Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
(ص) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (كِتَابُ الْبُيُوعِ) (مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْعُرْبَانِ) (مَالِكٌ عَنْ الثِّقَةِ عِنْدَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ» قَالَ مَالِكٌ، وَذَلِكَ فِيمَا نَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ أَوْ الْوَلِيدَةَ أَوْ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ، ثُمَّ يَقُولَ لِلَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ أَوْ تَكَارَى مِنْهُ أُعْطِيك دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ عَلَى أَنِّي إنْ أَخَذْت السِّلْعَةَ أَوْ رَكِبْت مَا تَكَارَيْتُ مِنْك فَاَلَّذِي أُعْطِيك هُوَ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ أَوْ مِنْ كِرَاءِ الدَّابَّةِ وَإِنْ تَرَكْت ابْتِيَاعَ السِّلْعَةِ أَوْ كِرَاءَ الدَّابَّةِ فَمَا أَعْطَيْتُك لَك بَاطِلٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ) .
ــ
[المنتقى]
بِأَقْوَالِهِمْ وَيُعْتَمَدُ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ فِيهَا عَلَى مَا يَتَأَوَّلُونَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ يُسْرِعْ النَّاسُ إلَى تَأْوِيلِهَا عَلَى غَيْرِ وَجْههَا فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ يَفْهَمُ وَجْهَ التَّأْوِيلِ وَإِنْ كُرِّرَ عَلَيْهِ بَلْ قَدْ يَتَعَقَّبُ بِالتَّأْوِيلِ وَالنَّظَرِ وَلَا سِيَّمَا فِي وَقْتِنَا مَنْ يَضْعُفُ فَهْمُهُ عَنْ تَحَقُّقِ الظَّوَاهِرِ فَاسْتَغْنَى عَنْ فَهْمِهِمْ بِقَوْلِهِ لَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْبُيُوعِ]
[مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْعُرْبَانِ]
(ش) : قَوْلُهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ الْبَيْعُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ يَفْتَقِرُ إلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ وَيَلْزَمُ بِوُجُودِهِمَا بِلَفْظِ الْمَاضِي فَإِذَا قَالَ الْمُبْتَاعُ بِعْنِي فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْتُك فَقَدْ حَكَى أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ وَيَنْعَقِدُ بِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَقُولَ الْمُبْتَاعُ بَعْدَ ذَلِكَ اشْتَرَيْتُ أَوْ قَبِلْتُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ إيجَابًا وَقَبُولًا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ كَانَ إيجَابًا وَقَبُولًا فِي الْبَيْعِ كَمَا لَوْ قَالَ قَبِلْت بَعْدَ الْإِيجَابِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لَفْظٌ مُعَيَّنٌ وَكُلُّ لَفْظٍ أَوْ إشَارَةٍ فُهِمَ مِنْهُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَزِمَ بِهِ الْبَيْعُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ إلَّا أَنَّ فِي الْأَلْفَاظِ مَا هُوَ صَرِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارٍ فَيَقُولَ الْمُبْتَاعُ قَدْ قَبِلْت أَوْ يَقُولَ الْمُبْتَاعُ قَدْ ابْتَعْت مِنْك هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارٍ فَيَقُولَ الْبَائِعُ قَدْ بِعْته مِنْك فَهَذَا يَلْزَمُ بِهِ الْعَقْدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الْمُحْتَمَلَةُ فَلَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ بِهَا بِمُجَرَّدِهَا حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا عُرْفٌ أَوْ عَادَةٌ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَيْعِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَاعُ بِكَمْ سِلْعَتُك فَيَقُولَ الْبَائِعُ بِدِينَارٍ فَيَقُولُ الْمُبْتَاعُ قَدْ قَبِلْت فَيَقُولُ الْبَائِعُ لَا أَبِيعُك، فَإِنْ كَانَ فِي سُوقِ تِلْكَ السِّلْعَةِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ مَا سَاوَمَهُ عَلَى إرَادَةِ الْبَيْعِ وَمَا سَاوَمَ إلَّا لِأَمْرٍ يَذْكُرُهُ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ إيقَافَهُ فِي السُّوقِ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ الْبَيْعِ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ لَفْظٌ يَصِحُّ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الْبَيْعِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ غَرَضٌ مِنْ تَعَرُّفِ ثَمَنِ سِلْعَةٍ وَنِهَايَةِ مَا يُعْطَى بِهَا وَاللَّفْظُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي إنْفَاذِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ عُلِّقَ بِالْمُسْتَقْبِلِ دُونَ الْمَاضِي فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْبَيْعَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا يُمْكِنُ إرَادَتُهُ وَيَصِحُّ الْغَرَضُ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ وَإِنْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ الْبَيْعُ، وَهَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَاعِبًا، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ اللَّعِبَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَيْعُ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ بَيْعُ الْعُرْبَانِ فَسَّرَهُ مَالِكٌ بِمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْعُرْبَانُ أَوَّلُ الشَّيْءِ وَعُنْفُوَانُهُ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ، وَلِذَلِكَ أَضَافَهُ إلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ إنْ كَرِهَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ كَانَ مَا دَفَعَهُ لِلْبَائِعِ دُونَ عِوَضٍ فَهَذَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَبْيَنِ الْمُخَاطَرَةِ، وَأَمَّا الْعُرْبَانُ الَّذِي لَمْ يَنْهَ عَنْهُ فَهُوَ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهُ ثَوْبًا أَوْ غَيْرَهُ بِالْخِيَارِ فَيَدْفَعَ إلَيْهِ بَعْضَ الثَّمَنِ مَخْتُومًا عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ عَلَى
стр. 1192
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَبْتَاعَ الْعَبْدَ التَّاجِرَ وَالْفَصِيحَ بِالْأَعْبُدِ مِنْ الْحَبَشَةِ أَوْ مِنْ جِنْسٍ مِنْ الْأَجْنَاسِ لَيْسُوا مِثْلَهُ فِي الْفَصَاحَةِ وَلَا فِي التِّجَارَةِ وَالنَّفَاذِ وَالْمَعْرِفَةِ لَا بَأْسَ بِهَذَا أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُ الْعَبْدَ بِالْعَبْدَيْنِ أَوْ بِالْأَعْبُدِ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ إذَا اخْتَلَفَ فَبَانَ اخْتِلَافُهُ، فَإِنْ أَشْبَهَ بَعْضُ ذَلِكَ بَعْضًا حَتَّى يَتَقَارَبَ فَلَا تَأْخُذْهُ مِنْهُ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُمْ قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْت مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ إذَا انْتَقَدْت ثَمَنَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَيْت مِنْهُ)
ــ
[المنتقى]
أَنَّهُ إنْ رَضِيَ الْبَيْعَ كَانَ مِنْ الثَّمَنِ وَإِنْ كَرِهَ رَجَعَ إلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ خَطَرٌ يَمْنَعُ صِحَّتَهُ، وَإِنَّمَا فِيهِ تَعْيِينٌ لِلثَّمَنِ أَوْ بَعْضِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ وَالْكِرَاءُ عَلَى مَا مُنِعَ مِنْهُ مِنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ فَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ دِينَارٍ يُفْسَخُ وَإِنْ فَاتَ كَانَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا دَخَلَهُ مِنْ الْغَرَرِ وَالْخَطَرِ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعُرْبَانِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ، وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ السِّلَعِ وَالْحَيَوَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ عَلَى ضَرْبَيْنِ نَقْدًا وَنَسًا فَأَمَّا النَّقْدُ فَهُوَ جَائِزٌ فِي الْجِنْسَيْنِ وَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ مَا لَمْ يَكُنْ مُقْتَاتًا مُتَفَاضِلًا، وَأَمَّا النَّسَا فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمُعَوَّضِ مِنْهُ وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ جَازَ التَّفَاضُلُ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ لَمْ يَجُزْ مُتَفَاضِلًا، وَذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ الْأَوَّلُ أَنَّ مَا لَيْسَ بِمُقْتَاتٍ وَلَا عَيْنٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ نَقْدًا وَالْبَابُ الثَّانِي أَنَّ النَّسَاءَ عِلَّةٌ فِي فَسَادِ بَيْعِ الْجِنْسِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَالْبَابُ الثَّالِثُ أَنَّ النَّسَاءَ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ لَا يَمْنَعُ الْمُعَاوَضَةَ وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ فِي الْأَجْنَاسِ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي جَوَازِ التَّفَاضُلِ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ وَالْمُقْتَاتِ نَقْدًا) .
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِك ﵀ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(الْبَابُ الثَّانِي فِي أَنَّ النِّسَاءَ عِلَّةٌ فِي فَسَادِ بَيْعِ الْجِنْسِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ) وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ كُلُّ مَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ يَدًا بِيَدِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ وَالتَّسَاوِي نَسَاءً وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ ﵀ مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً» قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ فِي بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ صَحِيحٌ وَسَمَاعُهُ مِنْهُ صَحِيحٌ كَذَلِكَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَلَنَا فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِنَفْسِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِلذَّرِيعَةِ فَأَمَّا الطَّرِيقَةُ الْأُولَى فَإِنَّ اشْتِرَاطَ الزِّيَادَةِ فِي الْجِنْسِ مَعَ الْأَجَلِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ كَاشْتِرَاطِهِ فِي السَّلَفِ، وَأَمَّا الْمَنْعُ مِنْهُ لِلذَّرِيعَةِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الزِّيَادَةِ فِي السَّلَفِ غَيْرُ جَائِزٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اشْتِرَاطِهِ فِي الْبَيْعِ مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا لِئَلَّا يُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى الْمَمْنُوعِ الْمُتَّفَقِ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ الْمَنْعُ مَعَ التَّفَاضُلِ فَهَلْ يَثْبُتُ عَلَى التَّسَاوِي قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجْهُ قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِلذَّرِيعَةِ وَمَعَ التَّسَاوِي تَضْعُفُ التُّهْمَةُ فَيَبْطُلُ حُكْمُ الْمَنْعِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ ذَرِيعَةٌ إلَى قَرْضٍ تُجْبَرُ بِهِ مَنْفَعَةٌ فَيَكُونُ مَنْ لَهُ الثَّوْبُ يَدْفَعُهُ فِي مِثْلِهِ لِيَكُونَ فِي ضَمَانِ الْقَابِضِ لَهُ إلَى أَجَلِ تَعَاقُدِهِمَا وَوَقْتِ انْتِفَاعِهِ وَلَمَّا كَانَ هَذَا عَقْدًا مُنِعَ مِنْ التَّفَاضُلِ فِيهِ وَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ التَّسَاوِي كَالْعَرْضِ.
(الْبَابُ الثَّالِثُ) فِي أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَنَافِعِ يَصِحُّ بَيْعُ بَعْضِ الْجِنْسِ بِبَعْضِهِ إلَى أَجَلٍ مُتَفَاضِلًا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ إذَا كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]
стр. 1193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَهَذَا عَامٌّ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَنَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَنَافِعِ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْجِنْسِ فَإِذَا ثَبَتَ لَنَا هَذَا ثَبَتَ جَوَازُ التَّفَاضُلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَالِفُنَا فِي جَوَازِ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسَيْنِ مَعَ التَّسَاوِي وَسَنَدُلُّ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْكَبِيرُ فِي الصَّغِيرَيْنِ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُتَبَايِنَانِ وَلَيْسَ فِيهِمَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ التُّهْمَةِ، وَرَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ أَنْ تُسَلَّمَ كِبَارُ الْحُمُرِ فِي صِغَارِ الْبِغَالِ؛ لِأَنَّهَا تَنْتُجُ مِنْهَا الْبِغَالُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ قَرِيبًا خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَشَبَهَهَا مِمَّا لَا تُهْمَةَ فِيهِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُسَلِّمَ شَيْئًا مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُزَابَنَةِ فَإِذَا آنَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَجَلَ السَّلَمِ يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ مَا سَلِمَ فِيهِ صُلْحُ ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا تَسْلِيمُ صَغِيرٍ فِي كَبِيرَيْنِ إلَى أَجَلٍ فَرَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إجَازَتَهُ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ الْمَنْعَ مِنْهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَهَذَا إنَّمَا يَجِبُ عِنْدِي أَنْ يُمْنَعَ إلَى أَجَلٍ يَكْبُرُ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ الصَّغِيرِ فَيَصِيرُ مِثْلَ الْكَبِيرِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَذَلِكَ مِنْ الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَيْسَ مِنْ مَعْنَى هَذَا الْبَابِ بِسَبِيلٍ وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا إلَى الْمَنْعِ مِنْ تَسْلِيمِ صَغِيرٍ فِي كَبِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ فِي صَغِيرٍ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَنْعِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي تَجْوِيزِ صَغِيرَيْنِ فِي كَبِيرَيْنِ وَكَبِيرَيْنِ فِي صَغِيرَيْنِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جَائِزٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ يَخْتَلِفَانِ يَصِحُّ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا فَصَحَّ التَّسَاوِي كَالثِّيَابِ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ التَّفَاضُلَ فِي الْمِقْدَارِ أَبْلَغُ فِي إفْسَادِ الْعُقُودِ مِنْ التَّفَاضُلِ فِي الصِّفَاتِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بِالنَّقْدِ فِي الطَّعَامِ وَيَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ بِالْجُودَةِ وَالصِّفَةِ، ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ بِالْمِقْدَارِ فَبِأَنْ يَجُوزَ فِيهِ التَّفَاضُلُ بِالصِّفَةِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْجِنْسِ بِالْمَنَافِعِ مَعَ الِاتِّفَاقِ فِي السِّنِّ فَلَا بَأْسَ بِهِ الْوَاحِدَ بِالِاثْنَيْنِ وَالِاثْنَيْنِ بِالْوَاحِدِ، وَهَلْ يُسَلَّمُ الْوَاحِدُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْوَاحِدِ؟ رَوَى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي مَبْسُوطِهِ عَنْ مَالِكٍ إجَازَتَهُ فِي الْبَعِيرِ النَّجِيبِ بِالْبَعِيرِ مِنْ حَاشِيَةِ الْإِبِلِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعَبْدِ التَّاجِرِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي لَيْسَ بِتَاجِرٍ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمَنَافِعِ قَدْ جَعَلَهُمَا جِنْسَيْنِ يَجُوزُ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ فَبِأَنْ يَجُوزَ فِيهِمَا التَّسَاوِي أَوْلَى وَعَقْدُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ مَا حُكِمَ فِيهِ بِالْجِنْسَيْنِ فَإِنَّ التَّسَاوِيَ وَالتَّفَاضُلَ يَجُوزُ فِيهِمَا.
(الْبَابُ الرَّابِعُ فِي تَبْيِينِ الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ الَّتِي يَتَبَيَّنُ بِهَا مَعْنَى الْجِنْسِ) الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْجِنْسِ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْبَابِ مَا انْفَرَدَ بِالْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ فَإِذَا اخْتَلَفَ الشَّيْئَانِ فِي الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُمَا كَانَا جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَإِنْ سُمِّيَا بِاسْمٍ وَاحِدٍ وَإِنْ اتَّفَقَا فِي الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ وَافْتَرَقَا فِي الِاسْمِ فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاخْتِلَافِ الْأَسْمَاءِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُمَا جِنْسٌ أَنَّ الِاعْتِبَارَ أَيْضًا بِالْأَسْمَاءِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّنَا إنَّمَا مَنَعْنَا التَّفَاضُلَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لِلزِّيَادَةِ فِي السَّلَفِ وَأَجَزْنَاهُ فِي الْجِنْسَيْنِ لِتَعَرِّيه مِنْ ذَلِكَ فَوَجَبَ أَنْ تُرَاعَى الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ مَنْ طَلَبَ الزِّيَادَةَ فِي السَّلَفِ فَإِنَّمَا يَطْلُبُهَا مَعَ اسْتِرْجَاعِ مَا سَلَف وَبَقَاءِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ لَهُ فَإِذَا اسْتَرْجَعَ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ أُخْرَى بِغَيْرِ مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ الَّتِي سَلَفَ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الزِّيَادَةُ فِي السَّلَفِ، وَلِذَلِكَ جَوَّزْنَا التَّفَاضُلَ بَيْنَ التَّمْرِ الْعَرَبِيِّ وَالتَّمْرِ الْهِنْدِيِّ وَبَيْنَ الْجَوْزِ الْهِنْدِيِّ وَاَلَّذِي لَيْسَ بِهِنْدِيٍّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ اخْتِلَافَ الْمَنَافِعِ فِي الْجِنْسِ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَخْتَلِفَ مَنَافِعُهُمَا لِلصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَالثَّانِي أَنْ تَخْتَلِفَ لِلتَّنَاهِي فِي الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ فَأَمَّا الصِّغَرُ وَالْكِبَرُ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ جِنْسِ الْحَيَوَانِ، فَإِنْ
стр. 1194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
كَانَ الْحَيَوَانُ مِمَّا تَصِحُّ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ كَبَنِي آدَمَ فَفِي الْوَاضِحَةِ أَنَّ الرَّقِيقَ صِنْفٌ وَاحِدٌ ذُكُورُهُ وَإِنَاثُهُ صِغَارُهُ وَكِبَارُهُ عَجَمِيُّهُ وَعَرَبِيُّهُ وَالْقِيَاسُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ صَغِيرُهُ جِنْسًا مُخَالِفًا لِكَبِيرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا الْكَبِيرُ مِنْ التِّجَارَةِ وَالصَّنَائِعِ لَا تَصِحُّ مِنْ الصَّغِيرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَصِحُّ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْأَكْلُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْأَكْلُ كَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ فَإِنَّ جِنْسَ صِغَارِهَا مُخَالِفٌ لِكِبَارِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ كِبَارِهَا غَيْرُ الْمَقْصُودِ مِنْ صِغَارِهَا وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُقْصَدُ مِنْهُ الْأَكْلُ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالطَّيْرِ فَإِنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ عَمَلٌ مَقْصُودٌ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فَهَذَا الْقِسْمُ لَا خِلَافَ أَنَّ صِغَارَهُ مُخَالِفٌ لِكِبَارِهِ، وَالثَّانِي لَا يَكُونُ فِيهِ عَمَلٌ مَقْصُودٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي أَنَّ صِغَارَهُ مِنْ جِنْسِ كِبَارِهِ كَالْحَجَلِ وَالْيَمَامِ، وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ عَمَلٌ مَقْصُودٌ وَتَكُونَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ مِنْ لُبْسٍ وَنَحْوِهِ فَهَلْ يَخْتَلِفُ جِنْسُهَا بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ أَمْ لَا، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا لَا تَخْتَلِفُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الْحَيَوَانِ الْأَكْلُ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ صِغَارُهُ وَكِبَارُهُ وَالثَّانِيَةُ تَخْتَلِفُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ كِبَارِ الْغَنَمِ الدَّرُّ وَالنَّسْلُ وَهُوَ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ كَالْعَمَلِ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَكَذَلِكَ الدَّجَاجُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كُلُّهَا صِنْفٌ ذُكُورُهَا وَإِنَاثُهَا قَالَ أَصْبَغُ لَا يُسَلَّمُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ إلَّا الدَّجَاجَ ذَاتَ الْبَيْضِ فَإِنَّهَا صِنْفٌ تُسَلَّمُ الدَّجَاجَةُ الْبَيُوضُ أَوْ الَّتِي فِيهَا بَيْضٌ فِي الدِّيكَيْنِ.
(فَرْعٌ) وَالسِّنُّ الَّذِي هُوَ حَدٌّ بَيْنَ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ الِانْتِفَاعِ بِهَا الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَهُوَ أَنْ يُسَافَرَ عَلَيْهِ فَالْجَذَعُ مَا قَصُرَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الصِّغَارِ وَالْحَوْلِيُّ صَغِيرٌ، وَأَمَّا الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْحَوْلِيَّ صَغِيرٌ وَالرُّبَاعِيَّ كَبِيرٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْجَذَعُ مِنْ جُمْلَةِ الْكِبَارِ كَالْخَيْلِ، وَأَمَّا الْإِبِلُ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا خَيْرَ فِي ابْنَتِي مَخَاضٍ فِي حُقَّةٍ وَلَا حُقَّةٍ فِي جَذَعَتَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَنَعَ ابْنَتِي مَخَاضٍ فِي حُقَّةٍ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ سِنِّ الصِّغَرِ وَمَنَعَ حُقَّةً فِي جَذَعَتَيْنِ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ مَنَعَ صَغِيرًا فِي كَبِيرٍ فَإِنَّ الْجَذَعَ أَوَّلُ أَسْنَانِ الْكَبِيرِ فِي الْإِبِلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَنَعَ بِنْتَيْ مَخَاضٍ فِي حُقَّةٍ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ مَنَعَ صَغِيرَيْنِ فِي كَبِيرٍ وَمَنَعَ حُقَّةً فِي جَذَعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ سِنِّ الْكِبَرِ فَتَكُونُ الْحُقَّةُ مِنْ حَيِّزِ الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سِنٌّ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ وَهُوَ الْحَمْلُ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الْبَقَرُ فَإِنَّ حَدَّ الْكَبِيرِ فِي الذُّكُورِ أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ الْحَرْثِ وَفِي الْإِنَاثِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُ ذَلِكَ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنْ يَبْلُغَ سِنَّ الْوَضْعِ وَاللَّبَنِ، وَأَمَّا اللُّبْنُ، فَإِنْ فَرَّقْنَا بَيْنَ صِغَارِهَا وَكِبَارِهَا فَحَدُّ الْكَبِيرِ أَنْ يَضَعَ مِثْلُهَا وَيَكُونُ فِيهَا اللَّبَنُ وَيَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ ذُكُورُهَا مِنْ جِنْسِ صِغَارِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا غَيْرُ اللَّحْمِ إلَّا النَّزْرُ وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ فِي اخْتِلَافِ الْجِنْسِ كَالْخَيْلِ وَالْحُمُرِ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَإِنَّ حَدَّ الْكِبَرِ فِيهِمْ إنْ فَرَّقْنَا بَيْنَ صِغَارِهِمْ وَكِبَارِهِمْ أَنْ يَبْلُغَ سِنَّ مَنْ يُطِيقُ التَّكَسُّبَ بِعَمَلِهِ أَوْ تِجَارَتِهِ، وَذَلِكَ عِنْدِي الْخَمْسَةَ عَشْرَ سَنَةً وَنَحْوُهَا أَوْ الِاحْتِلَامُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى التَّكَسُّبِ بِمَعْنًى يُسْتَفَادُ فِي التَّعْلِيمِ لَا يَكُونُ شَائِعًا فِي الْجِنْسِ كَالتِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ فَأَمَّا التِّجَارَةُ وَالْجِزَارَةُ وَالْبِنَاءُ وَالْخِيَاطَةُ فَهِيَ مَعَ الْفَصَاحَةِ وَالْحِسَابِ أُسٌّ وَالْكِتَابَةُ وَالْقِرَاءَةُ إذَا تَقَدَّمَهَا نَفَاذٌ يُمَكِّنُهُ التَّكَسُّبَ بِهَا وَهَكَذَا مَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَعْمَالُ الْمُعْتَادَةُ الَّتِي يَعْمَلُهَا أَكْثَرُ النَّاسِ بِجِنْسٍ يُبَايِنُ بِهِ مَنْ لَا يَعْمَلُ ذَلِكَ الْعَمَلَ كَالْحَرْثِ وَالْحَصَادِ فِي الرِّجَالِ وَالْغَزْلِ فِي النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ هَذَا الْعَمَلُ مُعْتَادًا يُمْكِنُ أَكْثَرُ هَذَا الْجِنْسِ عَمَلَهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَشْيِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ الْمُعْتَادِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَيْسَتْ الذُّكُورَةُ بِجِنْسٍ فِي الرَّقِيقِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَنْعَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مِنْ الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَهَذَا حُكْمُ جَمِيعِ
стр. 1195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْحَيَوَانِ، وَأَمَّا الصِّنَاعَةُ فِي الْإِمَاءِ فَكَالطَّبْخِ وَالْخَبْزِ وَالرَّقْمِ وَالنَّسْجِ وَكُلُّ نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْآخَرِ إلَّا الطَّبْخَ وَالْخَبْزَ فَإِنَّهُ صِنَاعَةٌ وَاحِدَةٌ وَجِنْسٌ وَاحِدٌ، وَأَمَّا الْكِتَابَةُ فَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَتْ بِجِنْسٍ فِي الْإِمَاءِ، وَرَوَى عِيسَى عَنْهُ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ فَائِقَةً فِيهَا أَنَّهُ جِنْسٌ تَبِينُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا أَنَّ النَّفَاذَ فِي ذَلِكَ وَالتَّقَدُّمَ حَتَّى يُمْكِنَ التَّكَسُّبَ بِهِ جِنْسٌ مَقْصُودٌ وَإِنَّ الْكِتَابَةَ الْيَسِيرَةَ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الِاكْتِسَابُ بِهَا لَيْسَتْ بِجِنْسٍ مَقْصُودٍ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِجِنْسٍ فِي الْإِمَاءِ مَعَ النَّفَاذِ بِخِلَافِ الْعَبِيدِ وَالثَّانِي حُكْمُهَا فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْعَبِيدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْجَمَالُ فَهَلْ يَكُونُ جِنْسًا فِي الْإِمَاءِ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِجِنْسٍ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ جِنْسٌ مَقْصُودٌ وَرَأَيْت بَعْضَ فُقَهَاءِ الْقَرَوِيِّينَ يَحْكِي أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَاهُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَعْنًى لَا يَتَكَسَّبُ بِهِ الْإِمَاءُ فَلَمْ تَخْتَلِفْ بِهِ أَجْنَاسُهُنَّ كَالْقُوَّةِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ الْأَثْمَانَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ وَتَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَيْسَ الْغَزْلُ وَلَا عَمَلُ الطِّيبِ بِجِنْسٍ؛ لِأَنَّ الْغَزْلَ مُعْتَادٌ فِي النِّسَاءِ شَامِلٌ وَعَمَلُ الطِّيبِ لَيْسَ مِمَّا يَكَادُ أَنْ تَنْفَرِدَ بِالتَّكَسُّبِ بِهِ بَلْ ذَلِكَ شَائِعٌ فِي جَمِيعِ النِّسَاءِ، وَهَذَا مَعْنَى مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْخَيْلِ السَّبْقُ وَالْجَوْدَةُ؛ لِأَنَّهَا بِهِمَا تُبَايِنُ سَائِرَ الْحَيَوَانِ الْمُتَّحِدِ فَإِذَا كَانَ سَابِقًا قَائِمًا فَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا لَيْسَ بِسَابِقٍ مِنْ الْخَيْلِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْإِبِلِ الْقُوَّةُ عَلَى الْحَمْلِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُبَايِنُ غَيْرَهَا فِي الْقُوَّةِ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَلَيْسَ السَّبْقُ بِمَقْصُودٍ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُرَادُ لِلسَّبْقِ، وَلِذَلِكَ لَا يُسْهَمُ لَهَا وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا مَا يُسَابِقُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَنْفَعَةِ أَفْضَلِ هَذَا الْجِنْسِ وَأَغْلَبِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ الْخَيْلِ مَا تَكُونُ فِيهِ الْقُوَّةُ عَلَى الْحَمْلِ وَلَا يُتَّخَذُ لِذَلِكَ وَلَا يَتَمَيَّزُ بِهِ فِي الْجِنْسِ عَمَّا لَيْسَ بِقَوِيٍّ عَلَى الْحَمْلِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ مِنْ أَفْضَلِ هَذَا الْجِنْسِ وَلَا أَكْثَرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هِيَ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ وَذَكَرَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجِنْسَيْنِ يُفَارِقُ جِنْسَهُ بِالسَّيْرِ وَالْجَرْيِ يُرِيدُ مَعَ السَّيْرِ قَالَ فَأَبَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْأَسْمَاءَ لَا اعْتِبَارَ بِهَا، فَلَمَّا اتَّفَقَتْ فِي الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنْهَا كَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا وَإِنْ لَمْ يَشْمَلْهَا اسْمٌ وَاحِدٌ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَسْمَاءِ الْخَاصَّةِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْجِنْسِ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى اخْتِلَافُ الْمَنَافِعِ وَاتِّفَاقُهَا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا إذًا تَخْتَلِفُ فِي أَنْفُسِهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّ الْبِغَالَ كُلَّهَا مَعَ الْحُمْرِ الْمِصْرِيَّةِ جِنْسٌ مُخَالِفٌ لِلْأَعْرَابِيَّةِ وَلَا تَخْتَلِفُ بِالسَّيْرِ وَالْقِيَمِ، وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الرُّكُوبُ لِلْجَمَالِ وَهِيَ مُتَقَارِبَةٌ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ السَّيْرِ؛ لِأَنَّ السَّيْرَ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا فَيَجِبُ أَنْ تَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْ الْبَقَرِ الْقُوَّةُ عَلَى الْحَرْثِ؛ لِأَنَّهُ الْعَمَلُ الَّذِي تُتَّخَذُ لَهُ وَلَا خِلَافَ فِي ذُكُورِهَا، وَأَمَّا إنَاثُهَا فَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا كَثْرَةُ اللَّبَنِ وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الذُّكُورِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ إنَاثِ الْبَقَرِ وَإِنَاثِ الْغَنَمِ أَنَّ إنَاثَ الْبَقَرِ لَهَا مَنْفَعَةٌ تَخْتَصُّ بِذُكُورِهَا وَإِنَاثِهَا وَإِنَاثَ الْغَنَمِ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ جَازَ تَسْلِيمُ الْبَقَرَةِ الْكَثِيرَةِ اللَّبَنِ وَإِنْ كَانَتْ قَوِيَّةً عَلَى الْحَرْثِ فِي الثَّوْرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْغَنَمُ فَإِنَّهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ مَعْزٌ وَضَأْنٌ فَأَمَّا الْمَعْزُ فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا، وَأَمَّا الضَّأْنُ فَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ كَثْرَةَ اللَّبَنِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ جِنْسُ الضَّأْنِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ اللَّبَنَ مُعْتَبَرٌ فِي الْغَنَمِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَجْهُ رِوَايَةِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ اللَّبَنَ لَا يَكَادُ يَتَبَايَنُ إلَّا فِي الْمَاعِزِ، وَأَمَّا الضَّأْنُ فَمُتَقَارِبَةٌ فِي اللَّبَنِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ ذُو لَبَنٍ وَلَا يُقْصَدُ
стр. 1196
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى جَنِينٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ إذَا بِيعَتْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ لَا يُدْرَى أَذَكَرٌ هُوَ أَمْ أُنْثَى أَحَسَنٌ أَمْ قَبِيحٌ أَوْ نَاقِصٌ أَوْ تَامٌّ أَوْ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ، وَذَلِكَ يَضَعُ مِنْ ثَمَنِهَا)
ــ
[المنتقى]
بِهِ الْعَمَلُ فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَلِفَ جِنْسُهُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ وَقِلَّتِهِ كَالْمَاعِزِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا الطَّيْرُ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُقْصَدُ مِنْهُ الْبَيْضُ وَالثَّانِي لَا يُقْصَدُ فَأَمَّا مَا لَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْبَيْضُ فَذُكُورُهُ وَإِنَاثُهُ وَصِغَارُهُ وَكِبَارُهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَأَمَّا مَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْبَيْضُ كَالدَّجَاجِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْجِنْسُ، وَقَالَ أَصْبَغُ يَخْتَلِفُ بِهِ الْجِنْسُ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْبَيْضَ فِي الدَّجَاجِ لَيْسَ يُقْصَدُ بِالِاقْتِنَاءِ لَهُ فِي الْأَغْلَبِ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِاللَّحْمِ، وَذَلِكَ مُتَسَاوٍ فِي جَمِيعِهَا وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ هَذِهِ وِلَادَةٌ وَالْوِلَادَةُ لَا يُعْتَبَرُ بِهَا فِي الْجِنْسِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ الْبَيْضَ مَعْنًى مَقْصُودٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْحَيَوَانِ كَاللَّبَنِ فِي الْغَنَمِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ، فَإِنْ أَشْبَهَ بَعْضُ ذَلِكَ بَعْضًا حَتَّى يَتَقَارَبَ فَلَا تَأْخُذْ مِنْهُ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ الرَّقِيقُ سُودَانًا أَوْ بَيْضًا وَرُومًا أَوْ نَوْبَةً فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ فِيهِمْ يُبِيحُ التَّفَاضُلَ مَعَ النَّسَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْت مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ إذَا انْتَقَدْت ثَمَنَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي ابْتَعْت مِنْهُ يُرِيدُ أَنَّ مَا أَسْلَمْت فِيهِ مِنْ الرَّقِيقِ يَجُوزُ أَنْ تَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ عِنْدَ مَالِكٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ وَقَوْلُهُ إذَا انْتَقَدْت ثَمَنَهُ وَكَانَ مُؤَجَّلًا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ اشْتِرَاطِ انْتِقَادِ الثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ الَّذِي أَلْزَمَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْتَقِدْ ثَمَنَهُ وَكَانَ مُؤَجَّلًا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ أَوْ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَالَهُ عِنْدَهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ عَيْنًا وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ عَرَضَا، فَإِنْ كَانَ عَيْنًا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِثْلَ الثَّمَنِ سَوَاءً عَدَدًا وَصِفَةً؛ لِأَنَّ مَآلَهُ إلَى السَّلَفِ الْجَائِزِ فَلَيْسَ فِيهِ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْفَسَادِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ عَدَدًا؛ لِأَنَّ مَآلَهُ إلَى الزِّيَادَةِ فِي السَّلَفِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَهَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَدْنَى عَدَدًا أَوْ صِفَةً؟ جَوَّزَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَبَاهُ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَوَجْهُ جَوَازِهِ أَنَّ مَالَهُ تَبْعُدُ فِيهِ التُّهْمَةُ أَنْ يُعْطِيَ عَيْنًا لِيَأْخُذَ أَقَلَّ عَدَدًا مِنْهُ أَوْ أَدْنَى صِفَةً وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مَنْعِهِ بِغَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ وَبَيْعِهِ مِنْ غَيْرِ بَائِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ أَمَةٌ أَوْ شَيْءٌ مِنْ إنَاثِ الْحَيَوَانِ وَيُسْتَثْنَى جَنِينٌ فِي بَطْنِهَا وَعُلِّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ مَجْهُولُ الصِّفَةِ وَالْحَيَاةِ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِهَا، وَهَذَانِ تَعْلِيلَانِ صَحِيحَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْمَبِيعِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْتَثْنِيَ جُزْءًا مِنْ الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ جُزْءًا شَائِعًا، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مُعَيَّنًا، وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مُقَدَّرًا غَيْرَ شَائِعٍ وَلَا مُعَيَّنٍ، فَإِنْ كَانَ جُزْءًا شَائِعًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي جَمِيعِ الْحَيَوَانِ وَفِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ كَبَيْعِ رُبْعِ الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ وَالدَّارِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ جُزْءًا مُعَيَّنًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِ حَيَوَانٍ، فَإِنْ كَانَ فِي حَيَوَانٍ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا كَالْجَنِينِ وَمَا فِي ظَهْرِ الْفُحُولِ وَلَحْمِ الْفَخِذِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ قَدْ اسْتَثْنَى مِنْ الْجُمْلَةِ مَا لَا نَعْلَمُهُ وَإِذَا لَمْ نَعْلَمْهُ لَمْ نَعْلَمْ بَاقِيَ الْجُمْلَةِ، وَهَذَا فِي أَجِنَّةِ الْإِنَاثِ وَمَا فِي ظُهُورِ الْفُحُولِ وَاضِحُ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ قَبْضِ الْمَبِيعِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ فَخِذِ النَّاقَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِنَا إنَّ الْمُسْتَثْنَى مَبِيعٌ، وَهَذَا أَظْهَرُ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ فِي قَوْلِنَا أَنَّهُ لَا يُدْرَى أَنَّ الْجَنِينَ حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ أَوْ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى أَوْ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ، وَهَذَا إذَا كَانَ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِهِ لَا يَجِبُ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي الْبَيْعِ لِسَلَامَةِ الْمَبِيعِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا
стр. 1197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يُؤَثِّرُ فِيهِ عَلَى قَوْلِنَا إنَّهُ مَبِيعٌ مُسْتَرْجَعٌ فَأَفْسَدَ الْبَيْعَ اسْتِرْجَاعُهُ؛ لِأَنَّهُ بِهِ تَمَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَسَوَاءٌ اسْتَثْنَى الْجَنِينَ عَتِيقًا أَوْ رَقِيقًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ رَوَاهُ فِي الْمَبْسُوطِ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ الْحَامِلَ وَيَسْتَثْنِيَ مَا فِي بَطْنِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا جُزْءٌ مُعَيَّنٌ مِنْ الْجُمْلَةِ فَلَمْ يَجُزْ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الْأَمَةِ كَيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا.
(فَرْعٌ) فَإِذَا انْعَقَدَ الْبَيْعُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ وَيُفْسَخُ مَا لَمْ تَفُتْ الْجَارِيَةُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ حَوَالَةِ أَسْوَاقٍ، فَإِنْ دَخَلَهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَزِمَتْهُ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ قَبَضَهَا، فَإِنْ وَلَدَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَقَبَضَ الْبَائِعُ الطِّفْلَ نَقَضَ بَيْعُهُ فِيهِ وَرَدَّهُ إلَى الْمُبْتَاعِ، وَهَذَا إذَا وَلَدَتْهُ بَعْدَ تَقْوِيمِ الْأُمِّ عَلَى الْمُشْتَرِي فَأَمَّا إذَا وَلَدَتْهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِنَا إنَّ الْمُسْتَثْنَى مَبِيعٌ مَعَ الْجُمْلَةِ، وَلَوْ قُلْنَا إنَّهُ غَيْرُ مَبِيعٍ لَكَانَ لِلْبَائِعِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ وَالْمَذْهَبُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا ذَلِكَ وَفَاتَ الْجَنِينُ عِنْدَ الْبَائِعِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْفَوَاتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا لَزِمَهُ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ قَبْضِهِ وَلَزِمَهُمَا أَنْ يَجْمَعَا بَيْنَ الْأُمِّ وَابْنِهَا فِي مِلْكِ أَحَدِهِمَا أَوْ يَبِيعَانِهِمَا مَعًا مِنْ غَيْرِهِمَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا غَيْرَ مُغَيَّبٍ كَالرَّأْسِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ مِمَّا لَا يُسْتَبَاحُ ذَبْحُهُ كَالرَّقِيقِ أَوْ يُسْتَبَاحُ ذَبْحُهُ كَالْأَنْعَامِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُسْتَبَاحُ ذَبْحُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَاسْتِثْنَاءُ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأَمَةِ وَاسْتِثْنَاءُ يَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ رَأْسِهَا؛ لِأَنَّ الَّذِي بَاعَ مُعَيَّنًا مِنْهَا لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ اسْتَثْنَى رِجْلَهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَأْمُرَهَا بِالْمَشْيِ وَالتَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَمْنَعُهَا مِنْ الْقِيَامِ أَوْ الْمَشْيِ بِرِجْلِهَا الْمُسْتَثْنَاةِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَمَيِّزٌ وَلَا يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى تَصْرِيفِ حَقِّهِ الْمُتَمَيِّزِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْجُزْءُ الشَّائِعُ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى التَّصَرُّفِ الْمُعْتَادِ مَعَ الشَّرِيكِ كَالدَّارِ الْمُشَاعَةِ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ إنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا إخْلَاءَهَا وَالْمَنْعَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا تَمَيَّزَ حَقُّهُ مِنْهَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ مِنْ الْحَيَوَانِ الْمُسْتَبَاحِ ذَبْحُهُ كَالْأَنْعَامِ فَإِنَّهُ إنْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ لَا يَجُوزُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ بِشَرْطِ الذَّبْحِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى لَهُ قَدْرٌ وَقِيمَةٌ يَسْقُطُ لَهُ بَعْضُ الثَّمَنِ أَوْ لَا قَدْرَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ قَدْرٌ وَقِيمَةٌ كَالْفَخِذِ وَالسَّوَاقِطِ حَيْثُ تَكُونُ لَهُ قِيمَةٌ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَجَوَّزَ ابْنُ حَبِيبٍ بَيْعَ الشَّاةِ وَاسْتِثْنَاءَ الْأَكَارِعِ وَالرَّأْسِ حَيْثُ تَكُونُ لَهَا قِيمَةٌ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَحَدِ فَصْلَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمَا اسْتِثْنَاءٌ دُونَ جِلْدٍ وَالْمُسْتَثْنَى عِنْدَهُ مَبِيعٌ فَلَمْ يُجَوِّزْهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى مُعَيَّنًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَمَّا شَرَطَ أَخْذَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ فَكَانَ كَأَنَّهُ بَاعَهُ مَذْبُوحًا وَعِنْدَ الذَّبْحِ يُعْلَمُ مِنْ صِفَتِهِ مَا لَا يُعْلَمْ الْيَوْمَ فَمَنَعَ ذَلِكَ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ مَا احْتَجَّ بِهِ، وَأَنَّهُ اسْتَثْنَى جُزْءًا ظَاهِرًا مُعَيَّنًا فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ جِلْدَ الْعُضْوِ الْمَبِيعِ مُسْتَثْنًى مَعَ ذَلِكَ الْعُضْوِ فَلِذَلِكَ صَارَ الْمُسْتَثْنَى مَرْئِيًّا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ اسْتِثْنَاءُ الْجِلْدِ بِحَيْثُ لَهُ قَدْرٌ وَقِيمَةٌ فَاَلَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ تَجْوِيزَهُ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعَذُّرِ الْمَعْرِفَةِ بِقَدْرِهِ وَجِنْسِهِ وَجَوْدَتِهِ وَرَدَاءَتِهِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ الْمُغَيَّبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى الْجِلْدَ فَقَدْ أَفْرَدَ اللَّحْمَ بِالْبَيْعِ وَهُوَ مُغَيَّبٌ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ فَيُمْكِنُ اسْتِثْنَاؤُهُ وَبَيْعُ اللَّحْمِ الْمُغَيَّبِ بِجِلْدِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْجِلْدِ قِيمَةٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْجِلْدِ وَالرَّأْسِ وَالْأَكَارِعِ فِي الْأَسْفَارِ بِحَيْثُ لَا قِيمَةَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا الْجَوَازُ وَالْأُخْرَى الْمَنْعُ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا جَعَلُوا ذَلِكَ رِوَايَةً وَاحِدَةً: الْمَنْعُ حَيْثُ تَكُونُ لَهُ قِيمَةٌ وَالْإِجَازَةُ حَيْثُ لَا تَكُونُ لَهُ قِيمَةٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْحَيَوَانِ مُقَدَّرًا عَلَى غَيْرِ مَا بَيْعٍ وَلَا مُعَيَّنًا
стр. 1198
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الْعَبْدَ أَوْ الْوَلِيدَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ إلَى أَجَلٍ، ثُمَّ يَنْدَمُ الْبَائِعُ فَيَسْأَلُ الْمُبْتَاعَ أَنْ يُقِيلَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ وَيَمْحُو عَنْهُ الْمِائَةَ دِينَارٍ الَّتِي لَهُ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ نَدِمَ الْمُبْتَاعُ فَسَأَلَ الْبَائِعَ أَنْ يُقِيلَهُ فِي الْجَارِيَةِ أَوْ الْعَبْدِ وَيَزِيدَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ الَّذِي اشْتَرَى إلَيْهِ الْعَبْدَ أَوْ الْوَلِيدَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي، وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ كَأَنَّهُ بَاعَ مِنْهُ مِائَةَ دِينَارٍ لَهُ إلَى سَنَةٍ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ بِجَارِيَةٍ وَبِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ أَبْعَدَ مِنْ السَّنَةِ فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إلَى أَجَلٍ)
ــ
[المنتقى]
مِثْلَ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ أَرْطَالًا مُقَدَّرَةً فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ رَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ الْمَنْعَ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إجَازَةَ ذَلِكَ فِي الْأَرْطَالِ الْيَسِيرَةِ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مَبِيعٌ فَإِذَا كَانَ مَسْتُورًا بِالْجِلْدِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ وَالصِّفَةِ فِيهِ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْمَبِيعِ فَلَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ لِصِفَتِهِ إذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْمَنْعِ فَلَا تَفْرِيعَ فِيهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْإِبَاحَةِ بِحُكْمِ الْيَسِيرِ الَّذِي يَجُوزُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الثَّلَاثَةُ الْأَرْطَالِ وَالْأَرْبَعَةُ مِنْ الشَّاةِ وَزَادَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْهُ الْخَمْسَةُ وَالسِّتَّةُ وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ مَالِكٌ الثُّلُثَ وَأَشْهَبُ يُجِيزُ الثُّلُثَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الثُّلُثَ حَدٌّ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عِنْدَ مَالِكٍ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ فَمَرَّةً جَعَلَهُ فِي حَيِّزِ الْقَلِيلِ وَمَرَّةً جَعَلَهُ فِي حَيِّزِ الْكَثِيرِ وَفُرُوعُ مَسَائِلِهِ تَدُورُ عَلَى حَسَبِ هَذَا الِاخْتِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ ﵀ إنَّ الْبَائِعَ إذَا زَادَ الْمُبْتَاعَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ يُقِيلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْبَائِعِ مَا شَاءَ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا الْعَيْنِ وَغَيْرِهِ نَقْدًا أَوْ مُؤَجَّلًا وَلَمْ يَتَفَرَّقَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ الْبَائِعُ اشْتَرَى الْجَارِيَةَ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ وَبِزِيَادَةٍ زَادَهَا إيَّاهُ وَلَا فَسَادَ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ تَكُنْ الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِهِ زَادَ نَقْدًا وَلَمْ يَجُزْ مُؤَجَّلًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَنْعِ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ إلَى أَجَلٍ.
(فَصْلٌ) :
وَإِنْ نَدِمَ الْمُبْتَاعُ فَسَأَلَ الْبَائِعَ أَنْ يُقِيلَهُ وَيَزِيدَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ الْفَصْلُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الْمُبْتَاعُ الْعَشَرَةَ لِيُقِيلَهُ الْبَائِعُ، فَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنْهُ مُقَاصَّةً، وَإِنْ زَادَ الْعَشَرَةَ نَقْدًا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَجَّلَ عَشَرَةً مِنْ الْمِائَةِ الْمُؤَجَّلَةِ عَلَيْهِ فَصَارَ بَيْعًا وَسَلَفًا فَهَذِهِ الْعِلَّةُ اللَّازِمَةُ، وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ رَبِيعَةُ فِي إحْدَى مَسْأَلَتَيْ الْحِمَارِ فِيمَنْ بَاعَ حِمَارًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَاسْتَقَالَهُ الْمُبْتَاعُ عَلَى دِينَارٍ يُعَجِّلُهُ لِلْبَائِعِ أَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اقْتَضَى ذَهَبًا يَتَعَجَّلُهَا مِنْ ذَهَبٍ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ﵀ مِنْ أَنَّهُ يَدْخُلُهُ أَنَّهُ بَاعَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَجَارِيَةً نَقْدًا بِمِائَةِ دِينَارٍ لَهُ إلَى سَنَةٍ فَإِنَّهُ وَجْهٌ صَحِيحٌ أَيْضًا فِيمَا يَتَكَرَّرُ وَيَقْصِدُ بَيْعَ جَارِيَةٍ وَعَشَرَةِ دَنَانِيرَ مُعَجَّلَةً بِمِائَةٍ إلَى أَجَلٍ فَإِنَّ الذَّرَائِعَ يَقْوَى مَنْعُهَا بِتَكَرُّرِ الْقَصْدِ إلَيْهِ وَالْغَرَضِ فِيهِ، فَيُعَبِّرُ عَنْهُ أَصْحَابُنَا بِقُوَّةِ التُّهْمَةِ فِيهِ وَيَضْعُفُ وَجْهُ الْمَنْعِ بِقِلَّةِ قَصْدِهِ، وَذَلِكَ فِيمَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنْ الصِّحَّةِ وَوَجْهًا أَوْ وُجُوهًا مِنْ الْفَسَادِ الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ الْفَسَادُ لَهُ لَازِمًا فَإِنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ لِنَفْسِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْعَشَرَةُ إلَى أَجَلٍ أَقْرَبَ مِنْ أَجَلِ الْمِائَةِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْعَشَرَةِ الْمُعَجَّلَةِ، وَإِنْ كَانَتْ إلَى أَجَلٍ أَبْعَدَ مِنْ أَجَلِ الْمِائَةِ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ جَارِيَةٌ مُعَجَّلَةٌ وَعَشَرَةٌ مُؤَجَّلَةٌ بِمِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَأَقَلُّ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ لِلْعَشَرَةِ وَالْمَنْعُ مِنْ الْمُقَاصَّةِ، وَلَوْ شُرِطَ ذَلِكَ فِي الْعَشَرَةِ الْمُؤَجَّلَةِ إلَى أَجَلِ الْمِائَةِ لَأَفْسَدَ الْعَقْدَ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ بَيْعَ جَارِيَةٍ وَعَشَرَةِ دَنَانِيرَ يُخْرِجُهَا وَلَا يَنْقُدُهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ يَنْقُدُهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي التَّفَاضُلَ فِي الْعَيْنِ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ فَسَادَ الْعَقْدِ وَيَدْخُلُهُ مَعَ ذَلِكَ الْكَالِئُ بِالْكَالِئِ فِي عَشَرَةِ
стр. 1199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
دَنَانِيرَ وَالْمِائَةِ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً بِنَقْدٍ أَوْ مُؤَجَّلٍ، ثُمَّ اسْتَقَالَ مِنْهَا فَلَا تَخْلُو السِّلْعَةُ أَنْ لَا تَكُونَ غَيْرَ مَكِيلَةٍ وَلَا مَوْزُونَةٍ وَلَا مَعْدُودَةٍ كَالْجَارِيَةِ وَالثَّوْبِ فَبَاعَهَا بِنَقْدٍ، ثُمَّ اسْتَقَالَ مِنْهَا عَلَى زِيَادَةٍ مُؤَجَّلَةٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ جَارِيَةً بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا، ثُمَّ اسْتَقَالَ الْمُبْتَاعُ بِدِينَارٍ يَزِيدُهُ مُؤَجَّلًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَهِيَ إحْدَى مَسْأَلَتَيْ الْحِمَارِ، وَرَبِيعَةُ قَالَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ عَنْهُ دَنَانِيرَ بِالنَّقْدِ وَأَخَذَ الْحِمَارَ بِمَا بَقِيَ مِنْ الذَّهَبِ، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِنَا إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ فِي الدِّينَارِ الَّذِي أَخَذَ عَنْهُ وَالسَّعَةُ فِي أَخْذِ الْحِمَارِ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ مِنْ الْعَشَرَةِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ وَيَدْخُلُهُ مَعَ ذَلِكَ بَيْعُ حِمَارٍ وَدِينَارٍ بِأَجَلٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ مُعَجَّلَةً.
(فَرْعٌ) وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ إذَا كَانَتْ الْبَيْعَةُ الْأُولَى بِالنَّقْدِ فَلَا يُتَّهَمُ فِي الثَّانِيَةِ إلَّا أَهْلُ الْعِينَةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّهُ لَيْسَ بِخِلَافٍ لِمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَرَبِيعَةُ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْمَوَّازِ إنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْبَيْعَةُ الْأُولَى بِالنَّقْدِ مِمَّا لَوْ انْفَرَدَتْ لَكَانَتْ صَحِيحَةً، وَأَمَّا فِي بَيْعَةٍ لَوْ انْفَرَدَتْ لَمْ تَجُزْ تَقَدَّمَهَا بَيْعٌ أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ فَلَيْسَ كَذَلِكَ وَفِي مَسْأَلَةِ رَبِيعَةَ كَانَتْ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُبْتَاعِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ نَقْدًا فَاشْتَرَى مِنْهُ تِلْكَ السِّلْعَةَ وَغَيْرَهَا بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ وَاحِدَةً بِدِينَارٍ مِنْ عَشَرَةٍ فَلَمْ يَجُزْ لِمَا دَخَلَهُ مِنْ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ بِالنَّقْدِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ مَعْدُودًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَطْعُومٍ أَوْ مَطْعُومًا، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَطْعُومٍ فَبَاعَهُ بِدِينَارٍ نَقْدًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَقِيلَ الْمُبْتَاعُ قَبْلَ النَّقْدِ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ دَنَانِيرَ أَوْ مَا شَاءَ مُعَجَّلًا، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَهُ مِائَةَ رِطْلٍ حَدِيدٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَيَسْتَقِيلَ عَلَى دِينَارٍ يُعْطِيهِ إيَّاهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي مَجْلِسِ الْإِقَالَةِ، فَإِنْ تَأَخَّرَتْ دَخَلَهُ فِي زِيَادَةِ الدَّنَانِيرِ بَيْعٌ وَسَلَفٌ وَيَدْخُلُهُ فِي بَيْعِ الْوَرِقِ صَرْفٌ مُسْتَأْخَرٌ وَيَدْخُلُهُ فِي زِيَادَةِ الْعَرْضِ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَرُدُّ فَسْخَ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي تَعْجِيلِ الْوَرِقِ إذَا كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ صَرْفِ دِينَارٍ، وَهَذَا عِنْدِي مَا لَمْ يَغِبْ الْمُبْتَاعُ عَلَى السِّلْعَةِ الْمَوْصُوفَةِ، وَلَوْ غَابَ عَلَيْهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ مِنْهَا بِشَيْءٍ يَزِيدُهُ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ لَا تُعْرَفُ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ وَلَا مَعْدُودٍ لَجَازَ ذَلِكَ وَإِنْ غَابَ عَلَيْهِ الْمُبْتَاعُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مَكِيلًا غَيْرَ مَطْعُومٍ وَكَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا مُؤَجَّلًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَزِيدَهُ الْمُبْتَاعُ ذَهَبًا مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ نَقْدًا وَلَا إلَى أَجَلٍ أَقْرَبَ مِنْ أَجَلِ الثَّمَنِ وَلَا أَبْعَدَ مِنْهُ قَالَ الْمُحَمَّدُونَ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ وَيَدْخُلُهُ ذَهَبٌ بِذَهَبٍ وَعَرْضٌ إلَى أَجَلٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَهُ مِنْ جِنْسِهَا زَادَ الْعُتْبِيُّ فِي وَزْنِهَا إلَى الْأَجَلِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا نَقْدًا وَلَا مُؤَجَّلًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَهُ وَرِقًا نَقْدًا وَلَا مُؤَجَّلًا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَهُ عَرَضًا مُؤَجَّلًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ عَرَضًا مُؤَجَّلًا فَفِي كِتَابِ الْمُحَمَّدِينَ الثَّلَاثَةِ لَا يَزِيدُهُ الْمُبْتَاعُ عَرَضًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ مُؤَجَّلًا؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ عَرَضًا مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ وَلَا يَدْخُلُهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ بِالدَّيْنِ إنَّمَا هُوَ فِي جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَأَمَّا اشْتِغَالُ الذِّمَّتَيْنِ بِجِنْسٍ وَاحِدٍ فَلَا يَدْخُلُهُ فِي هَذَا الْبَابِ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُقَاصَّةِ، وَلَوْ اشْتَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّقْدَ وَالِانْتِقَادَ لَدَخَلَهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ وَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَضْعُفَ التُّهْمَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ فِيهِ بِمَقْصُودٍ فِي الزِّيَادَةِ وَلَا مُعْتَادٍ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ زَادَهُ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ مُعَجَّلًا أَوْ مُؤَجَّلًا إلَى غَيْرِ الْأَجَلِ لَمْ يَجُزْ فِيهِ التَّفَاضُلُ ذَكَرَ ذَلِكَ الْمُحَمَّدُونَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ بَيْعَ ثَوْبٍ بِثَوْبَيْنِ إلَى أَجَلٍ يَحْرُمُ لِنَفْسِهِ فَلِذَلِكَ مُنِعَ مَا كَانَ ذَرِيعَةً إلَيْهِ، وَلَوْ مُنِعَ لِلذَّرِيعَةِ إلَى سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً لَمَا حَرُمَ هَذَا بِسَبَبِ الذَّرِيعَةِ إلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ طَعَامًا مَكِيلًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ وَيُقِيلَهُ مِنْهُ عَلَى الْكَيْلِ
стр. 1200
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ مِنْ الرَّجُلِ الْجَارِيَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ إلَى أَجَلٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ إلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ الَّذِي بَاعَهَا إلَيْهِ: إنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ، وَتَفْسِيرُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ إلَى أَجَلٍ، ثُمَّ يَبْتَاعَهَا إلَى أَجَلٍ أَبْعَدَ مِنْهُ يَبِيعُهَا بِثَلَاثِينَ دِينَارًا إلَى شَهْرٍ، ثُمَّ يَبْتَاعُهَا بِسِتِّينَ دِينَارًا إلَى سَنَةٍ أَوْ إلَى نِصْفِ سَنَةٍ فَصَارَ إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ سِلْعَتُهُ بِعَيْنِهَا وَأَعْطَاهُ صَاحِبُهُ ثَلَاثِينَ دِينَارًا إلَى أَشْهُرٍ بِسِتِّينَ دِينَارًا إلَى سَنَةٍ أَوْ إلَى نِصْفِ سَنَةٍ فَهَذَا لَا يَنْبَغِي)
ــ
[المنتقى]
لِمَا يَدْخُلُهُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، فَإِنْ كَانَ اكْتَالَهُ وَلَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ الْمَتَاعُ وَكَانَ الثَّمَنُ نَقْدًا أَوْ لَمْ يُنْقَدْ بَعْدُ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَهُ الْمُبْتَاعُ نَقْدًا مَا شَاءَ مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ وَعَرَضٍ وَطَعَامٍ مِنْ جِنْسِهِ وَمِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُرَاعَى فِي الْوَرِقِ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ صَرْفِ دِينَارٍ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ بَيْعٌ وَصَرْفٌ، وَقَدْ رَأَيْت هَذَا لِبَعْضِ مَشَايِخِنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَهُ شَيْئًا مُؤَجَّلًا؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ وَفِي زِيَادَةِ الْعَرَضِ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَفِي زِيَادَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ الْأَجَلُ فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْوَرِقِ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ وَهِيَ الثَّانِيَةُ مِنْ مَسْأَلَتَيْ رَبِيعَةَ، وَإِنْ كَانَ نَقَدَهُ الثَّمَنَ فَهُوَ بَيْعٌ حَادِثٌ يَجُوزُ فِيهِ مَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الْبُيُوعِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ إنَّ مَنْ بَاعَ جَارِيَةً بِثَلَاثِينَ إلَى أَجَلٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ إلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ الْمُقَاصَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَقْبِضُ عَنْهُ عِنْدَ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ ثَلَاثِينَ وَيَدْفَعُ إلَيْهِ عِنْدَ الْأَجَلِ سِتِّينَ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ بَيْعِ الْجَارِيَةِ وَابْتِيَاعِهَا لَغْوٌ تَوَصَّلَا بِهِ إلَى بَيْعِ ثَلَاثِينَ دِينَارًا بِسِتِّينَ دِينَارًا، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَطَاوُسٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَنْ أُمِّ يُونُسَ وَاسْمُهَا الْعَالِيَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لَهَا أُمُّ مُحِبَّةٍ أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ الْأَنْصَارِيِّ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَتَعْرِفِينَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالَتْ نَعَمْ قَالَتْ فَإِنِّي بِعْته عَبْدًا إلَى الْعَطَاءِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَاحْتَاجَ فَاشْتَرَيْتُهُ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَتْ بِئْسَمَا اشْتَرَيْت أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ لَمْ يَتُبْ قَالَتْ فَقُلْت أَرَأَيْتِ إنْ تَرَكْتُ الْمِائَتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذْت السِّتَّمِائَةِ قَالَتْ نَعَمْ ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا بَيْعٌ آلَ بَيْنَ مُتَبَايِعَيْنِ إلَى دَنَانِيرَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا فَوَجَبَ أَنْ يَفْسُدَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ دِينَارًا بِدِينَارٍ إلَى أَجَلٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَجُمْلَةُ هَذَا أَنَّ الَّذِي يَتَحَرَّرُ مِنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يَئُولَ أَحَدُهُمَا إلَى بَيْعِ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا إلَى أَجَلٍ، فَإِنْ سَلِمَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ذَلِكَ فَهِيَ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ أَدَّى إلَى ذَلِكَ نُظِرَ فِيهِ وَهُوَ عَلَى: قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنَانِ عَيْنًا وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَا غَيْرَ عَيْنٍ، فَإِنْ كَانَا عَيْنًا فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ الثَّانِي عَلَى الْمُقَاصَّةِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ الْمُقَاصَّةِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُقَاصَّةِ بِالثَّمَنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ السِّلْعَةَ الَّتِي بَاعَهَا إلَى الْأَجَلِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ وَبِأَقَلَّ وَبِأَكْثَرَ وَإِلَى أَقْرَبَ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ وَأَبْعَدَ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ لَا يَسْلَمُ مِنْ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ فِي مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَهِيَ إقَالَةٌ مَحْضَةٌ، وَإِنْ كَانَ بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَالْوَزْنُ يَكُونُ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى الْمُقَاصَّةِ فَإِنَّ فِيهِ تِسْعَ مَسَائِلَ عَلَى ثَلَاثِ أَحْوَالٍ قَبْلَ الْأَجَلِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ وَإِلَى الْأَجَلِ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْوُجُوهِ وَإِلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ بِمِثْلِ ذَلِكَ يَبْطُلُ مِنْهَا مَسْأَلَتَانِ وَيَصِحُّ سَائِرُهَا وَهُمَا إلَى قَبْلِ الْأَجَلِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ وَإِلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهَا إلَى أَقْرَبَ مِنْ الْأَجَلِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ أَعْطَى قَبْلَ الْأَجَلِ ثَلَاثِينَ وَأَخَذَ عِنْدَ الْأَجَلِ سِتِّينَ، وَإِنْ كَانَ لِأَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ بِأَكْثَرَ مِنْ
стр. 1201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الثَّمَنِ فَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مَالِكٌ ﵀، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْأَجَلِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ بِمِثْلِهِ لَمْ يُتَّهَمْ أَحَدٌ فِي أَنْ يُعْطِيَ سِتِّينَ دِينَارًا فِي ثَلَاثِينَ دِينَارًا إلَى أَجَلٍ وَلَا فِي سِتِّينَ إلَى أَجَلٍ وَإِذَا كَانَ إلَى الْأَجَلِ فَالْوَزْنُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَتَبْعُدُ التُّهْمَةُ فِي أَنْ يَقْصِدَا الْوَزْنَ جَمِيعًا لِكَوْنِ الثَّوْبِ الْمَبِيعِ وَاحِدًا وَالنَّقْدُ وَاحِدٌ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ مَقْصُودٌ وَإِذَا كَانَ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ بِمِثْلِهِ فَهُوَ أَيْضًا يُعْطِي سِتِّينَ وَيَأْخُذُ ثَلَاثِينَ أَوْ سِتِّينَ عِنْدَ الْأَجَلِ وَلَا تُهْمَةَ فِي مِثْلِ هَذَا.
١ -
(فَرْعٌ) وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ إلَى شَهْرٍ فَابْتَاعَهَا بِخَمْسَةٍ نَقْدًا أَوْ خَمْسَةٍ إلَى شَهْرَيْنِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَجَوَّزَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي كَرَاهِيَتِهِ لِضَعْفِ التُّهْمَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤَوَّلُ إلَى أَنْ سَلَّفَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى أَنْ يُسَلِّفَهُ الْآخَرُ، وَهَذَا غَرَضٌ يَقِلُّ عَمَلُهُ وَيُنْظَرُ فِي هَذَا أَبَدًا إلَى اسْتِوَاءِ الثَّمَنَيْنِ، فَإِنْ تُسَاوَيَا فَهُوَ جَائِزٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ عَرَضًا مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ بِخَمْسَةِ أَثْوَابٍ مَضْمُونَةٍ فِي ذِمَّتِهِ إلَى أَجَلٍ، ثُمَّ يَبِيعَهُ مِنْهُ بِثِيَابٍ بِجِنْسِهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُقَاصَّةِ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ تِلْكَ الثِّيَابِ أَوْ بِأَقَلَّ أَوْ بِمِثْلِهَا إلَى أَقْرَبَ مِنْ الْأَجَلِ أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُ أَوْ إلَى الْأَجَلِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُقَاصَّةِ دَخَلَتْهُ التِّسْعَةُ الْوُجُوهُ الْمَذْكُورَةُ قَبْلَ هَذَا، إلَّا أَنَّهُ يَبْطُلُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ وَيَصِحُّ سَائِرُهَا، فَاَلَّتِي تَبْطُلُ أَنْ يُقِيلَهُ إلَى أَقْرَبَ مِنْ الْأَجَلِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يَدْخُلُ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ فَأَمَّا الْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ فَهُمَا أَقْرَبُ مِنْ الْأَجَلِ بِأَقَلَّ مِنْ الْعَدَدِ وَإِلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَدِ فَهُوَ ذَرِيعَةٌ إلَى سَلَفٍ وَزِيَادَةٍ، وَأَمَّا الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ فَهُمَا إلَى أَقْرَبَ مِنْ الْأَجَلِ بِأَكْثَرَ مِنْ الْعَدَدِ وَإِلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ بِأَقَلَّ مِنْ الْعَدَدِ فَهُوَ كَبَيْعِ الْجِنْسِ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا إلَى أَجَلٍ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ لِنَفْسِهِ فَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّهُ مُحَرَّمٌ لِلذَّرِيعَةِ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ يَتَعَلَّقُ الْمَنْعُ فِيهَا بِذَرِيعَةِ الذَّرِيعَةِ.
وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ ذَرِيعَةَ الذَّرِيعَةِ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْمَنْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الْحَقِّ ﵀ فِيمَنْ بَاعَ ثَوْبًا بِقَفِيزِ حِنْطَةٍ إلَى أَجَلٍ وَاشْتَرَاهُ بِقَفِيزِ حِنْطَةٍ نَقْدًا لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ وَيَبْقَى أَنْ يَكُونَ دَفَعَ قَفِيزَيْنِ لِيَضْمَنَ لَهُ الْقَفِيزَ إلَى أَجَلٍ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ الْعَيْنِ قَالَ وَقِيلَ الْأَمْرُ سَوَاءٌ التُّهْمَةُ مُرْتَفِعَةٌ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ يُتَنَازَعُ فِيهَا وَمَا عَلِمْت فِيهَا رِوَايَةً وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا وَقَعَ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْته وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ بَاعَ ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ فَاشْتَرَاهُ قَبْلَ الْأَجَلِ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ نَقْدًا وَبِثَوْبٍ مِنْ نَوْعِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ وَسَلَفٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْلَفَهُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ بَاعَهُ ثَوْبَهُ الثَّانِيَ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ إلَى شَهْرٍ فَصَارَ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ كَانَ خَمْسَةً قَضَاءً عَنْ الْخَمْسَةِ الَّتِي دَفَعَ إلَيْهِ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ وَخَمْسَةً مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ الْبَاقِي، وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَرْجِعُ إلَيْهِ ثَوْبُهُ وَيَدْفَعُ إلَيْهِ الْآن خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَثَوْبًا وَيَأْخُذُ عِنْدَ الْأَجَلِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ عَنْ ثَوْبِهِ الَّذِي أَعْطَاهُ آخِرًا وَخَمْسَةً قَضَاءً لِلْخَمْسَةِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي دَفَعَ مَعَهُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ بَاعَ ثَوْبَيْنِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ إلَى أَشْهُرٍ، ثُمَّ اشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِثَوْبٍ نَقْدًا وَبِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ نَقْدًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا فِضَّةٌ وَسِلْعَةٌ نَقْدًا بِفِضَّةٍ إلَى أَجَلٍ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ إنَّ الثَّوْب الَّذِي بَقِيَ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ مِنْ الثَّوْبَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لَا يُفْسَخُ فِيهِ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِيهِ صَحِيحٌ وَيُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الثَّوْبَانِ الْآخَرَانِ قَائِمَيْنِ رُدَّا، فَإِنْ فَاتَا فَأَمَّا الثَّوْبُ الَّذِي رَجَعَ إلَى الْبَائِعِ فَلَا تُفِيتُهُ عِنْدَهُ حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ، وَإِنَّمَا يُفِيتُهُ التَّغْيِيرُ الشَّدِيدُ فَإِذَا فَاتَ بِمَا ذَكَرْنَا سَقَطَ مِنْ الثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ حِصَّةُ ذَلِكَ الثَّوْبِ وَهُوَ مِمَّا سَمَّيْنَاهُ لَهُ، وَأَمَّا الثَّوْبُ الَّذِي دَفَعَهُ الْبَائِعُ آخِرًا فَحُكْمُهُ مَا قَارَنَ بَيْعُهُ السَّلَفَ فِيمَا يَفُوتُ بِهِ، وَمِقْدَارُ
стр. 1202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
قِيمَتِهِ يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْأَثْوَابِ حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ، وَهَذَا إنَّمَا أُبِيحُهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ إنَّمَا يُفْسَخُ الْعَقْدُ الثَّانِي بِتَصْحِيحِ الْأَوَّلِ فَإِذَا لَمْ تَفُتْ الثِّيَابُ بَقِيَ الثَّوْبُ الْأَوَّلُ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بِفَسْخِ الْعَقْدِ الثَّانِي عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ يُفْسَخْ الْعَقْدَانِ فَإِنَّ التَّرَادَّ يَقَعُ فِي الْأَثْوَابِ الثَّلَاثَةِ وَإِذَا فَاتَتْ الثِّيَابُ فَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى رَدِّ الْعَقْدَيْنِ فَلَا يَصِحُّ هَذَا فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الثَّوْبُ الَّذِي رَدَّهُ الْمُبْتَاعُ إلَى الْبَائِعِ فَقَالَ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَجْهَهُ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الثَّوْبِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْبَيْعُ الثَّانِي فَاسِدًا فَالْفَسَادُ يَتَنَاوَلُ الْعِوَضَ وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ بَاعَ ثَوْبًا بِثَوْبٍ عَلَى أَنَّهُ سَلَفٌ فَإِنَّ حُكْمَ الثَّوْبَيْنِ فِي التَّرَاجُعِ وَالْفَوَاتِ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْقِيمَةِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا، وَإِنَّمَا يُنْقَضُ لِتَصْحِيحِ الثَّانِي الَّذِي دَخَلَتْهُ الشُّبْهَةُ بِاجْتِمَاعِهِمَا فَهَذَا حُكْمُ الثَّوْبِ الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ بَسَطْتُ الْقَوْلَ فِيهِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي الثَّوْبِ الثَّالِثِ وَهُوَ الَّذِي دَفَعَهُ الْبَائِعُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي أَنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ مَا قَارَنَ بَيْعُهُ سَلَفًا فِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ تَعَلُّقَ الْفَسَادِ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ وَأَسْلَفَهُ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ لِيَقْبِضَ مِنْهُ عَشَرَةً عِنْدَ الْأَجَلِ وَالثَّانِي أَنَّهُ بَاعَ مِنْهُ الْبَائِعُ هَذَا الثَّوْبَ وَخَمْسَةَ دَنَانِيرَ نَقْدًا بِالثَّوْبِ الَّذِي رَدَّ إلَيْهِ الْمُبْتَاعُ وَبِالْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ الْمُؤَجَّلَةِ فَيَدْخُلُهُ الْعَرَضُ بِالْعَرَضِ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَيْنٌ، وَأَحَدُهُمَا الْقِيمَةُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَالثَّانِي الْقِيمَةُ مَا لَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ رَضِيَ بِهِ عَلَى أَنْ يُسَلِّفَهُ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ مَمْنُوعٌ لِلْوَجْهِ الْآخَرِ فَفِيهِ الْقِيمَةُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَوَقَعَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْبِيَاعَاتِ الْمَمْنُوعَاتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ لَمْ تَفُتْ فُسِخَتْ الْبَيْعَةُ الثَّانِيَةُ وَصَحَّتْ الْأُولَى قَالَهُ سَحْنُونٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ تُفْسَخُ الْبَيْعَتَانِ جَمِيعًا وَلَا أَنْ يَصِحَّ أَنَّهُمَا لَمْ يَتَعَامَلَا عَلَى الْبَيْعَةِ إنَّمَا وَجَدَاهَا تُبَاعُ فَابْتَاعَهَا بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ فَهَذَا تُفْسَخُ الْبَيْعَةُ الثَّانِيَةُ وَتُصَحَّحُ الْأُولَى وَجْهُ مَا قَالَهُ سَحْنُونٌ أَنَّ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ مَعْقُودٌ عَلَى الصِّحَّةِ، وَإِنَّمَا أَقَامَ شُبْهَةَ الْفَسَادِ الْعَقْدُ الثَّانِي فَإِذَا أَمْكَنَ تَسْلِيمُ الْأَوَّلِ مِنْهُ خُصَّ بِالنَّقْضِ دُونَ الْأَوَّلِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ إنَّمَا حَكَمْنَا بِالْفَسَادِ فِي ذَلِكَ لَمَّا أَقَمْنَاهُمَا مَقَامَ الْعَقْدِ الْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ فَإِذَا لَمْ تُعْلَمْ السَّلَامَةُ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ فَسْخُ الْعُقُودِ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ.
(فَرْعٌ) وَإِنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ فَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا إبْطَالُ الْبَيْعَتَيْنِ جَمِيعًا، وَذَلِكَ إذَا فَاتَتْ بَعْدَ الْقَبْضِ لِلسِّلْعَتَيْنِ جَمِيعًا، وَإِنْ هَلَكَتْ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْبَائِعُ الْأَوَّلُ فَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْبَيْعَ الثَّانِيَ يَبْطُلُ خَاصَّةً وَيَثْبُتُ الْأَوَّلُ وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، فَأَمَّا إنْ فَاتَ بَعْدَ الْقَبْضِ بِيَدِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الثَّمَنَانِ قُبِضَا أَوْ قُبِضَ أَحَدُهُمَا أَوْ لَمْ يُقْبَضَا، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ الْمُعَجَّلُ، وَإِنْ كَانَ قُبِضَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَرُدُّ الْمُبْتَاعُ الْأَوَّلُ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ الثَّمَنَ الَّذِي قَبَضَ مِنْهُ وَلَمْ يَذْكُرْ مُعَجَّلًا وَلَا مُؤَجَّلًا وَنَحْوَ ذَلِكَ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يَكُونُ مُعَجَّلًا أَوْ إلَى أَجَلٍ أَقْرَبَ مِنْ أَجَلِ الثَّمَنِ الْآخَرِ، وَذَكَرَ شُيُوخُنَا الْأَنْدَلُسِيُّونَ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلًا وَهُوَ أَنَّهُ إذَا بَاعَهُ ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِخَمْسَةٍ مُعَجَّلَةٍ فَقَبَضَ الْمُبْتَاعُ الْخَمْسَةَ وَفَاتَ الثَّوْبُ عِنْدَ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ فَإِنَّك تَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ، فَإِنْ كَانَ عَشَرَةً فَصَاعِدًا غَرِمَ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ لِلْمُبْتَاعِ الْأَوَّلِ تَمَامَ الْقِيمَةِ يُقَاصُّهُ مِنْهَا بِخَمْسَتِهِ الَّتِي قَبَضَ مِنْهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ عَبْدُوسٍ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ وَتَعْجِيلَ الثَّمَنِ فِيهِ أَثْبَتَ الْفَسَادَ فَإِذَا نُقِضَ زَالَ مُوجِبُ الْفَسَادِ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ أَنَّهُ إذَا كَانَ قِيمَةُ الثَّوْبِ الْعَشَرَةَ فَأَكْثَرَ ضَعُفَتْ التُّهْمَةُ فِي أَنَّهُمَا عَمِلَا عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يُفْسَخْ إلَّا الْعَقْدُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ صُورَةُ الْفَسَادِ دُونَ مَعْنَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ أَقَلَّ مِنْ
стр. 1203
مَا جَاءَ فِي مَالِ الْمَمْلُوكِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ)
ــ
[المنتقى]
الْعَشَرَةِ قَوِيَتْ التُّهْمَةُ فِي أَنَّهُمَا عَمِلَا عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ لِلْعَقْدَيْنِ حُكْمُ الْعَقْدِ الْوَاحِدِ فَوَجَبَ أَنْ يُفْسَخَ.
(فَرْعٌ) وَإِنْ قُبِضَ الثَّمَنَانِ مَعًا وَفَاتَتْ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ عَبْدُوسٍ يَلْزَمُ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ أَنْ يَرُدَّ إلَى الْمُبْتَاعِ الْأَوَّلِ مَا أَخَذَ مِنْهُ زِيَادَةً عَلَى مَا أَعْطَاهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ الْبَيْعُ قَبْلَ تَغَيُّرِ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ فَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ تَغَيُّرِهَا فِي نَفْسِهَا تَغَيُّرًا يُحِيلُ الْأَغْرَاضَ فِيهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الدَّابَّةِ أَوْ الْبَعِيرِ يَبْتَاعُهَا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ فَيُسَافِرُ عَلَيْهَا الْمُبْتَاعُ السَّفَرَ الْبَعِيدَ فَيَأْتِي وَقَدْ أَبْغَضَهَا فَيَبْتَاعُهَا مِنْهُ الْبَائِعُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ نَقْدًا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي مِثْلِ هَذَا، وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ إذَا حَدَثَ بِهَا عَوَرٌ أَوْ عَرَجٌ أَوْ قَطْعٌ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُمَا لَمْ يَعْمَلَا عَلَى فَسْخٍ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ هَذَا وَلَا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَبِهِ أَخَذَ سَحْنُونٌ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الذَّرَائِعَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَالتُّهْمَةُ مُرْتَفِعَةٌ مَعَ التَّغْيِيرِ الشَّدِيدِ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فَصَحَّ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا، وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ مُرَاعَاةُ الْمَآلِ دُونَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَرِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَجْرَى عَلَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ طَعَامًا فَبَاعَهُ عَلَى الْكَيْلِ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ نَقْدًا وَلَا إلَى أَجَلٍ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ فِيهِ الْإِقَالَةُ وَالتَّوْلِيَةُ عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنْ اسْتَوْفَاهُ فَبَاعَهُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الثَّوْبِ يَبِيعُهُ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ، ثُمَّ يَبْتَاعُهُ مِنْهُ بِالنَّقْدِ تَجُوزُ فِيهِ السَّبْعَةُ الْوُجُوهِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا وَيَبْطُلُ وَجْهَانِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ غَابَ عَلَيْهِ الْمُبْتَاعُ فَاَلَّذِي اُتُّفِقَ عَلَى مَنْعِهِ مِنْهُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الطَّعَامِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ نَقْدًا؛ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَى مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ الطَّعَامِ الْأَوَّلِ فَقَدْ أَسْلَفَهُ طَعَامًا فِي أَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِنْ اشْتَرَى مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ نَقْدًا فَقَدْ أَسْلَفَهُ دَنَانِيرَ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا إلَى أَجَلٍ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا إنْ بَاعَ مِنْهُ أَقَلَّ مِنْ كَيْلِ ذَلِكَ الطَّعَامِ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ مِائَةَ إرْدَبٍّ بِمِائَةِ دِينَارٍ إلَى شَهْرٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ مِنْهُ خَمْسِينَ إرْدَبًّا بِخَمْسِينَ دِينَارًا نَقْدًا فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الشِّرَاءِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ أَنَّهُ رَدَّ إلَيْهِ الْخَمْسِينَ وَأَخَذَ مِنْهُ الْخَمْسِينَ إرْدَبًّا مُعَجَّلَةً وَخَمْسِينَ دِينَارًا مَعَهَا لِيَدْفَعَ إلَيْهِ مِائَةَ دِينَارٍ عِنْدَ الْأَجَلِ، وَهَذَا بَيْعٌ وَسَلَفٌ، وَإِنْ كَانَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ بَاعَ طَعَامًا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذَ مِنْهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْكَيْلِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ الثَّمَنِ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِائَةَ إرْدَبٍّ وَيَأْخُذَ مِنْهُ خَمْسِينَ إرْدَبًّا بَعْدَ مُدَّةٍ فَتَكُونَ مَعَهُ مِائَةٌ إلَى أَجَلٍ بِخَمْسِينَ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الطَّعَامِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ التُّهْمَةِ فِي مِثْلِ هَذَا.
(فَرْعٌ) وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ الْكَيْلِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ فَأَكْثَرَ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّهُ يَسْلَمُ فِي الطَّعَامِ مِنْ السَّلَفِ لِلْمَنْفَعَةِ وَيَسْلَمُ فِي الْعَيْنِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ أَيْضًا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَا جَاءَ فِي مَالِ الْمَمْلُوكِ]
(ش) : قَوْلُهُ مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ شَيْئًا وَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» ، وَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ أَضَافَ الْمَالَ إلَى الْعَبْدِ بِاللَّامِ، وَاللَّامُ تَقْتَضِي الْمِلْكَ، فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تَقْتَضِي الْمِلْكَ بَلْ تَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْيَدُ
стр. 1204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَالتَّصَرُّفُ، يُقَالُ: الْوِلَايَةُ فِي الْمَالِ لِفُلَانٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الِاخْتِصَاصُ يُقَالُ الْحَرَكَةُ لِلْحَجَرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا النَّسَبُ يُقَالُ الْوَلَدُ لِزَيْدٍ وَلَا يَدُلُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْمِلْكِ فَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّامَ مَتَى قُرِنَ بِهَا مَا يُمْلَكُ اقْتَضَتْ الْمِلْكَ، وَإِنَّمَا تَقْتَضِي مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ وَالِاخْتِصَاصِ وَالنَّسَبِ إذَا تَعَلَّقَتْ بِمَا لَا يُمْلَكُ وَالْمَالُ مِمَّا يُمْلَكُ فَإِذَا قُرِنَ بِهَا حُمِلَ عَلَى الْمِلْكِ إلَّا أَنْ يَعْدِلَ عَنْ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ يَدُلُّ إذَا قَالَ هَذَا الْمَالُ لِزَيْدٍ فُهِمَ مِنْهُ مِلْكُهُ لَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ بِمِثْلِ هَذِهِ الْإِضَافَةِ أُضِيفَ الْمَالُ إلَى الْبَائِعِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مِلْكِهِ لَهُ، وَوَجْهٌ آخَرُ مِنْ الْحَدِيثِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ فَنَفَى حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ لِلْبَائِعِ وَأَنْ يَكُونَ إذَا اشْتَرَطَهُ الْمُبْتَاعُ مُضْمَرًا غَيْرَ مُظْهَرٍ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُبْتَاعِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِلْغَيْرِ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْكَلَامِ أَنَّ الْمُضْمَرَ فِي الْكَلَامِ وَهُوَ الْمَنْطُوقُ بِهِ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَنَّ الْمَالَ لِلْعَبْدِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ فَيَكُونُ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَهُوَ الْعَبْدُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ وَيُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ الْمَالِ وَيَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ فَيَكُونُ بِيَدِهِ كَالْمَالِ الْمُسْتَفَادِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِحُّ مِلْكُهُ فَيَثْبُتُ بِذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي انْتِزَاعَ السَّيِّدِ مَالَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي مِلْكِهِ تَثْبُتُ بِمِلْكِ انْتِزَاعِهِ مَتَى شَاءَ، وَكَذَلِكَ لَا يَكْمُلُ مِلْكُ الْعَبْدِ وَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ دُونَ إذْنِ سَيِّدِهِ فَإِذَا زَالَ الْعَبْدُ عَنْ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ السَّيِّدِ وَحَقُّ الْعَبْدِ وَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَبْقَى الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ بَعْدَ الْبَيْعِ لِلْحَاجَةِ إلَى التَّفَرُّقِ وَلِأَنَّ حَقَّ الِانْتِزَاعِ يَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمْلِكُ انْتِزَاعَ مَالِ عَبْدِ غَيْرِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ إبْقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَغْلِيبِ أَحَدِ الْحَقَّيْنِ غُلِّبَ حَقُّ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ مُغَلَّبٌ فِي حَالِ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ تَفْوِيتَهُ وَالتَّصَرُّفَ فِيهِ دُونَ إذْنِ الْعَبْدِ وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ تَفْوِيتَهُ وَلَا التَّصَرُّفَ فِيهِ دُونَ إذْنِ السَّيِّدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُبْتَاعَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ مَالَ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى لَفْظِ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ وَلَا يُوصَفُ هَذَا بِأَنَّهُ شَرْطٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَإِلَّا كَانَ بَيْعًا مُبْتَدَأً لِلْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَزِيدَ الْبَائِعُ شَيْئًا لِيَلْحَقَ الْمَالُ بِالْبَيْعِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ عَيْنًا فَاشْتَرَاهُ بِعَيْنٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ عَرَضَا فَلَيْسَ فِيهِ كَلَامٌ، وَرَوَى أَصْبَغُ وَأَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ وَقُرْبِهِ فَهُوَ أَمْرٌ جَائِزٌ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ وَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ أَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا بِيعَ دُونَ اشْتِرَاطِ الْمَالِ خَرَجَ الْمَالُ عَنْ مِلْكِ الْعَبْدِ إلَى مِلْكِ السَّيِّدِ فَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُهُ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمٌ لَوْ كَانَ ثَابِتًا حِينَ الْبَيْعِ لِمَا جَازَ لِلْمُبْتَاعِ اشْتِرَاطُهُ وَهُوَ كَوْنُهُ مِلْكًا، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُبْتَاعَ لَا يَشْتَرِطُ الْمَالَ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِطُهُ لِيُعِيدَهُ إلَى مِلْكِ الْعَبْدِ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْعَبْدِ دَنَانِيرَ وَأَنْ يُعْطِيَ هَذَا الْعَبْدَ مَالًا فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا فِي الْعَقْدِ جَازَ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا بَعْدَ الْعَقْدِ كَالثَّمَرَةِ الْمَأْبُورَةِ وَلَا يَلْزَمُ هَذَا مَالِكًا وَلَا ابْنَ وَهْبٍ وَلَا ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ ذَلِكَ فِي الثَّمَرَةِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَشْهَبَ فَإِنَّهُ يُجِيزُهُ فِي الثَّمَرَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الثَّمَرَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَبَعًا لِلْأَصْلِ حِينَ الْعَقْدِ وَهِيَ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ وَمَالُ الْعَبْدِ لَوْ كَانَ مِلْكًا لِلْبَائِعِ حِينَ الْعَقْدِ لَمَا كَانَ تَبَعًا لِلْعَبْدِ فَكَذَلِكَ إذَا انْتَقَلَ إلَى الْبَائِعِ بِالْعَقْدِ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا مَعْنَى الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ وَأَصْبَغَ فَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ مَعْنَى الْقُرْبِ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْمَالَ زِيَادَةٌ وَلَا نَقْصٌ، وَأَمَّا
стр. 1205
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُبْتَاعَ إنْ اشْتَرَطَ مَالَ الْعَبْدِ فَهُوَ لَهُ نَقْدًا كَانَ أَوْ دَيْنًا أَوْ عَرْضًا يُعْلَمُ أَوْ لَا يُعْلَمُ، وَإِنْ كَانَ لِلْعَبْدِ مِنْ الْمَالِ أَكْثَرُ مِمَّا اُشْتُرِيَ بِهِ كَانَ ثَمَنُهُ نَقْدًا أَوْ دَيْنًا أَوْ عَرْضًا، وَذَلِكَ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهِ زَكَاةٌ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْعَبْدِ جَارِيَةٌ اسْتَحَلَّ فَرْجَهَا بِمِلْكِهِ إيَّاهَا، وَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ أَوْ كَاتَبَ تَبِعَهُ مَالُهُ، وَإِنْ أَفْلَسَ أَخَذَ الْغُرَمَاءُ مَالَهُ وَلَمْ يُتْبَعْ سَيِّدُهُ بِشَيْءٍ مِنْ دَيْنِهِ) .
ــ
[المنتقى]
إنْ دَخَلَهُ نَقْصٌ أَوْ زِيَادَةٌ فَقَدْ بَعُدَ وَامْتَنَعَ إلْحَاقُهُ بِالْعَقْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا حَدَثَ لِلْعَبْدِ مَالٌ فِي مُدَّةِ الْعُهْدَةِ أَوْ الْخِيَارِ، وَقَدْ اشْتَرَطَ الْمُبْتَاعُ مَالَ الْعَبْدِ فَهُوَ لِلْعَبْدِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُبْتَاعُ فَهُوَ لِلْبَائِعِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ ذَكَرَ ذَلِكَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ بَعْضَ مَالِ الْعَبْدِ أَوْ لَا رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَرُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ إجَازَتُهُ حِينَ الْعَقْدِ وَبَعْدَهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا تَبِعَ الْمَبِيعَ فِي الْبَيْعِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ إتْبَاعُ بَعْضِهِ، أَصْلُ ذَلِكَ مَا تَبِعَهُ بِالشَّرْعِ وَمُقْتَضَى الْعُقْدَةِ وَهُوَ ثَمَرَةٌ مَأْبُورَةٌ أَوْ غَيْرُ مَأْبُورَةٍ فِي أَصْلِ الْمَبِيعِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنْ هَذَا الْمَالَ يَثْبُتُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ فَجَازَ أَنْ يَسْتَحِقَّ بَعْضَهُ كَالثِّيَابِ يَجُوزُ شِرَاءُ جَمِيعِهَا وَشِرَاءُ بَعْضِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ جَمِيعُهُ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ بَعْضُهُ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي لِغَيْرِهِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ حُرًّا، فَإِنْ كَانَ رَقِيقًا لِغَيْرِهِ لَمْ يَحِلَّ أَنْ يَبِيعَ حِصَّةً مِنْ شَرِيكِهِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، فَإِنْ بَاعَهَا مِنْ شَرِيكِهِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ فِي الْعَقْدِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ مَالِ الْعَبْدِ بِقَدْرِ مَا لَهُ فِي الْعَبْدِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ انْتِزَاعُهُ إلَّا بِإِذْنِ الشَّرِيكِ وَالْإِذْنُ مَعْدُومٌ، فَإِنْ اشْتَرَطَهُ الْبَائِعُ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ هُوَ جَائِزٌ وَهُوَ كَالْمُقَاسَمَةِ وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ رِضَا الْمُبْتَاعِ بِالشَّرْطِ إذْنٌ لَهُ فِي انْتِزَاعِ حِصَّتِهِ مِنْ الْمَالِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ، فَإِنْ اشْتَرَطَهُ الْمُبْتَاعُ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي تَجْوِيزِهِ لِلْمُبْتَاعِ اشْتِرَاطَ مَالِ الْعَبْدِ فَجَوَازُهُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ لِبَعْضِ مَالِ الْعَبْدِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِيَدِ الْبَائِعِ مَا يَكُونُ بِهِ الْمُبْتَاعُ مُسْتَثْنِيًا لِبَعْضِ الْمَالِ بَلْ قَدْ اسْتَثْنَى جَمِيعَ مَا كَانَ لِلْبَائِعِ مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِ شَرِيكِهِ فَاشْتَرَطَهُ الْبَائِعُ أَوْ أَطْلَقَ الْعَقْدَ لَمْ يَجُزْ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَعِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْبَائِعِ لَهُ يَقْتَضِي انْتِزَاعَهُ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ وَلَمْ يُوجَدْ الْإِذْنُ، وَالطَّلَاقُ فِي الْعَقْدِ يَقْتَضِي مَا يَقْتَضِيهِ هَذَا الشَّرْطُ، فَإِنْ اشْتَرَطَهُ الْمُبْتَاعُ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ اشْتِرَاطَ الْمُبْتَاعِ بَعْضَ الْمَالِ فَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُجِيزُهُ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ مَالِكٍ تَجْوِيزَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُبْتَاعَ قَدْ شَرَطَ جَمِيعَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْبَائِعِ مِنْ الْمَالِ فَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا كَمَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ لَهُ فَاشْتَرَطَ جَمِيعَ مَالِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ النِّصْفُ الثَّانِي حُرًّا فَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَالِ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ انْتِزَاعَ مَالِ مَنْ فِيهِ جُزْءٌ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِشَرْطِ الْمَالِ بِيَدِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْفِي انْتِزَاعَ شَيْءٍ مِنْ الْمَالِ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُبْتَاعَ إنْ اشْتَرَطَ مَالَ الْعَبْدِ فَهُوَ لَهُ نَقْدًا كَانَ أَوْ دَيْنًا أَوْ عَرْضًا يُعْلَمُ أَوْ لَا يُعْلَمُ، وَإِنْ كَانَ لِلْعَبْدِ مِنْ الْمَالِ أَكْثَرُ مِمَّا اُشْتُرِيَ بِهِ كَانَ ثَمَنُهُ نَقْدًا أَوْ دَيْنًا أَوْ عَرْضًا، وَذَلِكَ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهِ زَكَاةٌ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْعَبْدِ جَارِيَةٌ اسْتَحَلَّ فَرْجَهَا بِمِلْكِهِ إيَّاهَا، وَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ أَوْ كَاتَبَ تَبِعَهُ مَالُهُ، وَإِنْ أَفْلَسَ أَخَذَ الْغُرَمَاءُ مَالَهُ وَلَمْ يُتْبَعْ سَيِّدُهُ بِشَيْءٍ مِنْ دَيْنِهِ) .
ش وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْمُبْتَاعَ إذَا اشْتَرَطَ مَالَ الْعَبْدِ فَهُوَ لَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لِلْعَبْدِ وَيَصِحُّ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ لِلْمُبْتَاعِ فَيُرِيدُ أَنَّ لَهُ مَا شَرَطَ وَاَلَّذِي شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ لِلْعَبْدِ وَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ بِحَسَبِ مَا كَانَ قَبْلَ ابْتِيَاعِهِ، وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ قَدْ انْتَزَعَ الْمَالَ وَاشْتَرَطَهُ الْمُبْتَاعُ لَكَانَ قَدْ اشْتَرَى عَبْدًا وَمَالًا فَيَفْسُدُ بِالْجَهْلِ وَالتَّفَاضُلِ فِيمَا لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الَّذِي يَبِيعُ الْعَبْدَ وَيَقُولُ مَالُهُ مِائَةُ دِينَارٍ أُوَفِّيكهَا لَا يَجُوزُ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَالثَّمَنُ عَيْنٌ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا الْتَزَمَ التَّوْفِيَةَ كَانَ ذَلِكَ مَالًا مُتَبَرَّعًا بِهِ يَدْفَعُهُ الْبَائِعُ إلَى الْمُبْتَاعِ.
١ -
стр. 1206
مَا جَاءَ فِي الْعُهْدَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ وَهِشَامَ بْنَ إسْمَاعِيلَ كَانَا يَذْكُرَانِ فِي خُطْبَتِهِمَا عُهْدَةَ الرَّقِيقِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مِنْ حِينِ يُشْتَرَى الْعَبْدُ أَوْ الْوَلِيدَةُ وَعُهْدَةَ السَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ مَا أَصَابَ الْعَبْدَ أَوْ الْوَلِيدَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مِنْ حِينِ يُشْتَرَيَانِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ، وَإِنَّ عُهْدَةَ السَّنَةِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ فَقَدْ بَرِئَ الْبَائِعُ مِنْ الْعُهْدَةِ كُلِّهَا)
ــ
[المنتقى]
فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ نَقْدًا أَوْ دَيْنًا أَوْ عَرْضًا يُعْلَمُ أَوْ لَا يُعْلَمُ، وَإِنْ كَانَ لِلْعَبْدِ مَالٌ أَكْثَرُ مِمَّا اُشْتُرِيَ بِهِ يُرِيدُ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْمُبْتَاعِ هَذَا الْمَالَ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ بِأَنْ يَكُونَ الْمَالُ الْمُشْتَرَطُ عَيْنًا أَكْثَرَ مِمَّا اُشْتُرِيَ بِهِ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ يَكُونَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا فَيُشْتَرَى بِالدَّيْنِ أَوْ بِالنَّقْدِ أَوْ يَكُونَ الْمُشْتَرَطُ مِنْ الْمَالِ مَجْهُولًا عِنْدَ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ مَا اُشْتُرِطَ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِعِوَضٍ فِي الْبَيْعِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ الْفَسَادَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ لَمْ يَشْتَرِطْهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ بَقَاءَهُ عَلَى مِلْكِ الْعَبْدِ فَلَيْسَ بِعِوَضٍ فِي الْبَيْعِ اسْتَدَلَّ مَالِكٌ ﵀ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهِ زَكَاةٌ، وَإِنْ كَانَ لِلْعَبْدِ جَارِيَةٌ اسْتَحَلَّ فَرْجَهَا بِمِلْكِهِ إيَّاهَا فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فَهُوَ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى السَّيِّدِ فِي مَالِ الْعَبْدِ فَقَدْ خَالَفَنَا فِي ذَلِكَ مَنْ يُخَالِفُنَا فِي مِلْكِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الْعَبْدَ يَسْتَبِيحُ وَطْءَ أَمَتِهِ بِمِلْكِ يَمِينِهِ فَهُوَ فَصْلٌ صَحِيحٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُسْتَبَاحُ الْوَطْءُ إلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: نِكَاحٌ أَوْ مِلْكُ يَمِينٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ فِي أَمَتِهِ نِكَاحٌ لَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَسْتَبِيحَ وَطْأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ فَيَثْبُتُ بِذَلِكَ مِلْكُهُ لَهَا وَإِذَا صَحَّ مِلْكُهُ لِلْإِمَاءِ صَحَّ مِلْكُهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ، وَإِنْ أُعْتِقَ الْعَبْدُ أَوْ كَاتَبَ تَبِعَهُ مَالُهُ يُرِيدُ أَنَّ مَالَهُ يَتْبَعُهُ بِإِطْلَاقِ الْعِتْقِ دُونَ اشْتِرَاطِهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَذَلِكَ أَنَّ زَوَالَ مِلْكِ السَّيِّدِ عَنْ الْعَبْدِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا الْمُعَاوَضَةُ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ فَفِي هَذَا لَا يَتْبَعُهُ الْمَالُ إلَّا بِالشَّرْطِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالنَّخَعِيُّ وَاللَّيْثُ خِلَافًا لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِمَا إنَّ الْمَالَ تَبَعٌ لِلْعَبْدِ فِي الْبَيْعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «فَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» وَالْوَجْهُ الثَّانِي الْعِتْقُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْعُقُودِ الَّتِي تُفْضِي إلَى الْعِتْقِ وَتُسْقِطُ النَّفَقَةَ عَنْ السَّيِّدِ كَالْكِتَابَةِ فَفِي هَذَا الْمَالِ يَتْبَعُ الْعَبْدَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّدُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ هُوَ لِلسَّيِّدِ فِي الْعِتْقِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَمَّا كَانَتْ تُفْضِي إلَى الْعِتْقِ مَلَكَ الْمُعْتِقُ بِهَا مَالَهُ فَبِأَنْ يَمْلِكَهَا بِالْعِتْقِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ الْجِنَايَةُ فَإِنَّ الْمَالَ يَتْبَعُ فِيهَا الرَّقَبَةَ وَيَنْتَقِلُ بِانْتِقَالِهَا وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِي الْجِنَايَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِتَبَعِ الْمَالِ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّهُ مُنْتَقِلٌ عَنْ مِلْكِ سَيِّدِهِ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَأَشْبَهَ انْتِقَالَهُ بِالْعَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُتْبَعُ مَالُهُ وَالْمَالُ لِلْوَاهِبِ؛ لِأَنَّهُ مُنْتَقِلٌ عَنْهُ بِاخْتِيَارِهِ إلَى مَالِكٍ فَلَمْ يَتْبَعْهُ مَالُهُ كَالْبَيْعِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ، فَإِنْ أَفْلَسَ أَخَذَ الْغُرَمَاءُ مَالَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ فَلَسَ الْعَبْدِ يَكُونُ بِأَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التِّجَارَةِ فَيَسْتَغْرِقَ الدَّيْنُ مَالَهُ فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يَأْخُذُونَ مَالَهُ وَلَا حَقَّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ سَيِّدِهِ وَلَا فِي رَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَنَاوَلَ إذْنُهُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ مَا بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ، وَمُبَايَعَتُهُ إنَّمَا تَقْتَضِي تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِذِمَّتِهِ دُونَ خِدْمَةِ سَيِّدِهِ وَدُونَ رَقَبَتِهِ.
[مَا جَاءَ فِي الْعُهْدَةِ وَفِيهِ أَبْوَاب]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ وَهِشَامَ بْنَ إسْمَاعِيلَ كَانَا يَذْكُرَانِ فِي خُطْبَتِهِمَا عُهْدَةَ
стр. 1207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الرَّقِيقِ يُرِيدُ أَنَّهَا مِنْ الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ الْمَعْمُولِ بِهَا الَّتِي كَانَ الْأُمَرَاءُ يَهْتَمُّونَ بِهَا وَيَجْعَلُونَهَا مِنْ أَوْكَدِ اللَّوَازِمِ حَتَّى كَادُوا يُدْخِلُونَ ذَلِكَ فِي الْخُطَبِ لِئَلَّا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ قَرُبَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَلَا بَعُدَ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَتْ لَا تَنْفَكُّ عَنْ قَادِمٍ عَلَيْهَا مِنْ جَمِيعِ الْآفَاقِ، وَكَانُوا يَحْضُرُونَ الْجُمَعَ وَأَوْقَاتَ الْخُطَبِ فَيَسْمَعُونَ تَكَرُّرَ ذَلِكَ فِي الْخُطَبِ مِنْ الْأُمَرَاءِ أَوْ مِمَّنْ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمْ وَيَمْتَثِلُ أَمْرَهُمْ، ثُمَّ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مُنْكِرٌ وَلَا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ نَاهٍ لِكَوْنِهِ سَابِقًا مَعْمُولًا بِهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ عَنْهُمْ الْعِلْمُ وَإِلَيْهِمْ كَانَ يُرْجَعُ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْهُ وَلِأَنَّ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ لَمْ يَكُنْ يُدْخِلُ ذَلِكَ فِي خُطْبَتِهِ إلَّا بَعْدَ مُشَاوِرَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِهَا وَمُوَافَقَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ عُهْدَةُ الرَّقِيقِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ فِيهِ سِتَّةُ أَبْوَابٍ الْأَوَّلُ مِنْهَا فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى الْعُهْدَةِ وَتَبْيِينِ أَحْكَامِهَا وَعَدَدِهَا وَالْبَابُ الثَّانِي فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ بِهَا مِنْ الْبِلَادِ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَحَلِّ ثُبُوتِهَا مِنْ الْمَبِيعِ وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِي مَحَلِّ ثُبُوتِهَا مِنْ الْعُقُودِ وَالْبَابُ الْخَامِسُ فِي مُقْتَضَى ذِكْرِهَا وَالْبَابُ السَّادِسُ فِي حُكْمِ الْعِوَضِ مِنْهَا فِي تَعْجِيلٍ أَوْ تَأْخِيرٍ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى الْعُهْدَةِ) مَعْنَاهَا تَعَلُّقُ الْمَبِيعِ بِضَمَانِ الْبَائِعِ وَكَوْنُهُ مِمَّا يُدْرِكُهُ مِنْ النَّقْصِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ فِيمَا فِيهِ الْعُهْدَةُ لَازِمٌ لَا خِيَارَ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ مُتَرَقَّبٌ مُرَاعًى، فَإِنْ سَلِمَ فِي مُدَّةِ الْعُهْدَةِ عُلِمَ لُزُومُهُ لِلْمُبْتَاعِ وَالْبَائِعِ جَمِيعًا، وَإِنْ أَصَابَهُ نَقْصٌ عُلِمَ لُزُومُهُ لِلْبَائِعِ وَثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْمُبْتَاعِ فِي إمْضَائِهِ أَوْ رَدِّهِ كَعَيْبٍ دَلَّسَ بِهِ الْبَائِعُ لَا يَعْلَمُ بَرَاءَتَهُ مِنْ التَّدْلِيسِ بِالْعَيْبِ الَّذِي ظَهَرَ فِي مُدَّةِ الْعُهْدَةِ وَهِيَ مُضَافَةٌ إلَى مِلْكِهِ لَمَّا تَعَلَّقَتْ التُّهْمَةُ بِهِ مِنْ التَّدْلِيسِ وَهِيَ مُغَلَّبَةٌ عَلَى تَجْوِيزِ بَرَاءَتِهِ وَلِذَلِكَ حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ إذَا وُجِدَ فِي مُدَّةِ مِلْكِهِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ دَلَّسَ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَبِيعَ الَّذِي ثَبَتَتْ فِيهِ الْعُهْدَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا فِيهِ اسْتِبْرَاءٌ وَمُوَاضَعَةٌ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ، وَالثَّانِي لَيْسَ فِيهِ اسْتِبْرَاءٌ وَلَا مُوَاضَعَةٌ وَلَهُ عُهْدَتَانِ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَحْكَامٌ تَخْتَصُّ بِهَا، وَأَمَّا الْعُهْدَةُ الْأُولَى فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَغَيْرِهِمْ وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ثُبُوتَ هَذِهِ الْعُهْدَةِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ، وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثُ لَيَالٍ» ، وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثٌ» ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الرَّقِيقَ يُمْكِنُهُ الْإِفْهَامُ وَالْإِخْبَارُ عَمَّا يَجِدُهُ مِنْ أَسْبَابِ الْمَرَضِ وَمُقَدِّمَاتِ الْعِلَلِ، فَيَتْبَعُهُ سَيِّدُهُ لِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ مَرَضُهُ فَحُكِمَ فِيهِ بِالْعُهْدَةِ لِيَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ وَيَتَّضِحَ حَالُهُ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ هَذَا وَجْهُ احْتِيَاطٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّدْلِيسِ وَيَقْتَضِي الِاخْتِلَافَ فِي الْبُيُوعِ وَالتَّخَاصُمَ فَجَازَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَصْلُ ذَلِكَ الْمُصَرَّاةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَأَوَّلُ هَذِهِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مِنْ يَوْمِ عَقْدِ الْبَيْعِ إنْ كَانَ الْبَيْعُ لَازِمًا، وَإِنْ كَانَ بِالْخِيَارِ فَمِنْ يَوْم يُحْكَمُ بِلُزُومِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يُحْسَبُ فِيهَا بِالْيَوْمِ الْكَامِلِ فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ قَبْلَ الْفَجْرِ اُحْتُسِبَ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَيَّامِ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ فِي بَعْضِ النَّهَارِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ الْبَيْعُ نِصْفَ النَّهَارِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَشْهُورٌ لِابْنِ الْقَاسِم فِي الْعَقِيقَةِ وَمُدَّةِ مَقَامِ الْمُسَافِرِ فِي الْمِصْرِ، وَأَمَّا سَحْنُونٌ فَيَقُولُ إنَّمَا يُرَاعَى الْمَقْصُودُ مِنْ الْمُدَّةِ وَتُلَفَّقُ أَبْعَاضُ الْأَيَّامِ فَيُحْتَسَبُ فِي الْمَقَامِ فِي الْمِصْرِ بِعِشْرِينَ صَلَاةً، وَيَجِيءُ عَلَى هَذَا أَنْ تُلَفَّقَ أَبْعَاضُ الْأَيَّامِ فِي الْعُهْدَةِ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ التَّعَلُّقَ بِلَفْظِ الْحَدِيثِ فِي عُهْدَةِ الرَّقِيقِ ثَلَاثٌ، وَذَلِكَ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى السَّاعَاتِ وَأَبْعَاضِ الْأَيَّامِ
стр. 1208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ ثُبُوتُ حُمَّى الرِّبْعِ، وَقَدْ يَتَقَدَّمُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَيَتَأَخَّرُ فَيَجِبُ اسْتِيفَاءُ الْيَوْمِ لِتُعْلَمَ السَّلَامَةُ مِنْهُ، وَوَجْهُ مَا يَقْتَضِيه قَوْلُ سَحْنُونٍ أَنَّهُمْ يُرَاعُونَ فِي ذَلِكَ أَقْصَى مُدَّةِ أَدْوَاءِ الْأَمْرَاضِ الْمُعَيَّنَةِ الْمُعْتَادَةِ وَهِيَ حُمَّى الرِّبْعِ، وَتَبْعِيضُ الْأَيَّامِ فِيهَا مُشَاهَدٌ وَكَمَالُهَا غَيْرُ مُعْتَادٍ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْأَصْلُ فِي مَعْنَى الْعُهْدَةِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ أَيَّامُهَا سَنَةً عَلَى ذَلِكَ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ أَنَّ الْعُهْدَةَ مِنْ وَقْتِ لُزُومِ الْبَيْعِ فَسَوَاءٌ قَبَضَ الْمُبْتَاعُ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا فَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً غَيْبَةً بَعِيدَةً تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ مِنْ الْبَائِعِ فَإِنَّ عُهْدَةَ الثَّلَاثِ مِنْ الْبَائِعِ، فَإِذَا انْقَضَتْ نُفِيَ ضَمَانُ الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ كَمَا تَنْتَفِي نَفَقَةُ ضَمَانِ الِاسْتِبْرَاءِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عُهْدَةِ الثَّلَاثِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلُهُ أَنَّ ضَمَانَ الْعَبْدِ الْمُبْتَاعِ الْمُعَيَّنِ مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُبْتَاعُ، وَإِنْ لَمْ يُمْسِكُهُ بِالثَّمَنِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ لَا عُهْدَةَ فِي الْعَبْدِ الْمَبِيعِ نِصْفُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ عُهْدَةَ الرَّقِيقِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ لَاحِقَةٌ لِلْبَائِعِ بِأَيِّ وَجْهٍ أَصَابَهُ نَقْصٌ أَوْ هَلَاكٌ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ حَادِثٌ أَوْ لَا يُعْلَمُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَحْوَالُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ أَغْلَبُ وَأَكْثَرُ أَجْرَى جَمِيعَهُ مَجْرَى غَالِبِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ مَا حَدَثَ بِهِ مِنْ الْعَيْبِ نَقْصًا فِي جَسَدِهِ أَوْ عَيْبًا يَخْتَصُّ بِنَقْصِ ثَمَنِهِ كَالْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَالزِّنَا فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ لِلْمُبْتَاعِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا عَيْبٌ لَوْ كَانَ بِالْمَبِيعِ قَبْلَ الْبَيْعِ لَكَانَ لِلْمُبْتَاعِ الرَّدُّ بِهِ فَإِذَا حَدَثَ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ كَانَ لَهُ الرَّدُّ بِهِ كَالنَّقْصِ فِي الْجَسَدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ ذَهَبَ شَيْءٌ مِنْ الْعُيُوبِ الْجَارِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ الْمُبْتَاعُ بَطَلَ خِيَارُهُ مِثْلُ أَنْ يَظْهَرَ بِعَيْنِهِ رَمَاصٌ فَيَذْهَبُ، وَذَلِكَ فِيمَا لَا تَنْتَفِي عَوْدَتُهُ فَأَمَّا مَا تُعْتَادُ عَوْدَتُهُ كَالْحُمَّى وَنَحْوِهَا فَإِنَّ سَحْنُونًا قَالَ لَهُ الرَّدُّ الْآنَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْعَوْدَةَ سَوَاءٌ رَفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ حِينَ أَصَابَتْهُ الْحُمَّى أَوْ لَمْ يَرْفَعْهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَعْلَمُ ذَهَابَهَا، فَإِنْ عَاوَدَتْهُ فِي الْقُرْبِ رَدَّ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الثَّلَاثِ وَجْهُ قَوْل سَحْنُونٍ أَنَّ ذَهَابَهَا لَيْسَ بِبُرْءٍ فَلَا يَسْقُطُ الْخِيَارُ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ عَلَى صُورَةِ الْبُرْءِ وَيَحْتَمِلُ الْمُعَاوَدَةَ فَيَجِبُ التَّوْقِيفُ حَتَّى يَعْلَمَ عَلَى أَيِّ الْوَجْهَيْنِ كَانَ رَدُّهَا بِهِ.
١ -
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَإِنْ طَرَأَ عَلَى الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ أَمْرٌ فَأَشْكَلَ وَقْتُ حُدُوثِهِ فَلَمْ يُدْرَأْ فِي الْعُهْدَةِ أَوْ بَعْدَهَا فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعَبْدِ يَأْبَقُ فِي الْعُهْدَةِ، وَقَدْ تَبَرَّأَ بَائِعُهُ بِالْإِبَاقِ فَلَمْ يَعْلَمْ صِحَّتَهُ وَلَا هَلَاكَهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمُبْتَاعِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ أَصَابَهُ فِي الْعُهْدَةِ، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ سَلِمَ فِي الْعُهْدَةِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ مِنْهُ فِي الْعُهْدَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْإِبَاقِ الَّذِي تَبَرَّأَ مِنْهُ فَلَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ إلَّا بِتَيَقُّنِ سَلَامَتِهِ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَعَلَى الْبَائِعِ نَفَقَةُ الْعَبْدِ وَكِسْوَتُهُ وَمُؤْنَتُهُ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهَا مُرَّةً تَلْحَقُهُ بِمِلْكِهِ فِي الضَّمَانِ الْعَامِّ فَلَزِمَهُ فِيهَا النَّفَقَةُ وَالْمُؤْنَةُ كَمُدَّةِ الْخِيَارِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلِلْمُبْتَاعِ أَنْ يُسْقِطَ الْعُهْدَةِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْعَقْدِ وَيُسْقِطَ عَنْ الْبَائِعِ الضَّمَانَ وَالنَّفَقَةَ وَيُبْرِمَ الْعَقْدَ فَإِنْ لَمْ يُسْقِطْ الْعُهْدَةَ، وَلَكِنَّهُ أَحْدَثَ فِي الْعَبْدِ مَا يَمْنَعُ رَدَّهُ أَوْ يَقْتَضِي الرِّضَا بِهِ كَالْعِتْقِ، ثُمَّ حَدَثَ عَيْبٌ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ تَسْقُطُ بَقِيَّةُ الْعُهْدَةِ، وَقَالَ أَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ الْعُهْدَةُ ثَابِتَةٌ وَيَنْفُذُ الْعِتْقِ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي عُهْدَةِ السَّنَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ اثْنَانِ مِثْلُ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَالثَّالِثُ يُرَدُّ الْعِتْقُ، وَهَذَا فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ أَوْلَى، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ هَذَا عَيْبٌ حَدَثَ بَعْدَ الْعِتْقِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ كَالْعَيْبِ يَحْدُثُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَفِي غَيْرِ عُهْدَةِ الثَّلَاثِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ تَمَامَ الْبَيْعِ وَانْبِرَامَهُ مُرَاعًى بِسَلَامَةِ الْعَبْدِ فِي مُدَّةِ الْعُهْدَةِ فَإِذَا حَدَثَ فِي الْعُهْدَةِ عَيْبٌ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَنْبَرِمْ فَيَثْبُتُ لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ كَعَيْبٍ حَدَثَ عِنْدَ الْبَائِعِ أَوْ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَعْتِقَ عَبْدًا اشْتَرَاهُ، ثُمَّ يَطَّلِعَ بَعْدَ الْعِتْقِ عَلَى
стр. 1209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَيْبٍ قَدِيمٍ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ أَنَّ الْعَقْدَ لَمَّا كَانَ مُرَاعًى وَمَوْقُوفًا عَلَى السَّلَامَةِ وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ فَإِذَا دَخَلَ فِيهِ الْخِيَارُ لِحُدُوثِ الْعَيْبِ بَطَلَ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكَ الْمُعْتِقِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الْعُهْدَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ عُهْدَةُ السَّنَةِ فَتَخْتَصُّ بِثَلَاثَةِ أَدْوَاءٍ الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ فَكُلُّ مَا ظَهَرَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ مِنْ هَذِهِ الْأَدْوَاءِ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمَاعَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْمُبْتَاعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْجُنُونُ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الرَّدُّ هُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ عَلَى هَذَا جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا مَدَنِيُّهُمْ وَمِصْرِيُّهُمْ إلَّا ابْنَ وَهْبٍ فَإِنَّهُ قَالَ بِأَيِّ وَجْهٍ زَالَ عَقْلُهُ فِي السَّنَةِ مِنْ ضَرْبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ السَّنَةَ إنَّمَا جُعِلَتْ مُدَّةً لِهَذِهِ الْعُهْدَةِ مِنْ الْأَدْوَاءِ الثَّلَاثَةِ لَمَّا كَانَتْ أَدْوَاءً تُوجَدُ أَسْبَابُهَا وَيَتَأَخَّرُ وُجُودُهَا وَبِذَلِكَ فَارَقَتْ سَائِرَ الْأَدْوَاءِ، وَذَهَابُ الْعَقْلِ بِضَرْبَةٍ أَوْ مَعْنًى طَارِئٍ مَعْلُومٌ أَنَّ سَبَبَهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حِينَ التَّبَايُعِ فَلَمْ يَلْزَمْ الْبَائِعَ الضَّمَانُ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا ذَهَابُ عَقْلٍ فِي عُهْدَةِ السَّنَةِ فَلَزِمَ بِهِ الرَّدُّ كَمَا لَوْ كَانَ عَنْ جُنُونٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ ذَهَبَ بِالْعَبْدِ بَهَقٌ أَوْ حُمْرَةٌ أَوْ جَرَبٌ مُفْرِطٌ حَتَّى يَقْبُحَ مَنْظَرُهُ لَمْ يُرَدَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْجُذَامَ وَالْبَرَصَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَدْوَاءَ الَّتِي لَا يُبْرَأُ مِنْهَا فِي الْغَالِبِ وَيَنْعَدِمُ أَسْبَابُهَا تُذْهِبُ مُعْظَمَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَالْحُمْرَةُ وَالْجَرَبُ وَالْبَهَقُ مَعَانٍ يُبْرَأُ مِنْهَا غَالِبًا فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْأَمْرَاضِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ ظَهَرَ بِهِ جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ بَيِّنٌ، ثُمَّ ذَهَبَ قَبْلَ الرَّدِّ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْجُنُونِ يُرَدُّ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يُرَدُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا تُؤْمَنُ عَوْدَتُهُ كَالْجُنُونِ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَدْوَاءَ لَا يَكَادُ يَبْرَأُ مِنْهَا، فَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُ الْبُرْءِ فَإِنَّ سَبَبَهُ كَامِنٌ فَيَجِبُ بِهِ الرَّدُّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَاَلَّذِي يُرَدُّ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِم مَا ظَهَرَ وَتُيُقِّنَ فِي مُدَّةِ السَّنَةِ أَوْ تُيُقِّنَ سَبَبُهُ فِي السَّنَةِ وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا بَعْدَ السَّنَةِ فَلَا يُرَدُّ بِهِ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ كِنَانَةَ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ يُرَدُّ بِمَا تُيُقِّنَ بَعْدَ السَّنَةِ إذَا شَكَّ فِيهِ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا تُيُقِّنَ سَبَبُهُ فِي السَّنَةِ وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا بَعْدَ السَّنَةِ رُدَّ بِذَلِكَ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ السَّنَةَ حَدٌّ لِظُهُورِ هَذَا الْمَعْنَى لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابُ هَذَا الْمَرَضِ قَدْ اطَّلَعَ عَلَيْهَا الْبَائِعُ وَكَانَتْ مِنْ الْأَمْرَاضِ الَّتِي تَطْرَأُ مِمَّا لَا صُنْعَ فِيهَا لِلْبَائِعِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا لَزِمَ بِالْعُهْدَةِ لِأَجْلِ التَّدْلِيسِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ إذَا جُنِيَ عَلَيْهِ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِمَّا دَلَّسَ بِهِ الْبَائِعُ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالنَّفَقَةُ وَالْمُؤْنَةُ فِي عُهْدَةِ السَّنَةِ عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا يَرُدُّ فِيهَا هَذِهِ الْأَدْوَاءَ الثَّلَاثَةَ يُتَوَقَّعُ وُجُودُ أَسْبَابِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَهِيَ زِيَادَةٌ فَلَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُ مَا يَحْدُثُ وَيَتَكَرَّرُ بِتَوَقُّعِ مَا يَقِلُّ وَيَنْدُرُ وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ الضَّمَانُ عَلَى الْعُمُومِ لَمْ تَلْزَمْهُ النَّفَقَةُ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ غَلَّةٌ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَخْلَدُ بْنُ خَلَّادٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ» ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الصِّحَّةَ مِنْ وَجْهِ الْإِسْنَادِ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ تَدْخُلُ عُهْدَةُ الثَّلَاثِ فِي عُهْدَةِ السَّنَةِ أَمْ لَا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ رَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّنَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الثَّلَاثِ وَبَعْدَ انْقِضَاءِ الِاسْتِبْرَاءِ فِيمَا فِيهِ الِاسْتِبْرَاءُ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي السَّنَةِ وَأَنَّ السَّنَةَ مِنْ يَوْمِ التَّبَايُعِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعُهْدَتَيْنِ مُتَنَافِيَتَانِ أَحْكَامُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَدَاخَلَا، وَإِنَّمَا يَتَدَاخَلُ مِنْ الْمَدَدِ مَا تَتَّفِقُ أَحْكَامُهَا، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْمُدَّتَيْنِ لَازِمَتَانِ بِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ لَا تَفْتَقِرُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا إلَى تَعْيِينِ مُدَّتِهَا فَيَكُونُ أَوَّلُهُمَا يَوْمَ الْبَيْعِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ بِهَا مِنْ الْبِلَادِ]
(الْبَابُ الثَّانِي فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ بِهَا مِنْ الْبِلَادِ) أَمَّا مَحَلُّ الْعُهْدَةِ مِنْ الْبِلَادِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ الْمِصْرِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ
стр. 1210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مَالِكٍ لَا تَلْزَمُ عُهْدَةُ الثَّلَاثِ أَهْلَ بَلَدٍ حَتَّى يَحْمِلَهُمْ السُّلْطَانُ عَلَيْهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَرَوَى الْمَدَنِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ يُقْضَى بِهَا بِكُلِّ بَلَدٍ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا أَهْلُهُ وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُحَدِّثَهَا وَيَحْكُمَ بِهَا عَلَى مَنْ عَرَفَهَا وَجَهِلَهَا قَبْلَ التَّقَدُّمِ فِيهَا وَبَعْدَهُ وَجْهُ رِوَايَةِ الْمِصْرِيِّينَ أَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَمَّا كَانَ لَهُ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الصِّحَّةِ حُمِلَ عَلَيْهِ حَيْثُ الْعُرْفُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْبِلَادِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمَدَنِيِّينَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ التَّسْلِيمِ وَفِي هَذَا الْبَابِ مَعْنًى آخَرَ يَحْتَاجُ إلَى تَبْيِينِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الضَّمَانِ الْمُتَّفَقِ عَلَى مَحَلِّهِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ لِمَنْ شَرَطَ عَلَى الْبَائِعِ ضَمَانَ الْمَبِيعِ بَعْدَ قَبْضِهِ، فَإِنْ كَانَ مَحَلُّ الضَّمَانِ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عُرْفٌ أَوْ لَا يَكُونَ لَهُ عُرْفٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُرْفٌ جَازَ نَقْلُهُ بِالشَّرْطِ كَبَيْعِ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ وَاشْتِرَاطِ ضَمَانِهَا مِنْ غَيْرِ مَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ، وَإِنْ كَانَ ثَمَّ عُرْفٌ يُوَافِقُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ عَنْ الْقَابِلِ بِذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ نَقْلِهِ، فَإِنْ شَرَطَ نَقْلَهُ فِي عَقْدِ بَيْعٍ عَمَّا يَقْتَضِيه الْعُرْفُ صَحَّ الْعَقْدُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ، وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ بِخِلَافِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَشَرَطَ نَقْلَهُ إلَى مَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ صَحَّ الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ، وَإِنْ شَرَطَ نَقْلَهُ عَمَّا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ إلَى الْعُرْفِ، فَإِنْ كَانَ لِلْعُرْفِ وَجْهٌ صَحِيحٌ صَحَّ الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجْهٌ صَحِيحٌ بَطَلَ الْعَقْدُ وَصَحَّ الشَّرْطُ فَعَلَى هَذَا إنْ شَرَطَ فِي غَيْرِ بِلَادِ الْعُهْدَةِ فَعَلَى قَوْلِ الْمِصْرِيِّينَ يَثْبُتُ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ مَا يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَالشَّرْطِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ دُونَ الْعُرْفِ، فَإِنْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ بِالْمَدِينَةِ فَعَلَى قَوْلِ الْمِصْرِيِّينَ يَثْبُتُ الشَّرْطُ وَالْعَقْدُ وَعَلَى قَوْلِ الْمَدَنِيِّينَ يَبْطُلُ الشَّرْطُ وَيَثْبُتُ الْعَقْدُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْمِصْرِيِّينَ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْمَلَ غَيْرُ بِلَادِ الْعُهْدَةِ عَلَى الْعُهْدَةِ أَمْ لَا؟ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَدِدْت أَنَّ النَّاسَ يُحْمَلُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ لَا يُحْمَلُ أَهْلُ الْآفَاقِ عَلَى الْعُهْدَةِ وَلْيُتْرَكُوا عَلَى حَالِهِمْ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا مَعْنًى لَهُ وَجْهُ احْتِيَاطٍ فِي بِيَاعَاتِ الرَّقِيقِ وَتَجُوزُ مَا كَثُرَ مِنْ تَدْلِيسِ النَّاسِ فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ كَنَصْبِ الْمِكْيَالِ وَالْمَوَازِينِ وَمَنْعِ كَسْرِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ عُرْفَ الْبِلَادِ إذَا وَافَقَهُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ تَغْيِيرُ حُكْمِهِ، وَهَذَا عَلَى رِوَايَةِ الْمِصْرِيِّينَ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَحَلِّ ثُبُوتِهَا مِنْ الْمَبِيعِ] ١
ِ أَمَّا مَحَلُّ الْعُهْدَةِ مِنْ الْمَبِيعِ فَهُوَ فِي الرَّقِيقِ خَاصَّةً وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْمَبِيعَاتِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ لَهُ تَمْيِيزًا تُكْتَمُ بِهِ عُيُوبُهُ فَجُعِلَتْ الْعُهْدَةُ بِاخْتِيَارِ حَالِهِ وَتَبَيُّنِ أَمْرِهِ هَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْجَهْمِ، وَهَذَا ضِدُّ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ بِالْبَرَاءَةِ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي مَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَنَّ لِلرَّقِيقِ أَفْهَامًا تُخْبِرُ عَنْ أَسْبَابِ أَمْرَاضِهِ الَّتِي يَجِدُهَا قَبْلَ ظُهُورِهَا عَلَيْهِ فَيَكُونُ كِتْمَانُ السَّيِّدِ لِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ مِنْ أَسْبَابِ أَمْرَاضِهِ تَدْلِيسًا يَقُومُ مَقَامَ تَدْلِيسِهِ بِمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنْ عُيُوبِهِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ إنَّمَا يَثْبُتُ حَيْثُ يَخْتَلِفُ حَالُ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ فِي الْمَعْرِفَةِ بِالْعَيْبِ فَإِذَا اسْتَوَتْ حَالُهُمَا فِي ذَلِكَ بَطَلَ الْخِيَارُ، فَلَمَّا كَانَ سَائِرُ الْحَيَوَانِ وَالْمَبِيعَاتِ لَا يُمْكِنُهُ الْإِخْبَارُ عَمَّا يَجِدُ مِنْ أَوَائِلِ الْأَمْرَاضِ وَأَسْبَابِهَا وَمَبَادِيهَا فِي بَاطِنِ جِسْمِهِ اسْتَوَتْ حَالُ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمُبْتَاعِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا كَانَتْ أَدْوَاءُ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ تَتَقَدَّمُ بِالْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَتَظْهَرُ بِاخْتِلَافِ الْفُصُولِ وَالْأَزْمِنَةِ كَانَتْ الْعُهْدَةُ فِيهَا سَنَةً لِاسْتِيفَاءِ جَمِيعِ الْفُصُولِ وَالْأَزْمِنَةِ وَلَمَّا كَانَتْ سَائِرُ الْأَدْوَاءِ لَا تَتَقَدَّمُ أَسْبَابُهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَانَ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ عُهْدَتَهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا حُكْمُ مَنْ لَا يَعْقِلُ مِنْ الصِّبْيَانِ وَلَا يُمْكِنُهُ الْإِخْبَارُ عَمَّا يَجِدُ مِنْ أَسْبَابِ الْمَرَضِ؛ لِأَنَّنَا إنَّمَا عَلَّلْنَا لِلْجِنْسِ دُونَ أَعْيَانِهِ
стр. 1211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَلَمْ نُفَرِّقْ بَيْنَ مَنْ يَتَأَتَّى ذَلِكَ مِنْهُ وَبَيْنَ مِنْ لَا يَتَأَتَّى؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُنَا تَمْيِيزُ وَقْتِ إمْكَانِهِ مِنْ وَقْتِ تَعَذُّرِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ جَمِيعِهِ حُكْمَ مَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِ، وَلِذَلِكَ جَعَلْنَا عِدَّةَ الْوَفَاةِ وَحُكْمَ الْإِحْدَادِ عَلَى الصَّغِيرَةِ لَمَّا تَعَذَّرَ عَلَيْنَا تَمْيِيزُ الصِّغَرِ مِنْ الْكِبَرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
عُهْدَةُ الثَّلَاثِ لَازِمَةٌ فِي الْأَمَةِ الرَّائِعَةِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الْمُوَاضَعَةُ إلَّا أَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي جُمْلَةِ الِاسْتِبْرَاءِ إنْ اسْتَغْرَقَهَا أَمْرُ الِاسْتِبْرَاءِ لَمَّا كَانَ حُكْمُ عُهْدَةِ الثَّلَاثِ حُكْمَهُ، فَإِنْ ذَهَبَ الِاسْتِبْرَاءُ جُمْلَةً وَلَمْ يَثْبُتْ كَاسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ الْحَامِلِ أَوْ شِرَاءِ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ فَعُهْدَةُ الثَّلَاثِ فِيهَا ثَابِتَةٌ ظَاهِرَةٌ لِتَعَرِّيهَا عَنْ أَحْكَامِ الْمُوَاضَعَةِ وَكَذَلِكَ الَّتِي تُشْتَرَى فِي عِظَمِ دَمِهَا.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي مَحَلِّ الْعُهْدَةِ مِنْ الْعُقُودِ] ١
ِ أَمَّا مَحَلُّ الْعُهْدَةِ مِنْ الْعُقُودِ وَتَمْيِيزُ مَا تَثْبُتُ فِيهِ الْعُهْدَةُ مِنْهَا مِمَّا لَا تَثْبُتُ فَإِنَّ مَا يُتَعَاوَضُ بِهِ مِنْ الرَّقِيقِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُعَيَّنٌ وَثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ مَوْصُوفٌ، فَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَإِنَّ الْمُعَاوَضَةَ بِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ مَبْنِيًّا عَلَى الْمُغَابَنَةِ وَالْمُكَايَسَةِ كَالْبَيْعِ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى الْمُكَارَمَةِ فَأَمَّا الْبَيْعُ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بَيْعَ بَرَاءَةٍ أَوْ بَيْعًا مُطْلَقًا، فَإِنْ كَانَ بَيْعَ بَرَاءَةٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمُزَنِيَّة وَمَنْ اشْتَرَى رَقِيقًا مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ فَإِنَّهُ بَيْعُ بَرَاءَةٍ وَلَا عُهْدَةَ لِمُشْتَرِيهِ لَا عُهْدَةَ ثَلَاثٍ وَلَا عُهْدَةَ سَنَةٍ، وَضَمَانُهَا مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ فِي عِدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ إنْ كَانَتْ مِنْ عَلِيِّ الرَّقِيقِ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَإِنْ كَانَ بَيْعًا مُطْلَقًا فَقَدْ تَثْبُتُ فِيهِ الْعُهْدَةُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى الْمُكَارَمَةِ كَعُقْدَةِ النِّكَاحِ فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ فَقَالَ مَرَّةً فِيهِ الْعُهْدَةُ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ، وَقَالَ مَرَّةً لَا عُهْدَةَ فِيهِ، وَقَالَهُ سَحْنُونٌ.
فَوَجْهُ قَوْلِهِ بِثُبُوتِ الْعُهْدَةِ أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَكَانَ حُكْمُ الْعُهْدَةِ فِيهِ ثَابِتًا كَالْبَيْعِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ النِّكَاحَ يَقْتَضِي اسْتِبَاحَةَ الِاسْتِمْتَاعِ حِينَ الْعُقْدَةِ وَلَا يَجُوزُ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ قَبْضُ الْعِوَضِ الَّذِي هُوَ الْبُضْعُ فَلَوْ ثَبَتَتْ الْعُهْدَةُ فِي النِّكَاحِ بِالرَّقِيقِ لَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ النِّكَاحُ لِتَعَذُّرِ اسْتِبَاحَةِ الِاسْتِمْتَاعِ حِين الْعَقْدِ أَوْ لِاقْتِضَاءِ الْعِوَضِ وَلِاقْتِضَاءِ الْعِوَضِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عُهْدَةِ الثَّلَاثِ، وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ بِالرَّقِيقِ يَثْبُتُ بِذَلِكَ أَنْ لَا عُهْدَةَ فِيهِمْ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنْ لَا عُهْدَةَ فِي غَيْرِ مُخَالَعٍ بِهِ؛ لِأَنَّ عِوَضَهُ يَحْصُلُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ يَنْفِي الْعُهْدَةَ، وَقَدْ قَالَهُ سَحْنُونٌ فِي الْعَبْدِ الْمُخَالَعِ بِهِ وَالْمُصَالَحِ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْإِقَالَةُ وَالشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ وَالسَّلَفُ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا إقَالَةَ فِي عُهْدَةٍ وَلَا سَلَفٍ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ، وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا عُهْدَةَ فِيمَا سَلَفَ مِنْ الرَّقِيقِ فَكَأَنَّهُ قَصَرَ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى ابْتِدَاءِ الْغَرَضِ لَا عَلَى قَضَائِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَقْدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُكَارَمَةِ كَعَقْدِ النِّكَاحِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ لَا عُهْدَةَ فِي الْعَبْدِ الْمَوْهُوبِ لِلثَّوَابِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْإِقَالَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مَعَهَا، قَوْلٌ ثَانٍ أَنَّ الْعُهْدَةَ تَثْبُتُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعُهْدَةِ الْأُولَى فَهَذَا عَلَى قَوْلِنَا أَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ فَسْخُ بَيْعٍ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي الشُّفْعَةِ وَالْمُرَابَحَةِ فَلَا عُهْدَةَ فِيهَا قَوْلًا وَاحِدًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الرَّدُّ بِالْعَيْبِ فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا عُهْدَةَ فِيهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ فَسْخُ بَيْعٍ وَلَيْسَ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ وَفَسْخُ الْبَيْعِ لَا عُهْدَةَ فِيهِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ يُفْسَخُ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ وَهُوَ الثَّابِتُ فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ أَيْضًا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَثْبُتَ مُعَايَنَةً كَالسَّلَمِ وَالثَّانِي أَنْ يَثْبُتَ بِعَقْدِ مُكَارَمَةٍ كَالنِّكَاحِ وَالْقَرْضِ فَأَمَّا السَّلَمُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ فِيهِ الْعُهْدَةَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا عُهْدَةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بَلَدُ الْعُهْدَةِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَفِيهَا الِاسْتِبْرَاءُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ فِيهَا عُهْدَةُ ثَلَاثٍ وَعُهْدَةُ السَّنَةِ تَبَعٌ لَهَا.
وَقَدْ قَالَ
стр. 1212
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى الْعُهْدَةِ]
ــ
[المنتقى]
سَحْنُونٌ لَا عُهْدَةَ فِي عَبْدٍ مَأْخُوذٍ مِنْ دَيْنٍ وَلَا مَأْخُوذٍ مِنْ كِتَابَةٍ وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ فِيهِ الْعُهْدَةُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ إنَّ تَعْيِينَ الْعَبْدِ كَالْقَبْضِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْرِيَ أَيْضًا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَنَّ فَسْخَ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا نُقِلَ مِنْ جِنْسٍ إلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَنْ يَثْبُتُ لَهُ شَيْءٌ فِي الذِّمَّةِ بِعَيْنٍ بِجِنْسِهِ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[الْبَابُ الْخَامِسُ فِي مَحَلِّ دَرْكِ الْعُهْدَةِ]
(الْبَابُ الْخَامِسُ فِي مَحَلِّ دَرْكِ الْعُهْدَةِ) أَمَّا مَحَلُّ دَرْكِهَا فَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا مُبَيَّنًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[الْبَابُ السَّادِسُ فِي حُكْمِ الْعِوَضِ مِنْهَا فِي تَعْجِيلٍ أَوْ تَأْخِيرٍ] ١
ٍ أَمَّا حُكْمُهَا فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْعُهْدَةَ الْمُخْتَصَّةَ بِالرَّقِيقِ عُهْدَتَانِ إحْدَاهُمَا عُهْدَةُ الثَّلَاثِ وَالثَّانِيَةُ عُهْدَةُ السَّنَةِ، فَأَمَّا عُهْدَةُ الثَّلَاثِ فَفِيهَا مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا لَا يَلْزَمُ النَّقْدُ فِيهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَالثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ فِي مُدَّةِ هَذِهِ الْعُهْدَةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ النَّقْدُ فِيهَا تَوَقُّعًا لِمَعْنًى مُتَكَرِّرٍ مُتَقَدِّمٍ لِجَوَازِ هَلَاكِ الْمَبِيعِ أَوْ بَعْضِهِ مَعَ انْفِرَادِ الْبَائِعِ بِمَعْرِفَتِهِ وَضَمَانِهِ لِلْمَبِيعِ بِسَبَبِهِ فَلَمْ يَكْمُلْ تَسْلِيمُهُ لِلْمَبِيعِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ قَبْضَ ثَمَنِهِ.
(فَرْعٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّمَرَةِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي ضَمَانُهَا مِنْ الْبَائِعِ وَيَلْزَمُ النَّقْدُ فِيهَا بِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ أَنَّ ضَمَانَ الْبَائِعِ لِلثَّمَرَةِ إنَّمَا هُوَ لِأَمْرٍ طَارِئٍ يُخَافُ حُدُوثُهُ يُتَيَقَّنُ أَنَّهُ يَسْتَوِي فِي مَعْرِفَتِهِ الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ وَضَمَانُ الْعُهْدَةِ لِسَبَبٍ مَاضٍ لَا يُتَيَقَّنُ عَدَمُهُ عَلَى الْبَائِعِ حِينَ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا ضُرِبَتْ مُدَّةُ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ اسْتِبْرَاءً لِيَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ سَلَامَتُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ لَا يَلْزَمُ دَفْعُ الثَّمَنِ فِيهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ لَهُ فَلَمْ يَجُزْ اشْتِرَاطُ دَفْعِهِ فِيهَا كَمُدَّةِ الْخِيَارِ.
(فَرْقٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ أَنَّهُ يَجُوزُ شَرْطُ النَّقْدِ فِيهِ قَبْلَ وُجُوبِهِ وَقَبْلَ خُرُوجِ الْمَبِيعِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ أَنَّ ضَمَانَ الْبَائِعِ هُنَاكَ إنَّمَا هُوَ لِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ التَّوْفِيَةِ فَكَانَ لِلْمُبْتَاعِ مَنْعُ الثَّمَنِ حَتَّى يُسْتَوْفَى فَإِذَا شَرَطَ عَلَيْهِ تَعْجِيلَهُ جَازَ ذَلِكَ كَشِرَاءِ الْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْخِيَارِ، فَإِنْ شَرَطَ النَّقْدَ بَطَلَ الْعَقْدُ.
(فَرْعٌ) وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْبَائِعِ وَضْعَ النَّقْدِ عَلَى يَدِهِ مَخْتُومًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ فِي مَسْأَلَةِ الْعُرْبَانِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَهَلْ لِلْبَائِعِ إيقَافُ الثَّمَنِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ؟ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يَجِبُ إيقَافُهُ، وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْعُتْبِيَّةِ لَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ مِنْ حُجَّةِ الْبَائِعِ أَنْ يَقُولَ أَخَافُ فَلَسَهُ وَذَهَابَ مَا بِيَدِهِ وَأَنْ يَفْسُدَ تَسْلِيمُهُ إلَيَّ، فَإِنْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فَلْيَسْتَوْثِقْ لِي بِوَضْعِهِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهُ إلَى الْبَائِعِ لَمْ يَلْزَمْ إخْرَاجُهُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُبْتَاعِ إلَى يَدٍ أَمَانَةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَغْرِيرٌ بِالْمَالِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا وُضِعَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ فَتَلِفَ فَضَيَاعُهُ عَلَى مَنْ يَجِبُ لَهُ أَخْذُهُ عَيْنًا كَانَ أَوْ عَرْضًا أَوْ حَيَوَانًا حَكَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَمْرُ الْمَبِيعِ مُرَاعًى إنْ سُلِّمَ لَزِمَ الْمُبْتَاعَ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يُسَلَّمْ لَمْ يَلْزَمْهُ وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ أَيْضًا مُرَاعًى مُعْتَبَرًا بِالْمَثْمُونِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُوقِفَ بِسَبَبِهِ، فَإِنْ سُلِّمَ الْمَبِيعُ فَالثَّمَنُ مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ فِي مِلْكِهِ مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ، وَإِنْ لَمْ يُسَلَّمْ الْمَبِيعُ فَالثَّمَنُ مِنْ الْمُبْتَاعِ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْمَبِيعِ نَاقِصًا إذَا ضَاعَ الثَّمَنُ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهُ ذَلِكَ، وَرَوَى عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَقَالَ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ وَلَا ثَمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي وَالْجَارِيَةُ الْمَعِيبَةُ لِلْبَائِعِ وَجْهُ بَقَاءِ الْجَارِيَةِ لَهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ سَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ أَنَّ هَذَا خِيَارٌ كَانَ لَهُ قَبْلَ ضَيَاعِ الثَّمَنِ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِضَيَاعِ الثَّمَنِ أَصْلُهُ إذَا لَمْ يَحْدُثْ بِالْمَبِيعِ عَيْبٌ، وَوَجْهُ إبْطَالِ الْخِيَارِ أَنَّ حُدُوثَ النَّقْصِ فِي مُدَّةِ الْعُهْدَةِ مِنْ ضَمَانِ
стр. 1213
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ أَوْ غَيْرِهِمْ بِالْبَرَاءَةِ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَلَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ، فَإِنْ كَانَ عَلِمَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ لَمْ تَنْفَعْهُ الْبَرَاءَةُ وَكَانَ ذَلِكَ الْبَيْعُ مَرْدُودًا وَلَا عُهْدَةَ عِنْدَنَا إلَّا فِي الرَّقِيقِ)
ــ
[المنتقى]
الْبَائِعِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِثُبُوتِ الْخِيَارِ فَفِي أَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهُ قَبُولُ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ التَّالِفِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ إنَّمَا لَهُ أَخْذُهَا بِغُرْمِ ثَمَنٍ ثَانٍ أَوْ رَدِّهَا، وَقَالَ سَحْنُونٌ إنْ أَتْلَفَ الثَّمَنَ قَبْلَ حُدُوثِ الْعَيْبِ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِثَمَنٍ آخَرَ، وَأَمَّا إنْ تَلِفَ الثَّمَنُ بَعْدَ حُدُوثِهِ وَقَبْلَ رِضَا الْمُبْتَاعِ بِهِ قَبْلَ الْحَيْضِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَهُ أَخْذُ الْجَارِيَةِ دُونَ ثَمَنٍ آخَرَ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَهُ عِوَضَانِ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ النَّقْصَ الْحَادِثَ فِي الْمَبِيعِ تَبَيَّنَ أَنَّ الثَّمَنَ الْأَوَّلَ لَهُ وَبَقِيَ لَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ رَدَّ الْمَبِيعَ وَإِلَّا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَنٍ آخَرَ يَصِلُ إلَى الْبَائِعِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ أَنَّ تَقَدُّمَ حُدُوثِ الْعَيْبِ قَدْ أَثْبَتَ لَهُ الْخِيَارَ قَبْلَ ضَيَاعِ الثَّمَنِ فَالثَّمَنُ مِنْ الْبَائِعِ وَإِذَا ضَاعَ الثَّمَنُ قَبْلَ حُدُوثِ الْعَيْبِ فَقَدْ ضَاعَ مِنْ الْمُشْتَرِي فَإِذَا حَدَثَ الْعَيْبُ بَعْدَ ذَلِكَ وَاخْتَارَ السِّلْعَةَ فَعَلَيْهِ ثَمَنٌ آخَرُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا قُلْنَا أَنَّ النَّقْدَ غَيْرُ لَازِمٍ وَلَا جَائِزٍ بِالشَّرْطِ جَازَ أَنْ يَتَطَوَّعَ الْمُبْتَاعُ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لِنَقْدٍ لَا يَلْزَمُهُ تَقْدِيمُهُ كَالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَيْعُ بِالْخِيَارِ، فَإِنْ كَانَ بِالْخِيَارِ فَنَقَدَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَزِمَ الْبَيْعُ بِإِمْضَائِهِ وَقَطْعِ الْخِيَارِ أَخَذَ فِيهِ جَارِيَةً فِيهَا الْمُوَاضَعَةُ فَآلَ ذَلِكَ إلَى فَسْخِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا عُهْدَةُ السَّنَةِ فَالنَّقْدُ فِيهَا لَازِمٌ؛ لِأَنَّ مَا يُتَّقَى فِيهَا نَادِرٌ شَاذٌّ فَلَا يَجُوزُ مَنْعُ النَّقْدِ لِسَبَبٍ مُتَوَقَّعٍ نَادِرٍ وَلِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ سَقَطَتْ فِيهَا النَّفَقَةُ عَنْ الْبَائِعِ بِالْبَيْعِ فَكَانَ لَهُ أَخْذُ الثَّمَنِ أَصْلُ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعُهْدَةِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ بَاعَ رَقِيقًا بِالْبَرَاءَةِ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ مِنْ الْعُيُوبِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ حُكْمُ الْعُهْدَةِ وَحُكْمُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ضَرْبٌ فِيهِ الْعُهْدَتَانِ الْمُتَقَدِّمَتَانِ وَهُوَ الرَّقِيقُ وَالضَّرْبُ الثَّانِي لَيْسَتْ فِيهِ عُهْدَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِزَمَنٍ، وَلَكِنَّ عُهْدَةَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِيهِ ثَابِتَةٌ فَمَتَى اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ يُمْكِنُ أَنْ يُدَلِّسَ بِهِ الْبَائِعُ كَانَ لَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ بَيْعٌ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ عُهْدَتَيْ الرَّقِيقِ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي لَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْبَائِعُ فَمَتَى اطَّلَعَ الْمُبْتَاعُ عَلَى عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمُ أَنَّ الْبَائِعَ عَلِمَ بِهِ لَمْ يَرُدَّ بِهِ.
هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْهُ رِوَايَةً ثَانِيَةً اشْتِرَاطُ الْبَرَاءَةِ غَيْرُ نَافِعٍ وَلَا يَبْرَأُ إلَّا مِمَّا يَرَاهُ الْمُبْتَاعُ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِبَيْعِ الْبَرَاءَةِ مِنْ عَيْبٍ عَلِمَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ، وَالثَّانِي يَبْرَأُ مِنْهَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّالِثُ يَبْرَأُ فِي الْحَيَوَانِ مِنْ الدَّاءِ الْبَاطِنِ خَاصَّةً وَحَكَى عَنْهُ يَبْرَأُ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ فِي الْحَيَوَانِ دُونَ مَا عَلِمَ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي الرَّقِيقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَأْثِيرِ شَرْطِ الْبَرَاءَةِ فِيمَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْبَائِعُ مِنْ الْعُيُوبِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا وَحُكْمُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ بِالْيَمِينِ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَفِي ذَلِكَ إثْبَاتُ مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ الْبَرَاءَةِ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَكَانَتْ أَحْكَامُهُ تُسْمَعُ وَتَنْتَقِلُ لَا سِيَّمَا إلَى مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي ذَلِكَ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا تَبَرُّؤٌ مِنْ عَيْبٍ اسْتَوَى فِيهِ عِلْمُ الْمُتَبَايِعِينَ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا عَلِمْنَاهُ، وَفِي هَذَا الدَّلِيلِ نَظَرٌ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ فِي بَيْعِ الْبَرَاءَةِ غَرَرًا فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ بَذَلَ ثَمَنَهُ فِي مُقَابَلَةِ سِلْعَةٍ لَمْ يُعْقَدْ الْبَيْعُ عَلَى صِحَّتِهَا وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِمَا يُنْقِصُ الْعَيْبُ مِنْهَا فَلَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ مَا يَشْتَرِي بِهِ وَلَا قَدْرَ مَا يُسَلَّمُ، وَهَذَا الدَّلِيلُ يَقْتَضِي صِحَّةَ الْعَقْدِ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ شُيُوخِنَا، وَإِنَّمَا هَذِهِ الرِّوَايَةُ مَعَ شُذُوذِهَا تَمْنَعُ الْبَرَاءَةَ وَتُصَحِّحُ الْعَقْدَ، وَإِنَّمَا يُعْتَمَدُ فِيهَا عَلَى قِلَّةِ الْعَيْبِ مَعَ سَلَامَةِ الْعَقْدِ وَالتَّسْلِيمِ وَالْتِزَامِهَا عَلَى الظَّاهِرِ
стр. 1214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مِنْ السَّلَامَةِ، وَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنْ الْبَرَاءَةِ مِنْ ثَلَاثٍ فِي عِلَلِ الرَّقِيقِ مِنْ الْحَمْلِ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ لَمَّا كَثُرَ الْغَرَرُ وَمَنَعَ الْمُغِيرَةُ مِنْ الْحُكْمِ بِالْبَرَاءَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ مِنْ عُيُوبِ الرَّقِيقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهَلْ يُتْبَعُ بِالْبَرَاءَةِ مَنْ لَا يَعْلَمُ حَالَ الْمَبِيعِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ الْمَنْعَ مِنْهُ، وَرَوَى عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ التَّخْفِيفَ فِيهِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَصَدَ إلَى التَّدْلِيسِ حِينَ لَمْ يُشْرِفْ عَلَى حَالِ الْمَبِيعِ، وَقَدْ تَوَقَّعَ عُيُوبًا فَأَرَادَ أَنْ لَا يَطَّلِعَ عَلَيْهَا لِلتَّدْلِيسِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ هَذَا بَائِعٌ لِلْبَرَاءَةِ فَلَمْ يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ عِلْمِهِ بِحَالِ الْمَبِيعِ كَالْوَارِثِ وَالسُّلْطَانِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ لَازِمٌ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ، وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَبِرْ الْعَبْدَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّرْطَ الْمُخْتَلَفَ فِي جَوَازِهِ لَا يُبْطِلُ الْعَقْدَ، وَإِنْ بَطَلَ هُوَ فِي نَفْسِهِ فَهَذَا لَمَّا شَرَطَ الْبَرَاءَةَ صَحَّ الْبَيْعُ وَلَمْ يَنْعَقِدْ الشَّرْطُ عَلَى وَجْهِ التَّدْلِيسِ كَمَا لَوْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَاشْتَرَطَ الْبَرَاءَةَ.
[بَيْع الْبَرَاءَة وَفِيهِ أَبْوَاب] ١
(مَسْأَلَةٌ) وَلَا يَبْرَأُ الْبَائِعُ بِالْبَرَاءَةِ مِمَّا عَلِمَ مِنْ الْعُيُوبِ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَبْرَأُ مِنْ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ قَضَى عَلَى ابْنِ عُمَرَ بِأَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِهِ عَيْبًا، وَلَوْ لَمْ يَجِبْ الرَّدُّ بِمَا عَلِمَ لَمْ تَلْزَمْ هَذِهِ الْيَمِينُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا عَيْبٌ دَلَّسَ الْبَائِعُ بِهِ فَثَبَتَ فِيهِ خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ كَمَا لَوْ لَمْ يُبَعْ بِالْبَرَاءَةِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِي بَيْعِ الْبَرَاءَةِ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ أَحَدُهَا فِي تَبْيِينِ مَحَلِّهَا مِنْ الْعُقُودِ وَالثَّانِي فِي تَبْيِينِ مَحَلِّهَا مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالثَّالِثُ فِيمَنْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ وَالرَّابِعُ فِي تَبْيِينِ مَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ الْعُيُوبِ وَالْخَامِسُ فِي شُرُوطِ صِحَّةِ عَقْدِ الْبَيْعِ بِالْبَرَاءَةِ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَبْيِينِ مَحَلِّ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُقُودِ] ١
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَبْيِينِ مَحَلِّ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُقُودِ) لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ الْبَيْعِ وَلَا ذَكَرَ مَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْبُيُوعِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهَا تَصِحُّ فِي كُلِّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا التَّمَاثُلُ، فَمَا كَانَ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ التَّمَاثُلُ لَمْ يَجُزْ فِيهِ الْبَرَاءَةُ كَالْقَرْضِ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ فِي الْقَرْضِ وَالْقَضَاءِ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا يُنَافِي التَّمَاثُلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِهِمَا مِنْ الْعُيُوبِ مَا لَيْسَ فِي الثَّانِي فَلَمْ يُعْلَمْ التَّمَاثُلُ، وَالْجَهْلُ بِالتَّفَاضُلِ فِيمَا يُنَافِيه التَّفَاضُلُ كَالْعِلْمِ بِهِ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِي الْمُعَيَّنِ، وَأَمَّا مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي تَبْيِينِ مَحَلِّهَا مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ]
(الْبَابُ الثَّانِي فِي تَبْيِينِ مَحَلِّهَا مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ) الْمَبِيعُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ رَقِيقٌ وَحَيَوَانٌ صَامِتٌ وَعُرُوضٌ، فَأَمَّا الرَّقِيقُ فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ جَوَازُ بَيْعِهِ بِالْبَرَاءَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّقِيقَ يَكْتُمُ عُيُوبَهُ وَلَا يُظْهِرُهَا سَتْرًا عَلَى نَفْسِهِ وَرَغْبَةً فِي بَقَائِهِ فِي مَحَلِّهِ فَكَانَ ذَلِكَ مُقَوِّيًا لَمَا يَدَّعِيه الْبَائِعُ مِنْ اسْتِوَاءِ عِلْمِهِ بِهِ وَعِلْمِ الْمُبْتَاعِ وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مَبْنِيٌّ عَلَى عِلْمِ الْبَائِعِ بِالْعَيْبِ وَتَدْلِيسِهِ، وَمَا اسْتَوَى فِيهِ عِلْمُ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ فَلَا سَبِيلَ إلَى الرَّدِّ بِهِ عَلِمَا أَوْ جَهِلَا، فَإِنْ قِيلَ تَارَةً يَسْتَدِلُّونَ بِكِتْمَانِهِ عَلَى صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ وَتَارَةً يَسْتَدِلُّونَ بِإِخْبَارِهِ عَلَى الْعُهْدَةِ وَهُمَا عِلْمَانِ مُتَضَادَّانِ وَحُكْمَانِ مُتَنَافِيَانِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ عِلْمَانِ مُتَضَادَّانِ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي ثُبُوتِ الْعُهْدَةِ جَوَازَ إخْبَارِهِ فَيَجِبُ نَفْيُ الْبَرَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ مُنَافٍ لَهَا وَيَبْطُلُ حُكْمُهَا، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَمْرَيْنِ مُتَبَايِنَانِ مِنْ الرَّقِيقِ - الْكِتْمَانِ وَالْإِخْبَارِ -، وَهَذَا شَاهِدٌ لَا يُمْكِنُ نَفْيُهُ وَلَا إنْكَارُهُ فَلَمَّا أَمْكَنَ إخْبَارُهُ أَثْبَتْنَا فِيهِ الْعُهْدَةَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَمَا أَثْبَتْنَا لِلْمُبْتَاعِ خِيَارَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْلَمَهُ الْبَائِعُ مِنْ الْعُيُوبِ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ الْبَرَاءَةُ لِمَنْ اشْتَرَطَهَا إنْ لَمْ يُخْبِرْهُ بِعَيْبٍ وَلَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ فِيهِ وَكَانَ
стр. 1215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مَا أَخْبَرَ بِهِ مُمْكِنًا مِنْهُ وَمُبَايِنًا فِيهِ وَصَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ الْمُبْتَاعُ وَرَضِيَ بِأَمَانَتِهِ فَأَثْبَتْنَا لَهُ مَا اشْتَرَطَ بِصِحَّةِ سَبَبِهِ، فَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ وَتَيَقَّنَّا كَذِبَهُ أَبْطَلْنَا بَرَاءَتَهُ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ كَانَ الظَّاهِرُ فِي تَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي ظَاهِرًا فِي صِدْقِهِ وَاسْتَبْرَأْنَا أَمْرَهُ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ الْبَائِعِ وَلَا غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْحَيَوَانُ الصَّامِتُ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا تَصِحُّ فِيهِ الْبَرَاءَةُ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَقَعَ لِمَالِكٍ فِي كُتُبِهِ مَنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً أَوْ حَيَوَانًا بِالْبَرَاءَةِ فَقَدْ بَرِئَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّ الْحَيَوَانَ يُفَارِقُ سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوِي فِي الصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ وَتَحَوُّلِ طَبَائِعِهِ وَقَلَّمَا يَخْلُو مِنْ عَيْبٍ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَوَقَعَ الْبَيْعُ بِالْبَرَاءَةِ فِي الْحَيَوَانِ فَهَلْ يُفْسَخُ الْبَيْعُ أَوْ يَثْبُتُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ، الَّذِي تَقْتَضِيه رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لَهُ الرَّدُّ وَلَا تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ، وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ وَقَعَ فِي الْحَيَوَانِ لَمْ أَفْسَخْهُ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْعُرُوضِ فَسَخْته إلَّا أَنْ يَطُولَ ذَلِكَ وَيَتَبَاعَدَ فَلَا أَفْسَخُهُ قَالَ مُحَمَّدٌ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ لَا أَفْسَخُهُ لِمَا وَقَعَ فِي كِتَابِ مَالِكٍ مَنْ بَاعَ وَلِيدَةً أَوْ حَيَوَانًا بِالْبَرَاءَةِ فَقَدْ بَرِئَ، وَوَجْهُ هَذَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدُ مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ لَمَّا كَانَ مُخْتَلَفًا فِي جَوَازِهِ لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ عَنْ مَنْ لَا يُجِيزُهُ، وَلَكِنْ يَبْطُلُ الشَّرْطُ فِي نَفْسِهِ وَيَثْبُتُ الْعَقْدُ عَارِيًّا مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْعَرُوضُ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ مَالِكًا أَثْبَتَ الْبَرَاءَةَ فِي الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ فَجَازَ أَنْ تَثْبُتَ فِيهِ الْبَرَاءَةُ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ الْبَائِعُ كَالرَّقِيقِ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَنْ يَجُوزُ لَهُ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْبَائِعِينَ] ١
َ فِي هَذَا الْبَابِ فَصْلَانِ أَحَدُهُمَا فِي تَبْيِينِ مَنْ بَيْعُهُ بَيْعُ الْبَرَاءَةِ وَالثَّانِي فِي تَبْيِينِ مَنْ يَثْبُتُ فِي بَيْعِهِ اشْتِرَاطُ الْبَرَاءَةِ.
(فَصْلٌ) :
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ بَيْعَ السُّلْطَانِ وَبَيْعَ الْمَوَارِيثِ بَيْعُ بَرَاءَةٍ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّ بَيْعَ السُّلْطَانِ خَاصَّةً عَلَى الْبَرَاءَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي بَيْعِ السُّلْطَانِ.
فَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ بَيْعَ الْمَوَارِيثِ بَيْعٌ عَلَى الْمَيِّتِ لَا يَسْتَطِيعُ رَدَّهُ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ وَوَصِيَّتِهِ فَأَشْبَهَ بَيْعَ السُّلْطَانِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ بَيْعَ السُّلْطَانِ حُكْمٌ، وَلِذَلِكَ إذَا بَاعَ فِي حَيَاةِ مَنْ يُبَاعُ عَلَيْهِ نَفَذَ بَيْعُهُ وَكَانَ عَلَى الْبَرَاءَةِ، وَالْوَصِيُّ وَلَوْ بَاعَ فِي حَيَاةِ مَنْ بَاعَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْبَرَاءَةِ فَإِذَا بَاعَ بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْبَرَاءَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَبَيْعُ السُّلْطَانِ هُوَ مَا تَوَلَّى بَيْعَهُ عَلَى مُفْلِسٍ أَوْ مِنْ مَغْنَمٍ أَوْ بَاعَهُ مِنْ تَرِكَةِ مَيِّتٍ لِقَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ تَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ أَمَّا مَا بَاعَهُ الْوَرَثَةُ لِدُعَاءِ بَعْضِهِمْ أَوْ جَمِيعِهِمْ إلَى الْبَيْعِ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ وَهَؤُلَاءِ كَجَمَاعَةٍ اشْتَرَكُوا فِي رَقِيقٍ وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْوَلِيِّ عَلَى الْيَتِيمِ لِحَاجَةِ الْإِنْفَاقِ فَهُوَ كَبَيْعِ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
فَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي وَهُوَ فِي ثُبُوتِ الْبَرَاءَةِ لِمَنْ اشْتَرَطَهَا فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهَا تَثْبُتُ بِالشَّرْطِ وَالثَّانِيَةُ أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِالشَّرْطِ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ لِمَنْ كَانَتْ مُقْتَضَى بَيْعِهِ دُونَ شَرْطِهِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى هِيَ رِوَايَةُ الْمُوَطَّأِ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ أَوْ غَيْرِهِمْ بِالْبَرَاءَةِ فَقَدْ بَرِئَ وَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ مِنْ قَضَاءِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ فِي بَيْعِ الْبَرَاءَةِ بِالْيَمِينِ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِهِ عَيْبًا، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ كِتْمَانِ الرَّقِيقِ لِعُيُوبِهِ وَأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَعْلَمُ بِهِ فَيَسْتَوِي فِيهِ عِلْمُ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ وَلَمَّا صَحَّ هَذَا مِنْهُ وَصَحَّ أَنْ يَعْلَمَ لَمْ يَجُزْ هَذَا إلَّا بِالشَّرْطِ لِمَا فِيهِ مِنْ ادِّعَاءِ الْجَهْلِ بِعَيْبِهِ وَدُخُولِ
стр. 1216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْمُشْتَرِي عَلَى تَصْدِيقِهِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ مَا لَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْبَرَاءَةِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ بِالشَّرْطِ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ الَّتِي يَعْلَمُهَا الْبَائِعُ وَيَشْتَرِطُ الْبَرَاءَةَ مِنْهَا وَلَا يُسَمِّيهَا.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ الْبَرَاءَةَ ثَابِتًا فِي الرَّقِيقِ خَاصَّةً لِمَا يَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ كِتْمَانِ عُيُوبِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْبَرَاءَةُ فِي كُلِّ بَيْعٍ عَلَى مَا اخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَرَوَاهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ.
(فَرْعٌ) إنْ قُلْنَا إنَّ الْبَرَاءَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا فِي بَيْعِ السُّلْطَانِ أَوْ بَيْعِ السُّلْطَانِ وَالْمَوَارِيثِ، فَإِنْ بَاعَ السُّلْطَانُ أَوْ بَاعَ أَحَدٌ بِأَمْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ بَيْعُ مَغْنَمٍ وَلَا بَيْعٌ عَلَى مُفْلِسٍ وَلَا بَيْعُ مَوَارِيثَ فَهَلْ يَكُونُ عَلَى الْبَرَاءَةِ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْبَرَاءَةِ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ هُوَ عَلَى الْبَرَاءَةِ إلَّا أَنْ لَا يَعْلَمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ بَيْعُ مِيرَاثٍ أَوْ سُلْطَانٍ، وَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ بَيْعَ السُّلْطَانِ وَبَيْعَ مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُ أَمْرٌ مَشْهُورٌ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ بَيِّنَةٍ أَوْ مُشَاهَدَةٍ وَجَمْعٍ فَيُحْمَلُ عَلَى حُكْمِهِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْجَهْلَ بِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ النَّاسَ إذَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يُحْمَلُ بَيْعُهُ عَلَى الْبَرَاءَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُبْتَاعُ أَنَّ الْبَائِعَ مِمَّنْ يَقْتَضِي بَيْعُهُ الْبَرَاءَةَ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي الرَّدِّ أَوْ الْإِمْسَاكِ، وَذَلِكَ كَعَيْبٍ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا بَيْعُ الْوَصِيِّ أَوْ الْوَرَثَةِ الْمَوَارِيثَ إذَا قُلْنَا إنَّهُ عَلَى الْبَرَاءَةِ فَإِنَّمَا لَا يُحْمَلُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْمُبْتَاعُ أَنَّهُ بَيْعُ بَرَاءَةٍ.
(فَرْقٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ بَيْعِ الْوَصِيِّ وَبَيْعِ السُّلْطَانِ عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ بَيْعَ السُّلْطَانِ مَشْهُورٌ وَلَا يَكَادُ يَخْفَى، وَأَمَّا الْوَصِيُّ فَبَيْعُهُ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْ بَيْعِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُبَيِّنَ فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَيْعُ مِيرَاثٍ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ مَعَ قَوْلِهِ إنَّ الْبَرَاءَةَ لَا تَكُونُ فِي بَيْعِ الرَّجُلِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَرَاءَةَ لَمَّا اُلْتُزِمَتْ وَصَادَفَتْ مَحَلَّهَا لَزِمَتْ الْعَقْدَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْعَاقِدُ بِمَحَلِّ ثُبُوتِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْبَرَاءَةَ الثَّانِيَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَثْبُتَ لِمَعْنًى فِي الْبَائِعِ وَالثَّانِي أَنَّ تَثْبُتَ بِالشَّرْطِ عَلَى رِوَايَةِ تَجْوِيزِ ذَلِكَ، فَأَمَّا مَا تَثْبُتُ لِمَعْنًى فِي الْبَائِعِ فَإِنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِعُيُوبِ الْمَبِيعِ وَتَفْوِيتِ الثَّمَنِ بِدَفْعِهِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ كَبَيْعِ السُّلْطَانِ وَالْمَوَارِيثِ، فَفِي هَذَا إنْ اطَّلَعَ الْمُبْتَاعُ عَلَى عَيْبٍ قَبْلَ تَفْوِيتِ الثَّمَنِ أُقِيلَ مِنْهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ فِيهِ لِمَعْنَيَيْنِ الْجَهْلِ بِالْعُيُوبِ وَفَوَاتِ الثَّمَنِ، وَالثَّمَنُ قَائِمٌ بَعْدُ لَمْ يَفُتْ، وَأَمَّا إنْ قَامَ بِالْعَيْبِ بَعْدَ تَفْوِيتِ الثَّمَنِ فَقَدْ لَزِمَهُ عَلَى الْبَرَاءَةِ وَلَا قِيَامَ لَهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا يَثْبُتُ بِاشْتِرَاطِ الْبَائِعِ الْبَرَاءَةَ فَإِنَّهُ لَا قِيَامَ لَهُ بِمَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْبَائِعُ فَاتَ الثَّمَنُ أَوْ لَمْ يَفُتْ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَزِمَهُ بِشَرْطٍ صَحِيحٍ لَازِمٍ انْعَقَدَ الْبَيْعُ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَ بِنَفْسِ انْعِقَادِ الْبَيْعِ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ الصَّحِيحَةِ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي تَبْيِينِ مَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ مِنْ الْعُيُوبِ] ١
(الْبَابُ الرَّابِعُ فِي تَبْيِينِ مَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ مِنْ الْعُيُوبِ) ، وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ بَرَاءَةٌ خَاصَّةٌ وَبَرَاءَةٌ عَامَّةٌ، فَأَمَّا الْخَاصَّةُ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مُتَّفَقٌ عَلَى فَسَادِهِ، وَالثَّانِي مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالثَّالِثُ مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ، فَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَى فَسَادِهِ فَهُوَ إذَا أَقَرَّ السَّيِّدُ بِوَطْءِ الْأَمَةِ وَتَبَرَّأَ مِنْ حَمْلِهَا ظَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ ظَاهِرٍ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْبَرَاءَةَ هَاهُنَا غَيْرُ عَامِلَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ حَمْلٍ يَلْزَمُهُ بِإِجْمَاعٍ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ يَفْسُدُ ذَلِكَ الْعَقْدُ أَمْ لَا؟ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَفْسُدُ الْعَقْدُ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ تَبَرَّأَ مِنْ حَمْلِ جَارِيَةٍ وَهُوَ مُقِرٌّ بِوَطْئِهَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الْعَقْدَ وَأَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَجْهُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ أَنَّهُ نَقَلَ ضَمَانًا مُتَّفَقًا عَلَى مَحَلِّهِ فَوَجَبَ أَنْ يَفْسُدَ الْعَقْدُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِي جَوَازِهِ فَهُوَ بَيْعُ الْأَمَةِ الرَّائِعَةِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ حَمْلِهَا الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ مَعَ إنْكَارِ وَطْئِهَا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ وَيَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَجْهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ كَثْرَةِ الْعَوْدِ لِكَثْرَةِ مَا يُنْقِصُ الْحَمْلُ مِنْ قِيمَتِهَا فَيَتَفَاوَتُ الْغَرَرُ
стр. 1217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
بِتَفَاوُتِ قِيمَتِهَا إنْ سَلِمَتْ مِنْ الْحَمْلِ أَوْ نَقْصِهَا إنْ كَانَتْ حَامِلًا، وَأَمَّا غَيْرُ الرَّائِعَةِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَهَذَا فِي السُّرِّيَّةِ، وَأَمَّا ذَاتُ الزَّوْجِ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا تُرَدُّ لِحَمْلٍ يَظْهَرُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ ابْتَاعَهَا الْمُبْتَاعُ وَكَذَلِكَ الْمَشْهُورَةُ بِالزِّنَى حَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ التَّبَرِّي فِيهِمَا بِحَمْلٍ غَيْرِ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَذْهَبُ مِنْهُمَا الْكَبِيرُ مِنْ الثَّمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ حَمْلٍ غَيْرِ ظَاهِرٍ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ، فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ الْحَمْلِ مَعَ إقْرَارِهِ بِوَطْئِهَا أَوْ مَعَ نَفْيِهِ لِذَلِكَ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ الْمُبْتَاعَ لَا يَضْمَنُهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ تَمْضِيَ مُدَّةُ اسْتِبْرَائِهَا، فَإِنْ نَفَى وَطْأَهَا فَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَضْمَنُهَا الْمُشْتَرِي بِقَبْضِهَا، وَخَالَفَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ فَقَالَ لَا يَضْمَنُ إلَّا بَعْدَ مُدَّةِ اسْتِبْرَائِهَا وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ قَدْ يُسْقِطُ مَا شُرِطَ فِيهِ وَرَجَعَ إلَى مُقْتَضَاهُ وَمُقْتَضَى الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَنَّ الْمُبْتَاعَ يَضْمَنُ الْمَبِيعَ بِالْقَبْضِ، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ إنَّمَا يُرَدُّ فَاسِدُهُ إلَى مُقْتَضَى صَحِيحِهِ وَمُقْتَضَى صَحِيحِ هَذَا الْعَقْدِ أَنْ لَا يَضْمَنَ بِالْقَبْضِ فَكَذَلِكَ فَاسِدُهُ كَمَنْ شَرَطَ النَّقْدَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْمَبِيعَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا بَيْعُ الرَّائِعَةِ الظَّاهِرَةِ الْحَمْلِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُ الْبَائِعُ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْ أَمْرٍ ظَاهِرٍ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي فَيَنْتَفِي بِذَلِكَ الْغَرَرُ، وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي حَمْلٍ ظَاهِرٍ وَلَا غَيْرِ ظَاهِرٍ فِي وَخَشٍ وَلَا غَيْرِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَشِرَاءُ الشَّاةِ أَوْ الْبَقَرَةِ عَلَى أَنَّهَا حَامِلٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا خَيْرَ فِي بَيْعِ الرَّمَكَةِ لِأَنَّهَا عُقُوقٌ وَكَذَلِكَ الْغَنَمُ وَالْإِبِلُ إلَّا أَنْ يَقُولَ هِيَ عُقُوقٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ وَجَوَّزَهُ أَشْهَبُ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ وَابْنِ كِنَانَةَ أَنَّهُ جَائِزٌ وَجْهُ مَا رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ مَنْ بَاعَ الرَّمَكَةَ أَوْ الشَّاةَ عَلَى أَنَّهَا حَامِلٌ فَقَدْ أَخَذَ لِلْجَنِينِ ثَمَنًا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ الْبَاقُونَ أَنَّ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْمَظْنُونَةِ، وَإِنْ زَادَتْ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ كَالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تُؤَبَّرْ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ إنْ وَقَعَ الْبَيْعُ بِذَلِكَ رُدَّ إلَّا أَنْ يَفُوتَ بِنَاءٌ أَوْ نُقْصَانٌ أَوْ حَوَالَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْجَوَازِ فَإِنَّهُ إنْ اطَّلَعَ بَعْدَ وَقْتٍ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ حَامِلٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَابْنُ كِنَانَةَ أَنَّهُ إنْ كَانَ بَاعَهَا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَمَا قَالَ مَضَى الْبَيْعُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَرَفَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعُقُوقٍ، فَإِنْ كَانَ يُنْزِي عَلَيْهَا الْفَحْلَ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ رُدَّتْ عَلَيْهِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَشْهَبَ إنْ بَاعَهَا عَلَى أَنَّهَا حَامِلٌ فَلَمْ يَجِدْهَا حَامِلًا فَلْيَرُدَّهَا، وَأَمَّا الْجَوَارِي، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْمُرْتَفَعَاتِ فَهُوَ مِنْ الْمُشْتَرِي وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ وَخْشًا يَزِيدُ فِيهَا الْحَمْلُ فَلَهُ رَدُّهَا.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَا لَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ التَّبَرِّي بِهِ مِنْ الْعُيُوبِ فِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ لَا يَخْتَلِفُ وَضَرْبٌ يَخْتَلِفُ، فَأَمَّا مَا يَخْتَلِفُ كَالْعَوَرِ مِنْ ذَهَابِ الْعَيْنِ وَقَطْعِ الْيَدِ مِنْ الْكُوعِ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْهُ بِتَسْمِيَتِهِ، وَأَمَّا مَا لَا يَخْتَلِفُ كَالْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ وَالدَّبْرَةِ فَإِنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْهَا بِالتَّسْمِيَةِ الْمُحْتَمَلَةِ حَتَّى يُبَيِّنَ الْمِقْدَارَ أَوْ يُرِيَهُ الْمُبْتَاعَ إنْ كَانَ شَاهِدًا؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ تَقَعُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَلَوْ عَلِمَ الْمُبْتَاعُ بِالْكَثِيرِ مِنْهُ لَمَا رَضِيَهُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ انْعَقَدَ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا فَهَلْ يَفْسُدُ الْعَقْدُ أَوْ يَثْبُتُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْعَقْدَ ثَابِتٌ وَلِلْمُبْتَاعِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ إنْ اطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى الْفَاحِشِ، وَقَالَ أَشْهَبُ يُفْسَخُ الْبَيْعُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى السَّلَامَةِ إلَّا مِمَّا يَقْتَضِيه إطْلَاقُ اللَّفْظِ وَهُوَ الْمُعْتَادُ مِنْهُ فَإِذَا اطَّلَعَ عَلَى الْفَاحِشِ الْمُتَفَاوِتِ كَانَ لَهُ الرَّدُّ بِهِ كَمَا أَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا، فَإِنْ اطَّلَعَ بَعْدُ عَلَى عَيْبٍ كَانَ لَهُ الرَّدُّ وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّةَ الْعَقْدِ وَبِأَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْهُ مَا قُلْنَاهُ أَوْلَى، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ
стр. 1218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَنَّهُ لَمَّا كَانَ إطْلَاقُ لَفْظِ الْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا يَتَفَاوَتُ مَا يَتَنَاوَلُهُ وَلَمْ يَخْتَصَّ اللَّفْظُ بِالْقَلِيلِ مِنْهُ دُونَ الْكَثِيرِ عُقِدَ الْبَيْعُ عَلَى الْغَرَرِ فَوَجَبَ أَنْ يَفْسُدَ كَالتَّبَرِّي مِنْ حَمْلٍ غَيْرِ ظَاهِرٍ فِي الْمُرْتَفِعَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ فِي الْإِبَاقِ وَدَاءِ الْفَرْجِ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
، وَإِنْ تَبَرَّأَ إلَيْهِ بِعُيُوبٍ لَيْسَتْ بِهِ لَمْ تَنْفَعْهُ الْبَرَاءَةُ وَلِلْمُبْتَاعِ الرَّدُّ بِمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِمَّا سَمَّى لَهُ وَلَمْ يُرِهِ إيَّاهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَة وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَصَدَ التَّلْفِيقَ وَاللَّغْزَ بِذِكْرِهِ مَا لَيْسَ فِي الْمَبِيعِ مِنْ الْعُيُوبِ، وَالْمُبْتَاعُ لَمَّا ذُكِرَ لَهُ مَا لَيْسَ فِيهِ مِنْ الْعُيُوبِ اعْتَقَدَ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ لَهُ بِتِلْكَ الْمَثَابَةِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ عَيْبٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا تَنْفَعُ الْبَرَاءَةُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ عَلِمَهُ الْبَائِعُ، وَإِنْ سَمَّاهُ حَتَّى يُخْبِرَهُ أَنَّهُ بِالْمَبِيعِ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ لَوْ أَفْرَدَ لَهُ عَيْبًا حَتَّى يُخْبِرَهُ أَنَّهُ بِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ تَبَرَّأَ مِنْ عَوَرٍ وَلَمْ يُرِهِ إيَّاهُ وَلَمْ يُخْبِرْهُ أَنَّهُ بِالْمَبِيعِ فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ لَمْ يَلْتَزِمْهُ وَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ تَشَدُّدٌ فِي الْبَيْعِ وَاسْتِظْهَارٌ فِي التَّحَرُّزِ فَلَمْ يَقْطَعْ ذَلِكَ حَقَّهُ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْبَائِعِ ابْتَعْتُك هَذَا الْعَبْدَ وَأَتَبَرَّأُ إلَيْك مِنْ عَيْبِ كَذَا وَلَيْسَ بِهِ أَوْ لَا عِلْمَ لِي أَوْ يَقُولُ لَهُ إنْ وَجَدَتْ بِهِ عَيْبَ كَذَا فَلَا رَدَّ لَك بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ بَرَاءَةً مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى تَحَقُّقِ وُجُودِهِ بِالْمَبِيعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا تَبَرَّأَ بِالْعَيْبِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ فَإِنْ جَاءَ مُتَبَرِّئًا مِنْهُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعُيُوبِ الظَّاهِرَةِ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعُيُوبِ الْخَفِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الظَّاهِرَةِ لَزِمَ الْمُبْتَاعَ الرِّضَا بِهَا أَوْ الرَّدُّ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَخْفَى لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ وَكَانَ لَهُ الْقِيَامُ بِهِ مَتَى اطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ انْعَقَدَ عَلَى السَّلَامَةِ فَلَا يُقْبَلُ تَبَرِّي الْبَائِعِ بَعْدَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ صِدْقَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدَمِ مِنْهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْعَيْبِ لِيَرْضَى بِهِ الْمُبْتَاعُ أَوْ يَرُدَّ كَانَ لَهُ ذَلِكَ دُونَ أَنْ يَغِيبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ بِذَلِكَ صِدْقَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ كَالْعُيُوبِ الظَّاهِرَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا وَضَعَ الْبَائِعُ دِينَارًا مِنْ الثَّمَنِ بَعْدَ الْبَيْعِ لِيَبْرَأَ مِنْ عُيُوبِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي الدَّابَّةِ إنْ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا كَانَ لَهُ الرَّدُّ قَالَ أَصْبَغُ كَمَا لَوْ بَاعَ بِالْبَرَاءَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ وَيَجُوزُ فِي الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ بَيْعَك عَلَى الْبَرَاءَةِ جَائِزٌ وَالْبَرَاءَةُ فِيهَا ثَابِتَةٌ، وَهَذَا يُشْبِهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَصْبَغُ وَاحْتَجَّ ابْنُ حَبِيبٍ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ إلْحَاقَ هَذَا بِالْعَقْدِ بَعْدَ انْعِقَادِهِ يَصِحُّ كَمُشْتَرِي مَالِ الْعَبْدِ بَعْدَ الصَّفْقَةِ وَمُشْتَرٍ كَيْلًا مِنْ صُبْرَةٍ قَدْ بَاعَهَا جُزَافًا عَلَى مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ مِنْهَا حِينَ الْبَيْعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ بِأَنْ يَبِيعَ مِنْهُ بِعَشَرَةٍ يَضَعُ مِنْهُ دِينَارًا لِعُيُوبِهَا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الدَّابَّةِ وَالْجَارِيَةِ أَنَّهُ إنْ وَجَدَ عَيْبًا رَدَّ الْمَبِيعَ كَمَنْ نَكَحَ بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنْ تَرَكَ لَهُ دِينَارًا عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ مُخَالِفٍ لِمَا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذَا وَيَجِبُ عَلَى قَوْلِهِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْجَارِيَةِ دُونَ الدَّابَّةِ وَقِيَاسُهُ عَلَى النِّكَاحِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَوْ اُشْتُرِطَ فِيهِ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَثْبُتْ الشَّرْطُ وَلَمْ يَلْحَقْ بِالْعَقْدِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ الْعَامَّةُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَرَاءَةَ مِمَّا يَعْلَمُ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُ جُمْلَةً فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَالثَّانِي أَنْ يَشْتَرِطَ بَرَاءَةً عَامَّةً مِمَّا لَا يَعْلَمُ فَهَلْ يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ؟ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ إلَّا مِنْ الْحَمْلِ فِي الرَّائِعَةِ قَالَ سَحْنُونٌ سَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ ظَاهِرًا كَالْعَوَرِ أَوْ خَفِيًّا وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِنَا فِيمَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ إلَّا الْمُغِيرَةَ فَإِنَّهُ قَالَ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الثُّلُثَ، فَإِنْ جَاوَزَ الثُّلُثَ لَمْ تَنْفَعْهُ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ وَجْهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ هَذِهِ الْبَرَاءَةَ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ
стр. 1219
الْعَيْبُ فِي الرَّقِيقِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَاعَ غُلَامًا لَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَبَاعَهُ بِالْبَرَاءَةِ فَقَالَ الَّذِي ابْتَاعَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِالْغُلَامِ دَاءٌ لَمْ تُسَمِّهِ لِي فَاخْتَصَمَا إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِالْبَرَاءَةِ فَقَضَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ لَقَدْ بَاعَهُ الْعَبْدَ وَمَا بِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ فَأَبَى عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَحْلِفَ وَارْتَجَعَ الْعَبْدُ فَصَحَّ عِنْدَهُ فَبَاعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ) .
ــ
[المنتقى]
الْبَائِعُ وَلَا الْبَيْعُ مُعَرَّضٌ لَهُ فَتَثْبُتُ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ الثُّلُثُ فَأَقَلَّ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ هَذَا عَيْبٌ يُذْهِبُ مُعْظَمَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَهُ إطْلَاقُ الْبَرَاءَةِ كَالْحَمْلِ فِي الرَّائِعَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْبَرَاءَةَ الْعَامَّةَ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَصْحَابِنَا لَا شَكَّ تَتَنَاوَلُ الْحَمْلَ سَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ سُلْطَانًا أَوْ غَيْرَهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَبَيْعُ الْجَارِيَةِ الرَّائِعَةِ بِالْبَرَاءَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ جَائِزٌ وَلَا يَدْخُلُ الْحَمْلُ فِي الْبَرَاءَةِ وَلَوْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْحَمْلِ فَسَدَ الْبَيْعُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْجَارِيَةِ الْمَسْبِيَّةِ تَقَعُ فِي سَهْمِ الرَّجُلِ أَوْ يَشْتَرِيهَا فِي الْمَقَاسِمِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَلْتَذَّ بِهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ بِمَا دُونَ الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمَقَاسِمِ بَيْعُ بَرَاءَةٍ فَلَوْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ لَمْ يَرُدَّهَا بِهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَنَاوُلَ الْبَرَاءَةِ الْعَامَّةِ لِلْحَمْلِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ الْبَرَاءَةَ الْعَامَّةَ فِيمَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِالْبَرَاءَةِ دُونَ مَا لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ كَمَا لَا تَتَنَاوَلُ مَا لَا يَعْلَمُهُ الْبَائِعُ دُونَ مَا يَعْلَمُهُ.
(فَصْلٌ) :
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى تَعْيِينِ بَاقِي الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ، فَإِنْ عَلِمَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ لَمْ تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ وَكَانَ ذَلِكَ الْبَيْعُ مَرْدُودًا يُرِيدُ أَنَّ الْبَرَاءَةَ الْمُطْلَقَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِيمَا عَلِمَهُ الْبَائِعُ مِنْ الْعُيُوبِ، وَإِنَّمَا تَخْتَصُّ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ مِنْهَا، فَإِنْ وَقَعَ هَذَا وَكَانَ الْبَائِعُ بِالْبَرَاءَةِ هُوَ السُّلْطَانُ، وَقَدْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لِلْمُبْتَاعِ رَدُّهُ، وَكَذَلِكَ إنْ عَلِمَ بِهِ مِنْ بَيْعٍ عَلَيْهِ مِنْ مُفْلِسٍ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْبَرَاءَةَ لَا تَثْبُتُ فِيمَا عَلِمَ مِنْ الْعُيُوبِ وَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ، وَرَوَى دَاوُد بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مَالِكٍ إذَا أَشْهَدَ عَلَى الْغَرِيمِ أَنَّهُ دَلَّسَ بِالْعَيْبِ فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ لَا يُرَدُّ بِعَيْبٍ وُجِدَ بِهِ إذَا كَانَ الثَّمَنُ قَدْ فُرِّقَ عَلَى الْغُرَمَاءِ.
(فَرْعٌ) وَبِمَا يَثْبُتُ تَدْلِيسُهُ إنْ عَلِمَ أَنَّ الْمُفْلِسَ عَلِمَ بِالْعَيْبِ كَانَ لِلْمُبْتَاعِ الرَّدُّ وَأَخْذُ الثَّمَنِ مِنْ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الْبَرَاءَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ لِمَا عَلِمَ الْبَائِعُ أَوْ مَنْ بِيعَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَيْبِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ إلَّا بِإِقْرَارِ الْمَبِيعِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِمَا قَبَضُوا مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمَبِيعِ عَلَيْهِ لَا يُقْبَلُ عَلَيْهِمْ فِي اسْتِرْجَاعِ مَا بِأَيْدِيهِمْ وَلِلْمُبْتَاعِ أَنْ يُمْسِكَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ وَيَتْبَعَهُ بِالثَّمَنِ فِي ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ مَقْبُولٌ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ لِحَقِّ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا حَجَرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا لَهُ الْقِيَامُ بِالْعَيْبِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ فَيَأْخُذُهُ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَيَرْجِعُ بِهِ الْغُرَمَاءُ عَلَى غَرِيمِهِمْ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لِلْمُبْتَاعِ رَدَّهُ وَأَخْذَ الثَّمَنِ.
[الْعَيْبُ فِي الرَّقِيقِ وَفِيهِ أَبْوَاب]
(ش) : قَضَاءُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ بِالْيَمِينِ أَنَّهُ مَا كَتَمَ عَيْبًا عَلِمَهُ تَجْوِيزٌ مِنْهُ لِبَيْعِ الْإِنْسَانِ عَبْدَهُ بِالْبَرَاءَةِ وَإِعْمَالٌ مِنْهُ بِالْبَرَاءَةِ فِيمَا لَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ مِنْ الْعُيُوبِ دُونَ مَا عَلِمَ وَأَبْقَى لِلْمُبْتَاعِ حُكْمَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِيمَا عَلِمَ بِهِ الْبَائِعُ وَكَتَمَهُ، وَإِنْ كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ لَا يَشُكُّ فِي فَضْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَنَّهُ لَا يَرْضَى بِكِتْمَانِ عَيْبِهِ وَالتَّدْلِيسِ بِهِ إلَّا أَنَّ الْأَحْكَامَ فِي الْحُقُوقِ وَالْمُعَامَلَاتِ جَارِيَةٌ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ فِي الصَّالِحِ وَالطَّالِحِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ حَالُهُمَا فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالتُّهْمَةِ وَظَاهِرُهَا سَالِمٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ اعْتَقَدَ أَنَّ الْبَرَاءَةَ الْمُطْلَقَةَ تُبْرِئُهُ فِيمَا عَلِمَ مِنْ الْعُيُوبِ وَمَا لَمْ يَعْلَمْ فَلَمْ يُسَوِّغْهُ ذَلِكَ عُثْمَانُ ﵁.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْبَائِعُ بِالْبَرَاءَةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبِيعَ بِالْبَرَاءَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ
стр. 1220
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ ابْتَاعَ وَلِيدَةً فَحَمَلَتْ أَوْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ وَكُلَّ أَمْرٍ دَخَلَهُ الْفَوْتُ حَتَّى لَا يُسْتَطَاعَ رَدُّهُ فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ
ــ
[المنتقى]
فَهَذَا مَتَى اطَّلَعَ الْمُبْتَاعُ عَلَى عَيْبٍ فِي الْمَبِيعِ وَادَّعَى عِلْمَ الْبَائِعِ لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ إنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ الَّذِي اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْمُبْتَاعُ لَا خِلَافَ فِي هَذَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ عِلْمَ الْبَائِعِ بِهِ وَسَكَتَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ قَالَ لَا عِلْمَ لِي بِهِ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَيْضًا مِنْ الْمَذْهَبِ لُزُومُ الْيَمِينِ لِلْبَائِعِ لِلْحُكْمِ بِبَرَاءَتِهِ مِنْ ذَلِكَ الْعَيْبِ، وَهَذَا الظَّاهِرُ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ لَمْ يَدَّعِ الْعِلْمَ، وَإِنَّمَا قَالَ بِهِ دَاءٌ لَمْ تُسَمِّهِ لِي فَأَوْجَبَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ لِذَلِكَ الْيَمِينَ دُونَ أَنْ يُنْقَلَ إلَيْنَا فِي الْحَدِيثِ سُؤَالُهُ هَلْ يَدَّعِي الْعِلْمَ أَمْ لَا وَيَجِيءُ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَدِّ الْيَمِينِ أَنْ لَا يَمِينَ لِلْمُبْتَاعِ عَلَى الْبَائِعِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَدَّعِيَ عِلْمَهُ بِالْعَيْبِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
رَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة يَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ فِي الْعَيْبِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ إلَّا أَنْ يُسْتَدَلَّ بِأَمْرٍ لَا يُشَكُّ فِي كَذِبِهِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ الْبَيِّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ يَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ بِأَنَّ الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عَلِمَ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْوَرَثَةِ مَنْ يُظَنُّ بِهِ عِلْمُ ذَلِكَ مِنْ صِغَارِ الْوَرَثَةِ، ثُمَّ يَكْبَرُ فِي الظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ قَالَ أَصْبَغُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي عِنْدِي أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا يَعْلَمُ ذَلِكَ عِنْدَ التَّبَايُعِ فَلَمْ يَحْكُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَا وَقَعَ التَّنَازُعُ فِيهِ حَتَّى كَبِرَ، وَاَلَّذِي تَقْتَضِيه رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي تَنْعَقِدُ عَلَى الْعِلْمِ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ الصَّغِيرَ وَلَا الْغَائِبَ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالصَّغِيرِ مِنْ لَا يَفْهَمُ الْأَمْرَ عِنْدَ وُقُوعِهِ لِصِغَرِهِ وَبَلَغَنِي أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ كَانَ يُوجِبُ الْأَيْمَانَ عَلَيْهِمَا وَيَقُولُ لَعَلَّهُ قَدْ بَلَغَهُمَا ذَلِكَ بِخَبَرِ مَنْ أَخْبَرَهُمَا حَتَّى يَتَيَقَّنَا كَمَا يَحْلِفَانِ مَعَ شَاهِدِهِمَا عَلَى مَا وَجَبَ لِمَوْرُوثِهِمَا مِنْ الْحُقُوقِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ نَكَلَ الْبَائِعُ عَنْ الْيَمِينِ رَدَّ ثَمَنَ الْمَبِيعِ عَلَى الْمُبْتَاعِ وَلَمْ يَلْزَمْ الْمُبْتَاعَ يَمِينٌ قَالَهُ مَالِكٌ وَجَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ، وَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْمُبْتَاعَ لَمْ يَدَّعِ أَمْرًا يَرُدُّ عَلَيْهِ فِيهِ الْيَمِينَ، وَإِنَّمَا قَامَ بِعَيْبٍ مَوْجُودٍ لَمْ يَبْرَأْ إلَيْهِ مِنْهُ وَاَلَّذِي يُبْرِئُ الْبَائِعَ مِنْ ذَلِكَ الْعَيْبِ الْيَمِينُ الْمَذْكُورَةُ فَإِذَا نَكَلَ عَنْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهَا، وَوَجْهُ رِوَايَةِ يَحْيَى أَنَّ الْيَمِينَ فِي الرَّدِّ بِالْعُيُوبِ إذَا ثَبَتَ لَهَا مَحَلٌّ فَحُكْمُهَا أَنْ تُنْقَلَ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ الْمُعَلَّقَةِ بِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِيمَا تُيُقِّنَ مِنْ الْعُيُوبِ أَنَّهُ أَقْدَمُ مِنْ زَمَنِ التَّبَايُعِ وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٍ، وَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ الْبَائِعُ عَلَى عِلْمِهِ كَمَا يَحْلِفُ فِيمَا تُيُقِّنَ قِدَمُهُ، وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحْلَفُ عَلَى عِلْمِهِ فِي حِينِ التَّبَايُعِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتَحْلَفَ عَلَى تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِهِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ نَفْيَ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ يَمِينِهِ، فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ التَّبَايُعِ فَهُوَ الْيَمِينُ الْمُتَّفَقُ عَلَى إثْبَاتِهَا، وَإِنْ كَانَ حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ فَغَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي يَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْبَيْعِ بِالْبَرَاءَةِ فَأَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ فَهَذَا رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ إنْ وَجَدَ الْمُبْتَاعُ عَيْبًا، وَهَذَا عِنْدِي مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ اشْتِرَاطِ التَّصْدِيقِ فِي الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ فَمَنْ جَوَّزَ اشْتِرَاطَ التَّصْدِيقِ دُونَ يَمِينٍ قَضَى هَاهُنَا بِأَنْ لَا يَمِينَ عَلَى الْبَائِعِ، وَمَنْ لَا يُجَوِّزُ اشْتِرَاطَ التَّصْدِيقِ فَالْيَمِينُ لَازِمَةٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَبَى عَبْدُ اللَّه أَنْ يَحْلِفَ وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ لَمْ يَكُنْ إبَاؤُهُ عَنْ الْيَمِينِ لِأَنَّهُ ﵁ كَانَ دَلَّسَ بِعَيْبِهِ، وَعِلْمُهُ وَفَهْمُهُ يَقْتَضِي مَعْرِفَتَهُ بِأَنْ لَا إثْمَ فِي يَمِينٍ بَارَّةٍ، وَلَكِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ الْبَيْعَ بِالْبَرَاءَةِ يُبْرِئُهُ مِمَّا عَلِمَ وَمَا لَمْ يَعْلَمْ، وَالثَّانِي التَّصَاوُنُ عَنْ اقْتِطَاعِ الْحُقُوقِ بِالْأَيْمَانِ وَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ ذَوِي الْأَنْسَابِ وَالْأَقْدَارِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ هَذَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ، وَجَمِيعُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ مَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا فَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ يُمْكِنُ التَّدْلِيسُ بِهِ فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ عَلَى تَفْسِيرٍ يَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْعُيُوبَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ يُمْكِنُ الْبَائِعَ مَعْرِفَتُهُ وَالثَّانِي لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ، فَأَمَّا مَا يُمْكِن الْبَائِعَ مَعْرِفَتُهُ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ بِحُكْمِ تَدْلِيسِهِ بِهِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَلَا يُفْسِدُ تَدْلِيسَهُ بِهِ الْعَيْبُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْأَصْلِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «وَلَا تُصِرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» فَأَثْبَتَ لَهُ إمْسَاكَهَا إنْ رَضِيَهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ إمْسَاكُهَا، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ نَقْصَ الْمَبِيعِ عَمَّا عُقِدَ عَلَيْهِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى رِزْمَةً عَلَى أَنَّ فِيهَا عَشْرَةَ أَثْوَابٍ فَأَلْفَاهَا تِسْعَةً أَوْ اشْتَرَى صُبْرَةً عَلَى أَنَّ فِيهَا عَشْرَةَ أَرَادِبَ فَأَلْفَاهَا تِسْعَةً.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ إذَا اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ بِحَبْسِهِ لَمْ تَدْخُلْهُ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ وَالثَّانِي: أَنْ يَدْخُلَهُ ذَلِكَ وَلَمْ تَفُتْ عَيْنُهُ وَالثَّالِثُ: أَنْ تَفُوتَ عَيْنُهُ، فَأَمَّا الْحَالُ الْأُولَى فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ وَيَرْجِعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يُمْسِكَهُ مَعِيبًا وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» .
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا ابْتَاعَ رَجُلَانِ عَبْدًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَاطَّلَعَا عَلَى عَيْبٍ ثَبَتَ لَهُمَا خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الرَّدَّ وَأَبَى مِنْهُ الثَّانِي فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا لَهُ ذَلِكَ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ بَيْعَ الْوَاحِدِ مِنْ اثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ عَقْدَيْنِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِمَنْزِلَةِ عَقْدٍ وَاحِدٍ عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَالْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَائِعَ إذَا أَوْجَبَ لَهُمَا فَإِنَّ لِأَحَدِهِمَا الْقَبُولَ دُونَ الثَّانِي عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ: تَعْيِينُ الْمَسْأَلَةِ.
فَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا عَقْدٌ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ عَاقِدَانِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعَقْدَيْنِ أَصْلُهُ إذَا بَاعَ اثْنَانِ مِنْ وَاحِدٍ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا وَجَبَ فِي جَمِيعِ الْعَقْدِ فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ ابْتَاعَ مِنْهُ أَنْ يَقْبَلَ بَعْضَهُ كَالْوَاجِبِ فِيهِ لِوَاحِدٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ بَعْضَهُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَلَا تَفْرِيعَ فِيهِ وَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ أَشْهَبَ فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الرَّدَّ وَأَرَادَ الْآخِرُ الْإِمْسَاكَ، فَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِذَلِكَ فَلَا مِرْيَةَ أَنَّ لِمَنْ لَمْ يُرِدْ الرَّدَّ التَّمَسُّكَ بِحَقِّهِ وَيَكُونُ الْبَائِعُ شَرِيكَهُ فِيمَا رَدَّهُ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ وَلَيْسَ لِلْمُتَمَسِّكِ أَنْ يَأْخُذَ بِعَيْبِ الرَّادِّ؛ لِأَنَّ الرَّادَّ مَلَكَهُ فَلَمَّا رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ انْتَقَضَ الْبَيْعُ فِيهِ فَيَرْجِعُ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ وَلَيْسَ لِلْمُتَمَسِّكِ طَرِيقٌ إلَى مِلْكِهِ فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ أَبَى الْبَائِعُ مِنْ تَبْعِيضِ صَفْقَتِهِ فَقَالَ أَشْهَبُ الْقِيَاسُ فِي مَسْأَلَةِ وَرَثَةِ الْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّا جَمِيعًا أَوْ يُمْسِكَا جَمِيعًا وَاسْتُحْسِنَ لِمَنْ أَرَادَ التَّمَسُّكَ وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ الرَّادِّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا كَلَامَ لِلْبَائِعِ إذَا لَمْ يُرِدْ أَخْذَ نَصِيبِ الرَّادِّ دُونَ التَّمَسُّكِ وَلِلْمُتَمَسِّكِ أَخْذُ نَصِيبِ الرَّادِّ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا أَبَى أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ مِنْ الرَّدِّ مَعَ صَاحِبِهِ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ الرَّدُّ وَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَهَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ إذَا رَدَّ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنْ يُقَالَ لِلْبَائِعِ إمَّا أَنْ تُجِيزَ لَهُ رَدَّ نَصِيبِهِ وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ عَلَيْهِ مَا يُصِيبُهُ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ مِثْلَ مَا حَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَشْتَرِي عَبْدًا فَيَبِيعُ
стр. 1221
كَانَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدَ الَّذِي بَاعَهُ أَوْ عَلِمَ ذَلِكَ بِاعْتِرَافٍ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ أَوْ الْوَلِيدَةَ يُقَوَّمُ وَبِهِ الْعَيْبُ الَّذِي كَانَ بِهِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ فَرَدَّ مِنْ الثَّمَنِ قَدْرَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَقِيمَتِهِ وَبِهِ ذَلِكَ الْعَيْبُ)
ــ
[المنتقى]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
نِصْفَهُ، ثُمَّ يَطَّلِعُ عَلَى عَيْبٍ فَيُرِيدُ الرَّدَّ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْبَائِعِ إمَّا أَنْ تُجِيزَ رَدَّ النِّصْفِ الْبَاقِي بِيَدِهِ أَوْ تَرُدَّ عَلَيْهِ نِصْفَ قِيمَةِ الْعَيْبِ، وَهَذَا مُقْتَضَى الْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ إمَّا أَنْ يَرُدَّا جَمِيعًا أَوْ يُمْسِكَا جَمِيعًا وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ ذَلِكَ الْقِيَاسِ إذَا رَدَّ أَحَدُهُمَا وَأَمْسَكَ الثَّانِي، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ إنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الرَّدَّ وَأَبَاهُ الثَّانِي تَقَاوَمَاهُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَقْبَلُهُ إلَّا كُلَّهُ، وَفِي هَذَا الضَّرْبِ مِنْ الْعُيُوبِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ: الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ الْعُقُودِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَ الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ الْعُيُوبِ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الرَّدُّ وَتَمْيِيزِهَا مِنْ غَيْرِهَا وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ مَا يَحْدُثُ بِالْمَبِيعِ مِمَّا يَثْبُتُ لِلْمُبْتَاعِ بِهِ الْخِيَارُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالتَّمَسُّكِ بِالْمَبِيعِ أَوْ الرُّجُوعِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ الْمَعَانِي الَّتِي يَفُوتُ بِهَا الرَّدُّ بِالْعَيْبِ جُمْلَةً.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ الْعُقُودِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا الرَّدُّ بِالْعَيْبِ]
الْعُقُودُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: عَقْدٌ مُخْتَصٌّ بِالْعِوَضِ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ فَهَذِهِ يَثْبُتُ فِيهَا حُكْمُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالضَّرْبُ الثَّانِي عَقْدٌ مُخْتَصٌّ بِالْمُكَارَمَةِ وَنَفْيِ الْعِوَضِ كَالْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ وَالصَّدَقَةِ فَهَذَا لَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ عُقُودٌ ظَاهِرُهَا الْمُكَارَمَةُ وَلَهَا تَعَلُّقٌ بِالْمُعَاوَضَةِ كَالْهِبَةِ لِلثَّوَابِ فَهَذِهِ حَكَى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ لَا يَرُدُّ بِعَيْبٍ، وَعَنْ الْمُغِيرَةِ مِثْلُ ذَلِكَ وَلَا فِي الْعَيْبِ الْمُفْسِدِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ عُقُودٌ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمَوْهُوبِ، وَهَذَا يُنَافِي الرَّدَّ بِالْعَيْبِ لِمُدَّةٍ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ الْمُسَامَحَةُ وَالْمُكَايَسَةُ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ الْعُيُوبِ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الرَّدُّ وَتَمْيِيزُهَا مِنْ غَيْرِهَا] ١
الْعُيُوبُ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْخِيَارُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ مُجْمَلَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ خِيَارَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَثْبُتَ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَالثَّانِي لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَرْطٍ، فَأَمَّا مَا يَثْبُتُ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَهُوَ لِكُلِّ عَيْبٍ فِي الْمَبِيعِ يَنْقُصُ ثَمَنُهُ وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ هُوَ نَقْصٌ فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي نَقْصٌ فِي غَيْرِ عَيْنِهِ لَكِنَّهُ يَنْقُصُ ثَمَنُهُ، فَأَمَّا مَا هُوَ نَقْصٌ فِي عَيْنِهِ كَالْعَوَرِ وَالْعَمَى وَقَطْعِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ أُصْبُعٍ وَوُجُودِ الظَّفَرَةِ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْبَيَاضِ وَالصَّمَمِ وَالْخَرَسِ وَالْبُكْمِ إلَّا فِي الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَتَبَيَّنُ أَمْرُهُ وَالْعُسْرِ فِي الْعَبْدِ بِأَنْ لَا يَعْمَلُ بِيُمْنَاهُ وَالْبَخَرُ فِي الْفَمِ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْأَضْرُسُ، فَإِنَّ نَقْصَ الضِّرْسِ الْوَاحِدِ عَيْبٌ فِي الرَّائِعَةِ حَيْثُ كَانَ، وَلَيْسَ بِعَيْبٍ فِي غَيْرِ الرَّائِعَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مُقَدَّمِ الْفَمِ أَوْ يَنْقُصُ ضِرْسَانِ حَيْثُ كَانَا فَإِنَّهُ عَيْبٌ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الضِّرْسَ الْوَاحِدَ لَا يُؤَثِّرُ كَبِيرَ نَقْصٍ مِنْ جِهَةِ الْخِلْقَةِ إلَّا أَنَّهُ يُنْقِصُ مِنْ ثَمَنِ الرَّائِعَةِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّقَى مِنْهُ تَغَيُّرُ الرَّائِحَةِ حَيْثُ كَانَ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ وَإِذَا كَانَ فِي مُقَدَّمِ الْفَمِ فَإِنَّهُ يَقْبُحُ مَنْظَرِهِ فَاسْتَوَى فِي ذَلِكَ الرَّائِعَةُ وَغَيْرُهَا، وَالضِّرْسَانِ مُؤَثِّرَانِ وَمَانِعَانِ مِنْ قُوَّةِ الْأَكْلِ وَعَجَلَتِهِ لَا سِيَّمَا فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى شِدَّةِ مَضْغٍ، وَهَذِهِ الْمَعَانِي وَالْأَسْبَابُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بِنَقْصِ الثَّمَنِ فِيمَا يُنْقِصُ هُوَ عَيْبُ الرَّدِّ، وَمَا لَا يُنْقِصُ الثَّمَنَ فَلَا حُكْمَ فِيهِ لِلرَّدِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الشَّيْبُ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ تُرَدُّ بِهِ الرَّائِعَةُ وَلَا يُرَدُّ بِهِ غَيْرُهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَهَذَا فِي الشَّابَّةِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا تُرَدُّ الرَّائِعَةُ إلَّا بِكَثِيرِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرِّوَايَتَانِ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الشَّيْبِ لَيْسَ بِعَيْبٍ؛ لِأَنَّهُ كَثِيرٌ شَائِعٌ كَالْخَالِ يَكُونُ وَالشَّعْرَةُ وَالشَّعْرَتَانِ تَبْدُو مِمَّا لَا يُسَمِّجُ وَلَا يُرَى إلَّا مَعَ فَرْطِ التَّأَمُّلِ وَالتَّفْتِيشِ، وَأَمَّا الْكَثِيرُ فَإِنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي الْجَمَالِ فَاخْتَصَّ بِالرَّائِعَةِ دُونَ غَيْرِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
، وَأَمَّا الِاسْتِحَاضَةُ فَعَيْبٌ فِي عِلَلِ الرَّقِيقِ وَوَخْشِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ كَانَتْ الِاسْتِحَاضَةُ تَعْتَرِيهَا الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَعَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُبَيِّنَ وَإِلَّا فَهُوَ عَيْبٌ تُرَدُّ بِهِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ مِمَّا يُكْرَهُ وَتَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ فِي التَّوَقِّي مِنْهُ وَلَيْسَ
стр. 1223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِي ارْتِفَاعِ الْحَيْضِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ ذَلِكَ سَوَاءٌ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ اُسْتُحِيضَتْ الْأَمَةُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَيْبًا تَرُدُّ بِهِ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ إلَّا فِي الدَّمِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا تُرَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّ بِالْحَيْضِ قَدْ لَزِمَتْ الْمُبْتَاعَ فَمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ اسْتِحَاضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَزِمَهُ وَهَذِهِ الِاسْتِحَاضَةُ الَّتِي تَكُونُ عَيْبًا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ شَهْرَانِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ عَلَى قَدْرِ مَا يُنْقِصُ ثَمَنَهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا ارْتِفَاعُ الْحَيْضِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَتَى مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ عَلَى الْمُبْتَاعِ ضَرَرٌ فَإِنَّهُ يُرَدُّ بِهِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي الْمَذْهَبِ إلَّا مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ قَبْلَ هَذَا إنَّ ارْتِفَاعَ الْحَيْضِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ لَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ التَّبَرِّي مِنْهُ وَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ الرَّدُّ بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِم فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي تَأَخُّرِهِ فِي مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ حَتَّى يَلْحَقَ بِهِ الضَّرَرُ وَمَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الَّتِي لَمْ يَأْتِ مِنْهُ فِي مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ مَا خَالَفَ الْمَعْهُودَ، وَإِنَّمَا اطَّلَعَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يَتَأَخَّرُ عَنْهَا الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْحَمْلُ عَيْبٌ فِي الْمُرْتَفِعَةِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الْوَخْشُ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ عَيْبٌ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ لَيْسَ بِعَيْبٍ فِيهِنَّ وَرَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَيْبٌ يُنْقِصُ مِنْ الثَّمَنِ فَثَبَتَ بِهِ حُكْمُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ عَيْبٌ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْوَخْشِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْحَمْلِ فِي الْوَخْشِ لَا يُؤَثِّرُ كَبِيرَ تَأْثِيرٍ وَرُبَّمَا لَمْ يَكُنْ نَقْصًا فِيهِنَّ وَلِذُلِّك يَجُوزُ بَيْعُهُنَّ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الْحَمْلِ وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ تَدُورُ عَلَى هَذَا، فَإِنْ نَقَصَ مِنْ الثَّمَنِ رُدَّ بِهِ وَإِلَّا فَلَا وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ ابْتَاعَهَا فِي جُمْلَةِ رَقِيقٍ لَمْ يَرُدَّهَا بِعَيْبِ الْحَمْلِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يُرَدُّ بِالْحَمْلِ فَكَيْفَ يَكُونُ وَجْهُ الرَّدِّ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ إنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ وَجَاءَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي لَمْ يُرَدَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَانَ لَهُ الرَّدُّ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا إذَا وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ جَازَ أَنْ يَكُونَ حَدَثَ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ فَصَارَ لَهُ حُكْمُ مَا يَقْدُمُ وَيَحْدُثُ مِنْ الْعُيُوبِ، فَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ عَلَى أَنَّهُ عَيْبٌ قَدِيمٌ أَقْدَمُ مِنْ أَمَدِ التَّبَايُعِ يَثْبُتُ الرَّدُّ بِهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الزَّعَرُ فَإِنَّهُ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْعَانَةِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ سَحْنُونٌ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِلَذَّةِ الْوَطْءِ، وَهَذَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِالْفَرْجِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا تُتَّقَى عَاقِبَتُهُ مِنْ الدَّاءِ السُّوءِ يَعْنِي الْجُذَامَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ فِي آبَاءِ الرَّقِيقِ الْمَبِيعِ مَجْذُومٌ أَوْ مَجْذُومَةٌ فَهُوَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ وَخْشًا كَانَ أَوْ رَائِعًا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُتَّقَى سِرَايَتُهُ إلَى الْوَلَدِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ أَحَدُ أَجْدَادِ الْأَمَةِ أَسْوَدَ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ لَا رَدَّ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ عَيْبٍ وَفِي الْوَاضِحَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ عَيْبٌ فِي الرَّائِعَةِ قَالَ لِمَا يُتَّقَى أَنْ يَخْرُجَ وَلَدُهُ مِنْهَا أَسْوَدَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا عُيُوبُ الدَّوَابِّ الَّذِي يُزَهِّدُ فِيهَا وَيُنْقِصُ مِنْ أَثْمَانِهَا، فَإِنْ كَانَ خِلْقَةً كَالْعَوَرِ وَالْجَرَدِ أَوْ حَادِثًا كَالرَّمَصِ وَالدَّبَرِ وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ الْعُيُوبِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ بِهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَبِيعَاتِ غَيْرُ الرِّبَاعِ، فَإِنْ وَجَدَ فِيهَا مِنْ عَيْبٍ يُنْقِصُ ثَمَنَهَا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الدَّارُ فَإِنْ وَجَدَ بِهَا صَدْعًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَمَّا مَا يُخَافُ مِنْهُ سُقُوطُ الدَّارِ فَيُرَدُّ بِهِ وَإِلَّا فَلَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْعُيُوبُ فِي الرِّبَاعِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَسْتَغْرِقَ مُعْظَمَ الثَّمَنِ فَهَذَا يُرَدُّ بِهِ وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ، وَالثَّانِي أَنْ لَا يَنْقُصَ مِنْ الثَّمَنِ فَهَذَا لَا يُرَدُّ بِهِ وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ فِيهِ، وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا يَنْقُصَ مُعْظَمُهُ فَهَذَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَلَا تُرَدُّ بِهِ الدَّارُ وَرَأَيْت لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا الْأَنْدَلُسِيِّينَ أَنَّهُ تُرَدُّ بِهِ، وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِقَوْلِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ الدَّارَ تُخَالِفُ سَائِرَ الْمَبِيعَاتِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا اسْتَحَقَّ مِنْهَا الْيَسِيرَ لَزِمَ الْبَاقِي بِالثَّمَنِ وَلَوْ اسْتَحَقَّ مِنْ الْعَبْدِ الْيَسِيرِ لَمْ يَلْزَمْ الْبَاقِي بِالثَّمَنِ، وَوَجْهٌ ثَانٍ أَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ أَحَدٌ الْعَقْدَ فِيهَا وَاسْتَحَقَّ
стр. 1224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَحَدُ جُدْرَانِهَا الْأَرْبَعَ لَمْ يَرْجِعْ الْمُبْتَاعُ فِي شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ، وَقَالَ غَيْرُهُ الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا لَا تُتَّخَذُ غَالِبًا إلَّا لِلْقُنْيَةِ فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْأَثْمَانَ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ سَاوَى بَيْنَهُمَا أَنَّ هَذَا بَيْعٌ وُجِدَ بِهِ عَيْبٌ يُنْقِصُ الثَّمَنَ فَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ مَا لَمْ يَفُتْ كَالْحَيَوَانِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَا يُنْقِصُ ثَمَنَ الْمَبِيعِ وَلَا يُنْقِصُ جَسَدَهُ كَالْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ الْحَدِّ فِيهِ فِي الرَّقِيقِ، وَالزِّنَى فِي الْأَمَةِ، وَالْحِرَانِ فِي الْفَرَسِ، أَوْ النِّفَارِ الْمُفْرِطِ فِي الدَّوَابِّ أَوْ قِلَّةِ الْأَكْلِ الْمُفْرِطِ فِيهَا فَإِنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ، فَأَمَّا الزِّنَى فِي الْعَبْدِ فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُرَدُّ بِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ زِنًى وُجِدَ فِي مَمْلُوكٍ فَكَانَ لِمَنْ ابْتَاعَهُ أَنْ يَرُدَّهُ كَمَا لَوْ كَانَ جَارِيَةً.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْبَوْلُ فِي الْفِرَاشِ فِي حَالِ الْكِبْرِ فَعَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ رَائِعَيْنِ كَانَا أَوْ غَيْرَ رَائِعَيْنِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُرَدُّ بِهِ الْعَبْدُ وَتُرَدُّ بِهِ الْأَمَةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(فَرْعٌ) وَلَا تُرَدُّ بِالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّهَا كَانَتْ تَبُولُ عِنْدَ الْبَائِعِ وَلَا يَحْلِفُ الْبَائِعُ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ إلَّا بِشُبْهَةٍ مِثْلِ أَنْ تُوضَعَ عَلَى يَدِ امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ لَهُ امْرَأَةٌ تَنْظُرُ إلَيْهَا فَتُخْبِرُ بِذَلِكَ الْمَرْأَةُ أَوْ الرَّجُلُ فَيَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ أَتَى الْمُبْتَاعُ بِمَنْ تَنْظُرُ إلَى مَرْقَدِهَا بِالْغَدَوَاتِ مَبْلُولًا فَلَا بُدَّ مِنْ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ مَعْنَى الشَّهَادَةِ، ثُمَّ يَحْلِفُ الْبَائِعُ قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
التَّأْنِيثُ فِي الْعَبْدِ وَالتَّرَجُّلُ فِي الْأَمَةِ عَيْبٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُتَخَنِّثًا أَوْ تَكُونَ الْأَمَةُ مُتَرَجِّلَةً كَشِرَارِ النِّسَاءِ، فَأَمَّا تَرْصِيعُ كَلَامِ الرَّجُلِ وَتَذْكِيرُ كَلَامِ الْمَرْأَةِ فَلَا يُرَدَّانِ بِهِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ يُرَدُّ الْعَبْدُ إنْ كَانَ مُؤَنَّثًا وَالْأَمَةُ إنْ كَانَتْ مُذَكَّرَةً وَاشْتَهَرَا بِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ هَذَا خِلَافُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ بَعْضُ الصَّقَلِّيِّينَ لَيْسَ ذَلِكَ بِخِلَافٍ لَهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالدَّيْنُ عَلَى الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ عَيْبٌ وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ لِلْأَمَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُرَدُّ بِهِ وَدَلِيلُنَا أَنَّ هَذَا مَعْنًى يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ بِالْأَمَةِ فَيَثْبُتُ بِهِ خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ كَدَاءِ الْفَرْجِ وَالزَّوْجَةِ فِي الْعَبْدِ عَيْبٌ؛ لِأَنَّ هَذَا يُبْطِلُ عَلَى سَيِّدِهِ مِنْهُ حُكْمًا مَقْصُودًا وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَهُ مِنْ أَمَتِهِ وَكَذَلِكَ الْوَلَدُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَكَذَلِكَ الْأَبُ وَالْأُمُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يَمِيلُ إلَيْهِمْ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ وَيَصْرِفُ إلَيْهِمْ فَضْلَ كَسْبِهِ وَبَعْضَ قُوتِهِ فَيَضُرُّ ذَلِكَ بِغَلَّتِهِ وَقُوتِهِ، وَأَمَّا الْأَخُ وَالْأُخْتُ وَسَائِرُ الْأَقَارِبِ مِنْ الْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِمْ رَدٌّ بِعَيْبٍ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُمْ أَبْعَدُ وَالضَّرَرَ بِهِمْ أَقَلُّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا عِثَارُ الدَّابَّةِ فَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ إنْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ بَائِعِهَا بِشَهَادَةٍ أَوْ إقْرَارٍ رُدَّتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ وَكَانَ عِثَارُهَا قَرِيبًا مِنْ بَيْعِهَا حَلَفَ الْبَائِعُ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِذَلِكَ، وَإِنْ ظَهَرَ ذَلِكَ بِهَا بَعْدَ زَمَانٍ طَوِيلٍ وَمُدَّةٍ يَحْدُثُ الْعِثَارُ فِي مِثْلِهَا فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ.
(فَرْعٌ) وَهَذِهِ الْعُيُوبُ كُلُّهَا إنَّمَا يُرَدُّ بِهَا إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ وَدَعَا الْمُبْتَاعُ إلَى يَمِينٍ الْبَائِعَ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِبَاقِ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي مَسْأَلَةِ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي السَّرِقَةِ وَالزِّنَى يَحْلِفُ الْبَائِعُ عَلَى ذَلِكَ، وَجْهُ نَفْيِ الْيَمِينِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ أَنَّ الْمُبْتَاعَ إذَا أُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ اسْتَحْلَفَ الْبَائِعَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَوَجْهُ إثْبَاتِ الْيَمِينِ أَنَّهُ عَيْبٌ ثَابِتٌ يُشَكُّ فِي قِدَمِهِ وَحُدُوثِهِ فَلَزِمَ الْبَائِعَ الْيَمِينُ لِيَبْرَأَ مِنْهُ كَعَيْبٍ وَجَدَهُ فِي جَسَدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَا يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ نُطْقًا، وَالثَّانِي أَنْ يُصِيبَ الْبَائِعُ بِهِ الْمَبِيعَ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَادَةَ الْمَبِيعِ وَعُرْفَهُ، فَأَمَّا مَا شَرَطَهُ نُطْقًا فَإِنَّهُ إنْ اشْتَرَطَ الْأَعْلَى مِنْ جِهَتِهِ الْيَمِينُ فَوَجَدَ خِلَافَهُ كَانَ لَهُ الرَّدُّ، وَإِنْ اشْتَرَطَ الْأَدْوَنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ
стр. 1225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
غَرَضٌ يُعْرَفُ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عَبْدٌ نَصْرَانِيٌّ فَيَشْتَرِي أَمَةً عَلَى أَنَّهَا نَصْرَانِيَّةٌ أَوْ تَكُونَ عَلَيْهِ يَمِينٌ أَنْ لَا يَمْلِكَ مُسْلِمَةً، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَهُ الرَّدُّ بِكُلِّ وَجْهٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا رَدَّ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَدَلِيلُنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ صَارَ إلَيْهِ الْمَبِيعُ عَلَى شَرْطٍ وَزِيَادَةٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا شَرَطَ أَنَّهُ أَعْوَرُ فَإِذَا هُوَ يُبْصِرُ بِعَيْنِهِ وَدَلِيلُنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا خَرَجَ لَهُ الْمَبِيعُ عَلَى غَيْرِ الْمِلَّةِ الَّتِي شَرَطَ وَلَهُ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ صَحِيح فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَخَرَجَ كَافِرًا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ أَعْجَمِيٌّ فَأَلْفَاهُ فَصِيحًا أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَجْلُوبٌ فَأَلْفَاهُ مُوَلَّدًا فَفِي الْوَاضِحَةِ عَنْ أَصْبَغَ لَهُ الرَّدُّ بِهِ زِيَادَةً كَانَ أَوْ وَضَيْعَةً؛ لِأَنَّ النَّاسَ فِي الْمَجْلُوبِ أَرْغَبُ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا رَوَى عَلِيُّ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الرَّقِيقِ يُجْلَبُ مِنْ طَرَابُلُسَ فَيَدْخُلُ الْمِصْرِيُّ رَأْسًا بَيْنَهُمَا فَيُبَاعُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ أَرَى لِلْمُبْتَاعِ رَدَّهُ وَكَذَلِكَ الدَّوَابُّ وَالْحَمِيرُ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ خَلَطَ سِلْعَتَهُ بِتَرِكَةِ مَيِّتٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ لِلْمُبْتَاعِ الرَّدَّ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَا يَصِفُ بِهِ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ أَوْ يَصِفُ الرَّقِيقُ بِهِ نَفْسَهُ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ هِيَ بِكْرٌ أَوْ هِيَ طَبَّاخَةٌ، ثُمَّ لَمْ تُوجَدْ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهَا تُرَدُّ بِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُبْتَاعَ دَخَلَ عَلَى مَا وُصِفَتْ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَا كَانَ لَهُ عُرْفٌ وَعَادَةٌ فَوَجَدَهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ نَاقَةً يَحْمِلُ عَلَى مِثْلِهَا فَلَمَّا جَاءَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا لَمْ تَنْهَضْ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَهُ الرَّدُّ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا إلَّا عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ مِنْ مِثْلِهَا فَإِذَا كَانَ مِثْلُهَا يَحْمِلُ وَلَمْ يَكُنْ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ عَجَفٍ أَوْ مَرَضٍ فَقَدْ خَالَفَتْ الْمَعْهُودَ مِنْ مِثْلِهَا وَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَنْقُصَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ اشْتَرَى قَلَانِسَ فَوَجَدَ حَشْوَهَا صُوفًا أَوْ كَانَتْ مِنْ خِرَقٍ بَالِيَةٍ قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا تُرَدُّ؛ لِأَنَّهَا فِي الْأَغْلَبِ لَا تُصْنَعُ إلَّا مِنْ ذَلِكَ زَادَ ابْنُ الْمَوَّازِ، فَإِنْ كَانَ حَشْوُهَا صُوفًا بِالرَّفِيعَةِ تُرَدُّ وَلَا تُرَدُّ الدَّنِيَّةُ، وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ أَنَّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِيهِ بِأَمْرٍ فَوَجَدَ أَقَلَّ مِنْهُ كَانَ لَهُ الرَّدُّ بِهِ وَمَا وَجَدَ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ دَخَلَ فَلَا رَدَّ بِهِ قَالَ أَصْبَغُ فِيمَنْ اشْتَرَى قَمِيصًا فَوَجَدَ سَابِقَهُ أَدْنَى رُقْعَةٍ مِنْ بَدَنِهِ أَوْ كُمَّيْهِ وَكَذَلِكَ مَعْقِدُ السَّرَاوِيلِ إنْ كَانَ مُتَقَارِبًا فَلَهُ الرَّدُّ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يُرَدَّ.
[الْبَاب الثَّالِث مَا يَحْدُثُ بِالْمَبِيعِ مِمَّا يَثْبُت بِهِ الْخِيَار لِلْمُبْتَاعِ فِي الرد بالعيب] ١
(بَابٌ) وَأَمَّا مَا يَحْدُثُ بِالْمَبِيعِ مِمَّا يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ لِلْمُبْتَاعِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَوْ الرُّجُوعِ بِقِيمَتِهِ فَسَيَأْتِي ذِكْرَهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[الْبَاب الرَّابِع مَا يُفِيتُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ]
(بَابٌ) وَأَمَّا مَا يُفِيتُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَفُوتَ الْمَبِيعُ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا فِي مِلْكِهِ، وَلَكِنْ تَغَيَّرَ تَغَيُّرًا أَحَالَهُ مِنْ جِنْسِهِ وَالثَّالِثُ أَنْ يَعْقِدَ فِيهِ عَقْدًا يَمْنَعُ مِنْ رَدِّهِ، فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ فَعَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مِلْكِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ مِثْلَ أَنْ يَمُوتَ أَوْ يُعْتِقَهُ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ فَمَعَ هَذَا كُلِّهِ قَدْ فَاتَ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ لِفَوَاتِ الْعَيْنِ وَخُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ وَلَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَخَذَ مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ مَا يُقَابِلُ الْعَيْبَ مِنْ الثَّمَنِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ قَبْلَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِعِوَضٍ كَالْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ بَائِعِهِ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ بَاعَهُ مِنْ بَائِعِهِ مِنْهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ فَلَا تَرَاجُعَ بَيْنَهُمَا فِي تَدْلِيسٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِبَقِيَّةِ الثَّمَنِ إلَّا بِالْأَقَلِّ مِنْ الْبَقِيَّةِ أَوْ قِيمَةِ الْعَيْبِ وَجْهُ ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ لَرَدَّ عَلَيْهِ وَرَجَعَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ وَقَدْ رَدَّهُ إلَيْهِ فَكَانَ لَهُ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ بَاعَهُ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ مُدَلِّسًا فَلَا رُجُوعَ لِلْبَائِعِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُدَلِّسًا رَدَّهُ
стр. 1226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْبَائِعُ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ الثَّانِي فَيَكُونُ التَّرَاجُعُ بَيْنَهُمَا فِي الثَّمَنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ إلَى غَيْرِ الْبَائِعِ مِنْهُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ فَوْتٌ وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ يَرْجِعُ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ أَوْ بَقِيَّةِ الثَّمَنِ وَحَكَوْا ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ أَنَّ الْمُبْتَاعَ إذَا بَاعَ وَقَدْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ فَقَدْ رَضِيَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَلَمْ يُنْقِصْهُ مِنْ الثَّمَنِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ انْتَقِلْ إلَى مِلْكٍ بِعِوَضٍ صَارَ إلَى الْبَائِعِ عَنْ جَمِيعِهَا، وَلِذَلِكَ إذَا رَجَعَ الْمُبْتَاعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ ثَمَنُ جَمِيعِ مَا صَارَ إلَيْهِ بِالِابْتِيَاعِ وَبِهَذَا فَارَقَ الْعِتْقَ وَالْهِبَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ عِوَضٌ عَنْ جَمِيعِ مَا ابْتَاعَ فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِقَدْرِ الْجُزْءِ الَّذِي لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ مِنْ الْمَبِيعِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْبَيْعَ إخْرَاجٌ لِلْمَبِيعِ عَنْ الْمِلْكِ فَكَانَ فَوْتًا لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ أَنَّ الَّذِي كَانَ يَثْبُتُ لِلْمُبْتَاعِ لَوْ كَانَ بِيَدِهِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَالرُّجُوعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَمَا أُخِذَ مِنْ ثَمَنِهِ حِينَ بَاعَهُ عِوَضٌ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْصٌ كَانَ عَلَيْهِ جَبْرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا قَدْرُ الْعَيْبِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ تَغَيَّرَ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ تَغَيُّرًا يَنْقُلُهُ عَنْ جِنْسِهِ فَهَلْ يَكُونُ فَوْتًا يَمْنَعُهُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ أَمْ لَا؟ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ قَالَهُمَا فِي الصَّغِيرِ يَكْبَرُ وَالْكَبِيرُ يَهْرَمُ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ فَوْتٌ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا الرُّجُوعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ عَلَى مَا أَحَبَّ الْبَائِعُ أَوْ كَرِهَ وَاخْتَارَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ فِي هَرَمِ الْكَبِيرِ، وَالثَّانِيَةُ لَيْسَ ذَلِكَ بِفَوْتٍ وَلَهُ الرَّدُّ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ مَا كَانَ مُخْرِجًا لِلشَّيْءِ عَنْ جِنْسِهِ حَتَّى يَجُوزَ سَلَمُهُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُفِيتُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ فِيمَا لَا مِثَالَ لَهُ لِتَصْيِيرِ الثَّوْبِ خِرَقًا وَالْجُلُودِ خِفَافًا، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ فِي مِلْكِ الْمُبْتَاعِ فَلَمْ يَفُتْ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ كَمَا لَوْ فَقَأَ عَيْنَهَا أَوْ قَطَعَ يَدَهَا.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ فَوْتٌ فَيَجِبُ أَنْ يُرَاعَى فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مَا يُرَاعَى فِيهِمَا مِنْ جَوَازِ تَسْلِيمِ صَغِيرًا لِجِنْسٍ فِي كَبِيرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فِي الْكَبِيرِ يَهْرَمُ فَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ إذَا ضَعُفَ فَذَهَبَتْ قُوَّتُهُ وَمَنْفَعَتُهُ أَوْ أَكْثَرُهُمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إذَا هَرِمَ هَرَمًا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ أَنَّهُ فَوْتٌ لِلرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا ضَعُفَ عَنْ مَنْفَعَتِهِ الْمَقْصُودَةِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْإِتْيَانُ بِهَا أَنَّ ذَلِكَ فَوْتٌ لِلرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ الْمَبِيعَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ، فَأَمَّا فِي الْكَبِيرِ يَهْرَمُ فَيُرَدُّ مَعَهُ مَا نَقَصَهُ الْهَرَمُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَدَثَ عِنْدَهُ نَقْصٌ غَيْرُ مُفِيتٍ، وَأَمَّا فِي الصَّغِيرِ يَكْبُرُ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ لَا يُشَارِكُهُ بِهَا فِي عَيْنِهِ وَلَا يَأْخُذُ قِيمَتَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءٌ مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يُشَارِكَ بِهِ الْبَائِعَ كَالسِّمَنِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) فَإِذَا عُقِدَ فِيهِ عَقْدٌ يَمْنَعُ رَدَّهُ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَتَعَقَّبُهُ الرُّجُوعُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ كَالْكِتَابَةِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالْعِتْقِ إلَى أَجَلٍ وَالتَّدْبِيرِ فَهَذَا لَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ فَوْتٌ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ وَالضَّرْبُ الثَّانِي يَتَعَقَّبُهُ الرُّجُوعُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ كَالرَّهْنِ وَالْإِجَازَةِ وَالْإِخْدَامِ فَهَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى الْمُبْتَاعِ رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ كَانَ أَمْرُ ذَلِكَ يَسِيرًا رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَرَوَى نَحْوَهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَجْهُ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ أَنَّ هَذَا مَعْنَى مَنْعِ الْمُبْتَاعِ مِنْ رَدِّ الْمَبِيعِ بِالْعَيْبِ فَكَانَ فَوْتًا فِي رَدِّهِ كَالْبَيْعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَكُونُ وَطْءُ الْأَمَةِ فَوْتًا فِي ثَيِّبٍ وَلَا بِكْرٍ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ فَوْتٌ فِيهِمَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجْهُ
стр. 1227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا اسْتِمْتَاعٌ فَلَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ كَالْقُبَلِ وَالْمُلَامَسَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِذَلِكَ قَالَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ بَيْنَ قَائِلَيْنِ: قَائِلٌ يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَقَائِلٌ يَقُولُ لَا يَرُدُّهَا وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَمَنْ أَحْدَثَ قَوْلًا ثَالِثًا وَقَالَ يَرُدُّهَا دُونَ مَهْرٍ خَالَفَ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْوَطْءَ مَعْنًى لَا يُسْتَبَاحُ بِالْبَدَلِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ كَقَطْعِ الْيَدِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّ الْبِكْرَ وَالثَّيِّبَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ وَطْءَ الْبِكْرِ يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ دُونَ الثَّيِّبِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا وَطْءٌ فَلَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ كَوَطْءِ الثَّيِّبِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَمَا وُجِدَ بِهِ الْعَيْبُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ أَوْ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ فَحَدَثَ بِهِ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ مَعْنًى مُفِيتٍ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ عِنْدَ الْبَائِعِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي مَسْأَلَةِ الدِّينَارِ يَقْطَعُهُ، ثُمَّ يَجِدُ بِهِ عَيْبًا يَرُدُّ مِثْلَهُ وَيَرْجِعُ بِثَمَنِهِ، وَقَالَهُ سَحْنُونٌ فِيمَنْ اشْتَرَى شَعِيرًا فَبَعْدَ أَنْ زَرَعَهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْبُتُ أَنَّهُ يَرُدُّ مِثْلُهُ وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ فَجَعَلَهُ مِثْلَ مَا لَا يَفُوتُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْفَوَاتَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَثْبَتُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ، ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّ مَا لَهُ مِثْلٌ لَا يَفُوتُ فِيهِ فَبِأَنْ لَا يَفُوتَ فِي الرَّدِّ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ وَالْبَيْعُ الْأَوَّلُ صَحِيحٌ وَإِذَا نُقِضَ الْبَيْعُ بِرَدِّ الْمَبِيعِ لِلْعَيْبِ فَإِنَّمَا يُنْقَضُ الْأَوَّلُ فَإِذَا فَاتَ الْمَبِيعُ لَمْ يَصِحَّ نَقْضُ الْبَيْعِ بِغَيْرِهِ.
(فَصْلٌ) :
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى شَرَحَ الْمَسْأَلَةِ: قَوْلُهُ وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِ عَيْبٌ عِنْدَ الَّذِي بَاعَهُ أَوْ عَلِمَ ذَلِكَ بِاعْتِرَافٍ أَوْ غَيْرِهِ يُرِيدُ أَنَّ قِدَمَ الْعَيْبِ يَثْبُتُ بِبَيِّنَةٍ شَاهَدْته عِنْدَ الْبَائِعِ مَعِيبًا، وَقَوْلُهُ أَوْ غَيْرِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ شَهَادَةَ أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْعِلْمِ بِذَلِكَ أَنَّهُ عَيْبٌ لَا يَحْدُثُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ أَوْ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ وَعُيُوبِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ مِمَّا يَسْتَوِي النَّاسُ فِي مَعْرِفَتِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ كَالْأَمْرَاضِ وَالْعِلَلِ الَّتِي تَحْدُثُ بِالنَّاسِ مِمَّا لَا يَعْرِفُهَا وَيَعْرِفُ أَحْوَالَهَا، وَقَدْرَ الْغَوْرِ فِيهَا وَالِاسْتِضْرَارَ بِهَا وَتَمْيِيزَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِسُرْعَةِ الْبُرْءِ مِنْهَا وَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَقَرُّرِ ذَلِكَ أَوْ غَيْرِهَا فِيهَا مِمَّا يَنْفَرِدُ الْأَطِبَّاءُ بِمَعْرِفَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهَا إلَّا أَقْوَالُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ فَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَهُوَ أَتَمُّ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ قُبِلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ غَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ هَذَا الْخَبَرُ لِمَا يَنْفَرِدُونَ بِعِلْمِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ كَالْعُيُوبِ تَكُونُ فِي جَسَدِ الْمَرْأَةِ أَوْ أَحَدِ فَرْجَيْهَا، فَإِنْ كَانَ فِي جَسَدِهَا فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ مَا تَحْتَ الثِّيَابِ مِنْ الْعُيُوبِ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ مَا كَانَ فِي الْجَسَدِ بُقِرَ عَنْهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ الرِّجَالُ وَمَا كَانَ فِي أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ شَهِدَ فِيهِ النِّسَاءُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَوْضِعٌ مُنِعَ الرِّجَالُ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ فَجَازَ أَنْ تُقْبَلَ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ كَالْفَرْجَيْنِ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٌ أَنَّ الْجَسَدَ وَإِنْ كَانَ عَوْرَةً فَهِيَ عَوْرَةٌ مُخَفَّفَةٌ فَجَازَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا الرِّجَالُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا يَنْظُرُونَ إلَى وَجْهِهَا لِلضَّرُورَةِ وَلَمَّا مُنِعَ الرِّجَالُ مِنْ النَّظَرِ إلَى مَا صَحَّ مِنْ جَسَدِهَا بُقِرَ الثَّوْبُ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ وَيَبْقَى الْبَاقِي عَلَى حُكْمِ الْمَنْعِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ سَتْرُ مَا حَوَالَيْهِ وَإِظْهَارُ مَوْضِعِ الْعَيْبِ خَاصَّةً اُسْتُغْنِيَ عَنْ بَقْرِ الثَّوْبِ وَإِفْسَادِهِ.
١ -
(فَرْعٌ) فَإِذَا كَانَ الْعَيْبُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ النِّسَاءُ مِمَّا يَسْتَوِي النِّسَاءُ فِي تَمْيِيزِهِ قُبِلَ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مِنْ عُدُولِ النِّسَاءِ دُونَ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ كَامِلَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ
стр. 1228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْعُيُوبِ الَّتِي يَنْفَرِدُ بِمَعْرِفَتِهَا وَمَيْزِهَا أَهْلُ الْعِلْمِ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ بِصِفَتِهَا وَسُئِلَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ عَنْ حُكْمِهَا فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ بِقَوْلِهِمْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَإِنْ ثَبَتَ الْعَيْبُ بِشَهَادَةِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَحْدُثُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ لِقِدَمِ أَمْرِ التَّبَايُعِ وَنَفْيِهِمْ حُدُوثَ الْعَيْبِ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُبْتَاعِ بِشَيْءٍ مِنْهُ إلَّا مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْعُهْدَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّأْوِيلِ، وَإِنْ شَكُّوا فِي ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعُيُوبِ الظَّاهِرَةِ أَوْ الْخَفِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الظَّاهِرَةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ الْبَائِعُ عَلَى الْبَتِّ أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ وَيَحْلِفُ فِي الْعَيْبِ الْخَفِيِّ عَلَى عِلْمِهِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمُزَنِيَّة يَحْلِفُ بِالْبَتِّ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ظَاهِرٍ وَخَفِيٍّ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ لَكَانَ لَهُ الرَّدُّ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ بِهِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يُبْرِئُهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَنَّ مَا رُدَّ عَلَيْهِ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَرُدُّ عَلَيْهِ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ وَلَمْ يَحْلِفْ عَلَى الْبَتِّ فِي نَفْيِهِ أَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِقِدَمِهِ وَلَا حُدُوثِهِ لَمْ يَلْزَمْ رَدُّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا تَقَدَّمَ مَا يُوجِبُ الرَّدَّ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ فِي نَفْسِهِ عَلَى الْبَتِّ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَحْلِفُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ إلَّا عَلَى عِلْمِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَلِمَ بِهِ فَهُوَ حَانِثٌ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الرَّدِّ حَتَّى يَثْبُتَ قِدَمُهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ إلَّا عَلَى عِلْمِهِ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُيُوبِ الظَّاهِرَةِ وَسَأَلَ ابْنُ حَبِيبٍ سَحْنُونًا عَنْ الْحَفْرِ فِي الْفَمِ وَالْأَضْرَاسِ السَّاقِطَةِ وَالْعَيْبِ فِي الْفَرْجِ وَجَرَى الْعُرْفُ عَلَى هَذَا مِنْ الْعُيُوبِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَحْلِفُ فِيهَا عَلَى الْعِلْمِ قَالَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَهْلُ الصَّنْعَةِ وَالْمَعْرِفَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ نَكَلَ الْبَائِعُ عَنْ الْيَمِينِ وَكَانَ مِنْ الْعُيُوبِ الظَّاهِرَةِ أَوْ الْخَفِيَّةِ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ الْمُبْتَاعُ فِي الْوَجْهَيْنِ عَلَى الْعِلْمِ أَنَّهُ مَا حَدَثَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَيَكُونُ لَهُ الرَّدُّ، هَذَا الَّذِي ثَبَتَ فِي كِتَابِ الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الْعَيْبُ خَفِيًّا حَلَفَ الْمُبْتَاعُ عَلَى عِلْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَفِيًّا حَلَفَ الْمُبْتَاعُ وَرَدَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ يَمِينَهُ عَلَى الْبَتِّ أَوْ الْعِلْمِ، وَالتَّقْسِيمُ يَقْتَضِي أَنَّهَا عَلَى الْبَتِّ، وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ الْقَاسِمِ مُفَسِّرًا يَحْلِفُ فِي الْخَفِيِّ عَلَى الْعِلْمِ وَفِي الظَّاهِرِ عَلَى الْبَتِّ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ يَحْلِفُ الْمُبْتَاعُ فِي الْعُيُوبِ عَلَى الْبَتِّ وَلَمْ يُفَرِّقْ وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَدَنِيِّينَ فَتَحْتَمِلُ رِوَايَةُ عِيسَى الْأُولَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِقَوْلِ أَشْهَبَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ فَإِنَّ التَّدْلِيسَ إنَّمَا يُنْكَرُ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ دُونَ جِهَةِ الْمُبْتَاعِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ نَكَلَ الْمُبْتَاعُ عَنْ الْيَمِينِ فَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَعْدَ النُّكُولِ الرُّجُوعُ إلَى الْيَمِينِ وَفِيهَا قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ إنْ نَكَلَ الْمُبْتَاعُ لَمْ يَرُدَّهُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ الْيَمِينَ بَعْدَ النُّكُولِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
، فَإِنْ ظَهَرَ عَلَى عَيْبَيْنِ أَحَدُهُمَا قَدِيمٌ وَالْآخَرُ يُشَكُّ فِي قِدَمِهِ فَعَلَى الْمُبْتَاعِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ عِنْدَهُ بِخِلَافٍ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَيْبٌ قَدِيمٌ لِلْمُبْتَاعِ الرَّدُّ وَفَسْخُ الْبَيْعِ وَالْبَائِعُ مُدَّعٍ عَلَيْهِ أَرْشَ الْعَيْبِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِحُدُوثِهِ فَالْيَمِينُ عَلَى الْمُبْتَاعِ فِي إنْكَارِهِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَيْبٌ قَدِيمٌ فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ رَدٌّ إلَّا بِمَا يَدَّعِيه مِنْ قِدَمِ الْعَيْبِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، فَإِنْ قَامَتْ لَهُ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ وَإِلَّا حَلَفَ الْبَائِعُ عَلَى إنْكَارِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ أَقَامَ الْمُبْتَاعُ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى قِدَمِ الْعَيْبِ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى الْبَتِّ، وَإِنْ كَانَ عَيْبًا خَفِيًّا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، فَإِنْ نَكَلَ الْمُبْتَاعُ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَ الْبَائِعُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ، وَقَالَ أَصْبَغُ يَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ الشَّاهِدَ شَهِدَ عَلَى الْقَطْعِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ يَمِينُ الشُّهُودِ لَهُ مُوَافِقًا لِشَهَادَةِ شَاهِدِهِ، فَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ تِلْكَ الْيَمِينُ بِعَيْنِهَا عَلَى الْبَائِعِ فَلَزِمَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْبَتِّ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ يَمِينَ الْمُبْتَاعِ مُوَافِقَةٌ لِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ فَلِذَلِكَ
стр. 1229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
لَزِمَ أَنْ تَكُونَ عَلَى حُكْمِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ يَمِينُ الْبَائِعِ فَإِنَّهَا عَلَى خِلَافِهَا فَبَقِيَتْ عَلَى حُكْمِهَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِأَنَّهُ أَقْدَمُ مِنْ أَمَدِ التَّبَايُعِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَاعُ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ وَيُتَّهَمُ فِيهِ أَوْ يَكُونَ عَدْلًا عَالِمًا بِهِ أَوْ يَكُونَ غَيْرَ عَالِمٍ عَدْلٍ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ مُتَّهَمًا فِيهِ كَالنَّخَّاسِينَ وَالدَّلَّالِينَ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِيمَا عَلِمُوا أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ لِبَصَرِهِمْ بِالْعُيُوبِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ مِثْلُهُ يَخْفَى أُحْلِفَ مَا رَآهُ وَكَانَ لَهُ الرَّدُّ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَزِمَهُ وَجْهُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّ بَصَرَهُمْ بِذَلِكَ وَتَكَرُّرَ دُرُوسِهِمْ عَلَيْهِمْ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ فِي الْأَغْلَبِ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِحْلَالِ مَا لَا يَحِلُّ وَالرِّضَا بِرَدِّ عَيْبٍ قَدْ عَلِمُوهُ وَارْتَضَوْهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْخَفِيَّ مِنْ الْعُيُوبِ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ فَيَحْلِفُونَ اسْتِبْرَاءً لَهُمْ وَيَكُونُ لَهُمْ الرَّدُّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ بَصِيرًا بِالْعَيْبِ غَيْرَ مُتَّهَمٍ لِتَصَاوُنِهِ أَوْ تَدَيُّنِهِ أَوْ مُتَّهَمًا غَيْرَ بَصِيرٍ كَانَ لَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ الظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ دُونَ يَمِينٍ طَالَ مُكْثُ السِّلْعَةِ عِنْدَهُ أَوْ لَمْ يَطُلْ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، فَإِنْ ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الْمُبْتَاعَ قَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ وَادَّعَى أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَوْ أَرَاهُ إيَّاهُ لَزِمَتْ الْمُبْتَاعَ الْيَمِينُ، فَإِنْ حَلَفَ رَدَّ بِالْعَيْبِ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْبَائِعُ وَبَرِئَ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ لَمْ يَدَعْ أَنَّهُ أَرَاهُ إيَّاهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ بَلَغَهُ رِضَا الْمُبْتَاعِ بِهِ أَوْ لَا يَدَّعِيَ ذَلِكَ، فَإِنْ ادَّعَى ذَلِكَ فَهَلْ يَحْلِفُ الْمُبْتَاعُ أَوْ لَا؟ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَحْلِفُ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ حَلَفَ أَنَّهُ تَبْرَأُ إلَيْهِ مِنْهُ فَرَضِيَهُ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ ادَّعَى دَعْوَى يَبْرَأُ بِمِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فِيهَا الْيَمِينَ فَيَحْلِفُ وَيَبْرَأُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ رَأَى الْمُبْتَاعَ وَلَمْ يَدَّعِ طَرِيقًا يُعْرَفُ بِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ رَدُّ الْيَمِينِ عَلَيْهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَى فَلَمْ يَلْزَمْ الْيَمِينُ بِهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ دَعْوَى الْبَائِعِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَا يَبْرَأُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَبْرَأُ بِأَنْ يَدَّعِيَ الْبَرَاءَةَ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَقَدْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ لَمْ يَسْقُطْ الطَّلَبُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُبْتَاعِ وَلَا يَثْبُتُ مِنْ الْأَيْمَانِ إلَّا مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى اسْتِيفَاءِ حَقٍّ أَوْ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ وَلَا يَثْبُتُ مِنْهُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى وُجُوبِ الْأَيْمَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ ادَّعَى قَبْلَ رَجُلٍ حَقًّا فَلَمَّا كُلِّفَ إثْبَاتَ الْخُطَّةِ ادَّعَاهَا وَأَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ بِيَمِينِهِ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى رَوَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَحْلِفُ لَقَدْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ وَاشْتَرَطَ فِيهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنْ يَحْلِفَ لَقَدْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ صَدَقَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ الْأَلْغَازِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقِيمَ صَبِيًّا أَوْ إنْسَانًا أَوْ مَسْخُوطًا يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ فَيُورِي عَلَى ذَلِكَ بِيَمِينِهِ قَالَ، وَإِنْ أَظْهَرَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ لَزِمَ الْيَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ مَسْخُوطًا فَكَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنْ يَنْظُرَ فِي حَالِ الْمُخْبِرِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعْبَأُ بِقَوْلِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَاهِرَ بِاخْتِلَافِ مِثْلِ هَذَا لَمْ تَجِبْ بِخَبَرِهِ عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْبَأُ بِقَوْلِهِ وَيُظَنُّ بِهِ تَحَرِّي الصِّدْقِ وَالْحَيَاءِ مِنْ اخْتِلَاقِ الْكَذِبِ وَالْمُجَاهَرَةِ بِهِ أَوْجَبَ خَبَرُهُ الْيَمِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
فَإِنْ اتَّفَقَ الشَّاهِدَانِ عَلَى تَارِيخِ الْعَيْبِ وَاخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي تَارِيخِ الْعَيْبِ فَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ انْتَقَدَ أَوْ لَمْ يَنْتَقِدْ فَهُوَ مُدَّعٍ اسْتِحْقَاقَ قَبْضِ الثَّمَنِ مِنْ الْمُبْتَاعِ وَالْمُبْتَاعُ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَهَذَا الْأَصْلُ قَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَوْلُ أَشْهَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ قَالَ بِالْقَوْلَيْنِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
، فَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي عَيْنِ السِّلْعَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُعْرَفُ عَيْنُهُ أَوْ مِمَّا لَا يُعْرَفُ عَيْنُهُ، فَإِنْ كَانَ يُعْرَفُ عَيْنُهُ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ إذَا أَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ سِلْعَتَهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ وَيَبْرَأُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُعْرَفُ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ فَلَا يَخْلُو أَنْ
стр. 1230
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ، ثُمَّ يَظْهَرُ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ يُرَدُّ مِنْهُ، وَقَدْ حَدَثَ بِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ آخَرُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْعَيْبُ الَّذِي حَدَثَ بِهِ مُفْسِدًا مِثْلَ الْقَطْعِ أَوْ الْعَوَرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُفْسِدَةِ فَإِنَّ الَّذِي اشْتَرَى الْعَبْدَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إنْ أَحَبَّ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ بِقَدْرِ الْعَيْبِ الَّذِي كَانَ بِالْعَبْدِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ وَضَعَ عَنْهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَغْرَمَ قَدْرَ مَا أَصَابَ الْعَبْدُ عِنْدَهُ ثُمَّ يَرُدُّ الْعَبْدَ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ عِنْدَ الَّذِي اشْتَرَاهُ أُقِيمُ الْعَبْدُ وَبِهِ الْعَيْبُ الَّذِي كَانَ بِهِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ فَيَنْظُرُ كَمْ ثَمَنُهُ، فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الْعَبْدِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ عَيْبٍ مِائَةَ دِينَارٍ وَقِيمَتُهُ يَوْمَ اشْتَرَاهُ وَبِهِ الْعَيْبُ ثَمَانِينَ دِينَارًا وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْقِيمَةُ يَوْمَ اشْتَرَى الْعَبْدَ)
ــ
[المنتقى]
يَكُونَ مِنْ الْأَثْمَانِ أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَثْمَانِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الدَّافِعَ يَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ فِي الْغِشِّ وَالنَّقْصِ صَيْرَفِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَحَكَى عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ وَأَنَّ غَيْرَهُ يَحْلِفُ فِي الْغِشِّ عَلَى الْعِلْمِ وَفِي النُّقْصَانِ عَلَى الْبَتِّ قَالَ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْيَمِينَ فِي نُقْصَانِ الْعَدَدِ عَلَى الْبَتِّ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ انْتِقَادَ الْقَابِضِ وَاسْتِيفَاءَ الْوَزْنِ وَمُفَارَقَتَهُ لِلدَّافِعِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى بِذَلِكَ عَدَدَهُ يُضْعِفُ دَعْوَاهُ الْغِشَّ وَالنَّقْصَ فِي الْوَزْنِ وَلَوْ ادَّعَى عَدَمَ مَعْرِفَةِ تِلْكَ الْأَعْيَانِ فَمَا دُونَهَا فَيَحْلِفُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ عَرَفَهَا وَمَيَّزَهَا أُعِيدَ النَّظَرُ إلَيْهَا وَالْوَزْنُ لَهَا وَيُسْتَوْفَى تَمْيِيزُ أَعْيَانِهَا، وَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي دَفَعَ الصَّيْرَفِيُّ أَوْ غَيْرُهُ فَاسْتَوْفَى، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ مَعْرِفَتَهُ بِالْغِشِّ وَالْغَبْنِ وَتَجْوِيزِ الْوَزْنِ وَمُبَاشَرَتَهُ لَهُ فِي الْأَغْلَبِ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينَ عَلَى الْبَتِّ أَنَّهُ قَدْ وَفَّاهُ جَيِّدًا وَازِنًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْبَتِّ فِي مَيْزِ أَعْيَانِهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْغِشِّ وَالْوَزْنِ أَنَّ الَّذِي يَنْفَرِدُ الصَّيْرَفِيُّ بِمَعْرِفَتِهِ هُوَ الْغِشُّ، وَأَمَّا الْوَزْنُ فَإِنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَسْتَوُونَ فِيهِ فَلِذَلِكَ اسْتَوَوْا فِي صِفَةِ الْيَمِينِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنَّ الْعَبْدَ أَوْ الْوَلِيدَةَ يُقَوَّمُ وَبِهِ الْعَيْبُ الَّذِي كَانَ بِهِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ فَيَرُدُّ مِنْ الثَّمَنِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَقِيمَتِهِ وَبِهِ ذَلِكَ الْعَيْبُ يُرِيدُ أَنَّهُ يُقَوَّمُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ التَّبَايُعِ سَلِيمًا مِنْ الْعَيْبِ، ثُمَّ يُقَوَّمُ بِقِيمَتِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَبِهِ الْعَيْبُ فَيُنْظَرُ كَمْ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ رُبُعُهَا رَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَبِحَسَبِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُبْتَاعَ اشْتَرَى السِّلْعَةَ وَالتَّغَابُنُ لَازِمٌ فِي الْبُيُوعَاتِ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ الْعَيْبُ جُزْءًا مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَ بِالْجُمْلَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَرُدَّ مِنْ الثَّمَنِ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ، فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ خُمُسَ الْمَبِيعِ رَدَّ خُمُسَ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ فَبِحَسَبِ ذَلِكَ وَلَا سَبِيلَ إلَى تَقْدِيرِ الْعَيْبِ بِهِ مِنْ الْجُمْلَةِ إلَّا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهَذَا إذَا دَخَلَ الْمَعِيبَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْفَوْتِ كَالْمَوْتِ وَالْعِتْقِ وَسَائِرِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ أَوْ دَخَلَهُ مَعْنًى يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ لِلْمُبْتَاعِ مِنْ نَقْصٍ يُوجِبُ أَنْ يُرَدَّ الْمَعِيبُ مَعَ النَّقْصِ الْحَادِثِ أَوْ يُمْسِكُهُ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَدْخُلْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ إلَّا رَدُّهُ وَيَرْجِعُ بِجَمِيعِ ثَمَنِهِ، أَوْ الْإِمْسَاكُ وَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ، فَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْأَرْشَ وَلَا يَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ بِالْعَيْبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ جَازَ خِلَافًا لِابْنِ شُرَيْحٍ فِي مَنْعِهِ ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا خِيَارٌ يَسْقُطُ إلَى مَالٍ مَعَ الْفَوَاتِ فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ إلَى مَالٍ مَعَ الْإِمْكَانِ كَالْخِيَارِ فِي الْقِصَاصِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ مَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً وَحَدَثَ بِهَا عِنْدَهُ عَيْبٌ مُفْسِدٌ، ثُمَّ ثَبَتَ فِيهَا عَيْبٌ قَدِيمٌ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ بِالْخِيَارِ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ الْمَبِيعَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ وَقِيمَةَ الْعَيْبِ الَّذِي حَدَثَ عِنْدَهُ وَيَرْتَجِعَ جَمِيعَ الثَّمَنِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَيْسَ لَهُ رَدُّ الْمَبِيعِ، وَإِنَّمَا لَهُ الرُّجُوعُ بِقَدْرِ الْعَيْبِ خَاصَّةً وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ قَوْلُهُ ﷺ «لَا تُصِرُّوا الْإِبِلَ
следующие страницы →