّفَقَةِ وَاخْتَارَتْ الْفُرْقَةَ فَقَدْ رَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ يُؤَجَّلُ الشَّهْرَ، وَالشَّهْرَيْنِ قَالَ أَصْبَغُ: إنْ لَمْ يُطْمَعْ لَهُ بِمَالٍ فَلَا يُؤَجَّلُ إلَّا الشَّهْرَ لَا يَبْلُغُ الشَّهْرَيْنِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ قِيلَ يُؤَجَّلُ الشَّهْرَ وَقِيلَ الْأَيَّامَ الْيَسِيرَةَ الثَّلَاثَةَ وَنَحْوَهَا وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ رَوَاهَا ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ وَمَا عَلِمْت أَنَّهُ يُضْرَبُ أَجَلٌ فِي النَّفَقَةِ إلَّا الْأَيَّامُ الْيَسِيرَةُ قَالَ مُحَمَّدٌ وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا فِيهِ الشَّهْرُ وَقَالَهُ مَالِكٌ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَيُسْتَأْنَى لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْكِسْوَةَ شَهْرَيْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قَدْرِ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْحَاكِمِ فَيُؤَجِّلُ لِلَّذِي يَرْجُو لَهُ إحْرَازَ النَّفَقَةِ مَا لَا يُؤَجِّلُ لِمَنْ لَا يَرْجُوهُ أَوْ لِمَنْ يَضْعُفُ فِيهِ الرَّجَاءُ مَا لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِالْمَرْأَةِ إضْرَارًا كَثِيرًا وَعَدَمُ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ أَحَقُّ مِنْ عَدَمِ بَعْضٍ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي وَاجِدِ النَّفَقَةِ دُونَ

стр. 1166

عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: «سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الْأَجَلَيْنِ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إذَا وَلَدَتْ فَقَدْ حَلَّتْ فَدَخَلَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِنِصْفِ شَهْرٍ فَخَطَبَهَا رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا شَابٌّ، وَالْآخَرُ كَهْلٌ فَحَظَتْ إلَى الشَّابِّ فَقَالَ الشَّيْخُ لَمْ تَحِلِّي بَعْدُ وَكَانَ أَهْلُهَا غُيَّبًا وَرَجَا إذَا جَاءَ أَهْلُهَا أَنْ يُؤْثِرُوهُ بِهَا فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْت» مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا فَقَدْ حَلَّتْ فَأَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لَوْ وَضَعَتْ وَزَوْجُهَا عَلَى سَرِيرِهِ وَلَمْ يُدْفَنْ بَعْدُ لَحَلَّتْ) . ــ [المنتقى] الصَّدَاقِ يُؤَجَّلُ فِي الصَّدَاقِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَقَالَ أَيْضًا سَنَتَيْنِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ النَّفَقَةِ، وَالصَّدَاقِ لَمْ يُوَسَّعْ لَهُ فِي أَجَلِ الصَّدَاقِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا تَزَوَّجَتْهُ عَلَى الْغِنَى أَوْ تَزَوَّجَتْهُ عَالِمَةً بِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ عَرَفَتْ بِأَنَّهُ سَائِلٌ يَتَكَفَّفُ النَّاسَ فَلَا حُجَّةَ لَهَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَوْ عَلِمَتْ أَنَّهُ فَقِيرٌ لَا يُجْرِي النَّفَقَةَ عَلَى النِّسَاءِ لِفَقْرِهِ فَلَا قَوْلَ لَهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا رَاضِيَةٌ بِعَيْبِهِ فَقَدْ أَقْدَمَتْ عَلَى مَعْرِفَتهَا بِحَالِهِ كَمُشْتَرِي السِّلْعَةِ بِهَا عَيْبٌ يَعْلَمُهُ فَلَا رَدَّ لَهُ بِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْفُرْقَةِ فَهِيَ فُرْقَةٌ بَعْدَ الْبِنَاءِ لَمْ يَسْتَكْمِلْ بِهَا عِدَّةَ الطَّلَاقِ وَلَا كَانَتْ لِعِوَضٍ وَلَا لِضَرَرٍ بِالزَّوْجِ فَكَانَتْ رَجْعِيَّةً أَصْلُ ذَلِكَ طَلَاقُ الْمَوْلَى وَصِحَّةُ رَجْعَتِهِ مُعْتَبَرَةٌ بِيَسَارِهِ، فَإِنْ ارْتَجَعَ كَانَتْ رَجْعِيَّةً مَوْقُوفَةً، فَإِنْ أَيْسَرَ فِي الْعِدَّةِ صَحَّتْ رَجْعَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَيْسُرْ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بَطَلَتْ الرَّجْعَةُ وَبَانَتْ مِنْهُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا] (ش) : قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَامِلِ بِرَأْيِهِمَا دُونَ نَصٍّ وَلَمْ تُنْكِرْ عَلَيْهِمَا أُمُّ سَلَمَةَ وَلَا أَبُو سَلَمَةَ وَلَا أَحَدَ دَلِيلٌ عَلَى الْإِجْمَاعِ بِالْقَوْلِ بِالرَّأْيِ، وَالْقِيَاسِ فِيمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فِيهِ نَصٌّ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ النَّصُّ الَّذِي أَظْهَرَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ لَاحْتَجَّ بِهِ كَمَا احْتَجَّتْ بِهِ أُمُّ سَلَمَةَ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا كَانُوا يَبْدَءُونَ فِي احْتِجَاجِهِمْ بِالنَّصِّ، وَلَوْ احْتَجَّ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ لَرَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ عَنْ مُخَالِفَتِهِ وَتَرَكَ مُعَارَضَتَهُ كَمَا أَمْسَكَ عَنْ الْمُرَاجَعَةِ لَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ النَّصُّ وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى الْقَوْلِ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ وَهِيَ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةُ أَنَّ الْحَامِلَ تَحِلُّ بِالْوَضْعِ وَبِهِ قَالَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ رَوَاهُ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ بَلَغَ ابْنَ مَسْعُودٍ أَنَّ عَلِيًّا يَقُولُ هِيَ لِآخِرِ الْأَجَلَيْنِ يَعْنِي الْحَامِلَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَنْ شَاءَ لَاعَنْته أَنَّ هَذِهِ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْقُصْرَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وَلَيْسَ بَيْنَ الْحَدِيثِ، وَالْآيَةِ تَنَافٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ مَنْ لَيْسَ بِحَامِلٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَمْلَ اسْتَمَرَّ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ لَمْ تَنْقُصْ الْعِدَّةُ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فَتَضَمَّنَتْ الْآيَةُ حُكْمَ الْحَامِلِ، وَالْحَدِيثُ تَضَمَّنَ حُكْمَ الْحَامِلِ، وَهُوَ مِنْ آخَرِ مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ؛ لِأَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَذَهَبَ إلَى مَعْنَى النَّسْخِ وَلِذَلِكَ قَالَ أُنْزِلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ

стр. 1167

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ «سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ نَفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَلَلْت فَانْكِحِي مَنْ شِئْت» مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ «عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ اخْتَلَفَا فِي الْمَرْأَةِ تَنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: إذَا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ آخِرُ الْأَجَلَيْنِ فَجَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ فَبَعَثُوا كُرَيْبًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ فَجَاءَهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهَا قَالَتْ وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْت» قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ عِنْدَنَا) . مُقَامُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي بَيْتِهَا حَتَّى تَحِلَّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ «أَنَّ الْفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ وَهِيَ أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدْرَةَ فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا حَتَّى إذَا كَانُوا بِطَرَفِ ــ [المنتقى] النِّسَاءِ الْقُصْرَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] بَعْدَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ، وَقَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ بِمَا تَقْتَضِيهِ أُصُولُ أَصْحَابِنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَسُؤَالُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ ذَلِكَ أُمَّ سَلَمَةَ لِمَا رَجَا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا مِنْ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ فَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ظَنَّهُ وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ «سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ وَلَدَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِنِصْفِ شَهْرٍ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: قَدْ حَلَلْت فَانْكِحِي مَنْ شِئْت» وَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّهَا قَدْ حَلَّتْ بِالْوِلَادَةِ حِلًّا تَسْتَبِيحُ بِهِ نِكَاحَ مَنْ شَاءَتْ، وَأَمَّا مَا رَجَاهُ أَبُو السَّنَابِلِ قِيلَ اسْمُهُ بَعْكَكُ بْنُ الْحَاجِّ الْعَبْدَرِيُّ مِنْ أَنْ يُؤْثِرَهُ بِهَا مَنْ غَابَ مِنْ أَهْلِهَا إذَا قَدِمُوا، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ يَصْرِفُوا رَغْبَتَهَا عَنْهُ إلَى الرَّغْبَةِ فِيهِ لَا أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ إجْبَارَهَا عَلَى مَا لَا تُرِيدُهُ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ لَوْ وَضَعَتْ وَزَوْجُهَا لَمْ يُدْفَنْ بَعْدُ لَحَلَّتْ يُرِيدُ أَنَّ وِلَادَتَهَا إذَا كَانَتْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَلَوْ قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ فَقَدْ فَاتَ وَلَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ مُضِيُّ مُدَّةٍ، وَإِنَّمَا تُرَاعَى وِلَادَتُهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ. . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ «سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ نَفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَلَلْت فَانْكِحِي مَنْ شِئْت» مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ «عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ اخْتَلَفَا فِي الْمَرْأَةِ تَنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: إذَا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ آخِرُ الْأَجَلَيْنِ فَجَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ فَبَعَثُوا كُرَيْبًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ فَجَاءَهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهَا قَالَتْ وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْت» قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ عِنْدَنَا) ش قَوْلُهُ إذَا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ حَلَّتْ يُرِيدُ انْقَضَتْ وِلَادَتُهَا، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ وَاحِدًا حَلَّتْ بِتَمَامِ وِلَادَتِهِ، وَإِنْ كَانَ تَوْأَمَيْنِ فَوَلَدَتْ أَحَدَهُمَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا إلَّا بِوَضْعِ الثَّانِي قَالَ أَشْهَبُ: وَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ فِي الْوَفَاةِ بِوَضْعِ الْعَلَقَةِ، وَالْمُضْغَةِ، وَأَمَّا الدَّمُ الْمُجْتَمِعُ فَلَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةٌ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَا أَلْقَتْهُ الْمَرْأَةُ مِنْ مُضْغَةٍ أَوْ عَلَقَةٍ أَوْ شَيْءٍ يُسْتَيْقَنُ أَنَّهُ وَلَدٌ، فَإِنَّهُ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَتَكُونُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ وَلَيْسَ هَذَا بِخِلَافٍ لِقَوْلِ أَشْهَبَ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الدَّمَ السَّائِلَ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ تَقْذِفَهُ الْأَرْحَامُ مِنْ حَيْضٍ أَوْ غَيْرِهِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَلَدٍ أَوْ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدٌ، وَأَمَّا الْعَلَقَةُ تَقَعُ بِهَا بَرَاءَةُ الرَّحِمِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَمٍ سَائِلٍ بَلْ هُوَ مُجْتَمِعٌ عَلَى صِفَةٍ يُعْلَمُ بِهَا إنَّهَا وَلَدٌ.

стр. 1168

الْقُدُوم لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ قَالَتْ فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَرْجِعَ إلَى أَهْلِي فِي بَنِي خُدْرَةَ فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةٍ قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ قَالَتْ فَانْصَرَفْت حَتَّى إذَا كُنْت فِي الْحُجْرَةِ نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ أَمَرَ بِي فَنُودِيت لَهُ فَقَالَ كَيْفَ قُلْت؟ فَرَدَدْت عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَكَرْت لَهُ مِنْ شَأْنِ زَوْجِي فَقَالَ اُمْكُثِي فِي بَيْتِك حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ قَالَتْ فَاعْتَدَدْت فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا قَالَتْ فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَرْسَلَ إلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرْته فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ» ) ــ [المنتقى] [مُقَامُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي بَيْتِهَا حَتَّى تَحِلَّ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ لِلْفُرَيْعَةِ نَعَمْ لِتَنْتَقِلَ إلَى بَنِي خُدْرَةَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا ثُمَّ اسْتَرْجَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَدَّدَتْ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ مَنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهَا أَنْ تَمْكُثَ فِي بَيْتِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ النَّسْخِ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اعْتَقَدَ أَوَّلًا فِي قَوْلِهَا أَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يَتْرُكْهَا فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ وَلَا يَمْلِكُ سُكْنَاهُ وَكَانَ لَفْظُهَا مُحْتَمِلًا لِذَلِكَ فَأَمَرَهَا بِالِانْتِقَالِ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَى أَنَّ لَفْظَهَا مُحْتَمِلٌ فَاسْتَرْجَعَهَا وَأَمَرَهَا بِأَنْ تُعِيدَ عَلَيْهِ قِصَّتَهَا فَتَبَيَّنَ لَهُ مِنْ إعَادَتِهَا أَنَّهَا نَفَتْ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ مَنْزِلًا يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ وَأَنَّهَا مَعَ ذَلِكَ فِي مَنْزِلٍ قَدْ مَلَكَ زَوْجُهَا سُكْنَاهُ إمَّا بِاكْتِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَأَمَرَهَا بِالْمُقَامِ وَإِتْمَامِ الْعِدَّةِ فِيهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ يَمْلِكُ رَقَبَةَ الْمَسْكَنِ فَإِنَّ لِلزَّوْجَةِ الْعِدَّةَ فِيهِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ «حَدِيثُ الْفُرَيْعَةِ وَأَمْرُهُ ﷺ لَهَا أَنْ تَمْكُثَ فِي بَيْتِهَا حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَأَنَّهَا امْتَثَلَتْ ذَلِكَ بِأَنْ اعْتَدَّتْ فِيهِ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» ، وَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ رَوَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِسْحَاقَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ وَعَدَدٌ كَثِيرٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَالْقَطَّانُ وَشُعْبَةُ. وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرَهُ، وَقَدْ أَخَذَ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَهُوَ النَّاسِخُ لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ عِدَّةٌ فَكَانَ مِنْ حُكْمِهَا الْمَسْكَنُ لِلزَّوْجَةِ كَالْمُطَلَّقَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَأَنَّهُ قَدْ اُحْتِيطَ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَكْثَرُ مِمَّا اُحْتِيطَ فِي الْمُطَلَّقَةِ لِمَوْتِ مَنْ كَانَ يَطْلُبُ بِالنَّسَبِ فَثَبَتَتْ عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي حُكْمِ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَلَمْ تَثْبُتْ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ بِهَا فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَجُعِلَتْ عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الشُّهُورَ دُونَ الْحَيْضِ احْتِيَاطًا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الشُّهُورَ يَظْهَرُ أَمْرُهَا وَالْحَيْضُ يَخْفَى أَمْرُهُ، ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّ السُّكْنَى مُرَاعًى فِي الْمُطَلَّقَةِ حِفْظًا لِلنَّسَبِ فَبِأَنْ تَثْبُتَ فِي حُكْمِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَوْلَى وَأَحْرَى، وَهَذَا مَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي وَرُبَّمَا وَصَلْته بِمَا يُتَمِّمُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَرْعٌ) وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّارِ إذَا كَانَتْ لِلْمُتَوَفَّى وَأَرَادَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ؟ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِدَّةُ لِلْمَرْأَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالسُّكْنَى مِنْ الْغُرَمَاءِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَرْتَابُ فَتَمْتَدُّ عِدَّتُهَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْغَالِبَ السَّلَامَةُ وَالرِّيبَةُ نَادِرَةٌ، وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي فَسَادِ الْعُقُودِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْقَصْدُ لَا يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ اخْتِلَافَ مُدَّةِ الْقَبْضِ إذَا كَانَ فِيهَا تَفَاوُتٌ أَثَّرَتْ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ كَانَتْ السُّكْنَى لِغَيْرِ الزَّوْجَةِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ فِيهِ بِهَذَا الشَّرْطِ فَارْتَابَتْ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ هِيَ أَحَقُّ بِالْمُقَامِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الرِّيبَةُ وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ وَإِمْضَائِهِ وَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْعِدَّةِ الْمُعْتَادَةِ، وَلَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ

стр. 1169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بِشَرْطِ زَوَالِ الرِّيبَةِ كَانَ فَاسِدًا، وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا حُجَّةَ لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ تَمَادَتْ الرِّيبَةُ إلَى خَمْسِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْعِدَّةِ وَالْعِدَّةُ قَدْ تَكُونُ خَمْسَ سِنِينَ، وَنَحْوَ هَذَا رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهَذَا عِنْدِي عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى لِلْمُبْتَاعِ الْخِيَارَ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُلْزِمُهُ ذَلِكَ فَلَا تَأْثِيرَ لِلشَّرْطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ انْعَقَدَ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَتَى مِنْ الرِّيبَةِ غَيْرُ الْمُعْتَادِ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى أَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ، فَإِنْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) وَإِنْ كَانَ السُّكْنَى لِلزَّوْجِ دُونَ الرَّقَبَةِ فَلَهَا السُّكْنَى فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ لِلْفُرَيْعَةِ بِنْتِ مَالِكٍ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يَمْلِكْ رَقَبَةَ الْمَسْكَنِ اُمْكُثِي فِي بَيْتِك حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْمُرَهَا بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَمْلِكْ الزَّوْجُ الرَّقَبَةَ وَلَا السُّكْنَى وَكَانَتْ الدَّارُ لِمُعَيَّنٍ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمَنْزِلَ كَانَ لَهَا أَوْ لَهُ لِمَا رَوَى وَهْبُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّهَا قَالَتْ إنَّ زَوْجَهَا لَمْ يَدَعْ مَنْزِلًا يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةً وَإِنِّي امْرَأَةٌ شَاسِعَةُ الدَّارِ، فَإِنْ رَأَيْت أَنْ أَتَحَوَّلَ إلَى أَهْلِي وَجِيرَانِي أَوْ قَالَتْ أَهْلِي وَأَهْلِ دَارِي، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لَهَا دَارٌ وَلَا جِيرَانُ هُنَاكَ، وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهَا ذَكَرَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّ زَوْجَهَا قُتِلَ، وَأَنَّهُ تَرَكَهَا فِي مَسْكَنٍ لَهَا وَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي الِانْتِقَالِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَرَكَ دَارَ سُكْنَى يَمْلِكُ سُكْنَاهَا مِلْكًا لَا تَبَاعَةَ عَلَيْهِ فِيهِ فَلَزِمَ أَنْ تَعْتَدَّ الزَّوْجَةُ فِيهِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا مَلَكَ رَقَبَتَهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا كَانَ قَدْ أَدَّى الْكِرَاءَ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤَدِّهِ فَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا سُكْنَى لَهَا فِي مَالِ الْمَيِّتِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ الْكِرَاءُ اللَّازِمُ لِلْمَيِّتِ فِي مَالِهِ وَلَا تَكُونُ الزَّوْجَةُ أَحَقَّ بِذَلِكَ وَتَحَاصَّ الْوَرَثَةَ فِي السُّكْنَى وَلِلْوَرَثَةِ إخْرَاجُهَا إلَّا أَنْ تُحِبَّ أَنْ تَسْكُنَ فِي حِصَّتِهَا وَيُؤَدَّى كِرَاءُ حِصَصِهِمْ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حَقَّهَا إنَّمَا تَعَلَّقَ بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ السُّكْنَى مِلْكًا تَامًّا، وَإِنَّمَا مِلْكُ الْعِوَضِ الَّذِي بِيَدِهِ، وَلَا حَقَّ فِي ذَلِكَ لِلزَّوْجَةِ إلَّا بِالْمِيرَاثِ دُونَ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ وَلَيْسَ بِسُكْنَى وَإِذَا مَلَكَ السُّكْنَى مِلْكًا تَامًّا تَعَلَّقَ حَقُّ الزَّوْجَةِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ رَضِيَ الْوَرَثَةُ فِي مُدَّةِ الْكِرَاءِ وَأَهْلُ الدَّارِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْكِرَاءِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهَا الْكِرَاءَ وَيُقِرُّوهَا عَلَى السُّكْنَى لَمْ يَكُنْ لَهَا الْخُرُوجُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنْ يَطْلُبَ مِنْهَا مَا لَا يُشْبِهُ مِنْ الْكِرَاءِ فَلَهَا الْخُرُوجُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ السُّكْنَى لَهَا لَازِمٌ فِي ذَلِكَ الْمَسْكَنِ، وَإِنَّمَا لِلْوَرَثَةِ وَصَاحِبِ الدَّارِ فِي الدَّارِ حَقٌّ تَقَدَّمَ عَلَى حَقِّهَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الدَّارِ فَإِذَا أَسْقَطُوا حَقَّهُمْ ذَلِكَ وَرَضُوا بِعِوَضِهِ عَلَى الْمُعْتَادِ لَزِمَهَا الْمُقَامُ، فَإِنْ كَانَ نَقَدَ بَعْضَ الْكِرَاءِ فَلَهَا السُّكْنَى فِي جَمِيعِ مَا نَقَدَ فِيهِ وَهِيَ فِي بَاقِي الْمُدَّةِ مِمَّا لَمْ يَنْقُدْ فِيهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ أَلْبَتَّةَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاحِدًا بَائِنًا أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَاتَ فِي الْعِدَّةِ فَقَدْ لَزِمَهُ السُّكْنَى وَهُوَ فِي مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَقَدَ، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَمْ تَطْلُقْ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ قَدْ ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ السُّكْنَى، وَإِنَّمَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ فَثَبَتَ لَهَا فِي السُّكْنَى حُكْمُ الْمُطَلَّقَةِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ عَنْ مَالِهِ فَلَمْ تَلْزَمْهُ النَّفَقَةُ فِي السُّكْنَى أَصْلُ ذَلِكَ الَّتِي لَمْ تَطْلُقْ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا مَلَكَ السُّكْنَى لِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ بِكِرَاءٍ أَوْ إسْكَانٍ مِثْلَ أَنْ يَسْكُنَ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ فَيُتَوَفَّى عِنْدَ انْقِضَائِهَا أَوْ قَبْلَ انْقِضَائِهَا بِشَهْرٍ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الدَّارِ وَلِمَنْ صَارَتْ إلَيْهِ السُّكْنَى بَعْدَ تِلْكَ الْمُدَّةِ إخْرَاجَهَا مِنْهَا وَفِي وَثَائِقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَطَّارِ أَنَّ هَذَا حُكْمُ زَوْجَةِ إمَامِ الْمَسْجِدِ يَمُوتُ وَهُوَ سَاكِنٌ فِي دَارِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْكُنُهَا عَلَى سَبِيلِ الْأُجْرَةِ فَمَتَى تَخْرُجُ مِنْ الدَّارِ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا إنْ أَحَبَّ أَهْلُ الْمَسْجِدِ. (فَرْعٌ) هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ الْكِرَاءُ كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا أَوْ كُلَّ سَنَةٍ بِكَذَا وَأَمَّا

стр. 1170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] إذَا وَقَعَ الْكِرَاءُ عَلَى سَنَةٍ بِعَيْنِهَا فَسَوَاءٌ نَقَدَ الْكِرَاءَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْ الْمَرْأَةُ أَحَقُّ بِالْمَسْكَنِ وَذُكِرَ عَنْ أَبِي قُرَّةَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْكِرَاءُ كُلَّ سَنَةٍ بِكَذَا وَبَيْنَ أَنْ يُكْرِيَهَا سَنَةً بِعَيْنِهَا، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ رِوَايَةَ أَبِي قُرَّةَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ السُّكْنَى غَيْرَ مُقَدَّرٍ مِثْلَ أَنْ يَسْكُنَ الدَّارَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ هِيَ حَبْسٌ عَلَى غَيْرِهِ بَعْدَهُ فَمَاتَ الْأَوَّلُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا أَرَى لِلَّذِي صَارَتْ إلَيْهِ الدَّارُ أَنْ يُخْرِجَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْأَمِيرِ يَمُوتُ وَهُوَ سَاكِنٌ فِي دَارِ الْإِمَارَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْكَانَ لَمَّا تَضَمَّنَ الْحَيَاةَ إلَى حِينِ وَفَاتِهِ تَضَمَّنَ مَا يَلْزَمُ مِنْ السُّكْنَى بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَأَمَّا مَنْ أُسْكِنَ مُدَّةً مُقَدَّرَةً فَلَمْ يَتَضَمَّنْ إسْكَانُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ يَصِحُّ أَنْ تَنْقَضِيَ فِي حَيَّاتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا وَلَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا اعْتَقَدَتْ أَنَّ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا نَفَقَةً فِي مَالِهِ وَيَحْتَمِلُ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهَا جَعَلَتْ ذَلِكَ مِنْ عُذْرِهَا فِي الِانْتِقَالِ إلَى بَنِي خُدْرَةَ قَوْمِهَا؛ لِأَنَّ اكْتِسَابَهَا نَفَقَتَهَا وَالتَّسَبُّبَ فِيهَا هُنَاكَ أَمْكَنُ لَهَا حِينَ لَمْ يَكُنْ زَوْجُهَا مِمَّنْ تَرَكَ مَالًا تُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهَا مِيرَاثَهَا مِنْهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْتَدْعِ مِمَّا عَرَضَتْهُ مِنْ حَالِهَا إلَّا الِانْتِقَالَ إلَى قَوْمِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْحَمْلِ لَيْسَتْ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ فَيَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْإِعْسَارِ فَبِأَنْ يَسْقُطَ بِالْمَوْتِ أَوْلَى وَأَحْرَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ اُمْكُثِي حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمَرَهَا بِذَلِكَ لَمَّا كَانَ زَوْجُهَا قَدْ أَدَّى كِرَاءَ الْمَسْكَنِ أَوْ كَانَ أَسْكَنَ فِيهِ إلَى وَفَاتِهِ أَوْ أَنَّ أَهْلَ الْمَنْزِلِ أَبَاحُوا لَهَا الْعِدَّةَ فِيهِ بِكِرَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ كِرَاءٍ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ مِمَّا رَأَى بِهِ أَنَّ الْمُقَامَ لَازِمٌ لَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَذَلِكَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] . ١ - (فَرْعٌ) وَمَنْ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ مَنْ تَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ تَعْتَدُّ إلَى مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَاتِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا أَوْ طَلَّقَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ أَرَى أَنْ تُلْغِيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَالَ وَتُحْصِي مَا بَقِيَ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ وَتَحْسِبُ بَعْدَ تَمَامِهِ بِالْأَهِلَّةِ بِالْوَفَاةِ وَتُتِمُّ عَلَى بَقِيَّةِ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا كَانَ تَامًّا أَوْ نَاقِصًا، ثُمَّ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ تَلْزَمُ الْحُرَّةَ وَالْأَمَةَ وَالصَّغِيرَةَ وَالْكَبِيرَةَ وَاَلَّتِي لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ الْمَحِيضِ وَاَلَّتِي حَاضَتْ وَالْيَائِسَةَ مِنْ الْمَحِيضِ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَعِدَّةُ جَمِيعِهِنَّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ إلَّا الْأَمَةَ فَعِدَّتُهَا مِنْ الْوَفَاةِ شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ إذَا كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَمْ تَحِضْ أَوْ يَائِسَةً مِنْ الْمَحِيضِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ عِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ قَالَ أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يُؤْمَنَ مِنْ مِثْلِهَا الْحَمْلُ فَتُسْتَبْرَأُ بِشَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ فِي الْوَفَاةِ شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ إنْ مَرَّتْ فِي ذَلِكَ بِوَقْتِ حَيْضَتِهَا فَحَاضَتْ وَإِذَا لَمْ يَمُرَّ بِهَا وَقْتُ حَيْضَتِهَا فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَلَوْ مَرَّ عَلَيْهَا فِي الثَّلَاثَةِ الْأَشْهُرِ وَقْتُ الْحَيْضَةِ فَلَمْ تَحِضْ رُفِعَتْ إلَى التِّسْعَةِ أَشْهُرٍ كَالْحُرَّةِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ فَلَا تَبْرَأُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الْمُطَلَّقَةِ وَغَيْرِهَا وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَبْنِيًّا عَلَى قَوْلِ مَنْ رَاعَى الْحَيْضَةَ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنْ عَدِمَتْ الْحَيْضَةَ فَلَا يُبَرِّئُهَا إلَّا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الشَّهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ عِدَّتُهَا؛ لِأَنَّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ كَالْأَقْرَاءِ لَمَّا كَانَتْ أَصْلًا فِي عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ كَانَتْ الْأَمَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ غَيْرَ أَنَّهَا إنْ كَانَ يُخَافُ عَلَيْهَا الْحَمْلُ أَكْمَلَتْ الشُّهُورَ الثَّلَاثَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَيَّنُ حَمْلُهَا فِي أَقَلَّ مِنْ

стр. 1171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ قَوْلِ مَالِكٍ مَا قَالَ عَنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إنَّنَا لَمْ نَجِدْ فِي الْأُصُولِ رَحِمًا يَبْرَأُ مِنْ وَطْءٍ بِغَيْرِ حَيْضٍ مِمَّنْ يُمْكِنُ مِنْهَا الْحَمْلُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ كُلَّ شَهْرٍ فَلَمْ تَحِضْ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ فَهَذِهِ رِيبَةٌ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ تُرْفَعُ إلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً وَرَوَاهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ، وَرَوَى سَحْنُونٌ وَابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَشْهَبَ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ تَبْرَأُ الْحُرَّةُ بِانْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْأَمَةُ بِانْقِضَاءِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ مَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّهَا أُنْثَى مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ لَمْ تَتَبَيَّنْ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا فَلَمْ تَبْرَأْ إلَّا بِالْحَيْضِ أَوْ التَّرَبُّصِ الْقَائِمِ مَقَامَ الْحَيْضِ كَالْمُطَلَّقَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وَلَمْ يَعْتَبِرْ حَيْضًا وَلَا غَيْرَهُ وَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ إذَا تَعَلَّقَ بِالشُّهُورِ وَكَانَتْ أَصْلًا فِيهِ لَمْ يُعْتَبَرْ بِالْحَيْضِ كَاَلَّتِي لَمْ تَحِضْ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ خَمْسَةٍ إلَى مِثْلِهَا فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ الْوَفَاةِ فَلَمْ يَأْتِ فِيهَا وَقْتُ حَيْضَتِهَا قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَوَّازِ إنَّهَا قَدْ حَلَّتْ وَإِنْ قَرُبَ وَقْتُ حَيْضِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَنْظُرُ إلَيْهَا النِّسَاءُ، فَإِنْ لَمْ يَرَيْنَ بِهَا رِيبَةً حَلَّتْ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ كِنَانَةَ تُقِيمُ حَتَّى تَحِيضَ، ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ سَبَبَ تَأْخِيرِ الْحَيْضِ الْعَادَةُ لَا الرِّيبَةُ وَكَانَتْ كَالْيَائِسَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَعِنْدِي أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ لَا يُرَاعَى فِي مُدَّةِ الْحَيْضَةِ، وَإِنَّمَا تُسْتَرَابُ بِغَيْرِ الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي تَمَامِ الْعِدَّةِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَةَ تُرَاعَى فِي تَمَامِ الْعِدَّةِ كَاَلَّتِي تَحِيضُ كُلَّ شَهْرٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ تَبْرَأُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَإِنْ تَأَخَّرَ حَيْضُهَا وَاَلَّذِي رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَسَحْنُونٌ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا إلَّا أَنْ تَرْتَابَ إحْدَاهُمَا بِتَأْخِيرِ الْحَيْضَةِ عَنْ وَقْتِهَا فَتَرْجِعَ إلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهُ غَالِبُ أَمَدِ الْحَمْلِ فَتَحِلُّ إلَّا أَنْ تُحِسَّ تَحْرِيكًا فَتُقِيمَ إلَى مُضِيِّ أَمَدِ الْحَمْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا بِالْحَيْضِ كُلَّ شَهْرٍ فَلَمْ تَحِضْ فِي الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَالْعَشَرَةِ أَيَّامٍ إلَّا حَيْضَةً وَاحِدَةً قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهَا، وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ إلَّا أَنْ تَرْتَابَ إحْدَاهُنَّ بِتَأْخِيرِ الْحَيْضَةِ عَنْ وَقْتِهَا فَتَرْجِعَ إلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ غَيْرَ أَنَّهُمَا قَدْ رَوَيَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ بِأَثَرِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَحِيضَ الْحُرَّةُ قَبْلَ التِّسْعَةِ وَبَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ وَالْأَمَةُ بَعْدَ شَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ فَتَحِلُّ حِينَئِذٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الرِّيبَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِتَأْخِيرِ الْحَيْضِ كُلِّهِ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الرِّيبَةَ تَحْصُلُ بِتَأْخِيرِ الْحَيْضَةِ الْأَخِيرَةِ، إلَّا أَنَّ الْحَيْضَةَ الْوَاحِدَةَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ تُبْرِئُ؛ لِأَنَّهَا جَاءَتْ فِي وَقْتِ الرِّيبَةِ لَا فِي وَقْتِ الْعِدَّةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ فَعِدَّتُهَا فِي الْوَفَاةِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً تِسْعَةُ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ رِيبَةٌ بِانْقِطَاعِ الْحَيْضِ فَكَمَا أَنَّ الْمُرْتَابَةَ بِانْقِطَاعِ الْحَيْضِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ تُرْفَعُ إلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ فَكَذَلِكَ الْمُرْتَابَةُ بِالِاسْتِحَاضَةِ اعْتِبَارًا بِتَسَاوِيهِمَا فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْكِتَابِيَّةُ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَتَزَوَّجَ مُسْلِمًا وَغَيْرَهُ إثْرَ وَفَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ لِلْوَفَاةِ وَلَا اسْتِبْرَاءٌ لِلدُّخُولِ فَقَدْ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ، وَأَمَّا الْمَدْخُولُ بِهَا فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهَا كَالْمُسْلِمَةِ قَالَ مَالِكٌ تُجْبَرُ عَلَى الْعِدَّةِ وَتُمْنَعُ مِنْ النِّكَاحِ وَعَلَيْهَا الْإِحْدَادُ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهَا تَسْتَبْرِئُ رَحِمَهَا بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ ذَلِكَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مُسْلِمٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْقَوْلُ فِي الْكِتَابِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا عَلَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ. فَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى قَوْلُ اللَّهِ

стр. 1172

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَرُدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ مِنْ الْبَيْدَاءِ يَمْنَعُهُنَّ الْحَجَّ) . ــ [المنتقى] تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ سَاوَتْ الْمُسْلِمَةَ الْحُرَّةَ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ سَاوَتْهَا فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ كَالْمُسْلِمَةِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِعِدَّتِهَا حَقَّانِ حَقٌّ لِلْمَخْلُوقِ وَهُوَ حِفْظُ النَّسَبِ وَحَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا حَقُّ الْمَخْلُوقِ فَذَلِكَ يَلْزَمُهَا وَلَا يُبْرِئُهَا إلَّا اسْتِبْرَاءُ رَحِمِهَا، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَحَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا أَدَاءُ حُقُوقِهِ إلَّا بَعْدَ الْإِيمَانِ بِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا إنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ سَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ فَقَضَى بِهِ يَقْتَضِي إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِإِخْبَارِ الْآحَادِ وَأَنَّ خَبَرَ الْمَرْأَةِ مِمَّا يُعْمَلُ بِهِ وَلِذَلِكَ سَأَلَهَا عُثْمَانُ عَنْ خَبَرِهَا فَقَضَى بِهِ لَمَّا أَخْبَرَتْهُ عَنْهُ وَسَمَاعُ هَذَا مِنْ خَبَرِ الْفُرَيْعَةِ حَتَّى كَانَ الْأُمَرَاءُ يُرْسِلُونَ إلَيْهَا وَيَسْأَلُونَهَا عَنْ ذَلِكَ وَيَقْضُونَ بِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِمَّنْ عَاصَرَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ، وَلِذَلِكَ رَوَى وَهْبُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِالْإِسْنَادِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ كَانَ هَذَا فِي بَعْضِ أَهْلِهِ فَسَأَلَ النَّاسَ هَلْ عِنْدَ أَحَدٍ عِلْمٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْأَنْصَارِ إنَّ فُرَيْعَةَ تُحَدِّثُ فِيهِ بِحَدِيثٍ وَهِيَ حَيَّةٌ قَالَتْ فَأَرْسَلَ إلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْهُ فَحَدَّثْته فَأَخَذَ بِهِ. (ش) : قَوْلُهُ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَرُدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ مِنْ الْبَيْدَاءِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى اعْتِدَادَ الْمَرْأَةِ فِي مَنْزِلِ زَوْجِهَا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا لَازِمًا لَهَا فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ فِي حَجٍّ وَلَا غَيْرِهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ إنَّمَا ذَلِكَ لِمَنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَا قَرُبَ مِنْهَا لَمْ يُحْرِمْنَ فَإِذَا أَحْرَمْنَ نَفَذَتْ وَبِئْسَ مَا صَنَعْنَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا فِيمَا قَرُبَ جِدًّا، وَأَمَّا التَّبَاعُدُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ تَبَاعُدٌ لَيْسَ فِي الرُّجُوعِ مِنْهُ مَشَقَّةٌ وَلَكِنْ تَحْتَاجُ فِيهِ إلَى ثِقَةٍ تَرْجِعُ مَعَهُ، وَتَبَاعُدٌ تَلْحَقُ فِيهِ الْمَشَقَّةُ فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَحُجَّ الْفَرِيضَةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَرُدُّ مَنْ خَرَجَ مِنْهُنَّ فِي حَجٍّ مِنْ الْبَيْدَاءِ وَلَا يَمْنَعُ تَوَجُّهُهَا فِي الْحَجِّ مِنْ رَدِّهَا إلَى اسْتِكْمَالِ عِدَّتِهَا حَيْثُ لَزِمَتْهَا بِقُرْبِ الْمَوْضِعِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ الْأَنْدَلُسِ تُرِيدُ الْحَجَّ لَوْ لَمْ تَكُنْ سَافَرَتْ إلَّا مَسِيرَةَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَهَلَكَ زَوْجُهَا قَالَ مَالِكٌ فِي الَّتِي تَخْرُجُ تُرِيدُ الْحَجَّ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ أَمْرًا قَرِيبًا وَتَجِدُ ثِقَةً رَجَعَتْ فَاعْتَدَّتْ فِي بَيْتِهَا، وَلَوْ وَصَلَتْ إفْرِيقِيَةَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا تَنْفُذُ لِحَجِّهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَبَاعَدَتْ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ كَانَ خُرُوجُهُ مُنْتَقِلًا تَارِكًا لِاسْتِيطَانِ الْبَلَدِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ فَتُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ أَنْ تَنْفُذَ أَوْ تَرْجِعَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَ لَهَا مَنْزِلٌ فَتَخْتَارُ الْآنَ مَوْضِعًا تَعْتَدُّ فِيهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي تُوُفِّيَ زَوْجُهَا أَوْ تَنْصَرِفَ إلَى مَا يَقْرُبُ مِنْ الْمَدَائِنِ وَالْقُرَى فَتَعْتَدُّ فِيهَا. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ خَبَّابٍ تُوُفِّيَ وَأَنَّ امْرَأَتَهُ جَاءَتْ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَذَكَرَتْ لَهُ وَفَاةَ زَوْجِهَا وَذَكَرَتْ لَهُ حَرْثًا لَهُمْ بِقَنَاةٍ وَسَأَلَتْهُ هَلْ يَصْلُحُ لَهَا أَنْ تَبِيتَ فِيهِ فَنَهَاهَا عَنْ ذَلِكَ فَكَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ الْمَدِينَةِ سَحَرًا فَتُصْبِحُ فِي حَرْثِهِمْ فَتَظَلُّ فِيهِ يَوْمَهَا، ثُمَّ تَدْخُلُ الْمَدِينَةَ إذَا أَمْسَتْ فَتَبِيتُ فِي بَيْتِهَا) . (ش) : نَهَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنْ تَبِيتَ الْمَرْأَةُ فِي حَرْثِهَا الَّتِي جَاءَتْهُ تَسْأَلُهُ وَهِيَ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ السَّائِبِ بْنِ خَبَّابٍ لَمَّا تُوُفِّيَ عَنْهَا وَلَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ فِي بَيْتِهَا فَنَهَاهَا عَنْ الْمَبِيتِ فِي حَرْثِهَا فِي مُدَّةِ عِدَّتِهَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهَا تَلْزَمُهَا السُّكْنَى فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَعْنَى السُّكْنَى وَمُعْظَمُهُ الْمَبِيتُ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ السُّكُونِ وَالِاسْتِقْرَارِ فِي الْمَسْكَنِ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُخِلَّ بِهِ وَإِنْ كَانَ لَهَا أَنْ تَنْصَرِفَ بِالنَّهَارِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ سَحَرًا قَبْلَ الْفَجْرِ

стр. 1173

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْمَرْأَةِ الْبَدْوِيَّةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنَّهَا تَنْثَوِي حَيْثُ انْثَوَى أَهْلُهَا قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا) . ــ [المنتقى] وَتَأْتِيَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَفُوتُهَا بِهَذَا مَقْصُودُ الْمَبِيتِ فِي بَيْتِهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَحْضُرُ الْعُرْسَ وَلَا تَلْبَسُ مَا لَا تَلْبَسُهُ الْحَادُّ وَلَا تَبِيتُ إلَّا فِي بَيْتِهَا رَوَاهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا اعْتَدَّتْ فِي بَيْتِ سُكْنَاهَا مَعَ زَوْجِهَا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا اعْتَدَّتْ حَيْثُ كَانَتْ تَسْكُنُ عِنْدَ أَبَوَيْهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَسْكَنُ الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ فَتَعَلَّقَ حُكْمُ سُكْنَاهَا بِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا قَالَ مَالِكٌ تَعْتَدُّ حَيْثُ كَانَتْ تَبِيتُ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْمَبِيتِ هُوَ مَوْضِعُ السُّكْنَى، وَلِذَلِكَ كَانَ مَعْنَى الْمَبِيتِ هُوَ مَعْنَى السُّكْنَى إذَا كَانَ مَبِيتًا مُتَوَالِيًا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِقْرَارِ لَا عَلَى وَجْهِ الزِّيَادَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْكِتَابِيَّةُ يَمُوتُ عَنْهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ تُجْبَرُ عَلَى الْعِدَّةِ وَتُمْنَعُ الِانْتِقَالَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَسَبِيلُهَا فِي أَحْكَامِ الْعِدَّةِ سَبِيلُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِهَا لِمُسْلِمٍ فَلَزِمَهَا قَضَاؤُهُ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. ١ - (فَرْعٌ) وَإِذَا مَاتَ سَيِّدُ أُمِّ الْوَلَدِ وَأُعْتِقَتْ فَابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَرَى لَهَا السُّكْنَى وَلَا الْمُقَامَ بِهِ وَرَآهُ أَشْهَبُ لَهَا وَعَلَيْهَا عَلَى تَضْعِيفٍ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْهُمَا. (ش) : قَوْلُهُ فِي الْمَرْأَةِ الْبَدْوِيَّةِ تَنْثَوِي حَيْثُ انْثَوَى أَهْلُهَا يُرِيدُ أَصْحَابَ الْعَمُودِ دُونَ أَصْحَابِ الْقُرَى فَإِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَهَذَا حَالُهَا، ثُمَّ افْتَرَقَ الْجَمْعُ الَّذِي كَانَتْ فِيهِمْ فَصَارَ أَهْلُهَا وَبَنُو أَبِيهَا إلَى جِهَةٍ وَصَارَ أَهْلُ زَوْجِهَا إلَى جِهَةٍ أُخْرَى صَارَتْ مَعَ أَهْلِهَا وَآوَتْ إلَيْهِمْ وَكَانَتْ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهَا الْبَقَاءُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ بِهِ حِينَ الْوَفَاةِ لِانْتِقَالِ أَهْلِهِ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ وَطَنًا لِزَوْجِهَا فَيَكُونُ أَحَقَّ بِسُكْنَاهَا مِنْ غَيْرِهِ إنَّمَا هُمْ قَوْمٌ يَتْبَعُونَ الْكَلَأَ وَيَنْتَجِعُونَ الْمِيَاهَ وَيَجْتَمِعُونَ الْيَوْمَ فِي مَنْزِلٍ وَيَفْتَرِقُونَ عِنْدَ اخْتِيَارِ بَعْضِهِمْ غَيْرَ الْجِهَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا الْآخَرُونَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى فَإِنَّهَا لَا تَزُولُ مِنْ مَسْكَنِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَنْزِلَ كَانَ مَنْزِلًا لِزَوْجِهَا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَهِيَ آمِنَةٌ إذَا أَقَامَتْ فِيهِ، وَالْمُعْتَادُ مِنْ حَالِ أَهْلِهَا وَبَنِي أَبِيهَا الْمُقَامُ وَالِاسْتِيطَانُ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ بِانْتِقَالِهِمْ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الصَّغِيرَةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَأَرَادَ أَبُوهَا الْحَجَّ وَالِانْتِقَالَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ مُنِعُوا مِنْ أَنْ يُخْرِجُوهَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لَا تَنْتَقِلُ إلَّا الْبَدْوِيَّةُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ فَخَرَجَ زَوْجُهَا مُبْتَدِيًا فَتُوُفِّيَ رَجَعَتْ وَلَا تُقِيمُ تَعْتَدُّ فِي الْبَادِيَةِ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ لَهَا مَسْكَنًا فِي مَوْضِعِ اسْتِيطَانٍ وَقَرَارٍ تَلْزَمُهَا الْعِدَّةُ فِيهِ فَكَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا فِي الْقُرْبِ وَالْبَعْدِ، وَأَمَّا الْبَدْوِيَّةُ فَلَيْسَ لَهَا مَسْكَنٌ فِي مَوْضِعِ اسْتِيطَانٍ فَلَمْ يَكُنْ بَعْضُ الْجِهَاتِ أَحَقَّ بِهَا مِنْ بَعْضٍ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَادَتِهَا الِاسْتِيطَانُ فَلَا تَلْزَمُهَا الْعِدَّةُ إلَّا عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ حَالِهَا. (فَصْلٌ) : وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَنْثَوِي مَعَ أَهْلِهَا حَيْثُ انْثَوَوْا: تَنْزِلُ حَيْثُ نَزَلُوا مِنْ ثَوَيْت الْمَنْزِلَ، وَأَهْلُهَا عَشِيرَتُهَا الَّذِينَ تَرْجِعُ إلَيْهِمْ وَتَحْتَمِي بِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَا تَبِيتُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَا الْمَبْتُوتَةُ إلَّا فِي بَيْتِهَا) . (ش) : قَوْلُهُ ﵁ لَا تَبِيتُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَا الْمَبْتُوتَةُ إلَّا فِي بَيْتِهَا يُرِيدُ الْبَيْتَ تَسْكُنُ فِيهِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَتْ تَسْكُنُهُ قَبْلَ وَفَاةِ زَوْجِهَا، فَإِنْ كَانَ مَسْكَنًا وَاحِدًا فَهِيَ عَلَى مَا كَانَتْ فِيهِ وَإِنْ كَانَ فِي حُجْرَتِهَا بُيُوتٌ كَثِيرَةٌ وَكَانَتْ تَسْكُنُ بَيْتًا مِنْهَا وَفِيهِ مَتَاعُهَا قَالَ مَالِكٌ لَا تَبِيتُ إلَّا فِي بَيْتِهَا وَأُسْطُوَانِهَا وَبُيُوتِهَا، لَهَا أَنْ تَبِيتَ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ شَاءَتْ وَلَمْ تَنْوِ بِذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَبِيتُ إلَّا فِي الَّذِي كَانَ فِيهِ مَتَاعُهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ الْمَسْكَنِ الَّذِي هِيَ فِيهِ مِنْ

стр. 1174

عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ إنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ فَرَّقَ بَيْنَ رِجَالٍ وَبَيْنَ نِسَائِهِمْ وَكُنَّ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِ رِجَالٍ هَلَكُوا فَزَوَّجُوهُنَّ بَعْدَ حَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَعْتَدِدْنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ سُبْحَانَ اللَّهِ يَقُولُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] مَا هُنَّ مِنْ الْأَزْوَاجِ. مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا حَيْضَةٌ. مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا تُوُفِّيَ سَيِّدُهَا حَيْضَةٌ قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ تَحِيضُ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) . ــ [المنتقى] حُجْرَتِهَا وَأُسْطُوَانِهَا، وَبَيْتُهَا سَكَنٌ لَهَا فَلَهَا أَنْ تَبِيتَ حَيْثُ شَاءَتْ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَتْ فِي مَقْصُورَةٍ مِنْ الدَّارِ وَفِي الدَّارِ مَقَاصِيرُ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَبِيتَ إلَّا فِي حُجْرَتِهَا الَّتِي فِي يَدِهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا سُكْنَى بِغَيْرِهَا مِنْ الْمَقَاصِيرِ بَلْ كَانَتْ مَسَاكِنَ لِغَيْرِهَا فَلَا يَحِقُّ لَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِيهِ كَسَائِرِ الدُّورِ. [عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا] (ش) : قَوْلُهُ إنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ فَسَخَ نِكَاحَ أُمِّ وَلَدٍ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ أَنْ تَعْتَدَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلَعَلَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخَذَ بِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالزُّهْرِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ عِدَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ يُتَوَفَّى سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَرَوَى ذَلِكَ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ قَبِيصَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ وَقَوْلُ الْقَاسِمِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] مَا هُنَّ مِنْ الْأَزْوَاجِ إنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ عَلَى مَنْ يُوجِبُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَةِ وَيَتَعَلَّقُ بِعُمُومِهَا فَيَصِحُّ مِنْ الْقَاسِمِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَقُولَ إنَّ اسْمَ الْأَزْوَاجِ لَا يَتَنَاوَلُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الزَّوْجَاتِ دُونَ مَنْ يُسْتَبَاحُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْتَجَّ عَلَيْهِ بِمَا قَالَهُ الْقَاسِمُ لِجَوَازِ أَنْ يَثْبُتَ هَذَا الْحُكْمُ لَهُنَّ مِنْ غَيْرِ الْآيَةِ بِقِيَاسٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَدِلَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَاسِمُ يَتَعَلَّقُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ مِنْ الْآيَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ إنَّ عِدَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ يُتَوَفَّى سَيِّدُهَا حَيْضَةٌ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَأَبُو قِلَابَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ عِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ حِيَضٍ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالنَّخَعِيِّ، وَقَالَ طَاوُسٌ وَقَتَادَةُ عِدَّتُهَا نِصْفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ أَمَةٌ مَوْطُوءَةٌ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَكَانَ اسْتِبْرَاؤُهَا بِحَيْضَةٍ أَصْلُ ذَلِكَ الْأَمَةُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهَلْ هِيَ عِدَّةٌ أَوْ اسْتِبْرَاءٌ مَحْضٌ؟ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ أَنَّ الْحَيْضَةَ اسْتِبْرَاءٌ وَلَيْسَتْ بِعِدَّةٍ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَعِدَّتُهَا حَيْضَةٌ كَعِدَّةِ الْحَرَائِرِ ثَلَاثُ حِيَضٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ أَمَةٌ مَوْطُوءَةٌ بِمِلْكِ يَمِينٍ فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا عِدَّةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ الِاسْتِبْرَاءُ كَالْأَمَةِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ مِنْ سَيِّدِهَا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا اُحْتُجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهَا لَوْ مَاتَ سَيِّدُهَا أَوْ أَعْتَقَهَا فِي حَيْضَتِهَا لَمْ تُجْزِهَا تِلْكَ حَتَّى تَحِيضَ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِخِلَافِ الْأَمَةِ فَإِنَّهُ إذَا بَاعَهَا سَيِّدُهَا فِي أَوَّلِ دَمِهَا أَجْزَأَ ذَلِكَ مِنْ اسْتِبْرَائِهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ الْخُرُوجُ مِنْ طُهْرٍ إلَى حَيْضٍ، وَهَذَا حُكْمُ الْعِدَّةِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ لَهَا حُكْمُ الْفِرَاشِ بِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ، وَلَوْ زَوَّجَهَا فَتُوُفِّيَ زَوْجُهَا وَسَيِّدُهَا غَائِبٌ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ عِدَّتِهَا فَزَعَمَتْ أَنَّهُ مِنْ سَيِّدِهَا لَحِقَ بِهِ إلَّا أَنْ يُنْكِرَ وَطْأَهَا؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ، وَلَوْ اسْتَبْرَأَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَكَانَهَا، وَلَوْ اسْتَبْرَأَ أُمَّ وَلَدِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً قَالَهُ مَالِكٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَمَّا ثَبَتَ لَهَا أَصْلٌ لَازِمٌ فِي الْحُرِّيَّةِ بِالشَّرْعِ كَانَتْ كَالْحُرَّةِ فِي وُجُوبِ الْعِدَّةِ بِأَنْوَاعِ الْفُرْقَةِ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ وَإِنْ كَانَتْ حَيْضَةً وَاحِدَةً لِنَقْصِ حُرْمَةِ الْأَمَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ حَالَ الرِّقِّ اسْتِبْرَاءً مِنْ وَطْءٍ بِوَطْءِ يَمِينٍ

стр. 1175

عِدَّةُ الْأَمَةِ إذَا تُوُفِّيَ زَوْجُهَا أَوْ سَيِّدُهَا (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانَا يَقُولَانِ عِدَّةُ الْأَمَةِ إذَا هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلُ ذَلِكَ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ طَلَاقًا لَمْ يَبُتَّهَا فِيهِ لَهُ عَلَيْهَا فِيهِ الرَّجْعَةُ، ثُمَّ يَمُوتُ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقِهِ أَنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْأَمَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا شَهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ وَأَنَّهَا إنْ عَتَقَتْ وَلَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، ثُمَّ لَمْ تَخْتَرْ فِرَاقَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ حَتَّى يَمُوتَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقِهِ اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْحُرَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَذَلِكَ أَنَّهَا إنَّمَا وَقَعَتْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ بَعْدَ مَا عَتَقَتْ فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ قَالَ مَالِكٌ، وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا) . مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ أَنَّهُ قَالَ دَخَلْت الْمَسْجِدَ فَرَأَيْت أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَجَلَسْت إلَيْهِ فَسَأَلْته عَنْ الْعَزْلِ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ ــ [المنتقى] وَذَلِكَ حَيْضَةٌ، وَقَدْ يَكُونُ اسْتِبْرَاءً مَحْضًا، وَقَدْ يَكُون عِدَّةً كَالثَّلَاثَةِ الْأَشْهُرِ وَيَكُونُ اسْتِبْرَاءً وَيَكُونُ عِدَّةً فِي الْمُطَلَّقَةِ وَالْأَمَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهَا عِدَّةٌ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا أُحِبُّ أَنْ تُوَاعِدَ أَحَدًا يَنْكِحُهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَبَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَا تَبِيتُ إلَّا فِي بَيْتِهَا فَأَثْبَتَ لِمُدَّةِ اسْتِبْرَائِهَا حُكْمَ الْعِدَّةِ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهَا الْمَبِيتُ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا فِي الْعِتْقِ وَالْوَفَاةِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ يَلْزَمُ مَعَ عَدَمِ الْوَطْءِ الَّذِي يُوجِبُ الِاسْتِبْرَاءَ فَكَانَ عِدَّةً تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُ الْعِدَّةِ كَعِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ سَبَبُهُ مِلْكُ الْيَمِينِ فَكَانَ اسْتِبْرَاءً كَاسْتِبْرَائِهَا لِلْبَيْعِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ غَابَ سَيِّدُ أُمِّ الْوَلَدِ عَنْهَا غِيبَةً طَوِيلَةً فَتُوُفِّيَ بَعْدَمَا حَاضَتْ فِي غِيبَتِهِ لَمْ يُجْزِهَا ذَلِكَ حَتَّى تَعْتَدَّ بَعْدَ وَفَاتِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ زَوْجِهَا فَلَمْ يَطَأْهَا سَيِّدُهَا حَتَّى تُوُفِّيَ فَإِنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [عِدَّةُ الْأَمَةِ إذَا تُوُفِّيَ زَوْجُهَا أَوْ سَيِّدُهَا] (ش) : قَوْلُهُمْ عِدَّةُ الْأَمَةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا نِصْفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَلَيْسَ بِالثَّابِتِ أَنَّهُ قَالَ عِدَّتُهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ وَعَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ الْإِجْمَاعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ فِي الْأَمَةِ الَّتِي يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا طَلْقَةً رَجْعِيَّةً، ثُمَّ يَمُوتُ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا تِلْكَ أَنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْأَمَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا شَهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ، وَذَلِكَ أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ رَجْعِيَّةً وَكَانَتْ مِنْ الْأَزْوَاجِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ وَلَزِمَهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ بِمَوْتِهِ وَهِيَ أَمَةٌ فَكَانَ عَلَيْهَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ، وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الزَّوْجَاتِ كَمَا لَوْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَوْ أُعْتِقَتْ فِي الْعِدَّةِ وَلَمْ تَخْتَرْ فِرَاقَهُ يُرِيدُ أَنَّهَا لَوْ اخْتَارَتْ فِرَاقَهُ لَبَانَتْ بِذَلِكَ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا حُكْمُ الزَّوْجَاتِ وَلَا انْتَقَلَتْ إلَى عِدَّةِ وَفَاةٍ فَإِذَا لَمْ تَخْتَرْ فِرَاقَهُ بَقِيَتْ عَلَى حُكْمِ الرَّجْعَةِ فَكَانَتْ مِنْ الْأَزْوَاجِ يَلْزَمُهَا بِمَوْتِهِ الِانْتِقَالُ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ فَإِذَا تُوُفِّيَ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ لَزِمَتْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَهِيَ حُرَّةٌ فَكَانَ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْحَرَائِرِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَلَوْ تُوُفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ أَمَةٌ، ثُمَّ أُعْتِقَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهَا إلَّا عِدَّةُ الْإِمَاءِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ وَجَبَتْ عَلَيْهَا وَهِيَ أَمَةٌ فَلَا يَنْقُلُهَا عَنْ حُكْمِ الْإِمَاءِ مَا طَرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1176

وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ فَقُلْنَا نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ» ) ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ] (ش) : سُؤَالُ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ الْعَزْلِ وَإِخْبَارُهُ لَهُ بِمَا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي الْجَوَابِ عَلَى مَا سُئِلُوا عَنْهُ مِمَّا عِنْدَهُمْ فِيهِ نَصٌّ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَفْزَعُونَ إلَى غَيْرِ النُّصُوصِ مِنْ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِدْلَالِ عِنْدَ عَدَمِ النُّصُوصِ، وَأَمَّا مَعَ وُجُودِ النُّصُوصِ فَكَانُوا لَا يَتَعَقَّلُونَ بِغَيْرِهَا لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ السَّائِلُ لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمِمَّنْ يُرْجَى أَنْ يَفْهَمَ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَيَنْقُلَهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَغَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَنُو الْمُصْطَلِقِ وَإِنْ كَانُوا مِنْ الْعَرَبِ يَدِينُونَ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْيَهُودِ أَوْ النَّصَارَى فَذَلِكَ جَازَ لِلْمُسْلِمِينَ وَطْؤُهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَمِلْكِ النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَدِينُ بِدِينِ الْعَرَبِ فَاسْتَبَاحَ الْمُسْلِمُونَ وَطْءَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُنَّ بَعْدَ الِاسْتِرْقَاقِ وَامْتَنَعُوا مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ وَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْحَمْلَ الَّذِي يَتَرَقَّبُهُ مَنْ لَمْ يَعْزِلْ يَمْنَعُ الْفِدَاءَ وَهُوَ الْبَيْعَ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْفِدَاءَ بِالرَّدِّ إلَى الْأَهْلِ عَلَى قَوْلِنَا إنَّهُنَّ قَدْ أَسْلَمْنَ؛ لِأَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُنَّ لَمْ تَكُنْ تُرِيدُ أَنْ تُرَدَّ إلَى الْكُفَّارِ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ تَعْذِيبِ مَنْ أَسْلَمَ وَالْإِضْرَارِ بِهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْفِدَاءُ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَالْفِدَاءَ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَمْنَعُ الْفِدَاءَ الَّذِي يَمْنَعُ الرَّدَّ إلَى الْأَهْلِ فِي غَيْرِ الْمُسْلِمَةِ وَلَا يَمْنَعُهُ فِي الْمُسْلِمَةِ إذَا أُخْرِجَتْ إلَى حُرِّيَّةٍ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا يَمْنَعُ الْخُرُوجَ عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ إلَى الِاسْتِرْقَاقِ وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أُمِّ الْوَلَدِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا حَمْلٌ عَنْ مِلْكِ يَمِينٍ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ بَيْعَ الْحَائِلِ أَصْلُ ذَلِكَ حَالُ الْحَمْلِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى أَبِيهِ بِنَفْسِ حُدُوثِهِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ الْحَالِ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ الْإِمَاءِ فَسَرَى إلَيْهَا حُكْمُ الْعِتْقِ وَلَمْ يَتَعَجَّلْ؛ لِأَنَّ انْفِصَالَهُ مِنْهَا غَايَتُهُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي أَفْلَحَ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْزِلُ وَكَانَ يَكْرَهُ الْعَزْلَ) . (ش) : مَا رَوَى عَنْ سَعْدِ وَأَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُمَا كَانَا يَعْزِلَانِ وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ هَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الصَّحَابَةُ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى إبَاحَتِهِ وَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ إلَى كَرَاهِيَتِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَا يَكُونُ مَوْءُودَةً حَتَّى تَأْتِيَ عَلَيْهِ حَالَاتُ الْخَلْقِ السَّبْعَةِ فَقَالَ عُمَرُ صَدَقْت يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ عِظَامًا، ثُمَّ لَحْمًا، ثُمَّ تُصَوَّرُ، ثُمَّ تُسْتَهَلُّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ ﷺ «مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا» مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَضُرُّكُمْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهَةِ، وَالنَّدْبُ إلَى تَرْكِ ذَلِكَ دُونَ الْمَنْعِ وَالتَّحْرِيمِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْعَزْلَ جَائِزٌ عَلَى شُرُوطٍ سَنَذْكُرُهَا بَعْدَ هَذَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ « ﷺ مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ» نَدْبٌ مِنْهُ ﷺ إلَى نِهَايَةِ التَّوَكُّلِ وَإِشَارَةٌ إلَى فَضِيلَةِ مَنْ عَوَّلَ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا

стр. 1177

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَزِيَّةَ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَجَاءَهُ ابْنُ فَهْدٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ يَا أَبَا سَعِيدٍ إنَّ عِنْدِي جَوَارِي لِي لَيْسَ نِسَائِي اللَّاتِي أُكِنُّ بِأَعْجَبَ إلَيَّ مِنْهُنَّ وَلَيْسَ كُلُّهُنَّ يُعْجِبُنِي أَنْ تَحْمِلَ مِنِّي أَفَأَعْزِلُ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَفْتِهِ يَا حَجَّاجُ قَالَ فَقُلْت يَغْفِرُ اللَّهُ لَك إنَّمَا نَجْلِسُ عِنْدَك لِنَتَعَلَّمَ مِنْك قَالَ أَفْتِهِ قَالَ فَقُلْت هُوَ حَرْثُك إنْ شِئْت سَقَيْته وَإِنْ شِئْت أَعْطَشْته قَالَ وَكُنْت أَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْ زَيْدٍ فَقَالَ زَيْدٌ صَدَقَ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا يَعْزِلُ الرَّجُلُ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْزِلَ عَنْ أَمَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا وَمَنْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةُ قَوْمٍ فَلَا يَعْزِلْ إلَّا بِإِذْنِهِمْ) . مَا جَاءَ فِي الْإِحْدَادِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ قَالَتْ زَيْنَبُ دَخَلْت عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرِهِ فَدَهَنَتْ بِهِ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَحَتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ وَاَللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثَةِ لَيَالٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» . قَالَتْ زَيْنَبُ ثُمَّ دَخَلْت عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ــ [المنتقى] كَمَا قَالَ ﷺ فِي السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ إنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرِقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَأَبَاحَ مَعَ ذَلِكَ الِاسْتِرْقَاءَ وَالِاكْتِوَاءَ؛ لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِنِهَايَةِ التَّوَكُّلِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَزِيَّةَ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَجَاءَهُ ابْنُ فَهْدٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ يَا أَبَا سَعِيدٍ إنَّ عِنْدِي جَوَارِي لِي لَيْسَ نِسَائِي اللَّاتِي أُكِنُّ بِأَعْجَبَ إلَيَّ مِنْهُنَّ وَلَيْسَ كُلُّهُنَّ يُعْجِبُنِي أَنْ تَحْمِلَ مِنِّي أَفَأَعْزِلُ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَفْتِهِ يَا حَجَّاجُ قَالَ فَقُلْت يَغْفِرُ اللَّهُ لَك إنَّمَا نَجْلِسُ عِنْدَك لِنَتَعَلَّمَ مِنْك قَالَ أَفْتِهِ قَالَ فَقُلْت هُوَ حَرْثُك إنْ شِئْت سَقَيْته وَإِنْ شِئْت أَعْطَشْته قَالَ وَكُنْت أَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْ زَيْدٍ فَقَالَ زَيْدٌ صَدَقَ) . (ش) : قَوْلُهُ إنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَعْزِلَ عَنْ جَوَارِيهِ لِمَا ذَكَرَهُ وَتَصْدِيقُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْحَجَّاجَ حِينَ قَالَ لَهُ هُوَ حَرْثُك إنْ شِئْت سَقَيْته وَإِنْ شِئْت أَعْطَشْته عَلَى مَعْنَى إبَاحَةِ ذَلِكَ وَتَخْيِيرِهِ فِيهِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ زَيْدٌ الْحَجَّاجَ أَنْ يُفْتِيَهُ عَلَى مَعْنَى التَّدْرِيبِ لَهُ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يُجْرِيهِ فِي مِثْلِ هَذَا مِمَّا عَلِمَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ لِيُنَشِّطَهُ بِذَلِكَ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ ذَفِيفٌ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ الْعَزْلِ فَدَعَا جَارِيَةً لَهُ فَقَالَ أَخْبِرِيهِمْ فَكَأَنَّمَا اسْتَحْيَتْ فَقَالَ هُوَ ذَلِكَ أَمَّا أَنَا فَأَفْعَلُهُ يَعْنِي أَنَّهُ يَعْزِلُ) . (ش) : قَوْلُهُ ﵁ لِلْجَارِيَةِ أَنْ تُخْبِرَهُمْ عَنْ الْعَزْلِ عَلَى مَعْنَى الْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ تِلْكَ الْجَارِيَةِ وَلَمْ يَكْرَهْ أَنْ يُسْمَعَ ذَلِكَ مِنْهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الْحَقِّ، فَلَمَّا اسْتَحْيَتْ أَعْلَمهُمْ أَنَّ سُكُوتَهَا إنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ الْحَيَاءِ، وَأَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَتَجَاوَزَ حَدَّ الْإِبَاحَةِ لَهُ إلَى الْإِخْبَارِ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ يَفْعَلُهُ. (ش) : قَوْلُهُ لَا يَعْزِلُ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا هُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ لِلْحُرَّةِ حَقًّا فِي الِاسْتِمْتَاعِ وَطَلَبِ النَّسْلِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ وَطِئَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ إكْمَالِهِ، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَإِنَّ لِسَيِّدِهَا أَنْ يَعْزِلَ عَنْهَا كَمَا لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ وَطِئَهَا وَمَنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمَةَ قَوْمٍ فَإِنَّ حَقَّ سَادَاتِهَا مُتَعَلِّقٌ بِطَلَبِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ رَقِيقًا لَهُمْ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَعْزِلَ إلَّا بِإِذْنِهِمْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ لِلْأَمَةِ فِيهِ حَقًّا قَدْ ثَبَتَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ إلَّا بِإِذْنِهَا وَإِذْنِهِمْ؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ زَوْجَتِهِ فَلِلزَّوْجَةِ فِيهِ حَقٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1178

حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ بِهِ، ثُمَّ قَالَتْ وَاَللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» قَالَتْ زَيْنَبُ وَسَمِعْت أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا أَفَتَكْحَلُهُمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا، ثُمَّ قَالَ إنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ» قَالَ حُمَيْدٍ بْنُ نَافِعٍ فَقُلْت لِزَيْنَبِ وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ فَقَالَتْ زَيْنَبُ كَانَتْ الْمَرْأَةُ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيْئًا حَتَّى تَمُرَّ سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْحِفْشُ الْبَيْتُ الرَّدِيءُ وَتَفْتَضُّ تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا كَالنَّشْرَةِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ زَوْجَيْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ» ) ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي الْإِحْدَادِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُكْمُ يَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنَاتِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّرْغِيبِ فِي ذَلِكَ وَالْوَعِيدِ لِمَنْ خَالَفَهُ بِمَعْنَى أَنَّ هَذَا لَا يَتْرُكُهُ مَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» ، وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي تَعَلُّقِ حُكْمِ الْإِحْدَادِ بِالْكِتَابِيَّةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ فَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ لَا إحْدَادَ عَلَيْهَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ أَنَّ عَلَيْهَا الْإِحْدَادَ كَالْمُسْلِمَةِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْإِحْدَادَ عِبَادَةٌ وَالْكِتَابِيَّةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعِدَّةِ فَلَزِمَتْ الْكِتَابِيَّةَ لِلْمُسْلِمِ كَلُزُومِ الْمَسْكَنِ وَالْعِدَّةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَمَاتَ بَعْدَ بِنَائِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ نِكَاحَهُمَا فَاسِدٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا إحْدَادَ عَلَيْهَا وَلَا عِدَّةَ وَتَسْتَبْرِئُ بِثَلَاثِ حَيْضٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُعْتَدَّةٍ مِنْ وَفَاةٍ فَلَمْ يَلْزَمْهَا إحْدَادٌ كَالْمُطَلَّقَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَهَذَا عِنْدِي فِي الَّتِي يُفْسَخُ نِكَاحُهَا وَلَمْ يَثْبُتْ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ مِنْ تَوَارُثٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَأَمَّا الَّتِي يَثْبُتُ بَيْنَهُمَا أَحْكَامُ التَّوَارُثِ فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ وَيَلْزَمُهَا الْإِحْدَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ الْإِحْدَادُ تَرْكُ الزِّينَةِ مِنْ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ وَالْحُلِيِّ وَالْكُحْلِ يُقَالُ حَدَّتْ الْمَرْأَةُ فَهِيَ حَادٌّ وَأَحَدَّتْ فَهِيَ مُحِدَّةٌ قَالَ أَبُو زَيْدٍ وَلَمْ يَعْرِفْ الْأَصْمَعِيُّ حَدَّتْ فَأَعْلَمَ ﷺ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى النِّسَاءِ أَنْ تَسْتَدِيمَ إحْدَاهُنَّ الْإِحْدَادَ عَلَى الْمَيِّتِ فَوْقَ ثَلَاثٍ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ الثَّلَاثِ لِكَوْنِهَا فِي جُمْلَةِ مَا يَقْصُرُ مِنْ الْمُدَدِ الَّتِي رُبَّمَا تَرَكَ الزِّينَةَ إلَيْهَا مَنْ لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ وَرُبَّمَا شَقَّ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ التَّطَيُّبُ وَالْخُرُوجُ عَنْ حُكْمِ الْإِحْدَادِ مَعَ فَجْأَةِ أَوَّلِ أَمْرِ الْحُزْنِ وَالْمُصِيبَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَهَذَا عَلَى مَعْنَى الْإِيجَابِ

стр. 1179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] لَا عَلَى مَعْنَى الْإِبَاحَةِ فَاسْتَثْنَى مِنْ التَّحْرِيمِ الْإِيجَابَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لَفْظَةَ افْعَلْ بَعْدَ الْحَظْرِ عَلَى بَابِهَا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ إنَّهَا تَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَسَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا إحْدَادَ عَلَى أَمَةٍ وَلَا صَغِيرَةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» ، وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْوُجُوبِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَنْ لَزِمَهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ عَلَى زَوْجٍ لَزِمَهَا الْإِحْدَادُ كَالْحُرَّةِ الْكَبِيرَةِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِمَوَالِي الْأَمَةِ مَنْعُهَا مِنْ الْإِحْدَادِ وَالْمَبِيتِ فِي مَوْضِعِ عِدَّتِهَا وَتَخْرُجُ بِالنَّهَارِ فِي حَوَائِجِهِمْ وَإِنْ أَرَادُوا بَيْعَهَا لَمْ يُلْبِسُوهَا وَلَا يَصْنَعُوا بِهَا مَا لَا يَجُوزُ لِلْحَادِّ قَالَهُ مَالِكٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنْعُهَا مِنْهُ كَمِلْكِ الزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ هَذَا الْحُكْمِ بِالْوَفَاةِ، وَأَمَّا حُكْمُ الْمُطَلَّقَةِ فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْحَدِيثِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا إحْدَادَ عَلَى مُطَلَّقَةٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ وَيُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ مُطَلَّقَةٌ فَلَا إحْدَادَ عَلَيْهَا كَالرَّجْعِيَّةِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْمُتَوَفَّى فَارَقَ زَوْجَتَهُ وَهُوَ عَلَى نِهَايَةِ الْإِشْفَاقِ عَلَيْهَا وَالرَّغْبَةِ فِيهَا وَلَمْ تَكُنْ الْمُفَارَقَةُ مِنْ قِبَلِهِ فَلَزِمَهَا لِذَلِكَ الْإِحْدَادُ وَإِظْهَارُ الْحُزْنِ وَالْمُطَلَّقَةُ فَارَقَهَا مُخْتَارًا لِفِرَاقِهَا مُقَابِحًا لَهَا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمُ الْإِحْدَادِ كَالْمُلَاعَنَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ الْمَرْأَةِ إنَّ ابْنَتِي اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا أَفَتَكْحَلُهُمَا يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ أَنَّهَا اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا، وَقَدْ بَرِئَتْ أَفَتَتَمَادَى عَلَى الِاكْتِحَالِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا وَهِيَ الْآنَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا اسْتَأْذَنَتْ فِي كُحْلٍ زِينَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنْ فِيمَا تُدَاوِي بِهِ الْعَيْنَ مِمَّا لَا زِينَةَ فِيهِ مِمَّا يُجْعَلُ خَارِجَ الْعَيْنِ أَوْ يُقَطَّرُ فِيهِ فَلَا تَكُونُ فِيهِ زِينَةٌ فَمَنَعَهَا ﷺ مِنْ ذَلِكَ لَمَّا رَأَى أَنَّهَا سَالِمَةٌ عَمَّا لَا ضَرُورَةَ بِهَا إلَيْهِ، وَوَجَدْتُ لِمَالِكٍ - وَلَمْ أَتَحَقَّقْهُ - أَنَّهُ قَالَ لَا تَكْتَحِلُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِالْإِثْمِدِ وَلَا بِشَيْءٍ فِيهِ سَوَادٌ وَلَا بِصُفْرَةٍ أَوْ شَيْءٍ يُغَيِّرُ الْأَلْوَانَ وَلَا تَكْتَحِلُ بِإِثْمِدٍ فِيهِ طِيبٌ وَلَا مِسْكٌ وَإِنْ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا وَإِنْ صَحَّتْ عَنْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَمَعْنَاهَا أَنْ لَا تَدْعُوَ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ فَقَدْ أَشَارَ فِي الْحَدِيثِ إلَى أَنَّهَا تَكْتَحِلُ بِمَا فِيهِ صَبْرٌ إذَا دَعَتْ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ فَهِمَ مِنْهُ خِفَّةَ الْمَرَضِ وَيَسَارَةَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يُرْجَى بُرْؤُهُ وَتَوَقُّفُهُ مِنْ غَيْرِ كُحْلٍ، وَلِذَلِكَ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِامْرَأَةٍ حَادٍّ عَلَى زَوْجِهَا اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا اكْتَحِلِي بِكُحْلِ الْجَلَاءِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ، وَقَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ إذَا خَشِيَتْ عَلَى بَصَرِهَا مِنْ رَمَدٍ بِهَا أَوْ شَكْوَى أَصَابَتْهَا أَنَّهَا تَكْتَحِلُ وَتَتَدَاوَى بِدَوَاءٍ أَوْ بِكُحْلٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ إنْ اكْتَحَلَتْ مِنْ عِلَّةٍ وَضَرُورَةٍ بِالصَّبْرِ بِاللَّيْلِ فَلْتَمْسَحْهُ بِالنَّهَارِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ الصَّغِيرِ لَا تَكْتَحِلُ الْحَادُّ إلَّا أَنْ تُضْطَرَّ فَتَكْتَحِلَ بِاللَّيْلِ وَتَمْسَحُهُ بِالنَّهَارِ مِنْ غَيْرِ طِيبٍ يَكُونُ فِيهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَذَا أَنَّهَا لَمْ تُضْطَرَّ إلَى الطِّيبِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ إنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ بِمُدَّةِ الْإِحْدَادِ الْوَاجِبِ عَلَى زَوْجَةِ الْمُتَوَفَّى، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، فَإِنْ ارْتَابَتْ هَذِهِ الْمُعْتَدَّةُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْإِحْدَادَ عَلَيْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الرِّيبَةُ وَإِنْ بَلَغَتْ خَمْسَ سِنِينَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ ، وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ رَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ

стр. 1180

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ لِامْرَأَةٍ حَادٍّ عَلَى زَوْجِهَا اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْهَا اكْتَحِلِي بِكُحْلِ الْجَلَاءِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمَا كَانَ يَقُولَانِ فِي الْمَرْأَةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنَّهَا إذَا خَشِيَتْ عَلَى بَصَرِهَا مِنْ رَمَدٍ بِهَا أَوْ شَكْوَى أَصَابَهَا أَنَّهَا تَكْتَحِلُ وَتَتَدَاوَى بِدَوَاءٍ أَوْ بِكُحْلٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا كَانَتْ الضَّرُورَةُ فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ يُسْرٌ) . ــ [المنتقى] عَنْ عِيسَى بْنِ وَهْبٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤْتَى بِبَعْرَةٍ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ فَتَرْمِي بِهَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهَا. وَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ أَمَامَهَا وَلَيْسَ وَرَاءَ ظَهْرِهَا كَمَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ فَذَلِكَ أَجَلُهَا، وَقَدْ رَأَيْت لِغَيْرِهِ أَنَّهَا كَانَتْ تَتَأَوَّلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ صَبْرَهَا مُدَّةَ الْحَوْلِ عَلَى مَا كَانَتْ فِيهِ أَهْوَنَ عَلَيْهَا مِنْ الرَّمْيِ بِهَذِهِ الْبَعْرَةِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] نَزَلَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] تَقْدِيرُهُ عَلَى مَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. (فَصْلٌ) : وَمَا ذَكَرَتْهُ زَيْنَبُ مِنْ حُكْمِ الْحَوْلِ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ تَسْكُنُ الْحَفْشَ وَتَلْبَسُ شَرَّ ثِيَابِهَا هُوَ مَعْنَى الْإِحْدَادِ فَذَكَّرَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ فِي مُدَّةِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ لَيْسَ مِمَّا كُنَّ يَلْتَزِمْنَهُ فِي حَوْلٍ كَامِلٍ نَبَّهَهُنَّ عَلَى ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهُنَّ فِي الْتِزَامِ مَا أَمَرَهُنَّ اللَّهُ بِهِ وَخَفَّفَ عَنْهُنَّ فِيهِ مِنْ الْإِحْدَادِ وَلَا يَتَسَرَّعْنَ إلَى الْمَمْنُوعِ مِنْهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَوَجَبَ وَلَا يَسْتَثْقِلْنَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ الْحَفْشُ الْبَيْتُ الرَّدِيءُ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ الْحَفْشُ الْبَيْتُ الصَّغِيرُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْخَلِيلُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْحَفْشُ الدَّرَجُ وَجَمْعُهُ أَحْفَاشٌ وَلَعَلَّهُ شَبَّهَ الْبَيْتَ الصَّغِيرَ بِهِ وَسَمَّاهُ بِاسْمِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَتَفْتَضُّ بِهِ قَالَ مَالِكٌ مَعْنَاهُ تَتَمَسَّحُ بِهِ كَالنَّشْرَةِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ عِيسَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ تَفْتَضُّ تَمْسَحُ بِيَدِهَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا تُنَظِّفُ بِهِ حَتَّى يَصِيرَ كَالْفِضَّةِ وَيَبْعُدُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى بِهِ هَذَا، وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى بِهِ مَا وَصَفَهُ مَالِكٌ ﵀ أَوْ مَا قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى إنَّ مَعْنَى تَفْتَضُّ بِهِ تَتَمَسَّحُ بِهِ لَعَلَّهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ تُقِيمُ حَوْلًا لَا تَغْتَسِلُ وَلَا تَمَسُّ طِيبًا فَيَكْثُرُ عَلَيْهَا الْوَسَخُ وَتَشْتَدُّ رَائِحَةُ الْعَرَقِ فَقَلَّمَا تَتَمَسَّحُ بِشَيْءٍ إلَّا مَاتَ، وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْأَعْشَى مِثْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ لِامْرَأَةٍ حَادٍّ عَلَى زَوْجِهَا اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْهَا اكْتَحِلِي بِكُحْلِ الْجَلَاءِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمَا كَانَ يَقُولَانِ فِي الْمَرْأَةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنَّهَا إذَا خَشِيَتْ عَلَى بَصَرِهَا مِنْ رَمَدٍ بِهَا أَوْ شَكْوَى أَصَابَهَا أَنَّهَا تَكْتَحِلُ وَتَتَدَاوَى بِدَوَاءٍ أَوْ بِكُحْلٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا كَانَتْ الضَّرُورَةُ فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ يُسْرٌ) . (ش) : قَوْلُهَا ﵂ اكْتَحِلِي بِكُحْلِ الْجَلَاءِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ كُحْلُ الْجَلَاءِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ هُوَ عِنْدَنَا الْإِثْمِدُ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ فَيُقَوِّيهِ أَوْ يَجْلُو الْوَجْهَ فَيُحَسِّنُهُ، وَقَوْلُهَا وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ لَوْنًا ظَاهِرًا، وَلِذَلِكَ أَمَرَتْهَا بِمَسْحِهِ بِالنَّهَارِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَذَلِكَ عِنْدِي إذَا لَمْ تَدْعُ إلَى إيقَاعِهِ بِالنَّهَارِ ضَرُورَةٌ مِنْ شِدَّةِ مَرَضٍ وَمَخَافَةٍ عَلَى الْبَصَرِ وَبِذَلِكَ قَالَ سَالِمٌ وَسُلَيْمَانُ إنَّهَا إذَا خَشِيَتْ عَلَى بَصَرِهَا أَنَّهَا تَكْتَحِلُ وَلَمْ يَخُصَّا كُحْلًا مِنْ كُحْلٍ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِحَسَبِ الْمَرَضِ وَمَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ وَإِبَاحَةُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي الْكُحْلِ وَالدَّوَاءِ طِيبٌ وَأَشَارَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ مَا أَبَاحَهُ مِنْ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ يُسْرٌ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا وَهِيَ حَادٌّ عَلَى زَوْجِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَلَمْ تَكْتَحِلْ حَتَّى كَادَتْ عَيْنَاهَا تَرْمَضَانِ) . (ش) : وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا أَخَذَتْ بِالشِّدَّةِ فِي نَفْسِهَا فَصَبَرَتْ عَلَى مَا أَصَابَهَا مِنْ مَرَضٍ أَوْ رَمَدٍ فِي عَيْنَيْهَا وَلَمْ تُكَحِّلْهُمَا وَأَشْفَقَتْ مِنْ مُعَالَجَتِهِمَا بِذَلِكَ حَتَّى كَادَتْ عَيْنَاهَا تَرْمَضَانِ وَالرَّمَضُ قَذًى أَبْيَضُ تَلْفِظُهُ الْعَيْنُ يُقَالُ عَيْنٌ رَمْضَاءُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ

стр. 1181

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ تَدْهُنُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِالزَّيْتِ وَالشَّيْرَقِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا تَلْبَسُ الْحَادُّ عَلَى زَوْجِهَا شَيْئًا مِنْ الْحُلِيِّ خَاتَمًا وَلَا خَلْخَالًا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْحُلِيِّ وَلَا تَلْبَسُ شَيْئًا مِنْ الْعَصَبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَصَبًا غَلِيظًا وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِشَيْءٍ مِنْ الصِّبْغِ إلَّا بِالسَّوَادِ وَلَا تَمْتَشِطُ إلَّا بِالسِّدْرِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْتَمِرُ فِي رَأْسِهَا) ــ [المنتقى] شَكْوَى عَيْنَيْهَا كَانَ أَمْرًا خَفِيفًا؛ لِأَنَّ الرَّمَضَ يَحْدُثُ فِي الْعَيْنِ مِنْ أَيْسَرِ شَكْوَى وَهُوَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ مَا أَصَابَهَا كَادَ يُبَلِّغُهَا ذَلِكَ وَلَمْ تَبْلُغْهُ، وَقَالَ ابْنُ الْقُوطِيَّةِ رَمِضَتْ الْعَيْنُ تَرْمَض إذَا أَضَرَّ بِهَا الْقَذْي، وَهَذَا أَشْبَهُ بِنَسَقِ الْحَدِيثِ وَظَاهِرِهِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَادَ أَنْ يَبْلُغَ بِمَا أَصَابَهَا مِنْ شَكْوَى عَيْنَيْهَا مَعَ إمْسَاكِهَا عَنْ الْكُحْلِ إلَى أَنْ يَضُرَّ بِهَا الرَّمَضُ وَالضَّرَرُ وَاقِعٌ عَلَى مَقَادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ مُتَبَايِنَةٍ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ إلَّا إنْ كَانَ يَضُرُّ بِهَا الرَّمَضُ ضَرَرًا يَشْتَدُّ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ هُوَ رَمَضَانُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ الرَّمْضَاءِ وَهُوَ اشْتِدَادُ الْحَرِّ عَلَى الْحِجَارَةِ حَتَّى تُحْمَى فَتَقُولُ هَاجَ بِعَيْنِهَا مِنْ الْحَرِّ مِثْلُ ذَلِكَ فَشَبَّهَ الْحَرَّ الَّذِي يَظْهَرُ بِالْعَيْنِ بِذَلِكَ وَالْمَشْهُورُ مِنْ الرِّوَايَةِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا تَدْهُنُ رَأْسَهَا وَشَعْرَهَا بِالزَّيْتِ وَالشَّيْرَقِ وَهُوَ زَيْتُ السِّمْسِمِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا تَدْهُنُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ طِيبٌ. وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا تَدْهُنُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَدْهَانِ الْمُزَيِّنَةِ وَلَا تَمْتَشِطُ بِالْحِنَّاءِ وَلَا بِالْكَتَمِ وَلَا بِشَيْءٍ يَخْتَمِرُ فِي رَأْسِهَا، وَلَا بَأْسَ أَنْ تَمْتَشِطَ بِالسِّدْرِ وَشَبَهِهِ مِمَّا لَا يَخْتَمِرُ فِي رَأْسِهَا تَكُونُ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ لَا تَمْتَشِطُ بِهِ الْحَادُّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ كَالْبَانِ وَالْخَيْرِيِّ وَدُهْنِ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِمَا أُمِرَتْ بِهِ مِنْ اجْتِنَابِ الطِّيبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا تَحْضُرُ عَمَلَ الطِّيبِ وَلَا تَتَبَخَّرُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ غَيْرُهُ حَتَّى تَحِلَّ. (فَرْعٌ) وَلَوْ مَاتَ زَوْجُهَا بَعْدَ أَنْ مَشَطَتْ رَأْسَهَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لَا تَنْفُضُ مِشْطَتَهَا أَرَأَيْت لَوْ اخْتَضَبَتْ، وَقَالَ بَعْضُ الصَّقَلِّيِّينَ إذَا لَزِمَتْ الْمَرْأَةَ عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَعَلَيْهَا طِيبٌ فَلَيْسَ عَلَيْهَا غَسْلُهُ بِخِلَافِ مَنْ يُحْرِمُ وَعَلَيْهِ طِيبٌ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ الْكُحْلَ وَالْحِنَّاءَ مِمَّا تَجْتَنِبُهُ الْحَادُّ وَلَا تَسْتَعْمِلُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ. (ش) : قَوْلُهُ لَا تَلْبَسُ الْحَادُّ شَيْئًا مِنْ الْحُلِيِّ خَاتَمًا وَلَا خَلْخَالًا وَلَا غَيْرَهُ قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ سَأَلَتْ عِيسَى فَقُلْت لَهُ مِنْ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ قَالَ نَعَمْ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا تَلْبَسُ حُلِيًّا وَإِنْ كَانَ حَرِيرًا وَلَا خَرْصًا فِضَّةً وَلَا غَيْرَهُ وَفِي الْجُمْلَةِ إنَّ كُلَّ مَا تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ عَلَى وَجْهِ مَا يُسْتَعْمَلُ عَلَيْهِ الْحُلِيُّ مِنْ التَّجَمُّلِ فَلَا تَلْبَسُهُ الْحَادُّ وَلَعَلَّ عِيسَى إنَّمَا قَصَرَ ذَلِكَ عَلَى الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ لَمَّا كَانَ هَذَا الْمَعْرُوفَ بِبَلَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ حُلِيُّ الْحَرِيرِ وَلَمْ يُتَّخَذْ بِهَا وَلَمْ يَنُصَّ أَصْحَابُنَا عَلَى الْجَوْهَرِ وَالْيَوَاقِيتِ وَالزُّمُرُّدِ وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْحُلِيِّ فَكُلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ مَمْنُوعٌ عِنْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَجَمِيعُ مَا يَتَزَيَّنُ بِهِ النِّسَاءُ لِأَزْوَاجِهِنَّ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا تَلْبَسُ شَيْئًا مِنْ الْعَصَبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَصَبًا غَلِيظًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ رَقِيقَهُ بِمَنْزِلَةِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ وَلَمْ يُرَ غَلِيظُهُ بِمَنْزِلَةِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ، وَرَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ تَلْبَسُ الْحَادُّ الْوَشْيَ وَالْغَلِيظَ وَحُلَّةً يَمَانِيَّةً غَلِيظَةً، وَإِنَّمَا كُرِهَ لَهَا أَنْ تَلْبَسَ مِنْ الْعَصَبِ وَثِيَابِ الْيَمَنِ الْحُلَلَ وَالْبُرُودَ؛ لِأَنَّهَا زِينَةٌ وَتَلْبَسُ الْحَادُّ مِنْ الْمَرْوِيِّ وَالشَّطَوِيِّ وَالْقَصَبِيِّ والإسكندراني رَقِيقِهِ وَغَلِيظِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا تَلْبَسُ الْحَادُّ مِنْ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ الدُّكْنَ وَالْخُضْرَ وَالصُّفْرَ وَالْمُصَبَّغَاتِ بِغَيْرِ الْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْمُعَصْفَرَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَا تَلْبَسُ الْأَحْمَرَ وَلَا الْأَصْفَرَ وَلَا الْأَخْضَرَ وَلَا الْخَلُوقِيَّ قَالَ مَالِكٌ صُوفًا كَانَ أَوْ كَتَّانًا أَوْ قُطْنًا وَلَا تَلْبَسُ خَزًّا وَلَا حَرِيرًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ وَلَا عُصْفُرٍ وَلَا خُضْرَةٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَيْسَ لَهَا لُبْسُ الْأَسْوَدِ إنْ كَانَ حَرِيرًا وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَتَلْبَسُ

стр. 1182

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ حَادٌّ عَلَى زَوْجِهَا أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ جَعَلَتْ عَلَى عَيْنَيْهَا صَبْرًا فَقَالَ مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ إنَّمَا هُوَ صَبْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ» ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْإِحْدَادُ عَلَى الصَّبِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ الْمَحِيضَ كَهَيْئَتِهِ عَلَى الَّتِي قَدْ بَلَغَتْ الْمَحِيضَ تَجْتَنِبُ مَا تَجْتَنِبُهُ الْمَرْأَةُ الْبَالِغَةُ إذَا هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ إحْدَادٌ إذَا هَلَكَ عَنْهَا سَيِّدُهَا وَلَا عَلَى أَمَةٍ يَمُوتُ عَنْهَا سَيِّدُهَا إحْدَادٌ، وَإِنَّمَا الْإِحْدَادُ عَلَى ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تَقُولُ تَجْمَعُ الْحَادُّ رَأْسَهَا بِالسِّدْرِ وَالزَّيْتِ) . ــ [المنتقى] أَبْيَضَ الْحَرِيرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَتَلْبَسُ مِنْ ذَلِكَ الْأَسْوَدَ وَالْأَبْيَضَ وَالسَّابِرِيَّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِالْأَسْوَدِ مَا يُسَمَّى عِنْدَنَا غَرَابِيًّا، وَأَمَّا مَا يُصْبَغُ بِالسَّمَائِيِّ فَإِنَّهُ جَمِيلٌ وَمِمَّا يُتَجَمَّلُ بِهِ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ الْأَلْوَانِ يَتَزَيَّنُ بِهِ النِّسَاءُ لِأَزْوَاجِهِنَّ فَلْتُمْنَعْ مِنْهُ الْحَادُّ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ حَادٌّ عَلَى زَوْجِهَا أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ جَعَلَتْ عَلَى عَيْنَيْهَا صَبْرًا فَقَالَ مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ إنَّمَا هُوَ صَبْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ» ) . (ش) : قَوْلُهُ ﷺ اجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الصَّبْغُ الَّذِي يُضَارِعُ مَا يُتَجَمَّلُ بِهِ، وَالثَّانِي الْإِلْبَاسُ عَلَى النَّاسِ فَالْجَاهِلُ يُقَلِّدُ فِيهِ وَالْعَالِمُ يُنْكِرُهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَالْمُخْتَصَرِ الصَّغِيرِ لَا تَكْتَحِلُ الْحَادُّ إلَّا أَنْ تُضْطَرَّ، فَتَكْتَحِلَ بِاللَّيْلِ وَتَمْسَحَهُ بِالنَّهَارِ مِنْ غَيْرِ طِيبٍ يَكُونُ فِيهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي بِعُذْرِ الْمَرَضِ وَمَا يَبْلُغُ مِنْ الْأَلَمِ وَيَبْقَى مِنْهُ عَنْ الشِّدَّةِ. (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ الْإِحْدَادَ يَلْزَمُ الْحُرَّةَ الصَّغِيرَةَ عَلَى حَسَبِ مَا يَلْزَمُ الْكَبِيرَةَ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهُ عَنْ ابْنَةٍ لَهَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَاشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا أَفَتَكْحَلُهُمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ سِنِّهَا اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَنْ لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ بِالْوَفَاةِ لَزِمَهَا الْإِحْدَادُ كَالْكَبِيرَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يَعْقِلُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَتَلْتَزِمُ مَا حُدَّ لَهَا أُمِرَتْ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُدْرِكُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تُحِدُّ لِصِغَرِهَا فَرَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى يُجَنَّبُهَا أَهْلُهَا مَا تَجْتَنِبُهُ الْكَبِيرَةُ، وَذَلِكَ لَازِمٌ لَهَا. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِمَوَالِي الْأَمَةِ مَنْعُهَا مِنْ الْإِحْدَادِ وَالْمَبِيتِ فِي مَوْضِعِ عِدَّتِهَا. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ تُحِدُّ الْأَمَةُ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا شَهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ مِثْلَ عِدَّتِهَا) . (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ الْأَمَةَ تُحِدُّ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ وَفَاةٍ كَالْحُرَّةِ وَمُدَّةُ الْإِحْدَادِ مِنْ عِدَّتِهَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا نِصْفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اعْتِدَادِهَا بِالْأَقْرَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا حُكْمُ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَزِمَتْهَا عِدَّةُ وَفَاةٍ مِنْ زَوْجِهَا لَزِمَهَا الْإِحْدَادُ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمُدَّةِ فَعَلَى الْحُرَّةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ وَعَلَى مَنْ فِيهَا بَقِيَّةُ رِقٍّ شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ. (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّهُ لَيْسَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ وَلَا الْأَمَةِ إحْدَادٌ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا أَنْ تَحِيضَ حَيْضَةً بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَهَذَا لَهُ حُكْمُ الِاسْتِبْرَاءِ أَوْ حُكْمُ الْعِدَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (ش) : قَوْلُهَا تَجْمَعُ رَأْسَهَا بِالسِّدْرِ وَالزَّيْتِ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ نِسَاءُ الْمَشْرِقِ مِنْ أَنْ تَجْمَعَ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا بِشَيْءٍ يَحْفَظُهُ لَهَا مِنْ رَيْحَانٍ أَوْ سِدْرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَتْ فِي حَالِ إحْدَادٍ لَمْ تَجْمَعْ إلَّا بِمَا لَيْسَ فِيهِ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ كَالسِّدْرِ وَيَكُونُ مَا تَجْمَعُهُ بِهِ مِنْ الْأَدْهَانِ كَالْخَلِّ وَالزَّيْتِ وَهُوَ الشَّيْرَقُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِطِيبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ تَمَّ كِتَابُ الطَّلَاقِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُسْنِ عَوْنِهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

стр. 1183

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (كِتَابُ الرَّضَاعِ) (رَضَاعُ الصَّغِيرِ) (ص) : مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عِنْدَهَا وَإِنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا جَاءَ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِك فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَاهُ فُلَانًا لِعَمٍّ لِحَفْصَةَ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا لِعَمِّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ دَخَلَ عَلَيَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ» مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ جَاءَ عَمِّي مِنْ الرَّضَاعَةِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ فَأَبَيْت أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إنَّهُ عَمُّك فَائْذَنِي لَهُ قَالَتْ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ فَقَالَ إنَّهُ عَمُّك فَلْيَلِجْ عَلَيْك قَالَتْ عَائِشَةُ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا ضُرِبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ» ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ ــ [المنتقى] [كِتَابُ الرَّضَاعِ] [رَضَاعُ الصَّغِيرِ] (ش) : قَوْلُهَا لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا لِعَمِّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ دَخَلَ عَلَيَّ مَعَ مُشَاهَدَةِ مَا أَبَاحَهُ ﷺ مِنْ دُخُولِ عَمِّ حَفْصَةَ مِنْ الرَّضَاعِ عَلَيْهَا مُبَالَغَةٌ فِي تَحْقِيقِ الْحُكْمِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُكْمُ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْإِنْسَانِ أَوْ يَكُونَ هُنَاكَ مَعْنًى يُعْتَبَرُ يَقْتَرِنُ بِكَوْنِهِ عَمَّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ، فَلَمَّا قَالَ لَهَا ﷺ نَعَمْ عَلِمَتْ عُمُومَ الْحُكْمِ وَاخْتِصَاصَهُ بِمَعْنَى الرَّضَاعِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي إنَّ عَمَّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا فَأَبَتْ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ حَتَّى تَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنْ كَانَ حَدِيثُ عَمْرَةَ هُوَ الْأَوَّلَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعَمُّ الَّذِي سَأَلَتْ عَنْهُ وَأَخْبَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا دَخَلَ عَلَيْهَا أَوْكَدُ سَبَبًا مِنْ هَذَا الْعَمِّ الَّذِي اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ إمَّا بِأَنْ يَكُونَ أَخًا مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ لِأَبِيهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ وَيَكُونَ الثَّانِي الَّذِي جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا أَخًا لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ فَتَوَقَّعَتْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحُكْمُ يَخْتَصُّ بِالْعَمِّ الْأَوَّلِ أَوْ يَكُونَ هَذَا الْعَمُّ أَرْضَعَتْهُ زَوْجَةُ أَخِيهِ وَزَوْجُهَا حَيٌّ وَالْعَمُّ الثَّانِي أَرْضَعَتْهُ زَوْجَةُ أَخِيهِ بَعْدَ وَفَاةِ أَخِيهِ فَتَوَقَّعَتْ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُكْمُ مَقْصُورًا عَلَى الْأَوَّلِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ هُمَا عَمَّانِ أَحَدُهُمَا أَخُو أَبِيهَا يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ أَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ الَّذِي فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَالْعَمُّ الثَّانِي الَّذِي فِي حَدِيثِ هِشَامٍ هُوَ أَخُو أَبِيهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ بِمَعْنَى أَنَّ أَبَاهَا أَرْضَعَ امْرَأَةً بِلَبَنِ ذَلِكَ الْفَحْلِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي أَرْضَعَتْ عَائِشَةَ هِيَ امْرَأَةُ أَخِي الَّذِي اسْتَأْذَنَ عَلَى عَائِشَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَإِنْ كَانَ حَدِيثُ عُرْوَةَ هُوَ الْأَوَّلَ فَإِنَّهَا أَيْضًا إنَّمَا أَنْكَرَتْ أَنْ يَسْتَأْذِنَ عَمُّ حَفْصَةَ عَلَيْهَا لَمَّا اعْتَقَدَتْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تِلْكَ الرُّتْبَةُ مِنْ الْعُمُومَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا الدُّخُولَ عَلَيْهَا وَلَعَلَّهُ كَانَ عَمًّا لِحَفْصَةَ بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ أَخًا لِأَبِيهَا عَمًّا مِنْ الرَّضَاعَةِ، فَلَمَّا رَأَتْ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ سَأَلَتْهُ عَنْ عَمٍّ كَانَ لَهَا فِي مِثْلِ دَرَجَتِهِ وَقَعَدِهِ فَأَعْلَمَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَدَخَلَ عَلَيْهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ السَّبَبِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يَرْضِعْنِي الرَّجُلُ عَلَى مَعْنَى التَّثَبُّتِ وَابَدَاءِ كُلِّ شُبْهَةٍ فِي النَّفْسِ يَعْرِضُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا أَعْلَمَتْهُ بِمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا

стр. 1184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ لِزَوْجِ الْمُرْضِعَةِ تَأْثِيرٌ فِي التَّحْرِيمِ لَمَّا كَانَ التَّحْرِيمُ مُتَعَلِّقًا بِالرَّضَاعِ وَلَا حَظَّ لَهُ فِيهِ، فَلَمَّا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ إنَّهُ عَمُّك فَلْيَلِجْ عَلَيْك تَحَقَّقَتْ أَنَّ مَا اعْتَرَضَ فِي نَفْسِهَا مِنْ الشُّبْهَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ وَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ تَحْرِيمَ الرَّضَاعِ يَتَعَلَّقُ بِجَنْبَةِ زَوْجِ الْمُرْضِعَةِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِجَنْبَةِ الْمُرْضِعَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا ﵂، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا ضُرِبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ تُرِيدُ أَنَّ إبَاحَةَ دُخُولِ الْعَمِّ مِنْ الرَّضَاعَةِ عَلَيْهَا كَانَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ الْحِجَابُ وَمُنِعَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ إلَّا ذُو مَحْرَمٍ، وَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ فَلَمْ يَكُنْ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْأَجَانِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ بِسَبَبِ الرَّضَاعَةِ فَكَمَا أَنَّ الْوِلَادَةَ تُحَرِّمُ الْأَعْمَامَ وَالْإِخْوَةَ وَالْأَجْدَادَ فَكَذَلِكَ سَبَبُ الرَّضَاعِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُوجَدَ اللَّبَنُ بِالْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ كَاللَّبَنِ يُوجَدُ بِالْبِكْرِ؛ لِأَنَّ غَالِبَ أَحْوَالِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ وِلَادَةٍ وَلَكِنْ يُحْمَلُ مَا يُوجَدُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِ سَبَبِهِ أَوْ خُصُوصِهِ، وَقَدْ وُجِدَ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ بِغَيْرِ أَبٍ وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَتَعَلَّقَ التَّحْرِيمُ بِجَنْبَةِ الْأَبِ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ بِجَنْبَةِ الْأُمِّ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلْفَحْلِ تَأْثِيرًا فِي اللَّبَنِ فَإِنَّ ذَلِكَ التَّأْثِيرَ يَثْبُتُ بِالْوَطْءِ وَإِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِهِ وِلَادَةٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ الْمَاءُ يَعْمَلُ اللَّبَنَ، وَقَالَ ﷺ «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ» قَالَ مَالِكٌ وَالْغِيلَةُ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَهِيَ تُرْضِعُ وَإِذَا كَانَ لِلْوَطْءِ تَأْثِيرٌ فِي اللَّبَنِ وَإِدْرَارٌ لَهُ دُونَ وِلَادَةٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي التَّحْرِيمِ تَأْثِيرٌ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَتْهُ وِلَادَةٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ وَلَدَتْ امْرَأَةٌ مِنْ رَجُلٍ فَأَرْضَعَتْ الْمَوْلُودَ وَفَطَمَتْهُ، ثُمَّ أَرْضَعَتْ بَعْدَ الْفِصَالِ بِذَلِكَ اللَّبَنِ طِفْلًا آخَرَ لَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَبًا لَهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ اللَّبَنِ مِنْ وَطْئِهِ فَجَمِيعُهُ مُضَافٌ إلَيْهِ حَتَّى يَقْطَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَأْتِي بَعْدَ انْقِطَاعِهِ وَطْءٌ لِغَيْرِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ وَهِيَ تُرْضِعُ فَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ، ثُمَّ أَرْضَعَتْ طِفْلًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ اللَّبَنُ لَهُمَا مَا لَمْ يَنْقَطِعْ لَبَنُ الْأَوَّلِ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ لِوَطْءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَأْثِيرًا فِي ذَلِكَ اللَّبَنِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْشُرَ الْحُرْمَةَ فِي جَنْبَتِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ الْحَمْلِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْوَطْءُ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَ اللَّبَنُ عَنْ وَطْءٍ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ لَبَنُ امْرَأَةٍ فَكَانَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي التَّحْرِيمِ كَمَا لَوْ حَدَثَ عَنْ وَطْءٍ حَلَالٍ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ فَقَالَ كُلُّ وَطْءٍ لَا يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْفَحْلِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنْ يَحْرُمَ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يَلْحَقُهُ بِذَلِكَ اللَّبَنِ حُرْمَةٌ حِينَ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ وَطْءُ زِنًى فَلَمْ تَتَعَدَّ حُرْمَتُهُ إلَى جَنْبَةِ الْأَبِ كَحُرْمَةِ النَّسَبِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَ مَا يُدَرُّ مِنْ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ لَبَنًا، فَإِنْ كَانَ مَاءً أَصْفَرَ أَوْ غَيْرَهُ فَلَا يَحْرُمُ رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ مُخْتَصٌّ بِاللَّبَنِ فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ حُكْمُهُ بِهِ دُونَ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَ اللَّبَنُ بِغَيْرِ وَطْءٍ كَالْبِكْرِ يَمُصُّ ثَدْيَهَا الصَّبِيُّ فَتُدِرُّ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بِسَبَبِهَا دُونَ سَبَبِ أَبٍ؛ لِأَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ فِي الرَّضَاعِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْن الرَّضَاعِ بِلَبَنِ فَحْلٍ أَوْ غَيْرِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَسَوَاءٌ كَانَ لَبَنَ حَيَّةٍ أَوْ مَيِّتَةٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا لَبَنٌ مُؤَثِّرٌ فِي التَّحْرِيمِ وَوَصَلَ إلَى جَوْفِ الرَّضِيعِ فِي الْحَوْلَيْنِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَى الِاغْتِذَاءِ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْشُرَ الْحُرْمَةَ كَلَبَنِ الْحَيَّةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا دَرَّ الرَّجُلُ عَلَى الطِّفْلِ فَأَرْضَعَهُ قَالَ مَالِكٌ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]

стр. 1185

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ «عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا وَهُوَ عَمُّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَ الْحِجَابُ قَالَتْ فَأَبَيْت أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرْته بِاَلَّذِي صَنَعْت فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَإِنْ كَانَ مَصَّةً وَاحِدَةً فَهُوَ يُحَرِّمُ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَأَرْضَعَتْ إحْدَاهُمَا غُلَامًا وَأَرْضَعَتْ الْأُخْرَى جَارِيَةً فَقِيلَ لَهُ هَلْ يَتَزَوَّجُ الْغُلَامُ الْجَارِيَةَ فَقَالَ لَا اللِّقَاحُ وَاحِدٌ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ لَا رَضَاعَةَ إلَّا لِمَنْ أُرْضِعَ فِي الصِّغَرِ وَلَا رَضَاعَةَ لِكَبِيرٍ) . ــ [المنتقى] وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَادَ رَضَاعُ النِّسَاءِ، وَهَذَا إنْ وَجَدْنَا فَنَادِرٌ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِهِ الْمُعْتَادِ فَأَشْبَهَ مَصَّ دَمِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ «عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا وَهُوَ عَمُّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَ الْحِجَابُ قَالَتْ فَأَبَيْت أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرْته بِاَلَّذِي صَنَعْت فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ» ) . (ش) : قَوْلُهَا إنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ وَاسْمُ أَبِي الْقُعَيْسِ وَائِلُ بْنُ أَفْلَحَ وَهُوَ عَمُّ عَائِشَةَ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَقَوْلُهَا وَهُوَ عَمُّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ الظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا الْقُعَيْسِ كَانَ أَبَاهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَلِذَلِكَ يَنْتَسِبُ أَفْلَحُ إلَى أَخِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نُسِبَ إلَيْهِ لِشُهْرَتِهِ بِالْكُنْيَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَيَكُونُ أَفْلَحُ بْنُ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ وَائِلِ بْنِ أَفْلَحَ، وَلَوْ كَانَ أَفْلَحُ أَخَا أَبِي بَكْرٍ مِنْ الرَّضَاعَةِ لَنَسَبَتْهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا قَصَدَتْ إلَى أَنْ تُبَيِّنَ وَجْهَ عُمُومَتِهِ وَتَعَلُّقَ التَّحْرِيمِ الثَّابِتِ لَهُ بِالرَّضَاعَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَى مَرَّتَيْنِ تُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الِانْتِسَابِ الَّذِي ذَكَرَتْهُ مِنْ كَوْنِهِ عَمًّا لَهَا. (ش) : قَوْلُهُ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَإِنْ مَصَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ يَقْتَضِي أَنَّ مُدَّةَ الْحَوْلَيْنِ مُدَّةُ الرَّضَاعِ إذَا تَوَالَى فِيهَا الرَّضَاعُ وَاتَّصَلَ، وَلَوْ فَطَمَتْهُ أُمُّهُ فَاسْتَغْنَى بِالطَّعَامِ، ثُمَّ أَرْضَعَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ امْرَأَةٌ فِي الْحَوْلَيْنِ لَمْ يُحَرِّمْ ذَلِكَ الرَّضَاعُ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ، وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ يُحَرِّمُ إلَى انْقِضَاءِ الْحَوْلَيْنِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَوْلَيْنِ مُدَّةٌ لِنِهَايَةِ الرَّضَاعِ وَإِكْمَالِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَعَلَّقَ ذَلِكَ بِإِرَادَةِ الْإِتْمَامِ، وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ فِطَامٌ قَبْلَ ذَلِكَ لَمَا عَلَّقَ ذَلِكَ بِإِرَادَةِ مَنْ يُرِيدُ إتْمَامَ الرَّضَاعَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ لِلْحَوْلَيْنِ اخْتِصَاصًا بِالرَّضَاعِ فَإِذَا وُجِدَ فِيهَا مَاءٌ حَرُمَ كَمَا لَوْ اتَّصَلَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا فَصَلَ بَيْنَ الرَّضَاعِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فِطَامٌ كَامِلٌ بِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الرَّضَاعِ بِمَا انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ فَأَمَّا فِطَامُ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَإِنَّهُ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ الثَّانِيَ مِمَّا يُغَذِّيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ بَعْدُ عَنْ التَّغَذِّي قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : مَنَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْغُلَامُ الْجَارِيَةَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُمَا أَخَوَانِ لِأَبٍ مِنْ الرَّضَاعَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي دَرَّ اللَّبَنَ عَنْ وَطْئِهِ وَأُضِيفَ إلَيْهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ اللِّقَاحُ وَاحِدٌ فَنَصَّ عَلَى مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ لَا رَضَاعَةَ إلَّا لِمَنْ أُرْضِعَ فِي الصِّغَرِ وَلَمْ يَحُدَّ ذَلِكَ بِالْحَوْلَيْنِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ الْحَوْلَيْنِ فِي حُكْمِ الْحَوْلَيْنِ دُونَ زِيَادَةٍ عَلَيْهِمَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَاهُ الْقَاضِي أَبُو الْفَرْجِ عَنْ مَالِكٍ إلَّا أَنْ تَنْقُصَ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَمَا يَنْقُصُ مِنْ الشُّهُورِ إذْ لَا يَتَّفِقُ أَنْ تَكُونَ الشُّهُورُ كَامِلَةً، وَقَدْ قَالَ ﵎ ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، وَرَوَى إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْحَوْلَيْنِ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ عَلَى الشُّهُورِ وَنُقْصَانِهَا، وَنَحْوُهُ قَالَ سَحْنُونٌ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ الزِّيَادَةُ الْيَسِيرَةُ عَلَى الْحَوْلَيْنِ فِي حُكْمِ الْحَوْلَيْنِ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهَا أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ

стр. 1186

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرْسَلَتْ بِهِ وَهُوَ يَرْضِعُ إلَى أُخْتِهَا أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ أَرْضِعِيهِ عَشْرَ رَضَعَاتٍ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيَّ قَالَ سَالِمٌ فَأَرْضَعَتْنِي أُمُّ كُلْثُومٍ ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ مَرِضَتْ فَلَمْ تُرْضِعْنِي غَيْرَ ثَلَاثِ رَضَعَاتٍ فَلَمْ أَكُنْ أَدْخُلُ عَلَى عَائِشَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ لَمْ تُتِمَّ لِي عَشْرَ رَضَعَاتٍ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرْسَلَتْ لِعَاصِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ إلَى أُخْتِهَا فَاطِمَةَ بِنْتِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تُرْضِعُهُ عَشْرَ رَضَعَاتٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهَا وَهُوَ صَغِيرٌ يَرْضَعُ فَفَعَلَتْ فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا) ــ [المنتقى] الْحَوْلَيْنِ تَمَامَ الرَّضَاعَةِ فَدَلَّ أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا لَيْسَ بِمُدَّةِ الرَّضَاعَةِ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَةَ تَمَّتْ قَبْلَهَا، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْحَوْلَيْنِ فِي حُكْمِ الْحَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ الرَّضَاعِ بِانْقِضَاءِ الْحَوْلَيْنِ بَلْ يُحْتَاجُ إلَى تَدْرِيجٍ فَكَانَ مَا قَارَبَهُمَا وَتَمَّمَ حُكْمَهُمَا فِي مَعْنَاهُمَا. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِاعْتِبَارِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْحَوْلَيْنِ فَكَمْ قَدْرُ ذَلِكَ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الزِّيَادَةَ الْيَسِيرَةَ، وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونَ الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ، وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَالثَّلَاثَةَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْحَوْلَانِ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ بَعْدَهُمَا مُدَّةُ الرَّضَاعِ سَوَاءٌ فُطِمَ قَبْلَهَا أَوْ لَمْ يُفْطَمْ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ النَّصَّ تَنَاوَلَ حَوْلَيْنِ، وَأَنَّهُمَا تَمَامُ الرَّضَاعِ فَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لَهُمَا الْمُدَّةُ الْيَسِيرَةُ الَّتِي يَنْقَضِي فِي مِثْلِهَا حُكْمُ الْفِطَامِ دُونَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي لَهَا حُكْمُ نَفْسِهَا فَلَا يَحْتَاجُ الْحَوْلَانِ إلَيْهَا فِي تَمَامِ حُكْمِهَا. (ش) : قَوْلُهُ أَرْسَلَتْنِي إلَى أُمِّ كُلْثُومٍ تُرْضِعُهُ عَشْرَ رَضَعَاتٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ خَالَةً لَهُ مِنْ الرَّضَاعِ فَيَحْرُمُ بِذَلِكَ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ وَلَدَتْهُ أُمُّ كُلْثُومٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ تُعْتَبَرَ بِهَذَا فَيُجْعَلَ الْمُرْضِعَةُ وَالِدَةً فَكُلُّ مَنْ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِهَا لَوْ وَلَدَتْهُ يَجِبُ أَنْ تَحْرُمَ عَلَيْهِ إذَا أَرْضَعَتْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَرْضَعَتْنِي أُمُّ كُلْثُومٍ ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ مَرِضْتُ يُرْوَى مَرِضْتُ بِإِضَافَةِ الْمَرَضِ إلَى سَالِمٍ وَيُرْوَى مَرِضَتْ بِإِضَافَةِ الْمَرَضِ إلَى أُمِّ كُلْثُومٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ مَرَضَ سَالِمٍ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهَا مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ مَنَعَهَا فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ إلَّا أَنْ يَبْعُدَ مَكَانُهُ وَيَتَعَذَّرَ تَكْرَارُهُ عَلَيْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَمْ أَدْخُلْ عَلَى عَائِشَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ لَمْ تُتِمَّ لِي عَشْرَ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ رَوَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ يُحَرِّمْنَ وَلَعَلَّ مَا اعْتَقَدَتْهُ مِنْ النَّسْخِ لَمْ يَظْهَرْ إلَيْهَا إلَّا مَا أَمَرَتْ بِهِ فِي قِصَّةِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَلَمْ تُتِمَّ الْخَمْسَ رَضَعَاتٍ النَّاسِخَةَ عِنْدَهَا فَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ تُحَرِّمُ الْقَطْرَةُ الْوَاحِدَةُ إذَا وَصَلَتْ الْجَوْفَ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ، وَرَوَى عَنْ عَائِشَةَ عَشْرُ رَضَعَاتٍ، وَرُوِيَ عَنْهَا نَسَخَتْهَا خَمْسُ رَضَعَاتٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُ اللَّهِ ﵎ ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ رَضْعَةٍ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ» فَمَعْنَاهُ عِنْدَ شُيُوخِنَا أَنَّ الْمَصَّةَ وَالْمَصَّتَانِ لَا تُحَرِّمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهَا اجْتِذَابُ شَيْءٍ مِنْ اللَّبَنِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ذَلِكَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا مَعْنًى يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ فَلَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِ الْوِلَادَةُ وَالطُّهْرُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَتْهُ أَخَوَاتُهَا أَوْ بَنَاتُ أَخِيهَا وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَهُ نِسَاءُ إخْوَتِهَا) . (ش) : قَوْلُهُ كَانَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَهُ نِسَاءُ إخْوَتِهَا ظَاهِرُهُ خِلَافٌ لِمَا رَوَتْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَذِنَ لَهَا أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا وَقَعَ فِيهِ بَعْضُ الْوَهْمِ فِيمَا رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ عَنْهَا فَلَمْ تَكُنْ لِتُخَالِفَ مَا سَمِعَتْهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ دَخَلَ عَلَيْهَا ﵂ تَأْوِيلٌ صَرَفَتْ بِهِ مَا سَمِعَتْهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ

стр. 1187

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الرَّضَاعَةِ فَقَالَ سَعِيدٌ كُلُّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ قَطْرَةً وَاحِدَةً فَهُوَ يُحَرِّمُ وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَإِنَّمَا هُوَ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عُتْبَةَ، ثُمَّ سَأَلْت عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ لَا رَضَاعَةَ إلَّا مَا كَانَ فِي الْمَهْدِ وَإِلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَالدَّمَ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الرَّضَاعَةُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا يُحَرِّمُ وَالرَّضَاعَةُ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ تُحَرِّمُ قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الرَّضَاعَةُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا إذَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ تُحَرِّمُ قَالَ فَأَمَّا مَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَإِنَّ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ) . مَا جَاءَ فِي الرَّضَاعَةِ بَعْدَ الْكِبَرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ فَقَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ «أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَكَانَ تَبَنَّى سَالِمًا الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ كَمَا تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَأَنْكَحَ أَبُو حُذَيْفَةَ سَالِمًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ ابْنُهُ أَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَهِيَ يَوْمئِذٍ مِنْ ــ [المنتقى] عُمُومِهِ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَنْ أَرْضَعَتْهُ أَخَوَاتُهَا أَوْ بَنَاتُ أَخِيهَا فَأَيُّ وَجْهٍ وُجِدَ الرَّضَاعُ مِنْهُنَّ وَمِنْ أَيِّ زَوْجٍ كَانَ أَثْبَتَ حُرْمَةَ الرَّضَاعِ فِي الدُّخُولِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا نِسَاءُ إخْوَتِهَا فَمَنْ أَرْضَعْنَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهُنَّ إخْوَتُهَا لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَلَا تَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الرَّضَاعَةِ فَقَالَ سَعِيدٌ كُلُّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ قَطْرَةً وَاحِدَةً فَهُوَ يُحَرِّمُ وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَإِنَّمَا هُوَ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عُتْبَةَ، ثُمَّ سَأَلْت عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ لَا رَضَاعَةَ إلَّا مَا كَانَ فِي الْمَهْدِ وَإِلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَالدَّمَ) . (ش) : قَوْلُهُ ﵁ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ قَطْرَةً وَاحِدَةً فَهُوَ يُحَرِّمُ وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَصَلَ ذَلِكَ مِنْ وُجُورٍ أَوْ لُدُودٍ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَأْكُولًا فِي طَعَامٍ أَوْ مَشْرُوبًا فِي شَرَابٍ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَقَعُ بِهِ التَّغَذِّي، وَأَمَّا السَّعُوطُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ وَصَلَ السَّعُوطُ إلَى جَوْفِ الصَّبِيِّ حَرَّمَ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُحَرِّمُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَمَّا الْحُقْنَةُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ فِيهِ غِذَاءُ الصَّبِيِّ حَرَّمَ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُحَرِّمُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ يَبْعُدُ أَنْ يَصِلَ إلَى مَوْضِعٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّغَذِّي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ مُزِجَ اللَّبَنُ بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ دَوَاءٍ فَتَنَاوَلَهُ صَبِيٌّ، فَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ ظَاهِرًا فِيهِ نَشَرَ الْحُرْمَةَ وَإِنْ غَابَتْ عَيْنُهُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ يُحَرِّمُ إذَا كَانَ الطَّعَامُ أَوْ الشَّرَابُ الْغَالِبَ، وَرَوَى عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فَقَالَ يُحَرِّمُ وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ مُسْتَهْلَكًا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ اسْتِهْلَاكَهُ يُبْطِلُ حُكْمَهُ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَالِفَ لَا يَشْرَبُ لَبَنًا لَا يَحْنَثُ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ اخْتِلَاطَ اللَّبَنِ بِغَيْرِهِ لَا يُبْطِلُ حُكْمَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يُسْتَهْلَكْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْغِذَاءَ يَحْصُلُ بِهِ لِلطِّفْلِ فِي الْوَجْهَيْنِ. (ش) : قَوْلُ مَالِكٍ ﵀ مَا بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ مِنْ الرَّضَاعَةِ لَا يُحَرِّمُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَظْهَرُهُمَا مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ مِنْ أَنَّ الْحَوْلَيْنِ مُدَّةٌ لِلرَّضَاعَةِ دُونَ مَا يُزَادُ عَلَيْهَا. وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَبُو الْفَرْجِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ وَسَحْنُونٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْحَوْلَيْنِ وَمَا فِي حُكْمِهِمَا؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْحَوْلَيْنِ عِنْدَهُ فِي حُكْمِ الْحَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ يَتِمُّ حُكْمُهُمَا وَالْمَقْصُودُ مِنْهُمَا.

стр. 1188

الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ وَهِيَ مِنْ أَفْضَلِ أَيَامَى قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَا أَنْزَلَ فَقَالَ ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] رُدَّ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ أُولَئِكَ إلَى أَبِيهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَبُوهُ رُدَّ إلَى مَوْلَاهُ فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ وَهِيَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا فَضْلٌ وَلَيْسَ لَنَا إلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ فَمَاذَا تَرَى فِي شَأْنِهِ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَيَحْرُمُ بِلَبَنِهَا» فَفَعَلَتْ فَكَانَتْ تَرَاهُ ابْنًا مِنْ الرَّضَاعَةِ فَأَخَذَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَنْ كَانَتْ تُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنْ الرِّجَالِ فَكَانَتْ تَأْمُرُ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَبَنَاتِ أَخِيهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنْ الرِّجَالِ وَأَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ وَقُلْنَ لَا وَاَللَّهِ مَا نَرَى الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ إلَّا رُخْصَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَضَاعَةِ سَالِمٍ وَحْدَهُ لَا وَاَللَّهِ لَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ فَعَلَى هَذَا كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَا مَعَهُ عِنْدَ دَارِ الْقَضَاءِ يَسْأَلُهُ عَنْ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ إنِّي كَانَتْ لِي وَلِيدَةٌ وَكُنْت أَطَؤُهَا فَعَمَدَتْ امْرَأَتِي إلَيْهَا فَأَرْضَعَتْهَا فَدَخَلْت عَلَيْهَا فَقَالَتْ ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي الرَّضَاعَةِ بَعْدَ الْكِبَرِ] (ش) : جَوَابُ ابْنِ شِهَابٍ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ الْخِلَافِ دَلِيلٌ عَلَى تَرَجُّحِهِ فِي الْأَمْرِ وَتَوَقِّيهِ فِيهِ وَقَوْلُهَا وَأَنَا فَضْلٌ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ مَكْشُوفَةُ الرَّأْسِ وَالصَّدْرِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ لَا إزَارَ تَحْتَهُ وَقِيلَ عَنْ الْخَلِيلِ يُقَالُ رَجُلٌ مُتَفَضِّلٌ وَفَضْلٌ وَهُوَ الْمُتَوَشِّحُ بِثَوْبٍ عَلَى عَاتِقَيْهِ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَيُقَالُ امْرَأَةٌ فَضْلٌ وَثَوْبٌ فَضْلٌ فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَبَعْضُ جَسَدِهَا مُتَكَشِّفٌ وَقَوْلُهُ ﷺ أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَوْ أُخِذَ بِهِ فِي الْحِجَابَةِ خَاصَّةً لَمْ أَعِبْهُ وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيْنَا قَالَ وَمَا عَلِمْت مَنْ أَخَذَ بِهِ عَامًّا إلَّا عَائِشَةَ ﵂. وَقَدْ رَوَى مَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ فَكَأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ فَقَالَتْ إنَّمَا هَذَا أَخِي فَقَالَ ﷺ اُنْظُرِي مَنْ إخْوَتِك فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» ، وَهَذَا يَمْنَعُ التَّحْرِيمَ بِرَضَاعِ الْكَبِيرِ وَلَعَلَّهَا حَمَلَتْهُ عَلَى التَّحْرِيمِ وَمِنْ جِهَةِ الْفَحْلِ إنْ كَانَ أَخُوهَا ذَلِكَ أَخَا رَضَاعَةٍ مِنْ قِبَلِ الْفَحْلِ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ تَأْمُرُ بِإِرْضَاعِ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا أُخْتَهَا وَبَنَاتِ أَخِيهَا وَلَا تَسْتَبِيحُ ذَلِكَ بِإِرْضَاعِ نِسَاءِ إخْوَتِهَا وَتَرَى أَنَّ التَّحْرِيمَ مِنْ قِبَلِ الْفَحْلِ يَخْتَصُّ بِالصَّغِيرِ وَلَعَلَّهَا كَانَتْ تَقُولُ بِهِ وَتَرَى التَّأْوِيلَ مَا تَأَوَّلَتْهُ وَتَأْخُذُ فِي فِعْلِهَا بِالْأَحْزَمِ وَمَا عُيِّنَ لَنَا أَحَدٌ دَخَلَ عَلَيْهَا بِرَضَاعَةِ الْكَبِيرِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مَسْرُوقٌ عَنْهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ فِي قِصَّتِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ وَبِسَهْلَةِ بِنْتِ سُهَيْلٍ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ خَاصٌّ وَقَوْلُهُ ﷺ إنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ نَفْيٌ لِثُبُوتِ حُكْمِ الرَّضَاعَةِ فِي وَقْتٍ لَا يَقَعُ بِهِ الِاغْتِذَاءُ عَلَى عُمُومِهِ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خُصَّ مِنْهُ بِحَدِيثِ سَالِمٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَا مَعَهُ عِنْدَ دَارِ الْقَضَاءِ يَسْأَلُهُ عَنْ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ إنِّي كَانَتْ لِي وَلِيدَةٌ وَكُنْت أَطَؤُهَا فَعَمَدَتْ امْرَأَتِي إلَيْهَا فَأَرْضَعَتْهَا فَدَخَلْت عَلَيْهَا فَقَالَتْ دُونَك فَقَدْ وَاَللَّهِ أَرْضَعْتهَا فَقَالَ عُمَرُ أَوْجِعْهَا وَائْتَ جَارِيَتَك فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ رَضَاعَةُ الصَّغِيرِ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ فَقَالَ إنِّي مَصَصْت عَنْ امْرَأَتِي مِنْ ثَدْيِهَا لَبَنًا فَذَهَبَ فِي بَطْنِي فَقَالَ أَبُو مُوسَى لَا أَرَاهَا إلَّا قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْك فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ اُنْظُرْ مَا تُفْتِي بِهِ الرَّجُلَ فَقَالَ أَبُو مُوسَى فَمَا تَقُولُ أَنْتَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ لَا رَضَاعَةَ إلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ فَقَالَ أَبُو مُوسَى لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ) .

стр. 1189

دُونَك فَقَدْ وَاَللَّهِ أَرْضَعْتهَا فَقَالَ عُمَرُ أَوْجِعْهَا وَائْتَ جَارِيَتَك فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ رَضَاعَةُ الصَّغِيرِ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ فَقَالَ إنِّي مَصَصْت عَنْ امْرَأَتِي مِنْ ثَدْيِهَا لَبَنًا فَذَهَبَ فِي بَطْنِي فَقَالَ أَبُو مُوسَى لَا أَرَاهَا إلَّا قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْك فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ اُنْظُرْ مَا تُفْتِي بِهِ الرَّجُلَ فَقَالَ أَبُو مُوسَى فَمَا تَقُولُ أَنْتَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ لَا رَضَاعَةَ إلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ فَقَالَ أَبُو مُوسَى لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ) . جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الرَّضَاعَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ» مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ أَنَّهُ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسْدِيَةِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ حَتَّى ذَكَرْت أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ» قَالَ مَالِكٌ وَالْغِيلَةُ أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ) ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ هُوَ أَبُو عَبْسٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ سَأَلَ عَنْ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِمَا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ ﵁، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي ذَلِكَ مَذْهَبُهُ؛ لِأَنَّ مَنْ يَرْوِي حَدِيثًا وَعَمِلَ بِهِ اقْتَضَى عَمَلُهُ بِهِ الْأَخْذَ بِهِ وَتَصْدِيقَ رُوَاتِهِ وَتَقْلِيدَ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ أَوْ مُوَافَقَتَهُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ نَظَرٍ وَعِلْمٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُمَرَ لِلَّذِي أَرْضَعَتْ امْرَأَتُهُ جَارِيَتَهُ أَوْجِعْهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَذَاهَا لِمَا قَصَدَتْهُ مِنْ تَحْرِيمِ جَارِيَتِهِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا إيجَاعُ نَفْسِهَا بِاسْتِدَامَةِ وَطْءِ جَارِيَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ أَبِي مُوسَى لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ حُكْمِ مَا مُصَّ مِنْ ثَدْيِ امْرَأَتِهِ مِنْ اللَّبَنِ مَا أَرَاهَا إلَّا قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْك لَعَلَّهُ مِمَّنْ رَأَى فِي ذَلِكَ أَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ يُحَرِّمُ وَهُوَ مَذْهَبٌ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ مَعَ مَا ظَهَرَ مِنْ رُجُوعِ أَبِي مُوسَى عَنْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ اُنْظُرْ مَا تُفْتِي بِهِ الرَّجُلَ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ وَإِبْدَاءِ الْمُخَالَفَةِ لَهُ وَلَعَلَّهُ قَدْ كَانَ عِنْدَهُ فِيهِ عِلْمٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّ «الرَّضَاعَةَ مِنْ الْمَجَاعَةِ» أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ لَيْسَ مُصِيبًا، وَلَوْ اعْتَقَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ مُخَالِفَهُ مُصِيبٌ لَمَا سَاغَ لَهُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ أَبِي مُوسَى لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ رُجُوعٌ إلَى مَا ظَهَرَ مِنْ الْحَقِّ وَانْقِيَادٌ لِفَضْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعِلْمِهِ وَتَقَدُّمِهِ وَقَصْرِ النَّاسِ عَلَى سُؤَالِهِ لِمَا اعْتَقَدَ مِنْ تَفَوُّقِهِ فِي الْعِلْمِ عَلَيْهِ. [جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الرَّضَاعَةِ] (ش) : قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ هَكَذَا وَقَعَ عِنْدِي فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ جُدَامَةَ بِالدَّالِ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، وَقَالَ لِي أَبُو ذَرٍّ حِينَ سَمَاعِي مِنْهُ مُوَطَّأَ أَبِي مُصْعَبٍ مِنْهُ: رِوَايَةُ جُذَامَةَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَلَكِنَّ رِوَايَتِي جُدَامَةُ بِالدَّالِ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، وَقَوْلُ مَالِكٍ الْغِيلَةُ أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ وَالِاسْمُ الْغَيْلُ، وَقَدْ أَغَالَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ إذَا فَعَلَ

стр. 1190

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مِمَّا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ» قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ) . ــ [المنتقى] ذَلِكَ وَالْمَرْأَةُ الْمُغِيلَةُ الَّتِي تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَهِيَ تُوطَأُ وَأَهْلُ الطِّبِّ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ اللَّبَنَ دَاءٌ وَيُقَالُ قَدْ أُغِيلَتْ الْمَرْأَةُ إذَا سَقَتْهُ غَيْلًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ الْغِيلَةُ أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَزَلَ عَنْهَا أَوْ لَمْ يَعْزِلْ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ إنَّمَا حَقِيقَةُ الْغِيلَةِ الْوَطْءُ مَعَ الْإِنْزَالِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا لَمْ يُنْزِلْ أَنْزَلَتْ الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّ مَاءَهَا يُغَيِّرُ اللَّبَنَ وَحَكَى ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ أَنَّ أَصْلَ الْغِيلَةِ هَاهُنَا الضَّرَرُ يُقَالُ خِفْت غَائِلَةَ كَذَا أَيْ خِفْت ضَرَرَهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْوَطْءَ يُغِيلُ اللَّبَنَ بِمَعْنَى يُكْثِرُهُ وَإِذَا كَانَ لَهُ فِيهِ تَأْثِيرٌ بِالتَّكْثِيرِ جَازَ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ بِالتَّغْيِيرِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ إنَّ الْغِيلَةَ أَنْ تُرْضِعَ الْمَرْأَةُ الْمُرْضِعُ وَلَدَهَا وَهِيَ حَامِلٌ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يَقْضِي وَيَأْمُرُ وَيَنْهَى بِمَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ دُونَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلِذَلِكَ هَمَّ أَنْ يَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ لَمَّا خَافَ مِنْ فَسَادِ أَجْسَادِ أُمَّتِهِ وَضَعْفِ قُوَّتِهِمْ مِنْ أَجَلِهَا حَتَّى ذَكَرَ أَنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ تَفْعَلُ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ ﷺ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَضُرَّ ضَرَرًا عَامًّا، وَإِنَّمَا يَضُرُّ فِي النَّادِرِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهُ رِفْقًا بِالنَّاسِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَيَمْتَنِعُ مِنْ وَطْئِهَا مُدَّةً فَتَلْحَقُهُ بِذَلِكَ الْمَشَقَّةُ وَهَذِهِ مَشَقَّةٌ عَامَّةٌ فَكَانَتْ مُرَاعَاتُهَا أَرْفَقَ بِأُمَّتِهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ الْخَاصَّةِ الَّتِي لَا تَلْحَقُ إلَّا الْيَسِيرَ مِنْ الْأَطْفَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْعَرَبُ تَتَّقِي وَطْءَ الْمُرْضِعِ أَنْ يَعُودَ مِنْ ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى الْوَلَدِ صَرِيحٌ فِي جِسْمٍ أَوْ عِلَّةٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا آجَرَتْ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا فِي الرَّضَاعِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا فَإِنَّ لِوَالِدِ الصَّبِيِّ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَهَا مِنْ وَطْئِهَا مُدَّةَ الرَّضَاعِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ أَصْبَغُ لَيْسَ ذَلِكَ إلَّا بِشَرْطٍ فِي أَصْلِ الْإِجَارَةِ أَوْ يَكْثُرُ ضَرَرُ الصَّبِيِّ بِهِ وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فَيُمْنَعُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مِمَّا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ» قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ) . (ش) : قَوْلُهَا ﵂ كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ مِمَّا أَخْبَرَتْ عَنْ أَنَّهُ نَاسِخٌ أَوْ مَنْسُوخٌ لَا يَثْبُتُ قُرْآنًا؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَأَمَّا خَبَرُ الْآحَادِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ قُرْآنٌ، وَهَذَا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الدَّاخِلَةِ فِي جُمْلَةِ الْغَرَائِبِ فَلَا يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ قُرْآنٌ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ بِمِثْلِهِ قُرْآنٌ فَمِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ مَنْ ادَّعَى فِيهِ أَنَّهُ قُرْآنٌ وَتَضَمَّنَ حُكْمًا فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ الْحُكْمُ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ ثُبُوتُهُ فَرْعٌ عَنْ ثُبُوتِ الْخَبَرِ قُرْآنًا، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهَا قَالَتْ أَنَّهُ كَانَتْ فِيهِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ وَلَا يَدُلُّ أَنَّ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ لَا يُحَرِّمْنَ إلَّا مِنْ جِهَةِ دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَقَدْ قَرَّرْنَا أَنَّا لَا نَقُولُ بِهِ، وَلَوْ كُنَّا نَقُولُ بِهِ لَخَصَّصْنَاهُ وَعَدَلْنَا عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَدِلَّتِنَا. (فَصْلٌ) : وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ بِقَوْلِهَا: ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ يُرِيدُ نُسِخَ اسْمُهَا وَتِلَاوَتُهَا دُونَ حُكْمِهَا بِأَنْ تُلِيَ مَكَانَ الْعَشْرِ الرَّضَعَاتِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَتْ عَنْ التِّلَاوَةِ فَقَالَتْ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ مِمَّا يُقْرَأُ وَلَمْ تَقُلْ وَهِيَ مِمَّا يُعْمَلُ بِهِ وَلَا يُحَرَّمُ بِمَا دُونَهُ وَلَا تُحْتَاجُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا فِي ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ ﵀ وَلَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ يُرِيدُ لَيْسَ تَأْوِيلُ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ يُعْمَلُ

стр. 1191

(ص) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (كِتَابُ الْبُيُوعِ) (مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْعُرْبَانِ) (مَالِكٌ عَنْ الثِّقَةِ عِنْدَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ» قَالَ مَالِكٌ، وَذَلِكَ فِيمَا نَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ أَوْ الْوَلِيدَةَ أَوْ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ، ثُمَّ يَقُولَ لِلَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ أَوْ تَكَارَى مِنْهُ أُعْطِيك دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ عَلَى أَنِّي إنْ أَخَذْت السِّلْعَةَ أَوْ رَكِبْت مَا تَكَارَيْتُ مِنْك فَاَلَّذِي أُعْطِيك هُوَ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ أَوْ مِنْ كِرَاءِ الدَّابَّةِ وَإِنْ تَرَكْت ابْتِيَاعَ السِّلْعَةِ أَوْ كِرَاءَ الدَّابَّةِ فَمَا أَعْطَيْتُك لَك بَاطِلٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ) . ــ [المنتقى] بِأَقْوَالِهِمْ وَيُعْتَمَدُ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ فِيهَا عَلَى مَا يَتَأَوَّلُونَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ يُسْرِعْ النَّاسُ إلَى تَأْوِيلِهَا عَلَى غَيْرِ وَجْههَا فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ يَفْهَمُ وَجْهَ التَّأْوِيلِ وَإِنْ كُرِّرَ عَلَيْهِ بَلْ قَدْ يَتَعَقَّبُ بِالتَّأْوِيلِ وَالنَّظَرِ وَلَا سِيَّمَا فِي وَقْتِنَا مَنْ يَضْعُفُ فَهْمُهُ عَنْ تَحَقُّقِ الظَّوَاهِرِ فَاسْتَغْنَى عَنْ فَهْمِهِمْ بِقَوْلِهِ لَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَابُ الْبُيُوعِ] [مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْعُرْبَانِ] (ش) : قَوْلُهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ الْبَيْعُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ يَفْتَقِرُ إلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ وَيَلْزَمُ بِوُجُودِهِمَا بِلَفْظِ الْمَاضِي فَإِذَا قَالَ الْمُبْتَاعُ بِعْنِي فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْتُك فَقَدْ حَكَى أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ وَيَنْعَقِدُ بِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَقُولَ الْمُبْتَاعُ بَعْدَ ذَلِكَ اشْتَرَيْتُ أَوْ قَبِلْتُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ إيجَابًا وَقَبُولًا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ كَانَ إيجَابًا وَقَبُولًا فِي الْبَيْعِ كَمَا لَوْ قَالَ قَبِلْت بَعْدَ الْإِيجَابِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لَفْظٌ مُعَيَّنٌ وَكُلُّ لَفْظٍ أَوْ إشَارَةٍ فُهِمَ مِنْهُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَزِمَ بِهِ الْبَيْعُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ إلَّا أَنَّ فِي الْأَلْفَاظِ مَا هُوَ صَرِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارٍ فَيَقُولَ الْمُبْتَاعُ قَدْ قَبِلْت أَوْ يَقُولَ الْمُبْتَاعُ قَدْ ابْتَعْت مِنْك هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارٍ فَيَقُولَ الْبَائِعُ قَدْ بِعْته مِنْك فَهَذَا يَلْزَمُ بِهِ الْعَقْدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الْمُحْتَمَلَةُ فَلَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ بِهَا بِمُجَرَّدِهَا حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا عُرْفٌ أَوْ عَادَةٌ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَيْعِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَاعُ بِكَمْ سِلْعَتُك فَيَقُولَ الْبَائِعُ بِدِينَارٍ فَيَقُولُ الْمُبْتَاعُ قَدْ قَبِلْت فَيَقُولُ الْبَائِعُ لَا أَبِيعُك، فَإِنْ كَانَ فِي سُوقِ تِلْكَ السِّلْعَةِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ مَا سَاوَمَهُ عَلَى إرَادَةِ الْبَيْعِ وَمَا سَاوَمَ إلَّا لِأَمْرٍ يَذْكُرُهُ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ إيقَافَهُ فِي السُّوقِ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ الْبَيْعِ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ لَفْظٌ يَصِحُّ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الْبَيْعِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ غَرَضٌ مِنْ تَعَرُّفِ ثَمَنِ سِلْعَةٍ وَنِهَايَةِ مَا يُعْطَى بِهَا وَاللَّفْظُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي إنْفَاذِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ عُلِّقَ بِالْمُسْتَقْبِلِ دُونَ الْمَاضِي فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْبَيْعَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا يُمْكِنُ إرَادَتُهُ وَيَصِحُّ الْغَرَضُ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ وَإِنْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ الْبَيْعُ، وَهَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَاعِبًا، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ اللَّعِبَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَيْعُ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ بَيْعُ الْعُرْبَانِ فَسَّرَهُ مَالِكٌ بِمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْعُرْبَانُ أَوَّلُ الشَّيْءِ وَعُنْفُوَانُهُ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ، وَلِذَلِكَ أَضَافَهُ إلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ إنْ كَرِهَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ كَانَ مَا دَفَعَهُ لِلْبَائِعِ دُونَ عِوَضٍ فَهَذَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَبْيَنِ الْمُخَاطَرَةِ، وَأَمَّا الْعُرْبَانُ الَّذِي لَمْ يَنْهَ عَنْهُ فَهُوَ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهُ ثَوْبًا أَوْ غَيْرَهُ بِالْخِيَارِ فَيَدْفَعَ إلَيْهِ بَعْضَ الثَّمَنِ مَخْتُومًا عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ عَلَى

стр. 1192

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَبْتَاعَ الْعَبْدَ التَّاجِرَ وَالْفَصِيحَ بِالْأَعْبُدِ مِنْ الْحَبَشَةِ أَوْ مِنْ جِنْسٍ مِنْ الْأَجْنَاسِ لَيْسُوا مِثْلَهُ فِي الْفَصَاحَةِ وَلَا فِي التِّجَارَةِ وَالنَّفَاذِ وَالْمَعْرِفَةِ لَا بَأْسَ بِهَذَا أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُ الْعَبْدَ بِالْعَبْدَيْنِ أَوْ بِالْأَعْبُدِ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ إذَا اخْتَلَفَ فَبَانَ اخْتِلَافُهُ، فَإِنْ أَشْبَهَ بَعْضُ ذَلِكَ بَعْضًا حَتَّى يَتَقَارَبَ فَلَا تَأْخُذْهُ مِنْهُ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُمْ قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْت مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ إذَا انْتَقَدْت ثَمَنَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَيْت مِنْهُ) ــ [المنتقى] أَنَّهُ إنْ رَضِيَ الْبَيْعَ كَانَ مِنْ الثَّمَنِ وَإِنْ كَرِهَ رَجَعَ إلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ خَطَرٌ يَمْنَعُ صِحَّتَهُ، وَإِنَّمَا فِيهِ تَعْيِينٌ لِلثَّمَنِ أَوْ بَعْضِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ وَالْكِرَاءُ عَلَى مَا مُنِعَ مِنْهُ مِنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ فَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ دِينَارٍ يُفْسَخُ وَإِنْ فَاتَ كَانَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا دَخَلَهُ مِنْ الْغَرَرِ وَالْخَطَرِ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعُرْبَانِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ، وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ السِّلَعِ وَالْحَيَوَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ عَلَى ضَرْبَيْنِ نَقْدًا وَنَسًا فَأَمَّا النَّقْدُ فَهُوَ جَائِزٌ فِي الْجِنْسَيْنِ وَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ مَا لَمْ يَكُنْ مُقْتَاتًا مُتَفَاضِلًا، وَأَمَّا النَّسَا فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمُعَوَّضِ مِنْهُ وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ جَازَ التَّفَاضُلُ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ لَمْ يَجُزْ مُتَفَاضِلًا، وَذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ الْأَوَّلُ أَنَّ مَا لَيْسَ بِمُقْتَاتٍ وَلَا عَيْنٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ نَقْدًا وَالْبَابُ الثَّانِي أَنَّ النَّسَاءَ عِلَّةٌ فِي فَسَادِ بَيْعِ الْجِنْسِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَالْبَابُ الثَّالِثُ أَنَّ النَّسَاءَ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ لَا يَمْنَعُ الْمُعَاوَضَةَ وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ فِي الْأَجْنَاسِ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي جَوَازِ التَّفَاضُلِ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ وَالْمُقْتَاتِ نَقْدًا) . وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِك ﵀ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (الْبَابُ الثَّانِي فِي أَنَّ النِّسَاءَ عِلَّةٌ فِي فَسَادِ بَيْعِ الْجِنْسِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ) وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ كُلُّ مَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ يَدًا بِيَدِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ وَالتَّسَاوِي نَسَاءً وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ ﵀ مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً» قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ فِي بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ صَحِيحٌ وَسَمَاعُهُ مِنْهُ صَحِيحٌ كَذَلِكَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَلَنَا فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِنَفْسِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِلذَّرِيعَةِ فَأَمَّا الطَّرِيقَةُ الْأُولَى فَإِنَّ اشْتِرَاطَ الزِّيَادَةِ فِي الْجِنْسِ مَعَ الْأَجَلِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ كَاشْتِرَاطِهِ فِي السَّلَفِ، وَأَمَّا الْمَنْعُ مِنْهُ لِلذَّرِيعَةِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الزِّيَادَةِ فِي السَّلَفِ غَيْرُ جَائِزٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اشْتِرَاطِهِ فِي الْبَيْعِ مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا لِئَلَّا يُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى الْمَمْنُوعِ الْمُتَّفَقِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ الْمَنْعُ مَعَ التَّفَاضُلِ فَهَلْ يَثْبُتُ عَلَى التَّسَاوِي قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجْهُ قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِلذَّرِيعَةِ وَمَعَ التَّسَاوِي تَضْعُفُ التُّهْمَةُ فَيَبْطُلُ حُكْمُ الْمَنْعِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ ذَرِيعَةٌ إلَى قَرْضٍ تُجْبَرُ بِهِ مَنْفَعَةٌ فَيَكُونُ مَنْ لَهُ الثَّوْبُ يَدْفَعُهُ فِي مِثْلِهِ لِيَكُونَ فِي ضَمَانِ الْقَابِضِ لَهُ إلَى أَجَلِ تَعَاقُدِهِمَا وَوَقْتِ انْتِفَاعِهِ وَلَمَّا كَانَ هَذَا عَقْدًا مُنِعَ مِنْ التَّفَاضُلِ فِيهِ وَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ التَّسَاوِي كَالْعَرْضِ. (الْبَابُ الثَّالِثُ) فِي أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَنَافِعِ يَصِحُّ بَيْعُ بَعْضِ الْجِنْسِ بِبَعْضِهِ إلَى أَجَلٍ مُتَفَاضِلًا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ إذَا كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]

стр. 1193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَهَذَا عَامٌّ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَنَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَنَافِعِ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْجِنْسِ فَإِذَا ثَبَتَ لَنَا هَذَا ثَبَتَ جَوَازُ التَّفَاضُلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَالِفُنَا فِي جَوَازِ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسَيْنِ مَعَ التَّسَاوِي وَسَنَدُلُّ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْكَبِيرُ فِي الصَّغِيرَيْنِ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُتَبَايِنَانِ وَلَيْسَ فِيهِمَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ التُّهْمَةِ، وَرَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ أَنْ تُسَلَّمَ كِبَارُ الْحُمُرِ فِي صِغَارِ الْبِغَالِ؛ لِأَنَّهَا تَنْتُجُ مِنْهَا الْبِغَالُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ قَرِيبًا خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَشَبَهَهَا مِمَّا لَا تُهْمَةَ فِيهِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُسَلِّمَ شَيْئًا مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُزَابَنَةِ فَإِذَا آنَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَجَلَ السَّلَمِ يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ مَا سَلِمَ فِيهِ صُلْحُ ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا تَسْلِيمُ صَغِيرٍ فِي كَبِيرَيْنِ إلَى أَجَلٍ فَرَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إجَازَتَهُ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ الْمَنْعَ مِنْهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَهَذَا إنَّمَا يَجِبُ عِنْدِي أَنْ يُمْنَعَ إلَى أَجَلٍ يَكْبُرُ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ الصَّغِيرِ فَيَصِيرُ مِثْلَ الْكَبِيرِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَذَلِكَ مِنْ الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَيْسَ مِنْ مَعْنَى هَذَا الْبَابِ بِسَبِيلٍ وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا إلَى الْمَنْعِ مِنْ تَسْلِيمِ صَغِيرٍ فِي كَبِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ فِي صَغِيرٍ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَنْعِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي تَجْوِيزِ صَغِيرَيْنِ فِي كَبِيرَيْنِ وَكَبِيرَيْنِ فِي صَغِيرَيْنِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جَائِزٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ يَخْتَلِفَانِ يَصِحُّ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا فَصَحَّ التَّسَاوِي كَالثِّيَابِ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ التَّفَاضُلَ فِي الْمِقْدَارِ أَبْلَغُ فِي إفْسَادِ الْعُقُودِ مِنْ التَّفَاضُلِ فِي الصِّفَاتِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بِالنَّقْدِ فِي الطَّعَامِ وَيَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ بِالْجُودَةِ وَالصِّفَةِ، ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ بِالْمِقْدَارِ فَبِأَنْ يَجُوزَ فِيهِ التَّفَاضُلُ بِالصِّفَةِ أَوْلَى وَأَحْرَى. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْجِنْسِ بِالْمَنَافِعِ مَعَ الِاتِّفَاقِ فِي السِّنِّ فَلَا بَأْسَ بِهِ الْوَاحِدَ بِالِاثْنَيْنِ وَالِاثْنَيْنِ بِالْوَاحِدِ، وَهَلْ يُسَلَّمُ الْوَاحِدُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْوَاحِدِ؟ رَوَى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي مَبْسُوطِهِ عَنْ مَالِكٍ إجَازَتَهُ فِي الْبَعِيرِ النَّجِيبِ بِالْبَعِيرِ مِنْ حَاشِيَةِ الْإِبِلِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعَبْدِ التَّاجِرِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي لَيْسَ بِتَاجِرٍ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمَنَافِعِ قَدْ جَعَلَهُمَا جِنْسَيْنِ يَجُوزُ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ فَبِأَنْ يَجُوزَ فِيهِمَا التَّسَاوِي أَوْلَى وَعَقْدُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ مَا حُكِمَ فِيهِ بِالْجِنْسَيْنِ فَإِنَّ التَّسَاوِيَ وَالتَّفَاضُلَ يَجُوزُ فِيهِمَا. (الْبَابُ الرَّابِعُ فِي تَبْيِينِ الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ الَّتِي يَتَبَيَّنُ بِهَا مَعْنَى الْجِنْسِ) الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْجِنْسِ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْبَابِ مَا انْفَرَدَ بِالْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ فَإِذَا اخْتَلَفَ الشَّيْئَانِ فِي الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُمَا كَانَا جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَإِنْ سُمِّيَا بِاسْمٍ وَاحِدٍ وَإِنْ اتَّفَقَا فِي الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ وَافْتَرَقَا فِي الِاسْمِ فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاخْتِلَافِ الْأَسْمَاءِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُمَا جِنْسٌ أَنَّ الِاعْتِبَارَ أَيْضًا بِالْأَسْمَاءِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّنَا إنَّمَا مَنَعْنَا التَّفَاضُلَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لِلزِّيَادَةِ فِي السَّلَفِ وَأَجَزْنَاهُ فِي الْجِنْسَيْنِ لِتَعَرِّيه مِنْ ذَلِكَ فَوَجَبَ أَنْ تُرَاعَى الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ مَنْ طَلَبَ الزِّيَادَةَ فِي السَّلَفِ فَإِنَّمَا يَطْلُبُهَا مَعَ اسْتِرْجَاعِ مَا سَلَف وَبَقَاءِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ لَهُ فَإِذَا اسْتَرْجَعَ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ أُخْرَى بِغَيْرِ مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ الَّتِي سَلَفَ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الزِّيَادَةُ فِي السَّلَفِ، وَلِذَلِكَ جَوَّزْنَا التَّفَاضُلَ بَيْنَ التَّمْرِ الْعَرَبِيِّ وَالتَّمْرِ الْهِنْدِيِّ وَبَيْنَ الْجَوْزِ الْهِنْدِيِّ وَاَلَّذِي لَيْسَ بِهِنْدِيٍّ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ اخْتِلَافَ الْمَنَافِعِ فِي الْجِنْسِ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَخْتَلِفَ مَنَافِعُهُمَا لِلصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَالثَّانِي أَنْ تَخْتَلِفَ لِلتَّنَاهِي فِي الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ فَأَمَّا الصِّغَرُ وَالْكِبَرُ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ جِنْسِ الْحَيَوَانِ، فَإِنْ

стр. 1194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] كَانَ الْحَيَوَانُ مِمَّا تَصِحُّ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ كَبَنِي آدَمَ فَفِي الْوَاضِحَةِ أَنَّ الرَّقِيقَ صِنْفٌ وَاحِدٌ ذُكُورُهُ وَإِنَاثُهُ صِغَارُهُ وَكِبَارُهُ عَجَمِيُّهُ وَعَرَبِيُّهُ وَالْقِيَاسُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ صَغِيرُهُ جِنْسًا مُخَالِفًا لِكَبِيرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا الْكَبِيرُ مِنْ التِّجَارَةِ وَالصَّنَائِعِ لَا تَصِحُّ مِنْ الصَّغِيرِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَصِحُّ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْأَكْلُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْأَكْلُ كَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ فَإِنَّ جِنْسَ صِغَارِهَا مُخَالِفٌ لِكِبَارِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ كِبَارِهَا غَيْرُ الْمَقْصُودِ مِنْ صِغَارِهَا وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُقْصَدُ مِنْهُ الْأَكْلُ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالطَّيْرِ فَإِنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ عَمَلٌ مَقْصُودٌ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فَهَذَا الْقِسْمُ لَا خِلَافَ أَنَّ صِغَارَهُ مُخَالِفٌ لِكِبَارِهِ، وَالثَّانِي لَا يَكُونُ فِيهِ عَمَلٌ مَقْصُودٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي أَنَّ صِغَارَهُ مِنْ جِنْسِ كِبَارِهِ كَالْحَجَلِ وَالْيَمَامِ، وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ عَمَلٌ مَقْصُودٌ وَتَكُونَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ مِنْ لُبْسٍ وَنَحْوِهِ فَهَلْ يَخْتَلِفُ جِنْسُهَا بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ أَمْ لَا، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا لَا تَخْتَلِفُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الْحَيَوَانِ الْأَكْلُ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ صِغَارُهُ وَكِبَارُهُ وَالثَّانِيَةُ تَخْتَلِفُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ كِبَارِ الْغَنَمِ الدَّرُّ وَالنَّسْلُ وَهُوَ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ كَالْعَمَلِ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَكَذَلِكَ الدَّجَاجُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كُلُّهَا صِنْفٌ ذُكُورُهَا وَإِنَاثُهَا قَالَ أَصْبَغُ لَا يُسَلَّمُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ إلَّا الدَّجَاجَ ذَاتَ الْبَيْضِ فَإِنَّهَا صِنْفٌ تُسَلَّمُ الدَّجَاجَةُ الْبَيُوضُ أَوْ الَّتِي فِيهَا بَيْضٌ فِي الدِّيكَيْنِ. (فَرْعٌ) وَالسِّنُّ الَّذِي هُوَ حَدٌّ بَيْنَ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ الِانْتِفَاعِ بِهَا الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَهُوَ أَنْ يُسَافَرَ عَلَيْهِ فَالْجَذَعُ مَا قَصُرَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الصِّغَارِ وَالْحَوْلِيُّ صَغِيرٌ، وَأَمَّا الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْحَوْلِيَّ صَغِيرٌ وَالرُّبَاعِيَّ كَبِيرٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْجَذَعُ مِنْ جُمْلَةِ الْكِبَارِ كَالْخَيْلِ، وَأَمَّا الْإِبِلُ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا خَيْرَ فِي ابْنَتِي مَخَاضٍ فِي حُقَّةٍ وَلَا حُقَّةٍ فِي جَذَعَتَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَنَعَ ابْنَتِي مَخَاضٍ فِي حُقَّةٍ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ سِنِّ الصِّغَرِ وَمَنَعَ حُقَّةً فِي جَذَعَتَيْنِ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ مَنَعَ صَغِيرًا فِي كَبِيرٍ فَإِنَّ الْجَذَعَ أَوَّلُ أَسْنَانِ الْكَبِيرِ فِي الْإِبِلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَنَعَ بِنْتَيْ مَخَاضٍ فِي حُقَّةٍ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ مَنَعَ صَغِيرَيْنِ فِي كَبِيرٍ وَمَنَعَ حُقَّةً فِي جَذَعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ سِنِّ الْكِبَرِ فَتَكُونُ الْحُقَّةُ مِنْ حَيِّزِ الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سِنٌّ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ وَهُوَ الْحَمْلُ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا الْبَقَرُ فَإِنَّ حَدَّ الْكَبِيرِ فِي الذُّكُورِ أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ الْحَرْثِ وَفِي الْإِنَاثِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُ ذَلِكَ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنْ يَبْلُغَ سِنَّ الْوَضْعِ وَاللَّبَنِ، وَأَمَّا اللُّبْنُ، فَإِنْ فَرَّقْنَا بَيْنَ صِغَارِهَا وَكِبَارِهَا فَحَدُّ الْكَبِيرِ أَنْ يَضَعَ مِثْلُهَا وَيَكُونُ فِيهَا اللَّبَنُ وَيَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ ذُكُورُهَا مِنْ جِنْسِ صِغَارِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا غَيْرُ اللَّحْمِ إلَّا النَّزْرُ وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ فِي اخْتِلَافِ الْجِنْسِ كَالْخَيْلِ وَالْحُمُرِ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَإِنَّ حَدَّ الْكِبَرِ فِيهِمْ إنْ فَرَّقْنَا بَيْنَ صِغَارِهِمْ وَكِبَارِهِمْ أَنْ يَبْلُغَ سِنَّ مَنْ يُطِيقُ التَّكَسُّبَ بِعَمَلِهِ أَوْ تِجَارَتِهِ، وَذَلِكَ عِنْدِي الْخَمْسَةَ عَشْرَ سَنَةً وَنَحْوُهَا أَوْ الِاحْتِلَامُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى التَّكَسُّبِ بِمَعْنًى يُسْتَفَادُ فِي التَّعْلِيمِ لَا يَكُونُ شَائِعًا فِي الْجِنْسِ كَالتِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ فَأَمَّا التِّجَارَةُ وَالْجِزَارَةُ وَالْبِنَاءُ وَالْخِيَاطَةُ فَهِيَ مَعَ الْفَصَاحَةِ وَالْحِسَابِ أُسٌّ وَالْكِتَابَةُ وَالْقِرَاءَةُ إذَا تَقَدَّمَهَا نَفَاذٌ يُمَكِّنُهُ التَّكَسُّبَ بِهَا وَهَكَذَا مَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَعْمَالُ الْمُعْتَادَةُ الَّتِي يَعْمَلُهَا أَكْثَرُ النَّاسِ بِجِنْسٍ يُبَايِنُ بِهِ مَنْ لَا يَعْمَلُ ذَلِكَ الْعَمَلَ كَالْحَرْثِ وَالْحَصَادِ فِي الرِّجَالِ وَالْغَزْلِ فِي النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ هَذَا الْعَمَلُ مُعْتَادًا يُمْكِنُ أَكْثَرُ هَذَا الْجِنْسِ عَمَلَهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَشْيِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ الْمُعْتَادِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَتْ الذُّكُورَةُ بِجِنْسٍ فِي الرَّقِيقِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَنْعَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مِنْ الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَهَذَا حُكْمُ جَمِيعِ

стр. 1195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْحَيَوَانِ، وَأَمَّا الصِّنَاعَةُ فِي الْإِمَاءِ فَكَالطَّبْخِ وَالْخَبْزِ وَالرَّقْمِ وَالنَّسْجِ وَكُلُّ نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْآخَرِ إلَّا الطَّبْخَ وَالْخَبْزَ فَإِنَّهُ صِنَاعَةٌ وَاحِدَةٌ وَجِنْسٌ وَاحِدٌ، وَأَمَّا الْكِتَابَةُ فَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَتْ بِجِنْسٍ فِي الْإِمَاءِ، وَرَوَى عِيسَى عَنْهُ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ فَائِقَةً فِيهَا أَنَّهُ جِنْسٌ تَبِينُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا أَنَّ النَّفَاذَ فِي ذَلِكَ وَالتَّقَدُّمَ حَتَّى يُمْكِنَ التَّكَسُّبَ بِهِ جِنْسٌ مَقْصُودٌ وَإِنَّ الْكِتَابَةَ الْيَسِيرَةَ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الِاكْتِسَابُ بِهَا لَيْسَتْ بِجِنْسٍ مَقْصُودٍ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِجِنْسٍ فِي الْإِمَاءِ مَعَ النَّفَاذِ بِخِلَافِ الْعَبِيدِ وَالثَّانِي حُكْمُهَا فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْعَبِيدِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْجَمَالُ فَهَلْ يَكُونُ جِنْسًا فِي الْإِمَاءِ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِجِنْسٍ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ جِنْسٌ مَقْصُودٌ وَرَأَيْت بَعْضَ فُقَهَاءِ الْقَرَوِيِّينَ يَحْكِي أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَاهُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَعْنًى لَا يَتَكَسَّبُ بِهِ الْإِمَاءُ فَلَمْ تَخْتَلِفْ بِهِ أَجْنَاسُهُنَّ كَالْقُوَّةِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ الْأَثْمَانَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ وَتَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ الْغَزْلُ وَلَا عَمَلُ الطِّيبِ بِجِنْسٍ؛ لِأَنَّ الْغَزْلَ مُعْتَادٌ فِي النِّسَاءِ شَامِلٌ وَعَمَلُ الطِّيبِ لَيْسَ مِمَّا يَكَادُ أَنْ تَنْفَرِدَ بِالتَّكَسُّبِ بِهِ بَلْ ذَلِكَ شَائِعٌ فِي جَمِيعِ النِّسَاءِ، وَهَذَا مَعْنَى مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْخَيْلِ السَّبْقُ وَالْجَوْدَةُ؛ لِأَنَّهَا بِهِمَا تُبَايِنُ سَائِرَ الْحَيَوَانِ الْمُتَّحِدِ فَإِذَا كَانَ سَابِقًا قَائِمًا فَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا لَيْسَ بِسَابِقٍ مِنْ الْخَيْلِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْإِبِلِ الْقُوَّةُ عَلَى الْحَمْلِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُبَايِنُ غَيْرَهَا فِي الْقُوَّةِ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَلَيْسَ السَّبْقُ بِمَقْصُودٍ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُرَادُ لِلسَّبْقِ، وَلِذَلِكَ لَا يُسْهَمُ لَهَا وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا مَا يُسَابِقُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَنْفَعَةِ أَفْضَلِ هَذَا الْجِنْسِ وَأَغْلَبِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ الْخَيْلِ مَا تَكُونُ فِيهِ الْقُوَّةُ عَلَى الْحَمْلِ وَلَا يُتَّخَذُ لِذَلِكَ وَلَا يَتَمَيَّزُ بِهِ فِي الْجِنْسِ عَمَّا لَيْسَ بِقَوِيٍّ عَلَى الْحَمْلِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ مِنْ أَفْضَلِ هَذَا الْجِنْسِ وَلَا أَكْثَرِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هِيَ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ وَذَكَرَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجِنْسَيْنِ يُفَارِقُ جِنْسَهُ بِالسَّيْرِ وَالْجَرْيِ يُرِيدُ مَعَ السَّيْرِ قَالَ فَأَبَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْأَسْمَاءَ لَا اعْتِبَارَ بِهَا، فَلَمَّا اتَّفَقَتْ فِي الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنْهَا كَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا وَإِنْ لَمْ يَشْمَلْهَا اسْمٌ وَاحِدٌ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَسْمَاءِ الْخَاصَّةِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْجِنْسِ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى اخْتِلَافُ الْمَنَافِعِ وَاتِّفَاقُهَا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا إذًا تَخْتَلِفُ فِي أَنْفُسِهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّ الْبِغَالَ كُلَّهَا مَعَ الْحُمْرِ الْمِصْرِيَّةِ جِنْسٌ مُخَالِفٌ لِلْأَعْرَابِيَّةِ وَلَا تَخْتَلِفُ بِالسَّيْرِ وَالْقِيَمِ، وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الرُّكُوبُ لِلْجَمَالِ وَهِيَ مُتَقَارِبَةٌ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ السَّيْرِ؛ لِأَنَّ السَّيْرَ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا فَيَجِبُ أَنْ تَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْ الْبَقَرِ الْقُوَّةُ عَلَى الْحَرْثِ؛ لِأَنَّهُ الْعَمَلُ الَّذِي تُتَّخَذُ لَهُ وَلَا خِلَافَ فِي ذُكُورِهَا، وَأَمَّا إنَاثُهَا فَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا كَثْرَةُ اللَّبَنِ وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الذُّكُورِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ إنَاثِ الْبَقَرِ وَإِنَاثِ الْغَنَمِ أَنَّ إنَاثَ الْبَقَرِ لَهَا مَنْفَعَةٌ تَخْتَصُّ بِذُكُورِهَا وَإِنَاثِهَا وَإِنَاثَ الْغَنَمِ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ جَازَ تَسْلِيمُ الْبَقَرَةِ الْكَثِيرَةِ اللَّبَنِ وَإِنْ كَانَتْ قَوِيَّةً عَلَى الْحَرْثِ فِي الثَّوْرِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْغَنَمُ فَإِنَّهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ مَعْزٌ وَضَأْنٌ فَأَمَّا الْمَعْزُ فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا، وَأَمَّا الضَّأْنُ فَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ كَثْرَةَ اللَّبَنِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ جِنْسُ الضَّأْنِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ اللَّبَنَ مُعْتَبَرٌ فِي الْغَنَمِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَجْهُ رِوَايَةِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ اللَّبَنَ لَا يَكَادُ يَتَبَايَنُ إلَّا فِي الْمَاعِزِ، وَأَمَّا الضَّأْنُ فَمُتَقَارِبَةٌ فِي اللَّبَنِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ ذُو لَبَنٍ وَلَا يُقْصَدُ
следующие страницы →