← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] ﷺ الْكَيْلُ وَيَجِبُ أَنْ يُقَدَّرَ فِي السَّلَمِ بِعُرْفِ بَلَدِ السَّلَمِ فَإِنَّ غَيْرَهُ مَجْهُولٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُبَاعُ طَعَامٌ بِقَصْعَةٍ أَوْ قَدْحٍ غَيْرِ مِكْيَالِ النَّاسِ وَهُوَ فَاسِدٌ غَيْرُ جَائِزٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَمَا يُسَلَّمُ فِيهِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ أَوْ أَشَدَّ وَقَالَ أَشْهَبُ هُوَ مَكْرُوهٌ فَإِنْ وَقَعَ لَمْ يُفْسَخْ وَقَالَ غَيْرُهُ يُفْسَخُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْحَطَبُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُسَلَّمُ فِيهِ وَزْنًا أَوْ أَحْمَالًا وَحُزُمًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعْمَلَ مِنْ ذَلِكَ بِكُلِّ بَلَدٍ عَلَى مَا جَرَى عُرْفُ بَيْعِ ذَلِكَ الْجِنْسِ بِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : ، وَأَمَّا الْجُذُوعُ وَالْخَشَبُ فَإِنَّهَا تَتَقَدَّرُ بِالذَّرْعِ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالِارْتِفَاعِ؛ لِأَنَّهُ الْغَرَضُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَمَّا الْبُقُولُ وَالْقَصِيلُ فَإِنَّهَا تَتَقَدَّرُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِالْحُزُمِ وَالْقَبْضِ وَالْأَحْمَالِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَقَدَّرَ بِذَرْعِ الْأَرْضِ وَجَوَّزَ ذَلِكَ أَشْهَبُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْهُ وَاحْتَجَّ ابْنُ الْقَاسِمِ لِلْمَنْعِ بِأَنَّ صَفَاقَتَهُ وَخِفَّتَهُ لَا تُضْبَطُ بِالصِّفَةِ وَهَذَا عَلَى صِحَّتِهِ نَاقِصُ الْعِبَارَةِ وَبَيَانُهُ أَنَّ مَا تَقَدَّرَ مِنْ ذَلِكَ بِذَرْعِ الْأَرْضِ يَخْتَصُّ بِأَرْضٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ حَوْمَةٍ مُعَيَّنَةٍ مُتَقَارِبَةٍ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ وَالثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ فَإِذَا تَعَيَّنَتْ الْبُقْعَةُ لَمْ يَجُزْ السَّلَمُ فِيمَا يَثْبُتُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ وَإِنْ تَعَيَّنَتْ الْحَوْمَةُ لَمْ يَجُزْ السَّلَمُ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْقِرْبَةِ الصَّغِيرَةِ وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي التَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ فَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ السَّلَمُ فِي شَيْءٍ مِنْ الثِّيَابِ بِذَرْعِ الْأَرْضِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَيُسَلَّمُ فِي الثِّيَابِ كُلِّهَا بِالذَّرْعِ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَقَدَّرُ إلَّا بِهِ فَإِنْ شَرَطَ ذِرَاعَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَقَدْ أَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ خِيفَ أَنْ يَغْبِنَ أَخَذَ مِنْهُ مِقْدَارَ ذِرَاعِهِ إلَى أَنْ يَجِيءَ أَجَلُ السَّلَمِ فَإِنْ شَرَطَا ذِرَاعًا وَلَمْ يُعَيِّنَا ذِرَاعَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَقَدْ رَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُحْمَلُ عَلَى ذِرَاعٍ وَسَطٍ قَالَ أَصْبَغُ هُوَ اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ الْفَسْخُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الذِّرَاعَ مَا لَمْ يُعَيَّنْ يُعَلَّقُ بِالْوَسَطِ وَصَحَّ بِذَلِكَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ لِلْعَقْدِ وَجْهٌ مِنْ الصِّحَّةِ حُمِلَ عَلَيْهِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ مَجْهُولٌ وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ وَهَذَا فِي الْبِلَادِ الَّتِي لَيْسَ لِأَهْلِهَا ذِرَاعٌ مُعَيَّنٌ جَرَى عُرْفُ التَّبَايُعِ بِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ ذِرَاعٌ مُقَدَّرٌ كَذِرَاعِ الرَّشَّاشِ لِأَهْلِ قُرْطُبَةَ وَالذِّرَاعِ الْمَالِكِيِّ بِبَعْضِ الْبِلَادِ حُمِلَ الْمُتَعَاقِدَانِ مَعَ إطْلَاقِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْبَابُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ السَّلَمُ مُؤَجَّلًا] أَمَّا الشَّرْطُ الرَّابِعُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ السَّلَمَ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مُؤَجَّلٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ يَجُوزُ أَنْ يُسَلَّمَ إلَى يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَزَادَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَوْ يَوْمٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَخْرِيجِ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّ ذَلِكَ رِوَايَةٌ فِي جَوَازِ السَّلَمِ الْحَالِّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّ الْأَجَلَ شَرْطٌ فِي السَّلَمِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي مِقْدَارِ الْأَجَلِ وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَجَلِ أَنَّ مَا اخْتَصَّ بِالسَّلَمِ فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ كَعَدَمِ التَّعْيِينِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ مُعَاوَضَةٌ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا التَّأْجِيلُ كَالْبَيْعِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالسَّلَمُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ يُقْضَى بِبَلَدِ السَّلَمِ وَضَرْبٌ يُقْضَى بِغَيْرِهِ فَأَمَّا مَا يُقْضَى بِبَلَدِ الْعَقْدِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مِقْدَارِ أَجَلِ السَّلَمِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجُوزُ إلَّا إلَى الْأَجَلِ الَّذِي تَخْتَلِفُ فِي مِثْلِهِ الْأَسْوَاقُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَالْعِشْرِينَ يَوْمًا وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا بَأْسَ بِهِ إلَى الْيَوْمِ الْوَاحِدِ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إلَى الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ إلَى أَيِّ أَجَلٍ كَانَ قَرُبَ أَوْ بَعُدَ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ إلَّا إلَى الْأَجَلِ الَّذِي تَخْتَلِفُ فِي مِثْلِهِ الْأَسْوَاقُ. فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ السَّلَمَ لَمَّا اقْتَضَى الْأَجَلَ لِئَلَّا يُتَيَقَّنَ فِيهِ انْتِفَاعُ الْمُسَلَّمِ لِمُشَابَهَةِ الْغَرَضِ احْتَاجَ أَنْ يَكُونَ إلَى أَمَدٍ تَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَسْوَاقُ فَإِنْ خَرَجَ عَنْ

стр. 1332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] هَذَا عَدِمَ شَرْطَ الصِّحَّةِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ فَاسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ أَصْلُ ذَلِكَ مِقْدَارُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا وَلَا تَخْتَلِفُ أَسْوَاقُهَا فَلَوْ كَانَ اعْتِبَارُ مُدَّةٍ تَتَغَيَّرُ فِيهَا أَسْوَاقُ الْعُرُوضِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ السَّلَمِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ السَّلَمُ فِي الْعَيْنِ وَلَوَجَبَ أَنْ تَخْتَلِفَ آجَالُ السَّلَمِ بِاخْتِلَافِ السِّلَعِ فَإِنَّ مِنْ السِّلَعِ مَا يَكْثُرُ تَغَيُّرُ أَسْوَاقِهِ كَالطَّعَامِ وَنَحْوِهِ وَمِنْهَا مَا يَنْدُرُ ذَلِكَ فِيهَا كَالْجَوْهَرِ وَالْيَاقُوتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ مَا قُلْنَاهُ فَاَلَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ تَغَيُّرَ الْأَسْوَاقِ فِي ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِمُدَّةٍ مِنْ الزَّمَانِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى حَسَبِ عُرْفِ الْبِلَادِ وَمَنْ قَدَّرَ ذَلِكَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّمَا قَدَّرَ عَلَى عُرْفِ بَلَدِهِ وَتَقْدِيرُ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَلِكَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَعِشْرِينَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ هَذَا عُرْفُ الْبِلَادِ وَمُقْتَضَى مَا عُلِمَ مِنْ أَسْوَاقِهَا فَإِنَّهُ يَغْلِبُ تَغَيُّرُهَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَعُرْفُ مِصْرَ كَعُرْفِ غَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَوَجْهُ الْأَجَلِ فِي الْبِيَاعَاتِ أَنْ يُبَيِّنَ بِمَا يُمْكِنُ تَبْيِينُهُ بِهِ وَجَرَتْ بِمِثْلِهِ الْعَادَةُ فَيَقُولُ إلَى أَوَّلِ شَهْرِ كَذَا أَوْ إلَى آخِرِهِ أَوْ إلَى يَوْمِ كَذَا مَضَتْ مِنْهُ أَوْ بَقِيَتْ مِنْهُ فَإِنْ قَالَ إلَى شَهْرِ كَذَا فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ يَحِلُّ بِأَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ فَأَمَّا إنْ قَالَ يُوَفِّيهِ فِي شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا فَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَطَّارِ مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا إنَّ هَذَا ضَعِيفٌ وَلَيْسَ بِأَجَلٍ مَحْدُودٍ وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ مَا بَيْنَ أَوَّلِ الشَّهْرِ إلَى آخِرِهِ غَيْرَ أَنَّ السَّلَمَ لَا يُنْتَقَضُ بِذَلِكَ وَيُكْرَهُ بَدْءًا فَإِنْ وَقَعَ مَضَى وَنَفَذَ وَفِي هَذَا الْقَوْلِ نَظَرٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيَجُوزُ أَنْ يُسَلِّمَ إلَى الْجِدَادِ وَالْحَصَادِ وَمَنَعَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا أَجَلٌ مُعَلَّقٌ بِوَقْتٍ مِنْ الزَّمَانِ مَعْلُومٍ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ أَجَلًا فِي السَّلَمِ وَالْبُيُوعِ الْمُؤَجَّلَةِ أَصْلُهُ إذَا أَجَّلَهُ بِسَنَةٍ أَوْ بِشَهْرٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيَجُوزُ فِي الْآجَالِ إلَى خُرُوجِ الْعَطَاءِ إذَا كَانَ وَقْتُ الْعَطَاءِ مَعْرُوفًا لَا يَخْتَلِفُ وَالْمُرَادُ بِهِ وَقْتُ خُرُوجِ الْعَطَاءِ فَإِذَا حَلَّ ذَلِكَ الْوَقْتُ حَلَّ الْأَجَلُ خَرَجَ الْعَطَاءُ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ وَكَذَلِكَ تَأْجِيلُهُمْ إلَى قُدُومِ الْحَاجِّ وَالْكَلَامُ فِيهِ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ. ١ - (فَصْلٌ) : ، وَأَمَّا مَا يَقْتَضِي تَغَيُّرَ بَلَدِ السَّلَمِ فَإِنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْأَجَلِ قَالَ مُحَمَّدٌ يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ حَالًّا وَهَذَا تَجَوُّزٌ فِي عِبَارَةٍ؛ لِأَنَّ قَطْعَ مُدَّةِ تِلْكَ الْمَسَافَةِ أَجَلٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْأَجَلَ وَحَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ أَسْلَمَ فِي طَعَامٍ حَالٍّ يُؤَجَّلُ بِالرِّيفِ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَنَّهُ جَائِزٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَسْوَاقِ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ كَاخْتِلَافِهَا بَعْدَ الْآجَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ يُجَهِّزُونَ الْأَمْتِعَةَ إلَى الْبِلَادِ رَجَاءَ اخْتِلَافِ الْأَسْوَاقِ كَمَا يُؤَخِّرُونَ السِّلَعَ إلَى الْأَجَلِ وَجَازَ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حَرَّرْنَا فِيهِ قِيَاسًا فَنَقُولُ إنَّ هَذَا مَعْنَى عُرْفِهِ بِتَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ فَجَازَ السَّلَمُ إلَيْهِ كَالْأَجَلِ الْبَعِيدِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ عَقَدَا عَلَى ذَلِكَ عَقْدًا صَحِيحًا وَجَبَ عَلَى الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ الْخُرُوجُ إلَى مَكَانِ الْقَضَاءِ مَتَى بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مِقْدَارٌ تُقْطَعُ فِيهِ الْمَسَافَةُ فَإِنْ أَبَى مِنْ الْخُرُوجِ أُجْبِرَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ أَوْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْضِي الْمُسَلَّمَ مَا سُلِّمَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ وَلَا طَرِيقَ لَهُ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِالْخُرُوجِ إلَى مَوْضِعِهِ أَوْ الِاسْتِنَابَةِ فِي ذَلِكَ بِالتَّوْكِيلِ. (فَرْعٌ) فَهَلْ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ الْوَكِيلَ بَعْدَ أَنْ قَصَدَ خَارِجًا إلَى مَوْضِعِ التَّسْلِيمِ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ إنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ تَوْكِيلُهُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَضْمَنَ الْوَكِيلُ الْمُسَلَّمَ فِيهِ لِجَوَازِ أَنْ يَعْزِلَهُ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ فَيَبْطُلُ سَفَرُ الْمُسَلِّمُ أَوْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَنْ سَلَّمَ إلَيْهِ حَقَّهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ لَيْسَ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ عَزْلُهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُسَلِّمِ بِهَذِهِ الْوَكَالَةِ كَمَا يَقُولُ فِي التَّوْكِيلِ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ وَكَمَا يَقُولُ فِي الْوَكِيلِ عَلَى الْخُصُومَةِ إذَا تَقَيَّدَتْ عَلَيْهِ الْمَقَالَاتُ لَمْ يَكُنْ لِمُوَكِّلِهِ عَزْلٌ إلَّا بِرِضَا مَنْ يُخَاصِمُهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْوَكَالَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ جَازَ

стр. 1333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْأَجَلَ وَوَجَدَ الْمُسَلِّمُ الْمُسَلَّمَ إلَيْهِ بِغَيْرِ بَلَدِ التَّسْلِيمِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ عَيْنًا أَوْ غَيْرَ عَيْنٍ فَإِنْ كَانَ عَيْنًا كَانَ لَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ حَيْثُ وَجَدَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَيْنٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى بَلَدِ التَّسْلِيمِ أَوْ يُوَكِّلَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تَخْتَلِفُ أَسْوَاقُهَا وَهِيَ أُصُولُ الْأَثْمَانِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ فَتَسَاوَتْ حَالُهُمَا فِي الْبِلَادِ وَالْأَزْمَانِ، وَالْعُرُوضُ تَخْتَلِفُ أَسْوَاقُهَا وَلَيْسَتْ بِأُصُولٍ فِي الْأَثْمَانِ وَلَا قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ فَتَخْتَلِفُ قِيمَتُهَا بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ وَالْأَزْمَانِ فَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ يُسَلِّمَهُ وَلَا أَنْ يُسَلِّمَ مِنْهُ بِغَيْرِ بَلَدِ السَّلَمِ وَلِذَلِكَ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ عَيْنٍ جَازَ أَنْ يُعَجِّلَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ وَيَلْزَمُ مَنْ هُوَ لَهُ قَبْضُهُ وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ غَيْرِ عَيْنٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُعَجِّلَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ إلَّا بِرِضَا مَنْ هُوَ لَهُ وَمِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الْأَجَلِ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ مَوْضِعُ تَسْلِيمِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَذْكُرَا مَوْضِعَ التَّسْلِيمِ لِزَوَالِ التَّخَاصُمِ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَيَدْخُلَانِ عَلَى مَعْلُومٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ حُكْمَهُ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَمَنْ سَلَّفَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَوْضِعَ الْقَضَاءِ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ وَهَذَا مِمَّا لَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ ذِكْرَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ بِبَلَدِ الْعَقْدِ كَمَا يَقْتَضِي إطْلَاقُ الْبَيْعِ ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ لَا يَذْكُرَا مَوْضِعَ التَّسْلِيمِ أَوْ يَذْكُرَاهُ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَاهُ لَزِمَ الْمُسَلَّمَ إلَيْهِ دَفْعُهُ فِي بَلَدِ عَقْدِ السَّلَمِ وَلَزِمَ الْمُسَلِّمَ قَبْضُهُ هُنَاكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ التَّسْلِيمُ مِنْهُ وَقَدْ شَرَطَا بَلَدَ التَّسْلِيمِ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطَاهُ وَلَزِمَ ذَلِكَ لِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ فَإِنْ كَانَ لِتِلْكَ السِّلْعَةِ سُوقٌ بِذَلِكَ الْبَلَدِ كَانَ ذَلِكَ السُّوقُ مَوْضِعَ تَسْلِيمِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَخَصُّ بِقَاعِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا سُوقٌ فَإِنَّ الْمُسَلَّمَ إلَيْهِ يُوَفِّيهِ حَيْثُ شَاءَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَوَّازِ وَقَالَ سَحْنُونٌ يُوَفِّيهَا بِدَارِ الْمُسَلِّمِ كَانَ لَهَا سُوقٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَفِي سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمَا إنْ أَقَرَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَتَّخِذَا مَوْضِعًا فَإِنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ حَيْثُ قُبِضَتْ الدَّرَاهِمُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَوْضِعَ الْعَقْدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بَلَدَ النَّقْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ تَعْيِينِ الْبَلَدِ وَتَعْيِينُهُ يَقْتَضِي تَسْلِيمَهُ إلَيْهِ بِحَيْثُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ ذَلِكَ الْبَلَدِ كَمَا أَنَّ إطْلَاقَ اسْمَ الْجَوْدَةِ يَقْتَضِي أَنَّ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ دَفْعَ مَا شَاءَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الِاسْمُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَيْضًا فَإِنَّ رَأْسَ الْمَالِ لَمَّا كَانَ مَحَلُّ دَفْعِهِ مَوْضِعَ سُوقِهِ وَمُعْظَمُ نَفَاذِهِ وَمَوَازِينِهِ كَأَنَّهُ نَفْسُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ يَكُونُ تَسْلِيمُهُ بِمَوْضِعِ سُوقِهِ وَأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِصِفَاتِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَلَى الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ إيصَالُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ اقْتَضَى ذَلِكَ إيصَالَهُ إلَى مَنْزِلِهِ كَحَمْلِ الْحَطَبِ وَالْمَاءِ لَمَّا كَانَ عَلَى بَائِعِهِ إيصَالُهُ لَزِمَهُ إيصَالُهُ إلَى مَنْزِلِ الْمُبْتَاعِ لَهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا إطْلَاقَ الْعَقْدِ وَادَّعَى الثَّانِي اشْتِرَاطَ مَوْضِعٍ غَيْرِ مَوْضِعِ السَّلَمِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي إطْلَاقِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ ادَّعَى خِلَافَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا شَرَطَا مَوْضِعًا لِلْقَضَاءِ وَاخْتَلَفَا فِي تَعْيِينِهِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا مَوْضِعَ عَقْدِ السَّلَمِ وَادَّعَى الثَّانِي غَيْرَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي مَوْضِعِ السَّلَمِ لِمُوَافَقَتِهِ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْعَقْدِ وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعًا لِلْقَبْضِ أُحْلِفَا وَفُسِخَ بَيْنَهُمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْقَضَاءِ مَحْدُودًا بِحَدٍّ يَقْرَبُ كَالْفُسْطَاطِ أَوْ الْفَيُّومِ أَوْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَأَمَّا إنْ تَبَاعَدَتْ أَقْطَارُهُ كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْأَنْدَلُسِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ إنَّ مِصْرَ مَا بَيْنَ نَجْدٍ إلَى أُسْوَانَ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مِنْ تَبَاعُدِ الْأَقْطَارِ وَتَفَاوُتِ الْأَسْفَارِ لِتَبَاعُدِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعًا لِقَبْضِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَعُودُ لِجَهَالَةِ مَوْضِعِ الْقَبْضِ وَخَطَرِ الْغَرَرِ فِيهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. [الْبَابُ الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمَ فِيهِ مَوْجُودًا حِينَ الْأَجَلِ] ١

стр. 1334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] (الْبَابُ الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمَ فِيهِ مَوْجُودًا حِينَ الْأَجَلِ) ، وَأَمَّا الشَّرْطُ الْخَامِسُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمَ فِيهِ مَوْجُودًا حِينَ الْأَجَلِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ حُلُولَ الْأَجَلِ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الْمُسَلَّمِ فِيهِ فَإِذَا كَانَ مَعْدُومًا حِينَ الْأَجَلِ لَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ السَّلَمِ وَالْبَيْعِ التَّمَكُّنُ مِنْ التَّسْلِيمِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ حَانَ الْأَجَلُ وَعُدِمَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ بِجَائِحَةٍ اسْتَأْصَلَتْهُ أَوْ غَفْلَةٍ مِنْ مُسَلِّمِهِ حَتَّى فَاتَ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حِينَ الْعَقْدِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ مِنْ شَرْطِ السَّلَمِ أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ مَوْجُودًا حِينَ السَّلَمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ وَقْتٌ لَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ التَّسْلِيمَ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ وُجُودَ الْمُسَلَّمِ فِيهِ أَصْلُ ذَلِكَ الزَّمَانُ الَّذِي بَيْنَ وَقْتِ الْعَقْدِ وَانْقِضَاءِ الْأَجَلِ. [الْبَابُ السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ نَقْدًا] ١ (الْبَابُ السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ نَقْدًا إلَخْ) ، وَأَمَّا الشَّرْطُ السَّادِسُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ نَقْدًا أَوْ فِي حُكْمِ النَّقْدِ فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالذِّمَّةِ وَتَأَخُّرِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَكَانَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مُؤَجَّلًا إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ وَثَمَنُهُ مُؤَجَّلًا فِي الذِّمَّةِ إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَبْضُهُ فِي مَجْلِسِ السَّلَمِ أَفْضَلُ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ قَبْضُهُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ بِالشَّرْطِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا إنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ السَّلَمِ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ التَّأْخِيرَ فِيهِ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ لِمَعْنًى فِي الْعِوَضِ وَإِنَّمَا هُوَ مَمْنُوعٌ لِمَعْنًى فِي الْعَقْدِ لِئَلَّا يَكُونَ مِنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ وَالْمُسَلَّمُ فِيهِ مِنْ شَرْطِهِ التَّأْجِيلُ وَالثَّمَنُ مِنْ شَرْطِهِ التَّعْجِيلُ فَكَمَا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ بِتَأْخِيرِ الْقَبْضِ عَنْ الْمَجْلِسِ وَلَا بِتَأْخِيرِهِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَلَا يَكُونُ لَهُ بِذَلِكَ حُكْمُ الْكَالِئِ فَكَذَلِكَ الثَّمَنُ الَّذِي مِنْ شَرْطِهِ التَّعْجِيلُ لَا يُفْسِدُهُ التَّأَخُّرُ عَنْ مَجْلِسِ الْقَبْضِ وَلَا بِتَأَخُّرِهِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَلَا يَدْخُلُ بِذَلِكَ فِي حُكْمِ الْكَالِئِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَأَخُّرُهُ بِشَرْطٍ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَيَجِبُ أَنْ يُفْصَلَ ذَلِكَ فَعَلَى قَوْلِنَا يَجُوزُ السَّلَمُ إلَى أَجَلِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَا يَجُوزُ تَأَخُّرُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ هَذَا الْمِقْدَارَ وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَبْضُهُ بِالشَّرْطِ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ مَا يَقْرَبُ مِنْهُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ السَّلَمَ لَا يَجُوزُ إلَّا إلَى الْأَجَلِ الْبَعِيدِ الَّذِي تَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِهِ الْأَسْوَاقُ صَحَّ أَنْ يَقُولَ بِتَأْخِيرِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ هَذِهِ الْمُدَّةَ لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّأْجِيلِ وَلَوْ كَانَ لَهُ حُكْمُ التَّأْجِيلِ لَجَازَ تَأَخُّرُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ إلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا تَأَخُّرُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ إلَى أَجَلِ السَّلَمِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَيْنًا أَوْ غَيْرَ عَيْنٍ فَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ مَرَّةً يُفْسِدُ السَّلَمَ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ لَا يُفْسِدُ السَّلَمَ مَا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَجْهُ الْقَوْلِ بِفَسَادِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى التَّعَاقُدِ عَلَى الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهَا إلَيْهِ آلَ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ عَقْدَهُمَا سَلِمَ مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَهَذَا مِمَّا لَا يُفْسِدُهُ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ إنْ تَعَمَّدَ أَحَدُهُمَا تَأْخِيرَ رَأْسِ الْمَالِ لَمْ يَفْسُدْ السَّلَمُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ أَحَدُهُمَا فَسَدَ السَّلَمُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فَرَّ لِيُفْسِدَ السَّلَمَ فَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ صَحِيحًا وَتَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ لِلثَّانِي أَنْ يَنْفَرِدَ بِإِفْسَادِهِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِنَا إنَّ الْفَارَّ مِنْ الْأَدَاءِ فِي الصَّرْفِ لَا يُبْطِلُ الصَّرْفَ وَإِذَا لَمْ يَفِرَّ أَحَدُهُمَا فَقَدْ رَضِيَا بِإِفْسَادِهِ فَيَجِبُ أَنْ يَفْسُدَ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِتَأْخِيرِ رَأْسِ الْمَالِ إذَا كَانَ عَيْنًا إلَى أَجَلٍ فَبَانَ لَا يَبْطُلُ إذَا كَانَ عَرَضًا مُعَيَّنًا أَوْلَى وَأَحْرَى؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَبْطُلُ بِذَلِكَ السَّلَمُ وَكَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَرَضًا مُعَيَّنًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالثِّيَابِ وَنَحْوِهَا

стр. 1335

بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ قَالَ فَنِيَ عَلَفُ حِمَارِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَالَ لِغُلَامِهِ خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِك فَابْتَعْ بِهَا شَعِيرًا وَلَا تَأْخُذْ إلَّا مِثْلَهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ بْنِ سُلَيْمَانِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ فَنِيَ عَلَفُ دَابَّتِهِ فَقَالَ لِغُلَامِهِ: خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِك طَعَامًا فَابْتَعْ بِهَا شَعِيرًا وَلَا تَأْخُذْ إلَّا مِثْلَهُ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ مُعَيْقِيبٍ الدَّوْسِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) ــ [المنتقى] أَوْ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالْحَيَوَانِ وَالدُّورِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ لَمْ يُفْسَخْ كَالْحَيَوَانِ وَالدُّورِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ فِي السَّلَمِ عَبْدًا وَتَأَخَّرَ الشَّهْرَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ أَنَّهُ جَائِزٌ وَكَانَ هَذَا مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَذْكُرْ كَرَاهِيَةً وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ إذَا كَانَ عَيْنًا بَطَلَ السَّلَمُ وَإِنْ كَانَ عَرَضًا يُغَابُ عَلَيْهِ فَالسَّلَمُ مَكْرُوهٌ وَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَلَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُغَابَ عَلَيْهِ إذَا تَلِفَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَهُوَ مِنْ الْمُسَلِّمِ وَيَفْسُدُ السَّلَمُ فَإِذَا بَقِيَ بِيَدِهِ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ بِأَنْ يَدَّعِيَ صِنَاعَةً وَيُبْطِلُ السَّلَمَ مَتَى شَاءَ وَكَرِهَ أَنْ يَبْقَى بِيَدِهِ مُدَّةً لَا يَصِحُّ الْخِيَارُ فِيهَا فِي السَّلَمِ، وَأَمَّا مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مِنْ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ فَهَلَاكُهُ لَا يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ السَّلَمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فَإِنْ كَانَ الْمُسَلِّمُ هُوَ الَّذِي امْتَنَعَ مِنْ الْقَضَاءِ فَالْمُسَلَّمُ إلَيْهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ أَوْ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْهُ وَيَدْفَعَ جَمِيعَ الْمُسَلَّمِ فِيهِ وَبَيْنَ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبْضِ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْهُ وَيَدْفَعَ إلَيْهِ مَا كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ هُوَ الَّذِي امْتَنَعَ مِنْ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ لَزِمَهُ عِنْدَ الْأَجَلِ قَبْضُهُ وَدَفْعُ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ فِيهِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ الْمُسَلِّمُ فَقَدْ مَنَعَ الْمُسَلَّمَ إلَيْهِ مِنْ مَقْصُودِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ إلَى أَجَلِهِ وَلِهَذَا التَّأْخِيرِ تَأْثِيرٌ فِي إبْطَالِ الْعَقْدِ فَصَارَ ذَلِكَ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ إنْ شَاءَ أَنْ يُبْطِلَهُ أَبْطَلَهُ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ وَإِنْ كَانَ الِامْتِنَاعُ مِنْ جِهَةِ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ فَقَدْ أَبْطَلَ حَقَّهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِرَأْسِ الْمَالِ وَلَا مَضَرَّةَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُسَلِّمِ فَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا خِيَارٌ فِي فَسْخِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي زَرْعٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ أَوْ ثَمَرٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ السَّلَمِ بِزَرْعٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَلَا بِثَمَرٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَذَلِكَ أَنَّ السَّلَمَ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُطْلَقٌ فِي الذِّمَّةِ وَمُضَافٌ إلَى بَلْدَةٍ فَأَمَّا الْمُطْلَقُ فِي الذِّمَّةِ فَمِثْلُ أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ فِي قَمْحٍ أَوْ تَمْرٍ وَيَصِفُهُ بِصِفَةٍ وَلَا يَشْتَرِطَ مِنْ تَمْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ وَالثَّانِي أَنْ يُضِيفَهُ إلَى بَلَدِهِ فَيَقُولَ مِنْ قَمْحِ مِصْرَ أَوْ الشَّامِ أَوْ تَمْرِ الصَّفْرَاءِ أَوْ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا السَّلَامُ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُضِيفَ ذَلِكَ إلَى مَوْضِعٍ صَغِيرٍ لَا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُ ثَمَرَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ السَّلَمِ وَلَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ بَعْدَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُ ذَلِكَ الْحَائِطِ وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ الْحَائِطُ لِبَائِعِ التَّمْرِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالثَّانِي أَنْ يُضِيفَ ذَلِكَ إلَى مَوْضِعٍ كَبِيرٍ كَثِيرِ التَّمْرِ وَالزَّرْعِ يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ مِثْلَ وَادِي الْقُرَى وَخَيْبَرَ فَهَذَا يَجُوزُ عَقْدُ السَّلَمِ فِيهِ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرَةِ وَقَبْلَ ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ زَرْعٌ أَوْ ثَمَرٌ أَوْ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ سَأَلْت ابْنَ أَبِي أَوْفَى عَنْ السَّلَفِ فَقَالَ كُنَّا نُسَلِّفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ إلَى قَوْمٍ لَا نَدْرِي أَعِنْدَهُمْ أَمْ لَا» وَابْنُ أَبْزَى قَالَ مِثْلَ يَعْنِي ذَلِكَ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْإِقَالَةَ فِي الطَّعَامِ لَا تَكُونُ إلَّا بِمِثْلِ رَأْسِ الْمَالِ عَقْدًا وَقَضَاءً؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بِغَيْرِ رَأْسِ الْمَالِ خَرَجَ عَنْ الْإِقَالَةِ إلَى الْبَيْعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِي الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ وَهُوَ إذَا عَقَدَ الْإِقَالَةَ بِمِثْلِ

стр. 1336

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ نَدِمَ الْمُشْتَرِي فَقَالَ لِلْبَائِعِ أَقِلْنِي وَأَنْظُرُكَ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعْت إلَيْك فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا حَلَّ الطَّعَامُ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ أَخَّرَ عَنْهُ حَقَّهُ عَلَى أَنْ يُقِيلَهُ فَكَانَ ذَلِكَ بَيْعَ الطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ حِينَ حَلَّ الْأَجَلُ وَكَرِهَ الطَّعَامَ أَخَذَ بِهِ دِينَارًا إلَى أَجَلٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْإِقَالَةِ وَإِنَّمَا الْإِقَالَةُ مَا لَمْ يَزْدَدْ فِيهِ الْبَائِعُ وَلَا الْمُشْتَرِي فَإِذَا وَقَعَتْ فِيهِ الزِّيَادَةُ بِنَسِيئَةٍ إلَى أَجَلٍ أَوْ بِشَيْءٍ يَزْدَادُهُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَوْ بِشَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ أَحَدُهُمَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْإِقَالَةِ وَإِنَّمَا تَصِيرُ الْإِقَالَةُ إذَا فَعَلَا ذَلِكَ بَيْعًا وَإِنَّمَا أُرْخِصَ فِي الْإِقَالَةِ وَالشِّرْكِ وَالتَّوْلِيَةِ مَا لَمْ يَدْخُلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ أَوْ نَظِرَةٌ فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ أَوْ نَظِرَةٌ صَارَ بَيْعًا يُحِلُّهُ مَا يُحِلُّ الْبَيْعَ وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ) . ــ [المنتقى] رَأْسِ الْمَالِ ثُمَّ قَبَضَ مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ عَرَضٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ عَيْنٍ مُخَالِفٌ لِرَأْسِ الْمَالِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ لِلذَّرِيعَةِ إلَى بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ مَا أَظْهَرَاهُ مِنْ الْعَقْدِ لَغْوًا وَقَدْ بَاعَ الطَّعَامَ قَبْلَ قَبْضِهِ بَعْدَمَا ابْتَاعَهُ بِهِ فَخَرَجَ عَنْ الْإِقَالَةِ إلَى الْبَيْعِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ ابْتَاعَ مَطْعُومًا مُعَيَّنًا عَلَى الْوَزْنِ أَوْ الْكَيْلِ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مَكَانَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَالْمَجْمُوعَةِ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ بَاعَ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ أَوَّلًا بِمَا أَخَذَهُ آخِرًا قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أَخَذَ نِصْفَهُ عَلَى مَا عَقَدَ عَلَيْهِ وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ الْآخَرَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْجِنْسِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَشْهَبَ قَالَ مَالِكٌ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا قَالَ مُحَمَّدٌ لَا خَيْرَ فِيهِ وَهُوَ سَوَاءٌ مِثْلُ الَّذِي تَقَدَّمَ وَيُحْمَلُ هَذَا أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ قَالَ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ ابْتَاعَ بِدِينَارٍ قَمْحًا ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ بِنِصْفِهِ عَدَسًا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ اشْتَرَى بِدَرَاهِمَ زَيْتًا فَلَمْ تَسَعْهُ بَطَّتُهُ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِمَا بَقِيَ طَعَامًا أَوْ يَرْتَجِعَهُ فَلَا يُعْجِبُنِي وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا يَدْخُلُهُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لَا تَنْبَغِي الْإِقَالَةُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ ذَهَبَهُ أَوْ وَرِقَهُ أَوْ ثَمَنَهُ بِعَيْنِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ ذَهَبَهُ أَوْ وَرِقَهُ نَفْسَ ثَمَنِهِ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَهُ عَلَى قَوْلِنَا إنَّ الدَّنَانِيرَ تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ أَوْ يَكُونُ الثَّمَنُ تِبْرًا أَوْ حُلِيًّا مَصُوغًا فَيَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْحُلِيِّ أَنْ يُقِيلَهُ إلَّا بِنَفْسِ مَا دَفَعَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ بِذَهَبِهِ أَوْ وَرِقِهِ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ وَسِكَّتِهِ عَلَى قَوْلِ أَنَّ الدَّنَانِيرَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ. وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ سَلَّمَ إلَى رَجُلٍ دَنَانِيرَ فِي طَعَامٍ فَأَقَالَهُ مِنْهُ وَدَنَانِيرُهُ فِي يَدِهِ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِ تِلْكَ الدَّنَانِيرَ بِأَعْيَانِهَا أَنَّ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ غَيْرَهَا وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: أَوْ ثَمَنَهُ بِعَيْنِهِ يُرِيد وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مِنْ غَيْرِ الْعَيْنِ كَالْعُرُوضِ وَالطَّعَامِ فَهَذَا لَا تَصِحُّ الْإِقَالَةُ إلَّا بِنَفْسِ ذَلِكَ الثَّمَنِ دُونَ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَأَنَّهُ لَا يَشْتَرِي مِنْهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ شَيْئًا حَتَّى يَقْبِضَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ عَقَدَ الْإِقَالَةَ بِذَلِكَ الثَّمَنِ فَلَا يَشْتَرِي مِنْهُ بِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى أَنْ تَكُونَ الْإِقَالَةُ بِهِ فَيَكُونُ بَيْعَ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ وَقَدْ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَجُوزُ أَنْ يُمْنَعَ كُلُّ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ وَذَرِيعَةً إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ النَّدَمَ قَدْ يَلْحَقُ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ وَتَصِحُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْإِقَالَةُ لِلرِّفْقِ بِصَاحِبِهِ وَيَصِحُّ مِنْهُ طَلَبُ الرِّبْحِ أَوْ النَّمَاءِ وَيَصِحُّ مِنْهُمَا جَمِيعًا ذَلِكَ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ الْقَرْضِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ إلَّا عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ مِنْ الْقَرْضِ لِلْمُقْتَرِضِ إلَّا أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ أَحْوَالِ الْإِقَالَةِ رِفْقُ أَحَدِ الْمُتَقَايِلَيْنِ بِصَاحِبِهِ فَلِذَلِكَ حُمِلَتْ عَلَى أَغْلَبْ أَحْوَالِهَا. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْإِقَالَةِ أَنْ تَكُونَ بِمِثْلِ رَأْسِ الْمَالِ وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي

стр. 1337

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ سَلَّفَ فِي حِنْطَةٍ شَامِيَّةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مَحْمُولَةً بَعْدَ مَحِلِّ الْأَجَلِ قَالَ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ مَنْ سَلَّفَ فِي صِنْفٍ مِنْ الْأَصْنَافِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ خَيْرًا مِمَّا أَسْلَفَ فِيهِ أَوْ أَدْنَى بَعْدَ مَحِلِّ الْأَجَلِ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يُسَلِّفَ الرَّجُلُ فِي حِنْطَةٍ مَحْمُولَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ شَعِيرًا أَوْ شَامِيَّةً وَإِنْ سَلَّفَ فِي تَمْرِ عَجْوَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ صَيْحَانِيًّا أَوْ جَمْعًا وَإِنْ سَلَّفَ فِي زَبِيبٍ أَحْمَرَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ أَسْوَدَ إذَا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ مَحِلِّ الْأَجَلِ إذَا كَانَتْ مَكِيلَةُ ذَلِكَ سَوَاءً بِمِثْلِ كَيْلِ مَا سَلَّفَ فِيهِ) ــ [المنتقى] عُقِدَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ أَوْ السَّلَمُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِقَالَةِ أَنْ يُقِيلَهُ مِمَّا نَدِمَ فِيهِ وَيُعِيدَهُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ مَا أَوْجَبَ النَّدَمَ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ أَلَّا بِنَقْضِ ذَلِكَ الْعَقْدِ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ نَقْضُ بَيْعٍ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ بِصَرِيحِ الْإِقَالَةِ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَصْرِيحٍ مِثْلَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ دَنَانِيرَ مِثْلَ رَأْسِ الْمَالِ الْمُسَلَّمِ فَيَقُولُ اشْتَرِ بِهَا طَعَامًا فَكُلْهُ لِي حِينَ الْأَجَلِ ثُمَّ اسْتَوْفِهِ فِي حَقِّك فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَصْلُحُ عِنْدَ مَالِكٍ وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّهُ إذَا أَعْطَاهُ عِنْدَ الْأَجَلِ مِثْلَ دَنَانِيرِهِ فَقَالَ اشْتَرِ بِهَا طَعَامَك أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ الدَّنَانِيرَ فَقَالَ اشْتَرِ بِهَا طَعَامًا فَاكْتَلْهُ لِي ثُمَّ اسْتَوْفِهِ مِمَّا لَك لَمْ يَجُزْ وَإِنْ قَالَ لَهُ اشْتَرِ بِهَا طَعَامَك جَازَ ذَلِكَ. وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ إذَا قَالَ اكْتَلْهُ لِي لَمْ يُمَلِّكْهُ الثَّمَنَ وَلَمْ تَجُزْ مِنْهُ إقَالَةٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ الَّذِي عُجِّلَ فِي السَّلَمِ يُؤَجَّلُ فِي الْإِقَالَةِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَجَلَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُسَلَّمَ إلَيْهِ يَطْلُبُ الِارْتِفَاقَ بِهِ إلَى حُلُولِ السَّلَمِ فَإِذَا تَعَجَّلَ فِي السَّلَمِ وَتَأَجَّلَ فِي الْإِقَالَةِ فَقَدْ ازْدَادَ فِي الْإِقَالَةِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّتَهَا وَيُغَيِّرُ مَوْضُوعَهَا وَيَنْقُلُهَا إلَى الْبَيْعِ الَّذِي هُوَ مَمْنُوعٌ فِي الطَّعَامِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا وَجْهٌ آخَرُ مِنْ الْفَسَادِ وَهُوَ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ؛ لِأَنَّ الْمُسَلَّمَ كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ طَعَامٌ مُؤَجَّلٌ فَفَسَخَهُ فِي غَيْرِ مُؤَجَّلٍ إلَى أَجَلٍ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِذَا وَقَعَتْ الزِّيَادَةُ بِنَسِيئَةٍ إلَى أَجَلٍ أَوْ بِشَيْءٍ يَزْدَادُهُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِقَالَةٍ بَيَّنَ ذَلِكَ أَنَّ النَّسِيئَةَ مِمَّا يَزْدَادُهُ مِنْ أَخَذُوا نَسْأَلُهُ فِي دَفْعِ مَا عَلَيْهِ وَالزِّيَادَةُ تُغَيِّرُ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَيُقِيلُهُ عَلَى تِسْعَةٍ فَيَكُونُ الْبَائِعُ قَدْ ازْدَادَ فِي الْإِقَالَةِ دِرْهَمًا أَوْ يُقِيلُهُ بِأَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا يَزْدَادُ الْمُبْتَاعُ مِنْ الْبَائِعِ دِرْهَمًا وَذَلِكَ كُلُّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِالْإِقَالَةِ وَإِنَّمَا هُوَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ. (فَصْلٌ) : وَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ دَرَاهِمِهِ فَقَالَ لَهُ ابْتَعْ بِهَذَا طَعَامَك لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ لِأَجْلِ الزِّيَادَةِ عَنْ حُكْمِ الْإِقَالَةِ وَقَدْ دَفَعَ إلَيْهِ أَقَلَّ مِنْ دَرَاهِمِهِ فَقَالَ لَهُ ابْتَعْ بِهَذَا طَعَامَك فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ وَقَالَ أَشْهَبُ يَجُوزُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْإِقَالَةِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الذَّرِيعَةِ وَتَبْعُدُ فِيهِ التُّهْمَةُ وَبُعْدُ التُّهْمَةِ يَمْنَعُ تَأْثِيرَ الذَّرِيعَةِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ أَسْلَمَ فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ عِنْدَ الْأَجَلِ نَوْعًا آخَرَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ أَوْ أَدْنَى فِي مِثْلِ كَيْلِهِ فَيَأْخُذُ مِنْ الْحِنْطَةِ الشَّعِيرَ وَالسُّلْتَ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَنْوَاعَ الذَّهَبِ بَعْضَهُ مِنْ بَعْضٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْبَدَلِ وَلَيْسَ مِنْ الْبَيْعِ وَلِذَلِكَ جَازَ بَدَلُ الْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ وَقُصِرَ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ وَلَوْ كَانَ مِنْ بَابِ الْمُبَايَعَةِ لَمَا قَصُرَ عَلَى الْمِثْلِ وَكَذَلِكَ الْقَرْضُ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ مُعَاوَضَةٍ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْمُبَايَعَةِ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى الْمُسَاوَاةِ وَالْمُمَاثَلَةِ وَلَمَّا كَانَتْ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَانَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ مُبَادَلَةً وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهِ يَجُوزُ أَخْذُهُ بَدَلًا مِنْهُ كَالنَّوْعِ الْوَاحِدِ يَأْخُذُ مِنْهُ أَفْضَلَ مِمَّا لَهُ أَوْ أَدْنَى، وَأَمَّا مَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُهُ عَنْهُ فَلَا يَأْخُذُ تَمْرًا مِنْ قَمْحٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ

стр. 1338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] اسْتِيفَائِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَرْضٍ دَخَلَهُ بَيْعُ الطَّعَامِ نِسَاءً. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْكَيْلِ أَدْنَى نَوْعًا مِثْلَ أَخْذِ عَشَرَةِ أَرَادِبَ شَعِيرًا مِنْ عِشْرِينَ إرْدَبًّا مِنْ حِنْطَةٍ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَأْخُذَ عِوَضًا عَنْ جَمِيعِ الْقَمْحِ وَلَوْ أَخَذَ الْعَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ عَنْ عَشَرَةِ أَقْفِزَةٍ قَمْحًا ثُمَّ وَهَبَهَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ كَانَ لَهُ مِائَةُ إرْدَبٍّ تَمْرًا فَأَخَذَ مِنْهُ خَمْسِينَ إرْدَبًّا مَحْمُولَةً إنْ كَانَ إنَّمَا صَالَحَ بِهَا عَلَى وَجْهِ الْمُبَايَعَةِ فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَخَذَ مِنْهُ خَمْسِينَ إرْدَبًّا مَحْمُولَةً ثُمَّ حَطَّ عَنْهُ الثَّانِيَ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَجَوَّزَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى أَجَلٍ مِائَةُ إرْدَبٍّ تَمْرًا فَلَمَّا حَانَ الْأَجَلُ أَخَذَ مِنْهُ خَمْسِينَ إرْدَبًّا مَحْمُولَةً ثُمَّ وَهَبَهُ الْبَاقِيَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ وَهَذَا أَشَدُّ وَأَقْوَى وَأَرْفَعُ مِنْ الْجَوْدَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ إلَّا مِثْلَ مَا لَهُ عَلَيْهِ فِي النَّوْعِ وَالْقَدْرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ وَبَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ قَبْلَ الْأَجَلِ مِنْ نَوْعِهِ أَجْوَدَ أَوْ أَدْنَى وَيَجُوزُ ذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ عِنْدَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الَّذِي عِنْدَهُ الْقَرْضُ أَوْ السَّلَمُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ النَّوْعِ مِثْلَ تِلْكَ الْمَكِيلَةِ وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ حَتَّى قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حَوَالَةً وَالْحَوَالَةُ عِنْدَ مَالِكٍ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُحْمَلَ الَّذِي لَهُ إلَى الْجِنْسِ الَّذِي أَخَذَهُ وَذَلِكَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَيَدْخُلُهُ فِي الْقَرْضِ طَعَامٌ بِطَعَامٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَيَدْخُلُهُ فِي السَّلَمِ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُؤْخَذَ الْوَرِقُ مِنْ الذَّهَبِ وَالذَّهَبُ مِنْ الْوَرِقِ فِي الْقَرْضِ وَالْبَيْعِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ الْحِنْطَةَ مِنْ الشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ وَيَأْخُذَ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ؛ لِأَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ وَمَنْ قَالَ إنَّ الْعَلْسَ مِنْ جِنْسِهَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْأَخْذُ مِنْهَا، وَيَأْخُذُ أَنْوَاعَ التَّمْرِ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ وَكَذَلِكَ الزَّبِيبُ وَيَأْخُذُ عَنْ نَوْعِ مَا لَا يُسْتَحْيَا مِنْ الطَّيْرِ نَوْعًا آخَرَ عَلَى تَحَرِّي الْوَزْنِ أَكْثَرَ عَدَدًا أَوْ أَقَلَّ عَدَدًا فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْعَدَدِ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ نَوْعِهِ رَوَاهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الطَّيْرَ يَخْتَلِفُ قَدْرُهُ بِاخْتِلَافِ نَوْعِهِ وَيَتَفَاوَتُ فَلَا يَجُوزُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ عَدَدًا إذَا كَانَ مَعْنَاهُ اللَّحْمُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ عَلَى تَحَرِّي مَا فِيهِ مِنْ اللَّحْمِ وَالْمُسَاوَاةِ فِيهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ التَّحَرِّيَ فِيهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا فَإِنَّهُ يَتَسَاوَى؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ مِنْهُ مِثْلَ الَّذِي سَلَّمَ إلَيْهِ فِيهَا قَدْرًا وَغَيْرَ ذَلِكَ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَأْخُذُ الدَّقِيقَ مِنْ الْحِنْطَةِ فِي الْبَيْعِ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الْقَرْضِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَجْهُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُجِيزُ بَيْعَ الدَّقِيقِ بِالْحِنْطَةِ لِعَدَمِ التَّمَاثُلِ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ ذَلِكَ وَيَرَى التَّمَاثُلَ بِالْوَزْنِ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ مِنْ مِقْدَارٍ إلَى مِقْدَارٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى التَّمَاثُلَ فِيهِمَا إلَّا بِالْكَيْلِ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا.

стр. 1339

بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ قَالَ فَنِيَ عَلَفُ حِمَارِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَالَ لِغُلَامِهِ خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِك فَابْتَعْ بِهَا شَعِيرًا وَلَا تَأْخُذْ إلَّا مِثْلَهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ بْنِ سُلَيْمَانِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ فَنِيَ عَلَفُ دَابَّتِهِ فَقَالَ لِغُلَامِهِ: خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِك طَعَامًا فَابْتَعْ بِهَا شَعِيرًا وَلَا تَأْخُذْ إلَّا مِثْلَهُ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ مُعَيْقِيبٍ الدَّوْسِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) ــ [المنتقى] [بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا] (ش) : قَوْلُهُ ﵁ خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِك يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَهْلَ الْغُلَامِ إذَا كَانَ قُوتُهُمْ مِنْ عِنْدِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ إمَّا لِأَنَّهُمْ رَقِيقٌ لَهُ أَوْ لِأَنَّهُمْ مِمَّنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ غُلَامُهُ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الِاقْتِرَاضِ حَتَّى يُعِيدَ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِأَهْلِهِ أَهْلَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ وَهُمْ مَوَالِي نَفَقَتِهِ وَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ أَهْلٌ لِلْغُلَامِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مِمَّنْ يَسْعَى عَلَيْهِمْ وَيَنْضَوِي إلَيْهِمْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَابْتَعْ بِهِ شَعِيرًا يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ وَأَنَّهُ إنْ كَانَ حَقِيقَةَ الْبَدَلِ وَهُوَ أَخَصُّ بِهِ إلَّا أَنَّ اسْمَ الْبَيْعِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ وَلَا تَأْخُذْ إلَّا مِثْلَهُ يُرِيدُ الْمِثْلَ فِي الْمِقْدَارِ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي الصِّفَاتِ مُحَالٌ فِي الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقَدْرِ وَنَهْيُهُ عَنْ أَنْ لَا يَأْخُذَ إلَّا مِثْلَهُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهِ عِنْدَهُمْ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْحِنْطَةَ أَفْضَلُ مِنْ الشَّعِيرِ وَأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَوَجَدُوا بِالْحِنْطَةِ مِنْ الشَّعِيرِ أَفْضَلَ مِنْ مَكِيلَتِهَا فَلَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عِنْدَهُمْ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْحِنْطَةَ

стр. 1340

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنْ لَا تُبَاعَ الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ، وَلَا التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَلَا الْحِنْطَةُ بِالتَّمْرِ، وَلَا التَّمْرُ بِالزَّبِيبِ، وَلَا الْحِنْطَةُ بِالزَّبِيبِ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ الطَّعَامِ كُلِّهِ إلَّا يَدًا بِيَدٍ فَإِنْ دَخَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلُ لَمْ يَصْلُحْ، وَكَانَ حَرَامًا، وَلَا شَيْءَ مِنْ الْأُدُمِ كُلِّهَا إلَّا يَدًا بِيَدٍ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ الطَّعَامِ وَالْأُدُمِ إذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ فَلَا يُبَاعُ مُدُّ حِنْطَةٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ، وَلَا مُدُّ تَمْرٍ بِمُدَّيْ تَمْرٍ، وَلَا مُدُّ زَبِيبٍ بِمُدَّيْ زَبِيبٍ، وَلَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْحُبُوبِ وَالْأُدْمِ كُلِّهَا إذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ إنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ لَا يَحِلُّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْفَضْلُ، وَلَا يَحِلُّ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ) ــ [المنتقى] وَالشَّعِيرَ جِنْسٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ السُّلْتُ عَنْد مَالِكٍ لَك هُوَ مِنْ جِنْسِهِمَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ هِيَ أَجْنَاسٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ حَرُمَ فِيهَا التَّفَاضُلُ وَدَلِيلُنَا أَيْضًا أَنَّهُ مُقْتَاتٌ تَسَاوَتْ مَنْفَعَتُهُ فَوَجَبَ أَنَّهُ يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَمَا لَوْ كَانَ بُرًّا كُلَّهُ أَوْ شَعِيرًا كُلَّهُ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْعَلَسِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الزَّكَاةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الذُّرَةُ وَالدُّخْنُ وَالْأَرُزُّ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا وَرَوَى زَيْدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ الذُّرَةُ وَالدُّخْنُ وَالْأَرُزُّ جِنْسٌ وَاحِدٌ لِمَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ انْفِصَالُ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ فِي الْمَنْبَتِ، وَالْمَحْصَدِ، وَوَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ اخْتِصَاصُ بَعْضِ الْبِلَادِ بِاِتِّخَاذِ بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ مَنَافِعِهَا، وَأَنَّ بَعْضَهَا لَا يَسْتَحِيلُ إلَى بَعْضٍ، وَإِنَّمَا يَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ الْعَيْنَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ بِعُمُومِ الِاتِّخَاذِ لَهُمَا كَالشَّعِيرِ وَالْحِنْطَةِ، وَاسْتِحَالَةِ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ كَالْحِنْطَةِ وَالسُّلْتِ، وَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ تَقَارُبُ الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْقُطْنِيَّةُ فَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهَا فَمَرَّةً قَالَ إنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا، وَمَرَّةً قَالَ هِيَ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَاللَّيْثُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي لِاخْتِلَافِهَا فِي الصُّورَةِ وَالْمَنَافِعِ، وَعَدَمِ اسْتِحَالَةِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، وَاخْتِصَاصِ بَعْضِ الْبِلَادِ بِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ. (فَصْلٌ) وَقَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِك طَعَامًا يَقْتَضِي أَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الطَّعَامِ عِنْدَهُمْ كَانَ يَقْتَضِي الْحِنْطَةَ، وَأَتَى بِذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ الطَّعَامِ لِتَغَايُرِ الْأَسْمَاءِ، وَقَوْلُهُ وَقَوْلُ سَعْدٍ وَقَوْلُ ابْنَ مُعَيْقِيبٍ ﵁ وَلَا تَأْخُذْ الْأَمْثِلَةَ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَلَا يُعْلَمْ لَهُمَا فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَلَيْسَ بِالثَّابِتِ مَعَ مَا يَحْتَمِلُ مِنْ التَّأْوِيلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنْ لَا تُبَاعَ الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ، وَلَا التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَلَا الْحِنْطَةُ بِالتَّمْرِ، وَلَا التَّمْرُ بِالزَّبِيبِ، وَلَا الْحِنْطَةُ بِالزَّبِيبِ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ الطَّعَامِ كُلِّهِ إلَّا يَدًا بِيَدٍ فَإِنْ دَخَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلُ لَمْ يَصْلُحْ، وَكَانَ حَرَامًا، وَلَا شَيْءَ مِنْ الْأُدُمِ كُلِّهَا إلَّا يَدًا بِيَدٍ) . (ش) :، وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ مَطْعُومٌ بِمَطْعُومٍ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ غَيْرِ جِنْسِهِ إلَّا يَدًا بِيَدٍ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مَطْعُومٌ فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَصْلُ ذَلِكَ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ فَإِنْ قِيلَ لِمَ اخْتَصَّ تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ بِالْمُقْتَاتِ، وَكَانَ تَحْرِيمُ تَأْخِيرِ الْقَبْضِ فِي جَمِيعِ الْمَطْعُومِ فَالْجَوَابُ أَنَّ تَأْخِيرَ الْقَبْضِ أَوْسَعُ بَابًا فِي الْمَنْعِ مِنْ التَّفَاضُلِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ يَخْتَصُّ بِالْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَتَأْخِيرَ التَّقَابُضِ يَتَعَلَّقُ بِالْجِنْسَيْنِ، وَلِذَلِكَ جَازَ التَّفَاضُلُ بَيْنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَمْ يَجُزْ فِيهِمَا التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَكَذَلِكَ الْمَنْعُ مِنْ الْبَيْعِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ أَعَمُّ مِنْ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي مَبِيعِ جُمْلَةٍ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا يُنْقَلُ، وَيُحَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمَا مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ مَا كَانَ شَيْئًا وَاحِدًا مِنْ الطَّعَامِ يُرِيدُ بِهِ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ، وَفِي هَذَا بَابَانِ أَحَدُهُمَا فِي تَبْيِينِ مَعْنَى الْجِنْسِ، وَالثَّانِي فِي تَبْيِينِ مَعْنَى الْمُمَاثَلَةِ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّ الْجِنْسَ تَارَةً يَكُونُ جِنْسًا مُنْفَرِدًا مِنْ الْأَصْلِ يُفَارِقُ غَيْرَهُ مِنْ

стр. 1341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْأَجْنَاسِ بِنَفْسِهِ كَالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ، وَتَارَةً يَكُونُ جِنْسًا بِالصِّنَاعَةِ كَالْخُبْزِ وَالْخَلِّ الَّذِي لَا يُفَارِقُ أَصْلَهُ، وَيَتَغَيَّرُ عَنْ جِنْسِهِ بِالصِّنَاعَةِ وَالْعَمَلِ فَأَمَّا مَا يَكُونُ جِنْسًا بِنَفْسِهِ كَالتَّمْرِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ فَإِنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَالتِّينُ كُلُّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ حَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُ مَا يَيْبَسُ، وَمِنْهُ مَا لَا يَيْبَسُ فَإِنَّ حُكْمَ جَمِيعِهِ حُكْمُ غَالِبِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَيْبَسُ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَعِنْدِي أَنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ أَبْيَضِهِ وَأَسْوَدِهِ، وَالْعِنَبُ كُلُّهُ نَوْعٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُ مَا يُزَبَّبُ، وَمَا لَا يُزَبَّبُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، وَلَا بَيْنَ سَائِرِ أَنْوَاعِهِ، وَزَيْتُونُ الشَّامِ، وَزَيْتُونُ مِصْرَ نَوْعٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَإِنْ كَانَ زَيْتُونُ مِصْرَ لَا زَيْتَ فِيهِ، وَزَيْتُونُ الشَّامِ فِيهِ الزَّيْتُ، وَلَبَنُ الضَّأْنِ وَالْمَاعِزِ وَالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ جِنْسٌ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَإِنْ كَانَ لَبَنُ الْإِبِلِ لَا زُبْدَ فِيهِ، وَلَبَنُ سَائِرِ الْأَنْعَامِ فِيهِ الزُّبْدُ، وَالْأَنِيسُونُ وَالشَّمَارُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ الْكَمُّونَانِ جِنْسٌ وَاحِدٌ حَكَى ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي إذَا قُلْنَا إنَّهَا مِنْ الطَّعَامِ أَنْ تَكُونَ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً لِاخْتِلَافِ مَنَافِعِهَا، وَتَبَايُنِ الْأَغْرَاضِ فِيهَا، وَإِنَّهَا لَا تَتَمَازَجُ فِي مَنْبَتٍ وَلَا مَحْصَدٍ، وَلَا يُجْزِئُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ فِي شَيْءٍ، وَلَا تَتَقَارَبُ فِي صُورَةٍ، وَإِنَّمَا يَجْمَعُهَا اسْمُ الْكَمُّونِ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي الْكَمُّونِ الْأَسْوَدِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الشُّونِيزِ أَظْهَرُ، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا الْفُلْفُلُ وَالْكَرَاوْيَا، وَحَبُّ الْكُزْبَرَةِ، وَالْقِرْفَةِ، وَالسُّنْبُلُ، وَالْقُرْطُمُ، وَالْخَرْدَلُ فَأَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ حَكَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبُغَ، وَحَكَاهُ فِي التَّوَابِلِ عَنْ مَالِكٍ، وَالثُّومُ، وَالْبَصَلُ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا تَغَيُّرُ الْجِنْسِ بِالصِّنَاعَةِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدِهِمَا صِنَاعَةٌ تُخْرِجُ الْمَصْنُوعَ عَنْ جِنْسِ أَصْلِهِ، وَالثَّانِي صِنَاعَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ مَا لَيْسَ مِنْ أَصْلِهِ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٍ يَكُونُ بِالنَّارِ، وَقِسْمٍ بِغَيْرِ نَارٍ فَأَمَّا مَا يَكُونُ بِالنَّارِ فَإِنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَنْفَرِدَ الصِّنَاعَةُ بِتَأْثِيرِ النَّارِ دُونَ إضَافَةِ شَيْءٍ إلَيْهِ فَمَا كَانَ مِنْهُ لَا يَنْقُصُ عِبْرَةَ الْمَصْنُوعِ فِيمَا جَرَتْ عَادَتُهُ أَنْ يُعَبَّرَ بِهِ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ كَقَلْيِ الْحِنْطَةِ وَالْحِمَّصِ وَالْفُولِ، وَسَائِرِ مَا يُقْلَى مِنْ الْحُبُوبِ فَإِنَّهَا لَا يَنْقُصُ كَيْلُ الْمَغْلِيِّ، وَهُوَ مِمَّا يُعَبَّرُ بِهِ فَهَذَا يُغَيِّرُ الْجِنْسَ؛ لِأَنَّ عَمَلَ النَّارِ كَالْأَمْرِ الثَّابِتِ فِيهِ، وَالْمَعْنَى الْمُضَافِ إلَيْهِ بِخِلَافِ شَيِّ اللَّحْمِ وَطَبْخِهِ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَيْنِ الْمَشْوِيِّ عَلَى وَجْهِ التَّخْفِيفِ، وَإِذْهَابِ أَجْزَاءِ رُطُوبَتِهِ كَتَزْبِيبِ الْعِنَبِ، وَتَيْبِيسِ التَّمْرِ وَالتِّينِ فَلَا تُغَيِّرُ الْجِنْسَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ الصِّنَاعَةُ بِالنَّارِ يَقْتَرِنُ بِهَا مَا تَتِمُّ الصِّنَاعَةُ بِهِ مِنْ مِلْحٍ وَإِبْزَارٍ وَزَيْتٍ وَخَلٍّ وَمَرَقٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا انْضَافَ إلَيْهِ مِنْهُ مَا تَكُونُ النِّهَايَةُ الْمُعْتَادَةُ مِنْ عَمَلِهِ، وَسُمِّيَ صِنَاعَةً كَالْأَبْزَارِ وَالْمَرَقَةِ فِي طَبْخِ اللَّحْمِ وَالْمَاءِ وَالْمِلْحِ فِي الْخُبْزِ فَهَذَا يُغَيِّرُ الْجِنْسَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ تَغْيِيرُهُ بِالنَّارِ، وَبِمَا يُضَافُ إلَيْهِ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ نِهَايَةِ عَمَلِهِ فَأَمَّا الْخُبْزُ فَلِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَاءَ وَالْمِلْحَ هُوَ النِّهَايَةُ مِنْ عَمَلِهِ فِي الْأَغْلَبِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النَّارَ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ نَقْصًا مِنْ وَزْنِهِ دَقِيقًا، وَأَمَّا طَبْخُ اللَّحْمِ بِالْمَاءِ وَالْمِلْحِ خَاصَّةً فَإِنَّهُ لَا يُغَيِّرُ الْجِنْسَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِيهِ نَقْصًا، وَلَيْسَ بِالْغَايَةِ الْمُعْتَادَةِ مِنْ صِنَاعَةٍ فَلَمْ تَكُنْ صِنَاعَةٌ فِيهِ، وَلَا جِنْسًا مَخْصُوصًا مِنْهُ. (فَرْعٌ) وَاخْتِلَافُ مَا يُطْبَخُ بِهِ لَيْسَ بِاخْتِلَافِ جِنْسٍ فِيهِ كَالْقَلِيَّةِ بِالْخَلِّ وَالْقَلِيَّةِ بِالْمَرَقِ وَالْقَلِيَّةِ بِالْعَسَلِ وَالْقَلِيَّةِ بِاللَّبَنِ كُلُّ ذَلِكَ جِنْسٌ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ جِنْسُهُ لِاخْتِلَافِ مَا قُلِيَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ اللَّحْمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي يَكُونُ تَغَيُّرُهُ بِغَيْرِ نَارٍ مِمَّا يَتَغَيَّرُ بِطُولِ الْمُدَّةِ، وَيَنْتَقِلُ إلَى قَلْيِ الطَّعَامِ الثَّابِتِ لَهُ بِنِهَايَةِ النُّضْجِ كَتَخَلُّلِ الْعَصِيرِ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ طُولِ الْمُدَّةِ فَلَا؛ لِأَنَّا إنَّمَا نُرَاعِي فِي الْجِنْسِ الْمَنَافِعَ، وَالْمَقَاصِدَ فَإِذَا بِيعَ الْعَصِيرُ بِالْعِنَبِ، وَهُوَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ

стр. 1342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] عَصِيرًا مِنْ وَقْتِهِ أَوْ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْعِنَبِ الْعَصِيرُ فَيَدْخُلُهُ الْمُزَابَنَةُ وَالتَّفَاضُلُ فِيمَا لَا يَحِلُّ التَّفَاضُلُ فِيهِ، وَإِذَا بِيعَ الْعِنَبُ بِالْخَلِّ، وَالْخَلُّ لَا يَتَأَتَّى مِنْ الْعِنَبِ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ مِنْ الْعِنَبِ كَمَا لَا يُقْصَدُ الْخَلُّ بِشِرَاءِ التَّمْرِ، وَلَا يُقْصَدُ التَّمْرُ بِشِرَاءِ الْخَلِّ، وَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا لِبُعْدِ تَغَيُّرِ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ الطَّعَامِ الثَّابِتِ بِنِهَايَةِ النُّضْجِ فَلِأَنَّهُ غَايَةُ الثَّمَرَةِ، وَالْمَطْلُوبُ مِنْهَا فَلَا يُخْرِجُهَا وُجُودُهُ عَنْ جِنْسِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ جِنْسِهَا، وَالْمُحَقِّقِ لَهَا فِيهِ، وَأَمَّا مَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ ضِدٌّ لَهُ كَالْحُمُوضَةِ وَالتَّخَلُّلِ فِي الْعَصِيرِ فَإِنَّهُ مُغَيِّرٌ لِلْجِنْسِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ بِسَبِيلٍ بَلْ يَمْنَعُهُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ عَلَيْهِ مَعَ وُجُودِ طَعْمٍ لِلْأَصْلِ، وَيَحْدُثُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ غَيْرُهَا، وَإِنَّمَا نَصَّ مَالِكٌ عَلَى خَلِّ التَّمْرِ ثُمَّ قَاسَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ خَلَّ الْعِنَبِ بِالْعِنَبِ فَجَوَّزَهُ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَا أَدْرِي إنْ كَانَ يَطُولُ كَالتَّمْرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَعَلُّقِهِ فِي هَذَا الْوَجْهِ بِالطُّولِ دُونَ الطَّعْمِ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ فِي الْمَدِينَةِ لَا يَحِلُّ خَلُّ التَّمْرِ، وَلَا خَلُّ الْعِنَبِ بِالْعِنَبِ، وَلَا بَأْسَ بِخَلِّ التَّمْرِ بِالْعِنَبِ، وَخَلِّ الْعِنَب بِالتَّمْرِ فَلَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِ الطَّعْمِ صِنَاعَةً تُغَيِّرُ الْجِنْسَ، وَرَوَى أَبُو زَيْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْيَسِيرِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْكَثِيرِ لِلْمُزَابَنَةِ، وَكَذَلِكَ الدَّقِيقُ بِالْقَمْحِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا عَلَّلْنَا بِالطُّولِ فَلَا يَصِحُّ خَلُّ التَّمْرِ بِنَبِيذِهِ مُتَفَاضِلًا رَوَاهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَلَّلَ بِتَقَارُبِ الْمَنَافِعِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِتَقَارُبِ انْتِقَالِهَا، وَإِلَّا فَمَنَافِعُهَا، وَأَغْرَاضُهَا مُتَبَايِنَةٌ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ خَلُّ التَّمْرِ بِنَبِيذِ الزَّبِيبِ، وَأَمَّا إذَا عَلَّلْنَا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الطَّعْمِ، وَاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْخَلِّ بِالنَّبِيذِ مُتَفَاضِلًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ. وَقَدْ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ بِالْفُقَّاعِ بِالْقَمْحِ، وَهَذَا لَا يُعْلَمُ فِيهِ التَّسَاوِي، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ عَنْ طَعْمِ الْأَصْلِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِتَغَيُّرِ الْجِنْسِ، وَلَيْسَ فِيهِ غَيْرُ تَغَيُّرِ الطَّعْمِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فِي الصِّنَاعَةِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الشَّيْءِ، وَبَيْنَ مَا لَيْسَ مِنْ أَجْنَاسِهِ فِي الْأَصْلِ فَهُوَ أَنْ تَكُونَ الصِّنَاعَةُ تُغَيِّرُ الْأَجْنَاسَ، وَتُصَيِّرُهَا جِنْسًا وَاحِدًا لِاخْتِلَافِ مَنَافِعِ أُصُولِهَا وَاتِّفَاقِ الْأَغْرَاضِ فِيمَا تُخْرِجُهُ إلَيْهِ الصِّنَاعَةُ مِنْهَا كَخَلِّ التَّمْرِ وَخَلِّ الْعِنَبِ وَخَلِّ الْعَسَلِ فَهَذِهِ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا، وَخَلُّهَا كُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ زَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة وَكَذَلِكَ كُلُّ خَلٍّ اخْتَلَفَتْ أَصْنَافُهُ أَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ، وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ هَذِهِ الْآخِرَةُ خَطَأٌ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا، وَفِي الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ إنَّهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِيهَا، وَإِنَّ لُحُومَهَا وَأَلْبَانَهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ لِاتِّفَاقِ الْأَغْرَاضِ فِيهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا نَبِيذُ التَّمْرِ وَنَبِيذُ الْعِنَبِ فَفِي كِتَابِ أَبِي الْفَرَجِ مِنْهَا صِنْفَانِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ التَّمْرُ وَالْعِنَبُ صِنْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَالِانْتِبَاذُ لَيْسَ بِصِنَاعَةٍ تُغَيِّرُ الْجِنْسَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَبِيذُ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ نَبِيذِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ نَبِيذُ الْعِنَبِ مِنْ جِنْسِ نَبِيذِ التَّمْرِ، وَنَبِيذُ التَّمْرِ مِنْ جِنْسِ نَبِيذِ الْعِنَبِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَيَكُونُ الْعِنَبُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ التَّمْرِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ تَسَاوِي النَّبِيذَيْنِ فِي الِاسْمِ وَالصُّورَةِ وَالْمَنْفَعَةِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الِانْتِبَاذُ صَنْعَةً. وَقَدْ تَقَدَّمَ رِوَايَةُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ بِتَجْوِيزِ الْفُقَّاعِ بِالْقَمْحِ، وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَ الِانْتِبَاذِ صَنْعَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْخُبْزُ فَإِنَّهُ مِنْ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِي خُبْزِ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ وَالْأَرُزِّ وَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ إنَّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَأَمَّا خُبْزُ الْقُطْنِيَّةِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ أَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَحَكَى عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْخُبْزَ لَيْسَ بِمُعْتَادٍ فِيهَا، وَإِنَّمَا الْمُعْتَادُ فِيهَا التَّأَدُّمُ بِهَا، وَلِذَلِكَ قَارَبَتْ مَا يُخْتَبَزُ غَالِبًا مِنْ الذُّرَةِ وَالدُّخْنِ وَالْأَرُزِّ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذِهِ حُبُوبٌ تُتَّخَذُ خُبْزًا فَإِذَا

стр. 1343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] تَقَارَبَتْ مَنَافِعُ خُبْزِهَا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ جِنْسًا وَاحِدًا كَالدُّخْنِ وَالذُّرَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَصِحُّ عِنْدِي أَنْ نَبْنِيَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي أُصُولِهِمَا مِنْ الْقَطَانِيِّ هَلْ هُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ أَوْ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّ سَوِيقَهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خُبْزِهَا أَنَّهَا لَا تُتَّخَذُ خُبْزًا غَالِبًا، وَتُتَّخَذُ سَوِيقًا غَالِبًا، وَقَالَ أَشْهَبُ إنَّ خُبْزَ الْقُطْنِيَّةِ جِنْسٌ مُخَالِفٌ لِخُبْزِ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ وَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ وَالْأَرُزِّ وَالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ هَذِهِ تُتَّخَذُ خُبْزًا غَالِبًا، وَهَذِهِ لَا تُتَّخَذُ فِي الْغَالِبِ خُبْزًا. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّ الْخُبْزَ صِنْفٌ يَجُوزُ التَّمَاثُلُ فِيهِ فَكَيْفَ يَكُونُ التَّمَاثُلُ فِيهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُرَاعَى فِيهِ تَمَاثُلُ الدَّقِيقِ فِي الْخَبْزَيْنِ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَقَالَهُ أَصْبُغُ فِي هَرِيسَةِ الْقَمْحِ بِالْأَرُزِّ الْمَطْبُوخِ، وَهَذَا عِنْدِي عَلَى الْإِطْلَاقِ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّمَاثُلُ فِيهِ بِالْوَزْنِ، وَيُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ دُونَ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ قَدْ غَيَّرْته عَنْ جِنْسِ أَصْلِهِ فَكَيْفَ يُعْتَبَرُ أَصْلُهُ، وَهُوَ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْلِهِ، وَلَوْ جَازَ هَذَا لَمَا جَازَ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ لِاخْتِلَافِهِمَا حَالَ الِادِّخَارِ، وَلَمَا جَازَ التَّمْرُ بِالتَّمْرِ لِاخْتِلَافِهِمَا حَالَ الْإِرْطَابِ أَوْ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْجُفُوفِ، وَلَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُ النَّبِيذِ بِالنَّبِيذِ مُتَسَاوِيًا عَلَى قَوْلِنَا بِوُجُوبِ التَّسَاوِي فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ تَحَرِّي تَمْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوَجَبَ مِثْلُ هَذَا فِي الْخَلِّ بِالْخَلِّ، وَاللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ بِاللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الطَّحْنُ فَلَيْسَ بِمُغَيِّرٍ لِلْجِنْسِ خِلَافًا لِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ فِي قَوْلِهِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْجِنْسُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ الطَّحْنَ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ، وَذَلِكَ لَا يُغَيِّرُ الْجِنْسَ كَفَتِّ الْخُبْزِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ لَيْسَ يُغَيِّرُ الْجِنْسَ فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالْحِنْطَةِ مُتَسَاوِيًا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا الْمَنْعُ، وَالْأُخْرَى الْإِبَاحَةُ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَوْجِيهِ الرِّوَايَتَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ الطَّحْنَ لَيْسَ بِجِنْسٍ فَوَجَبَ التَّمَاثُلُ فِيهِ بِالْكَيْلِ الَّذِي يُعْتَبَرُ بِهِ، وَعَلَى تَسَاوِيهِمَا فِي الصِّفَةِ، وَمَنْ كَوْنِهِمَا قَمْحًا أَوْ دَقِيقًا، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا اخْتِلَافًا يُوجِبُ عَدَمَ الْعِلْمِ بِتَسَاوِيهِمَا حَالَ تَسَاوِيهِمَا فِي الصِّفَةِ، وَمِنْ كَوْنِهِمَا قَمْحًا أَوْ دَقِيقًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِمَا كَالزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ، وَالسِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْإِبَاحَةِ أَنَّ الْكَيْلَ مَعْنًى يُعْتَبَرُ بِهِ التَّمَاثُلُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُرَاعَى فِيهِ كَثْرَةُ أَجْزَاءِ الْمَكِيلِ، وَقُلْتهَا كَالتَّمْرِ الصَّغِيرِ بِالتَّمْرِ الْكَبِيرِ كَيْلًا، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ إنَّ الرِّوَايَتَيْنِ إنَّمَا هُمَا لِاخْتِلَافِ الْحَالَتَيْنِ فَيَجُوزُ عَلَى وَجْهٍ، وَيُمْنَعُ عَلَى وَجْهٍ، وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ فِي وَجْهِ الْإِبَاحَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ كَيْلًا لَا وَزْنًا، وَلَا تَحَرِّيًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجُوزُ وَزْنًا، وَلَا يَجُوزُ كَيْلًا، وَوَجْهُ اعْتِبَارِ وَزْنِ الْمَكِيلِ أَنَّ التَّمَاثُلَ فِي الْكَيْلِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِذَلِكَ فَإِذَا وَصَلَ إلَى التَّمَاثُلِ وَجَبَ أَنْ يُرَاعَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَوَجْهُ اعْتِبَارِ الْوَزْنِ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُبِيحَ لِبَيْعِ الْمُقْتَاتِ بِجِنْسِهِ التَّمَاثُلُ فَإِذَا تَعَذَّرَ مِقْدَارُهُ انْتَقَلَ إلَى غَيْرِهِ كَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ الْمَكِيلِ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي مَا يَقَعُ التَّمَاثُلُ بِهِ فِي الْمَقَادِيرِ] ١ أَمَّا مَا يَقَعُ التَّمَاثُلُ بِهِ فِي الْمَقَادِيرِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ مِقْدَارٌ فِي الشَّرْعِ، وَالثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مِقْدَارٌ فِي الشَّرْعِ فَأَمَّا مَا كَانَ لَهُ مِقْدَارٌ مَشْرُوعٌ فَكَالْكَيْلِ فِي الْحُبُوبِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ الْأَوْسُقَ فِي زَكَاةِ التَّمْرِ، وَحُكْمُ الْحُبُوبِ حُكْمُهَا فِي اعْتِبَارِ نُصُبِ الزَّكَاةِ، وَكَانَ الْكَيْلُ مَشْرُوعًا فِيهَا، وَكَذَلِكَ شَرَعَ فِي إخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَشَرَعَ فِي إخْرَاجِ فِدْيَةِ الْأَذَى فَلَا يَجُوزُ عَلَى هَذَا شَيْءٌ مِنْ الْحُبُوبِ بِجِنْسِهِ بِغَيْرِ الْكَيْلِ؛ لِأَنَّ التَّمَاثُلَ يُعْدَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا لَيْسَ لَهُ مِقْدَارٌ فِي الشَّرْعِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ مِقْدَارٌ مُعْتَادٌ مِنْ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ، وَالثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مِقْدَارٌ مِنْ أَحَدِهِمَا فَأَمَّا مَا لَهُ مِقْدَارٌ مُعْتَادٌ مِنْهُمَا فَهُوَ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَخْتَلِفَ مِقْدَارُهُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ، وَالثَّانِي أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِهَا فَأَمَّا مَا لَا يَخْتَلِفُ فَمِثْلُ اللَّحْمِ الَّذِي يُعْتَبَرُ بِالْوَزْنِ فِي كُلِّ

стр. 1344

[مَا كَانَ شَيْئًا وَاحِدًا مِنْ الطَّعَامِ أَيْ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ وَفِيهِ بَابَانِ] [ الْبَاب الْأَوَّل فِي تَبْيِينِ مَعْنَى الْجِنْسِ] (ص) : (قَالَ مَالِكٌ إذَا اخْتَلَفَ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ فَبَانَ اخْتِلَافُهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ، وَصَاعٌ مِنْ تَمْرٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ زَبِيبٍ، وَصَاعٌ مِنْ حِنْطَةٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ سِمْسِمٍ فَإِذَا كَانَ الصِّنْفَانِ مِنْ هَذَا مُخْتَلِفَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِاثْنَيْنِ مِنْهُ بِوَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ الْأَجَلُ فَلَا يَحِلُّ قَالَ مَالِكٌ، وَلَا تَحِلُّ صُبْرَةُ الْحِنْطَةِ بِصُبْرَةِ الْحِنْطَةِ، وَلَا بَأْسَ بِصُبْرَةِ الْحِنْطَةِ بِصُبْرَةِ التَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْحِنْطَةَ بِالتَّمْرِ جُزَافًا قَالَ مَالِكٌ وَكُلُّ مَا اخْتَلَفَ مِنْ الطَّعَامِ وَالْأُدُمِ فَبَانَ اخْتِلَافُهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ جُزَافًا يَدًا بِيَدٍ فَإِنْ دَخَلَهُ الْأَجَلُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَإِنَّمَا اشْتِرَاءُ ذَلِكَ جُزَافًا كَاشْتِرَاءِ بَعْضِ ذَلِكَ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ جُزَافًا، وَقَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ إنَّك تَشْتَرِي الْحِنْطَةَ بِالْوَرِقِ جُزَافًا وَالتَّمْرَ بِالذَّهَبِ جُزَافًا فَهَذَا حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ) . ــ [المنتقى] بَلَدٍ، وَكَذَلِكَ الْخُبْزُ عِبْرَتُهُ الْوَزْنُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَهَذَا أَيْضًا لَا يَجُوزُ التَّسَاوِي فِيهِ بِمِقْدَارِ غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ مَا يُعْتَبَرُ بِالْكَيْلِ كُلُّ بَلَدٍ مِنْ الْحُبُوبِ الْمُقْتَاتَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا مَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ، وَتَقْدِيرُهُ بِاخْتِلَافِ عَادَاتِ الْبِلَادِ فَكَالسَّمْنِ وَاللَّبَنِ وَالزَّيْتِ وَالْعَسَلِ الَّذِي عَادَاتُ بَعْضِ الْبِلَادِ فِيهِ الْوَزْنُ، وَبَعْضُهَا الْكَيْلُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي، وَهُوَ مَا لَا يَتَقَدَّرُ بِكَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ فَكَالْبَيْضِ وَالْجَوْزِ عِنْدَ مَنْ يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّمَا اخْتَلَفَتْ مَنَافِعُهُ، وَالْمَقَاصِدُ مِنْهُ فَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فِيهِ فَهَذَا الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ أَحَدِهِمَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِ، وَذَلِكَ كَالْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ لَا بَأْسَ بِصَاعَيْنِ مِنْ أَحَدِهِمَا بِصَاعٍ مِنْ الْآخَرِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَقَوْلُهُ فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ الْأَجَلُ فَلَا يَحِلُّ يُرِيدُ أَنَّهُ، وَإِنْ جَازَ فِيهِ التَّفَاضُلُ بَيْنَ الْجِنْسِ مِنْ الْمَطْعُومِ فَلَا يَجُوزُ الْأَجَلُ بَيْنَهُمَا مُتَسَاوِيَيْنِ وَلَا مُتَفَاضِلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي مَنْعِ ذَلِكَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْمَطْعُومَيْنِ دُونَ مُرَاعَاةِ جِنْسٍ، وَلَا مُسَاوَاةٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا بِقَفِيزِ حِنْطَةٍ فَدَفَعَ إلَيْهِ الْحِنْطَةَ فَأَتْلَفَهَا ثُمَّ أَقَالَهُ؛ قَبْلَ قَبْضِ الثَّوْبِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِ مِثْلَهَا جَازَ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْمَالُ أَنَّهُ حِنْطَةٌ بِحِنْطَةٍ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ فِي مِثْلِ هَذَا يَضْعُفُ، وَالتُّهْمَةُ تَبْعُدُ، وَمِثْلُ هَذَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ، وَإِنَّمَا بَلَغَهُ حُكْمُ الذَّرَائِعِ حَيْثُ تَتَيَقَّنُ التُّهْمَةُ أَوْ تَقْوَى، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ مِنْهُ قَفِيزَ حِنْطَةٍ بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ فَأَقَالَهُ مِنْهُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ فَرَدَّ إلَيْهِ مِثْلَهُ جَازَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِ غَيْرَ نَوْعِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ طَعَامٌ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لَا تَحِلُّ صُبْرَةُ الْحِنْطَةِ بِصُبْرَةِ الْحِنْطَةِ، وَذَلِكَ قَدْ يُرِيدُ أَنَّ الصُّبْرَةَ مَجْهُولَةُ الْقَدْرِ فَإِذَا كَانَ الْعِوَضَانِ مَجْهُولَيْ الْقَدْرِ لَمْ يَصِحَّ فِيمَا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالتَّسَاوِي فِيهِ كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْبَيْعَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَأْمَنُ التَّحْرِيمَ فِيهِ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْعَقْدِ أَنْ يُعْلَمَ إبَاحَتُهُ فَلَا يَجُوزُ الْجُزَافُ فِي يَسِيرِهِ، وَلَا كَثِيرِهِ فَمَتَى عَجَزَ عَنْ كَيْلِهِ بَطَلَتْ الْمُبَادَلَةُ بِخِلَافِ الذَّهَبِ فِي الدَّنَانِيرِ الْقَائِمَةِ الَّتِي يَجُوزُ بَدَلُ الدِّينَارِ وَالدِّينَارَيْنِ إذَا كَانَا نَاقِصَيْنِ بِدِينَارٍ أَوْ دِينَارَيْنِ وَازِنَيْنِ؛ لِأَنَّ لِلدَّنَانِيرِ عِبْرَةً غَيْرَ الْوَزْنِ، وَهُوَ الْعَدَدُ فَصَحَّ الرُّجُوعُ إلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ مَا، وَأَمَّا الْحِنْطَةُ فَلَا عِبْرَةَ لَهَا غَيْرُ الْكَيْلِ فَلَا يَجُوزُ الْمُبَادَلَةُ فِيهَا إلَّا بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا التَّحَرِّي فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ الْوَزْن، وَمَنْ جَوَّزَهُ فِي الْمَكِيلِ فَفِي قَدْرٍ لَهُ كَيْلٌ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ، وَلَا بَأْسَ بِصُبْرَةِ الْحِنْطَةِ بِصُبْرَةِ التَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّفَاضُلَ جَائِزٌ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنْ جِنْسِ الْآخَرِ فَالْجَهْلُ التَّسَاوِي فِيهِمَا لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ كَمَا لَا يَمْنَعُهُ الْعِلْمُ بِالتَّفَاضُلِ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَلَا يَجُوزُ بَعْضه بِبَعْضٍ جُزَافًا مَعَ تَجْوِيزِ التَّسَاوِي وَالتَّفَاضُلِ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَيْنِ لَمَّا اخْتَلَفَتْ الْأَغْرَاضُ فِيهِمَا، وَتَبَايَنَ أَمْرُهُمَا لَمْ تَتَقَصَّدْ الْمُغَابَنَةُ

стр. 1345

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَمَنْ صَبَّرَ صُبْرَةَ طَعَامٍ، وَقَدْ عَلِمَ كَيْلَهَا ثُمَّ بَاعَهَا جُزَافًا وَكَتَمَ عَلَى الْمُشْتَرِي كَيْلَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ فَإِنْ أَحَبَّ الْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ الطَّعَامَ عَلَى الْبَائِعِ رَدَّهُ بِمَا كَتَمَهُ كَيْلَهُ وَغَرَّهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا عَلِمَ الْبَائِعُ كَيْلَهُ وَعَدَدَهُ مِنْ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ بَاعَهُ جُزَافًا، وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُشْتَرِي إنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ رَدَّهُ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ) ــ [المنتقى] فِي الْكَيْلِ بَيْنَهُمَا، وَلَا قَصَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ مَا أَخَذَ مِنْ الْكَيْلِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى؛ لِأَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ غَرَضًا غَيْرَ الْغَبْنِ فِي الْقَدْرِ هُوَ أَبْيَنُ مِنْهُ وَأَظْهَرُ وَهُوَ مُخَالَفَةُ مَنْفَعَةِ مَا أَعْطَى لِمَنْفَعَةِ مَا أَخَذَ، وَإِذَا كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَتَقَارَبَا كَانَ الْأَظْهَرُ إنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَبْنَ صَاحِبِهِ فِي الْقَدْرِ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمُخَاطَرَةِ الَّتِي تَمْنَعُ الْبَيْعَ، وَالْمُبَادَلَةَ فَإِذَا تَفَاوَتَتْ الْمَقَادِيرُ حَتَّى تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ الْآخَرِ جَازَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا لِعَدَمِ مَعْنَى الْغَرَرِ وَالْمُخَاطَرَةِ بِزِيَادَةِ الْكَيْلِ وَنَقْصِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لَا شَتْرَائِهِ بِالذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ جُزَافًا بِمَعْنَى أَنَّ اشْتِرَاءَ الْحِنْطَةِ بِالتَّمْرِ جُزَافًا لَمَّا كَانَ مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ جَائِزٌ كَاشْتِرَاءِ الْحِنْطَةِ جُزَافًا بِالذَّهَبِ كَانَ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ فَكَذَلِكَ مَا قِسْنَا عَلَيْهِ. (ش) : قَوْلُهُ مَنْ صَبَّرَ صُبْرَةَ طَعَامٍ فَبَاعَهَا جُزَافًا الصُّبْرَةُ مِنْ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ تُبَاعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تُبَاعَ عَلَى الْكَيْلِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ عَلَى أَنَّ فِيهَا عَشَرَةَ أَرَادِبَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَاعَهُ مِنْهَا هَذَا الْمِقْدَارَ كُلُّ إرْدَبٍّ بِدِينَارٍ فَإِنْ وَجَدَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَرَادِبَ فَالْبَيْعُ لَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا إلَّا عَشَرَةَ أَرَادِبَ، وَإِنْ وَجَدَ فِيهَا تِسْعَةَ أَرَادِبَ كَانَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَالثَّانِي أَنْ يَبِيعَهَا جُزَافًا عَلَى مَا قَالَ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ ابْتَعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ ثَمَنٌ لِجَمِيعِهَا، وَإِنَّ الْبَيْعَ قَدْ تَنَاوَلَ جَمِيعَهَا، وَلَمْ يَبِعْ عَلَى قَدْرِ مَا يُعْتَبَرُ بِهِ زِيَادَتُهَا عَلَيْهِ أَوْ نَقْصُهَا عَنْهُ، وَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا مَرْئِيٌّ يَتَأَتَّى فِيهِ الْحَزْرُ، وَيَقِلُّ فِيهِ الْغَرَرُ، وَلَا يَظْهَرُ فِيهِ الْقَصْدُ إلَى الْمُخَاطَرَةِ وَالْمُغَابَنَةِ فَجَازَ بَيْعُهُ جُزَافًا وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ يَجُوزُ الْجُزَافُ فِي كُلِّ مَكِيلٍ كَالْحِنْطَةِ أَوْ مَوْزُونٍ كَاللَّحْمِ أَوْ مَعْدُودٍ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ مِمَّا الْغَرَضُ فِي مَبْلَغِهِ دُونَ أَعْيَانِهِ، وَلَا آحَادِهِ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ، وَلَا مَعْدُودٍ مِمَّا الْغَرَضُ فِي أَعْيَانِهِ كَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ وَالثِّيَابِ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْجُزَافُ؛ لِأَنَّ آحَادَهُ تَحْتَاجُ إلَى أَنْ تُفْرَدَ بِالنَّظَرِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِحَالِهِ، وَسَلَامَتِهِ مِنْ الْعُيُوبِ وَقِيمَتِهِ فِي نَفْسِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ الْأُتْرُجَّ وَالْبِطِّيخَ الْمُخْتَلِفَ الْمَقَادِيرِ يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْغَرَضُ مِنْهُ الْمَبْلَغَ خَاصَّةً، وَلِذَلِكَ يَتَأَتَّى حَزْرُهُ، وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَ ثَمَنُ صَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ لَوَجَبَ عَلَى طَرِيقِهِمْ أَنْ لَا يَجُوزَ ذَلِكَ فِيهِ، وَأَمَّا إنْ عَلَّلْنَا الْجَوَازَ بِرُؤْيَةِ جَمِيعِهِ فَهُوَ جَائِزٌ. ١ - (فَصْلٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ لِبَيْعِ الْجُزَافِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا وَاحِدًا مِنْهَا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ يَتَأَتَّى فِيهِ الْحَزْرُ، وَالثَّانِي أَنْ لَا يَعْلَمَ الْمُتَبَايِعَانِ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفَرِدُ بِمَعْرِفَةِ مِقْدَارِهِ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ يَخْفَى أَمْرُهُ، وَمَبْلَغُهُ عَلَى التَّحْقِيقِ فَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَرْئِيًّا، وَأَمَّا الْغَائِبُ الَّذِي لَمْ تَتَقَدَّمْ رُؤْيَتُهُ أَوْ الثَّابِتُ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَتَأَتَّى حَزْرُهُ. وَقَدْ فَسَّرَهُ سَحْنُونٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَزْرَ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِالنَّظَرِ إلَى مَا يَجُوزُ فَلَا يَصْلُحُ الْجُزَافُ فِيهِ، وَلِذَلِكَ لَا تَصِحُّ مِنْ الْأَعْمَى شَهَادَةٌ فِيهِ، وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ، وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ الدَّارُ الْغَائِبَةُ عَلَى الصِّفَةِ إلَّا مُذَارَعَةً، وَقَالَ سَحْنُونٌ مِثْلَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ فَإِنَّ مَعْنَى الْجُزَافِ أَنْ لَا يَعْلَمَ مِقْدَارَهُ عَلَى التَّحْقِيقِ فَإِنْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ خَرَجَ عَنْ الْجُزَافِ، وَصَارَ مَعْلُومًا فَيَجِبُ أَنْ يُكَالَ أَوْ يُعْرَفَ، وَالْمُبْتَاعُ فِيهِ الْبَائِعُ فَإِنْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِمَعْرِفَتِهِ دُونَ الْآخَرِ

стр. 1346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَعُقِدَ الْبَيْعُ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَ الْغَرَرُ فَلَا يَجُوزُ هَذَا الْعَقْدُ رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَبَيْعِ الْغَرَرِ» ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ بَاعَ جُزَافًا مَا يُعْلَمُ قَدْرُ كَيْلِهِ عَلَى الِانْفِرَادِ بِعِلْمِهِ فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ أَبِيعُك مِلْءَ هَذِهِ الْغِرَارَةِ، وَهُوَ يَعْلَمُ كَيْلَهَا. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ انْعَقَدَ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا فَإِنَّ ابْنَ حَبِيبٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ يُفْسَخُ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا عَلَى الْإِبَاقِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَهُ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ، وَلَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْهُ التَّفَاوُتُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ذَلِكَ لَهُ مِقْدَارٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ، وَيُطَالِبُ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي مَسْأَلَتِنَا مِقْدَارٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ، وَيَعُولُ الْمُبْتَاعُ عَلَيْهِ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ الْبَيْعَ فِي الْجُزَافِ عَلَى اللُّزُومِ وَالرِّضَا بِالْخَطَرِ وَكِتْمَانِ مَا عُلِمَ مِنْهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِبَاقِ فَإِنْ لَمْ يَبِنْ عَلَيْهِ بَلْ الْمُبْتَاعُ لَمْ يُسْأَلْ الْبَائِعُ عَنْ قَدْرِ إبَاقِهِ، وَلَوْ بَنَى مَعَهُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي اللُّزُومِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْإِبَاقِ، وَكِتْمَانِ مَا قَدْ عُلِمَ مِنْهُ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْجُزَافِ فِي فَسَادِ الْبَيْعِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ الْبَيْعَ، وَكَتَمَ صَاحِبُهُ فَهُوَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ الْمُبْتَاعُ عَلَى الْبَائِعِ إنْ شَاءَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُشْتَرِي فِي حَوْزِهِ عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ، وَلَوْ عَلِمَ بِأَنَّهَا ثَمَانِيَةٌ لَمَا ابْتَاعَهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ فَإِذَا عَلِمَ الْبَائِعُ بِذَلِكَ فَقَدْ عَلِمَ مِنْ عَيْبِ النَّقْصِ مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي فَكَانَ لَهُ رَدُّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْعَيْبِ فَإِذَا اسْتَوَى عِلْمُهُمَا فِي ذَلِكَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى الْبَرَاءَةِ فَلَا يَكُونُ لَهُ الرَّدُّ بِعَيْبٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ائْتَمَنَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِقْدَارٌ ظَاهِرٌ عُوِّلَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا عُوِّلَ فِي بَيْعِ الْبَرَاءَةِ عَلَى الصِّحَّةِ فَكَانَتْ لَهُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تُسَاوَى عِلْمُهُمَا فِي عَدَمِ الْعَيْبِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا حُكْمُ مَا جُوزِفَ بِمِقْدَارِهِ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ فِي اعْتِبَارِهِ كَالْكَيْلِ فِي الْمَكِيلِ، وَالْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى يُعْتَبَرُ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ فَأَمَّا مَا كَانَ لَهُ مَعْنَيَانِ يُعْتَبَرُ بِهِمَا فَبَيْعٌ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَجُوزِفَ فِي الْآخَرِ مَعَ عِلْمِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِمِقْدَارِهِ فِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُرَدُّ بِهِ، وَلَا يَفْسُدُ بِهِ بَيْعٌ كَالدَّرَاهِمِ الَّتِي تُعْتَبَرُ بِالْوَزْنِ وَالْعَدَدِ فَبِيعَتْ فِي بَلَدٍ تُجْزِئُ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ بِأَحَدِهِمَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمَعْدُودُ فَإِنْ كَانَتْ مَقَادِيرُهُ لَا تَتَفَاوَتُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَأَمَّا مَا تَخْتَلِفُ مَقَادِيرُهُ، وَتَتَفَاوَتُ كَالْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ وَالْأُتْرُجِّ فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ بَيْعَهُ مِمَّنْ يَعْرِفُ عَدَدَهُ جُزَافًا، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا عَرَفَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَدَدَهُمَا أَوْ غَيْرَهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ جُزَافًا، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْغَرَضَ فِي مَبْلَغِهِ دُونَ عَدَدِهِ فَإِذَا انْفَرَدَ بِمَعْرِفَةِ عَدَدِهِ فَلَمْ يَنْفَرِدْ بِمَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِمَعْرِفَةِ عَدَدِ الْقَمْحِ أَوْ مَعْرِفَةِ وَزْنهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ هَذَا انْفَرَدَ بِمَعْرِفَةِ مَا يَتَقَدَّرُ بِهِ الْمَبِيعُ فِي الْبَيْعِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِمَعْرِفَةِ كَيْلِ الْقَمْحِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ يَكُونُ الْجُزَافُ صُبْرَةً فِي الْأَرْضِ، وَيَكُونُ إنَاءً مَمْلُوءًا كَالْعِدْلِ الْمَمْلُوءِ قَمْحًا، وَالْبَيْتِ الْمَمْلُوءِ تَمْرًا فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَلَا خِلَافَ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْجُزَافِ لَهُ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَهَلْ يَكُونُ جُزَافًا أَوْ كَيْلًا مَجْهُولًا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَسَائِلَ عَلَى ذَلِكَ فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ مِنْ بَابِ الْجُزَافِ فَيَجُوزُ بَيْعُ الْعِدْلِ الْمَمْلُوءِ قَمْحًا، وَالْبَيْتِ الْمَمْلُوءِ تَمْرًا إذَا أَمْكَنَ حَزْرُ الْمَبِيعِ، وَتَقْدِيرُهُ بِمَعْرِفَةِ طُولِ الْبَيْتِ وَعَرْضِهِ وَارْتِفَاعِهِ وَغِلَظِ جُدُرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ابْتَاعَ مِنْهُ سَلَّةً مَمْلُوءَةً عِنَبًا أَوْ تِينًا، وَأَمَّا إنْ ابْتَاعَ مِنْهُ مِلْءَ هَذَا الْعِدْلِ مِنْ الْقَمْحِ وَالْعِدْلُ لَا قَمْحَ فِيهِ أَوْ يَمْلَأُ لَهُ هَذَا الْبَيْتَ تَمْرًا أَوْ هَذِهِ الْقَارُورَةَ ذَهَبًا أَوْ هَذِهِ السَّلَّةِ عِنَبًا فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ هَذَا جُزَافٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، وَالْجُزَافُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ قَدْرَ كَيْلِ هَذِهِ الصُّبْرَةِ مِنْ طَعَامٍ لَا يَجُوزُ، وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْهُ جَوَازَهُ فِي سَلَّةِ التِّينِ وَالْعِنَبِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ مِثْلَهَا، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا

стр. 1347

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا خَيْرَ فِي الْخُبْزِ قُرْصٍ بِقُرْصَيْنِ، وَلَا عَظِيمٍ بِصَغِيرٍ إذَا كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ فَأَمَّا إذَا كَانَ يَتَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوزَنْ) . ــ [المنتقى] وَبَيْنَ أَعْدَالِ الْقَمْحِ بِأَنْ قَالَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي سُلُلِ التِّينِ، وَلَا يَجُوزُ فِي سُلُلِ الْقَمْحِ فَالرِّوَايَةُ الْأُولَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْجُزَافِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ إلَّا مَرْئِيًّا، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْكَيْلِ الْمَجْهُولِ فَلِذَلِكَ جَازَ فِي الْعِنَبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْكَيْلِ قَدْرٌ مَعْرُوفٌ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْقَمْحِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي الْكَيْلِ قَدْرًا مَعْرُوفًا فَالْعُدُولُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْكَيْلِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ الْغَرَرِ الَّذِي يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ. وَقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ فِي الْعِدْلِ الْمَمْلُوءِ مِنْ الْقَمْحِ، وَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا عَلَى قَوْلِنَا أَنَّهُ صُبْرَةٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ مِلْءَ هَذَا الْعَدْلَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْكَيْلِ الْمَجْهُولِ، وَفِيهِ الْقَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَلَا خِلَافَ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا لَهُ قَدْرٌ بِحَيْثُ لِلنَّاسِ كَيْلٌ مَعْلُومٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْكَيْلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهُ فِي التِّبْنِ وَالْعَلَفِ بِحَيْثُ لَا كَيْلَ لِلنَّاسِ، وَوَجْهُ مَنْعِهِ الْقَصْدُ إلَى الْغَرَرِ لِلْعُدُولِ عَنْ الْمَقَادِيرِ الْمَعْرُوفَةِ، وَابْتِيَاعِ صُبْرَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ. (فَرْعٌ) فَإِنْ وَقَعَ فَهَلْ يُفْسَخُ أَمْ لَا قَالَ أَشْهَبُ لَا يُفْسَخُ، وَقَالَ غَيْرُهُ يُفْسَخُ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذَا غَيْرَ مَجْهُولِ الْقَدْرِ فَلَمْ يَجُزْ فَسْخُهُ أَصْلُ ذَلِكَ الصُّبْرَةُ، وَوَجْهُ إيجَابِ الْفَسْخِ نَهْيُهُ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ فِيهِ الْحَزْرُ، وَيَكْثُرُ فِيهِ الْغَرَرُ فَمَنْعُ صِحَّةِ الْبَيْعِ أَصْلُ ذَلِكَ الْجُزَافِ فِي الثِّيَابِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ مِقْدَارٌ مَعْرُوفٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَكِيلِ بِالْوَزْنِ، وَلَا الْمَوْزُونِ بِالْكَيْلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ الْكَيْلِ الْمَعْرُوفِ فَبِأَنْ لَا يَجُوزَ بِغَيْرِ الْكَيْلِ أَوْلَى فَأَمَّا بَيْعُ الْمَكِيلِ عَدَدًا بِمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ كَالرُّطَبِ فَإِنَّ مَالِكًا يَمْنَعُ مِنْهُ، وَرَوَاهُ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا أَجَازَهُ بِصُبْرَةٍ بِجَمِيعِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْكَيْلُ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ اعْتَبَرَ الْمَبِيعَ بِمَا لَا يَتَقَدَّرُ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ كَمَا لَوْ بِيعَ الْمَكِيلُ بِالْوَزْنِ، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَأَتَّ فِيهِ الْكَيْلُ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَكِيلًا. (فَصْلٌ) : وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا عَلِمَ الْبَائِعُ كَيْلَهُ وَعَدَدَهُ مِنْ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ بَاعَهُ جُزَافًا، وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ يُرِيدُ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ الْجُزَافُ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْمَعْدُودَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ الْمَكِيلِ فَإِنْ عَلِمَ عَدَدَهُ الْبَائِعُ فَبَاعَهُ جُزَافًا، وَلَا يَعْلَمُ الْمُشْتَرِي بِعِلْمِهِ لِذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ كَالْعَيْبِ الَّذِي لِلْمُبْتَاعِ الرَّدُّ بِهِ أَوْ الرِّضَا بِهِ، وَلَا يَفْسُدُ بِذَلِكَ الْبَيْعُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الَّذِي يُفْسِدُ الْبَيْعَ إنَّمَا هُوَ مَعْرِفَةُ الْمُبْتَاعِ لِعِلْمِ الْبَائِعِ بِقَدْرِ الْكَيْلِ فَيُقَدَّمُ فِي ابْتِيَاعِهِ عَلَى هَذَا الْغَرَرِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ فِي مَسْأَلَتِنَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ يُرِيدُ عَنْ كِتْمَانِ عِلْمِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّدْلِيسِ بِمَا يُوجِبُ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ، وَلَوْ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِذَلِكَ لَمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ جُزَافًا، وَإِنَّمَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ بَعْدَ أَنْ يُعْلِمَهُ بِمِقْدَارِهِ مِنْ الْكَيْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونِ وَالْعَدَدِ فِي الْمَعْدُودِ فَيَبِيعَهُ عَلَى ذَلِكَ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي قُرْصٍ بِقُرْصَيْنِ عَدَدًا، وَلَا عَظِيمٍ بِصَغِيرٍ عَلَى الْجُزَافِ؛ لِأَنَّ التَّسَاوِيَ مَعْدُومٌ فِيهِمَا، وَأَمَّا التَّحَرِّي فِيهِمَا فَيَصِحُّ إذَا تَحَرَّى تَسَاوِيهِمَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنْ يَتَحَرَّى مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الدَّقِيقِ إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي تَحَرِّي الْخُبْزِ دُونَ الدَّقِيقِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُوزَنَا، وَهَذَا إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا يَصِحُّ أَنْ يُوزَنَ، وَيَكُونُ الْمَوْزُونُ أَبَيْنَ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهِمَا، وَإِذَا رَأَى غَبْنًا فِي تَحَرِّي الدَّقِيقِ لَمْ يَصِحَّ وَزْنُ مَا فِي الْقُرْصَيْنِ مِنْ الدَّقِيقِ بَلْ ذَلِكَ أَقْعَدُ فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ تَحَرِّيَ مَا فِيهِمَا مِنْ الدَّقِيقِ يَشُقُّ، وَيَكَادُ أَنْ لَا يَصِحَّ، وَلَوْ كَثُرَ الْقَوْلُ بِهَذَا فِي الْمَذْهَبِ لَكَانَ عِنْدِي أَصَحَّ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ١ -

стр. 1348

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا يَصْلُحُ مُدُّ زُبْدٍ وَمُدُّ لَبَنٍ بِمُدَّيْ زُبْدٍ، وَهُوَ مِثْلُ الَّذِي وَصَفْنَا مِنْ التَّمْرِ الَّذِي يُبَاعُ صَاعَيْنِ مِنْ كَبِيسٍ وَصَاعًا مِنْ حَشَفٍ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ مِنْ عَجْوَةٍ حِين قَالَ لِصَاحِبِهِ إنَّ صَاعَيْنِ مِنْ كَبِيسٍ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ مِنْ عَجْوَةٍ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ فَفَعَلَ ذَلِكَ لِيُجِيزَ بَيْعَهُ، وَإِنَّمَا جَعَلَ صَاحِبَ اللَّبَنِ اللَّبَنَ مَعَ زُبْدِهِ لِيَأْخُذَ فَضْلَ زُبْدِهِ عَلَى زُبْدِ صَاحِبِهِ حِينَ أَدْخَلَ مَعَهُ اللَّبَنَ قَالَ مَالِكٌ وَالدَّقِيقُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَخْلَصَ الدَّقِيقَ فَبَاعَهُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَوْ جَعَلَ نِصْفَ الْمُدِّ مِنْ دَقِيقٍ وَنِصْفِهِ مِنْ حِنْطَةٍ فَبَاعَ ذَلِكَ بِمُدِّ حِنْطَةٍ كَانَ ذَلِكَ مِثْلُ الَّذِي وَصِفْنَا لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ فَضْلَ حِنْطَتِهِ الْجَيِّدَةِ حِينَ جَعَلَ مَعَهَا الدَّقِيقَ فَهَذَا لَا يَصْلُحُ) . ــ [المنتقى] مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالْعَجِينِ تَحَرِّيًا فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ الطَّرِيِّ بِالْقَدِيدِ، وَالْمَشْوِيِّ فَجَوَّزَهُ أَوَّلًا عَلَى التَّحَرِّي ثُمَّ مَنَعَ مِنْهُ بِكُلِّ وَجْهٍ فَأَمَّا مَنْعُ بَيْعِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ عَلَى التَّسَاوِي بِالْوَزْنِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَا فِي أَحَدِهِمَا مِنْ الرُّطُوبَةِ قَدْ عَدِمَتْ فِي الْآخَرِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسَاوِي فِيهِمَا كَالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَأَمَّا بِالتَّحَرِّي فَإِنَّ التَّحَرِّيَ يَتَعَذَّرُ فِي ذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ، وَلَا يَكَادُ يُوَصِّلُ إلَى حَقِيقَتِهِ كَبَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ عَلَى التَّحَرِّي. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ اللَّبَنَ وَالزُّبْدَ مِمَّا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُقْتَاتٌ، وَلِأَنَّ السَّمْنَ يُدَّخَرُ، وَهُوَ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ لِذَلِكَ بَيْعُ مُدَّيْ زُبْدٍ بِمُدِّ زُبْدٍ، وَمُدِّ لَبَنٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ تَسَاوِي مُدَّيْ الزُّبْدِ مَعَ مَا فِي اللَّبَنِ مِنْ الزُّبْدِ وَالزُّبْدِ الَّذِي مَعَهُ، وَالْجَهْلُ بِالتَّسَاوِي فِيمَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ فَكَيْفَ وَقَدْ تَبَيَّنَ فَضْلُ مُدَّيْ الزُّبْدِ عَلَى مَا فِي اللَّبَنِ مِنْ الزُّبْدِ، وَمَا مَعَهُ مِنْ الزُّبْدِ، وَيَحْرُمُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزُّبْدِ بِاللَّبَنِ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَيَوَانِ مِمَّا يُقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ كَالسَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْأَقِطِ أَوْ يَكُونُ مِنْهُ مَا يُدَّخَرُ كَاللَّبَنِ وَالزُّبْدِ فَأَمَّا مَا يُقْتَاتُ مِنْهُ، وَلَا يُدَّخَرُ مِنْهُ كَالْبَيْضِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَشَارَ إلَيْهِمَا فِي الْمُخْتَصَرِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا، وَالثَّانِيَةُ لَا يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا، وَالرِّوَايَتَانِ مَبْنِيَّتَانِ عَلَى جَرَيَانِ الرِّبَا فِي الْمُقْتَاتِ الْمُدَّخَرِ فَإِذَا قُلْنَا إنَّ الرِّبَا يَجْرِي فِيمَا يُقْتَاتُ، وَلَا يُدَّخَرُ تَعَدَّى إلَى الْبَيْضِ، وَإِذَا قُلْنَا لَا يَجْرِي الرِّبَا فِي الْمُقْتَاتِ الَّذِي لَا يُدَّخَرُ جَازَ فِيهَا التَّفَاضُلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا ثَلَاثَةُ أَصْوُعٍ مِنْ عَجْوَةٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ كَبِيسٍ، وَصَاعِ حَشَفٍ فَلَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْآخِذَ لِلْكَبِيسِ قَصَدَ أَنْ يَأْخُذَ ثَلَاثَةَ أَصْوُعٍ عَجْوَةً بِصَاعَيْنِ مِنْ كَبِيسٍ لِفَضْلِ الْكَبِيسِ فَأَعْطَى مِنْهَا صَاعَ حَشَفٍ لِيُجِيزَ الْبَيْعَ بِذَلِكَ، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا إذَا بِيعَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ صِفَاتُهُ فَإِنَّ الْمُرَاعَى فِيهِ الْمُسَاوَاةُ فِي الْكَيْلِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ آخَرُ يَخْتَلِفُ فَإِنْ اخْتَلَفَتْ صِفَاتُهُ كَالتَّمْرِ الصَّيْحَانِيِّ بِالْعَجْوَةِ وَالْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّ الْمُسَاوَاةَ فِيهِ بِالْكَيْلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَضَ فِي بَعْضِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ دُونَ بَعْضٍ فَيُتَجَوَّزُ فِي بَعْضِهِ لِبَعْضٍ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ تَقْسِيطِ الْعِوَضِ الْآخَرِ عَلَى أَجْزَائِهِ، وَذَلِكَ عِلَّةُ الْفَسَادِ فِيهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ جَمِيعُهُ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَقُسِّطَتْ عَلَيْهِ الْعِوَضُ الْآخَرُ لَتَسَاوَتْ أَجْزَاؤُهُ فِي التَّقْسِيطِ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ اخْتَلَفَتْ صِفَةُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ أَفْضَلَ مِنْ الْمُنْفَرِدِ، وَبَعْضُهُ أَدْوَنَ مِنْهُ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَعَ اخْتِلَافِ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ أَفْضَلَ مِنْ الْمُنْفَرِدِ أَوْ أَدَوْنَ مِنْهُ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ تَقْسِيطَ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ عَلَى الْآخَرِ يَقْتَضِي التَّفَاضُلَ فِي أَجْزَائِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَدَلِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَذَلِكَ مِثْلُ مُدِّ حِنْطَةٍ، وَمُدِّ شَعِيرٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ يَكُونُ الْمُدُّ الَّذِي مَعَ الشَّعِيرِ أَدَوْنَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُدَّيْنِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ كَوْنَ أَحَدِ

стр. 1349

جَامِعُ بَيْعِ الطَّعَامِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ إنِّي رَجُلٌ أَبْتَاعُ الطَّعَامَ يَكُونُ مِنْ الصُّكُوكِ بِالْجَارِ فَرُبَّمَا ابْتَعْت مِنْهُ بِدِينَارٍ وَنِصْفِ دِرْهَمٍ فَأُعْطِيَ بِالنِّصْفِ طَعَامًا فَقَالَ سَعِيدٌ لَا، وَلَكِنْ أَعْطِ أَنْتَ دِرْهَمًا، وَخُذْ بَقِيَّتَهُ طَعَامًا) . ــ [المنتقى] الْعِوَضَيْنِ أَدْوَنَ أَجْزَاءَ مِنْ الْعِوَضِ الْآخَرِ تُبِيحُ فِيهِمَا الْمُبَادَلَةُ كَالذَّهَبَيْنِ بِالذَّهَبِ يَكُونُ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الذَّهَبَيْنِ أَدَوْنَ مِنْ الذَّهَبِ الْمُنْفَرِدِ أَوْ أَجْوَدَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ التَّقْسِيطَ فِيهِمَا مَعَ اخْتِلَافِهِمَا يَقْتَضِي التَّفَاضُلَ بَيْنَ أَبْعَاضِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ، وَأَبْعَاضِ الْآخَرِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَدَلِ، وَيُفَارِقُ مَسْأَلَةَ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ بَادَلَهُ مُدَّ حِنْطَةٍ وَمُدَّ دَقِيقٍ بِمُدِّ حِنْطَةٍ وَمُدِّ دَقِيقٍ أَوْ مُدَّ حِنْطَةٍ وَمُدَّ شَعِيرٍ بِمُدِّ حِنْطَةٍ وَمُدِّ شَعِيرٍ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ الْمَنْعُ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَوَجْهُ الْقَوْلَيْنِ مَا تَقَدَّمَ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا إنْ كَانَ مَعَ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مِثْلَ مُدِّ حِنْطَةٍ وَمُدِّ تَمْرٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ فَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ نَعْلَمُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ، وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا. [جَامِعُ بَيْعِ الطَّعَامِ] (ش) : قَوْلُهُ إنِّي أَبْتَاعُ طَعَامًا يَكُونُ فِي الصُّكُوكِ بِالْجَارِ يُرِيدُ مِنْ الصُّكُوكِ الَّتِي تَخْرُجُ بِالْأَعْطِيَةِ لِأَهْلِهَا عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ الْمَحْضَةِ دُونَ وَجْهٍ مِنْ الْمُعَارَضَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ فَيَبِيعُهَا فَكَانَ هَذَا يَبْتَاعُهَا، وَيَتَّجِرُ فِيهَا فَرُبَّمَا ابْتَاعَ الْجُمْلَةَ مِنْهَا بِدِينَارٍ وَنِصْفِ دِرْهَمٍ إمَّا لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَى سِعْرٍ مَا فَأَدَّى الْحِسَابَ فِي الْجُمْلَةِ إلَى دِينَارٍ وَنِصْفِ دِرْهَمٍ. وَإِمَّا لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ بِهَذَا الْعَدَدِ حِينَ لَمْ يُجِبْ الْبَائِعُ إلَى الْبَيْعِ بِدِينَارٍ، وَلَا رَضِيَهُ الْمُبْتَاعُ بِدِينَارٍ وَدِرْهَمٍ فَاتَّفَقَا عَلَى دِينَارٍ وَنِصْفِ دِرْهَمٍ، وَكَانَتْ الدَّرَاهِمُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ صِحَاحًا فَكَانَ مَنْ اسْتَحَقَّ عَلَى آخَرَ نِصْفَ دِرْهَمٍ أَخَذَ بِهِ عَرْضًا لِعَدَمِ الْإِنْصَافِ فَأَرَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَنْ يَدْفَعَ طَعَامًا بِنِصْفِ الدِّرْهَمِ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ﵁ وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ بِعَيْنِهِ، وَالثَّانِي أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ بِعَيْنِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُقَاضِيَهُ بِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَهُ أَوْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ بَعْدَ اسْتِيفَائِهِ فَإِنْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ فَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ إلَّا أَنْ يَعْرِفَا الصَّرْفَ، وَيَتَقَايَلَا بِمِقْدَارِ النِّصْفِ دِرْهَمٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَإِنْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ بَعْدَ قَبْضِهِ وَمَغِيبِ الْمُبْتَاعِ عَلَيْهِ، وَقَالَ إنَّهُ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ طَعَامًا مِنْهُ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ. وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ يَمْنَعُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَثَرِ قَوْلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَإِنَّمَا كَرِهَ لَهُ سَعِيدٌ أَنْ يُعْطِيَ دِينَارًا وَنِصْفَ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ دِرْهَمٍ إنَّمَا هُوَ طَعَامٌ فَكَرِهَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ دِينَارًا أَوْ طَعَامًا بِطَعَامٍ قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ كَانَ النِّصْفُ دِرْهَمٍ وَرِقًا أَوْ غَيْرَ الطَّعَامِ فَمَا كَانَ بِذَلِكَ بَأْسٌ فَإِنَّمَا كَرِهَهُ مَالِكٌ مِنْ وَجْهِ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الطَّعَامَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَيْعَ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى بِدِينَارٍ قَمْحًا فَلَمَّا وَجَبَ الْبَيْعُ لَمْ يَجِدْ إلَّا دِينَارًا نَاقِصًا فَأَرَادَ أَنْ يَضَعَ بِقَدْرِ النُّقْصَانِ، وَيَأْخُذَ مِنْهُ دِينَارًا نَاقِصًا فَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِيمَنْ ابْتَاعَ بِدِينَارٍ لَحْمًا فَلَمْ يَجِدْ إلَّا دِينَارًا نَاقِصًا فَقَالَ لَهُ خُذْ مِنْ اللَّحْمِ بِنِصْفِ الدِّينَارِ يَدْخُلُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ الْفَسَادِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ أَوَاقْتِضَاءُ طَعَامٍ مِنْ طَعَامٍ، وَالتَّفَاضُلُ فِي الطَّعَامِ، وَالتَّفَاضُلُ فِي الْوَرِقِ. وَيَدْخُلُ بَعْضَ الْقَبْضِ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيْنٍ إنَّمَا كَرِهَهُ؛ لِأَنَّهُ

стр. 1350

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ كَانَ يَقُولُ لَا تَبِيعُوا الْحَبَّ فِي سُنْبُلِهِ حَتَّى يَبْيَضَّ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ لِصَاحِبِهِ لَيْسَ عِنْدِي طَعَامٌ فَبِعْنِي الطَّعَامَ الَّذِي لَك عَلَيَّ إلَى أَجَلٍ فَيَقُولُ صَاحِبُ الطَّعَامِ هَذَا لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ فَيَقُولُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ لِغَرِيمِهِ فَبِعْنِي طَعَامًا إلَى أَجَلٍ حَتَّى أَقْضِيَك فَهَذَا لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْطِيهِ طَعَامًا ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَيْهِ فَيَصِيرُ الذَّهَبُ الَّذِي أَعْطَاهُ ثَمَنَ الطَّعَامِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَيَصِيرُ الطَّعَامُ الَّذِي أَعْطَاهُ مُحَلَّلًا فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ إذَا فَعَلَاهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى) . ــ [المنتقى] إذَا أَعْطَاهُ مِنْ تِلْكَ الْحِنْطَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا فَهُوَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَإِنْ أَعْطَاهُ حِنْطَةً مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْحِنْطَةِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ دِينَارٌ وَحِنْطَةٌ، وَبِفِضَّةٍ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ يُجِيزُ الْإِقَالَةَ فِي الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا، وَلَكِنْ أَرَى الْعِلَّةَ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ لَمَّا أَقَالَهُ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ حِصَّةٌ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَأَعْطَاهُ لَمَّا قَايَلَ مِنْ الذَّهَبِ فِضَّةً قَبْلَ قَبْضِ الطَّعَامِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ ثَمَنَ مَا يُقِيلُهُ مِنْهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْقِيمَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا اسْتَوْفَاهُ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ مِنْهُ إلَّا بِقَدْرِ نِصْفِ الدِّرْهَمِ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ الْإِقَالَةُ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي رَدَّ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الدِّينَارِ، وَمِنْ النِّصْفِ الدِّرْهَمِ فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيلَهُ مِنْهُ بِفِضَّةٍ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا صَوَابٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُرَاعَى هَذَا فِي فَسَادِ الْإِقَالَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ قَبْضِهِ فَذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ حِينَئِذٍ جَائِزٌ، وَقَدْ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدِي، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ صَحِيحٌ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَدْخُلُهُ مِنْ مَنْعِ الذَّرَائِعِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِمَّا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ، وَمَا يَقْتَضِيه تَعْلِيلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَبَضَ الطَّعَامَ، وَغَابَ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ جِنْسِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ طَعَامًا مِنْهُ بِزَعْمِهِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ قَالَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ، وَأَحَدُهُمَا ذَهَبٌ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا لَوْ أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ نَوْعِ الْقَمْحِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ جِنْسِهِ كَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَالتَّمْرِ وَالْقُطْنِيَّةِ فَإِنْ أَعْطَاهُ بِالنِّصْفِ دِرْهَمٍ مِنْ جِنْسِهِ كَالشَّعِيرِ أَوْ السُّلْتِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ شَعِيرٌ وَدِينَارٌ بِحِنْطَةٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِنْ كَانَ أَعْطَاهُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا جَازَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحِنْطَةِ فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ حِنْطَةً بِدِينَارٍ وَزَبِيبٍ، وَهَذَا يَجُوزُ إذَا وُجِدَ التَّنَاجُزُ وَالْقَبْضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَأَمَّا إنْ أَعْطَاهُ بَعْدَ قَبْضِهِ، وَقَبْلَ أَنْ يَغِيبَ عَلَيْهِ شَعِيرًا أَوْ سُلْتًا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَوْ أَعْطَاهُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا لَجَازَ، وَأَمَّا إنْ غَابَ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي مِنْ ثَمَنِ الطَّعَامِ طَعَامًا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. (ش) : قَوْلُهُ ﵁ لَا تَبِيعُوا الْحَبَّ فِي سُنْبُلِهِ حَتَّى يَبْيَضَّ مِنْ بَابِ النَّهْي عَنْ بَيْعِ الْحَبِّ قَبْلَ أَنْ يَيْبَسَ؛ لِأَنَّ سُنْبُلَهُ إذَا ابْيَضَّ فَقَدْ يَبِسَ مَا فِيهِ مِنْ الْحَبِّ فَأَمَّا وَقْتُ الْمَنْعِ مِنْ الْبَيْعِ، وَهُوَ حَالُ إفْرَاكِهِ فَإِنَّ سُنْبُلَهُ لَمْ يَبْيَضَّ بَعْدُ، وَفَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّمَرَةِ أَنَّ الثَّمَرَةَ تُبَاعُ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ شَجَرَةٍ يَجُوزُ بَيْعُ ثَمَرَتِهَا إذَا بَدَا صَلَاحُهَا، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ الِادِّخَارِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَاقٌ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ الِادِّخَارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مِنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ طَعَامٌ مِنْ سَلَمٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ قَالَ أَشْتَرِي مِنْك طَعَامًا أَقْضِيك مِنْهُ سَلَمَك فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ إلَى أَجَلٍ بِمِثْلِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وَلَا أَقَلَّ مِنْهُ وَلَا أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ طَعَامٌ يُرِيدُ فَسْخَهُ فِي عَيْنٍ إلَى أَجَلٍ، وَإِنْ بَاعَ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَلَا أَقَلَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ بِمِثْلِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الْإِقَالَةِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي طَعَامِ السَّلَمِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ الْمُؤَجَّلُ

стр. 1351

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ ابْتَاعَهُ مِنْهُ، وَلِغَرِيمِهِ عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ مِثْلُ ذَلِكَ الطَّعَامِ فَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ لِغَرِيمِهِ أُحِيلُك عَلَى غَرِيمٍ لِي عَلَيْهِ مِثْلُ الطَّعَامِ الَّذِي لَك عَلَيَّ بِطَعَامِك الَّذِي لَك عَلَيَّ قَالَ مَالِكٍ إنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ إنَّمَا هُوَ طَعَامٌ ابْتَاعَهُ فَأَرَادَ أَنْ يُحِيلَ غَرِيمَهُ بِطَعَامٍ ابْتَاعَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ، وَذَلِكَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ سَلَفًا حَالًّا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحِيلَ بِهِ غَرِيمَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَيْعٍ، وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشِّرْكِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ أَنْزَلُوهُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ، وَلَمْ يُنْزِلُوهُ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ، وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّجُلِ يُسْلِفُ الدَّرَاهِمَ النَّقْصَ فَيَقْضِي دَرَاهِمَ وَازِنَةً فِيهَا فَضْلٌ فَيَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ، وَلَوْ اشْتَرَى مِنْهُ دَرَاهِمَ نَقْصًا بِوَازِنَةٍ لَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ، وَلَوْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ حِينَ أَسْلَفَهُ وَازِنَةً، وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ نَقْصًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ، وَأَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخُرُصِهَا مِنْ التَّمْرِ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ أَنَّ بَيْعَ الْمُزَابَنَةِ بَيْعٌ عَلَى وَجْهِ الْمُكَايَسَةِ وَالتِّجَارَةِ، وَأَنَّ بَيْعَ الْعَرَايَا عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ لَا مُكَايَسَةَ فِيهِ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلٌ طَعَامًا بِرُبُعٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ كَسْرٍ مِنْ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ بِذَلِكَ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَ الرَّجُلُ طَعَامًا بِكَسْرٍ مِنْ دَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يُعْطِي دِرْهَمًا، وَيَأْخُذُ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دِرْهَمِهِ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَى الْكَسْرَ الَّذِي عَلَيْهِ فِضَّةً، وَأَخَذَ بِبَقِيَّةِ دِرْهَمِهِ سِلْعَةً فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ) . ــ [المنتقى] مِنْ قَرْضٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهُ طَعَامًا لِيَقْضِيَهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى فَسْخِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبْتَاعَهُ مِنْهُ بِنَقْدٍ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى بَيْعِ طَعَامِ الْقَرْضِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ مِنْ ابْتِيَاعٍ، وَلِلرَّجُلِ عَلَى آخَرَ مِثْلُ طَعَامِهِ مِنْ بَيْعٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحِيلَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَانِ فِي طَعَامٍ وَاحِدٍ دُونَ اسْتِيفَاءٍ، وَلَيْسَتْ الْحَوَالَةُ بِفَاصِلٍ بَيْنَ الْبَيْعَيْنِ بَلْ تُؤَكِّدُ مَعْنَاهُمَا، وَتَجْمَعُهُمَا فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّعَامِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الطَّعَامَيْنِ مِنْ قَرْضٍ لَجَازَ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ تُحِيلَ مَنْ لَهُ قِبَلَك طَعَامٌ مِنْ قَرْضٍ عَلَى مَنْ لَك عَلَيْهِ طَعَامٌ مِنْ بَيْعٍ، وَتُحِيلُ مَنْ لَهُ طَعَامٌ مِنْ بَيْعٍ عَلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ طَعَامٌ مِنْ قَرْضٍ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ هَذَيْنِ الْمُحَالَيْنِ أَنْ يَبِيعَ مَا أُحِيلَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَتَّصِلُ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُحَالِ أَوْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الطَّعَامَ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ إلَى آخِرِ الْفَصْلِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ. (ش) :، وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَ طَعَامًا بِكَسْرٍ مِنْ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ بِذَلِكَ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَا يُبِيحُ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ؛ لِأَنَّ عَنْهُ مَنْدُوحَةً أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الطَّعَامَ بِهِ نَقْدًا أَوْ يَدْفَعَ إلَيْهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ دِرْهَمًا كَامِلًا، وَيَأْخُذُ بِبَقِيَّتِهِ مَا شَاءَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ بِكَسْرِ الدِّرْهَمِ طَعَامًا، وَيَدْفَعَ إلَيْهِ دِرْهَمًا كَامِلًا، وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ بَيْعٌ وَسَلَفٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَعْقِدَا عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ عَلِمَا أَنَّ كَسْرَ الدِّرْهَمِ لَا يُوجَدُ، وَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إلَّا أَنَّ الْبَائِعَ يَتَوَقَّعُ أَنْ يَقْبِضَ مِنْهُ بَقِيَّةَ دِرْهَمَهُ مَا شَاءَ مَتَى شَاءَ أَوْ يُشَارِكَهُ فِيهِ، وَلَوْ عَقَدَا الْبَيْعَ

стр. 1352

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ عِنْدَ الرَّجُلِ دِرْهَمًا ثُمَّ يَأْخُذَ مِنْهُ بِرُبُعٍ أَوْ بِثُلُثٍ أَوْ بِكَسْرٍ مَعْلُومٍ سَعْلَةً مَعْلُومَةً فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ سِعْرٌ مَعْلُومٌ، وَقَالَ الرَّجُلُ آخُذُ مِنْك بِسِعْرِ كُلِّ يَوْمٍ فَهَذَا لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ يَقِلُّ مَرَّةً وَيَكْثُرُ مَرَّةً، وَلَمْ يَفْتَرِقَا عَلَى بَيْعٍ مَعْلُومٍ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ بَاعَ طَعَامًا جُزَافًا، وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ شَيْئًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ مِنْهُ، وَذَلِكَ الثُّلُثُ فَمَا دُونَهُ فَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ صَارَ ذَلِكَ إلَى الْمُزَابَنَةِ، وَإِلَى مَا يُكْرَهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ إلَّا الثُّلُثَ فَمَا دُونَهُ قَالَ مَالِكٌ، وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا) . الْحُكْرَةُ وَالتَّرَبُّصُ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَا حُكْرَةَ فِي سُوقِنَا لَا يَعْمِدُ رِجَالٌ بِأَيْدِيهِمْ فُضُولٌ مِنْ أَذْهَابٍ إلَى رِزْقٍ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ نَزَلَ بِسَاحَتِنَا فَيَحْتَكِرُونَهُ عَلَيْنَا، وَلَكِنْ أَيُّمَا جَالِبٌ جَلَبَ عَلَى عَمُودِ كَبَدِهِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَذَلِكَ ضَيْفُ عُمَرَ فَلْيَبِعْ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ وَلْيُمْسِكْ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ) ــ [المنتقى] عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ بَقِيَّةُ الدِّرْهَمِ نَسَاءً إلَى أَجَلٍ مَالِكَانِ ذَلِكَ بَيْعًا وَسَلَفًا مَمْنُوعًا. (ش) :، وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الرَّجُلَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَضَعَ عِنْدَ الرَّجُلِ دِرْهَمًا، وَيَأْخُذَ مِنْهُ بِبَعْضِهِ مَا شَاءَ، وَيَتْرُكَ عِنْدَهُ الْبَاقِيَ، وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يَضَعَهُ عِنْدَهُ مُهْمَلًا، وَذَلِكَ جَائِزٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَالثَّانِي أَنْ يَقُولَ لَهُ آخُذُ بِهِ مِنْك كَذَا وَكَذَا مِنْ التَّمْرِ أَوْ كَذَا وَكَذَا مِنْ اللَّبَنِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ يُقَدِّرُ مَعَهُ فِيهِ سِلْعَةً، وَيُقَدِّرُ ثَمَنَهَا قَدْرًا مَا وَيَتْرُكُ ذَلِكَ حَالًّا يَأْخُذُهُ مَتَى شَاءَ أَوْ يُؤَقِّتُ لَهُ وَقْتًا مَا فَهَذَا جَائِزٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَتْرُكَ عِنْدَهُ فِي سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ بِسِعْرِهِ عَقْدًا عَلَى ذَلِكَ يَبِيعُهَا فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ مَا عَقَدَا عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ مَجْهُولٌ، وَذَلِكَ مِنْ الْغَرَرِ الَّذِي يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ بَاعَ طَعَامًا جُزَافًا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ مَكِيلَةً مَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ إلَّا بِمِقْدَارِ مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ فِي الْبَيْعِ، وَذَلِكَ بِمِقْدَارِ الثُّلُثِ فَأَقَلَّ؛ لِأَنَّهُ إنْ اسْتَثْنَى مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ دَخَلَ الْغَرَرُ الْمَبِيعَ، وَبَعُدَ عَنْ الْحَزْرِ وَالتَّحَرِّي فَتَلْحَقُهُ الْجَهَالَةُ الَّتِي تُفْسِدُ الْبَيْعَ، وَاسْتَثْنَى مِقْدَارَ الثُّلُثِ فَأَقَلَّ بِيَسِيرٍ بِإِضَافَتِهِ إلَى الْجُمْلَةِ فَيَتَأَتَّى حَزْرُ مَا فِيهَا، وَتَحَرِّيهِ فَلِذَلِكَ جَوَّزْنَاهُ، وَأَجْرَيْنَا الِابْتِيَاعَ بَعْدَ الْعَقْدِ هَذَا الْمَجْرَى لِئَلَّا يَتَوَصَّلَ بِهِ إلَى اسْتِثْنَاءِ مَا لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ، وَهَذَا مِنْ اسْتِثْنَاءِ الْمَكِيلَةِ مِنْ الثَّمَرَةِ الْمَبِيعَةِ فِي رُءُوس الشَّجَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، وَبَيَانُهُ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ. [الْحُكْرَةُ وَالتَّرَبُّصُ وَفِيهِ أَبْوَاب] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ مَعْنَى الِاحْتِكَارِ وَحُكْمِهِ] (ش) : قَوْلُهُ ﵁ لَا حُكْرَةَ فِي سُوقِنَا يُرِيدُ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ الِاحْتِكَارِ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ؛ لِأَنَّ غَالِبَ أَحْوَالِهَا غَلَاءُ الْأَسْعَارِ وَقِلَّةُ الْأَقْوَاتِ وَضِيقُهَا عَلَى الْمُتَقَوَّتِينَ بِهَا، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الِادِّخَارَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ فِي أَقْوَاتِهِمْ، وَفِي هَذَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ أَحَدُهَا بَيَانُ مَعْنَى الِاحْتِكَارِ وَحُكْمُهُ وَالْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ مَعْنَى الْوَقْتِ الَّذِي يُمْنَعُ فِيهِ الِادِّخَارُ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الِاحْتِكَارِ الْبَابُ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ مَنْ يَمْنَعُ مِنْ الِاحْتِكَارِ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ مَعْنَى الِاحْتِكَارِ وَحُكْمِهِ) . إنَّ الِاحْتِكَارَ هُوَ الِادِّخَارُ لِلْمَبِيعِ، وَطَلَبُ الرِّبْحِ بِتَقَلُّبِ الْأَسْوَاقِ فَأَمَّا الِادِّخَارُ لِلْقُوتِ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الِاحْتِكَارِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ احْتِكَارَ الْأَقْوَاتِ وَغَيْرِهَا لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ التَّرَبُّصِ بِالطَّعَامِ وَغَيْرِهِ رَجَاءَ الْغَلَاءِ قَالَ مَا عَلِمْت فِيهِ بِنَهْيٍ، وَلَا أَعْلَمُ بِهِ

стр. 1353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بَأْسًا يَحْبِسُ إذَا شَاءَ وَيَبِيعُهُ إذَا شَاءَ، وَيُخْرِجُهُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ قِيلَ لِمَالِكٍ فَمَنْ يَبْتَاعُ الطَّعَامَ فَيُحِبُّ غَلَاءَهُ قَالَ مَا مِنْ أَحَدٍ يَبْتَاعُ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ إلَّا، وَيُحِبُّ غَلَاءَهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَيَتَعَلَّقُ الْمَنْعُ بِمَنْ يَشْتَرِي فِي وَقْتِ الْغَلَاءِ أَكْثَرَ مِنْ مِقْدَارِ قُوتِهِ، وَذَلِكَ أَيْضًا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ مَوْضِعِ الِابْتِيَاعِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَوْضِعِ فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَشْتَرِيَ بِالْفُسْطَاطِ لِلرِّيفِ أَوْ بِالرِّيفِ لِلْفُسْطَاطِ أَوْ يَشْتَرِيَ بِمَوْضِعٍ مِنْ الرِّيفِ لِغَيْرِهِ فَإِنْ اشْتَرَى بِالْفُسْطَاطِ لِلرِّيفِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بِالْفُسْطَاطِ كَثِيرًا فَلَا يُضَيِّقُ عَلَى أَهْلِهِ أَوْ قَلِيلًا يُضَيِّقُ عَلَى أَهْلِهِ فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا أَوْ عِنْدَ أَهْلِ الرِّيفِ مَا يُغْنِيهِمْ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ يُمْنَعُونَ ذَلِكَ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْفُسْطَاطَ عُمْدَةُ الْإِسْلَامِ، وَمُجْتَمَعُ النَّاسِ فَإِذَا تَسَاوَتْ حَالُهُ، وَحَالُ الْأَطْرَافِ مُنِعَ الِانْتِقَالُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَسَدَ فَسَدَتْ الْأَرْيَافُ وَالْجِهَاتُ، وَلَا تَفْسُدُ الْجِهَاتُ مَعَ صَلَاحِهِ؛ لِأَنَّ قِيَامَهَا بِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ بِالرِّيفِ، وَالْكَثْرَةُ بِالْمِصْرِ جَازَ اقْتِيَاتُ أَهْلِ الْأَرْيَافِ مِنْهُ بِالْإِخْرَاجِ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ جَلْبَ الطَّعَامِ إلَى الْمِصْرِ، وَادِّخَارَهُ بِهَا إنَّمَا هُوَ عِدَّةٌ لِلْمِصْرِ وَأَرْيَافِهِ وَجِهَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ بِالْمِصْرِ قَلِيلًا يُخَافُ مِنْ شِرَاءِ أَهْلِ الْأَرْيَافِ لَهُ وَإِخْرَاجِهِ عَنْهُ مَضَرَّةٌ مُنِعُوا مِنْ إخْرَاجِهِ لِتَسَاوِي الْحَالَيْنِ فَإِنْ ابْتَاعُوهُ، وَأَكَلُوا بِالْمِصْرِ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إسْلَامُهُمْ لِلضُّرِّ وَالْهَلَكَةِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُونَ مِنْ إضْعَافِ الْمِصْرِ بِإِخْرَاجِ الطَّعَامِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إتْلَافِ الْجِهَتَيْنِ كَانَتْ مُرَاعَاةُ بَقَاءِ الْمِصْرِ أَوْلَى. [الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ مَعْنَى الْوَقْتِ الَّذِي يُمْنَعُ فِيهِ الِادِّخَارُ] ١ إنَّ لِذَلِكَ حَالَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حَالُ ضَرُورَةٍ وَضِيقٍ فَهَذَا حَالٌ يُمْنَعُ فِيهَا مِنْ الِاحْتِكَارِ، وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي ذَلِكَ، وَالثَّانِي حَالُ كَثْرَةٍ وَسَعَةٍ فَهَاهُنَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَاَلَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ فِيهَا مِنْ احْتِكَارِ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ قَالَ مَالِكٌ وَمِمَّا يَعِيبُهُ مَنْ مَضَى، وَيَرَوْنَهُ ظُلْمًا مَنَعَ التَّجْرَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُضِرًّا بِالنَّاسِ، وَلَا بِأَسْوَاقِهِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ، وَابْنُ الْمَاجِشُونَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ احْتِكَارَ الطَّعَامِ يُمْنَعُ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَأَمَّا غَيْرُ الطَّعَامِ فَلَا يُمْنَعُ احْتِكَارُهُ إلَّا فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ دُونَ وَقْتِ السَّعَةِ، وَجْهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يُمْنَعَ فِي وَقْتِ السَّعَةِ مَنْعُ أَهْلِ الِاحْتِكَارِ مَنْفَعَةٌ لَا مَضَرَّةٌ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي إبَاحَتِهَا، وَلَا مَنْفَعَةَ لَهُمْ فِي مَنْعِهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُمْنَعُوا الشُّرْبَ مِنْ الدِّجْلَةِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ مُطَّرِفٍ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فَإِنَّ جَمِيعَ الْقَطَانِيِّ وَالْحُبُوبِ الَّتِي هِيَ لِلْقُوتِ وَالْعُلُوفَةِ يَتَعَلَّقُ بِهَا هَذَا الْمَنْعُ، وَكَذَلِكَ الزَّيْتُ وَالْعَسَلُ وَالسَّمْنُ وَالزَّبِيبُ وَالتِّينُ وَشَبَهُهَا فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْقَمْحِ رَوَاهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ حَبِيبٍ. [الْبَابُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَا يُمْنَعُ مِنْ احْتِكَارِهِ] فَاَلَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الطَّعَامَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَجَمِيعِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فَيُمْنَعُ مِنْ احْتِكَارِهِ مَا أَضَرَّ ذَلِكَ بِالنَّاسِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ لِمَصَالِحِ النَّاسِ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعُ مِنْ إدْخَالِ الْمَضَرَّةِ عَلَيْهِمْ بِاحْتِكَارِهِ كَالطَّعَامِ. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ مَا يُمْنَعُ مِنْ الِاحْتِكَارِ] ١ أَمَّا مَا يُمْنَعُ مِنْ الِاحْتِكَارِ فَإِنَّ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ صَارَ إلَيْهِ بِزِرَاعَتِهِ أَوْ جِلَابِهِ بِهِ فَهَذَا لَا يُمْنَعُ مِنْ احْتِكَارِهِ، وَلَا مِنْ اسْتِدَامَةِ إمْسَاكِهِ مَا شَاءَ كَانَ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ أَوْ غَيْرَهَا رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ يَبِيعُ هَذَا مَتَى شَاءَ، وَيُمْسِكُ إذَا شَاءَ بِالْمَدِينَةِ، وَغَيْرِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَالضَّرْبُ الثَّانِي مَنْ صَارَ إلَيْهِ الطَّعَامُ بِابْتِيَاعٍ بِالْبَلَدِ فَإِنَّ الْمَنْعَ يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي وَقْتَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَبْتَاعَهُ فِي وَقْتِ ضَرُورَةٍ. وَقَدْ

стр. 1354

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يُونُسَ بْنِ يُوسُفَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَرَّ بِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَهُوَ يَبِيعُ زَبِيبًا لَهُ بِالسُّوقِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي السِّعْرِ، وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ مِنْ سُوقِنَا مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانِ كَانَ يَنْهَى عَنْ الْحُكْرَةِ) . ــ [المنتقى] قَدَّمْنَا بَيَانَ ذَلِكَ، وَالثَّانِي أَنْ يَبْتَاعَهُ فِي وَقْتِ سَعَةٍ، وَجَوَازِ الشِّرَاءِ ثُمَّ تَلْحَقُ النَّاسَ شِدَّةٌ، وَضَرُورَةٌ إلَى الطَّعَامِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قِيلَ لِمَالِكٍ فَإِذَا كَانَ الْغَلَاءُ الشَّدِيدُ، وَعِنْدَ النَّاسِ طَعَامٌ مَخْزُونٌ أَيُبَاعُ عَلَيْهِمْ قَالَ مَا سَمِعْته، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَإِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ طَعَامٌ مَخْزُونٌ، وَاحْتِيجَ إلَيْهِ لِلْغَلَاءِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ بِإِخْرَاجِهِ إلَى السُّوقِ فَيُبَاعَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُمْ شِرَاؤُهُ لِيَكُونَ عُدَّةً لِلنَّاسِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ احْتَكَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ احْتِكَارُهُ فَفِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ يَتُوبُ، وَيُخْرِجُهُ إلَى السُّوقِ، وَيَبِيعُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ لَا يَزْدَادُ فِيهِ شَيْئًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَنْعَ قَدْ تَعَلَّقَ بِشِرَائِهِ لِحَقِّ النَّاسِ، وَأَهْلِ الْحَاجَةِ فَإِذَا صَرَفَهُ إلَيْهِمْ بِمِثْلِ مَا كَانُوا يَأْخُذُونَهُ أَوَّلًا حِين ابْتِيَاعِهِ إيَّاهُ فَقَدْ رَجَعَ عَنْ فِعْلِهِ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أَبَى مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُخْرَجُ مِنْ يَدِهِ إلَى أَهْلِ السُّوقِ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ بِالثَّمَنِ فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ثَمَنُهُ فَبِسِعْرِهِ يَوْمَ احْتِكَارِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ هَذَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْهُ أُجْبِرَ عَلَيْهِ، وَصُرِفَ الْحَقُّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَكِنْ أَيُّمَا جَالِبٍ جَلَبَ عَلَى عَمُودِ كَبَدِهِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ جَلَبَ فِي قَلْبِ الشِّتَاءِ وَشِدَّةِ بَرْدِهِ وَقَلْبِ الصَّيْفِ وَشِدَّةِ حَرِّهِ فَيَلْقَى النَّصَبَ فِي سَفَرِهِ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ إنَّ مَعْنَاهُ عَلَى مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ مِنْ كَبَدِهِ، وَيُرِيدُ بِذَلِكَ إنْ كَانَ يَجْلِبُ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ فَأَضَافَ كَبِدَهَا إلَيْهِ بِحَقِّ مِلْكِهِ لَهَا، وَاخْتِصَاصِهَا بِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵁ فَذَلِكَ ضَيْفُ عُمَرَ فَلْيَبِعْ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ، وَلْيُمْسِكْ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنَّ عُمَرَ يَمْنَعُهُ مِمَّنْ أَرَادَ إجْبَارَهُ عَلَى الْبَيْعِ، وَأَضَافَ الْمَشِيئَةَ إلَى اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] فَلَا يَشَاءُ الْجَالِبُ الْبَيْعَ وَالْإِمْسَاكَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [التَّسْعِير عَلَيَّ ضربين وَفِيهِ ثَلَاثَة أَبْوَاب] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَبْيِينِ السِّعْرِ الَّذِي يُؤْمَرُ مَنْ حَطَّ عَنْهُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ] (ش) : قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ إمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي السِّعْرِ، وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ مِنْ سُوقِنَا رَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ كَانَ يَبِيعُ دُونَ سِعْرِ النَّاسِ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَلْحَقَ بِسِعْرِ النَّاسِ أَوْ يَقُومَ مِنْ السُّوقِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالتَّسْعِيرُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ مَنْ حَطَّ مِنْ سِعْرِ النَّاسِ أُمِرَ أَنْ يَلْحَقَ بِسِعْرِهِمْ أَوْ يَقُومَ مِنْ السُّوقِ، وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ أَحَدُهَا فِي تَبْيِينِ السِّعْرِ الَّذِي يُؤْمَرُ مَنْ حَطَّ عَنْهُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ وَالْبَابُ الثَّانِي فِي تَبْيِينِ مَنْ يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ مِنْ الْبَائِعِينَ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي تَبْيِينِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ مِنْ الْمَبِيعَاتِ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَبْيِينِ السِّعْرِ الَّذِي يُؤْمَرُ مَنْ حَطَّ عَنْهُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ) . وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ فِي ذَلِكَ مِنْ السِّعْرِ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ النَّاسِ فَإِذَا انْفَرَدَ عَنْهُمْ الْوَاحِدُ أَوْ الْعَدَدُ الْيَسِيرُ بِحَطِّ السِّعْرِ أُمِرَ مَنْ حَطَّهُ بِاللَّحَاقِ بِسِعْرِ النَّاسِ أَوْ تَرْكِ الْبَيْعِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ زَادَ فِي السِّعْرِ وَاحِدٌ أَوْ عَدَدٌ يَسِيرٌ لَمْ يُؤْمَرْ الْجُمْهُورُ بِاللَّحَاقِ بِسِعْرِهِ أَوْ الِامْتِنَاعِ مِنْ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ مَنْ بَاعَ بِهِ مِنْ الزِّيَادَةِ لَيْسَ السِّعْرُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَلَا بِمَا تُقَامُ بِهِ الْمَبِيعَاتُ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ حَالُ الْجُمْهُورِ، وَمُعْظَمُ النَّاسِ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُقَامُ النَّاسُ لِخَمْسَةٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُنْظَرَ فِي ذَلِكَ إلَى قَدْرِ الْأَسْوَاقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي تَبْيِينِ مَنْ يَخْتَصُّ بِالتَّسْعِيرِ مِنْ الْبَائِعِينَ] ١

стр. 1355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْبَابُ الثَّانِي فِي تَبْيِينِ مَنْ يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ مِنْ الْبَائِعِينَ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ أَهْلِ السُّوقِ وَالْبَاعَةِ فِيهِ، وَأَمَّا الْجَالِبُ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا يُمْنَعُ الْجَالِبُ أَنْ يَبِيعَ فِي السُّوقِ دُونَ بَيْعِ النَّاسِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَبِيعُونَ مَا عَدَا الْقَمْحَ وَالشَّعِيرَ إلَّا بِمِثْلِ سِعْرِ النَّاسِ، وَإِلَّا رَفَعُوا كَأَهْلِ الْأَسْوَاقِ وَجْهُ مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْجَالِبَ يُسَامَحُ، وَيُسْتَدَامُ أَمْرُهُ لِيَكْثُرَ مَا يَجْلِبُهُ مَعَ أَنَّ مَا يَجْلِبُهُ لَيْسَ مِنْ أَقْوَاتِ الْبَلَدِ، وَهُوَ يُدْخِلُ الرِّفْقَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَجْلِبُهُ فَرُبَّمَا أَدَّى التَّحْجِيرُ عَلَيْهِ إلَى قَطْعِ الْمِيرَةِ، وَالْبَائِعُ بِالْبَلَدِ إنَّمَا يَبِيعُ أَقْوَاتَهُمْ الْمُخْتَصَّةَ بِهِمْ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْعُدُولِ بِهَا عَنْهُمْ فِي الْأَغْلَبِ، وَلِهَذَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْرَةِ وَقْتَ الضَّرُورَةِ، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ هَذَا بَائِعٌ فِي السُّوقِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحُطَّ عَنْ سِعْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُفْسِدٌ لِسِعْرِ النَّاسِ كَأَهْلِ الْبَلَدِ قَالَ فَأَمَّا جَالِبُ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَبِيعُ كَيْفَ شَاءَ إلَّا أَنَّ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ حُكْمُ أَهْلِ السُّوقِ، وَإِنْ أَرْخَصَ بَعْضُهُمْ تُرِكُوا إنْ قَلَّ مَنْ حَطَّ السِّعْرَ، وَإِنْ كَثُرَ الْمُرْخِصُونَ قِيلَ لِمَنْ بَقِيَ إمَّا أَنْ تَبِيعَ كَبَيْعِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ لِلطَّعَامِ مِنْ أَهْلِ السُّوقِ هَلْ يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ فِي دَارٍ بِسِعْرِ السُّوقِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَيَنْبَغِي فِي الطَّعَامِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى السُّوقِ كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ بَيْعَهُ فِي الدُّورِ إعْزَازٌ لَهُ، وَسَبَبٌ إلَى غَلَائِهِ، وَتَطَرُّقٌ لِيَبِيعَهُ الْبَائِعُ كَيْفَ شَاءَ بِدُونِ سِعْرِ أَهْلِ السُّوقِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ لَهُ ذَلِكَ فِي السُّوقِ فَإِنْ كَانَ جَالِبًا فَلْيَبِعْهُ فِي السُّوقِ أَوْ فِي الدَّارِ إنْ شَاءَ عَلَى يَدِهِ. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَخْتَصُّ بِالتَّسْعِيرِ مِنْ الْمَبِيعَاتِ] ١ (الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ مِنْ الْمَبِيعَاتِ) . أَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ مِنْ الْمَبِيعَاتِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّ ذَلِكَ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مَأْكُولًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْمَبِيعَاتِ الَّتِي لَا تُكَالُ، وَلَا تُوزَنُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ مِمَّا يَرْجِعُ إلَى الْمِثْلِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى سِعْرٍ وَاحِدٍ، وَغَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لَا يَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْمِثْلِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْقِيمَةِ، وَيَكْثُرُ اخْتِلَافُ الْأَغْرَاضِ فِي أَعْيَانِهِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مُتَمَاثِلًا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ فِيهِ عَلَى سِعْرٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ مُتَسَاوِيًا فِي الْجَوْدَةِ فَإِذَا اخْتَلَفَ صِنْفُهُ لَمْ يُؤْمَرْ مَنْ بَاعَ الْجَيِّدَ أَنْ يَبِيعَهُ بِمِثْلِ سِعْرِ مَا هُوَ أَدْوَنُ؛ لِأَنَّ الْجَوْدَةَ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ كَالْمِقْدَارِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ التَّسْعِيرِ فَهُوَ أَنْ يُحَدَّ لِأَهْلِ السُّوقِ سِعْرٌ لِيَبِيعُونَ عَلَيْهِ فَلَا يَتَجَاوَزُونَهُ فَهَذَا مَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَرْخَصَ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَرَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي صَاحِبِ السُّوقِ يُسَعِّرُ عَلَى الْجَزَّارِينَ لَحْمَ الضَّأْنِ ثُلُثَ رِطْلٍ، وَلَحْمَ الْإِبِلِ نِصْفَ رِطْلٍ، وَإِلَّا خَرَجُوا مِنْ السُّوقِ قَالَ إذَا سَعَّرَ عَلَيْهِمْ قَدْرَ مَا يَرَى مِنْ شِرَائِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ يَقُومُوا مِنْ السُّوقِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعِّرْ لَنَا فَقَالَ بَلْ اُدْعُوا اللَّهَ ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعِّرْ لَنَا فَقَالَ بَلْ اللَّهُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ، وَلَيْسَتْ لِأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلَمَةٌ» ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ إجْبَارَ النَّاسِ عَلَى بَيْعِ أَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ مَا تَطِيبُ بِهِ أَنْفُسُهُمْ ظُلْمٌ لَهُمْ مُنَافٍ لِمِلْكِهَا لَهُمْ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا يَجِبُ مِنْ النَّظَرِ فِي مَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَالْمَنْعُ مِنْ إغْلَاءِ السِّعْرِ عَلَيْهِمْ وَالْإِفْسَادِ عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ يُجْبَرُ النَّاسُ عَلَى الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُونَ مِنْ الْبَيْعِ بِغَيْرِ السِّعْرِ الَّذِي يَحُدُّهُ الْإِمَامُ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ لِلْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ، وَلَا يَمْنَعُ الْبَائِعَ رِبْحًا، وَلَا يَسُوغُ لَهُ مِنْهُ مَا يَضُرُّ بِالنَّاسِ. [الْبَيْعِ بِغَيْرِ السِّعْرِ الَّذِي يَحُدُّهُ الْإِمَامُ وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ التَّسْعِيرِ] (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ أَشْهَبَ فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ أَحَدُهَا فِي صِفَةِ التَّسْعِيرِ وَالْبَابُ الثَّانِي فِي ذِكْرِ مَنْ يُسَعِّرُ عَلَيْهِ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّسْعِيرُ مِنْ الْمَبِيعَاتِ

стр. 1356

مَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَالسَّلَفِ فِيهِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بَاعَ جَمَلًا لَهُ يُدْعَى عُصَيْفِيرًا بِعِشْرِينَ بَعِيرًا إلَى أَجَلٍ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ ــ [المنتقى] (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ التَّسْعِيرِ) . قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْمَعَ وُجُوهَ أَهْلِ سُوقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَيُحْضِرَ غَيْرَهُمْ اسْتِظْهَارًا عَلَى صِدْقِهِمْ فَيَسْأَلُهُمْ كَيْفَ يَشْتَرُونَ، وَكَيْفَ يَبِيعُونَ فَيُنَازِلُهُمْ إلَى مَا فِيهِ لَهُمْ، وَلِلْعَامَّةِ سَدَادٌ حَتَّى يَرْضَوْا بِهِ قَالَ: وَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى التَّسْعِيرِ، وَلَكِنْ عَنْ رِضًا، وَعَلَى هَذَا أَجَازَهُ مَنْ أَجَازَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ بِهَذَا يُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ مَصَالِحِ الْبَاعَةِ وَالْمُشْتَرِينَ، وَيَجْعَلُ لِلْبَاعَةِ فِي ذَلِكَ مِنْ الرِّبْحِ مَا يَقُومُ بِهِمْ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ إجْحَافٌ بِالنَّاسِ، وَإِذَا سَعَّرَ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ رِضًا بِمَا لَا رِبْحَ لَهُمْ فِيهِ أَدَّى ذَلِكَ إلَى فَسَادِ الْأَسْعَارِ، وَإِخْفَاءِ الْأَقْوَاتِ، وَإِتْلَافِ أَمْوَالِ النَّاسِ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي ذِكْرِ مَنْ يُسَعِّرُ عَلَيْهِمْ] ١ أَمَّا مَنْ يُسَعِّرُ عَلَيْهِمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَهُمْ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ، وَأَمَّا الْجَالِبُ فَلَا يُسَعَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ إلَّا أَنَّ مَا يَجْلِبُهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَصْلُ الْقُوتِ، وَهُوَ الْقَمْحُ أَوْ الشَّعِيرُ فَهَذَا لَا يُسَعَّرُ عَلَيْهِ بِرِضَاهُ، وَلَا بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَلْيَبِعْ كَيْفَ شَاءَ وَأَمْكَنَهُ إذَا اتَّفَقُوا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فَإِنْ اخْتَلَفُوا فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَبْلَ هَذَا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا جَالِبُ الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَاللَّحْمِ وَالْبَقْلِ وَالْفَوَاكِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَرِيه أَهْلُ السُّوقِ لِلْبَيْعِ عَلَى أَيْدِيهِمْ فَهَذَا أَيْضًا لَا يُسَعَّرُ عَلَى الْجَالِبِ وَلَا يُقْصَدُ بِالتَّسْعِيرِ، وَلَكِنَّهُ إذَا اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّوقِ عَلَى سِعْرٍ قِيلَ لَهُ إمَّا أَنْ تَلْحَقَ بِهِ، وَإِلَّا فَأُخْرِجَ عَنْهُ. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّسْعِيرُ مِنْ الْمَبِيعَاتِ] ١ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَهَذَا فِيمَا عَدَا الْقُطْنِ وَالْبَزِّ، وَيَجِبُ أَنْ يَخْتَصَّ التَّسْعِيرُ بِالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يُمْكِنُ تَسْعِيرُهُ لِعَدَمِ التَّمَاثُلِ فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ مِنْ قَبْلِ هَذَا. [مَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَالسَّلَفِ فِيهِ] (ش) : قَوْلُهُ بَاعَ جَمَلًا لَهُ يُدْعَى عُصَيْفِيرًا بِعِشْرِينَ بَعِيرًا إلَى أَجَلٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ بَيْعِ الْجِنْسِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا إلَى أَجَلٍ إذَا تَبَايَنَتْ الْأَغْرَاضُ فِيهِ، وَقَدَّمْنَا مِنْ قَبْلُ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْإِبِلِ الْقُوَّةُ عَلَى الْحَمْلِ فَإِذَا كَانَ هَذَا الْجَمَلُ مَشْهُورًا بِالْقُوَّةِ عَلَى الْحَمْلِ مَا يُنَافِيه غَايَةُ فِي بَابِهِ جَازَ بَيْعُهُ إلَى أَجَلٍ بِعِشْرِينَ مِنْ جُمْلَةِ الْإِبِلِ، وَلَا يَخْلُو أَنْ يُبَاعَ وَاحِدٌ بِعِشْرِينَ إلَّا لِأَنَّهُ غَايَةٌ فِي بَابِهِ، وَإِنَّ الْعِشْرِينَ لَيْسَتْ فِي الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا مُتَقَدِّمٌ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ جُمْلَةِ حَوَاشِي الْإِبِلِ الَّتِي لَا تُوصَفُ بِذَلِكَ، وَلَا تُشَارِكُ فِيهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اشْتَرَى رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ يُوَفِّيهَا صَاحِبُهَا بِالرَّبَذَةِ) . (ش) : قَوْلُهُ اشْتَرَى رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَوَازُ التَّفَاضُلِ فِيهَا إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ الرَّاحِلَةَ الَّتِي أَخَذَ غَايَةٌ فِي الْحَمْلِ، وَالرَّاحِلَةُ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْ الْإِبِلِ، وَكَذَلِكَ الْبَدَنَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ يُوَفِّيه إيَّاهَا بِالرَّبَذَةِ فَإِنَّهُ إذَا عَيَّنَ مَوْضِعَ قَضَاءِ السَّلَمِ جَازَ ذَلِكَ، وَلَزِمَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ) . (ش) : قَوْلُهُ فِي بَيْعِ الْحَيَوَانِ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ لَا بَأْسَ بِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْخِلْقَةِ وَالِاسْمِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِي الْخِلْقَةِ وَالتَّسْمِيَةِ، وَلَكِنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ أَوْ بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ إنْ كَانَ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَبْلَ هَذَا.

стр. 1357

الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْجَمَلِ بِالْجَمَلِ مِثْلَهُ، وَزِيَادَةُ دَرَاهِمَ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا بَأْسَ بِالْجَمَلِ بِالْجَمَلِ مِثْلَهُ، وَزِيَادَةُ دَرَاهِمَ الْجَمَلُ بِالْجَمَلِ يَدًا بِيَدٍ، وَالدَّرَاهِمُ إلَى أَجَلٍ قَالَ، وَلَا خَيْرَ فِي الْجَمَلِ بِالْجَمَلِ مِثْلَهُ، وَزِيَادَةُ دَرَاهِمَ الدَّرَاهِمُ نَقْدًا، وَالْجَمَلُ إلَى أَجَلٍ، وَإِنْ أَخَّرْت الْجَمَلَ وَالدَّرَاهِمَ لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا) . ــ [المنتقى] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ مَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ نَقْدًا مِنْ غَيْرِ الْمُقْتَاتِ، وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَيَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فِيهَا فَإِنَّ مَنْ بَاعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ فَلَا يَفْسُدُ ذَلِكَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ زِيَادَةٍ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْجِنْسِ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ بَعْدَ أَنْ يَتَعَجَّلَ الْمُتَجَانِسَانِ فَإِنْ تَأَجَّلَ شَيْءٌ مِنْ جِنْسِهِمَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ بِوَجْهٍ، وَهَذَا عَقْدُ هَذَا الْبَابِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَأَجَّلْ شَيْءٌ مِنْ جِنْسِهِمَا فَقَدْ سَلِمَا مِنْ السَّلَفِ فَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ، وَإِذَا تَأَجَّلَ شَيْءٌ مِنْ جِنْسِ مَا تَعَجَّلَ فَقَدْ صَارَ سَلَفًا، وَازْدَادَ أَحَدُهُمَا فِيهِ مَا أَفْسَدَ السَّلَفَ. (قَالَ مَالِكٌ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُبْتَاعَ الْبَعِيرُ النَّجِيبُ بِالْبَعِيرَيْنِ أَوْ بِالْأَبْعِرَةِ مِنْ الْحَمُولَةِ مِنْ حَاشِيَةِ الْإِبِلِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ نَعَمٍ وَاحِدَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ إذَا اخْتَلَفَتْ فَبَانَ اخْتِلَافُهَا، وَإِنْ أَشْبَهَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَاخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا أَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ قَالَ مَالِكٌ، وَتَفْسِيرُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُؤْخَذَ الْبَعِيرُ بِالْبَعِيرَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا تَفَاضُلٌ فِي نَجَابَةٍ وَلَا رِحْلَةٍ فَإِنْ كَانَ هَذَا عَلَى مَا وَصَفْتُ لَك فَلَا يُشْتَرَى مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْت مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَيْته مِنْهُ إذَا انْتَقَدَتْ ثَمَنَهُ) . (ش) : قَوْلُهُ ﵀، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ الْبَعِيرُ النَّجِيبُ بِالْبَعِيرَيْنِ أَوْ بِالْأَبْعِرَةِ مِنْ الْحَمُولَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالنَّجِيبِ جِنْسًا مِنْ الْإِبِلِ يَخْتَصُّ بِهَذَا الِاسْمِ، وَأَكْثَرُهَا يُرْكَبُ بِالسُّرُوجِ؛ لِأَنَّهَا لِلْمَشْيِ السَّرِيعِ، وَلَيْسَتْ لِلْحَمْلِ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْإِبِلِ يُقَالُ لَهَا الْبُخْتُ كَمَا يُقَالُ لِغَيْرِهَا الْهُجُنُ، وَيُقَالُ الْبُخْتُ وَالْعِرَابُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالنَّجِيبِ الْفَارِهَ الْقَوِيَّ عَلَى الْحَمْلِ كَمَا يُقَالُ رَجُلٌ نَجِيبٌ، وَفَرَسٌ نَجِيبٌ إذَا كَانَ مُتَقَدِّمًا فِي جِنْسِهِ فَيَكُونُ هَذَا وَصْفًا لِذَلِكَ الْجَمَلِ دُونَ وَصْفِ نَوْعِهِ وَلَا جِنْسِهِ فَالْحَمُولَةُ مِنْ الْإِبِلِ هُوَ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مِنْهَا دُونَ مَا يُرَادُ لِلدَّرِّ وَالنَّسْلِ خَاصَّةً وَحَوَاشِيهَا أَدْوَنُهَا، وَلَيْسَتْ بِوَصْفِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْهَا بِأَنَّهُ مِنْ الْحَوَاشِي، وَهَذَا أَظْهَرُ قَوْلِ مَالِكٍ ﵀ الْبَعِيرُ الْفَارِهُ النَّجِيبُ الْقَوِيُّ عَلَى الْحَمْلِ الْمُتَنَاهِي فِيهِ بِالْبَعِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ يَحْمِلَانِ إلَّا أَنَّهُمَا مِنْ دُونِ الْإِبِلِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعَجَّلُ وَالْمُؤَجَّلُ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَلَا يَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ بِهِ النَّجِيبَ مِنْ النَّوْعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي الْأَغْلَبِ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَيْهِ فَيُوصَفُ بِأَنَّهُ حَمُولَةٌ، وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ حَبِيبٍ، وَأَمَّا الْإِبِلُ فَمَا كَانَ فِيهِ النَّجَابَةُ، وَالرِّحْلَةُ صِنْفٌ فَجَمَعَ بَيْنَ النَّجَابَةِ وَالرِّحْلَةِ، وَعَدَلَ عَنْ ذِكْرِ الْأَنْوَاعِ، وَوَصَفَهَا بِالنُّجُبِ وَالْبُخْتِ وَالْعِرَابِ وَالْهُجُنِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْحَمُولَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فَضْلُ نَجَابَةٍ وَلَهَا فَضْلُ عَمَلٍ تَحْمِلُ الْقِبَابَ وَالْمَحَامِلَ يُسَلَّمُ فِي حَوَاشِي الْإِبِلِ يُرِيدُ أَنْ تَكُونَ لَهَا قُوَّةٌ عَلَى الْحَمْلِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا تِلْكَ النَّجَابَةُ فِي خَلْقِهَا كَالْفَرَسِ الْجَوَادِ فِي جَرْيِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَتَاقِ الْخَيْلِ فِي صُورَتِهِ لَكِنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَتْ فِي الْبَعِيرِ حُسْنُ الْخِلْقَةِ وَالْقُوَّةُ عَلَى الْحَمْلِ لَكَانَ أَبْيَنَ كَالْفَصَاحَةِ فِي الْعَبْدِ إذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ التِّجَارَةِ كَانَتْ أَبَيْنَ فَإِنْ انْفَرَدَتْ الْفَصَاحَةُ لَمْ يَكُنْ لَهَا حُكْمٌ، وَإِنْ انْفَرَدَتْ التِّجَارَةُ ثَبَتَ لَهَا حُكْمٌ فَكَذَلِكَ النَّجَابَةُ وَالْحَمُولَةُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵀ كَانَتْ مِنْ نَعَمٍ وَاحِدَةٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مِنْ قَطِيعٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ نَسْلِ فَحْلٍ وَاحِدٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ نَوْعُهَا وَاحِدًا فَإِذَا اخْتَلَفَتْ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْقُوَّةِ عَلَى الْحَمْلِ فَبَانَ اخْتِلَافُهَا جَازَ أَنْ يُبَاعَ مِنْهَا وَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ إلَى أَجَلٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ الْجِنْسِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵀، وَإِنْ أَشْبَهَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَاخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا أَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا اثْنَانِ

стр. 1358

(ص) : (مَالِكٌ، وَمَنْ سَلَّفَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَوَصَفَهُ وَحَلَّاهُ وَنَقَدَ ثَمَنَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَهُوَ لَازِمٌ لِلْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ عَلَى مَا وَصَفَا وَحَلَّيَا، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ الْجَائِزِ بَيْنَهُمْ، وَاَلَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا) . مَا لَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلٍ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يَبْتَاعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إلَى أَنْ تُنْتِجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تُنْتِجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا» ) ــ [المنتقى] بِوَاحِدٍ يُرِيدُ أَنَّهَا إذَا اشْتَبَهَتْ فِي الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ وَتَقَارَبَتْ فِيهَا، وَهِيَ الْقُوَّةُ عَلَى الْحَمْلِ فَسَوَاءٌ كَانَ جِنْسُهَا وَاحِدًا بِأَنْ تَكُونَ هُجُنًا كُلَّهَا أَوْ عِرَابًا كُلَّهَا أَوْ بُخْتًا كُلَّهَا أَوْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا فَكَانَ بَعْضُهَا هُجُنًا، وَبَعْضُهُ عِرَابًا أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْنَاسِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنْهَا وَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ إلَى أَجَلٍ. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ وَتَفْسِيرُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُؤْخَذَ الْبَعِيرُ بِالْبَعِيرِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا تَفَاضُلٌ فِي نَجَابَةٍ وَلَا رِحْلَةٍ يُرِيدُ نِهَايَةَ التَّسَاوِي، وَهُوَ أَنْ يَكُونَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي جِنْسِ الْخِلْقَةِ وَنَوْعِهَا وَالصَّبْرِ عَلَى طُولِ السَّيْرِ وَالْقُوَّةِ عَلَى الْحُمُولَةِ، وَهِيَ الرِّحْلَةُ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ عِلَّةَ مَنْعِ التَّفَاضُلِ بِأَبْلَغَ مِنْ ذَلِكَ، وَذَكَرَ ﵀ كُلَّ مَا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ،. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ جِنْسَ الْخِلْقَةِ وَتَمَامَهَا مُؤَكِّدٌ لِلْقُوَّةِ عَلَى الْحَمْلِ كَالْفَصَاحَةِ فِي الْعَبْدِ مَعَ التِّجَارَةِ قَالَ فَإِذَا كَانَ هَذَا عَلَى مَا وَصَفْت يُرِيدُ مِنْ تَسَاوِيهِمَا فِي الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَلَا يُشْتَرَى وَاحِدٌ مِنْهُ بِاثْنَيْنِ إلَى أَجَلٍ يُرِيدُ أَنَّ تُسَاوِيَهُمَا، وَاتِّفَاقَ الْأَغْرَاضَ فِيهِمَا يُخْرِجُ ذَلِكَ عَنْ حَدِّ الْبَيْعِ إلَى حَدِّ الْغَرَضِ الَّذِي يُنَافِي التَّفَاضُلَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْت مِنْهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَيْته مِنْهُ إذَا انْتَقَدَتْ ثَمَنَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ مَطْعُومًا بَعْدَ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَطْعُومَاتِ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ فِي الْجُزَافِ، وَعَلَى التَّحْرِيمِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَمَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَيْته مِنْهُ تَحْقِيقٌ لِمَعْنَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ بَائِعِهِ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْإِقَالَة، وَرُبَّمَا كَانَ الْأَغْلَبُ مِنْ مُعَامَلَتِهِ فِيهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵀ إذَا انْتَقَدَتْ ثَمَنَهُ يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ لَا يَبِيعَهُ بِدَيْنٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ وَالْعَرَضُ مُؤَجَّلًا أَوْ غَيْرَ مُؤَجَّلٍ فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِمُؤَجَّلٍ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ فِي بَيْعِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَيَدْخُلُهُ فِي بَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ الْكَالِئُ بِالْكَالِئِ، وَكِلَاهُمَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْلَمَ فِيهِ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ، وَيُسْلَمُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ، أَوْ لَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَذَا كَمَا قَالَ ﵀ أَنَّ السَّلَفَ فِي الْحَيَوَانِ بِالْحِلْيَةِ وَالصِّفَةِ جَائِزٌ لَازِمٌ، وَيَلْزَمُ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ تِلْكَ الصِّفَةُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَيَلْزَمُ الْمُسْلِمُ قَبْضَهَا فَإِنْ كَرِهَهَا وَاسْتَغَلَّاهَا فَقَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِدْلَال عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَعَلَى هَذَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا، وَإِنَّمَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْعِرَاقِ. [مَا لَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ] (ش) : قَوْلُهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ الْحَبَلُ هُوَ الْحَمْلُ، وَالْحَبَلَةُ الْجَنِينُ فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ إلَى أَنْ يَنْقَضِيَ حَمْلُ الْجَنِينِ الَّذِي فِي بَطْنِ النَّاقِهِ يُنْتِجُ ثُمَّ تَحْمِلُ فَيَحِلُّ الْبَيْعُ بِانْقِضَاءِ حَمْلِهِ، وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ يَتَقَدَّرُ بِهِ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ هُوَ الْجَنِينُ الثَّانِي فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ مَقْصُودٌ بِالْعَقْدِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، وَاَلَّذِي يُدْخِلُ الْفَسَادَ فِيهِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا الْجَهَالَةُ بِهِ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا يَدْخُلُهُ الْغَرَرُ لِبُعْدِهِ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْبَيْعِ إلَى أَنْ تُنْتِجَ النَّاقَةُ أَوْ يُنْتِجَ

стр. 1359

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ لَا رِبَا فِي الْحَيَوَانِ، وَإِنَّمَا نُهِيَ مِنْ الْحَيَوَانِ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَالْمَضَامِينُ بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ إنَاثِ الْإِبِلِ، وَالْمَلَاقِيحُ بَيْعُ مَا فِي ظُهُورِ الْجِمَالِ) . (ص) : (مَالِكٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ بِعَيْنِهِ إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَآهُ، وَرَضِيَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُدَ ثَمَنَهُ لَا قَرِيبًا، وَلَا بَعِيدًا قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لَأَنْ يُنْتَفَعَ بِالثَّمَنِ، وَلَا يَدْرِي هَلْ تُوجَدُ تِلْكَ السِّلْعَةُ عَلَى مَا رَآهَا الْمُبْتَاعُ أَمْ لَا فَلِذَلِكَ كُرِهَ ذَلِكَ، وَلَا بَأْس بِهِ إذَا كَانَ مَضْمُونًا مَوْصُوفًا) ــ [المنتقى] مَا فِي بَطْنِهَا أَوْ إلَى قُدُومِ فُلَانٍ أَوْ نُزُولِ الْمَطَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا تَخْتَلِفُ الْأَغْرَاضُ بِاخْتِلَافِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ جِدًّا فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَجُوزُ شِرَاءُ سِلْعَةٍ إلَى عِشْرِينَ سَنَةً، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ إلَى عَشْرِ سِنِينَ، وَكَرِهَهُ إلَى عِشْرِينَ سَنَةً قَالَ، وَلَا أَفْسَخُهُ إلَى سِتِّينَ سَنَةً أَوْ تِسْعِينَ سَنَةً. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ لَا رِبَا فِي الْحَيَوَانِ، وَإِنَّمَا نُهِيَ مِنْ الْحَيَوَانِ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَالْمَضَامِينُ بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ إنَاثِ الْإِبِلِ، وَالْمَلَاقِيحُ بَيْعُ مَا فِي ظُهُورِ الْجِمَالِ) . (ش) : قَوْلُهُ لَا رِبَا فِي الْحَيَوَانِ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ يَدًا بِيَدٍ عَلَى مَا يَثْبُتُ فِي الْمُدَّخَرِ الْمُقْتَاتِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْحَيَوَانِ مِنْ التَّفَاضُلِ مَا لَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ عِلَّةُ الرِّبَا عِنْدَنَا فِي الْبُرِّ الِاقْتِيَاتُ، وَالِادِّخَارُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الطَّعْمُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْوَزْنُ وَالْكَيْلُ، فَصَارَتْ لَفْظَةُ الرِّبَا مَقْصُورَةً عَلَى هَذَا الْحُكْمِ بِعُرْفِ اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵁ وَإِنَّمَا نَهَى مِنْ الْحَيَوَانِ عَنْ ثَلَاثَةِ الْمَضَامِينُ، وَالْمَلَاقِيحُ، وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ، وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ الْمَضَامِينُ مَا فِي بُطُونِ إنَاثِ الْإِبِلِ، وَالْمَلَاقِيحُ مَا فِي ظُهُورِ الْفُحُولِ، وَقَالَ غَيْرُ مَالِكٍ الْمَضَامِينُ مَا فِي ظُهُورِ الْفُحُولِ، وَالْمَلَاقِيحُ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَأَكْثَرُ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي الْحُكْمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ مَا فِي بَطْنِ النَّاقَةِ مِنْ جَنِينٍ، وَلَا مَا فِي ظَهْرِ هَذَا الْفَحْلِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَحْمِلُهُ الْبَائِعُ عَلَى نَاقَتِهِ فَإِذَا أَنْتَجَتْهُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يُعْطِيَهُ ثَمَنًا عَلَى أَنْ يَحْمِلَ فَحْلَهُ عَلَى نَاقَةِ الْمُشْتَرِي فَهَذَا أَيْضًا لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ، وَعَلَيْهِ يَتَأَوَّلُ مَالِكٌ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ عَسِيبِ الْفَحْلِ» ، وَأَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يُنْزِيَهُ عَلَى نَاقَتِهِ أَكْوَامًا مَعْدُودَةً عَدَدَهَا يَسِيرٌ يُمْكِنُ أَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ فِي وَقْتٍ أَوْ أَوْقَاتٍ مُتَقَارِبَةٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفَحْلَ مَعْلُومٌ مُعَيَّنٌ، وَالْأَكْوَامُ مَعْلُومَة فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْغَرَرِ وَلَا الْجَهَالَةِ. (ش) : وَقَوْلُهُ، وَلَا يَشْتَرِي الْحَيَوَانَ الْغَائِبَ الْمُعَيَّنَ بِالنَّقْدِ قَرِيبًا، وَلَا بَعِيدًا هَذِهِ رِوَايَةُ الْمُوَطَّأِ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي الْحَيَوَانِ خَاصَّةً، وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَغَيْرِهَا أَنَّهُ يَجُوزُ النَّقْدُ فِيمَا قَرُبَ دُونَ مَا بَعُدَ فَعَلَى هَذَا لَهُ رِوَايَتَانِ فِي الْقُرْبِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُوَطَّأِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَبِيعٌ غَائِبٌ يُنْقَلُ، وَيُحَوَّلُ فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ بِشَرْطٍ كَالْبَعِيدِ الْغِيبَةِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَوَجْهُهَا أَنَّ مَا قَرُبَ يَقِلُّ فِيهِ الْغَرَرُ لِقُرْبِ إمْكَانِ قَبْضِهِ، وَإِنْ دَخَلَهُ نَقْصٌ عُرِفَ وَقْتُ نَقْصِهِ فَكَانَ ذَلِكَ كَالْحَاضِرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ حَاضِرَ الْبَيْعِ بَلْ قَدْ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَالْمَبِيعُ غَائِبٌ فِي دَارِ الْبَائِعِ وَمَخْزَنِهِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ يَجُوزُ، وَالنَّقْدُ فِيمَا كَانَ عَلَى الْبَرِيدِ وَالْبَرِيدَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ عَلَى الْيَوْمِ وَنَحْوِهِ، وَيَجُوزُ عَلَى مَسِيرَةِ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحَيَوَانِ خَاصَّةً الْبَرِيدَ وَالْبَرِيدَيْنِ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ لَا يَنْقُدُ فِي الطَّعَامِ يَكُونُ عَلَى نِصْفِ يَوْمٍ حَتَّى يَقْرُبَ جِدًّا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَالْبَيْعُ بِالرُّؤْيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقَعَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَالثَّانِي أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ أَنَّ الْمَبِيعَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا حِينَ رَآهُ الْمُبْتَاعُ فَأَمَّا الْأُولَى فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا فِي مُدَّةٍ لَا يَكَادُ الْمَبِيعُ يَتَغَيَّرُ فِيهَا غَالِبًا هَذَا قَوْلُ

стр. 1360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا مَالِكٌ ﵀ فَلَمْ يُفَرِّقْ فِي قَوْلٍ، وَإِنَّمَا قَالَ يَجُوزُ الْبَيْعُ بِرُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَدْ يَتَغَيَّرُ فِي طُولِ الْمُدَّةِ عَمَّا عَرَفَهُ عَلَيْهِ الْمُبْتَاعُ فَإِذَا كَانَ هَذَا الْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ حُمِلَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ تَقَادَمَ تَقَادُمًا يَتَغَيَّرُ فِيهِ فَالصَّفْقَةُ فَاسِدَةٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ شَرَطَ الْبَائِعُ أَنَّهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ يَوْمَ الرُّؤْيَةِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْعَشَرَةَ أَعْوَامٍ مِمَّا تَتَغَيَّرُ فِيهَا السِّلَعُ فَلَا تُبَاعُ إلَّا بِشَرْطِ أَنَّهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِيمَا يَبْقَى عَلَى حَالِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ كَالثِّيَابِ، وَلَا يُمْكِنُ هَذَا فِي الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّ سِنَّهُ يَتَغَيَّرُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ، وَلَيْسَ الْحَوْلِيُّ كَالرُّبَاعِيِّ وَالْجِذَعُ كَالْقَارِحِ فِيهِنَّ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي مُدَّةٍ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَتَغَيَّرَ فِيهَا، وَبِذَلِكَ فَارَقَ الْحَوْلِيُّ الرُّبَاعِيَّ؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ اسْتِحَالَةً، وَفَارَقَ الْجَذَعُ الْقَارِحَ؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ اسْتِحَالَةً مِنْهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ رَأَى عَبْدًا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ اشْتَرَاهُ عَلَى غَيْرِ صِفَةٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا يُنْقَضُ، وَهُوَ بَيْعٌ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَانَ رَأَى فَهَذَا إنْ كَانَ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ قِصَارِ الْمُدَدِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةً يُعْلَمُ أَنَّهُ تَتَغَيَّرُ فِيهَا الْأَسْنَانُ غَالِبًا، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ شَرَطَ أَنَّهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَانَ رَآهُ عَلَيْهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فَذَلِكَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ لِقَوْلِهِ فِي عَشَرَةِ أَعْوَامٍ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي صِحَّةِ بَيْعِ الْمَبِيعِ الْبَعِيدِ الْغَيْبَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَضْرِبَ لِقَبْضِهِ أَجَلًا رَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ ضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا لَمْ يَجُزْ زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ قَرِيبًا، وَلَا بَعِيدًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ إنْ أَجَّلَ قَبْضَهُ يَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ مُتَقَدِّرٌ تَقْدِيرَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَسَافَةُ مَا بَيْنَ بَلَدِ الْبَيْعِ، وَبَلَدِ الْمَبِيعِ، وَالثَّانِي الْأَجَلُ الَّذِي يَضْرِبَانِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ اكْتَرَى دَابَّةً مِنْ مِصْرَ إلَى الشَّامِ عَلَى أَنْ يَقْطَعَ ذَلِكَ فِي مُدَّةٍ سَمَّيَاهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَالشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ لَا يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ عَلَى الْبَائِعِ حَمْلَ الْمَبِيعِ إلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ يَسْتَوْفِيه فِيهِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَوْضِعَ الْعَقْدِ فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمُبْتَاعُ الْمَبِيعَ حَيْثُ شَرَطَا بَيْنَهُمَا حَمْلَهُ، وَالثَّانِي أَنْ يَشْتَرِطَ قَبْضَهُ فِي مَوْضِعِهِ ثُمَّ يَكُونُ عَلَى الْبَائِعِ حَمْلُهُ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ الَّذِي قُلْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ مِنْ أَجْلِ الضَّمَانِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ تَضَمَّنَهُ لَهُ الْبَائِعُ فِي حَمْلِهِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِغَرَضِ الْمُبْتَاعِ مَعَ مَا فِي السَّفَرِ مِنْ الْغَرَرِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَسَافَةُ الْيَسِيرَةُ الَّتِي لَا غَرَرَ فِيهَا غَالِبًا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي فَهُوَ جَائِزٌ لَا يَضْمَنُ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ لِمَا يَخْتَصُّ بِغَرَضِ الْمُبْتَاعِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ لِمَعْنًى يَخُصُّهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّعَامَ مَضْمُونٌ عَلَى الْكَرْيِ إذَا غَابَ عَلَيْهِ، وَانْفَرَدَ بِحَمْلِهِ دُونَ صَاحِبِهِ، وَحُكْمُ هَذَا الضَّمَانِ حُكْمُ ضَمَانِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ، وَبِذَلِكَ يَخْتَصُّ هَذَا بِنَوْعٍ مِنْ الطَّعَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا الْبَعِيدُ الْغَيْبَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْقَلُ، وَيُحَوَّلُ كَالثِّيَابِ وَالْأَطْعِمَةِ وَالْعُرُوضِ الْمَنْقُولَةِ أَوْ مِمَّا لَا يُنْقَلُ كَالْأَرْضِ وَالدُّورِ وَالْأُصُولِ الثَّابِتَةِ وَالْأَشْجَارِ فَأَمَّا مَا يُنْقَلُ فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ، وَإِنْ شَرَطَ الضَّمَانَ عَلَى الْمُبْتَاعِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا آلَ إلَيْهِ حَالُهُ مُنْذُ زَالَ عَنْ بَائِعِهِ، وَلَا يَكَادُ أَنْ يَنْتَهِيَ خَبَرُهُ فَيُعْتَبَرُ وَقْتُ ضَيَاعِهِ، وَمَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ النَّقْصِ وَالزِّيَادَةِ فَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ النَّقْدِ جَازَ لِسَلَامَةِ ذَلِكَ مِنْ الْغَرَرِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْأُصُولُ الثَّابِتَةُ فَجَوَّزَ ذَلِكَ فِيهَا ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى النَّقْدِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَمَنَعَ مِنْهُ أَشْهَبُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِي الْحَيَوَانِ، وَالْعُرُوضِ لِسُرْعَةِ اسْتِحَالَتِهَا فِي أَنْفُسِهَا وَإِمْكَانِ نَقْصِهَا فَإِذَا قَبَضَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ فَلَمْ يَقْبِضْهُ عَلَى ثِقَةٍ أَنَّهُ لَهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ قَدْ هَلَكَ أَوْ دَخَلَهُ نَقْصٌ أَوْ يَدْخُلُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ الثَّمَنِ سَلَفًا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ

стр. 1361

بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ» مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ مِنْ مَيْسِرِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ بِالشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ فَقُلْت لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَرَأَيْت رَجُلًا اشْتَرَى ــ [المنتقى] مِمَّا يَتَكَرَّرُ فَقَدْ قَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ قَبَضَ الْمُبْتَاعُ الْمَبِيعَ فَهُوَ ثَمَنُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ كَانَ عِنْدَهُ سَلَفًا يَرُدُّهُ فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ، وَأَمَّا الْأُصُولُ الثَّابِتَةُ فَإِنَّهَا مَأْمُونَةٌ لَا يَدْخُلُهَا فِي الْأَغْلَبِ نَقْصٌ وَلَا زِيَادَةٌ وَلَا تَغَيُّرٌ، وَلِذَلِكَ كَانَ ضَمَانُهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ فَالْبَائِعُ إنَّمَا يَقْبِضُ الثَّمَنَ عَلَى أَنَّهُ لَهُ فِي الْأَغْلَبِ كَالْمَبِيعِ الْحَاضِرِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يُؤَجَّلَ بِهِ عَيْبٌ يُوجِبُ عَلَيْهِ رَدَّ الثَّمَنِ لَمَّا كَانَ يَقِلُّ وَيَنْدُرُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا مُعَيَّنٌ بَعِيدُ الْغَيْبَةِ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِشَرْطِ النَّقْدِ كَالْحَيَوَانِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ رَآهُ وَرَضِيَهُ يُرِيدُ أَنَّ الْمُبْتَاعَ الْبَعِيدِ الْغَيْبَةِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِشَرْطِ النَّقْدِ، وَإِنْ كَانَتْ تَقَدَّمَتْ رُؤْيَةُ الْمُشْتَرِي لَهُ يُرِيدُ أَنَّ لِلرُّؤْيَةِ تَأْثِيرًا فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ بَيْعًا إلَّا بِرُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ أَوْ صِفَةٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلِلْمُبْتَاعِ خِيَارُ النَّظَرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مَجْهُولُ الصِّفَةِ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ حَالَ الْعَقْدِ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ أَصْلِهِ إذَا قَالَ بِعْتُك مَا فِي يَدَيَّ. (فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ وَالْمُكَايَسَةِ فَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَالْمُكَارَمَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَيَلْزَمُ الْمَوْلَى دُونَ الْمُوَلِّي، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ ابْتَعْت سِلْعَةً رَخِيصَةً فَيَقُولَ لَهُ آخَرُ وَلِّنِيهَا فَيَقُولَ قَدْ فَعَلْتُ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ هِيَ دَابَّةٌ أَوْ جَارِيَةٌ أَوْ ثَوْبٌ ابْتَعْته بِكَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُكَارَمَةِ فَقَدْ عَرَا عَنْ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ الَّذِي جَهِلَ صِفَتَهُ لَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ، وَالْبَائِعُ الَّذِي لَزِمَهُ الْبَيْعُ عَالِمٌ بِهِ وَمَكَارِمٌ لَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا بَيْعُ الْغَائِبِ الْبَعِيدِ الْغَيْبَة بِصِفَةِ الْبَائِعِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ فَإِنْ كَانَتْ الصِّفَةُ عَلَى مَا وَصَفْت لَزِمَ الْمُبْتَاعُ، وَإِلَّا كَانَ لَهُ الْخِيَارُ، وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ بَيْعَ مَا لَمْ يُرَ، وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ جَوَازُ بَيْعِ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ضَمَانِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَالَ أَوَّلًا هِيَ مِنْ الْمُبْتَاعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ، وَبِهِ قَالَ مُطَّرِفٌ وَابْنُ وَهْبٍ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ هِيَ مِنْ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْرُطَ ذَلِكَ عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَكَانَ مِنْ الْمُبْتَاعِ كَالْحَاضِرِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ النَّقْدِ فِيهِ مَخَافَةَ تَغَيُّرِهِ فَكَانَ مِنْ الْبَائِعِ كَالْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ بِالْمُوَاضَعَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا يَجُوزُ فِيهِ النَّقْدُ مِنْ الرِّبَاعِ وَغَيْرِهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا مِنْ الْبَائِعِ قَالَ، وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَجْمَعُ هَذَا كُلُّهُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مِنْ تَوْفِيَةٍ بِعَدَدٍ أَوْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ ذَرْعٍ فِي أَرْضٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَمَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ كَالْحَاضِرِ. (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يَجُوزُ النَّقْدُ فِي الرِّبَاعِ الْغَائِبَةِ إذَا بِيعَتْ بِوَصْفٍ فَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيمَا بِيعَتْ بِوَصْفِ غَيْرِ الْبَائِعِ فَأَمَّا إذَا بِيعَتْ بِوَصْفِ الْبَائِعِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ قَدْ يَزِيدُ فِي الصِّفَةِ لِيَنْتَفِعَ بِالثَّمَنِ إلَى وَقْتِ رُؤْيَةِ الْمُشْتَرِي لَهَا، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الشِّرَاءُ مُعْتَادًا، وَكَثُرَ فِيهِ الْغَرَرُ مُنِعَ مِنْ الْبَيْعِ بِشَرْطِ النَّقْدِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ مَضْمُونًا مَوْصُوفًا يُرِيدُ فِي السَّلَمِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَإِنَّ ذَلِكَ الْغَائِبَ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ النَّقْدُ حَيَوَانًا كَانَ أَوْ غَيْرُهُ.

стр. 1362

شَارِفًا بِعَشْرِ شِيَاهٍ فَقَالَ سَعِيدُ إنْ كَانَ اشْتَرَاهَا لِيَنْحَرَهَا فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ، وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكْت مِنْ النَّاسِ يَنْهَوْنَ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ، وَكَانَ ذَلِكَ يُكْتَبُ فِي عُهُودِ الْعُمَّالِ فِي زَمَانِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَهِشَامِ بْنِ إسْمَاعِيلَ يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ) ــ [المنتقى] [بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ] (ش) : نَهْيُهُ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ، وَإِبْطَالَ مَا، وَقَعَ مِنْهُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ إنَّ كُلَّ مَنْ أَدْرَكْتُ كَانَ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْعَ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ» ، وَهَذَا الْحَدِيثُ، وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَقَدْ وَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْمُرْسَلِ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا جِنْسٌ يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا، وَالرِّبَا بَيْعُ الشَّيْءِ بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ كَالزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ، وَالشَّيْرَجِ بِالسِّمْسِمِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ فَأَمَّا ذَلِكَ فَفِي اللَّحْمِ النِّيءِ، وَأَمَّا الْمَطْبُوخُ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ أَشْهَبَ كَرِهَهُ، وَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْحَيَوَانُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ ذَوَاتُ الْأَرْبَعِ الَّتِي هِيَ مُبَاحَةُ الْأَكْلِ كُلُّهَا جِنْسٌ، وَالطَّيْرُ كُلُّهُ جِنْسٌ، وَالْحِيتَانُ كُلُّهَا جِنْسٌ، وَأَمَّا الْجَرَادُ فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا جِنْسٌ رَابِعٌ رَوَى ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ. وَرُوِيَ عَنْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَتْ بِلَحْمٍ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِ ضَأْنٍ وَلَا مَعْزٍ بِشَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ وَحْشِيِّهَا، وَإِنْسِيِّهَا، وَيَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ بِحَيِّ الطَّيْرِ، وَحَيِّ الطَّيْرِ بِلَحْمِ الْحِيتَانِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَمْ أَرَ عِنْدَ مَالِكٍ تَفْسِيرَ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ إلَّا مِنْ وَصْفٍ وَاحِدٍ لِمَوْضِعِ الْمُزَابَنَةِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِ الْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ الطَّيْرِ وَذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْجِنْسُ كَالْحُبُوبِ وَالْأَثْمَارِ. (فَرْعٌ) وَهَذَا فِيمَا كَانَ أَكْلُهُ مُبَاحًا، وَأَمَّا مَا حَرُمَ أَكْلُهُ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَحِلُّ أَكْلُهُ فَيُقَالُ إنَّ فِيهِ مِنْ جِنْسِ هَذَا اللَّحْمِ، وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ مُنِعَ مِنْ بَيْعِهِ بِلَحْمٍ جِنْسِهِ كَالْهِرِّ وَالثَّعْلَبِ وَالضَّبُعِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِلَحْمِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ لِلْعَرَبِ بِأَكْلِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا غَيْرُ اللَّحْمِ، وَأَمَّا الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِهَا بِاللَّحْمِ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ، وَلِأَنَّ مَنَافِعَهَا الْمَقْصُودَةَ مِنْهَا غَيْرُ الْأَكْلِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا كَانَ الْحَيَوَانُ مِمَّا لَا يُقْتَنَى فَحُكْمُهُ حُكْمُ اللَّحْمِ فِي بَيْعِهِ بِالْحَيَوَانِ مِثْلُ طَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي لَا يُدَّخَرُ، وَلَا يُتَّخَذُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِدَجَاجٍ وَلَا إوَزٍّ هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ أَشْهَبُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يَصْلُحُ اقْتِنَاؤُهُ وَاِتِّخَاذُهُ دَاجِنًا فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِالْحَيَوَانِ كَالْكَسِيرِ الَّذِي لَا يَحْيَا، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ حَيَوَانٌ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يَحْيَا، وَيَتَنَاسَلُ عَلَيْهَا غَالِبًا فَجَازَ بَيْعُهُ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ كَالدَّاجِنِ. (فَرْعٌ) فَإِذْ قُلْنَا إنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ اللَّحْمِ فَمَا الْحَالُ الَّتِي يَثْبُتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا خَيْرَ فِي بَيْعِ الشَّارِفِ وَالْكَسِيرِ بِالْحَيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَلَيْسَ كُلُّ شَارِفٍ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الَّذِي قَدْ شَارَفَ الْمَوْتَ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ إلَّا اللَّحْمُ، وَأَمَّا الشَّارِفُ الَّذِي يُقْبِلُ وَيُدْبِرُ وَيَرْجِعُ فَلَا. (فَرْعٌ) وَهَلْ يَكُونُ مَا يُرْجَى فِيهِ صُوفٌ حُكْمُهُ حُكْمُ اللَّحْمِ قَالَ أَشْهَبُ لَيْسَ التَّيْسُ الْخَصِيُّ كَاللَّحْمِ بِخِلَافِ الشَّارِفِ وَالْكَسِيرِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَأَصْبَغُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ الْكَبْشَ الْخَصِيَّ، وَالتَّيْسَ الْخَصِيَّ لَيْسَ حُكْمُهُمَا حُكْمَ اللَّحْمِ يُرِيدَانِ التَّيْسَ الْخَصِيَّ وَالْكَبْشَ الْخَصِيَّ يُتَّخَذَانِ لِلسِّمَنِ وَالزِّيَادَةِ فِي اللَّحْمِ، وَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْحَيِّ مَعَ جِنْسِهِ،. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا خَيْرَ فِي لَحْمٍ بِشَاةٍ إلَى أَجَلٍ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلَّبَنِ، وَلَا صُوفَ، وَإِنْ اُسْتُحْيِيَتْ لِلسِّمَنِ قَالَ أَصْبَغُ إذَا كَانَ مِثْلُهَا يُقْتَنَى بِالرَّعْيِ لِلسِّمَنِ فَلَا بَأْسَ

стр. 1363

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي لَحْمِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْوُحُوشِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوزَنْ إذَا تَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مَثَلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ) ــ [المنتقى] بِذَلِكَ فِيهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْكَبْشِ الْخَصِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَنَى لِلْعَجَلَةِ الْمَقْصُودَةِ، وَهِيَ فِي الذُّكُورِ الْفَحْلَةُ، وَفِي الْإِنَاثِ الدَّرُّ، وَالنَّسْلُ جَائِزٌ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الصُّوفِ وَالسِّمَنِ مَنَافِعُ فِي الْحَيَوَانِ لَا يُوجَدُ فِيهِ إلَّا بَعْدَ حَالِ حَيَاتِهِ فَإِذَا كَانَتْ فِيهِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْحَيِّ مَعَ الْحَيِّ، وَقَالَ أَشْهَبُ وَأَصْبَغُ كَانَتْ فِيهِ مَنَافِعُ أَوْ لَمْ تَكُنْ فَرَاعَيَا جَوَازَ حَيَاتِهِ وَإِمْكَانَ بَقَائِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، وَقُلْنَا إنَّ حُكْمَ هَذَا الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُسْتَحْيَا حُكْمُ اللَّحْمِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ، وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِاللَّحْمِ أَمْ لَا فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ فَمَنَعَ مِنْهُ مَرَّةً، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَخَفَّفَهُ أُخْرَى فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ. فَوَجْهُ كَرَاهِيَتِهِ تَنَاوَلَ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ تَعَذَّرَ بَقَاؤُهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ اللَّحْمِ فَيَتَعَذَّرُ التَّمَاثُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّحْمِ الْآخَرِ، وَوَجْهُ تَخْفِيفِهِ أَنَّهُ لَحْمٌ بَرِّيٌّ فَجَازَ بِلَحْمٍ آخَرَ مِنْ جِنْسِهِ يَدًا بِيَدٍ. (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ مُتَمَاثِلًا فَإِنَّ التَّمَاثُلَ يَكُونُ فِيهِ بِالتَّحَرِّي؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ فِيهِ إلَى مَعْرِفَةِ التَّمَاثُلِ إلَّا بِالتَّحَرِّي، وَإِنَّمَا يُبْنَى ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةُ أُصُولٍ أَحَدُهَا جَوَازُ بَيْعِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ، وَالثَّانِي جَوَازُ التَّحَرِّي فِي الْعِوَضَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مِمَّا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَالثَّالِثُ صِحَّةُ التَّحَرِّي فِي الْحَيِّ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ الْخِلَافُ فِي الْمَذْهَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَيْعُ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ] ١ ِ اللَّحْمُ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّسَاوِي أَوْ التَّفَاضُلُ هُوَ اللَّحْمُ عَلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي يُسْتَعْمَلُ عَلَيْهَا فِي بَيْعٍ وَطَبْخٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ عَظْمٍ، وَغَيْرِهِ مَا لَمْ يَكُنْ الْعَظْمُ مُضَافًا إلَيْهِ، وَذَلِكَ كَنَوَى التَّمْرِ حُكْمُهُ حُكْمُ التَّمْرِ مَا لَمْ يَكُنْ مُضَافًا إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْكَرِشُ وَالْكَبِدُ وَالْقَلْبُ وَالرِّئَةُ وَالطِّحَالُ وَالْكُلْيَتَانِ وَالْحُلْقُومُ وَالشَّحْمُ وَالْخُصْيَتَانِ وَالرُّءُوسُ وَالْأَكَارِعُ فَلَا يَصْلُحُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِاللَّحْمِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ، وَمَا عَلِمْت مَالِكًا كَرِهَ أَكْلَ الطِّحَالِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ اللَّحْمِ أَيْضًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي لَحْمِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْوُحُوشِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوزَنْ إذَا تَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مَثَلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ) . (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ لَحْمَ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ جِنْسٌ يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَلَحْمَ الطَّيْرِ جِنْسٌ آخَرُ يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَحْمِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَلَحْمَ الْحِيتَانِ جِنْسٌ ثَالِثٌ يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنْسَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَالْأَمْرُ فِي الْجَرَادِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اخْتِلَافِ قَوْلَيْ مَالِكٍ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ جِنْسٌ رَابِعٌ، وَالثَّانِي لَيْسَ بِلَحْمٍ. وَقَدْ رُوِيَ فِي الْمُخْتَصَرِ عَنْ أَشْهَبَ لَا بَأْسَ بِالْجَرَادِ مُتَفَاضِلًا فَأَخْرَجَهُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُقْتَاتًا أَوْ مُدَّخَرًا، وَإِذَا جَازَ التَّفَاضُلُ فِيهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَوْلَى، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَمَرَّةً قَالَ كُلُّ جِنْسٍ مِنْ الْحَيَوَانِ بِلَحْمِهِ جِنْسٌ مَخْصُوصٌ، وَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَحْمِ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ غَيْرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَجْعَلُ الْبُخْتَ وَالْعِرَابَ جِنْسًا وَاحِدًا، وَالْبَقَرَةَ وَالْجَوَامِيسَ جِنْسًا وَاحِدًا، وَالضَّأْنَ وَالْمَاعِزَ جِنْسًا وَاحِدًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا إنَّ اللُّحُومَ كُلَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ لُحُومُ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ وَلُحُومُ الطَّيْرِ وَلُحُومُ الْحِيتَانِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مُرَاعَاةِ الْمَنَافِعِ وَالْأَغْرَاضِ، وَإِذَا كَانَ وَجْهُ اسْتِعْمَالِهِ مُخَالِفًا لِوَجْهِ اسْتِعْمَالِ لَحْمِ الْوَحْشِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَا جِنْسَيْنِ كَلَحْمِ الْحِيتَانِ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّا قَدْ فَرَّقْنَا بَيْنَ أُصُولِ الْأَقْوَاتِ، وَجَعَلْنَاهَا أَجْنَاسًا

стр. 1364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مُخْتَلِفَةً لَمَّا اخْتَلَفَتْ وُجُوهُ اسْتِعْمَالِهَا فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا مَثَلُهُ،. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي نَحْوِ هَذَا فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ جِنْسًا وَاحِدًا لِتَقَارُبِ وُجُوهِ اسْتِعْمَالِهَا، وَلِتَشَاكُلِ صُوَرِهَا فَإِنَّ لِذَلِكَ تَأْثِيرًا فِي الْجِنْسِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَجْنَاسِ الْحُبُوبِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَحْمُ الطَّيْرِ مُخَالِفًا لِذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهَا فِي وَجْهِ الِاسْتِعْمَالِ وَمُنَافَاتِهَا لَهَا فِي الصُّورَةِ، وَلِذَلِكَ فَرَّقْنَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحِيتَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَا حَكَمْنَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ بِالْجِنْسِ الْوَاحِدِ حَرُمَ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَمَا حَكَمْنَا لَهُ بِالْجِنْسَيْنِ جَازَ بَيْنَهُمَا التَّفَاضُلُ، وَاعْتِبَارُ التَّمَاثُلِ فِي اللَّحْمِ وَكُلِّ مَوْزُونٍ مِنْ الْخُبْزِ الْوَزْنُ، وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ بِالتَّحَرِّي رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَغَيْرِهَا أَنَّ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ وَالْبِيضَ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضِ تَحَرَّيَا دُونَ كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ، وَلَمْ يُجِزْ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ التَّحَرِّيَ فِي ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى قِسْمَتِهِ وَمُبَادَلَتِهِ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ، وَحَيْثُ لَا تُوجَدُ الْمَوَازِينُ فَجَازَ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ عَدَمِهَا مَعَ الْوُصُولِ بِذَلِكَ إلَى التَّمَاثُلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَجَازَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ بِشَرْطِ تَعَذُّرِ الْمَوَازِينِ كَالْبَوَادِي وَالْأَسْفَارِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ بِوَجْهٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ التَّحَرِّيَ فِي جِهَةٍ لِمَعْرِفَةِ الْمَوْزُونِ كَالْوَزْنِ لِمَعْرِفَةِ التَّمَاثُلِ فَأَشْبَهَتْ الْوَزْنَ. (فَرْعٌ) وَهَذَا فِي الْمَوْزُونِ دُونَ الْمَكِيلِ وَالْمَعْدُودِ، وَفِي الْوَاضِحَةِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ مِنْ الطَّعَامِ غَيْر الْآدَامِ لِمَا يَجُوزُ قِسْمَتُهُ تَحَرَّيَا، وَكَذَلِكَ السَّمْنُ وَالْعَسَلُ وَالزَّيْتُ، وَإِنَّمَا تُقْسَمُ وَزْنًا أَوْ كَيْلًا مَثَلًا بِمِثْلٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ التَّمَاثُلُ فِيهِ بِالْوَزْنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ فِيهِ التَّحَرِّي لِتَعَذُّرِ الْمَوَازِينِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ، وَمَا يَجُوزُ فِيهِ الْكَيْلُ وَالْعَدَدُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّحَرِّي لِإِمْكَانِ ذَلِكَ فِي الْمَعْدُودِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالْمَكِيلِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْكَيْلِ الْمَعْهُودِ. (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا أَمْكَنَ التَّحَرِّي فِيهِ لِقِلَّتِهِ، وَلِقُرْبِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَأَمَّا إذَا تَعَذَّرَ التَّحَرِّي فِيهِ لِكَثْرَتِهِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَجُوزُ فِي قَلِيلِ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالْبَيْضِ؛ لِأَنَّ التَّحَرِّي يُحِيطُ بِهِ، وَلَا خَيْرَ فِي كَثِيرِهِ إلَّا بِالْوَزْنِ. (فَرْعٌ) وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي شَاةٍ مَذْبُوحَةٍ كَشَاةِ مَذْبُوحَةٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِيهَا إلَّا بِالتَّحَرِّي فَإِنْ كَانَتَا بِجِلْدَيْهِمَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ كَانَ يُسْتَطَاعُ ذَلِكَ فِيهِمَا غَيْرَ مَسْلُوخَتَيْنِ قَالَ سَحْنُونٌ لَا يُسْتَطَاعُ ذَلِكَ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ، وَلَمْ يُعْجِبْ مُحَمَّدَ بْنَ الْمَوَّازِ قَوْلُ أَصْبَغَ. وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ وَجِلْدٌ بِلَحْمٍ وَجِلْدٍ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ لَحْمٌ يُؤْكَلُ مَسْعُوطًا كَسْرًا مُعْتَادًا، وَمَنَعَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ مَغِيبٌ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ أَيْضًا إذَا قُلْنَا إنَّ الْجِلْدَ لَحْمٌ، وَلَوْ لَمْ نَقُلْهُ لَكَانَ قَدْ رُئِيَ بَعْضُهُ فِي مَذْبَحِهِ فَإِذَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ فَكَانَ يَخْرُجُ مِنْهُ أَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَّحَرِّي. (فَرْعٌ) وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْحَيِّ فِي الْوَاضِحَةِ لَا يُبَاعُ مَا لَا يُقْتَنَى مِنْ الْوَحْشِ وَالطَّيْرِ بِجُزْءٍ مِنْ صِنْفِهِ إلَّا تَحَرِّيًا مِثْلًا بِمِثْلٍ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الْجِلْدِ يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي الْحَيِّ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ كَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا لَا يَحْيَا مِنْ الطَّيْرِ بِاللَّحْمِ تَحَرِّيًا قَالَ أَصْبَغُ؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ بَعْدُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُهُ اللَّحْمُ بِالْحَيَوَانِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ تَعَذُّرُ التَّحَرِّي فِي اللَّحْمِ الْحَيِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ تَعَذُّرُ التَّحَرِّي فِيهِمَا لِاخْتِلَافِهَا بِالْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ،. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ جَوَّزَ بَيْعَ الشَّارِفِ الْمَكْسُورِ بِاللَّحْمِ، وَلَمْ يُرَاعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. ١ - (فَرْعٌ) وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي مَنْعِ الْمَجْفُوفِ وَالنِّيءِ بِالتَّحَرِّي فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اللَّحْمُ النِّيءُ بِالْقَدِيدِ، وَإِنْ تَحَرَّى فِيهِ التَّمَاثُلَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْلَغُ التَّمَاثُلُ فِيهِ. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ أَجَازَهُ ثُمَّ رَجَعَ، وَكَذَلِكَ النِّيءُ بِالْمَكْمُورِ، وَكَذَلِكَ اللَّحْمُ الْمَشْوِيُّ بِالنِّيءِ. فَوَجْهُ الْإِبَاحَةِ أَنَّهُ لَحْمٌ فَجَازَ فِيهِ التَّحَرِّي مَعَ اخْتِلَافِ حَالَةِ أَصْلِ ذَلِكَ الْحَيِّ وَالْمَذْبُوحِ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ اخْتِلَافَ

стр. 1365

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَلَا بَأْسَ بِلَحْمِ الْحِيتَانِ بِلَحْمِ الْبَقَرِ وَالْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْوُحُوشِ كُلِّهَا اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ، وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ الْأَجَلُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَرَى لُحُومَ الطَّيْرِ كُلَّهَا مُخَالِفَةً لِلُحُومِ الْأَنْعَامِ وَالْحِيتَانِ فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَشْتَرِيَ بَعْضَ ذَلِكَ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ، وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَى أَجَلٍ) . مَا جَاءَ فِي ثَمَنِ الْكَلْبِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودِ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغْيِ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» يَعْنِي بِمَهْرِ الْبَغْيِ مَا تُعْطَاهُ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ رِشْوَتَهُ، وَمَا يُعْطَى عَلَى أَنْ يَتَكَاهَنَ قَالَ مَالِكٌ أَكْرَهُ ثَمَنَ الْكَلْبِ الضَّارِي وَغَيْرِ الضَّارِي لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ) . ــ [المنتقى] مَا يَجِبُ فِيهِ التَّمَاثُلُ بِالْجُفُوفِ وَالرُّطُوبَةِ يَمْنَعُ التَّحَرِّيَ فِيهِ كَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ وَالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ. (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ لَحْمَ الْحِيتَانِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ لِمَا قُلْنَاهُ، وَيَجُوزُ بَيْنَهُمَا التَّفَاضُلُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا الْأَجَلُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ جَمَعَتْهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الرِّبَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ نَسْئًا كَالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَكَذَا حُكْمُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ الَّذِي حُكْمُهُ حُكْمُ اللَّحْمِ كَالشَّارِفِ وَالْكَسِيرِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ غَيْرُ اللَّحْمِ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ اللَّحْمِ، وَهُوَ طَعَامٌ فَلَا يَجُوزُ بِطَعَامٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ إلَّا يَدًا بِيَدٍ، وَكَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَجُوزَ الْحَيَوَانُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِغَيْرِ اللَّحْمِ إلَّا يَدًا بِيَدٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَانَا أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ لَكِنَّهُ أَثَّرَتْ الْحَيَاةُ فِيهَا لَمَّا تَسَاوَى الْغَرَضَانِ فِيهَا مَا أَثَّرَ التَّسَاوِي فِي بَيْعِ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتُونِ حَبًّا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مَا فِيهِمَا مِنْ الزَّيْتِ مُتَمَاثِلٌ، وَلَا يَجِبُ بَيْعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ؛ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّ مَا فِي الزَّيْتُون مِنْ الزَّيْتِ مُسَاوٍ لِلزَّيْتِ الْمُنْفَرِدِ، وَلَمَّا أَثَّرَ فِي ذَلِكَ التَّمَاثُلُ جَازَ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ. [مَا جَاءَ فِي ثَمَنِ الْكَلْبِ] (ش) : نَهْيُهُ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ ثَمَنَ الْكَلْبِ الْمَنْهِيَّ عَنْ اتِّخَاذِهِ فَيَتَنَاوَلُ نَهْيُهُ الْبَائِعَ عَنْ أَخْذِ ثَمَنِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، وَهَذَا يَمْنَعُ نَفْعَهُ، وَأَمَّا الْكَلْبُ الْمُبَاحُ اتِّخَاذِهِ، وَهُوَ كَلْبُ الْمَاشِيَةِ وَالْحَرْثِ وَالصَّيْدِ فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ فَيَتَأَوَّلُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ بِثَمَنِهِ، وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَهُ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُوَطَّأِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا رَوَى أَبُو صَالِحٍ، وَابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إلَّا كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ» فَأَبَاحَ اتِّخَاذَ مَا اسْتَثْنَى مِنْهَا، وَإِذَا أَبَاحَ اتِّخَاذَهُ جَازَ بَيْعُهُ كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَهَذَا عَامٌّ فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الْكَلْبِ الضَّارِي فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هَذَا مَكْرُوهٌ، وَيَصِحُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فَمَنْ قَتَلَهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فَعَلَيْهِ لِصَاحِبِهِ قِيمَتُهُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا قِيمَةَ عَلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ أُبِيحَ الِانْتِفَاعُ بِهِ فَإِذَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَانَ عَلَى مُسْتَهْلِكِهِ قِيمَتُهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ ، وَعَنْ مَهْرِ الْبَغْيِ يُرِيدُ مَا تُعْطَاهُ الزَّانِيَةُ مِنْ اسْتِبَاحَتِهَا وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَهُوَ مَا يُعْطَاهُ الْكَاهِنُ لِتَكَهُّنِهِ؛ لِأَنَّهُ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَلِأَنَّ التَّكَهُّنَ مُحَرَّمٌ، وَمَا حَرُمَ

стр. 1366

السَّلَفُ وَبَيْعُ الْعُرُوضِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ» قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ آخُذُ سِلْعَتَك بِكَذَا وَكَذَا عَلَى أَنْ تُسْلِفَنِي كَذَا وَكَذَا فَإِنْ عَقَدَا بَيْعَهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ فَإِنْ تَرَكَ الَّذِي اشْتَرَطَ السَّلَفَ مَا اشْتَرَطَ مِنْهُ كَانَ ذَلِكَ الْبَيْعُ جَائِزًا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الثَّوْبَ مِنْ الْكَتَّانِ ــ [المنتقى] فِي نَفْسِهِ حَرُمَ عِوَضُهُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ. [السَّلَفُ وَبَيْعُ الْعُرُوضِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ] (ش) : مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ» لَا نَعْلَمُ لَهُ إسْنَادًا صَحِيحًا، وَأَشْبَهَهَا مَا رَوَى أَيُّوبُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَحِلُّ بَيْعٌ وَسَلَفٌ» وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، وَتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ بِهِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَعْنَاهُ، وَذَلِكَ يَقُومُ لَهُ مَقَامَ الْإِسْنَادِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْغَرَضَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ عُقُودِ الْبِرِّ وَالْمُكَارَمَةِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِوَضٌ فَإِنْ قَارَنَ فَقَدْ فَرَضَ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ، وَكَانَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الْعِوَضِ فَيَخْرُجُ مِنْ مُقْتَضَاهُ فَبَطَلَ وَبَطَلَ مَا قَارَنَهُ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُوَقَّتٍ فَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُقْرِضِ، وَمَا نَفَاذُهُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُقْرِضِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُوَقَّتٍ فَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُقْرِضِ، وَالْبَيْعُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ كَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَارِنَهَا عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ لِتَنَافِي حُكْمَيْهِمَا. (فَصْلٌ) : قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بِعْنِي ثَوْبًا بِكَذَا وَكَذَا عَلَى أَنْ تُسْلِفَنِي كَذَا وَكَذَا فَإِنْ عَقَدَا بَيْعَهُمَا عَلَى هَذَا فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ فَإِنْ أُدْرِكَتْ السِّلْعَةُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُبْتَاعُ أَوْ بَعْدَ مَا قَبَضَهَا، وَقَبْلَ أَنْ تَفُوتَ عِنْدَهُ، وَقَدْ غَابَ الْبَائِعُ عَلَى الثَّمَنِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يُنْقَضُ، وَتُرَدُّ السِّلْعَةُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَسَحْنُونٌ، وَيَجِبُ أَنْ يُرَدَّ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ جَمِيعًا، وَذَلِكَ أَنَّ مَغِيبَ الْبَائِعِ عَلَى الثَّمَنِ يَتِمُّ بِهِ فَسَادُ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ بِذَلِكَ السَّلَفُ الَّذِي أَفْسَدَ الْعَقْدَ، وَمَا لَمْ يَقْبِضْهُ لَمْ يُوجَدْ الْمَعْنَى الْمُفْسِدُ لِلْعَقْدِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَقْبِضْ السَّلَفَ، وَكَانَ مُشْتَرِطَ السَّلَفِ هُوَ الْمُبْتَاعُ فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ مُشْتَرِطُهُ الْبَائِعُ فَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَسَحْنُونٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مُشْتَرِطَ السَّلَفِ حُجَّتُهُ أَنْ يَقُولَ لَوْلَا مَا اشْتَرَطْتُهُ مِنْ السَّلَفِ مَا رَضِيت بِذَلِكَ الثَّمَنَ، وَقَالَ أَصْبَغُ فِي غَيْرِ كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ إنْ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ السَّلَفَ فَلَهُ الْقِيمَةُ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الثَّمَنَ، وَالسَّلَفَ، وَإِنْ اشْتِرَاطَ الْمُبْتَاعُ السَّلَفَ فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مَا بَلَغَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ كَانَتْ السِّلْعَةُ عِنْدَ الْبَائِعِ أَوْ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ قَائِمَةً، وَلَمْ يَغِبْ الْمُقْتَرِضُ عَلَى الْقَرْضِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ مُشْتَرِطَ الْقَرْضِ إنْ تَرَكَهُ صَحَّ الْبَيْعُ، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ بَعْضَ الْمَدَنِيِّينَ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَرَكَ الْقَرْضَ قَالَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْبَيْعَ قَدْ فَسَدَ عَقْدُهُ بِاشْتِرَاطِ السَّلَفِ كَالْبَيْعِ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ بِأَنَّ مَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا بِدِرْهَمٍ وَخَمْرًا وَخِنْزِيرًا فَقَالَ أَنَا أَدَعُ الْخَمْرَ أَنَّ الْبَيْعَ مَفْسُوخٌ عِنْدَ مَالِكٍ قَالَ؛ لِأَنَّ مُشْتَرِطَ السَّلَفِ مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِهِ وَتَرْكِهِ، وَمُشْتَرِطُ الْخَمْرِ غَيْرُ مُخَيَّرٍ يُوَازِنُ مَسْأَلَةَ السَّلَفِ أَنْ يَقُولَ أَبِيعُك الثَّوْبَ بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى إنْ شِئْتَ أَنْ تَزِيدَنِي زِقَّ خَمْرٍ زِدْتنِي، وَإِنْ شِئْت تَرَكْته ثُمَّ تَرَكَ زِقَّ خَمْرٍ جَازَ الْبَيْعُ، وَلَوْ أَخَذَهُ فَسَدَ الْبَيْعُ، وَاَلَّذِي قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ كَلَامٌ صَحِيحٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَرْضَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِاخْتِيَارِ الْمُقْتَرِضِ، وَالْمَبِيعُ لَيْسَ مُعَلَّقًا عَلَى اخْتِيَارِهِ بَلْ يَلْزَمُ مُشْتَرِيهِ قَبْضَهُ، وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ أَنْكَرَ هَذَا الْقَوْلَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ رَأَى قَوْلَهُ، وَلَمْ يَفْهَمْهُ.

стр. 1367

أَوْ الشَّطَوِيِّ أَوْ الْقَصَبِيِّ بِالْأَثْوَابِ مِنْ الْأَتْرِيبِيِّ أَوْ الْقَسِّيِّ أَوْ الزِّيَقَةِ أَوْ الثَّوْبِ الْهَرَوِيِّ الْمَرْوِيِّ بِالْمَلَاحِفِ الْيَمَانِيَّةِ وَالشَّقَائِقِ، وَمَا أَشْبَهَهُ ذَلِكَ الْوَاحِدَ بِالِاثْنَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ يَدًا بِيَدٍ أَوْ إلَى أَجَلٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ نَسِيئَةً فَلَا خَيْرَ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَصْلُحُ حَتَّى يَخْتَلِفَ فَيُبَيِّنَ اخْتِلَافَهُ فَإِذَا أَشْبَهَ بَعْضَ ذَلِكَ بَعْضًا، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ فَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ، وَذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَيْنِ مِنْ الْهَرَوِيِّ بِالثَّوْبِ مِنْ الْمَرْوِيِّ أَوْ الْقُوهِيِّ إلَى أَجَلٍ أَوْ يَأْخُذَ الثَّوْبَيْنِ مِنْ الْفَرْقَبِيِّ بِالثَّوْبِ مِنْ الشَّطَوِيِّ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يَشْتَرِي مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ قَالَ مَالِكٌ، وَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْت مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَيْته مِنْهُ إذَا انْتَقَدَتْ ثَمَنَهُ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ لَا بَأْسَ بِالثَّوْبِ مِنْ الْكَتَّانِ مِنْ الشَّطَوِيِّ أَوْ الْقَصَبِيِّ بِالْأَثْوَابِ مِنْ الْأَتْرِيبِيِّ أَوْ الْقَسِّيِّ أَوْ الزِّيَقَةِ يُرِيدُ أَنَّ رَقِيقَ الْكَتَّانِ، وَهِيَ الشَّطَوِيَّةُ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْقَصَبِيِّ وَالْفَرْقَبِيِّ وَالْقَسِّيِّ لَا بَأْسَ بِهِ بِغَلِيظِ ثِيَابِ الْكَتَّانِ، وَهِيَ الْأَتْرِيبِيُّ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْقَسِّيِّ وَالزِّيَقَةِ وَالْمَرِيسِيَّةِ إلَى أَجَلٍ، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ مَا اخْتَلَفَ فِي جِنْسِهِ مِنْ الثِّيَابِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمَا خَالَفَهُ فِي جِنْسِهِ إلَى أَجَلٍ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ جِنْسُهَا بِالرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ؛ لِأَنَّهَا الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ الْقُطْنُ رَقِيقُهُ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ وَالْهَرَوِيُّ وَالْقُوهِيّ، وَالْعَدَنِيُّ جِنْسٌ مُخَالِفٌ لِغَلِيظِهِ، وَهِيَ الشَّقَائِقُ وَالْمَلَاحِفُ الْيَمَانِيَّةُ الْغِلَاظُ ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي الْوَاضِحَةِ إنَّ ثِيَابَ الْقُطْنِ صِنْفٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ جَوْدَتُهَا وَأَثْمَانُهَا وَبُلْدَانُهَا، وَكَانَتْ هَذِهِ عَمَائِمُ وَهَذِهِ أَرْدِيَةٌ وَشُقَقٌ لِتَقَارُبِ مَنَافِعِهَا قَالَ إلَّا مَا كَانَ مِنْ وَشْيِ الْقُطْنِ وَالصَّنْعَانِيِّ وَالسَّعِيدِيِّ وَالْعَصْبِ وَالْحِبَرِ وَالْمُشَطَّبِ وَالْمُسَيَّرِ وَشِبْهِهِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ فَبَيَاضُ ثِيَابِ الْقُطْنِ مُتَفَاضِلًا إلَى أَجَلٍ، وَمَا اخْتَلَفَ أَيْضًا فِي الرَّدَاءَةِ وَالْجَوْدَةِ وَالْغِلَظِ وَالرِّقَّةِ فَتَبَايَنَ وَتَبَاعَدَ فِي نَفْعِهِ وَجَمَالِهِ فَإِنَّهُمَا صِنْفَانِ يَجُوزُ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ إلَى أَجَلٍ فَجَعَلَ اخْتِلَافَ الْجِنْسِ بِمَعْنَيَيْنِ بِالصَّبْغِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ بِالرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الِاخْتِلَافَ بِالصَّبْغِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِالرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ؛ لِأَنَّ ثِيَابَ الْكَتَّانِ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ تُسْتَعْمَلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَأَمَّا ثِيَابُ الْحَرِيرِ فَصِنْفٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ أَثْمَانُهَا وَجَوْدَتُهَا وَصَنْعَتُهَا مِنْ أَرْدِيَةٍ وَأَخْمُرٍ وَغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ ثِيَابُ الْخَزِّ وَثِيَابُ الشَّقِيقِ إلَّا ثِيَابَ وَشْيِ الْحَرِيرِ فَلَا بَأْسَ بِهَا بِثِيَابِ بَيَاضِ الْحَرِيرِ وَاحِدٍ بِاثْنَيْنِ إلَى أَجَلٍ فَجَعَلَ الصِّنْفَ فِي الْحَرِيرِ يَخْتَلِفُ بِالصَّبْغِ وَالْبَيَاضِ، وَلَمْ يَذْكُرْ اخْتِلَافَهُ بِالرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ، وَثِيَابُ الْحَرِيرِ صِنْفٌ إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ فِي الْغِلَظِ وَالرِّقَّةِ، وَثِيَابُ الصُّوفِ وَالْمِرْعِزَاءِ كُلُّهَا صِنْفٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْبُلْدَانُ وَالثَّمَنُ فَلَا يَجُوزُ كِسَاءُ مِرْعَزٍ بِكِسَاءَيْنِ مِنْ الصُّوفِ إلَى أَجَلٍ، وَلَا بِالْجِبَابِ، وَلَا مَسَاسَارَى بِمِصْرِيَّيْنِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَنْوَاعُ صِنْفِهَا مِثْلُ الطِّيقَانِ الطِّرَازِيَّةِ بِالْجُبَبِ الْمِرْعَزِيَّةِ، وَمِثْلُ الْقُطْنِ بِالْبُسُطِ فَيَجُوزُ مُتَفَاضِلًا إلَى أَجَلٍ، وَكَذَلِكَ ثِيَابٌ تَتَبَايَنُ فِي الرِّقَّةِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا صِنْفٌ فِي خِلَافِهِ مِثْلُ ثَوْبِ قُطْنٍ فِي ثِيَابِ كَتَّانٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ وَشْيٍ أَوْ حَرِيرٍ أَوْ خَزٍّ وَاحِدٍ بِاثْنَيْنِ إلَى أَجَلٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ تَسَاوَتْ فِي الْجَمَالِ وَالرِّقَّةِ لِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ قَالَ ذَلِكَ كُلُّهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ، وَقَدْ غَلَطَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ فَسَّرَ الْمُوَطَّأَ فَتَأَوَّلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ جَعَلَ الْكَتَّانَ وَالْقُطْنَ صِنْفًا وَاحِدًا، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ فَضْلٌ فِي مُخْتَصَرِ الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ يَجْعَلُ ثِيَابَ الْقُطْنِ صِنْفًا، وَثِيَابَ الْكَتَّانِ صِنْفًا آخَرَ وَأَشْهَبُ يَجْعَلُهَا صِنْفًا وَاحِدًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا يَصْلُحُ حَتَّى يَخْتَلِفَ فَيُبَيِّنُ اخْتِلَافَهُ يُرِيدُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ جِنْسٍ بِالرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالصَّبْغِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا إذَا أَشْبَهَ بَعْضَ ذَلِكَ بَعْضًا، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ مَعَ الْأَجَلِ يُرِيدُ مِثْلَ قَوْلِنَا الْعَدَنِيِّ وَالْمَرْوِيِّ وَالْهَرَوِيِّ فَإِنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاءُ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا

стр. 1368

السُّلْفَةُ فِي الْعُرُوضِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَرَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ رَجُلٍ سَلَّفَ فِي سَبَائِبَ فَأَرَادَ بَيْعَهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تِلْكَ الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَذَلِكَ فِيمَا نَرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ، وَلَوْ أَنَّهُ بَاعَهَا مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِيمَنْ سَلَّفَ فِي رَقِيقٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ عُرُوضٍ فَإِذَا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَوْصُوفًا فَسَلَّفَ فِيهِ إلَى أَجَلٍ فَحَلَّ الْأَجَلُ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي سَلَّفَهُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ مَا سَلَّفَ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا فَعَلَهُ فَهُوَ الرِّبَا صَارَ الْمُشْتَرِي إنْ أَعْطَى الَّذِي بَاعَهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَانْتَفَعَ بِهَا فَلَمَّا حَلَّتْ عَلَيْهِ السِّلْعَةُ، وَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُشْتَرِي بَاعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا سَلَّفَهُ فِيهَا فَصَارَ أَنْ رَدَّ إلَيْهِ مَا سَلَّفَهُ، وَزَادَهُ مِنْ عِنْدِهِ) . ــ [المنتقى] التَّفَاضُلُ مَعَ الْأَجَلِ لِتَقَارُبِ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي فِي مَعْنَى الْجِنْسِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ يَقْرُبُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَجَوَّزَ الشَّافِعِيُّ التَّفَاضُلَ مَعَ التَّسَاوِي فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْن الْمُسَيِّبِ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ خَالَفَ النَّاسُ كُلَّهُمْ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فِي قَوْلِهِ لَا بَأْسَ بِقُبْطِيَّةٍ بِقُبْطِيَّتَيْنِ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ الْحَيَوَانِ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الشَّطَوِيُّ مَا عُمِلَ بِشَطَا، وَهُوَ مِنْ الْكَتَّانِ، وَالْأَتْرِيبِيُّ مَا عُمِلَ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى مِصْرَ يُقَالُ لَهَا أَتَرِيبُ، وَالْقَسِّيُّ بِالْقَسِّ كُورَةٌ مِنْ كُوَرِ مِصْرَ، وَالزِّيَقَةُ مَا عُمِلَ بِصَعِيدِ مِصْرَ، وَهِيَ ثِيَابٌ غَلِيظَةٌ، وَالْيَمَانِيَّةُ مَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْبُرُودِ، وَالصَّنْعَانِيِّ كُلُّهُ، وَالشَّقَائِقُ مِنْ الْأَبْرَادِ الصِّفَاقُ الضَّيِّقَةُ. [السُّلْفَةُ فِي الْعُرُوضِ] (ش) : قَوْلُهُ عَنْ رَجُلٍ سَلَّفَ فِي سَبَائِبَ قَالَ مَالِكٌ السَّبَائِبُ غَلَائِلُ ثَمَانِيَةٌ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ بَاعَهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا ذَلِكَ الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ، وَقَالَ مَالِكٌ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ بَائِعِهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي دَفْعَ إلَيْهِ فِيهَا فَيَدْخُلُهُ الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ مُتَفَاضِلًا، وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا أَنْ يُرِيدَ بَيَانَ مَذْهَبِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ مِمَّا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُ. وَقَدْ قَالَ عِيسَى سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ فَقَالَ ذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى» فَرِبْحُهُ حَرَامٌ قَالَ وَأَمَّا غَيْرُ الطَّعَامِ الْعُرُوض وَالْحَيَوَانُ وَالثِّيَابُ فَإِنَّ رِبْحَهُ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ حَلَالٌ، وَمِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّ مِنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ أَنْ يَبِيعَ لِرَجُلٍ شَيْئًا بِغَيْرِ أَمْرِهِ ثُمَّ يَبْتَاعَهُ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بَيْعَك بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ بَيْعُك مَا ابْتَعْت بِالْخِيَارِ لَا تَبِعْهُ حَتَّى تُعْلِمَ الْبَائِعَ، وَيَشْهَدَ أَنَّك رَضِيته فَإِنْ تَعْلَمْهُ فَرِبْحُهُ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ قُلْت بِعْتُ بَعْدَ أَنْ اخْتَرْت صُدِّقْتَ مَعَ يَمِينِك، وَكَذَلِكَ الرِّبْحُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا خَلَا الْمَطْعُومَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ بَائِعِهِ، وَمِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ عَدَدٍ أَوْ كَيْلٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ كَالثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كُلُّ مَا يُنْقَلُ، وَيُحَوَّلُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَكُلُّ مَا لَا يُنْقَلُ، وَلَا يُحَوَّلُ مِنْ الدُّورِ، وَالْأَرَضِينَ، وَمَا أَشْبَهَهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَتَعَلَّقَ شُيُوخُنَا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَطْعُومَ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَيْهِ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِيهِ وَاجِبًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ الْمُسَبَّبُ بِهِ إلَى الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمِ حِينَ وُرُودِ النَّهْيِ فَاخْتَصَّ الْحُكْمُ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وَهَذَا

стр. 1369

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ سَلَّفَ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا فِي حَيَوَانٍ أَوْ عُرُوضٍ إذَا كَانَ مَوْصُوفًا إلَى أَجَلٍ يُسَمَّى ثُمَّ حَلَّ الْأَجَلُ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الْمُشْتَرِي تِلْكَ السِّلْعَةِ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ أَوْ بَعْدَمَا يَحِلُّ بِعَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ يُعَجِّلُهُ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ ذَلِكَ الْعَرْضُ إلَّا الطَّعَامُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَ تِلْكَ السِّلْعَةِ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنْهُ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ عَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ يُقْبَضُ ذَلِكَ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَ ذَلِكَ قَبُحَ، وَدَخَلَهُ مَا يُكْرَهُ مِنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَالْكَالِئُ بِالْكَالِئِ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ قَالَ مَالِكٌ، وَمَنْ سَلَّفَ فِي سِلْعَةٍ إلَى أَجَلٍ، وَتِلْكَ السِّلْعَةُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ فَإِنَّ الْمُشْتَرِي يَبِيعُهَا مِمَّنْ شَاءَ بِنَقْدٍ أَوْ عَرْضٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنْهُ إلَّا بِعَرْضٍ يَقْبِضُهُ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ قَالَ مَالِكٌ، وَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ لَمْ تَحِلَّ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا بِعَرَضٍ مُخَالِفٍ لَهَا بَيِّنٌ خِلَافُهُ يَقْبِضُهُ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ) . ــ [المنتقى] عَامٌّ فَحُمِلَ عَلَى عُمُومِهِ، وَدَلِيلُنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ فَجَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَمَنَافِعِ الْأَعْيَانِ فِي الْإِجَارَاتِ، وَدَلِيلٌ آخَرُ أَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ فَجَازَ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْعِتْقِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ، وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ سَلَّفَ فِي رَقِيقٍ أَوْ عُرُوضٍ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي سَلَّفَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْهُ يُرِيدُ مَا دَامَ فِي ذِمَّتِهِ، وَقَبْلَ اسْتِيفَائِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ قَدْ دَفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا، وَأَخَذَ مِنْهُ بِهِ دِينَارَيْنِ، وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ مِنْهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ مِنْهُ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيْعِهِ بِمِثْلِهِ يَعُودُ إلَى مَعْنَى الْقَرْضِ فَإِذَا بَاعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ بَعُدَ عَنْ التُّهْمَةِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُفْعَلُ لَا يَقْصِدُ أَحَدٌ أَنْ يُسَلِّفَ دِينَارَيْنِ فِي دِينَارٍ وَاحِدٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ الْعَيْنِ بِكُلِّ مَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلَمَ فِي السَّلَفِ فِيهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَتْ ثِيَابًا فُرْقُبِيَّةً فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ الْأَجَلِ بِثِيَابِ قُطْنٍ مَرْوِيَّةٍ أَوْ هَرَوِيَّةٍ أَوْ حَيَوَانٍ فَجَعَلَ الْفَرْقَبِيَّةِ، وَهِيَ مِنْ رَقِيقِ الْكَتَّانِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ ثِيَابِ الْقُطْنِ الرَّقِيقَةِ لِاخْتِلَافِهَا فِي جِنْسِ الْأَصْلِ، وَسَيَتِمُّ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (ش) : قَوْلُهُ مَنْ سَلَّفَ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا فِي حَيَوَانٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَبَعْدَهُ بِعَرَضٍ يُعَجِّلُهُ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا مِنْ مَجْلِسِ السَّلَمِ، وَالثَّانِي بَعْدَ أَنْ يَفْتَرِقَا، وَقَبْلَ حُلُولِ أَجَلِ السَّلَمِ، وَالثَّالِثُ بَعْدَ حُلُولِ أَجَلِ السَّلَمِ فَأَمَّا قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَنْ أَسْلَمَ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ عَيْنًا أَوْ طَعَامًا أَوْ عَرَضًا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ أَوْ مِمَّا يُعْرَفُ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ جَازَ أَنْ يَبِيعَهُ بِمَا شَاءَ، وَإِنْ نَقَدَهُ دَنَانِيرَ، وَأَخَذَ دَرَاهِمَ أَوْ أَخَذَ دَنَانِيرَ أَكْثَرَ مِنْ دَنَانِيرِهِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جِنْسِ دَنَانِيرِهِ أَكْثَرَ فَيَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إعْطَاءَ دِينَارٍ بِدِينَارَيْنِ فَيَصِحُّ لِبُعْدِ التُّهْمَةِ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَهَبِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَقَبْلَ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي الْحَيَوَانِ الْمُسْلَمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِيهِ رَأْسَ الْمَالِ فَيَتَحَذَّرُ مِنْ الْأَمْرَيْنِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْأَجَلِ فَإِنَّمَا يُرَاعَى مَعْنَى وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِيمَا بَاعَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَا بَاعَهُ بِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِيمَا بَاعَهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ التَّنَاجُزِ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مَا بَاعَ بِهِ نَقْدًا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّأْخِيرُ، وَمَا فِي ذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ النَّقْدِ فَلَا يَفْسُدُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إلَّا مَا يُفْسِدُ بَيْعَ النَّقْدِ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى ذَلِكَ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وَمَا قَبَضَهُ ثَمَنًا لِلْمُسْلَمِ فِيهِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّأْخِيرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ هَذَا الْبَيْعِ الْقَبْضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَبَعْدَهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ

стр. 1370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بِاتِّفَاقٍ. (مَسْأَلَةٌ) : إنْ كَانَ مَا يَأْخُذُ مِمَّا يُمْكِنُ قَبْضُهُ لِوَقْتِهِ كَالثَّوْبِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِهِ إلَّا مِثْلَ ذَهَابِهِ إلَى الْبَيْتِ، وَإِمَّا أَنْ يُفَارِقَهُ وَيَطْلُبَهُ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَيَوَانٌ مَضْمُونٌ فِي ذِمَّتِهِ فَنَقَلَهُ إلَى ثَوْبٍ مَضْمُونٍ فِي ذِمَّتِهِ. (فَرْعٌ) وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ فُسِخَ الْبَيْعُ إنْ عَمِلَا عَلَى ذَلِكَ أَوْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْعِينَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ فَلْيُلِحَّ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهُ حَقَّهُ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّ تَعْجِيلَ الْقَبْضِ مِنْ شَرْطِ هَذَا الْعَقْدِ فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِهِ إلَّا قَدْرَ مَا يَأْتِي فِي مِثْلِهِ بِحَمَّالِ يَحْمِلُهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مِمَّا يُكَالُ فِيهِ الْأَيَّامُ وَالشَّهْرُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ إذَا شَرَعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةُ الْقَبْضِ الْمُعَجَّلِ، وَلَا يُمْكِنُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا أَخَذَ مِنْ دَيْنِهِ سُكْنَى دَارٍ أَوْ زِرَاعَةِ أَرْضٍ مَأْمُونَةٍ أَوْ عَمَلًا يَعْمَلُهُ لَهُ فَقَدْ مَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَجَوَّزَهُ أَشْهَبُ، وَكِلَاهُمَا رَوَى قَوْلَهُ عَنْ مَالِكٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إنَّ ذِمَّةَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِهِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا فَإِذَا عَارَضَ مِنْهُ سُكْنَى دَارٍ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْ الدَّيْنِ إلَّا بِاسْتِيفَاءِ مُدَّةِ السُّكْنَى فَانْتَقَلَتْ ذِمَّتُهُ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَالُهَا مُرْتَقَبًا إنْ اُسْتُوْفِيَتْ مُدَّةُ السُّكْنَى بَرِئَتْ، وَإِنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ رَجَعَ عَلَيْهَا بِقِيمَةِ الدَّيْنِ فَصَارَتْ مَشْغُولَةً عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ مَشْغُولَةً، وَذَلِكَ مِنْ فَسْخِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ أَنْ يَشْغَلَ الذِّمَّةَ عَلَى غَيْرِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مَشْغُولَةً بِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ بِدَيْنِهِ ثَمَرَةً قَدْ بَدَا صَلَاحُهَا، وَيَتَأَخَّرُ جُذَاذُهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ قَبْضَهُ لِرَقَبَةِ الدَّارِ بِمَنْزِلَةِ قَبْضِهِ لِمَنَافِعِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَسْلَمَ إلَى رَجُلٍ فِي ثَوْبٍ ثُمَّ زَادَهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ عَلَى طُولِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إلَى الْأَجَلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ سَلَمٌ بَعْدَ سَلَمٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ حَائِكًا أَوْ غَيْرَهُ قَالَهُ مَالِكٌ فَإِنْ زَادَهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ عَلَى الصَّفَاقَةِ وَالطُّولِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَقَلَهُ إلَى صِفَةٍ أُخْرَى فَاشْتَرَى الصِّفَةَ الثَّانِيَةَ بِالْأُولَى وَالزِّيَادَةَ، وَإِنْ زَادَهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ فِي الْعَرَضِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَ تِلْكَ السِّلْعَةِ مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ بِمَا شَاءَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ عَرَضٍ فِي هَذَا فَصْلَانِ أَحَدُهُمَا فِي مُرَاعَاةِ مَا سَلَّمَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَالثَّانِي مُرَاعَاةُ مَا بَاعَ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَأَمَّا رَأْسُ الْمَالِ فَلَا يُرَاعَى مَعَ بَائِعٍ أَجْنَبِيٍّ فَيَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ دَنَانِيرَ، وَيَبِيعَ بِوَرِقٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِي الْبَيْعِ مِنْ زَيْدٍ مَا اُبْتِيعَ مِنْ عَمْرٍو كَبَيْعِ النَّقْدِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فِيهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا بَاعَ بِهِ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي الْمَبِيعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَإِلَّا دَخَلَهُ الْفَسَادُ؛ لِأَنَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الثَّمَنِ عِوَضٌ لِمَا يَبِيعُ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَيَدْخُلُ بَيْعُهُمَا التَّأْخِيرُ فَيُفْسِدُ ذَلِكَ مَا يُفْسِدُ السَّلَمَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يَقْبِضُ ذَلِكَ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ قَبُحَ، وَدَخَلَهُ الْكَالِئُ بِالْكَالِئِ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَخَّرَ الْمُسْلِمُ الْمُبْتَاعَ مِنْهُ بِثَمَنِ مَا بَاعَهُ مِنْهُ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ دَخَلَهُ الْكَالِئُ بِالْكَالِئِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا هُوَ كَالِئٌ عَلَى الْمُبْتَاعِ مِنْهُ، وَتَبْقَى الذِّمَّتَانِ مُشْتَغِلَتَيْنِ بِالْعِوَضَيْنِ، وَذَلِكَ فَاسِدٌ كَمَا لَوْ تَأَجَّلَ الْعِوَضَانِ عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَهَذِهِ الْبِيَاعَاتِ غَيْرُ جَائِزَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا بَيْعُ مَا يُنْقَلُ، وَيُحَوَّلُ قَبْلَ قَبْضِهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ، وَالْكَالِئُ بِالْكَالِئِ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ يُرِيدُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنْ يَبِيعَ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ بِعَرَضٍ يُؤَخِّرُهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا نَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ جَمِيعُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ بَلْ بَيْعُ ثَوْبٍ إلَى أَجَلٍ بِحَيَوَانٍ عَلَى بَائِعِهِ إلَى أَجَلٍ أَدْخَلَ فِي بَابِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا بِعْتَ دَيْنَك عَلَى
следующие страницы →