Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالذَّهَبِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ وَالْآخَرُ نَاجِزٌ وَإِنْ اسْتَنْظَرَك إلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تَنْظُرْهُ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَاءُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا
ــ
[المنتقى]
إلَيْهِ مُعَاوِيَةُ مِنْ بَيْعِ سِقَايَةِ الذَّهَبِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَرَى فِي ذَلِكَ مَا رَآهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ تَجْوِيزِ التَّفَاضُلِ فِي الذَّهَبِ نَقْدًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَا يَرَى ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ جَوَّزَ التَّفَاضُلَ بَيْنَ الْمَصُوغِ مِنْهُ وَغَيْرِهِ لِمَعْنَى الصِّيَاغَةِ وَقَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ فِعْلَهُ مِنْ تَجْوِيزِهِ التَّفَاضُلَ فِي الذَّهَبِ وَاحْتَاجَ إلَى الِاحْتِجَاجِ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ فَلَيْسَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ صَرْفُهُ عَنْ رَأْيِهِ الَّذِي رُوِيَ إلَّا بِدَلِيلٍ وَحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ هَلْ لَك فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ مَا أَوْتَرَ إلَّا بِوَاحِدَةٍ قَالَ أَصَابَ إنَّهُ فَقِيهٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مُعَاوِيَةَ مَا أَرَى بِمِثْلِ هَذَا بَأْسًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَرَى الْقِيَاسَ مُقَدَّمًا عَلَى أَخْبَارِ الْآحَادِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَذَلِكَ لِمَا يَجُوزُ عَلَى الرَّاوِي مِنْ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَالصَّوَابُ تَقْدِيمُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ السَّهْوَ وَالْغَلَطَ يَجُوزُ فِيهِ عَلَى النَّاظِرِ الْمُجْتَهِدِ أَكْثَرَ مِمَّا يَجُوزُ عَلَى النَّاقِلِ الْحَافِظِ الْفَقِيهِ وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ الْفُصُولِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرَى تَقْدِيمَ أَخْبَارِ الْآحَادِ إلَّا أَنَّهُ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى الْمَضْرُوبِ بِالْمَضْرُوبِ دُونَ الْمَصُوغِ بِالْمَضْرُوبِ وَرَأَى أَنَّ الصِّيَاغَةَ مَعْنًى زَائِدٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا لِلْفَضْلِ عَلَى حَسَبِ مَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ بَاعَ مِائَةَ دِينَارٍ فِي قِرْطَاسٍ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَيُجْعَلُ الْقِرْطَاسُ عِوَضًا لِلْمِائَةِ الْأُخْرَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ مُعَاوِيَةَ أَنَا أُخْبِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِهِ أَنِكَارٌ مِنْهُ عَلَى مُعَاوِيَةَ التَّعَلُّقَ بِرَأْيٍ يُخَالِفُ النَّصَّ وَلَمْ يَحْمِلْ ذَلِكَ مِنْ مُعَاوِيَةَ عَلَى التَّأْوِيلِ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ مِنْهُ عَلَى رَدِّ الْحَدِيثِ بِالرَّأْيِ إمَّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا إلَّا الْمَصُوغَ بِالْمَضْرُوبِ وَفِيهِ نَقْلُ النَّهْيِ فَيَمْتَنِعُ التَّأْوِيلُ وَالتَّخْصِيصُ وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَ مُعَاوِيَةَ مَا أَرَى بِمِثْلِ هَذَا بَأْسًا عَلَى تَجْوِيزِ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ دُونَ تَفْصِيلٍ.
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَفِيمَا قَالَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ وَقَوْلُهُ لَا أُسَاكِنُك بِأَرْضٍ أَنْتَ فِيهَا مُبَالَغَةٌ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَاظِهَارٌ لِهَجْرِهِ وَالْبُعْدِ عَنْهُ حِينَ لَمْ يَأْخُذْ بِمَا نُقِلَ إلَيْهِ مِنْ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ وَيُظْهِرُ الرُّجُوعَ عَمَّا خَالَفَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ قَدِمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَلَى مَعْنَى رَفْعِ مَا يُنْكَرُ إلَى الْإِمَامِ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ عِنْدَهُ فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى مُعَاوِيَةَ أَنْ لَا يَبِيعَ ذَلِكَ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ عَلَى حَسَبِ مَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ مِنْ أَمْرِ حُكَّامِهِ بِالْحُكْمِ بِالْحَقِّ وَالتَّبْصِيرِ لَهُمْ بِصَوَابِ الْأَحْكَامِ وَقَوْلُهُ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ الْجُزَافِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا حَرُمَ فِيهِ التَّفَاضُلُ يَحْرُمُ فِيهِ الْجُزَافُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَعَهُ التَّسَاوِي وَالْجَهْلُ فَالتَّسَاوِي كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ فِي التَّحْرِيمِ وَالْمَنْعِ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ وَلَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي هَذَا لِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ مِنْ قِلَّةِ التَّسَامُحِ بِيَسِيرِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عُمَرُ ﵁ عَلَى مُعَاوِيَةَ مَا رَاجَعَ بِهِ أَبُو الدَّرْدَاءِ لِمَا احْتَمَلَ مِنْ التَّأْوِيلِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 1297
شَيْئًا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ وَإِنْ اسْتَنْظَرَك إلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تَنْظُرْهُ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَا) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالذَّهَبِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ وَالْآخَرُ نَاجِزٌ مَنَعَ مِنْ تَأَخُّرِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ فِي الصَّرْفِ عَنْ حَالِ النَّقْدِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْأَجَلَ فِي الصَّرْفِ وَالْعَقْدِ عَلَى تَأْخِيرِ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ النَّاجِزَ هُوَ مَا نَجَزَ الْقَبْضُ فِيهِ حَالَ الْعَقْدِ وَالْغَائِبُ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا غَابَ عَنْ الْمُشَاهَدَةِ حَالَ الْعَقْدِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي كُمِّ الصَّيْرَفِيِّ أَوْفَى تَابُوتِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا غَابَ عَنْ الْحُضُورِ وَقْتَ الْعَقْدِ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ فِيهِ لِمُقَابَلَتِهِ بِالنَّاجِزِ وَلَوْ أَرَادَ الْمُشَاهَدَةَ لَقَالَ وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِمُشَاهَدٍ.
وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَعْقِدَ مَعَ الصَّيْرَفِيِّ عَلَى دِينَارٍ بِدَرَاهِمَ فَيَدْفَعُ إلَيْهِ الدِّينَارَ فَيَخْلِطُهُ بِذَهَبِهِ أَوْ فِي تَابُوتِهِ ثُمَّ يُخْرِجُ الدَّرَاهِمَ وَيَتْرُكُ الدِّينَارَ حَتَّى يُخْرِجَ الدَّرَاهِمَ وَيَحْضُرَ الْعَيْنَانِ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْمُنَاجَزَةِ صُورَةً وَمَعْنًى؛ لِأَنَّ أَخْذَ الدِّينَارِ وَتَغْيِيبِهِ ثُمَّ إخْرَاجَ الدَّرَاهِمِ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى صُورَةِ الْمُنَاجَزَةِ بَلْ هِيَ مِنْ أَفْعَالِ التَّأْخِيرِ وَصِفَةِ التَّبَايُعِ فِيمَا لَا يُرَاعَى فِيهِ التَّقَابُضُ وَالتَّنَاجُزُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ تَعَاقَدَا الصَّرْفَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمَا مَا عَقَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَسْلَفَ أَحَدُهُمَا دِينَارًا وَالْآخَرُ دَرَاهِمَ وَلَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى تَقَابَضَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ عَقَدَ الصَّرْفَ عَلَى غَائِبٍ لَمْ يَكُنْ حَاضِرَ الصِّفَةِ فَيَعْقِدُ عَلَيْهِ وَلَا كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ إمْكَانِ مَا يَقْبِضُهُ فَقَدْ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى غَيْرِ مَا يَقْتَضِيهِ وَيُصَحِّحُهُ مِنْ التَّنَاجُزِ وَالتَّقَابُضِ حَالَ الْعَقْدِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الدِّينَارَ وَاسْتَسْلَفَ الْآخَرُ الدَّرَاهِمَ فَتَنَاقَدَا قَالَ أَشْهَبُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ شَيْئًا قَرِيبًا كَحَلِّ الصُّرَّةِ وَلَا يَقُومُ لِذَلِكَ وَلَا يَفْتَرِقَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ عَقْدَ الصَّرْفِ قَدْ تَنَاوَلَ غَائِبًا وَالْفَسَادُ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ كَالْفَسَادِ فِيهِمَا فِي إبْطَالِ الْعَقْدِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الَّذِي حَضَرَ عِوَضَهُ وَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَسْتَسْلِفَ يَصِحُّ الْعَقْدُ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارِفٌ بِنَاجِزٍ وَعَقَدَ الصَّرْفَ عَلَى أَنَّ صَاحِبَهُ بِمَثَابَتِهِ فَهُوَ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ إنَّك أَرَدْت الِاسْتِسْلَافَ لَا فَسَادَ مَا انْعَقَدَ بَيْنَنَا مِنْ الصَّرْفِ عَلَى الصِّحَّةِ فَلَا أُصَدِّقُك كَمَا لَوْ أَسْلَفَهُ دَنَانِيرَ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ قَصَدَ الِانْتِفَاعَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ حُلُولَ مَا فِي الذِّمَّةِ يَقُومُ مَقَامَ حُضُورِ مَا هِيَ مَشْغُولَةٌ بِهِ وَالْقَبْضُ يَتَنَجَّزُ فِيهِ بِإِبْرَائِهَا مِنْهُ فَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَرَاهِمُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ فِيهَا ذَهَبًا قَبْلَ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّنَاجُزِ فِي الصَّرْفِ؛ لِأَنَّ تَأْجِيلَهَا يَقُومُ مَقَامَ تَأْخِيرِ الْقَبْضِ فِيهَا إلَى أَجَلِهَا وَلَا بَأْسَ إذَا حَلَّ أَجَلُهُمَا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «كُنْت أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ حُلُولَ مَا فِي الذِّمَّةِ بِمَنْزِلَةِ حُضُورِهِ وَالْإِبْرَاءُ مِنْهُ يَقُومُ مَقَامَ الْقَبْضِ فِيهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْجَوَازَ وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَنَانِيرُ وَلِآخَرَ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ حَالَّةٌ جَازَ أَنْ يَتَطَارَحَاهَا صَرْفًا لِمَا ذَكَرْنَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْغَاصِبُ إذَا غَصَبَ دَنَانِيرَ ثُمَّ لَقِيَ صَاحِبَهَا وَقَالَ إنَّ ذَهَبَك فِي دَارِي فَصَارَفَهُ عَنْهَا بِدَرَاهِمَ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ جَوَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا غُصِبَ مِنْ الذَّهَبِ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ وَيَصِحُّ قَبْضُهُ لَهُ بِالْبَرَاءَةِ وَهَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْغَصْبِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ هَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْوَدِيعَةُ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ وَرَوَى فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ جَائِزٌ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى فِي ذَلِكَ أَنَّ حَقَّ الْمُودِعِ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِمَّةِ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَارِفَ بِهِ إلَّا عِنْدَ حُضُورِهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْمُودِعِ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالِاسْتِسْلَافِ وَمَالِكًا لِذَلِكَ لِكَوْنِهَا فِي يَدِهِ صَحَّ أَنْ يَعْتَقِدَ عِنْدَ الصَّرْفِ أَنَّهُ قَدْ اسْتَسْلَفَهَا فَتَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ ثُمَّ يُصَارِفُ فِيهَا وَيَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَجُوزَ فِي الْحُلِيِّ قَوْلٌ وَاحِدٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الرَّهْنُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ وَقَالَ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ
стр. 1298
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ وَالصَّاعُ بِالصَّاعِ وَلَا يُبَاعُ كَالِئٌ بِنَاجِزٍ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ قَطْعُ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ)
ــ
[المنتقى]
ذَلِكَ جَائِزٌ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الرَّاهِنِ بِعَيْنِ مَالِهِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ تَعَلُّقُ الرَّهْنِ بِضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ وَيَجِيءُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ جَوَازُهُ فِي الْعَارِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ اسْتَنْظَرَك إلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تَنْظُرْهُ يُرِيدُ الْمَنْعَ مِنْ التَّفَرُّقِ قَبْلَ التَّنَاجُزِ بِالتَّقَابُضِ وَإِنْ قَرُبَ فَإِنْ تَأَخَّرَ قَبْضُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ عَنْ وَقْتِ الصَّرْفِ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ هَذَا إذَا كَانَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَإِنَّ الْعَقْدَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَسَادِ وَإِنْ عَرَا عَنْ ذَلِكَ الْعَقْدُ فَاخْتَارَا ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ طَرَأَ عَلَى الْعَقْدِ الْفَسَادُ لِعَدَمِ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ وَتَمَامِهِ بِأَنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِالتَّنَاجُزِ وَامْتَنَعَ مِنْهُ الْآخَرُ حَتَّى احْتَاجَا إلَى التَّفَرُّقِ وَالتَّحَاكُمِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالتَّأَخُّرُ الْيَسِيرُ مِنْ أَحَدِ عِوَضَيْ الصَّرْفِ يَقُومُ مَقَامَ تَأَخُّرِ جَمِيعِهِ فِي إبْطَالِ الْعَقْدِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ مَتَى بَطَلَ بَعْضُهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بَطَلَ جَمِيعُهُ وَذَلِكَ بِأَنْ تَجْمَعَ الصَّفْقَةُ حَلَالًا وَحَرَامًا فَإِنَّهُ يَبْطُلُ جَمِيعُهَا هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَرَأَيْت لِزِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْدَلُسِيِّ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ سَلَّمَ مِائَةَ دِينَارٍ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً فَقَضَى فِيهَا خَمْسِينَ وَأَخَذَ خَمْسِينَ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهَا مَا قَضَى ثَمَنَهُ وَيَبْطُلُ مَا أَخَذَ ثَمَنَهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا يَبْطُلُ مِنْ الصَّفْقَةِ مَا يَخُصُّ بِهِ الْفَسَادَ وَيَصِحُّ مِنْهَا مَا عَرَا عَنْ الْفَسَادِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَا أَصْلُ الرِّبَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الزِّيَادَةُ يُقَالُ أَرْبَيْت عَلَى كَذَا بِمَعْنَى زِدْت عَلَيْهِ فَمَعْنَى ذَلِكَ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الزِّيَادَةَ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِي الْعَيْنِ وَالزِّيَادَةُ هِيَ الرِّبَا الَّذِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَنَهَى عَنْهُ رَسُولُهُ ﷺ .
(ش) : قَوْلُهُ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ يُرِيدُ مُتَسَاوِيَيْنِ وَقَوْلُهُ الصَّاعُ بِالصَّاعِ يُرِيدُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَلَا يُبَاعُ كَالِئٌ بِنَاجِزٍ يُرِيدُ مُؤَخَّرًا بِمُعَجَّلٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَالْجِنْسَيْنِ إذَا جَمَعَهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الرِّبَا وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَوَّزَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ لَا رِبَا إلَّا فِي ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ بِمَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ) .
(ش) : قَوْلُهُ لَا رِبَا إلَّا فِي ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَقْتَضِي أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِيهِمَا عِنْدَهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهَا أُصُولُ الْأَثْمَانِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ وَقَوْلُهُ أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ يَقْتَضِي أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا عِنْدَهُ فِي الْمَطْعُومِ أَنَّهُ مَطْعُومٌ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ فَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ الرِّبَا عِنْدَهُ فِي الْخُضَرِ الْمَوْزُونَةِ وَالْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ الْمَكِيلَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ قَطْعَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ يُرِيدُ قَطْعَ الدَّنَانِيرِ الصِّحَاحِ وَالدَّرَاهِمِ الصِّحَاحِ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْطَعَهَا لِيَبِيعَهَا مُقَطَّعَةً فَإِنَّهُ مِنْ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ يَتَسَبَّبُ إلَى إدْخَالِ الْغِشِّ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُطِعَتْ صِغَارًا أَدْخَلَ بَيْنَهَا الْمَغْشُوشَ وَتَسَامَحَ النَّاسُ بِإِنْفَاقِ الْيَسِيرِ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ وَخَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ تَمْيِيزُهُ مِنْ غَيْرِهِ وَالضَّرْبُ الثَّانِي قَرْضُهَا فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ عَدَدًا لِمُنْفِقِهَا عَدَدًا فَتَبْقَى عِنْدَهُ مَا قَدْ قَرَضَ مِنْهَا حَبَّةً مِنْ كُلِّ مِثْقَالٍ فَيَسْتَعْضِلُ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْغِشِّ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ عَلَى أَنَّهُ وَازِنٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَغُشَّ بِنَقْصِهِ أَوْ يَغُشَّ بِإِدْخَالِ الدَّاخِلِ فِي جَوْدَتِهِ.
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ يُؤَدَّبُ كَاسِرُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧]
стр. 1299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
قَالَ كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ هُوَ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَلِذَلِكَ قَطَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَدَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ خِيَانَةٌ وَغِشٌّ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ قَطْعٌ كَسَائِرِ مَا يُغَشُّ فِيهِ مِنْ الْأَعْوَاضِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِي الدَّنَانِيرِ الصِّحَاحِ وَالدَّرَاهِمِ الصِّحَاحِ فَأَمَّا مَا قَدُمَ قَطْعُهُ فَهَلْ يُمْنَعُ مِنْ قَطْعِهِ أَمْ لَا كَرِهَهُ مَالِكٌ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كُلُّ مَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ دِرْهَمٍ فَلَا بَأْسَ بِقَطْعِهِ وَقَالَ أَصْبَغُ كُلُّ مَا لَيْسَ بِمُدَوَّرٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقْطَعَ مِنْهُ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْقَرْضَ الْكَثِيرَ أَقْرَبُ إلَى الْمَيْزِ وَأَبْعَدُ مِنْ الْغِشِّ مِنْ الْقَرْضِ الصَّغِيرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَبِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَى التَّبَايُعِ بِكُسُورِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَمَنْ ابْتَاعَ بِكَسْرِ دِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ فِي مَوْضِعِ الصِّحَاحِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ دِينَارًا يَسْتَثْنِي مِنْهُ جُزْءًا مِنْ الذَّهَبِ أَوْ جُزْءًا مِنْ الْوَرِقِ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى جُزْءًا مِنْ الذَّهَبِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِيمَنْ اشْتَرَى بِعِشْرِينَ قِيرَاطًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ بِمِثْقَالٍ غَيْرِ رُبْعِ مِثْقَالٍ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالدَّرَاهِمِ وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ الدِّينَارِ الصَّحِيحِ غَالِبًا وَيُوجَدُ عَلَى ذَلِكَ الْوَزْنِ كَثِيرًا كَالْقِيرَاطِ وَالْقِيرَاطَيْنِ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالدِّينَارِ وَمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِنَقْصِهِ مِنْ الدِّينَارِ الصَّحِيحِ إلَّا نَادِرًا وَإِذَا نَقَصَ مِنْهُ خَرَجَ إلَى حَدِّ الْمَجْمُوعَةِ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ فِيهِ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّهُ إنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالدِّينَارِ الصَّحِيحِ كُلِّفَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ مَا يَتَعَذَّرُ وُجُودُهُ أَوْ كُلِّفَ مَنْ هُوَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَقْطُوعًا وَفِي ذَلِكَ تَرْكُ بَعْضِ حَقِّهِ وَلَوْ وَقَعَتْ الْمُبَايَعَةُ بِدِينَارٍ إلَّا سُدُسًا إلَى أَجَلٍ جَازَ ذَلِكَ وَقُضِيَ عَلَيْهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ بِالدَّرَاهِمِ.
(فَرْعٌ) وَلَوْ تَبَرَّعَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِأَدَاءِ دِينَارٍ لِيَبْقَى لَهُ سُدُسٌ مِنْ دِينَارٍ وَرَضِيَ بِذَلِكَ الْقَابِضُ جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِسَلَفِ سُدُسِ دِينَارٍ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَا يُعْجِبُنِي.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ الْجُزْءُ الْمُسْتَثْنَى وَرِقًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَإِنْ كَانَ حَالًّا جَازَ ذَلِكَ فِي أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يَجُزْ جُمْلَةً وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَخْتَلِفَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ فِي التَّعْجِيلِ وَالتَّأْجِيلِ أَوْ يَتَّفِقَا فِي ذَلِكَ فَإِنْ اخْتَلَفَا مِثْلُ أَنْ يُتَعَجَّلَ الدِّينَارُ وَالسِّلْعَةُ وَيُتَأَجَّلَ الدِّرْهَمُ أَوْ تُتَعَجَّلَ السِّلْعَةُ وَالدِّرْهَمُ وَيُتَأَجَّلُ الدِّينَارُ أَوْ تَتَعَجَّلُ السِّلْعَةُ مَعَ أَحَدِهِمَا وَيُتَعَجَّلَ الْآخَرُ مُفْرَدًا فَهَذِهِ الْأَوْجُهُ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ مَنْعُهَا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ إجَازَةَ تَعْجِيلِ الدِّينَارِ وَتَأْخِيرِ السِّلْعَةِ وَالدِّرْهَمِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ وَمَعْنَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ الصَّرْفَ الْيَسِيرَ الَّذِي هُوَ تَبَعٌ لِلْمَبِيعِ لَهُ حُكْمُ الْبَيْعِ فِي التَّعْجِيلِ وَالتَّأْجِيلِ كَمَا أَنَّ الْبَيْعَ الْيَسِيرَ الَّذِي هُوَ تَبَعٌ لِلصَّرْفِ لَهُ حُكْمُ الصَّرْفِ وَهَذَا خِلَافُ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْفِضَّةَ الْيَسِيرَةَ مَعَ السِّلْعَةِ بِالذَّهَبِ لَا يَكُونُ صَرْفًا لِقِلَّتِهَا لَا يَصْلُحُ التَّأْخِيرُ فِيهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ تَغْلِيبُ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ اتَّفَقَا فِي التَّقْدِيمِ أَوْ التَّأْخِيرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُتَعَجَّلَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ وَتُتَأَجَّلَ السِّلْعَةُ أَوْ تُتَعَجَّلَ السِّلْعَةُ وَيُتَأَجَّلَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ فَإِنْ تُعَجِّلَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ وَتَأَجَّلَتْ السِّلْعَةُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ وَرَوَى أَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ هُوَ جَائِزٌ وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ التَّنَاقُدَ وُجِدَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ فَلَمْ تَمْتَنِعْ مُخَالَفَةُ الثَّوَابِ لَهُمَا مِنْ الْجَوَازِ كَمَا لَوْ تُعُجِّلَ الثَّوْبُ وَتَأَجَّلَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ إلَى أَجَلٍ وَاحِدٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ تَعَجَّلَتْ السِّلْعَةُ وَتَأَجَّلَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ إلَى أَجَلٍ وَاحِدٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا فِي إجَازَتِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْن الَّتِي قَبْلَهَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا تَعَجَّلَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ وَتَأَخَّرَتْ السِّلْعَةُ فَقَدْ وُجِدَ الصَّرْفُ بَيْنَهُمَا وَكَمُلَ فَوَجَبَ أَنْ يُتَعَجَّلَ مَا مَعَهُمَا مِنْ
стр. 1300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِذَا لَمْ يُتَعَجَّلْ بَطَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ لِتَأَخُّرِ الْقَبْضِ فِي بَعْضِ أَعْوَاضِ الصَّرْفِ، وَأَمَّا إذَا تُعُجِّلَتْ السِّلْعَةُ وَتَأَجَّلَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ فَإِنَّ ذِمَّةَ بَائِعِ الثَّوْبِ لَيْسَتْ بِمَشْغُولَةٍ بِدِرْهَمٍ وَلَا غَيْرِهِ وَذِمَّةَ مُشْتَرِي الثَّوْبِ مَشْغُولَةٌ بِدِينَارٍ غَيْرِ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَرْفٌ وَإِنَّمَا هُوَ بَيْعُ ثَوْبٍ بِدِينَارٍ غَيْرِ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ الدِّينَارِ فَتَأَخُّرُ الْعِوَضَيْنِ فِيهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَدِّرَ النَّقْصَ بِدَرَاهِمَ كَثِيرَةٍ يَخْتَلِفُ بِهَا قَدْرُ مَا يُنْقِصُ الدِّينَارَ عِنْدَ الْأَجَلِ لِاخْتِلَافِ الْأَسْوَاقِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ لِقِلَّةِ مَا يُؤَثِّرُ اخْتِلَافُ الْأَسْوَاقِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ فِي الدِّينَارِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَكَمْ قَدْرُ الْيَسِيرِ الَّذِي يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَجُوزُ فِي الدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ وَمَنَعَهُ فِي الثَّلَاثَةِ وَقَالَ لَا خَيْرَ فِيهِ وَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ فِي الثَّلَاثَةِ الدَّرَاهِمِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ يَجُوزُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثُلُثِ دِينَارٍ؛ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ يَكُونُ تَبَعًا وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى جُزْءًا مِنْ الذَّهَبِ فَقَدْ يَسْتَثْنِيهِ بِلَفْظِ الذَّهَبِ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا قُضِيَ عَنْ الْمُبْتَاعِ بِالذَّهَبِ وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى كَثِيرًا، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً بِدِينَارٍ إلَّا سُدُسًا أَوْ إلَّا خُمُسًا لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ لِمَا تَقَدَّمَ.
١ -
(فَرْعٌ) وَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ ثَوْبًا بِنِصْفِ دِينَارٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ بَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ سِلْعَةً بِنِصْفِ دِينَارٍ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا عِنْدَ الْأَجَلِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فَأَرَادَ الْمُبْتَاعُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ صَرْفَ نِصْفَيْنِ عِنْدَ الْأَجَلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَيُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُجْبَرُ عِنْدَ الْأَجَلِ عَلَى دَفْعِ الدِّينَارِ إنْ اخْتَارَ ذَلِكَ الْبَائِعُ فَلَا يَضُرُّ اشْتِرَاطُ مَا هُوَ مِنْ مُقْتَضَى تَعَامُلِهِمَا وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ مَنْ أَبَاهُ مِنْهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الْوَرِقِ فَقَدْ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ الذَّهَبَ وَيَرُدُّ هُوَ عَلَيْهِ الْمُسْتَثْنَى وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يُعْتَبَرَ بِسِعْرِ الدِّرْهَمِ حِينَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ بِالْمُسْتَثْنَى بِالْمَبْلَغِ وَيُرَاعَى تَأْثِيرُهُ فِي الْمَالِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَالْمَكِيلِ يُسْتَثْنَى مِنْ الصُّبْرَةِ أَوْ ثَمَرَةِ الْحَائِطِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَمَا نَحَا إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي قَوْلِهِ إنَّ الِاعْتِبَارَ بِمِقْدَارِ الدَّرَاهِمِ حِينَ الْعَقْدِ دُونَ وَقْتِ الِاقْتِضَاءِ وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ فِي الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ صَحِيحَ الدِّينَارِ هُوَ مَا يَنْقُصُ مِنْهُ الْقِيرَاطُ وَالِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ وَمَا يَنْقُصُ مِنْهُ أَرْبَعَةُ قَرَارِيطَ وَخَمْسَةٌ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَجْمُوعَةِ وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ بِمِثْقَالٍ غَيْرِ سُدُسٍ قُضِيَ لَهُ بِالدَّرَاهِمِ وَمَنْ بَاعَ بِمِثْقَالٍ غَيْرِ قِيرَاطٍ قُضِيَ لَهُ بِالدِّينَارِ فَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ بِالدَّرَاهِمِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ نِسْبَةُ الدِّينَارِ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَاعَ بِمِثْقَالٍ إلَّا دِرْهَمًا وَإِلَّا دِرْهَمَيْنِ فَقَدْ بَاعَ بِدِينَارٍ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَبِيعَ بِدِينَارٍ غَيْرِ قِيرَاطَيْنِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّحِيحِ فَلَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِثْنَاءِ تَأْثِيرٌ فِي تَغَيُّرِ صِفَةِ الدِّينَارِ وَإِذَا بَاعَ بِدِينَارٍ إلَّا خَمْسَةَ دَرَاهِمَ فَقَدْ بَاعَ بِدِينَارٍ صَحِيحٍ وَلَوْ اسْتَثْنَى بِلَفْظِ الدَّرَاهِمِ لَأُخِذَ مَجْمُوعًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَبِيعَ بِدِينَارٍ غَيْرِ رُبْعِ دِينَارٍ وَذَلِكَ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا وَيَجْعَلُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَجْمُوعِ فَكَانَ لِلِاسْتِثْنَاءِ بِالدَّرَاهِمِ تَأْثِيرٌ فِي تَغَيُّرِ صِفَةِ الدِّينَارِ فَدَخَلَ بِذَلِكَ فِي حُكْمِ الصَّرْفِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّأْخِيرُ.
(فَرْعٌ) فَإِذْ قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ إنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي الدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ فَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ مِائَةَ ثَوْبٍ كُلُّ ثَوْبٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ مِائَةَ دِينَارٍ إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ دِينَارٌ يُكْتَبُ عَلَيْهِ إلَى أَجَلٍ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقَوَّمَ الدِّينَارُ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَاعَى فِي الصَّرْفِ يَوْمُ الْقَضَاءِ دُونَ وَقْتِ الْعَقْدِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ قَبْلَ أَوَانِهِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ أَنَّهُ إذَا حَانَ الْأَجَلُ فَدَفَعَ إلَيْهِ مِائَةَ دِينَارٍ وَأَخَذَ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَهُوَ صَرْفٌ مُسْتَأْخَرٌ عَنْ الْعَقْدِ
стр. 1301
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ جُزَافًا إذَا كَانَ تِبْرًا أَوْ حُلِيًّا قَدْ صِيغَ فَأَمَّا الدَّرَاهِمُ الْمَعْدُودَةُ وَالدَّنَانِيرُ الْمَعْدُودَةُ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ جُزَافًا حَتَّى يَعْلَمَ وَيَعُدَّ فَإِنْ اشْتَرَى ذَلِكَ جُزَافًا فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْغَرَرُ حِينَ يَتْرُكَ عَدَدَهُ وَيَشْتَرِيَ جُزَافًا وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بُيُوعِ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا مَا كَانَ يُوزَنُ مِنْ التِّبْرِ وَالْحُلِيِّ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ ذَلِكَ جُزَافًا وَإِنَّمَا ابْتِيَاعُ ذَلِكَ جُزَافًا كَهَيْئَةِ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي تُبَاعُ جُزَافًا وَمِثْلُهَا يُكَالُ فَلَيْسَ بِابْتِيَاعِ ذَلِكَ جُزَافًا بَأْسٌ) .
ــ
[المنتقى]
وَهَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى مُرَاعَاةِ مِقْدَارِ الدِّرْهَمِ مِنْ الدِّينَارِ يَوْمَ الْعَقْدِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ نَقْدًا وَلَا يَجُوزُ إلَى أَجَلٍ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ نَقْدًا وَلَا إلَى أَجَلٍ فَأَمَّا مَنْعُهُ بِالْأَجَلِ فَإِنَّهُمَا إنْ قَوَّمَا الدَّرَاهِمَ بِالذَّهَبِ حِينَ الْعَقْدِ دَخَلَهُ مِنْ الْفَسَادِ مَا تَقَدَّمَ بِمَا احْتَجَّ بِهِ لِرِوَايَةِ أَشْهَبَ وَإِنْ أَخَّرَا ذَلِكَ دَخَلَهُ مِنْ الْفَسَادِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ وَوَجْهُ مَنْعِ ذَلِكَ فِي النَّقْدِ أَيْضًا مَا يَدْخُلُهُ مِنْ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ فِي الْكَثِيرِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ إذَا كَثُرَتْ كَثُرَ قَدْرُهَا مِنْ الدِّينَارِ وَاخْتَلَفَ ذَلِكَ إلَى الْأَجَلِ فَاخْتِلَافُ أَسْوَاقِهَا مُؤَثِّرٌ فِي قَدْرِ النَّاقِصِ مِنْ الدِّينَارِ جَهَالَةً.
١ -
(فَرْعٌ) وَلَوْ بَاعَهُ ثَوْبًا بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ إلَّا دِرْهَمًا فَدَفَعَ إلَيْهِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ وَأَخَّرَهُ حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا وَيَأْخُذَ مِنْهُ دِرْهَمًا أَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا وَأَخَذَ مِنْهُ دِرْهَمًا وَاحِدًا بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ حَتَّى يُقْبِضَهُ إيَّاهَا لَمْ يَجُزْ وَلَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ إلَّا رُبْعَ دِينَارٍ أَوْ سُدُسَ دِينَارٍ فَنَقَدَهُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ حَتَّى يَأْتِيَهُ بِالرُّبْعِ دِينَارٍ وَيَدْفَعَ إلَيْهِ الدِّينَارَ أَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الدِّينَارَ وَقَبَضَ مِنْهُ رُبْعَ دِينَارٍ وَبَقِيَتْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إنَّهُ يَجُوزُ.
(فَرْقٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّهُ إذَا بَاعَهُ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ إلَّا دِرْهَمًا فَإِنَّ نَقْصَ الدِّينَارِ الْخَامِسِ إنَّمَا يَتَقَدَّرُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَبِهِ يَتَحَقَّقُ دُونَ جِنْسِ الدِّينَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَامَا تَقْدِيرَهُ بِجِنْسِ الدِّينَارِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ تَقْوِيمٍ وَيَدْخُلُهُ النَّقْصُ وَالزِّيَادَةُ وَالتَّجَاوُزُ فَلَزِمَ بِذَلِكَ دَفْعُ الدَّرَاهِمِ وَقَبْضُ الدِّينَارِ فَأَشْبَهَ الْعِوَضَ وَوَجَبَ أَنْ يُرَاعَى فِيهِ مَا يُرَاعَى فِي الصَّرْفِ إذَا ثَبَتَ لِلْعَقْدِ حُكْمُ الصَّرْفِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقِيقَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِهِ عَلَى مَشْهُورِ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهُ لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّ لَهُ حُكْمًا، وَأَمَّا إذَا بَاعَهُ الثَّوْبَ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ غَيْرَ رُبْعِ دِينَارٍ فَإِنَّمَا يَتَقَدَّرُ النَّقْصُ مِنْ الدِّينَارِ الْخَامِسِ بِجِنْسِهِ فَلَا يَلْزَمُ بَائِعَ الثَّوْبِ دَفْعُ رُبْعِ الدِّينَارِ وَلَا يَحْتَاجُ فِي تَحْقِيقِ النَّقْصِ بِهِ إلَى تَقْوِيمٍ فَلَمْ يَكُنْ لِلرُّبْعِ الَّذِي يَنْقُصُ مِنْ الدِّينَارِ حُكْمُ الْعِوَضِ وَلَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِ وَإِنَّمَا لَهُ حُكْمُ الْمُسْتَثْنَى بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ إلَّا دِينَارًا فَدَفَعَ إلَيْهِ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ وَأَخَذَ دِينَارًا فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ جُزَافًا وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ تِبْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ جُزَافًا.
وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إنْ كَانَ مَعْدُودًا مِمَّا لَهُ قَدْرٌ وَقِيمَةٌ كَثِيرَةٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْجُزَافُ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْجُزَافُ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا لَا قَدْرَ لَهُ كَالْقِثَّاءِ وَالْجَوْزِ وَالْبِطِّيخِ وَصِغَارِ الْحِيتَانِ وَمَا قَالَهُ يُنْتَقَضُ بِصُبَرِ الْحِنْطَةِ وَجُزَافِ التِّبْرِ وَالْحُلِيِّ وَالْمِسْكِ وَأَيْضًا فَإِنَّ الدَّرَاهِمَ لَيْسَتْ بِمَعْدُودَةٍ وَإِنَّمَا هِيَ مَوْزُونَةٌ وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَعِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ وَتَحْتَاجُ الْكَرَاهَةُ إلَى دَلِيلٍ كَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ التَّحْرِيمُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ هُوَ عَلَى التَّحْرِيمِ وَعَلَّلَا ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا بِحَيْثُ يَحْرُمُ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ عَدَدًا فَيَرْغَبُ فِي الْخِفَافِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْمِائَةِ بِالْوَزْنِ مِنْهَا مِائَةٌ وَعَشَرَةٌ عَدَدًا وَتُنْفَقُ مُفْرَدَةً فَتَجُوزُ بِجَوَازِ الْوَازِنَةِ وَيُنْفَقُ مِنْهَا الْوَاحِدُ فِي
стр. 1302
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ اشْتَرَى مُصْحَفًا أَوْ سَيْفًا أَوْ خَاتَمًا وَفِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَإِنَّ مَا اشْتَرَى مِنْ ذَلِكَ وَفِيهِ الذَّهَبُ بِدَنَانِيرَ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى قِيمَتِهِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ الثُّلُثَيْنِ وَقِيمَةُ مَا فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ الثُّلُثَ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَكُونُ فِيهِ تَأْخِيرٌ وَمَا اشْتَرَى مِنْ ذَلِكَ بِالْوَرِقِ مِمَّا فِيهِ الْوَرِقُ نَظَرَ إلَى قِيمَتِهِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ الثُّلُثَيْنِ وَقِيمَةُ مَا فِيهِ مِنْ الْوَرِقِ الثُّلُثَ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ عِنْدَنَا)
ــ
[المنتقى]
الْجُمْلَةِ فَيَرْغَبُ النَّاسُ فِي خِفَافِهَا لِهَذَا الْمَعْنَى فَإِذَا بِيعَتْ جُزَافًا دَخَلَهُ الْغَرَرُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ جِهَةِ الْمَبْلَغِ فِي الْوَزْنِ وَالثَّانِي مِنْ جِهَةِ الْمَبْلَغِ فِي الْعَدَدِ فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْغَرَرِ، وَأَمَّا الْجُزَافُ فِي سَائِرِ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ فَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْغَرَرُ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمَبْلَغُ فِي الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ فَلَمَّا قَلَّ الْغَرَرُ فِيهَا جَازَ وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ يَقْتَضِي جَوَازَهَا جُزَافًا بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ عَدَدًا وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِالْوَزْنِ خَاصَّةً وَالْمَسْأَلَةُ عِنْدِي مَبْنِيَّةٌ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ إنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي هَذَا الْأَصْلِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي السَّلَمِ الثَّانِي فِيمَنْ شَرَطَ فِي الْإِقَالَةِ عَيْنَ دَرَاهِمِهِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ حَاضِرَةٌ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَعْيَانَهَا وَلِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ غَيْرَهَا.
وَقَالَ فِي كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ وَمَنْ اكْتَرَى رَاحِلَةً بِدَرَاهِمَ بِأَعْيَانِهَا وَلَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ النَّقْدَ وَلَا اشْتَرَطَهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّهَا إنْ تَلِفَتْ أَعْطَاهُ غَيْرَهَا وَهَذَا يَقْتَضِي تَعْيِينَهَا وَقَالَ أَشْهَبُ ذَلِكَ جَائِزٌ وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِهَا وَهَذَا يَنْفِي التَّعْيِينَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] قَالَ الْفَرَّاءُ الثَّمَنُ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ وَالْفَرَّاءُ إمَامٌ فِي اللُّغَةِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الثَّمَنَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ كَانَ هَذَا الِاسْمُ مُنْطَلِقًا عَلَى هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْمَالِ وَيَخْتَصُّ بِهِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لَا تَتَعَيَّنَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ ثَمَنٌ وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ أَصُلَةُ إذَا أُطْلِقَ الْعَقْدُ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا جُزَافًا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَيْهَا إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا فِي الذِّمَّةِ وَالْجُزَافُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ بِعَقْدٍ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ مِنْهُ الْمُقَدَّرُ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ أَلَا تَرَى أَنَّ مَا يَجُوزُ فِيهِ الْجُزَافُ مِنْ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالْكُحْلِ وَالْحَرِيرِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ مِنْهُ الْجُزَافُ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ مِنْهُ فِي الذِّمَّةِ الْمُقَدَّرُ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا جُزَافًا كَسَائِرِ الْمَوْزُونِ وَالْمَكِيلِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ وَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ تِبْرُهُ وَمَصُوغُهُ جُزَافًا لَمَّا كَانَ يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ فَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ اشْتَرَى ذَلِكَ جُزَافًا فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْغَرَرُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَا يُشِيرُ إلَيْهِ مِنْ الْجُزَافِ إنَّمَا اُسْتُحِقَّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ وَلَا يَعْلَمُ كَمْ وَزْنُهُ فَيَكُونُ الْمَبِيعُ مَجْهُولًا لَا يَتَقَدَّرُ بِكَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ وَلَا عَدَدٍ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْغَرَرِ وَالْخَطَرِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَمَّا مَا يُوزَنُ مِنْ التِّبْرِ وَالْحُلِيِّ فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ جُزَافًا كَالْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُكَالُ تَعَلَّقَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ بِظَاهِرِ هَذَا فِي مَنْعِهِمَا ذَلِكَ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لِكَوْنِهِمَا مَعْدُودَيْنِ وَتَجْوِيزُهُمَا ذَلِكَ فِي التِّبْرِ وَالْحُلِيِّ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُمَا وَإِنَّمَا يُعْتَبَرَانِ بِالْوَزْنِ وَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَجُوزَ الْجُزَافُ فِي الْمَقْطُوعِ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا الْعَدَدُ وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي صِحَاحِهَا بِحَيْثُ لَا يَتَقَدَّرُ بِالْعَدَدِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ اشْتَرَى مُصْحَفًا أَوْ سَيْفًا أَوْ خَاتَمًا وَفِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ بِجِنْسِ مَا هُوَ حُلِيٌّ بِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ النَّوْعُ مِنْ الْحُلِيِّ مُبَاحًا فِي الشَّرْعِ اسْتِعْمَالُهُ وَاِتِّخَاذُهُ كَالسَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ وَخَاتَمِ الرَّجُلِ يَكُونُ فِيهِ حِلْيَةُ الْفِضَّةِ
стр. 1303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَحُلِيِّ النِّسَاءِ يَكُونُ فِيهِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ مُبَاحٌ اتِّخَاذُهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ خَاتَمُهُ مِنْ فِضَّةٍ وَكَانَ فَصُّهُ مِنْهُ» ، وَأَمَّا الْمُصْحَفُ وَالسَّيْفُ وَالْخَاتَمُ لِلرِّجَالِ مُحَلًّى شَيْءٌ مِنْهُ بِالذَّهَبِ فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي إبَاحَةَ ذَلِكَ فِي الْمُصْحَفِ وَالسَّيْفِ وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي الْخَاتَمِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ خَاتَمَ النِّسَاءِ وَعَلَى ذَلِكَ اخْتَصَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي خَاتَمِهِ مِسْمَارَ ذَهَبٍ أَوْ يَخِيطَ بِقَبْضَتِهِ مِنْهُ حَبَّةً أَوَحَبَّتَيْنِ لِئَلَّا يَصْدَأَ وَهَذَا أَخَفُّ مِنْ اتِّخَاذِهِ مِنْ مَحْضِ الذَّهَبِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ الذَّهَبِ فِي حُلِيِّ الرِّجَالِ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَجُوزُ فِي حُلِيِّ السَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي حُلِيِّ النِّسَاءِ وَخَوَاتِمِهِمْ وَلَا يَجُوزُ فِي خَوَاتِمِ الرِّجَالِ وَالدَّلِيلُ عَلَى بَيْعِهِ فِي خَوَاتِمِ الرِّجَالِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ السَّيْفَ وَالْمُصْحَفَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يُحَلَّى بِالذَّهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّحَلِّي بِهِ مُشَارَكَةٌ لِلنِّسَاءِ وَلَا مُسَاوَاةٌ لَهُنَّ فِي بَابِ التَّحَلِّي بِهِ، وَأَمَّا الْخَاتَمُ فَإِنَّهُ مِمَّا يَتَحَلَّى بِهِ النِّسَاءُ كَمَا يَتَحَلَّى بِهِ الرِّجَالُ فَمُنِعَ الرِّجَالُ مِنْ الذَّهَبِ وَأُبِيحَ لِلنِّسَاءِ؛ لِأَنَّ بَابَ التَّحَلِّي مَبْنِيٌّ عَلَى نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ، وَأَمَّا الْمُصْحَفُ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ التَّحَلِّي بَلْ بَابُهُ مَمْنُوعٌ وَهُوَ اتِّخَاذُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِيمَا يُسْتَعْمَلُ مِمَّا لَيْسَ بِحُلِيٍّ لِلْجَسَدِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مَمْنُوعٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ كَأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَكَاحِلِ وَالْمَجَامِرِ وَالْمَدَاهِنِ مِنْهُ مَا يَخُصُّ الْمُصْحَفَ لِتَعْظِيمِ أَمْرِهِ كَمَا فِي مَفَاتِيحِ الْكَعْبَةِ وَالْكِسْوَةِ دُونَ سَائِرِ الْبُيُوتِ عَلَى سَبِيلِ التَّعَظُّمِ وَذَلِكَ لَا يُقَالُ فِيهِ إنَّهُ مِنْ حُلِيِّ الرِّجَالِ وَلَا مِنْ حُلِيِّ النِّسَاءِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ حُلِيِّ الْمُصْحَفِ فَاسْتَوَى فِي ذَلِكَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَسَنَذْكُرُ حُكْمَ ذَلِكَ بِأَوْعَبَ مِنْ هَذَا فِي بَابِ الْجَامِعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ أَضَافَ إلَى ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَنَاطِقَ وَالْأَسْلِحَةَ كُلَّهَا إذَا كَانَتْ مُفَضَّضَةً فَهِيَ كَالسَّيْفِ فِي ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَالشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَا فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ تَبَعًا لِقِيمَةِ الْمُحَلَّى وَبِمَا تَكُونُ الْمُوَازَنَةُ مِنْ الْحُلِيِّ بِقِيمَتِهِ أَوْ وَزْنِ مَا فِيهِ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُوَازَنَةَ بِوَزْنِ الْحُلِيِّ وَقِيمَةِ الْمُحَلَّى وَقَدْ رَأَيْته نَصًّا لِبَعْضِ شُيُوخِ الْقَرَوِيِّينَ وَلَفْظُ الْمُوَطَّأِ ثَابِتٌ فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ ذَلِكَ الثُّلُثَ وَقِيمَةُ مَا فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ الثُّلُثَيْنِ فَهَذَا يَقْتَضِي اعْتِبَارَ قِيمَةِ الْحُلِيِّ دُونَ وَزْنِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَجَوُّزًا فِي عِبَارَةٍ فَهَذَا خِلَافُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ الِاعْتِبَارُ بِالْوَزْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ يُعْتَبَرُ فِي تَحْلِيلِ بَيْعِ الذَّهَبِ وَتَحْرِيمِهِ فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ بِوَزْنِهِ دُونَ قِيمَتِهِ كَالتَّسَاوِي وَالتَّفَاضُلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَكَمْ الْمِقْدَارُ الَّذِي إذَا بَلَغَهُ كَانَ تَبَعًا وَإِذَا تَجَاوَزَهُ لَمْ يَكُنْ تَبَعًا لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا فِي النَّصِّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَنَّ الثُّلُثَ وَمَا دُونَهُ فِي حُكْمِ التَّبَعِ وَأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلَيْسَ بِتَبَعٍ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ مَالِكٍ فِيمَنْ أَعْطَى دِرْهَمًا وَأَخَذَ نِصْفَهُ دِرْهَمًا صَغِيرًا قَدْ كُنَّا نَكْرَهُهُ وَنَحْنُ نُجِيزُهُ الْآنَ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ التُّسْعُ النِّصْفَ فَأَقَلَّ وَبِالزِّيَادَةِ عَلَى النِّصْفِ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ التَّبَعِ؛ لِأَنَّ الْمُجَوِّزَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إنَّمَا هُوَ لِمَعْنَى الضَّرُورَةِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ مَنْ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ النِّصْفَ فِي حَيِّزِ الْقَلِيلِ وَتَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٣] وَأَنَّ النِّصْفَ بَدَلٌ مِنْ الْقَلِيلِ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ فَأَنْ يَكُونَ الْحُلِيُّ مُرْتَبِطًا بِالْمُحَلَّى ارْتِبَاطًا فِي إزَالَتِهِ مَضَرَّةٌ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهِ مِنْ الْمَبِيعِ وَتَمْيِيزِهِ إلَّا بِمَضَرَّةٍ لَاحِقَةٍ فَأَمَّا مَا كَانَ فِي نَقْصِهِ كَسْرٌ لِصِيَاغَتِهِ كَالْفُصُوصِ الْمَصُوغِ عَلَيْهَا الْحُلِيُّ، وَالْمَصَاحِفِ الَّتِي فِيهَا مَسَامِيرُ الْفِضَّةِ وَحِلْيَةِ السَّيْفِ الَّتِي تَسْتَمِرُّ فِي حَائِلِهِ وَجَعْبَتِهِ فَهَذَا مِمَّا يُبِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِنْ الْقَلَائِدِ الَّتِي لَا يَفْسُدُ غَيْرُ نَظْمِهَا بِتَمَيُّزِ قَلَائِدِهَا فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ
стр. 1304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
لَهَا فِي الْإِبَاحَةِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِيهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا كَمُلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ جَازَ أَنْ يُبَاعَ الْمُحَلَّى فِيهِ بِجِنْسِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُلِيِّ فَإِنْ كَانَ مُحَلًّى بِفِضَّةٍ جَازَ بَيْعُهُ بِالْفِضَّةِ وَإِنْ كَانَ مُحَلًّى بِذَهَبٍ جَازَ بَيْعُهُ بِهِ وَإِنْ انْخَرَمَ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يَدًا بِيَدٍ يَقْتَضِي التَّنَاجُزَ وَمَنْعَ دُخُولِ التَّأْخِيرِ فِي ذَلِكَ بِجِنْسِهِ إلَى أَجَلٍ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ مَنْعُهُ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ خِلَافًا لِرَبِيعَةَ فِي تَجْوِيزِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ لِلْأَجَلِ مِنْ التَّأْثِيرِ فِي الْفَسَادِ مَا لَيْسَ لِلتَّفَاضُلِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَ الْجِنْسَيْنِ وَلَا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا النِّسَاءُ فَلِذَلِكَ أَثَرٌ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْأَجَلِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي الْمُحَلَّى ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ هُمَا تَبَعٌ لِمَا هُمَا فِيهِ مِنْ الْمُحَلَّى فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ لَهُ بَيْعُهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مَا حُلِّيَ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فَلْيُبَعْ بِأَقَلِّهِمَا إنْ كَانَ الثُّلُثُ فَدُونَ يَدًا بِيَدٍ وَإِنْ كَانَ نِقَارِيًّا بِيعَ بِالْعَرَضِ ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ فَقَالَ لَا يُبَاعُ بِذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَخَذَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَقَدْ أَشَارَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ مَا حُلِّيَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ سَيْفٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ حُلِيِّ النِّسَاءِ مِمَّا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْأَمْرَانِ أَنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُبَاعُ بِالتَّبَعِ وَوَجْهُهُ أَنَّ بَيْعَهُ بِنِصْفِهِ مَعَ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ يَجُوزُ فَبِأَنْ يَجُوزَ بِغَيْرِ صِنْفِهِ مَعَ تَجْوِيزِ التَّفَاضُلِ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ أَمْرَانِ مِنْ الْمَكْرُوهِ أَحَدُهُمَا بَيْعُ الْعَيْنِ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا وَالثَّانِي اجْتِمَاعُ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ.
(فَرْعٌ) فَإِذْ قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ كَانَ تَبَعًا جَازَ بَيْعُهُ بِذَهَبٍ أَوْ بِوَرِقٍ فَجَوَّزَ بَيْعَهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَبَعًا لِلْمُحَلَّى وَالْمَفْهُومُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُرَاعَى بَعْدَ كَوْنِهَا تَبَعًا لِلْمُحَلَّى أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ فَتَكُونُ الْعَيْنُ تَبَعًا لِلْمَبِيعِ وَالْقَلِيلُ مِنْهُمَا تَبَعًا لِلْكَثِيرِ فَإِذَا بِيعَ بِأَقَلِّهِمَا صَارَ إلَى حُكْمِ الصَّرْفِ مَعَ التَّبَعِ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا تَبَعًا وَالْآخَرُ أَكْثَرَ مِنْ الْمَبِيعِ بِيعَ بِالتَّبَعِ وَلَا يُبَاعُ بِالْآخَرِ وَإِنْ تَجَاوَزَ التَّبَعَ لَمْ يُبَعْ إلَّا بِعَرَضٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا بَيْعُهُ بِغَيْرِ صِنْفِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ ذَلِكَ جَائِزٌ وَنَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَقَدْ نَصَّ مَالِكٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعٌ وَصَرْفٌ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَدْ اسْتَخَفَّ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
فَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُمَا عَقْدَانِ مُقْتَضَى أَحَدِهِمَا غَيْرُ مُقْتَضَى الْآخَرِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ كَالْبَيْعِ وَذَلِكَ أَنَّ مُقْتَضَى الصَّرْفِ أَنَّ عَدَمَ التَّنَاجُزِ فِي الْمَجْلِسِ يُفْسِدُهُ وَالْبَيْعُ لَا يَفْسُدُ بِذَلِكَ كَمَا أَنَّ الْقِرَاضَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ لَازِمًا وَالْبَيْعُ يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ لَازِمًا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْإِبَاحَةِ أَنَّهُمَا عَقْدَانِ لَازِمَانِ لَا يَتَنَافَيَانِ؛ لِأَنَّ التَّنَاجُزَ مِنْ لَازِمِ الصَّرْفِ فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ فَجَازَ أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَصِحَّانِ عَلَيْهِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْمَنْعِ وَهِيَ الْأَشْهَرُ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ التَّبَعُ مُلْصَقًا بِالْمَبِيعِ لَا يُمْكِنُ إزَالَتُهُ إلَّا بِضَرَرٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ الْعَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَبَعًا لِلْمَبِيعِ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُلِيُّ غَيْرَ مُبَاحِ الِاتِّخَاذِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ يُبِيحُ بِهَا الْعِلْمُ بِجِنْسِهِ، وَالتَّفَاضُلُ يَحْرُمُ فِيهَا فَبِأَنْ يُبِيحَ بَيْعَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مَعَ إبَاحَةِ التَّفَاضُلِ أَوْلَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا قُلْنَا بِمَنْعِ الصَّرْفِ وَالْبَيْعِ فِي عَقْدٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ فَإِنْ وَقَعَ فَقَدْ قَالَ عِيسَى يُرَدُّ مَا لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ فَإِنْ فَاتَتْ لَزِمَتْ الْمُبْتَاعَ قِيمَتُهَا وَتُرَادَّا الْعَيْنَ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مَقْصُودٍ بِقِيمَتِهِ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ فِي بَعْضِ الدَّنَانِيرِ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَهُ سِلْعَةً بِدِينَارٍ غَيْرِ رُبْعٍ بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ إلَّا الصِّحَاحُ فَيُعْطِيهِ بِالرُّبْعِ دِينَارٍ دَرَاهِمَ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا اتَّفَقَ حُكْمُهُمَا مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَعْجِيلُهُمَا وَاخْتَلَفَ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْجِيلُهُمَا وَيَجُوزُ تَأْجِيلُ أَحَدِهِمَا
стр. 1305
مَا جَاءَ فِي الصَّرْفِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيِّ أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ قَالَ فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي وَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ حَتَّى يَأْتِيَنِي خَازِنِي مِنْ الْغَابَةِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْمَعُ فَقَالَ عُمَرُ وَاَللَّهِ لَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» )
ــ
[المنتقى]
لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَيْهِمَا عَقْدٌ إلَّا بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَشْمَلَهُمَا التَّعْجِيلُ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلْآخَرِ وَقَدْ بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَمَا يَلْحَقُ بِهِ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مَعَ أَحَدِهِمَا عَرْضٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَكَمْ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَجُوزُ مِنْ الصَّرْفِ مَعَ الْبَيْعِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَجُوزُ الصَّرْفُ مَعَ الْبَيْعِ فِي الْيَسِيرِ الْعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَنَحْوِهَا وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْكَثِيرِ فَيَجْرِي فِي هَذَا مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الدِّينَارِ الْوَاحِدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَبَعًا لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يَبِيعُ الدِّينَارَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا يَأْخُذُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَيَأْخُذُ لَحْمًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ تُعَجَّلَ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أَقَلِّ الدِّينَارِ وَالرُّبْعِ وَالثُّلُثِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ الصَّرْفُ يَشْتَمِلُ عَلَى دِينَارٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مِنْ التَّبَعِ إلَّا الْيَسِيرُ أَوْ يَكُونَ الْبَيْعُ بِثَمَنٍ كَثِيرٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مِنْ الصَّرْفِ إلَّا الْيَسِيرُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ الدِّينَارِ وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْحُكْمُ لِلتَّبَعِ فَيَكُونُ مِنْهُ لِلصَّرْفِ أَقَلُّ مِنْ دِينَارٍ فَإِنْ بَلَغَ الدِّينَارَ لَمْ يَجُزْ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لِضَرُورَةِ صِحَّةِ الدَّنَانِيرِ وَالْحَاجَةِ إلَى أَنْ يَزْدَادَ فِي الثَّمَنِ مِقْدَارُ الدِّينَارِ يَجِبُ عَلَى هَذَا قَصْرُ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى بَلَدٍ لَا يَجْرِي فِيهِ إلَّا الصَّحِيحُ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الصَّقَلِّيِّينَ إنَّ الرُّبَاعِيَّ الَّذِي يُبْتَاعُ بِهِ عِنْدَهُمْ يَجْرِي مَجْرَى الدِّينَارِ الصَّحِيحِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْحُكْمُ لِلصَّرْفِ، وَالسِّلْعَةُ تَبَعٌ فَكَمْ الْيَسِيرُ مِنْهَا حُكِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى بْنِ مَنَّاسٍ أَنَّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهَا أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ دُونَ تَحْدِيدٍ.
[مَا جَاءَ فِي الصَّرْفِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ دَلِيلٌ عَلَى تَجْوِيزِ عِوَضِ الدِّينَارِ وَمُرَاوَضَةِ مُتَبَايِعِهِمَا فِي صَرْفِهِمَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ طَلَبًا لِلزِّيَادَةِ أَوْ مَعْرِفَةِ مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْعَطَاءُ وَقَوْلُهُ فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَتَرَاوَضْنَا يَقْتَضِي جَوَازَ الْمُصَارَفَةِ لِمَنْ لَمْ يَتَّخِذْ ذَلِكَ مُتَّجِرًا، وَأَمَّا مَنْ اتَّخَذَ ذَلِكَ مُتَّجِرًا أَوْ صِنَاعَةً فَقَدْ كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْمَلَ بِالصَّرْفِ إلَّا أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ تَعَالَى يُرِيدُ أَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِيهِ حَتَّى عَقَدَا الصَّرْفَ فَأَخَذَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا لِيَعْلَمَ جَوْدَتَهَا ثُمَّ قَالَ حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي مِنْ الْغَابَةِ يُرِيدُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَأْتِيَهُ خَازِنُهُ مِنْ الْغَابَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ تَأْخِيرَ الدَّرَاهِمِ خَاصَّةً وَيَقْبِضَ هُوَ الدَّنَانِيرَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ إقْرَارَ الدَّنَانِيرِ بِيَدِ مَالِكِهَا حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنُهُ مِنْ الْغَابَةِ فَيَتَقَابَضَا يَدًا بِيَدٍ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ وَاَللَّهِ لَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ يُرِيدُ لَا تُفَارِقْهُ وَبَيْنَكُمَا عَقْدٌ حَتَّى يَنْتَجِزَ مَا بَيْنَكُمَا مِنْ التَّقَابُضِ ثُمَّ احْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» وَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّقَابُضَ فِيهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُمَا بَلْ يَقْتَرِنُ بِهِمَا؛ لِأَنَّ عَقْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي الْإِشَارَةَ إلَى مَا بِيَدِهِ مِنْ الْعِوَضِ بِقَوْلِهِ هَاءَ وَلِذَلِكَ فَهِمَ مِنْهُ عُمَرُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ تَعْجِيلَ التَّقَابُضِ فَأَمَّا التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ نَعْلَمُهُ فِي أَنَّهُ يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ عُمَرُ وَمَا جَوَّزَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَتَرْكُهُ التَّأْوِيلَ وَالْمُرَاجَعَةَ
стр. 1306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
لِعُمَرَ ﵄ دَلِيلٌ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ اسْتَأْذَنَ الصَّرَّافُ بَعْدَ الْعَقْدِ فِي أَنْ يَذْهَبَ بِهَا إلَى صَرَّافٍ قَرِيبٍ مِنْهُ يُرِيهِ إيَّاهَا وَيَزِنُهَا عِنْدَهُ أَوْ عَقَدَ مَعَهُ الصَّرْفَ عَلَى ذَلِكَ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِيمَا قَرُبَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَا لِقُرْبِهِمَا فِي حُكْمِ الْمُتَجَالِسَيْنِ، وَأَمَّا أَنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ حَتَّى يُرَى أَنَّهُ افْتِرَاقٌ مِنْ الْمُتَصَارِفَيْنِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَهُوَ يُفْسِدُ الْعَقْدَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ اسْتَوْجَبَ رَجُلٌ سِوَارَيْ ذَهَبٍ بِمِائَةٍ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يَذْهَبَ بِهِمَا فَإِنْ رَضِيَهُمَا أَهْلُهُ رَجَعَ بِهِمَا فَاسْتَوْجَبَهُمَا مِنْهُ وَإِلَّا رَدَّهُمَا رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَقَالَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَهَا مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إثْبَاتُ الْخِيَارِ فِي الصَّرْفِ وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ وَجُوِّزَ التَّأْخِيرُ فِيهِ بَعْدَ عَقْدِهِ عَلَى النَّقْدِ وَهُوَ أَيْضًا بَعِيدٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمُوَاعَدَةَ فِي الصَّرْفِ وَتَقْرِيرِ الثَّمَنِ دُونَ عَقْدٍ وَلِذَلِكَ قَالَ إنَّهُ إنْ رَضِيَهُمَا أَهْلُهُ رَجَعَ فَاسْتَوْجَبَهُمَا مِنْهُ فَذَكَرَ أَنَّ الْإِيجَابَ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ تَقْرِيرِ الثَّمَنِ وَمَعْرِفَةِ مَا يَتْبَعُ الصَّرْفَ إنْ رَضِيَهَا أَهْلُهُ لِمَا كُلِّفَ الطَّلَبُ وَمَعْرِفَةُ الثَّمَنِ فَلَمْ يَجْعَلْ إلَيْهِ عَقْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الصَّرْفَ يُنَافِي الْخِيَارَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُنَاجَزَةِ وَالنَّقْدِ فِي الْمَجْلِسِ وَالْخِيَارُ لَا يَكُونُ إلَّا فِيمَا يَدْخُلُهُ التَّأْخِيرُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِي مُدَّةٍ تَتَأَخَّرُ عَنْ حَالِ الْعَقْدِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ بِيعَ حُلِيٌّ فِي تَرِكَةٍ فَابْتَاعَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ بَعْضَهُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَقَاصَّا بِهِ مِمَّا لَهُ فِي الْمِيرَاثِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ إلَّا أَنْ يُنْجِزَ الْقِسْمَةَ فِي الْمَجْلِسِ بِإِثْرِ الِابْتِيَاعِ؛ لِأَنَّ شِرَاءَهُ لَيْسَ بِقِسْمَةٍ مُتَنَجَّزَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ذَهَبَ سَائِرُ الْمِيرَاثِ لَرَجَعَ عَلَيْهِ فِيمَا بِيَدِهِ فَلَمَّا لَمْ يَتَنَجَّزْ الْقَبْضُ فِيهِ دَخَلَهُ التَّأْخِيرُ فِي الصَّرْفِ فَأَبْطَلَهُ وَلَوْ قَالَ مُبْتَاعُ الْحُلِيِّ: أَمْسِكْ ثَمَنَ حِصَّتِي مِنْهُ وَارْفَعْ الْبَاقِيَ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَكِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُ ذَلِكَ وَقَالَ بِإِثْرِهَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ خَالَفَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَالِكًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْمُفَاصَلَةَ وَقَعَتْ فِي هَذَا الْحُلِيِّ الْمَبِيعِ بِإِمْسَاكِ قَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْهُ وَدَفْعِ الْبَاقِي فَقَدْ وُجِدَ التَّنَاجُزُ بَيْنَهُمَا فَصَحَّ الْعَقْدُ وَلَا يُؤَثِّرُ وَزْنُهُ لِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ إذَا جَازَ لَهُ اسْتِرْجَاعُهَا بِإِثْرِ دَفْعِهِ لَهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ افْتِرَاقُهُمَا قَبْلَ الْعَقْدِ بِغَلَبَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا مِثْلَ أَنْ يَقْبِضَ الصَّرَّافُ الدَّنَانِيرَ وَيَمْنَعَ مِنْ دَفْعِ الدَّرَاهِمِ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ فِي قَوْمٍ اشْتَرَوْا قِلَادَةَ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا بِدَرَاهِمَ نَقْدًا وَقَالُوا نَزِنُ الدَّرَاهِمَ وَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ وَفَصَلُوا الْقِلَادَةَ وَتُقَاوَمُوا اللُّؤْلُؤَ أَوْ بَاعُوا الذَّهَبَ فِيمَا وَضَعُوا أَرَادُوا نَقْضَ الْبَيْعِ لِتَأَخُّرِ النَّقْدِ فَقَالَ مَالِكٌ لَا تُنْقَضُ لِتَأَخُّرِ النَّقْدِ؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَوْا عَلَى النَّقْدِ زَادَ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ وَلَمْ يَرْضَ الْبَائِعُ بِتَأْخِيرِهِمْ وَصُنْعِهِمْ وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ مَغْلُوبٌ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّ تَأْخِيرَ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ النَّقْدَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الثَّانِي عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ هَذَا الْعَقْدِ النَّقْدُ فَإِذَا عُدِمَتْ شُرُوطُ صِحَّتِهِ وَجَبَ أَنْ يَفْسُدَ وَيَحْتَمِلُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ أَلْزَمَهُ ثَمَنَ الْقِلَادَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهَا عَلَى وَجْهِ الشِّرَاءِ ثُمَّ تَعَدَّوْا عَلَى إتْلَافِهَا لِيُؤَدُّوا إلَيْهِ الْقِيمَةَ فَلَزِمَهُمْ الثَّمَنُ كَمَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا عَلَى الْخِيَارِ وَادَّعَى تَلَفَهُ فَاتُّهِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ رَدَّ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ دُونَ الْقِيمَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» قَالَ ابْنُ ثَابِتٍ فِي غَرِيبِهِ إلَّا هَاءَ وَهَاءَ بِالْمَدِّ وَذَلِكَ يَقْتَضِي النَّقْدَ مَعَ الْعَقْدِ وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَاءَ وَهَاءَ تَنُوبُ عَنْ الْعَقْدِ وَالنَّقْدِ لِقُرْبِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ النَّقْدُ عَنْ الْعَقْدِ وَمِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَكُونَا مَعًا مِثْلَ الدِّرْهَمَيْنِ أَوْ يَكُونَ النَّقْدُ مُتَّصِلًا بِتَمَامِ الْعَقْدِ أَوْ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ مَعَ كَوْنِهِمَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَمَا هُوَ حُكْمُهُ مِنْ الْقُرْبِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا إنْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا طُولُ مَجْلِسٍ وَالْخُرُوجُ مِنْ أَمْرٍ إلَى أَمْرٍ غَيْرِهِ وَمِنْ الصَّرْفِ إلَى
стр. 1307
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ إذَا اصْطَرَفَ الرَّجُلُ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا دِرْهَمًا زَائِفًا فَأَرَادَ رَدَّهُ اُنْتُقِضَ صَرْفُ الدِّينَارِ وَرَدَّ إلَيْهِ وَرِقَهُ وَأَخَذَ إلَيْهِ دِينَارَهُ وَتَفْسِيرُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَإِنْ اسْتَنْظَرَك إلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تَنْظُرْهُ وَهُوَ إذَا رَدَّ عَلَيْهِ دِرْهَمًا مِنْ صَرْفٍ بَعْدَ أَنْ يُفَارِقَهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ أَوْ الشَّيْءِ الْمُتَأَخِّرِ فَلِذَلِكَ كَرِهَ ذَلِكَ وَانْتَقَضَ الصَّرْفَ وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ لَا يُبَاعَ الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ وَالطَّعَامُ كُلُّهُ عَاجِلًا بِآجِلٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَأْخِيرٌ وَلَا نَظِرَةٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ أَوْ كَانَ مُخْتَلِفَةٌ أَصْنَافُهُ)
ــ
[المنتقى]
الْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَالِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا صَرْفٌ تَأَخَّرَ الْقَبْضُ فِيهِ عَنْ الْعَقْدِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ كَمَا لَوْ قَامَا مِنْ مَجْلِسِهِمَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَ النَّقْدِ اتِّصَالُهُ بِالْعَقْدِ فَإِنَّ مِنْ حُكْمِهِ حُضُورُ الْعِوَضَيْنِ حَالَ الْعَقْدِ وَالنَّقْدِ فَأَمَّا الْعَقْدُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَأَمَّا حُضُورُهُمَا حِينَ الْعَقْدِ فَلَازِمٌ أَيْضًا وَلَوْ أَنَّ الْمُتَصَارِفَيْنِ عَقَدَا الصَّرْفَ بِحَضْرَةِ الْعِوَضَيْنِ ثُمَّ قَبَضَ أَحَدُهُمَا الدَّنَانِيرَ فَأَنْفَذهَا إلَى بَيْتِهِ ثُمَّ قَبَضَ الدَّرَاهِمَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مَنْ ابْتَاعَ خَلْخَالَ فِضَّةٍ بِدَنَانِيرَ فَاسْتُحِقَّتْ وَقَدْ أَنْفَذَ بِهَا إلَى بَيْتِهِ فَأَرَادَ الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ وَأَرَادَ هُوَ أَنْ يَنْقُدَهُ مِنْ عِنْدِهِ الثَّمَنَ وَيَتْبَعَ الْبَائِعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَوْ حَضَرَ الْخَلْخَالُ جَازَ ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ إنَّ هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّ لِمُسْتَحِقِّهَا فِي ذَلِكَ الْخِيَارُ فَجَوَّزَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إمْضَاءَ الْمُسْتَحِقِّ الْبَيْعَ مَعَ حُضُورِ الْخَلْخَالِ مِنْ التَّجْوِيزِ وَالنَّقْدِ وَمَنَعَ ذَلِكَ مَعَ غَيْبَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مِمَّا يَتَعَيَّنُ بِالنَّقْدِ وَجَوَّزَ ذَلِكَ فِي الْغَاصِبِ يَشْتَرِي الدَّنَانِيرَ مِمَّنْ غَصَبَهَا مِنْهُ وَهِيَ غَائِبَةٌ عَنْهُ لَمَّا لَمْ تَكُنْ مُعَيَّنَةً بِالْغَصْبِ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ إنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الصَّرْفَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْفَسْخِ لَا عَلَى الْإِجَازَةِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ إمْضَاءَهُ كَوُجُودِ الرَّدِيءِ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ فَسْخَ الْعَقْدِ إنْ رَضِيَ بِهِ الَّذِي وَجَدَ الرَّدِيءَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَأْخُذَ الصَّرَّافُ الدِّينَارَ فَيُدْخِلَهُ فِي كُمِّهِ أَوْ تَابُوتِهِ ثُمَّ يَقْضِيَ عِوَضَهُ وَيَبِيعَهُ مِنْ غَيْرِهِ فِي الْمَجْلِسِ ثُمَّ يَقْتَضِيَ عِوَضَهُ قَبْلَ مَغِيبِهِ وَقَبْلَ التَّفَرُّقِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِمُضَارَعَتِهِ مَعِيبَ مَا حُضُورُهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الصَّرْفَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُنَاجَزَةِ وَالْمُفَاصَلَةِ فِي الْفَوْرِ فَإِذَا تَصَارَفَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْتَرِقَا عَنْ تَنَاجُزٍ وَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إنْ وَجَدْت عَيْبًا رَدَدْته إلَيْك فَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَيَرُدُّ هَذَا الصَّرْفَ وَإِنْ وَجَدَهَا خِيَارًا كُلَّهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ الدَّرَاهِمَ عَلَى وَجْهِ الْحِيَازَةِ لَهَا وَإِنَّمَا أَخَذَهَا مُؤْتَمِنًا عَلَيْهَا لِرَبِّهَا وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ عَلَى التَّصْدِيقِ فِي جَوْدَتِهَا وَوَزْنِهَا وَلَا يُفَارِقُهُ إلَّا عَلَى نِهَايَةِ مَا يُمْكِنُ مِنْ الِانْتِجَازِ فَإِنْ قَبَضَهَا وَتَفَرَّقَا عَلَى رُؤْيَةٍ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْعَقْدَ يُنْتَقَضُ وَإِنْ أَصَابَهَا كَمَا قَالَ وَحَكَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ جَائِزٌ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَرْكِ إكْمَالِ عَمَلِ الصَّرْفِ كَمَا لَوْ ائْتَمَنَهُ دَافِعُ الدَّنَانِيرِ عَلَى انْتِقَادِهَا وَوَزْنِهَا وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا لَا يُمْكِنُ قَطْعُهُ بِالْوَزْنِ وَالِانْتِقَادِ وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الدَّافِعِ وَإِنَّمَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَيَمْنَعُ الِانْتِجَازَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْقَابِضِ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمُ مَا لَمْ يُتَنَجَّزْ فِيهِ الْقَبْضُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَخَذَهَا بَعْدَ الْوَزْنِ وَالِانْتِقَادِ فَوَجَدَهَا تَنْقُصُ فَإِنَّ النَّقْصَ عَلَى ضَرْبَيْنِ نَقْصٌ فِي الْوَزْنِ وَنَقْصٌ فِي الصِّفَةِ فَأَمَّا النَّقْصُ فِي الْوَزْنِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَجِدَهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَرْضَى بِهِ أَوْ يَأْخُذَ بِهِ مَا شَاءَ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ
стр. 1308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مَالِكٍ وَذَلِكَ أَنَّ التَّنَاجُزَ وُجِدَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ النَّقْصِ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى ذَلِكَ النَّقْصُ فَاَلَّذِي قَالَهُ أَصْبَغُ يَنْتَقِضُ الصَّرْفُ كُلُّهُ وَلَوْ نَقَصَتْ مِنْهُ حَبَّةٌ وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَحَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ جَائِزٌ لَا يُنْتَقَضُ مِنْهُ إلَّا بِمِقْدَارِ ذَلِكَ النَّقْصِ إلَى تَمَامِ دِينَارٍ وَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ الْعَقْدَ إذَا دَخَلَ بَعْضَهُ الْفَسَادُ بِتَأَخُّرِ الْقَبْضِ تَعَدَّى إلَى مَا قُبِضَ كَمَا لَوْ عَقَدَا عَلَى ذَلِكَ الصَّرْفَ وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ تَأَخُّرَ الْقَبْضِ بَعْدَ الْتِزَامِ الْعَقْدِ لَا يَتَعَدَّى إلَى جَمِيعِ الْعَقْدِ كَالْعَيْبِ يَحُدُّهُ بِبَعْضِ الدَّرَاهِمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا إنْ وَجَدَ النَّقْصَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَذَلِكَ لِسَرِقَةِ الصَّيْرَفِيِّ فَأَرَادَ أَنْ يُطَالِبَ بِهِ فَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّقْصَ يَلْحَقُ الْعَقْدَ وَإِنْ أَرَادَ تَرْكَ النَّقْصِ وَصَحِيحَ الْعَقْدِ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَإِنْ قَلَّ وَرَوَيَا عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْكَثِيرِ وَاخْتَارَهُ أَصْبَغُ وَجْهُ رِوَايَةِ الْجَوَازِ أَنَّهُ نَقْصٌ وُجِدَ فِي عِوَضِ الصَّرْفِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ مَعَ تَرْكِ الْمُطَالَبَةِ لَهُ كَنَقْصِ الصِّفَةِ وَوَجْهُ الْمَنْعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَنْ تَأَخُّرَ الْعِوَضِ فِي الصَّرْفِ يَمْنَعُ الصِّحَّةَ فِي الْعَقْدِ كَمَا لَوْ عَلِمَ بِالنَّقْصِ فَأَخَّرَهُ وَلَا نَاقِدَ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ النَّقْضَ لَفَسَدَ الْعَقْدُ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ عِلْمِهِ بِالنَّقْصِ وَكَذَلِكَ إذَا تَرَكَهُ وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ أَنَّ الْقَلِيلَ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَمَعْلُومٌ فِي الْأَغْلَبِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُطْلَبُ وَلَا تَتْبَعُهُ النَّفْسُ فَكَأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَرْكِهِ وَالتَّسَامُحِ بِهِ قَبَضَ جَمِيعَهُ؛ لِأَنَّ مَا نَقَصَهُ لَوْ عَلِمَ بِهِ لَتَرَكَهُ فَكَذَلِكَ إذَا تَرَكَهُ الْآنَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا الْكَثِيرُ فَإِنَّهُ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِطَلَبِهِ فَإِنَّمَا يَكُونُ تَارِكًا لَهُ الْآنَ وَقَدْ وُجِدَ الْفَسَادُ فِي الْعَقْدِ بِالتَّفَرُّقِ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ تَرْكِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ فَكَمْ الْيَسِيرُ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ الدَّانَقَ فِي صَرْفِ الدِّينَارِ يَسِيرٌ وَقَالَ أَصْبَغُ هُوَ أَنْ يَنْقُصَ أَلْفُ دِرْهَمٍ دِرْهَمًا، وَأَمَّا صَرْفُ الدِّينَارِ فَمَا نَقَصَ مِنْهُ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ فَهُوَ كَثِيرٌ يَنْتَقِضُ الصَّرْفَ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ اخْتِلَافِ الْمَوَازِينِ الَّتِي لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِاتِّبَاعِهِ وَلَا طَلَبِهِ وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يُنْتَقَضُ فَقَالَ أَصْبَغُ يُنْتَقَضُ كُلُّهُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُنْتَقَضُ مِنْهُ مَا بَيْنَ النَّقْصِ وَكَمَالِ الدِّينَارِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
، وَأَمَّا النَّقْصُ مِنْ جِهَةِ الصِّفَةِ كَالْعَيْبِ يَجِدُهُ فِي أَحَدِ عِوَضَيْ الصَّرْفِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ نَعْلَمُهُ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ذَلِكَ وَرَضِيَ بِهِ فَإِنَّ عَقْدَهُ لَا يَفْسُدُ بِهِ فَإِنْ أَرَادَ رَدَّهُ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْبَدَلَ فِيهِ غَيْرُ جَائِزٍ وَالصَّرْفَ فِيهِ مُنْتَقَضٌ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ الْبَدَلَ فِيهِ جَائِزٌ حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَجْهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ الصَّرْفَ يُنْتَقَضُ مِنْ أَصْلِهِ بِالْبَدَلِ وَهُوَ وَقْتُ الْعَقْدِ فِيهِ فَيَبْطُلُ فِي الْمَعِيبِ لِتَأَخُّرِ دَفْعِ الْعِوَضِ فِيهِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ إلَى وَقْتِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ نَقْضٌ لِلْعَقْدِ حِينَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ دُونَ مَا تَقَدَّمَهُ فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ تَأْخِيرٌ لِلْبَدَلِ عَنْ وَقْتٍ عَرَا عَنْ قَبْضٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَالْهِبَةُ اللَّاحِقَةُ بِالصَّرْفِ لَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْبَدَلُ فِيهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ بَاعَ ثَوْبًا بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمَيْنِ فَتَنَاقَدَا ثُمَّ وَجَدَ بِالدَّرَاهِمِ عَيْبًا رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ يُبَدِّلُهُ وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ الصَّرْفِ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ مِنْهُ الْبَيْعَ وَالصَّرْفُ تَبَعٌ لَهُ كَانَ حُكْمُهُ فِي جَوَازِ الْبَدَلِ حُكْمَ الْبَيْعِ لَا حُكْمَ الصَّرْفِ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ يُنْتَقَضُ الْجَمِيعُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِمَنْعِ الْبَدَلِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الذَّهَبُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مُخْتَلِفَ الْجِنْسِ فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ بَيْعَهُ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ أَبِيعُك هَذِهِ الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ كُلُّ دِينَارٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ يَذْكُرُ حِصَّةَ كُلِّ دِينَارٍ مِنْهَا وَالثَّانِي أَنْ يَذْكُرَ جُمْلَةَ الصَّرْفِ خَاصَّةً
стр. 1309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فَيَقُولُ أَبِيعُك هَذِهِ الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَإِنْ كَانَ ذَكَرَ صَرْفَ كُلِّ دِينَارٍ مِنْهَا فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ إلَّا بِقَدْرِ دِينَارٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا ذَكَرَ جُمْلَةَ الصَّرْفِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ مِنْهُ إلَّا دِينَارٌ وَاحِدٌ وَرَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ فِي نُقْرَةٍ يَبْتَاعُهَا جُزَافًا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَيَجِدُ مِنْهَا مِسْمَارَ نُحَاسٍ أَوْ يَبِيعُهَا كُلُّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ أَنَّ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَيُنْتَقَضُ مِنْهَا بِقَدْرِ الْمِسْمَارِ إلَى تَمَامِ دِينَارٍ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: يُنْتَقَضُ جَمِيعُ الصَّرْفِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الدَّنَانِيرَ الْمُتَسَاوِيَةَ تَقْتَضِي التَّقَابُلَ وَتَمْنَعُ التَّقْسِيطَ فَلَا يَرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فِي نَقْضِ الْعَقْدِ لِعَيْبِ الصِّفَةِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا ذَكَرَ كُلَّ دِينَارٍ بِصَرْفِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّنَانِيرِ حِصَّةً فَإِنَّهُ قَدْ أَفْرَدَهُ بِالْعَقْدِ وَإِذَا سَمَّى الْجُمْلَةَ فَقَدْ شَمَلَهَا الْعَقْدُ فَإِذَا بَطَلَ بَعْضُهُ بَطَلَ جَمِيعُهُ وَإِنْ كَانَتْ الدَّنَانِيرُ قَرْضًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَرُدُّ مِنْهَا أَصْغَرَ قَرْضٍ فِيهَا وَيُضِيفُ إلَى الدِّرْهَمِ الزَّائِفَ مِنْ الدَّرَاهِمِ مَا يُقَابِلُ تِلْكَ الْقَرْضَةَ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ إنَّ قَرْضَ الْقِرَاضَةِ الْمَضْرُوبَةِ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا عَلَى تَجْوِيزِ أَصْبَغَ لِذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ يُقْرِضَ مِنْهَا بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ الزَّائِفِ وَهَذَا عَلَى قَوْلِنَا إنَّ الدَّنَانِيرَ تَتَعَيَّنُ بِالنَّقْدِ وَعَلَى قَوْلِنَا لَا تَتَعَيَّنُ يَرُدُّ لَهُ مَنْ عِنْدَهُ قَرْضَةَ ذَهَبٍ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ الزَّائِفِ.
(فَرْعٌ) وَإِنْ كَانَتْ الدَّنَانِيرُ مُخْتَلِفَةَ الْأَجْنَاسِ وَالْقِيَمِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ اشْتَرَى حُلِيًّا مَصُوغًا أَسْوِرَةً وَخَلَاخِلَ وَغَيْرَ ذَلِكَ بِدَرَاهِمَ فَوَجَدَ بِهَا دِرْهَمًا زَائِفًا أَنَّهُ يُنْتَقَضُ الصَّرْفُ كُلُّهُ وَوَجْهُهُ أَنَّ اخْتِلَافَ قِيَمِ الْحُلِيِّ بِالصِّيَاغَةِ يَقْتَضِي التَّقْسِيطَ وَإِذَا دَخَلَ ذَلِكَ التَّقْسِيطُ سَرَى مِنْ الدَّرَاهِمِ جُزْءٌ إلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْحُلِيِّ فَإِذَا اُنْتُقِضَ الصَّرْفُ فِي الدِّرْهَمِ اُنْتُقِضَ فِي جَمِيعِ الْحُلِيِّ وَلَوْ وَجَدَ فِي جَمِيعِ الْحُلِيِّ مِسْمَارَ نُحَاسٍ فَقَدْ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ فِي سِوَارَيْنِ مِنْ الْحُلِيِّ اُنْتُقِضَ فِي السِّوَارَيْنِ جَمِيعًا وَرَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَرُدُّهَا كُلَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مِائَةَ زَوْجٍ وَجْهُ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ السِّوَارَيْنِ بِمَنْزِلَةِ شَيْءٍ وَاحِدٍ فَإِذَا اُنْتُقِضَ الصَّرْفُ فِي أَحَدِهِمَا اُنْتُقِضَ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْتَرِقَا فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ بَاعَهُمَا مُجْتَمِعَيْنِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ وَلِأَنَّ النَّقْصَ لَمَّا طَرَأَ مِنْ جِهَتِهِمَا وَالْعِوَضُ الَّذِي يُقَارِبُ مُسَاوٍ لَمْ يَدْخُلْهُ التَّقْسِيطُ وَإِنَّمَا يَلْحَقُ الْحُلِيَّ التَّقْدِيرُ وَالتَّقْوِيمُ فَإِذَا عَلِمْت قِيمَةَ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ قُوبِلَ مِنْ الدِّرْهَمِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ عِيسَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الِاخْتِلَافُ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ لَزِمَ التَّقْوِيمُ وَهُوَ مَعْنَى التَّقْسِيطِ وَإِنَّمَا يَسْقُطُ التَّقْسِيطُ مَعَ تَسَاوِي أَجْزَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّقْوِيمِ وَالتَّقْسِيطِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَبِمَ يُنْتَقَضُ مَا يُنْتَقَضُ مِنْ الصَّرْفِ لِوُجُودِ الْعَيْبِ فِي أَحَدِ عِوَضَيْهِ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِإِنْفَاذِ الرَّدِّ لَا بِإِرَادَتِهِ وَلَوْ وَجَدَ عَيْبًا بِهِ فَجَاءَ لِيَرُدَّهُ فَأَرْضَاهُ الْآخَرُ لَا بَدَلَ لَهُ لَجَازَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا وَبِمَاذَا يَصِحُّ أَنْ يُرْضِيَهُ قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ طَوْقَ ذَهَبٍ فِيهِ مِائَةُ دِينَارٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَجَاءَ لِرَدِّهِ فَصَالَحَهُ مِنْ ذَلِكَ بِدِينَارٍ دَفَعَهُ إلَيْهِ أَنَّهُ جَائِزٌ وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الرَّدَّ لَمْ يَتِمَّ بَيْنَهُمَا وَأَخَذَ عَنْ ذَلِكَ دِينَارًا فَلَا يَفْسُدُ الرَّدُّ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ لَمْ يَتِمَّ وَقَدْ مَنَعَهُ مِنْهُ بِمَا أَرْضَاهُ بِهِ وَلَا يَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَبِيعَهُ مِائَةَ دِينَارٍ وَدِينَارًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَيْسَ فِي الدِّينَارِ الَّذِي أَعْطَاهُ تَأْخِيرٌ؛ لِأَنَّهُ نَقَدَهُ حِينَ الْعَقْدِ عَلَيْهِ وَالرِّضَا بِهِ كَمَا لَوْ زَادَهُ دِينَارًا بَعْدَ الْعَقْدِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ سَحْنُونٍ مَا آلَ إلَيْهِ أَمْرُهُمَا مِنْ الْفَسَادِ بِإِنْ صَارَفَهُ مِائَةَ دِينَارٍ نَقْدًا وَدِينَارًا مُؤَجَّلًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ ذَلِكَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي دَفَعَ إلَيْهِ جَازَ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا لَمْ يَجُزْ قَالَ أَشْهَبُ ذَلِكَ جَائِزٌ فِيهِمَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا رَدَّ إلَيْهِ مِنْ جِنْسِ دَرَاهِمِهِ فَقَدْ صَارَ ثَمَنُ الطَّوْقِ
стр. 1310
الْمُرَاطَلَةُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ رَأَى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يُرَاطِلُ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ فَيُفْرِغُ ذَهَبَهُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ وَيُفْرِغُ صَاحِبُهُ الَّذِي يُرَاطِلُهُ ذَهَبَهُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ الْأُخْرَى فَإِذَا اعْتَدَلَ لِسَانُ الْمِيزَانِ أَخَذَ وَأَعْطَى) .
ــ
[المنتقى]
بَاقِيَ الدَّرَاهِمِ وَلَمْ يَتِمَّ الرَّدُّ فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ وَإِذَا رَدَّ عَلَيْهِ مِائَةَ دِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ دَرَاهِمِهِ فَقَدْ بَاعَهُ طَوْقًا وَمِائَةَ دِرْهَمٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الصَّرْفِ وَإِنَّمَا نَسْتَثْنِي مِنْهُ الرَّدَّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَهُوَ إذَا رَدَّ عَلَيْهِ دِرْهَمًا مِنْ صَرْفٍ بَعْدَ أَنْ يُفَارِقَهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ أَوْ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْخَرِ فَلِذَلِكَ كَرِهَ ذَلِكَ وَانْتَقَضَ الصَّرْفَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا رَدَّ عَلَيْهِ الذَّهَبَ الزَّائِفَ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ لَهُ كَانَ مَا بَدَّلَهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ دَيْنًا عَلَى بَائِعِ الدَّرَاهِمِ تَأَخَّرَ الْقَبْضُ فِيهِ عَنْ وَقْتِ الْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ إتْمَامُ الصَّرْفِ فِيهِ وَيَجِبُ نَقْضُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ أَنْ لَا يُبَاعَ الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ وَالطَّعَامُ كُلُّهُ عَاجِلٌ بِآجِلٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَأْخِيرٌ وَلَا نَظِرَةٌ كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ أَوْ أَصْنَافٍ مُخْتَلِفَةٍ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ جَائِزٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالتِّبْرُ بِالتِّبْرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» .
[الْمُرَاطَلَةُ]
(ش) : قَوْلُهُ يُرَاطِلُ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ يُرِيدُ مُبَادَلَةَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَهِيَ الْمُرَاطَلَةُ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ إحْدَاهُمَا غَيْرُ مَسْكُوكٍ فَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي جَوَازِهِ وَالثَّانِي مَسْكُوكٌ فَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ جَائِزٌ وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ وَعَلَى هَذَا تَرِدُ أَكْثَرُ مَسَائِلِ أَصْحَابِنَا فِي الْمُرَاطَلَةِ فَإِنَّ أَقْوَالَهُمْ فِي ذَلِكَ مُطْلَقَةٌ لَا تَتَقَيَّدُ بِمَعْرِفَةِ الْوَزْنِ وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْجُزَافِ وَالْجُزَافُ مِنْ مَسْكُوكِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُكْمُ يَخْتَصُّ عِنْدَهُمْ بِالْمُرَاطَلَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّرْفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْبُيُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ رَأَيْت لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُرَاطَلَةُ بَيْنَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لِهَذَا الْمَعْنَى وَقَدْ يَجُوزُ ذَلِكَ بِأَنْ يَعْرِفَ وَزْنَ أَحَدِ الذَّهَبَيْنِ ثُمَّ يُرَاطِلَ بِهَا الْآخَرَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا إنْ وُزِنَتْ إحْدَى الذَّهَبَيْنِ ثُمَّ وُزِنَ بَعْدَ ذَلِكَ بَدَلُهَا بِتِلْكَ الصَّنْجَةِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ إذَا تُيُقِّنَتْ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَقَدْ عَرِيَ عَنْ الْجُزَافِ بِمَعْرِفَةِ قَدْرِهِ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ مُرَاطَلَةً أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَ عَشَرَ دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ يَدًا بِيَدٍ إذَا كَانَ وَزْنُ الذَّهَبَيْنِ سَوَاءً عَيْنًا بِعَيْنٍ وَإِنْ تَفَاضَلَ الْعَدَدُ وَالدَّرَاهِمُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يُرَاعَى فِي مُرَاطَلَةِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ الْعَدَدُ وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهِ الْوَزْنُ سَوَاءٌ كَانَتْ كُلُّهَا مَجْمُوعَةً أَوْ فُرَادَى أَوْ قَائِمَةً أَوْ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ مَجْمُوعَةً وَالثَّانِيَةُ فُرَادَى أَوْ قَائِمَةً وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْوَرِقِ وَالذَّهَبِ إنَّمَا هُوَ بِالْوَزْنِ وَإِنَّمَا أُبِيحَ التَّعَامُلُ فِيهِ بِالْعَدَدِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ لِلْعُرْفِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْوَزْنِ فِيمَا لَا يُرَاعَى فِيهِ التَّسَاوِي فَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ مِمَّا يُرَاعَى فِيهِ التَّسَاوِي وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ الْوَزْنُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ اعْتِبَارِهِ وَوَجْهُ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ وَسَقَطَ حُكْمُ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِهِ فِي فَسَادِ عَقْدٍ وَلَا صِحَّتِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ
стр. 1311
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ رَاطَلَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقًا بِوَرِقٍ فَكَانَ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ فَضْلُ مِثْقَالٍ فَأَعْطَى صَاحِبَهُ قِيمَتَهُ مِنْ الْوَرِقِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ قَبِيحٌ وَذَرِيعَةٌ لِلرِّبَا؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِثْقَالَ بِقِيمَتِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ عَلَى حِدَتِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِثْقَالَ بِقِيمَتِهِ مِرَارًا؛ لِأَنَّهُ يُجِيزُ ذَلِكَ الْبَيْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ أَنَّهُ بَاعَهُ ذَلِكَ الْمِثْقَالَ مُفْرَدًا لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَأْخُذْ بِعُشْرِ الثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ بِهِ لَأَنْ يَجُوزَ لَهُ الْبَيْعُ فَذَلِكَ الذَّرِيعَةُ إلَى إحْلَالِ الْحَرَامِ وَالْأَمْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ) .
ــ
[المنتقى]
أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ تِبْرًا وَالْآخَرُ مَسْكُوكًا أَوْ مَصُوغًا أَوْ تِبْرًا مِثْلَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ وَاحِدٌ فِي اعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ بِالْوَزْنِ وَلَا اعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِسِكَّةٍ وَلَا صِيَاغَةٍ عَلَى وَجْهِ الْمُرَاطَلَةِ دُونَ اقْتِضَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ رَاطَلَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ أَحَدِ الذَّهَبَيْنِ وَرِقٌ وَلَا عَرَضٌ وَلَا شَيْءٌ سَوَاءٌ كَانَتْ إحْدَى الذَّهَبَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ الْأُخْرَى وَيَكُونُ الْعَرَضُ مِنْ الْعَرَضِ أَوْ غَيْرِهِ فِي مُقَابَلَةِ زِيَادَةِ أَحَدِ الذَّهَبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَوْ كَانَ الذَّهَبَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَفَعَ إلَيْهِ دِينَارَيْنِ بِدِينَارٍ وَيَجْعَلَ مَعَ الدِّينَارِ ثَوْبًا أَوْ طَعَامًا أَوْ وَرِقًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لِيَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ الدِّينَارِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَبِيحٌ وَمَمْنُوعٌ لِنَفْسِهِ وَلِفَسَادِ الْعَقْدِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ؛ لِأَنَّ السِّلْعَةَ الَّتِي مَعَ الدِّينَارِ مُقَسَّطَةٌ مَعَ دِينَارِهَا عَلَى الدِّينَارَيْنِ فَيُصِيبُ كُلُّ دِينَارٍ نِصْفَ دِينَارٍ وَنِصْفَ السِّلْعَةِ وَرُبَّمَا كَانَتْ السِّلْعَةُ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ الدِّينَارِ أَوْ أَقَلَّ قِيمَةً فَيُقَابِلُ أَكْثَرَ الدِّينَارَيْنِ أَوْ أَقَلَّهُمَا، وَيُقَابِلُ الْبَاقِيَ مِنْ الذَّهَبِ الَّتِي مَعَ السِّلْعَةِ أَقَلُّ مِنْ وَزْنِهَا أَوْ أَكْثَرُ وَلِهَذَا مَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِالذَّرَائِعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ مَمْنُوعٌ لِلذَّرِيعَةِ إلَى الْحَرَامِ الَّذِي لَا يَجُوزُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى وُجُوبِ الْقَوْلِ بِالذَّرَائِعِ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْمِثْقَالِ قِيمَتَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ مُفْرَدًا جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهُ مِرَارًا لِيُجِيزَ الْبَيْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ لِيُجِيزَ الْمَحْظُورَ الْمَمْنُوعَ بِالشَّرْعِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا بَاعَ دِينَارًا رَدِيئًا بِدِينَارَيْنِ جَيِّدَيْنِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْطِيَهُ بِذَلِكَ الدِّينَارِ نِصْفَ دِينَارٍ جَيِّدٍ جَعَلَ مَعَ الدِّينَارِ مَا يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ الدِّينَارِ الْجَيِّدِ مِرَارًا وَجَعَلَهُ ثَمَنًا لِلدِّينَارِ الْجَيِّدِ فَيَكُونُ فِي الظَّاهِرِ قَدْ أَعْطَاهُ دِينَارًا رَدِيئًا بِدِينَارٍ جَيِّدٍ وَأَعْطَاهُ السِّلْعَةَ بِالدِّينَارِ الْآخَرِ الْجَيِّدِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا أَعْطَاهُ الدِّينَارَ الرَّدِيءَ بِنِصْفِ دِينَارٍ جَيِّدٍ وَأَخَذَ السِّلْعَةَ بِدِينَارٍ وَنِصْفٍ مِنْ الذَّهَبِ الْجَيِّدِ وَهَذَا مِمَّا لَا يَحِلُّ وَلَا يَجُوزُ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ أَنَّهُ بَاعَهُ ذَلِكَ الدِّينَارَ مُفْرَدًا لَمْ يَأْخُذْهُ بِعُشْرِ الثَّمَنِ يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ الدِّينَارَ الرَّدِيءَ الَّذِي مَعَ السِّلْعَةِ لَوْ بَاعَهُ مُفْرَدًا لَمْ يُعْطِهِ بِهِ الدِّينَارَ الْجَيِّدَ مِنْ الدِّينَارَيْنِ وَإِنَّمَا أَضَافَ إلَيْهِ السِّلْعَةَ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى أَخْذِ بَعْضِ دِينَارٍ جَيِّدٍ بِدِينَارٍ رَدِيءٍ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ مُدَّيْ عَجْوَةٍ؛ لِأَنَّهَا تُفْرَضُ فِيمَنْ بَاعَ مُدَّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ وَجَوَّزَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ إنَّ مَنْ بَاعَ مِائَةَ دِينَارٍ فِي قِرْطَاسٍ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ أَنَّهُ جَائِزٌ وَيُحْتَسَبُ بِالْقِرْطَاسِ فِي مِائَةِ دِينَارٍ وَتَكُونُ الْمِائَةُ بَاقِيَةً مِنْ الْمِائَتَيْنِ بِالْمِائَةِ الَّتِي فِي الْقِرْطَاسِ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ وَهِيَ مِنْ الْمَغَانِمِ تُبَاعُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ» .
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْخَبَرِ أَنَّهُ أَمَرَ بِنَزْعِ الْخَرَزِ وَافِرَادِ الذَّهَبِ لِيُمْكِنَ بَيْعُهُ وَلَوْ جَازَ بَيْعُهُ مِنْ الْخَرَزِ لَمَا احْتَاجَ إلَى وَزْنِهِ ثُمَّ قَالَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ إفْرَادِهِ بِالْبَيْعِ أَنْ يَتَحَقَّقَ فِيهِ الْوَزْنُ بِالْوَزْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الذَّهَبَيْنِ
стр. 1312
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُرَاطِلُ الرَّجُلَ وَيُعْطِيهِ الذَّهَبَ الْعَيْنَ الْجِيَادَ وَيَجْعَلُ مَعَهَا تِبْرًا ذَهَبًا غَيْرَ جَيِّدَةٍ وَيَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَهَبًا كُوفِيَّةً مُقَطَّعَةً وَتِلْكَ الْكُوفِيَّةُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ النَّاسِ فَيَتَبَايَعَانِ عَلَى ذَلِكَ مِثْلًا بِمِثْلٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ.
قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الذَّهَبِ الْجِيَادِ أَخَذَ فَضْلَ عُيُونِ ذَهَبِهِ فِي التِّبْرِ الَّذِي طُرِحَ مَعَ ذَهَبِهِ وَلَوْلَا فَضْلُ ذَهَبِهِ عَلَى ذَهَبِ صَاحِبِهِ لَمْ يُرَاطِلْهُ صَاحِبُهُ بِتِبْرِهِ ذَلِكَ إلَى ذَهَبِهِ الْكُوفِيَّةِ وَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ كَمِثْلِ رَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ ثَلَاثَةَ أَصْوُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَجْوَةٍ بِصَاعَيْنِ وَمُدٍّ مِنْ تَمْرٍ كَبِيسٍ فَقِيلَ لَهُ هَذَا لَا يَصْلُحُ فَجَعَلَ صَاعَيْنِ مِنْ كَبِيسٍ وَصَاعًا مِنْ حَشَفٍ يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ بِذَلِكَ بَيْعَهُ فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْعَجْوَةِ لِيُعْطِيَهُ صَاعًا مِنْ الْعَجْوَةِ بِصَاعَيْ حَشَفٍ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ لِفَضْلِ الْكَبِيسِ أَوْ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بِعْنِي ثَلَاثَةَ أَصْوُعٍ مِنْ الْبَيْضَاءِ بِصَاعَيْنِ وَنِصْفٍ مِنْ حِنْطَةٍ شَامِيَّةٍ فَنَقُولُ هَذَا لَا يَصْلُحُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ فَجَعَلَ صَاعَيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ شَامِيَّةٍ وَصَاعًا مِنْ شَعِيرٍ يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ بِذَلِكَ الْبَيْعَ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَهَذَا لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعْطِيَهُ بِصَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ صَاعًا مِنْ حِنْطَةٍ بَيْضَاءَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الصَّاعُ مُفْرَدًا وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ إيَّاهُ لِفَضْلِ الشَّامِيَّةِ عَلَى الْبَيْضَاءِ فَهَذَا لَا يَصْلُحُ وَهُوَ مِثْلُ مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ التِّبْرِ.
قَالَ مَالِكٌ فَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالطَّعَامِ كُلُّهُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبْتَاعَ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ مَعَ الصِّنْفِ الْجَيِّدِ مِنْهُ الْمَرْغُوبِ فِيهِ الشَّيْءُ الدَّنِيءُ الْمَسْخُوطُ لِيُجَازَ بِذَلِكَ الْبَيْعُ، وَيَسْتَحِلَّ بِذَلِكَ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إذَا جَعَلَ ذَلِكَ مَعَ الصِّنْفِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ وَإِنَّمَا يُرِيدُ صَاحِبُ ذَلِكَ أَنْ يُدْرِكَ بِذَلِكَ فَضْلَ جَوْدَةِ مَا بِيعَ فَيُعْطِي الشَّيْءَ الَّذِي لَوْ أَعْطَاهُ وَحْدَهُ لَمْ يَقْبَلْهُ صَاحِبُهُ وَلَمْ يَهْمُمْ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا يَقْبَلُهُ مِنْ أَجْلِ الَّذِي يَأْخُذُ مَعَهُ لِفَضْلِ سِلْعَةِ صَاحِبِهِ عَلَى سِلْعَتِهِ فَلَا يَنْبَغِي لِشَيْءٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالطَّعَامِ أَنْ يَدْخُلَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الطَّعَامِ الرَّدِيءِ أَنْ يَبِيعَهُ بِغَيْرِهِ فَلْيَبِعْهُ عَلَى حِدَتِهِ وَلَا يَجْعَلَ مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ كَذَلِكَ) .
ــ
[المنتقى]
شَيْءٌ تَسَاوَيَا أَوْ اخْتَلَفَا فَلَا يَجُوزُ دِينَارٌ وَدِرْهَمٌ بِدِينَارٍ وَدِرْهَمٍ الدِّينَارَانِ مُتَسَاوِيَانِ وَالدِّرْهَمَانِ كَذَلِكَ وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ عِوَضِ الذَّهَبِ مَا لَيْسَ بِذَهَبٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْمَلَهُمَا بَيْعٌ كَمَا لَوْ كَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِلْعَةٌ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ رَاطَلَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ وَأَحَدُ الذَّهَبَيْنِ مِنْ جِنْسَيْنِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِمِقْدَارِ الْجَيِّدِ مِنْ الرَّدِيءِ لَمْ تَجُزْ الْمُرَاطَلَةُ وَلَا الْمُبَايَعَةُ كُلُّهَا وَإِنْ عَلِمَ مِقْدَارَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الذَّهَبَيْنِ مِنْ جِنْسِ الذَّهَبِ الْمُفْرَدَةِ مُسَاوِيَةً لَهَا فِي الْجَوْدَةِ وَالنَّفَاقِ أَوْ لَا تَكُونُ إحْدَاهُمَا مُسَاوِيَةً لَهَا فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ جَوَازُ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَتْ الذَّهَبُ الَّتِي مَعَهَا أَفْضَلَ أَوْ أَدْوَنَ وَهَذَا لَا وَجْهَ فِيهِ لِمَنْعِ الذَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّ مُسَاوَاةَ إحْدَى الذَّهَبَيْنِ الذَّهَبَ الَّتِي فِي عِوَضِهَا تَنْفِي التُّهْمَةَ الَّتِي تَلْحَقُ مِنْ جِهَةِ التَّقْسِيطِ فَمَوْجُودٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ التَّقْسِيطُ عَلَى وَجْهِ
стр. 1313
الْعِينَةُ وَمَا يُشْبِهُهَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ» )
ــ
[المنتقى]
الذَّرِيعَةِ وَالتُّهْمَةِ فِي ذَلِكَ فَيَبْعُدُ أَيْضًا وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ رَدَاءَةُ أَحَدِ الذَّهَبَيْنِ مِنْ غِشِّ نُحَاسٍ فِيهَا وَإِنَّمَا هِيَ الرَّدَاءَةُ فِي غِشِّ الذَّهَبِ فَإِنْ كَانَتْ مَغْشُوشَةً بِنُحَاسٍ لَمْ تَجُزْ الْمُرَاطَلَةُ بِهَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَنَّ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الذَّهَبِ الْمُفْرَدَةِ بِالذَّهَبِ الْمُفْرَدَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُسَاوِيَةٍ لَهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الذَّهَبَانِ أَفْضَلَ أَوْ أَدْنَى مِنْ الذَّهَبِ الْمُفْرَدَةِ أَوْ يَكُونَ إحْدَى الذَّهَبَيْنِ أَفْضَلَ مِنْ الْمُفْرَدَةِ وَالثَّانِيَةُ أَدْنَى مِنْهَا فَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ أَوْ أَدْنَى فَعَلَ مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَفْضَلَ وَالْأُخْرَى أَدْنَى فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا يَلْزَمُ مِنْ تَقْسِيطِ الذَّهَبِ الْمُفْرَدَةِ عَلَى الذَّهَبَيْنِ اللَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَفْضَلُ مِنْهَا وَالْأُخْرَى أَدْنَى مِنْهَا فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إلَى التَّفَاضُلِ فِي الذَّهَبِ أَوْ يُمْنَعُ ذَلِكَ لِلتُّهْمَةِ فِي قَصْدِ ذَلِكَ فَتَقْوَى التُّهْمَةُ هُنَا دُونَ أَنْ تَكُونَ إحْدَى الذَّهَبَيْنِ مُسَاوِيَةً لَهَا وَالْأُخْرَى أَفْضَلَ وَأَدْنَى فَإِنَّ التُّهْمَةَ تَضْعُفُ فِيهِمَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَتْ دَرَاهِمُ سُودٌ بِدَرَاهِمَ بِيضٍ دُونَهَا وَمَعَ السُّودِ فِضَّةٌ كَفِضَّةِ الْبِيضِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِنَقْصِ السِّكَّةِ يُرِيدُ أَنَّ نَقْصَ السِّكَّةِ فِي فِضَّةِ الْبِيضِ إنَّمَا سُومِحَ فِيهِ لِفَضْلِ السُّودِ عَلَى الدَّرَاهِمِ الْبِيضِ فَرَاعَى السِّكَّةَ مَعَ التَّنَاجُزِ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْعِينَةُ وَمَا يُشْبِهُهَا وَفِيهَا أَبْوَاب]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» يُرِيدُ أَنَّهُ إذَا اسْتَفَادَهُ بِالِابْتِيَاعِ فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَيَسْتَوْفِيَهُ مِنْ بَائِعِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَالَى عَلَى الطَّعَامِ عَقْدَا بَيْعٍ لَا يَتَخَلَّلُهُمَا اسْتِيفَاءٌ بِالْكَيْلِ إنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ بِالْوَزْنِ إنْ كَانَ مَوْزُونًا لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَفِي هَذَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَمْيِيزِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ هَذَا الْحُكْمُ مِنْ الْمَبِيعَاتِ وَالْبَابُ الثَّانِي فِي تَمْيِيزِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ وُجُوهِ الِاسْتِفَادَةِ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي تَمْيِيزِ مَا يَكُونُ قَبْضًا وَاسْتِيفَاءً وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِي تَمْيِيزِ مَا يُصَحِّحُ قَبْضَ الْبَيْعِ الثَّانِي.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَمْيِيزِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ هَذَا الْحُكْمُ مِنْ الْمَبِيعَاتِ) .
الْمَبِيعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مَطْعُومٌ وَغَيْرُ مَطْعُومٍ فَأَمَّا الْمَطْعُومُ فَإِنَّهُ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا وَقِسْمٌ لَا يَجْرِي فِيهِ فَأَمَّا مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا فَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَأَمَّا مَا لَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» وَهَذَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَمْنَعُ التَّخْصِيصَ بِعُرْفِ اللُّغَةِ، وَأَمَّا مَنْ رَأَى التَّخْصِيصَ بِعُرْفِ اللُّغَةِ فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ الطَّعَامِ إذَا أُطْلِقَتْ فَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهَا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ الْحِنْطَةُ دُونَ غَيْرِهَا وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ رَجُلٌ مَضَيْت إلَى سُوقِ الطَّعَامِ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ إلَّا سُوقُ الْحِنْطَةِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَطْعُومٌ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَاَلَّذِي يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ نَقْدًا فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَغَيْرِ الْمَطْعُومِ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا بِإِجْرَاءِ هَذَا الْحُكْمِ فِي الْمُقْتَاتِ خَاصَّةً فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَإِذَا أَجْرَيْنَاهُ فِي كُلِّ مَطْعُومٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا
стр. 1314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَبَيْنَ حُكْمِ الرِّبَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِي الْمَطْعُومِ الْمُقْتَاتِ الْمَكِيلِ أَوْ الْمَوْزُونِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ وَكَذَلِكَ الْمَعْدُودُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَقَدْ قَالَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَصْلٌ) :
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَطْعُومٍ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِهَذَا الْحُكْمِ فِي غَيْرِ الْمَطْعُومِ وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ غَيْرَ مَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَرَبِيعَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ كُلَّ مَا بِيعَ عَلَى كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ مَطْعُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَطْعُومٍ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِي كَيْلٍ مَبِيعٍ يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ حُكْمٌ ثَابِتٌ فِي كُلِّ مَبِيعٍ وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» .
فَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ خَصَّ هَذَا الْحُكْمَ بِالطَّعَامِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الطَّعَامِ مُخَالِفٌ لَهُ وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَبِيعٌ لَيْسَ بِمَطْعُومٍ فَجَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي تَمْيِيزِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ وُجُوهِ الِاسْتِفَادَةِ] ١
الْعُقُودُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُعَاوَضَةٌ وَغَيْرُ مُعَاوَضَةٍ فَأَمَّا الْمُعَاوَضَاتُ فَالْبَيْعُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْإِجَارَةِ وَالْمُصَالَحَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ وَالْمُخَالَعَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ عَلَى وَجْهِ الْعِوَضِ كَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَأَصْحَابِ السُّوقِ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ يُؤْخَذُ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَا مُلِكَ بِمَهْرٍ أَوْ خُلْعٍ مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَهَذِهِ الْعُقُودُ تَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَخْتَصُّ بِالْمُغَابَنَةِ وَالْمُكَايَسَةِ كَالْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ وَمَا كَانَ فِي حُكْمِهِمَا وَقِسْمٌ يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْمُغَابَنَةِ وَيَصِحُّ أَنْ يَقَعَ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ كَالْإِقَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَقِسْمٌ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ كَالْقَرْضِ فَأَمَّا الْبَيْعُ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْمُغَابَنَةِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مَا كَانَ أُجْرَةً لِعَمَلٍ أَوْ قَضَاءً لِدَيْنٍ أَوْ مَهْرًا أَوْ خُلْعًا أَوْ صُلْحًا عَنْ دَمِ عَمْدٍ أَوْ مِثْلًا لِمُتْلَفِ أَوْ أَرْشَ جِنَايَةٍ فِي مَالٍ مَضْمُونٍ أَوْ مُعَيَّنٍ فَذَلِكَ كُلُّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَالَى مِنْهُ عَقْدَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَخَلَّلُهُمَا قَبْضٌ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ حِفْظُهُ وَحِرَاسَتُهُ وَتَوَقِّيهِ مِنْ الرِّبَا لِئَلَّا يَتَوَصَّلَ أَهْلُ الْعِينَةِ بِذَلِكَ إلَى بَيْعِ دَنَانِيرَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا وَذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الْعِينَةِ يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ دَنَانِيرَ فِي أَكْثَرِ مِنْهَا نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَإِذَا عَلِمَ بِالْمَنْعِ فِي ذَلِكَ تَوَصَّلَ إلَيْهِ بِأَنْ يَذْكُرَ حِنْطَةً بِدِينَارٍ ثُمَّ يَبْتَاعَهُ بِنِصْفِ دِينَارٍ دُونَ اسْتِيفَاءٍ وَلَا قَصْدٍ لِبَيْعِهِ وَلَا لِابْتِيَاعِهِ فَلَمَّا كَثُرَ هَذَا وَكَانَتْ الْأَقْوَاتُ مِمَّا يُتَعَامَلُ بِهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْبِلَادِ وَلَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ الْعَرَبِ وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُقْصَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرًا لِمَعْرِفَةِ جَمِيعِ النَّاسِ لِثَمَنِهِ وَقِيمَتِهِ وَوُجُودِ أَكْثَرِ النَّاسِ لَهُ مُنِعَ ذَلِكَ فِيهَا وَشُرِطَ فِي صِحَّةِ تَوَالِي الْبَيْعِ فِيهَا لِخِلَالِ الْقَبْضِ وَالِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نِهَايَةُ التَّبَايُعِ فِيهَا وَإِتْمَامُ الْعَقْدِ وَلُزُومُهُ وَلَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمَبِيعَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَكَرَّرْ تَعَامُلُ أَهْلِ الْعِينَةِ بِهَا؛ لِأَنَّ ثَمَنَهَا يَخْفَى فِي الْأَغْلَبِ وَيَقِلُّ مُشْتَرِيهَا.
(فَرْعٌ) وَمَنْ بَاعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ كَيْلًا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ ثُمَّ أَرَادَ بَيْعَهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فَكَرِهَهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى إجَازَتِهِ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَجْهُ الْكَرَاهِيَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مَبِيعٌ وَوَجْهُ الْإِبَاحَةِ وَالْجَوَازِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مَبِيعٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا صَحَّ أَنْ يَقَعَ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِرْفَاقِ وَوَجْهِ الْمُغَابَنَةِ كَالْإِقَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ فَإِنْ وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَلِيَ الْبَيْعَ فِي الطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ
стр. 1315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَوَجْهُ وُقُوعِهِ عَلَى الرِّفْقِ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَسَبِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ فِيهِ فَإِنْ تَغَيَّرَ عَنْهُ لِزِيَادَةِ ثَمَنٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ مُخَالَفَةٍ فِي جِنْسِ ثَمَنٍ أَوْ أَجَلٍ خَرَجَ عَنْ وَجْهِ الرِّفْقِ إلَى الْبَيْعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ إذَا وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ مَا رَوَاهُ سَحْنُونٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ إلَّا مَا كَانَ مِنْ شَرِكَةٍ أَوْ تَوْلِيَةٍ أَوْ إقَالَةٍ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ عُقُودٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَالْمُوَاصَلَةِ دُونَ الْمُغَابَنَةِ وَالْمُكَايَسَةِ الَّتِي لِمُضَارَعَتِهَا مُنِعَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مُنِعَ لِمُشَابَهَتِهِ الْعِينَةَ فَإِذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْعُقُودُ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ وَعَرِيَتْ مِنْ الْمُغَابَنَةِ وَالْمُكَايَسَةِ كَانَتْ مُبَاحَةً كَالْقَرْضِ وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ فَأَمَّا التَّفْصِيلُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ الطَّعَامِ عَيْنًا أَوْ غَيْرَ عَيْنٍ فَأَمَّا الْعَيْنُ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مِثْلَهُ فِي قَدْرِهِ وَصِفَتِهِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي جَوَازِ الْإِقَالَةِ بِهِ وَإِنْ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ أَوْ قَدْرُهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِقَالَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ إنَّمَا هِيَ عَلَى مِثْلِ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّهَا لَيْسَتْ بِعَقْدٍ مُسْتَأْنَفٍ وَهِيَ نَقْضٌ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ ثَمَنُ الطَّعَامِ غَيْرَ عَيْنٍ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ أَوْ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ مِمَّا يَرْجِعُ إلَى الْقِيمَةِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ فَفِي الْوَاضِحَةِ تَجُوزُ الْإِقَالَةُ بِالْمِثْلِ وَقَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعِ وَشَرَطَ أَنْ لَا يَكُونَ أَرْفَعَ مِنْهُ وَلَا أَدْنَى وَأَنْ يَكُونَ حَاضِرًا عِنْدَهُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَهُ مِثْلٌ فَصَحَّتْ الْإِقَالَةُ مِنْ الطَّعَامِ بِمِثْلِهِ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا عِوَضٌ يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ فَلَمْ تَجُزْ الْإِقَالَةُ مِنْ الطَّعَامِ إلَّا بِعَيْنِهِ دُونَ مِثْلِهِ أَصْلُ ذَلِكَ مَا يَرْجِعُ إلَى الْقِيمَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ كَالثَّوْبِ وَالْحَيَوَانِ فَفِي الْوَاضِحَةِ لَا يَجُوزُ الْإِقَالَةُ بِمِثْلِهِ وَلَا بِقِيمَتِهِ وَإِنَّمَا تَجُوزُ مِنْهُ بِعَيْنِهِ مَا لَمْ تَدْخُلْهُ زِيَادَةٌ وَلَا نَقْصٌ فِي بَدَنٍ وَيَجُوزُ إنْ دَخَلَهُ تَغَيُّرُ أَسْوَاقٍ وَوَجْهُ هَذَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْإِقَالَةَ إنَّمَا هِيَ فِي مَعْنَى حِلِّ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَيْهِ ثَمَنَهُ وَلَا مِثْلَهُ لَمْ تَكُنْ إقَالَةً وَكَانَ بَيْعَ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ ثَمَنًا لِعَمَلٍ فِي إجَارَةٍ جَازَ أَنْ يُقِيلَهُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَمَلِ فَإِنْ عَمِلَ بَعْضَ الْعَمَلِ جَازَ أَنْ يُقِيلَهُ مِمَّا بَقِيَ دُونَ مَا عَمِلَ رَوَاهُ كُلَّهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ وَوَجْهُ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ أَعْمَالَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ فَلَا يَكُونُ الْعَمَلُ الْآخَرُ مِثْلًا لِلْأَوَّلِ وَذَلِكَ يُنَافِي الْإِقَالَةَ وَلِأَنَّ الْعَمَلَ إنَّمَا يَرْجِعُ إلَى الْقِيمَةِ فَلَا تَصِحُّ الْإِقَالَةُ فِيهِ بَعْدَ فَوَاتِهِ كَالثَّوْبِ، وَأَمَّا الْكِتَابَةُ فَفِي الْوَاضِحَةِ وَلَا تَبِعْ طَعَامَك مِنْ كِتَابَةٍ مِنْ غَيْرِ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ قَبْضِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا تَافِهًا بِيعَ مَعَ غَيْرِهِ مِمَّا كَاتَبَهُ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِالرِّفْقِ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ كَالْقَرْضِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَكَرَّرَ عَلَى الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَأَنْ يَلِيَ الْبَيْعَ وَيَلِيَهُ الْبَيْعُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ نَعْلَمُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
، وَأَمَّا مَا يَلْزَمُ الذِّمَّةَ مِنْ الطَّعَامِ بِغَيْرِ عَقْدٍ مِثْلُ أَنْ يَلْزَمَهَا بِالْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَالْقَرْضِ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَالْبَيْعِ إنْ كَانَ مِثْلًا لِمُتْلَفٍ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ أَخْذَ مِثْلَ الطَّعَامِ فِي الْغَصْبِ يَتَوَالَى عَلَى الطَّعَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَلَّلَهُمَا قَبْضٌ فَلَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ لَمَا جَازَ أَنْ يَتَوَالَيَا عَلَيْهِ وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ طَعَامٌ يُؤْخَذُ عِوَضًا عَلَى وَجْهِ الْمُشَاحَّةِ وَتَرْكِ الْإِرْفَاقِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَلِيَ الْبَيْعَ دُونَ قَبْضِ أَصْلِ ذَلِكَ الْبَيْعِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْعُقُودِ لَيْسَ فِيهِ مُعَاوَضَةٌ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَطِيَّةِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَالَى عَلَى الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عُقُودِ
стр. 1316
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَمْيِيزِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ هَذَا الْحُكْمُ مِنْ الْمَبِيعَاتِ]
ــ
[المنتقى]
الْمُعَاوَضَةِ وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا مَعْنَى الْعِينَةِ الَّتِي لَهَا مُنِعَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ.
(فَصْلٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ هُوَ وَلَا وَكِيلُهُ وَلَا وَارِثُهُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ؛ لِأَنَّ انْتِقَالَهُ بِالْمِيرَاثِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَاجِزًا بَيْنَ الْبَيْعَتَيْنِ وَلَا يَقُومُ مَقَامَ الْقَبْضِ فِي إبَاحَةِ الْبَيْعِ فِيهِ وَإِنْ وَهَبَهُ الرَّجُلُ بَعْدَ أَنْ ابْتَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ لَمْ يَجُزْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ رَوَاهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ، وَعِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَزَادَ مَالِكٌ فِي النَّوَادِرِ وَكَذَلِكَ لَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ أَخَذَهُ قَضَاءً مِنْ سَلَفٍ قَالَ وَأَخَفُّهُ عِنْدِي الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ أَحَلْته عَلَى طَعَامٍ مِنْ بَيْعٍ أَقْرَضْته إيَّاهُ أَوْ قَضَيْته إيَّاهُ مِنْ قَرْضٍ فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِمَا اُسْتُفِيدَ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ فَإِنَّهُ أَيْضًا يَجِبُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ، وَلَا يَمْنَعُ مَا لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ مِنْ هِبَةٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَا قَرْضٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُقُودِ الَّتِي تَعْرَى عَنْ الْعِوَضِ وَلِذَلِكَ لَمْ تَمْنَعْ مِنْ الْإِقَالَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا مُعَاوَضَةٌ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي تَمْيِيزِ مَا يَكُونُ قَبْضًا وَاسْتِيفَاءً] ١
، وَأَمَّا مَا يَكُونُ قَبْضًا وَاسْتِيفَاءً يَصِحُّ أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَ الْبَيْعَتَيْنِ فِي الطَّعَامِ فَهُوَ مَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ إلَى ضَمَانِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْكَيْلِ وَالتَّوْفِيَةِ فِي الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ وَالتَّوْفِيَةِ فِي الْمَوْزُونِ وَفِي التَّحَرِّي فِي الِاتِّفَاقِ عَلَى مِقْدَارِهِ وَالْحُكْمِ بِهِ وَتَوْفِيَتِهِ إنْ كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَذَلِكَ بِأَنْ يُوَفِّيَهُ الْبَائِعُ الْمُبْتَاعَ وَتَسْلِيمُ الْمُبْتَاعِ إيَّاهُ لَازِمٌ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَصْفُ التَّوْفِيَةِ قَبْلَ هَذَا فَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ فَصْلًا بَيْنَ الْبَيْعَتَيْنِ فَإِنْ عَقَدَا عَقْدًا مِنْ بَيْعٍ فِي طَعَامَيْنِ فِي ذِمَّتَيْنِ ثُمَّ أَرَادَا أَنْ يَتَقَاضَيَا بِهِمَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ إنْ اتَّفَقَ رَأْسُ مَالِهِمَا فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ جَازَ ذَلِكَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُمَا لَمَّا تَقَاضَيَا بِالطَّعَامِ آلَ أَمْرُهُمَا إلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَقَدْ انْعَقَدَ عَلَيْهِ عَقَدَا بَيْعٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا انْعَقَدَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَعَلَى مَعْنَاهُ مِنْ الْمُغَابَنَةِ وَالْمُكَايَسَةِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا قَبْضٌ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ مَآلَ أَمْرِهِمَا إلَى الْإِقَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسَلِّمَ الثَّانِي رَدَّ إلَى الْأَوَّلِ مِثْلَ رَأْسِ مَالِهِ وَهَذَا مَعْنَى الْإِقَالَةِ، وَالْعُقُودُ لَا تُعْتَبَرُ فِيهَا بِاللَّفْظِ وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ بِالْمَعْنَى وَلَمَّا كَانَ مَعْنَى مَا وُجِدَ مِنْهُمَا السَّلَمُ وَالْإِقَالَةُ وَذَلِكَ يَجُوزُ فِي الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ جَازَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الطَّعَامَانِ مِنْ قَرْضٍ جَازَ ذَلِكَ حَلَّ أَجَلُهُمَا أَوْ لَمْ يَحِلَّ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَ الْقَرْضَيْنِ فِي الطَّعَامِ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ فَحَلَّ أَجَلَاهُمَا جَازَتْ الْمُقَاصَّةُ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَ الْقَرْضِ بِالْبَيْعِ جَائِزٌ فِي الطَّعَامِ فَإِنْ لَمْ يَحِلَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ اتَّفَقَ الْأَجَلَانِ جَازَتْ الْمُقَاصَّةُ وَقَالَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ إلَّا ابْنَ الْقَاسِمِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُقَاصَّةَ قَبْلَ الْأَجَلِ مَعَ الْأَجَلِ فِي الْبَيْعِ يَمْنَعُ الْمُقَاصَّةَ بِمَا لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ كَالْمُقَاصَّةِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَجَلَانِ وَاحِدًا كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ حُلُولِهِمَا؛ لِأَنَّ الذِّمَّتَيْنِ تَبْرَآنِ مِنْهُمَا دُونَ زِيَادَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ حَلَّ مِنْ الْأَجَلَيْنِ أَجَلُ الْقَرْضِ وَلَمْ يَحِلَّ أَجَلُ السَّلَمِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ أَيْضًا لِمَا قُلْنَا وَإِنْ حَلَّ أَجَلُ السَّلَمِ وَلَمْ يَحِلَّ أَجَلُ الْقَرْضِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجَوَّزَهُ أَشْهَبُ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا مُقَاصَّةٌ بِمَا حَلَّ فِيمَا لَمْ يَحِلَّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَيْعًا كَمَا لَوْ لَمْ يَحِلَّ أَجَلُ السَّلَمِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْقَرْضَ لَمَّا لَمْ يَلْزَمْ أَجَلُهُ الْمُقْتَرِضَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْحَالِّ وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْمُسَلِّفَ لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبْضِ الْقَرْضِ قَبْلَ الْأَجَلِ وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُجْبَرُ فَكَانَ
стр. 1317
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَبْتَاعُ الطَّعَامَ فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إلَى مَكَان سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ» ) .
ــ
[المنتقى]
يَجِبُ أَنْ تَجُوزَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أُصُولِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا تَجُوزَ عَلَى أَصْلِ أَشْهَبَ غَيْرَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ أَكْثَرُ تَمَسُّكًا بِأَصْلِهِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ الْمُتَسَلِّفَ فَهُوَ يَلْزَمُ الْمُسَلِّفَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا اُشْتُرِيَ جُزَافًا فَإِنَّ اسْتِيفَاءَهُ بِتَمَامِ الْعَقْدِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَوْفِيَةٌ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَيَتَخَرَّجُ فِي ذَلِكَ مَذْهَبَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْحَدِيثَ بِالْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ عَامٌّ فِيهِ وَفِي الْمَكِيلِ إلَّا أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ فِيهِ بِتَمَامِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَنْعُ وَالْحَدِيثُ خَاصٌّ فِي الْمَكِيلِ الَّذِي فِيهِ حَقُّ التَّوْفِيَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ «حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» وَلَمْ يَقُلْ حَتَّى يَنْقُلَهُ أَوْ يَأْخُذَهُ فَعَلَّقَ هَذَا الْحُكْمَ بِمَا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ وَالْمَعْدُودُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا مُصَبَّرًا جُزَافًا فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْ بَائِعِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ نَقَدَهُ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ بِمِثْلِهِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى تَمْرًا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ جَدِّهِ وَإِنْ كَانَ اسْتِيفَاؤُهُ لَمْ يُوجَدْ لِاتِّفَاقِنَا مَعَ الشَّافِعِيِّ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِ الْجَامِحَةِ فِيهِ.
وَقَدْ رَوَى الْوَقَارُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْمَطْعُومَاتِ بِيعَ عَلَى الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ أَوْ الْعَدَدِ أَوْ عَلَى الْجُزَافِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالثَّوْرِيُّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ ابْتَاعَ لَبَنَ غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا شَهْرًا فَأَرَادَ بَيْعَهَا قَبْلَ أَنْ يَحْلُبَهُ نَهَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ وَاخْتَارَ مُحَمَّدٌ النَّهْيَ قَالَ؛ لِأَنَّهُ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَ فَهُوَ مِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُضْمَنْ مِنْ الطَّعَامِ؛ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ كَالثَّمَرَةِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَالْفَرْقُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الثَّمَرَةِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ ضَمَانِهِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي تَمْيِيزِ مَا يُصَحِّحُ قَبْضَ الْبَيْعِ الثَّانِي]
أَمَّا قَبْضُ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ الطَّعَامَ مِنْ نَفْسِهِ بِإِذْنِ الْمُسَلِّمِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِهِ كَذَلِكَ قَبْضُ زَوْجَتِهِ أَوْ عَبْدِهِ أَوْ مُدَبَّرِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ الْكَبِيرَ الَّذِي قَدْ بَانَ بِالْحِيَازَةِ عَنْهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ اسْتَوْفَى كَيْلَةً مِنْهُ ثُمَّ تَرَكَهُ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَخْذِهِ مِنْهُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ اسْتَوْفَاهُ وَتَرَكَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةً وَاسْتِيفَاءُ مَنْ وُهِبَ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ قَرْضُهُ يُبِيحُ لَهُ بَيْعَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَلَّ مَحَلَّ مَنْ كَانَ لَهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(ش) : قَوْلُهُ كُنَّا نُؤْمَرُ بِانْتِقَالِهِ إلَى مَكَان سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ جُزَافًا.
وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا وَرَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْت الَّذِي يَشْتَرِي الطَّعَامَ مُجَازَفَةً يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُؤْوُوهُ إلَى رِحَالِهِمْ فَلَمَّا كَانَ الِاسْتِيفَاءُ فِي بَيْعِ الْجُزَافِ يَتِمُّ بِتَمَامِ اللَّفْظِ بِالْبَيْعِ.
وَقَدْ رَأَيْت لِابْنِ عَبْدُوسٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَا يَقْتَضِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ ابْتَاعَ ثَمَرَ عَدَدِ نَخَلَاتٍ بِلَا كَيْلٍ أَنَّ لَهُ بَيْعَ ذَلِكَ قَبْلَ جَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي ضَمَانِهِ بِالْبَيْعِ فَذَلِكَ قَبْضٌ فَاقْتَضَى قَوْلُهُ أَنَّ تَمَامَ الْبَيْعِ هُوَ الْقَبْضُ، وَأَمَّا التَّخْلِيَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَتَاعِ فَلَيْسَتْ مِنْ بَابِ التَّوْفِيَةِ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ بَابِ تَرْكِهِ مَنْعَ ذِي الْحَقِّ مِنْ حَقِّهِ.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ فَأَشَارَ إلَى أَنَّ التَّخْلِيَةَ عَلَى التَّوْفِيَةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى ضَرْبِهِمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ إلَى رِحَالِهِمْ لِيَتَبَيَّنَ الِاسْتِيفَاءُ بَعْدَ وُجُودِ التَّوْفِيَةِ بِالتَّخْلِيَةِ فَشُرِعَ نَقْلُهُ مِنْ مَكَانِهِ لِيَفْصِلَ بَيْنَ الْبَيْعَتَيْنِ عَمَلٌ ظَاهِرٌ فِيهِ بَعْضُ أَفْعَالِ الْكَيْلِ؛ لِأَنَّ الْكَيْلَ فِيهِ أَيْضًا نُقِلَ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان إلَّا أَنَّهُ نَقْلٌ يَلْزَمُ الْبَائِعَ وَلَمْ يَبْقَ فِي الْجُزَافِ عَلَى الْبَائِعِ عَمَلٌ فَجَازَ لِذَلِكَ بَيْعُهُ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الثِّمَارِ عَلَى رُءُوسِ
стр. 1318
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ابْتَاعَ طَعَامًا أَمَرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلنَّاسِ فَبَاعَ حَكِيمٌ الطَّعَامَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ لَا تَبِعْ طَعَامًا ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ) .
ــ
[المنتقى]
النَّخْلِ لِمَنْ اشْتَرَاهَا قَبْلَ أَنْ يَجِدَّهَا وَإِنَّمَا بَقِيَ فِيهِ الْعَمَلُ عَلَى الْمُبْتَاعِ أَنْ يَنْقُلَهُ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ وَهَذَا لَمَّا كَانَ حَقًّا عَلَى الْمُبْتَاعِ لَمْ يُبْطِلْ الْبَيْعَ وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْبَائِعِ.
وَقَدْ رَوَى فِي الْمَبْسُوطِ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الصُّبْرَةِ لِمَنْ اشْتَرَاهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوفِهِ حَقَّ تَوْفِيَتِهِ فَجَازَ بَيْعُهُ كَالْمَكِيلِ بَعْدَ الْكَيْلِ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ مَالِكًا اسْتَحَبَّ أَنْ يُبَاعَ بَعْدَ نَقْلِهِ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ وَعِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَالِكًا إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى مَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي مِنْ تَقْدِيمِ نَقْلِهِ وَيَجِبُ أَنْ يَتَقَرَّرَ الْمَذْهَبُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ لَهُ لِيَخْرُجَ بِتَرْكِهِ وَيَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ فَإِنْ فَاتَ بِعَقْدِ الْبَيْعِ لَمْ يُرَدَّ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ رَوَى فِي الْمُزَنِيَّة ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ لِمَنْ اشْتَرَى الطَّعَامَ جُزَافًا أَنْ يَبِيعَهُ بِنَظِرَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنْقُلَهُ قَالَ مَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إلَيْنَا إذَا اشْتَرَيْنَا الطَّعَامَ جُزَافًا لَا تَبِيعُوهُ مَكَانَهُ الَّذِي اشْتَرَيْتُمُوهُ فِيهِ حَتَّى يَنْقُلَهُ إلَى مَكَان سِوَاهُ قَالَ مَالِكٌ تَفْسِيرُهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِالدَّيْنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَانَ يَسْتَحِبُّ ذَلِكَ وَلَا يَرَاهُ حَرَامًا وَإِنْ وَقَعَ جَازَ وَمَا قَدَّمْنَاهُ فِيهِ ظَاهِرٌ مُحْتَمَلٌ.
وَفِي كِتَابِ أَبِي الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيِّ بِإِثْرِ هَذَا الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ فِي تَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَهَذَا أَيْضًا يَحْتَمِلُ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ اشْتَرَاهُ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ سُوقِ ذَلِكَ الطَّعَامِ فَلَا يَبِيعُهُ مِمَّنْ يَلْقَاهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ السُّوقَ وَقَوْلُهُمْ إنَّمَا يَرْجِعُ إلَى صِحَّةِ الْعُقُودِ دُونَ مَا عَلَى الْبَائِعِ الثَّانِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِذِكْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا الْوَقَارِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ابْتَاعَ طَعَامًا أَمَرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلنَّاسِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِهِ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ عَمَلٍ اسْتَحَقُّوهُ لِذَلِكَ فَجَازَ لَهُمْ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا فَرَضَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْأَرْزَاقِ مِنْ طَعَامٍ فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ مِثْلِ هَذِهِ الْأَرْزَاقِ قَبْلَ قَبْضِهَا وَكَذَلِكَ طَعَامُ الْجَارِ فَعَلَى هَذَا إنَّمَا نَهَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ بَيْعِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ إلَيْهِ بِالِابْتِيَاعِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ شِرَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ إلَى أَنَّ مَنْ بَاعَهُ مِنْهُ مُعَاوَضَةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ لَهُمْ بِهِ عَلَى عَمَلٍ اسْتَحَقُّوهُ بِهِ فَقَبَضُوهُ ثُمَّ ابْتَاعَهُ مِنْهُمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ فَبَاعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ فَعَلَى هَذَا ابْتِيَاعُهُ جَائِزٌ مُبَاحٌ وَبَيْعُهُ مَمْنُوعٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ لَهُمْ بِهِ لِعَمَلٍ عَمِلُوهُ فَبَاعُوهُ مِنْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ثُمَّ بَاعَهُ حَكِيمٌ قَبْلَ قَبْضِهِ أَيْضًا فَعَلَى هَذَا ابْتِيَاعُهُ مَمْنُوعٌ وَبَيْعُهُ مَمْنُوعٌ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ مَا كَانَ مِنْ أَرْزَاقِ الْقُضَاةِ أَوْ الْكُتَّابِ أَوْ الْمُؤَذِّنِينَ وَأَصْحَابِ السُّوقِ مِنْ الطَّعَامِ فَلَا يُبَاعُ حَتَّى يُقْبَضَ وَمَا كَانَ مِنْ صِلَةٍ أَوْ عَطِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّهُ رَدَّ بَيْعَهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ فَقَبَضَهُ مُبْتَاعُهُ فَإِنْ كَانَ الْبَيْعَتَانِ مَمْنُوعَتَيْنِ فَقَدْ رَدَّهُمَا وَإِنْ كَانَ بَيْعُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ هُوَ الْمَمْنُوعُ خَاصَّةً رُدَّ وَذَلِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَمْ يَغِبْ الْمُبْتَاعُ عَنْ الطَّعَامِ نُقِضَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا وَأَخَذَ مُبْتَاعُ الطَّعَامِ الثَّمَنَ إنْ كَانَ قَضَاهُ وَبَقِيَ الطَّعَامُ لِبَائِعِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ غَابَ عَلَيْهِ لِرَدِّ مِثْلِهِ وَأَخْذِ ثَمَنِهِ وَلَوْ كَانَ مُبْتَاعُهُ قَدْ غَابَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ لِرَدٍّ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُؤْخَذُ الثَّمَنُ مِنْ الْبَائِعِ فَيُبْتَاعُ بِهِ مِثْلُ طَعَامِهِ فَإِنْ قَصُرَ عَنْ مِقْدَارِ طَعَامِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْغَائِبَ مِمَّا نَقَصَ وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ وُقِفَ لِلْغَائِبِ يَأْخُذُهُ إنْ جَاءَ وَإِنْ كَانَ كَفَافًا أَجْزَأَ بَعْضُهَا
стр. 1319
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ صُكُوكًا خَرَجَتْ لِلنَّاسِ فِي زَمَانِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ مِنْ طَعَامِ الْجَارِ فَتَبَايَعَ النَّاسُ تِلْكَ الصُّكُوكَ بَيْنَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفُوهَا فَدَخَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَقَالَا أَتُحِلُّ بَيْعَ الرِّبَا يَا مَرْوَانُ فَقَالَ أَعُوذُ بِاَللَّهِ وَمَا ذَلِكَ فَقَالَا هَذِهِ الصُّكُوكُ تَبَايَعَهَا النَّاسُ ثُمَّ بَاعُوهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفُوهَا فَبَعَثَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ الْحَرَسَ يَتَتَبَّعُونَهَا يَنْزِعُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ وَيَرُدُّونَهَا إلَى أَهْلِهَا) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ طَعَامًا مِنْ رَجُلٍ إلَى أَجَلٍ فَذَهَبَ بِهِ الرَّجُلُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ الطَّعَامَ إلَى السُّوقِ فَجَعَلَ يُرِيهِ الصُّبَرَ وَيَقُولُ لَهُ مِنْ أَيُّهَا تُحِبُّ أَنْ أَبْتَاعَ لَك؟ فَقَالَ الْمُبْتَاعُ أَتَبِيعُنِي مَا لَيْسَ عِنْدَك فَأَتَيَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لِلْمُبْتَاعِ لَا تَبْتَعْ مِنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ وَقَالَ لِلْبَائِعِ
ــ
[المنتقى]
مِنْ بَعْضٍ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ صُكُوكًا خَرَجَتْ لِلنَّاسِ فِي زَمَنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ مِنْ طَعَامِ الْجَارِ فَتَبَايَعَ النَّاسُ تِلْكَ الصُّكُوكَ بَيْنَهُمْ الصُّكُوكُ الرِّقَاعُ مَكْتُوبٌ فِيهَا أُعْطِيَاتُ الطَّعَامِ وَغَيْرُهَا مِمَّا تُعْطِيهِ الْأُمَرَاءُ لِلنَّاسِ فَمِنْهَا مَا يَكُونُ بِعَمَلٍ كَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بِغَيْرِ عَمَلٍ كَالْعَطَاءِ لِأَهْلِ الْحَاجَةِ.
وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ جَوَازَ بَيْعِ طَعَامِ الْجَارِ وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ عَطَاءٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ صُكُوكِ الْجَارِ وَهِيَ عَطَايَا مِنْ طَعَامٍ إنَّمَا نُهِيَ مُبْتَاعُهَا وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ إنَّمَا أَنْكَرَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَمَنْ مَعَهُ بَيْعَ الْمُبْتَاعِ لَهَا وَلَمْ يُنْكِرْ الِابْتِيَاعَ مِمَّنْ خَرَجَتْ لَهُ الصُّكُوكُ لَمَّا ذَكَرْنَاهُ عَلَى أَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذِهِ الصُّكُوكُ تَبَايَعَهَا النَّاسُ ثُمَّ بَاعُوهَا فَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَرَاهِيَةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فَبَعَثَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ الْحَرَسَ يَنْتَزِعُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ وَيَرُدُّونَهَا إلَى أَهْلِهَا يَقْتَضِي أَنَّهَا تُرَدُّ إلَى مَنْ خَرَجَتْ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُهَا فَاقْتَضَى ذَلِكَ نَقْضَ الْبَيْعَتَيْنِ وَلَوْ نُقِضَ الثَّانِي خَاصَّةً لَقَالَ يَرُدُّونَهَا إلَى مَنْ ابْتَاعَهَا مِنْ أَهْلِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَتُحِلُّ الرِّبَا يَا مَرْوَانُ عَلَى سَبِيلِ الْإِغْلَاظِ مَعَ عِلْمِهِ بِاحْتِمَالِ مِثْلِ هَذَا مِنْهُ لِمَا ظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ وَشَاعَ قَدَّرَ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ ذَلِكَ أَوْ قَدْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَبْلُغَ فِي مِثْلِ حَالِهِ وَاهْتَبَلَ بِأَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَسَايَرَ وَسَأَلَ عَنْ أَدْيَانِهِمْ فِي بِيَاعَاتِهِمْ وَغَيْرِهَا وَقَوْلُ مَرْوَانَ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّنَصُّلِ وَالتَّبَرِّي مِنْ إحْلَالِ الرِّبَا ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ قَوْلِهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الصُّكُوكَ الَّتِي أَنْفَذَهَا لِلنَّاسِ بِالْجَارِ ابْتَاعَهَا النَّاسُ ثُمَّ بَاعُوهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفُوهَا فَنَصَّ عَلَى أَنَّ هَذَا مَعْنَى الرِّبَا الَّذِي أَنْكَرَ إحْلَالَهُ وَإِبَاحَتَهُ لِلنَّاسِ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعَتَانِ فِي طَعَامٍ لَمْ يَتَخَلَّلْهُمَا اسْتِيفَاءٌ وَمَا يَخْرُجُ فِي الصُّكُوكِ لَا يَكُونُ إلَّا مَكِيلًا مِنْ الطَّعَامِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَبَعَثَ مَرْوَانُ الْحَرَسَ يَنْتَزِعُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ يَرُدُّونَهَا إلَى أَهْلِهَا يَقْتَضِي نَقْضَ تِلْكَ الْبِيَاعَاتِ فَإِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَدُّ إلَى مَنْ خَرَجَتْ الصُّكُوكُ بِاسْمِهِ فَقَدْ نَقَضَ الْبَيْعَتَيْنِ بَيْعُ مَنْ اشْتَرَى مِنْهُمْ وَبَيْعُ مَنْ اشْتَرَى مِمَّنْ اشْتَرَى مِنْهُمْ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ إلَّا نَقْضُ الْبَيْعِ الثَّانِي عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِينَةِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أَبْتَعْ لَك قَفِيزَ حِنْطَةٍ بِدِينَارٍ عَلَى أَنْ أَبِيعَهُ مِنْك بِدِينَارَيْنِ.
وَقَدْ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ اشْتَرِ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِعَشَرَةٍ تَنْقُدُهَا وَهِيَ عَلَيَّ بِعِشْرِينَ إيجَابًا عَلَى الْآمِرِ فَفَعَلَ فَهَذَا زِيَادَةٌ فِي السِّلْعَةِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ مَا لَمْ يَفُتْ فَإِنْ فَاتَتْ لَزِمَتْ الْآمِرَ بِعَشْرَةٍ وَسَقَطَ مَا زَادَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ وَقَعَ لَزِمَتْ السِّلْعَةُ الْآمِرَ بِعَشْرَةٍ فَيُؤْمَرُ بِأَنْ يُعْطِيَهُ عَشْرَةً مُعَجَّلَةً وَيُعْطِيَهُ جُعْلَ مِثْلِهِ إنَّمَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ الثَّانِي فَهَذَا عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ يَرُدُّونَهَا إلَى أَهْلِهَا إلَى مَنْ خَرَجَتْ بِاسْمِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِأَهْلِهَا مُسْتَحِقَّ رُجُوعِهَا إلَيْهِ فَتُرَدُّ حِينَئِذٍ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ إلَى مَنْ ابْتَاعَهَا أَوَّلًا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 1320
لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك)
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ فِي رَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ طَعَامًا مِنْ رَجُلٍ إلَى أَجَلٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ وَصَفَ لَهُ طَعَامًا ظَنَّ الْمُبْتَاعُ أَنَّهُ عِنْدَهُ أَوْ أَرَاهُ طَعَامًا ظَنَّ أَنَّهُ عِنْدَهُ أَوْ قَالَ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ أَنَا أَبِيعُ مِنْك طَعَامًا فَاعْتَقَدَ الْمُبْتَاعُ أَنَّهُ عِنْدَهُ وَظَنَّ هُوَ أَنْ يَبِيعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَوْ عَلِمَ الْمُبْتَاعُ أَوَّلًا أَنَّهُ يَبِيعُهُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ كَمَا أَنْكَرَهُ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا أَرَاهُ عَيْنَ طَعَامٍ فَبَاعَهُ قَدْرًا مِنْهُ وَالْمُبْتَاعُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ عِنْدَهُ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ سَحْنُونٌ مِنْ سُؤَالِ حَبِيبٍ فِيمَنْ عَرَضَ قَمْحًا أَوْ زَيْتًا فِي يَدِهِ مِنْهُ فَجَاوَبَهُ رَجُلٌ مِنْهُ عَلَى أَقْفِزَةٍ مَعْلُومَةٍ ثُمَّ قَالَ مَا عِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ هُوَ لِغَيْرِي وَأَبَى أَنْ يَبِيعَ فَقَالَ إنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ لَا شَيْءَ عِنْدَهُ مِنْهُ وَأَنَّهُ لِغَيْرِهِ أَوَّلًا لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَقْفِزَةِ الَّتِي بَاعَ مِنْهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ بَيْعَهُ مِنْهُ لِقَدْرٍ مَعْلُومٍ إقْرَارٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ وَيَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ وَقَدْ اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِالِابْتِيَاعِ مِنْهُ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ لَازِمٌ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْ عَدَمِ مِلْكِهِ لَهُ مَا فِيهِ بَرَاءَةٌ لَهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَذَهَبَ بِهِ الرَّجُلُ إلَى السُّوقِ فَجَعَلَ يُرِيهِ الصُّبَرَ لِيَبْتَاعَ لَهُ مِنْ أَيُّهَا يُحِبُّ فَتَبَيَّنَ لِلْمُبْتَاعِ بِذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا بَاعَ مِنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ وَلَوْ كَانَ لَهُ لَمَا احْتَاجَ أَنْ يَبْتَاعَهُ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَالَ أَتَبِيعُنِي مَا لَيْسَ عِنْدَك وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدَ الرَّجُلِ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُعَيَّنٌ وَهُوَ الَّذِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمِ الْمَبِيعِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا كَالثَّوْبِ أَوْ الدَّابَّةِ أَوْ الْعَبْدِ أَوْ مُعَيَّنًا بِالْجُمْلَةِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ، وَأَمَّا مَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَاسْمُ السَّلَمِ أَخَصُّ بِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا وَلَا حَالًّا وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَيَتَعَلَّقُ الْمَنْعُ بِبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ بِالْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فَأَمَّا فِي السَّلَمِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ السَّلَمِ وَيَدْخُلُهُ الْمَنْعُ إذَا كَانَ مُعَجَّلًا أَوْ كَانَ مُعَيَّنًا لَيْسَ عِنْدَهُ.
وَأَمَّا الْبَيْعُ فَإِنَّهُ أَيْضًا مَمْنُوعٌ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّنَا قَدْ قُلْنَا إنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا وَيَكُونَ فِي مِلْكِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ وَكَانَ مُعَيَّنًا لَمْ يَصِحَّ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَخْلِيصُهُ وَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَخْلِيصِهِ لَمْ يُمْكِنْهُ تَسْلِيمُهُ وَمَا لَا يُمْكِنْ تَسْلِيمُهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْجَمَلِ الشَّارِدِ وَالطَّائِرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنَ مَاهَكَ «عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ سَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِي الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي فَأَبِيعُهُ مِنْهُ ثُمَّ أَبْتَاعَهُ مِنْ السُّوقِ قَالَ لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك» وَهَذَا عِنْدِي أَشْبَهُ إسْنَادًا وَرَدَ مَوْصُولًا لِهَذَا الْمَتْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا عِنْدَهُ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ غَائِبًا وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا فَأَمَّا الْعَيْنُ الْغَائِبَةُ فَقَدْ تَنْعَقِدُ الْمُعَاوَضَةُ فِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا عَلَى وَجْهِ الْمُغَابَنَةِ وَالْمُكَايَسَةِ وَالثَّانِي عَلَى وَجْهِ الْمُكَارَمَةِ وَالتَّفَضُّلِ فَأَمَّا مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُغَابَنَةِ وَالْمُكَايَسَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا بِصِفَتِهَا أَوْ بِرُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فِيهَا فَإِنْ كَانَ بِالصِّفَةِ الْمُسْتَوْعِبَةِ لِمَعَانِيهَا جَازَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَبِيعَاتِ وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الَّذِي يَقُولُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي تُرَابِ الْمَعَادِنِ أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُهُ بِالصِّفَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَا يُحَاطُ بِصِفَتِهِ وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ بَيْعَهُ بِالصِّفَةِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِ بَيْعِ الْبَرْنَامَجِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كُلُّ صِفَةٍ مَقْصُودَةٍ تَخْتَلِفُ الْأَغْرَاضُ بِاخْتِلَافِهَا وَتَتَفَاوَتُ الْأَثْمَانُ بِوُجُودِهَا وَعَدَمِهَا وَلَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ ذِكْرُ الْجِنْسِ وَالْعَيْنِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُلَامَسَةِ لَا يَعْرَى مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ وَمَعْرِفَةِ الْجِنْسِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا الرُّؤْيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَتْ تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ لَهَا بِأَمَدٍ قَرِيبٍ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَتْ بِأَمَدٍ بَعِيدٍ يُعْلِمُ أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ أَوْ
стр. 1321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْحَيَوَانَ لَا يَبْلُغُهُ إلَّا بَعْدَ التَّغَيُّرِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ إنَّهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي رَأَيْتهَا.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ أَوْ قَرِيبَهَا فَإِنْ كَانَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ عَلَى شَرْطِ النَّقْدِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَنْعِ الذَّرَائِعِ؛ لِأَنَّهُ إنْ سَلَّمَ إلَى الْأَجَلِ وَكَانَ عَلَى الصِّفَةِ كَانَ بَيْعًا وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الصِّفَةِ رُدَّ رَأْسُ الْمَالِ فَكَانَ سَلَفًا فَلَمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنْ الْغَرَرِ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ أَرْضًا أَوْ عَقَارًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالصِّفَةِ عَلَى شَرْطِ النَّقْدِ وَذَلِكَ أَنَّ السَّلَامَةَ فِيهَا هِيَ الْغَالِبَةُ فَذَهَبَ الْغَرَرُ مِنْ جِهَةِ مَا يُتَوَقَّعُ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا الْغَرَرُ فِيهَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْمَخَافَةُ مِنْ مُخَالَفَةِ الصِّفَةِ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إنَّمَا النَّقْدُ فِيهَا إذَا كَانَ الْوَاصِفُ غَيْرَ الْبَائِعِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ الْبَيْعِ فِي الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ الْبَعِيدَةِ عَلَى الصِّفَةِ فَمِنْ ضَمَانِ مَنْ هِيَ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهَا فَمَرَّةً قَالَ إنَّهَا مِنْ ضَمَانِ الْمُبْتَاعِ حَتَّى يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْبَائِعِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ حَتَّى يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ زَادَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْهُ رِوَايَةً ثَالِثَةً وَهِيَ أَنَّ ضَمَانَ الْحَيَوَانِ وَالْمَأْكُولِ وَمَا لَيْسَ بِمَأْمُونٍ عَلَى الْبَائِعِ وَضَمَانَ الدُّورِ وَالْعَقَارِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَجَعَلَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مَقَالَةً ثَالِثَةً وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهَا هِيَ الْمَقَالَةُ الثَّانِيَةُ اسْتَثْنَى فِيهَا الدُّورَ وَالْعَقَارَ مِنْ سَائِرِ الْمَبِيعَاتِ فِي الضَّمَانِ وَعَلَى ذَلِكَ رَوَاهَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَبَيَّنَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ مَعَ كَوْنِهِ مُتَمَيِّزًا عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَكَانَ ضَمَانُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَذَلِكَ إذَا عَلِمَ أَنَّ الصِّفَةَ صَادَفَتْهُ حَتَّى سَلِمَ ثُمَّ تَلِفَ مِنْ بَعْدُ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ تَوْفِيَةَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ فَلَمَّا لَمْ يُوَفِّهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ الْعِوَضَ وَالتَّلَفُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ بِيَدِ الْمُشْتَرِي، وَوَجْهُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَأْمُونِ وَغَيْرِ الْمَأْمُونِ أَنَّ الْمَأْمُونَ عَلَى ظَاهِرِ السَّلَامَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي كَالْحَاضِرِ وَلِأَنَّ النَّقْدَ لَمَّا جَازَ فِي غَيْرِ الْمَأْمُونِ دُونَ غَيْرِهِ دَلَّ عَلَى افْتِرَاقِهِمَا فِي حُكْمِ الضَّمَانِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفِي إلَّا أَحَدَ وَجْهَيْنِ الْمُخَالَفَةِ وَهِيَ مُخَالَفَةُ الصِّفَةِ وَهَذَا مِنْ مَعْنَى التَّدْلِيسِ بِالْعَيْبِ فَلَا يَمْنَعُ اشْتِرَاطَ النَّقْدِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ الْغَائِبُ عَلَى مَسِيرَةِ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ وَنَحْوِهِ جَازَ النَّقْدُ فِيهِ طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْمُعَاوَضَةُ عَلَى وَجْهِ الْمُكَارَمَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ مِثْلُ أَنْ يُوَلِّيَهُ مَا اشْتَرَى فِي يَوْمِهِ وَلَا يَصِفَهُ وَلَا يَذْكُرَ جِنْسَهُ مِنْ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ أَوْ الْعُرُوضِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ اشْتَرَيْت الْيَوْمَ شَيْئًا رَخِيصًا فَيَقُولَ أَرِنِي إيَّاهُ فَيَقُولَ نَعَمْ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَلْزَمُ الْبَائِعَ وَيَكُونُ الْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى التَّوْلِيَةِ الْمُكَارَمَةُ وَلَا غَرَرَ فِي هَذَا الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ عَلِمَ صِفَةَ مَا بَاعَ فَلَا غَرَرَ عَلَيْهِ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ فَلَا غَرَرَ عَلَيْهِ أَيْضًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ بِلَفْظِ التَّوْلِيَةِ فَأَمَّا إذَا كَانَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ الثَّمَنِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ لَهُ الْخِيَارُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ الْمُغَابَنَةُ وَالْمُكَايَسَةُ وَمِثْلُ هَذَا مِنْ الْعُقُودِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَنْعَقِدَ فِيمَا جُهِلَتْ صِفَتُهُ وَجِنْسُهُ فَإِذَا شُرِطَ الْخِيَارُ فَقَدْ صُرِّحَ بِالْمُكَارَمَةِ وَسَلِمَتْ جَنْبَةُ الْمُبْتَاعِ مِنْ الْغَرَرِ ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِلَى الْقُرْبِ مِنْ هَذَا أَشَارَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ إنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ وَلِلْمُبْتَاعِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ ابْتَاعَ عَيْنًا غَائِبَةً بِصِفَةٍ فَوَجَدَهَا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ لَزِمَتْهُ وَلَا خِيَارَ لَهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ بَيْعٌ مَوْصُوفٌ وُجِدَ عَلَى صِفَتِهِ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ كَالْمُسَلَّمِ فِيهِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُ عَيْنٍ غَائِبَةٍ بَعْدَ رُؤْيَةٍ وَلَا صِفَةٍ وَإِنْ شَرَطَ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ وَذُكِرَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ الْأُصُولِ وَإِلَى
стр. 1322
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَمِيلَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ إنِّي رَجُلٌ أَبْتَاعُ مِنْ الْأَرْزَاقِ الَّتِي يُعْطَى النَّاسُ بِالْجَارِ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أُرِيدُ أَنْ أَبِيعَ الطَّعَامَ الْمَضْمُونَ عَلَيَّ إلَى أَجَلٍ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ أَتُرِيدُ أَنْ تُوَفِّيَهُمْ مِنْ تِلْكَ الْأَرْزَاقِ الَّتِي ابْتَعْتَ فَقَالَ نَعَمْ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ)
ــ
[المنتقى]
هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ نَقْضُ شَرْطِهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا بَيْعٌ مَجْهُولُ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ حَالَ الْعَقْدِ فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ كَالسَّلَمِ إذَا عَرَا عَنْ الْوَصْفِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ لِلْمُبْتَاعِ لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ هُوَ الْقَائِلُ بِالْمَنْعِ مِنْ هَذَا الْبَيْعِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَصْدِيقِهِ ثُمَّ عَطَفَ عَلَى الْبَائِعِ فَقَالَ لَهُ لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك عَلَى وَجْهِ النَّهْيِ لَهُ وَالْإِخْبَارِ بِأَنَّ مَا اعْتَقَدَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ فِيهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمَا بِفَسْخٍ وَلَا رَدٍّ وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ وَلَوْ وَقَعَ مِنْهُمَا بَيْعٌ لَأَمَرَهُمَا أَوَّلًا بِرَدِّهِ ثُمَّ إمَّا أَنْ يُقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَتْبَعَهُ النَّهْيُ عَنْ مُوَاقَعَةِ مِثْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَقَدْ رَوَى عِيسَى فِي الْمُزَنِيَّة سَأَلْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الْعِينَةِ الْمَكْرُوهَةِ وَالْعِينَةِ الْجَائِزَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْعِينَةُ الْمَكْرُوهَةُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلَ لِيَبْتَاعَ مِنْهُ طَعَامًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ عُرُوضًا أَوْ مَتَاعًا إلَى أَجَلٍ فَيَقُولُ لَيْسَ عِنْدِي وَلَكِنْ أَرْبِحْنِي كَذَا وَكَذَا وَأَشْتَرِيهِ لَك فَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى الرِّبْحِ اشْتَرَى ذَلِكَ فَهَذِهِ الْعِينَةُ الْمَكْرُوهَةُ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ ذَهَبًا بِأَكْثَرَ مِنْهَا إلَى أَجَلٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَوْ قَالَ لَهُ مَا عِنْدِي ثَمَّ ذَهَبٌ فَاشْتَرَى مِثْلَ ذَلِكَ الْمُبْتَاعِ ثُمَّ لَقِيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ عِنْدِي مَا تُحِبُّ فَتَعَالَ أَبِيعُك قَالَ مَالِكٌ إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا هَذَا فَلَا بَأْسَ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُوَاعَدَةٌ أَوْ عَادَةٌ يَعْرِضُ لَهُ بِهَا وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَقُولَ لَهُ ارْجِعْ إلَيَّ قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ سَأَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَتَاعًا يَبْتَاعُهُ مِنْهُ إلَى أَجَلٍ وَلَمْ يَتَرَاوَضَا عَلَى رِبْحٍ فَلَقِيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَبَايَعَهُ عَلَى رِبْحٍ رَضِيَاهُ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ كَلَامِهِمَا لَكَانَ مَكْرُوهًا قَالَ وَلَا أَفْسَخُ بَيْعَ هَذَا وَلَا الَّذِي يَقُولُ ارْجِعْ إلَيَّ فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثُ مَسَائِلَ إذَا قَالَ لَهُ تَعَالَ أَشْتَرِيهِ لَك وَتُرْبِحُنِي كَذَا وَيَتَّفِقَانِ عَلَى ذَلِكَ فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَإِنْ وَقَعَ رُدَّ.
وَالثَّانِيَةُ أَنْ لَا يَتَّفِقَا عَلَى رِبْحٍ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ لَهُ ارْجِعْ إلَيَّ أَوْ يَقُولُ لَهُ سَأَفْعَلُ وَلَا يُوَافِقُهُ عَلَى رِبْحٍ مُقَدَّرٍ فَهَذَا مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مُضَارَعَةِ الْحَرَامِ وَمُشَابَهَتِهِ وَخَوْفِ الْمُوَاعَدَةِ أَوْ الْعَادَةِ فِيهِ فَهَذَا يُكْرَهُ ابْتِدَاءً وَإِنْ وَقَعَ لَمْ يُفْسَخْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَى فِي الظَّاهِرِ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْقِدْ مَعَهُ عَقْدًا يَلْزَمُهُ أَحَدُهُمَا لَمَّا لَمْ يُقَرِّرَا رِبْحًا وَالثَّالِثَةُ لَا يُرَاجِعُهُ بِشَيْءٍ يُطْعِمُهُ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ثُمَّ يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ فَهَذَا مُبَاحٌ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَشْتَرِي سِلْعَةً عَرَفَ نَفَاقَهَا وَرَجَا حِرْصَ النَّاسِ عَلَى شِرَائِهَا.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة: إنَّ الْعِينَةَ الْجَائِزَةَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْمَتَاعَ وَالْحَيَوَانَ وَالدَّوَابَّ وَالْعُرُوضَ وَيَعُدَّهَا لِمَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ وَلَا يُوَاعِدُ فِي ذَلِكَ أَحَدًا بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا يُعِدُّهَا لِكُلِّ مَنْ جَاءَ يَطْلُبُ الِابْتِيَاعَ مِنْهُ بِنَقْدٍ وَإِلَى أَجَلٍ فَهَذِهِ عِينَةٌ جَائِزَةٌ لَا كَرَاهِيَةَ فِيهَا.
(ش) : قَوْلُ جَمِيلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنِّي رَجُلٌ أَبْتَاعُ مِنْ الْأَرْزَاقِ الَّتِي يُعْطَى النَّاسُ بِالْجَارِ مَا شَاءَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ يَبْتَاعُهَا مِنْ أَرْبَابِهَا الَّذِينَ خَرَجَتْ لَهُمْ الصُّكُوكُ بِهَا إمَّا عَلَى صِفَةٍ يَصِفُونَهَا أَوْ عَلَى عَادَةٍ عَرَفُوهَا مِنْ طَعَامِ الصُّكُوكِ تَقُومُ مَقَامَ مَعْرِفَةِ الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ فَقَدْ يَكُونُ الطَّعَامُ الْكَثِيرُ الْمَجْلُوبُ مِنْ بَلَدٍ يَجْتَمِعُ فِي مَوْضِعٍ فَتَتَّفِقُ أَجْزَاؤُهُ وَتَتَقَارَبُ فَيَنْقُلُ مِنْهُ الْأَجْزَاءَ وَالْأَحْمَالَ وَمَا يُعْرَفُ بِهِ جِنْسُهُ إلَى مَا يَقْرَبُ مِنْهُ مِنْ الْبِلَادِ كَالْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ السَّلَامِ مِنْ الْجَارِ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ فَكَانَ جَمِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَشْتَرِيهَا مِنْهُمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
ثُمَّ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ النَّاسِ سَلَمًا فِي طَعَامٍ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يُوَفِّيَهُمْ مِنْهُ وَهَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ ذَلِكَ الطَّعَامُ يَأْخُذُ الْمُسَلَّمَ إلَيْهِ ذَلِكَ سَنَةً عِنْدَ الْأَجَلِ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ؛ لِأَنَّ جَمِيلَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
стр. 1323
(ص) : (مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا بُرًّا أَوْ شَعِيرًا أَوْ سُلْتًا أَوْ ذُرَةً أَوْ دَخَنًا أَوْ شَيْئًا مِنْ الْحُبُوبِ الْقُطْنِيَّةِ أَوَشَيْئًا مِمَّا يُشْبِهُ الْقُطْنِيَّةَ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْإِدَامِ كُلِّهَا الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَالْخَلِّ وَالْجُبْنِ وَاللَّبَنِ وَالشَّيْرَقِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأُدُمِ فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَيَسْتَوْفِيَهُ) .
مَا يُكْرَهُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَنْهَيَانِ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ حِنْطَةً بِذَهَبٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِالذَّهَبِ تَمْرًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ مَالِكٌ عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ الرَّجُلِ يَبِيعُ الطَّعَامَ مِنْ الرَّجُلِ بِالذَّهَبِ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِي بِالذَّهَبِ تَمْرًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ فَكَرِهَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ)
ــ
[المنتقى]
قَدْ ابْتَاعَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهُ ثُمَّ يَسْتَوْفِيَهُ الْمُبْتَاعَ مِمَّنْ هُوَ عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ هُوَ وَالثَّانِي أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ الْمُسَلَّمِ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقْبِضَهُ وَيُوَفِّيَهُ إيَّاهُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ لَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَلَا يُوَاعِدُ فِيهِ أَحَدًا وَلَا يَبِيعُ طَعَامًا يَنْوِي أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْهُ وَرَوَاهُ فِي الْمُزَنِيَّة أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ هُوَ جَائِزٌ وَلَا تَضُرُّهُ النِّيَّةُ كَمَا لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا يَنْوِي أَنْ يَقْتَضِيَ مِنْهُ مَا عَلَيْهِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ بَيْعَ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَالَى فِي هَذَا الطَّعَامِ عَقْدَيْ بَيْعٍ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا قَبْضٌ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْقَبْضُ بَعْدَ الْعَقْدَيْنِ وَهَذَا عِنْدِي إنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى الْبَائِعِ فِي خَاصَّتِهِ وَلَا يُفْسَخُ بِهَذَا عَقْدُ التَّبَايُعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَبَيَّنَهُ لَهُ فَهَذَا مَحْضُ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ وَهَذَا لَا يُجِيزُهُ أَشْهَبُ وَلَا غَيْرُهُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ طَعَامٌ وَلَمْ تَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ إلَى شِرَاءِ طَعَامٍ لَا يَقْبِضُهُ لَمْ يَضُرَّهُ أَنْ يَنْوِيَ بِشِرَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ أَنْ يُوَفِّيَ طَعَامًا قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ مِنْ سَلَمٍ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي جَوَازُهُ.
وَقَدْ رَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة سَأَلْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ عَمَّا كَرِهَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لِجَمِيلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حِينَ نَهَاهُ أَنْ يُوَفِّيَهُمْ مِنْ الْأَرْزَاقِ الَّتِي ابْتَاعَ فَقَالَ كَرِهَ الْإِضْمَارَ حِينَ أَضْمَرَ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنْهُ وَاتَّقَى فِيهِ بَيْعَ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَفِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلطَّالِبِ أَنْ يُرَاوِدَهُ عَلَى طَعَامٍ يَبْتَاعُهُ لِقَضَائِهِ أَوْ يَسْعَى لَهُ فِيهِ أَوْ يُعِينُهُ عَلَيْهِ أَوْ يَجْعَلُ لَهُ فِيهِ قَالَ نَهَى عَنْهُ مَالِكٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا بُرًّا أَوْ شَعِيرًا أَوْ سُلْتًا أَوْ ذُرَةً أَوْ دَخَنًا أَوْ شَيْئًا مِنْ الْحُبُوبِ الْقُطْنِيَّةِ أَوَشَيْئًا مِمَّا يُشْبِهُ الْقُطْنِيَّةَ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْإِدَامِ كُلِّهَا الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَالْخَلِّ وَالْجُبْنِ وَاللَّبَنِ وَالشَّيْرَقِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأُدُمِ فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَيَسْتَوْفِيَهُ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُقْتَاتِ لَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ وَإِنَّمَا قَصَدَ هَاهُنَا أَنْ يَذْكُرَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ جَمِيعَ الْمَطْعُومِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
[مَا يُكْرَهُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ]
(ش) : قَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ مَا يُكْرَهُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ أَدْخَلَ بَعْدَ ذَلِكَ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَلَيْسَ فِيهِ كَرَاهِيَةُ بَيْعِ الطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ وَإِنَّمَا فِيهِ كَرَاهِيَةُ أَخْذِ الْمَطْعُومِ مِنْ ثَمَنِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ النِّسَاءِ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ، وَأَمَّا بَيْعُهُ بِالنَّسِيئَةِ فَلَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى قَوْلِنَا أَنَّ عَقْدَيْ الذَّرِيعَةِ إذَا مَنَعَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا فِي صُورَةِ الْعَقْدِ الْوَاحِدِ الْمُحَرَّمِ فَإِنَّهُ يَجِبُ نَقْضُهُمَا إذَا بَاعَ حِنْطَةً بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ أَخَذَ بِثَمَنِ الْحِنْطَةِ تَمْرًا فَهُوَ فِي صُورَةِ بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالتَّمْرِ إلَى أَجَلٍ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ فَهَذَا بَيْعُ الطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ بُيُوعَ الطَّعَامِ مُخْتَلِفَةٌ مِنْهَا مَا يَجُوزُ وَمِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ وَأَنَّ هَذَا مِمَّا
стр. 1324
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا نَهَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَنْ لَا يَبِيعَ الرَّجُلُ حِنْطَةً بِذَهَبٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ بِالذَّهَبِ تَمْرًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ مِنْ بَائِعِهِ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ الْحِنْطَةَ فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالذَّهَبِ الَّتِي بَاعَ بِهَا الْحِنْطَةَ إلَى أَجَلٍ تَمْرًا مِنْ غَيْرِ بَائِعِهِ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ الْحِنْطَةَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ وَيُحِيلَ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ التَّمْرَ عَلَى غَرِيمِهِ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ الْحِنْطَةَ بِالذَّهَبِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِ التَّمْرِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا)
ــ
[المنتقى]
لَا يَجُوزُ مِنْهَا أَنْ يُبَاعَ بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَأْخُذَ بِالدَّرَاهِمِ تَمْرًا فَأَنَا أَعْتَقِدُ أَنَّهُ قَصَدَ بَيْعَ حِنْطَةٍ بِالدَّرَاهِمِ إلَى أَجَلٍ فَبَيْعُهُ لِطَعَامِهِ عَلَى ذَلِكَ بَيْعٌ مَكْرُوهٌ لِأَجْلِ الْأَجَلِ وَلَوْلَا الْأَجَلُ مَا حَرُمَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ بِثَمَنٍ ثُمَّ أَخَذَ فِيهِ تَمْرًا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا لَكَانَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي جَوَازَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَنَهْيُهُمْ عَنْ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ حِنْطَةً يَقْبِضُ بِثَمَنِهَا بَعْدَ افْتِرَاقِهِمَا تَمْرًا قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ أَنَّهُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ وَفِي ذَلِكَ مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نِسَاءً وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ إذَا بَاعَ طَعَامًا لَمْ يَأْخُذْ مِنْ ثَمَنِهِ طَعَامًا فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلَّا يَدًا بِيَدٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ مُقْتَاتٍ أَوْ غَيْرِ مُقْتَاتٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ بَاعَ مَطْعُومًا بِتَمْرٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ثَمَنِهِ طَعَامًا إلَّا فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ إلَى أَجَلٍ أَوْ بِالنَّقْدِ فَافْتَرَقَا مِنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ لَمْ يَجُزْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ طَعَامًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَجَازَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ مِنْ ثَمَنِ الطَّعَامِ طَعَامًا إذَا لَمْ يُفَارِقْهُ حَتَّى يَقْبِضَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ أَنَّ هَذَا أَخَذَ بِالطَّعَامِ طَعَامًا غَيْرَ يَدٍ بِيَدٍ فَلَمْ يَجُزْ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا بَاعَهُ الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ وَافْتَرَقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِ صِفَةِ الطَّعَامِ الَّذِي بَاعَ وَالثَّانِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ صِفَتِهِ فَأَمَّا أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ صِفَتِهِ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ، وَأَمَّا إنْ أَخَذَ مِنْهُ طَعَامًا عَلَى صِفَتِهِ فِي الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالْجَوْدَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَأْخُذَ مَكِيلَةَ مَا بَاعَ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ فَإِنْ أَخَذَ مَكِيلَتَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤَوَّلُ إلَى الْقَرْضِ وَهُوَ جَائِزٌ أَنْ يُسْلِفَ إرْدَبًّا مِنْ حِنْطَةٍ فِي مِثْلِهِ وَتَحْقِيقُ هَذَا أَنَّ كُلَّ مَا جَازَ لَك أَنْ تَدْفَعَ فِيهِ الْمَبِيعَ أَوَّلًا إلَى أَجَلٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ ثَمَنِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ لَك أَنْ تَدْفَعَهُ فَلَا يَجُوزُ لَك أَنْ تَأْخُذَهُ مِنْ ثَمَنِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ إنَّمَا هُوَ لِلذَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ نَفْسُ الْحَرَامِ.
(فَرْعٌ) وَإِنْ كَانَ مِقْدَارُ مَا أَخَذَ أَكْثَرَ مِنْ مِقْدَارِ مَا بَاعَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يُؤَوَّلُ إلَى أَنْ دَفَعَ إرْدَبَّ حِنْطَةٍ وَأَخَذَ عِوَضًا مِنْهُ بَعْدَ مُدَّةٍ إرْدَبَّيْنِ مِنْ صِفَتِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَإِنْ كَانَ أَخَذَ أَقَلَّ مِنْهُ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فَأَجَازَهُ مَرَّةً وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَأَبَاهُ أُخْرَى وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ.
فَوَجْهُ إجَازَتِهِ ضَعْفُ التُّهْمَةِ فِي تَسْلِيفِ الْكَثِيرِ فِي الْقَلِيلِ مِنْ جِنْسِهِ وَوَجْهُ الْمَنْعِ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ مَقْصُودٌ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ وَمَا تَخْتَلِفُ أَسْوَاقُهُ لِيَكُونَ فِي ذِمَّةِ الْمُسَلَّفِ إلَى أَجَلٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَا غَيْرَ مُتَمَاثِلَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الْجِنْسِ كَالْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ أَوْ فِي النَّوْعِ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْمَحْمُولَةِ وَالسَّمْرَاءِ أَوْ فِي الْجَوْدَةِ كَالْحِنْطَةِ الْجَيِّدَةِ بِالرَّدِيئَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا وَإِنْ أَخَذَ مِنْ الطَّعَامِ قَدْرَ مَا أَعْطَى أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْقَرْضِ لَمَّا بَيْنَ الْعِوَضَيْنِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ حُكْمِ الْقَرْضِ أَنْ يَكُونَا مُتَمَاثِلَيْنِ فَإِنْ تَجَاوَزَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ فِي النَّوْعِ أَوْ الْجَوْدَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْقِدَا الْقَرْضَ عَلَيْهِ جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَقْدَهُمَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُكَارَمَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّهُمَا تَعَاقَدَا عَلَى الْمُغَابَنَةِ وَالْمُكَايَسَةِ فَإِذَا وُجِدَ التَّفَاضُلُ فِي صِفَةٍ أَوْ نَوْعٍ أَوْ جِنْسٍ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْقَرْضِ لِمُنَافَاتِهِ لِمُقْتَضَاهُ وَحُمِلَ عَلَى مَا يُوَافِقُ مُقْتَضَاهُ فَوَجَبَ بِذَلِكَ الْفَسَادُ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا نَهَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَنْ لَا يَبِيعَ الرَّجُلُ حِنْطَةً بِذَهَبٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ بِالذَّهَبِ تَمْرًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ مِنْ بَائِعِهِ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ الْحِنْطَةَ فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالذَّهَبِ الَّتِي بَاعَ بِهَا الْحِنْطَةَ إلَى أَجَلٍ تَمْرًا مِنْ غَيْرِ بَائِعِهِ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ الْحِنْطَةَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ وَيُحِيلَ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ التَّمْرَ عَلَى غَرِيمِهِ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ الْحِنْطَةَ بِالذَّهَبِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِ التَّمْرِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا) .
(ش) :
стр. 1325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ النَّهْيَ إنَّمَا تَوَجَّهَ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْمَذْكُورِينَ إلَى مَنْ بَاعَ حِنْطَةً بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ ثُمَّ أَخَذَ بِثَمَنِهَا عِنْدَ الْأَجَلِ مِنْ مُبْتَاعِ الْحِنْطَةِ مِنْهُ تَمْرًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يُؤَوَّلُ إلَى أَنَّهُ بَاعَ حِنْطَةً بِتَمْرٍ إلَى أَجَلٍ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ وَبَاعَ مِنْ رَجُلٍ حِنْطَةً بِدِينَارٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ تَمْرًا عِنْدَ الْأَجَلِ بِدِينَارٍ وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ مِنْ ثَمَنِ الْحِنْطَةِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ قَالَ مَالِكٌ لَا أُحِبُّ أَنْ يَتَقَاضَيَا بَعْدَ ذَلِكَ وَيَرُدُّ التَّمْرَ الَّذِي اشْتَرَاهُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَلْ يُؤَدِّي دِينَارَ التَّمْرِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ ثَمَنَ قَمْحِهِ وَإِنْ رَدَّ إلَيْهِ ذَلِكَ الدِّينَارَ بِعَيْنِهِ كَمَا لَا تَسْتَعْمِلُ غَرِيمَك بِدَيْنِك عَلَيْهِ لَكِنْ تَسْتَعْمِلُهُ بِدِينَارٍ تَدْفَعُهُ إلَيْهِ ثُمَّ يَقْضِيك إيَّاهُ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَ شُبْهَةَ الذَّرِيعَةِ فَإِذَا نُقِضَ لَمْ يَبْقَ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ مَا يُفْسِدُهُ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الشُّبْهَةَ إنَّمَا تَتِمُّ بِالْمُقَاصَّةِ فَإِذَا مَنَعْنَا الْمُقَاصَّةَ وَأَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا عَلَيْهِ صَحَّ الْعَقْدَانِ وَهَذَا إنَّمَا يَسْتَمِرُّ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ مَمْنُوعَةً لِنَفْسِهَا أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ ثَمَنُ طَعَامٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ بِثَمَنِهِ تَمْرًا وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهِ الذَّرِيعَةِ فَتَكُونُ الْمُقَاصَّةُ حِينَئِذٍ مَمْنُوعَةً لِلذَّرِيعَةِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ فِي نَفْسِهَا مَمْنُوعَةً لِلذَّرِيعَةِ إلَى بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ فَتَكُونُ الْمُقَاصَّةُ حِينَئِذٍ ذَرِيعَةً إلَى الذَّرِيعَةِ فَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا عَلَى مَنْعِ ذَرِيعَةِ الذَّرِيعَةِ فَأَمَّا عَلَى تَجْوِيزِ ذَرِيعَةِ الذَّرِيعَةِ فَيَجِبُ أَنْ تَصِحَّ الْمُقَاصَّةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّنَا إنَّمَا مَنَعْنَا أَنْ يَأْخُذَ بِالتَّمْرِ تَمْرًا لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً إلَى بَيْعِ حِنْطَةٍ بِتَمْرٍ إلَى أَجَلٍ فَإِنْ مَنَعْنَا الْمُقَاصَّةَ فَإِنَّمَا نَمْنَعُهَا؛ لِأَنَّهَا ذَرِيعَةٌ إلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ثَمَنِ الْحِنْطَةِ تَمْرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَحَالَ مُشْتَرِي الطَّعَامِ بَائِعَهُ بِثَمَنِ الطَّعَامِ لَمْ يَجُزْ لِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ طَعَامًا وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ إلَّا مَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مُبْتَاعِ الطَّعَامِ مَالَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ بَاعَ طَعَامًا وَأَخَذَ فِي ثَمَنِهِ طَعَامًا كَمَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُبْتَاعِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالذَّهَبِ الَّذِي بَاعَ بِهَا حِنْطَةً تَمْرًا مِنْ غَيْرِ بَائِعِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ وَيُحِيلَهُ عَلَى مُبْتَاعِ الْحِنْطَةِ بِالذَّهَبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِقَدْرِ ذَلِكَ الذَّهَبِ تَمْرًا وَيَتَعَلَّقَ الثَّمَنُ بِذِمَّتِهِ ثُمَّ يُحِيلَهُ بِهِ عَلَى مُبْتَاعِ الْحِنْطَةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ تَمْرًا حَتَّى لَا يَتَعَلَّقَ ثَمَنُ التَّمْرِ بِذِمَّتِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ ثَمَنُ التَّمْرِ مَا لَهُ مِنْ الذَّهَبِ الَّتِي هِيَ ثَمَنُ الْحِنْطَةِ عَلَى مُبْتَاعِ الْحِنْطَةِ فَمَا أَرَاهُ أَرَادَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ ثَمَنِ الْحِنْطَةِ تَمْرًا فَكَأَنَّهُ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ حِنْطَةً بِتَمْرٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ يُحِيلُهُ عَلَيْهِ وَوَجْهُ جَوَازِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَنَّهُ اشْتَرَى تَمْرًا لَمْ يَأْخُذْهُ مِنْ ثَمَنِ الطَّعَامِ وَإِنَّمَا اشْتَرَاهُ بِعَيْنٍ مُتَعَلِّقٍ بِذِمَّتِهِ ثُمَّ أَحَالَهُ بِذَلِكَ التَّمْرِ عَلَى مُبْتَاعِ الْحِنْطَةِ وَذَلِكَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُحِيلَهُ مُبْتَاعُ الْحِنْطَةِ بِثَمَنِهَا عَلَى رَجُلٍ فَيَأْخُذَ مِنْهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ تَمْرًا فَلَمْ يُجَوِّزْهُ وَجَوَّزَ أَنْ يَبْتَاعَ التَّمْرَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ حَتَّى يَتَعَلَّقَ ثَمَنُ التَّمْرِ بِذِمَّتِهِ مَعَ كَوْنِ ذِمَّةِ مُبْتَاعِ الْحِنْطَةِ مَشْغُولَةً مِنْ ثَمَنِ حِنْطَةٍ آلَ إلَى تَمْرٍ لَا أَنَّ ثَمَنَ التَّمْرِ آلَ إلَى حِنْطَةٍ وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْحَوَالَةُ فِي ثَمَنَيْهِمَا بَعْدَ ثُبُوتِهِمَا فِي الذِّمَّةِ عَيْنًا، وَأَمَّا الَّذِي أَحَالَهُ مُبْتَاعُ الْحِنْطَةِ عَلَى رَجُلٍ فَأَخَذَ مِنْهُ بِثَمَنِهَا تَمْرًا فَإِنَّ ثَمَنَ الْحِنْطَةِ نَفْسَهُ آلَ إلَى تَمْرٍ فَيَفْسُدُ بِذَلِكَ.
(فَرْعٌ) وَلَوْ وَكَّلْتُ مَنْ يَقْبِضُ التَّمْرَ فَقَبَضَهُ فَأَتْلَفَهُ جَازَ لِي أَنْ آخُذَ مِنْهُ بِهِ طَعَامًا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا أَنَّ التُّهْمَةَ تَبْعُدُ فِي ضَيَاعِ الثَّمَنِ عِنْدَ الْوَكِيلِ وَتَغْرِيمِهِ إيَّاهُ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ لِلْبَائِعِ الثَّمَنُ عِنْدَ الْوَكِيلِ بِالتَّعَدِّي فَخَالَفَ حُكْمَ ثَمَنِ الطَّعَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى بَائِعِ الْحِنْطَةِ دَرَاهِمُ فَأَحَالَهُ بِهَا عَلَى مُبْتَاعِهَا لَمْ يَجُزْ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْمُحَالِ إلَّا مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى الْمُحِيلِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مُبْتَاعَ الْحِنْطَةِ دَفَعَ بِثَمَنِهَا حِنْطَةً فَفَسَدَ ذَلِكَ مِنْ جِهَتِهِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ
стр. 1326
السَّلَفُ فِي الطَّعَامِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يُسَلِّفَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي الطَّعَامِ الْمَوْصُوفِ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى مَا لَمْ يَكُنْ فِي زَرْعٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ أَوْ ثَمَرٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ)
ــ
[المنتقى]
هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا عَنْ مَالِكٍ وَهُمَا مِنْ جِهَةِ مَنْعِ الذَّرِيعَةِ ضَعِيفَانِ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ فِي التُّهْمَةِ أَنْ أَبِيعَ مِنْ رَجُلٍ حِنْطَةً لِيُحِيلَنِي بِالثَّمَنِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ عَلَى رَجُلٍ فَيَأْخُذَ مِنْهُ بِهِ تَمْرًا أَوْ أُحِيلُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ مَنْ يَأْخُذُ مِنْهُ بِهِ تَمْرًا.
وَقَدْ جَوَّزَ مَالِكٌ لِلْمُسَلِّمَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَنْ يَقْبَلَ أَحَدُهُمَا مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ السَّلَمِ دُونَ الْآخَرِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ أَحَدٌ أَنْ يُسْلِفَ لِمُبْتَاعِ غَيْرِهِ وَلَعَلَّهُ قَدْ مَنَعَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ وَالِاسْتِثْقَالِ لِلْمَسْأَلَةِ أَوْ يَكُونُ مَنَعَهُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَمْنُوعَتَانِ لِأَنْفُسِهِمَا لَا لِلذَّرِيعَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ ابْتَعْت مِنْهُ حِنْطَةً بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ أَخَذْت مِنْهُ كَفِيلًا فَدَفَعَ إلَيْك الْكَفِيلُ الثَّمَنَ أَوْ دَفَعَهُ إلَيْك رَجُلٌ مُتَبَرِّعًا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّنْ يَبْتَاعُ الْحِنْطَةَ طَعَامًا مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ وَمِنْ صِنْفِهِ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ حَكَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ فِي الْوَاضِحَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَكِيلَ وَالْمُتَبَرِّعَ أَقْرَضَا الْمُبْتَاعَ وَقَضَيَا عَنْهُ ثَمَنَ الطَّعَامِ وَاَلَّذِي لَهُمَا عِنْدَهُ لَيْسَ بِثَمَنِ الطَّعَامِ وَإِنَّمَا هُوَ مَا أَقْرَضَاهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يَفْتَقِرَا فِي الرُّجُوعِ عَلَى الْمُبْتَاعِ إلَى إحَالَةِ الْبَائِعِ وَفِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ إنَّمَا عَامَلَا الْبَائِعَ وَوَجَبَ لَهُمَا قِبَلَهُ مَا أَحَالَهُمَا بِهِ وَلَوْلَا إحَالَتُهُ مَا تَبَعَا الْمُبْتَاعَ بِدَيْنٍ لَهُمَا عَلَيْهِ فَصَارَ مَا يُطْلَبُ بِهِ الْمُبْتَاعُ هُوَ نَفْسُ ثَمَنِ الطَّعَامِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ اشْتَرَى لَك طَعَامًا لَا يَعْرِفُ كَيْلَهُ فَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إتْلَافِهِ لَهُ جَازَ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ إتْلَافُهُ لَهُ فَقَدْ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ فَلَا تُهْمَةَ فِي أَخْذِك بِالْقِيمَةِ طَعَامًا؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِيَارِ مَنْ لَهُ الطَّعَامُ وَالْمُتْلِفَ قَدْ تَيَقَّنَ لُزُومَ الْقِيمَةِ لَهُ وَلَوْ غَابَ عَلَيْهِ اُتُّهِمَ أَنْ يَكُونَ أَمْسَكَهُ وَدَفَعَ بِهِ طَعَامًا مَا سَوَاءٌ كَانَ الْإِتْلَافُ الْمَذْكُورُ بِحَرْفٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ انْتِفَاعِ الْمُتَعَدِّي بِهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[السَّلَفُ فِي الطَّعَامِ وَفِيهِ أَبْوَاب]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي كَوْنُ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِالذِّمَّةِ وكونه مَوْصُوفًا]
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ لَا بَأْسَ أَنْ يُسَلِّفَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي الطَّعَامِ الْمَوْصُوفِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مَوْصُوفًا؛ لِأَنَّ السَّلَفَ يَكُونُ بِمَعْنَى الْقَرْضِ وَيَكُونُ بِمَعْنَى السَّلَمِ فَأَمَّا الْقَرْضُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى وَصْفٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ إلَّا مِثْلَ مَا أَعْطَى فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ بِهِ هَاهُنَا الْقَرْضَ، وَأَمَّا السَّلَمُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مَوْصُوفًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْرَفَ إلَّا بِالْوَصْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا وَإِنَّمَا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِالذِّمَّةِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَلِلسَّلَمِ سِتَّةُ شُرُوطٍ وَنَحْنُ نُفْرِدُ لِكُلِّ شَرْطٍ مِنْهَا بَابًا فَالْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِالذِّمَّةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ (الْبَابُ الثَّانِي فِي كَوْنِهِ مَوْصُوفًا) .
وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيَهُ مَا سَلَّمَ إلَيْهِ فِيهِ فَيَقُولُ لَهُ أُسَلِّمُ إلَيْك فِي مِثْلِ هَذَا فَهَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ فِيمَنْ أَسْلَمَ فِي زَيْتٍ أَيَأْخُذُ مِنْ غَيْرِهِ وَيَطْبَعُ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْ صِفَتِهِ قَالَ لَا يَصْلُحُ قَالَ أَصْبَغُ إذَا كَانَ مَضْمُونًا لَمْ يَصْلُحْ ذَلِكَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ بِعَيْنِهِ غَائِبًا فَجَائِزٌ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ خَلْفَ مِثْلِهِ وَفِي السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ أَسْلَمَ فِي ثَوْبٍ أَيُرِيهِ ثَوْبًا فَيَقُولُ لَهُ عَلَى صِفَةِ هَذَا أَوْ يَجْتَزِئُ بِصِفَتِهِ قَالَ إنْ أَرَاهُ فَحَسَنٌ وَإِلَّا أَجْزَأَتْهُ الصِّفَةُ فَمَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ ذَلِكَ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ وَهُوَ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْجَوَازِ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ يَقْتَضِي تَجْوِيزَهُ
стр. 1327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ وَتَجْوِيزَهُ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
فَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ اعْتِبَارَ صِفَاتِ الْمِثْلِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ وَعَلَى جَمِيعِ أَوْصَافِهِ وَهَذَا مُتَعَذِّرٌ لَا يَكَادُ أَنْ يُوجَدَ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمِثْلُ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ عَلَى الْمُقَارَبَةِ وَإِذَا بَعُدَ هَذَا فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَهُوَ فِي الثِّيَابِ أَبْعَدُ وَهُوَ فِي الْحَيَوَانِ أَبْعَدُ مِنْهُ فِي الثِّيَابِ وَوَجْهُ إبَاحَتِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ وَصْفُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ بِأَوْصَافٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فَإِذَا أَرَادَهُ مَا يُسَلِّمُ إلَيْهِ فِي مِثْلِهِ فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مِنْ مُمَاثَلَتِهِ تِلْكَ الصِّفَاتُ الَّتِي لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِخْلَالُ فِي السَّلَمِ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا يَلْزَمُ ذِكْرُهَا فِي السَّلَمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَصِفَهُ بِصِفَاتِهِ الَّتِي يُوصَفُ بِهَا عَلَى السَّلَامَةِ مِمَّا يَخْتَلِفُ ثَمَنُهُ بِاخْتِلَافِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَصِفَهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي ثَمَنِهِ وَلَا يُوجِبُ رَغْبَةً فِيهِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَا لَمْ يُضْبَطْ بِصِفَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ وَأَنْ يَخْتَلِفَ فِيمَا يُضْبَطُ بِالصِّفَةِ فَمِنْ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يُقْرَضَ وَيُسَلَّمَ فِيهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ قَرْضًا وَلَا سَلَمًا وَلَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ أَحَدُهَا أَنْ تَدُلَّ عَلَى نَفْسِ الْمَسْأَلَةِ وَالثَّانِي أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْحَيَوَانَ يُضْبَطُ بِالصِّفَةِ وَالثَّالِثُ أَنْ تَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الْقَرْضِ وَالسَّلَمِ فِيهِ الْحَدِيثُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا مِنْ الْأَصْلِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَجَاءَتْهُ إبِلُ الصَّدَقَةِ قَالَ أَبُو رَافِعٍ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ فَقُلْت لَمْ أَجِدْ فِي الْإِبِلِ إلَّا جَمَلًا خِيَارًا رُبَاعِيًّا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْطِهِ إيَّاهُ فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَا جَازَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ مَهْرًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا سَلَمًا وَقَرْضًا كَالثِّيَابِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يُضْبَطُ بِالصِّفَةِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتُهَا لِزَوْجِهَا» كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَا صَحَّ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُضْبَطَ بِالصِّفَةِ كَالثِّيَابِ وَدَلِيلُنَا عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ أَنَّ الْحَيَوَانَ مَعْنًى يَكُونُ بَدَلًا عَنْ سَلَفٍ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ كَالطَّعَامِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ حُكْمِهِ أَنْ يَقُولَ فَارِهًا وَإِنَّمَا يَصِفُهُ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا فَإِذَا أَتَاهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ لَزِمَهُ أَخْذُهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي اللَّحْمِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنَعَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مِمَّا يُضْبَطُ بِالصِّفَةِ فَيُذْكَرُ مَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَغْرَاضُ بِاخْتِلَافِهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ لَحْمُ ضَأْنٍ أَوْ مَاعِزٍ وَيُوصَفُ بِالسَّمَانَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَوْصَافِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا تَفْرِيقًا بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَاخْتِلَافِ الْأَسْنَانِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُؤَثِّرًا فِي الثَّمَنِ لَزِمَ ذِكْرُهُ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ يَذْكُرُ مَوْضِعَ اللَّحْمِ مِنْ الْحَيَوَانِ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ لَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَإِنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنْ اخْتَلَفَتْ الْأَغْرَاضُ بِمَوَاضِعَ مِنْ الشَّاةِ مِنْ صَدْرٍ أَوْ فَخِذٍ أَوْ جَنْبِهِ ذَكَرَهُ.
فَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ امْتِزَاجِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ دُونَ تَفْصِيلٍ وَإِنْ اخْتَارَ بَعْضُ النَّاسِ مَكَانًا مِنْهُ عَلَى مَكَان فَعَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطَابَةِ لَهُ وَغَيْرُهُ يَخْتَارُ غَيْرَ ذَلِكَ الْمَكَانِ كَمَا يَخْتَارُ مِنْ جِنْسِ التَّمْرِ آحَادَ أَعْيَانِهِ مَعَ تَسَاوِيهِ فِي الصِّفَةِ وَوَجْهُ قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّ مَا اخْتَلَفَ الْأَغْرَاضُ فِيهِ لَزِمَ بَيَانُهُ كَالْجِنْسِ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا السَّمَانَةُ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبِ وَابْنُ الْمَوَّازِ لَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ سَمِينًا فَإِنْ ذَكَرَ وَسَطًا مِنْ السَّمَانَةِ فَحَسَنٌ وَإِلَّا أَجْزَأَهُ أَنْ يَقُولَ سَمِينًا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَكُونُ لَهُ السِّمَنُ وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ النَّاسِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ السِّمَنَ وَالْهُزَالَ مِمَّا يَخْتَلِفُ الْغَرَضُ وَالثَّمَنُ فِي اللَّحْمِ بِاخْتِلَافِهِ حَتَّى أَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ السِّمَنِ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ أَضْعَافُ مَا لِلْكَثِيرِ مِنْ الْمَهْزُولِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِهِ بِالصِّفَةِ فَيَصِفُ مَا يُسَلِّمُ فِيهِ بِالسِّمَنِ وَالْهُزَالِ فَإِذَا مَيَّزَهُ بِهَذَا الِاسْمِ أَجْزَأَهُ عَنْ أَنْ يَذْكُرَ قَدْرَ السَّمَانَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
стр. 1328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَالسَّلَمُ فِي الْأَكَارِعِ وَالرُّءُوسِ جَائِزٌ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ اللَّحْمِ وَيَحْتَاجُ مِنْ الصِّفَاتِ إلَى كُلِّ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ اللَّحْمُ وَيَذْكُرُ مَعَ ذَلِكَ كِبَارًا أَوْ صِغَارًا أَوْ مُتَوَسِّطَةً إذَا سَلَّمَ فِيهَا عَدَدًا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي الدُّرَرِ وَالْفُصُوصِ خِلَافًا لِلشَّافِعَيَّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ مِمَّا يُدْرَكُ بِالصِّفَةِ فَيُوصَفُ لَوْنُهُ وَصَفَاؤُهُ وَصُورَتُهُ مِنْ طَوِيلٍ أَوْ مُدَحْرَجٍ وَإِمْلَاسٍ وَتَضْرِيسٍ وَوَزْنُهُ وَمَا جَرَى مَجْرَى هَذَا مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي تَخْتَلِفُ الْأَغْرَاضُ فِيهِ بِاخْتِلَافِهَا وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ قَدْ يَكُونُ بَيْنَ الْأَبْيَضِ الصَّافِي فِي الْمُدَحْرَجِ الَّذِي وَزْنُهُ دِرْهَمٌ وَبَيْنَ آخَرَ يُوصَفُ بِهَذَا الْوَصْفِ تَفَاوُتٌ فِي الثَّمَنِ فَإِنَّ الْجَارِيَةَ الَّتِي تُوصَفُ بِالْبَيَاضِ وَالطُّولِ وَامْتِلَاءِ الْجِسْمِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَارِيَةٍ أُخْرَى لَا تُوصَفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ تَفَاوُتٌ فِي الثَّمَنِ.
وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِي الرَّقِيقِ.
(مَسْأَلَةٌ) يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ ثَمَنًا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِيهَا سَلَمًا كَالثِّيَابِ وَالطَّعَامِ.
(فَصْلٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَا تَقَعُ بِهِ الْمُعَاوَضَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ضَرْبٌ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِ السَّلَمِ فِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَضَرْبٌ مُتَّفَقٌ عَلَى مَنْعِ السَّلَمِ فِيهِ وَهُوَ تُرَابُ مَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُضْبَطُ بِصِفَةٍ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ ذَلِكَ تُرَابَ مَعَادِنِ الْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُحْتَاجُ فِي إخْرَاجِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ إلَى عَمَلٍ، وَأَمَّا مَا يَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مَوْجُودًا عَلَى هَيْئَتِهِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَجُوزَ؛ لِأَنَّ السَّلَمَ حِينَئِذٍ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْكُحْلِ وَذَلِكَ مِمَّا يُضْبَطُ بِالصِّفَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَضَرْبٌ مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِيهِ كَالْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْحُبُوبِ وَمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ مِنْ غَيْرِ الْمَطْعُومِ فَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ السَّلَمِ فِي الْحِنْطَةِ فَإِنْ كَانَ بِبَلَدٍ يَخْتَلِفُ فِيهِ جِنْسُهَا فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ حَيْثُ يَحْصُلُ النَّوْعَانِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُجْلَبُ إلَيْهِ الصِّنْفَانِ فَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ يَحْصُلُ الصِّنْفَانِ كَالْأَنْدَلُسِ الَّتِي يَقْرَبُ فِيهَا أَحَدُهُمَا وَرُبَّمَا اجْتَمَعَتْ فِي الْمَنْبَتِ وَالْمَحْصَدِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَصِفَهُ بِجِنْسِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَصِفَهُ بِذَلِكَ إذَا ذَكَرَ الْجَوْدَةَ وَالرَّدَاءَةَ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي عَلَى الْمَذْهَبِ خِلَافُ هَذَا أَنْ يَبْطُلَ السَّلَمُ بِتَرْكِ ذِكْرِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بِالْأَنْدَلُسِ بِاخْتِلَافِ نَوْعِ الطَّعَامِ اخْتِلَافًا بَيِّنًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ يُجْلَبُ إلَيْهِ الْجِنْسَانِ كَالْجَارِ وَالْحِجَازِ فَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ السَّلَمِ أَنْ يَصِفَهَا بِنَوْعِهَا وَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ إنَّمَا يَكُونُ فِيهِ النَّوْعُ الْوَاحِدُ كَمِصْرِ الَّتِي حِنْطَتُهَا كُلُّهَا بَيْضَاءُ مَعَ السَّلَامَةِ وَالشَّامِ الَّتِي حِنْطَتُهَا سَمْرَاءُ فَهَلْ يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْجِنْسِ أَمْ لَا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا لَا يَلْزَمُ ذِكْرُ الْجِنْسِ وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ لَا بُدَّ بِمِصْرَ مِنْ ذِكْرِ الْجِنْسِ رَوَاهَا ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْهُ وَجْهُ الرَّوِيَّةِ الْأُولَى أَنَّ السَّلَمَ يَخْتَصُّ بِبَلَدِ الْعَقْدِ مَعَ الْإِطْلَاقِ فَإِذَا كَانَ جِنْسُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْ ذِكْرُهُ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ تَخْتَلِفُ أَجْنَاسُهُ فَإِذَا وَجَبَ ذِكْرُ صِفَاتِهِ وَجَبَ ذِكْرُ أَجْنَاسِهِ كَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ حَيْثُ تَخْتَلِفُ أَجْنَاسُهَا.
(فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَلَمْ يَذْكُرْ الْجِنْسَ فَهَلْ يُفْسَخُ أَمْ لَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُفْسَخُ وَقَالَ أَصْبَغُ لَا يُفْسَخُ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ هَذِهِ مَوْضِعٌ يَلْزَمُ فِيهِ ذِكْرُ الْجِنْسِ فَوَجَبَ أَنْ يُفْسِدُ السَّلَمَ الْإِخْلَالُ بِهِ كَالْمَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْجِنْسَانِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْبَلَدِ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ وَعَلَيْهِ يَجِبُ حَمْلُ السَّلَمِ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِذِكْرِ الْجِنْسِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِظْهَارِ وَرَفْعِ الْإِشْكَالِ فَإِذَا أَخَلَّ بِذِكْرِهِ وَكَانَ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَعَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ مَعَ ذَلِكَ جَيِّدًا أَوْ وَسَطًا أَوْ رَدِيئًا؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ يَخْتَلِفُ فَيَكُونُ مِنْهُ الْجَيِّدُ وَالْوَسَطُ وَالرَّدِيءُ وَذَلِكَ مِمَّا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِاخْتِلَافِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ
стр. 1329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَهَلْ يُفْسِدُ الْعَقْدَ تَرْكُ ذَلِكَ أَمْ لَا وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ السَّلَمُ حَيْثُ يَحْصُلُ الطَّعَامُ فَيَفْسُدُ السَّلَمُ؛ لِأَنَّ فِي مَوْضِعِ مَحْصَدِهِ يَكُونُ الْجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ فَيَخْتَلِفُ بِذَلِكَ الثَّمَنُ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ وَإِذَا كَانَ مَوْضِعُ الْعَقْدِ يُجْلَبُ إلَيْهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُفْسَخُ وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا إنَّهُ يُفْسَخُ عَلَى الْإِطْلَاقِ مَتَى لَمْ يَصِفْهُ بِالْجَوْدَةِ وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ غَالِبَ أَمْرِ الطَّعَامِ تَسَاوِيهِ حَيْثُ يُجْلَبُ إلَيْهِ فِي السُّفُنِ كَالْحِجَازِ وَجَدَّةَ؛ لِأَنَّهُ يُخْلَطُ فِي السُّفُنِ وَيَتَسَاوَى فَلَا يُفْسِدُ السَّلَمَ تَرْكُ ذِكْرِ الْجَوْدَةِ؛ لِأَنَّ غَالِبَهُ مُتَسَاوٍ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ طَعَامَ السُّفُنِ يَخْتَلِفُ فَيَكُونُ بَعْضُهُ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ وَيَكُونُ مِنْ طَعَامِ الْحِجَازِ وَجُدَّةَ مَا يُجْلَبُ فِي الْفُقَاعِ فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الطَّيِّبِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْجَوْدَةِ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فَمَا الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ مِنْ الْقَمْحِ مَعَ إطْلَاقِ الصِّفَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَلْزَمُهُ الْوَسَطُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ فِيهِ إطْلَاقُ الصِّفَةِ رَجَعَ مِنْهُ إلَى غَالِبِهِ أَوْ وَسَطِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَالِبٌ رَجَعَ مِنْهُ إلَى الْوَسَطِ وَكَانَ يَجِبُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ حَبِيبٍ إنْ كَانَ لَهُ غَالِبٌ أَنْ يَلْزَمَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَالِبٌ أَنْ لَا يَصِحَّ السَّلَمُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُجْزِئُهُ مِنْ الصِّفَةِ بِالْجَوْدَةِ أَنْ يَقُولَ جَيِّدًا وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَقُولَ غَايَةً فِي الْجَوْدَةِ قَالَهُ أَصْبَغُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ إلَّا مَا قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْعَطَّارِ مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنْ الصِّفَةِ بِالْجَوْدَةِ أَنْ يَقُولَ جَيِّدًا حَتَّى يَقُولَ غَايَةَ الْجَوْدَةِ وَأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَصِفْهُ بِالْغَايَةِ بَطَلَ السَّلَمُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ صِفَةَ السَّلَمِ لَا تَبْلُغُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَوْصُوفِ مَبْلَغَ الرُّؤْيَةِ لَهُ وَإِنَّمَا يَبْلُغُ بِهِ مُعْظَمَ مَقَاصِدِهِ وَيُجْزِئُ فِي صِفَاتِ الرَّقِيقِ أَنْ يَقُولَ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا وَلَا يَلْزَمُ غَايَةَ الطُّولِ فَإِنْ وَصَفَهُ بِسَوَادِ الْعَيْنِ فَلَا يَلْزَمُ غَايَةَ السَّوَادِ وَإِنْ وَصَفَ الثَّوْبَ بِالرِّقَّةِ فَلَا يَلْزَمُ غَايَةَ الرِّقَّةِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ هَذَا يَبْطُلُ بِالْمُتَوَسِّطِ فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ غَايَتَهُ وَلَا يُقَالُ غَايَةَ التَّوَسُّطِ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّ مَا قَالَهُ أَقْرَبُ إلَى الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ بِغَايَةِ الطِّيبِ مَا لَا يُوجَدُ أَطْيَبُ مِنْهُ فَهَذَا يَتَعَذَّرُ وُجُودُهُ وَلَا يَكَادُ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى تَخْلِيصِهِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ السَّلَمِ فِيهِ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ غَايَةٌ فِي الطِّيبِ وَأَنَّهُ يُوجَدُ مِثْلُهُ وَأَفْضَلُ مِنْهُ مِمَّا يُوصَفُ بِغَايَةِ الطِّيبِ لَزِمَهُ فِي الِاخْتِلَافِ فِيهِ مَا يَلْزَمُ فِي وَصْفِهِ الطِّيبُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يُجْزِئُ وَصْفُهُ بِجَيِّدٍ وَوَسَطٍ وَرَدِيءٍ دُونَ ذِكْرِ الْغَايَةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ لَهُ الْعَامُّ مِنْ الْجَيِّدِ وَلَيْسَ لَهُ الْخَاصُّ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْجَيِّدِ خَاصٌّ بَالِغٌ فِي الْجَوْدَةِ وَالطِّيبِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا لِمَنْ شَرَطَهُ وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَا دَفَعَهُ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ صِفَةُ السَّلَمِ لَزِمَ الْمُسَلِّمَ قَبْضُهُ فَإِذَا أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي جَيِّدٍ وَأَتَى بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الِاسْمُ لَزِمَهُ قَبْضُهُ وَكَذَلِكَ الْوَسَطُ وَالرَّدِيءُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَيْبٌ مِنْ غَيْرِ الْخِلْقَةِ الْمُعْتَادَةِ مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَتَصِفُهُ بِالنَّقَاءِ وَالْغَلْثِ أَوْ التَّوَسُّطِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَلْزَمُ الْقَمْحَ وَيَخْتَلِفُ ثَمَنُهُ بِاخْتِلَافِهِ فَإِنْ أَخَلَّ بِذَلِكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْجَوْدَةَ أَوْ التَّوَسُّطَ أَوْ الرَّدَاءَةَ فَهَلْ يَبْطُلُ السَّلَمُ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَبْطُلُ السَّلَمُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْغَلْثَ عَيْبٌ فَلَا يَلْزَمُ ذِكْرُ السَّلَامَةِ مِنْهُ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّ الْغَلْثَ لَا يَكَادُ أَنْ يَخْلُوَ طَعَامٌ مِنْهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي التَّمْرِ وَالرُّطَبِ فَإِنْ كَانَ بِبَلَدٍ لَا تَخْتَلِفُ أَنْوَاعُهُ فِيهِ وَوُصِفَ بِالْجَوْدَةِ أَوْ التَّوَسُّطِ أَوْ الرَّدَاءَةِ فَعَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْحِنْطَةِ وَيَدْخُلُهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا يَدْخُلُ فِي الْحِنْطَةِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ وَصْفُهُ بِالنَّقَاءِ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ لَا غَلْثَ فِيهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ وَصْفُهُ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْحَشْفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ فِيهِ وَيَسْلَمُ أَكْثَرُ التَّمْرِ مِنْهُ وَيَلْزَمُ إلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ غَيْرَ الْحَشْفِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الِاسْمِ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ إلَّا الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يَسْتَبِدُّ التَّمْرُ مِنْهُ فِي الْأَغْلَبِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ بِبَلَدٍ تَخْتَلِفُ أَنْوَاعُهُ مِنْهُ فَإِنَّ وَصْفَهُ بِالنَّوْعِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ وَهَذَا حُكْمُ الزَّبِيبِ وَالْفُولِ وَالْحِمَّصِ وَسَائِرِ
стр. 1330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْقَطَانِيِّ وَالْحُبُوبِ وَالزَّيْتُونِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا السَّلَمُ فِي الثِّيَابِ عَلَى اخْتِلَافِ أُصُولِهَا مِنْ حَرِيرٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ فَأَنْ يَصِفَ صِقَالَتَهُ وَخِفَّتَهُ وَرِقَّتَهُ وَجِنْسَهُ وَأَصْلَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ وَزْنَهُ وَلَا أَنْ يَقُولَ جَيِّدًا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ تَحْقِيقُ الْوَزْنِ مَعَ اشْتِرَاطِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ فَإِذَا وَفَّاهُ الْمِقْدَارَيْنِ مِنْ ذَلِكَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالصَّفَاقَةِ فَقَدْ أَوْفَاهُ حَقَّهُ وَدَخَلَ فِيهِ قَدْرُ الْوَزْنِ وَمَا يَقْرَبُ مِنْهُ فَأَمَّا تَحْقِيقُهُ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مُقَدَّرًا]
وَهُوَ مِمَّا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ دُونَهُ؛ لِأَنَّ السَّلَمَ فِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ جُزَافًا غَيْرَ مُقَدَّرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِهِ إلَّا بِالتَّقْدِيرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُشَاهَدَةُ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَيَّزُ مِنْ غَيْرِهِ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ وَالتَّعْيِينِ لَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَا كَانَ مِنْ الْمَكِيلِ يُقَدَّرُ بِالْكَيْلِ وَمَا كَانَ مِنْ الْمَعْدُودِ يُقَدَّرُ بِالْعَدَدِ وَمَا كَانَ مِنْ الْمَوْزُونِ يُقَدَّرُ بِالْوَزْنِ وَمَا كَانَ يَتَقَدَّرُ بِالذَّرْعِ كَالثِّيَابِ وَنَحْوِهَا يُقَدَّرُ بِالذَّرْعِ وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ اللَّحْمَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ بِالتَّحَرِّي كَمَا يُبَاعُ الْخُبْزُ بِالْخُبْزِ تَحَرِّيًا وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمَوَازِينِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الْإِمْكَانِ إنَّمَا قَصَدَ بِالتَّحَرِّي التَّخَاطُرَ وَالْحَزْرَ الَّذِي يُنَافِي السَّلَمَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى جَوَازِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ تَحَرِّيًا وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ مُفَسَّرًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا صُوفُ الْغَنَمِ فَإِنَّهُ يَتَقَدَّرُ بِالْوَزْنِ دُونَ عَدَدِ الْجَزَزِ؛ لِأَنَّ الْجَزَزَ تَخْتَلِفُ فَمِنْهَا الْكَبِيرَةُ وَالصَّغِيرَةُ وَلَهُ مِقْدَارٌ مَعْرُوفٌ فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْبَيْضُ فَلَا يَتَقَدَّرُ بِوَزْنٍ وَلَا كَيْلٍ فَلَا يُسَلَّمُ فِيهِ إلَّا بِالْعَدَدِ حَكَى ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَأَمَّا الرُّمَّانُ وَالسَّفَرْجَلُ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ تُبَاعُ عَدَدًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانَ الْكَيْلُ فِيهَا مَعْرُوفًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُسَلَّمُ فِيهَا عَدَدًا أَوْ كَيْلًا وَلَا يُسَلَّمُ فِيهَا وَزْنًا قَالَ وَيَذْكُرُ مِقْدَارَهُ.
فَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الَّذِي جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي بَيْعِهَا هُوَ الْعَدَدُ وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِغَيْرِهِ وَكَانَ مَجْهُولًا فِيهَا وَأَيْضًا فَإِنَّ كَثِيرَهَا لَا يَكَادُ يَتَأَتَّى فِيهِ كَيْلٌ وَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ وَالتَّوَسُّطِ فَإِنَّ الْأَغْرَاضَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعَدَدَ إنَّمَا يَتَقَدَّرُ بِهِ مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ التَّسَاوِي وَالتَّسَاوِي قَلِيلٌ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْفَوَاكِهِ وَهِيَ الرُّمَّانُ وَالسَّفَرْجَلُ وَالتُّفَّاحُ فَكَانَ الْعَدَدُ فِيهَا مِنْ أَبْوَابِ الْخَطَرِ فَأَمَّا صَغِيرُ التُّفَّاحِ فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَا عَظُمَ مِنْهُ وَمِنْ الرُّمَّانِ وَالسَّفَرْجَلِ فَالْعَدَدُ فِيهِ أَظْهَرُ كَالْأُتْرُجِّ وَإِنْ كَانَ يَجْرِي فِي بَعْضِ الْبِلَادِ بِالْوَزْنِ كَانَ ذَلِكَ أَظْهَرَ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْبِطِّيخُ وَالْقِثَّاءُ وَالْخِيَارُ وَالْمَوْزُ وَالْكُمَّثْرَى وَرُءُوسُ الْغَنَمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
، وَأَمَّا الْجَوْزُ فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ اخْتِلَافِ قَوْلِهِمْ فِي الرُّمَّانِ وَوَجْهُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَالْوَجْهَانِ مُمْكِنَانِ ظَاهِرَانِ وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبِ بِجَوَازِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِ جَائِزٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
، وَأَمَّا مَا صَغُرَ مِنْ الْفَاكِهَةِ كَعُيُونِ الْبَقَرِ وَالْمِشْمِشِ وَالْقَرَاسْيَا وَالزُّعْرُورِ وَالْمُضَارِعِ فَإِنَّهُ يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ وَالْأَحْمَالُ وَفِي كَثِيرٍ مِنْهُ الْعَدَدُ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يُسَلَّمُ فِيهِ فِي كُلِّ بَلَدٍ عَلَى عُرْفِهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
، وَأَمَّا مَا صَغُرَ وَكَانَ مِمَّا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ كَاللَّوْزِ وَالْبُنْدُقِ وَقُلُوبِ الصَّنَوْبَرِ فَإِنَّهُ لَا يُسَلَّمُ فِيهِ إلَّا كَيْلًا حَكَى ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ وَلَا يُسَلَّمُ فِيهِ عَدَدًا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ بَيِّنٌ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ تَلْحَقُ بِعَدَدِهِ لِصِغَرِهِ وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْلُ أَوْ الْوَزْنُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عُرْفَهُ بِبَلَدِ السَّلَمِ حُمِلَ عَلَيْهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
، وَأَمَّا التَّمْرُ وَالْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَسَائِرُ الْحُبُوبِ الَّتِي تُدَّخَرُ فَبِالْكَيْلِ وَلَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ عُرْفُ الْبِلَادِ مَا لَمْ تُطْحَنْ فَإِذَا طُحِنَتْ فَخَلَصَ قَلْبُ الْأَرْزِ وَدَقِيقُ الْحِنْطَةِ أَوْ جَرِيشُهَا فَإِنَّ عُرْفَهُ بِمُعْظَمِ الْبِلَادِ الْوَزْنُ وَعُرْفَهُ بِمَدِينَةِ الرَّسُولِ
стр. 1331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
ﷺ الْكَيْلُ وَيَجِبُ أَنْ يُقَدَّرَ فِي السَّلَمِ بِعُرْفِ بَلَدِ السَّلَمِ فَإِنَّ غَيْرَهُ مَجْهُولٌ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُبَاعُ طَعَامٌ بِقَصْعَةٍ أَوْ قَدْحٍ غَيْرِ مِكْيَالِ النَّاسِ وَهُوَ فَاسِدٌ غَيْرُ جَائِزٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَمَا يُسَلَّمُ فِيهِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ أَوْ أَشَدَّ وَقَالَ أَشْهَبُ هُوَ مَكْرُوهٌ فَإِنْ وَقَعَ لَمْ يُفْسَخْ وَقَالَ غَيْرُهُ يُفْسَخُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْحَطَبُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُسَلَّمُ فِيهِ وَزْنًا أَوْ أَحْمَالًا وَحُزُمًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعْمَلَ مِنْ ذَلِكَ بِكُلِّ بَلَدٍ عَلَى مَا جَرَى عُرْفُ بَيْعِ ذَلِكَ الْجِنْسِ بِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
، وَأَمَّا الْجُذُوعُ وَالْخَشَبُ فَإِنَّهَا تَتَقَدَّرُ بِالذَّرْعِ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالِارْتِفَاعِ؛ لِأَنَّهُ الْغَرَضُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَمَّا الْبُقُولُ وَالْقَصِيلُ فَإِنَّهَا تَتَقَدَّرُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِالْحُزُمِ وَالْقَبْضِ وَالْأَحْمَالِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَقَدَّرَ بِذَرْعِ الْأَرْضِ وَجَوَّزَ ذَلِكَ أَشْهَبُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْهُ وَاحْتَجَّ ابْنُ الْقَاسِمِ لِلْمَنْعِ بِأَنَّ صَفَاقَتَهُ وَخِفَّتَهُ لَا تُضْبَطُ بِالصِّفَةِ وَهَذَا عَلَى صِحَّتِهِ نَاقِصُ الْعِبَارَةِ وَبَيَانُهُ أَنَّ مَا تَقَدَّرَ مِنْ ذَلِكَ بِذَرْعِ الْأَرْضِ يَخْتَصُّ بِأَرْضٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ حَوْمَةٍ مُعَيَّنَةٍ مُتَقَارِبَةٍ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ وَالثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ فَإِذَا تَعَيَّنَتْ الْبُقْعَةُ لَمْ يَجُزْ السَّلَمُ فِيمَا يَثْبُتُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ وَإِنْ تَعَيَّنَتْ الْحَوْمَةُ لَمْ يَجُزْ السَّلَمُ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْقِرْبَةِ الصَّغِيرَةِ وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي التَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ فَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ السَّلَمُ فِي شَيْءٍ مِنْ الثِّيَابِ بِذَرْعِ الْأَرْضِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُسَلَّمُ فِي الثِّيَابِ كُلِّهَا بِالذَّرْعِ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَقَدَّرُ إلَّا بِهِ فَإِنْ شَرَطَ ذِرَاعَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَقَدْ أَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ خِيفَ أَنْ يَغْبِنَ أَخَذَ مِنْهُ مِقْدَارَ ذِرَاعِهِ إلَى أَنْ يَجِيءَ أَجَلُ السَّلَمِ فَإِنْ شَرَطَا ذِرَاعًا وَلَمْ يُعَيِّنَا ذِرَاعَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَقَدْ رَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُحْمَلُ عَلَى ذِرَاعٍ وَسَطٍ قَالَ أَصْبَغُ هُوَ اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ الْفَسْخُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الذِّرَاعَ مَا لَمْ يُعَيَّنْ يُعَلَّقُ بِالْوَسَطِ وَصَحَّ بِذَلِكَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ لِلْعَقْدِ وَجْهٌ مِنْ الصِّحَّةِ حُمِلَ عَلَيْهِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ مَجْهُولٌ وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ وَهَذَا فِي الْبِلَادِ الَّتِي لَيْسَ لِأَهْلِهَا ذِرَاعٌ مُعَيَّنٌ جَرَى عُرْفُ التَّبَايُعِ بِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ ذِرَاعٌ مُقَدَّرٌ كَذِرَاعِ الرَّشَّاشِ لِأَهْلِ قُرْطُبَةَ وَالذِّرَاعِ الْمَالِكِيِّ بِبَعْضِ الْبِلَادِ حُمِلَ الْمُتَعَاقِدَانِ مَعَ إطْلَاقِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ السَّلَمُ مُؤَجَّلًا]
أَمَّا الشَّرْطُ الرَّابِعُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ السَّلَمَ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مُؤَجَّلٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ يَجُوزُ أَنْ يُسَلَّمَ إلَى يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَزَادَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَوْ يَوْمٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَخْرِيجِ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّ ذَلِكَ رِوَايَةٌ فِي جَوَازِ السَّلَمِ الْحَالِّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّ الْأَجَلَ شَرْطٌ فِي السَّلَمِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي مِقْدَارِ الْأَجَلِ وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَجَلِ أَنَّ مَا اخْتَصَّ بِالسَّلَمِ فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ كَعَدَمِ التَّعْيِينِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ مُعَاوَضَةٌ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا التَّأْجِيلُ كَالْبَيْعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالسَّلَمُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ يُقْضَى بِبَلَدِ السَّلَمِ وَضَرْبٌ يُقْضَى بِغَيْرِهِ فَأَمَّا مَا يُقْضَى بِبَلَدِ الْعَقْدِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مِقْدَارِ أَجَلِ السَّلَمِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجُوزُ إلَّا إلَى الْأَجَلِ الَّذِي تَخْتَلِفُ فِي مِثْلِهِ الْأَسْوَاقُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَالْعِشْرِينَ يَوْمًا وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا بَأْسَ بِهِ إلَى الْيَوْمِ الْوَاحِدِ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إلَى الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ إلَى أَيِّ أَجَلٍ كَانَ قَرُبَ أَوْ بَعُدَ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ إلَّا إلَى الْأَجَلِ الَّذِي تَخْتَلِفُ فِي مِثْلِهِ الْأَسْوَاقُ.
فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ السَّلَمَ لَمَّا اقْتَضَى الْأَجَلَ لِئَلَّا يُتَيَقَّنَ فِيهِ انْتِفَاعُ الْمُسَلَّمِ لِمُشَابَهَةِ الْغَرَضِ احْتَاجَ أَنْ يَكُونَ إلَى أَمَدٍ تَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَسْوَاقُ فَإِنْ خَرَجَ عَنْ
стр. 1332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
هَذَا عَدِمَ شَرْطَ الصِّحَّةِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ فَاسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ أَصْلُ ذَلِكَ مِقْدَارُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا وَلَا تَخْتَلِفُ أَسْوَاقُهَا فَلَوْ كَانَ اعْتِبَارُ مُدَّةٍ تَتَغَيَّرُ فِيهَا أَسْوَاقُ الْعُرُوضِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ السَّلَمِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ السَّلَمُ فِي الْعَيْنِ وَلَوَجَبَ أَنْ تَخْتَلِفَ آجَالُ السَّلَمِ بِاخْتِلَافِ السِّلَعِ فَإِنَّ مِنْ السِّلَعِ مَا يَكْثُرُ تَغَيُّرُ أَسْوَاقِهِ كَالطَّعَامِ وَنَحْوِهِ وَمِنْهَا مَا يَنْدُرُ ذَلِكَ فِيهَا كَالْجَوْهَرِ وَالْيَاقُوتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ مَا قُلْنَاهُ فَاَلَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ تَغَيُّرَ الْأَسْوَاقِ فِي ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِمُدَّةٍ مِنْ الزَّمَانِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى حَسَبِ عُرْفِ الْبِلَادِ وَمَنْ قَدَّرَ ذَلِكَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّمَا قَدَّرَ عَلَى عُرْفِ بَلَدِهِ وَتَقْدِيرُ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَلِكَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَعِشْرِينَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ هَذَا عُرْفُ الْبِلَادِ وَمُقْتَضَى مَا عُلِمَ مِنْ أَسْوَاقِهَا فَإِنَّهُ يَغْلِبُ تَغَيُّرُهَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَعُرْفُ مِصْرَ كَعُرْفِ غَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَوَجْهُ الْأَجَلِ فِي الْبِيَاعَاتِ أَنْ يُبَيِّنَ بِمَا يُمْكِنُ تَبْيِينُهُ بِهِ وَجَرَتْ بِمِثْلِهِ الْعَادَةُ فَيَقُولُ إلَى أَوَّلِ شَهْرِ كَذَا أَوْ إلَى آخِرِهِ أَوْ إلَى يَوْمِ كَذَا مَضَتْ مِنْهُ أَوْ بَقِيَتْ مِنْهُ فَإِنْ قَالَ إلَى شَهْرِ كَذَا فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ يَحِلُّ بِأَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ فَأَمَّا إنْ قَالَ يُوَفِّيهِ فِي شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا فَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَطَّارِ مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا إنَّ هَذَا ضَعِيفٌ وَلَيْسَ بِأَجَلٍ مَحْدُودٍ وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ مَا بَيْنَ أَوَّلِ الشَّهْرِ إلَى آخِرِهِ غَيْرَ أَنَّ السَّلَمَ لَا يُنْتَقَضُ بِذَلِكَ وَيُكْرَهُ بَدْءًا فَإِنْ وَقَعَ مَضَى وَنَفَذَ وَفِي هَذَا الْقَوْلِ نَظَرٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجُوزُ أَنْ يُسَلِّمَ إلَى الْجِدَادِ وَالْحَصَادِ وَمَنَعَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا أَجَلٌ مُعَلَّقٌ بِوَقْتٍ مِنْ الزَّمَانِ مَعْلُومٍ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ أَجَلًا فِي السَّلَمِ وَالْبُيُوعِ الْمُؤَجَّلَةِ أَصْلُهُ إذَا أَجَّلَهُ بِسَنَةٍ أَوْ بِشَهْرٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجُوزُ فِي الْآجَالِ إلَى خُرُوجِ الْعَطَاءِ إذَا كَانَ وَقْتُ الْعَطَاءِ مَعْرُوفًا لَا يَخْتَلِفُ وَالْمُرَادُ بِهِ وَقْتُ خُرُوجِ الْعَطَاءِ فَإِذَا حَلَّ ذَلِكَ الْوَقْتُ حَلَّ الْأَجَلُ خَرَجَ الْعَطَاءُ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ وَكَذَلِكَ تَأْجِيلُهُمْ إلَى قُدُومِ الْحَاجِّ وَالْكَلَامُ فِيهِ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
، وَأَمَّا مَا يَقْتَضِي تَغَيُّرَ بَلَدِ السَّلَمِ فَإِنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْأَجَلِ قَالَ مُحَمَّدٌ يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ حَالًّا وَهَذَا تَجَوُّزٌ فِي عِبَارَةٍ؛ لِأَنَّ قَطْعَ مُدَّةِ تِلْكَ الْمَسَافَةِ أَجَلٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْأَجَلَ وَحَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ أَسْلَمَ فِي طَعَامٍ حَالٍّ يُؤَجَّلُ بِالرِّيفِ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَنَّهُ جَائِزٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَسْوَاقِ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ كَاخْتِلَافِهَا بَعْدَ الْآجَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ يُجَهِّزُونَ الْأَمْتِعَةَ إلَى الْبِلَادِ رَجَاءَ اخْتِلَافِ الْأَسْوَاقِ كَمَا يُؤَخِّرُونَ السِّلَعَ إلَى الْأَجَلِ وَجَازَ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حَرَّرْنَا فِيهِ قِيَاسًا فَنَقُولُ إنَّ هَذَا مَعْنَى عُرْفِهِ بِتَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ فَجَازَ السَّلَمُ إلَيْهِ كَالْأَجَلِ الْبَعِيدِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ عَقَدَا عَلَى ذَلِكَ عَقْدًا صَحِيحًا وَجَبَ عَلَى الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ الْخُرُوجُ إلَى مَكَانِ الْقَضَاءِ مَتَى بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مِقْدَارٌ تُقْطَعُ فِيهِ الْمَسَافَةُ فَإِنْ أَبَى مِنْ الْخُرُوجِ أُجْبِرَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ أَوْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْضِي الْمُسَلَّمَ مَا سُلِّمَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ وَلَا طَرِيقَ لَهُ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِالْخُرُوجِ إلَى مَوْضِعِهِ أَوْ الِاسْتِنَابَةِ فِي ذَلِكَ بِالتَّوْكِيلِ.
(فَرْعٌ) فَهَلْ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ الْوَكِيلَ بَعْدَ أَنْ قَصَدَ خَارِجًا إلَى مَوْضِعِ التَّسْلِيمِ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ إنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ تَوْكِيلُهُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَضْمَنَ الْوَكِيلُ الْمُسَلَّمَ فِيهِ لِجَوَازِ أَنْ يَعْزِلَهُ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ فَيَبْطُلُ سَفَرُ الْمُسَلِّمُ أَوْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَنْ سَلَّمَ إلَيْهِ حَقَّهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ لَيْسَ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ عَزْلُهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُسَلِّمِ بِهَذِهِ الْوَكَالَةِ كَمَا يَقُولُ فِي التَّوْكِيلِ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ وَكَمَا يَقُولُ فِي الْوَكِيلِ عَلَى الْخُصُومَةِ إذَا تَقَيَّدَتْ عَلَيْهِ الْمَقَالَاتُ لَمْ يَكُنْ لِمُوَكِّلِهِ عَزْلٌ إلَّا بِرِضَا مَنْ يُخَاصِمُهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْوَكَالَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ جَازَ
стр. 1333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْأَجَلَ وَوَجَدَ الْمُسَلِّمُ الْمُسَلَّمَ إلَيْهِ بِغَيْرِ بَلَدِ التَّسْلِيمِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ عَيْنًا أَوْ غَيْرَ عَيْنٍ فَإِنْ كَانَ عَيْنًا كَانَ لَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ حَيْثُ وَجَدَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَيْنٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى بَلَدِ التَّسْلِيمِ أَوْ يُوَكِّلَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تَخْتَلِفُ أَسْوَاقُهَا وَهِيَ أُصُولُ الْأَثْمَانِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ فَتَسَاوَتْ حَالُهُمَا فِي الْبِلَادِ وَالْأَزْمَانِ، وَالْعُرُوضُ تَخْتَلِفُ أَسْوَاقُهَا وَلَيْسَتْ بِأُصُولٍ فِي الْأَثْمَانِ وَلَا قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ فَتَخْتَلِفُ قِيمَتُهَا بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ وَالْأَزْمَانِ فَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ يُسَلِّمَهُ وَلَا أَنْ يُسَلِّمَ مِنْهُ بِغَيْرِ بَلَدِ السَّلَمِ وَلِذَلِكَ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ عَيْنٍ جَازَ أَنْ يُعَجِّلَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ وَيَلْزَمُ مَنْ هُوَ لَهُ قَبْضُهُ وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ غَيْرِ عَيْنٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُعَجِّلَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ إلَّا بِرِضَا مَنْ هُوَ لَهُ وَمِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الْأَجَلِ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ مَوْضِعُ تَسْلِيمِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَذْكُرَا مَوْضِعَ التَّسْلِيمِ لِزَوَالِ التَّخَاصُمِ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَيَدْخُلَانِ عَلَى مَعْلُومٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ حُكْمَهُ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَمَنْ سَلَّفَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَوْضِعَ الْقَضَاءِ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ وَهَذَا مِمَّا لَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ ذِكْرَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ بِبَلَدِ الْعَقْدِ كَمَا يَقْتَضِي إطْلَاقُ الْبَيْعِ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ لَا يَذْكُرَا مَوْضِعَ التَّسْلِيمِ أَوْ يَذْكُرَاهُ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَاهُ لَزِمَ الْمُسَلَّمَ إلَيْهِ دَفْعُهُ فِي بَلَدِ عَقْدِ السَّلَمِ وَلَزِمَ الْمُسَلِّمَ قَبْضُهُ هُنَاكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ التَّسْلِيمُ مِنْهُ وَقَدْ شَرَطَا بَلَدَ التَّسْلِيمِ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطَاهُ وَلَزِمَ ذَلِكَ لِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ فَإِنْ كَانَ لِتِلْكَ السِّلْعَةِ سُوقٌ بِذَلِكَ الْبَلَدِ كَانَ ذَلِكَ السُّوقُ مَوْضِعَ تَسْلِيمِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَخَصُّ بِقَاعِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا سُوقٌ فَإِنَّ الْمُسَلَّمَ إلَيْهِ يُوَفِّيهِ حَيْثُ شَاءَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَوَّازِ وَقَالَ سَحْنُونٌ يُوَفِّيهَا بِدَارِ الْمُسَلِّمِ كَانَ لَهَا سُوقٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَفِي سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمَا إنْ أَقَرَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَتَّخِذَا مَوْضِعًا فَإِنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ حَيْثُ قُبِضَتْ الدَّرَاهِمُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَوْضِعَ الْعَقْدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بَلَدَ النَّقْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ تَعْيِينِ الْبَلَدِ وَتَعْيِينُهُ يَقْتَضِي تَسْلِيمَهُ إلَيْهِ بِحَيْثُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ ذَلِكَ الْبَلَدِ كَمَا أَنَّ إطْلَاقَ اسْمَ الْجَوْدَةِ يَقْتَضِي أَنَّ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ دَفْعَ مَا شَاءَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الِاسْمُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَيْضًا فَإِنَّ رَأْسَ الْمَالِ لَمَّا كَانَ مَحَلُّ دَفْعِهِ مَوْضِعَ سُوقِهِ وَمُعْظَمُ نَفَاذِهِ وَمَوَازِينِهِ كَأَنَّهُ نَفْسُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ يَكُونُ تَسْلِيمُهُ بِمَوْضِعِ سُوقِهِ وَأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِصِفَاتِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَلَى الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ إيصَالُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ اقْتَضَى ذَلِكَ إيصَالَهُ إلَى مَنْزِلِهِ كَحَمْلِ الْحَطَبِ وَالْمَاءِ لَمَّا كَانَ عَلَى بَائِعِهِ إيصَالُهُ لَزِمَهُ إيصَالُهُ إلَى مَنْزِلِ الْمُبْتَاعِ لَهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا إطْلَاقَ الْعَقْدِ وَادَّعَى الثَّانِي اشْتِرَاطَ مَوْضِعٍ غَيْرِ مَوْضِعِ السَّلَمِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي إطْلَاقِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ ادَّعَى خِلَافَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا شَرَطَا مَوْضِعًا لِلْقَضَاءِ وَاخْتَلَفَا فِي تَعْيِينِهِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا مَوْضِعَ عَقْدِ السَّلَمِ وَادَّعَى الثَّانِي غَيْرَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي مَوْضِعِ السَّلَمِ لِمُوَافَقَتِهِ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْعَقْدِ وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعًا لِلْقَبْضِ أُحْلِفَا وَفُسِخَ بَيْنَهُمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْقَضَاءِ مَحْدُودًا بِحَدٍّ يَقْرَبُ كَالْفُسْطَاطِ أَوْ الْفَيُّومِ أَوْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَأَمَّا إنْ تَبَاعَدَتْ أَقْطَارُهُ كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْأَنْدَلُسِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ إنَّ مِصْرَ مَا بَيْنَ نَجْدٍ إلَى أُسْوَانَ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مِنْ تَبَاعُدِ الْأَقْطَارِ وَتَفَاوُتِ الْأَسْفَارِ لِتَبَاعُدِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعًا لِقَبْضِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَعُودُ لِجَهَالَةِ مَوْضِعِ الْقَبْضِ وَخَطَرِ الْغَرَرِ فِيهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[الْبَابُ الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمَ فِيهِ مَوْجُودًا حِينَ الْأَجَلِ] ١
стр. 1334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
(الْبَابُ الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمَ فِيهِ مَوْجُودًا حِينَ الْأَجَلِ)
، وَأَمَّا الشَّرْطُ الْخَامِسُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمَ فِيهِ مَوْجُودًا حِينَ الْأَجَلِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ حُلُولَ الْأَجَلِ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الْمُسَلَّمِ فِيهِ فَإِذَا كَانَ مَعْدُومًا حِينَ الْأَجَلِ لَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ السَّلَمِ وَالْبَيْعِ التَّمَكُّنُ مِنْ التَّسْلِيمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ حَانَ الْأَجَلُ وَعُدِمَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ بِجَائِحَةٍ اسْتَأْصَلَتْهُ أَوْ غَفْلَةٍ مِنْ مُسَلِّمِهِ حَتَّى فَاتَ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حِينَ الْعَقْدِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ مِنْ شَرْطِ السَّلَمِ أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ مَوْجُودًا حِينَ السَّلَمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ وَقْتٌ لَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ التَّسْلِيمَ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ وُجُودَ الْمُسَلَّمِ فِيهِ أَصْلُ ذَلِكَ الزَّمَانُ الَّذِي بَيْنَ وَقْتِ الْعَقْدِ وَانْقِضَاءِ الْأَجَلِ.
[الْبَابُ السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ نَقْدًا] ١
(الْبَابُ السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ نَقْدًا إلَخْ)
، وَأَمَّا الشَّرْطُ السَّادِسُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ نَقْدًا أَوْ فِي حُكْمِ النَّقْدِ فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالذِّمَّةِ وَتَأَخُّرِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَكَانَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مُؤَجَّلًا إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ وَثَمَنُهُ مُؤَجَّلًا فِي الذِّمَّةِ إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَبْضُهُ فِي مَجْلِسِ السَّلَمِ أَفْضَلُ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ قَبْضُهُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ بِالشَّرْطِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا إنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ السَّلَمِ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ التَّأْخِيرَ فِيهِ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ لِمَعْنًى فِي الْعِوَضِ وَإِنَّمَا هُوَ مَمْنُوعٌ لِمَعْنًى فِي الْعَقْدِ لِئَلَّا يَكُونَ مِنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ وَالْمُسَلَّمُ فِيهِ مِنْ شَرْطِهِ التَّأْجِيلُ وَالثَّمَنُ مِنْ شَرْطِهِ التَّعْجِيلُ فَكَمَا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ بِتَأْخِيرِ الْقَبْضِ عَنْ الْمَجْلِسِ وَلَا بِتَأْخِيرِهِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَلَا يَكُونُ لَهُ بِذَلِكَ حُكْمُ الْكَالِئِ فَكَذَلِكَ الثَّمَنُ الَّذِي مِنْ شَرْطِهِ التَّعْجِيلُ لَا يُفْسِدُهُ التَّأَخُّرُ عَنْ مَجْلِسِ الْقَبْضِ وَلَا بِتَأَخُّرِهِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَلَا يَدْخُلُ بِذَلِكَ فِي حُكْمِ الْكَالِئِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَأَخُّرُهُ بِشَرْطٍ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَيَجِبُ أَنْ يُفْصَلَ ذَلِكَ فَعَلَى قَوْلِنَا يَجُوزُ السَّلَمُ إلَى أَجَلِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَا يَجُوزُ تَأَخُّرُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ هَذَا الْمِقْدَارَ وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَبْضُهُ بِالشَّرْطِ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ مَا يَقْرَبُ مِنْهُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ السَّلَمَ لَا يَجُوزُ إلَّا إلَى الْأَجَلِ الْبَعِيدِ الَّذِي تَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِهِ الْأَسْوَاقُ صَحَّ أَنْ يَقُولَ بِتَأْخِيرِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ هَذِهِ الْمُدَّةَ لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّأْجِيلِ وَلَوْ كَانَ لَهُ حُكْمُ التَّأْجِيلِ لَجَازَ تَأَخُّرُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ إلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا تَأَخُّرُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ إلَى أَجَلِ السَّلَمِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَيْنًا أَوْ غَيْرَ عَيْنٍ فَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ مَرَّةً يُفْسِدُ السَّلَمَ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ لَا يُفْسِدُ السَّلَمَ مَا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَجْهُ الْقَوْلِ بِفَسَادِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى التَّعَاقُدِ عَلَى الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهَا إلَيْهِ آلَ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ عَقْدَهُمَا سَلِمَ مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَهَذَا مِمَّا لَا يُفْسِدُهُ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ إنْ تَعَمَّدَ أَحَدُهُمَا تَأْخِيرَ رَأْسِ الْمَالِ لَمْ يَفْسُدْ السَّلَمُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ أَحَدُهُمَا فَسَدَ السَّلَمُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فَرَّ لِيُفْسِدَ السَّلَمَ فَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ صَحِيحًا وَتَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ لِلثَّانِي أَنْ يَنْفَرِدَ بِإِفْسَادِهِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِنَا إنَّ الْفَارَّ مِنْ الْأَدَاءِ فِي الصَّرْفِ لَا يُبْطِلُ الصَّرْفَ وَإِذَا لَمْ يَفِرَّ أَحَدُهُمَا فَقَدْ رَضِيَا بِإِفْسَادِهِ فَيَجِبُ أَنْ يَفْسُدَ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِتَأْخِيرِ رَأْسِ الْمَالِ إذَا كَانَ عَيْنًا إلَى أَجَلٍ فَبَانَ لَا يَبْطُلُ إذَا كَانَ عَرَضًا مُعَيَّنًا أَوْلَى وَأَحْرَى؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَبْطُلُ بِذَلِكَ السَّلَمُ وَكَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَرَضًا مُعَيَّنًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالثِّيَابِ وَنَحْوِهَا
стр. 1335
بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ قَالَ فَنِيَ عَلَفُ حِمَارِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَالَ لِغُلَامِهِ خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِك فَابْتَعْ بِهَا شَعِيرًا وَلَا تَأْخُذْ إلَّا مِثْلَهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ بْنِ سُلَيْمَانِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ فَنِيَ عَلَفُ دَابَّتِهِ فَقَالَ لِغُلَامِهِ: خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِك طَعَامًا فَابْتَعْ بِهَا شَعِيرًا وَلَا تَأْخُذْ إلَّا مِثْلَهُ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ مُعَيْقِيبٍ الدَّوْسِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا)
ــ
[المنتقى]
أَوْ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالْحَيَوَانِ وَالدُّورِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ لَمْ يُفْسَخْ كَالْحَيَوَانِ وَالدُّورِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ فِي السَّلَمِ عَبْدًا وَتَأَخَّرَ الشَّهْرَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ أَنَّهُ جَائِزٌ وَكَانَ هَذَا مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَذْكُرْ كَرَاهِيَةً وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ إذَا كَانَ عَيْنًا بَطَلَ السَّلَمُ وَإِنْ كَانَ عَرَضًا يُغَابُ عَلَيْهِ فَالسَّلَمُ مَكْرُوهٌ وَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَلَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُغَابَ عَلَيْهِ إذَا تَلِفَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَهُوَ مِنْ الْمُسَلِّمِ وَيَفْسُدُ السَّلَمُ فَإِذَا بَقِيَ بِيَدِهِ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ بِأَنْ يَدَّعِيَ صِنَاعَةً وَيُبْطِلُ السَّلَمَ مَتَى شَاءَ وَكَرِهَ أَنْ يَبْقَى بِيَدِهِ مُدَّةً لَا يَصِحُّ الْخِيَارُ فِيهَا فِي السَّلَمِ، وَأَمَّا مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مِنْ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ فَهَلَاكُهُ لَا يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ السَّلَمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فَإِنْ كَانَ الْمُسَلِّمُ هُوَ الَّذِي امْتَنَعَ مِنْ الْقَضَاءِ فَالْمُسَلَّمُ إلَيْهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ أَوْ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْهُ وَيَدْفَعَ جَمِيعَ الْمُسَلَّمِ فِيهِ وَبَيْنَ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبْضِ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْهُ وَيَدْفَعَ إلَيْهِ مَا كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ هُوَ الَّذِي امْتَنَعَ مِنْ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ لَزِمَهُ عِنْدَ الْأَجَلِ قَبْضُهُ وَدَفْعُ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ فِيهِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ الْمُسَلِّمُ فَقَدْ مَنَعَ الْمُسَلَّمَ إلَيْهِ مِنْ مَقْصُودِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ إلَى أَجَلِهِ وَلِهَذَا التَّأْخِيرِ تَأْثِيرٌ فِي إبْطَالِ الْعَقْدِ فَصَارَ ذَلِكَ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ إنْ شَاءَ أَنْ يُبْطِلَهُ أَبْطَلَهُ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ وَإِنْ كَانَ الِامْتِنَاعُ مِنْ جِهَةِ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ فَقَدْ أَبْطَلَ حَقَّهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِرَأْسِ الْمَالِ وَلَا مَضَرَّةَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُسَلِّمِ فَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا خِيَارٌ فِي فَسْخِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي زَرْعٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ أَوْ ثَمَرٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ السَّلَمِ بِزَرْعٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَلَا بِثَمَرٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَذَلِكَ أَنَّ السَّلَمَ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُطْلَقٌ فِي الذِّمَّةِ وَمُضَافٌ إلَى بَلْدَةٍ فَأَمَّا الْمُطْلَقُ فِي الذِّمَّةِ فَمِثْلُ أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ فِي قَمْحٍ أَوْ تَمْرٍ وَيَصِفُهُ بِصِفَةٍ وَلَا يَشْتَرِطَ مِنْ تَمْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ وَالثَّانِي أَنْ يُضِيفَهُ إلَى بَلَدِهِ فَيَقُولَ مِنْ قَمْحِ مِصْرَ أَوْ الشَّامِ أَوْ تَمْرِ الصَّفْرَاءِ أَوْ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا السَّلَامُ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُضِيفَ ذَلِكَ إلَى مَوْضِعٍ صَغِيرٍ لَا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُ ثَمَرَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ السَّلَمِ وَلَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ بَعْدَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُ ذَلِكَ الْحَائِطِ وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ الْحَائِطُ لِبَائِعِ التَّمْرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالثَّانِي أَنْ يُضِيفَ ذَلِكَ إلَى مَوْضِعٍ كَبِيرٍ كَثِيرِ التَّمْرِ وَالزَّرْعِ يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ مِثْلَ وَادِي الْقُرَى وَخَيْبَرَ فَهَذَا يَجُوزُ عَقْدُ السَّلَمِ فِيهِ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرَةِ وَقَبْلَ ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ زَرْعٌ أَوْ ثَمَرٌ أَوْ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ سَأَلْت ابْنَ أَبِي أَوْفَى عَنْ السَّلَفِ فَقَالَ كُنَّا نُسَلِّفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ إلَى قَوْمٍ لَا نَدْرِي أَعِنْدَهُمْ أَمْ لَا» وَابْنُ أَبْزَى قَالَ مِثْلَ يَعْنِي ذَلِكَ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْإِقَالَةَ فِي الطَّعَامِ لَا تَكُونُ إلَّا بِمِثْلِ رَأْسِ الْمَالِ عَقْدًا وَقَضَاءً؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بِغَيْرِ رَأْسِ الْمَالِ خَرَجَ عَنْ الْإِقَالَةِ إلَى الْبَيْعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِي الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ وَهُوَ إذَا عَقَدَ الْإِقَالَةَ بِمِثْلِ
следующие страницы →