Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْبَائِعُ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ الثَّانِي فَيَكُونُ التَّرَاجُعُ بَيْنَهُمَا فِي الثَّمَنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ إلَى غَيْرِ الْبَائِعِ مِنْهُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ فَوْتٌ وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ يَرْجِعُ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ أَوْ بَقِيَّةِ الثَّمَنِ وَحَكَوْا ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ أَنَّ الْمُبْتَاعَ إذَا بَاعَ وَقَدْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ فَقَدْ رَضِيَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَلَمْ يُنْقِصْهُ مِنْ الثَّمَنِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ انْتَقِلْ إلَى مِلْكٍ بِعِوَضٍ صَارَ إلَى الْبَائِعِ عَنْ جَمِيعِهَا، وَلِذَلِكَ إذَا رَجَعَ الْمُبْتَاعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ ثَمَنُ جَمِيعِ مَا صَارَ إلَيْهِ بِالِابْتِيَاعِ وَبِهَذَا فَارَقَ الْعِتْقَ وَالْهِبَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ عِوَضٌ عَنْ جَمِيعِ مَا ابْتَاعَ فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِقَدْرِ الْجُزْءِ الَّذِي لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ مِنْ الْمَبِيعِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْبَيْعَ إخْرَاجٌ لِلْمَبِيعِ عَنْ الْمِلْكِ فَكَانَ فَوْتًا لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ أَنَّ الَّذِي كَانَ يَثْبُتُ لِلْمُبْتَاعِ لَوْ كَانَ بِيَدِهِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَالرُّجُوعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَمَا أُخِذَ مِنْ ثَمَنِهِ حِينَ بَاعَهُ عِوَضٌ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْصٌ كَانَ عَلَيْهِ جَبْرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا قَدْرُ الْعَيْبِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ تَغَيَّرَ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ تَغَيُّرًا يَنْقُلُهُ عَنْ جِنْسِهِ فَهَلْ يَكُونُ فَوْتًا يَمْنَعُهُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ أَمْ لَا؟ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ قَالَهُمَا فِي الصَّغِيرِ يَكْبَرُ وَالْكَبِيرُ يَهْرَمُ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ فَوْتٌ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا الرُّجُوعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ عَلَى مَا أَحَبَّ الْبَائِعُ أَوْ كَرِهَ وَاخْتَارَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ فِي هَرَمِ الْكَبِيرِ، وَالثَّانِيَةُ لَيْسَ ذَلِكَ بِفَوْتٍ وَلَهُ الرَّدُّ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ مَا كَانَ مُخْرِجًا لِلشَّيْءِ عَنْ جِنْسِهِ حَتَّى يَجُوزَ سَلَمُهُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُفِيتُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ فِيمَا لَا مِثَالَ لَهُ لِتَصْيِيرِ الثَّوْبِ خِرَقًا وَالْجُلُودِ خِفَافًا، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ فِي مِلْكِ الْمُبْتَاعِ فَلَمْ يَفُتْ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ كَمَا لَوْ فَقَأَ عَيْنَهَا أَوْ قَطَعَ يَدَهَا.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ فَوْتٌ فَيَجِبُ أَنْ يُرَاعَى فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مَا يُرَاعَى فِيهِمَا مِنْ جَوَازِ تَسْلِيمِ صَغِيرًا لِجِنْسٍ فِي كَبِيرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فِي الْكَبِيرِ يَهْرَمُ فَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ إذَا ضَعُفَ فَذَهَبَتْ قُوَّتُهُ وَمَنْفَعَتُهُ أَوْ أَكْثَرُهُمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إذَا هَرِمَ هَرَمًا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ أَنَّهُ فَوْتٌ لِلرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا ضَعُفَ عَنْ مَنْفَعَتِهِ الْمَقْصُودَةِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْإِتْيَانُ بِهَا أَنَّ ذَلِكَ فَوْتٌ لِلرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ الْمَبِيعَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ، فَأَمَّا فِي الْكَبِيرِ يَهْرَمُ فَيُرَدُّ مَعَهُ مَا نَقَصَهُ الْهَرَمُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَدَثَ عِنْدَهُ نَقْصٌ غَيْرُ مُفِيتٍ، وَأَمَّا فِي الصَّغِيرِ يَكْبُرُ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ لَا يُشَارِكُهُ بِهَا فِي عَيْنِهِ وَلَا يَأْخُذُ قِيمَتَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءٌ مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يُشَارِكَ بِهِ الْبَائِعَ كَالسِّمَنِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) فَإِذَا عُقِدَ فِيهِ عَقْدٌ يَمْنَعُ رَدَّهُ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَتَعَقَّبُهُ الرُّجُوعُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ كَالْكِتَابَةِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالْعِتْقِ إلَى أَجَلٍ وَالتَّدْبِيرِ فَهَذَا لَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ فَوْتٌ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ وَالضَّرْبُ الثَّانِي يَتَعَقَّبُهُ الرُّجُوعُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ كَالرَّهْنِ وَالْإِجَازَةِ وَالْإِخْدَامِ فَهَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى الْمُبْتَاعِ رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ كَانَ أَمْرُ ذَلِكَ يَسِيرًا رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَرَوَى نَحْوَهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَجْهُ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ أَنَّ هَذَا مَعْنَى مَنْعِ الْمُبْتَاعِ مِنْ رَدِّ الْمَبِيعِ بِالْعَيْبِ فَكَانَ فَوْتًا فِي رَدِّهِ كَالْبَيْعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَكُونُ وَطْءُ الْأَمَةِ فَوْتًا فِي ثَيِّبٍ وَلَا بِكْرٍ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ فَوْتٌ فِيهِمَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجْهُ
стр. 1227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا اسْتِمْتَاعٌ فَلَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ كَالْقُبَلِ وَالْمُلَامَسَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِذَلِكَ قَالَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ بَيْنَ قَائِلَيْنِ: قَائِلٌ يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَقَائِلٌ يَقُولُ لَا يَرُدُّهَا وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَمَنْ أَحْدَثَ قَوْلًا ثَالِثًا وَقَالَ يَرُدُّهَا دُونَ مَهْرٍ خَالَفَ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْوَطْءَ مَعْنًى لَا يُسْتَبَاحُ بِالْبَدَلِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ كَقَطْعِ الْيَدِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّ الْبِكْرَ وَالثَّيِّبَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ وَطْءَ الْبِكْرِ يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ دُونَ الثَّيِّبِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا وَطْءٌ فَلَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ كَوَطْءِ الثَّيِّبِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَمَا وُجِدَ بِهِ الْعَيْبُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ أَوْ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ فَحَدَثَ بِهِ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ مَعْنًى مُفِيتٍ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ عِنْدَ الْبَائِعِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي مَسْأَلَةِ الدِّينَارِ يَقْطَعُهُ، ثُمَّ يَجِدُ بِهِ عَيْبًا يَرُدُّ مِثْلَهُ وَيَرْجِعُ بِثَمَنِهِ، وَقَالَهُ سَحْنُونٌ فِيمَنْ اشْتَرَى شَعِيرًا فَبَعْدَ أَنْ زَرَعَهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْبُتُ أَنَّهُ يَرُدُّ مِثْلُهُ وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ فَجَعَلَهُ مِثْلَ مَا لَا يَفُوتُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْفَوَاتَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَثْبَتُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ، ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّ مَا لَهُ مِثْلٌ لَا يَفُوتُ فِيهِ فَبِأَنْ لَا يَفُوتَ فِي الرَّدِّ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ وَالْبَيْعُ الْأَوَّلُ صَحِيحٌ وَإِذَا نُقِضَ الْبَيْعُ بِرَدِّ الْمَبِيعِ لِلْعَيْبِ فَإِنَّمَا يُنْقَضُ الْأَوَّلُ فَإِذَا فَاتَ الْمَبِيعُ لَمْ يَصِحَّ نَقْضُ الْبَيْعِ بِغَيْرِهِ.
(فَصْلٌ) :
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى شَرَحَ الْمَسْأَلَةِ: قَوْلُهُ وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِ عَيْبٌ عِنْدَ الَّذِي بَاعَهُ أَوْ عَلِمَ ذَلِكَ بِاعْتِرَافٍ أَوْ غَيْرِهِ يُرِيدُ أَنَّ قِدَمَ الْعَيْبِ يَثْبُتُ بِبَيِّنَةٍ شَاهَدْته عِنْدَ الْبَائِعِ مَعِيبًا، وَقَوْلُهُ أَوْ غَيْرِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ شَهَادَةَ أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْعِلْمِ بِذَلِكَ أَنَّهُ عَيْبٌ لَا يَحْدُثُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ أَوْ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ وَعُيُوبِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ مِمَّا يَسْتَوِي النَّاسُ فِي مَعْرِفَتِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ كَالْأَمْرَاضِ وَالْعِلَلِ الَّتِي تَحْدُثُ بِالنَّاسِ مِمَّا لَا يَعْرِفُهَا وَيَعْرِفُ أَحْوَالَهَا، وَقَدْرَ الْغَوْرِ فِيهَا وَالِاسْتِضْرَارَ بِهَا وَتَمْيِيزَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِسُرْعَةِ الْبُرْءِ مِنْهَا وَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَقَرُّرِ ذَلِكَ أَوْ غَيْرِهَا فِيهَا مِمَّا يَنْفَرِدُ الْأَطِبَّاءُ بِمَعْرِفَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهَا إلَّا أَقْوَالُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ فَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَهُوَ أَتَمُّ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ قُبِلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ غَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ هَذَا الْخَبَرُ لِمَا يَنْفَرِدُونَ بِعِلْمِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ كَالْعُيُوبِ تَكُونُ فِي جَسَدِ الْمَرْأَةِ أَوْ أَحَدِ فَرْجَيْهَا، فَإِنْ كَانَ فِي جَسَدِهَا فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ مَا تَحْتَ الثِّيَابِ مِنْ الْعُيُوبِ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ مَا كَانَ فِي الْجَسَدِ بُقِرَ عَنْهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ الرِّجَالُ وَمَا كَانَ فِي أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ شَهِدَ فِيهِ النِّسَاءُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَوْضِعٌ مُنِعَ الرِّجَالُ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ فَجَازَ أَنْ تُقْبَلَ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ كَالْفَرْجَيْنِ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٌ أَنَّ الْجَسَدَ وَإِنْ كَانَ عَوْرَةً فَهِيَ عَوْرَةٌ مُخَفَّفَةٌ فَجَازَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا الرِّجَالُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا يَنْظُرُونَ إلَى وَجْهِهَا لِلضَّرُورَةِ وَلَمَّا مُنِعَ الرِّجَالُ مِنْ النَّظَرِ إلَى مَا صَحَّ مِنْ جَسَدِهَا بُقِرَ الثَّوْبُ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ وَيَبْقَى الْبَاقِي عَلَى حُكْمِ الْمَنْعِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ سَتْرُ مَا حَوَالَيْهِ وَإِظْهَارُ مَوْضِعِ الْعَيْبِ خَاصَّةً اُسْتُغْنِيَ عَنْ بَقْرِ الثَّوْبِ وَإِفْسَادِهِ.
١ -
(فَرْعٌ) فَإِذَا كَانَ الْعَيْبُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ النِّسَاءُ مِمَّا يَسْتَوِي النِّسَاءُ فِي تَمْيِيزِهِ قُبِلَ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مِنْ عُدُولِ النِّسَاءِ دُونَ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ كَامِلَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ
стр. 1228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْعُيُوبِ الَّتِي يَنْفَرِدُ بِمَعْرِفَتِهَا وَمَيْزِهَا أَهْلُ الْعِلْمِ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ بِصِفَتِهَا وَسُئِلَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ عَنْ حُكْمِهَا فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ بِقَوْلِهِمْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَإِنْ ثَبَتَ الْعَيْبُ بِشَهَادَةِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَحْدُثُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ لِقِدَمِ أَمْرِ التَّبَايُعِ وَنَفْيِهِمْ حُدُوثَ الْعَيْبِ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُبْتَاعِ بِشَيْءٍ مِنْهُ إلَّا مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْعُهْدَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّأْوِيلِ، وَإِنْ شَكُّوا فِي ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعُيُوبِ الظَّاهِرَةِ أَوْ الْخَفِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الظَّاهِرَةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ الْبَائِعُ عَلَى الْبَتِّ أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ وَيَحْلِفُ فِي الْعَيْبِ الْخَفِيِّ عَلَى عِلْمِهِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمُزَنِيَّة يَحْلِفُ بِالْبَتِّ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ظَاهِرٍ وَخَفِيٍّ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ لَكَانَ لَهُ الرَّدُّ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ بِهِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يُبْرِئُهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَنَّ مَا رُدَّ عَلَيْهِ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَرُدُّ عَلَيْهِ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ وَلَمْ يَحْلِفْ عَلَى الْبَتِّ فِي نَفْيِهِ أَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِقِدَمِهِ وَلَا حُدُوثِهِ لَمْ يَلْزَمْ رَدُّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا تَقَدَّمَ مَا يُوجِبُ الرَّدَّ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ فِي نَفْسِهِ عَلَى الْبَتِّ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَحْلِفُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ إلَّا عَلَى عِلْمِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَلِمَ بِهِ فَهُوَ حَانِثٌ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الرَّدِّ حَتَّى يَثْبُتَ قِدَمُهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ إلَّا عَلَى عِلْمِهِ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُيُوبِ الظَّاهِرَةِ وَسَأَلَ ابْنُ حَبِيبٍ سَحْنُونًا عَنْ الْحَفْرِ فِي الْفَمِ وَالْأَضْرَاسِ السَّاقِطَةِ وَالْعَيْبِ فِي الْفَرْجِ وَجَرَى الْعُرْفُ عَلَى هَذَا مِنْ الْعُيُوبِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَحْلِفُ فِيهَا عَلَى الْعِلْمِ قَالَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَهْلُ الصَّنْعَةِ وَالْمَعْرِفَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ نَكَلَ الْبَائِعُ عَنْ الْيَمِينِ وَكَانَ مِنْ الْعُيُوبِ الظَّاهِرَةِ أَوْ الْخَفِيَّةِ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ الْمُبْتَاعُ فِي الْوَجْهَيْنِ عَلَى الْعِلْمِ أَنَّهُ مَا حَدَثَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَيَكُونُ لَهُ الرَّدُّ، هَذَا الَّذِي ثَبَتَ فِي كِتَابِ الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الْعَيْبُ خَفِيًّا حَلَفَ الْمُبْتَاعُ عَلَى عِلْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَفِيًّا حَلَفَ الْمُبْتَاعُ وَرَدَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ يَمِينَهُ عَلَى الْبَتِّ أَوْ الْعِلْمِ، وَالتَّقْسِيمُ يَقْتَضِي أَنَّهَا عَلَى الْبَتِّ، وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ الْقَاسِمِ مُفَسِّرًا يَحْلِفُ فِي الْخَفِيِّ عَلَى الْعِلْمِ وَفِي الظَّاهِرِ عَلَى الْبَتِّ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ يَحْلِفُ الْمُبْتَاعُ فِي الْعُيُوبِ عَلَى الْبَتِّ وَلَمْ يُفَرِّقْ وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَدَنِيِّينَ فَتَحْتَمِلُ رِوَايَةُ عِيسَى الْأُولَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِقَوْلِ أَشْهَبَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ فَإِنَّ التَّدْلِيسَ إنَّمَا يُنْكَرُ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ دُونَ جِهَةِ الْمُبْتَاعِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ نَكَلَ الْمُبْتَاعُ عَنْ الْيَمِينِ فَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَعْدَ النُّكُولِ الرُّجُوعُ إلَى الْيَمِينِ وَفِيهَا قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ إنْ نَكَلَ الْمُبْتَاعُ لَمْ يَرُدَّهُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ الْيَمِينَ بَعْدَ النُّكُولِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
، فَإِنْ ظَهَرَ عَلَى عَيْبَيْنِ أَحَدُهُمَا قَدِيمٌ وَالْآخَرُ يُشَكُّ فِي قِدَمِهِ فَعَلَى الْمُبْتَاعِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ عِنْدَهُ بِخِلَافٍ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَيْبٌ قَدِيمٌ لِلْمُبْتَاعِ الرَّدُّ وَفَسْخُ الْبَيْعِ وَالْبَائِعُ مُدَّعٍ عَلَيْهِ أَرْشَ الْعَيْبِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِحُدُوثِهِ فَالْيَمِينُ عَلَى الْمُبْتَاعِ فِي إنْكَارِهِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَيْبٌ قَدِيمٌ فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ رَدٌّ إلَّا بِمَا يَدَّعِيه مِنْ قِدَمِ الْعَيْبِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، فَإِنْ قَامَتْ لَهُ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ وَإِلَّا حَلَفَ الْبَائِعُ عَلَى إنْكَارِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ أَقَامَ الْمُبْتَاعُ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى قِدَمِ الْعَيْبِ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى الْبَتِّ، وَإِنْ كَانَ عَيْبًا خَفِيًّا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، فَإِنْ نَكَلَ الْمُبْتَاعُ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَ الْبَائِعُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ، وَقَالَ أَصْبَغُ يَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ الشَّاهِدَ شَهِدَ عَلَى الْقَطْعِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ يَمِينُ الشُّهُودِ لَهُ مُوَافِقًا لِشَهَادَةِ شَاهِدِهِ، فَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ تِلْكَ الْيَمِينُ بِعَيْنِهَا عَلَى الْبَائِعِ فَلَزِمَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْبَتِّ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ يَمِينَ الْمُبْتَاعِ مُوَافِقَةٌ لِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ فَلِذَلِكَ
стр. 1229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
لَزِمَ أَنْ تَكُونَ عَلَى حُكْمِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ يَمِينُ الْبَائِعِ فَإِنَّهَا عَلَى خِلَافِهَا فَبَقِيَتْ عَلَى حُكْمِهَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِأَنَّهُ أَقْدَمُ مِنْ أَمَدِ التَّبَايُعِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَاعُ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ وَيُتَّهَمُ فِيهِ أَوْ يَكُونَ عَدْلًا عَالِمًا بِهِ أَوْ يَكُونَ غَيْرَ عَالِمٍ عَدْلٍ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ مُتَّهَمًا فِيهِ كَالنَّخَّاسِينَ وَالدَّلَّالِينَ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِيمَا عَلِمُوا أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ لِبَصَرِهِمْ بِالْعُيُوبِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ مِثْلُهُ يَخْفَى أُحْلِفَ مَا رَآهُ وَكَانَ لَهُ الرَّدُّ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَزِمَهُ وَجْهُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّ بَصَرَهُمْ بِذَلِكَ وَتَكَرُّرَ دُرُوسِهِمْ عَلَيْهِمْ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ فِي الْأَغْلَبِ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِحْلَالِ مَا لَا يَحِلُّ وَالرِّضَا بِرَدِّ عَيْبٍ قَدْ عَلِمُوهُ وَارْتَضَوْهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْخَفِيَّ مِنْ الْعُيُوبِ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ فَيَحْلِفُونَ اسْتِبْرَاءً لَهُمْ وَيَكُونُ لَهُمْ الرَّدُّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ بَصِيرًا بِالْعَيْبِ غَيْرَ مُتَّهَمٍ لِتَصَاوُنِهِ أَوْ تَدَيُّنِهِ أَوْ مُتَّهَمًا غَيْرَ بَصِيرٍ كَانَ لَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ الظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ دُونَ يَمِينٍ طَالَ مُكْثُ السِّلْعَةِ عِنْدَهُ أَوْ لَمْ يَطُلْ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، فَإِنْ ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الْمُبْتَاعَ قَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ وَادَّعَى أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَوْ أَرَاهُ إيَّاهُ لَزِمَتْ الْمُبْتَاعَ الْيَمِينُ، فَإِنْ حَلَفَ رَدَّ بِالْعَيْبِ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْبَائِعُ وَبَرِئَ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ لَمْ يَدَعْ أَنَّهُ أَرَاهُ إيَّاهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ بَلَغَهُ رِضَا الْمُبْتَاعِ بِهِ أَوْ لَا يَدَّعِيَ ذَلِكَ، فَإِنْ ادَّعَى ذَلِكَ فَهَلْ يَحْلِفُ الْمُبْتَاعُ أَوْ لَا؟ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَحْلِفُ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ حَلَفَ أَنَّهُ تَبْرَأُ إلَيْهِ مِنْهُ فَرَضِيَهُ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ ادَّعَى دَعْوَى يَبْرَأُ بِمِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فِيهَا الْيَمِينَ فَيَحْلِفُ وَيَبْرَأُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ رَأَى الْمُبْتَاعَ وَلَمْ يَدَّعِ طَرِيقًا يُعْرَفُ بِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ رَدُّ الْيَمِينِ عَلَيْهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَى فَلَمْ يَلْزَمْ الْيَمِينُ بِهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ دَعْوَى الْبَائِعِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَا يَبْرَأُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَبْرَأُ بِأَنْ يَدَّعِيَ الْبَرَاءَةَ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَقَدْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ لَمْ يَسْقُطْ الطَّلَبُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُبْتَاعِ وَلَا يَثْبُتُ مِنْ الْأَيْمَانِ إلَّا مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى اسْتِيفَاءِ حَقٍّ أَوْ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ وَلَا يَثْبُتُ مِنْهُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى وُجُوبِ الْأَيْمَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ ادَّعَى قَبْلَ رَجُلٍ حَقًّا فَلَمَّا كُلِّفَ إثْبَاتَ الْخُطَّةِ ادَّعَاهَا وَأَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ بِيَمِينِهِ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى رَوَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَحْلِفُ لَقَدْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ وَاشْتَرَطَ فِيهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنْ يَحْلِفَ لَقَدْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ صَدَقَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ الْأَلْغَازِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقِيمَ صَبِيًّا أَوْ إنْسَانًا أَوْ مَسْخُوطًا يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ فَيُورِي عَلَى ذَلِكَ بِيَمِينِهِ قَالَ، وَإِنْ أَظْهَرَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ لَزِمَ الْيَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ مَسْخُوطًا فَكَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنْ يَنْظُرَ فِي حَالِ الْمُخْبِرِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعْبَأُ بِقَوْلِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَاهِرَ بِاخْتِلَافِ مِثْلِ هَذَا لَمْ تَجِبْ بِخَبَرِهِ عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْبَأُ بِقَوْلِهِ وَيُظَنُّ بِهِ تَحَرِّي الصِّدْقِ وَالْحَيَاءِ مِنْ اخْتِلَاقِ الْكَذِبِ وَالْمُجَاهَرَةِ بِهِ أَوْجَبَ خَبَرُهُ الْيَمِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
فَإِنْ اتَّفَقَ الشَّاهِدَانِ عَلَى تَارِيخِ الْعَيْبِ وَاخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي تَارِيخِ الْعَيْبِ فَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ انْتَقَدَ أَوْ لَمْ يَنْتَقِدْ فَهُوَ مُدَّعٍ اسْتِحْقَاقَ قَبْضِ الثَّمَنِ مِنْ الْمُبْتَاعِ وَالْمُبْتَاعُ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَهَذَا الْأَصْلُ قَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَوْلُ أَشْهَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ قَالَ بِالْقَوْلَيْنِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
، فَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي عَيْنِ السِّلْعَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُعْرَفُ عَيْنُهُ أَوْ مِمَّا لَا يُعْرَفُ عَيْنُهُ، فَإِنْ كَانَ يُعْرَفُ عَيْنُهُ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ إذَا أَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ سِلْعَتَهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ وَيَبْرَأُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُعْرَفُ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ فَلَا يَخْلُو أَنْ
стр. 1230
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ، ثُمَّ يَظْهَرُ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ يُرَدُّ مِنْهُ، وَقَدْ حَدَثَ بِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ آخَرُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْعَيْبُ الَّذِي حَدَثَ بِهِ مُفْسِدًا مِثْلَ الْقَطْعِ أَوْ الْعَوَرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُفْسِدَةِ فَإِنَّ الَّذِي اشْتَرَى الْعَبْدَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إنْ أَحَبَّ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ بِقَدْرِ الْعَيْبِ الَّذِي كَانَ بِالْعَبْدِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ وَضَعَ عَنْهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَغْرَمَ قَدْرَ مَا أَصَابَ الْعَبْدُ عِنْدَهُ ثُمَّ يَرُدُّ الْعَبْدَ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ عِنْدَ الَّذِي اشْتَرَاهُ أُقِيمُ الْعَبْدُ وَبِهِ الْعَيْبُ الَّذِي كَانَ بِهِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ فَيَنْظُرُ كَمْ ثَمَنُهُ، فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الْعَبْدِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ عَيْبٍ مِائَةَ دِينَارٍ وَقِيمَتُهُ يَوْمَ اشْتَرَاهُ وَبِهِ الْعَيْبُ ثَمَانِينَ دِينَارًا وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْقِيمَةُ يَوْمَ اشْتَرَى الْعَبْدَ)
ــ
[المنتقى]
يَكُونَ مِنْ الْأَثْمَانِ أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَثْمَانِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الدَّافِعَ يَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ فِي الْغِشِّ وَالنَّقْصِ صَيْرَفِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَحَكَى عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ وَأَنَّ غَيْرَهُ يَحْلِفُ فِي الْغِشِّ عَلَى الْعِلْمِ وَفِي النُّقْصَانِ عَلَى الْبَتِّ قَالَ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْيَمِينَ فِي نُقْصَانِ الْعَدَدِ عَلَى الْبَتِّ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ انْتِقَادَ الْقَابِضِ وَاسْتِيفَاءَ الْوَزْنِ وَمُفَارَقَتَهُ لِلدَّافِعِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى بِذَلِكَ عَدَدَهُ يُضْعِفُ دَعْوَاهُ الْغِشَّ وَالنَّقْصَ فِي الْوَزْنِ وَلَوْ ادَّعَى عَدَمَ مَعْرِفَةِ تِلْكَ الْأَعْيَانِ فَمَا دُونَهَا فَيَحْلِفُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ عَرَفَهَا وَمَيَّزَهَا أُعِيدَ النَّظَرُ إلَيْهَا وَالْوَزْنُ لَهَا وَيُسْتَوْفَى تَمْيِيزُ أَعْيَانِهَا، وَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي دَفَعَ الصَّيْرَفِيُّ أَوْ غَيْرُهُ فَاسْتَوْفَى، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ مَعْرِفَتَهُ بِالْغِشِّ وَالْغَبْنِ وَتَجْوِيزِ الْوَزْنِ وَمُبَاشَرَتَهُ لَهُ فِي الْأَغْلَبِ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينَ عَلَى الْبَتِّ أَنَّهُ قَدْ وَفَّاهُ جَيِّدًا وَازِنًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْبَتِّ فِي مَيْزِ أَعْيَانِهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْغِشِّ وَالْوَزْنِ أَنَّ الَّذِي يَنْفَرِدُ الصَّيْرَفِيُّ بِمَعْرِفَتِهِ هُوَ الْغِشُّ، وَأَمَّا الْوَزْنُ فَإِنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَسْتَوُونَ فِيهِ فَلِذَلِكَ اسْتَوَوْا فِي صِفَةِ الْيَمِينِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنَّ الْعَبْدَ أَوْ الْوَلِيدَةَ يُقَوَّمُ وَبِهِ الْعَيْبُ الَّذِي كَانَ بِهِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ فَيَرُدُّ مِنْ الثَّمَنِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَقِيمَتِهِ وَبِهِ ذَلِكَ الْعَيْبُ يُرِيدُ أَنَّهُ يُقَوَّمُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ التَّبَايُعِ سَلِيمًا مِنْ الْعَيْبِ، ثُمَّ يُقَوَّمُ بِقِيمَتِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَبِهِ الْعَيْبُ فَيُنْظَرُ كَمْ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ رُبُعُهَا رَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَبِحَسَبِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُبْتَاعَ اشْتَرَى السِّلْعَةَ وَالتَّغَابُنُ لَازِمٌ فِي الْبُيُوعَاتِ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ الْعَيْبُ جُزْءًا مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَ بِالْجُمْلَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَرُدَّ مِنْ الثَّمَنِ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ، فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ خُمُسَ الْمَبِيعِ رَدَّ خُمُسَ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ فَبِحَسَبِ ذَلِكَ وَلَا سَبِيلَ إلَى تَقْدِيرِ الْعَيْبِ بِهِ مِنْ الْجُمْلَةِ إلَّا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهَذَا إذَا دَخَلَ الْمَعِيبَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْفَوْتِ كَالْمَوْتِ وَالْعِتْقِ وَسَائِرِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ أَوْ دَخَلَهُ مَعْنًى يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ لِلْمُبْتَاعِ مِنْ نَقْصٍ يُوجِبُ أَنْ يُرَدَّ الْمَعِيبُ مَعَ النَّقْصِ الْحَادِثِ أَوْ يُمْسِكُهُ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَدْخُلْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ إلَّا رَدُّهُ وَيَرْجِعُ بِجَمِيعِ ثَمَنِهِ، أَوْ الْإِمْسَاكُ وَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ، فَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْأَرْشَ وَلَا يَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ بِالْعَيْبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ جَازَ خِلَافًا لِابْنِ شُرَيْحٍ فِي مَنْعِهِ ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا خِيَارٌ يَسْقُطُ إلَى مَالٍ مَعَ الْفَوَاتِ فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ إلَى مَالٍ مَعَ الْإِمْكَانِ كَالْخِيَارِ فِي الْقِصَاصِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ مَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً وَحَدَثَ بِهَا عِنْدَهُ عَيْبٌ مُفْسِدٌ، ثُمَّ ثَبَتَ فِيهَا عَيْبٌ قَدِيمٌ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ بِالْخِيَارِ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ الْمَبِيعَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ وَقِيمَةَ الْعَيْبِ الَّذِي حَدَثَ عِنْدَهُ وَيَرْتَجِعَ جَمِيعَ الثَّمَنِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَيْسَ لَهُ رَدُّ الْمَبِيعِ، وَإِنَّمَا لَهُ الرُّجُوعُ بِقَدْرِ الْعَيْبِ خَاصَّةً وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ قَوْلُهُ ﷺ «لَا تُصِرُّوا الْإِبِلَ
стр. 1231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» .
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ لَمَّا أَتْلَفَ الْمُبْتَاعُ اللَّبَنَ وَبَقِيَ سَائِرُ الْحَيَوَانِ جَعَلَهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَغْرَمَ مَا أَتْلَفَ وَيَرُدَّ مِنْ الْحَيَوَانِ وَبَيْنَ أَنْ يُمْسِكَهُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ دَلَّسَ بِعَيْبٍ وَالْمُبْتَاعُ قَدْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ بِغَيْرِ تَدْلِيسٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَاضٍ بِمَا كَانَ عِنْدَ صَاحِبِهِ مِنْ الْعَيْبِ فَإِذَا تَعَارَضَ الْحَقَّانِ كَانَ أَوْلَاهُمَا بِالتَّقْلِيبِ الْمُبْتَاعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَدْلِيسٌ وَلَا تَعَمُّدٌ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَابَانِ أَحَدُهُمَا فِي بَيَانِ الْمَعَانِي الَّتِي تُثْبِتُ الْخِيَارَ لِلْمُبْتَاعِ وَتَمَيُّزِهَا مِمَّا لَا يَثْبُتُ لَهُ ذَلِكَ وَالثَّانِي فِي صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الِارْتِجَاعِ وَالرَّدِّ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ الْمَعَانِي الَّتِي تُثْبِتُ الْخِيَارَ إلَخْ] ١
ْ أَمَّا الْمَعَانِي الَّتِي تُثْبِتُ الْخِيَارَ فَإِنَّهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ نُقْصَانٌ وَزِيَادَةٌ، فَأَمَّا النَّقْصُ فَعَلَى قِسْمَيْنِ: نَقْصٌ مِنْ جِهَةِ الْقِيمَةِ وَنَقْصٌ مِنْ جِهَةِ الْبَدَنِ، فَأَمَّا النَّقْصُ مِنْ جِهَةِ الْقِيمَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِاخْتِلَافِ الْأَسْوَاقِ وَالثَّانِي لِتَغَيُّرِ حَالِ الْمَبِيعِ، فَأَمَّا النَّقْصُ لِاخْتِلَافِ الْأَسْوَاقِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ وَلَا يُوجِبُ رَدَّ شَيْءٍ مَعَهُ وَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُبْتَاعِ، فَأَمَّا مَا نَقَصَ الْقِيمَةَ لِتَغَيُّرِ الْمَبِيعِ فِي غَيْرِ بَدَنِهِ مِثْلُ أَنْ يَحْدُثَ فِيهِ إبَاقٌ أَوْ سَرِقَةٌ أَوْ زِنًى أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِي بَدَنِهِ، وَلَكِنَّهُ يُزَهِّدُ فِيهِ وَيُنْقِصُ الْكَثِيرَ مِنْ ثَمَنِهِ فَهَذَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ دُونَ غُرْمِ شَيْءٍ لِمَا حَدَثَ عِنْدَهُ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَزَوَّجَهَا فَوَلَدَتْ إمَّا حَبَسَهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِمَّا رَدَّهَا بِوَلَدِهَا، وَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَزَوَّجَهَا، ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَإِنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ قَدْرُ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهَا وَيَرُدَّ مَعَهَا مَا نَقَصَ التَّزْوِيجُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ يَخْتَصُّ بِالْقِيمَةِ فَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُبْتَاعِ فِيهِ غُرْمٌ كَبَعْضِ الْقِيمَةِ لِتَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ عَيْبٌ يُنْقِصُ كَثِيرَ الثَّمَنِ لِحُدُوثِهِ وَعِنْدَ الْمُبْتَاعِ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ رَدِّ الْمَبِيعِ وَمَا نَقَصَهُ أَوْ التَّمَسُّكِ بِهِ وَالرُّجُوعِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ كَنَقْصِ الْبَدَنِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ النَّقْصُ مِنْ جِهَةِ الْبَدَنِ فَمَا كَانَ يَسِيرًا كَذَهَابِ الظُّفْرِ وَالْأُنْمُلَةِ فِي وَخْشِ الرَّقِيقِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يُثْبِتُ الْخِيَارَ لِلْمُبْتَاعِ، وَإِنَّمَا لَهُ الرَّدُّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ النَّقْصِ أَوْ الْإِمْسَاكِ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَائِعَ مُتَّهَمٌ بِالتَّدْلِيسِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ بِمَا كَانَ مِنْ الْأُمُورِ الْيَسِيرَةِ الَّتِي لَا يَسْلَمُ مِنْ مِثْلِهَا وَمَا كَانَ مُعْتَادًا مُتَكَرِّرًا فَلَا عِوَضَ لَهُ فِيمَا حَدَثَ مِنْهَا، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ بَقَاءِ الْمَبِيعِ عَلَى هَيْئَتِهِ وَكَذَلِكَ الْكَيُّ وَالرَّمَدُ وَالصُّدَاعُ وَالْحُمَّى؛ لِأَنَّهَا أُمُورٌ مُعْتَادَةٌ يُسْرِعُ الْبُرْءُ مِنْهَا هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَخَالَفَهُ أَشْهَبُ فِي الْوَعْكِ وَالْحُمَّى فَقَالَ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُبْتَاعِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ إنَّمَا أَرَادَ الْحُمَّى الْخَفِيفَةَ الَّتِي يُرْجَى سُرْعَةُ بُرْئِهَا دُونَ مَا أَضْعَفَ مِنْهَا وَمَنَعَ التَّصَرُّفَ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَعْظُمُ قَدْرُهُ وَيَنْدُرُ فَلَا يَرُدُّ الْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَرُدَّ قِيمَةَ مَا نَقَصَ مِنْ الْمَبِيعِ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ أَنَّهُ إنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَمَرِضَ عِنْدَهُ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى إبَاقٍ لَمْ يَرُدَّهُ حَتَّى يَصِحَّ أَوْ يَمُوتَ، فَإِنْ مَاتَ رَجَعَ بِمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَرُدُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ مَرَضًا مَخُوفَا، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْأَمْرَاضُ ثَلَاثَةٌ خَفِيفٌ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِهِ وَمُتَوَسِّطٌ يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِهِ وَمَرَضٌ مَخُوفٌ يَمْنَعُ الرَّدَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَصَابَتْهُ مُوضِحَةٌ أَوْ جَائِفَةٌ أَوْ مُنَقِّلَةٌ فَبَرِئَتْ فَلَيْسَ بِفَوْتٍ وَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُبْتَاعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَادَ إلَى هَيْئَتِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَوْ أَخَذَ لِذَلِكَ عَقْلًا لَمْ يَرُدَّهُ الْمُبْتَاعُ مَعَ الْعَبْدِ بِخِلَافِ قَطْعِ الْيَدِ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُزَنِيَّة أَنَّهُ يَرُدُّهُ وَلَا يَرُدُّ عَقْلَ الْمُوضِحَةِ؛ لِأَنَّ الْمُوضِحَةَ لَا تُفِيتُ
стр. 1232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْعَبْدَ، وَلَوْ كَانَ مَا أُصِيبَ بِهِ الْعَبْدُ جُرْحًا يَعِيبُ رَسْمَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ إلَّا بِمَا أُخِذَ فِي جُرْحِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ الْمُنَقِّلَةُ وَالْجَائِفَةُ وَالْمَأْمُومَةُ عَقْلُهَا لِمَنْ أَخَذَهُ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ، فَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ وَمَا أَخَذَ مِنْ عَقْلِهِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ إنْ شَانَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّهُ وَمَا نَقَصَهُ الشَّيْنُ لِسَبَبِ الْعَقْلِ الَّذِي أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهُ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَإِنْ لَمْ يَشِنْهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ وَكَانَ لَهُ مَا أَخَذَ مِنْ عَقْلِ الْجُرْحِ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ فِي الْبَدَنِ كَثِيرًا كَالْعَوَرِ وَالْعَمَى وَالشَّلَلِ وَقَطْعِ الْأُصْبُعِ مِنْ الْوَخْشِ وَالْأُنْمُلَةِ مِنْ الرَّائِعَةِ وَقَطْعِ الْيَدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُثْبِتُ الْخِيَارَ لِلْمُبْتَاعِ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ الْمَبِيعَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْقَدِيمِ أَوْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ وَمَا نَقَصَ الْعَيْبُ الْحَادِثُ وَيَرْجِعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَهَذَا حُكْمُ الِافْتِضَاضِ وَالْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ نَقْصٌ مِنْ غَيْرِ الْمَبِيعِ مُؤَثِّرٌ فِي ثَمَنِهِ تَأْثِيرًا كَثِيرًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هُزَالِ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَسِمَنِهَا فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ مَالِكًا لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ بِسِمَنِ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَلَا بِهُزَالِ الرَّقِيقِ وَلَا بِسِمَنِهِ وَشَبَهِهِ بِهُزَالِ الدَّوَابِّ، وَابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُثْبِتُهُ بِهُزَالِ الرَّقِيقِ وَيُثْبِتُهُ بِهُزَالِ الدَّوَابِّ وَسِمَنِهَا وَاخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ وَرَوَاهُ عَمَّنْ يَرْضَى مِنْ شُيُوخِهِ وَهِيَ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ فِي الدَّوَابِّ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ النَّقْصَ الْكَثِيرَ وَالزِّيَادَةَ فِي الْبَدَنِ تُثْبِتُ الْخِيَارَ دُونَ النَّقْصِ الْيَسِيرِ، وَأَمَّا صَلَاحُ الْبَدَنِ مَا لَمْ يَكُنْ سِمَنًا بَيِّنًا فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الْجِسْمِ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا يَقَعُ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ اعْتِقَادِهِمْ فِي نَقْصِ كَثِيرِ الْقِيمَةِ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا إنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَهُ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ أَوْ يَرُدَّ عَلَيْهِ قِيمَةَ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ مِنْ النَّقْصِ وَمَا يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ فِي هَذَا مِنْ الزِّيَادَةِ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَهُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ أَوْ يَرُدَّهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَبِيعِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ مَالٌ مِنْ رَقِيقٍ أَوْ غَيْرِهِمْ يَشْتَرِطُهُ الْمُبْتَاعُ فَتَذْهَبُ أَوْ يَكُونَ عَلَى الْغَنَمِ أَصْوَافٌ فَتَذْهَبُ قَبْلَ الْجَزِّ وَمَعَ النَّخْلِ ثَمَرٌ فَيَتْلَفُ قَبْلَ الْجَدِّ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُبْتَاعِ فِي مَالِ الْعَبِيدِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْعَبْدَ بِمَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِيمَا مَلَكَ أَوْ يَرْضَى بِهِ وَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْ قِيمَةِ الْعَبِيدِ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ، وَعِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْمَعَانِي الْمُوجِبَةِ لِلْخِيَارِ بِالزِّيَادَةِ فِي الْمَبِيعِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ فِي الْمَبِيعِ زِيَادَةَ الْقِيمَةِ دُونَ الْجِسْمِ أَوْ زِيَادَةً فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ، فَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الْقِيمَةِ دُونَ الْعَيْنِ كَالزِّيَادَةِ فِي النَّفَاذِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْفَصَاحَةِ فَهَذَا لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ لِلْمُبْتَاعِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ فَإِنَّهَا عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ نَمَاءٌ فِيهِ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَعْنًى مُضَافًا، فَإِنْ كَانَ نَمَاءٌ فِيهِ كَالدَّابَّةِ الْمَهْزُولَةِ تَسْمَنُ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا نَفْيُ الْخِيَارِ وَالثَّانِيَةُ إثْبَاتُهُ، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إثْبَاتَهُ إذَا كَانَ سِمَنًا بَيِّنًا وَجْهُ إثْبَاتِهِ أَنَّهُ تَغَيُّرٌ فِي الْبَدَنِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ الْخِيَارُ بِهِ كَالْهُزَالِ الْبَيِّنِ، وَوَجْهُ نَفْيِهِ أَنَّهُ نَمَاءٌ مِنْ نَفْسِ الْمَبِيعِ لَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ الْمُشَارَكَةُ فِيهِ فَلَمْ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ كَالنَّفَاذِ وَالْمَعْرِفَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِمَعْنًى يُضَافُ إلَى الْبَيْعِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ نَمَاءً خَارِجًا مِنْهُ أَوْ صِفَةً ثَابِتَةً فِيهِ، فَإِنْ كَانَ نَمَاءً خَارِجًا مِنْهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ كَالْوَلَدِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَثَمَرَةِ الشَّجَرِ وَصُوفِ الْغَنَمِ وَأَلْبَانِهَا وَغَلَّةِ الْعَبِيدِ وَالرِّبَاعِ، فَأَمَّا الْوَلَدُ فَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ نَصًّا عَلَيْهَا غَيْرَ مَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ فِيمَنْ ابْتَاعَ شَاةً حَامِلًا فَوَضَعَتْ عِنْدَهُ فَأَكَلَ كُلَّ سَخْلَتِهَا، ثُمَّ وَجَدَ عَيْبًا قَدِيمًا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ أَوْ يَرُدَّ الشَّاةَ وَمَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا يَوْمَ
стр. 1233
[ابْتَاعَ سِلْعَةً وَحَدَثَ بِهَا عِنْدَهُ عَيْبٌ مُفْسِدٌ ثُمَّ ثَبَتَ فِيهَا عَيْبٌ قَدِيمٌ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ]
ــ
[المنتقى]
ابْتَاعَهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُرْجَى لِوَلَدِهَا فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ ذَلِكَ الْوِلَادَةُ وَلَمْ يُوجِبْ لَهُ ذَلِكَ عَدَمُ وَلَدِهَا وَإِتْلَافُ الْمُبْتَاعِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَرَدَّ قِيمَتَهُ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّمَا يَرُدُّهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا، وَإِنَّمَا نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إنْ أَرَادَ الرَّدَّ أَنْ يُمْسِكَ الْوَلَدَ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَتَخَرَّجَ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي السِّمَنِ وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ وَلَا يُمْكِنُ مَعَ ذَلِكَ إمْسَاكُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَالثَّمَرَةِ وَالصُّوفِ وَاللَّبَنِ فَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَرُدَّ أَوْ يُمْسِكَ وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ عَيْبٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ ذَلِكَ فَوْتٌ وَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ إلَّا قَدْرُ الْعَيْبِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا نَمَاءٌ لَوْ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ فَإِذَا حَدَثَ بَعْدَهُ لَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ كَالْكَسْبِ وَالْعَمَلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ صَنْعَةٌ ثَابِتَةٌ فِيهِ كَالصَّبْغِ وَالْخِيَاطَةِ وَالْقِصَارَةِ وَالرَّقْمِ فِي الثَّوْبِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ فَصْلُهُ مِنْ الْمَبِيعِ إلَّا بِفَسَادٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الِارْتِجَاعِ وَالرَّدِّ] ١
(الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الِارْتِجَاعِ وَالرَّدِّ فِيمَنْ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ) ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْخِيَارِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يُمْسِكَ الْمَبِيعَ الْمَعِيبَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ أَوْ يَرُدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ وَيَرُدَّ مَعَهُ قِيمَةَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، فَإِنْ أَرَادَ الْإِمْسَاكَ فَإِنَّهُ تُقَوَّمُ السِّلْعَةُ تَقْوِيمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تُقَوَّمَ سَلِيمَةً مِنْ الْعَيْبِ يَوْمَ الْبَيْعِ، ثُمَّ تُقَوَّمَ مَعِيبَةً فَيَرْجِعَ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مِنْ الثَّمَنِ، وَذَلِكَ أَنَّ قِيمَتَهَا سَلِيمَةً عَشَرَةُ دَنَانِيرَ وَتَكُونُ قِيمَتُهَا بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ ثَمَانِيَةَ دَنَانِيرَ فَيُعْلَمُ أَنَّ قِيمَةَ الْعَيْبِ خُمُسُ الْقِيمَةِ الَّتِي قُوِّمَ بِهَا صَحِيحًا فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِخُمُسِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ، وَإِنْ أَرَادَ الرَّدَّ فَأَيُّ الْقِيمَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا، فَإِذَا تَقَدَّمَتْ جُعِلَتْ قِيمَةُ السِّلْعَةِ بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ أَصْلًا، ثُمَّ يُقَوِّمُهَا قِيمَةً ثَالِثَةً بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ فَيَرُدُّ مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنْ يُقَالَ فِي مَسْأَلَتِنَا أَنَّ قِيمَتَهُ بِالْعَيْبَيْنِ سِتَّةُ دَنَانِيرَ فَيُعْلَمُ أَنَّ الْعَيْبَ الْحَادِثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي يُنْقِصُ مِنْ قِيمَةِ الْمَبِيعِ بِعَيْنِهِ الرُّبْعَ وَمِثْلُ ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ ثَمَنِهِ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَى الْمَبِيعَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا فَأَرَادَ إمْسَاكَهُ أَخَذَ مِنْ الْبَائِعِ خُمُسَ الثَّمَنِ الَّذِي هُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ وَعَلِمْنَا أَنَّ الْبَاقِيَ وَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ دِينَارًا وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الثَّمَنِ هُوَ ثَمَنُ الْمَبِيعِ مَعِيبًا بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ قِيمَةَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ فَقُدِّرَ لَنَا أَنَّهُ رُبْعُ قِيمَةِ الْعَبْدِ مَعِيبًا رَدَّ مَعَ الْعَبْدِ رُبْعَ ثَمَنِهِ بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ الَّذِي حَدَثَ عِنْدَهُ إنَّمَا كَانَ مَعِيبًا بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَرُدَّ قِيمَةَ مَا تَلِفَ مِنْ الْمَبِيعِ مَعِيبًا بِالْعَيْبِ، وَهَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ أَنَا أَقْبِضُ الْمَبِيعَ وَلَا أَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ، وَقَالَ الْمُبْتَاعُ بَلْ أُمْسِكُ وَأَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ فَقَدْ رَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَاعُ أَنَا أُمْسِكُهُ وَلَا أَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَالْخِيَارُ لِلْمُبْتَاعِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ الْمَدَنِيِّينَ وَجْهُ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ أَنَّ الْبَائِعَ لَمَّا أَسْقَطَ عَنْ الْمُبْتَاعِ قِيمَةَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ عَيْبٌ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمُبْتَاعِ الْإِمْسَاكُ وَالرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَوَجْهُ قَوْلِ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ أَنَّ حُدُوثَ الْعَيْبِ بِالْمَبِيعِ يُثْبِتُ الْخِيَارَ لِلْمُبْتَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ بِهِ عَلَى الْمُبْتَاعِ غُرْمٌ كَمَا لَوْ ثَبَتَ تَدْلِيسُ الْبَائِعِ بِعَيْبِ الرَّدِّ، وَقَدْ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِسَبَبِهِ عَيْبٌ آخَرُ وَكَمَا لَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ بِالزِّيَادَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا التَّغَيُّرُ الْمُوجِبُ لِلْخِيَارِ بِزِيَادَةٍ فِي الْمَبِيعِ كَالصَّبْغِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الْأَقْضِيَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَصْلٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالتَّغَيُّرُ الْحَادِثُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَلَى ضَرْبَيْنِ زِيَادَةٌ وَنُقْصَانٌ، فَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَإِنَّ حُكْمَهَا وَاحِدٌ فِي التَّدْلِيسِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا النُّقْصَانُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَحْدُثَ بِسَبَبِ الْعَيْبِ الْمُدَلَّسِ بِهِ أَوْ بِإِذْنِ
стр. 1234
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ رَدَّ وَلِيدَةً مِنْ عَيْبٍ وَجَدَهُ بِهَا، وَقَدْ أَصَابَهَا أَنَّهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا، وَإِنْ
ــ
[المنتقى]
الْبَائِعِ أَوْ يَحْدُثَ بِغَيْرِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، فَأَمَّا مَا يَحْدُثُ بِسَبَبِ الْعَيْبِ مِثْلَ أَنْ يُدَلِّسَ بِمَرَضٍ فَيَمُوتَ مِنْهُ أَوْ يُدَلِّسَ بِسَرِقَةٍ فَتُقْطَعَ يَدُهُ فَيَمُوتَ أَوْ يُدَلِّسَ بِحَمْلٍ فَتَمُوتَ مِنْهُ فَهَذَا يَرْجِعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِكِتْمَانِ عَيْبٍ قَدْ عَلِمَهُ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِهَلَاكِ الْمَبِيعِ فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ لَمَّا كَانَ هَلَاكُهُ مِنْ سَبَبِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ دَلَّسَ بِإِبَاقٍ فَأَبِقَ لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ رَدَّ جَمِيعِ الثَّمَنِ إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ دِينَارٍ فَإِنَّ ابْنَ حَبِيبٍ ذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إذَا هَلَكَ بِإِبَاقِهِ فَإِنَّ لِلْمُبْتَاعِ قِيمَةَ عَيْبِ الْإِبَاقِ خَاصَّةً إلَّا أَنْ يُلْجِئَهُ الْهَرَبُ فِي عَطَبٍ كَالنَّهْرِ يَقْتَحِمُهُ أَوْ يَتَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَيَهْلِكَ بِذَلِكَ أَوْ يَتَوَارَى فِي مَوْضِعٍ فَتَنْهَشُهُ حَيَّةٌ فَهَذَا يَرُدُّ الْبَائِعُ فِيهِ جَمِيعَ الثَّمَنِ، فَأَمَّا أَنْ يَمْرَضَ فِي إبَاقِهِ فَيَمُوتَ أَوْ يُجْهَلَ أَمْرُهُ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إلَّا بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ أَنَّهُ هَلَكَ بِعَيْبٍ دَلَّسَ بِهِ الْبَائِعُ فَكَانَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الثَّمَنِ كَمَا لَوْ دَلَّسَ بِمَرَضٍ فَمَاتَ مِنْهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ دِينَارٍ أَنَّ مَا اعْتَرَضَهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْإِبَاقِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا يَحْدُثُ بِإِذْنِ الْبَائِعِ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الْأَقْضِيَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١ -
(فَصْلٌ) :
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى الْأَصْلِ وَنَقُولُ قَوْلُهُ فَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ وَبِهِ الْعَيْبُ الَّذِي كَانَ بِهِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ فَيُنْظَرُ كَمْ ثَمَنُهُ إلَى آخِرِ الْفَصْلِ يَقْتَضِي أَنَّ الرُّجُوعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ الْعَيْبُ بَاقِيًا إلَى وَقْتِ الْفَوَاتِ، فَأَمَّا إنْ زَالَ الْعَيْبُ قَبْلَ فَوَاتِ الْعَبْدِ بِالْعِتْقِ وَالْمَوْتِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُبْتَاعِ عَلَى الْبَائِعِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَاقِيًا، وَقَدْ زَالَ عَنْهُ الْعَيْبُ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدٌّ بِعَيْبٍ قَدْ زَالَ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَتِهِ بَعْدَ فَوَاتِ الْمَبِيعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْعُيُوبُ فِي ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: عُيُوبٌ إذَا ذَهَبَتْ لَمْ يُخْشَ عَاقِبَتُهَا كَالْبَيَاضِ فِي الْعَيْنِ وَالْمَرَضِ وَالْوَلَدِ يَمُوتُ وَالْجُرْحِ يَبْرَأُ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ، فَإِنْ أَخَذَ لَهُ عَقْلًا فَهَذَا لَا خِلَافَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّحِيحِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ بِهِ شَيْنٌ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ عَتَقَ بَعْدَ زَوَالِ هَذِهِ الْمَعَانِي فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَائِمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ بَعْدَ ذَهَابِ هَذِهِ الْمَعَانِي وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَمِنْهَا عُيُوبٌ يُتَّقَى عَاقِبَتُهَا وَيُتَّقَى عَادِيَتُهَا أَوْ عَوْدَتُهَا، فَأَمَّا مَا تُتَّقَى عَادِيَتُهُ كَالسَّرِقَةِ وَالْإِبَاقِ قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الصَّبِيِّ يَأْبَقُ فِي الْكِتَابِ ثُمَّ يَبْلُغُ وَيَكْبَرُ لَا يَبِيعُهُ حَتَّى يُبَيِّنَ؛ لِأَنَّ عَادَتَهُ تَبْقَى، وَأَمَّا الْجَارِيَةُ تَبُولُ فِي الْفِرَاشِ، ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهَا ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ عَيْبٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ انْقَطَعَ انْقِطَاعًا بَيِّنًا كَالسِّنِينَ الْكَثِيرَةِ فَلَيْسَ بِعَيْبٍ، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا يَسِيرًا فَهُوَ عَيْبٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي ذَلِكَ وَاحِدًا إذَا انْقَطَعَ ذَلِكَ عَنْهَا الْعَشَرَةَ الْأَعْوَامَ وَنَحْوَهَا عَلَى أَنَّهُمَا قَدْ اخْتَلَفَا فِي الْجُنُونِ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي هَذَا وَأَمْرُ الْجُنُونِ أَشَدُّ، وَأَمَّا الزَّوْجُ لِلْأَمَةِ وَالزَّوْجَةُ لِلْعَبْدِ يَمُوتَانِ أَوْ يَفْتَرِقَانِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ كِنَانَةِ فِي الْمُزَنِيَّة لَيْسَ بِعَيْبٍ، وَقَالَ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْهُ هُوَ عَيْبٌ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعَيْبَ قَدْ ذَهَبَ بِالْفُرْقَةِ أَوْ الْمَوْتِ كَالْبَيَاضِ يَكُونُ بِالْعَيْنِ وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ مَنْ اعْتَادَ ذَلِكَ مِنْهُمَا دَعَا إلَيْهِ وَطَلَبَهُ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِحَالِهِ وَمُؤَثِّرٌ فِي خِدْمَتِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ إنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ أَرْغَبُ فِي مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ قَطُّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا يُتَّقَى عَوْدَتُهُ مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْجُنُونِ هُوَ عَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ تَكْثُرُ رَجْعَتُهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ إذَا بَرِئَ حَتَّى أُمِنَتْ عَوْدَتُهُ فَلَيْسَ بِعَيْبٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا تَكُون الْقِيمَةُ يَوْمَ اشْتَرَى الْعَبْدَ يُرِيدُ فِي الرَّدِّ وَالْإِمْسَاكِ؛ لِأَنَّهُ إذَا زَادَ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْجُزْءِ الَّذِي تَلِفَ عِنْدَهُ يَوْمَ الشِّرَاءِ إلَّا أَنَّهُ فِي ذَلِكَ ضَمِنَهُ، وَإِنْ أَرَادَ التَّمَسُّكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ عَيْبِ التَّدْلِيسِ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ الَّذِي دَلَّسَ بِنَقْصِهِ إنَّمَا دَفَعَ قِيمَةَ الثَّمَنِ عَلَى قِيمَةِ قَدْرِهِ مِنْ الْمَبِيعِ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَإِنَّمَا الرُّجُوعُ بِقَدْرِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي دُفِعَ فِي الْجُمْلَةِ.
стр. 1235
كَانَتْ ثَيِّبًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي إصَابَتِهِ إيَّاهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنًا لَهَا قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً أَوْ حَيَوَانًا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ أَوْ غَيْرِهِمْ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ فِيمَا بَاعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ فِي ذَلِكَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ، فَإِنْ كَانَ عَلِمَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ لَمْ تَنْفَعْهُ تَبْرِئَتُهُ وَكَانَ مَا بَاعَ مَرْدُودًا عَلَيْهِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْجَارِيَةِ تُبَاعُ بِالْجَارِيَتَيْنِ، ثُمَّ يُوجَدُ بِإِحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ عَيْبٌ تُرَدُّ مِنْهُ قَالَ تُقَامُ الْجَارِيَةُ الَّتِي كَانَتْ قِيمَةُ الْجَارِيَتَيْنِ فَيُنْظَرُ كَمْ ثَمَنُهَا، ثُمَّ تُقَامُ الْجَارِيَتَانِ بِغَيْرِ الْعَيْبِ الَّذِي وُجِدَ بِإِحْدَاهُمَا تُقَامَانِ صَحِيحَتَيْنِ سَالِمَتَيْنِ، ثُمَّ يُقْسَمُ ثَمَنُ الْجَارِيَةِ الَّتِي بِيعَتْ بِالْجَارِيَتَيْنِ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ ثَمَنِهَا حَتَّى يَقَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حِصَّتَهَا مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْمُرْتَفِعَةِ بِقَدْرِ ارْتِفَاعِهَا وَعَلَى الْأُخْرَى بِقَدْرِهَا، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى الَّتِي بِهَا الْعَيْبُ فَيُرَدُّ بِقَدْرِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا مِنْ تِلْكَ الْحِصَّةِ إنْ كَانَتْ كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً، وَإِنَّمَا تَكُونُ قِيمَةُ الْجَارِيَتَيْنِ عَلَيْهِ يَوْمَ قَبَضَهُمَا)
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ أَصَابَ وَلِيدَةً وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَإِنَّهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا فَأَذْهَبَ عُذْرَتَهَا فَإِنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا إنْ أَرَادَ رَدَّهَا بِالْعَيْبِ وَكَانَتْ مِمَّنْ يَنْقُصُهَا الِافْتِضَاضُ؛ لِأَنَّ وَخْشَ الرَّقِيقِ لَا يُنْقِصُهُ وَرُبَّمَا زَادَ ذَلِكَ فِيهِنَّ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا رَدَّهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِوَطْئِهِ إيَّاهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّ مَهْرٍ فِي بِكْرٍ وَلَا ثَيِّبٍ، وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ أَوْجَبَ فِي ذَلِكَ مَهْرَ الرَّدِّ مَعَهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ هَذَا وَطْءٌ صَادَفَ مِلْكًا فَلَمْ يُوجِبْ مَهْرًا أَصْلُ ذَلِكَ إذَا فَاتَتْ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ ابْتَاعَ جَارِيَةً بِجَارِيَتَيْنِ، ثُمَّ وَجَدَ مُبْتَاعُ الْجَارِيَتَيْنِ بِإِحْدَاهُمَا عَيْبًا فَإِنَّهُ تُقَوَّمُ الْجَارِيَةُ الَّتِي كَانَتْ ثَمَنَ الْجَارِيَتَيْنِ فَيُنْظَرُ كَمْ ثَمَنُهَا يُرِيدُ قِيمَتَهَا، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى مَعْرِفَةِ مَا يَعِيبُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجَارِيَتَيْنِ مِنْ الثَّمَنِ فِي بَيْعِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَهِيَ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ الْمُنْفَرِدَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ تُقَامُ الْجَارِيَتَانِ بِغَيْرِ الْعَيْبِ الَّذِي وُجِدَ بِإِحْدَاهُمَا سَالِمَتَيْنِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا كَانَتَا ثَمَنًا لِلْجَارِيَةِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ تَقْوِيمُهَا وَهُمَا سَالِمَتَانِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ اشْتَرَاهُمَا بَائِعُ الْجَارِيَةِ، وَإِنَّمَا تُقَوَّمُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُفْرَدَةً لِيُعْلَمَ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَبِذَلِكَ يَتَوَصَّلُ إلَى مَا يُرِيدُهُ، ثُمَّ يَجْمَعُ الْقِيمَتَانِ، ثُمَّ يَعْلَمُ كَمْ مَبْلَغُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجَارِيَتَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِمَا، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الَّتِي بِهَا الْعَيْبُ ثُلُثَ الْجُمْلَةِ وَقِيمَةُ الْأُخْرَى الثُّلُثَيْنِ رَدَّهَا وَرَجَعَ بِقَدْرِهَا وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْجَارِيَةُ الَّتِي هِيَ مِنْ ثَمَنِ الْجَارِيَتَيْنِ بَاقِيَةً عَلَى حَالِهَا لَمْ تَفُتْ أَوْ تَكُونَ قَدْ فَاتَتْ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ اخْتِلَافِ أَسْوَاقٍ، فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً لَمْ تَفُتْ نَظَرَ إلَى الْجَارِيَةِ الَّتِي وَجَدَ بِهَا الْعَيْبَ، فَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ الْجَارِيَتَيْنِ رَدَّ الْجَارِيَتَيْنِ وَأَخَذَ جَارِيَتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَدْوَنَ الْجَارِيَتَيْنِ رَدَّ الْمَعِيبَةَ بِمَا يُصِيبُهَا مِنْ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ الْمُفْرَدَةِ بِيَدِ مُبْتَاعِهَا، وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ ذَلِكَ، وَرَوَى إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الَّذِي وَجَدَ الْعَيْبَ لَا يَرْجِعُ فِي عَيْنِ مَا بَاعَ، وَإِنْ وَجَدَ الْعَيْبَ بِجَمِيعِ مَا أَخَذَ وَاَلَّذِي أَعْطَى لَمْ يَفُتْ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ تَسَاوَتْ الْجَارِيَتَانِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعَبْدَيْنِ الْمُتَكَافِئَيْنِ يُصِيبُ الْمُبْتَاعُ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا أَوْ يَسْتَحِقُّ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَيَأْخُذُ مَا يُصِيبُهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَقَالَهُ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعَبْدَيْنِ وَالشَّاتَيْنِ وَقُلَّتَيْ الْخَلِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ فَاتَتْ الْجَارِيَةُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ لَزِمَ فِيهَا الْبَيْعُ وَكَانَ التَّرَاجُعُ فِي قِيمَتِهَا عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّمْنَاهُ إلَّا أَنَّهُ يَنْظُرُ الْمَعِيبَةَ مِنْ الْجَارِيَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْفَعَ رَدَّهَا وَرَجَعَ بِجَمِيعِ الْجَارِيَةِ الْمُفْرَدَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَعِيبَةُ هِيَ الْأَدْوَنَ رَدَّهَا مُفْرَدَةً وَرَجَعَ بِقِيمَتِهَا مَعَ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ الْمُفْرَدَةِ وَلَزِمَهُ الْبَيْعُ فِي الْجَارِيَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي هِيَ أَرْفَعُ الْجَارِيَتَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ الْمُفْرَدَةُ لَمْ تَفُتْ وَلَا تَغَيَّرَتْ فِي بَدَنِهَا، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَتْ فِي أَسْوَاقِهَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّ ذَلِكَ فَوْتٌ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ
стр. 1236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِي عَيْنِهَا كَتَغَيُّرِ الْبَدَنِ.
[حُكْمَ الْمُوَاضَعَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَفِيهَا سِتَّةُ أَبْوَابٍ]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْمُوَاضَعَةِ وَلُزُومِهَا] ١
(فَصْلٌ) :
وَإِنَّمَا تَكُونُ قِيمَةُ الْجَارِيَتَيْنِ عَلَيْهِ يَوْمَ قَبَضَهُمَا يُرِيدُ يَوْمَ خُرُوجِ الْجَارِيَةِ الْمُفْرَدَةِ، وَإِنْ كَانَتْ السَّالِمَةُ هِيَ الرَّائِعَةَ مِنْ عُهْدَةِ الْمُوَاضَعَةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِحُّ قَبْضُهُ لِلْجَارِيَتَيْنِ إنْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا حُكْمُ الْمُوَاضَعَةِ، وَإِنْ ثَبَتَ فِيهَا حُكْمُ الْمُوَاضَعَةِ فَمَتَى يَخْرُجَانِ مِنْهَا، وَإِنَّمَا قَالَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ وَالْوَلِيدَةِ مِنْ التَّقْوِيمِ يَوْمَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مَسْأَلَةَ الْعَبْدِ وَالْوَلِيدَةِ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَتْ فِيهِمَا مُوَاضَعَةٌ وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى رَقِيقٍ فِيهِمْ الْمُوَاضَعَةُ أَوْ عُهْدَةُ الثَّلَاثِ فَإِنَّمَا تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ وَنَحْنُ نَحْتَاجُ أَنْ نُبَيِّنَ حُكْمَ الْمُوَاضَعَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَفِيهَا سِتَّةُ أَبْوَابٍ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَبْيِينِ مَعْنَى الْمُوَاضَعَةِ وَلُزُومِهَا وَالْبَابُ الثَّانِي فِي مَحَلِّهَا مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَ الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَحَلِّ الْمُوَاضَعَةِ مِنْ الْعُقُودِ وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِي مَحَلِّ الْمُوَاضَعَةِ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالْبَابُ الْخَامِسُ فِي تَبْيِينِ حُكْمِ الْحَوَادِثِ وَالْبَابُ السَّادِسُ فِي بَيَانِ مَا تَخْرُجُ بِهِ الْمُوَاضَعَةُ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْمُوَاضَعَةِ وَلُزُومِهَا) قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ فِي الْمَبْسُوطِ الْمُوَاضَعَةُ أَنْ تُوضَعَ الْجَارِيَةُ إذَا بِيعَتْ عَلَى يَدِ امْرَأَةٍ مُعَدَّلَةٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً، فَإِنْ هِيَ حَاضَتْ كَمُلَ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ تَحِضْ وَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ فُسِخَ الْبَيْعُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَحُكْمُ الْمُوَاضَعَةِ ثَابِتٌ فِي الرَّقِيقِ فِي كُلِّ بَنْدٍ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ أَرَى أَنْ يُحْمَلَ النَّاسُ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ لِمَا يُتَّقَى فِيهَا مِنْ الْحَمْلِ
[الْبَابُ الثَّانِي فِي تَبْيِينِ مَحَلِّهَا مِنْ الْعَاقِدَيْنِ] ١
(الْبَابُ الثَّانِي فِي تَبْيِينِ مَحَلِّهَا مِنْ الْعَاقِدَيْنِ) وَذَلِكَ أَنَّ الْبَائِعَ لِلْجَارِيَةِ سَوَاءٌ كَانَ مَالِكَهَا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ وَكِيلٍ أَوْ وَصِيٍّ لَا بُدَّ مِنْ الْمُوَاضَعَةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ بَاعَ شِقْصَ جَارِيَةٍ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ عَلَيْهِ الْمُوَاضَعَةُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَالَ مِنْهُ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ ذَلِكَ الْجُزْءِ الَّذِي بَاعَهُ سَالِمًا مِنْ الْحَمْلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْمُسَافِرُ الْحَاجُّ وَغَيْرُهُ إذَا بَاعَ الْجَارِيَةَ فَعَلَيْهِ الْمُوَاضَعَةُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ وَكَذَلِكَ أَهْلُ مِنًى قَالَ وَكَذَلِكَ الْمُجْتَازُ وَالْمَرْأَةُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا كَانَ الْبَائِعُ قَدْ غَابَ عَنْ الْأَمَةِ وَهُوَ مِمَّنْ يَطَأُ مِثْلُهُ فَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي وُجُوبِ الْمُوَاضَعَةِ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَغِبْ عَلَى الْأَمَةِ وَفِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَغِبْ عَلَيْهَا مِثْلُ أَنْ يُقِيلَ مِنْ جَارِيَةٍ أَوْ مِنْ عَلَى مُوَاضَعَتِهَا أَوْ وَضَعَتْ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَقَالَ مِنْهَا أَوْ وَلَّاهَا قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ عَلَيْهَا أَوْ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ مُوَاضَعَتُهَا فَلَا مُوَاضَعَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ فِي مِثْلِ هَذَا كَانَ ضَامِنًا لَهَا وَمَتَى رَجَعَتْ إلَيْهِ فِي مُدَّةِ ضَمَانِهِ لَهَا فَلَا مُوَاضَعَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيهَا وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهَا الْمُشْتَرِي مِنْ بَائِعِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بِرِبْحٍ فَلَا مُوَاضَعَةَ عَلَيْهِ وَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ تُعْلَمُ بِهِ بَرَاءَتُهَا وَلَمْ يَغِبْ عَلَيْهَا بَعْدَ الْبَرَاءَةِ مَنْ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ جَارِيَةً مِمَّنْ هِيَ عَلَى يَدِهِ وَدِيعَةٌ بَعْدَ أَنْ حَاضَتْ عِنْدَ الْمُودَعِ عِنْدَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ غَابَ عَلَيْهَا غَيْرُ مَنْ وَضَعَتْ عِنْدَهُ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَكَانَ الْبَائِعُ لَهَا مِمَّنْ لَا يَطَأُ مِثْلُهُ كَالصَّبِيِّ الصَّغِيرِ وَالْمَرْأَةِ فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ الْمُوَاضَعَةِ لَا يَجُوزُ مِنْهَا حَمْلٌ لَا يَلْحَقُ بِزَوْجٍ وَلَا زِنًى ظَاهِرٌ فَلَمْ يَدْخُلْ الْمُبْتَاعُ عَلَيْهِ وَهُوَ مِمَّنْ يُنْقِصُ مُعْظَمَ الثَّمَنِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ الْمَشْهُورَةُ بِذَلِكَ أَوْ ذَاتُ الزَّوْجِ فَلَا يَنْقُصُ مِنْ ثَمَنِهَا إلَّا الْيَسِيرُ فَلَا مُوَاضَعَةَ فِيهَا.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَحَلِّ الْمُوَاضَعَةِ مِنْ الْعُقُودِ]
(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَحَلِّ الْمُوَاضَعَةِ مِنْ الْعُقُودِ) حُكْمُ الْمُوَاضَعَةِ ثَابِتٌ فِي الْبَيْعِ بِالنَّقْدِ أَوْ فِي الثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ، وَأَمَّا فِي ابْتِيَاعِ الْأَمَةِ مِنْ دَيْنٍ عَلَى الْأَمَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ فِيهَا حُكْمُ مُوَاضَعَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْإِمَاءِ اللَّاتِي لَا يَجُوزُ بَيْعُهُنَّ إلَّا بِالْمُوَاضَعَةِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ
стр. 1237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِيهَا وَبَطَل الْعَقْدُ لِمَا يَدْخُلُهُ مِنْ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي دَيْنٍ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُبْتَاعَ كَانَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ دَيْنٌ فَنَقَلَهُ فِي جَارِيَةٍ لَمْ يُتَنَجَّزْ نَقْلُ الدَّيْنِ إلَى عَيْنِهَا لِمَا بَقِيَ فِيهَا مِنْ حُكْمِ الْمُوَاضَعَةِ الَّتِي لَا يَكْمُلُ الْبَيْعُ وَتَبْرَأُ بِهِ ذِمَّةُ الْبَائِعِ إلَّا بِكَمَالِهَا، فَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْبَائِعِ مِنْ دَيْنٍ وَلَا بَقِيَتْ مَشْغُولَةً بِهِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَتْ قَبْلَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ الْبَيْعِ كَانَتْ مَشْغُولَةً بِدَيْنٍ مَحْضٍ وَحَبْسٍ مَعْلُومٍ وَبَعْدَ الْبَيْعِ صَارَتْ مُتَرَدِّدَةً بَعْدَ الْبَرَاءَةِ مِنْ الدَّيْنِ إنْ سَلِمَتْ الْجَارِيَةُ فِي الْمُوَاضَعَةِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ إنْ لَمْ تَسْلَمْ، وَهَذَا مَعْنَى فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ أَنْ لَا تَبْرَأَ الذِّمَّةُ مِنْ الدَّيْنِ الْأَوَّلِ وَلَا تَبْقَى مَشْغُولَةً بِهِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَانَتْ مَشْغُولَةً بِهِ قَبْلَ الْفَسْخِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ جَوَازُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ بَيْعَ بَرَاءَةٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ حُكْمُ الْمُوَاضَعَةِ ثَابِتٌ فِيهَا لَا يَسْقُطُ بِالْبَرَاءَةِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَلَوْ بِيعَتْ بَيْعَ مِيرَاثٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُوَاضَعَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ بَاعَهَا سُلْطَانٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْحَمْلِ لَا تَجُوزُ لَا سِيَّمَا مَعَ إقْرَارِ الْبَائِعِ بِالْوَطْءِ وَالْمُوَاضَعَةِ إنَّمَا هِيَ لِمَعْنَى مَا يَحْدُثُ مِنْ الْحَمْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ شَرَطَا فِي بَيْعِ جِوَارِي الْمُوَاضَعَةِ أَنْ لَا مُوَاضَعَةَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَشْتَرِطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ حَمْلٍ إنْ كَانَ بِهَا، وَالثَّانِي أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْبَرَاءَةَ مِنْ حَمْلٍ، فَإِنْ ظَهَرَ بِهَا بَطَلَ الشَّرْطُ وَثَبَتَ عَقْدُ الْبَيْعِ وَثَبَتَ حُكْمُ الْمُوَاضَعَةِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ أَصْحَابِنَا غَيْرَ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ إنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِذَلِكَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ أَوْ فَسَادِهِ فِي نَقْلِ الضَّمَانِ الْمُخْتَلَفِ فِي مَحَلِّهِ عَنْ عُرْفِهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِإِبْطَالِ الشَّرْطِ وَصِحَّةِ الْعَقْدِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَخْرُجُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي وَيَجْرِي فِيهَا حُكْمُ الْمُوَاضَعَةِ، فَإِنْ لَمْ تَرْفَعْ أَمْرَهَا حَتَّى مَاتَتْ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مُدَّةِ الْمُوَاضَعَةِ فَهِيَ مِنْ الْبَائِعِ، وَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَهِيَ مِنْ الْمُبْتَاعِ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي مَبْسُوطِهِ عَنْ مَالِكٍ إنْ مَاتَتْ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ فَهِيَ مِنْ الْبَائِعِ، وَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَهَا فِي مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ فَهِيَ مِنْ الْمُشْتَرِي وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى لَمَّا بَطَلَ الشَّرْطُ فِي تَرْكِ الْمُوَاضَعَةِ ثَبَتَ حُكْمُهَا وَكَانَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُؤْتَمَنَ عَلَى اسْتِبْرَائِهَا، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَمَّا شَرَطَ إبْطَالَ الْمُوَاضَعَةِ لَمْ يَبْطُلْ ذَلِكَ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ فَإِذَا مَاتَتْ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ وَخْشِ الرَّقِيقِ الَّذِي لَا مُوَاضَعَةَ فِيهِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِمُرَاعَاةِ مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ فَكَمْ قَدْرُهَا؟ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ الشَّهْرُ وَنَحْوُهُ وَلَمْ يُفَصِّلْ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ كَانَتْ أَيَّامُ حَيْضَتِهَا مَعْرُوفَةً فَقَدْرُهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً فَأَغْلَبُ أَحْوَالِ النِّسَاءِ وَهُوَ الشَّهْرُ قَالَ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ خَاصَّةً، وَأَمَّا إنْ جَاءَ بِهَا بَعْدَ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ يُرِيدُ رَدَّهَا بِعَيْبِ تَأْخِيرِ الْحَيْضِ أَوْ بِعَيْبِ حُدُوثِهِ وَزَعَمَ أَنَّهَا لَمْ تَحِضْ صُدِّقَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا النِّكَاحُ بِالْأَمَةِ الرَّائِعَةِ الَّتِي تَحِيضُ فَحُكْمُ الْمُوَاضَعَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا الْإِقَالَةُ فَإِنَّ حُكْمَ الْمُوَاضَعَةِ ثَابِتٌ فِيهَا إذَا حَدَثَتْ الْإِقَالَةُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُوَاضَعَةِ مِنْ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ حَادِثٌ يَلْزَمُ الْبَائِعَ الثَّانِيَ فِيهَا مِنْ ضَمَانِ الْجَارِيَةِ فِي مُدَّتِهَا مَا لَزِمَ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ فِي مُدَّةِ الْمُوَاضَعَةِ الْأُولَى وَيُتَّقَى مِنْ ظُهُورِ حَمْلِهَا فِيهَا مَا اُتُّقِيَ مِنْ ظُهُورِهِ فِي الْأُولَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الرَّدُّ بِالْعَيْبِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُوَاضَعَةِ مِنْ الْبَيْعِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا مُوَاضَعَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى ضَمَانِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُوَاضَعَةِ مِنْ الْبَيْعِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهِ الْمُوَاضَعَةُ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي الَّذِي يَرُدُّ بِالْعَيْبِ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا مُوَاضَعَةَ فِيهِ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذِهِ أَرْبَعَةٌ يَلْزَمُ فِيهَا الْمُوَاضَعَةُ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ بِالْمُعَاوَضَةِ كَمَا لَوْ بِيعَتْ، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ أَشْهَبُ أَنَّ هَذَا نَقْضُ بَيْعٍ وَلَيْسَ بِبَيْعٍ مُبْتَدَإٍ وَلَا عَقْدٍ، وَهَذَا الْحُكْمُ يَخْتَصُّ بِالْعُقُودِ دُونَ فَسْخِهَا.
стр. 1238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي مَحَلِّ الْمُوَاضَعَةِ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ]
(الْبَابُ الرَّابِعُ فِي مَحَلِّ الْمُوَاضَعَةِ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ) إنَّ الْمُوَاضَعَةَ ثَابِتَةٌ فِي الرَّائِعَةِ مِنْ الْإِمَاءِ الَّتِي مِثْلُهَا يُوطَأُ وَلَيْسَتْ بِظَاهِرَةِ الْحَمْلِ وَلَا مُعَرَّضَةٍ لِحَمْلٍ يَتْبَعُهَا فِي الْبَيْعِ كَذَاتِ الزَّوْجِ وَالْمُجَاهِرَةِ بِالزِّنَا وَأَخْصَرُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ فِي الْجَارِيَةِ الَّتِي يُنْقِصُ الْحَمْلُ مِنْ ثَمَنِهَا الْكَثِيرَ فَإِنَّ الصَّغِيرَةَ لَا يَصِحُّ فِيهَا الْحَمْلُ وَذَاتُ الزَّوْجِ وَالْمَشْهُورَةُ بِالزِّنَا لَا يُنْقِصُ الْحَمْلُ مِنْ ثَمَنِهَا الْكَثِيرَ، وَأَمَّا وَخْشُ الرَّقِيقِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ الزِّنْجِ وَمَا أَشْبَهَهُنَّ فَلَا يَلْزَمُ فِيهِنَّ ذَلِكَ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ الرَّائِعَةَ يُنْقِصُ الْحَمْلُ مُعْظَمَ ثَمَنِهَا وَالْوَخْشُ لَا يُنْقِصُ ثَمَنَهَا، فَإِنْ نَقَصَ فَيَنْقُصُ مِنْهُ الْيَسِيرُ وَالْغَرَرُ الْكَثِيرُ يُفْسِدُ الْعُقُودَ دُونَ يَسِيرِهِ.
(فَرْعٌ) قَالَ مَالِكٌ وَمَا كَانَتْ بِثَمَنِ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ فَهِيَ مِنْ الْمُرْتَفِعَاتِ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى مَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يُتَّخَذَ مِثْلُهَا لِلْوَطْءِ فَهِيَ الرَّائِعَةُ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا حُكْمُ الْمُوَاضَعَةِ وَإِذَا كَانَتْ مِمَّنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِاِتِّخَاذِهَا لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا تُتَّخَذُ لِلِاسْتِخْدَامِ فَهِيَ مِنْ الْوَخْشِ وَلَا يَثْبُتُ فِيهَا حُكْمُ الْمُوَاضَعَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا كَانَتْ الْأَمَةُ الْمَبِيعَةُ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ مُعْتَدَّةً مِنْ طَلَاقٍ فَلَا مُوَاضَعَةَ فِيهَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ فِي الْمَبْسُوطِ لِأَنَّهَا لَمْ تُشْتَرَ لِلْوَطْءِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا حُكْمُ الْمُوَاضَعَةِ، وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْوَخْشَ لَمْ يُثْبِتْ فِيهَا حُكْمَ الْمُوَاضَعَةِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْوَطْءَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا ظَاهِرَةَ الْحَمْلِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ لَا مُوَاضَعَةَ فِيهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُوَاضَعَةَ إنَّمَا هِيَ خَوْفُ الْحَمْلِ وَتَوَقُّعُهُ فَإِذَا كَانَ حَمْلُهَا ظَاهِرًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ فَلَا يَصِحُّ الرَّدُّ بِهِ وَلَا الْتِزَامُهُ بِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ اشْتَرَى جَارِيَةً ظَاهِرَةَ الْحَمْلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ مِنْ نَفْيِ الْمُوَاضَعَةِ، ثُمَّ انْفَشَّ الْحَمْلُ وَظَهَرَ أَنَّهَا حَامِلٌ فَإِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إلَى حُكْمِ الْمُوَاضَعَةِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك حَامِلًا وَلَا أَدْرِي مَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك مَا جَازَ لِي فِيهِ الِانْتِقَادُ، وَقَدْ انْتَقَدْت.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا فَلَا مُوَاضَعَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مِمَّنْ لَا يُتَّقَى عَلَيْهَا الْحَمْلُ فَلَا تَجِبُ فِيهَا مُوَاضَعَةٌ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمُوَاضَعَةِ لِمَا يُتَّقَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَتْ تُوطَأُ وَلَا يَحْمِلُ مِثْلُهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا الْمُوَاضَعَةُ، وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا مُوَاضَعَةَ فِيهَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَنْ يَصِحُّ وَطْؤُهَا لَا يَكَادُ أَنْ يَتَمَيَّزَ وَقْتُ تَجْوِيزِ الْحَمْلِ عَلَيْهَا فَاحْتِيطَ لِذَلِكَ كَمَا اُحْتِيطَ بِالْعِدَّةِ مِنْ الْوَفَاةِ فِي حَقِّ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تَحْمِلُ لَمَّا لَمْ يَتَمَيَّزْ ذَلِكَ، وَوَجْهُ قَوْلِ مُطَّرِفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إذَا اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ فَلَا مَعْنَى لِلْمُوَاضَعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الْخَامِسُ فِي حُكْمِ الْأَمَةِ فِي مُدَّةِ الْمُوَاضَعَةِ] ١
(الْبَابُ الْخَامِسُ فِي حُكْمِ الْأَمَةِ فِي مُدَّةِ الْمُوَاضَعَةِ، وَأَنَّ ضَمَانَهَا مِنْ الْبَائِعِ) وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ نَفَقَتُهَا وَجَمِيعُ مُؤْنَتِهَا وَالسُّنَّةُ فِي ذَلِكَ أَنْ تُوضَعَ عَلَى يَدِ امْرَأَةٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ تَكُونُ امْرَأَةً عَدْلَةً، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي حَيْضَتِهَا وَيُمْكِنُهَا النَّظَرُ إلَيْهَا، وَإِنْ وُضِعَتْ عَلَى يَدِ رَجُلٍ أَجْزَأَ ذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ عِيَالٌ يَنْظُرُونَ إلَيْهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَا لَحِقَ الْأَمَةَ فِي مُدَّةِ الْمُوَاضَعَةِ مِنْ مَوْتٍ أَوْ نَقْصِ جِسْمٍ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ وَلِلْمُبْتَاعِ فِي الْمَوْتِ إمْسَاكُ الثَّمَنِ وَارْتِجَاعُهُ إنْ كَانَ أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ وَفِي النَّقْصِ خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَوْ الْإِمْسَاكِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جَسَدِهَا كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ فَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ لَهُ الرَّدَّ بِذَلِكَ وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ لَا يَرُدُّهَا بِهِ وَجْهُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ أَقْدَمَ مِنْ أَمَدِ التَّبَايُعِ لَرُدَّ بِهِ فَإِذَا حَدَثَ فِي مُدَّةِ الْمُوَاضَعَةِ كَانَ لَهُ الرَّدُّ بِهِ كَنَقْصِ الْجِسْمِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَمْنَعُ الْبَائِعَ بَيْعَهَا؛ لِأَنَّهَا مَتَى أَرَادَتْ الْبَقَاءَ عِنْدَهُ أَحْدَثَتْ مِثْلَ هَذَا فِي مُدَّةِ الْمُوَاضَعَةِ فَتُرَدُّ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَا حَدَثَ لَهَا مِنْ مَالٍ بِهِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ عَطِيَّةٍ فَهُوَ لِلْبَائِعِ إنْ كَانَ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ مَالَهَا؛ لِأَنَّ
стр. 1239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
كُلَّ مَنْ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ كَانَ لَهَا مَا ثَبَتَ مِنْ مَالٍ، وَأَمَّا مَا حَدَثَ لَهَا مِنْ وَلَدٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ لِلْمُبْتَاعِ، وَقَالَ أَشْهَبُ هُوَ لِلْبَائِعِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ نَمَاءٌ مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ فِي مُدَّةِ الْمُوَاضَعَةِ فَكَانَ لِلْبَائِعِ كَنَمَاءِ الْمَالِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً رَائِعَةً بِالْمُوَاضَعَةِ فِيهَا وَرَضِيَ بِالْحَمْلِ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَبَاهُ الْبَائِعُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ كُلَّ عَيْبٍ يَجُوزُ لِلْمُبْتَاعِ الرِّضَا بِهِ بَعْدَ ظُهُورِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الرِّضَا بِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ وَإِسْقَاطُ الْمُطَالَبَةِ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الْمُبْتَاعَ إنَّمَا أَسْقَطَ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ الضَّمَانِ عَلَى الْبَائِعِ لِتَعْجِيلِ الْخِدْمَةِ.
[الْبَابُ السَّادِسُ فِي بَيَانِ مَا تَنْتَقِضُ بِهِ الْمُوَاضَعَةُ] ١
(الْبَابُ السَّادِسُ فِي بَيَانِ مَا تَنْتَقِضُ بِهِ الْمُوَاضَعَةُ) الْمُوَاضَعَةُ تَكُونُ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ بِحَيْضٍ أَوْ شُهُورٍ، فَأَمَّا الْحَيْضُ فَاَلَّذِي يُجْزِئُ مِنْهُ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ بِهَا تَحْصُلُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَلَيْسَ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَعْنًى مِنْ الْعِبَادَةِ وَلَا حُرْمَةُ الْحُرِّيَّةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُكَرِّرْ الْحَيْضَ فِيهَا تَكَرُّرَهُ فِي الْعِدَّةِ، فَإِنْ كَانَ الِابْتِيَاعُ بَعْدَ ابْتِدَاءِ الْحَيْضَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الدَّمِ وَعِظَمِ الْحَيْضَةِ أَجْزَأَ ذَلِكَ مِنْ الْمُوَاضَعَةِ، فَإِنْ كَانَ الِابْتِيَاعُ فِي آخِرِ الْحَيْضَةِ وَبَعْدَ أَنْ ذَهَبَ مُعْظَمُ الدَّمِ لَمْ تَقَعَ بِهِ الْبَرَاءَةُ وَاسْتُؤْنِفَتْ بَعْدَ الْمُوَاضَعَةِ، وَوَجْهُ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ أَنَّ الرَّحِمَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يَقْبَلُ الْمَنِيَّ بَلْ يَقْذِفُ بِالدَّمِ وَآخِرُ الْحَيْضِ يَقْبَلُ الْمَنِيَّ فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا.
(فَرْعٌ) وَكَمْ مِقْدَارُ مَا تَقَعُ بِهِ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْحَيْضَةِ الْبَاقِيَةِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ بَقِيَ مِنْهُ مِقْدَارُ مَا يُعْرَفُ أَنَّهُ حَيْضَةٌ أَجْزَأَهُ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ هَذَا أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إنْ بَقِيَ مِنْهُ مِقْدَارُ أَقَلِّ الْحَيْضِ أَجْزَأَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي آخِرِهِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا بَقِيَ مِنْهُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَانِ لَمْ يُجْزِهِ، وَالثَّانِي إنْ كَانَ فِي وَقْتٍ يَرَى أَنَّ الرَّحِمَ يَرْمِي الدَّمَ وَلَا يَقْبَلَ الْمَنِيَّ فَهُوَ بَرَاءَةٌ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هِيَ مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ لِاسْتِقْصَاءِ بَقَايَا الدَّمِ وَذَهَابِ أَمْرِهِ فَلَيْسَ بَرَاءَةً.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ الْحَيْضَةُ بَعْدَ الِابْتِيَاعِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَأْتِيَ عَلَى الْمَعْهُودِ أَوْ تَتَأَخَّرَ عَنْهُ، فَإِنْ أَتَتْ عَلَى الْمَعْهُودِ فَإِنَّهُ تَتِمُّ الْمُوَاضَعَةُ، وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ التَّبَايُعِ بِلَحْظَةٍ؛ لِأَنَّنَا قَدْ قُلْنَا إنَّهُ إذَا كَانَ التَّبَايُعُ فِي أَوَّلِ الْحَيْضَةِ أَنَّ الْمُوَاضَعَةَ تَتِمُّ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ فَبِأَنْ تَتِمَّ إذَا كَانَ جَمِيعُ الْمُوَاضَعَةِ بَعْدَ الْحَيْضِ أَوْلَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ فَارْتَفَعَتْ حَيْضَتُهَا فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ بَرَاءَتَهَا لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ لَا تَنْقُصُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ بَرَاءَتَهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ إلَّا أَنْ تَرْتَابَ فَتُقِيمَ تَمَامَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَلَمْ تَبْرَأْ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ ارْتِفَاعَ الْحَيْضِ رِيبَةٌ فَوَجَبَ أَنْ تَتَرَبَّصَ لَهُ مُدَّةَ الْحَمْلِ وَهِيَ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ وَأَصْلُ ذَلِكَ ارْتِفَاعُ حَيْضِ الْمُطَلَّقَةِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ارْتِفَاعَ الْحَيْضِ بِمُجَرَّدِهِ لَيْسَ بِرِيبَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْتَفِعُ بِمَرَضٍ وَرَضَاعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَالثَّلَاثَةُ أَشْهُرٍ تَنُوبُ عَنْهُ كَالْحَيْضَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِيمَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا أَنْ يَتَكَرَّرَ حَيْضُهَا قَبْلَ الثَّلَاثَةِ الْأَشْهُرِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَتْ حَيْضَتُهَا تُبْطِئُ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ عَادَتُهَا أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ أَشْهُرٍ تُبْرِئُهَا، وَرَوَى عَنْهُ يَحْيَى لَا يُبْرِئُهَا إلَّا الْحَيْضُ وَإِلَّا رُفِعَتْ إلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إنْ اُسْتُبْرِئَتْ وَجْهُ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ أَنَّ مَنْ كَانَتْ لَا تَحِيضُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ تُبْرِئُهَا كَاَلَّتِي لَا تَحِيضُ إلَّا فِي أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ الْأَشْهُرَ الثَّلَاثَةَ بَرَاءَةٌ لِكُلِّ مَنْ لَا رِيبَةَ بِهَا، وَوَجْهُ رِوَايَةِ يَحْيَى أَنَّ مَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا فِي الْحَيْضِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَدُونَ التِّسْعَةِ فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ لَا تُبْرِئُهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ حَالُهَا الَّتِي لَا تُبْرَى قَطُّ فِي الْحَمْلِ وَغَيْرِهِ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى بَرَاءَتِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ فَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ نَعْلَمُهُ أَنَّ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ تُبْرِئُهَا
стр. 1240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
إلَّا مَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ مَنْ تَحِيضُ لِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُبْرِئُهَا إلَّا الْحَيْضَةُ وَلَمْ يُفَصِّلْ وَجْهَ قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّ مَنْ تَأَخَّرَتْ حَيْضَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّ تَأَخُّرَهَا لَيْسَ بِرِيبَةٍ وَلَا يُفِيدُ وَضْعُهَا إلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ إلَّا مَا يُفِيدُ وَضْعُهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَلَا مَعْنَى لِلْإِضْرَارِ بِالْمُتَبَايِعِينَ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ مَنْ تَحِيضُ لَا يُبْرِئُهَا إلَّا الْحَيْضُ الْمُعْتَادُ إلَّا أَنْ تَتَأَخَّرَ عَنْ عَادَتِهَا فَتَنْتَقِلُ إلَى الْأَشْهُرِ كَمَا لَوْ حَاضَتْ لِشَهْرٍ.
١ -
(فَصْلٌ) :
إذَا ثَبَتَ الِاسْتِبْرَاءُ وَالْمُوَاضَعَةُ تَقَعُ بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْمُوَاضَعَةِ، وَذَلِكَ بِظُهُورِ الْحَيْضِ فَإِنَّ بِأَوَّلِ الدَّمِ قَدْ خَرَجَتْ عَنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَسَقَطَتْ سَائِرُ أَحْكَامِ الْمُوَاضَعَةِ وَتَقَرَّرَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهَا وَهَلْ يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا أَوْ لَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَهُ ذَلِكَ لِأَوَّلِ مَا تَدْخُلُ فِي الدَّمِ وَيُحْكَى عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فِي كِتَابِ إرْخَاءِ السُّتُورِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا رَأَتْهُ مِنْ الدَّمِ حَيْضَةٌ.
(فَصْلٌ) وَأَمَّا الْمُوَاضَعَةُ بِالْأَشْهُرِ فَفِي مَنْ لَا تَحِيضُ لِعِلَّةٍ أَوْ لِيَأْسٍ، فَأَمَّا مَنْ لَا تَحِيضُ لِعِلَّةٍ وَرِيبَةٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَأَمَّا مَنْ لَا تَحِيضُ لِيَأْسٍ فَهَذِهِ مُوَاضَعَتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَبِهِ قَالَ سُلَيْمَانِ بْنُ يَسَارٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ شَهْرٌ وَاحِدٌ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ﵃ شَهْرٌ وَنِصْفٌ وَقِيلَ شَهْرَانِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَا إلَيْهِ أَنَّ الْمُبْدَلَ لَا يَخْتَلِفُ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَقَادِيرُ مُبْدَلَاتِهِ مَعَ اتِّفَاقِ مَعَانِيهَا كَالتَّيَمُّمِ لَا يَخْتَلِفُ مِقْدَارُهُ بِاخْتِلَافِ مِقْدَارِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ لَمَّا كَانَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
إذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفْسِيرِ أَحْكَامِ الْمُوَاضَعَةِ فَإِنَّ قَوْلَهُ وَإِنَّمَا تَكُونُ قِيمَةُ الْجَارِيَتَيْنِ عَلَيْهِ يَوْمَ قَبَضَهُمَا فَإِنَّ مَنْ بَاعَ جَارِيَةً بِجَارِيَتَيْنِ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الثَّلَاثُ الْجَوَارِي مِنْ أَعْلَى الرَّقِيقِ أَوْ وَخْشِهِ، فَإِنْ كُنَّ مِنْ أَعْلَى الرَّقِيقِ ثَبَتَ حُكْمُ الْمُوَاضَعَةِ فِي جَمِيعِهِنَّ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْجَارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا عِوَضُ الْجَارِيَةِ الْوَاحِدَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَا مُسْتَوِيَتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا أَرْفَعُ مِنْ الْأُخْرَى، فَإِنْ هَلَكَتْ الْمُنْفَرِدَةُ أَوْ الرَّفِيعَةُ مِنْ الِاثْنَتَيْنِ فِي الْمُوَاضَعَةِ انْتَقَضَ الْبَيْعُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ الْهَالِكَةَ مِنْهُمَا مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ فَرَجَعَ الْعِوَضُ إلَى صَاحِبِهِ وَمَا أَصَابَ الرَّفِيعَةَ مِنْ الثِّنْتَيْنِ فَالدَّنِيَّةُ تَبَعٌ لَهَا، وَإِنْ هَلَكَتْ الدَّنِيَّةُ مِنْ الثِّنْتَيْنِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَنْتَقِضُ الْبَيْعُ كُلُّهُ أَيْضًا، وَرَوَى هُوَ وَعِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الدَّنِيَّةَ مِنْ بَائِعِهَا يَرْجِعُ بِقَدْرِ قِيمَتِهَا مِنْ قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ الَّتِي مَعَهَا فِي قِيمَةِ الْمُنْفَرِدَةِ لِضَرُورَةِ الشَّرِكَةِ، وَاخْتَارَهُ مُحَمَّدٌ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ هَلَاكَ الْجَارِيَةِ قَبْلَ إبْرَامِ الْبَيْعِ فِي عِوَضِهَا يُوجِبُ نَقْضَ الْعَقْدِ كُلِّهِ دُونَ مُرَاعَاةِ يَسِيرِ مَا هَلَكَ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا وُجِدَ بِهِ الْعَيْبُ بَعْدَ إبْرَامِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَدَّى نَقْضَ الْيَسِيرِ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ امْتِنَاعَ التَّسْلِيمِ فِي يَسِيرِ الْمَبِيعِ لَا يُوجِبُ نَقْضَ الْبَيْعِ فِي جَمِيعِهِ إذَا لَمْ يُحْدِثْ نَقْصًا فِي غَيْرِهِ كَالِاسْتِحْقَاقِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ، فَإِنْ تَبَايَعَا بِجَارِيَتَيْنِ تَوَاضَعَاهُمَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ تَبَايَعَا جَارِيَتَيْنِ فَتَوَاضَعَاهُمَا فَحَاضَتْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الَّتِي حَاضَتْ تُوقَفُ كَالثَّمَنِ الْمَوْضُوعِ، وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ يَقْبِضُهَا رَبُّهَا وَتَبْقَى الْأُخْرَى عَلَى حُكْمِ الْمُوَاضَعَةِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهَا كَالثَّمَنِ الْمَوْضُوعِ لَا يَجُوزُ لِمُبْتَاعِهَا أَنْ يَقْبِضَهَا حَتَّى يُسَلِّمَ عِوَضَهَا مِنْ الْمُوَاضَعَةِ، وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِهَا إنْ لَمْ يُسَلِّمْ عِوَضَهَا، وَوَجْهُ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَا قَالَهُ أَنَّ هَذِهِ قَدْ كَمُلَ فِيهَا الْبَيْعُ، فَإِنْ سَلَّمَ الْعِوَضَ تَمَّ الْبَيْعُ فِيهِمَا، وَإِنْ عَرَضَ لَهَا مَانِعٌ مَضَتْ الْأُولَى بِقِيمَتِهَا وَكَانَتْ كَجَارِيَةٍ بِجَارِيَةٍ اُسْتُحِقَّتْ إحْدَاهُمَا أَوْ رُدَّتْ بِعَيْبِ، وَقَدْ لَزِمَتْ مُشْتَرِيهَا قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَلَوْ حَدَثَ بِهَا الْحَادِثُ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فُسِخَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا لَمْ تُضْمَنْ بِالْقِيمَةِ.
стр. 1241
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ فَيُؤَاجِرُهُ بِالْإِجَارَةِ الْعَظِيمَةِ أَوْ الْقِلَّةِ الْقَلِيلَةِ، ثُمَّ يُوجَدُ بِهِ عَيْبٌ يُرَدُّ مِنْهُ أَنَّهُ يُرَدُّ بِذَلِكَ الْعَيْبِ وَتَكُونُ لَهُ إجَارَتُهُ وَغَلَّتُهُ، وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ بِبَلَدِنَا، وَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ عَبْدًا فَبَنَى لَهُ دَارًا قِيمَةُ بِنَائِهَا ثَمَنُ الْعَبْدِ أَضْعَافًا، ثُمَّ يُوجَدُ بِهِ عَيْبٌ يُرَدُّ مِنْهُ رَدَّهُ وَلَا يُحْتَسَبُ لِلْعَبْدِ إجَارَةٌ فِيمَا عَمِلَ لَهُ وَكَذَلِكَ تَكُونُ لَهُ إجَارَتُهُ إذَا آجَرَهُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ، وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا) .
ــ
[المنتقى]
فَصْلٌ) :
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُ، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى الَّتِي بِهَا الْبَيْعُ وَتُرَدُّ بِقَدْرِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَةِ إنْ كَانَتْ كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً اخْتَارَ بِصِفَةِ التَّرَاجُعِ فِي الْجُمْلَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْحَيْضَةَ إنْ كَانَتْ فِي الْعَيْنِ أَوْ غَيْرِهَا، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَ ذَلِكَ وَبَيَانَهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ الْغَلَّةَ لِلْمُبْتَاعِ وَلَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ دُونَهَا وَالرُّجُوعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا يَحْدُثُ فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ظَاهِرٌ حِينَ الْعَقْدِ وَغَيْرُ ظَاهِرٍ فَالظَّاهِرُ كَثَمَرَةِ نَخْلَةٍ مَأْبُورَةٍ وَالصُّوفِ الْكَامِلِ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ فَفِي رَدِّ مِثْلِ هَذَا مَعَ الْمَعِيبِ الْمَرْدُودِ بِالْعَيْبِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُرَدُّ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُرَدُّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ لِلْمُبْتَاعِ إذَا انْفَصَلَ عَنْهُ قَبْلَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لِلثَّمَرَةِ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ وَلِلصَّرْفِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اُسْتُحِقَّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَانَ لِلْمُبْتَاعِ الرُّجُوعُ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذِهِ غَلَّةٌ انْفَصَلَتْ مِنْ الْمَبِيعِ قَبْلَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَلَمْ تُرَدَّ كَاللَّبَنِ فِي ضُرُوعِ الْغَنَمِ يَوْمَ الْبَيْعِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَا كَانَ مِنْ اللَّبَنِ فِي ضُرُوعِ الْغَنَمِ عِنْدَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَدُّ مَعَهَا.
(فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّ لِلْمُبْتَاعِ إذَا رَدَّ الثَّمَرَةَ أَجْرَ السَّقْيِ وَالْعِلَاجِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ الثَّمَرَةِ كَانَ لَهُ أَجْرُ الْعَمَلِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ عِنْدِي مِنْ الْعَمَلِ أَجْرُ مَا لَوْ رَدَّ الثَّمَرَةَ لَمْ يَعْمَلْهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا فِي مَسْأَلَةِ الْغَنَمِ الرُّجُوعَ بِالْعَمَلِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ لِلْمَرْعَى وَالسَّقْيِ عَلَيْهَا تَأْثِيرًا فِيهَا وَلَا يَرْجِعُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِالْجَزِّ عِنْدِي وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا.
(فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ وَالصُّوفُ حَاضِرَيْنِ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُرَدُّ مَعَهَا، فَإِنْ تَلِفَا قَبْلَ الْجَزِّ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ يَقْبِضُهُمَا وَكَذَلِكَ مَالُ الْعَبْدِ قَبْلَ الِانْتِزَاعِ، وَإِنْ تَلِفَ بَعْدَ الْجَدِّ وَالْجَزِّ وَالِانْتِزَاعِ فَعَلَى الْمُبْتَاعِ رَدُّ ذَلِكَ إنْ عَرَفَ قَدْرَهُمَا رَدَّ مِثْلَهُمَا بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَإِلَّا غَرِمَ قِيمَتَهُمَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُتْرَكَا عِنْدَهُ بِحِصَّتِهِمَا مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إفْرَادُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ بِالْبَيْعِ وَلَا صُوفِ الْغَنَمِ قَبْلَ الْجَزِّ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ وَلَوْ أَبْقَى ذَلِكَ عِنْدَهُ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ الثَّمَنِ لَكَانَ إفْرَادًا لَهُ بِالْبَيْعِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ أَشْهَبَ فِيمَا تَكُونُ الثَّمَرَةُ أَوْ الصُّوفُ لِلْمُبْتَاعِ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالْجَدِّ أَوْ الْجَزِّ وَهُوَ الَّذِي يَتَطَرَّقُ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَتِمُّ قَبْضُهُ وَانْفِصَالُهُ مِنْ الْمَبِيعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ النَّمَاءُ غَيْرَ ظَاهِرٍ حِينَ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَيْنًا أَوْ مَنْفَعَةً، فَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ كَالْوَلَدِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ مِنْ ذَلِكَ مَعَ الْأُمِّ مَا كَانَ مِنْ الْحَيَوَانِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُرَدُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَعَ الْأُمِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا نَمَاءٌ مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ فَلَمْ يَجُزْ إمْسَاكُهُ مَعَ رَدِّ الْمَبِيعِ بِالْعَيْبِ كَالسِّمَنِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَاضِرًا رَدَّهُ مَعَ الْمَبِيعِ، وَإِنْ كَانَ أَكَلَهُ رَدَّ قِيمَتَهُ، وَإِنْ بَاعَهُ رَدَّ ثَمَنَهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَبِيعُ الشَّاةَ حَامِلًا فَتَلِدُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ وَيَأْكُلُ سَخْلَتَهَا أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّهَا وَقِيمَةَ الْوَلَدِ أَوْ يُمْسِكَهَا وَيَأْخُذَ قِيمَةَ الْعَيْبِ قَالَ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قِيمَةَ الْوَلَدِ رُبَّمَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّهَا وَمَا نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُرْجَى
стр. 1242
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ ابْتَاعَ رَقِيقًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَوَجَدَ فِي ذَلِكَ الرَّقِيقِ عَبْدًا مَسْرُوقًا أَوْ وَجَدَ بِعَبْدٍ مِنْهُمْ عَيْبًا أَنَّهُ يَنْظُرُ فِيمَا وَجَدَ مَسْرُوقًا أَوْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا، فَإِنْ كَانَ هُوَ وَجَدَ ذَلِكَ الرَّقِيقَ أَوْ أَكْثَرَ ثَمَنًا أَوْ مِنْ أَجْلِهِ اشْتَرَى وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْفَضْلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ كَانَ ذَلِكَ الْبَيْعُ مَرْدُودًا كُلُّهُ قَالَ وَإِنْ كَانَ الَّذِي وَجَدَ مَسْرُوقًا أَوْ وَجَدَ بِهِ الْعَيْبَ مِنْ ذَلِكَ الرَّقِيقِ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ مِنْهُ لَيْسَ هُوَ وَجْهُ ذَلِكَ الرَّقِيقِ وَلَا مِنْ أَجْلِهِ اشْتَرَى وَلَا فِيهِ الْفَضْلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ رَدَّ ذَلِكَ الَّذِي وَجَدَ بِهِ الْعَيْبَ أَوْ وَجَدَ مَسْرُوقًا بِعَيْنِهِ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ أُولَئِكَ الرَّقِيقَ)
ــ
[المنتقى]
يَوْمئِذٍ لِوَلَدِهَا أَوْ يُمْسِكَهَا وَيَأْخُذَ قِيمَةَ الْعَيْبِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ نَمَاءٌ مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ فَوَجَبَ أَنْ يُتْبِعَهُ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ كَالسِّمَنِ، وَلَا يَقْتَضِي هَذَا الْقَوْلُ أَنَّ حُدُوثَ الْوَلَدِ لَا يُثْبِتُ لِلْمُبْتَاعِ الْخِيَارَ فِي الْإِمْسَاكِ وَالرُّجُوعِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة أَنَّ هَذَا نَمَاءٌ مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ فَوَجَبَ أَنْ يَرُدَّهُ أَوْ يُمْسِكَ مَا اشْتَرَاهُ مَعِيبًا فَإِذَا اعْتَدَّ بِذَلِكَ النَّمَاءِ ثَمَنًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ الثَّمَنَ مَعَ الْمَعِيبِ أَوْ يُمْسِكَ الْمَعِيبَ وَلَا شَيْءَ لَهُ كَمَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ حَالَ وُجُودِ ذَلِكَ لَهُ فَهَذَا الْخِيَارُ إنَّمَا يَعُودُ إلَى الْإِمْسَاكِ وَالرَّدِّ فَقَطْ، وَهَذَا الْخِيَارُ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ بِوُجُودِ الْعَيْبِ، وَإِنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ الْعَيْنُ الْمَبِيعَةُ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ جِنْسِ الْعَيْنِ كَالسِّمَنِ فَيَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ وَلَا يَجِبُ أَنْ يَرُدَّ قِيمَتَهُ كَمَا لَا يَرُدُّ قِيمَةَ السِّمَنِ إذَا ذَهَبَ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا دَخَلَ الْأُمَّ النَّقْصُ بِالْوِلَادَةِ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ أَوْ يَرُدَّ وَيَرُدَّ مَا نَقَّصَتْهَا الْوِلَادَةُ فَجَعَلَ التَّأْثِيرَ لِلْوِلَادَةِ لَا لِلْوَلَدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تُؤَبَّرْ حِينَ الْعَقْدِ وَالصُّوفِ الَّذِي يَثْبُتُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ مَعَ الْأَصْلِ، وَقَالَ زُفَرُ يُرَدُّ جَمِيعُ ذَلِكَ وَجْهُ مَا قُلْنَا أَنَّهُ نَمَاءٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَبِيعِ فَلَمْ تُرَدَّ بَعْدَ الِانْفِصَالِ كَأُجْرَةِ الْعَمَلِ.
(فَرْعٌ) وَمَتَى يَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ؟ حَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهُ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ يَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ وَيَرُدُّ الْأَصْلَ دُونَهَا، وَإِنْ رَدَّ الْأَصْلَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَهِيَ مَعَ الْأَصْلِ لِلْبَائِعِ وَلِلْمُبْتَاعِ مَا أَنْفَقَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْأَصْلِ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا فَإِذَا بَدَا صَلَاحُهَا فَقَدْ ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الِانْفِصَالِ فَهِيَ لِمَنْ ظَهَرَتْ عَلَى مِلْكِهِ، وَهَذَا عِنْدِي مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ نَقْضٌ لِلْبَيْعِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ نَقْضٌ لِلْبَيْعِ مِنْ الْأَصْلِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْبَائِعِ حَتَّى يَجِدَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَالُ الْعَبْدِ فَمَا كَانَ يَوْمَ الْبَيْعِ رَدَّ بِهِ سَيِّدُهُ وَكَذَلِكَ مَا وُهِبَ لَهُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ رَبِحَهُ فِي مَالِهِ، وَأَمَّا مَا وَهَبَهُ إيَّاهُ الْمُبْتَاعُ أَوْ أَفَادَ مِنْ عَمَلِ سَيِّدِهِ أَوْ رِبْحِهِ فِي مَالٍ دَفَعَهُ إيَّاهُ الْمُبْتَاعُ فَإِنَّ لِلْمُبْتَاعِ إمْسَاكَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ اسْتَفَادَهُ مِنْ جِهَةِ الْمُبْتَاعِ فَهُوَ مُبْتَاعٌ وَمَا صَارَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ فَهُوَ مُضَافٌ إلَى مَالِهِ الَّذِي كَانَ بِيَدِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُبْتَاعِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ لَهُ بِالضَّمَانِ.
(ش) : إنَّ مَنْ اشْتَرَى رَقِيقًا جُمْلَةً فَاسْتُحِقَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوْ وُجِدَ بِهِ عَيْبٌ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي بِهِ الْعَيْبُ لَهُ مُعْظَمُ الثَّمَنِ رَدَّ بِالْعَيْبِ جَمِيعَ الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ رَدَّهُ وَحْدَهُ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ الثَّمَنِ وَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ إلَّا أَنَّ الْعَيْبَ الَّذِي فِيهِ هَلْ يُعْتَبَرُ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً أَوْ بِجَمِيعِ الْجُمْلَةِ؟ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْعَيْبُ يُنْقِصُ الْجُمْلَةَ كَانَ لَهُ رَدُّ ذَلِكَ الرَّأْسِ وَحْدَهُ بِالْعَيْبِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُنْقِصُ الْجُمْلَةَ لَمْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ، وَإِنْ كَانَ يُنْقِصُ أُصْبُعًا خَاصَّةً وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُفْرَدْ بِالْبَيْعِ فَيُعْتَبَرُ الْعَيْبُ فِي نَفْسِهِ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا بَيْعٌ مَعَ الْجُمْلَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ الْعَيْبُ بِهِ وَحْدَهُ كَالْعُضْوِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْجُمْلَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحِقُّ جُزْءًا شَائِعًا أَوْ غَيْرَ شَائِعٍ، فَإِنْ اُسْتُحِقَّ جُزْءٌ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَنْقَسِمَ الْجُمْلَةُ عَلَى ذَلِكَ الْجُزْءِ أَوْ لَا تَنْقَسِمَ، فَإِنْ انْقَسَمَتْ الْجُمْلَةُ عَلَى ذَلِكَ الْجُزْءِ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ فَهُوَ عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْعَيْبِ يُوجَدُ بِالْقَلِيلِ مِنْ الْجُمْلَةِ أَوْ
стр. 1243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مُعْظَمِهَا فِي التَّخْيِيرِ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْجُزْءُ مُعْظَمَ الْجُمْلَةِ كَانَ لِلْمُبْتَاعِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ إمْسَاكُ الْبَاقِي بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ رَدُّهُ وَالرُّجُوعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ الْجُزْءُ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْجُمْلَةِ أَوْ الْيَسِيرِ مِنْهَا لَزِمَهُ الْبَاقِي بِمَا يُصِيبُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الْجُزْءُ الْمُسْتَحَقُّ لَا تَنْقَسِمُ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ الْبَاقِيَ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدَّهُ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مَضَرَّةُ الشَّرِكَةِ فِي آحَادِ تِلْكَ الْجُمْلَةِ.
(فَصْلٌ) :
فَإِنْ اُسْتُحِقَّ جُزْءٌ غَيْرُ شَائِعٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّا الْغَرَضُ فِي مَبْلَغِهِ دُونَ أَعْيَانِهِ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ أَوْ يَكُونَ مِمَّا الْغَرَضُ فِي أَعْيَانِهِ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا الْغَرَضُ فِي سِلْعَتِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُسْتَحَقُّ مِنْهُ مِقْدَارَ نِصْفِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ كَانَ لَهُ رَدُّ الْبَاقِي عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ لَزِمَهُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ النِّصْفَانِ سَوَاءً فَهَلْ يَكُونُ لَهُ الرَّدُّ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَهُ الرَّدُّ، وَقَالَ أَشْهَبُ يَلْزَمُهُ النِّصْفُ الثَّانِي بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا غَرَضَ فِي أَعْيَانِهِ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ فِي مَبْلَغِهِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَى بِجُمْلَتِهِ فَإِذَا اسْتَحَقَّ النِّصْفَ فَقَدْ ذَهَبَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ فَثَبَتَ لَهُ الرَّدُّ، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ أَشْهَبُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ نِصْفِ الْمَبِيعِ يَلْزَمُ بِهِ النِّصْفُ الثَّانِي كَالْعَبْدَيْنِ الْمُتَكَافِئَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ مِمَّا الْغَرَضُ فِي عَيْنِهِ فَلَا اعْتِبَارَ بِقِيمَتِهِ دُونَ عَيْنِهِ، فَإِنْ اسْتَحَقَّ بَعْضَ آحَادِ الْجُمْلَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَا اسْتَحَقَّ مِنْهُ النِّصْفَ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، فَإِنْ كَانَ اسْتَحَقَّ مَا قِيمَتُهُ النِّصْفُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعَبْدَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ يَجِدُ الْمُبْتَاعُ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا رَدَّهُ وَأَخَذَ مَا يُصِيبُهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَيَلْزَمُهُ الْبَاقِي بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَحَقَّ مَا قِيمَتُهُ أَقَلُّ مِنْ النِّصْفِ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَلْزَمُهُ السَّالِمُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ حَتَّى تَكُونَ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ وَيَلْزَمُهُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ النِّصْفَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ اسْتَحَقَّ مَا قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ فَهَلْ يَرُدُّ الْجَمِيعَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ رَدَّ الْجَمِيعِ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِيمَنْ اشْتَرَى عَشْرَ شِيَاهٍ فَوَجَدَ تِسْعَةً أَنَّ الْوَاحِدَةَ تَلْزَمُهُ بِمَا يَنُوبُهَا مِنْ الثَّمَنِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قِيمَتُهَا تُخَالِفُ قِيَمَ غَيْرِهَا فَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ وَلَعَلَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ ذَلِكَ بِأَنَّ ضَرُورَةَ الشَّرِكَةِ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهَا.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يَرُدُّ الْبَاقِيَ فَهَلْ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالرَّدِّ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْبَاقِي بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ الْآنَ ابْتِيَاعٌ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ؛ لِأَنَّ مَا يُصِيبُهُ مِنْ الثَّمَنِ مَجْهُولٌ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَهُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالْعَيْبِ إذَا تَرَاضَى الْمُتَبَايِعَانِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ كَمُلَ عَلَى صِحَّةٍ وَمَعْرِفَةٍ بِالثَّمَنِ فَلَا اعْتِبَارَ بِجَهْلِهِمَا بِالثَّمَنِ عِنْدَ الْحُكْمِ كَمَا لَوْ اسْتَحَقَّ النِّصْفَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ قَالَ وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ ابْتَاعَ جَارِيَتَيْنِ فَهَلَكَتْ الْعُلْيَا فِي الْمُوَاضَعَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْأَدْوَنِ بِمَا يُصِيبُهَا مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَكُنْ كَمُلَ فِيهَا، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ ظَاهِرٌ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ مَسَائِلُ تَقْتَضِيه؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ ابْتَاعَ جَارِيَةً فَحَدَثَ بِهَا عِنْدَهُ عَيْبٌ مُفْسِدٌ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَهَا وَيَسْقُطَ عَنْهُ قَدْرُ الْعَيْبِ مِنْ ثَمَنِ الْجَارِيَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهَا وَقِيمَةَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ فَإِذَا اخْتَارَ الْإِمْسَاكَ فَقَدْ أَمْسَكَهَا بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّةَ الْعَقْدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَسَوَاءٌ قُوبِلَتْ الْجُمْلَةُ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ أَوْ قُوبِلَ كُلُّ عَيْنٍ مِنْهَا بِثَمَنٍ مُسَمًّى فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهَا وَلَا يُعْتَبَرُ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ حِينَ الْعَقْدِ لِاتِّشَاحٍ فِيمَا يَزِيدُهُ فِي أَثْمَانِ بَعْضِهَا وَيُنْقِصُهُ مِنْ سَائِرِهَا، وَأَمَّا حِينَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَيَجِبُ أَنْ يَتَحَرَّى فِي قِيمَتِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَحُكْمُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ إلَّا أَنْ يَجِدَ بِبَعْضِ الْجُمْلَةِ عَيْبًا وَالْمَبِيعُ مِمَّا الْغَرَضُ فِي مَعِيبِهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الْمُبْتَاعُ السَّلِيمَ بِحِصَّةٍ مِنْ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِرِضًا الْبَائِعِ، فَإِنْ شَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يُلْزِمَهُ ذَلِكَ وَأَبَى هُوَ لَزِمَهُ إذَا كَانَ الْمَعِيبُ قَلِيلًا وَلَمْ يَلْزَمُهُ إذَا كَانَ كَثِيرًا، وَإِنْ
стр. 1244
مَا يُفْعَلُ بِالْوَلِيدَةِ إذَا بِيعَتْ وَالشَّرْطُ فِيهَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ابْتَاعَ جَارِيَةً مِنْ امْرَأَتِهِ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ إنَّك إنْ بِعْتهَا فَهِيَ لِي بِالثَّمَنِ الَّذِي تَبِيعُهَا بِهِ فَسَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا تَقْرَبْهَا وَفِيهَا شَرْطٌ لِأَحَدٍ) .
ــ
[المنتقى]
كَانَ الْغَرَضُ فِي أَعْيَانِ الْمَبِيعِ وَكَانَ الْعَيْبُ بِأَقَلِّهِ فَإِنَّ لِلْمُبْتَاعِ أَخْذَ السَّلِيمِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْبَائِعُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ الْغَرَضُ فِي مَبْلَغِهِ فَيَحْمِلُ سَالِمُهُ مَعِيبَهُ فَفِي أَخْذِ السَّلِيمِ دُونَ الْمَعِيبِ إضْرَارٌ بِالْبَائِعِ وَمَا كَانَ الْغَرَضُ فِي أَعْيَانِهِ كَالرَّقِيقِ وَالثِّيَابِ فَإِنَّهُ لَا يَقْصِدُ مِنْهُ الْكَثِيرَ وَلَا يُرَادُ مِنْهُ الْأَعْيَانُ فَلَا مَضَرَّةَ عَلَيْهِ فِي إقْرَارِهِ السَّلِيمَ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ الثَّمَنِ.
[مَا يُفْعَلُ بِالْوَلِيدَةِ إذَا بِيعَتْ وَالشَّرْطُ فِيهَا]
(ش) : ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ إنَّك إنَّ بِعْتهَا فَهِيَ لِي بِالثَّمَنِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ التَّطَوُّعِ مِنْهُ بَعْدَ كَمَالِ الْعَقْدِ، وَهَذَا يُسَمِّيه الْعُلَمَاءُ الثُّنْيَا وَيُسَمُّونَ الْبَيْعَ الْمُنْعَقِدَ بِهَذَا الشَّرْطِ بَيْعَ الثُّنْيَا وَهُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ مَعَ النَّقْدِ؛ لِأَنَّ الثُّنْيَا فِي الْبَيْعِ لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ أَوْ مُؤَقَّتَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْمُبْتَاعُ مَتَى جِئْت بِالثَّمَنِ رَدَدْت عَلَيْك الْمَبِيعَ أَوْ يَقُولَ لَهُ مَتَى أَرَدْت بَيْعَهَا رَدَدْتهَا عَلَيْك بِالثَّمَنِ الَّذِي أَعْطَى بِهَا أَوْ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَيْتهَا بِهِ فَهَذَا كُلُّهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُخَابَرَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْبَائِعَ يَقْبِضُ الثَّمَنَ مِنْ الْمُبْتَاعِ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ، ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَيْهِ مَتَى شَاءَ فَيَكُونُ تَارَةً مَبِيعًا وَتَارَةً سَلَفًا عَلَّلَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِهَذَا وَعَلَّلَ سَحْنُونٌ بِأَنَّهُ سَلَفٌ يَجُرُّ مَنْفَعَةً، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُسْلِفُهُ الثَّمَنَ لِيَنْتَفِعَ هُوَ بِاسْتِغْلَالِ الْمَبِيعِ، وَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى التَّعْلِيلَيْنِ أَنَّ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ يَتَمَيَّزُ السَّلَفُ مِنْ الثَّمَنِ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي مَسْأَلَتِنَا، وَلَوْ قَالَ يَكُونُ تَارَةً بَيْعًا وَتَارَةً سَلَفًا لَكَانَ أَقْرَبَ وَلَعَلَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَدْ أَرَادَ ذَلِكَ وَمَا قَالَهُ سَحْنُونٌ أَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ السَّلَفَ يُرَدُّ عَلَى كُلِّ حَالٍ، هَذَا وَلِلْبَائِعِ أَنْ لَا يَرْتَجِعَ فَلَا يَكُونُ سَلَفًا وَلَهُ أَنْ يَرْتَجِعَ فَيَكُونُ سَلَفًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيلَيْنِ أَنَّ الْبَيْعَ وَالسَّلَفَ مِنْ اشْتِرَاطِ السَّلَفِ أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَجُوزُ الْبَيْعُ قَبْلَ الْغَيْبِ عَلَى السَّلَفِ وَلَمَّا لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ سَحْنُونٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَنَعَ أَنْ يَكُونَ بَيْعًا وَسَلَفًا، وَقَالَ هُوَ سَلَفٌ يَجُرُّ مَنْفَعَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ هَذَا فِي الْإِقَالَةِ، وَذَلِكَ أَنْ يَسْأَلَ الْمُبْتَاعُ الْبَائِعَ أَنْ يُقِيلَهُ فَيَقُولُ الْبَائِعُ أُقِيلُك عَلَى أَنَّك إنْ أَرَدْت بَيْعَهُ فَأَنَا أَوْلَى بِهِ بِالثَّمَنِ فَيُقِيلُهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يَبِيعُهُ الْمُبْتَاعُ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُقِيلَ أَحَقُّ بِالثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهُ بِهِ الْمُقَالُ وَلَا تُفْسَخُ الْأُولَى وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِقَالَةَ بَابٌ مِنْ الْمَعْرُوفِ يُخَالِفُ الْبَيْعَ الَّذِي هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُكَايَسَةِ وَالْمُغَابَنَةِ وَلَوْ شَرَطَ إذَا أَقَالَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ بِهِ انْتِقَالَ الْبَيْعِ فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَطَالَ فَبَيْعُ الْمُسْتَقْبَلِ نَافِذٌ كَاَلَّذِي سَأَلَ زَوْجَتَهُ وَضْعَ صَدَاقِهَا فَقَالَتْ أَخَافُ الطَّلَاقَ فَقَالَ لَا أَفْعَلُ فَوَضَعْته، ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَإِنْ كَانَ بِقُرْبِ ذَلِكَ فَلَهَا الرُّجُوعُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ بِمَا لَا يُتَّهَمُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ خَدَعَهَا فَلَا رُجُوعَ لَهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَجْهُ هَذَا عِنْدِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ الْإِقَالَةَ فَسْخٌ وَلَيْسَتْ بِعَقْدِ بَيْعٍ، وَلِذَلِكَ احْتَجَّ عَلَيْهَا بِالطَّلَاقِ الَّذِي لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إزَالَةُ مِلْكٍ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مَا لَا يَصِحُّ مِنْ الشُّرُوطِ وَعَلَى قَوْلِنَا بِأَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ يُفْسِدُهَا مَا يُفْسِدُ الْبُيُوعَ وَيُصَحِّحُهَا مَا يُصَحِّحُ الْبُيُوعَ وَعَلَى حَسَبِ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ يَجِبُ أَنْ لَا تَصِحَّ الْإِقَالَةُ
стр. 1245
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَا يَطَأُ الرَّجُلُ وَلِيدَةً إلَّا وَلِيدَةً إنْ شَاءَ بَاعَهَا، وَإِنْ شَاءَ وَهَبَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ صَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ)
ــ
[المنتقى]
وَيُفْسِدُهَا هَذَا الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْمُقَالَ مِنْ صِحَّةِ مِلْكٍ انْتَقِلْ إلَيْهِ بِالْإِقَالَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا ضُرِبَ إلَى ذَلِكَ أَجَلٌ أَوْ نَقَدَ الثَّمَنَ فَقَالَ إنْ جِئْتنِي إلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لَك رُدَّ عَلَيْك فَهَذَا أَيْضًا لَا يَجُوزُ وَيَدْخُلُهُ مَا يَدْخُلُ غَيْرَ الْمُؤَجَّلِ مِنْ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ، فَإِنْ نَقَدَهُ الثَّمَنَ فَقَالَ إنْ لَمْ تَأْتِ بِهِ إلَى وَقْتِ كَذَا وَكَذَا فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ فَجَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْبَائِعُ ثَبَتَ الْبَيْعُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَارَ الْبَيْعُ جَائِزًا، وَقَدْ كَانَ حَرَامًا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَكَذَا إذَا رَضِيَ الْمُشْتَرِي، وَقَدْ فَسَخْنَا الْأَوَّلَ وَلَعَلَّهُ رَآهُ مِنْ بَيْعِ الشُّرُوطِ الَّتِي إنْ تَرَكَ الشَّرْطَ مُشْتَرِطُهُ مَضَى الْبَيْعُ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَدْ كَانَ الْبَيْعُ حَرَامًا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ نَقْدَهُ ثَمَنًا عَلَى أَنَّهُ إنْ رَدَّ الْمَبِيعَ كَانَ سَلَفًا، وَإِنْ أَمْضَاهُ كَانَ بَيْعًا، ثُمَّ تَأَوَّلَ ابْنُ الْمَوَّازِ إجَازَتَهُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَاحْتَمَلَ عِنْدَهُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّرْطُ يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ مِنْ شَرْطِهِ لِيَصِحَّ الْعَقْدُ كَالسَّلَفِ وَالْبَيْعِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِأَنْ لَا يُغَابَ عَلَى الثَّمَنِ حَتَّى يَسْقُطَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا قَدْ فَسَخَا الْعَقْدَ الْأَوَّلَ وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ تَطَوَّعَ الْمُبْتَاعُ بَعْدَ كَمَالِ الْعَقْدِ وَمِلْكِهِ لِلْمَبِيعِ فَقَالَ أَصْبَغُ إذَا سَلِمَا مِنْ مُدَاهَنَةٍ أَوْ مُوَاعَدَةٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ ضَرَبَا لِذَلِكَ أَجَلًا أَوْ لَمْ يَضْرِبَاهُ إلَّا فِي الْإِمَاءِ لِمَا يُحْذَرُ فِيهِ مِنْ إعَارَةِ الْفَرْجِ، فَإِنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ أَوْ ضَرَبَ لَهُ أَجَلًا بَعِيدًا لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَلْزَمْ هَذَا الشَّرْطُ إلَّا أَنْ يُدْرَكَ ذَلِكَ الْمَشْرُوطُ بِحَرَارَةِ الْأَمْرِ لَعَلَّهُ يُرِيدُ عِنْدَ قَوْلِهِ ذَلِكَ وَقَبْلَ أَنْ يَغِيبَ عَلَيْهَا وَيُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا، فَإِنْ ضَرَبَا لِذَلِكَ أَجَلًا أَقْرَبَ مِنْ مُدَّةِ خُرُوجِهَا مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ فَذَلِكَ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَلِمَ مِمَّا خِفْنَاهُ وَيَجِبُ أَنْ يَلْحَقَ بِذَلِكَ مَنْ لَا يَجُوزُ لِلْمُبْتَاعِ وَطْؤُهُ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ مِنْ الْإِمَاءِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو فِيمَا تَطَوَّعَ فِيهِ بِالثُّنْيَا مِنْ أَنْ يَضْرِبَ لَهُ أَجَلًا أَوْ لَا يَضْرِبَ لَهُ أَجَلًا، فَإِنْ ضَرَبَ لَهُ أَجَلًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ شَيْئًا يَقْطَعُ بِهِ ذَلِكَ إلَى مُنْتَهَى الْأَجَلِ، وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ لِذَلِكَ أَجَلًا فَلِمَنْ جُعِلَ لَهُ ذَلِكَ الْقِيَامُ بِالثُّنْيَا مَتَى كَانَتْ فِي مِلْكِ الَّذِي جَعَلَهَا لَهُ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ سَقَطَ ذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الثُّنْيَا إنَّمَا هِيَ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَالْإِطْلَاقُ فِي ذَلِكَ لَا يَتَعَذَّرُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمْنَعَ الْمَالِكُ مِنْ التَّصَرُّفِ التَّامِّ فَإِذَا أَلْقَاهُ عِنْدَهُ كَانَ لَهُ ثُنْيَا، وَإِنْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إبْطَالُ تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِالْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَسُؤَالُ ابْنِ مَسْعُودٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ عَنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالِاجْتِهَادِ يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ إحْدَاهَا أَنْ يَكُونَ خَفِيَ عَلَيْهِ حُكْمُهَا وَأَرَادَ أَنْ يُقَلِّدَهُ فِيهَا عَلَى رَأْيِ مَنْ رَأَى أَنَّ لِلْعَالِمِ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ وَجْهًا حَتَّى يَعْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حُكْمَهُمَا بِالدَّلِيلِ الَّذِي يُرْشِدُهُ إلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِحُكْمِهَا لِيَعْلَمَ مُوَافَقَتَهُ لَهُ فِيهَا أَوْ مُخَالَفَتَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ لَا تَقْرَبْهَا وَفِيهَا شَرْطٌ لِأَحَدٍ قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ فِي الْمَبْسُوطِ مَعْنَى ذَلِكَ لَا تَبْتَعْهَا وَفِيهَا شَرْطٌ لِأَحَدٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ لَا تَشْتَرِهَا بِهَذَا الشَّرْطِ، وَهَذَا يَقْتَضِي مَنْعَهُ مِنْ هَذَا الِابْتِيَاعِ لِفَسَادِهِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ بِهِ لَا تَقْرَبْهَا فِي الْوَطْءِ مَعَ بَقَاءِ هَذَا الشَّرْطِ فِيهَا وَيَكُونُ حُكْمُ الْعَقْدِ فِي الْفَسَادِ وَالصِّحَّةِ مَسْكُوتًا عَنْهُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ لَا يَطَأُ الرَّجُلُ وَلِيدَةً إلَّا وَلِيدَةً إنْ شَاءَ بَاعَهَا، وَإِنْ شَاءَ وَهَبَهَا: مَنْعٌ مِنْ وَطِئَهَا إلَّا مَعَ هَذِهِ الشُّرُوطِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ بَيْعٍ لَا يُشْبِهُ هَذِهِ الشُّرُوطَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ يُبِيحُ الْوَطْءَ إنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ بِحُرْمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يُبَحْ ذَلِكَ بِوَجْهٍ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا تَامًّا، وَوَجْهُ فَسَادِ الْعَقْدِ أَنَّ مَا يَشْتَرِطُ
стр. 1246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَقَعُ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ مِلْكِ الْمُبْتَاعِ لِلْمُبْتَاعِ كَبَيْعِ الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ، وَاشْتِرَاطُ الْوَلَاءِ قَبْلَ هَذَا الشَّرْطِ لَا يَثْبُتُ وَلَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَلِمَ فِيهِ الْمِلْكُ مِنْ حَقِّ الْبَائِعِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فَسَادًا فِي الْبَيْعِ وَشَرَطَ عَلَيْهِ مَا لَا يَمْلِكُهُ الْمُبْتَاعُ فَلَا يَثْبُتُ الشَّرْطُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالثَّانِي أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ مَا يَقَعُ فِي مُدَّةِ مِلْكِ الْمُبْتَاعِ لِلْمَبِيعِ، وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ فِي الْمَبِيعِ مَنْفَعَةً لِنَفْسِهِ وَالثَّانِي أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُبْتَاعِ إيقَاعَ مَعْنًى فِي الْمَبِيعِ وَالثَّالِثُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ مَنْعًا مِنْ تَصَرُّفٍ عَامٍّ أَوْ خَاصٍّ، فَأَمَّا إذَا اشْتَرَطَ مَنْفَعَةً فِي الْمَبِيعِ فَمِثْلُ أَنْ يَبِيعَ دَارًا وَيَشْتَرِطَ سُكْنَاهَا أَوْ دَابَّةً وَيَشْتَرِطَ رُكُوبَهَا أَوْ غُلَامًا وَيَشْتَرِطَ خِدْمَتَهُ أَوْ ثَوْبًا وَيَشْتَرِطَ لُبْسَهُ وَسَيَأْتِي ذِكْرَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ إيقَاعَ مَعْنًى فِي الْمَبِيعِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَ إيقَاعَ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبِرِّ، وَالثَّانِي أَنْ يَشْتَرِطَ مَا لَيْسَ بِرًّا، فَأَمَّا الْأَوَّلُ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ فِي الْعَبْدِ الْعِتْقَ أَوْ التَّدْبِيرَ أَوْ فِي الْأَمَةِ الِاسْتِيلَادَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَتَعَجَّلُ مَقْصُودُهُ كَالْعِتْقِ الْمُعَجَّلِ، وَالْقَسَمُ الثَّانِي أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ مَا يَتَأَجَّلُ مَقْصُودُهُ كَالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْعِتْقِ الْمُؤَجَّلِ وَالْكِتَابَةِ، فَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْعِتْقِ الْمُعَجَّلِ وَمَا يَتَعَجَّلُ مَقْصُودُهُ بِأَثَرِ الْعَقْدِ فَهُوَ جَائِزٌ لِبُعْدِهِ عَنْ الْغَرَرِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرَّقِيقِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ يَجِبُ بِهِ الْعِتْقُ فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّةَ الْبَيْعِ كَبَيْعِ الْآبِقِ مِنْ أَبِيهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ الْمُبْتَاعُ التَّمَسُّكَ بِالْعَبْدِ وَامْتَنَعَ مِنْ إنْفَاذِ الْعِتْقِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَشْهَبُ يُجْبَرُ عَلَى الْعِتْقِ، وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمُزَنِيَّة وَزَادَ وَلَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِقَوْلِ الْبَائِعِ فِي هَذَا وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ اشْتَرَاهُ عَلَى إيجَابِ الْعِتْقِ فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ مِنْ غَيْرِ إيجَابِ عِتْقٍ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى عِتْقِهِ وَجْهُ مَا قَالَهُ أَشْهَبُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَهَذَا قَدْ عُوقِدَ عَلَى الْعِتْقِ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَفِيَ بِهِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا شَرْطٌ جَائِزٌ اشْتَرَطَهُ الْبَائِعُ فِي الْمَبِيعِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمُبْتَاعِ نَقْضُهُ كَمَا لَوْ شَرَطَ فِيهِ اسْتِخْدَامَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعِتْقَ لَيْسَ بِحَقٍّ لِلْبَائِعِ فَلَيْسَ لَهُ الْخِيَارُ عَلَى ابْتِدَاءِ إيقَاعِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ.
(فَرْعٌ) وَالْإِيجَابُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يَقُولَ إنْ اشْتَرَيْته مِنْك فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا شَرَطَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ عِتْقَهُ بَعْدَ كَمَالِ مِلْكِهِ فَلَيْسَ بِإِيجَابٍ، فَإِذَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ شَحَّ الْبَائِعُ فَوَجَدَ الْعَبْدَ لَمْ يَفُتْ كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُمْضِيَهُ لِلْمُبْتَاعِ دُونَ شَرْطٍ وَبَيْنَ أَنْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ لَيْسَ لِلْبَائِعِ تَرْكُ الْعِتْقِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَاتَ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِمَا وَضَعَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ بِسَبَبِ الشَّرْطِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى هَذَا عِنْدِي أَنْ يُقَوَّمَ بِهَذَا الشَّرْطِ وَيُقَوَّمَ دُونَهُ، وَيُرْجَعُ مِنْ الثَّمَنِ بِمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ وَبِمَا ذَكَرَ يَفُوتُ هَذَا الْعَبْدُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تُفِيتُهُ حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ بِمَا زَادَ، وَقَالَ أَصْبَغُ لَا تُفِيتُهُ حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ وَلَا التَّغَيُّرُ الْيَسِيرُ فِي الْبَدَنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا يَتَأَجَّلُ مَقْصُودُهُ كَالتَّدْبِيرِ وَالْوَصِيَّةِ بِعِتْقِهِ أَوْ الْكِتَابَةِ فَإِنَّ الشَّرْطَ يَبْطُلُ وَيَبْطُلُ الْعَقْدُ مَا لَمْ يَفُتْ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَجَّلَ الْمَقْصُودَ مِنْ الْمُسْتَثْنَى فِي الْعَبْدِ إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ الْبَيْعُ كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ يَوْمًا بَعْدَ عَامٍ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا إنْ شَرَطَ عَلَى الْمُبْتَاعِ إيقَاعَ مَا لَيْسَ بِبِرٍّ مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ بَيْعَهَا أَوْ الْخُرُوجَ بِهَا إلَى بَلَدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الْمَنْعَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَهَا أَوْ لَا يَهَبَهَا وَلَا يَتَصَدَّقَ بِهَا وَلَا يَشْتَرِيَ أَوْ لَا يُسْتَخْدَمَ خِدْمَةً مُعَيَّنَةً فَهَذَا كُلُّهُ لَا يَجُوزُ، فَإِنْ وَقَعَ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ يَبْطُلُ
стр. 1247
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَطَأَهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَلَا أَنْ يَهَبَهَا، فَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ مِنْهَا ذَلِكَ فَلَمْ يَمْلِكْهَا مِلْكًا تَامًّا؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَثْنَى عَلَيْهِ فِيهَا مَا مِلْكُهُ بِيَدِ غَيْرِهِ فَإِذَا دَخَلَ هَذَا الشَّرْطُ لَمْ يَصْلُحْ وَكَانَ بَيْعًا مَكْرُوهًا) .
ــ
[المنتقى]
الْبَيْعُ إلَّا أَنْ يَتْرُكَ الْمُشْتَرِطُ مَا شَرَطَ، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ لَهُ إسْقَاطُ الشَّرْطِ وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ مَا لَمْ يَفُتْ، وَرَوَى دَاوُد بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُزَنِيَّة لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ السِّلَعِ لِمَا يَحْدُثُ فِي ذَلِكَ مِنْ الدَّيْنِ وَالْحَاجَةُ تَنْزِلُ بِالْمُبْتَاعِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ فَلِذَلِكَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ لَا يَطَأُ الرَّجُلُ وَلِيدَةً إلَّا وَلِيدَةً إنْ شَاءَ بَاعَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ وَهَبَهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِذَلِكَ كُلِّهِ فَمِلْكُهُ عَلَيْهَا غَيْرُ صَحِيحٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ إلَّا أَنَّهُ إذَا لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ فِيهَا بِالْفَوَاتِ جَازَ لَهُ وَطْؤُهَا حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ مِلْكُهُ عَلَيْهَا، فَإِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ أَنْ تَفُوتَ عِنْدَهُ وَيَصِحُّ مِلْكُهُ عَلَيْهَا كَانَ ذَلِكَ فَوْتًا لِلْبَيْعِ الْفَاسِدِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ ابْتَاعَ جَارِيَةً فَقَالَ لَهُ أَبُو الْجَارِيَةِ ابْتَعْهَا وَأَنَا أُعِينُك فِي ثَمَنِهَا بِكَذَا وَكَذَا دِينَارًا عَلَى أَنْ تَحْبِسَهَا وَلَا تَبِيعَهَا فَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْ أَبِيهَا، ثُمَّ ابْتَاعَهَا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَإِنَّ الْبَيْعَ قَدْ سَلِمَ مِمَّا يُكْرَهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا رَدَّ عَلَى أَبِيهَا مَا أَخَذَ مِنْهُ قَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمُزَنِيَّة وَرَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِم.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَطَأَهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَلَا أَنْ يَهَبَهَا، فَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ مِنْهَا ذَلِكَ فَلَمْ يَمْلِكْهَا مِلْكًا تَامًّا؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَثْنَى عَلَيْهِ فِيهَا مَا مِلْكُهُ بِيَدِ غَيْرِهِ فَإِذَا دَخَلَ هَذَا الشَّرْطُ لَمْ يَصْلُحْ وَكَانَ بَيْعًا مَكْرُوهًا) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ ابْتَاعَ جَارِيَةً عَلَى شَرْطٍ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَإِنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَتِمَّ فِيهَا وَالْبَيْعُ مُقْتَضَاهُ الْمِلْكُ التَّامُّ، فَإِذَا شَرَطَ عَلَيْهِ فِيهِ مَا يَمْنَعُهُ صِحَّةَ الْمِلْكِ وَجَبَ أَنْ يُفْسِدَهُ كَاشْتِرَاطِ عَدَمِ التَّسْلِيمِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْعِتْقُ فَإِنَّ الْعِتْقَ إذَا كَانَ مُعَجَّلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ الْوَطْءُ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا لَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهَا جُمْلَةً، وَأَمَّا إنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَ وَلَا يُعْتِقَ حَتَّى يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ فَقَدْ رَوَى دَاوُد عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُزَنِيَّة أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْعَبْدِ وَالْوَلِيدَةِ وَسَائِرِ السِّلَعِ وَلَهُ أَنْ يَرْتَهِنَ الْغُلَامَ أَوْ السِّلْعَةَ وَيَحُوزَهَا بِمَا يُحَازُ بِهِ الْمَرْهُونُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ جَوَازَ ذَلِكَ فِي السِّلَعِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ، وَهَذَا فِي مِثْلِ الْأَجَلِ الْقَصِيرِ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ اسْتِحْسَانٌ أَيْضًا، وَأَمَّا مَا طَالَ أَوْ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ وَالْوَلِيدَةِ وَسَائِرِ السِّلَعِ إذَا كَانَ الثَّمَنُ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا اشْتَرَطَ فِي شَيْءٍ مِنْ السِّلَعِ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ فَلَا خَيْرَ فِي هَذَا الْبَيْعِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ لَهَا حُكْمَ الرَّهْنِ إذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَرْتَهِنَ غَيْرَ الْمَبِيعِ جَازَ أَنْ يَرْتَهِنَ الْمَبِيعَ مَعَ أَنَّ الْمُبْتَاعَ قَادِرٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهَا بِأَنْ يُقْضَى الثَّمَنُ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ فَجَازَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَمْنَعَ الْمُبْتَاعَ مِنْ الْمَبِيعِ حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ كَبَيْعِ النَّقْدِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ شَرْطٌ يَمْنَعُ الْمُبْتَاعَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ الْمُدَّةَ الْبَعِيدَةَ الَّتِي لَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ اشْتِرَاطُ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ صِحَّةَ الْبَيْعِ كَمَا لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ بَعْدَ الِانْتِفَاءِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ فَقَدْ رَوَى دَاوُد بْنُ دِينَارٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لِلْمَبِيعِ حُكْمَ الرَّهْنِ وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَرْتَهِنَ الْغُلَامَ أَوْ السِّلْعَةَ وَيَحُوزَهَا بِمَا يُحَازُ بِهِ الْمَرْهُونُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ سَفِينَةٍ يُفْسَخُ الْبَيْعُ مَا لَمْ يَفُتْ، فَإِنْ فَاتَ مَضَى الْبَيْعُ وَلَمْ يُرَدَّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ لَا يُفِيتُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الشَّرْطَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ إلَّا أَنَّهُ إنْ أَوْقَعَهُ فَاتَ بِهِ الْبَيْعُ كَوَطْءِ الْأَمَةِ.
стр. 1248
النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ وَلِيدَةً وَلَهَا زَوْجٌ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَهْدَى لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ جَارِيَةً وَلَهَا زَوْجٌ ابْتَاعَهَا بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ عُثْمَانُ لَا أَقْرَبُهَا حَتَّى يُفَارِقَهَا زَوْجُهَا فَأَرْضَى ابْنُ عُمَرَ زَوْجَهَا فَفَارَقَهَا)
ــ
[المنتقى]
[النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ وَلِيدَةً وَلَهَا زَوْجٌ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ لَا أَقْرَبُهَا حَتَّى يُفَارِقَهَا زَوْجُهَا يُرِيدُ أَنَّ اسْتِبَاحَةَ الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ مُقَدَّمٌ عَلَى اسْتِبَاحَتِهِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مَقْصُودُ النِّكَاحِ وَمُقْتَضَاهُ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَى مَنْ لَا يُسْتَبَاحُ وَطْؤُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ مِلْكُ الْيَمِينِ فَإِنَّ الْوَطْءَ مَقْصُودُهُ، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَلِذَلِكَ مَنْ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ لَهَا زَوْجٌ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ مَلَكَ بِاسْتِبَاحَةِ بُضْعِهَا فَحَرُمَتْ عَلَى السَّيِّدِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ابْتَاعَهَا بِالْبَصْرَةِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنَّمَا ابْتَاعَهَا ذَاتَ زَوْجٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ذَاتَ زَوْجٍ حِينَ الْهَدِيَّةِ وَأَنَّهَا حِينَ الْبَيْعِ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ غَيْرَ أَنَّ اللَّفْظَ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَظْهَرُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ إلَّا مَا يَرْوُونَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَرْضَى ابْنُ عُمَرَ زَوْجَهَا فَفَارَقَهَا يَقْتَضِي أَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ فَسْخَ نِكَاحِهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ مَلَكَ بُضْعَهَا وَسَوَاءٌ كَانَ السَّيِّدُ هُوَ الْعَاقِدَ أَوْ غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ بِمُفَارَقَةِ الزَّوْجِ لَهَا أَنْ يَسْتَبِيحَهَا عُثْمَانُ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ مُفَارَقَةِ الزَّوْجِ لَهَا وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْهُ فَأَرْضَاهُ بِمَالٍ أَعْطَاهُ إيَّاهُ أَوْ غَيْرَهُ عَلَى أَنْ فَارَقَهَا؛ لِأَنَّ عِصْمَةَ الزَّوْجِ لَا تَزُولُ عَنْهَا إلَّا بِوَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا كُلَّ نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْعِدَّةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ إلَّا أَنَّنَا نَذْكُرُ مِنْهُ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِبْرَاءِ الَّذِي يُبِيحُهَا لِلسَّيِّدِ، وَذَلِكَ أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ فِي وَفَاةِ زَوْجِهَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ تَتَخَلَّلُهَا حَيْضَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ السَّيِّدِ الْمُبْتَاعِ لَهَا مِنْ أَوَّلِ الْعِدَّةِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ مِنْ اسْتِبْرَائِهَا، وَإِنْ اشْتَرَاهَا فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ فَاسْتِبْرَاؤُهَا أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ الْحَيْضَةُ أَوْ انْقِضَاءُ الْأَيَّامِ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَكَانَتْ بَرَاءَتُهَا فِي حَقِّهِ الْحَيْضُ أَوْ بَدَلُهُ لِمَنْ تَأَخَّرَ حَيْضُهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ لِمَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ أَوْ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي ذَلِكَ وَيُعْتَدُّ بِهِمَا مِنْ يَوْمِ الشِّرَاءِ وَيَدْخُلُ فِيهِمَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الطَّلَاقُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بَاعَهَا غَيْرُ زَوْجِهَا أَوْ يَكُونَ بَاعَهَا زَوْجُهَا، فَإِنْ كَانَ بَاعَهَا غَيْرُ زَوْجِهَا، وَقَدْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ، فَإِنْ كَانَتْ بَقِيَتْ جَمِيعُ عِدَّتِهَا وَهِيَ حَيْضَتَانِ فَلَا يَسْتَبِيحُهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا حَتَّى تَحِيضُهُمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّ الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَتْ بَقِيَتْ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ اسْتَبَاحَهَا السَّيِّدُ بِوُجُودِهَا؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَمَامُ عِدَّةِ الزَّوْجِ وَاسْتِبْرَاءُ الْمُشْتَرِي.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الزَّوْجُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ أَصَابَهَا بِمِلْكِ النِّكَاحِ أَوَّلًا أَوْ لَمْ يُصِبْهَا، فَإِنْ كَانَ أَصَابَهَا بِمِلْكِ النِّكَاحِ ثُمَّ اسْتَبْرَأَهَا ثُمَّ بَاعَهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَالْعِدَّةُ فِيهَا مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ بِعَقْدِ الشِّرَاءِ وَكَمْ عِدَّتُهَا؟ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ عِدَّتَهَا حَيْضَتَانِ وَرُوِيَ عَنْهُ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمِلْكِ يُؤَثِّرُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْإِصَابَةِ، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيهِ وَيُزِيلُ حُكْمُهُ الْإِصَابَةَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا إنَّ عِدَّتَهَا حَيْضَتَانِ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْ الزَّوْجِ اشْتَرَاهَا قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ الْحَيْضَتَيْنِ أَوْ بَعْدَ مَا حَاضَتْ إحْدَاهُمَا فَفِي الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ مَا يَنْقَضِي بِهِ اسْتِبْرَاؤُهُ لَهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَصَابَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، ثُمَّ بَاعَهَا فَقَدْ بَطَلَ حُكْمُ النِّكَاحِ وَصَارَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْإِمَاءِ الِاسْتِبْرَاءُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا وَضْعُ الْحَمْلِ فَإِنَّهُ يَكْمُلُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ
стр. 1249
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ابْتَاعَ وَلِيدَةً فَوَجَدَهَا ذَاتَ زَوْجٍ فَرَدَّهَا) .
مَا جَاءَ فِي ثَمَرِ الْمَالِ يُبَاعُ أَصْلُهُ
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ» )
ــ
[المنتقى]
وَالطَّلَاقُ لَا يَتَرَقَّبُ شَيْءٌ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ بِالْحَيْضِ وَالشُّهُورِ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ تَوَقُّعِ الْحَمْلِ فَإِذَا ظَهَرَ الْحَمْلُ فَلَا بَرَاءَةَ إلَّا بِوَضْعِهِ فَإِذَا وَضَعَتْهُ لَمْ يُتَوَقَّعْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تُيُقِّنَ بِوَضْعِهِ الْبَرَاءَةُ مِنْ غَيْرِهِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ابْتَاعَ وَلِيدَةً فَوَجَدَهَا ذَاتَ زَوْجٍ فَرَدَّهَا) .
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ وَجَدَ الْأَمَةَ ذَاتَ زَوْجٍ فَرَدَّهَا يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ فِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَإِدْخَالُ مَالِكٍ ﵀ هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ بِمَعْنَى أَنَّ الزَّوْجَ يَمْنَعُ السَّيِّدَ مِنْ الْوَطْءِ وَهُوَ مِنْ بَعْضِ الْعُيُوبِ الَّتِي يُؤَثِّرُ فِيهَا الزَّوْجُ.
[مَا جَاءَ فِي ثَمَرِ الْمَالِ يُبَاعُ أَصْلُهُ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ التَّأْبِيرُ فِي النَّخْلِ هُوَ التَّلْقِيحُ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ أَبَّرْتُ النَّخْلَ أُؤَبِّرُهَا أَبْرًا وَأَبَّرْتُهَا لَقَّحْتهَا وَقَالَ الْخَلِيلُ الْأَبْرُ لِقَاحُ النَّخْلِ يُقَالُ أَبَّرَهَا أَبْرًا إذَا لَقَّحَهَا وَالتَّلْقِيحُ أَنْ يُؤْخَذَ طَلْعُ ذَكَرِ النَّخْلِ فَيُعَلَّقَ بَيْنَ طَلْعِ الْإِنَاثِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ التَّأْبِيرُ أَنْ يَشُقَّ الطَّلْعَ عَنْ الثَّمَرَةِ وَقَالَ مَالِكٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] فَإِذَا تَمَّ اللِّقَاحُ فَسَقَطَ مَا سَقَطَ وَثَبَتَ مَا ثَبَتَ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ بِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ وَالتَّأْبِيرُ عَلَى هَذَا إصْلَاحُهَا لِلِّقَاحِ فَإِذَا لُقِّحَتْ وَانْعَقَدَ النَّوْرُ فِيهَا فِيمَا يُنَوَّرُ فَقَدْ تَمَّ اللِّقَاحُ وَثَبَتَ حُكْمُ التَّأْبِيرِ وَإِذَا اُشْتُقَّ طَلْعٌ قَبْلَ إبَانَةٍ فَتَأَخَّرَ تَأْبِيرُهُ وَقَدْ أُبِّرَ عِنْدَهُ مِمَّنْ حَالُهُ مِثْلُ حَالِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا أُبِّرَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَا عَدَا النَّخْلَ مِنْ سَائِرِ الْأَشْجَارِ فَالتَّأْبِيرُ فِيهِ مَا قَدَّمْنَا ذَكَرَهُ وَفِي التِّينِ وَمَا لَا زَمَنَ لَهُ أَنْ تَبْرُزَ جَمِيعُ الثَّمَرَةِ عَنْ مَوْضِعِهَا ظَاهِرَةً وَتَتَمَيَّزَ عَنْ أَصْلِهَا فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ التَّأْبِيرِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَظْهَرُ وَيَتَبَيَّنُ حَالُهُ وَكَثْرَتُهُ وَقِلَّتُهُ وَالتَّأْبِيرُ فِي النَّخْلِ الَّتِي لَا تُؤَبَّرُ أَنْ تَبْلُغَ مَبْلَغَ الْإِبَارِ فِي غَيْرِهَا، وَأَمَّا الزَّرْعُ فَإِبَارُهُ أَنْ يُفْرَكَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَنَّ إبَارَهُ ظُهُورُهُ مِنْ الْأَرْضِ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الثَّمَرَ هُوَ الْحَبُّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إبَارُهَا بِذَهَابِ زَهْرِهَا وَانْعِقَادِ حَبِّهَا وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْأَرْضُ وَاَلَّذِي يَنْفَصِلُ مِنْهُ هُوَ الزَّرْعُ فَوَجَبَ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ فِي الْبَيْعِ بِالظُّهُورِ كَالثَّمَرَةِ مَعَ الشَّجَرِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ» يُرِيدُ أَنَّهَا بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ تَكُونُ لِلْبَائِعِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى هِيَ لِلْمُشْتَرِي وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ ﷺ «فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ» وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ مُتَمَيِّزٌ فَلَمْ يُتَّبَعْ الْأَصْلُ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ كَالْجَنِينِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا لِلْبَائِعِ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إجْبَارُهُ عَلَى نَقْلِ ثَمَرَتِهِ قَبْلَ أَوَانِ جِذَاذِهَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا اسْتِحْقَاقٌ يُجَدَّدُ عَلَى أَرْضٍ فِيهَا زَرْعٌ لِلْمُسْتَحِقِّ عَلَيْهِ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى نَقْلِهِ قَبْلَ أَوَانِهِ كَالشُّفْعَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَبَّرَ بَعْضَهُ دُونَ بَعْضٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَا مُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَهُمَا فَإِنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مَا أُبِّرَ لِلْبَائِعِ وَمَا لَمْ يُؤَبَّرْ لِلْمُبْتَاعِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ مَا أُبِّرَ تَبَعُ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ وَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُبْتَاعِ وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُقَالُ لِلْبَائِعِ إمَّا أَنْ تُسَلِّمَ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ وَإِلَّا فُسِخَ الْبَيْعُ وَإِنْ رَضِيَ الْمُبْتَاعُ بِالنِّصْفِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ النَّخْلَ مِمَّا يُمْكِنُ تَبْعِيضُهُ وَنَمَاءُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مُتَمَيِّزٌ وَقَدْ تَسَاوَيَا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ فَكَانَ لِكُلِّ قِسْمٍ حُكْمُ نَفْسِهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي إنْ كَانَ قَالَهُ فِي الْمُتَمَيِّزِ أَنَّ فَضْلَ الثَّمَرَةِ وَمَعْرِفَةَ تَسَاوِيهِمَا أَمْرٌ يَبْعُدُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ تَبَعًا لِمَا لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا أَبَّرَ بَعْضَ
стр. 1250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
النَّخْلِ وَبَقِيَ بَعْضُهَا لَمْ يُؤَبَّرْ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ النَّخْلُ فِي حِينِ تَأْبِيرِهَا وَكَانَ بَعْضُ ثَمَرَتِهَا قَدْ كَمُلَ ذَلِكَ فِيهَا وَبَعْضُهَا لَمْ يَكْمُلْ وَكَانَ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ قَدْ ظَهَرَ بَعْضُ الثَّمَرَةِ وَبَعْضُهَا لَمْ يَظْهَرْ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الثَّمَرَةَ الْمُبْتَاعُ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يَنْقُلُ حُكْمَ الثَّمَرَةِ فِي جَوَازِ فَصْلِهَا عَنْ الْأَصْلِ بِالْبَيْعِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ظُهُورُ بَعْضِهِ كَظُهُورِ جَمِيعِهِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ أَصْلُهُ الْإِزْهَاءُ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِمَا لَمْ يُؤَبَّرْ حُكْمٌ يُخَالِفُ حُكْمَ مَا أُبِّرَ وَكَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ لَمْ يَجُزْ فِي ذَلِكَ مُطْلَقُ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ حَقُّ الْمُبْتَاعِ مِنْ حَقِّ الْبَائِعِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ نَصِيبَ الْمُبْتَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْبَائِعُ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ نَصِيبَ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَكْثَرَ فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ الْقَلِيلَ تَبَعٌ لِلْكَثِيرِ وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّسَاوِي.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ» يُرِيدُ فَلَا يَكُونُ حِينَئِذٍ لِلْمُبْتَاعِ بِمُقْتَضَى الشَّرْطِ وَلَا نَعْلَمُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ خِلَافًا إذَا ابْتَاعَهَا بِغَيْرِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَإِنْ ابْتَاعَهَا بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ أُبِّرَتْ الثَّمَرَةُ أَمْ لَمْ تُؤَبَّرْ إلَّا أَنْ يَجِدَهَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي الْمَبْسُوطِ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ أُبِّرَتْ أَمْ لَمْ تُؤَبَّرْ مَا لَمْ يَبْتَدِئْ صَلَاحَهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا طَعَامٌ بِطَعَامٍ غَيْرُ مُتَنَجِّزِ الْقَبْضِ وَإِنَّمَا رَاعَى فِي فَسَادِ الْعَقْدِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ لَا مَا هُوَ عَلَيْهِ حِينَ الْعَقْدِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى قَصِيلًا فَحَصَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ فِيهِ الْحَبُّ صَحَّ شِرَاؤُهُ، وَأَمَّا إنْ أَبْقَاهُ حَتَّى صَارَ حَبًّا فَسَدَ فِيهِ الْبَيْعُ وَرُوعِيَ فِيهِ الْمَآلُ وَلَوْ رُوعِيَ فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْعَقْدِ لَصَحَّ الْبَيْعُ وَلَمْ يَفْسُدْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ شِرَائِهِ إلَّا قَصِيلًا أَوْ عُشْبًا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنَّ الطَّلْعَ بِمَنْزِلَةِ جِمَارِ النَّخْلَةِ مَا لَمْ تُؤَبَّرْ فَإِذَا أُبِّرَتْ فَدَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ابْتِيَاعِهَا بِطَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ اشْتَرَطَ مِنْ الثَّمَرَةِ الْمَأْبُورَةِ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ النَّخْلِ مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ جَمِيعَ النَّخْلِ وَيَشْتَرِطَ نِصْفَ ثَمَرَتِهَا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الثَّمَرَةِ وَلَا فِي مَالِ الْعَبْدِ وَحِلْيَةِ السَّيْفِ وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ أَشْهَبَ جَوَازَهُ فِي ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَمَالِ الْعَبْدِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَإِذَا اسْتَثْنَى بَعْضَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الثَّمَرَةَ مَقْصُودَةٌ بِالْعَقْدِ قَدْ لَحِقَتْهَا الْمُغَابَنَةُ وَالْمُكَايَسَةُ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ مَا جَازَ أَنْ يُشْتَرَطَ جَمِيعُهُ فِي الْعَقْدِ جَازَ أَنْ يُشْتَرَطَ بَعْضُهُ كَأَصْلٍ آخَرَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي حِينِ الْعَقْدِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُلْحِقَهُ بِالْعَقْدِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي مَالِ الْعَبْدِ وَثَمَرَةِ النَّخْلِ وَرَوَاهُ مَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا وَبِهِ قَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ دِينَارٍ وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ فِي الثَّمَرَةِ دُونَ مَالِ الْعَبْدِ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ فَأَمَّا إجَازَةُ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ الْعَقْدِ يَلْحَقُ بِالْعَقْدِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ جَائِزَةٌ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِالْعَقْدِ فَيَجِبُ أَنْ لَا تَجُوزَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَوَجْهُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَالِ الْعَبْدِ وَثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ عَلَى رَأْيِ أَشْهَبَ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ يَنْتَقِلُ بِكَمَالِ الْعَقْدِ فِيهِ دُونَ شَرْطٍ إلَى حَالِهِ لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ عَلَيْهَا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ وَالثَّمَرَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا لِلْمُبْتَاعِ مَعَ الْأَصْلِ فَلِذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يُلْحِقَهَا بِالْعَقْدِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ اشْتَرَى الْأَصْلَ وَالثَّمَرَةَ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْأَصْلُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي زَرْعٍ فَاسْتُحِقَّتْ الْأَرْضُ فُسِخَ الْبَيْعُ مَا لَمْ يُسْتَحْصَدْ الزَّرْعُ وَلَوْ اُسْتُحْصِدَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ تَمَّ فِيهِ الْبَيْعُ وَهُوَ لِلْمُبْتَاعِ وَكَذَلِكَ الثَّمَرَةُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْأَجَلِ وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَمْضِ عَلَى هَذِهِ الثَّمَرَةِ وَقْتٌ وَهِيَ
стр. 1251
النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ» )
ــ
[المنتقى]
فِيهِ بِصُورَةِ مَا يَفْسُدُ فِيهِ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِصُورَةِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِاعْتِقَادِ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنَّهَا تَبَعٌ لِلْأَصْلِ الَّذِي بِيعَتْ مَعَهُ فَلَمَّا بَدَا صَلَاحُهَا كَانَتْ بِصِفَةِ مَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ فَلَمْ يَفْسُدْ مَعَهَا اسْتِحْقَاقُ الْأَصْلِ وَإِفْرَادُهَا مِنْهُ وَلَوْ اُسْتُحِقَّ الْأَصْلُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرَةِ لَفَسَدَ الْبَيْعُ فِيهَا لِانْفِرَادِهَا عَنْ الْأَصْلِ وَاسْتِحَالَةِ الْبَيْعِ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ يَتَنَاوَلُ الْأَصْلَ دُونَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَفْرَدَ الثَّمَرَةَ بِالشِّرَاءِ عَلَى الْجَدِّ ثُمَّ اشْتَرَى الْأَصْلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الثَّمَرَةَ فِي الْأَصْلِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَلَكَ الْأَصْلَ وَالثَّمَرَةَ جَمِيعًا عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ سَائِغٍ فَكَانَتْ لَهُ التَّبْقِيَةُ كَمَا لَوْ مَلَكَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَلَوْ اشْتَرَى الزَّرْعَ عَلَى الْحَصَادِ ثُمَّ اكْتَرَى الْأَصْلَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُقِرَّ الزَّرْعَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ فَلَا تَسْقُطُ الْمُخَارَصَةُ بِتَلَفِ الزَّرْعِ وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ مُنِعَ مِنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مَعَ كَثْرَةِ الْغَرَرِ وَتَكَرُّرِ الْجَوَائِحِ وَالْجَهْلِ بِصِفَةِ الْمَبِيعِ حِينَ الْقَبْضِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ اشْتَرَى الثَّمَرَةَ عَلَى التَّبْقِيَةِ ثُمَّ اشْتَرَى الْأَصْلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُبْقِيَهَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الثَّمَرَةِ وَقَعَ فَاسِدًا وَلَوْ وَرِثَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ جَازَتْ لَهُ التَّبْقِيَةُ قَالَ مَالِكٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الثَّمَرَةَ إذَا فُسِخَ الْبَيْعُ رُدَّتْ إلَيْهِ بِحَقِّ الْمِيرَاثِ.
(فَصْلٌ) :
فَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ غَيْرَ مَأْبُورَةٍ فَإِنَّهَا بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ لِلْمُبْتَاعِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هِيَ لِلْبَائِعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الثَّمَرَةَ قَبْلَ الْإِبَارِ مُسْتَكِنَّةٌ فِي الْبَيْعِ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ فَكَانَتْ تَبَعًا لِلْأَصْلِ فِي الْبَيْعِ كَالْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْبَائِعِ بِالشَّرْطِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا كَامِنٌ لِظُهُورِهِ عَامَّةً فَلَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ بِالشَّرْطِ كَالْجَنِينِ.
[النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا]
(ش) : مَعْنَاهُ حَتَّى تَزْهَى وَمَعْنَى الْإِزْهَاءِ فِي ثَمَرَةِ النَّخْلِ أَنْ تَبْدُوَ فِيهَا الْحُمْرَةُ أَوْ الصُّفْرَةُ وَهُوَ النُّضْجُ وَبُدُوُّ الصَّلَاحِ وَبِذَلِكَ يَنْجُو مِنْ الْعَاهَةِ وَذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ أَنْ تَطْلُعَ الثُّرَيَّا مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ مِنْ شَهْرِ مايه بِالْأَعْجَمِيِّ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لِثَمَرَةِ النَّخْلِ سَبْعُ دَرَجَاتٍ الطَّلْعُ ثُمَّ يَنْفَتِحُ الزَّهْرُ عَنْهُ وَيَبْيَضُّ فَيَكُونُ إغْرِيضًا ثُمَّ يَذْهَبُ عَنْهُ بَيَاضُ الْإِغْرِيضِ وَيَعْظُمُ حَبُّهُ وَتَعْلُوهُ خُضْرَةٌ ثُمَّ يَكُونُ بَلَحًا ثُمَّ تَعْلُو الْخُضْرَةَ حُمْرَةٌ فَيَكُونُ زَهْوًا ثُمَّ يَصْفَرُّ صُفْرَةً فَيَكُونُ بُسْرًا ثُمَّ تَعْلُو الصُّفْرَةَ كُدْرَةٌ وَتَنْضَجُ الثَّمَرَةُ فَتَكُونُ رُطَبًا ثُمَّ تَيْبَسُ وَتَكُونُ تَمْرًا وَبُدُوُّ صَلَاحِ التِّينِ أَنْ يَطِيبَ وَتُوجَدَ فِيهِ الْحَلَاوَةُ وَيَظْهَرَ السَّوَادُ فِي أَسْوَدِهِ وَالْبَيَاضُ فِي أَبْيَضِهِ وَكَذَلِكَ الْعِنَبُ الْأَسْوَدُ بُدُوُّ صَلَاحِهِ أَنْ يَنْحُوَ إلَى السَّوَادِ وَأَنْ يَنْحُوَ أَبْيَضُهُ إلَى الْبَيَاضِ مَعَ النُّضْجِ وَكَذَلِكَ الزَّيْتُونُ بُدُوُّ صَلَاحِهِ أَنْ يَنْحُوَ إلَى السَّوَادِ وَبُدُوُّ صَلَاحِ الْقِثَّاءِ أَنْ تَنْعَقِدَ وَتَبْلُغَ الْقِثَّاءُ مِنْهُ مَبْلَغًا يُوجَدُ لَهُ طَعْمٌ وَكَذَلِكَ الْفَقُّوسُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَأَمَّا الْبِطِّيخُ فَلَيْسَ بُدُوُّ صَلَاحِهِ إلَّا إذَا نَحَا نَاحِيَةَ الِاصْفِرَارِ وَالطِّيَابِ.
وَرُوِيَ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ أَشْهَبَ بُدُوُّ صَلَاحِ الْبِطِّيخِ أَنْ يُؤْكَلَ فَقُّوسًا قَالَ أَصْبَغُ فَقُّوسًا قَدْ تَهَيَّأَ لِلتَّبَطُّخِ، وَأَمَّا الصِّغَارُ فَلَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِيهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ مَا يُؤْكَلُ عَلَيْهِ وَيُوجَدُ فِيهِ الْغَرَضُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَوَجْهُ مَا قَالَهُ أَشْهَبُ أَنَّ هَذَا بُدُوُّ صَلَاحٍ يُؤْكَلُ عَلَيْهِ غَالِبًا فَأَشْبَهَ بُدُوَّ صَلَاحِ الْقِثَّاءِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمَوْزُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُبَاعُ إذَا بَلَغَ فِي شَجَرِهِ قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ فَإِنَّهُ لَا يَطِيبُ
стр. 1252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
حَتَّى يُنْزَعَ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَتَنَاهَى عِظَمُهُ أَوْ عِظَمُ بَعْضِهِ وَيَبْلُغَ أَوَّلُهُ مَبْلَغَهُ إذَا أُزِيلَ عَنْ أَصْلِهِ تَهَيَّأَ فِيهِ تَمَامُ النُّضْجِ فَإِنَّهُ إذَا أُزِيلَ عَنْ أَصْلِهِ قَبْلَ تَنَاهِيهِ فَسَدَ وَلَمْ يَتِمَّ نُضْجُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْجَزَرُ وَاللِّفْتُ وَالْفُجْلُ وَالثُّومُ وَالْبَصَلُ فَبُدُوُّ صَلَاحِهِ إذَا اسْتَقَلَّ وَتَمَّ وَانْتُفِعَ بِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْعِهِ فَسَادٌ وَقَصَبُ السُّكْرِ إذَا طَابَ وَهُوَ أَنْ يَكْبُرَ فَلَا يَكُونَ فَسَادًا وَالْبُرُّ إذَا يَبِسَ وَكَذَلِكَ الْفُولُ وَالْجُلْبَانُ وَالْحِمَّصُ وَالْعَدَسُ وَالْوَرْدُ وَسَائِرُ الْأَنْوَارِ أَنْ تَنْفَتِحَ كِمَامُهُ وَيَظْهَرُ نَوْرُهُ وَالْقَصِيلُ وَالْقَضْبُ وَالْقَرَطُ إذَا بَلَغَ أَنْ يَرْعَى دُونَ فَسَادٍ.
(فَصْلٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَأَنَّ نَهْيَهُ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنَّ الْغَرَرَ مَوْجُودٌ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَبَعْدَهُ وَلَكِنَّهُ لَا غَرَضَ فِي شِرَائِهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ إلَّا مُجَرَّدُ الِاسْتِرْخَاصِ لَا غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَسْلَمُ فَتَرْخُصُ عَلَيْهِ أَوْ يَتْلَفُ بَعْضُهَا إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ فَيَكُونُ غَالِيًا وَبَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ لَهُ غَرَضٌ فِي ذَلِكَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَأَكْلِهَا رَطْبَةً فَلِذَلِكَ جَازَ هَذَا وَعُفِيَ عَنْ الْغَرَرِ لِأَجْلِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ الْغَرَرَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ أَكْثَرُ وَبَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ يَقِلُّ وَيَنْدُرُ وَكَثِيرُ الْغَرَرِ يُبْطِلُ الْعُقُودَ وَيَسِيرُهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِيهَا إذْ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْمَمْنُوعُ مِنْهُ هُوَ الْبَيْعُ الْمُطْلَقِ دُونَ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا يَقَعُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يَشْتَرِطَ الْقَطْعَ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَا غَرَرَ فِي بَيْعِهِ وَلَا تَدْخُلُهُ زِيَادَةٌ وَلَا نَقْصٌ لِجَدِّهِ إيَّاهُ عَقِيبَ الْعَقْدِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَشْتَرِطَ التَّبْقِيَةَ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ فِي الْعَرِيَّةِ وَوَجْهُ مَنْعِهِ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَقِلُّ فِي ذَلِكَ وَالْغَرَرُ يَكْثُرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَقْصُودُهَا إلَّا مَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ الزِّيَادَةِ وَذَلِكَ مَجْهُولٌ وَلِأَنَّ الْجَوَائِحَ تَكْثُرُ فِيهَا فَلَا يُعْلَمُ الْبَاقِي مِنْهَا وَلَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ تَكُونُ عِنْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَأَمَّا إذَا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ فَقَدْ تَنَاهَى عِظَمُهَا وَكَثُرَ الِانْتِفَاعُ بِهَا وَقَلَّتْ الْجَائِحَةُ فِيهَا وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ إطْلَاقُ الْعَقْدِ فِيهَا فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ مَنْعُهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ جَوَازَهُ وَيَكُونُ مُقْتَضَاهُ الْجَدُّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ إطْلَاقَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي التَّبْقِيَةَ.
وَالثَّانِي أَنَّ الْبَيْعَ غَيْرُ جَائِزٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِشَرْطِ قَطْعٍ وَلَا غَيْرِهِ فَإِنْ قَالُوا هَذِهِ حُجَّتُنَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَلَحَ يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ لِلْأَكْلِ، وَالْحِصْرِمُ يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ الْحِصْرِمَ يُقْصَدُ لِلطَّبْخِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحِصْرِمَ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَابُ أَكْلُهُ الِاسْتِطَابَةَ الْمَعْهُودَةَ مِنْ الْأَكْلِ الْمَقْصُودِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا تُزْهِي قَالَ حِينَ تَحْمَرُّ» وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَكُمْ لَيْسَ هَذَا مِنْ بُدُوِّ الصَّلَاحِ أَلَا تَرَى أَنَّ سَائِرَ الْفَوَاكِهِ يَجُوزُ بَيْعُهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا وَجَوَابٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ هَذَا تَعَلُّقٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ بِهِ وَنَحْنُ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ لَا يَقُولُ بِهِ.
وَمَنْ قَالَ بِهِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِهِ مَا لَمْ يَعُدْ بِإِسْقَاطِ النُّضْجِ وَهَا هُنَا يُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِ النُّضْجِ؛ لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا إنَّ الْحِصْرِمَ يَجُوزُ بَيْعُهُ لَزِمَنَا أَنْ نَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْفَاكِهَةِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا وَلَوْ قُلْنَا ذَلِكَ لَأَبْطَلْنَا فِي سَائِرِ الْفَوَاكِهِ حُكْمَ النُّضْجِ فَإِنْ قَالُوا نَحْمِلُهُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ فَالْجَوَابُ أَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي التَّبْقِيَةَ؛ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ مِنْ حَالِ الثَّمَرَةِ إبْقَاؤُهَا عَلَى الشَّجَرَةِ إلَى أَنْ تَتَنَاهَى وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ عَلَى أَصْلِكُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِشَرْطِ
стр. 1253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
التَّبْقِيَةِ بَعْدَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا فَلَا تُوجَدُ فَائِدَةٌ لِتَخْصِيصِهِ ذَلِكَ بِمَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَإِنْ قَالُوا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا حَتَّى تَظْهَرَ الثَّمَرَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ «أَرَأَيْت إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ» وَمَا قَدْ وَجَدَ لَا يُقَالُ فِيهِ إذَا مَنَعَهُ اللَّهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا نَنْقُلُهُ عَلَيْكُمْ وَهُوَ «أَنَّهُ ﷺ قَدْ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ» وَمَا لَمْ يُوجَدْ لَا يُسَمَّى ثِمَارًا وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ فَسَّرَ هَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فَقَالَ حِينَ يَحْمَرُّ وَجَوَابٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّهُ يُقَالُ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بَعْدَ وُجُودِهَا بِمَعْنَى أَنَّهُ مَنَعَ الِانْتِفَاعَ بِهَا فَإِنْ قَالُوا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا قَالَ هَذَا عَلَى وَجْهِ النَّصِيحَةِ وَالْمَشُورَةِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ وَالْإِخْبَارِ عَنْ الشَّرْعِ.
يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ «كَانَ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا فَإِذَا جَاءَ مِنْ النَّاسِ وَقْتُ تَقَاضِيهِمْ قَالَ الْمُبْتَاعُ قَدْ أَصَابَ الثَّمَرَ الدَّمَارُ وَأَصَابَهُ فَسَادٌ وَأَصَابَهُ مِرَاضٌ عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا فَلَمَّا كَثُرَتْ خُصُومَتُهُمْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَالْمَشُورَةِ يُشِير بِهَا فَلَا تُبَايِعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ وَالْجَوَابُ أَنَّ الَّذِي رَوَى ابْنُ عُمَرَ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ فَلَا يُعْدَلُ عَنْ مُقْتَضَاهُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَأَمَّا مَا أَوْرَدَهُ فَهُوَ تَأْوِيلٌ مِنْ زَيْدٍ فَلَا يُرَدُّ بِهِ ظَاهِرُ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَارَ بِذَلِكَ أَوَّلًا ثُمَّ حَرَّمَهُ لِهَذَا الْمَعْنَى وَجَوَابٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ لَا يَصِحُّ عَلَى أَصْلِكُمْ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ إنَّمَا يَقْتَضِي عِنْدَكُمْ الْجَذَّ وَالتَّبْقِيَةَ وَفِيهِ مَحْرُمَةٌ وَهَذَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَهْيُهُ عَلَى وَجْهِ الْمَشُورَةِ وَيُوجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّحْرِيمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُخَابَرَةِ» قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ الْمُحَاقَلَةُ بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَالْمُخَابَرَةُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ ثَمَرَةٌ نَامِيَةٌ أَفْرَدَهَا بِالْبَيْعِ عَنْ أَصْلِهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ قَطْعِهَا فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهَا كَمَا لَوْ بَاعَهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يُبَاعُ الزَّرْعُ إذَا أَفْرَكَ وَلَا الْفُولُ إذَا اخْضَرَّ وَلَا الْحِمَّصُ وَالْجُلْبَانُ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ بُدُوَّ مَنْفَعَتِهِ الْمَقْصُودَةِ الْيُبْسُ وَاسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ الْمَاءِ وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ الْبَلَحُ وَعَلَى هَذَا حُكْمُ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْفُسْتُقِ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ بِيعَ الْفُولُ أَوْ الْحِنْطَةُ أَوْ الْعَدَسُ أَوْ الْحِمَّصُ عَلَى الْإِطْلَاقِ قَبْلَ يُبْسِهِ وَبَعْدَ أَنْ أَفْرَكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُفْسَخُ فِيهِ الْبَيْعُ وَيُرَدُّ وَحُكْمُهُ حُكْمُ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَفُوتُ بِالْيُبْسِ وَيَمْضِي الْبَيْعُ وَلَا يُرَدُّ وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَكْرَهُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ فَإِذَا عَمِلَ بِهِ وَفَاتَ فَلَا أَرَى أَنْ يُفْسَخَ وَتَأَوَّلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذَا عَلَى مَعْنَى تَفُوتُ بِالْقَبْضِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ إنْ نَزَلَ لَمْ أَفْسَخْهُ وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَمْضِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْدُوَ الصَّلَاحُ فِي نَخْلَةٍ مِنْهَا فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ النَّخْلَةُ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ النِّصْفِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رُوعِيَ فِي ذَلِكَ بِيعَ مَا بَدَا صَلَاحُهُ دُونَ غَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ لِتَفَاوُتِهِ وَلَلَحِقَتْهُ الْمَشَقَّةُ الْمُفْرِطَةُ فِيهِ وَلَامْتَنَعَ بَيْعُهُ إلَّا عِنْدَ انْقِضَائِهِ وَهُوَ وَقْتُ فَوْتِ بَيْعِهِ وَاسْتِغْنَاءِ الْمُشْتَرِي عَنْهُ وَكَذَلِكَ إذَا بَدَا صَلَاحُ نَوْعٍ جَازَ بَيْعُ سَائِرِ أَنْوَاعِ ذَلِكَ الْجِنْسِ مِمَّا يَقْرَبُ مِنْهُ فِي بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَإِنْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَهَذَا إذَا كَانَ طَيِّبًا مُتَتَابِعًا وَلَمْ يَكُنْ مُبَكِّرًا وَالْمُرَاعَى فِيهِ بُلُوغُ الزَّمَنِ الَّذِي تُؤْمَنُ فِيهِ الْعَاهَةُ عَلَى الثَّمَرَةِ غَالِبًا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ لَا تَكُونَ تِلْكَ الثَّمَرَةُ خَارِجَةً عَنْ عَادَةِ غَيْرِهَا فَإِنَّ مِنْ الشَّجَرِ مَا يَتَقَدَّمُ نَوْعٌ مِنْهُ سَائِرَ الْأَنْوَاعِ فِي الطِّيبِ بِالْمُدَّةِ
стр. 1254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الطَّوِيلَةِ وَيَتَأَخَّرُ عَنْ سَائِرِهِ بِالْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُتَأَخِّرِ بِظُهُورِ صَلَاحِ الْمُتَقَدِّمِ كَمَا لَا يَمْنَعُ تَأْخِيرُ الْمُتَأَخِّرِ مَعَ الْمُتَقَدِّمِ كَالْعِنَبِ الشَّتْوِيِّ وَالصَّيْفِيِّ لَا يُبَاعُ الشَّتْوِيُّ بِبُدُوِّ صَلَاحِ الصَّيْفِيِّ؛ لِأَنَّ عَادَتَهُمَا التَّفَاوُتُ فِي بُدُوِّ الصَّلَاحِ كَالْجِنْسَيْنِ وَكَذَلِكَ إذَا نَدَرَ مِنْ الشَّجَرَةِ الْوَاحِدَةِ الْحَبَّةُ الْوَاحِدَةُ فَقَدْ يَنْدُرُ وَلَا يَتَلَاحَقُ بِهَا مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ شَيْءٌ فَإِنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لَا حُكْمَ لَهَا حَتَّى يَتَقَارَبَ صَلَاحُ غَيْرِهَا فَإِنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ تُطْعِمُ بَطْنَيْنِ فِي السَّنَةِ فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ الْآخَرُ بِبُدُوِّ صَلَاحِ الْأَوَّلِ رَوَاهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ إذَا كَانَ طِيبُهَا مُتَتَابِعًا لَا يَنْقَطِعُ الْأَوَّلُ حَتَّى يُدْرِكُ الْآخَرَ فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِمَا جَمِيعًا بِطِيبِ الْأَوَّلِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ لِبَطْنِ الثَّانِي ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا وَلَا بَلَغَتْ إبَّانَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا كَالْمُفْرَدَةِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا اتَّصَلَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الثَّمَرَةِ الْوَاحِدَةِ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ كَالْمَقَاثِيِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يُبَاعُ جِنْسٌ مِنْ الثَّمَرِ بِبُدُوِّ صَلَاحِ جِنْسٍ آخَرَ خِلَافًا لِلَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ «نَهْيُهُ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَحَتَّى تَزْهُوَ قِيلَ: وَمَا تَزْهُو؟ قَالَ حِينَ تَحْمَرُّ» .
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي الْعِنَبِ حِينَ يَسْوَدُّ فَاعْتُبِرَ فِي كُلِّ جِنْسٍ صِفَةٌ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ وَمُنِعَ مِنْ بَيْعِهِ حَتَّى تُوجَدَ تِلْكَ الصِّفَةُ فِيهِ وَهَذَا يَمْنَعُ اعْتِبَارَهُ بَعْدَهُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْعَ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا إنَّمَا هُوَ لِتُؤْمَنَ عَلَيْهَا الْعَاهَةُ وَلِتَكُونَ مَعْلُومَةَ الصِّفَةِ بِرُؤْيَةِ مَا طَابَ مِنْهَا وَقَدْ عُلِمَ تَفَاوُتُ أَجْنَاسِ الثِّمَارِ فِي الطِّيبِ فَإِذَا طَابَ بَعْضُهَا لَمْ يُؤْمَنْ بِذَلِكَ الْعَاهَةُ عَلَى غَيْرِهَا مِمَّا يَتَأَخَّرُ إبَّانُهُ عَنْ إبَّانِهَا وَإِذَا عُلِمَ صِفَةُ بَعْضِهَا بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ فِيهَا لَمْ يُعْلَمْ بِذَلِكَ صِفَةُ غَيْرِهَا مَا لَمْ يَبْدُ الصَّلَاحُ فِيهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا بَدَا صَلَاحُ نَخْلَةٍ مِنْ حَائِطٍ جَازَ بَيْعُ جَمِيعِ ذَلِكَ الْحَائِطِ وَجَازَ بَيْعُ مَا حَوَالَيْهِ مِنْ الْحَوَائِطِ وَمَا يَكُونُ حَالُهُ فِي التَّكْبِيرِ وَالتَّأْخِيرِ خِلَافًا لِمُطَرِّفٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا لَا يُبَاعُ بِطِيبِهَا غَيْرُ حَائِطِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ ثَمَرَةٌ بَدَا صَلَاحُهَا فَجَازَ أَنْ يُبَاعَ بِهِ مَا حَوْلَهَا كَمَا لَوْ لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَهُمَا بِجِدَارٍ.
١ -
(فَصْلٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ الَّتِي بَدَا صَلَاحُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَيَجُوزُ بَيْعُهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ ثَمَرَةٌ جَازَ بَيْعُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَجَازَ بَيْعُهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا قَالَ أَبْتَاعُهَا مِنْك عَلَى أَنْ أَقْبِضَهَا غَدًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُفْرَدَ الْحِنْطَةُ فِي سُنْبُلِهَا بِالشِّرَاءِ دُونَ السُّنْبُلِ وَكَذَلِكَ الْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَالْبَاقِلَاءُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرَدَ بِالْبَيْعِ دُونَ قِشْرِهِ عَلَى الْجُزَافِ مَا دَامَ فِيهِ، وَأَمَّا شِرَاءُ السُّنْبُلِ إذَا يَبِسَ وَلَمْ يَنْفَعْهُ الْمَاءُ فَجَائِزٌ وَكَذَلِكَ الْبَاقِلَاءُ وَالْجَوْزُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ وَعَنْ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَاتِ نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ» وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي تَعَلُّقِهِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ فِي الْغَايَةِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ مَا جَازَ بَيْعُهُ بَعْدَ الْفَرْكِ جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ الْفَرْكِ كَالشَّعِيرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَائِمًا قَبْلَ حَصَادِهِ إذَا يَبِسَ جَمِيعُهُ أَوْ أَكْثَرُهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي أَنَادِرِهِ وَقَبْلَ دَرْسِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا إذَا كَانَ حُزُمًا يُرَى سُنْبُلُهُ وَيُنْظَرُ إلَيْهِ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ الصِّفَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ الْحَصَادِ وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا قَبْلَ الْحَصَادِ وَأَنَّهُ يَتَأَتَّى حَزْرُهُ عَلَى ذَلِكَ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْحَصَادِ وَقَبْلَ تَغَيُّرِهِ بِالدَّرْسِ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ الْحَصَادَ مَعْنًى لَا يُتَوَقَّعُ مَعَهُ إضَافَةُ شَيْءٍ إلَى الزَّرْعِ يَمْنَعُ صِحَّةَ تَقْدِيرِهِ وَتَسَاوَى الْمُتَبَايِعَانِ فِي مَعْرِفَتِهِ
стр. 1255
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا تُزْهِيَ فَقَالَ حِينَ تَحْمَرُّ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَأَيْت إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ» )
ــ
[المنتقى]
فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّةَ بَيْعِهِ جُزَافًا أَصْلُ ذَلِكَ إذَا أَمَالَتْهُ الرِّيحُ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ الَّتِي يُمْكِنُ عَلَيْهَا حَزْرُهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يَخْفَى سُنْبُلُهُ أَوْ بَعْضُهُ فَلَا يُمْكِنُ حَزْرُهُ لِخَفَاءِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ وَلِذَلِكَ جَوَّزْنَا الْخَرْصَ فِي النَّخْلِ وَالْأَعْنَابِ لَمَّا كَانَتْ ثَمَرَتُهَا ظَاهِرَةً يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهَا وَلَا يُخْرَصُ الزَّبِيبُ؛ لِأَنَّ ثَمَرَتَهُ مَسْتُورَةٌ فِي أَوْرَاقِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بَعْدَ دَرْسِهِ وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي مَبْسُوطِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ صَارَ عَلَى حَالَةٍ لَا يَتَأَتَّى حَزْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ مِنْ إضَافَةِ التِّبْنِ إلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَمَا لَوْ صَفَّاهُ ثُمَّ أَضَافَ إلَى حِنْطَتِهِ تِبْنًا وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْجُزَافِ، وَأَمَّا بِالْكَيْلِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمِقْدَارَ مَعْرُوفٌ بِالْكَيْلِ وَالصِّفَةُ مَعْرُوفَةٌ بِفَرْكِ بَعْضِهِ وَالنَّظَرِ إلَيْهِ.
(ش) : قَوْلُهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُزْهِيَ يُقَالُ أَزْهَى الثَّمَرُ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ وَالزَّهْوُ النَّوْرُ وَالْمَنْظَرُ الْحَسَنُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ يَحْسُنُ مَنْظَرُهَا وَيَكْمُلُ حَسَنُهَا فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ لَفْظَةٌ عَرَبِيَّةٌ فَكَيْفَ تَخْفَى عَلَى مَنْ مَعَهُ مِنْ الْعَرَبِ حَتَّى يَسْأَلُوهُ عَنْهَا فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ لُغَةً لِبَعْضِ الْعَرَبِ دُونَ بَعْضٍ فَسَأَلَ عَنْهَا مَنْ لَيْسَتْ مِنْ لُغَتِهِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ لَفْظَةً مُسْتَعَارَةً لَهَا مِنْ جِنْسِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَجَمَالِ مَنْظَرِهَا كَمَا «قَالَ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ» وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُسْتَعَارَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ حَتَّى تَحْسُنَ الثَّمَرَةُ فَاحْتَاجَ السَّائِلُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ جِنْسِ الْحُسْنِ الَّذِي يُبِيحُ بَيْعَهَا فَأَخْبَرَهُ أَنَّ زُهَاءَهَا حُسْنُهَا بِحُمْرَتِهَا وَقَوْلُهُ حَتَّى تَحْمَرَّ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ تَظْهَرُ عَلَى خُضْرَةِ الْبَلَحِ حُمْرَةٌ وَهُوَ أَوَّلُ مَا يَتَغَيَّرُ لَوْنُ الْبَلَحِ إلَى الْحُمْرَةِ فَذَلِكَ هُوَ الْإِزْهَاءُ ثُمَّ يَكُونُ مِنْهُ مَا يَصْفَرُّ وَمِنْهُ مَا يُسْتَكْهَمُ حُمْرَتُهُ وَيَكْمُلُ فِي جَمِيعِهِ فَيَكُونُ بُسْرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «أَرَأَيْت إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَ» يُرِيدُ مَنَعَ قَبْضَهَا وَاسْتِيفَاءَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ الْمُعْتَادِ لِلِاقْتِيَاتِ وَالِادِّخَارِ أَوْ الْأَكْلِ الْمُعْتَادِ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهِ فَسَادٌ وَإِتْلَافٌ لِلثَّمَرَةِ أَوْ نَادِرٌ لِمَنْفَعَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ فَشِرَاءُ الْمُشْتَرِي إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ أَكْلِ الثَّمَرَةِ وَهُوَ أَكْلُهَا رُطَبًا أَوْ تَمْرًا فَإِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ مِنْ الْمُبْتَاعِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ» .
فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ مَالِ أَخِيهِ إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَلَمَّا كَانَتْ الْعَاهَاتُ تَكْثُرُ وَتَتَكَرَّرُ قَبْلَ الْإِزْهَاءِ مَنَعَ ذَلِكَ صِحَّةَ بَيْعِهَا وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا تَوَجَّهَ إلَى الْبَيْعِ الَّذِي لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ مَا اُشْتُرِيَ عَلَى الْقَطْعِ لَا تَمْنَعُهُ آفَةٌ فَلَمْ يَتَوَجَّهْ إلَيْهِ الْمَنْعُ فَعَلَى هَذَا الْغَرَرُ الْمُتَوَقَّعُ فِي الْمَبِيعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ضَرْبٌ يَكْثُرُ وَيَكُونُ هُوَ الْأَغْلَبُ فَهَذَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ جُمْلَةً كَبَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي التَّبْقِيَةَ وَضَرْبٌ لَا يَبْلُغُ هَذَا الْمَبْلَغَ مِنْ الْكَثْرَةِ وَالتَّكَرُّرِ لَكِنَّهُ يَكُونُ مُعْتَادًا وَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُ النَّقْدَ كَحَالِ الْأَمَةِ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ وَمُدَّةِ الْمُوَاضَعَةِ وَضَرْبٌ ثَالِثٌ يَقِلُّ وَيَنْدُرُ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ وَلَا اشْتِرَاطَ النَّقْدِ كَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ فِي عُهْدَةِ السَّنَةِ وَالْجَائِحَةِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فِي الثَّمَرَةِ وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ هَذَا وَقَالَ إنَّ بَيْعَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ غَرَرٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ الْمُبْتَاعُ بِهَا فَلَا يُقْصَدُ إلَّا مُجَرَّدُ الْغَرَرِ، وَأَمَّا بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فَإِنَّهُ قَصَدَ الِانْتِفَاعَ بِهَا وَذَلِكَ يَرْفَعُ فَسَادَ الْخَوْفِ مِنْ إتْلَافِهَا.
وَاَلَّذِي قَدَّمْنَاهُ أَوْلَى لِمَا رَوَتْ عَمْرَةُ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى
стр. 1256
(ص) (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَارِثَةَ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ» قَالَ مَالِكٌ وَبَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي بَيْعِ الْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِرْبِزِ وَالْجَزَرِ أَنَّ بَيْعَهُ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ حَلَالٌ جَائِزٌ ثُمَّ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مَا يَثْبُتُ حَتَّى يَنْقَطِعَ ثَمَرُهُ وَيَهْلَكَ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ وَقْتٌ يُؤَقَّتُ وَذَلِكَ أَنَّ وَقْتَهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ وَرُبَّمَا دَخَلَتْهُ الْعَاهَةُ فَقُطِعَتْ ثَمَرَتُهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ فَإِذَا دَخَلَتْهُ الْعَاهَةُ بِجَائِحَةٍ تَبْلُغُ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا كَانَ ذَلِكَ مَوْضُوعًا عَنْ الَّذِي ابْتَاعَهُ)
ــ
[المنتقى]
تَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ» فَجَعَلَ ذَلِكَ نَجَاءً مِنْ الْعَاهَةِ لِعِلَّةِ تَكَرُّرِهَا فِيهَا كَمَا يَقُولُ لِمَنْ نَجَا مِنْ غَرَقِ الْبَحْرِ أَوْ قَتْلِ الْعَدُوِّ نَجَا فُلَانٌ مِنْ الْمَوْتِ بِمَعْنَى أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ حَالَةٍ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ فِيهَا إلَى حَالَةٍ يَقِلُّ فِيهَا الْعَطَبُ.
(ص) (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَارِثَةَ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ» قَالَ مَالِكٌ وَبَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «حَتَّى تَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ» يُرِيدُ ﵇ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ حَتَّى يَقِلَّ ذَلِكَ فِيهَا وَيَنْدُرَ وَقَوْلُ مَالِكٍ: إنَّ بَيْعَ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ الْغَرَرِ يُرِيدُ لِمَا نَهَى عَنْهُ ﷺ مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْعَاهَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ عَلَيْهَا فِي أَكْثَرِ الْأَعْوَامِ وَإِذَا كَانَ مِنْ الْغَرَرِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَيْعُهُ غَيْرَ جَائِزٍ ص.
(مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَبِيعُ ثِمَارَهُ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا) .
(ش) : مَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ طُلُوعَ الثُّرَيَّا مَعَ الْفَجْرِ إنَّمَا يَكُونُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ مِنْ شَهْرِ مايه وَهُوَ شَهْرُ إيَّارَ وَفِي ذَلِكَ يَبْدُو صَلَاحُ الثِّمَارِ بِالْحِجَازِ وَيَظْهَرُ الْإِزْهَاءُ فِيهَا وَتَنْجُو مِنْ الْعَاهَةِ فِي الْأَغْلَبِ فَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَجُوزُ بَيْعُهَا فِيهِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَتَخْتَلِفُ الْعِبَارَاتُ فِيمَا يَبْدُو بِهِ مَا يَمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ وَيُمَيِّزُ مَا يُبَاعُ فَتَارَةً يُمَيِّزُ وَيُفْسِدُهَا بِالْإِزْهَاءِ وَتَارَةً بِأَنْ تَنْجُوَ الثَّمَرَةُ مِنْ الْعَاهَةِ وَتَارَةً تَطْلُعُ الثُّرَيَّا غَيْرَ أَنَّ تَحْدِيدَ ذَلِكَ بِالْإِزْهَاءِ وَبِأَنْ تَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ يَتَعَقَّبُهُ الْجَوَازُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَمَّا طُلُوعُ الثُّرَيَّا فَلَيْسَ بِحَدٍّ يَتَمَيَّزُ بِهِ وَقْتُ جَوَازِ الْبَيْعِ مِنْ وَقْتِ مَنْعِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُبَاحُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ بِنَفْسِ طُلُوعِ الثُّرَيَّا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَبِيعُ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِهَا وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْعُ ذَلِكَ بَعْدَ طُلُوعِ الثُّرَيَّا إلَّا الْإِزْهَاءُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَوَى عَطَاءٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا طَلَعَ النَّجْمُ صَبَاحًا رُفِعَتْ الْعَاهَةُ عَنْ أَهْلِ الْبَلَدِ» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالنَّجْمُ الثُّرَيَّا وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ أَرَهُ وَقَدْ وَجَدْته عَلَى حَسَبِ مَا أَوْرَدْته وَلَمْ أَرْوِهِ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ بَيْعَ الْقِثَّاءِ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ يَشْتَمِلَ الْبَيْعُ عَلَى جَمِيعِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَى آخِرِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ صَلَاحَ تِلْكَ الثَّمَرَةِ قَدْ بَدَا فَبَاقِيهَا تَبَعٌ لَهَا؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ يَتَّبِعُ فِيهِ كُلُّ مَا بَدَا صَلَاحُهُ كُلَّ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْهُ وَهَذَا حُكْمُ الْخِرْبِزِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْبِطِّيخِ وَحُكْمُ الْبَاذِنْجَانِ وَالْقَرْعِ مِمَّا يَأْتِي بَعْضُهُ دُونَ بَعْضِ وَلَا يَتَمَيَّزُ أَوَّلُهُ مِنْ آخِرِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ ثَمَرَةٌ لَا يُمْكِنُ حَبْسُ أَوَّلِهَا عَلَى آخِرِهَا فَجَازَ أَنْ يُبَاعَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ بِمَا بَدَا صَلَاحُهُ كَالتِّينِ وَالْخَوْخِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مَا يَنْبُتُ حَتَّى يَنْقَطِعَ ثَمَرُهُ يُرِيدُ فِي الْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ وَمَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ مِمَّا يَحْدُثُ شَيْئًا بَعْد شَيْءٍ وَلَا يَتَمَيَّزُ وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِي ثَمَرَهُ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ حَالِ مِثْلِهِ فِي قُوَّةِ نَبَاتِهِ وَنُعُومَتِهِ وَطِيبِ أَرْضِهِ وَمَا عُرِفَ مِنْ نَجَاتِهِ مِثْلُ هَذَا فِيهَا فَإِذَا اشْتَرَى الْأُصُولَ عَلَى هَذَا كَانَ لَهُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ لَوْ تَعَلَّقَ الْبَيْعُ بِأَصْلِهَا لَمَا حَرُمَ بَيْعُهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِ نَبَاتِهَا وَجَازَ أَنْ تُبَاعَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ ذَلِكَ مِنْهَا كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي النَّخْلِ وَسَائِرِ الشَّجَرِ؛ لِأَنَّ النَّخْلَ وَالشَّجَرَ لَهَا أَصْلٌ ثَابِتٌ بَاقٍ وَلِذَلِكَ تَتْبَعُ الْأَرْضَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ
стр. 1257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مِنْ شِرَاءِ الْمَقَاثِي ثَمَرَتُهَا؛ لِأَنَّ سَائِرَهَا لَا قِيمَةَ لَهُ وَالشَّجَرُ الْمَقْصُودُ مِنْ سَائِرِهَا الْأَصْلُ وَفِي الْغَالِبِ مُعْظَمُ الثَّمَرَةِ لَهَا وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الثَّمَرَةِ لَهَا فَلَهَا الْقِيمَةُ الْكَثِيرَةُ.
(فَرْعٌ) وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مَا بِيعَ مِنْ هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ضَرْبٌ تَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ وَلَا تَتَّصِلُ كَشَجَرَةِ التِّينِ وَالنَّخِيلِ وَالْيَاسَمِينِ وَالتُّفَّاحِ وَالرُّمَّانِ وَالْجَوْزِ، وَضَرْبٌ ثَانٍ تَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ وَتَتَّصِلُ كَالْقَصِيلِ وَالْقَصَبِ وَالْقَرَظِ وَضَرْبٌ ثَالِثٌ لَا يَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ كَالْمَقَاثِيِّ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْقَرْعِ فَأَمَّا مَا تَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ وَلَا تَتَّصِلُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْ بُطُونِهِ بِظُهُورِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَبُدُوِّ صَلَاحِهِ وَحُكْمُ كُلِّ بَطْنٍ مِنْهَا مُخْتَصٌّ بِهِ، وَأَمَّا مَا تَتَّصِلُ بُطُونُهُ وَتَتَمَيَّزُ فَإِنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَتَنَاوَلُ مَا ظَهَرَ مِنْهُ دُونَ مَا لَمْ يَظْهَرْ وَتَكُونُ خِلْفَتُهُ لِمَنْ لَهُ أَصْلُهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا بَاعَ مِنْهُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَخْذِهِ مِنْ عَيْنِهِ وَلَمْ يَتْبَعْهُ أَصْلُهُ وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ تَبْقِيَتُهُ إلَى أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ فَإِنْ اشْتَرَطَ الْمُبْتَاعُ خِلْفَةً فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْهُ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ قَالَ فِي الْقَرَظِ يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَ لَا يَخْتَلِفُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَإِنْ كَانَتْ خِلْفَتُهُ تَخْتَلِفُ فَلَا أُحِبُّ اشْتِرَاطَهَا وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ قَالَ مَا هَذَا عِنْدِي بِحَسَنٍ؛ لِأَنَّهَا تَأْتِي مُخْتَلِفَةً وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَخْتَلِفُ خِلْفَتُهُ أَنْ تَثْبُتَ مُدَّةٌ وَلَا تَثْبُتَ أُخْرَى وَلَفْظُ أَشْهَبَ يَقْتَضِي الِاخْتِلَافَ فِي صِفَتِهَا وَإِنَّمَا جَوَّزْنَا اشْتِرَاطَ الْخِلْفَةِ عَلَى رِوَايَةِ الْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَنِدَةٌ إلَى الْأُولَى الَّتِي قَدْ جَازَ بَيْعُهَا وَمُتَّصِلَةٌ كَمَا اشْتَدَّ مِنْ ثَمَرَةِ التِّينِ وَالتُّفَّاحِ وَسَائِرِ الثِّمَارِ مَا هُوَ صَغِيرٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إذَا انْفَرَدَ إلَى مَا قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ وَكَمَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْ الْقِثَّاءِ وَالْبَاذِنْجَانِ مَعَ مَا قَدْ ظَهَرَ مِنْهَا وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا شِرَاءٌ لَمْ يُوجَدْ وَيَنْفَصِلُ مِمَّا وُجِدَ فَلَمْ يَجُزْ شِرَاؤُهُ بِشِرَائِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ شِرَاءُ ثَمَرَةِ نَخْلٍ فِي عَامٍ مَعَ ثَمَرَتِهِ فِي عَامٍ قَبْلَهُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْجَوَازِ فَإِنَّمَا تَجُوزُ إذَا كَانَتْ الْخِلْفَةُ مَأْمُونَةً، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا تَكُونُ مَأْمُونَةً إلَّا فِي الْأَرْضِ السَّقْيِ، وَتَجْوِيزُ أَصْحَابِنَا ذَلِكَ فِي الْقَرَظِ وَالْقَصَبِ الَّذِي لَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ إلَّا بِمِصْرٍ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ فِي أَرْضِ السَّقْيِ وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ أَرْضًا مَأْمُونَةً عَلَى الْخِلْفَةِ وَلَعَلَّ ابْنَ حَبِيبٍ إنَّمَا وَصَفَ بِذَلِكَ أَرْضَ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ مِنْ الْجَزَرِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَنْتَهِي إلَيْهِ ذَلِكَ النَّبَاتُ وَاحِدَةً أَوْ خَمْسَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُخَاف إخْلَافُهُ وَلَا اخْتِلَافُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَمَيَّزُ وَيُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ بِعَدَدِ الْحَزْرِ وَالْبُطُونِ فَإِنْ اخْتَلَفَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ قَصُرَ عَنْ الصِّفَةِ فَفِي الْمَبْسُوطِ وَكِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْبَائِعَ يَرُدُّ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقَدْرِ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَالْبُقُولُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَنْزِلَةِ الْقَصَبِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى قِيمَةِ الْجَزْرَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ الَّتِي اُسْتُوْفِيَتْ وَقِيمَةِ الَّتِي اخْتَلَفَتْ يَوْمَ الْعَقْدِ عَلَى أَنْ يَقْبِضَ فِي إبَّانِهَا كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فَيَقْبِضُ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَتِهَا فَمَا أَصَابَ الَّتِي اخْتَلَفَتْ رَدَّهُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي.
(فَرْعٌ) وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يَبْقَى جَزْرَةٌ؟ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لِأَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُبَاعُ عَدَدُ جَزَرِهِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ إذَا اشْتَرَطَ الْمُبْتَاعُ الْخِلْفَةَ كَانَتْ لَهُ كُلُّهَا وَإِنْ كَانَتْ خِلْفَةً بَعْدَ خِلْفَةٍ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ مَا نَبَتَ إلَى أَنْ يَفْنَى وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ أَصْلَهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ إلَى انْقِضَاءِ ثَمَرَتِهِ كَالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ هَذِهِ بُطُونٌ مُتَّصِلَةٌ فَجَازَ اشْتِرَاطُ جَمِيعِهَا كَالْمَقَاثِيِّ وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا أَنَّهُ مَا كَانَ إبَّانُهُ يَنْتَهِي إلَيْهِ وَيَبْطُلُ الْأَصْلُ جَازَ اشْتِرَاؤُهُ إلَى انْقِضَائِهِ وَمَا كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْجَوْزُ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ يُبَاعُ سِنِينَ كَأَلْبَانِ الْغَنَمِ إذَا وَلَدَتْ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَا أُحِبُّ إنْ بَاعَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ سَنَةٍ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عِنْدِي إلَّا أَنْ تَكُونَ بُطُونُهُ مُتَّصِلَةً فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَغَيْرِهَا وَلَا يَتَقَدَّرُ بِالتَّمَامِ
стр. 1258
مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا» )
ــ
[المنتقى]
لِبَقَاءِ أَصْلِهِ فَإِنْ كَانَ يَتَمَيَّزُ كُلُّ بَطْنٍ مِنْ الْآخَرِ وَيَتَّصِلُ فَيَصِحُّ شِرَاؤُهُ بِعَدَدِ الْبُطُونِ وَإِنْ كَانَ يَتَّصِلُ وَلَا يَتَمَيَّزُ فَمَعْنَاهُ أَنْ يَتَقَدَّرَ بِالزَّمَنِ كَالْمِيَاهِ وَأَلْبَانِ الْغَنَمِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْجُمَّيْزُ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ نَبَاتُهُ مُتَّصِلًا فَهُوَ مِثْلُ الْمَقَاثِي وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا فَقَالَ مَالِكٌ لَا خَيْرَ فِيهِ وَالسِّدْرُ كَذَلِكَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ بَطْنٍ يَنْفَصِلُ مِمَّا قَبْلَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِبَطْنٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَتْ بُطُونُهَا مُتَّصِلَةً فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَقَاثِي فِي جَوَازِ بَيْعِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ مَعَ مَا ظَهَرَ وَيُقَدَّرُ مَا يُبَاعُ مِنْهُ بِالزَّمَانِ فَأَمَّا أَنْ يُبَاعَ إلَى ثَمَرَةِ الْأَصْلِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَقَاثِي.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَا لَا تَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ كَالْقِثَّاءِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ بُطُونُهَا مُقَدَّرَةً؛ لِأَنَّهَا لَا يَصِحُّ أَنْ تَتَقَدَّرَ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَقَدَّرَ بِالزَّمَنِ؛ لِأَنَّ انْقِضَاءَ أَمْرِهِ يَقْرُبُ وَهُوَ أَبْيَنُ فِيمَا يُقَارِبُهُ وَوَجْهٌ آخَرُ عَلَّلَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَهُوَ أَنَّهُ يَتَأَخَّرُ بِالْبَرْدِ وَيُتَعَجَّلُ بِالْحَرِّ فَيَدْخُلُهُ الْغَرَرُ وَالْجَهْلُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَرَادَ الْمُبْتَاعُ تَبْقِيَةَ الْأَصْلِ وَطَالَبَهُ الْبَائِعُ بِقَلْعِهَا رُجِعَ فِي ذَلِكَ إلَى عُرْفِ الْجِهَةِ وَمَا جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِهِ فَحَمَلُوا عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَوْقِيتٌ بِشَهْرٍ وَلَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا بِمُدَّةٍ مَحْصُورَةٍ مِنْ الزَّمَانِ كَالثَّمَرَةِ تُشْتَرَى بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَإِنَّ الرُّجُوعَ فِي بَقَائِهَا فِي أَشْجَارِهَا إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ وَلَا يُتَوَقَّتُ بِمُدَّةٍ مِنْ الزَّمَانِ مُقَدَّرَةٍ؛ لِأَنَّ التَّعْجِيلَ وَالتَّأْخِيرَ يَدْخُلُهَا بِإِفْرَاطِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَلِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِقْدَارٌ مَعْرُوفٌ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ وَرُبَّمَا دَخَلَتْهُ الْعَاهَةُ وَقُطِعَتْ ثَمَرَتُهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْ الَّذِي ابْتَاعَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا بِيعَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَاثِي عِنْدَ النَّاسِ أَوْقَاتًا مُعْتَادَةً إذَا سَلِمَتْ يَنْتَهِي إلَيْهَا وَتَدُومُ ثَمَرَتُهَا طُولَ مُدَّتِهَا عَلَى حَسَبِ مَا عَرَفُوهُ وَاعْتَادُوهُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ بَلَغَتْهَا الثَّمَرَةُ وَاتَّصَلَتْ إلَيْهَا فَقَدْ سَلِمَ الْمَبِيعُ لِلْمُبْتَاعِ وَوَجَبَ لِلْبَائِعِ جَمِيعُ الثَّمَنِ وَإِنْ قَصُرَتْ عَنْ ذَلِكَ الثَّمَرَةُ وَانْقَطَعَتْ قَبْلَ الْمَعْرُوفِ مِنْ وَقْتِهَا فَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِعَاهَةٍ فَلَمْ تَسْلَمْ جَمِيعُ الثَّمَرَةِ إلَى مَنْ ابْتَاعَهَا فَيُوضَعُ ذَلِكَ عَنْ الْمُبْتَاعِ إذَا بَلَغَ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ.
وَسَنَذْكُرُ هَذَا مُسْتَقْصًى فِي الْجَوَائِحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَلْزَمُنَا عَلَى مَا أَصَّلْنَاهُ أَنْ يُقَالَ لَوْ كَانَ الْأَصْلُ تَبَعًا لِلثَّمَرَةِ لَمَا كَانَتْ فِيهِ جَائِحَةٌ كَالثَّمَرَةِ إذَا بِيعَتْ مَعَ أَصْلِ النَّخْلِ؛ لِأَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ رَوَى عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ مَا عَظُمَ ثَمَنُهُ مِنْ الثَّمَرَةِ فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ يُقْصَرُ الثَّمَنُ عَلَى الثَّمَرَةِ وَالْأَصْلِ فَتُوضَعُ الْجَائِحَةُ؛ لِأَنَّهُ زِيدَ فِي الثَّمَنِ مِنْ أَجْلِهَا فَكَيْفَ بِثَمَرَةِ الْمَقَاثِي وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَلَوْ سَلَّمْنَا عَلَى قَوْلِ سَائِرِ أَصْحَابِنَا فِي النَّخْلِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الْفُولِ وَالْجُلْبَانِ مَا بِيعَ مِنْهَا أَخْضَرَ فَلَا تُوضَعُ فِيهِ جَائِحَةٌ حَتَّى تَبْلُغَ الثُّلُثَ وَيُرَدُّ إلَى أَصْلِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجُلْبَانَ الْأَخْضَرَ لَا يُجْتَنَى إلَّا بِأَصْلِهِ.
[مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ وَفِيهِ أَبْوَاب]
(ش) : قَوْلُهُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا» مُطْلَقُ الرُّخْصَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ يَقْتَضِي أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ الْجُمْلَةِ الْمَحْظُورَةِ بِالْإِبَاحَةِ وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْقِيَاسَ عَلَيْهِ وَجَعَلُوا لَهُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الرُّخْصَةِ عَلَيْهِ حُكْمًا مُفْرَدًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَدَّى إلَى غَيْرِهِ حَتَّى أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ بِذَلِكَ كُلَّ حُكْمٍ لَا يُعَدُّونَهُ وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ وَالصَّوَابُ أَنْ يُنْظَرَ إلَى عِلَّةِ ذَلِكَ الْحُكْمِ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهَا فِي الشَّرْعِ فَإِنْ كَانَتْ عِلَّتُهُ وَاقِعَةً قُصِرَ الْحُكْمُ عَلَى مَوْضِعِهَا وَإِنْ
стр. 1259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
كَانَتْ مُتَعَدِّيَةً عَدَّاهُ وَأُثْبِتَ الْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ بِهَا حَيْثُ وُجِدَتْ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَمَعْنَى إطْلَاقِهِمْ عَلَيْهَا اسْمَ الرُّخْصَةِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَوَى عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ مَنْعَ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ» .
وَرَوَى عَنْهُ إبَاحَةَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْخَرْصِ فِي الْعَرِيَّةِ رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَلَا تَبِيعُوا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ» قَالَ سَالِمٌ وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ» فَخَصَّ الْعَرِيَّةَ بِهَذَا الْحُكْمِ دُونَ سَائِرِ الْمَبِيعِ مِنْ الثِّمَارِ وَالْمَعْنَى الْمُبِيحِ لِذَلِكَ ضَرُورَةُ الشَّرِكَةِ إذْ كَانَ أَصْلُهَا الْعَرِيَّةَ وَهَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ وَرَدَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فَفِيهِ مَعْنًى مِنْ الْمَبِيعِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعَرَّى إذَا خُرِصَتْ عَلَيْهِ الْعَرِيَّةُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا أَوْ يَأْكُلَهَا وَيَصْنَعَ بِهَا مَا شَاءَ وَيُعْطِيَهَا غَيْرَهُ وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا إزَالَةُ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ غَالِبَ أَحْوَالِ النَّاسِ وَأَهْلِ الْحَوَائِطِ الِانْفِرَادُ بِعِيَالِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ فِي حَوَائِطِهِمْ وَجَمْعُ مَا يَسْقُطُ مِنْهَا وَأَكْلُ ثَمَرِهَا رُطَبِهِ وَيَابِسِهِ فَإِذَا أَعَارَ نَخْلَةً مِنْ حَائِطِهِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الِانْفِرَادُ فِيهِ بِأَهْلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ؛ لِأَنَّ لِلْمُعْرِي أَنْ يُقِيمَ مَعَ عَرِيَّتِهِ أَوْ يَمْتَنِعَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْمُعْرِي وَعَلَى مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلٍ وَوَلَدٍ لِانْبِسَاطِهِمْ فِي الْجَمْعِ وَالْأَكْلِ مِمَّا يَسْقُطُ إلَّا بَعْدَ التَّحَفُّظِ مِنْ الْعَرِيَّةِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى الْمَشَقَّةِ إلَى مَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِعْدَادِ فِي عَامٍ آخَرَ.
وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْمُعْرِي إذَا أَعْرَى نَخْلَةً إنْ احْتَاجَ مِنْ مُرَاعَاتِهَا وَجَمْعِ سَوَاقِطِهَا وَحِفْظِهَا وَسَقْيِهَا وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا لَزِمَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ قِيمَتِهَا فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى أَنْ لَا يَنْتَفِعَ بَعْدُ مِنْ جَمِيعِ مَا يَكُونُ فِيهِ، وَتَرْكِ التَّحَفُّظِ مِنْ ثَمَرَةِ الْغَيْرِ وَيَحْتَاجُ الْمُعْرِي إلَى مَنْ يَكْفِيهِ مَا يَلْزَمُهُ فِي عَرِيَّتِهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فَجَازَ لِهَذَا الْمَعْنَى أَنْ يُخْرَصَ عَلَى الْمُعْرَى وَيَكُونَ عَلَيْهِ خَرْصُهَا تَمْرًا يُؤَدِّيهِ إلَى الْمُعْرِي عِنْدَ الْجُذَاذِ كَمَا يُخْرَصُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِ فِي حَائِطِهِ لِأَهْلِ الزَّكَاةِ وَيَلْحَقُهُ مِنْ الضَّرَرِ بِمُشَارَكَتِهِمْ لَهُ فِي الْحَائِطِ مِثْلُ مَا يَلْحَقُهُمْ بِمُشَارَكَةِ الْمُعْرَى وَيَلْحَقُ أَهْلَ الزَّكَاةِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْعَمَلِ فِي الْحَائِطِ وَالْحِفْظِ لَهُ مِثْلُ مَا يَلْحَقُ الْمُعْرِي وَقَدْ قَرَّرَ الشَّرْعُ فِيهِ خَرْصَهُ عَلَى أَهْلِ الْمَالِ لِيُؤَدُّوهُ عِنْدَ الْجُذَاذِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَأَمَّا عِلَّةُ الِاسْتِضْرَارِ بِالدُّخُولِ بِهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ الْإِرْفَاقُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي إبَاحَةِ الْمَحْظُورِ وَلِذَلِكَ جَوَّزْنَا لِمَنْ أَرَادَ إرْفَاقَ صَدِيقٍ لَهُ أَنْ يُبَدِّلَ لَهُ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ نَاقِصَةً بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ وَازِنَةٍ عَدَدًا وَمَنَعَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنْ تَكُونَ لِذَلِكَ عِلَّةٌ عِنْدَ اسْتِضْرَارِ الْمُعْرِي بِدُخُولِ الْمُعْرَى فَأُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ لِإِزَالَةِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الضَّرَرِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ وَيَتَحَرَّرُ عِنْدِي مِنْ هَذَا قِيَاسٌ أَنَّ هَذَا مَعْنَى حَدَّ فِي الشَّرْعِ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَجَازَ أَنْ تُخْرَصَ ثَمَرَتُهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ مَنْ تَخَرَّصَ عَلَيْهِ خَرْصَهُ تَمْرًا عِنْدَ الْجُذَاذِ، أَصْلُ ذَلِكَ الزَّكَاةُ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى الْعَرِيَّةِ] ١
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أُرْخِصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا خَصَّ بِذَلِكَ صَاحِبَ الْعَرِيَّةِ وَسَمَّاهُ بَيْعًا لَمَّا كَانَ لَهُ اسْتِهْلَاكُ الثَّمَرَةِ الَّتِي تُخْرَصُ عَلَيْهَا وَأَنْ يُعْطِيَ غَيْرَهَا فَقَدْ مَلَكَهَا وَدَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ إنْ شَاءَ مِثْلَ خَرْصِهَا بَدَلًا مِنْهَا وَهَذَا فِيهِ مَعْنًى مِنْ الْبَيْعِ وَهُوَ لُزُومُ الْمُعَاوَضَةِ لِلْمُعْرِي وَلُزُومُ كَثِيرٍ مِنْ مَعْنَى الْعَقْدِ لِلْمُعَاوَضِ مِنْ حِفْظِ الثَّمَرَةِ وَجَذِّهَا وَالْتِزَامِهَا وَيَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ فِي دَفْعِ تِلْكَ الْعَيْنِ وَبَدَلِهَا بَعْدَهَا وَهَذَا إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْقَرْضِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ عَلَى صِفَتِهَا وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ مِنْ مَعْنَى الْبَيْعِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ إلَّا بِاخْتِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَلَمْ تَرِدْ فِي الشَّرْعِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يُرْضِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ بِاسْمِ الْبَيْعِ وَالْمُوجِبُ لِذَلِكَ أَنَّ الْمُعْرِي مُعَيَّنٌ مَالِكٌ لِأَمْرِهِ فَلَمَّا لَمْ يَلْزَمْهُ الْخُرُوجُ عَنْ الْعَرِيَّةِ إلَّا بِاخْتِيَارِهِ فَكَذَلِكَ الْمُعْرَى لَا يَلْزَمُهُ الْتِزَامُهَا إلَّا بِالزَّكَاةِ وَالْمُسْتَحِقُّ لِلزَّكَاةِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَإِنَّمَا لِلْإِمَامِ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَرَّرَهُ الشَّرْعُ مِنْ خَرْصِ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَابِ الْحَوَائِطِ
стр. 1260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَتَسْلِيمِهِ إلَيْهِمْ وَلَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ يَنْظُرُ فِيهِ بِمُقَاسَمَةِ الثَّمَرَةِ حِينَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا أَوْ جَمْعِهَا وَحِفْظِهَا وَالنَّظَرِ فِيهِ وَكَانَ حُكْمُ خَرْصِهَا وَتَسْلِيمِهَا إلَى أَرْبَابِ الْحَوَائِطِ لَازِمٌ أَوْجَبَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَازِمًا فِي أَرْبَابِ الْحَوَائِطِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُسَمَّ بَيْعًا لَمَّا لَمْ يُوقَفْ عَلَى اخْتِيَارِ الْإِمَامِ وَأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ.
وَفِي هَذَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى الْعَرِيَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ جَوَازِ بَيْعِهَا وَالْبَابُ الثَّانِي فِي تَبْيِينِ مَنْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي تَبْيِينِ مَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ الثِّمَارِ وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِي تَبْيِينِ مِقْدَارِ مَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ الثَّمَرَةِ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى الْعَرِيَّةِ) فَأَمَّا مَعْنَى الْعَرِيَّةِ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ هُوَ عِنْدَنَا أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ ثَمَرَ نَخْلَةٍ أَوْ نَخَلَاتٍ مِنْ حَائِطِهِ لِرَجُلٍ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ يَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ وَابْنِ حَبِيبٍ، وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنَّ مَعْنَى الْعَرِيَّةِ عِنْدَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَرَةَ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُعْرَى مَا يَلْزَمُهَا إلَى وَقْتِ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَهُوَ وَقْتٌ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا وَإِطْلَاقُ الْهِبَةِ عِنْدَهُ لَا يَقْتَضِي هَذَا وَإِنَّمَا يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ مِنْ يَوْمِ الْهِبَةِ فَفَرْقٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْعَرِيَّةِ وَلِذَلِكَ قَالَ عَنْ مَالِكٍ إنَّ زَكَاةَ الْعَرِيَّةِ عَلَى الْمُعْرِي وَزَكَاةَ الثَّمَرَةِ الْمَوْهُوبَةِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَهُمَا فِي الزَّكَاةِ وَالسَّقْيِ وَقَالَ أَشْهَبُ: زَكَاةُ الْعَرِيَّةِ عَلَى الْمُعْرَى كَالْهِبَةِ إلَّا أَنْ يُعْرِيَهُ إلَى الزَّهْوِ وَيَلْزَمُهُ مِثْلُ ذَلِكَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ السَّقْيَ عَلَى الْمُعْرَى وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَرَ لَهُمْ فِيهِ خِلَافًا وَلَمْ أَرَ فِيهِ وِفَاقًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ سَقْيًا يَلْزَمُ الْمُعْرَى لِأَجْلِ الْأُصُولِ فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِجَارَةِ عَلَى سَقْيِهَا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرَةِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ السَّقْيُ وَالزَّكَاةُ فِي الْعَرِيَّةِ وَالْهِبَةِ عَلَى الْمُعْرَى وَالْوَاهِبِ وَقَالَ سَحْنُونٌ اُنْظُرْ إلَى الْعَرِيَّةِ وَالْهِبَةِ فَإِنْ كَانَتَا بِيَدِ الْمُعْرِي أَوْ الْوَاهِبِ يَسْقِي ذَلِكَ وَيَقُومُ عَلَيْهِ فَالزَّكَاةُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِيَدِ الْمُعْرَى أَوْ الْمَوْهُوبِ يَقُومُ عَلَيْهَا وَيَأْكُلُ مِنْهَا فَالزَّكَاةُ عَلَيْهِ فَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ حُكْمُ الْعَرِيَّةِ غَيْرُ حُكْمِ الْهِبَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَهَذَا مَعْنَى الْعَرِيَّةِ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ فَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ الْعَرِيَّةُ مِنْ النَّخْلِ الَّتِي تُعَرَّى عَنْ الْمُسَاوَمَةِ عِنْدَ بَيْعِ النَّخْلِ وَالْفِعْلُ: الْإِعْرَاءُ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ ثَمَرَةَ عَامِهَا لِمُحْتَاجٍ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَقَدْ قِيلَ إنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّخْلَةِ تُعَرَّى مِنْ ثَمَرَتِهَا بِالْهِبَةِ لِثَمَرَتِهَا فَسُمِّيَتْ عَرِيَّةً لِذَلِكَ فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ الْعَرِيَّةُ اسْمٌ لِلنَّخْلَةِ وَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُقَالُ مِنْ النَّخْلِ إلَّا لِمَا تُعْطَى ثَمَرَتُهُ لِأَهْلِ الْحَاجَةِ عَلَى مَعْنَى الرِّفْقِ وَالصَّدَقَةِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ إنَّ الْعَرَايَا وَاحِدَتُهَا عَرِيَّةٌ وَهِيَ النَّخْلَةُ يُعْرِيهَا صَاحِبُهَا مُحْتَاجًا وَالْإِعْرَاءُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ ثَمَرَتَهَا عَامَهَا وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْعَرِيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ عَرَوْت الرَّجُلَ أَعْرَوْهُ إذَا أَتَيْته تَلْتَمِسُ بِرَّهُ وَمَعْرُوفَهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] وَقِيلَ إنَّ مَعْنَاهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَخَلِّي الْإِنْسَانِ عَنْ مِلْكِهِ مِنْ الثَّمَرَةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥] يَعْنِي الْمَوْضِعَ الْخَالِيَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْإِعْرَاءُ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الثَّمَرَةِ كَانَتْ مِمَّا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ أَوْ مِمَّا لَا يَيْبَسُ وَلَا يُدَّخَرُ وَفِي الْقِثَّاءِ وَالْمَوْزِ وَالْبِطِّيخِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ قَبْلَ الْإِبَارِ وَبَعْدَهُ وَقَبْلَ الْإِزْهَاءِ وَبَعْدَهُ لِعَامٍ أَوْ أَعْوَامٍ فِي جَمِيعِ الْحَائِطِ وَبَعْضِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فَلَا تُبْطِلُهُ الْجَهَالَةُ وَالْغَرَرُ.
(فَرْعٌ) وَبِمَاذَا تَكُونُ حِيَازَتُهُ وَتَصِحُّ لِلْمُعْرَى قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ تَكُونُ بِاجْتِمَاعِ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَطْلُعَ فِيهَا ثَمَرَةٌ وَالثَّانِي أَنْ يَقْبِضَهَا فَإِنْ عُدِمَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُعْرِي فَلَا شَيْءَ فِيهَا لِلْمُعْرَى وَقَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِوُجُودِ أَحَدِ
стр. 1261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْأَمْرَيْنِ: الْإِبَارِ أَوْ تَسْلِيمِ الرَّقَبَةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ حَوْزًا وَإِنْ لَمْ تُؤَبَّرْ الثَّمَرَةُ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ ظُهُورَ الْهِبَةِ هُوَ طُلُوعُ الثَّمَرَةِ فِيهَا فَإِنْ جَازَ حِينَئِذٍ صَحَّتْ حِيَازَتُهُ لَهَا؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ الَّتِي أَعْطَاهَا قَدْ ظَهَرَتْ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ فَذَلِكَ مِثْلُ الْحَمْلِ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ لَهُ إلَّا بِالْوَضْعِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الثَّمَرَةَ إنَّمَا تَظْهَرُ بِالْإِبَارِ وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَالثَّمَرَةُ فِيهِ كَامِنَةٌ فَأَشْبَهَتْ الْحَمْلَ فَلَا تَجُوزُ حِيَازَتُهَا فَإِذَا أُبِّرَتْ وَظَهَرَتْ كَانَ دُخُولُهُ وَخُرُوجُهُ إلَيْهَا حِيَازَةً لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ وَانْفِرَادُهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حِيَازَةً حَتَّى يَيْبَسَ فَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ كَانَ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ حِيَازَةً لِمَا وَهَبَ لَهُ مِنْ ثَمَرَتِهَا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِهَا كَالْمُسْتَقْبَلِ مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ.
(فَرْعٌ) وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْعَرِيَّةُ فِي ثَمَرِ شَجَرٍ مُعَيَّنٍ وَيَصِحُّ أَنْ يُعْرِيَهُ مِقْدَارًا مِنْ التَّمْرِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، مِثْلُ أَنْ يُعْرِيَهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ مِنْ جُمْلَةِ ثَمَرِ حَائِطِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِصَاحِبِ هَذِهِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ الْمُعْرَى وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ مَعْنَى الْعَرِيَّةِ هِبَةُ الثَّمَرَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِنْدَهُ إلَّا أَنْ يَبْتَاعَهَا مَعْنَاهُ عِنْدَهُ أَنَّ لِلْوَاهِبِ اسْتِرْجَاعَ هِبَتِهِ وَأَنْ يُعْطِيَهُ غَيْرَهَا وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بَيْعًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ، وَأَمَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَأَرْخَصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالتَّمْرِ أَوْ بِالرُّطَبِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ» فَإِنْ قِيلَ: الْعَرِيَّةُ هِيَ الْعَطِيَّةُ إنَّمَا أَرْخَصَ فِي الْعَطِيَّةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَهَبُ ثَمَرَ نَخْلِهِ لِرَجُلٍ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فِي ذَلِكَ فَكَانَ يَرْجِعُ فِيهِ وَيُعْطِيهِ عِوَضَهُ تَمْرًا فَالنَّبِيُّ ﷺ أَرْخَصَ فِي ذَلِكَ قَالُوا وَالْعَرِيَّةُ هِيَ الْعَطِيَّةُ مِنْ أَعَارَ الشَّيْءَ وَهُوَ تَمْلِيكُ مَنَافِعِهِ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْعَرِيَّةَ إنَّمَا هِيَ النَّخْلَةُ الْمَوْهُوبُ ثَمَرَتُهَا وَعَلَى ذَلِكَ فَسَّرَهَا جَمَاعَةُ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ
لَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رَجَبِيَّةً ... وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ
يَمْدَحُ نَفْسَهُ بِالْجُودِ وَيَقُولُ إنَّ نَخْلَهُ لَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ أَيْ لَا يُعَامَلُ عَلَيْهَا سِنِينَ وَهِيَ الْمُسَانَهَةُ وَقَوْلُهُ وَلَا رَجَبِيَّةَ يُرِيدُ لَيْسَتْ يُبْنَى عَلَيْهَا وَالتَّرْجِيبُ الْبِنَاءُ بِالْحِجَارَةِ حَوْلَ أَصْلِهَا ثُمَّ قَالَ
وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ
يُرِيدُ إذَا نَزَلَتْ الْجَوَائِحُ بِالنَّاسِ وَاشْتَدَّ الزَّمَانُ وَقَلَّتْ الثِّمَارُ وَهَبَهَا حِينَئِذٍ وَجَعَلَ ثَمَرَتَهَا طُعْمَةً، وَلَيْسَتْ الْعَرِيَّةُ مِنْ الْإِعَارَةِ بِسَبِيلٍ؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ يُقَالُ مِنْهُ أَعَارَهُ يُعِيرُهُ إعَارَةً وَهِيَ الْعَارِيَّةُ وَالْإِعْرَاءُ يُقَالُ مِنْهُ أَعْرَاهُ يُعْرِيهِ إعْرَاءً وَهِيَ الْعَرِيَّةُ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعَرِيَّةُ مِنْ الْإِعْطَاءِ لَمَا جَازَ أَنْ يَنْهَى عَنْ بَيْعِهِ؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ لَا يُبَاعُ وَإِنَّمَا يُبَاعُ الْمُعْطَى فَهُوَ الَّذِي يَصِحُّ أَنْ يُنْهَى عَنْ بَيْعِهِ عَلَى وَجْهٍ مَا وَيُبَاحُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ.
وَجَوَابٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ» ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُ بَيْعَ الثَّمَرَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَثْنَى بَعْضَ الْأَوَّلِ فَإِنْ قَالُوا إنَّمَا سَمَّاهُ بَيْعًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ٧٧] فَالْجَوَابُ إنَّمَا سَمَّاهُ هُنَاكَ بَيْعًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُعَاوَضَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْت فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مُعَاوَضَةٌ وَإِنَّمَا فِيهِ مُجَرَّدُ الْهِبَةِ فَلَمْ يُسَمَّ بَيْعًا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الطَّعَامَ يَفْسُدُ بَيْعُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بَيْعُهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ وَالثَّانِي الْجَهْلُ بِتَمَاثُلِ الْجِنْسِ ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّهُ قَدْ أُرْخِصَ فِي بَيْعِهِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ فِي الْإِقَالَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ وَكَذَلِكَ الْجَهْلُ بِالتَّمَاثُلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مَا يَجُوزُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَلَيْسَ أَنْ لَا يَبِيعَ الْعَرِيَّةَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ بَيْعَ الْعَرِيَّةِ يَجُوزُ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: أَحَدُهَا أَنْ تُزْهِيَ وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَدْنَى وَالثَّالِثُ أَنْ يُعْطِيَهُ التَّمْرَ عِنْدَ
стр. 1262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْجِدَادِ وَالرَّابِعُ أَنْ تَكُونَ مِنْ صِنْفِهَا فَأَمَّا مَا اشْتِرَاطُهُ الْإِزْهَاءُ فَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» ، وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ تَكُونَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَدْنَى فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ يُعْطِيَهُ خَرْصَهَا عِنْدَ الْجِدَادِ فَهُوَ عِنْدَنَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ هَذَا الْبَيْعِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَعْجِيلُ الْعِوَضِ تَمْرًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ الْخَرْصَ تَمْرًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَتَقَابَضَا وَوَجْهُ الْخَرْصِ عِنْدَنَا أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا فِي النَّخْلِ الْمُعْرَاةِ مِنْ الثَّمَرَةِ فَيُقَدِّرَ ثُمَّ يَنْظُرَ إلَى مَا يُخْرِجُ مِثْلِ تِلْكَ الْمَكِيلَةِ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّمْرِ فِي جَوْدَتِهِ أَوْ رَدَاءَتِهِ مِنْ التَّمْرِ الْيَابِسِ فَيَكُونُ الْمُعْرَى إلَى الْجِذَاذِ، فَالْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ يَجِبُ عِنْدَنَا تَأْخِيرُ التَّمْرِ إلَى الْجِدَادِ وَلَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ تَعْجِيلُهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ التَّفَرُّقِ، وَالْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّ اسْمَ الْعَرِيَّةِ وَاقِعٌ عَلَى النَّخْلَةِ الْمَوْهُوبِ ثَمَرَتُهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْعَرِيَّةُ اسْمٌ لِلْبَيْعِ، وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ أَنَّ جَوَازَ بَيْعِهَا يَخْتَصُّ بِالْمُعْرِي وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا مَعْنًى وَرَدَ الشَّرْعُ بِخَرْصِهِ فَكَانَ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يَتَأَجَّلَ بِالْخَرْصِ مِنْهُ تَمْرًا إلَى الْجِدَادِ كَالزَّكَاةِ.
(فَرْعً) فَإِذَا أَرَادَ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ تَعْجِيلَ الْخَرْصِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَقْدَ قَدْ سَلِمَ مِنْ الْفَسَادِ بِشَرْطِ التَّعْجِيلِ فَجَازَ ذَلِكَ عَلَى الطَّوْعِ كَنَقْدِ الثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَتَعْجِيلِ السَّلَمِ بِإِثْرِ الْعَقْدِ.
(فَصْلٌ) :
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْفَصْلِ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الْعَرِيَّةَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى النَّخْلَةِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ الْعَرَايَا نَخْلٌ كَانَتْ تُوهَبُ لِلْمَسَاكِينِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوهَا فَرُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهَا بِمَا شَاءُوا مِنْ التَّمْرِ وَقَالَ الشَّاعِرُ
لَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رَجَبِيَّةَ ... وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ
يَمْدَحُ نَفْسَهُ بِأَنْ يَهَبَ ثَمَرَتَهَا فِي أَوْقَاتِ الْجَوَائِحِ وَلَا يَمْدَحُ نَفْسَهُ بِبَيْعِ ثَمَرَتِهَا حِينَئِذٍ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَلَكِنْ أُرْخِصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا فَفِي هَذَا أَدِلَّةٌ أَحَدُهَا أَنَّهُ قَالَ: أُرْخِصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أُرْخِصَ لِصَاحِبِ الْبَيْعِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ بِخَرْصِهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْعَيْبَ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ لَا خَرْصَ لَهُ وَلَا يُخْرَصُ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ قَالَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ إنَّمَا تَنْطَلِقُ عَلَى الْأَعْيَانِ دُونَ الْأَفْعَالِ فَيُقَالُ صَاحِبُ الشَّجَرَةِ وَصَاحِبُ الْأَرْضِ وَصَاحِبُ الثَّمَرَةِ وَلَا يُقَالُ صَاحِبُ الْقِيَامِ وَإِنَّمَا جَرَى عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ أَنْ يُقَالَ لَهُ الْقَائِمُ وَوَجْهٌ رَابِعٌ أَنَّهُ قَالَ أُرْخِصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِأَنَّهُ صَاحِبُ الْعَرِيَّةِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَرِيَّةَ غَيْرُ الْبَيْعِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ مَنْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ] ١
َ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ صَارَتْ إلَيْهِ ثَمَرَةُ الْحَائِطِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ لَهُ شِرَاءُ الْعَرِيَّةِ بِمِثْلِ مَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُعْرِي لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ مَضَرَّةِ الشَّرِكَةِ بِدُخُولِ الْمُعْرِي وَخُرُوجِهِ كَمَا يَلْحَقُ الْمُعْرِي وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَعْرُوفِ فَيَتَحَمَّلُ الْمُشْتَرِي الْعَمَلَ وَالْمُؤْنَةُ عَلَى الْمُعْرَى كَمَا يَتَحَمَّلُهَا الْمُعْرِي وَيَجْرِي فِي ذَلِكَ مَجْرَى الزَّكَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ صَارَتْ إلَيْهِ الْعَرِيَّةُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَحُكْمُهُ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا مِمَّنْ لَهُ ثَمَرَةُ الْحَائِطِ حُكْمُ الْمُعْرِي لِلْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ قَبْلَ هَذَا وَلَا يَجُوزُ التَّبَايُعُ
стр. 1263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ وَيَجُوزُ بَيْعُهَا لِجَمِيعِ النَّاسِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى بُسْرُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَرَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا فَيَأْكُلَهَا أَهْلُهَا رُطَبًا» وَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ بَيْعَ الْعَرَايَا بِغَيْرِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْعٌ يَخْتَصُّ بِالْعَرَايَا جَوَازُهُ وَالشَّافِعِيُّ يُجَوِّزُهُ فِي أَنْوَاعِ الثِّمَارِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ مِنْ الْمُسَمَّى عِنْدَهُ عَرَايَا إذَا كَانَ الْبَيْعُ إعْرَاءً وَجَائِزٌ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ فَتَبْطُلُ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ وَاسْتِثْنَاءُ الرُّخْصَةِ مِنْ الْمَنْعِ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ عَمَّ الْمَنْعَ وَاسْتَثْنَى مِنْ تِلْكَ الرُّخْصَةِ أَهْلَ الْعَرِيَّةِ وَهُمْ أَرْبَابُ النَّخْلِ فَوَجَبَ اخْتِصَاصُ هَذَا الْحُكْمِ بِهِمْ وَبَقِيَ الْبَاقُونَ عَلَى حُكْمِ الْمَنْعِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ فَلَمْ يَجُزْ إلَّا لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَجْدُودًا وَدَلِيلٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ بِالتَّمَاثُلِ أَمْكَنُ بِالْكَيْلِ مِنْهُ بِالْخَرْصِ؛ لِأَنَّ الْخَرْصَ إنَّمَا يَسْتَنِدُ إلَى الْكَيْلِ وَقَدْ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِالْكَيْلِ إذَا كَانَ مَجْدُودًا فَبِأَنْ لَا يَجُوزَ خَرْصًا أَوْلَى وَأَحْرَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ كَانَ لَهُ فِي حَائِطِ غَيْرِهِ أَصْلُ شَجَرَةٍ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ ثَمَرَتَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ ذَلِكَ جَائِزٌ وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرِهِ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَأَنْ يَكْفِيَهُ مُؤْنَةَ الْعَمَلِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ ثَمَرَةٍ بِخَرْصِهَا كَيْلًا إلَّا لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ لِلتَّخْفِيفِ وَلَيْسَ بِالْقِيَاسِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَعْرَى جَمِيعَ حَائِطِهِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرَتَهُ بِخَرْصِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِم ذَلِكَ جَائِزٌ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي شِرَائِهِ بَعْضَ عَرِيَّتِهِ فَجَوَّزَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلَوْ أَعْرَى جَمَاعَةٌ مُشْتَرِكُونَ فِي حَائِطِ رَجُلًا ثَمَرَةَ نَخْلٍ مِنْهُ فَأَرَادَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ عَرِيَّتَهُ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ؛ لِأَنَّ ضَرُورَةَ الشَّرِكَةِ بِالدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ لَا تَرْتَفِعُ بِذَلِكَ وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لِلْإِرْفَاقِ وَكِفَايَةِ الْمُؤْنَةِ، وَلَوْ أَعْرَى رَجُلٌ جَمَاعَةً جَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ بَعْضِهِمْ عَرِيَّتَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَضِرُّ بِذَلِكَ وَيَتَحَفَّظُ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّهُ بِالْإِرْفَاقِ دُونَ غَيْرِهِ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ مَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ الثِّمَارِ] ١
ِ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ فِي كُلِّ مَا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ مِنْ الثِّمَارِ كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَالْفُسْتُقِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَهُوَ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ هَاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ يَخْتَصَّانِ بِالْأَكْلِ حَالَ الْإِرْطَابِ وَقَبْلَ الْيُبْسِ مِمَّا يَتَأَتَّى فِيهِ الْخَرْصُ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ فَثَبَتَ فِيهِ حُكْمُ الْعَرِيَّةِ كَالثَّمَرِ، وَأَمَّا الزَّيْتُونُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ إذَا كَانَ يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ جَازَ ذَلِكَ فِيهِ بِخَرْصِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُوضَعَ عَلَى حَالَةٍ يُدَّخَرُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهِ وَيَكُونُ أَجَلُ بَيْعِهِ إلَى أَنْ يُمْكِنَ عَمَلُهُ بَعْدَ الْقِطَافِ وَكَذَلِكَ الْعِنَبُ إلَى أَنْ يُمْكِنَ تَزْبِيبُهُ بَعْدَ الْقِطَافِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ زَبِيبًا إلَّا بِالتَّزْبِيبِ بَعْدَ الْقِطَافِ، وَأَمَّا التِّينُ فَإِنَّ أَوْقَاتَهُ تَتَفَاوَتُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ شَرَعَ فِي تَيْبِيسِهِ فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ خَرْصَهُ مِنْهُ دُونَ شَرْطٍ يَكُونُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ عِنَبًا لَا يَتَزَبَّبُ أَوْ نَخْلًا لَا يَتَتَمَّرُ فَعَلَى اشْتِرَاطِ الْيُبْسِ يَجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ ابْتِيَاعُ عَرِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا شُرِطَ أَنْ يُعْطِيَهُ تَمْرًا فَإِمَّا أَنْ يُشْتَرَطَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ صِنْفٍ غَيْرِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِيمَا لَا يَيْبَسُ مِنْ الْفَوَاكِهِ لَا يَجُوزُ لِلْمُعْرَى أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ مُعْرِيهِ بِخَرْصِهِ نَقْدًا وَلَا إلَى جِدَادِهِ وَلَوْ
стр. 1264
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ يَشُكُّ دَاوُد قَالَ: خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» ) .
ــ
[المنتقى]
أُجِيزَ ذَلِكَ بَدَيَا فِي كُلِّ عَرِيَّةٍ لَمْ أَرَهُ خَطَأً وَإِنْ كُنْت أَتَّقِيهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُبَاعَ أَوَّلُ مَا يَبْدُو صَلَاحُهُ بِخَرْصِهِ مِنْ جِنْسِهِ يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ عِنْدَ تَكَامُلِ طِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَضِرُّ بِدُخُولِهِ إلَيْهِ مِنْ وَقْتِ بُدُوِّ صَلَاحِهِ إلَى تَكَامُلِ طِيبِهِ وَكَذَلِكَ يَتَحَمَّلُ عَنْ الْمُعْرِي عَمَلَهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنَّمَا يُبَاعُ بِالتَّمْرِ إلَى الْجِدَادِ وَلَا يُبَاعُ بِالرُّطَبِ نَقْدًا وَلَا إلَى أَجَلٍ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا» وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ بِغَيْرِ نَوْعِهَا فَإِنْ كَانَتْ الْعَرِيَّةُ بِرْنِيًّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشْتَرَطَ صَيْحَانِيًّا وَلَا عَجْوَةً وَلَا أَدْنَى وَلَا أَفْضَلَ وَلَا يُعَيِّنَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْحَائِطِ وَلَا فِي غَيْرِهِ فَإِنْ عَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَائِطٍ بِعَيْنِهِ فَفِي الْمَبْسُوطِ إنْ فَعَلَ أَرَاهُ جَائِزًا وَيَكُونُ عَلَيْهِ مَا ضَمِنَ لِلْمُعْرِي فِي ذِمَّتِهِ إلَى الْجِدَادِ يُعْطِيهِ مِنْ حَيْثُ شَاءَ وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ الْعَرِيَّةِ] ١
(الْبَابُ الرَّابِعُ) فِي بَيَانِ مِقْدَارِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ الْعَرِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَنَحْنُ نُبَيِّنُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(ش) : قَوْلُهُ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعَرَايَا هِيَ النَّخْلُ الْمَبِيعُ ثَمَرُهَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَأَرْخَصَ فِي بَيْعِ ثَمَرِ الْعَرَايَا فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى الثَّمَرُ عَرَايَا لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّخْلِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ الْعَرَايَا مِنْ التَّعَلُّقِ وَلَوْ كَانَتْ صِفَةً لِلْمَبِيعِ لَمَا صَحَّ هَذَا الْقَوْلُ؛ لِأَنَّ الْهَاءَ فِي قَوْلِهِ بِخَرْصِهَا تَرْجِعُ إلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ وَلَا مَعْهُودٍ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَنَعَ مِنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ بِخَرْصِهَا لَمَّا كَانَتْ الْمُزَابَنَةُ صِفَةً لِلْمَبِيعِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَجْوَةِ بِخَرْصِهَا لَمَّا كَانَتْ الْعَجْوَةُ صِفَةً لِلْمَبِيعِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» قَصَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ التَّمْرِ كَمَا قَصَرَ الزَّكَاةَ عَلَى نِصَابِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَمَا زَادَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الزَّكَاةِ يَخْتَصُّ الرِّفْقُ فِيهِ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ بِتَرْكِ الزَّكَاةِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ؛ لِأَنَّهَا تَضْعُفُ عَنْ الْمُوَاسَاةِ غَالِبًا وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا اخْتَصَّ هَذَا الْحُكْمُ بِهَذَا الْقَدْرِ لِلرِّفْقِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِعْرَائِهِ وَلَا يَكَادُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ إلَّا الشَّاذُّ النَّادِرُ الَّذِي تَتَكَرَّرُ بِهِ الْمَشَقَّةُ وَلَا يَبْلُغُهُ بِالْإِعْرَاءِ إلَّا مَنْ لَهُ الْحَوَائِطُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي تَشْغَلُهُ بِالْعَمَلِ وَلَا يَلْحَقُهُ الضَّرَرُ بِالْإِعْرَاءِ مِنْ بَعْضِ حَوَائِطِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَشَكَّ دَاوُد بْنُ الْحُصَيْنِ فِي الْمِقْدَارِ بَيْنَ الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَبَيْنَ مَا دُونَهَا وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ أَحَدٌ غَيْرُهُ وَقَدْ عَوَّلَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ وَعَنْ مَالِكٍ فِي تَحْدِيدِ ذَلِكَ رِوَايَتَانِ رَوَى عَنْهُ أَبُو الْفَرْجِ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَرَوَى عَنْهُ الْمِصْرِيُّونَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهَا وَجْهُ مَنْعِهِ إيَّاهُ فِي الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خُصَّ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَبَيْعِ الثَّمَرَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ التَّخْصِيصُ بِمَا تُيُقِّنَ مِنْهُ دُونَ مَا لَمْ يُتَيَقَّنْ وَاَلَّذِي تُيُقِّنَ مِنْهُ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَالْخَمْسَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا فَلَا يَقَعُ بِهَا تَخْصِيصُ لَفْظٍ عَامٍّ ثَابِتٍ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْحُدُودَ وُضِعَتْ لِتَبْيِينِ الْمَحْدُودِ وَتَمْيِيزِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي نِهَايَةِ الْبَيَانِ وَيَتَعَلَّقُ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي لَا اشْتِرَاكَ فِيهَا وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ التَّحْدِيدُ بِهَا وَمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لَفْظٌ مُشْتَرِكٌ لَا يَخْتَصُّ بِمِقْدَارٍ مَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَدًّا بَيْنَ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَمُخْتَصَّةٌ بِمِقْدَارٍ مَا فَكَانَتْ أَوْلَى بِأَنْ تَكُونَ حَدًّا.
١ -
(فَرْعٌ) فَإِذَا خُرِصَتْ عَرِيَّةٌ فَكَانَتْ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ فَلَمَّا جَدَّهَا وَجَدَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ صَدَقَةَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْفَضْلَ لِصَاحِبِ
стр. 1265
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا تُبَاعُ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ يَتَحَرَّى ذَلِكَ وَيُخْرَصُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَلَيْسَتْ لَهُ مَكِيلَةٌ وَإِنَّمَا أُرْخِصَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أُنْزِلَ بِمَنْزِلَةِ التَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَلَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْبُيُوعِ مَا أَشْرَكَ أَحَدٌ أَحَدًا فِي الطَّعَامِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ وَلَا أَقَالَهُ مِنْهُ وَلَا وَلَّاهُ أَحَدًا حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُبْتَاعُ) .
الْجَائِحَةُ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ «ابْتَاعَ رَجُلٌ ثَمَرَ حَائِطٍ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَالَجَهُ وَقَامَ فِيهِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ النُّقْصَانُ فَسَأَلَ رَبَّ الْحَائِطِ أَنْ يَضَعَ لَهُ أَوْ أَنْ يُقِيلَهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ فَذَهَبَتْ أُمُّ الْمُشْتَرِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَبُّ الْحَائِطِ فَأَتَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ لَهُ» )
ــ
[المنتقى]
الْعَرِيَّةِ وَلَوْ وَجَدَ مِنْهُ أَقَلَّ مِمَّا خَرَصَ عَلَيْهِ ضَمِنَ لَهُ الْخَرْصَ وَهَذَا إذَا كَانَ لَهُ مُفْرَدًا وَلَوْ خَلَطَهُ قَبْلَ أَنْ يَكِيلَهُ لَوَفَّاهُ مَا ضَمِنَهُ وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْعَرِيَّةَ لَا تُبَاعُ عَلَى شَرْطِ التَّبْقِيَةِ إلَّا بِخَرْصِهَا تَمْرًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بُسْرًا وَلَا رُطَبًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ بِغَيْرِ جِنْسِهَا مِنْ الطَّعَامِ وَلَا بِغَيْرِهِ إلَّا بَعْدَ الْجَدِّ؛ لِأَنَّ التَّخَيُّلَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لَيْسَتْ بِقَبْضٍ لَهَا بِدَلِيلِ أَنَّ الْجَائِحَةَ تَثْبُتُ فِي الثَّمَرَةِ بَعْدَ تَخَلِّي الْبَائِعِ عَنْهَا إلَى الْمُبْتَاعِ وَهِيَ فِي أَصْلِ شَجَرِهِ وَيَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ سَقْيُهَا فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْضًا لَكَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْمَبِيعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُرُوضِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُهَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ يُتَحَرَّى ذَلِكَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَلَيْسَتْ لَهُ مَكِيلَةٌ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِيهَا لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلِتَعَذُّرِ الْكَيْلِ فِيهَا مَا دَامَتْ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَهُوَ الْوَجْهُ الَّذِي يُبَاعُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أُرْخِصَ فِيهِ لِذَلِكَ كَمَا أُرْخِصَ فِي الْإِقَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ فَيَجُوزُ فِيهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ مَا لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْعُقُودِ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ.
[الْجَائِحَةُ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ وَفِيهِ أَبْوَاب]
(ش) : قَوْلُهُ فَعَالَجَهُ وَقَامَ فِيهِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ النُّقْصَانُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ نُقْصَانُ قِيمَتِهِ عَنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ نُقْصَانُ ثَمَرِهِ عَمَّا قَدْ قُدِّرَ فِيهِ وَذَلِكَ أَيْضًا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ مِنْ أَمْرِ الثَّمَرَةِ مَعَ بَقَائِهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ حِينَ ابْتِيَاعِهَا مِنْ تَقْصِيرِهَا عَمَّا كَانَ قُدِّرَ فِيهَا وَالثَّانِي أَنْ يَتَبَيَّنَ النُّقْصَانُ بِجَائِحَةٍ طَرَأَتْ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّ إدْخَالَ مَالِكٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْجَائِحَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوْرَدَ الْجُمْلَةَ عَلَى تَبَيُّنِ النُّقْصَانِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ وَالْجَائِحَةُ مِنْ بَابِ النُّقْصَانِ فَلِذَلِكَ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ تَأَلَّى أَنْ لَا يَضَعَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَتَى رَبَّ الْحَائِطِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ أَوْ يُقِيلَهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سَأَلَهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الرَّغْبَةِ إلَيْهِ وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ أَنْ يَسْتَوْضِعَ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا عِنْدَ الْمُتَاجَرَةِ فَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: غَيْرُهُ أَحْسَنُ مِنْهُ، وَجْهُ إبَاحَتِهِ أَنَّ الْإِرْفَاقَ مَعْرُوفٌ فَكَانَ مُبَاحًا لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ كَاسْتِعَارَةِ الثَّوْبِ وَالدَّابَّةِ وَوَجْهُ اسْتِحْسَانِ غَيْرِهِ مَا فِيهِ مِنْ السُّؤَالِ وَالْخُضُوعِ وَالِامْتِهَانِ لِمَخْلُوقٍ فِي غَرَضِ دُنْيَا لَا تَدْعُو إلَيْهِ حَاجَةٌ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى» وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لَهُ إنْ وَضَعْتَ عَنِّي وَإِلَّا خَاصَمْتُك قَالَ أَصْبَغُ أَوْ يَقُولُ إنْ وَضَعْت عَنِّي وَإِلَّا وَجَدْتُ عَيْبًا فَإِنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ إنَّمَا سَأَلَهُ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ بِقَدْرِ الْجَائِحَةِ الَّتِي تَثْبُتُ لَهُ عَلَى وَجْهِ اسْتِدْعَاءِ الْحَقِّ عَلَى وَجْهِ الرَّغْبَةِ وَقَوْلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ يَجِبُ
следующие страницы →