Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْأَمْرَيْنِ: الْإِبَارِ أَوْ تَسْلِيمِ الرَّقَبَةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ حَوْزًا وَإِنْ لَمْ تُؤَبَّرْ الثَّمَرَةُ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ ظُهُورَ الْهِبَةِ هُوَ طُلُوعُ الثَّمَرَةِ فِيهَا فَإِنْ جَازَ حِينَئِذٍ صَحَّتْ حِيَازَتُهُ لَهَا؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ الَّتِي أَعْطَاهَا قَدْ ظَهَرَتْ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ فَذَلِكَ مِثْلُ الْحَمْلِ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ لَهُ إلَّا بِالْوَضْعِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الثَّمَرَةَ إنَّمَا تَظْهَرُ بِالْإِبَارِ وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَالثَّمَرَةُ فِيهِ كَامِنَةٌ فَأَشْبَهَتْ الْحَمْلَ فَلَا تَجُوزُ حِيَازَتُهَا فَإِذَا أُبِّرَتْ وَظَهَرَتْ كَانَ دُخُولُهُ وَخُرُوجُهُ إلَيْهَا حِيَازَةً لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ وَانْفِرَادُهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حِيَازَةً حَتَّى يَيْبَسَ فَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ كَانَ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ حِيَازَةً لِمَا وَهَبَ لَهُ مِنْ ثَمَرَتِهَا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِهَا كَالْمُسْتَقْبَلِ مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ.
(فَرْعٌ) وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْعَرِيَّةُ فِي ثَمَرِ شَجَرٍ مُعَيَّنٍ وَيَصِحُّ أَنْ يُعْرِيَهُ مِقْدَارًا مِنْ التَّمْرِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، مِثْلُ أَنْ يُعْرِيَهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ مِنْ جُمْلَةِ ثَمَرِ حَائِطِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِصَاحِبِ هَذِهِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ الْمُعْرَى وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ مَعْنَى الْعَرِيَّةِ هِبَةُ الثَّمَرَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِنْدَهُ إلَّا أَنْ يَبْتَاعَهَا مَعْنَاهُ عِنْدَهُ أَنَّ لِلْوَاهِبِ اسْتِرْجَاعَ هِبَتِهِ وَأَنْ يُعْطِيَهُ غَيْرَهَا وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بَيْعًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ، وَأَمَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَأَرْخَصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالتَّمْرِ أَوْ بِالرُّطَبِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ» فَإِنْ قِيلَ: الْعَرِيَّةُ هِيَ الْعَطِيَّةُ إنَّمَا أَرْخَصَ فِي الْعَطِيَّةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَهَبُ ثَمَرَ نَخْلِهِ لِرَجُلٍ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فِي ذَلِكَ فَكَانَ يَرْجِعُ فِيهِ وَيُعْطِيهِ عِوَضَهُ تَمْرًا فَالنَّبِيُّ ﷺ أَرْخَصَ فِي ذَلِكَ قَالُوا وَالْعَرِيَّةُ هِيَ الْعَطِيَّةُ مِنْ أَعَارَ الشَّيْءَ وَهُوَ تَمْلِيكُ مَنَافِعِهِ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْعَرِيَّةَ إنَّمَا هِيَ النَّخْلَةُ الْمَوْهُوبُ ثَمَرَتُهَا وَعَلَى ذَلِكَ فَسَّرَهَا جَمَاعَةُ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ
لَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رَجَبِيَّةً ... وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ
يَمْدَحُ نَفْسَهُ بِالْجُودِ وَيَقُولُ إنَّ نَخْلَهُ لَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ أَيْ لَا يُعَامَلُ عَلَيْهَا سِنِينَ وَهِيَ الْمُسَانَهَةُ وَقَوْلُهُ وَلَا رَجَبِيَّةَ يُرِيدُ لَيْسَتْ يُبْنَى عَلَيْهَا وَالتَّرْجِيبُ الْبِنَاءُ بِالْحِجَارَةِ حَوْلَ أَصْلِهَا ثُمَّ قَالَ
وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ
يُرِيدُ إذَا نَزَلَتْ الْجَوَائِحُ بِالنَّاسِ وَاشْتَدَّ الزَّمَانُ وَقَلَّتْ الثِّمَارُ وَهَبَهَا حِينَئِذٍ وَجَعَلَ ثَمَرَتَهَا طُعْمَةً، وَلَيْسَتْ الْعَرِيَّةُ مِنْ الْإِعَارَةِ بِسَبِيلٍ؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ يُقَالُ مِنْهُ أَعَارَهُ يُعِيرُهُ إعَارَةً وَهِيَ الْعَارِيَّةُ وَالْإِعْرَاءُ يُقَالُ مِنْهُ أَعْرَاهُ يُعْرِيهِ إعْرَاءً وَهِيَ الْعَرِيَّةُ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعَرِيَّةُ مِنْ الْإِعْطَاءِ لَمَا جَازَ أَنْ يَنْهَى عَنْ بَيْعِهِ؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ لَا يُبَاعُ وَإِنَّمَا يُبَاعُ الْمُعْطَى فَهُوَ الَّذِي يَصِحُّ أَنْ يُنْهَى عَنْ بَيْعِهِ عَلَى وَجْهٍ مَا وَيُبَاحُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ.
وَجَوَابٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ» ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُ بَيْعَ الثَّمَرَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَثْنَى بَعْضَ الْأَوَّلِ فَإِنْ قَالُوا إنَّمَا سَمَّاهُ بَيْعًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ٧٧] فَالْجَوَابُ إنَّمَا سَمَّاهُ هُنَاكَ بَيْعًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُعَاوَضَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْت فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مُعَاوَضَةٌ وَإِنَّمَا فِيهِ مُجَرَّدُ الْهِبَةِ فَلَمْ يُسَمَّ بَيْعًا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الطَّعَامَ يَفْسُدُ بَيْعُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بَيْعُهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ وَالثَّانِي الْجَهْلُ بِتَمَاثُلِ الْجِنْسِ ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّهُ قَدْ أُرْخِصَ فِي بَيْعِهِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ فِي الْإِقَالَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ وَكَذَلِكَ الْجَهْلُ بِالتَّمَاثُلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مَا يَجُوزُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَلَيْسَ أَنْ لَا يَبِيعَ الْعَرِيَّةَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ بَيْعَ الْعَرِيَّةِ يَجُوزُ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: أَحَدُهَا أَنْ تُزْهِيَ وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَدْنَى وَالثَّالِثُ أَنْ يُعْطِيَهُ التَّمْرَ عِنْدَ
стр. 1262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْجِدَادِ وَالرَّابِعُ أَنْ تَكُونَ مِنْ صِنْفِهَا فَأَمَّا مَا اشْتِرَاطُهُ الْإِزْهَاءُ فَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» ، وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ تَكُونَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَدْنَى فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ يُعْطِيَهُ خَرْصَهَا عِنْدَ الْجِدَادِ فَهُوَ عِنْدَنَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ هَذَا الْبَيْعِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَعْجِيلُ الْعِوَضِ تَمْرًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ الْخَرْصَ تَمْرًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَتَقَابَضَا وَوَجْهُ الْخَرْصِ عِنْدَنَا أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا فِي النَّخْلِ الْمُعْرَاةِ مِنْ الثَّمَرَةِ فَيُقَدِّرَ ثُمَّ يَنْظُرَ إلَى مَا يُخْرِجُ مِثْلِ تِلْكَ الْمَكِيلَةِ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّمْرِ فِي جَوْدَتِهِ أَوْ رَدَاءَتِهِ مِنْ التَّمْرِ الْيَابِسِ فَيَكُونُ الْمُعْرَى إلَى الْجِذَاذِ، فَالْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ يَجِبُ عِنْدَنَا تَأْخِيرُ التَّمْرِ إلَى الْجِدَادِ وَلَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ تَعْجِيلُهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ التَّفَرُّقِ، وَالْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّ اسْمَ الْعَرِيَّةِ وَاقِعٌ عَلَى النَّخْلَةِ الْمَوْهُوبِ ثَمَرَتُهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْعَرِيَّةُ اسْمٌ لِلْبَيْعِ، وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ أَنَّ جَوَازَ بَيْعِهَا يَخْتَصُّ بِالْمُعْرِي وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا مَعْنًى وَرَدَ الشَّرْعُ بِخَرْصِهِ فَكَانَ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يَتَأَجَّلَ بِالْخَرْصِ مِنْهُ تَمْرًا إلَى الْجِدَادِ كَالزَّكَاةِ.
(فَرْعً) فَإِذَا أَرَادَ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ تَعْجِيلَ الْخَرْصِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَقْدَ قَدْ سَلِمَ مِنْ الْفَسَادِ بِشَرْطِ التَّعْجِيلِ فَجَازَ ذَلِكَ عَلَى الطَّوْعِ كَنَقْدِ الثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَتَعْجِيلِ السَّلَمِ بِإِثْرِ الْعَقْدِ.
(فَصْلٌ) :
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْفَصْلِ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الْعَرِيَّةَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى النَّخْلَةِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ الْعَرَايَا نَخْلٌ كَانَتْ تُوهَبُ لِلْمَسَاكِينِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوهَا فَرُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهَا بِمَا شَاءُوا مِنْ التَّمْرِ وَقَالَ الشَّاعِرُ
لَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رَجَبِيَّةَ ... وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ
يَمْدَحُ نَفْسَهُ بِأَنْ يَهَبَ ثَمَرَتَهَا فِي أَوْقَاتِ الْجَوَائِحِ وَلَا يَمْدَحُ نَفْسَهُ بِبَيْعِ ثَمَرَتِهَا حِينَئِذٍ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَلَكِنْ أُرْخِصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا فَفِي هَذَا أَدِلَّةٌ أَحَدُهَا أَنَّهُ قَالَ: أُرْخِصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أُرْخِصَ لِصَاحِبِ الْبَيْعِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ بِخَرْصِهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْعَيْبَ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ لَا خَرْصَ لَهُ وَلَا يُخْرَصُ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ قَالَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ إنَّمَا تَنْطَلِقُ عَلَى الْأَعْيَانِ دُونَ الْأَفْعَالِ فَيُقَالُ صَاحِبُ الشَّجَرَةِ وَصَاحِبُ الْأَرْضِ وَصَاحِبُ الثَّمَرَةِ وَلَا يُقَالُ صَاحِبُ الْقِيَامِ وَإِنَّمَا جَرَى عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ أَنْ يُقَالَ لَهُ الْقَائِمُ وَوَجْهٌ رَابِعٌ أَنَّهُ قَالَ أُرْخِصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِأَنَّهُ صَاحِبُ الْعَرِيَّةِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَرِيَّةَ غَيْرُ الْبَيْعِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ مَنْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ] ١
َ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ صَارَتْ إلَيْهِ ثَمَرَةُ الْحَائِطِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ لَهُ شِرَاءُ الْعَرِيَّةِ بِمِثْلِ مَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُعْرِي لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ مَضَرَّةِ الشَّرِكَةِ بِدُخُولِ الْمُعْرِي وَخُرُوجِهِ كَمَا يَلْحَقُ الْمُعْرِي وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَعْرُوفِ فَيَتَحَمَّلُ الْمُشْتَرِي الْعَمَلَ وَالْمُؤْنَةُ عَلَى الْمُعْرَى كَمَا يَتَحَمَّلُهَا الْمُعْرِي وَيَجْرِي فِي ذَلِكَ مَجْرَى الزَّكَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ صَارَتْ إلَيْهِ الْعَرِيَّةُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَحُكْمُهُ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا مِمَّنْ لَهُ ثَمَرَةُ الْحَائِطِ حُكْمُ الْمُعْرِي لِلْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ قَبْلَ هَذَا وَلَا يَجُوزُ التَّبَايُعُ
стр. 1263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ وَيَجُوزُ بَيْعُهَا لِجَمِيعِ النَّاسِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى بُسْرُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَرَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا فَيَأْكُلَهَا أَهْلُهَا رُطَبًا» وَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ بَيْعَ الْعَرَايَا بِغَيْرِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْعٌ يَخْتَصُّ بِالْعَرَايَا جَوَازُهُ وَالشَّافِعِيُّ يُجَوِّزُهُ فِي أَنْوَاعِ الثِّمَارِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ مِنْ الْمُسَمَّى عِنْدَهُ عَرَايَا إذَا كَانَ الْبَيْعُ إعْرَاءً وَجَائِزٌ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ فَتَبْطُلُ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ وَاسْتِثْنَاءُ الرُّخْصَةِ مِنْ الْمَنْعِ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ عَمَّ الْمَنْعَ وَاسْتَثْنَى مِنْ تِلْكَ الرُّخْصَةِ أَهْلَ الْعَرِيَّةِ وَهُمْ أَرْبَابُ النَّخْلِ فَوَجَبَ اخْتِصَاصُ هَذَا الْحُكْمِ بِهِمْ وَبَقِيَ الْبَاقُونَ عَلَى حُكْمِ الْمَنْعِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ فَلَمْ يَجُزْ إلَّا لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَجْدُودًا وَدَلِيلٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ بِالتَّمَاثُلِ أَمْكَنُ بِالْكَيْلِ مِنْهُ بِالْخَرْصِ؛ لِأَنَّ الْخَرْصَ إنَّمَا يَسْتَنِدُ إلَى الْكَيْلِ وَقَدْ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِالْكَيْلِ إذَا كَانَ مَجْدُودًا فَبِأَنْ لَا يَجُوزَ خَرْصًا أَوْلَى وَأَحْرَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ كَانَ لَهُ فِي حَائِطِ غَيْرِهِ أَصْلُ شَجَرَةٍ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ ثَمَرَتَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ ذَلِكَ جَائِزٌ وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرِهِ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَأَنْ يَكْفِيَهُ مُؤْنَةَ الْعَمَلِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ ثَمَرَةٍ بِخَرْصِهَا كَيْلًا إلَّا لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ لِلتَّخْفِيفِ وَلَيْسَ بِالْقِيَاسِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَعْرَى جَمِيعَ حَائِطِهِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرَتَهُ بِخَرْصِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِم ذَلِكَ جَائِزٌ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي شِرَائِهِ بَعْضَ عَرِيَّتِهِ فَجَوَّزَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلَوْ أَعْرَى جَمَاعَةٌ مُشْتَرِكُونَ فِي حَائِطِ رَجُلًا ثَمَرَةَ نَخْلٍ مِنْهُ فَأَرَادَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ عَرِيَّتَهُ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ؛ لِأَنَّ ضَرُورَةَ الشَّرِكَةِ بِالدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ لَا تَرْتَفِعُ بِذَلِكَ وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لِلْإِرْفَاقِ وَكِفَايَةِ الْمُؤْنَةِ، وَلَوْ أَعْرَى رَجُلٌ جَمَاعَةً جَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ بَعْضِهِمْ عَرِيَّتَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَضِرُّ بِذَلِكَ وَيَتَحَفَّظُ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّهُ بِالْإِرْفَاقِ دُونَ غَيْرِهِ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ مَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ الثِّمَارِ] ١
ِ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ فِي كُلِّ مَا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ مِنْ الثِّمَارِ كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَالْفُسْتُقِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَهُوَ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ هَاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ يَخْتَصَّانِ بِالْأَكْلِ حَالَ الْإِرْطَابِ وَقَبْلَ الْيُبْسِ مِمَّا يَتَأَتَّى فِيهِ الْخَرْصُ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ فَثَبَتَ فِيهِ حُكْمُ الْعَرِيَّةِ كَالثَّمَرِ، وَأَمَّا الزَّيْتُونُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ إذَا كَانَ يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ جَازَ ذَلِكَ فِيهِ بِخَرْصِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُوضَعَ عَلَى حَالَةٍ يُدَّخَرُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهِ وَيَكُونُ أَجَلُ بَيْعِهِ إلَى أَنْ يُمْكِنَ عَمَلُهُ بَعْدَ الْقِطَافِ وَكَذَلِكَ الْعِنَبُ إلَى أَنْ يُمْكِنَ تَزْبِيبُهُ بَعْدَ الْقِطَافِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ زَبِيبًا إلَّا بِالتَّزْبِيبِ بَعْدَ الْقِطَافِ، وَأَمَّا التِّينُ فَإِنَّ أَوْقَاتَهُ تَتَفَاوَتُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ شَرَعَ فِي تَيْبِيسِهِ فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ خَرْصَهُ مِنْهُ دُونَ شَرْطٍ يَكُونُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ عِنَبًا لَا يَتَزَبَّبُ أَوْ نَخْلًا لَا يَتَتَمَّرُ فَعَلَى اشْتِرَاطِ الْيُبْسِ يَجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ ابْتِيَاعُ عَرِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا شُرِطَ أَنْ يُعْطِيَهُ تَمْرًا فَإِمَّا أَنْ يُشْتَرَطَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ صِنْفٍ غَيْرِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِيمَا لَا يَيْبَسُ مِنْ الْفَوَاكِهِ لَا يَجُوزُ لِلْمُعْرَى أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ مُعْرِيهِ بِخَرْصِهِ نَقْدًا وَلَا إلَى جِدَادِهِ وَلَوْ
стр. 1264
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ يَشُكُّ دَاوُد قَالَ: خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» ) .
ــ
[المنتقى]
أُجِيزَ ذَلِكَ بَدَيَا فِي كُلِّ عَرِيَّةٍ لَمْ أَرَهُ خَطَأً وَإِنْ كُنْت أَتَّقِيهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُبَاعَ أَوَّلُ مَا يَبْدُو صَلَاحُهُ بِخَرْصِهِ مِنْ جِنْسِهِ يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ عِنْدَ تَكَامُلِ طِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَضِرُّ بِدُخُولِهِ إلَيْهِ مِنْ وَقْتِ بُدُوِّ صَلَاحِهِ إلَى تَكَامُلِ طِيبِهِ وَكَذَلِكَ يَتَحَمَّلُ عَنْ الْمُعْرِي عَمَلَهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنَّمَا يُبَاعُ بِالتَّمْرِ إلَى الْجِدَادِ وَلَا يُبَاعُ بِالرُّطَبِ نَقْدًا وَلَا إلَى أَجَلٍ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا» وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ بِغَيْرِ نَوْعِهَا فَإِنْ كَانَتْ الْعَرِيَّةُ بِرْنِيًّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشْتَرَطَ صَيْحَانِيًّا وَلَا عَجْوَةً وَلَا أَدْنَى وَلَا أَفْضَلَ وَلَا يُعَيِّنَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْحَائِطِ وَلَا فِي غَيْرِهِ فَإِنْ عَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَائِطٍ بِعَيْنِهِ فَفِي الْمَبْسُوطِ إنْ فَعَلَ أَرَاهُ جَائِزًا وَيَكُونُ عَلَيْهِ مَا ضَمِنَ لِلْمُعْرِي فِي ذِمَّتِهِ إلَى الْجِدَادِ يُعْطِيهِ مِنْ حَيْثُ شَاءَ وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ الْعَرِيَّةِ] ١
(الْبَابُ الرَّابِعُ) فِي بَيَانِ مِقْدَارِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ الْعَرِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَنَحْنُ نُبَيِّنُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(ش) : قَوْلُهُ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعَرَايَا هِيَ النَّخْلُ الْمَبِيعُ ثَمَرُهَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَأَرْخَصَ فِي بَيْعِ ثَمَرِ الْعَرَايَا فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى الثَّمَرُ عَرَايَا لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّخْلِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ الْعَرَايَا مِنْ التَّعَلُّقِ وَلَوْ كَانَتْ صِفَةً لِلْمَبِيعِ لَمَا صَحَّ هَذَا الْقَوْلُ؛ لِأَنَّ الْهَاءَ فِي قَوْلِهِ بِخَرْصِهَا تَرْجِعُ إلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ وَلَا مَعْهُودٍ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَنَعَ مِنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ بِخَرْصِهَا لَمَّا كَانَتْ الْمُزَابَنَةُ صِفَةً لِلْمَبِيعِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَجْوَةِ بِخَرْصِهَا لَمَّا كَانَتْ الْعَجْوَةُ صِفَةً لِلْمَبِيعِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» قَصَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ التَّمْرِ كَمَا قَصَرَ الزَّكَاةَ عَلَى نِصَابِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَمَا زَادَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الزَّكَاةِ يَخْتَصُّ الرِّفْقُ فِيهِ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ بِتَرْكِ الزَّكَاةِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ؛ لِأَنَّهَا تَضْعُفُ عَنْ الْمُوَاسَاةِ غَالِبًا وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا اخْتَصَّ هَذَا الْحُكْمُ بِهَذَا الْقَدْرِ لِلرِّفْقِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِعْرَائِهِ وَلَا يَكَادُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ إلَّا الشَّاذُّ النَّادِرُ الَّذِي تَتَكَرَّرُ بِهِ الْمَشَقَّةُ وَلَا يَبْلُغُهُ بِالْإِعْرَاءِ إلَّا مَنْ لَهُ الْحَوَائِطُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي تَشْغَلُهُ بِالْعَمَلِ وَلَا يَلْحَقُهُ الضَّرَرُ بِالْإِعْرَاءِ مِنْ بَعْضِ حَوَائِطِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَشَكَّ دَاوُد بْنُ الْحُصَيْنِ فِي الْمِقْدَارِ بَيْنَ الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَبَيْنَ مَا دُونَهَا وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ أَحَدٌ غَيْرُهُ وَقَدْ عَوَّلَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ وَعَنْ مَالِكٍ فِي تَحْدِيدِ ذَلِكَ رِوَايَتَانِ رَوَى عَنْهُ أَبُو الْفَرْجِ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَرَوَى عَنْهُ الْمِصْرِيُّونَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهَا وَجْهُ مَنْعِهِ إيَّاهُ فِي الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خُصَّ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَبَيْعِ الثَّمَرَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ التَّخْصِيصُ بِمَا تُيُقِّنَ مِنْهُ دُونَ مَا لَمْ يُتَيَقَّنْ وَاَلَّذِي تُيُقِّنَ مِنْهُ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَالْخَمْسَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا فَلَا يَقَعُ بِهَا تَخْصِيصُ لَفْظٍ عَامٍّ ثَابِتٍ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْحُدُودَ وُضِعَتْ لِتَبْيِينِ الْمَحْدُودِ وَتَمْيِيزِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي نِهَايَةِ الْبَيَانِ وَيَتَعَلَّقُ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي لَا اشْتِرَاكَ فِيهَا وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ التَّحْدِيدُ بِهَا وَمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لَفْظٌ مُشْتَرِكٌ لَا يَخْتَصُّ بِمِقْدَارٍ مَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَدًّا بَيْنَ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَمُخْتَصَّةٌ بِمِقْدَارٍ مَا فَكَانَتْ أَوْلَى بِأَنْ تَكُونَ حَدًّا.
١ -
(فَرْعٌ) فَإِذَا خُرِصَتْ عَرِيَّةٌ فَكَانَتْ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ فَلَمَّا جَدَّهَا وَجَدَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ صَدَقَةَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْفَضْلَ لِصَاحِبِ
стр. 1265
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا تُبَاعُ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ يَتَحَرَّى ذَلِكَ وَيُخْرَصُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَلَيْسَتْ لَهُ مَكِيلَةٌ وَإِنَّمَا أُرْخِصَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أُنْزِلَ بِمَنْزِلَةِ التَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَلَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْبُيُوعِ مَا أَشْرَكَ أَحَدٌ أَحَدًا فِي الطَّعَامِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ وَلَا أَقَالَهُ مِنْهُ وَلَا وَلَّاهُ أَحَدًا حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُبْتَاعُ) .
الْجَائِحَةُ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ «ابْتَاعَ رَجُلٌ ثَمَرَ حَائِطٍ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَالَجَهُ وَقَامَ فِيهِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ النُّقْصَانُ فَسَأَلَ رَبَّ الْحَائِطِ أَنْ يَضَعَ لَهُ أَوْ أَنْ يُقِيلَهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ فَذَهَبَتْ أُمُّ الْمُشْتَرِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَبُّ الْحَائِطِ فَأَتَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ لَهُ» )
ــ
[المنتقى]
الْعَرِيَّةِ وَلَوْ وَجَدَ مِنْهُ أَقَلَّ مِمَّا خَرَصَ عَلَيْهِ ضَمِنَ لَهُ الْخَرْصَ وَهَذَا إذَا كَانَ لَهُ مُفْرَدًا وَلَوْ خَلَطَهُ قَبْلَ أَنْ يَكِيلَهُ لَوَفَّاهُ مَا ضَمِنَهُ وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْعَرِيَّةَ لَا تُبَاعُ عَلَى شَرْطِ التَّبْقِيَةِ إلَّا بِخَرْصِهَا تَمْرًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بُسْرًا وَلَا رُطَبًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ بِغَيْرِ جِنْسِهَا مِنْ الطَّعَامِ وَلَا بِغَيْرِهِ إلَّا بَعْدَ الْجَدِّ؛ لِأَنَّ التَّخَيُّلَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لَيْسَتْ بِقَبْضٍ لَهَا بِدَلِيلِ أَنَّ الْجَائِحَةَ تَثْبُتُ فِي الثَّمَرَةِ بَعْدَ تَخَلِّي الْبَائِعِ عَنْهَا إلَى الْمُبْتَاعِ وَهِيَ فِي أَصْلِ شَجَرِهِ وَيَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ سَقْيُهَا فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْضًا لَكَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْمَبِيعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُرُوضِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُهَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ يُتَحَرَّى ذَلِكَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَلَيْسَتْ لَهُ مَكِيلَةٌ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِيهَا لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلِتَعَذُّرِ الْكَيْلِ فِيهَا مَا دَامَتْ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَهُوَ الْوَجْهُ الَّذِي يُبَاعُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أُرْخِصَ فِيهِ لِذَلِكَ كَمَا أُرْخِصَ فِي الْإِقَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ فَيَجُوزُ فِيهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ مَا لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْعُقُودِ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ.
[الْجَائِحَةُ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ وَفِيهِ أَبْوَاب]
(ش) : قَوْلُهُ فَعَالَجَهُ وَقَامَ فِيهِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ النُّقْصَانُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ نُقْصَانُ قِيمَتِهِ عَنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ نُقْصَانُ ثَمَرِهِ عَمَّا قَدْ قُدِّرَ فِيهِ وَذَلِكَ أَيْضًا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ مِنْ أَمْرِ الثَّمَرَةِ مَعَ بَقَائِهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ حِينَ ابْتِيَاعِهَا مِنْ تَقْصِيرِهَا عَمَّا كَانَ قُدِّرَ فِيهَا وَالثَّانِي أَنْ يَتَبَيَّنَ النُّقْصَانُ بِجَائِحَةٍ طَرَأَتْ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّ إدْخَالَ مَالِكٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْجَائِحَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوْرَدَ الْجُمْلَةَ عَلَى تَبَيُّنِ النُّقْصَانِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ وَالْجَائِحَةُ مِنْ بَابِ النُّقْصَانِ فَلِذَلِكَ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ تَأَلَّى أَنْ لَا يَضَعَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَتَى رَبَّ الْحَائِطِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ أَوْ يُقِيلَهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سَأَلَهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الرَّغْبَةِ إلَيْهِ وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ أَنْ يَسْتَوْضِعَ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا عِنْدَ الْمُتَاجَرَةِ فَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: غَيْرُهُ أَحْسَنُ مِنْهُ، وَجْهُ إبَاحَتِهِ أَنَّ الْإِرْفَاقَ مَعْرُوفٌ فَكَانَ مُبَاحًا لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ كَاسْتِعَارَةِ الثَّوْبِ وَالدَّابَّةِ وَوَجْهُ اسْتِحْسَانِ غَيْرِهِ مَا فِيهِ مِنْ السُّؤَالِ وَالْخُضُوعِ وَالِامْتِهَانِ لِمَخْلُوقٍ فِي غَرَضِ دُنْيَا لَا تَدْعُو إلَيْهِ حَاجَةٌ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى» وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لَهُ إنْ وَضَعْتَ عَنِّي وَإِلَّا خَاصَمْتُك قَالَ أَصْبَغُ أَوْ يَقُولُ إنْ وَضَعْت عَنِّي وَإِلَّا وَجَدْتُ عَيْبًا فَإِنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ إنَّمَا سَأَلَهُ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ بِقَدْرِ الْجَائِحَةِ الَّتِي تَثْبُتُ لَهُ عَلَى وَجْهِ اسْتِدْعَاءِ الْحَقِّ عَلَى وَجْهِ الرَّغْبَةِ وَقَوْلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ يَجِبُ
стр. 1266
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا)
ــ
[المنتقى]
أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا عَلَى وَجْهَيْنِ سَأَلَهُ التَّخْفِيفَ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ أَوْ سَأَلَهُ أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ إسْقَاطُهُ مِنْ الْجَائِحَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَذَهَبَتْ أُمُّ الْمُشْتَرِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا مَضَتْ تَتَشَفَّعُ بِالنَّبِيِّ ﷺ حِينَ امْتَنَعَ مِنْ الْوَضِيعَةِ عَلَى حَسَبِ مَا فَعَلَ جَابِرٌ حِينَ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِفْتَاءِ وَالِاسْتِعْلَامِ لِمَا يَجِبُ لِابْنِهَا وَعَلَيْهِ فِيمَا قَضَتْ عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «تَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا» إنْكَارٌ لِحَلِفِهِ عَلَى مِثْلِ هَذَا وَتَدَبُّرٌ لِمَآلِ يَمِينِهِ أَوْ حَلِفِهِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَقْتَضِي الْحُكْمَ لِلْمُشْتَرِي بِجَائِحَةٍ وَلَا غَيْرِهَا وَإِنَّمَا فِيهِ إنْكَارٌ لِحَلِفِهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا فَإِنْ كَانَ بَعْدَ هَذَا يَتَقَرَّرُ مِنْ قَوْلِهِمَا مَا يُوجِبُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ، وَإِنْ تَقَرَّرَ مِنْ قَوْلِهِمَا مَا لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ فَتَأَلِّيهِ عَلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا ثَابِتٌ فِي نَفْسِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ الْبَائِعِ لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ لَهُ إقْلَاعٌ عَمَّا أَتَاهُ مِنْ الْحَلِفِ عَلَى أَنْ لَا يَضَعَ مِنْ الْمُبْتَاعِ شَيْئًا يُبَالِغُ فِي الْإِقْلَاعِ وَالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إلَى مُرَادِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُسَارَعَةِ إلَى مَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ مَذْهَبِهِ بِأَنْ وَضْع عَنْهُ أَوْ أَقَالَهُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي قَوْلِهِ هُوَ لَهُ لَا أَدْرِي الْوَضِيعَةَ أَوْ الْإِقَالَةَ وَكَذَلِكَ كَانُوا ﵃ سِرَاعًا إلَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ وَلِذَلِكَ كَانُوا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وَاخْتَارَهُمْ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ وَنُصْرَتِهِ ﵃ أَجْمَعِينَ.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) .
(ش) : قَوْلُهُ قَضَى بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ الْجَائِحَةُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُجِيحُ الْإِنْسَانَ وَيُنْقِصُهُ إلَّا أَنَّ هَذَا لَهُ عُرْفٌ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ فَإِذَا أُطْلِقَ فُهِمَ مِنْهُ فَسَادُ الثَّمَرَةِ وَهُوَ الَّذِي وَضَعَ عُمَرُ عَنْ الْمُبْتَاعِ قَدْرَهُ مِنْ الثَّمَنِ وَبِهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ إذَا كَانَتْ الْجَائِحَةُ أَذْهَبَتْ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ فَأَكْثَرَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ الْمُشْتَرِي وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ بَاعَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ أَخِيهِ عَلَامَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ ثَمَرَةٌ أَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ قَبْلَ أَنْ تَسْتَغْنِيَ عَنْ أَصْلِهَا فَجَازَ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ أَصْلُهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِعَطَشٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ دَعَا الْبَائِعُ إلَى رَدِّ الثَّمَرَةِ إلَيْهِ إنْ لَمْ يَرْضَ الْمُبْتَاعُ بِالْمُتَارَكَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَوَضَعَ الْجَائِحَةَ عَنْ الْمُشْتَرِي قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ وَلَوْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْجَائِحَةِ الْبَائِعُ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وَوَضَعَ الْجَائِحَةَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اشْتِرَاطِ نَقْلِ الضَّمَانِ عَنْ مَحِلِّهِ إذَا كَانَ لَهُ عُرْفٌ لَا يُؤَثِّرُ فِي نَقْلِهِ وَيَصِحُّ الْعَقْدُ دُونَهُ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَبْيِينِ مَا يَكُونُ مِنْ الْمُتْلَفَاتِ جَائِحَةً] ١
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ فِي الْجَوَائِحِ ثَلَاثَةَ أَبْوَابٍ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَبْيِينِ مَا يَكُونُ مِنْ الْمُتْلَفَاتِ جَائِحَةً وَالْبَابُ الثَّانِي فِي تَبْيِينِ مَا تُوضَعُ فِيهِ الْجَائِحَةُ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي مِقْدَارِ مَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ جَائِحَةٌ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَبْيِينِ مَا يَكُونُ مِنْ الْمُتْلَفَاتِ جَائِحَةً) اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَعْنَى مَا يُوضَعُ مِنْ الْجَوَائِحِ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ وَإِنْ عُلِمَ بِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ جَائِحَةً وَلَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ إنْ عُلِمَ بِهِ فَلَا يَكُونُ جَائِحَةً كَالسَّارِقِ قَالَهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ نَافِعٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ كُلَّ مَا أَصَابَ الثَّمَرَةَ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ فَهُوَ جَائِحَةٌ سَارِقًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَقَالَ مُطَّرِفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يَكُونُ جَائِحَةً إلَّا مَا أَصَابَ الثَّمَرَةَ مِنْ أَمْرِ
стр. 1267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
السَّمَاءِ مِنْ عَفَنٍ أَوْ بَرْدٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ فَسَادٍ بِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ بِكَسْرِ الشَّجَرِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ صُنْعِ آدَمِيٍّ فَيَبِسَ بِجَائِحَةٍ.
فَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ لَهُ أَنَّ السَّارِقَ لَوْ عُلِمَ بِهِ لَأَمْكَنَهُ دَفْعُهُ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ جَائِحَةً؛ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ حِينَئِذٍ مُفَرِّطٌ فِي حِفْظِ الثَّمَرَةِ وَمُضَيَّعٌ لَهَا فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ تَلِفَتْ كَانَ ذَلِكَ جَائِحَةً تُوضَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ مَا تَلِفَ لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الثَّمَرَةَ فِي يَدِ الْمُبْتَاعِ قَدْ سَلَّمَهَا إلَيْهِ الْبَائِعُ عَلَى نِهَايَةِ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ التَّسْلِيمِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ حِفْظُهَا لَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا إلَّا مَا كَانَ فِي جِهَةِ الْأَصْلِ لِاسْتِحْقَاقِهِ عَلَيْهِ السَّقْيَ إلَى تَنَاهِي نُضْجِهَا وَكَمَالِ صَلَاحِهَا وَلَوْ كَانَ يَضْمَنُهَا بِالسَّارِقِ وَالْعَطَشِ لَكَانَ عَلَيْهِ حِفْظُهَا وَذَلِكَ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْجَائِحَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ جَائِحَةٌ مِنْ قِبَلِ الْمَاءِ وَجَائِحَةٌ مِنْ قِبَلِ غَيْرِ الْمَاءِ فَأَمَّا الْجَائِحَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَاءِ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ قِبَلِ الْعَطَشِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ يُوضَعُ قَلِيلُ ذَلِكَ وَكَثِيرُهُ كَانَتْ شُرْبَ مَطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ مَنْفَعَةٌ مِنْ شَرْطِ تَمَامِهَا السَّقْيُ فَوَجَبَ أَنْ يُوضَعَ عَنْ الْمُشْتَرِي قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا كَمَنْفَعَةِ الْأَرْضِ الْمُكْتَرَاةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْجَوَائِحِ أَنَّ سَائِرَ الْجَوَائِحِ لَا تَنْفَكُّ الثَّمَرَةُ مِنْ يَسِيرِهَا وَهَذِهِ تَنْفَكُّ الثَّمَرَةُ مِنْ يَسِيرِهَا فَالْمُشْتَرِي دَاخِلٌ عَلَى السَّلَامَةِ مِنْهَا وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى سَلَامَتِهَا مِنْ يَسِيرِ الْعَفَنِ وَالْأَكْلِ، وَأَمَّا الْجَائِحَةُ بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْعَفَنِ فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ سَائِرِ الْعَفَنِ يَصِحُّ كَثِيرُهُ دُونَ قَلِيلِهِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي تَبْيِينِ مَا تُوضَعُ فِيهِ الْجَائِحَةُ]
ُ أَمَّا مَا يُعْتَبَرُ بِهِ فِي وَضْعِ الْجَائِحَةِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: جِنْسُ الثَّمَرَةِ وَالثَّانِي مَعْنًى يَقْتَرِنُ بِهَا، فَأَمَّا جِنْسُ الثَّمَرَةِ فَهُوَ كُلُّ بَيْعٍ يُحْتَاجُ إلَى بَقَائِهِ فِي أَصْلِهِ، وَحَاجَتُهُ إلَى ذَلِكَ تَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِانْتِهَاءِ صَلَاحِهَا وَطِيبِهَا كَثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ إذَا اُشْتُرِيَ عِنْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَكَثَمَرَةِ التُّفَّاحِ وَالتَّمْرِ وَالْبِطِّيخِ وَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ وَالْفُولِ وَالْجُلْبَانِ، وَالثَّانِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِبَقَاءِ رُطُوبَتِهِ وَنَضَارَتِهِ كَثَمَرَةِ الْعِنَبِ اُشْتُرِيَتْ بَعْدَ انْتِهَاءِ طِيبِهَا وَكَالْبُقُولِ وَالْقَصِيلِ وَالْأُصُولِ الْمَغِيبَةِ مِنْ الْجَزَرِ وَالسَّلْجَمِ وَالْبَصَلِ وَالثُّومِ.
فَأَمَّا مَا يُحْتَاجُ إلَى بَقَائِهِ فِي أَصْلِهِ لِتَمَامِ صَلَاحِهِ فَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي وَضْعِ الْجَائِحَةِ فِيهِ، وَأَمَّا مَا لَا يُحْتَاجُ إلَى بَقَائِهِ فِي أَصْلِهِ لِتَمَامِ صَلَاحِهِ وَلَا لِبَقَاءِ نَضَارَتِهِ كَالتَّمْرِ الْيَابِسِ وَالزَّرْعِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يُوضَعُ فِيهِ جَائِحَةٌ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ قَدْ كَمُلَ بِتَخَلِّي الْبَائِعِ عَنْهُ إلَى الْمُبْتَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي أَصْلِهِ مَنْفَعَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ يَسْتَنْظِرُ اسْتِيفَاءَهَا فَصَارَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الصُّبْرَةِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الْأَصْلِ.
١ -
، وَأَمَّا مَا يُحْتَاجُ إلَى بَقَائِهِ فِي أَصْلِهِ لِحِفْظِ نَضَارَتِهِ كَالْعِنَبِ يُشْتَرَى بَعْدَ تَمَامِ صَلَاحِهِ وَكَالْقَصِيلِ وَالْبُقُولِ وَالْقَصَبِ وَالْقَرَطِ وَالْأُصُولِ الْمَغِيبَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَسَائِلَ يَجِبُ رَدُّهَا إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة أَنَّ مَنْ اشْتَرَى التَّمْرَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ قَدْ طَابَتْ طِيبًا بَيِّنًا فَأَصَابَتْهَا الْجَائِحَةُ فَلَيْسَ عَلَى الْبَائِعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُ مَا فِي الْخَرَابِزِ وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَصَبِ السُّكْرِ فَقَالَ لَا تُوضَعُ فِيهِ جَائِحَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ حَتَّى يَتِمَّ وَقَالَ سَحْنُونٌ إذَا تَنَاهَى الْعِنَبُ وَآنَ قِطَافُهُ حَتَّى لَا يَتْرُكَهُ تَارِكٌ إلَّا لِسُوقٍ يَرْجُوهُ أَوْ لِشُغْلٍ يُعَوِّضُ لَهُ لَمْ تُوضَعْ فِيهِ جَائِحَةٌ وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي قَصَبِ السُّكْرِ وَالْخِرْبِزِ وَسَائِرِ الْبُقُولِ وَالْقَصِيلِ الْجَائِحَةُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ فِيمَنْ اشْتَرَى فَاكِهَةً أَوْ رُطَبًا فَطَابَتْ وَأَخَّرَهَا رَجَاءَ النَّفَاقِ فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ وَلَوْ عَجَّلَ بِهَا لَمْ تُصِبْهَا جَائِحَةٌ قَالَ يُوضَعُ عَنْهُ الثُّلُثُ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ مَا لَمْ تَيْبَسْ الثَّمَرَةُ.
فَعَلَى رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُرَاعَى حِفْظُ نَضَارَتِهِ وَإِنَّمَا يُرَاعَى تَكَامُلُ صَلَاحِهِ وَيَجِبُ
стр. 1268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَنْ يَجْرِيَ هَذَا الْمَجْرَى كُلُّ مَا كَانَ هَذَا حُكْمَهُ كَالْقَصِيلِ وَالْقَصَبِ وَالْبُقُولِ وَالْقَرَطِ فَلَا تُوضَعُ جَائِحَةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَعَلَى رِوَايَةِ سَحْنُونٍ تُوضَعُ الْجَائِحَةُ فِي جَمِيعِهِ وَجْهُ رِوَايَةِ أَصْبَغَ أَنَّ الضَّمَانَ بِجَائِحَةِ الثَّمَرَةِ إنَّمَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ فِيهَا مِنْ حَقِّ التَّوْفِيَةِ؛ لِأَنَّ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ تَمَامِ صَلَاحِ الثَّمَرَةِ لَمْ يُوجَدْ فَلَا يَصِحُّ تَسْلِيمُ الثَّمَرَةِ إلَّا بَعْدَ وُجُودِهِ فَإِذَا وُجِدَ كَمَالُ الصَّلَاحِ بَعْدَ تَسْلِيمِ الثَّمَرَةِ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ وَمَا يَرْجُوهُ الْمُبْتَاعُ مِنْ حِفْظِ رُطُوبَتِهِ وَنَضَارَتِهِ بِبَقَائِهِ فِي أَصْلِهِ فَذَلِكَ حِفْظٌ لِمَبِيعٍ قَدْ وُجِدَ وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الِانْتِظَارِ لِمَبِيعٍ لَمْ يُوجَدْ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ بَاعَ مِنْهُ قَمْحًا فَكَالَهُ عَلَيْهِ فِي لَيْلٍ أَوْ وَقْتٍ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ يُبْقِي الطَّعَامَ فِي مَوْضِعِهِ حِفْظًا لَهُ إلَى أَنْ يُمْكِنَ نَقْلُهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْبَائِعَ لَا يَكُونُ ضَامِنًا لَهُ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ بَقَاءَ الثَّمَرَةِ فِي الْأَصْلِ لِحِفْظِ رُطُوبَتِهَا وَنَضَارَتِهَا وَجْهٌ مَقْصُودٌ مُعْتَادٌ وَعَلَيْهِ ابْتَاعَ الْمُبْتَاعُ؛ لِأَنَّ فِي جَدِّ الثَّمَرَةِ جِهَةَ فَسَادٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُتْلِفُ رُطُوبَتَهَا وَلَا يُمْكِنُ أَكْلُهَا عَلَى الْمَعْهُودِ إلَّا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَلَا يَتَأَتَّى بَيْعُ جَمِيعِهَا وَجَذُّهُ جُمْلَةً فِي الْغَالِبِ فَنَقُولُ إنَّ الثَّمَرَةَ مُبْقَاةٌ فِي الْأَصْلِ لِمَعْنًى مُعْتَادٍ مَقْصُودٍ فَثَبَتَ فِيهَا الْحُكْمُ بِالْجَائِحَةِ كَالْمُبْقَاةِ لِتَمَامِ الصَّلَاحِ وَلِذَلِكَ اسْتَوَيَا فِي وُجُوبِ السَّقْيِ عَلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ أَخَّرَهَا الْمُبْتَاعُ عَنْ الْمُعْتَادِ مِنْ حَالِهَا فَأُجِيحَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَهِيَ مِنْهُ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي وَضْعِ الْجَائِحَةِ فِي الْبُقُولِ لِاخْتِلَافِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي هَذَا الْأَصْلِ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا تُوضَعُ فِيهِ جَائِحَةٌ وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي تُوضَعُ فِيهِ الْجَائِحَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَا الْبَقْلُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ الَّذِي تُوضَعُ فِيهِ الْجَائِحَةُ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ الْمَحْضِ مُفْرَدًا عَنْ أَصْلِهِ وَالْجَائِحَةُ تُوضَعُ فِيهِ فَأَمَّا مَا كَانَ مَهْرًا فِي نِكَاحٍ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا جَائِحَةَ فِيهِ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِيهِ الْجَائِحَةُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا عَقْدٌ لَا يَقْتَضِي الْمُغَابَنَةَ وَالْمُكَايَسَةَ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي الْمُوَاصَلَةَ وَالْمُكَارَمَةَ وَوَضْعُ الْجَائِحَةِ يُنَافِي ذَلِكَ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ هَذَا عَقْدٌ ثَبَتَ فِيهِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ فَثَبَتَ فِيهِ وَضْعُ الْجَائِحَةِ كَالْبَيْعِ الْمَحْضِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ اشْتَرَى عَرِيَّةً فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ تُوضَعُ فِيهَا الْجَائِحَةُ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا تُوضَعُ فِيهَا جَائِحَةٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ ثَمَرَةٌ يَضْمَنُهَا بِخَرْصِهَا ثَمَرًا إلَى الْجِدَادِ فَسَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ بِالْجَائِحَةِ كَالزَّكَاةِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْعَرِيَّةُ نَخْلًا مُعَيَّنَةً، وَإِنْ كَانَتْ أَوْسُقًا مِنْ حَائِطٍ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مِقْدَارُ تِلْكَ الْأَوْسُقِ لَزِمَ الْمُبْتَاعَ أَدَاؤُهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَوْصَى بِثَمَرَةِ حَائِطِهِ لِإِنْسَانٍ وَلِآخَرَ مِنْهُ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَتَلِفَتْ الثَّمَرَةُ إلَّا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَإِنَّ جَمِيعَهَا لَهُ دُونَ مَنْ أَوْصَى لَهُ بِسَائِرِ الثَّمَرَةِ قَالَهُ فِي الْمَبْسُوطِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ بَاعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ أَصْوُعًا مُقَدَّرَةً فَأُجِيحَتْ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ تُوضَعُ مِنْ الْعَدَدِ الْمُسْتَثْنَى بِقَدْرِهِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة إنْ قَصُرَتْ الْجَائِحَةُ عَنْ الثُّلُثِ لَمْ يُوضَعْ مِنْ الْمُسْتَثْنَى شَيْءٌ وَإِنْ بَلَغَتْ وُضِعَ عَنْ الْمُبْتَاعِ مِمَّا اسْتَثْنَى الْبَائِعُ بِقَدْرِ مَا يُوضَعُ عَنْهُ مِنْ ثَمَنِ الثَّمَرَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهَذَا بِخِلَافِ الصُّبْرَةِ يَبِيعُهَا وَيَسْتَثْنِي مِنْهَا كَيْلًا يَكُونُ الثُّلُثَ فَأَدْنَى فَتَهْلَكُ الصُّبْرَةُ إلَّا مَا اسْتَثْنَى الْبَائِعُ مِنْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ دُونَ الْمُبْتَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ لَا يُوضَعُ مِنْ الْعَدَدِ الْمُسْتَثْنَى قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ أُجِيحَ أَكْثَرُ الثَّمَرَةِ أَوْ أَقَلُّهَا.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا عِنْدِي مَبْنِيٌّ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ اخْتِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْ الثَّمَرَةِ كَيْلًا فَعَلَى مَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى يَتَنَاوَلُهُ الْبَيْعُ وَارْتَفَعَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعَقْدِ الِاسْتِثْنَاءِ فَلَا جَائِحَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ ابْتَاعَ مِنْ الْمُشْتَرِي مَا اسْتَثْنَاهُ مِنْ عَدَدِ الْأَوْسُقِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاؤُهُ مُقَدَّمًا فِي ثَمَرَةٍ أَوْ حَائِطٍ وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْحَائِطِ غَيْرُ ذَلِكَ وَعَلَى مَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْبَيْعُ وَإِنَّمَا أَبْقَاهُ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى مِلْكِ
стр. 1269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْبَائِعِ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ صَارَ بِهِ الْبَائِعُ شَرِيكًا لِلْمُبْتَاعِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْجَائِحَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ ثَمَرَةِ الْحَائِطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي تَبْيِينِ مِقْدَارِ الْجَائِحَةِ الَّتِي تُوضَعُ] ١
ُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَبِيعَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: ثِمَارُ التِّينِ وَالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا مِنْ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالتُّفَّاحِ فَهَذِهِ يُرَاعَى فِي جَوَائِحِهَا الثُّلُثُ فَإِنْ قَصُرَتْ الْجَائِحَةُ عَنْ الثُّلُثِ لَمْ يُوضَعْ عَنْ الْمُشْتَرِي مِنْهَا وَإِنْ بَلَغَتْ الثُّلُثَ وُضِعَ عَنْهُ جَمِيعُهَا.
وَنَوْعُ الْبُقُولِ وَهُوَ سَائِرُ أَنْوَاعِ الْبُقُولِ وَالْأُصُولُ الْمَغِيبَةُ مِمَّا الْغَرَضُ فِي أَعْيَانِهَا دُونَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا إنَّ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا نَفْيُ ذَلِكَ جُمْلَةً وَالثَّانِيَةُ إثْبَاتُهَا فَإِذَا قُلْنَا بِإِثْبَاتِ حُكْمِ الْجَائِحَةِ فِيهَا فَهَلْ يُعْتَبَرُ فِيهَا الثُّلُثُ أَمْ لَا رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْجَائِحَةَ تُوضَعُ فِيهَا قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا بَلَغَتْ الثُّلُثَ أَوْ قَصُرَتْ عَنْهُ وَفِي الْمُزَنِيَّة عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءَ التَّافِهَ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْهُ لَا يُوضَعُ مِنْ جَائِحَتِهَا إلَّا مَا بَلَغَ الثُّلُثَ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْبُقُولَ لَمَّا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا إلَّا عِنْدَ جَدِّهَا وَجَبَ أَنْ يُسْتَوْفَى قَلِيلُ مَا يَتْلَفُ مِنْهَا وَكَثِيرُهُ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ ثَبَتَ فِيهِ حُكْمُ الْجَائِحَةِ فَاعْتُبِرَ فِيهَا الثُّلُثُ كَالثَّمَرَةِ وَنَوْعٌ ثَالِثٌ يَجْرِي مَجْرَى الْبُقُولِ فِي أَنَّ أَصْلَهُ مَبِيعٌ مَعَ ثَمَرَتِهِ وَيَجْرِي مَجْرَى الْأَشْجَارِ فِي أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ ثَمَرَتُهُ كَالْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ وَالْقَرْعِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْفُولِ وَالْجُلْبَانِ فَهَذَا رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الثُّلُثَ يُعْتَبَرُ فِي جَائِحَتِهَا وَقَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: الْمَقَاثِي كَالْبَقْلِ تُوضَعُ الْجَائِحَةُ فِيهَا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا دُونَ اعْتِبَارِ ثُلُثٍ.
وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْبَيْعِ الثَّمَرَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ الثَّمَرَةِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذَا نَبَاتٌ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ بِالثُّلُثِ كَالْبُقُولِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِنْ الثِّمَارِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً عِنَبًا وَتِينًا وَرُمَّانًا وَسَفَرْجَلًا وَيَاسَمِينًا وَوَرْدًا فَأُصِيبَ جِنْسٌ مِنْهَا بِجَائِحَةٍ وَسَلِمَ سَائِرُهَا فَإِنَّ جَائِحَةَ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِهِ إنْ بَلَغَتْ ثُلُثَهُ وُضِعَتْ وَإِنْ قَصُرَتْ عَنْهُ لَمْ تُوضَعْ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ جَائِحَةَ الْمُصَابِ مُعْتَبَرَةٌ بِالْجُمْلَةِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي حَائِطٍ وَاحِدٍ أَوْ حَوَائِطَ مُخْتَلِفَةٍ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْجَائِحَةَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الثُّلُثُ لِيَتَمَيَّزَ مَا لَيْسَ بِجَائِحَةٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمُعْتَادَةِ فَإِذَا بَلَغَ ثُلُثَ هَذَا الْجِنْسِ ثَبَتَ أَنَّهُ جَائِحَةٌ وَوَجَبَ وَضْعُهَا وَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ حَوَائِطَ كَثِيرَةً مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَأَصَابَتْ الْجَائِحَةُ حَائِطًا مِنْهَا لَاعْتُبِرَ ثُلُثُ الْجُمْلَةِ وَبِهَذَا تَعَلَّقَ أَصْبَغُ فِي اعْتِبَارِ ثُلُثِ الْجُمْلَةِ وَالْأَجْنَاسِ.
(فَرْعٌ) وَكَيْفَ يَكُونُ الِاعْتِبَارُ بِالثُّلُثِ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ فَيُعْتَبَرُ بِثُلُثِ الْجُمْلَةِ فِي الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَصِفَةُ الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُنْظَرَ إلَى قِيمَةِ الْجِنْسِ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ مِنْ سَائِرِ الْأَجْنَاسِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ ثُلُثَ الْجُمْلَةِ حُكِمَ بِجَائِحَتِهِ وَلَا يُعْتَدُّ بِثُلُثِ الثَّمَرَةِ إذَا ذَهَبَ الْجِنْسُ كُلُّهُ، فَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُهُ فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَنْظُرُ إلَى الْجِنْسِ الَّذِي أُصِيبَ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ بِقَدْرِ ثُلُثِ قِيمَةِ الْجُمْلَةِ فَإِنْ أُصِيبَ ثُلُثُ ثَمَرَتِهِ حُكِمَ بِالْجَائِحَةِ وَإِنْ أُصِيبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ الثَّمَرَةِ فَلَا جَائِحَةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْجِنْسُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الْجُمْلَةِ فِي الْقِيمَةِ فَلَا جَائِحَةَ فِيهِ وَإِنْ أُصِيبَ جَمِيعُهُ، وَقَالَ أَصْبَغُ إنَّمَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَى ثُلُثِ الْقِيمَةِ فَإِنْ أُصِيبَ مِنْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مَا يَفِي ثُلُثَ قِيمَةِ الْجُمْلَةِ فَهِيَ جَائِحَةٌ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَتْ بِجَائِحَةٍ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ التَّقْوِيمَ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي اخْتِلَافِ الْأَجْنَاسِ فَإِذَا كَانَ النَّوْعُ وَاحِدًا وَرُجِعَ إلَى الِاعْتِبَارِ بِهِ فَالِاعْتِبَارُ بِقَدْرِ الثَّمَرَةِ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُفْرَدَةً وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِقِيمَةِ الْجُمْلَةِ أَوْ بِقَدْرِ ثُلُثِ الثَّمَرَةِ الْمُجَاحَةِ، وَأَمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ
стр. 1270
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْجَائِحَةُ الَّتِي تُوضَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي الثُّلُثُ فَصَاعِدًا وَلَا يَكُونُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ جَائِحَةٌ) .
مَا يَجُوزُ فِي اسْتِثْنَاءِ الثَّمَرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَيَسْتَثْنِي مِنْهُ) .
ــ
[المنتقى]
الْأَمْرَانِ جَمِيعًا فَذَلِكَ خِلَافُ الْأَصْوَبِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ جِنْسًا وَاحِدًا أَوْ أَنْوَاعًا مُخْتَلِفَةً فَأُصِيبَ نَوْعٌ مِنْهَا فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِثُلُثِ جَمِيعِ الْمَبِيعِ وَهَلْ يُعْتَبَرُ بِثُلُثِ قِيمَتِهِ أَوْ ثُلُثِ الثَّمَرَةِ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِثُلُثِ الثَّمَرَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِثُلُثِ الْقِيمَةِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُحْبَسَ أَوَّلُهُ عَلَى آخِرِهِ كَالثَّمَرِ وَالْعِنَبِ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي جَائِحَتِهِ بِثُلُثِ الثَّمَرَةِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُحْبَسُ أَوَّلُهُ عَلَى آخِرِهِ كَالْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ وَالْخَوْخِ وَالتُّفَّاحِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ، وَالرُّمَّانِ فَهَاهُنَا يَعْتَبِرُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا ثُلُثَ الثَّمَرَةِ وَأَشْهَبُ يَعْتَبِرُ بِثُلُثِ الْقِيمَةِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الثُّلُثَ إنَّمَا اُعْتُبِرَ لِيُمَيَّزَ بِهِ النَّقْصُ الَّذِي يَكُونُ جَائِحَةً مِنْ النَّقْصِ الْمُعْتَادِ الَّذِي لَا يَكُونُ جَائِحَةً وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِاعْتِبَارِ ثُلُثِ الثَّمَرَةِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْقِيمَةُ وَبِسَبَبِهَا يَزِيدُ الثَّمَنُ وَيَنْقُصُ وَقَدْ يَكُونُ الْيَسِيرُ مِنْ الثَّمَرِ لَهُ مُعْظَمُ الثَّمَنِ وَلَوْ أُصِيبَ الْيَسِيرُ مِنْهَا وَقَلِيلُهُ كَيَسِيرِ الثَّمَنِ يَلْحَقُهُ الضَّرَرُ كَمَا أَنَّهُ إذَا أُصِيبَ الْكَثِيرُ مِنْهَا وَلَا قِيمَةَ لَهُ لَمْ يَلْحَقْهُ كَثِيرُ ضَرُورَةٍ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ نَظَرْت إلَى ثُلُثِ الثَّمَرَةِ فَإِنْ بَلَغَتْهُ الْجَائِحَةُ وُضِعَتْ عَنْ الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ إلَّا عُشْرَ الْقِيمَةِ وَإِنْ قَصُرَتْ عَنْ ثُلُثِ الثَّمَرَةِ لَمْ يُوضَعْ عَنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ بَلَغَتْ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْقِيمَةِ وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ أَشْهَبَ نُظِرَ إلَى ثُلُثِ الْقِيمَةِ فَإِنْ بَلَغَتْهُ الْجَائِحَةُ وُضِعَتْ عَنْ الْمُبْتَاعِ وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَبْلُغْ إلَّا عُشْرَ الثَّمَرَةِ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ ثُلُثَ الْقِيمَةِ لَمْ تُوضَعْ وَإِنْ بَلَغَتْ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الثَّمَرَةِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْجَائِحَةَ الَّتِي تُوضَعُ هِيَ مَا بَلَغَتْ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ أَوْ الْقِيمَةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ قَصُرَتْ عَنْ ذَلِكَ فِي الثِّمَارِ لَمْ تُوضَعْ عَنْ الْمُشْتَرِي وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ جَائِحَةٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُوضَعُ قَلِيلُ ذَلِكَ وَكَثِيرُهُ فِي الثَّمَرَةِ وَغَيْرِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ الثِّمَارَ لَا تَنْفَكُّ مِنْ ذَلِكَ وَلَا تَسْلَمُ مِنْ يَسِيرِ الْعَفَنِ وَأَكْلِ الطَّيْرِ فَهَذَا مِمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي فَلَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ وَلَوْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ لَمَا صَحَّ بَيْعُ ثَمَرٍ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَسْلَمَ جَمِيعُهَا بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيْعٍ يَتَعَيَّنُ فِيهِ يَتَعَذَّرُ فِيهِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ بَاطِلٌ، وَلَمَا أَجْمَعْنَا عَلَى صِحَّةِ بَيْعِ الثَّمَرَةِ وَصِحَّةِ وَضْعِ الْجَائِحَةِ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُوضَعُ مَا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا تَلَفُ الْكَثِيرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ مُعْظَمَ الثَّمَرَةِ لَزِمَ الْمُبْتَاعَ قِيمَتُهَا بِخِلَافِ مَنْ اشْتَرَى صُبْرَةَ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَاسْتُحِقَّ مُعْظَمُهَا أَوْ اشْتَرَى طَعَامًا عَلَى الْكَيْلِ فَذَهَبَ مُعْظَمُهُ قَبْلَ الْكَيْلِ فَإِنَّمَا لَا يَلْزَمُ الْمُبْتَاعَ بَقِيَّتُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْجَوَائِحَ مُعْتَادَةٌ لَا تَسْلَمُ الثَّمَرَةُ مِنْ يَسِيرِهَا، وَكَثِيرُهَا مُتَكَرِّرٌ فِيهَا فَالْمُبْتَاعُ يَدْخُلُ عَلَى الرِّضَا بِمَا بَقِيَ مِنْهَا وَلِذَلِكَ لَزِمَهُ النَّقْدُ فِيهَا وَلَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَاقِي لَمَا جَازَ النَّقْدُ فِيهَا بِالشَّرْطِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ الصُّبْرَةِ أَوْ إتْلَافُ بَعْضِ الصُّبْرَةِ الْمُشْتَرَاةِ عَلَى الْكَيْلِ فَإِنَّهُ نَادِرٌ وَالْمُبْتَاعُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ جَازَ لَهُ النَّقْدُ فِيهِ.
[مَا يَجُوزُ فِي اسْتِثْنَاءِ الثَّمَرِ]
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ بَيْعُ ثَمَرِ حَائِطِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ مَكِيلَةً مَعْرُوفَةً وَالثَّانِي أَنْ يَبِيعَ الْجَمِيعَ عَلَى أَنَّ فِيهِ كَذَا وَكَذَا صَاعًا بِالْخَرْصِ وَالثَّالِثُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ جُزَافًا فَأَمَّا بَيْعُ الْأَصْوُعِ مِنْهُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ عَلَى أَنَّ فِيهِ كَذَا وَكَذَا صَاعًا عَلَى التَّحَرِّي فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ فِيهِ مِنْ بَابِ
стр. 1271
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ جَدَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ بَاعَ ثَمَرَ حَائِطٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ الْأَفْرَقُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ تَمْرًا) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَتْ تَبِيعُ ثِمَارَهَا وَتَسْتَثْنِي مِنْهَا قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا بَاعَ ثَمَرَ حَائِطٍ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ ثَمَرِ حَائِطِهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثُلُثِ الثَّمَرِ لَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ وَمَا كَانَ دُونَ الثُّلُثِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ) .
ــ
[المنتقى]
الْغَرَرِ وَقَاسَهُ عَلَى الصُّبْرَةِ مِنْ الطَّعَامِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا عَلَى التَّحَرِّي عَلَى أَنَّ فِيهَا عَدَدَ أَصْوُعٍ وَوَجْهُ هَذَا عِنْدِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي مِقْدَارِ مَا يَبِيعُهُ بِالتَّحَرِّي وَالْكَيْلِ يَكْثُرُ بِهِ الْغَرَرُ وَالْخَطَرُ لِاجْتِمَاعِهِمَا.
وَأَمَّا أَنْ يَبِيعَهُ جُزَافًا فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا خِلَافَ فِيهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَرْئِيٌّ يَتَأَتَّى فِيهِ الْحَزْرُ فَجَازَ بَيْعُهُ جُزَافًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ كَيْلًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ جُزْءًا شَائِعًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ نَخَلَاتٍ يَخْتَارُهَا فَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْجُزْءِ الشَّائِعِ مِنْهُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ أَيْضًا وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يُجِيزُ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ مِنْ الْجُمْلَةِ بِوَجْهٍ.
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي أَحْكَامِ الْفُصُولِ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْغَرَضَ مَعْلُومٌ مِنْ ذَلِكَ عَارٍ مِنْ الْغَرَرِ فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ أَبِيعُك هَذَا الْحَائِطَ إلَّا تِسْعَةَ أَعْشَارِهِ فَالْمَفْهُومُ بِعْتُك عُشْرَهُ وَذَلِكَ جَائِزٌ وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا يَرْجِعُ إلَى اللَّفْظِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْقِسْمَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(ش) : قَوْله اسْتَثْنَى مِنْهُ يُرِيدُ مِنْ ثَمَرِهِ وَقَوْلُهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ اسْتَثْنَى مِنْهُ جُزْءًا شَائِعًا عَلَى مِثْلِ هَذَا الْغَرَرِ أَوْ اسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى كَيْلٍ مَعْلُومٍ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ قَدَّرَهُ، فَإِنْ كَانَ اسْتَثْنَى مِنْهُ جُزْءًا شَائِعًا فَذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ الثُّلُثِ الْخُمْسَ، وَإِنْ كَانَ اسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى الْكَيْلِ بِسِعْرٍ مُتَقَرِّرٍ فَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ قَدْرُ الثُّلُثِ فَأَقَلُّ مِنْ الثَّمَرَةِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى الثَّمَرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَقَدَّرَ هَذَا بِالثَّمَرِ لَجَازَ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ الْأَكْثَرُ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَنَّ مَنْ بَاعَ ثَمَرَةَ حَائِطِهِ جُزَافًا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ كَيْلًا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثُّلُثِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ لَا يُدْخِلُ غَرَرًا فِي الْمَبِيعِ فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْعَقْدِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا اسْتَثْنَى جُزْءًا شَائِعًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ ذَلِكَ بُسْرًا أَوْ رُطَبًا أَوْ تَمْرًا قَالَهُ أَصْبَغُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى يَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ فَمَا يُفْسِدُهُ بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ لَا يَفْسُدُ لِلْجَهْلِ بِمَالِهِ أَصْلُ ذَلِكَ سَائِرُ أَمْلَاكِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ الْحَائِطُ نَوْعًا وَاحِدًا فَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً فَاسْتَثْنَى مِنْهُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ قَدْرَ ثُلُثِهِ جَازَ ذَلِكَ وَإِنْ اسْتَثْنَى مِنْ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ إلَّا أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ الْجُمْلَةِ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ قَدْرَ ثُلُثِ الثَّمَرَةِ الْمَبِيعَةِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِثُلُثِ الْحَائِطِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ إنَّمَا يَبْقَى فِي الْكَيْلِ دُونَ الْقِيمَةِ وَلَا يَبْقَى هَذَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ أَفْضَلِ أَنْوَاعِ الْحَائِطِ وَتِلْكَ صِفَةٌ رَضِيَهَا الْمُبْتَاعُ لَا تُدْخِلُ غَرَرًا فِي الْكَيْلِ وَالْقَدْرِ فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْغَرَضَ قَدْ يَكُونُ فِي نَوْعٍ مِنْهُ وَيَشْتَرِي الْجُمْلَةَ لِأَجْلِهِ وَإِذَا اسْتَثْنَى مِنْهُ كَيْلًا أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ أَدْخَلَ غَرَرًا فِي الْمَقْصُودِ مِنْ الْبَيْعِ وَرُبَّمَا اسْتَثْنَى مِنْهُ مَا يَقْصُرُ عَنْهُ جَمِيعُهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ بَاعَ مِنْهُ صُبْرَةَ طَعَامٍ جُزَافًا لَكَانَ حُكْمُهَا فِي جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ ثُلُثِهَا بِالْكَيْلِ وَمَنْعِ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ حُكْمَ الثَّمَرَةِ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ الصُّبْرَةِ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا كَيْلًا وَلَا جُزْءًا مُشَاعًا قَالَ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَاحْتَجَّ بِذَلِكَ أَنَّ الْجُزَافَ إنَّمَا جَازَ بَيْعُهُ لِلضَّرُورَةِ لِمَا يُرِيدُ
стр. 1272
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا الرَّجُلُ يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَيَسْتَثْنِي مِنْ ثَمَرِ حَائِطِهِ ثَمَرَ نَخْلَةٍ أَوْ نَخَلَاتٍ يَخْتَارُهَا وَيُسَمِّي عَدَدَهَا فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا؛ لِأَنَّ رَبَّ الْحَائِطِ إنَّمَا اسْتَثْنَى شَيْئًا مِنْ ثَمَرِ حَائِطِ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ احْتَبَسَهُ مِنْ حَائِطٍ وَأَمْسَكَهُ لَمْ يَبِعْهُ وَبَاعَ مِنْ حَائِطِهِ مَا سِوَى ذَلِكَ) .
مَا يُكْرَهُ مِنْ بَيْعِ التَّمْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ فَقِيلَ لَهُ إنَّ عَامِلَك عَلَى خَيْبَرَ يَأْخُذُ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
ــ
[المنتقى]
الْبَائِعُ أَنْ يُزِيلَ عَنْ نَفْسِهِ مَشَقَّةَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ فَإِذَا اسْتَثْنَى مِنْهُ جُزْءًا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْكَيْلِ فَلَا يَقْصِدُ إلَّا الْمُخَاطَرَةَ فِي قَدْرِ الْمَبِيعِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّبْرَةِ وَالثَّمَرَةِ أَنَّ الثَّمَرَةَ لَا يَتَأَتَّى فِيهَا الْكَيْلُ وَالصُّبْرَةُ يَتَأَتَّى فِيهَا الْكَيْلُ وَهَذَا عِنْدِي يَكُونُ فِيهِ قَوْلَانِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْقَوْلِ فِي اسْتِثْنَاءِ الْمُبْتَاعِ بَعْضَ الثَّمَرَةِ الْمَأْبُورَةِ مَعَ الْأَصْلِ وَبَعْضَ الثَّمَرَةِ التَّابِعَةِ لِلدَّارِ الْمُكْتَرَاةِ فَهَذَا عَلَى تَسْلِيمِ هَذِهِ الْعِلَّةِ زَادَ عَلَى مَنْعِهَا وَقَوْلُهُ إنَّ الْجُزَافَ فِي الْبَيْعِ أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَأَتِّي الْحَزْرِ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُ مَا قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثُلُثِ الثَّمَرَةِ لَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ اسْتِثْنَاءَ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ ثُلُثِ الثَّمَرَةِ بِالْكَيْلِ يَكْثُرُ بِهِ الْغَرَرُ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَفِي الْمُزَنِيَّة عَنْ عِيسَى يُفْسَخُ الْبَيْعُ فَإِنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ قَدْ جَدَّهَا وَقَدْ قَبَضَ الْبَائِعُ مَا اسْتَثْنَاهُ رَدَّ الْمُبْتَاعُ كَيْلَ التَّمْرِ الَّذِي أَخَذَ إنْ عَرَفَ كَيْلَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ كَيْلَهُ فَقِيمَتُهُ خَرْصُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمُ مَا يُفْسَخُ فِيهِ الْبَيْعُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ.
(ش) : اسْتِثْنَاءُ الرَّجُلِ مِنْ حَائِطِهِ فِي الْبَيْعِ عَدَدَ نَخَلَاتٍ يَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يُعَيِّنَهَا وَذَلِكَ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الْبَيْعَ عَلَى سَائِرِهَا وَهُوَ مُعَيَّنٌ وَالثَّانِي أَنْ يُطْلِقَ الْقَوْلَ فَيَقُولُ أَبِيعُ مِنْهُ هَذَا الْحَائِطَ غَيْرَ أَرْبَعِ نَخَلَاتٍ أَوْ خَمْسٍ فَهَذَا الْبَيْعُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ لَهُ وَجْهًا فِي الصِّحَّةِ وَمَخْرَجًا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَكُونُ شَرِيكًا بِمَا اسْتَثْنَاهُ مِنْ الْعَدَدِ فِي عَدَدِ جَمِيعِ الْحَائِطِ فَإِنْ كَانَ اسْتَثْنَى خَمْسَةً، وَالْحَائِطُ خَمْسُونَ كَانَ لَهُ عُشْرُ الثَّمَنِ مُشَاعًا وَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ أَرْبَعِينَ كَانَ لَهُ ثَمَنُ الثَّمَرِ وَعَلَى هَذَا الْحِسَابِ يَكُونُ شَرِيكًا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ شَرَطَ اخْتِيَارَ مَا اسْتَثْنَى مِنْهَا فَإِنْ كَانَ اسْتَثْنَى الْكَثِيرَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ اسْتَثْنَى الْيَسِيرَ جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَيْسَ يَمْتَنِعُ فَلَا يَفْسُدُ بِغَرَرٍ وَلَا شَيْءَ مِمَّا تَفْسُدُ بِهِ الْبُيُوعُ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ مَا يَجُوزُ فِي اخْتِيَارِهِ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ شَجَرَةً ثُمَّ يَتْرُكَهَا وَيَخْتَارَ غَيْرَهَا إنَّمَا يُفْسِدُهَا مَا انْتَقَلَ إلَى الْمُخْتَارِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْبَيْعِ أَوْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى الْمَلِكِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ اسْتِثْنَاءُ مَا يَخْتَارُهَا مِنْ الْحَائِطِ لِجَوَازِ أَنْ يَخْتَارَ ثَمَرَةً ثُمَّ يَتْرُكَهَا وَيَأْخُذَ غَيْرَهَا فَيَدْخُلَهُ التَّفَاضُلُ فِي الْمَطْعُومِ وَمِثْلُ هَذَا يَجُوزُ عَلَى الْبَائِعِ فِي اخْتِيَارِهِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ كَمَا لَا يَجُوزُ اخْتِيَارُ الْمُبْتَاعِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ وَاشْتَرَطَ الْبَائِعُ اخْتِيَارَ عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ اشْتَرَطَ اخْتِيَارَ يَسِيرٍ مِنْهُ جَازَ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ الْكَثِيرَ ذَهَبَ بِمُعْظَمِ الْجُمْلَةِ فَدَخَلَ كَثِيرُ الْغَرَرِ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا أَوْ الْجَهْلِ بِصِفَتِهَا وَتَفَاوَتَ التَّغْرِيرُ فِيهَا فَعَادَ ذَلِكَ بِفَسَادِ الْعَقْدِ وَإِنْ اشْتَرَطَ الْيَسِيرَ مِنْهَا بَقِيَ مُعْظَمُ الْجُمْلَةِ فَقَلَّ الْغَرَرُ فِيهَا وَتَفَاوَتَ أَمْرُهَا وَيَجُوزُ مِنْ الْمُبْتَاعِ الِانْتِفَاعُ عَلَى اخْتِيَارِ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَا بَقِيَ لِلْبَائِعِ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْمُبْتَاعِ لَيْسَ بِمَبِيعٍ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْجَهْلُ بِصِفَةٍ وَلَا كَثِيرُ الْغَرَرِ وَمَا بَقِيَ لِلْمُبْتَاعِ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْبَائِعِ هُوَ الْمَبِيعُ فَفَسَدَ الْبَيْعُ بِكَثْرَةِ الْغَرَرِ وَجَهْلِهِ بِالصِّفَةِ.
стр. 1273
اُدْعُوهُ لِي فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَأْخُذُ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا يَبِيعُونَنِي الْجَنِيبَ بِالْجَمْعِ صَاعًا بِصَاعٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» مَالِكٌ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا فَقَالَ لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَفْعَلْ ذَلِكَ بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» )
ــ
[المنتقى]
[مَا يُكْرَهُ مِنْ بَيْعِ التَّمْرِ]
(ش) : وَهَكَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَالرُّوَاةُ يَقُولُونَ: عَبْدُ الْحَمِيدِ وَقَوْلُهُ ﷺ : «التَّمْرَ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» يُرِيدُ ﷺ أَنَّ هَذَا حُكْمُ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَإِذَا اخْتَصَّ هَذَا الْحُكْمُ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمٌ مُبَاحٌ غَيْرُهُ يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي الْأَرْبَعِ الْمُسَمَّيَاتِ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالْمِلْحُ وَقَدْ ذُكِرَتْ كُلُّهَا فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى لَا مَا اخْتَلَفَتْ أَوْزَانُهُ» وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَذَكَرَ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورَةَ وَذَكَرَ مَعَهَا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِي إسْنَادِهِ بَعْضُ الْمَقَالِ فَهَذَا الْمِقْدَارُ مِنْهُ قَدْ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ وَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَجَمَاعَةُ النَّاسِ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ أُصُولٌ فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ لِفُرُوعٍ لَاحِقَةٍ بِهَا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي أَعْيَانِ تِلْكَ الْفُرُوعِ لِاخْتِلَافِ الْمَعَانِي الْمُتَعَدِّيَةِ إلَيْهَا وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّ تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ مَقْصُورٌ عَلَيْهَا دُونَ سَائِرِ الْمَطْعُومَاتِ وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْأَرْبَعَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَالرِّبَا الزِّيَادَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّفَاضُلُ حَرَامًا فِي كُلِّ شَيْءٍ لِحَقِّ الْعُمُومِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ.
(فَصْلٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْأَرْبَعِ الْمُسَمَّيَاتِ فَرَوَى مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَهُ الْكَيْلُ أَوْ الْوَزْنُ فِيمَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ جِنْسٌ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَطْعُومُ جِنْسٍ فَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ فَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّهُ مُقْتَاتُ جِنْسٍ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ الْعِلَّةَ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ لِلْأَكْلِ غَالِبًا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ نَافِعٍ وَإِنْ خَالَفَهُ فِي مَعْنَى الِادِّخَارِ لِلْأَكْلِ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ مَالِكٌ فَلَا تَجُوزُ الْفَوَاكِهُ الَّتِي تَيْبَسُ وَتُدَّخَرُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ إذَا كَانَتْ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ وَجِيءَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّ الْعِلَّةَ الِادِّخَارُ لِلِاقْتِيَاتِ فَلَا يَجْرِي الرِّبَا فِي الْفَوَاكِهِ الَّتِي تَيْبَسُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُقْتَاتَةِ وَلَا يَجْرِي الرِّبَا فِي الْبَيْضِ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُقْتَاتَةً فَلَيْسَتْ بِمُدَّخَرَةٍ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدِي أُجْرِيَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَعَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَصْحَابُنَا مِنْ الْحَدِيثِ فَالْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّنَا نُرَاعِي الِاقْتِيَاتَ وَهُوَ لَا يُرَاعِيهِ بَلْ يُعَدِّي ذَلِكَ إلَى كُلِّ مَوْزُونٍ وَالْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّنَا نُعَدِّي الْعِلَّةَ إلَى قَلِيلِ الْمُقْتَاتِ الَّذِي لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْلُ وَهُوَ لَا يُعَدِّيهَا إلَيْهِ وَيُجَوِّزُ فِيهِ التَّفَاضُلَ وَالْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ فِي فَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّهُ يُعَدِّي الْعِلَّةَ إلَى كُلِّ مَطْعُومٍ مِنْ السَّقَمُونْيَا وَشَحْمِ الْحَنْظَلِ وَالْأَدْوِيَةِ وَغَيْرِهَا وَنَحْنُ نَقْصُرُهَا عَلَى مَا يُقْتَاتُ مِنْ الْمَطْعُومِ وَلَنَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ نَدُلَّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ وَالثَّانِي أَنْ نَدُلَّ عَلَى فَسَادِ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ.
وَالدَّلِيلُ لَنَا عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَّ
стр. 1274
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَلَى التَّمَاثُلِ فِي الْأَرْبَعِ الْمُسَمَّيَاتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ قُلْنَا فِيهِ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ﷺ لَمَّا نَصَّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةِ الْأَسْمَاءِ وَالْجِنْسِ عَلِمْنَا أَنَّهُ قَصَدَ إلَى ذِكْرِ أَنْوَاعِ الْجِنْسِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِرْبِزَ وَالْبِطِّيخَ لِيَدُلَّ بِهِ عَلَى الْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ وَلَا ذَكَرَ السَّقَمُونْيَا وَلَا الطَّبَاشِيرَ وَلَا الْأَسَارُونَ لِيُنَبِّهَ بِهِ عَلَى الْأَدْوِيَةِ وَلَا ذَكَرَ الْجِيرَ وَلَا الرَّمَادَ لِيُنَبِّهَ بِهِ عَلَى الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَكَانَ الظَّاهِرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَنْوَاعِ الْجِنْسِ فَإِنَّ الْجِنْسَ لَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الْأَرْبَعِ الْمُسَمَّيَاتِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا.
وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ قَصَدَ بِذِكْرِ هَذِهِ الْأَرْبَعِ الْمُسَمَّيَاتِ إلَى التَّنْبِيهِ عَلَى عِلَّةِ الرِّبَا فِيهَا فَأَتَى بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةِ الْجِنْسِ وَالْمَعْنَى وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعِلَّةَ أَخَصُّ صِفَةٍ تُوجَدُ فِيهَا وَوَجَدْنَا التَّمْرَ يُؤْكَلُ قُوتًا وَيُؤْكَلُ حَلَاوَةً وَتَفَكُّهًا فَلَوْلَا اقْتِرَانُ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ بِهِ لَلَحِقَتْ بِهِ الْحَلَاوَاتُ وَالْفَوَاكِهُ خَاصَّةً وَوَجَدْنَا الشَّعِيرَ يُؤْكَلُ مِنْ أَدْنَى الْأَقْوَاتِ وَيَكُونُ عَلَفًا فَلَوْلَا اقْتِرَانُ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ بِهِ لَجَازَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ أَدْنَى الْأَقْوَاتِ خَاصَّةً دُونَ أَعْلَاهَا وَلَجَازَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ الْعَلَفُ مِنْ الْقَضْبِ وَالْقُرْطِ وَوَجَدْنَا الْمِلْحَ مِمَّا يُصْلِحُ الْأَقْوَاتَ وَيُطَيِّبُهَا فَلَوْلَا اقْتِرَانُ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ بِهِ لَجَازَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ الْأَقْوَاتُ الْمُصْلَحَةُ وَلَجَازَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ الْمَاءُ وَالْبُقُولُ الَّتِي يَصْلُحُ بِهَا الْبِطِّيخُ وَوَجَدْنَا الْبُرَّ أَرْفَعَ الْأَقْوَاتِ وَمَا يُقْتَاتُ عَامًا فَلَوْلَا اقْتِرَانُ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ بِهِ لَقَصَرْنَا حُكْمَهُ عَلَى رَفِيعِ الْأَقْوَاتِ وَمَنَعْنَا الرِّبَا أَنْ يَجْرِيَ فِي أَدْوَنِهَا أَوْ يَجْرِيَ فِي الْأُرْزِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يَعُمُّ اقْتِيَاتُهُ وَلَوْ أَرَادَ عُمُومَ الْعِلَّةِ لَاكْتَفَى بِاسْمٍ وَاحِدٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ كُلَّمَا كَثُرَتْ أَوْصَافُ الْعِلَّةِ كَانَتْ أَخَصَّ وَكُلَّمَا قَلَّتْ كَانَتْ أَعَمَّ.
وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى إبْطَالِ مَا قَالُوهُ إنَّ كُلَّ جِنْسٍ ثَبَتَ فِيهِ الرِّبَا لِعِلَّةٍ فَإِنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَاتِ عَلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ عِلَّتِهِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَمَّا ثَبَتَ الرِّبَا فِيهَا بِعِلَّةِ الْوَزْنِ عِنْدَهُمْ وَبِعِلَّةِ أَنَّهَا أُصُولُ الْأَثْمَانِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ عِنْدَنَا لَمْ يَزُلْ حُكْمُ الرِّبَا عَنْهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَا مِنْ نِقَارٍ أَوْ تِبْرٍ أَوْ سِكَّةٍ أَوْ صِيَاغَةٍ جَرَتْ مَوْزُونَةً أَوْ عَدَدًا ثُمَّ نَظَرْنَا فِي الْحِنْطَةِ إذَا طُحِنَتْ وَخُبِزَتْ فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الرِّبَا ثَابِتًا فِيهَا أَوْ غَيْرَ ثَابِتٍ فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا حَصَلَ أَنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَاتِ عَلَيْهَا أَخْرَجَهَا عَنْ عِلَّتِهَا فِي الرِّبَا وَأَوْجَبَ أَنْ يُعَلَّلَ الرِّبَا فِيهَا بِعِلَّةٍ أُخْرَى وَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِبُطْلَانِ الْعِلَّةِ الْأُخْرَى وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُ الصِّفَاتِ عَلَى الْجِنْسِ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ الرِّبَا يُسْقِطُ الرِّبَا عَنْهُ وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى الْفَصْلِ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الرِّبَا يَجْرِي فِي قَلِيلِ الْحِنْطَةِ فَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» وَهَذَا عَامٌّ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ جِنْسٍ حَرُمَ التَّفَاضُلُ فِي كَثِيرِهِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ فِي قَلِيلِهِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمِمَّا يَخْتَصُّ بِالشَّافِعِيِّ أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِي التَّفَاضُلِ لَمَّا تَعَلَّقَتْ بِالْجَوَاهِرِ الْمَعْدِنِيَّةِ تَعَلَّقَتْ بِأَرْفَعِهَا وَهُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ دُونَ أَدْوَنِهَا وَهُوَ الرَّصَاصُ وَالْآنُكُ وَالنُّحَاسُ وَإِذَا تَعَلَّقَتْ بِالْمَطْعُومِ وَجَبَ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِأَرْفَعِهِ وَهُوَ الْمُقْتَاتُ دُونَ غَيْرِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعِلَّةَ الِاقْتِيَاتُ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَقْصُرُ عَلَى كُلِّ مَأْكُولٍ مُقْتَاتٍ دُونَ مَا يُؤْكَلُ عَلَى وَجْهِ التَّفَكُّهِ أَوْ التَّدَاوِي فَجَرَى الرِّبَا فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ وَالْعَلَسِ وَالْأُرْزِ وَالدَّخَنِ وَالذُّرَةِ وَالْقُطْنِيَّةِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَالسُّكَّرِ وَالزَّبِيبِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ وَاللَّحْمِ وَاللَّبَنِ وَمَا يَكُونُ مِنْهُ وَالْمِلْحِ وَالْأَبْزَارِ وَالْفُلْفُلِ وَالْكَرَوْيَاءِ وَحَبِّ الْكُزْبَرِ وَالْقِرْفَةِ وَالسُّنْبُلِ وَالْخَرْدَلِ وَالْقُرْطُمِ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَوَدَكِ الرُّءُوسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُقْتَاتُ عَلَى اخْتِلَافِ عَادَاتِ الْبِلَادِ فِي ذَلِكَ وَاتِّفَاقِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَاخْتَلَفَ
стр. 1275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَصْحَابُنَا فِي الشَّمَرِ وَالْأَنِيسُونِ وَالْكَمُّونِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هِيَ مِمَّا يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْأَقْوَاتِ وَقَالَ أَصْبَغُ لَا يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ عَلَى وَجْهِ التَّدَاوِي وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الشَّمَارَ وَالْأَنِيسُونَ وَالْكَمُّونَ الْأَسْوَدَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْخُبْزِ عَلَى مَعْنَى تَطْيِيبِهِ وَتَحْسِينِ طَعْمِهِ وَالْكَمُّونُ الْأَبْيَضُ يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّبْخِ كَالْفُلْفُلِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ الْخُبْزَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ صِنَاعَةُ الْأَبْزَارِ غَالِبًا وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ فَلَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي إصْلَاحِ الْقُوتِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَصْفَ الْعِلَّةِ الِادِّخَارَ لِلْأَكْلِ دُونَ الِاقْتِيَاتِ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ الرِّبَا فِي الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبُنْدُقِ وَالصَّنَوْبَرِ وَالْفُسْتُقِ وَأَنْوَاعِ الْفَوَاكِهِ كُلِّهَا الَّتِي تُدَّخَرُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ حَبِيبٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الْفَوَاكِهِ الَّتِي يَقِلُّ ادِّخَارُهَا كَالْخَوْخِ وَالرُّمَّانِ وَالْإِجَّاصِ وَعُيُونِ الْبَقَرِ وَالْمَوْزِ مِمَّا يُدَّخَرُ وَيَيْبَسُ فَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ وَيَيْبَسُ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ إنَّهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الرُّمَّانِ زَادَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة وَالْخَوْخِ وَالْإِجَّاصِ وَعُيُونِ الْبَقَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَيْبَسُ وَإِنْ يَبِسَ لَمْ يَكُنْ فَاكِهَةً وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَابْنُ نَافِعٍ عَلَى أَنَّ الْبِطِّيخَ وَالْخِرْبِزَ وَالْقِثَّاءَ وَالْأُتْرُجَّ وَالْخَوْخَ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ.
فَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا لَا تَيْبَسُ وَلَا تُدَّخَرُ غَالِبًا وَمِنْهَا مَا لَا يَيْبَسُ بِوَجْهٍ كَالْمَوْزِ، وَأَمَّا الرُّمَّانُ فَإِنْ يَبِسَ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْفَاكِهَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَيْبَسُ كَالْخَوْخِ وَالْإِجَّاصِ وَالْكُمَّثْرَى فَإِنَّهُ لَا يَيْبَسُ غَالِبًا وَلَا تُعَلَّلُ الْأَحْكَامُ بِمَا يَنْدُرُ وَهَذَا عَلَى مَا أَصَابَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ الرُّمَّانِ فَإِنَّهُ عَلَى مَا قَالَ مَا يَيْبَسُ مِنْهُ لَا يَكُونُ فَاكِهَةً فَحُكْمُهُ فِي الْفَاكِهَةِ حُكْمُ مَا لَا يَيْبَسُ بِوَجْهٍ كَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُدَّخَرُ لِلْأَكْلِ وَيَبْقَى بِأَيْدِي النَّاسِ عَلَى حَالِهِ الْمُدَّةَ مِنْ الْعَامِ فَجَرَى فِيهِ الرِّبَا كَالْجَوْزِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ مِمَّا يُدَّخَرُ فَسَائِغٌ فِي جَمِيعِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَيَيْبَسُ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إلَى غَيْرِ الْجَوْزِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الرُّمَّانِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَيْبَسُ قِشْرُهُ إلَّا عَلَى الْحَافِظِ لِرُطُوبَةِ الْحَبِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَيَجِبُ أَنْ يَلْحَقَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا الْبُرْقُوقُ وَالْجَرَاسْيَا فَإِنَّهُمَا يُرَبَّبَانِ عَلَى وَجْهِ مَا يُرَبَّبُ عَلَيْهِ الْخَوْخُ وَالْكُمَّثْرَى وَالتُّفَّاحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
وَمَنْ جَعَلَ الْعِلَّةَ الِاقْتِيَاتَ لَمْ يُجِزْ الرِّبَا إلَّا فِي كُلِّ مُقْتَاتٍ مُدَّخَرٍ، وَأَمَّا مَا يَكُونُ مُدَّخَرًا غَيْرَ مُقْتَاتٍ كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ أَوْ مُقْتَاتًا غَيْرَ مُدَّخَرٍ كَالْبَيْضِ فَلَا يَجْرِي فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الرِّبَا وَعَلَى الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يَجْرِي الرِّبَا فِي الْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ مِنْ التُّفَّاحِ وَالرُّمَّانِ وَالْكُمَّثْرَى وَعُيُونِ الْبَقَرِ وَالْخَوْخِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا يُدَّخَرُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُعْتَادٍ فِيهَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ فَقِيلَ لَهُ «إنَّ عَامِلَك عَلَى خَيْبَرَ يَأْخُذُ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ» ظَاهِرُهُ أَنَّ تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ فِي ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ فَاشِيًا وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِقُرْبِ حُدُوثِ هَذَا الْحُكْمِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَامِلُهُ وَلَا عَلِمَ بِهِ مَنْ عَلِمَ اسْتِجَازَةَ عَامِلِهِ لِلتَّفَاضُلِ فِيهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ وَلَا أَنْهَاهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يُقْدِمُ عَلَى خَيْبَرَ عَامِلًا إلَّا مَنْ يَفْقَهُ وَيَعْلَمُ صَلَاحَ حَالِهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْهُ أَصْحَابُهُ عَلَى الْعَامِلِ حِينَ عَلِمُوا عَمَلَهُ بِهِ حَتَّى سَمِعُوا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْعَامِلَ بِخَيْبَرَ يَعْمَلُ بِهِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ كَانَ وَقْتَ ثُبُوتِ هَذَا الْحُكْمِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «اُدْعُوهُ لِي» ظَاهِرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِيَعْلَمَ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَلِيَمْنَعَهُ مِنْ مَحْظُورَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مِنْ فِعْلِهِ وَأَنَّ الدَّاعِيَ لَهُ إلَى ذَلِكَ تَفَاضُلُ التَّمْرِ وَأَنَّهُ لَا يَجِدُ مَنْ يُعْطِيهِ الْجَيِّدَ بِالرَّدِيءِ مُتَمَاثِلًا نَهَاهُ عَنْ فِعْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَبَيَّنَ لَهُ الطَّرِيقَ إلَى تَحْصِيلِ غَرَضِهِ مِنْ أَخْذِ الْجَيِّدِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الرَّدِيءِ بِأَنْ يَبِيعَ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ وَيَبْتَاعَ بِهَا الْجَنِيبَ
стр. 1276
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ «سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ الْبَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ أَيَّتُهُمَا أَفْضَلُ فَقَالَ الْبَيْضَاءُ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ سَعْدٌ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنْ اشْتِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ فَقَالُوا نَعَمْ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ» ) .
ــ
[المنتقى]
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] .
وَلَمْ يَرِدْ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ الْعَامِلَ بِرَدِّ بَيْعِهِ وَإِنْ كَانَ رَوَى أَمْرَهُ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ مِنْ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ عَنْهُ قَالَ «كَانَ عِنْدِي تَمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدْت تَمْرًا أَخْيَرَ مِنْهُ فَاشْتَرَيْت صَاعًا بِصَاعَيْنِ فَأَتَيْت بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَا هَذَا فَقُلْت لَهُ اشْتَرَيْته صَاعًا بِصَاعَيْنِ فَقَالَ رُدَّهُ وَرُدَّ عَلَيْنَا تَمْرَنَا» .
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ صَحِيحٍ وَلَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ «رُدَّهُ وَرُدَّ عَلَيْنَا تَمْرَنَا» فَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤْمَرْ هَذَا بِرَدِّ بَيْعِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بَيْعُهُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ لِلسَّامِعِ مَنْ يَسْتَحِلَّهُ وَيَرَى اسْتِدَامَتَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَعَامَلَ بِذَلِكَ كِتَابِيَّانِ ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ أَنْ تَقَابَضَا فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ شَيْءٌ مِنْهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا مِنْ بِيَاعَاتِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلَا رَجَّعَ النِّسَاءَ عَلَيْهِمْ بِمُهُورِهِنَّ وَإِنْ كَانَ مِنْهَا مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ قَبْضِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَقَبْلَ قَبْضِ الثَّانِي فَكَانَ الَّذِي أَسْلَمَ مَنْ لَهُ الْفَضْلُ لَمْ يَأْخُذْ لَهُ إلَّا مِثْلَ مَا أَعْطَى وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الرِّبَا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «وَضَعَ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» .
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَسْلَمَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ قَالَ إنْ لَمْ أُوجِبْ عَلَيْهِ إلَّا مَا أَخَذَ أَخَاف أَنْ أَظْلِمَ الذِّمِّيَّ وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ قَضَى عَلَيْهِ بِالرِّبَا مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دِينَارَانِ سُلِّمَ إلَيْهِ فِيهِمَا دِينَارٌ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَى الْمَطْلُوبِ بِالدِّينَارَيْنِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمَا وَجَبَ إسْقَاطُ الرِّبَا وَتَرَاجَعَا غَيْرَهُ، وَجْهُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّ تَعَامُلَهُمَا حِينَ الْعَقْدِ لَمْ يَمْنَعْهُ الْإِسْلَامُ وَاَلَّذِي لَهُ الْحَقُّ مُسْتَدِيمٌ اسْتِبَاحَتَهُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوَقْتِ الْعَقْدِ لَا بِوَقْتِ الْأَدَاءِ وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنْ يُرَاعَى وَقْتُ التَّعَامُلِ وَوَقْتُ الْأَدَاءِ فَهُوَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ حُكْمٌ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ فَيَجِبُ أَنْ يَغْلِبَ فِيهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ.
(فَصْلٌ) :
وَإِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ بِلَالٍ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالرَّدِّ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ حُكْمِ التَّحْرِيمِ وَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ مَا وَقَعَ مِنْهُ الْيَوْمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ وَقَعَ مِمَّنْ عَلِمَ بِتَحْرِيمِهِ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ جَهِلَاهُ جَمِيعًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ الْجَنِيبُ: الْكَبِيسُ، وَقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ الْمِصْرِيُّ الْجَنِيبُ: الَّذِي لَيْسَ فِيهِ خِلْطٌ وَالْجَمْعُ الْمُخْتَلِطُ وَقَالَ كُرَاعٌ فِي الْمُنَظَّمِ الْجَنِيبُ مِنْ التَّمْرِ: هُوَ الْمَتِينُ.
(ش) : الْبَيْضَاءُ هِيَ الْمَحْمُولَةُ وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ الْحِنْطَةِ يَكُونُ بِمِصْرَ وَالسَّمْرَاءُ نَوْعٌ آخَرُ يَكُونُ بِالشَّامِ وَهِيَ أَفْضَلُ جَوْدَةً مِنْ الْمَحْمُولَةِ فَسُؤَالُ سَعْدٍ أَيَّتُهُمَا أَفْضَلُ فِي السُّلْتِ بِالْمَحْمُولَةِ لَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَفْضَلَ فِي الصِّفَةِ أَوْ الْقَدْرِ وَفِي الْمُزَنِيَّة سَأَلْته عَنْ كَرَاهِيَةِ سَعْدٍ الْبَيْضَاءَ بِالسُّلْتِ هَلْ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فَقَالَ مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ وَمِثْلًا بِمِثْلٍ فَإِنْ كَانَ الْمَسْئُولُ قَدْ جَاوَبَ عَمَّا سُئِلَ عَنْهُ خَاصَّةً فَقَدْ حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى التَّفَاضُلِ فِي الصِّفَةِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَفْضَلَ فِي الْقَدْرِ يَعْنِي بِذَلِكَ أَكْثَرَ كَيْلًا وَفِي هَذَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى سَعْدٍ وَلَا غَيْرِهِ أَنَّ الْحِنْطَةَ أَفْضَلُ عَيْنًا مِنْ السُّلْتِ وَالثَّانِي أَنَّهُ اسْتَدَلَّ سَعْدٌ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الرُّطَبِ
стр. 1277
مَا جَاءَ فِي الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا» )
ــ
[المنتقى]
بِالتَّمْرِ لِأَجْلِ التَّفَاضُلِ وَلَوْ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ لِجَوْدَةِ الْعَيْنِ لَمَا صَحَّ اسْتِدْلَالُهُ بِذَلِكَ وَنَهْيُ سَعْدٍ عَنْ التَّفَاضُلِ فِي السُّلْتِ بِالْبَيْضَاءِ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا عِنْدَهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَلِذَلِكَ أُخِذَ حُكْمُهُمَا مِنْ مَنْعِ التَّفَاضُلِ فِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ السُّلْتَ وَالْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الزَّكَاةِ وَفِي مَنْعِ التَّفَاضُلِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَخَذَ سَعْدٌ حُكْمَ السُّلْتِ بِالْبَيْضَاءِ مِنْ حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْقِيَاسِ وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَحْفَظُ عَنْهُ قِصَّةً أَوْ دَعْوَى أَوْ قَضِيَّةً إلَّا وَجَمِيعُهَا أَوْ مُعْظَمُهَا الْقِيَاسُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الرُّطَبِ أَيَنْقُصُ إذَا يَبِسَ تَعْلِيمٌ لِلْقِيَاسِ وَتَنْبِيهٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّ الرُّطَبَ يَنْقُصُ إذَا يَبِسَ وَلَكِنَّهُ ﷺ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى عِلَّةِ التَّحْرِيمِ وَهُوَ التَّفَاضُلُ فِي هَذَا الْجِنْسِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَأَنَّ رُطَبَهُ كَانَ فِيهِ غَرَضٌ لَا يَكُونُ فِي يَابِسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ جِنْسِهِ وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا لِمَا يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمَا مِنْ الِاسْمِ أَوْ بَعْضِ الْأَغْرَاضِ إذَا اتَّفَقَا فِي مُعْظَمِهَا وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي مَصْعَبٍ «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ حَوْلَهُ أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ» وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَرَادَ تَعْلِيمَ جَمِيعِهِمْ وَتَقْرِيرَهُمْ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ مَوْجُودَةٌ مُسَلَّمَةٌ بِاتِّفَاقٍ وَلَمَّا قَالُوا نَعَمْ نَهَى عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ مَنْعَ التَّفَاضُلِ فِيهِ وَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ نُقْصَانُهُ وَاقْتَضَاهُ بِمَنْعِ التَّسَاوِي فِيهِ وَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ النُّقْصَانُ بِالْجُفُوفِ أَيْضًا وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مُتَسَاوِيًا وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ سَالِمٍ الْمُتَقَدِّمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَبِيعُوا التَّمْرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ» وَقَالَ «لَا تَبِيعُوا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ» وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا مِنْ الْأَصْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ» وَالْمُزَابَنَةُ: بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا وَهَذَا عَامٌّ فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا جِنْسٌ فِيهِ الرِّبَا بِيعَ مِنْهُ مَجْهُولٌ بِمَعْلُومٍ فَلَمْ يَجُزْ أَصْلُهُ بَيْعُ الشَّيْرَجِ بِالسِّمْسِمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَا كَانَ أَصْلُهُ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ فَصَارَ عَلَى صِنْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ يَخْتَلِفُ بِهِمَا اسْمُهُ وَالْغَرَضُ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مُتَسَاوِيًا كَالْبَلَحِ الصَّغِيرِ بِالْكَبِيرِ وَالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِمَا خَالَفَ صِنْفَهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ مُتَسَاوِيًا فَرَآهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَنَعَ مِنْهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَجُوزُ التَّسَاوِي بَعْضُهُ بَعْضٍ حَالَ الْجُفُوفِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّسَاوِي فِيهِمَا حَالَ رُطُوبَتِهِ كَالْجُبْنِ بِالْجُبْنِ وَالزُّبْدِ بِالزُّبْدِ وَاللَّبَنِ بِاللَّبَنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ التَّمْرُ قَدْ أُنْصِفَ بِأَنْ يَكُونَ نِصْفُ التَّمْرِ بُسْرًا وَنِصْفُ التَّمْرِ قَدْ أَرْطَبَ فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ.
[مَا جَاءَ فِي الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُزَابَنَةُ اسْمٌ لِبَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ وَرَطْبِ كُلِّ جِنْسٍ بِيَابِسِهِ وَمَجْهُولٍ مِنْهُ بِمَعْلُومٍ وَذَلِكَ أَنَّ الرُّطَبَ وَإِنْ عُرِفَ كَيْلُهُ فِي نَفْسِهِ فَلَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ مِنْ التَّمْرِ الَّذِي يُؤْخَذُ عِوَضًا مِنْهُ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ الزَّبْنِ وَهُوَ الدَّفْعُ عَنْ الْبَيْعِ الشَّرْعِيِّ وَعَنْ مَعْرِفَةِ التَّسَاوِي وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الزَّبْنُ وَالزَّبَانُ هُوَ الْخَطَرُ وَالْخِطَارُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَا مَكِيلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ حَالُ أَحَدِهِمَا وَيَجُوزُ أَنْ
стр. 1278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يَكُونَ تَفْسِيرًا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا مِنْ الرَّاوِي إلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِاتِّصَالِهِ بِقَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ فَهُوَ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ هَذَأ أَمْرٌ طَرِيقُهُ اللُّغَةُ وَابْنُ عُمَرَ حُجَّةٌ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيَ غَيْرُ هَذَا التَّفْسِيرِ فِيهِ فَرَوَى زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ دَلُّوا بِهِ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ بِكَيْلٍ مُسَمًّى إنْ زَادَ فَلِي وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ» وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِيهِ التَّفْسِيرَانِ وَمَا قُلْنَاهُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ فِي تَأْلِيفِ مَشْهُورِ جَمَاعَةٍ يَبْلُغُونَ التَّوَاتُرَ وَرَوَى التَّفْسِيرَ الَّذِي ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ.
وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعَانِ مَمْنُوعَيْنِ فَإِنَّ اسْمَ الْمُزَابَنَةِ وَاقِعٌ عَلَيْهِمَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا يُرِيدُ الْعِنَبَ وَسُمِّيَ الْعِنَبُ كَرْمًا وَإِنْ كَانَ الْكَرْمُ شَجَرَ الْعِنَبِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ كَمَا يُسَمَّى الشَّيْءُ بِاسْمِ مَا جَاوَرَهُ أَوْ كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «قَالَ فَإِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ» قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ إنَّمَا سُمِّيَ الْكَرْمُ كَرْمًا؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ الْمَشْرُوبَةَ مِنْ عِنَبِهِ تَحُثُّ عَلَى السَّخَاءِ وَتَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُسَمَّى أَصْلُ الْخَمْرِ بِاسْمٍ مَأْخُوذٍ مِنْ الْكَرَمِ وَجَعَلَ الْمُؤْمِنَ أَحَقَّ بِهَذَا الِاسْمِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعِنَبَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنَافِعُ وَرِزْقٌ وَخِصْبٌ لِمَنْ رُزِقَهُ فَإِنَّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ أَكْثَرُ خَيْرًا وَأَنْفَعُ لِنَفْسِهِ وَلِلنَّاسِ وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ النَّهْيَ عَنْ أَنْ يُسَمَّى الْكَرْمُ كَرْمًا وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْقُلْهُ النَّاسُ عَنْ النَّهْيِ وَلَا امْتَنَعُوا مِنْ تَسْمِيَةِ شَجَرِ الْعِنَبِ كَرْمًا وَلَكِنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ تَفْضِيلَ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ ﷺ «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» فَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ لِي فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا فَإِنَّهُ مُتَأَتٍّ فِيهِ وَبِهِ يُعْتَبَرَانِ جَمِيعًا، وَأَمَّا الْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَأَتٍّ فِيهِ إلَّا الْوَزْنُ وَلَا يُبَاعُ الْعِنَبُ كَيْلًا بِوَجْهٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ ﷺ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ بِالْوَجْهِ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ الْكَيْلِ فِي مَعْرِفَةِ التَّسَاوِي وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يُسَمَّى الْوَزْنُ كَيْلًا فَيُقَالُ هَذِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ كَيْلًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْعِنَبَ جُزَافًا وَالزَّبِيبَ كَيْلًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنْ يَتَحَرَّى فِي الْعِنَبِ مَكِيلَةَ الزَّبِيبِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إجَازَةِ التَّحَرِّي فِيمَا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَأَجَازَهُ فِي الْبَيْضِ بِالْبَيْضِ وَالْخُبْزِ بِالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ بِاللَّحْمِ وَفِي الْحَالُومِ الرَّطْبُ بِالْيَابِسِ وَفِي الزَّيْتُونِ الْغَضِّ بِالْمَالِحِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَأَجَازَهُ مَعَ الْقَوْلِ بِإِبَاحَتِهِ فِي الْقَدِيدِ بِاللَّحْمِ الطَّرِيِّ مَرَّةً وَمَنَعَهُ أُخْرَى.
وَرُوِيَ فِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ قَالَ وَمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ مِنْ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ لَا يَجُوزُ قِسْمَتُهُ تَحَرِّيًا وَكَذَلِكَ السَّمْنُ وَالزَّيْتُ وَالْعَسَلُ لَا يَجُوزُ إلَّا كَيْلًا أَوْ وَزْنًا وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّ ذَلِكَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فَإِنَّهُ جَوَّزَهُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ حَالَيْنِ فَيَجُوزُ مَعَ تَعَذُّرِ الْمَوَازِينِ وَيُمْنَعُ مَعَ وُجُودِهَا وَمَنَعَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ بِكُلِّ حَالٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مَعْنًى وُضِعَ فِي الشَّرْعِ لِمَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ فَجَازَ أَنْ يُعْتَبَرَ بِهِ الْمَبِيعُ كَخَرْصِ الْعَرِيَّةِ وَالزَّكَاةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ قُلْنَا يَجُوزُ ذَلِكَ فَفِي أَيِّ شَيْءٍ يَجُوزُ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمَوْزُونِ دُونَ الْمَكِيلِ وَالْمَعْدُودِ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَغَيْرُهُ وَهَذَا عِنْدِي مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ إلَّا فِي الْأَسْفَارِ وَحَيْثُ تُعْدَمُ الْمَوَازِينُ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ حَمَلَ عَلَى ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَوَازِينِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِتَجْوِيزِهِ السَّلَمَ فِي اللَّحْمِ بِالتَّحَرِّي فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ فِي الْمَكِيلِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَكِيلَ يُعْدَمُ
стр. 1279
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ، وَالْمُحَاقَلَةُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ» ) .
ــ
[المنتقى]
كَمَا يُعْدَمُ الْمِيزَانُ وَالْقَبْضَةُ فَلَيْسَتْ بِمِقْدَارٍ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِيهَا الْمُسَاوَاةُ لِتَعَذُّرِ بَقَائِهَا عَلَى شَكْلٍ وَاحِدٍ وَهَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ بِخِلَافِ الْمَكِيلِ الْمُعْتَادِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّ التَّحَرِّيَ فِيمَا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ جَائِزٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي يَسِيرِهِ دُونَ كَثِيرِهِ؛ لِأَنَّ كَثِيرَهُ يَتَعَذَّرُ فِيهِ التَّحَرِّي وَيُخَافُ فِيهِ الْخَطَأُ وَقِلَّةُ الْإِصَابَةِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ مِنْ الْمَطْعُومَاتِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَمَّنْ يَرْضَى مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا أَنَّهُ لَا يُخَافُ فِيهِ التَّفَاضُلُ الَّذِي فِيمَا يَحْرُمُ فِيهِ الرِّبَا.
(فَصْلٌ) :
إذَا ثَبَتَ جَوَازُ التَّحَرِّي فَقَدْ جَوَّزَهُ مَالِكٌ فِي الْخُبْزِ بِالْخُبْزِ وَالْبَيْضِ بِالْبَيْضِ وَاللَّحْمِ بِاللَّحْمِ أَمَّا الْخُبْزُ بِالْخُبْزِ فَاَلَّذِي قَالَهُ أَصْحَابُنَا إنَّهُ يَتَحَرَّى مَا فِيهِ مِنْ الدَّقِيقِ دُونَ وَزْنِ الْخُبْزِ قَالُوا؛ لِأَنَّ الْخُبْزَ بَعْضُهُ أَرْطَبُ مِنْ بَعْضٍ فَلَا تَصِحُّ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ بِالْوَزْنِ وَهَذَا لَا يَكَادُ أَنْ يَصِحَّ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ الْمَعْرُوفِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي اعْتِبَارِهِ بِالرُّطُوبَاتِ الْبَاقِيَةِ فِي حَالِ الِادِّخَارِ وَلِذَلِكَ مَنَعَ التَّمْرَ الْقَدِيمَ بِالْحَدِيثِ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يُؤْكَلَ الْمَطْعُومُ مَعَ الرُّطُوبَةِ الْحَادِثَةِ فِيهِ غَالِبًا كَالْفُولِ الْمَبْلُولِ وَالْقَمْحِ الْمَبْلُولِ وَالْعَجِينِ فَإِنَّهَا تَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسَاوِي وَالثَّانِي أَنْ يُؤْكَلَ بِوُجُودِهَا غَالِبًا كَرُطُوبَةِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ وَالْخُبْزِ وَخَلِّ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ وَالْمَخِيضِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسَاوِي طَارِئَةً كَانَتْ أَوْ أَصْلِيَّةً فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ الْخُبْزُ بِالْخُبْزِ وَزْنًا وَلَا يُحْتَاجُ إلَى تَحَرِّي الدَّقِيقِ فَإِنَّهُ قَدْ صَارَ جِنْسًا آخَرَ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَخِيضِ بِالْمَخِيضِ كَيْلًا وَلَا يُتَحَرَّى مَا فِيهِ مِنْ اللَّبَنِ وَيَجُوزُ خَلُّ التَّمْرِ بِخَلِّ التَّمْرِ كَيْلًا وَلَا يُتَحَرَّى مَا فِيهِ مِنْ التَّمْرِ وَرُبَّمَا كَانَ لِأَصْحَابِنَا قَوْلَانِ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ وَاتَّفَقَ ظُهُورُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مِنْهُمْ فِي أَحَدِهِمَا فِي فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِهِ وَظُهُورُ الْقَوْلِ الثَّانِي فِي فَرْعٍ آخَرَ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ لَهُمْ كَثِيرٌ فَيَجِبُ تَتَبُّعُهُ وَرَدُّ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَى أَصْلِهِ.
وَقَدْ رَوَى فَضْلُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ يَجُوزُ بَيْعُ الْكَعْكِ بِالْخُبْزِ مُتَفَاضِلًا مُتَمَاثِلًا وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْقَدِيدِ بِالنِّيءِ عَلَى التَّحَرِّي ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقَدِيدَ النِّيءَ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا صَنْعَةٌ تُخْرِجُهُمَا أَوْ تُخْرِجُ أَحَدَهُمَا عَنْ أَصْلِهِ وَالْكَعْكُ وَالْخُبْزُ قَدْ وُجِدَتْ فِيهِمَا صَنْعَةٌ أَخْرَجَتْهُمَا عَنْ أَصْلِهِمَا كَخَلِّ التَّمْرِ، وَأَمَّا اللَّحْمُ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى فِيهِ الْمُمَاثَلَةَ وَكَذَلِكَ الْبَيْضُ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(ش) : وَقَوْلُهُ وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ هَذَا نَوْعٌ مِنْ الْمُزَابَنَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَعْنَى الْمُزَابَنَةِ أَنْ يَجْهَلَ قَدْرَ أَحَدِ الْمَبِيعَيْنِ مِنْ الْآخَرِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْصِدُ إلَى غَبْنِ صَاحِبِهِ فِي مَبْلَغِ التَّمْرَتَيْنِ وَإِلَى أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْطِي وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَبِيعَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ وَضَرْبٌ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَأَمَّا مَا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَقَدْ بَيَّنَّا مِنْ حُكْمِهِ مَا يَلِيقُ بِهَذَا الْكِتَابِ، وَأَمَّا مَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ يَابِسُهُ بِرُطَبِهِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ لَا يَتَنَجَّزُ فِيهِ وَيَحْرُمُ فِيهِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْض؛ لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ وَلَا يَجُوزُ رُطَبُهُ بِيَابِسِهِ وَلَا رُطَبُهُ بِرُطَبِهِ وَلَا يَابِسُهُ بِيَابِسِهِ جُزَافًا فِيهِمَا وَلَا فِي أَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ بِالْكَيْلِ عَلَى وَجْهٍ يَجُوزُ فِيهِ التَّسَاوِي وَالتَّفَاضُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ التَّفَاضُلُ فِي أَحَدِهِمَا فَيَجُوزُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَبِيعٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَطْعُومًا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَالْمُحَاقَلَةُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ هَذَا نَوْعٌ مِنْ الْمُحَاقَلَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ -
стр. 1280
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالْمُحَاقَلَةُ اشْتِرَاءُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ وَاسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَسَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ اسْتِكْرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ» ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُزَابَنَةِ» وَتَفْسِيرُ الْمُزَابَنَةِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ الْجُزَافِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ اُبْتِيعَ بِشَيْءٍ مُسَمًّى مِنْ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ أَوْ الْعَدَدِ وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الطَّعَامُ الْمُصَبَّرُ الَّذِي لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ مِنْ الْحِنْطَةِ أَوْ التَّمْرِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَطْعِمَةِ أَوْ يَكُونُ لِلرَّجُلِ السِّلْعَةُ مِنْ الْحِنْطَةِ أَوْ النَّوَى أَوْ الْقَضْبِ أَوْ الْعُصْفُرِ أَوْ الْكُرْسُفِ أَوْ الْكَتَّانِ أَوْ الْقَزِّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ السِّلَعِ لَا يَعْلَمُ كَيْلَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا وَزْنَهُ وَلَا عَدَدَهُ فَيَقُولُ الرَّجُلُ لِرَبِّ تِلْكَ السِّلْعَةِ كِلْ سِلْعَتَك هَذِهِ أَوْ مُرْ مَنْ يَكِيلُهَا أَوْ زِنْ مِنْ ذَلِكَ مَا يُوزَنُ أَوْ اُعْدُدْ مِنْهَا مَا كَانَ يُعَدُّ فَمَا نَقَصَ عَنْ كَيْلِ كَذَا وَكَذَا صَاعًا لِتَسْمِيَةٍ يُسَمِّيهَا أَوْ وَزْنِ كَذَا وَكَذَا رِطْلًا أَوْ عَدَدِ كَذَا وَكَذَا فَمَا يَنْقُصُ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ حَتَّى أُوَفِّيَك تِلْكَ التَّسْمِيَةَ وَمَا زَادَ عَلَى تِلْكَ التَّسْمِيَةِ فَهُوَ لِي أَضْمَنُ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِي مَا زَادَ فَلَيْسَ ذَلِكَ بَيْعًا وَلَكِنَّهُ الْمُخَاطَرَةُ وَالْغَرَرُ وَالْقِمَارُ يَدْخُلُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ مِنْهُ شَيْئًا بِشَيْءٍ أَخْرَجَهُ وَلَكِنَّهُ ضَمِنَ لَهُ مَا سَمَّى مِنْ ذَلِكَ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ أَوْ الْعَدَدِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ نَقَصَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ عَنْ تِلْكَ التَّسْمِيَةِ أَخَذَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ مَا نَقَصَ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَلَا
ــ
[المنتقى]
النَّهْيُ عَنْ الْمُحَاقَلَةِ فَلَا يَجُوزُ لِذَلِكَ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ وَجْهُ الْمُحَاقَلَةِ فِيهَا أَنَّ مَنْفَعَتَهَا الْمُشْتَرَاةَ مِنْهَا فِي اكْتِرَائِهَا إنَّمَا هِيَ لِمَنْ زَرَعَ الْحِنْطَةَ حِنْطَةً فَهُوَ يُؤَوَّلُ إلَى بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ جُزَافًا بِجُزَافٍ أَوْ جُزَافًا بِكَيْلٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَدْفَعُهُ الْمُكْتَرِي حِنْطَةٌ وَاَلَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ حِنْطَةٌ وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا مُسْتَقْصًى فِي كِتَابِ كِرَاءِ الْأَرْضِ وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ الْمُحَاقَلَةُ بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَوْعًا آخَرَ مِنْ الْمُحَاقَلَةِ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ التَّفْسِيرُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يُعَارَضُ بِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ الْبَشَرِ فِي لُغَةٍ وَلَا شَرْعٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ فَلَا يُعَارَضُ بِقَوْلِ صَاحِبِ الْعَيْنِ لُغَةً وَلَا شَرْعًا.
(ش) : قَوْلُهُ وَالْمُحَاقَلَةُ اشْتِرَاءُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ وَاسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ يُرِيدُ أَنَّهُمَا نَوْعَانِ مِنْ الْمُحَاقَلَةِ وَأَنَّ اسْمَ الْمُحَاقَلَةِ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَمَّا اسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ، وَأَمَّا اشْتِرَاءُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ فَعَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالثَّمَرِ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ مَبْلَغُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ وَقَدْ سُمِّيَ ذَلِكَ مُزَابَنَةً لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَقَدْ رَوَى اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا أَوْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِطَعَامٍ كَيْلًا» وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَعَلَى هَذَا اسْمُ الْمُزَابَنَةِ وَاقِعٌ عَلَى الْجَمِيعِ وَمَعْنَاهَا مُتَقَارِبٌ إلَّا أَنَّ اسْمَ الْمُزَابَنَةِ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا وَاسْمَ الْمُحَاقَلَةِ خَاصٌّ فِي الزَّرْعِ وَالْمُخَاضَرَةِ خَاصٌّ فِي الْخُضْرَةِ وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ إنَّهُ بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 1281
هِبَةٍ طَيِّبَةٍ بِهَا نَفْسُهُ فَهَذَا يُشْبِهُ الْقِمَارَ، وَمَا كَانَ مِثْلُ هَذَا مِنْ الْأَشْيَاءِ فَذَلِكَ يَدْخُلُهُ. قَالَ مَالِكٌ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَهُ الثَّوْبُ أَضْمَنُ لَك مِنْ ثَوْبِك هَذَا كَذَا وَكَذَا ظِهَارَةَ قَلَنْسُوَةٍ قَدْرُ كُلِّ ظِهَارَةٍ كَذَا وَكَذَا الشَّيْءُ يُسَمِّيهِ فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ حَتَّى أُوَفِّيَكَهُ وَمَا زَادَ فَلِي أَوْ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أَضْمَنُ لَك مِنْ ثِيَابِك هَذِهِ كَذَا وَكَذَا قَمِيصًا ذَرْعُ كُلِّ قَمِيصٍ كَذَا وَكَذَا فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلِي أَوْ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَهُ الْجُلُودُ مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ أَوْ الْإِبِلِ أَقْطَعُ جُلُودَك هَذِهِ نِعَالًا عَلَى إمَامٍ يُرِيهِ إيَّاهُ فَمَا نَقَصَ مِنْ مِائَةِ زَوْجٍ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ وَمَا زَادَ فَهُوَ لِي بِمَا ضَمِنْت لَكَ. وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ عِنْدَهُ حَبُّ الْبَانِ: أَعْصِرْ حَبَّك هَذَا فَمَا نَقَصَ مِنْ كَذَا وَكَذَا رِطْلًا فَعَلَيَّ أَنْ أُعْطِيَكَهُ وَمَا زَادَ فَهُوَ لِي فَهَذَا كُلُّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْأَشْيَاءِ أَوْ ضَارَعَهُ مِنْ الْمُزَابَنَةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ وَلَا تَجُوزُ وَكَذَلِكَ أَيْضًا إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَهُ الْخَبْطُ أَوْ النَّوَى أَوْ الْكُرْسُفُ أَوْ الْكَتَّانُ أَوْ الْقَضْبُ أَوْ الْعُصْفُرُ أَبْتَاعُ مِنْك هَذِهِ الْحِنْطَةَ بِكَذَا وَكَذَا صَاعًا مِنْ خَبْطٍ بِخَبْطٍ مِثْلَ خَبْطَةٍ أَوْ هَذَا النَّوَى بِكَذَا وَكَذَا صَاعًا مِنْ نَوًى مِنْ مِثْلِهِ وَفِي الْعُصْفُرِ وَالْكُرْسُفِ وَالْكَتَّانِ وَالْقَضْبِ مِثْلُ ذَلِكَ فَهَذَا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ الْمُزَابَنَةِ) .
جَامِعُ بَيْعِ الثَّمَرِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ اشْتَرَى ثَمَرًا مِنْ نَخْلٍ مُسَمَّاةٍ أَوْ حَائِطٍ مُسَمًّى أَوْ لَبَنًا مِنْ غَنَمٍ مُسَمَّاةٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ يُؤْخَذُ عَاجِلًا يَشْرَعُ الْمُشْتَرِي فِي أَخْذِهِ عِنْدَ دَفْعِهِ الثَّمَنَ وَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ رِوَايَةِ زَيْتٍ يَبْتَاعُ
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ كُلَّ مَالِهِ مِقْدَارٌ يُبَاع بِهِ مِنْ كَيْلٍ أَوْ عَدَدٍ أَوْ وَزْنٍ بِيعَ مِنْهُ مَعْلُومٌ بِمَجْهُولٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ وَالثَّانِي مَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَإِنَّهُ يَدْخُلُهُ الْجَهْلُ بِالتَّسَاوِي وَهُوَ مُجْرَى فِي الْمَنْعِ مُجْرَى الْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ وَيَدْخُلُهُ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ مَعَ إمْكَانِ التَّفَاضُلِ وَالتَّسَاوِي الْغَرَرُ وَالْقَصْدُ إلَى الْمُخَاطَرَةِ بِأَنْ يَغْبِنَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فَإِنْ تَبَيَّنَ التَّسَاوِي بِالتَّحَرِّي أَوْ تَبَيَّنَ التَّفَاضُلُ جَازَ وَذَلِكَ لِلْبُعْدِ عَنْ قَصْدِ الْمُخَاطَرَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَهُ الطَّعَامُ وَالْمُصَبَّرُ كِلْ صُبْرَتَك هَذِهِ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْجُزَافِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَتَاهُ مَنْ قَالَ لَهُ اضْمَنْ لِي مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ مِقْدَارَ كَذَا وَكَذَا فَمَا زَادَ عَلَيْهِ عَلَيَّ وَمَا نَقَصَ فَعَلَيَّ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ الْمُخَاطَرَةِ وَالْمُقَامَرَةِ وَأَبْلَغُ مَا يَكُونُ مِنْ الْغَرَرِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ لَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِ وَتَحْرِيمِهِ وَأَنَّ الَّذِي يَبِيعُ الْجُزَافَ بِالْمَكِيلِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ آلَ فِعْلُهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُدْفَعُ إلَيْهِ فِي صُبْرَةٍ صُبْرَةٌ مِثْلُهَا مِنْ جِنْسِهَا لَا يَعْلَمُ مُمَاثَلَتَهَا لَهَا وَلَا فَضْلَهَا عَلَيْهَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ غَبْنَهُ فِي كَيْلِهَا بِجِنْسِهَا فَإِنْ كَانَتْ الَّتِي يُعْطِيهِ أَفْضَلَ فَقَدْ ضَمِنَ لَهُ مَا نَقَصَ مِنْ صُبْرَتِهِ عَمَّا قُدِّرَ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ فَقَدْ كَانَ لَهُ الْفَضْلُ فَلِذَلِكَ مَنَعَ مَالِكٌ الْمَكِيلَ فِي الْجُزَافِ بِالْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَمِثْلُ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْجُزَافِ مِنْهُ بِالْجُزَافِ فَلِذَلِكَ مَنَعَ مَالِكٌ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ الْجُزَافَ بِالْجُزَافِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْقَصْدُ فَيُعْلَمَ أَنَّ غَرَضَهُ عَنْ الْمَبْلَغِ وَالْمُخَاطَرَةِ وَالْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ.
стр. 1282
مِنْهَا رَجُلٌ بِدِينَارٍ أَوْ دِينَارَيْنِ وَيُعْطِيهِ ذَهَبَهُ وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ يَكِيلَ لَهُ مِنْهَا فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ فَإِنْ انْشَقَّتْ الرَّاوِيَةُ فَذَهَبَ زَيْتُهَا فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ إلَّا ذَهَبُهُ وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ. قَالَ مَالِكٌ، وَأَمَّا كُلُّ شَيْءٍ كَانَ حَاضِرًا يُشْتَرَى عَلَى وَجْهِهِ مِثْلُ اللَّبَنِ إذَا حُلِبَ وَالرُّطَبِ يُجْنَى فَيَأْخُذُ الْمُبْتَاعُ يَوْمًا بِيَوْمٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَإِنْ فَنِيَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَى رَدَّ عَلَيْهِ الْبَائِعُ مِنْ ذَهَبِهِ بِحِسَابِ مَا بَقِيَ لَهُ عَلَيْهِ أَوْ يَأْخُذُ مِنْهُ الْمُشْتَرِي سِلْعَةً بِمَا بَقِيَ لَهُ يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهَا وَلَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَأْخُذَهَا فَإِنْ فَارَقَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ وَقَدْ نَهَى عَنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ فَإِنْ وَقَعَ فِي بَيْعِهِمَا أَجَلٌ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَلَا يَحِلُّ فِيهِ تَأْخِيرٌ وَلَا نَظْرَةٌ وَلَا يَصْلُحُ إلَّا بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَيَضْمَنُ ذَلِكَ الْبَائِعُ لِلْمُبْتَاعِ وَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ فِي حَائِطٍ بِعَيْنِهِ وَلَا فِي غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا)
ــ
[المنتقى]
[جَامِعُ بَيْعِ الثَّمَرِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرًا مِنْ حَائِطٍ مُعَيَّنٍ أَوْ لَبَنًا مِنْ غَنَمٍ مُعَيَّنَةٍ إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي يَشْرَعُ فِي قَبْضِهِ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ قَبْضُهُ بِأَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ وَكَوْنُ اللَّبَنِ فِي الْغَنَمِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُ ثَمَرِ الْحَائِطِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْغَنَمِ لَبَنٌ فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ «نَهْيُهُ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» ، وَأَمَّا لَبَنُ الْغَنَمِ فَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ فِيهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ هَذَا مَائِعٌ طَاهِرٌ خَارِجٌ مِنْ حَيَوَانٍ لَا يَخْتَلِفُ جِنْسُهُ غَالِبًا فَجَازَ أَنْ يُفْرَدَ بِالْبَيْعِ دُونَهَا كَمَاءِ الْعُيُونِ وَدَلِيلٌ ثَانٍ أَنَّ هَذِهِ أُنْثَى ذَاتُ لَبَنٍ فَجَازَ أَنْ يُسْتَبَاحَ أَخْذُهُ بِالْمُعَارَضَةِ عَلَيْهِ دُونَهَا كَالطَّيْرِ.
(فَصْلٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ إذَا كَانَ يُوجَدُ عَاجِلًا يَشْرَعُ الْمُشْتَرِي فِي أَخْذِهِ عِنْدَ دَفْعِهِ الثَّمَنَ يُرِيدُ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ ذَلِكَ تَأْخِيرًا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَمَامِ النُّضْجِ وَإِنَّمَا يَتَأَخَّرُ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَمَامِ النُّضْجِ وَالْإِرْطَابِ كَالْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عِشْرِينَ يَوْمًا وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ تُؤَخِّرُ الثَّمَرَةَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ طَلَبًا لِلْإِرْطَابِ أَوْ لِبَقَاءِ النَّضَارَةِ فِيهَا لِيُؤَخَّرَ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ بِنَضَارَتِهَا مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ لَا يُجَوِّزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ مِثْلَ هَذِهِ الْمُدَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَضَ فِي تَأَخُّرِهِ غَيْرُ مُجَرَّدِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَخْذِ وَهَذَا فِيمَا يَشْرَعُ فِيهِ مِنْهُ، وَأَمَّا اتِّصَالُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ أَخْذًا لِلتَّمَكُّنِ مِنْ قَبْضِهِ أَوْ لِبَقَاءِ حَلَاوَةِ مَا يَحْتَاجُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَأَمَّا الصُّوفُ يُشْتَرَى عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ بِقَدْرِ مَا يَنْظُرُ فِي جَزِّهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ مُدَّةً لَا يَزِيدُ الصُّوفُ فِي مِثْلِهَا رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ الْعَشَرَةَ أَيَّامٍ وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ شِرَاءَ الثَّمَرَةِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ يَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْوَجْهَيْنِ وَبَقِيَ تَبْيِينُ الْوَجْهِ الثَّالِثِ وَهُوَ إذَا اشْتَرَى مِنْهُ أَصْوُعًا مَعْرُوفَةً فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَ أَخْذَهُ عَلَى حَالِهِ وَصِفَتِهِ وَالثَّانِي أَنْ يَشْتَرِطَ أَخْذَهُ بَعْدَ تَغَيُّرِ صِفَتِهِ فَأَمَّا أَخْذُهُ عَلَى حَالِهِ بُسْرًا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاءِ أَصْوُعِ تَمْرٍ مِنْ صُبْرَةٍ أَوْ اشْتِرَاءِ أَصْوُعِ رُطَبٍ أَوْ بُسْرٍ مِنْ صُبْرَةٍ فَإِنْ اشْتَرَطَ إبْقَاءَهُ إلَى تَغَيُّرِ صِفَتِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ حَالَ بُسْرِهِ إلَى أَنْ يَصِيرَ رُطَبًا أَوْ إلَى أَنْ يَصِيرَ تَمْرًا فَإِنْ اشْتَرَطَ أَخْذَهُ رُطَبًا فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَعْلُومُ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الْإِرْطَابَ إنَّمَا هُوَ نُضْجٌ وَلَيْسَ فِيهِ نُقْصَانٌ مِنْ الْقَدْرِ وَلَا زِيَادَةٌ وَلَا تَغَيُّرُ مَعْنًى أَكْثَرَ مِنْ النُّضْجِ فَجَازَ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ اشْتَرَطَ أَخْذَهُ تَمْرًا فَإِنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ الْعَقْدُ حِينَ الْإِرْطَابِ وَاشْتَرَطَهُ تَمْرًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ صِفَتَهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ جُفُوفِهِ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ يَلْحَقُهُ فِي الْمِقْدَارِ وَالصِّفَةِ وَذَلِكَ مُؤَثِّرٌ فِي مَنْعِ الْعَقْدِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ تَغَيُّرُهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي بَيْعِ الزَّرْعِ إذَا أَفْرَكَ يُفْسَخُ فِيهِ الْبَيْعُ وَوَجْهُهُ أَنَّ التَّغَيُّرَ يَلْحَقُهُ فِي الْمِقْدَارِ وَالصِّفَةِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ
стр. 1283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْعَقْدِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ صَغِيرًا وَاشْتَرَطَ عِظَمَهُ وَيُحْمَلُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الزَّرْعِ يُبَاعُ إذَا أَفْرَكَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِيهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى التَّحْرِيمِ لَرُدَّ؛ لِأَنَّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ لَا يَفُوتُ بِذَهَابِ الْعَيْنِ وَيُرَدُّ مِثْلُهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَغَيُّرَهُ لَا يَتَفَاوَتُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُنْقَدْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَهُ تَمْرًا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ لِمُرَاعَاةِ مَعَانٍ إنْ وُجِدَتْ لَزِمَهُ الصِّفَةُ وَإِنْ عُدِمَتْ كَانَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ وَلَعَلَّهُ قَدْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ لِهَذَا الْجِنْسِ مِنْ التَّمْرِ صِفَةً مُعْتَادَةً إنْ وُجِدَ عَلَيْهَا لِلْإِصَابَةِ فِي التَّجْفِيفِ وَمُحَاوَلَتِهِ وَسَلَامَتِهِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْعَاهَاتِ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ وَإِنْ عُدِمَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ لِمُبَالَغَةٍ فِي التَّجْفِيفِ أَوْ نَقْصٍ مِنْهُ أَوْ يُعْتَبَرُ بِمَعْنًى فِي مُدَّةِ التَّجْفِيفِ كَانَ الْمُبْتَاعُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ بِالْخِيَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا اشْتَرَاهُ كَيْلًا، وَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهُ جُزَافًا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا خَيْرَ فِي أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرَ الْحَائِطِ وَيَشْتَرِطَ أَخْذَهُ تَمْرًا إلَّا لِمَنْ اشْتَرَاهُ جُزَافًا فَأَمَّا بِالْكَيْلِ فَلَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا شِرَاءُ لَبَنِ الْغَنَمِ الْمُعَيَّنَةِ فَإِنَّهُ أَيْضًا عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَشْتَرِطَ مَكِيلَةً مِنْ لَبَنِ غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا وَذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَحَدُهَا أَنْ يَشْرَعَ فِي أَخْذِهِ وَالثَّانِي أَنْ يَذْكُرَ مَا يَقْبِضُهُ كُلَّ يَوْمٍ وَيَضْرِبَ لِذَلِكَ أَجَلًا يَبْقَى لَبَنُ تِلْكَ الْغَنَمِ إلَى مِثْلِهِ وَالثَّالِثُ أَنْ يَشْتَرِطَ مِنْ اللَّبَنِ مِقْدَارًا يَعْلَمُ أَنَّ مِثْلَ الْغَنَمِ لَا يَقْصُرُ عَنْهُ فِي الْأَغْلَبِ وَمِثْلُ هَذِهِ الشُّرُوطِ يُعْتَبَرُ فِي شِرَاءِ أَصْوُعٍ مِنْ حَائِطٍ مُعَيَّنٍ وَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَشْتَرِيَ لَبَنَهَا أَجْمَعَ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي سَوَائِمِ الْغَنَمِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ وَيُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي إبَّانِ اللَّبَنِ وَلِذَلِكَ يُضْرَبُ أَجَلٌ يُعْلَمُ أَنَّ لَبَنَهَا لَا يَنْقَطِعُ إلَى مِثْلِهِ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرَتَهَا إلَى مُدَّةٍ مُقَدَّرَةٍ وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِيعَابِ أَنَّ الْمَقْثَأَةَ تُشْتَرَى بِأُصُولِهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ بَعْضَ مَنَافِعِهَا وَالْغَنَمُ لَمْ تُشْتَرَ رِقَابُهَا وَإِنَّمَا اُشْتُرِيَتْ مَنْفَعَةٌ مِنْهَا فَوَجَبَ أَنْ يَضْرِبَ لِتِلْكَ الْمَنْفَعَةِ أَجَلًا يَتَقَدَّرُ بِهِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَبَايِعَانِ قَدْ عَرَفَا قَدْرَ حِلَابِهَا حِينَ التَّبَايُعِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَدْرَ لَبَنِهَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْوَامِ وَقُوَّتِهَا وَسِمَنِهَا وَهُزَالِهَا فَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ قَدْرُ ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ جَوَازَهُ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْعَهُ وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَقَالَ أَصْبَغُ إنْ وَقَعَ لَمْ أَفْسَخْهُ إذَا كَانَ فِي الْإِبَّانِ وَعُرِفَ وَجْهُ حِلَابِهَا وَالْغَرَرُ فِيهَا وَفِي الْعَدَدِ سَوَاءٌ وَهُوَ فِي الْوَاحِدَةِ أَثْقَلُ، وَجْهُ إجَازَتِهِ اعْتِبَارُهُ بِالْكَثِيرِ وَوَجْهُ نَفْيِهِ أَنَّ الشَّاةَ الْوَاحِدَةَ يَلْحَقُهَا التَّغَيُّرُ وَالنُّقْصَانُ وَالزِّيَادَةُ فَيَتَبَيَّنُ الْغَرَرُ، وَالْغَنَمُ الْكَثِيرَةُ يَحْمِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَلَا يَظْهَرُ فِي جُمْلَتِهَا تَغَيُّرٌ بِزِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ فَيَبْعُدُ الْغَرَرُ فِيهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ اكْتَرَى نَاقَةً أَوْ بَقَرَةً لِلسَّقْيِ أَوْ لِلْحَرْثِ أَشْهُرًا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا عَرَفَ وَجْهَ حِلَابِهَا وَكَانَ الْإِبَّانُ، وَفَرَّقَ شُيُوخُنَا بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى رِوَايَةِ الْمَنْعِ بِأَنَّ اللَّبَنَ فِي مَسْأَلَةِ النَّاقَةِ تَبَعٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْعَمَلُ وَالْمَقْصُودَ فِي مَسْأَلَةِ الشَّاةِ اللَّبَنُ فَأَثَّرَ فِي الْغَرَرِ وَقَالَ أَصْبَغُ لَا أَفْسَخُهُ فِي الشِّرَاءِ وَالْكِرَاءِ إلَّا أَنْ يَبْتَاعَ وَمَا يُحْرَزُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ يُظَنُّ بَعْدُ مُؤَثِّرٌ فِي الْعَقْدِ كَجَائِحَةِ الثَّمَرَةِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ كَرِوَايَةِ زَيْتٍ يَبْتَاعُ مِنْهَا رَجُلٌ بِدِينَارٍ أَوْ بِدِينَارَيْنِ وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ يَكِيلَ مِنْهَا، قِيَاسٌ صَحِيحٌ فِي شِرَاءِ مَكِيلَةٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ حَائِطٍ بِعَيْنِهِ عَلَى شِرَاءِ مَكِيلَةٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا لِتَسَاوِي أَجْزَائِهَا وَلَا يَكُونُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْمَكِيلَةُ الَّتِي تُشْتَرَطُ وَلَوْ كَانَتْ الْجُمْلَةُ تَخْتَلِفَ أَجْزَاؤُهَا مِثْلُ أَنْ يَكُونَ غَنَمًا أَوْ نَخْلًا وَاشْتَرَى مِنْهَا عَدَدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَشْتَرِطْ خِيَارًا لَكَانَ شَرِيكًا فِي الْجُمْلَةِ بِقَدْرِ عَدَدِ مَا اشْتَرَى مِنْ عَدَدِ تِلْكَ الْجُمْلَةِ
стр. 1284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ انْشَقَّتْ الرَّاوِيَةُ فَذَهَبَ زَيْتُهَا فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ إلَّا ذَهَبُهُ وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَطَ الْكَيْلَ عَلَى الزَّيْتِ وَتَلِفَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ الْمُبْتَاعُ بِالْكَيْلِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ وَالثَّمَرَةِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ لَمْ يَتَنَاهَ صَلَاحُهَا وَالْمُسْلَمُ فِيهِ، وَالضَّرْبُ الثَّانِي لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ بِالْعَقْدِ الْحَاضِرِ وَالثَّوْبُ وَالصُّبْرَةُ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ غَيْرِهِ وَالثَّمَرَةُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ يَابِسَةً وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فَأَمَّا مَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ فَضَمَانُهُ قَبْلَ تَوْفِيَتِهِ بِذَلِكَ مِنْ الْبَائِعِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُبْتَاعَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَسْلِيمِهِ لَا يَسْتَطِيعُ الِانْتِفَاعَ بِهِ إلَّا بَعْدَ التَّوْفِيَةِ كَاَلَّذِي فِي الذِّمَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا يُذْرَعُ فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَنْ ابْتَاعَ دَارًا غَائِبَةً مُذَارَعَةً أَوْ حَائِطًا عَلَى عَدَدِ النَّخْلِ فَهَلَكَتْ أَنَّ ضَمَانَهَا مِنْ بَائِعِهَا وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّ الدُّورَ وَالْأَرَضِينَ وَالْحَوَائِطَ مِنْ الْمُبْتَاعِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا بَاعَهَا عَلَى الذَّرْعِ وَكَانَ ذَلِكَ وَجْهَ اسْتِيفَائِهَا تَعَلَّقَتْ بِضَمَانِ الْبَائِعِ حَتَّى يُوَفِّيَهَا إيَّاهُ بِالْعَدَدِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يَتَقَدَّرُ بِهِ الْمَبِيعُ فَكَانَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي تَوْفِيَتِهِ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الثَّمَرَةُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَهُنَا أَنَّ ضَمَانَهَا مِنْ الْبَائِعِ فَحَاجَتُهَا إلَى بَقَائِهَا فِي الْأَصْلِ، وَتَغْذِيَتُهَا بِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الضَّأْنِ يُشْتَرَى صُوفُهَا فَيُصَابُ مِنْهَا أَكْبُشٌ قَبْلَ أَنْ تُجَزَّ بِسَرِقَةٍ أَوْ بِبَيْعٍ أَنَّ ضَمَانَهَا مِنْ الْبَائِعِ وَيُوضَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي بِقَدْرِ ذَلِكَ وَوَجْهُهُ أَنَّهَا مُتَغَذِّيَةٌ بِأَصْلِ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهَا عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ كَالثَّمَرَةِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَبِمَا يَصِحُّ الِاسْتِيفَاءُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ؟ حَكَى أَصْحَابُنَا أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَكِيلِ بِأَنْ يُصَبَّ غَيْرُ الْمَكِيلِ فِي إنَاءِ الْمُبْتَاعِ فَإِنْ تَلِفَ بَعْدَ تَمَامِ الْكَيْلِ وَقَبْلَ تَفْرِيغِهِ فِي إنَاءِ الْمُبْتَاعِ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ وَهَذَا إذَا تَوَلَّى كَيْلَهُ الْبَائِعُ أَوْ أَحَدٌ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّ الْكَيْلَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ تَوَلَّى كَيْلَهُ الْمُبْتَاعُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَفِي الْوَاضِحَةِ مِنْ الْبَائِعِ وَقَالَ سَحْنُونٌ هُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ، وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ الْكَيْلَ عَلَى الْبَائِعِ فَإِذَا تَوَلَّاهُ الْمُشْتَرِي فَإِنَّمَا يَتَوَلَّاهُ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ فَكَانَتْ حَالُهُ حَالَ الْبَائِعِ وَوَجْهُ مَا قَالَهُ سَحْنُونٌ أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ يَتِمُّ بِوَفَاءِ الْكَيْلِ إذَا تَوَلَّاهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ تَفْرِيغِ الْكَيْلِ فِي إنَائِهِ عَمَلٌ بَعْدَ تَمَامِ الِاسْتِيفَاءِ وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْوَزْنِ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْكَيْلِ وَهَذَا فِيمَا اُشْتُرِيَ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَأَمَّا مَا يُوزَنُ بِظُرُوفِهِ فَيَقْبِضُهُ الْمُبْتَاعُ لِيُفْرِغَهُ ثُمَّ تُوزَنُ الظُّرُوفُ فَإِنَّ قَبْضَهُ لِلظُّرُوفِ عَلَى ذَلِكَ قَبْضٌ لِلزَّيْتِ وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ أَنْ يُفْرِغَ الظُّرُوفَ فَهُوَ مِنْهُ حَكَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(فَرْعٌ) وَهَا هُنَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَسْلِيمِ إنَاءٍ مَمْلُوءٍ بِزَيْتٍ فَيَأْخُذَهُ الْمُبْتَاعُ عَلَى أَنْ يُمْلَأَ بِقَدْرِ ذَلِكَ فَيَكْتَالَ قَالَ أَصْبَغُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فَهَذَا قَبْضٌ وَالضَّمَانُ مِنْ الْمُبْتَاعِ قَبْلَ تَغَيُّرِ الْإِنَاءِ وَهَذَا عِنْدِي إنَّمَا جُعِلَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ وَاسْتَعْجَلَ الْمُبْتَاعُ الْقَبْضَ قَبْلَ التَّقْدِيرِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِيمَنْ اشْتَرَى زَرْعًا عَلَى الذَّرْعِ فَهَلَكَ قَبْلَ الذَّرْعِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمُبْتَاعِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا يُقَدَّرُ بِهِ بَاقٍ وَهَذَا يَجِبُ أَنْ يَلْزَمَ مِنْ غَيْرِ اتِّفَاقٍ عَلَيْهِ وَلَا رِضًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَدَّرَ بِهِ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ بِغَيْرِهِ فَلَا تَعَلُّقَ بِحَقِّ التَّوْفِيَةِ بِعَيْنِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ كَانَتْ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ دَنَانِيرُ فَدَفَعَ إلَيْهِ دَنَانِيرَ فَقَالَ لَهُ خُذْهَا وَزْنًا فَإِنْ كَانَتْ وَفَاءً فَهِيَ لَك وَمَا زَادَ فَارْدُدْهُ وَمَا بَقِيَ أُوفِيكَهُ فَهَلَكَتْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هِيَ مِنْ قَابِضِهَا إذَا قَبَضَهَا عَلَى وَجْهِ الِاقْتِضَاءِ وَالرَّهْنِ وَلَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْوَدِيعَةِ كَانَتْ مِنْ الدَّافِعِ وَقَالَ أَصْبَغُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَمَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ قَائِمَةً فَدَفَعَهَا إلَى الَّذِي هِيَ لَهُ وَقَالَ لَهُ رَبُّهَا فَمَا وَجَدْت مِنْ قَائِمٍ فَهُوَ لَك فَإِنْ ضَاعَتْ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ فِيهَا قَائِمًا فَهِيَ مِنْ الدَّافِعِ وَقَالَ أَصْبَغُ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَنْ قَبَضَهَا عَلَى الْقَضَاءِ لَا يَشُكُّ فِيهَا
стр. 1285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْقَضَاءِ لَكَانَ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ مَا دَفَعَ عَنْهُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي مَسْأَلَةِ مَالِكٍ فِي الَّذِي دَفَعَ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ إلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دِينَارٌ لِيَقْتَضِيَ مِنْهَا وَاحِدًا يَخْتَارُهُ فَيَضِيعُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْقَابِضُ إلَّا وَاحِدًا أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ إذَا لَمْ يَشُكَّ أَنَّ فِيهَا وَازِنًا وَأَمَّا إنْ جَهِلَ ذَلِكَ وَقَالَ ضَاعَتْ قَبْلَ الْوَزْنِ فَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا مِنْهَا وَلَا يَكُونُ مُتَقَاضِيًا وَهُوَ مُصَدَّقٌ وَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا عَلِمَ فِيهَا إلَّا وَازِنًا وَلَا وَزَنَهَا حَتَّى ضَاعَتْ إلَّا أَنْ تَكُونَ الدَّنَانِيرُ مِنْ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ لَا يَشُكُّ أَنَّ فِيهَا دِينَارًا وَازِنًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ خَاصَّةً وَهَكَذَا قَالَ لِي مَنْ كَاشَفْتُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ كَالْعَبْدِ الْحَاضِرِ وَالثَّوْبِ وَكَالْمَبِيعِ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ جُزَافًا فَإِنَّ ضَمَانَهُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ مِنْ الْمُشْتَرِي خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا: إنَّ ضَمَانَهُ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي وَأَنَّ الْعَقْدَ يَنْفَسِخُ بِتَلَفِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ خِفَافٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ» وَهَذَا حَدِيثٌ قَدْ أَخَذَ بِهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَعَمِلُوا بِمُضْمَنِهِ فَاسْتُغْنِيَ عَنْ مَعْرِفَةِ عَدَالَةِ نَاقِلِيهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَكَانَ تَلَفُ الْعِوَضِ الْعَيْنُ فِيهِ مِمَّنْ صَارَ إلَيْهِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ أَصْلُ ذَلِكَ عَقْدُ النِّكَاحِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ لِعَيْنِهِ وَجِنْسِهِ إذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ الِانْتِفَاعَ بِهِ مُدَّةً يَجُوزُ لَهُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ شَرَطَ رُكُوبَ دَابَّةٍ بَاعَهَا يَوْمًا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَالَ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّهَا مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ مَا بَقِيَ لَهُ فِيهَا شَرْطٌ سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ وَقَالَ أَصْبَغُ وَابْنُ حَبِيبٍ هِيَ مِنْ ضَمَانِ الْمُبْتَاعِ مَاتَتْ بِيَدِهِ قَبْلَ الرُّكُوبِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ بِيَدِ الْبَائِعِ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْبَائِعَ لَمَّا شَرَطَ رُكُوبَهَا مُدَّةً وَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِضَمَانِهِ إلَى انْقِضَائِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَفِّي الْمَبِيعَ إلَّا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ مَا شَرَطَ فِيهِ وَوَجْهُ مَا قَالَهُ أَصْبَغُ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ لَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَلَمْ يَكُنْ فِي ضَمَانِهِ، وَمَا شَرَطَ فِيهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ حَقٌّ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا شَرَطَ لِلْبَائِعِ مَنْ يَصِحُّ بِمُدَّتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمُبْتَاعِ يَلْزَمُهُ أَنْ يُوَفِّيَهُ إيَّاهُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ أَصْبَغَ فَهَلْ يَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِقَدْرِ مَا اسْتَثْنَى مِنْ الرُّكُوبِ قَالَ أَصْبَغُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَقَالَهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ وَسَحْنُونٌ فِيمَنْ بَاعَ دَارًا وَاسْتَثْنَى سُكْنَاهَا سَنَةً أَوْ بَاعَ دَابَّةً وَاسْتَثْنَى رُكُوبَهَا يَوْمَيْنِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا اسْتَثْنَى مِنْ الثَّمَنِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ بِذِمَّةِ الْمُبْتَاعِ وَلَا شَيْءَ فِي يَدِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ بِشَيْءٍ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْعَيْنَ الْمَبِيعَةَ قَدْ صَارَتْ مِلْكًا لِلْمُبْتَاعِ وَجَعَلَ مَنْفَعَتَهَا مِنْ الشَّرْطِ لِلْبَائِعِ بَعْضَ الثَّمَنِ فَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَى الْبَائِعِ اسْتِيفَاءُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ رَجَعَ بِثَمَنِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ شَرَطَ الْبَائِعُ مِنْ الرُّكُوبِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَا لَا يَجُوزُ فَهِيَ مِمَّنْ تَلِفَتْ بِيَدِهِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ فَلَا يُضْمَنُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَقَبْضُ الْمُبْتَاعِ لَهَا قَبْلَ شَرْطِ الْبَائِعِ قَبْضٌ يَضْمَنُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ حَاضِرًا مُشْتَرًى عَلَى وَجْهِهِ مِثْلُ اللَّبَنِ إذَا حُلِبَ وَالرُّطَبِ يُسْتَجْنَى فَيَأْخُذُ الْمُبْتَاعُ يَوْمًا بِيَوْمٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ حُكْمَ هَذَا حُكْمُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ حَاضِرٌ يُتَنَجَّزُ قَبْضُهُ وَهُوَ مَرْئِيٌّ مُشَاهَدٌ مُعَيَّنٌ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمِقْدَارٍ مَعْلُومٍ مِنْ جُمْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ: مِثْلُ اللَّبَنِ إذَا حُلِبَ يُرِيدُ أَنْ يَبْدَأَ اللَّبَنَ فِي الْغَنَمِ وَيَعْرِفَ لَبَنَهَا وَيَسْتَجْنِيَ الرُّطَبَ فَيَنْظُرَ الْمُبْتَاعُ إلَى قَدْرِ مَا يُجْنَى مِنْهُ يَوْمًا فَيَشْتَرِطَ قَبْضَهُ فَيَصْلُحَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ، وَمِنْ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ أَخِّرْ عَنْك هَذِهِ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ فَمَا جَنَيْته مِنْهَا كُلَّ يَوْمٍ فَأَنَا آخُذُهُ مِنْك ثَلَاثَةَ أَصْوُعٍ بِدِينَارٍ فَأَمَّا الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَظَرَ إلَى
стр. 1286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الثَّمَرِ وَعَرَفَ مِقْدَارَ مَا يَتَعَجَّلُ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ وَلَوْ ضَرَبَ لِذَلِكَ مُدَّةً طَوِيلَةً لَا يَظْهَرُ مَا يُرَطَّبُ إلَيْهِ وَلَا يَعْرِفُ قِلَّتَهُ مِنْ كَثْرَتِهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَهَذَا حُكْمُ اللَّبَنِ إذَا عَرَفَ قَدْرَهُ وَضُرِبَتْ لَهُ مُدَّةٌ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ وَقَدْ أَنْكَرَ هَذَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالصَّحِيحُ عِنْدِي مَا قَدَّمْت.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ فَنِيَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَى رَدَّ عَلَيْهِ الْبَائِعُ مِنْ ذَهَبِهِ بِحِسَابِ مَا بَقِيَ لَهُ يُرِيدُ أَنْ يُخْطِئَا فِي حَزْرِهِمَا فَلَا يَكُونُ فِي الْحَائِطِ مَا تَبَايَعَا أَوْ تُصِيبُهُ جَائِحَةٌ تَذْهَبُ بِبَعْضِ ثَمَرَتِهِ فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَالْمُبْتَاعُ أَحَقُّ بِبَقِيَّتِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ شَرْطَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ الْبَائِعُ أَنْ يَذْهَبَ بِبَعْضِ ثَمَرَتِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَمُنِعَ مِنْهُ إلَّا أَنْ يُرَى أَنَّ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَرَةِ تَمَامَ حَقِّ الْمُبْتَاعِ مِنْهَا فَإِنْ قَصُرَتْ الثَّمَرَةُ عَمَّا ابْتَاعَهُ انْفَسَخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا فِيمَا بَقِيَ؛ لِأَنَّهُ ابْتَاعَ مِنْهُ مُعَيَّنًا تَلِفَ بَعْضُهُ قَبْلَ الْبَعْضِ فَمَضَى الْبَيْعُ فِيمَا قَبَضَ مِنْهُ وَفَاتَ وَبَطَل فِيمَا بَقِيَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَيُرَدُّ بِحِسَابِ مَا بَقِيَ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى التَّقْدِيمِ أَوْ عَلَى الْكَيْلِ فَفِي الْمُزَابَنَةِ فِي الثَّمَرَاتِ التَّرَاجُعُ عَلَى الْكَيْلِ وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّرَاجُعُ عَلَى الْقِيمَةِ فِي الَّذِي يَبْتَاعُ لَبَنَ الْغَنَمِ أَيَّامًا مَعْدُودَةً فَيَحْلُبُهَا أَيَّامًا ثُمَّ تَمُوتُ أَوْ يَمُوتُ بَعْضُهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِمَسْأَلَةِ التَّمْرِ مَا يَسْلَمُ فِيهِ لِيُؤْخَذَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ عَلَى حِسَابِ الْكَيْلِ وَإِذَا شَرَطَ أَخْذَهُ فِي أَيَّامٍ مُخْتَلِفَةٍ تَخْتَلِفُ فِيهَا قِيمَةُ الثَّمَرَةِ فَوَجَبَ أَنْ يُرَاعَى ذَلِكَ التَّقْوِيمُ كَمَسْأَلَةِ اللَّبَنِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ الْمُشْتَرِي سِلْعَةً بِمَا بَقِيَ يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهَا وَلَا يُفَارِقُهَا حَتَّى يَأْخُذَهَا وَإِنْ فَارَقَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ وَقَدْ نَهَى عَنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ يُرِيدُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِاَلَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِ حِصَّتِهِ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ مِنْ الثَّمَرَةِ مَا شَاءَ مِنْ السِّلَعِ مَطْعُومًا أَوْ غَيْرَ مَطْعُومٍ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي ذَلِكَ تَمْرًا وَرُطَبًا أَكْثَرَ مِنْ الْمَكِيلَةِ الَّتِي فَاتَتْهُ وَأَقَلَّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ مُبْتَدَأٌ إلَّا أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ الْقَبْضُ دُونَ التَّأْخِيرِ فَإِنْ أَخَذَهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ أَوْ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَإِنْ كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ يَأْخُذُهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ أَوْ لِلضَّرُورَةِ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لَا يُمْكِنُ تَعَجُّلُ قَبْضِهِ كَثَمَرَةٍ بَدَا صَلَاحُهَا وَلَمْ يَحِلَّ جِدَادُهَا أَوْ سُكْنَى دَارٍ أَوْ خِدْمَةِ عَبْدٍ أَوْ عَمَلِ صَانِعٍ أَوْ خَادِمٍ يَكُونُ فِيهَا عُهْدَةٌ أَوْ مُوَاضَعَةٌ أَوْ بَيْعٌ عَلَى الْخِيَارِ فَهَذَا كُلُّهُ مَنَعَ مِنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ أَشْهَبُ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْإِجَازَةِ وَالْكِرَاءِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ حَكَى ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَحَكَى عَنْهُمَا الْمَنْعَ فِي شِرَاءِ الْخِيَارِ وَشِرَاءِ الْمُوَاضَعَةِ وَالثَّمَرَةِ الَّتِي تَسْتَجِدُّ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ يُجِيزُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَقَدْ يُعَبِّرُ عَنْهُ أَصْحَابِنَا بِمَا عَبَّرَ بِهِ مَالِكٌ أَنَّهُ يَدْخُلُهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ يُرِيدُ أَنَّ الدَّيْنَ الْأَوَّلَ بِالدَّيْنِ الَّذِي فُسِخَ فِيهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ تَوَسُّعٌ فِي عِبَارَةٍ وَمَعْنَى قَوْلِنَا إنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ دَنَانِيرُ مُتَعَلِّقَةٌ بِذِمَّتِهِ فَلَمَّا نَقَلَهَا إلَى مَعْنًى ثَانٍ فِي ضَمَانِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْ ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا أَوْ جَارِيَةٍ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِذَلِكَ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ أَصَابَهَا جَائِحَةٌ فَهِيَ مِنْ بَائِعِهَا وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ فِي مُدَّةِ الْمُوَاضَعَةِ فَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْ الدَّيْنِ وَلَا بَقِيَتْ مَشْغُولَةً بِهِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَانَتْ مَشْغُولَةً بِهِ قَبْلَ دَفْعِ الثَّمَرَةِ وَالْجَارِيَةِ بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ أَوَّلًا كَانَتْ مَشْغُولَةً بِالدَّنَانِيرِ خَاصَّةً وَهِيَ الْآنَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ بَرَاءَتِهَا إنْ سَلِمَتْ الثَّمَرَةُ أَوْ الْجَارِيَةُ أَوْ بَقَاءِ الدَّنَانِيرِ فِيهَا إنْ أَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ فَأَشْبَهَ ذَلِكَ انْتِقَالَهَا مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالدَّنَانِيرِ إلَى الِاشْتِغَالِ بِثِيَابٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّ هَذَا عَيْنٌ وَلَيْسَ بِدَيْنٍ وَلِذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ
стр. 1287
(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنْ الرَّجُلِ الْحَائِطَ فِيهِ أَلْوَانٌ مِنْ النَّخْلِ مِنْ الْعَجْوَةِ وَالْكَبِيسِ وَالْعِذْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَلْوَانِ التَّمْرِ فَيُسْتَثْنَى مِنْهُ تَمْرُ النَّخْلَةِ أَوْ النَّخَلَاتِ يَخْتَارُهَا مِنْ نَخْلَةٍ فَقَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَنَعَ ذَلِكَ تَرَكَ تَمْرَ النَّخْلَةِ مِنْ الْعَجْوَةِ وَمَكِيلَةُ تَمْرِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَأَخَذَ مَكَانَهَا تَمْرَ نَخْلَةِ مِنْ الْكَبِيسِ وَمَكِيلَةُ تَمْرِهَا عَشَرَةُ أَصْوُعٍ أَوْ أَخَذَ الْعَجْوَةَ الَّتِي فِيهَا خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَتَرَكَ الَّتِي فِيهَا عَشَرَةُ أَصْوُعٍ مِنْ الْكَبِيسِ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى الْعَجْوَةَ بِالْكَبِيسِ مُتَفَاضِلًا. قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بَيْنَ يَدَيْهِ صُبَرٌ مِنْ التَّمْرِ قَدْ صَبَّرَ الْعَجْوَةَ فَجَعَلَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَجَعَلَ صُبْرَةَ الْكَبِيسِ عَشَرَةَ أَصْوُعٍ وَجَعَلَ صُبْرَةَ الْعِذْقِ اثْنَيْ عَشَرَ صَاعًا فَأَعْطَى صَاحِبَ التَّمْرِ دِينَارًا
ــ
[المنتقى]
شَيْءٌ مِنْهُ بِالذِّمَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ اسْتِعْجَالِ قَبْضِهِ مَا فِيهِ مِنْ حَقِّ التَّوْفِيَةِ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ يَكْثُرُ فَيَحْتَاجُ فِي كَيْلِهِ إلَى الْمُدَّةِ وَيَحْتَاجُ إلَى إعْدَادِ مَكَان يُجْعَلُ فِيهِ أَوْ سَفِينَةٍ فَإِذَا شَرَعَ فِي ذَلِكَ وَاتَّصَلَ الْعَمَلُ فِي الِاسْتِيفَاءِ جَازَ ذَلِكَ وَإِنْ طَالَ الْأَمْرُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ قَالَ أَشْهَبُ وَشَهْرًا إذَا اتَّصَلَ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ كَالثَّوْبِ وَالدَّابَّةِ وَالْعَبْدِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَبْقَى بِيَدِ الْبَائِعِ لِمَنْفَعَةِ اسْتِخْدَامٍ أَوْ لِتَوَثُّقٍ إلَى أَنْ يُشْهِدَ أَوْ يَبْقَى بِيَدِهِ لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ فَإِنْ بَقِيَتْ بِيَدِهِ الْمَنْفَعَةُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِشَرْطٍ وَبِغَيْرِ شَرْطٍ، وَأَمَّا إنْ شَرَطَ حَبْسَهَا لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَلَا أَفْسَخُ بِهَا الْبَيْعَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ وَقَعَ فِي بَيْعِهِمَا أَجَلٌ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَلَا يَحِلُّ فِيهِ تَأْخِيرٌ وَلَا نَظْرَةٌ يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ شَرَطَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ أَوْ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ التَّأْخِيرَ فَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَبْرَأُ بِالْعَقْدِ فَعَادَ إلَى فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ وَيَدْخُلُهُ التَّأْجِيلُ فِي الْمُعَيَّنِ وَهُوَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا يَصْلُحُ إلَّا بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَيَضْمَنُ ذَلِكَ الْبَائِعُ لِلْمُبْتَاعِ وَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ فِي حَائِطٍ بِعَيْنِهِ وَلَا فِي غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا يُرِيدُ أَنَّ الْأَجَلَ وَالتَّأْخِيرَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ بَيْعٌ إلَّا بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيَكُونُ الْبَيْعُ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ، وَأَمَّا الْعَيْنُ فَلَا يَصْلُحُ فِيهِ طَوِيلُ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ سَلَامَتَهُ إلَيْهِ فَيُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ أَوْ لَا يُسَلَّمُ فَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ وَمَا كَانَ حَاضِرًا وَلَا يَتَيَقَّنُ صِحَّةَ تَسْلِيمِهِ لَا يَجُوزُ عَقْدُ الْبَيْعِ فِيهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ سَلَامَتَهُ إلَى أَجَلٍ أَنَّ ذِمَّتَهُ الْمُتَعَلِّقَةَ بِمَالِهِ بَاقِيَةٌ بَعْدَهُ تَنُوبُ عَنْهُ فِي أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُعَيَّنُ الْمَبِيعُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِفَوَاتِهِ بَدَلٌ يَنُوبُ مَنَابَهُ فَافْتَرَقَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا قَرُبَ مِنْ الْأَجَلِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُعَيَّنَ إلَيْهِ وَيَشْتَرِطَ بَقَاءَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ الْمُدَّةَ الْيَسِيرَةَ الَّتِي لَا يَتَغَيَّرُ مِثْلُهُ إلَيْهَا غَالِبًا وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ لِوَجْهِ مَنْفَعَةٍ كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ وَلُبْسِ الثَّوْبُ أَوْ إمْسَاكِهِ عَلَى وَجْهِ التَّزَيُّنِ بِالْإِشْهَارِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهِ إذْ الْغَالِبُ مِنْ الْبَائِعِ بَقَاءُ صِفَتِهِ إلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ فَإِذَا اشْتَرَطَ بَقَاءَهُ لِغَيْرِ عِوَضٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فَإِنْ وَقَعَ لَمْ يُفْسَخْ الْبَيْعُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْمُدَّةُ الَّتِي يَجُوزُ بَقَاءُ الْأَرْضِ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ اشْتِرَاطُ السَّنَةِ فِي الدَّارِ لَيْسَ بِبَعِيدٍ وَكُرِهَ مَا يَبْعُدُ عَنْ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا رُكُوبُ الدَّابَّةِ فَجَوَّزَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ اسْتِثْنَاءَ رُكُوبِهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ تَجْوِيزَ رُكُوبِهَا يَوْمَيْنِ فِي السَّفَرِ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ رُكُوبَهَا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقَالَ وَيَفْسُدُ الْعَقْدُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّابَّةَ يُسْرَعُ إلَيْهَا التَّغَيُّرُ وَلَا سِيَّمَا دَوَابُّ الْكَدِّ وَالْعَمَلِ فَإِنَّهَا تَدْبَرُ وَتَتَغَيَّرُ وَتَضْعُفُ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ دَوَابِّ الْجِمَالِ وَالرُّكُوبِ خَاصَّةً لَجَازَ ذَلِكَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ مَا لَمْ يَكُنْ سَفَرًا.
стр. 1288
عَلَى أَنَّهُ يَخْتَارُ فَيَأْخُذُ أَيَّ تِلْكَ الصُّبَرِ شَاءَ قَالَ مَالِكٌ فَهَذَا لَا يَصْلُحُ) .
(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الرُّطَبَ مِنْ صَاحِبِ الْحَائِطِ فَيُسْلِفُهُ الدِّينَارَ مَاذَا لَهُ إذَا ذَهَبَ رُطَبُ ذَلِكَ الْحَائِطِ.
قَالَ مَالِكٌ يُحَاسَبُ صَاحِبُ الْحَائِطِ ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دِينَارِهِ إذَا كَانَ أَخَذَ بِثُلُثَيْ دِينَارٍ رُطَبًا أَخَذَ ثُلُثَ الدِّينَارِ وَاَلَّذِي بَقِيَ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَذَ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ دِينَارِهِ رُطَبًا أَخَذَ الرُّبْعَ الَّذِي بَقِيَ لَهُ أَوْ يَتَرَاضَيَانِ بَيْنَهُمَا فَيَأْخُذُ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دِينَارِهِ عِنْدَ صَاحِبِ الْحَائِطِ مَا بَدَا لَهُ إنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ تَمْرًا أَوْ سِلْعَةً سِوَى التَّمْرِ أَخَذَهَا بِمَا فَضَلَ لَهُ فَإِنْ أَخَذَ تَمْرًا أَوْ سِلْعَةً أُخْرَى فَلَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ مِنْهُ.
قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا هَذَا بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُكْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا أَوْ يُؤَاجِرَ غُلَامَهُ الْخَيَّاطَ أَوْ النَّجَّارَ أَوْ الْعُمَّالَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَالِ أَوْ يُكْرِيَ مَسْكَنَهُ وَيَسْتَلِفَ إجَارَةَ ذَلِكَ الْغُلَامِ أَوْ كِرَاءَ ذَلِكَ الْمَسْكَنِ أَوْ تِلْكَ الرَّاحِلَةِ ثُمَّ يَحْدُثُ فِي ذَلِكَ حَدَثٌ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَيَرُدُّ رَبُّ الرَّاحِلَةِ أَوْ الْعَبْدِ أَوْ الْمَسْكَنِ إلَى الَّذِي سَلَّفَهُ مَا بَقِيَ مِنْ كِرَاءِ الرَّاحِلَةِ أَوْ إجَارَةِ الْعَبْدِ أَوْ كِرَاءِ الْمَسْكَنِ يُحَاسِبُ صَاحِبَهُ بِمَا اسْتَوْفَى مِنْ ذَلِكَ إنْ كَانَ اسْتَوْفَى نِصْفَ حَقِّهِ رَدَّ عَلَيْهِ النِّصْفَ الْبَاقِيَ الَّذِي لَهُ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ يَرُدُّ إلَيْهِ مَا بَقِيَ لَهُ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي التَّمْرِ رُطَبِهِ وَتَمْرِهِ فَإِذَا كَانَتْ صُبَرُهُ مُخْتَلِفَةَ الْمَكِيلَةِ أَوْ غَيْرَ مُتَيَقَّنَةِ التَّسَاوِي فَقَدْ بَاعَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ابْتِيَاعَهَا قَدْ يَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الصُّبَرِ تَنَاوُلًا وَاحِدًا فَإِذَا عَيَّنَ مِنْهَا صُبْرَةً فَقَدْ تَرَكَ مَا تَنَاوَلَهُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِهِ لَمَّا أَخَذَ مِنْ الصُّبْرَةِ الَّتِي تَخَيَّرَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ مُبْتَاعَ التَّمْرِ قَدْ يَأْخُذُ صُبْرَةَ الْعَجْوَةِ وَيُعَيِّبُهَا ثُمَّ يَتْرُكُهَا وَيَأْخُذُ بَدَلًا مِنْهَا الْكَبِيسَ أَوْ الْعِذْقَ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ الْبَائِعُ، فَيَدْخُلُ ذَلِكَ التَّفَاضُلُ فِي التَّمْرِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ يَكْثُرُ لِتَرْجِيحِ الْحَوْزِ وَالِاخْتِيَارِ حُمِلَ عَلَيْهِ كُلُّ مَا اُشْتُرِيَ عَلَى ذَلِكَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا حُكْمُ مَا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ إذَا اخْتَلَفَتْ مَقَادِيرُهُ فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ مِمَّا لَا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُ وَاخْتَلَفَتْ الْأَثْمَانُ لَمْ يَجُزْ الِاخْتِيَارُ فِيهِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ هَذَا فِي بَابِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَإِنْ اتَّفَقَتْ أَثْمَانُهُ وَأَجْنَاسُهُ فَلَا بَأْسَ بِالِاخْتِيَارِ فِي ذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ بِعْتُك أَحَدَ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ أَيُّهُمَا شِئْت يُرِيدُ وَسَوَاءٌ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ؛ شَرَطَ الْخِيَارَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ اخْتِيَارَ عَبْدٍ مِنْ عَبْدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَلَا يَجُوزُ فِي عَبْدٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ صَحَّ الْعَقْدُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا مُعَيَّنٍ صَحَّ الْعَقْدُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا غَيْرَ مُعَيَّنٍ أَصْلُهُ قَفِيزٌ مِنْ صُبْرَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَسَوَاءٌ اخْتَارَ مُعْظَمَ الْجُمْلَةِ أَوْ اشْتَرَاهَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الِاخْتِيَارُ إلَّا فِي الْيَسِيرِ مِنْ الْجُمْلَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَا يَصِيرُ إلَى الْمُشْتَرِي فَإِنَّمَا يَصِيرُ إلَيْهِ بِعَقْدِ الشِّرَاءِ وَمَا يَبْقَى بِيَدِ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَقْدُ فَإِذَا كَانَ الْبَائِعُ اخْتَارَ مُعْظَمَ الْجُمْلَةِ دَخَلَ الْغَرَرُ مَا يَصِيرُ إلَى الْمُبْتَاعِ الْجَهَالَةُ بِمَا يَبْقَى بَعْدَ اخْتِيَارٍ أَكْثَرَ فَأَبْطَلَ ذَلِكَ الْبَيْعَ وَإِذَا كَانَ لِلْمُبْتَاعِ اخْتِيَارُ مُعْظَمِ الْجُمْلَةِ دَخَلَ الْغَرَرُ كَمَا يَبْقَى لِلْبَائِعِ فَلَمْ يَبْطُلْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ عَقْدٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ ابْتَاعَ عَشَرَةً يَخْتَارُهَا مِنْ غَنَمٍ فَوَّتَهَا قَبْلَ اخْتِيَارِهِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ عَشَرَةً مِنْ الْأُمَّهَاتِ دُونَ الْأَوْلَادِ وَهَذَا عِنْدِي عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فِي أَنَّ الْوَطْءَ يَحْدُثُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْأَوْلَادُ لِمَنْ صَارَتْ إلَيْهِ الْأُمَّهَاتُ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْخِيَارِ فَبِأَنْ يَكُونَ فِي الِاخْتِيَارِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
(ش) : قَوْلُهُ فِيمَنْ ابْتَاعَ مِنْ صَاحِبِ الْحَائِطِ طَعَامًا مِنْ تَمْرِهِ إذَا فَنِيَ
стр. 1289
ص (قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَصْلُحُ التَّسْلِيفُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا يُسْلِفُ فِيهِ بِعَيْنِهِ إلَّا أَنْ يَقْبِضَ الْمُسَلَّفُ مَا سُلِّفَ فِيهِ عِنْدَ دَفْعِهِ الذَّهَبَ إلَى صَاحِبِهِ يَقْبِضُ الْعَبْدَ أَوْ الرَّاحِلَةَ أَوْ الْمَسْكَنَ أَوْ يَبْدَأُ فِيمَا اشْتَرَى مِنْ الرُّطَبِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ عِنْدَ دَفْعِهِ الذَّهَبَ إلَى صَاحِبِهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَأْخِيرٌ وَلَا أَجَلٌ قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أُسْلِفُك فِي رَاحِلَتِك فُلَانَةَ أَرْكَبُهَا فِي الْحَجِّ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ أَجَلٌ مِنْ الزَّمَانِ أَوْ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْعَبْدِ أَوْ الْمَسْكَنِ فَإِنَّهُ إذَا صَنَعَ ذَلِكَ كَانَ إنَّمَا يُسْلِفُهُ ذَهَبًا عَلَى أَنَّهُ إنْ وَجَدَ تِلْكَ الرَّاحِلَةَ صَحِيحَةً لِذَلِكَ الْأَجَلِ الَّذِي سَمَّى لَهُ فَهِيَ لَهُ بِذَلِكَ الْكِرَاءِ وَإِنْ حَدَثَ فِيهَا حَدَثٌ مِنْ مَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ رَدَّ عَلَيْهِ ذَهَبَهُ وَكَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ السَّلَفِ عِنْدَهُ.
قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا فَرْقٌ بَيْنَ ذَلِكَ الْقَبْضِ مِنْ قَبْضِ مَا اسْتَأْجَرَ أَوْ اسْتَكْرَى فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْغَرَرِ وَالسَّلَفِ الَّذِي يُكْرَهُ وَأَخَذَ أَمْرًا مَعْلُومًا وَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ أَوْ الْوَلِيدَةَ فَيَقْبِضَهُمَا وَيَنْقُدَ أَثْمَانَهُمَا فَإِنْ حَدَثَ بِهِمَا حَدَثٌ مِنْ عُهْدَةِ السَّنَةِ أَخَذَ ذَهَبَهُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي ابْتَاعَ مِنْهُ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ وَبِهَذَا مَضَتْ السُّنَّةُ فِي بَيْعِ الرَّقِيقِ.
قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ أَوْ تَكَارَى رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا إلَى أَجَلٍ يَقْبِضُ الْعَبْدَ أَوْ الرَّاحِلَةَ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ فَقَدْ عَمِلَ بِمَا يَصْلُحُ لَا هُوَ قَبْضُ مَا اسْتَكْرَى أَوْ اسْتَأْجَرَ وَلَا هُوَ سَلَفٌ فِي دَيْنٍ يَكُونُ ضَامِنًا عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ) .
ــ
[المنتقى]
تَمْرُ الْحَائِطِ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ التَّمْرِ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَى مِنْهُ تَمْرًا مُعَيَّنًا فَلَمَّا عُدِمَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ مَا اشْتَرَى اُنْتُقِضَ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ الْمِقْدَارِ الَّذِي بَقِيَ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ بِحِصَّةٍ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا يَجِبُ تَأْخِيرُهُ لِيَأْخُذَ بَدَلَهُ مِنْ تَمْرِ ذَلِكَ الْحَائِطِ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَلَمٌ فِي تَمْرِ حَائِطٍ مُعَيَّنٍ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَفَسَخَ مَا وَجَبَ لَهُ عَنْ دَيْنِ الْغَيْرِ فِي دَيْنِ تَمْرِهِ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِمَا بَقِيَ لَهُ شَيْئًا مُعَيَّنًا تَمْرًا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ أَكْثَرَ مِنْ الْمَكِيلَةِ الَّتِي فَسَخَ فِيهَا الْبَيْعَ أَوْ أَقَلَّ يُتَنَجَّزُ أَخْذُهُ وَلَا يَتَأَخَّرُ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُكْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ رَاحِلَتَهُ أَوْ يُؤَاجِرَهُ عَبْدَهُ الْخَيَّاطَ وَيَقْبِضَ الْأُجْرَةَ ثُمَّ تَمُوتَ الرَّاحِلَةُ أَوْ الْعَبْدُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْعَمَلِ فَإِنَّهُ يَرُدُّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْكِرَاءِ وَلَا يَنْظُرُ فِي هَذَا إلَى قَلِيلِ مَا اسْتَوْفَى وَكَثِيرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ بِالِاسْتِيفَاءِ وَالْقَبْضِ فَسَوَاءٌ اسْتَوْفَى أَكْثَرَهُ أَوْ أَقَلَّهُ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الْعِوَضِ.
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُسْلِفَ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ إلَّا أَنْ يَقْبِضَ عِنْدَ دَفْعِهِ الذَّهَبَ مَا سُلِّفَ فِيهِ مِنْ الْعَبْدِ أَوْ الرَّاحِلَةِ أَوْ الْمَسْكَنِ أَوْ يَبْدَأَ بِأَخْذِ مَا سَلَّمَ فِيهِ مِنْ الرُّطَبِ لَا يَصْلُحُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَأْخِيرٌ وَلَا أَجَلٌ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ التَّأْخِيرَ الْبَيِّنَ الَّذِي يَكُونُ فِي مِثْلِهِ الْغَرَرُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَأَخَّرَ قَبْضُ الْعَبْدِ الْأَيَّامَ الَّتِي لَا غَرَرَ فِيهَا، وَأَمَّا التَّمْرَةُ مِنْ الْحَائِطِ الْمُعَيَّنِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَضُرَّ بِالْقَبْضِ ذَلِكَ أَجَلًا وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا قَرِيبٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُسْلِفَ الرَّجُلُ فِي الرَّاحِلَةِ الْمُعَيَّنَةِ يَحُجُّ عَلَيْهَا وَبَيْنَ الْحَجِّ أَجَلٌ مِنْ الزَّمَانِ وَقِيلَ ذَلِكَ فِي الْمَسْكَنِ أَوْ الْعَبْدِ وَكَأَنَّهُ إنَّمَا يُسْلِفُهُ ذَهَبًا عَلَى أَنَّهُ إنْ وُجِدَتْ تِلْكَ الرَّاحِلَةُ صَحِيحَةً عِنْدَ الْأَجَلِ فَهِيَ لَهُ بِذَلِكَ الْكِرَاءِ وَإِلَّا رَدَّ عَلَيْهِ ذَهَبَهُ وَكَانَتْ سَلَفًا عِنْدَهُ خَصَّ هَاهُنَا الْمَنْعَ بِالنَّقْدِ دُونَ الْعَقْدِ.
وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا بَأْسَ أَنْ يُعَجِّلَ النَّقْدَ فِي رَاحِلَةٍ اكْتَرَاهَا بِعَيْنِهَا لِيَرْكَبَهَا بَعْدَ الْيَوْمَيْنِ وَالْأَمْرِ الْقَرِيبِ فَإِنْ تَبَاعَدَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا بَأْسَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنْ يَكْتَرِيَهَا لِيَرْكَبَهَا بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ مَا لَمْ
стр. 1290
بَيْعُ الْفَاكِهَةِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا مِنْ الْفَاكِهَةِ مِنْ رَطْبِهَا أَوْ يَابِسِهَا فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلَّا يَدًا بِيَدٍ وَمَا كَانَ مِنْهَا مِمَّا يَيْبَسُ فَيَصِيرُ فَاكِهَةً يَابِسَةً تُدَّخَرُ وَتُؤْكَلُ فَلَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلَّا يَدًا بِيَدٍ وَمِثْلًا بِمِثْلٍ إذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ مِنْ صِنْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُبَاعَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَصْلُحُ إلَى أَجَلٍ وَمَا كَانَ مِنْهَا مِمَّا لَا يَيْبَسُ وَلَا يُدَّخَرُ وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ رَطْبًا كَهَيْئَةِ الْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِرْبِزِ وَالْجَزَرِ وَالْأُتْرُجِّ وَالْمَوْزِ وَالرُّمَّانِ وَمَا كَانَ مِثْلُهُ وَإِنْ يَبِسَ لَمْ يَكُنْ فَاكِهَةً بَعْدَ ذَلِكَ وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يُدَّخَرُ وَيَكُونُ فَاكِهَةً قَالَ فَأَرَاهُ خَفِيفًا أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ) .
ــ
[المنتقى]
يَنْقُدْ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ.
فَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْقُدْهُ الْكِرَاءَ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَكُونُ مَرَّةً كِرَاءً وَمَرَّةً سَلَفًا وَوَجْهُ قَوْلِ الْغَيْرِ أَنَّ الْغَرَرَ مُتَعَلِّقٌ بِاكْتِرَاءٍ مُعَيَّنٍ لَا يُقْبَضُ إلَّا إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ وَهَذَا الْمَعْنَى بَاقٍ فِي الْمَسْأَلَةِ وَإِنْ عَرِيَتْ مِنْ النَّقْدِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا فَرْقٌ بَيْنَ ذَلِكَ الْقَبْضِ مِنْ قَبْضِ مَا اسْتَأْجَرَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْغَرَرِ وَالسَّلَفِ الَّذِي يُكْرَهُ كَاَلَّذِي يَشْتَرِي الْعَبْدَ فَيَنْقُدُ ثَمَنَهُ وَيَقْبِضُهُ فَإِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ فِي عُهْدَةِ السَّنَةِ أُحْرِزَ مِنْهُ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ ذَلِكَ فِيمَا لَا يَكْثُرُ فِيهِ الْغَرَرُ بِالْقَبْضِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً يَرْكَبُهَا بَعْدَ مُدَّةٍ أَوْ عَبْدًا يَسْتَخْدِمُهُ بَعْدَ مُدَّةٍ وَنَقَدَ ثَمَنَهُ فَإِنَّهُ يَدْخُلُهُ الْغَرَرُ الْمُفْسِدُ لِلْعَقْدِ لِعَدَمِ الْقَبْضِ فِيهِ وَلَوْ قَبَضَهُ مَعَ تَعَاقُدِ الْكِرَاءِ عَلَيْهِ لَزَالَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْغَرَرِ وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ إذَا اسْتَأْجَرَ لِخِدْمَةِ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ أَنَّهُ تَأَخَّرَ قَبْضُ بَاقِي الْخِدْمَةِ.
وَقَدْ يُجَوِّزُ مَالِكٌ اسْتِئْجَارَهُ لِعِشْرِينَ سَنَةً وَقَدْ تَضْمَنَّهُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مَا يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ عَمَلِهِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ إبَاقٍ مِمَّا يُوجِبُ الرُّجُوعَ عَلَى سَيِّدِهِ بِالْأُجْرَةِ الَّتِي أَخَذَهَا عِوَضًا مِنْ عَمَلِهِ الْكِرَاءَ وَالْقَبْضُ بِعَيْنِهِ قَامَ بِعَيْنِهِ مَقَامَ الْقَبْضِ بِجَمِيعِ مَنْفَعَتِهِ فِي نَفْيِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْغَرَرِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَكْثَرُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَحَرَّزَ بِهِ فِيهِ وَهَذَا كَمَا يَقُولُ إنَّهُ مَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا مُعَيَّنًا لَا يَقْبِضُهُ إلَى سَنَةٍ وَنَقَدَ ثَمَنَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَوْ اشْتَرَاهُ فَقَبَضَهُ وَنَقَدَ ثَمَنَهُ جَازَ وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ مِنْ جُنُونٍ أَوْ جُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ فَإِنَّهُ يُوجِبُ لِلْمُبْتَاعِ الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ عَلَى بَائِعِهِ قُلْت إنَّ الْمُصَحِّحَ لِهَذَا الْمَعْنَى قَبْضُ الْمَبِيعِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[بَيْعُ الْفَاكِهَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﵀ مَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا مِنْ الْفَوَاكِهِ رَطْبِهَا أَوْ يَابِسِهَا فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ تَوْفِيَتِهِ بِوَزْنٍ أَوْ كَيْلٍ أَوْ عَدَدٍ وَنَصَّ عَلَى الْفَوَاكِهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِيُلْحِقَهَا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الطَّعَامِ الْمُقْتَاتِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِيهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
قَوْلُهُ وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلَّا يَدًا بِيَدٍ يُرِيدُ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ التَّنَاجُزِ لَا يَخْتَصُّ بِالْجِنْسِ وَإِنْ اخْتَصَّ بِهِ التَّفَاضُلُ وَلِذَلِكَ جَازَ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ مُتَفَاضِلًا وَشَرَطَ فِيهِ الْمُنَاجَزَةَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَمَا كَانَ مِنْهَا مِمَّا يَيْبَسُ فَيَصِيرُ فَاكِهَةً يَابِسَةً يُدَّخَرُ وَيُؤْكَلُ فَلَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ إذَا كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا جَعَلَ هَاهُنَا عِلَّةَ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ الْيُبْسَ وَالِادِّخَارَ لِلْأَكْلِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَعَ مَالِهِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ أَنَّ الْعِلَّةَ الِاقْتِيَاتُ وَأَنَّ الْعِلَّةَ الِادِّخَارُ لِلِاقْتِيَاتِ وَعَلَى حَسَبِ هَذَا تَخْتَلِفُ أَجْوِبَتُهُ وَأَجْوِبَةُ أَصْحَابِنَا فِي فَرْعِ مَسَائِلِ هَذَا النَّوْعِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ رَطْبًا كَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِرْبِزِ وَالْأُتْرُجِّ
стр. 1291
بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ عَيْنًا وَتِبْرًا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّعْدَيْنِ أَنْ يَبِيعَا آنِيَةً مِنْ الْمَغَانِمِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَبَاعَا كُلَّ ثَلَاثَةٍ بِأَرْبَعَةٍ عَيْنًا وَكُلَّ أَرْبَعَةٍ بِثَلَاثَةٍ عَيْنًا فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّا» )
ــ
[المنتقى]
وَالْمَوْزِ وَالرُّمَّانِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ وَإِنْ يَيْبَسُ لَمْ يَكُنْ فَاكِهَةً بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ هُوَ مِثْلَ مَا يُدَّخَرُ وَيَكُونُ فَاكِهَةً يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ الْفَاكِهَةَ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا لَيْسَتْ مِمَّا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ وَمَا يَبِسَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَاكِهَةً بَعْدَ الْيُبْسِ فَهَذَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ.
وَقَدْ قَالَ فِي الْمُزَابَنَةِ أَجَازَ مَالِكٌ فِيهَا التَّفَاضُلَ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ قَالَ: الْبِطِّيخُ وَالْخِرْبِزُ وَالْقِثَّاءُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَالْخَوْخُ وَالرُّمَّانُ وَالْإِجَّاصُ وَعُيُونُ الْبَقَرِ وَالْمَوْزُ فَهَذَا كُلُّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ إذَا كَانَ رَطْبًا كُلُّهُ وَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ الْخَوْخُ وَالرُّمَّانُ وَالْإِجَّاصُ وَعُيُونُ الْبَقَرِ مِمَّا يُدَّخَرُ وَيَيْبَسُ فَلَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ إنْ كَانَ رَطْبًا كُلَّهُ.
[بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ عَيْنًا وَتِبْرًا]
(ش) : قَوْلُهُ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّعْدَيْنِ أَنْ يَبِيعَا آنِيَةً مِنْ الْمَغَانِمِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ» مِنْ بَابِ الْوَكَالَةِ فِي الْمُرَاطَلَةِ بِالذَّهَبِ وَالْمُبَادَلَةِ وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا أَنْ يَتَوَلَّى قَبْضَ الْعِوَضِ فِيهَا مَنْ عَقَدَهَا فَإِنْ عَقَدَ هُوَ الصَّرْفَ وَوَكَّلَ مَنْ يَقْبِضُ أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَصْرِفُ وَيَقْبِضُ هُوَ فَابْنُ الْمَوَّازِ حَكَى عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا إذَا فَارَقَ الَّذِي عَقَدَ الصَّرْفَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ مَنْ عَقَدَ الصَّرْفَ قَدْ فَارَقَ مَنْ صَارَفَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِي فَسَادِهِ مُفَارَقَةُ الْعَاقِدِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ عَقَدَ الصَّرْفَ وَدَفَعَ الدِّينَارَ وَأَحَالَ عَلَيْهِ مَنْ يَقْبِضُ مِنْهُ الدَّرَاهِمَ ثُمَّ فَارَقَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ قَضَاهُ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْمُصَارِفِ لَهُ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ أَحَالَ بِجَمِيعِ الدَّرَاهِمِ أَوْ بِبَعْضِهَا وَرَوَى زَيْدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُفْسَخُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُفَارِقَهُ قَبْلَ قَبْضِ الْمُحَالِ بِالدَّرَاهِمِ سَوَاءٌ ثَبَتَ دَيْنُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ قَبْلَ عَقْدِ الصَّرْفِ أَوْ بَعْدَهُ فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الصَّرْفِ أَنْ يَقْبِضَ الْعَاقِدُ الْعِوَضَ وَعِنْدَ أَشْهَبَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يُفَارِقَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ سَوَاءٌ قَبَضَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ وَالْفَرْقُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الصَّرْفِ أَنَّ الصَّرْفَ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ سُرْعَةَ الْقَبْضِ فِيهِ مُعْتَبَرَةٌ لِنَفْسِهَا لَا لِمَعْنًى غَيْرِهَا وَالْإِقَالَةُ فِي السَّلَمِ لَمْ يَلْزَمْ الْقَبْضُ فِيهَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى عَقْدِ الْإِقَالَةِ بِدَلِيلِ جَوَازِ تَأْخِيرِ الْقَبْضِ فِي الْإِقَالَةِ مِنْ الْأَعْيَانِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيهَا لِئَلَّا يَئُولَ إلَى فَسْخِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ دِينَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ صَرَفَاهُ مِنْ رَجُلٍ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى قَبْضِ الدَّرَاهِمِ وَانْقَلَبَ هُوَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إنْ قَبَضَ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَ الصَّرَّافَ حَكَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ وَكَذَلِكَ الْحُلِيُّ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِصَّةٌ فِي الدِّينَارِ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ بَاعَ جَمِيعَهُ فَجَازَ لَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ وَلَمْ يُفْسِدْهُ مُفَارَقَةُ صَاحِبِهِ الصَّرَّافَ وَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ دِينَارًا مِنْ رَجُلَيْنِ فَوَكَّلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ عَلَى قَبْضِهِ جَازَ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَذَلِكَ إذَا اشْتَرَكَا فِي الدَّرَاهِمِ قَبْلَ الصَّرْفِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا دَفَعَ إلَيْهِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَدَفَعَ الْآخَرُ إلَيْهِ مِثْلَهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهَا بِذَلِكَ دِينَارًا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْقَبْضُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «أَنْ يَبِيعَا آنِيَةً مِنْ الْمَغَانِمِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ» ظَاهِرُ لَفْظِ آنِيَةٍ يَقْتَضِي صِحَّتَهَا وَبَقَاءَ صِيَاغَتِهَا وَيُؤَكِّدُ هَذَا الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا بَاعَا كُلَّ ثَلَاثَةٍ بِأَرْبَعَةٍ وَذَلِكَ يَقْتَضِي جَوَازَ اتِّخَاذِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ
стр. 1292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مَا لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بَلْ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ وَلَا تَمَلُّكُهُ وَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبَيْعِهَا وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِتْلَافِ صِيَاغَتِهَا اقْتَضَى ذَلِكَ بَيْعَهَا عَلَى هَيْئَتِهَا وَذَلِكَ مَعْنَى اتِّخَاذِهَا.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي آنِيَةَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ زِنَتُهَا أَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهَا يُزَكِّي وَزْنَهَا فَجَعَلَ لِلصِّيَاغَةِ قِيمَةً وَذَلِكَ يَقْتَضِي إبَاحَتَهَا وَقَالَ فِي الصَّرْفِ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تُصَاغُ مِنْ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ كَالْأَبَارِقِ وَالْمَدَاهِنِ وَالْمَجَامِرِ وَالْأَقْدَاحِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ كَرَاهِيَةَ بَيْعِهَا بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلًا أَوْ كَرَاهِيَةَ اسْتِعْمَالِهَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ كَرَاهِيَةَ اتِّخَاذِهَا فَأَمَّا اسْتِعْمَالُهَا فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي تَحْرِيمِهِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَأَمَّا اتِّخَاذُهَا فَقَدْ ذُكِرَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ مَا تَقَدَّمَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَبَاعَا كُلَّ ثَلَاثَةٍ بِأَرْبَعَةٍ عَيْنًا وَكُلَّ أَرْبَعَةٍ بِثَلَاثَةٍ عَيْنًا فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّا» يَقْتَضِي مَنْعَ الزِّيَادَةِ فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ وَذَلِكَ أَنَّ هَذَيْنِ لَا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَالرِّبَا الزِّيَادَةُ وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا إلَيْنَا وَعَهْدُنَا إلَيْكُمْ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَجَعَ عَنْهُ وَسَوَاءٌ تِبْرُهُ وَمَسْكُوكُهُ وَمَصُوغُهُ وَجَيِّدُهُ وَرَدِيئُهُ فِي وُجُوبِ التَّسَاوِي وَتَحْرِيمِ التَّفَاصُلِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا اعْتِبَارَ بِالسِّكَّةِ وَلَا بِالصِّيَاغَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ الْمَصُوغَةُ أَدْوَنَ ذَهَبًا وَالتِّبْرُ أَفْضَلَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصِّيَاغَةَ تَبَعٌ مَلْغِيٌّ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ كَالْجَوْدَةِ وَلَوْ ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ ذَهَبٌ مَصُوغٌ أَوْ مَسْكُوكٌ فَأَرَادَ أَنْ يَقْبِضَهُ عَنْهُ تِبْرًا أَفْضَلَ ذَهَبًا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصِّيَاغَةَ قَدْ ثَبَتَتْ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ فَصَارَتْ حَقًّا لَهُ ثُمَّ تَرَكَهَا عِوَضًا عَنْ جَوْدَةِ الذَّهَبِ التِّبْرِ فَدَخَلَ ذَلِكَ التَّفَاضُلُ؛ لِأَنَّهُ صِيَاغَةٌ وَذَهَبٌ بِذَهَبٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُرَاطَلَةُ فَإِنَّ الصِّيَاغَةَ لَمْ تَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ فَلَا تَأْثِيرَ لَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّا» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ أَفْضَلْتُمَا فِيمَا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَعِلَّةُ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَنَّهُمَا أُصُولُ الْأَثْمَانِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عِلَّتُهُمَا الْوَزْنُ وَالدَّلِيلُ عَلَى إبْطَالِ مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ الْحَدِيدَ وَالْكُحْلَ فِيهِ الرِّبَا أَنَّ مَا لَا يَثْبُتُ الرِّبَا فِي مَصُوغِهِ لَا يَثْبُتُ فِي غَيْرِ مَصُوغِهِ كَالتُّرَابِ وَالدَّلِيلُ عَلَى إبْطَالِ عِلَّتِهِمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ عِلَّةُ الرِّبَا فِي الْوَرِقِ وَالذَّهَبِ الْوَزْنَ لَمَا جَازَ أَنْ يُسْلَمَ فِي مَوْزُونٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَيْنَيْنِ جَمَعَتْهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الرِّبَا لَمْ تُعْلَمْ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَمَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَسْلِيمُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْمَوْزُونِ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْهُمَا عِلَّةُ الرِّبَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَرُدَّا» أَمَرَهُمَا بِرَدِّ الْبَيْعِ وَلَمْ يَسْأَلْهُمَا عَنْ فَوَاتِهِ وَالذَّهَبُ الْمَبِيعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مَصُوغٌ وَغَيْرُ مَصُوغٍ فَأَمَّا غَيْرُ الْمَصُوغِ فَإِنَّهُ لَا يَفُوتُ الْبَيْعُ فِيهِ بِوَجْهٍ وَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّ فَاسِدِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَا لَهُ مِثْلٌ لَا يَفُوتُ بِفَوَاتِ عَيْنِهِ لِوُجُودِ مِثْلِهِ.
١ -
، وَأَمَّا الْمَصُوغُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَحَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهُ إنْ بَاعَهُ جُزَافًا أَنَّهُ تُفِيتُهُ حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ وَإِنْ كَانَ سَيْفًا عَلَى قَبْضَتِهِ الْأَكْثَرُ لَمْ تُفِتْهُ حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ وَيُفِيتُهُ الْبَيْعُ وَالتَّلَفُ أَوْ قَلَعَ قَبْضَتَهُ فَيَرُدُّ قِيمَتَهُ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَيْسَ بِالْقِيَاسِ وَاَلَّذِي حَكَى مُحَمَّدٌ فِي مَسْأَلَةِ السَّيْفِ هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهِيَ رِوَايَةٌ تُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْحُلِيِّ وَوَجْهُ مَا ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْحُلِيِّ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ فَفَاتَ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ كَصُبْرَةِ الْقَمْحِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعَيْنَ لَا قِيمَةَ لَهُ فَلَمَّا كَانَتْ عَيْنُهُ مَوْجُودَةً وَجَبَ رَدُّهُ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ تُقَوَّمُ بِهِ وَلَا يُقَوَّمُ هُوَ بِغَيْرِهِ فَلَا تَتَغَيَّرُ قِيمَتُهُ بِتَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ، وَأَمَّا نَقْصُهُ فَقَدْ غَيَّرَ عَيْنَ الْمَبِيعِ لَمَّا أَدْخَلَ نَقْصًا فَلَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ.
وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي مَسْأَلَةِ السَّيْفِ لَا تَفُوتُ بِالْبَيْعِ وَيُحْتَمَلُ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالْعَيْنِ خَاصَّةً فَإِنْ قُلْنَا إنَّ
стр. 1293
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي تَمِيمٍ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا» ) .
ــ
[المنتقى]
ذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ بَيْعٍ فَاسِدٍ.
فَوَجْهُهُ أَنَّ الْبَيْعَ الثَّانِيَ فَرْعُ الْأَوَّلِ فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الْأَوَّلُ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الصِّحَّةِ لَمْ يَصِحَّ الثَّانِي فَوَجَبَ نَقْضُهُمَا وَإِنْ قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْعَيْنِ فَإِنَّهُ لَا تَخْتَلِفُ قِيمَتُهُ بِوَجْهٍ فَلَمْ يَفُتْ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَصُوغَ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَهُ إنْسَانٌ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا» يُرِيدُ إيجَابَ التَّسَاوِي وَتَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِجِنْسِهِ وَبَدَلُ الدَّنَانِيرِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا وَزْنًا وَالثَّانِي عَدَدًا فَأَمَّا الْوَزْنُ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا التَّسَاوِي وَلَا تَجُوزُ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى وَجْهٍ مَعْرُوفٍ وَلَا بِمُسَامَحَةٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ مِنْ جِنْسِهِ وَلَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ الْآخَرَ يُقَسَّطُ عَلَى الذَّهَبِ وَالزِّيَادَةِ الَّتِي مَعَهَا فَيُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ فِي الذَّهَبِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَأْتِي دَارَ السِّكَّةِ فَيَدْفَعُ إلَيْهِمْ فِضَّةً وَزْنًا وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ وَزْنًا دَرَاهِمَ وَيُعْطِيهِمْ أُجْرَةَ الْعَمَلِ فَقَالَ مَرَّةً أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا وَذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَرَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَحَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَجْهُ رِوَايَةِ الْجَوَازِ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ ضَرُورَةِ النَّاسِ إلَى الدَّرَاهِمِ وَتَعَذُّرِ الصَّرْفِ إلَّا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَى الِاسْتِعْجَالِ وَانْحِفَازِ الْمُسَافِرِ لِلْمُرُورِ مَعَ أَصْحَابِهِ وَخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي الِانْفِرَادِ وَيَخَافُ إنْ غَابَ عَنْهُ ذَهَبُهُ أَنْ لَا يُعْطَاهُ وَيُمْطَلَ بِهِ وَالضَّرُورَةُ الْعَامَّةُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ صَارَ الضَّرْبُ بِكُلِّ بَلَدٍ وَاتَّسَعَ الْأَمْرُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بَيْعًا أَوْ إجَارَةً فَإِنْ كَانَ بَيْعًا فَفِيهِ التَّفَاضُلُ فِي الذَّهَبِ وَإِنْ كَانَ إجَارَةً فَهُوَ إجَارَةٌ وَسَلَفٌ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَأَمَّا الصَّائِغُ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَهُ قَوْلًا وَاحِدًا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمُبَادَلَةُ بِالْعَدَدِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَوْزَنَ مِنْ بَعْضٍ فِي الدِّينَارِ وَالدِّينَارَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْمَعْرُوفِ وَالتَّفَضُّلِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ التَّفَاضُلِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَبْنِيَا عَلَى الْوَزْنِ وَلِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَالِ تَقْدِيرَانِ الْوَزْنُ وَالْعَدَدُ فَإِنْ كَانَ الْوَزْنُ أَخَصَّ بِهِ أَوْلَى فِيهِ إلَّا أَنَّ الْعَدَدَ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَمِلَ فِيهِ عَلَى الْعَدَدِ جُوِّزَ يَسِيرُ الْوَزْنِ زِيَادَةً عَلَى سَبِيلِ الْمَعْرُوفِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ وَجْهٌ مِنْ الْمُكَايَسَةِ وَالْمُغَابَنَةِ فَيَمْنَعُ مِنْهُ وَهَذَا عِنْدَنَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةِ الْعَرِيَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرِيَّةَ لَمَّا كَانَ لِلثَّمَرَةِ تَقْدِيرَانِ أَحَدُهُمَا الْكَيْلُ وَالْآخَرُ الْخَرْصُ وَالتَّحَرِّي جَازَ الْعُدُولُ عَنْ أَوَّلِهِمَا إلَى الثَّانِي لِلضَّرُورَةِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ فَكَذَلِكَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَتْ الدَّنَانِيرُ كُلُّهَا سَوَاءً فَإِنْ كَانَتْ مُتَفَاضِلَةً فِي الْجَوْدَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْوَازِنَةُ أَدْنَى ذَهَبًا أَوْ أَفْضَلَ فَإِنْ كَانَتْ أَدْنَى ذَهَبًا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ فَضْلَ صَاحِبِهِ فِي زِيَادَةِ وَزْنِ ذَهَبِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْوَازِنَةُ أَفْضَلَ ذَهَبًا فَإِنَّ مَالِكًا كَرِهَهُ وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْمُبَادَلَةَ إنَّمَا جَازَتْ فِيهَا عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ أَعْيَانُهَا وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ كَالْعَرِيَّةِ لَمَّا كَانَ طَرِيقُهَا الْبَدَلَ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهَا غَيْرُ مِثْلِ الثَّمَرَةِ لَا أَفْضَلَ وَلَا أَدْوَنَ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْبُعْدُ عَنْ التُّهْمَةِ لِكَوْنِ فَضْلِ الْجَوْدَةِ وَالْوَزْنِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ غَيْرَ مُجَرَّدِ التَّفَضُّلِ.
(فَرْقٌ) فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عِنْدَ الْجَدَادِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْعَرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَعْقِدَا الْبَيْعَ عَلَى ذَلِكَ وَفِي مَسْأَلَتِنَا عُقِدَ الْبَيْعُ عَلَيْهِ فَوِزَانُهُ أَنْ يَعْقِدَا بَيْعَ الْعَرِيَّةِ عَلَى غَيْرِ الْجِنْسِ فَلَا يَجُوزُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ أَبْضَعَ مَعَ رَجُلٍ دِينَارًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَدِّلَهُ بِأَجْوَدَ مِنْهُ عَيْنًا وَوَزْنًا قَالَ وَيُعْلِمُ صَاحِبَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ فِيهِ
стр. 1294
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا شَيْئًا غَائِبًا بِنَاجِزٍ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَجَاءَهُ صَائِغٌ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنِّي أَصُوغُ الذَّهَبَ ثُمَّ أَبِيعُ الشَّيْءَ مِنْ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ فَأَسْتَفْضِلُ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ عَمَلِ يَدِي فَنَهَاهُ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ فَجَعَلَ الصَّائِغُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ يَنْهَاهُ حَتَّى انْتَهَى إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ إلَى دَابَّةٍ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَهَا ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا إلَيْنَا وَعَهْدُنَا إلَيْكُمْ)
ــ
[المنتقى]
صَرْفٌ وَلَا بَدَلٌ وَإِنَّمَا هُوَ مَعْرُوفٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَجُوزُ هَذَا فِي كَثِيرِ الذَّهَبِ الْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ مَا كَانَ هَذَا حُكْمَهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْيَسِيرِ دُونَ الْكَثِيرِ كَبَيْعِ الْعَرِيَّةِ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِهِ مِنْ التِّبْرِ وَالْمَسْكُوكِ وَالْمَصُوغِ وَالْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَقَوْلُهُ ﷺ «وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ» يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ يَسِيرِ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الشُّفُوفَ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي يَسِيرِ الزِّيَادَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ» فَإِنَّهُ مَنَعَ النَّسَا فِيهَا وَالْعَقْدَ عَلَى غَائِبٍ حِينَ الْعَقْدِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ مَا غَابَ عَنْ الْعَقْدِ الْمَذْكُورِ وَفَائِدَةُ أَنَّ التَّقَابُضَ فِي الْعِوَضَيْنِ مِنْهُمَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مُحَالٌ أَنْ يُشْتَرَطَ حُضُورُهُمَا الْعَقْدَ وَيُؤَخَّرَ قَبْضُهُمَا.
(ش) : مَنَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ بَيْعِ الْمَصُوغِ مِنْ الذَّهَبِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ غَيْرَ مَصُوغٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ السَّعْدَيْنِ مِنْ مَنْعِهِ ﷺ مِنْ بَيْعِ الْآنِيَةِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا، وَمُرَاجَعَةُ الصَّائِغِ لَهُ فِي ذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ إنَّمَا صَدَرَ عَلَى ذَهَبَيْنِ غَيْرِ مَصُوغَيْنِ فَإِنَّ حُكْمَ الْمَصُوغِ أَحَدُهُمَا بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ فِي ذَلِكَ إبَاحَةً مِمَّنْ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى قَوْلِهِ فَرَجَا أَنْ يَجِدَ مِثْلَ ذَلِكَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَسُؤَالُهُ لَهُ فِي الطَّرِيقِ دَلِيلٌ عَلَى التَّوَاضُعِ مَعَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ كَانَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْبَيَانِ بِحَيْثُ لَمْ يَحْتَجْ إلَى إعْمَالِ النَّظَرِ فِيهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْهَا لِيَذْكُرَ حُكْمَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا اسْمٌ لِهَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ كُلِّ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ مَصُوغًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَصُوغٍ وَلِذَلِكَ يُقَالُ فِي هَذَا الْإِنَاءِ مِائَةُ دِينَارٍ ذَهَبًا وَفِي هَذَا الْحُلِيِّ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَرِقًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَضْرُوبًا فَيَكُونُ قَوْلُهُ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ عَامٌّ فِي كُلِّ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ مَصُوغَيْنِ كَانَا أَوْ غَيْرَ مَصُوغَيْنِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ اسْمًا لِلْمَضْرُوبِ دُونَ غَيْرِهِ وَلَكِنَّهُ قَاسَ الْمَصُوغَ عَلَيْهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ يَقْتَضِي ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ الْمُبَايَعَةَ وَالْمُبَادَلَةَ وَالْقَضَاءَ فَأَمَّا الْمُبَايَعَةُ فَإِنَّهَا تَخْتَصُّ فِي الْأَغْلَبِ بِمُعَاوَضَةِ الْعُرُوضِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَالْعَرْضُ بِالْأَثْمَانِ، وَأَمَّا الْأَثْمَانُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَإِنَّ لَهَا اسْمًا أَخَصَّ وَإِنْ بِيعَ مِنْهَا شَيْءٌ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَاسْمُ الصَّرْفِ أَخَصُّ بِهِ وَإِنْ بِيعَ مِنْهَا شَيْءٌ بِجِنْسِهِ فَاسْمُ الْمُبَادَلَةِ وَالْمُرَاطَلَةِ أَخَصُّ بِهِ وَهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْمَعْنَى وَذَلِكَ أَنَّ الْمُرَاطَلَةَ تَكُونُ وَزْنًا وَالْمُبَادَلَةَ تَكُونُ عَدَدًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا الْقَضَاءُ فَقَدْ تَكُونُ قَضَاءً عَنْ سَلَفٍ وَقَضَاءً عَنْ غَيْرِ سَلَفٍ فَإِنْ كَانَتْ عَنْ سَلَفٍ وَأَسْلَفَهُ ذَهَبًا عَدَدًا قَضَاهُ مِثْلَ عَدَدِهِ وَوَزْنِهِ كَانَ هَذَا مَعْنَى الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ عَدَدًا وَوَزْنًا فَإِنْ قَضَاهُ مِثْلَ عَدَدِهِ أَوْ أَدْوَنَ أَوْ أَنْقَصَ جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عِبْرَةَ السَّلَفِ بِالْعَدَدِ، وَالنَّقْصُ فِي الْوَزْنِ صِفَةٌ مِنْ صِفَةِ الدِّينَارِ لَا اعْتِبَارَ لَهَا فِي الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ كَالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فَإِنْ قَضَاهُ أَقَلَّ مِنْ عَدَدِهِ فِي كُلِّ وَزْنِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ يَجُوزُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرَةُ فِي قَضَاءِ السَّلَفِ وَإِنْ قَضَاهُ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهِ فِي مِثْلِ
стр. 1295
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ جَدِّهِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بَاعَ سِقَايَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ مَا أَرَى بِمِثْلِ هَذَا بَأْسًا فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ مُعَاوِيَةَ أَنَا أُخْبِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِهِ لَا أُسَاكِنُك بِأَرْضٍ أَنْتَ بِهَا ثُمَّ قَدِمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى مُعَاوِيَةَ أَنْ لَا تَبِيعَ ذَلِكَ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ» ) .
ــ
[المنتقى]
وَزْنِهِ يَجِبُ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا يَجُوزَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْيَسِيرُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي قَضَاءِ السَّلَفِ مَعْفُوٌّ عَنْ يَسِيرِهَا دُونَ كَثِيرِهَا وَإِنْ قَضَاهُ أَقَلَّ عَدَدًا أَوْ أَكْثَرَ وَزْنًا أَوْ أَكْثَرَ عَدَدًا أَوْ أَقَلَّ وَزْنًا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي الْمُغَابَنَةَ وَذَلِكَ يَنْفِي الْجَوَازَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ السَّلَفُ وَزْنًا فَقَضَاهُ مِثْلَ وَزْنِهِ فَهُوَ جَائِزٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْعَدَدِ وَأَقَلَّ مِنْهُ وَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْوَزْنِ يُبْطِلُ اعْتِبَارَ الْعَدَدِ فَمَتَى كَانَ التَّعَامُلُ بِالْوَزْنِ فَلَا اعْتِبَارَ بِالْعَدَدِ فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ وَإِنْ قَضَاهُ أَقَلَّ مِنْ وَزْنِهِ فِي مِثْلِ عَدَدِهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ فَهُوَ جَائِزٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْعَدَدِ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ قَضَاهُ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ يَسِيرَةً فَقَدْ جَوَّزَ ابْنُ الْقَاسِمِ الرُّجْحَانَ الْيَسِيرَ وَكَرِهَهُ فِي الْكَثِيرِ كَالْعِشْرِينِ دِينَارًا فِي الْمِائَةِ وَجَوَّزَهُ أَشْهَبُ فِي مِثْلِ الدِّينَارِ وَالدِّينَارَيْنِ وَالْإِرْدَبِّ مِنْ الطَّعَامِ وَالْإِرْدَبَّيْنِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ وَلَا عَادَةٍ وَوَجْهُ تَجَوُّزِ الْيَسِيرِ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ السَّلَفَ لِمِثْلِهِ فَتَبْعُدُ التُّهْمَةُ بِهِ، وَأَمَّا الْكَثِيرُ فَإِنَّهُ يُقْصَدُ بِالسَّلَفِ فَيَمْتَنِعُ لِلذَّرِيعَةِ وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ حَتَّى يَنْفَصِلَ مِنْهُ وَلَا تَكُونُ تَبَعًا لَهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مُنْفَصِلَةٌ مِنْ السَّلَفِ فِي قَضَائِهِ فَكَانَ لَهُ حُكْمُ الْهِبَةِ الْمُبْتَدَأَةِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
فَإِنْ كَانَ الْقَضَاءُ عَلَى غَيْرِ سَلَفٍ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْعٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَا ثَبَتَ مِنْهُ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ مُقَدَّرًا بِالْعَدَدِ أَوْ الْوَزْنِ فَإِنْ ثَبَتَ مُقَدَّرًا بِالْعَدَدِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَهُ وَزْنًا؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ مَعْنًى قَدْ ثَبَتَ بِهِ فِي الذِّمَّةِ ثَمَنٌ فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهِ كَالْوَزْنِ وَإِنْ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مُقَدَّرًا بِالْوَزْنِ وَالْعَدَدِ جَازَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِثْلَ ذَلِكَ الْوَزْنِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ الْوَزْنُ وَالْعَدَدُ بَطَلَ حُكْمُ الْعَدَدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ مَا ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ مُقَدَّرًا بِالْوَزْنِ جَازَ أَنْ يُعْطِيَهُ أَكْثَرَ مِمَّا ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الْوَزْنِ بِخِلَافِ الْقَرْضِ إذَا كَانَ مِثْلَ صِفَةِ مَا ثَبَتَ لَهُ أَوْ أَفْضَلَ وَجَازَ أَنْ يُعْطِيَهُ أَقَلَّ وَزْنًا وَأَدْوَنَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ أَفْضَلَ وَزْنًا وَأَدْوَنَ صِفَةً وَلَا أَفْضَلَ صِفَةً وَأَنْقَصَ وَزْنًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِمَّا يَدْخُلُهُ مِنْ التَّفَاضُلِ بِصُورَةِ التَّشَاحِّ وَالتَّغَابُنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَهُ عَدَدًا فَإِنْ كَانَ الْعَدَدُ أَفْضَلَ عُيُونًا وَوَزْنًا كَالْقَائِمَةِ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ جَازَ وَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ عُيُونًا وَأَقَلَّ وَزْنًا كَالْفُرَادَى مِنْ الْمَجْمُوعَةِ جَازَ وَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ عُيُونًا وَأَقَلَّ وَزْنًا لَمْ يَجُزْ لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ جَدِّهِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ يَحْتَمِلُ الْمَنْعَ مِنْ التَّفَاضُلِ فِي الْعَدَدِ لِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ التَّعَامُلِ بِهَا عَدَدًا وَمَنَعَ قَطْعَهَا فَكَانَ ذَلِكَ مَنْعًا مِنْ التَّفَاضُلِ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ دِينَارٍ آخَرَ قَلَّمَا يُوجَدُ مِنْ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَنَصَّ عَلَى أَقَلِّ الزِّيَادَةِ لِيُنَبِّهَهُ بِذَلِكَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ أَكْثَرِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَنْعَ لِمَنْ رَآهُ بَاعَ دِينَارًا بِدِينَارٍ فَخَصَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ بِالْمَنْعِ كَمَا رَوَى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ «كُنَّا نَبِيعُ تَمْرَ الْجَمْعِ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا صَاعَيْ تَمْرٍ بِصَاعٍ وَلَا صَاعَيْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ وَلَا دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ» .
(ش) : مَا ذَهَبَ
стр. 1296
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالذَّهَبِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ وَالْآخَرُ نَاجِزٌ وَإِنْ اسْتَنْظَرَك إلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تَنْظُرْهُ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَاءُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا
ــ
[المنتقى]
إلَيْهِ مُعَاوِيَةُ مِنْ بَيْعِ سِقَايَةِ الذَّهَبِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَرَى فِي ذَلِكَ مَا رَآهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ تَجْوِيزِ التَّفَاضُلِ فِي الذَّهَبِ نَقْدًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَا يَرَى ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ جَوَّزَ التَّفَاضُلَ بَيْنَ الْمَصُوغِ مِنْهُ وَغَيْرِهِ لِمَعْنَى الصِّيَاغَةِ وَقَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ فِعْلَهُ مِنْ تَجْوِيزِهِ التَّفَاضُلَ فِي الذَّهَبِ وَاحْتَاجَ إلَى الِاحْتِجَاجِ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ فَلَيْسَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ صَرْفُهُ عَنْ رَأْيِهِ الَّذِي رُوِيَ إلَّا بِدَلِيلٍ وَحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ هَلْ لَك فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ مَا أَوْتَرَ إلَّا بِوَاحِدَةٍ قَالَ أَصَابَ إنَّهُ فَقِيهٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مُعَاوِيَةَ مَا أَرَى بِمِثْلِ هَذَا بَأْسًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَرَى الْقِيَاسَ مُقَدَّمًا عَلَى أَخْبَارِ الْآحَادِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَذَلِكَ لِمَا يَجُوزُ عَلَى الرَّاوِي مِنْ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَالصَّوَابُ تَقْدِيمُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ السَّهْوَ وَالْغَلَطَ يَجُوزُ فِيهِ عَلَى النَّاظِرِ الْمُجْتَهِدِ أَكْثَرَ مِمَّا يَجُوزُ عَلَى النَّاقِلِ الْحَافِظِ الْفَقِيهِ وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ الْفُصُولِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرَى تَقْدِيمَ أَخْبَارِ الْآحَادِ إلَّا أَنَّهُ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى الْمَضْرُوبِ بِالْمَضْرُوبِ دُونَ الْمَصُوغِ بِالْمَضْرُوبِ وَرَأَى أَنَّ الصِّيَاغَةَ مَعْنًى زَائِدٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا لِلْفَضْلِ عَلَى حَسَبِ مَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ بَاعَ مِائَةَ دِينَارٍ فِي قِرْطَاسٍ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَيُجْعَلُ الْقِرْطَاسُ عِوَضًا لِلْمِائَةِ الْأُخْرَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ مُعَاوِيَةَ أَنَا أُخْبِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِهِ أَنِكَارٌ مِنْهُ عَلَى مُعَاوِيَةَ التَّعَلُّقَ بِرَأْيٍ يُخَالِفُ النَّصَّ وَلَمْ يَحْمِلْ ذَلِكَ مِنْ مُعَاوِيَةَ عَلَى التَّأْوِيلِ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ مِنْهُ عَلَى رَدِّ الْحَدِيثِ بِالرَّأْيِ إمَّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا إلَّا الْمَصُوغَ بِالْمَضْرُوبِ وَفِيهِ نَقْلُ النَّهْيِ فَيَمْتَنِعُ التَّأْوِيلُ وَالتَّخْصِيصُ وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَ مُعَاوِيَةَ مَا أَرَى بِمِثْلِ هَذَا بَأْسًا عَلَى تَجْوِيزِ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ دُونَ تَفْصِيلٍ.
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَفِيمَا قَالَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ وَقَوْلُهُ لَا أُسَاكِنُك بِأَرْضٍ أَنْتَ فِيهَا مُبَالَغَةٌ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَاظِهَارٌ لِهَجْرِهِ وَالْبُعْدِ عَنْهُ حِينَ لَمْ يَأْخُذْ بِمَا نُقِلَ إلَيْهِ مِنْ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ وَيُظْهِرُ الرُّجُوعَ عَمَّا خَالَفَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ قَدِمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَلَى مَعْنَى رَفْعِ مَا يُنْكَرُ إلَى الْإِمَامِ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ عِنْدَهُ فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى مُعَاوِيَةَ أَنْ لَا يَبِيعَ ذَلِكَ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ عَلَى حَسَبِ مَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ مِنْ أَمْرِ حُكَّامِهِ بِالْحُكْمِ بِالْحَقِّ وَالتَّبْصِيرِ لَهُمْ بِصَوَابِ الْأَحْكَامِ وَقَوْلُهُ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ الْجُزَافِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا حَرُمَ فِيهِ التَّفَاضُلُ يَحْرُمُ فِيهِ الْجُزَافُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَعَهُ التَّسَاوِي وَالْجَهْلُ فَالتَّسَاوِي كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ فِي التَّحْرِيمِ وَالْمَنْعِ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ وَلَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي هَذَا لِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ مِنْ قِلَّةِ التَّسَامُحِ بِيَسِيرِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عُمَرُ ﵁ عَلَى مُعَاوِيَةَ مَا رَاجَعَ بِهِ أَبُو الدَّرْدَاءِ لِمَا احْتَمَلَ مِنْ التَّأْوِيلِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 1297
شَيْئًا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ وَإِنْ اسْتَنْظَرَك إلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تَنْظُرْهُ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَا) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالذَّهَبِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ وَالْآخَرُ نَاجِزٌ مَنَعَ مِنْ تَأَخُّرِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ فِي الصَّرْفِ عَنْ حَالِ النَّقْدِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْأَجَلَ فِي الصَّرْفِ وَالْعَقْدِ عَلَى تَأْخِيرِ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ النَّاجِزَ هُوَ مَا نَجَزَ الْقَبْضُ فِيهِ حَالَ الْعَقْدِ وَالْغَائِبُ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا غَابَ عَنْ الْمُشَاهَدَةِ حَالَ الْعَقْدِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي كُمِّ الصَّيْرَفِيِّ أَوْفَى تَابُوتِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا غَابَ عَنْ الْحُضُورِ وَقْتَ الْعَقْدِ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ فِيهِ لِمُقَابَلَتِهِ بِالنَّاجِزِ وَلَوْ أَرَادَ الْمُشَاهَدَةَ لَقَالَ وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِمُشَاهَدٍ.
وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَعْقِدَ مَعَ الصَّيْرَفِيِّ عَلَى دِينَارٍ بِدَرَاهِمَ فَيَدْفَعُ إلَيْهِ الدِّينَارَ فَيَخْلِطُهُ بِذَهَبِهِ أَوْ فِي تَابُوتِهِ ثُمَّ يُخْرِجُ الدَّرَاهِمَ وَيَتْرُكُ الدِّينَارَ حَتَّى يُخْرِجَ الدَّرَاهِمَ وَيَحْضُرَ الْعَيْنَانِ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْمُنَاجَزَةِ صُورَةً وَمَعْنًى؛ لِأَنَّ أَخْذَ الدِّينَارِ وَتَغْيِيبِهِ ثُمَّ إخْرَاجَ الدَّرَاهِمِ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى صُورَةِ الْمُنَاجَزَةِ بَلْ هِيَ مِنْ أَفْعَالِ التَّأْخِيرِ وَصِفَةِ التَّبَايُعِ فِيمَا لَا يُرَاعَى فِيهِ التَّقَابُضُ وَالتَّنَاجُزُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ تَعَاقَدَا الصَّرْفَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمَا مَا عَقَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَسْلَفَ أَحَدُهُمَا دِينَارًا وَالْآخَرُ دَرَاهِمَ وَلَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى تَقَابَضَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ عَقَدَ الصَّرْفَ عَلَى غَائِبٍ لَمْ يَكُنْ حَاضِرَ الصِّفَةِ فَيَعْقِدُ عَلَيْهِ وَلَا كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ إمْكَانِ مَا يَقْبِضُهُ فَقَدْ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى غَيْرِ مَا يَقْتَضِيهِ وَيُصَحِّحُهُ مِنْ التَّنَاجُزِ وَالتَّقَابُضِ حَالَ الْعَقْدِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الدِّينَارَ وَاسْتَسْلَفَ الْآخَرُ الدَّرَاهِمَ فَتَنَاقَدَا قَالَ أَشْهَبُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ شَيْئًا قَرِيبًا كَحَلِّ الصُّرَّةِ وَلَا يَقُومُ لِذَلِكَ وَلَا يَفْتَرِقَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ عَقْدَ الصَّرْفِ قَدْ تَنَاوَلَ غَائِبًا وَالْفَسَادُ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ كَالْفَسَادِ فِيهِمَا فِي إبْطَالِ الْعَقْدِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الَّذِي حَضَرَ عِوَضَهُ وَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَسْتَسْلِفَ يَصِحُّ الْعَقْدُ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارِفٌ بِنَاجِزٍ وَعَقَدَ الصَّرْفَ عَلَى أَنَّ صَاحِبَهُ بِمَثَابَتِهِ فَهُوَ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ إنَّك أَرَدْت الِاسْتِسْلَافَ لَا فَسَادَ مَا انْعَقَدَ بَيْنَنَا مِنْ الصَّرْفِ عَلَى الصِّحَّةِ فَلَا أُصَدِّقُك كَمَا لَوْ أَسْلَفَهُ دَنَانِيرَ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ قَصَدَ الِانْتِفَاعَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ حُلُولَ مَا فِي الذِّمَّةِ يَقُومُ مَقَامَ حُضُورِ مَا هِيَ مَشْغُولَةٌ بِهِ وَالْقَبْضُ يَتَنَجَّزُ فِيهِ بِإِبْرَائِهَا مِنْهُ فَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَرَاهِمُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ فِيهَا ذَهَبًا قَبْلَ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّنَاجُزِ فِي الصَّرْفِ؛ لِأَنَّ تَأْجِيلَهَا يَقُومُ مَقَامَ تَأْخِيرِ الْقَبْضِ فِيهَا إلَى أَجَلِهَا وَلَا بَأْسَ إذَا حَلَّ أَجَلُهُمَا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «كُنْت أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ حُلُولَ مَا فِي الذِّمَّةِ بِمَنْزِلَةِ حُضُورِهِ وَالْإِبْرَاءُ مِنْهُ يَقُومُ مَقَامَ الْقَبْضِ فِيهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْجَوَازَ وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَنَانِيرُ وَلِآخَرَ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ حَالَّةٌ جَازَ أَنْ يَتَطَارَحَاهَا صَرْفًا لِمَا ذَكَرْنَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْغَاصِبُ إذَا غَصَبَ دَنَانِيرَ ثُمَّ لَقِيَ صَاحِبَهَا وَقَالَ إنَّ ذَهَبَك فِي دَارِي فَصَارَفَهُ عَنْهَا بِدَرَاهِمَ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ جَوَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا غُصِبَ مِنْ الذَّهَبِ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ وَيَصِحُّ قَبْضُهُ لَهُ بِالْبَرَاءَةِ وَهَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْغَصْبِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ هَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْوَدِيعَةُ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ وَرَوَى فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ جَائِزٌ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى فِي ذَلِكَ أَنَّ حَقَّ الْمُودِعِ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِمَّةِ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَارِفَ بِهِ إلَّا عِنْدَ حُضُورِهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْمُودِعِ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالِاسْتِسْلَافِ وَمَالِكًا لِذَلِكَ لِكَوْنِهَا فِي يَدِهِ صَحَّ أَنْ يَعْتَقِدَ عِنْدَ الصَّرْفِ أَنَّهُ قَدْ اسْتَسْلَفَهَا فَتَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ ثُمَّ يُصَارِفُ فِيهَا وَيَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَجُوزَ فِي الْحُلِيِّ قَوْلٌ وَاحِدٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الرَّهْنُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ وَقَالَ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ
стр. 1298
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ وَالصَّاعُ بِالصَّاعِ وَلَا يُبَاعُ كَالِئٌ بِنَاجِزٍ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ قَطْعُ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ)
ــ
[المنتقى]
ذَلِكَ جَائِزٌ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الرَّاهِنِ بِعَيْنِ مَالِهِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ تَعَلُّقُ الرَّهْنِ بِضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ وَيَجِيءُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ جَوَازُهُ فِي الْعَارِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ اسْتَنْظَرَك إلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تَنْظُرْهُ يُرِيدُ الْمَنْعَ مِنْ التَّفَرُّقِ قَبْلَ التَّنَاجُزِ بِالتَّقَابُضِ وَإِنْ قَرُبَ فَإِنْ تَأَخَّرَ قَبْضُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ عَنْ وَقْتِ الصَّرْفِ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ هَذَا إذَا كَانَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَإِنَّ الْعَقْدَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَسَادِ وَإِنْ عَرَا عَنْ ذَلِكَ الْعَقْدُ فَاخْتَارَا ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ طَرَأَ عَلَى الْعَقْدِ الْفَسَادُ لِعَدَمِ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ وَتَمَامِهِ بِأَنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِالتَّنَاجُزِ وَامْتَنَعَ مِنْهُ الْآخَرُ حَتَّى احْتَاجَا إلَى التَّفَرُّقِ وَالتَّحَاكُمِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالتَّأَخُّرُ الْيَسِيرُ مِنْ أَحَدِ عِوَضَيْ الصَّرْفِ يَقُومُ مَقَامَ تَأَخُّرِ جَمِيعِهِ فِي إبْطَالِ الْعَقْدِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ مَتَى بَطَلَ بَعْضُهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بَطَلَ جَمِيعُهُ وَذَلِكَ بِأَنْ تَجْمَعَ الصَّفْقَةُ حَلَالًا وَحَرَامًا فَإِنَّهُ يَبْطُلُ جَمِيعُهَا هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَرَأَيْت لِزِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْدَلُسِيِّ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ سَلَّمَ مِائَةَ دِينَارٍ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً فَقَضَى فِيهَا خَمْسِينَ وَأَخَذَ خَمْسِينَ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهَا مَا قَضَى ثَمَنَهُ وَيَبْطُلُ مَا أَخَذَ ثَمَنَهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا يَبْطُلُ مِنْ الصَّفْقَةِ مَا يَخُصُّ بِهِ الْفَسَادَ وَيَصِحُّ مِنْهَا مَا عَرَا عَنْ الْفَسَادِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَا أَصْلُ الرِّبَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الزِّيَادَةُ يُقَالُ أَرْبَيْت عَلَى كَذَا بِمَعْنَى زِدْت عَلَيْهِ فَمَعْنَى ذَلِكَ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الزِّيَادَةَ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِي الْعَيْنِ وَالزِّيَادَةُ هِيَ الرِّبَا الَّذِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَنَهَى عَنْهُ رَسُولُهُ ﷺ .
(ش) : قَوْلُهُ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ يُرِيدُ مُتَسَاوِيَيْنِ وَقَوْلُهُ الصَّاعُ بِالصَّاعِ يُرِيدُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَلَا يُبَاعُ كَالِئٌ بِنَاجِزٍ يُرِيدُ مُؤَخَّرًا بِمُعَجَّلٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَالْجِنْسَيْنِ إذَا جَمَعَهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الرِّبَا وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَوَّزَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ لَا رِبَا إلَّا فِي ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ بِمَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ) .
(ش) : قَوْلُهُ لَا رِبَا إلَّا فِي ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَقْتَضِي أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِيهِمَا عِنْدَهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهَا أُصُولُ الْأَثْمَانِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ وَقَوْلُهُ أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ يَقْتَضِي أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا عِنْدَهُ فِي الْمَطْعُومِ أَنَّهُ مَطْعُومٌ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ فَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ الرِّبَا عِنْدَهُ فِي الْخُضَرِ الْمَوْزُونَةِ وَالْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ الْمَكِيلَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ قَطْعَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ يُرِيدُ قَطْعَ الدَّنَانِيرِ الصِّحَاحِ وَالدَّرَاهِمِ الصِّحَاحِ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْطَعَهَا لِيَبِيعَهَا مُقَطَّعَةً فَإِنَّهُ مِنْ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ يَتَسَبَّبُ إلَى إدْخَالِ الْغِشِّ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُطِعَتْ صِغَارًا أَدْخَلَ بَيْنَهَا الْمَغْشُوشَ وَتَسَامَحَ النَّاسُ بِإِنْفَاقِ الْيَسِيرِ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ وَخَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ تَمْيِيزُهُ مِنْ غَيْرِهِ وَالضَّرْبُ الثَّانِي قَرْضُهَا فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ عَدَدًا لِمُنْفِقِهَا عَدَدًا فَتَبْقَى عِنْدَهُ مَا قَدْ قَرَضَ مِنْهَا حَبَّةً مِنْ كُلِّ مِثْقَالٍ فَيَسْتَعْضِلُ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْغِشِّ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ عَلَى أَنَّهُ وَازِنٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَغُشَّ بِنَقْصِهِ أَوْ يَغُشَّ بِإِدْخَالِ الدَّاخِلِ فِي جَوْدَتِهِ.
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ يُؤَدَّبُ كَاسِرُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧]
стр. 1299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
قَالَ كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ هُوَ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَلِذَلِكَ قَطَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَدَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ خِيَانَةٌ وَغِشٌّ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ قَطْعٌ كَسَائِرِ مَا يُغَشُّ فِيهِ مِنْ الْأَعْوَاضِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِي الدَّنَانِيرِ الصِّحَاحِ وَالدَّرَاهِمِ الصِّحَاحِ فَأَمَّا مَا قَدُمَ قَطْعُهُ فَهَلْ يُمْنَعُ مِنْ قَطْعِهِ أَمْ لَا كَرِهَهُ مَالِكٌ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كُلُّ مَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ دِرْهَمٍ فَلَا بَأْسَ بِقَطْعِهِ وَقَالَ أَصْبَغُ كُلُّ مَا لَيْسَ بِمُدَوَّرٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقْطَعَ مِنْهُ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْقَرْضَ الْكَثِيرَ أَقْرَبُ إلَى الْمَيْزِ وَأَبْعَدُ مِنْ الْغِشِّ مِنْ الْقَرْضِ الصَّغِيرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَبِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَى التَّبَايُعِ بِكُسُورِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَمَنْ ابْتَاعَ بِكَسْرِ دِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ فِي مَوْضِعِ الصِّحَاحِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ دِينَارًا يَسْتَثْنِي مِنْهُ جُزْءًا مِنْ الذَّهَبِ أَوْ جُزْءًا مِنْ الْوَرِقِ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى جُزْءًا مِنْ الذَّهَبِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِيمَنْ اشْتَرَى بِعِشْرِينَ قِيرَاطًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ بِمِثْقَالٍ غَيْرِ رُبْعِ مِثْقَالٍ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالدَّرَاهِمِ وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ الدِّينَارِ الصَّحِيحِ غَالِبًا وَيُوجَدُ عَلَى ذَلِكَ الْوَزْنِ كَثِيرًا كَالْقِيرَاطِ وَالْقِيرَاطَيْنِ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالدِّينَارِ وَمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِنَقْصِهِ مِنْ الدِّينَارِ الصَّحِيحِ إلَّا نَادِرًا وَإِذَا نَقَصَ مِنْهُ خَرَجَ إلَى حَدِّ الْمَجْمُوعَةِ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ فِيهِ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّهُ إنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالدِّينَارِ الصَّحِيحِ كُلِّفَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ مَا يَتَعَذَّرُ وُجُودُهُ أَوْ كُلِّفَ مَنْ هُوَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَقْطُوعًا وَفِي ذَلِكَ تَرْكُ بَعْضِ حَقِّهِ وَلَوْ وَقَعَتْ الْمُبَايَعَةُ بِدِينَارٍ إلَّا سُدُسًا إلَى أَجَلٍ جَازَ ذَلِكَ وَقُضِيَ عَلَيْهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ بِالدَّرَاهِمِ.
(فَرْعٌ) وَلَوْ تَبَرَّعَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِأَدَاءِ دِينَارٍ لِيَبْقَى لَهُ سُدُسٌ مِنْ دِينَارٍ وَرَضِيَ بِذَلِكَ الْقَابِضُ جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِسَلَفِ سُدُسِ دِينَارٍ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَا يُعْجِبُنِي.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ الْجُزْءُ الْمُسْتَثْنَى وَرِقًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَإِنْ كَانَ حَالًّا جَازَ ذَلِكَ فِي أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يَجُزْ جُمْلَةً وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَخْتَلِفَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ فِي التَّعْجِيلِ وَالتَّأْجِيلِ أَوْ يَتَّفِقَا فِي ذَلِكَ فَإِنْ اخْتَلَفَا مِثْلُ أَنْ يُتَعَجَّلَ الدِّينَارُ وَالسِّلْعَةُ وَيُتَأَجَّلَ الدِّرْهَمُ أَوْ تُتَعَجَّلَ السِّلْعَةُ وَالدِّرْهَمُ وَيُتَأَجَّلُ الدِّينَارُ أَوْ تَتَعَجَّلُ السِّلْعَةُ مَعَ أَحَدِهِمَا وَيُتَعَجَّلَ الْآخَرُ مُفْرَدًا فَهَذِهِ الْأَوْجُهُ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ مَنْعُهَا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ إجَازَةَ تَعْجِيلِ الدِّينَارِ وَتَأْخِيرِ السِّلْعَةِ وَالدِّرْهَمِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ وَمَعْنَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ الصَّرْفَ الْيَسِيرَ الَّذِي هُوَ تَبَعٌ لِلْمَبِيعِ لَهُ حُكْمُ الْبَيْعِ فِي التَّعْجِيلِ وَالتَّأْجِيلِ كَمَا أَنَّ الْبَيْعَ الْيَسِيرَ الَّذِي هُوَ تَبَعٌ لِلصَّرْفِ لَهُ حُكْمُ الصَّرْفِ وَهَذَا خِلَافُ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْفِضَّةَ الْيَسِيرَةَ مَعَ السِّلْعَةِ بِالذَّهَبِ لَا يَكُونُ صَرْفًا لِقِلَّتِهَا لَا يَصْلُحُ التَّأْخِيرُ فِيهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ تَغْلِيبُ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ اتَّفَقَا فِي التَّقْدِيمِ أَوْ التَّأْخِيرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُتَعَجَّلَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ وَتُتَأَجَّلَ السِّلْعَةُ أَوْ تُتَعَجَّلَ السِّلْعَةُ وَيُتَأَجَّلَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ فَإِنْ تُعَجِّلَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ وَتَأَجَّلَتْ السِّلْعَةُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ وَرَوَى أَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ هُوَ جَائِزٌ وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ التَّنَاقُدَ وُجِدَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ فَلَمْ تَمْتَنِعْ مُخَالَفَةُ الثَّوَابِ لَهُمَا مِنْ الْجَوَازِ كَمَا لَوْ تُعُجِّلَ الثَّوْبُ وَتَأَجَّلَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ إلَى أَجَلٍ وَاحِدٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ تَعَجَّلَتْ السِّلْعَةُ وَتَأَجَّلَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ إلَى أَجَلٍ وَاحِدٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا فِي إجَازَتِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْن الَّتِي قَبْلَهَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا تَعَجَّلَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ وَتَأَخَّرَتْ السِّلْعَةُ فَقَدْ وُجِدَ الصَّرْفُ بَيْنَهُمَا وَكَمُلَ فَوَجَبَ أَنْ يُتَعَجَّلَ مَا مَعَهُمَا مِنْ
стр. 1300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِذَا لَمْ يُتَعَجَّلْ بَطَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ لِتَأَخُّرِ الْقَبْضِ فِي بَعْضِ أَعْوَاضِ الصَّرْفِ، وَأَمَّا إذَا تُعُجِّلَتْ السِّلْعَةُ وَتَأَجَّلَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ فَإِنَّ ذِمَّةَ بَائِعِ الثَّوْبِ لَيْسَتْ بِمَشْغُولَةٍ بِدِرْهَمٍ وَلَا غَيْرِهِ وَذِمَّةَ مُشْتَرِي الثَّوْبِ مَشْغُولَةٌ بِدِينَارٍ غَيْرِ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَرْفٌ وَإِنَّمَا هُوَ بَيْعُ ثَوْبٍ بِدِينَارٍ غَيْرِ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ الدِّينَارِ فَتَأَخُّرُ الْعِوَضَيْنِ فِيهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَدِّرَ النَّقْصَ بِدَرَاهِمَ كَثِيرَةٍ يَخْتَلِفُ بِهَا قَدْرُ مَا يُنْقِصُ الدِّينَارَ عِنْدَ الْأَجَلِ لِاخْتِلَافِ الْأَسْوَاقِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ لِقِلَّةِ مَا يُؤَثِّرُ اخْتِلَافُ الْأَسْوَاقِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ فِي الدِّينَارِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَكَمْ قَدْرُ الْيَسِيرِ الَّذِي يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَجُوزُ فِي الدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ وَمَنَعَهُ فِي الثَّلَاثَةِ وَقَالَ لَا خَيْرَ فِيهِ وَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ فِي الثَّلَاثَةِ الدَّرَاهِمِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ يَجُوزُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثُلُثِ دِينَارٍ؛ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ يَكُونُ تَبَعًا وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى جُزْءًا مِنْ الذَّهَبِ فَقَدْ يَسْتَثْنِيهِ بِلَفْظِ الذَّهَبِ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا قُضِيَ عَنْ الْمُبْتَاعِ بِالذَّهَبِ وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى كَثِيرًا، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً بِدِينَارٍ إلَّا سُدُسًا أَوْ إلَّا خُمُسًا لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ لِمَا تَقَدَّمَ.
١ -
(فَرْعٌ) وَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ ثَوْبًا بِنِصْفِ دِينَارٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ بَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ سِلْعَةً بِنِصْفِ دِينَارٍ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا عِنْدَ الْأَجَلِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فَأَرَادَ الْمُبْتَاعُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ صَرْفَ نِصْفَيْنِ عِنْدَ الْأَجَلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَيُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُجْبَرُ عِنْدَ الْأَجَلِ عَلَى دَفْعِ الدِّينَارِ إنْ اخْتَارَ ذَلِكَ الْبَائِعُ فَلَا يَضُرُّ اشْتِرَاطُ مَا هُوَ مِنْ مُقْتَضَى تَعَامُلِهِمَا وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ مَنْ أَبَاهُ مِنْهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الْوَرِقِ فَقَدْ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ الذَّهَبَ وَيَرُدُّ هُوَ عَلَيْهِ الْمُسْتَثْنَى وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يُعْتَبَرَ بِسِعْرِ الدِّرْهَمِ حِينَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ بِالْمُسْتَثْنَى بِالْمَبْلَغِ وَيُرَاعَى تَأْثِيرُهُ فِي الْمَالِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَالْمَكِيلِ يُسْتَثْنَى مِنْ الصُّبْرَةِ أَوْ ثَمَرَةِ الْحَائِطِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَمَا نَحَا إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي قَوْلِهِ إنَّ الِاعْتِبَارَ بِمِقْدَارِ الدَّرَاهِمِ حِينَ الْعَقْدِ دُونَ وَقْتِ الِاقْتِضَاءِ وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ فِي الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ صَحِيحَ الدِّينَارِ هُوَ مَا يَنْقُصُ مِنْهُ الْقِيرَاطُ وَالِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ وَمَا يَنْقُصُ مِنْهُ أَرْبَعَةُ قَرَارِيطَ وَخَمْسَةٌ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَجْمُوعَةِ وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ بِمِثْقَالٍ غَيْرِ سُدُسٍ قُضِيَ لَهُ بِالدَّرَاهِمِ وَمَنْ بَاعَ بِمِثْقَالٍ غَيْرِ قِيرَاطٍ قُضِيَ لَهُ بِالدِّينَارِ فَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ بِالدَّرَاهِمِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ نِسْبَةُ الدِّينَارِ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَاعَ بِمِثْقَالٍ إلَّا دِرْهَمًا وَإِلَّا دِرْهَمَيْنِ فَقَدْ بَاعَ بِدِينَارٍ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَبِيعَ بِدِينَارٍ غَيْرِ قِيرَاطَيْنِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّحِيحِ فَلَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِثْنَاءِ تَأْثِيرٌ فِي تَغَيُّرِ صِفَةِ الدِّينَارِ وَإِذَا بَاعَ بِدِينَارٍ إلَّا خَمْسَةَ دَرَاهِمَ فَقَدْ بَاعَ بِدِينَارٍ صَحِيحٍ وَلَوْ اسْتَثْنَى بِلَفْظِ الدَّرَاهِمِ لَأُخِذَ مَجْمُوعًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَبِيعَ بِدِينَارٍ غَيْرِ رُبْعِ دِينَارٍ وَذَلِكَ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا وَيَجْعَلُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَجْمُوعِ فَكَانَ لِلِاسْتِثْنَاءِ بِالدَّرَاهِمِ تَأْثِيرٌ فِي تَغَيُّرِ صِفَةِ الدِّينَارِ فَدَخَلَ بِذَلِكَ فِي حُكْمِ الصَّرْفِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّأْخِيرُ.
(فَرْعٌ) فَإِذْ قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ إنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي الدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ فَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ مِائَةَ ثَوْبٍ كُلُّ ثَوْبٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ مِائَةَ دِينَارٍ إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ دِينَارٌ يُكْتَبُ عَلَيْهِ إلَى أَجَلٍ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقَوَّمَ الدِّينَارُ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَاعَى فِي الصَّرْفِ يَوْمُ الْقَضَاءِ دُونَ وَقْتِ الْعَقْدِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ قَبْلَ أَوَانِهِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ أَنَّهُ إذَا حَانَ الْأَجَلُ فَدَفَعَ إلَيْهِ مِائَةَ دِينَارٍ وَأَخَذَ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَهُوَ صَرْفٌ مُسْتَأْخَرٌ عَنْ الْعَقْدِ
следующие страницы →