← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

السَّلَفُ وَبَيْعُ الْعُرُوضِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ» قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ آخُذُ سِلْعَتَك بِكَذَا وَكَذَا عَلَى أَنْ تُسْلِفَنِي كَذَا وَكَذَا فَإِنْ عَقَدَا بَيْعَهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ فَإِنْ تَرَكَ الَّذِي اشْتَرَطَ السَّلَفَ مَا اشْتَرَطَ مِنْهُ كَانَ ذَلِكَ الْبَيْعُ جَائِزًا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الثَّوْبَ مِنْ الْكَتَّانِ ــ [المنتقى] فِي نَفْسِهِ حَرُمَ عِوَضُهُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ. [السَّلَفُ وَبَيْعُ الْعُرُوضِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ] (ش) : مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ» لَا نَعْلَمُ لَهُ إسْنَادًا صَحِيحًا، وَأَشْبَهَهَا مَا رَوَى أَيُّوبُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَحِلُّ بَيْعٌ وَسَلَفٌ» وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، وَتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ بِهِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَعْنَاهُ، وَذَلِكَ يَقُومُ لَهُ مَقَامَ الْإِسْنَادِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْغَرَضَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ عُقُودِ الْبِرِّ وَالْمُكَارَمَةِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِوَضٌ فَإِنْ قَارَنَ فَقَدْ فَرَضَ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ، وَكَانَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الْعِوَضِ فَيَخْرُجُ مِنْ مُقْتَضَاهُ فَبَطَلَ وَبَطَلَ مَا قَارَنَهُ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُوَقَّتٍ فَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُقْرِضِ، وَمَا نَفَاذُهُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُقْرِضِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُوَقَّتٍ فَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُقْرِضِ، وَالْبَيْعُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ كَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَارِنَهَا عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ لِتَنَافِي حُكْمَيْهِمَا. (فَصْلٌ) : قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بِعْنِي ثَوْبًا بِكَذَا وَكَذَا عَلَى أَنْ تُسْلِفَنِي كَذَا وَكَذَا فَإِنْ عَقَدَا بَيْعَهُمَا عَلَى هَذَا فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ فَإِنْ أُدْرِكَتْ السِّلْعَةُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُبْتَاعُ أَوْ بَعْدَ مَا قَبَضَهَا، وَقَبْلَ أَنْ تَفُوتَ عِنْدَهُ، وَقَدْ غَابَ الْبَائِعُ عَلَى الثَّمَنِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يُنْقَضُ، وَتُرَدُّ السِّلْعَةُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَسَحْنُونٌ، وَيَجِبُ أَنْ يُرَدَّ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ جَمِيعًا، وَذَلِكَ أَنَّ مَغِيبَ الْبَائِعِ عَلَى الثَّمَنِ يَتِمُّ بِهِ فَسَادُ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ بِذَلِكَ السَّلَفُ الَّذِي أَفْسَدَ الْعَقْدَ، وَمَا لَمْ يَقْبِضْهُ لَمْ يُوجَدْ الْمَعْنَى الْمُفْسِدُ لِلْعَقْدِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَقْبِضْ السَّلَفَ، وَكَانَ مُشْتَرِطَ السَّلَفِ هُوَ الْمُبْتَاعُ فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ مُشْتَرِطُهُ الْبَائِعُ فَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَسَحْنُونٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مُشْتَرِطَ السَّلَفِ حُجَّتُهُ أَنْ يَقُولَ لَوْلَا مَا اشْتَرَطْتُهُ مِنْ السَّلَفِ مَا رَضِيت بِذَلِكَ الثَّمَنَ، وَقَالَ أَصْبَغُ فِي غَيْرِ كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ إنْ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ السَّلَفَ فَلَهُ الْقِيمَةُ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الثَّمَنَ، وَالسَّلَفَ، وَإِنْ اشْتِرَاطَ الْمُبْتَاعُ السَّلَفَ فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مَا بَلَغَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ كَانَتْ السِّلْعَةُ عِنْدَ الْبَائِعِ أَوْ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ قَائِمَةً، وَلَمْ يَغِبْ الْمُقْتَرِضُ عَلَى الْقَرْضِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ مُشْتَرِطَ الْقَرْضِ إنْ تَرَكَهُ صَحَّ الْبَيْعُ، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ بَعْضَ الْمَدَنِيِّينَ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَرَكَ الْقَرْضَ قَالَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْبَيْعَ قَدْ فَسَدَ عَقْدُهُ بِاشْتِرَاطِ السَّلَفِ كَالْبَيْعِ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ بِأَنَّ مَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا بِدِرْهَمٍ وَخَمْرًا وَخِنْزِيرًا فَقَالَ أَنَا أَدَعُ الْخَمْرَ أَنَّ الْبَيْعَ مَفْسُوخٌ عِنْدَ مَالِكٍ قَالَ؛ لِأَنَّ مُشْتَرِطَ السَّلَفِ مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِهِ وَتَرْكِهِ، وَمُشْتَرِطُ الْخَمْرِ غَيْرُ مُخَيَّرٍ يُوَازِنُ مَسْأَلَةَ السَّلَفِ أَنْ يَقُولَ أَبِيعُك الثَّوْبَ بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى إنْ شِئْتَ أَنْ تَزِيدَنِي زِقَّ خَمْرٍ زِدْتنِي، وَإِنْ شِئْت تَرَكْته ثُمَّ تَرَكَ زِقَّ خَمْرٍ جَازَ الْبَيْعُ، وَلَوْ أَخَذَهُ فَسَدَ الْبَيْعُ، وَاَلَّذِي قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ كَلَامٌ صَحِيحٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَرْضَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِاخْتِيَارِ الْمُقْتَرِضِ، وَالْمَبِيعُ لَيْسَ مُعَلَّقًا عَلَى اخْتِيَارِهِ بَلْ يَلْزَمُ مُشْتَرِيهِ قَبْضَهُ، وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ أَنْكَرَ هَذَا الْقَوْلَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ رَأَى قَوْلَهُ، وَلَمْ يَفْهَمْهُ.

стр. 1367

أَوْ الشَّطَوِيِّ أَوْ الْقَصَبِيِّ بِالْأَثْوَابِ مِنْ الْأَتْرِيبِيِّ أَوْ الْقَسِّيِّ أَوْ الزِّيَقَةِ أَوْ الثَّوْبِ الْهَرَوِيِّ الْمَرْوِيِّ بِالْمَلَاحِفِ الْيَمَانِيَّةِ وَالشَّقَائِقِ، وَمَا أَشْبَهَهُ ذَلِكَ الْوَاحِدَ بِالِاثْنَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ يَدًا بِيَدٍ أَوْ إلَى أَجَلٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ نَسِيئَةً فَلَا خَيْرَ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَصْلُحُ حَتَّى يَخْتَلِفَ فَيُبَيِّنَ اخْتِلَافَهُ فَإِذَا أَشْبَهَ بَعْضَ ذَلِكَ بَعْضًا، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ فَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ، وَذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَيْنِ مِنْ الْهَرَوِيِّ بِالثَّوْبِ مِنْ الْمَرْوِيِّ أَوْ الْقُوهِيِّ إلَى أَجَلٍ أَوْ يَأْخُذَ الثَّوْبَيْنِ مِنْ الْفَرْقَبِيِّ بِالثَّوْبِ مِنْ الشَّطَوِيِّ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يَشْتَرِي مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ قَالَ مَالِكٌ، وَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْت مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَيْته مِنْهُ إذَا انْتَقَدَتْ ثَمَنَهُ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ لَا بَأْسَ بِالثَّوْبِ مِنْ الْكَتَّانِ مِنْ الشَّطَوِيِّ أَوْ الْقَصَبِيِّ بِالْأَثْوَابِ مِنْ الْأَتْرِيبِيِّ أَوْ الْقَسِّيِّ أَوْ الزِّيَقَةِ يُرِيدُ أَنَّ رَقِيقَ الْكَتَّانِ، وَهِيَ الشَّطَوِيَّةُ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْقَصَبِيِّ وَالْفَرْقَبِيِّ وَالْقَسِّيِّ لَا بَأْسَ بِهِ بِغَلِيظِ ثِيَابِ الْكَتَّانِ، وَهِيَ الْأَتْرِيبِيُّ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْقَسِّيِّ وَالزِّيَقَةِ وَالْمَرِيسِيَّةِ إلَى أَجَلٍ، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ مَا اخْتَلَفَ فِي جِنْسِهِ مِنْ الثِّيَابِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمَا خَالَفَهُ فِي جِنْسِهِ إلَى أَجَلٍ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ جِنْسُهَا بِالرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ؛ لِأَنَّهَا الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ الْقُطْنُ رَقِيقُهُ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ وَالْهَرَوِيُّ وَالْقُوهِيّ، وَالْعَدَنِيُّ جِنْسٌ مُخَالِفٌ لِغَلِيظِهِ، وَهِيَ الشَّقَائِقُ وَالْمَلَاحِفُ الْيَمَانِيَّةُ الْغِلَاظُ ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي الْوَاضِحَةِ إنَّ ثِيَابَ الْقُطْنِ صِنْفٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ جَوْدَتُهَا وَأَثْمَانُهَا وَبُلْدَانُهَا، وَكَانَتْ هَذِهِ عَمَائِمُ وَهَذِهِ أَرْدِيَةٌ وَشُقَقٌ لِتَقَارُبِ مَنَافِعِهَا قَالَ إلَّا مَا كَانَ مِنْ وَشْيِ الْقُطْنِ وَالصَّنْعَانِيِّ وَالسَّعِيدِيِّ وَالْعَصْبِ وَالْحِبَرِ وَالْمُشَطَّبِ وَالْمُسَيَّرِ وَشِبْهِهِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ فَبَيَاضُ ثِيَابِ الْقُطْنِ مُتَفَاضِلًا إلَى أَجَلٍ، وَمَا اخْتَلَفَ أَيْضًا فِي الرَّدَاءَةِ وَالْجَوْدَةِ وَالْغِلَظِ وَالرِّقَّةِ فَتَبَايَنَ وَتَبَاعَدَ فِي نَفْعِهِ وَجَمَالِهِ فَإِنَّهُمَا صِنْفَانِ يَجُوزُ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ إلَى أَجَلٍ فَجَعَلَ اخْتِلَافَ الْجِنْسِ بِمَعْنَيَيْنِ بِالصَّبْغِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ بِالرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الِاخْتِلَافَ بِالصَّبْغِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِالرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ؛ لِأَنَّ ثِيَابَ الْكَتَّانِ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ تُسْتَعْمَلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَأَمَّا ثِيَابُ الْحَرِيرِ فَصِنْفٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ أَثْمَانُهَا وَجَوْدَتُهَا وَصَنْعَتُهَا مِنْ أَرْدِيَةٍ وَأَخْمُرٍ وَغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ ثِيَابُ الْخَزِّ وَثِيَابُ الشَّقِيقِ إلَّا ثِيَابَ وَشْيِ الْحَرِيرِ فَلَا بَأْسَ بِهَا بِثِيَابِ بَيَاضِ الْحَرِيرِ وَاحِدٍ بِاثْنَيْنِ إلَى أَجَلٍ فَجَعَلَ الصِّنْفَ فِي الْحَرِيرِ يَخْتَلِفُ بِالصَّبْغِ وَالْبَيَاضِ، وَلَمْ يَذْكُرْ اخْتِلَافَهُ بِالرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ، وَثِيَابُ الْحَرِيرِ صِنْفٌ إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ فِي الْغِلَظِ وَالرِّقَّةِ، وَثِيَابُ الصُّوفِ وَالْمِرْعِزَاءِ كُلُّهَا صِنْفٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْبُلْدَانُ وَالثَّمَنُ فَلَا يَجُوزُ كِسَاءُ مِرْعَزٍ بِكِسَاءَيْنِ مِنْ الصُّوفِ إلَى أَجَلٍ، وَلَا بِالْجِبَابِ، وَلَا مَسَاسَارَى بِمِصْرِيَّيْنِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَنْوَاعُ صِنْفِهَا مِثْلُ الطِّيقَانِ الطِّرَازِيَّةِ بِالْجُبَبِ الْمِرْعَزِيَّةِ، وَمِثْلُ الْقُطْنِ بِالْبُسُطِ فَيَجُوزُ مُتَفَاضِلًا إلَى أَجَلٍ، وَكَذَلِكَ ثِيَابٌ تَتَبَايَنُ فِي الرِّقَّةِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا صِنْفٌ فِي خِلَافِهِ مِثْلُ ثَوْبِ قُطْنٍ فِي ثِيَابِ كَتَّانٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ وَشْيٍ أَوْ حَرِيرٍ أَوْ خَزٍّ وَاحِدٍ بِاثْنَيْنِ إلَى أَجَلٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ تَسَاوَتْ فِي الْجَمَالِ وَالرِّقَّةِ لِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ قَالَ ذَلِكَ كُلُّهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ، وَقَدْ غَلَطَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ فَسَّرَ الْمُوَطَّأَ فَتَأَوَّلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ جَعَلَ الْكَتَّانَ وَالْقُطْنَ صِنْفًا وَاحِدًا، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ فَضْلٌ فِي مُخْتَصَرِ الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ يَجْعَلُ ثِيَابَ الْقُطْنِ صِنْفًا، وَثِيَابَ الْكَتَّانِ صِنْفًا آخَرَ وَأَشْهَبُ يَجْعَلُهَا صِنْفًا وَاحِدًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا يَصْلُحُ حَتَّى يَخْتَلِفَ فَيُبَيِّنُ اخْتِلَافَهُ يُرِيدُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ جِنْسٍ بِالرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالصَّبْغِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا إذَا أَشْبَهَ بَعْضَ ذَلِكَ بَعْضًا، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ مَعَ الْأَجَلِ يُرِيدُ مِثْلَ قَوْلِنَا الْعَدَنِيِّ وَالْمَرْوِيِّ وَالْهَرَوِيِّ فَإِنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاءُ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا

стр. 1368

السُّلْفَةُ فِي الْعُرُوضِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَرَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ رَجُلٍ سَلَّفَ فِي سَبَائِبَ فَأَرَادَ بَيْعَهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تِلْكَ الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَذَلِكَ فِيمَا نَرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ، وَلَوْ أَنَّهُ بَاعَهَا مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِيمَنْ سَلَّفَ فِي رَقِيقٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ عُرُوضٍ فَإِذَا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَوْصُوفًا فَسَلَّفَ فِيهِ إلَى أَجَلٍ فَحَلَّ الْأَجَلُ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي سَلَّفَهُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ مَا سَلَّفَ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا فَعَلَهُ فَهُوَ الرِّبَا صَارَ الْمُشْتَرِي إنْ أَعْطَى الَّذِي بَاعَهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَانْتَفَعَ بِهَا فَلَمَّا حَلَّتْ عَلَيْهِ السِّلْعَةُ، وَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُشْتَرِي بَاعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا سَلَّفَهُ فِيهَا فَصَارَ أَنْ رَدَّ إلَيْهِ مَا سَلَّفَهُ، وَزَادَهُ مِنْ عِنْدِهِ) . ــ [المنتقى] التَّفَاضُلُ مَعَ الْأَجَلِ لِتَقَارُبِ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي فِي مَعْنَى الْجِنْسِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ يَقْرُبُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَجَوَّزَ الشَّافِعِيُّ التَّفَاضُلَ مَعَ التَّسَاوِي فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْن الْمُسَيِّبِ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ خَالَفَ النَّاسُ كُلَّهُمْ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فِي قَوْلِهِ لَا بَأْسَ بِقُبْطِيَّةٍ بِقُبْطِيَّتَيْنِ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ الْحَيَوَانِ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الشَّطَوِيُّ مَا عُمِلَ بِشَطَا، وَهُوَ مِنْ الْكَتَّانِ، وَالْأَتْرِيبِيُّ مَا عُمِلَ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى مِصْرَ يُقَالُ لَهَا أَتَرِيبُ، وَالْقَسِّيُّ بِالْقَسِّ كُورَةٌ مِنْ كُوَرِ مِصْرَ، وَالزِّيَقَةُ مَا عُمِلَ بِصَعِيدِ مِصْرَ، وَهِيَ ثِيَابٌ غَلِيظَةٌ، وَالْيَمَانِيَّةُ مَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْبُرُودِ، وَالصَّنْعَانِيِّ كُلُّهُ، وَالشَّقَائِقُ مِنْ الْأَبْرَادِ الصِّفَاقُ الضَّيِّقَةُ. [السُّلْفَةُ فِي الْعُرُوضِ] (ش) : قَوْلُهُ عَنْ رَجُلٍ سَلَّفَ فِي سَبَائِبَ قَالَ مَالِكٌ السَّبَائِبُ غَلَائِلُ ثَمَانِيَةٌ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ بَاعَهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا ذَلِكَ الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ، وَقَالَ مَالِكٌ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ بَائِعِهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي دَفْعَ إلَيْهِ فِيهَا فَيَدْخُلُهُ الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ مُتَفَاضِلًا، وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا أَنْ يُرِيدَ بَيَانَ مَذْهَبِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ مِمَّا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُ. وَقَدْ قَالَ عِيسَى سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ فَقَالَ ذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى» فَرِبْحُهُ حَرَامٌ قَالَ وَأَمَّا غَيْرُ الطَّعَامِ الْعُرُوض وَالْحَيَوَانُ وَالثِّيَابُ فَإِنَّ رِبْحَهُ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ حَلَالٌ، وَمِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّ مِنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ أَنْ يَبِيعَ لِرَجُلٍ شَيْئًا بِغَيْرِ أَمْرِهِ ثُمَّ يَبْتَاعَهُ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بَيْعَك بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ بَيْعُك مَا ابْتَعْت بِالْخِيَارِ لَا تَبِعْهُ حَتَّى تُعْلِمَ الْبَائِعَ، وَيَشْهَدَ أَنَّك رَضِيته فَإِنْ تَعْلَمْهُ فَرِبْحُهُ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ قُلْت بِعْتُ بَعْدَ أَنْ اخْتَرْت صُدِّقْتَ مَعَ يَمِينِك، وَكَذَلِكَ الرِّبْحُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا خَلَا الْمَطْعُومَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ بَائِعِهِ، وَمِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ عَدَدٍ أَوْ كَيْلٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ كَالثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كُلُّ مَا يُنْقَلُ، وَيُحَوَّلُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَكُلُّ مَا لَا يُنْقَلُ، وَلَا يُحَوَّلُ مِنْ الدُّورِ، وَالْأَرَضِينَ، وَمَا أَشْبَهَهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَتَعَلَّقَ شُيُوخُنَا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَطْعُومَ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَيْهِ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِيهِ وَاجِبًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ الْمُسَبَّبُ بِهِ إلَى الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمِ حِينَ وُرُودِ النَّهْيِ فَاخْتَصَّ الْحُكْمُ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وَهَذَا

стр. 1369

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ سَلَّفَ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا فِي حَيَوَانٍ أَوْ عُرُوضٍ إذَا كَانَ مَوْصُوفًا إلَى أَجَلٍ يُسَمَّى ثُمَّ حَلَّ الْأَجَلُ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الْمُشْتَرِي تِلْكَ السِّلْعَةِ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ أَوْ بَعْدَمَا يَحِلُّ بِعَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ يُعَجِّلُهُ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ ذَلِكَ الْعَرْضُ إلَّا الطَّعَامُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَ تِلْكَ السِّلْعَةِ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنْهُ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ عَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ يُقْبَضُ ذَلِكَ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَ ذَلِكَ قَبُحَ، وَدَخَلَهُ مَا يُكْرَهُ مِنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَالْكَالِئُ بِالْكَالِئِ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ قَالَ مَالِكٌ، وَمَنْ سَلَّفَ فِي سِلْعَةٍ إلَى أَجَلٍ، وَتِلْكَ السِّلْعَةُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ فَإِنَّ الْمُشْتَرِي يَبِيعُهَا مِمَّنْ شَاءَ بِنَقْدٍ أَوْ عَرْضٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنْهُ إلَّا بِعَرْضٍ يَقْبِضُهُ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ قَالَ مَالِكٌ، وَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ لَمْ تَحِلَّ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا بِعَرَضٍ مُخَالِفٍ لَهَا بَيِّنٌ خِلَافُهُ يَقْبِضُهُ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ) . ــ [المنتقى] عَامٌّ فَحُمِلَ عَلَى عُمُومِهِ، وَدَلِيلُنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ فَجَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَمَنَافِعِ الْأَعْيَانِ فِي الْإِجَارَاتِ، وَدَلِيلٌ آخَرُ أَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ فَجَازَ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْعِتْقِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ، وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ سَلَّفَ فِي رَقِيقٍ أَوْ عُرُوضٍ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي سَلَّفَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْهُ يُرِيدُ مَا دَامَ فِي ذِمَّتِهِ، وَقَبْلَ اسْتِيفَائِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ قَدْ دَفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا، وَأَخَذَ مِنْهُ بِهِ دِينَارَيْنِ، وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ مِنْهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ مِنْهُ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيْعِهِ بِمِثْلِهِ يَعُودُ إلَى مَعْنَى الْقَرْضِ فَإِذَا بَاعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ بَعُدَ عَنْ التُّهْمَةِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُفْعَلُ لَا يَقْصِدُ أَحَدٌ أَنْ يُسَلِّفَ دِينَارَيْنِ فِي دِينَارٍ وَاحِدٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ الْعَيْنِ بِكُلِّ مَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلَمَ فِي السَّلَفِ فِيهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَتْ ثِيَابًا فُرْقُبِيَّةً فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ الْأَجَلِ بِثِيَابِ قُطْنٍ مَرْوِيَّةٍ أَوْ هَرَوِيَّةٍ أَوْ حَيَوَانٍ فَجَعَلَ الْفَرْقَبِيَّةِ، وَهِيَ مِنْ رَقِيقِ الْكَتَّانِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ ثِيَابِ الْقُطْنِ الرَّقِيقَةِ لِاخْتِلَافِهَا فِي جِنْسِ الْأَصْلِ، وَسَيَتِمُّ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (ش) : قَوْلُهُ مَنْ سَلَّفَ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا فِي حَيَوَانٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَبَعْدَهُ بِعَرَضٍ يُعَجِّلُهُ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا مِنْ مَجْلِسِ السَّلَمِ، وَالثَّانِي بَعْدَ أَنْ يَفْتَرِقَا، وَقَبْلَ حُلُولِ أَجَلِ السَّلَمِ، وَالثَّالِثُ بَعْدَ حُلُولِ أَجَلِ السَّلَمِ فَأَمَّا قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَنْ أَسْلَمَ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ عَيْنًا أَوْ طَعَامًا أَوْ عَرَضًا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ أَوْ مِمَّا يُعْرَفُ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ جَازَ أَنْ يَبِيعَهُ بِمَا شَاءَ، وَإِنْ نَقَدَهُ دَنَانِيرَ، وَأَخَذَ دَرَاهِمَ أَوْ أَخَذَ دَنَانِيرَ أَكْثَرَ مِنْ دَنَانِيرِهِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جِنْسِ دَنَانِيرِهِ أَكْثَرَ فَيَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إعْطَاءَ دِينَارٍ بِدِينَارَيْنِ فَيَصِحُّ لِبُعْدِ التُّهْمَةِ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَهَبِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَقَبْلَ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي الْحَيَوَانِ الْمُسْلَمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِيهِ رَأْسَ الْمَالِ فَيَتَحَذَّرُ مِنْ الْأَمْرَيْنِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْأَجَلِ فَإِنَّمَا يُرَاعَى مَعْنَى وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِيمَا بَاعَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَا بَاعَهُ بِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِيمَا بَاعَهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ التَّنَاجُزِ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مَا بَاعَ بِهِ نَقْدًا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّأْخِيرُ، وَمَا فِي ذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ النَّقْدِ فَلَا يَفْسُدُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إلَّا مَا يُفْسِدُ بَيْعَ النَّقْدِ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى ذَلِكَ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وَمَا قَبَضَهُ ثَمَنًا لِلْمُسْلَمِ فِيهِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّأْخِيرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ هَذَا الْبَيْعِ الْقَبْضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَبَعْدَهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ

стр. 1370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بِاتِّفَاقٍ. (مَسْأَلَةٌ) : إنْ كَانَ مَا يَأْخُذُ مِمَّا يُمْكِنُ قَبْضُهُ لِوَقْتِهِ كَالثَّوْبِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِهِ إلَّا مِثْلَ ذَهَابِهِ إلَى الْبَيْتِ، وَإِمَّا أَنْ يُفَارِقَهُ وَيَطْلُبَهُ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَيَوَانٌ مَضْمُونٌ فِي ذِمَّتِهِ فَنَقَلَهُ إلَى ثَوْبٍ مَضْمُونٍ فِي ذِمَّتِهِ. (فَرْعٌ) وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ فُسِخَ الْبَيْعُ إنْ عَمِلَا عَلَى ذَلِكَ أَوْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْعِينَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ فَلْيُلِحَّ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهُ حَقَّهُ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّ تَعْجِيلَ الْقَبْضِ مِنْ شَرْطِ هَذَا الْعَقْدِ فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِهِ إلَّا قَدْرَ مَا يَأْتِي فِي مِثْلِهِ بِحَمَّالِ يَحْمِلُهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مِمَّا يُكَالُ فِيهِ الْأَيَّامُ وَالشَّهْرُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ إذَا شَرَعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةُ الْقَبْضِ الْمُعَجَّلِ، وَلَا يُمْكِنُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا أَخَذَ مِنْ دَيْنِهِ سُكْنَى دَارٍ أَوْ زِرَاعَةِ أَرْضٍ مَأْمُونَةٍ أَوْ عَمَلًا يَعْمَلُهُ لَهُ فَقَدْ مَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَجَوَّزَهُ أَشْهَبُ، وَكِلَاهُمَا رَوَى قَوْلَهُ عَنْ مَالِكٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إنَّ ذِمَّةَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِهِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا فَإِذَا عَارَضَ مِنْهُ سُكْنَى دَارٍ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْ الدَّيْنِ إلَّا بِاسْتِيفَاءِ مُدَّةِ السُّكْنَى فَانْتَقَلَتْ ذِمَّتُهُ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَالُهَا مُرْتَقَبًا إنْ اُسْتُوْفِيَتْ مُدَّةُ السُّكْنَى بَرِئَتْ، وَإِنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ رَجَعَ عَلَيْهَا بِقِيمَةِ الدَّيْنِ فَصَارَتْ مَشْغُولَةً عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ مَشْغُولَةً، وَذَلِكَ مِنْ فَسْخِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ أَنْ يَشْغَلَ الذِّمَّةَ عَلَى غَيْرِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مَشْغُولَةً بِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ بِدَيْنِهِ ثَمَرَةً قَدْ بَدَا صَلَاحُهَا، وَيَتَأَخَّرُ جُذَاذُهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ قَبْضَهُ لِرَقَبَةِ الدَّارِ بِمَنْزِلَةِ قَبْضِهِ لِمَنَافِعِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَسْلَمَ إلَى رَجُلٍ فِي ثَوْبٍ ثُمَّ زَادَهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ عَلَى طُولِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إلَى الْأَجَلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ سَلَمٌ بَعْدَ سَلَمٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ حَائِكًا أَوْ غَيْرَهُ قَالَهُ مَالِكٌ فَإِنْ زَادَهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ عَلَى الصَّفَاقَةِ وَالطُّولِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَقَلَهُ إلَى صِفَةٍ أُخْرَى فَاشْتَرَى الصِّفَةَ الثَّانِيَةَ بِالْأُولَى وَالزِّيَادَةَ، وَإِنْ زَادَهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ فِي الْعَرَضِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَ تِلْكَ السِّلْعَةِ مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ بِمَا شَاءَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ عَرَضٍ فِي هَذَا فَصْلَانِ أَحَدُهُمَا فِي مُرَاعَاةِ مَا سَلَّمَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَالثَّانِي مُرَاعَاةُ مَا بَاعَ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَأَمَّا رَأْسُ الْمَالِ فَلَا يُرَاعَى مَعَ بَائِعٍ أَجْنَبِيٍّ فَيَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ دَنَانِيرَ، وَيَبِيعَ بِوَرِقٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِي الْبَيْعِ مِنْ زَيْدٍ مَا اُبْتِيعَ مِنْ عَمْرٍو كَبَيْعِ النَّقْدِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فِيهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا بَاعَ بِهِ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي الْمَبِيعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَإِلَّا دَخَلَهُ الْفَسَادُ؛ لِأَنَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الثَّمَنِ عِوَضٌ لِمَا يَبِيعُ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَيَدْخُلُ بَيْعُهُمَا التَّأْخِيرُ فَيُفْسِدُ ذَلِكَ مَا يُفْسِدُ السَّلَمَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يَقْبِضُ ذَلِكَ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ قَبُحَ، وَدَخَلَهُ الْكَالِئُ بِالْكَالِئِ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَخَّرَ الْمُسْلِمُ الْمُبْتَاعَ مِنْهُ بِثَمَنِ مَا بَاعَهُ مِنْهُ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ دَخَلَهُ الْكَالِئُ بِالْكَالِئِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا هُوَ كَالِئٌ عَلَى الْمُبْتَاعِ مِنْهُ، وَتَبْقَى الذِّمَّتَانِ مُشْتَغِلَتَيْنِ بِالْعِوَضَيْنِ، وَذَلِكَ فَاسِدٌ كَمَا لَوْ تَأَجَّلَ الْعِوَضَانِ عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَهَذِهِ الْبِيَاعَاتِ غَيْرُ جَائِزَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا بَيْعُ مَا يُنْقَلُ، وَيُحَوَّلُ قَبْلَ قَبْضِهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ، وَالْكَالِئُ بِالْكَالِئِ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ يُرِيدُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنْ يَبِيعَ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ بِعَرَضٍ يُؤَخِّرُهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا نَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ جَمِيعُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ بَلْ بَيْعُ ثَوْبٍ إلَى أَجَلٍ بِحَيَوَانٍ عَلَى بَائِعِهِ إلَى أَجَلٍ أَدْخَلَ فِي بَابِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا بِعْتَ دَيْنَك عَلَى

стр. 1371

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ سَلَّفَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فِي أَرْبَعَةِ أَثْوَابٍ مَوْصُوفَةٍ إلَى أَجَلٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ تَقَاضَى صَاحِبَهَا فَلَمْ يَجِدَهَا عِنْدَهُ، وَوَجَدَ عِنْدَهُ ثِيَابًا دُونَهَا مِنْ صِنْفِهَا فَقَالَ لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَثْوَابُ أُعْطِيَك بِهَا ثَمَانِيَةَ أَثْوَابٍ مِنْ ثِيَابِي هَذِهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا أَخَذَ تِلْكَ الْأَثْوَابَ الَّتِي يُعْطِيه قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ الْأَجَلُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَبِيعَهُ ثِيَابًا لَيْسَتْ مِنْ صِنْفِ الثِّيَابِ الَّتِي سَلَّفَهُ فِيهَا) . ــ [المنتقى] رَجُلٍ بِثَمَنٍ عَلَى غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهُ أَيْضًا إلَّا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ فَقَطْ، وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَمَنْ وَلَّيْتَهُ طَعَامًا أَوْ عَرَضًا فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِالثَّمَنِ يَوْمًا، وَلَا أَقَلَّ مِنْهُ، وَهُوَ كَالصَّرْفِ قَالَ مُحَمَّدٌ، وَأَمَّا فِي الطَّعَامِ أَوْ فِيمَا بَاعَهُ مِنْ صَاحِبِهِ فَكَمَا قَالَ فَأَمَّا غَيْرُ الطَّعَامِ يَبِيعُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِالثَّمَنِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الدَّيْنَ بِالدَّيْنِ مَعْفُوٌّ عَنْ يَسِيرِهِ، وَلِذَلِكَ يَتَأَخَّرُ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ هَذَا الْمِقْدَارَ، وَيُحْتَاطُ فِي الطَّعَامِ لِلْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَأَمَّا فَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ فَلَا يُعْفَى مِنْهُ عَنْ شَيْءٍ، وَلِذَلِكَ افْتَرَقَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ مَنْ سَلَّفَ فِي أَرْبَعَةِ أَثْوَابٍ مَوْصُوفَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ عِنْدَ الْأَجَلِ ثَمَانِيَةَ أَثْوَابٍ مِنْ جِنْسِهَا أَدْوَنَ مِنْهَا يَقْتَضِي أَنَّ رَقِيقَ الْكَتَّانِ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَثْمَانُهُ حَتَّى يَكُونَ لِلثَّوْبِ مِنْهُ ثَمَنُ الثَّوْبَيْنِ لَكِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الرَّقِيقِ كَمَا إنَّ غَلِيظَهُ جِنْسٌ مُخَالِفٌ لِرَقِيقِهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَثْمَانُهُ، وَتَفَاوَتَتْ، وَلَوْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُ بِاخْتِلَافِ أَثْمَانِهِ لَكَانَ مِنْ الْكَتَّانِ أَجْنَاسٌ كَثِيرَةٌ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ سَائِرِ أَنْوَاعِ الثِّيَابِ مِنْ الْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالْخَزِّ وَالْحَرِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَدْوَنَ مِنْ ثِيَابِهِ، وَلَا أَفْضَلَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُسْلَمُ الْجِنْسُ مِنْ الثِّيَابِ فِي جِنْسِهِ، وَلِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ فِي أَخْذِهِ الْأَدْوَنَ ضَعْ وَتَعَجَّلَ، وَيَدْخُلُهُ فِي أَخْذِهِ الْأَفْضَلَ حُطَّ عَنِّي الضَّمَانَ وَأَزِيدُك. (فَرْعٌ) وَهَذَا فِي الْبَيْعِ فَأَمَّا الْقَرْضُ وَالْمُؤَجَّلُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَدْنَى؛ لِأَنَّهُ ضَعْ وَتَعَجَّلْ، وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَفْضَلُ فَجَوَّزَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَمَنَعَهُ أَشْهَبُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ لَهُ تَعْجِيلَ الْقَرْضِ قَبْلَ الْأَجَلِ فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ الضَّمَانَ بِزِيَادَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَحُطَّهُ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ، وَمَذْهَبُ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَعْجِيلُهُ إلَّا بِاخْتِيَارِ الْمُقْرِضِ فَلِذَلِكَ مَنَعَ مِنْهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ جَازَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ أَفْضَلَ مِنْ ثِيَابِهِ وَأَدْنَى وَأَكْثَرَ عَدَدًا فَإِنْ أَعْطَاهُ أَفْضَلَ مِنْ ثِيَابِهِ وَدِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَمَعْنَاهُ إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَيْنًا؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ مِنْهُ عَيْنًا مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ فَقَدْ آلَ أَمْرُهُمَا إلَى عَيْنٍ مُؤَجَّلٍ بِعَرْضٍ وَعَيْنٍ مِنْ جِنْسِهِ مُؤَجَّلٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ عَرَضًا جَازَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ عَرَضًا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي الْعَرْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَأَعْطَاهُ عِنْدَ الْأَجَلِ أَدْوَنَ مِنْ عَرَضِهِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَبَعِيرًا أَوْ دِرْهَمًا لَجَازَ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى حَيَوَانٍ وَثِيَابٍ وَدِرْهَمٍ إلَى أَجَلٍ، وَذَلِكَ جَائِزٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ كَانَ رَأْسُ السَّلَمِ عَيْنًا فَأَخَذَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ الْأَجَلِ أَفْضَلَ مِنْ ثِيَابِهِ، وَزَادَ عَيْنًا مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ لَجَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ عَيْنٌ مُعَجَّلٌ، وَعَيْنٌ مُؤَجَّلٌ بِعَرَضٍ مُعَجَّلٍ فَإِنَّ الْعَيْنَ الْمُؤَجَّلَ لَمَّا كَانَ يَسِيرًا ضَعُفَتْ فِيهِ التُّهْمَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَزِيدَ الْمُسْلِمُ دِرْهَمًا، وَيَأْخُذَ أَفْضَلَ مِمَّا يُسَلِّمُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَا سَلَمَ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَهُ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ فِي الثِّيَابِ دُونَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ كُلُّهُ. (فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَلَا يَفْتَرِقَانِ قَبْلَ قَبْضِهِمَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْمُسْلِمِ لِفَضْلِ مَا أَخَذَ عَلَى مَا كَانَ لَهُ جَازَ أَنْ تَتَأَخَّرَ الزِّيَادَةُ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ الْكَالِئُ بِالْكَالِئِ، وَلَا فَسْخُ عَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمَ مُعَجَّلٌ مَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ فَابْتَاعَ الزِّيَادَةَ

стр. 1372

بَيْعُ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِمَّا يُوزَنُ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنْ النُّحَاسِ وَالشَّبَّةِ وَالرَّصَاصِ وَالْآنُكِ وَالْحَدِيدِ وَالْقَضْبِ وَالتِّينِ وَالْكُرْسُفِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُوزَنُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ رِطْلٌ حَدِيدٌ بِرِطْلَيْ حَدِيدٍ، وَرِطْلٌ صَفَرٌ بِرِطْلَيْ صَفَرٍ قَالَ مَالِكٌ، وَلَا خَيْرَ فِيهِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ فَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ مِنْ ذَلِكَ فَبَانَ اخْتِلَافُهُمَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ فَإِنْ كَانَ الصِّنْفُ مِنْهُ يُشْبِهُ الصِّنْفَ الْآخَرَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الِاسْمِ مِثْلَ الرَّصَاصِ وَالْآنُكِ، وَالشَّبَّةِ وَالصُّفْرِ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ) ــ [المنتقى] الَّتِي قَبَضَهَا بِثَمَنٍ مُؤَخَّرٍ، وَذَلِكَ جَائِزٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ لَقِيَ الْمُسْلِمُ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ بِغَيْرِ بَلَدِ السَّلَمِ بَعْدَ أَنْ حَلَّ الْأَجَلُ جَازَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مِثْلَ مَالَهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ أَرْفَعَ مِنْ ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ أَشْهَبُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ أَرْفَعَ فَهِيَ زِيَادَةٌ لِطَرْحِ الضَّمَانِ، وَإِذَا أَخَذَ أَدْوَنَ فَهُوَ وَضْعٌ لِتَعْجِيلِ الْحَقِّ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ لَمْ يَحِلَّ الْأَجَلُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مِثْلَ مَالِهِ، وَلَا أَرْفَعَ، وَلَا أَوْضَعَ، وَرَوَى ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَدْخُلُهُ قَبْلَ الْأَجَلِ مَا يَدْخُلُهُ فِي أَرْفَعَ وَأَدْنَى؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ وَضَعَ الْمَسَافَةَ لِيَتَعَجَّلَ لَهُ حَقَّهُ، وَالْمُسْلَمِ إلَيْهِ زَادَهَا لِيَزُولَ عَنْهُ الضَّمَانُ فَيَدْخُلُهُ الْوَجْهَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ إنْ أَخَذَ الْمِثْلَ قَبْلَ الْأَجَلِ جَازَ، وَلَيْسَ لِلْمِلْكِ تَأْثِيرٌ إلَّا مِثْلَ تَأْثِيرِ الْأَجَلِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا انْفَرَدَ لَمْ يَمْنَعْ قَبْضَ الْمِثْلِ فَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَا، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. [بَيْعُ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِمَّا يُوزَنُ] (ش) : مَعْنَى قَوْلِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ مِمَّا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ، وَلَا ثَمَنٍ كَالْحِنَّاءِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ يَدًا بِيَدٍ، وَيَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ مَعَ الْأَجَلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ هَذَا. (فَصْلٌ) : وَإِنْ كَانَ الصِّنْفُ يُشْبِهُ الصِّنْفَ الْآخَرَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الِاسْمِ كَالرَّصَاصِ وَالْآنُكِ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُبَاعَ مِنْهُ وَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ إلَى أَجَلٍ يُرِيدُ بِالتَّشَابُهِ تَقَارُبُ الْمَنَافِعِ مَعَ تَقَارُبِ الصُّورَةِ كَالْآنُكِ وَالرَّصَاصِ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْقَصْدِيرِ فَإِنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الْبَابِ، وَكَذَلِكَ الشَّبَّةُ وَالصُّفْرُ وَالنُّحَاسُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَالْحَدِيدُ لَيِّنُهُ وَذَكِيرُهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ بِالْعَمَلِ فَإِذَا عُمِلَ الْحَدِيدُ سُيُوفًا أَوْ سَكَاكِينَ أَوْ النُّحَاسُ أَوَانِيَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ أَصْنَافًا بِاخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ وَالصُّوَرِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ نَقْدًا مُتَفَاضِلًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا مَا ذَكَرُهُ أَصْحَابُنَا عَنْ مَالِكٍ فِي مَنْعِ التَّفَاضُلِ فِي الْفُلُوسِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَنْعُهُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَنْعُهُ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَجْهُ الْكَرَاهِيَةِ أَنَّ السِّكَّةَ فِي النُّحَاسِ صِنَاعَةٌ لَا تُخْرِجُهُ عَنْ أَصْلِهِ فَلَمْ تَنْقُلْهُ مِنْ إبَاحَةِ التَّفَاضُلِ إلَى تَحْرِيمِهِ كَصِنَاعَتِهِ طُسُوتًا وَأَوَانِيَ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ التَّحْرِيمِ أَنَّ السِّكَّةَ نَوْعٌ يَخْتَصُّ بِالْإِثْمَانِ فَوَجَبَ أَنْ تُؤَثِّرَ فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ كَجِنْسِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَنْ نَسَبَ مَالِكًا فِي هَذَا الْقَوْلِ إلَى الْمُنَاقَضَةِ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ وَجْهَ الْحُكْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَا اشْتَرَيْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَيْته مِنْهُ إذَا قَبَضْت ثَمَنَهُ إذَا كُنْت اشْتَرَيْته كَيْلًا أَوْ وَزْنًا فَإِنْ اشْتَرَيْته جُزَافًا فَبِعْهُ مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَيْته مِنْهُ بِنَقْدٍ أَوْ إلَى أَجَلٍ، وَذَلِكَ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنْك إذَا اشْتَرَيْته جُزَافًا، وَلَا

стр. 1373

النَّهْيُ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» ) ــ [المنتقى] يَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْك إذَا اشْتَرَيْته وَزْنًا حَتَّى تَزِنَهُ وَتَسْتَوْفِيَهُ، وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا) . (ش) : مَعْنَى قَوْلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ مِمَّا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ، وَلَا ثَمَنٍ كَالْحِنَّاءِ، وَقَوْلِهِ وَمَا اشْتَرَيْت مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا فَبِعْهُ مِنْ غَيْرِ بَائِعِهِ إذَا قَبَضْت ثَمَنَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَك بَيْعُهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ مَا لَمْ تَسْتَوْفِهِ بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ، كَأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا مُعَيَّنًا فَإِنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْبَيْعِ حَتَّى تُوَفِّيَهُ فَصَارَ مِنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ جُزَافًا جَازَ بَيْعُهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ؛ لِأَنَّهُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ يَكُونُ فِي ضَمَانِ الْمُبْتَاعِ، وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِضَمَانِ الْبَائِعِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀، وَهَذَا فِي الْمَبِيعِ الْحَاضِرِ الَّذِي هُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَأَمَّا الْغَائِبُ الَّذِي يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ مِثْلُ الْعُصْفُرِ وَالنَّوَى وَالْخَبَطِ وَالْكَتَمِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ فَإِنْ اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ فَبَانَ اخْتِلَافُهُمَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ، وَمَا اشْتَرَى مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُبَاعَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ إذَا قَبَضَ ثَمَنَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ قَالَ مَالِكٌ وَكُلُّ شَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ مِنْ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْحَصْبَاءُ وَالْقُصَّةُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِثْلَيْهِ إلَى أَجَلٍ فَهُوَ رِبًا، وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا بِمِثْلِهِ، وَزِيَادَةُ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ إلَى أَجَلٍ فَهُوَ رِبًا) . (ش) : قَوْلُهُ إنَّ مَا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ، وَلَا ثَمَنٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ يَدًا بِيَدٍ مُتَسَاوِيًا مُتَفَاضِلًا، وَلَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا إلَى أَجَلٍ، وَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ إلَى أَجَلٍ،. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ وَكُلُّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ، وَإِنْ كَانَ الْحَصْبَاءُ وَالْقُصَّةُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِثْلِهِ إلَى أَجَلٍ رِبًا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّ التُّرَابَ الْأَبْيَضَ وَالتُّرَابَ الْأَسْوَدَ صِنْفَانِ قَالَ وَكَذَلِكَ الْجِيرُ وَالتُّرَابُ الْأَبْيَضُ قَالَ، وَكَذَلِكَ الْعُمُدُ بِالصَّخْرِ وَالْكَذَّانُ بِالرُّخَامِ وَالْجَنْدَلُ بِالْحِجَارَةِ وَالْحِجَارَةُ بِالْحَصْبَاءِ قَالَ فَهَذَا كُلُّهُ مُخْتَلِفٌ يَجُوزُ فِيهِ التَّسَاوِي وَالتَّفَاضُلُ إلَى أَجَلٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ مَا اسْتَوَتْ مَنَافِعُهُ كَالْجَنْدَلِ بِالْحِجَارَةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا بِمِثْلِهِ، وَزِيَادَةُ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ إلَى أَجَلٍ رِبًا يُرِيدُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ إلَى أَجَلٍ فَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْجِنْسِ، وَرُبَّمَا كَانَ مَنْفَعَةً أَوْ عَمَلًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [النَّهْيُ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ] (ش) : نَهْيُهُ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ التَّحْرِيمِ، وَقَالَ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ أَنْ يَتَنَاوَلَ عَقْدُ الْبَيْعِ بَيْعَتَيْنِ عَلَى أَنْ لَا تَتِمَّ مِنْهُمَا إلَّا وَاحِدَةٌ مَعَ لُزُومِ الْعَقْدِ فَهَذَا هُوَ مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ مِثْلَ أَنْ يَتَبَايَعَا هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارٍ، وَهَذَا الْآخَرُ بِدِينَارَيْنِ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَهُمَا أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ، وَقَدْ لَزِمَهُمَا ذَلِكَ أَوْ لَزِمَ أَحَدُهُمَا فَهَذَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ بَيْعَتَانِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَقَدَ بَيْعَةً فِي الثَّوْبِ الَّذِي بِالدِّينَارَيْنِ، وَبَيْعَةً أُخْرَى فِي الثَّوْبِ الَّذِي بِالدِّينَارِ، وَلَمْ تَجْمَعْهُمَا صَفْقَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ الْبَيْعُ فِيهِمَا، وَيُوصَفُ بِأَنَّهُ فِي بَيْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ إحْدَى الْبَيْعَتَيْنِ فَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِنَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ نَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ خِلَافًا لِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ فِي تَجْوِيزِهِ ذَلِكَ بِالنَّقْدِ الْوَاحِدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَهْيِهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَنَهْيُهُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهُ

стр. 1374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ أَحَدَهُمَا بِالدِّينَارِ ثُمَّ تَرَكَهُ، وَأَخَذَ الثَّانِيَ وَدَفَعَ دِينَارَيْنِ فَصَارَ إلَى أَنْ بَاعَ ثَوْبًا وَدِينَارًا بِثَوْبٍ وَدِينَارَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ مِثْلَ أَنْ يَبِيعَهُ أَحَدَ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ يَخْتَارُ أَيَّهُمَا شَاءَ بِدِينَارٍ، وَقَدْ لَزِمَهُمَا ذَلِكَ أَوْ لَزِمَ الْبَائِعَ فَحَقِيقَةُ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ، وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ قَالَ مَالِكٌ لَا خَيْرَ فِيهِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَمَكْرُوهٌ ذَلِكَ أَنْ يَخْتَلِفَ الثَّوْبَانِ كَانَا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ صِنْفَيْنِ اتَّفَقَ الثَّمَنُ أَوْ اخْتَلَفَ، وَمَعْنَى ذَلِكَ إذَا كَانَا مِنْ صِنْفَيْنِ فَأَمَّا إذَا كَانَا مِنْ صِنْفٍ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَفَاضُلٌ يَسِيرٌ فَهَذَا لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ كُلُّ ثَوْبَيْنِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي الْجَوْدَةِ فَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ، وَبِهِ قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَتْ السِّلْعَتَانِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ تُسْلِمَ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى إلْزَامِ إحْدَاهُمَا فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا كَانَ إحْدَاهُمَا مِنْ الْخَيْلِ السَّابِقَةِ أَوْ مِنْ رَقِيقِ الثِّيَابِ، وَالثَّانِيَةُ مِنْ حَوَاشِي الْخَيْلِ وَغَلِيظِ الثِّيَابِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا تُسْلَمُ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى إلَّا أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَكَادُ يَقَعُ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَفْضَلَ هُوَ لِخِيَارِ الْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا مِنْ الْكَتَّانِ، وَيَكُونَ أَحَدُهُمَا شُقَّةً، وَالْآخَرُ ثَوْبًا مُفَصَّلًا بِحَيْثُ تَخْتَلِفُ فِيهِمَا الْأَغْرَاضُ فَقَدْ يَأْخُذُ الْأَدْوَنَ الْمُشْتَرِي لِغَرَضِهِ فِيهِ، وَيَأْخُذُ الْأَجْوَدَ لِفَضْلِهِ فَيَدْخُلُ هَذَا الْغَرَرُ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ ذَلِكَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ فَمَا الَّذِي يُخْرِجُ هَذَا عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَلَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالدَّلِيلِ لِتَعَرِّيه مِنْ الْغَرَرِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيْعَتَيْنِ مَقْصُودَةً لِجِنْسِهَا مُخْتَصَّةً كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِغَرَضٍ غَيْرِ غَرَضِ الْأُخْرَى، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِيهِ إذَا اخْتَلَفَ الثَّمَنَانِ أَوْ اخْتَلَفَ الْمَبِيعَانِ لِلْجِنْسِ أَوْ لِتَبَايُنِ الْجُودَةِ الَّتِي لَا يَتَسَاوَى مَعَهَا الثَّمَنُ فِيهَا فَإِذَا تَسَاوَى الثَّمَنَانِ، وَتَسَاوَتْ الْجُودَةُ أَوْ تَقَارَبَتْ تَقَارُبًا يَكُونُ فِي مَعْنَى التَّسَاوِي فَإِنَّهُ لَا تَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيْعَتَيْنِ بِغَرَضٍ فَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ، وَلِذَلِكَ لَا يُقَالُ لِمَنْ اشْتَرَى قَفِيزَ حِنْطَةٍ مِنْ صُبْرَةٍ أَنَّهُ مِنْ بَابِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَلَا بَيْعُ كِسْرَةٍ، وَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ عَشَرَةَ أَكْبُشٍ يَخْتَارُهَا مِنْ عِشْرِينَ كَبْشًا مُعَيَّنَةً، وَإِنْ كُنَّا لَا نَشُكُّ أَنَّهُ لَا يَكَادُ أَنْ يَتَّفِقَ تَسَاوِيهِمَا، وَلَكِنَّهُ يَتَقَارَبُ كَثِيرٌ مِنْهَا مَعَ تَسَاوِي الْغَرَضِ فِيهَا أَوْ تَقَارُبِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ مَا قُلْنَاهُ فَمَنْ اشْتَرَى أَحَدَ ثَوْبَيْنِ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَقَبَضَهُمَا عَلَى أَنْ يَخْتَارَ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مُدَّةً مَا ضَرَّ بِذَلِكَ فَإِنْ هَلَكَ أَحَدُهُمَا أَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ الْهَالِكُ الْمَعِيبُ بَيْنَهُمَا، وَالسَّالِمُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَضْمَنُ نِصْفَ التَّالِفِ مِنْهُمَا، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَقَالَ بَلْ يَضْمَنُ جَمِيعَ ثَمَنِهِ قَالَ وَقَالَهُ لِي مَنْ كَاشَفْتُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِي النَّوَادِرِ، وَإِذَا غَابَ عَلَى الثَّوْبَيْنِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُمَا، وَأَمَّا فِي الْعَبْدَيْنِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْهَالِكِ، وَيَلْزَمُهُ الْبَاقِي، وَاَلَّذِي عَنْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْبَاقِي أَوْ يَرُدَّهُ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَبَضَهُمَا عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ فَلَمْ يَضْمَنْ إلَّا بِقَدْرِ مَالِهِ فِيهِمَا مِنْ جِهَةِ الْغَرَرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ قِبَلَ رَجُلٍ دِينَارٌ فَدَفَعَ إلَيْهِ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ لِيَرَاهَا وَيَأْخُذَ وَاحِدًا مِنْهَا فَضَاعَتْ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا وَاحِدًا مِنْهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ أَخَذَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الثِّيَابِ بِالْخِيَارِ فَإِذَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِضَيَاعِهِ وَجَبَ أَنْ يَضْمَنَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ أَحَدَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُمَا فَضَاعَ الثَّوْبَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَإِنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا ضَاعَ مِنْهُمَا، وَفَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا ابْتَاعَ الثَّوْبَيْنِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فَقَدْ تَنَاوَلَهُمَا الْبَيْعُ أَوْ أَحَدُهُمَا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ فَوَجَبَ أَنْ يَضْمَنَهُمَا، وَإِذَا اشْتَرَى أَحَدَهُمَا عَلَى أَنْ يَخْتَارَهُ مِنْ ثَوْبَيْنِ فَإِنَّ الشِّرَاءَ تَنَاوَلَ أَحَدَهُمَا وَقَبْضُ الْآخَرِ

стр. 1375

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ ابْتَعْ لِي هَذَا الْبَعِيرَ بِنَقْدٍ حَتَّى أَبْتَاعَهُ مِنْك إلَى أَجَلٍ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَكَرِهَهُ، وَنَهْي عَنْهُ) . ــ [المنتقى] عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ الْمَحْضَةِ فَلَمْ يَضْمَنْهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دِينَارٌ فَأَعْطَاهُ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ لِيَزِنَهَا وَيَأْخُذَ مِنْهَا وَاحِدًا فَضَاعَتْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا وَاحِدًا مِنْهَا، وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَشُكَّ أَنَّ فِيهَا وَازِنًا فَأَمَّا إذَا جَهِلَ ذَلِكَ، وَضَاعَتْ قَبْلَ الْوَزْنِ فَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا مِنْهَا، وَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا عَلِمَ أَنَّ فِيهَا وَازِنًا، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دِينَارٌ فَيُعْطِيه ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ يَخْتَارُ أَحَدَهَا فَيَذْكُرُ أَنَّهُ تَلِفَ أَحَدُهَا أَنَّهُ يَكُونُ شَرِيكًا قَالَ سَحْنُونٌ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ تَلَفَهُ إلَّا بِقَوْلِهِ لِمَعْنَى رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إذَا لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ فِيهَا مَا يَكُونُ وَفَاءً لِحَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ فَإِذَا عَرَفَ أَنَّ فِيهَا وَفَاءً لَحَقِّهِ ضَمِنَ مِنْهَا بِقَدْرِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّ الْبَاقِي إنَّمَا دُفِعَ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ الْوَدِيعَةِ الْمَحْضَةِ بِخِلَافِ مَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِالْخِيَارِ مِنْ ثَوْبَيْنِ فَإِنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِكِلَا الثَّوْبَيْنِ حَتَّى يَخْتَارَ، وَعَلَى ذَلِكَ قَبَضَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دِينَارٌ فَدَفَعَ إلَيْهِ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهَا حَقَّهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ غَيْرَ دِينَارٍ وَاحِدٍ فِيهِ وَفَاءٌ عَنْ حَقِّهِ وَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَيْضًا أَنَّهُ إنَّمَا قَبَضَهُ لِيَخْتَارَ فَإِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِضَيَاعِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَسِلْعَةٍ أَخَذَهَا بِشِرَاءٍ الْخِيَارُ لِرَبِّهَا، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِضَيَاعِهَا ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّ قَبْضَهَا لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، وَهُوَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا قُلْنَا إنَّ مَنْ ابْتَاعَ ثَوْبًا بِالْخِيَارِ مِنْ ثَوْبَيْنِ فَضَاعَ أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ ثَمَنِهِ فَهَلْ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْبَاقِي بِالثَّمَنِ أَوْ يَرُدَّهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الثَّوْبِ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْبَاقِي، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ الْبَاقِي فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ، وَمَا قَرُبَ مِنْهَا، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الْمَعِيبِ إنْ دَخَلَ أَحَدَهُمَا عَيْبٌ، وَنِصْفَ الْبَاقِي السَّالِمِ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ تَلِفَ أَحَدُهُمَا فَلَهُ رَدُّ الْبَاقِي، وَغَرِمَ نِصْفَ ثَمَنِ التَّالِفِ، وَإِنْ أَرَادَ إمْسَاكَ الْبَاقِي فَلَيْسَ لَهُ إلَّا نِصْفُهُ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِذَلِكَ وَجْهُ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ اخْتِيَارُهُ، وَهُوَ فِي مُدَّةِ الِاخْتِيَارِ جَازَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْبَاقِيَ فَيَضْمَنَ نِصْفَ الْأَوَّلِ لِمَا قَبَضَهُ لِلِاخْتِيَارِ، وَغَابَ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ فَيَكُونَ اخْتِيَارُهُ مُتَعَلِّقًا بِالتَّالِفِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَلَفَ قَبْلَ اخْتِيَارِهِ لَمْ يَضْمَنْ جَمِيعَهُ بِالثَّمَنِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ بَعْدَ مُدَّةِ الْخِيَارِ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ اخْتِيَارَهُ فِي غَيْرِ مُدَّةِ الِاخْتِيَارِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ نِصْفُ الثَّوْبِ التَّالِفِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الثَّوْبَ الْبَاقِيَ فَيَصِيرَ إلَيْهِ ثَوْبٌ وَنِصْفٌ، وَإِنَّمَا ابْتَاعَ ثَوْبًا وَاحِدًا. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يَضْمَنُ نِصْفَ التَّالِفِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَضْمَنُ نِصْفَهُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِي النَّوَادِرِ إنْ أَخَذَ الْبَاقِي كَانَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ، وَالتَّالِفُ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ رَدَّهُ فَالتَّالِفُ عَلَيْهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ. (فَصْلٌ) : وَلَوْ قَالَ الْمُبْتَاعُ إنَّمَا ضَاعَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ أَنْ اخْتَرْتُ الْبَاقِي فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَيَحْلِفُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي التَّالِفِ قَالَهُ أَصْبَغُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى الِاخْتِيَارِ، وَلَوْ أَشْهَدَ عَلَى اخْتِيَارِهِ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ بِغَيْرِ مَحْضَرِ الْبَائِعِ ثُمَّ ادَّعَى هَلَاكَ الثَّانِي قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَضْمَنُهُ، وَمَنْ سِوَاهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ يَضْمَنُهُ، وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ هَكَذَا فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنَّهُ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا فَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنَّهُ يَخْتَارُهُمَا أَوْ يَرُدُّهُمَا فَلَيْسَ بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. (ش) : قَوْلُهُ ابْتَعْ لِي هَذَا الْبَعِيرَ بِنَقْدٍ فَابْتَاعَهُ مِنْهُ إلَى أَجَلٍ أَدْخَلَهُ فِي بَابِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُبْتَاعَ لِلْبَعِيرِ بِالنَّقْدِ إنَّمَا يَشْتَرِيه عَلَى أَنَّهُ قَدْ لَزِمَ مُبْتَاعَهُ بِأَجَلٍ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ فَصَارَ قَدْ انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا عَقْدُ بَيْعٍ تَضَمَّنَ بَيْعَتَيْنِ إحْدَاهُمَا الْأُولَى، وَهِيَ بِالنَّقْدِ، وَالثَّانِيَةُ الْمُؤَجَّلَةُ، وَفِيهَا مَعَ ذَلِكَ بَيْعُ مَا لَيْسَ

стр. 1376

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى سِلْعَةً بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَنَهَى عَنْهُ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ ابْتَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا أَوْ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا إلَى أَجَلٍ قَدْ وَجَبَتْ لِلْمُشْتَرِي بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ قَالَ مَالِكٌ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَخَّرَ الْعَشَرَةَ كَانَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ، وَإِنْ نَقَدَ الْعَشَرَةَ كَانَ إنَّمَا اشْتَرَى بِهَا الْخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي إلَى أَجَلٍ) . ــ [المنتقى] عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ بِالنَّقْدِ قَدْ بَاعَ مِنْ الْمُبْتَاعِ بِالْأَجَلِ الْبَعِيرَ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهُ، وَفِيهَا سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَبْتَاعُ لَهُ الْبَعِيرَ بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ بِعِشْرِينَ إلَى أَجَلٍ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ سَلَّفَهُ عَشَرَةً فِي عِشْرِينَ إلَى أَجَلٍ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مَعَانٍ تَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ، وَالْعِينَةُ فِيهَا أَظْهَرُ مِنْ سَائِرِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ عِيسَى سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ تَفْسِيرِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَقَالَ بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ بِتَفْسِيرٍ وَأَصْلٍ يُبْنَى عَلَيْهِ، وَمِمَّا يُعْرَفُ بِهِ مَكْرُوهُهُمَا أَنْ يَتَبَايَعَا بِأَمْرَيْنِ إنْ فَسَخْت أَحَدَهُمَا فِي الْآخَرِ كَانَ حَرَامًا، وَإِنْ فَسَخْت أَحَدَهُمَا فِي الْآخَرِ كَانَ غَرَرًا قَالَ عِيسَى فَالْأَوَّلُ أَنْ يَبِيعَهُ سِلْعَةً بِدِينَارٍ نَقْدًا أَوْ بِدِينَارَيْنِ إلَى أَجَلٍ فَهَذَا إنْ فَسَخْت أَحَدَهُمَا فِي الْآخَرِ كَانَ حَرَامًا، وَالثَّانِي أَنْ يَبِيعَهُ سِلْعَةً بِثَوْبٍ أَوْ شَاةٍ فَهَذَا إنْ فَسَخْت أَحَدَهُمَا فِي الْآخَرِ كَانَ غَرَرًا فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فُسِخَ إلَّا أَنْ يَفُوتَ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ فَتَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ وَقَعَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ الْبَعِيرَ فَيَبِيعَهُ مِنْهُ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ بَاعَهُ مِنْهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ إلَى الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَفَهُ الثَّمَنَ، وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا ابْتَاعَهُ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ إلَّا أَنْ تَفُوتَ السِّلَعُ فَيَكُونَ لِبَائِعِهِ قِيمَتُهَا نَقْدًا أَوْ بِمَا ابْتَاعَهَا هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَلْزَمُهُ الِاثْنَا عَشَرَ، وَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ كَانَ ضَامِنًا لِلسِّلْعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ تَوَرَّعَ عَنْ أَخْذِ مَا ازْدَادَ، وَقَالَ عِيسَى، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُفْسَخَ إلَّا أَنْ تَفُوتَ فَتَكُونَ فِيهَا الْقِيمَةُ لِبَائِعِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَهُ أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الثَّمَنَانِ، وَاخْتَلَفَ الْبَيْعَتَانِ بِالنَّقْدِ وَالتَّأْجِيلِ فَقَدْ وَضَحَ أَنَّهُمَا بَيْعَتَانِ تَضَمَّنَتْهُمَا بَيْعَةٌ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ اخْتِلَافِ الثَّمَنِ فَقَطْ فَبِأَنْ لَا يَجُوزُ مَعَ اخْتِلَافِ الثَّمَنِ، وَاخْتِلَافُهُمَا بِالنَّقْدِ وَالْأَجَلِ أَوْلَى، وَفَسَّرَ ذَلِكَ مَالِكٌ بِأَنَّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ مِنْهُمَا إنْ أَنْفَذَ الْبَيْعَ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا فَقَدْ أَخَذَ ذَلِكَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ مُؤَجَّلَةً يَتْرُكُهَا، وَإِنْ أَنْفَذَ الْبَيْعَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ مُؤَجَّلَةً فَقَدْ أَخَذَهَا بِعَشْرَةٍ نَقْدًا تَرَكَهَا، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الذَّرِيعَةِ لِتَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي لَهُ الْخِيَارُ قَدْ اخْتَارَ أَوَّلًا إنْفَاذَ ذَلِكَ الْعَقْدِ بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَلَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ، وَعَدَلَ إلَى الْآخَرِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَكَادُ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهُ مَعَ التَّرْجِيحِ فِي أَفْضَلِ الْأَمْرَيْنِ، وَحَاجَتُهُمَا إلَيْهِمَا أَوْ إلَى أَحَدِهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ، وَقَدْ وَجَبَتْ لِلْمُشْتَرِي بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ عِلَّةَ الْفَسَادِ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ لَزِمَ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي لِخِيَارِ الْبَائِعِ أَوْ الْبَائِعِ لِخِيَارِ الْمُشْتَرِي فِي أَحَدِ الثَّمَنَيْنِ أَوْ رَدَّ السِّلْعَةَ فَهُوَ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ قَالَ وَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ لَجَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ اخْتَلَفَ صِنْفُ الثَّوْبَيْنِ أَوْ اتَّفَقَا إذَا اخْتَلَفَ الثَّمَنَانِ أَوْ اتَّفَقَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ، وَهُمَا عَلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَا فِي ذَلِكَ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ حَالُ الْمُسَاوَمَةِ، وَلِلرَّجُلِ أَنْ يُسَاوِمَ الْآخَرَ فِي عَدَدِ سِلَعٍ مُخْتَلِفَةِ الْأَجْنَاسِ وَالْأَثْمَانِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أَتَى الْبَائِعُ بِلَفْظِ الْإِيجَابِ لَمْ يَثْبُتْ التَّخْيِيرُ فِي ذَلِكَ إلَّا بِالتَّصْرِيحِ بِهِ، وَأَمَّا إذَا قَالَ لَهُ خُذْ هَذَا الثَّوْبَ إنْ شِئْت بِدِينَارٍ أَوْ هَذِهِ الشَّاةَ بِدِينَارٍ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَلْزَمَ الْبَيْعَ فِي أَحَدِهِمَا بِغَيْرِ خِيَارٍ فَهُوَ إيجَابٌ فَاسِدٌ قَالَهُ مَالِكٌ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ جَوَازَ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ رِوَايَةُ أَشْهَبَ الْأُولَى عَنْ مَالِكٍ أَصَحُّ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ، وَابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي قَدْ أَخَذْتُ لَكَانَ قَبُولًا فَاسِدًا لِاسْتِنَادِهِ إلَى

стр. 1377

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً بِدِينَارٍ نَقْدًا أَوْ بِشَاةٍ مَوْصُوفَةٍ إلَى أَجَلٍ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ إنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَا يَنْبَغِي؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» ، وَهَذَا مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ أَشْتَرِي مِنْك هَذِهِ الْعَجْوَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا أَوْ الصَّيْحَانِيَّ عَشْرَةَ أَصْوُعٍ أَوْ الْحِنْطَةَ الْمَحْمُولَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا أَوْ الشَّامِيَّةَ عَشَرَةَ أَصْوُعٍ بِدِينَارٍ قَدْ وَجَبَتْ لِي إحْدَاهُمَا أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَا يَحِلُّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ لَهُ عَشَرَةَ أَصْوُعٍ صَيْحَانِيًّا فَهُوَ يَدْعُهَا، وَيَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ الْعَجْوَةِ أَوْ تَجِبُ لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ الْحِنْطَةِ الْمَحْمُولَةِ فَيَدْعُهَا، وَيَأْخُذُ عَشَرَةَ أَصْوُعٍ مِنْ الشَّامِيَّةِ فَهَذَا مَكْرُوهٌ لَا يَحِلُّ، وَهُوَ أَيْضًا يُشْبِهُ مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا نَهَى عَنْهُ أَنْ يُبَاعَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الطَّعَامِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ) . ــ [المنتقى] الْإِيجَابِ الْفَاسِدِ، وَلِتَعَرِّيه مِنْ مَعْنَى التَّخْيِيرِ وَالْمُسَاوَمَةِ قَالَ مَعْنَى ذَلِكَ كُلُّهُ مُحَمَّدٌ، وَبَيَّنَهُ فِي التَّفْسِيرِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ، وَلَفْظُ الْإِيجَابِ أَنْ يَقُولَ لَهُ خُذْهَا بِكَذَا وَكَذَا أَوْ يَقُولَ لَهُ هِيَ لَك بِكَذَا قَالَ عِيسَى، وَكَذَلِكَ أَعْطَيْتُكهَا بِكَذَا أَوْ بِعْتُكهَا بِكَذَا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَلَفَّظْ بِإِيجَابٍ، وَإِنَّمَا تَلَفَّظَ بِلَفْظِ الْمُسَاوَمَةِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَنَا أَبِيعُ هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارٍ، وَأَبِيعُ هَذَا الْآخَرَ بِدِينَارَيْنِ أَوْ يَقُولَ لَهُ الْمُشْتَرِي بِكَمْ سِلْعَتُك هَذِهِ فَيَقُولُ بِدِينَارٍ نَقْدًا فَيَقُولُ لَهُ، وَبِكَمْ تَبِيعُهَا إلَى أَجَلٍ فَيَقُولُ بِدِينَارَيْنِ فَاشْتَرَى بِأَحَدِهِمَا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيَجُوزُ أَنْ يَفْتَرِقَا عَلَى أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ أَوْ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا بِالْخِيَارِ أَوْ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ قَدْ لَزِمَهُمَا مَعَ تَسَاوِي الثَّوْبَيْنِ وَالثَّمَنَيْنِ عَلَى أَنَّ الِاخْتِيَارَ لِأَحَدِهِمَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْتَرِقَا إلَّا عَلَى ثَمَنٍ مَعْلُومٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الثَّمَنَ مَعْلُومٌ، وَدُخُولُ الِاخْتِيَارِ فِي أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا يَعُودُ لِعَدَمِ تَعْيِينِ الْمَبِيعِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ قَفِيزَ قَمْحٍ مِنْ جُمْلَةِ صُبْرَةٍ فِيهَا أَقْفِزَةٌ. (ش) : قَوْلُهُ مَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً بِدِينَارٍ نَقْدًا أَوْ بِشَاةٍ مَوْصُوفَةٍ إلَى أَجَلٍ، وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ اخْتَلَفَا فِي الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ وَالنَّقْدِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا بِأَحَدِهِمَا لَفَسَدَ الْعَقْدُ، وَمَتَى اخْتَلَفَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ بِالْجِنْسِ أَوْ الْقَدْرِ الْمَقْصُودِ أَوْ بِالنَّقْدِ وَالتَّأْجِيلِ فَهُوَ مِنْ مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ الَّذِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الْعَجْوَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا أَوْ الصَّيْحَانِيّ عَشَرَةَ أَصْوُعٍ إنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ اخْتِلَافَ جِنْسِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ فَلَمَّا كَانَ أَحَدُ التَّمْرَيْنِ صَيْحَانِيًّا، وَعَشَرَةُ أَصْوُعٍ، وَالْآخَرُ عَجْوَةً وَخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا دَخَلَهُ الْفَسَادُ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْقَدْرِ الْمَقْصُودِ، وَمِنْ جِهَةِ الْجِنْسِ، وَلَوْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ الْمَطْعُومِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَقَدْرٍ وَاحِدٍ فَيَقُولُ لَهُ ابْتَعْ هَذِهِ الصُّبْرَةَ عَشْرَةَ أَصْوُعٍ بِدِينَارٍ، وَإِنْ شِئْت مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِهَا عَشَرَةُ أَصْوُعٍ بِدِينَارٍ، وَعَقَدَا بَيْعَهُمَا عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى الْآخَرِ فَبَاعَ الْأَوَّلَ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ الثَّانِي. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَقُّ اسْتِيفَاءٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ تَمْرَ حَائِطِهِ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُ الْبَائِعُ ثَلَاثَ نَخَلَاتٍ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَقَدْ يُشْبِهُ مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا شَرْطَانِ فِي شَرْطٍ بِأَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ احْمِلْ كِتَابِي هَذَا إلَى بَلَدِ كَذَا فَإِنْ بَلَغْتَهُ فِي يَوْمَيْنِ فَلَكَ كَذَا، وَإِنْ تَأَخَّرْت عَنْ ذَلِكَ فَلَكَ كَذَا الْأَقَلُّ مِنْهُ فَهَذَانِ شَرْطَانِ فِي شَرْطٍ، وَهُوَ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ.

стр. 1378

(بَيْعُ الْغَرَرِ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» قَالَ مَالِكٌ وَمِنْ الْغَرَرِ وَالْمُخَاطَرَةِ أَنْ يَعْمِدَ الرَّجُلُ قَدْ ضَلَّتْ دَابَّتُهُ أَوْ أَبَقَ غُلَامُهُ وَثَمَنُ الشَّيْءِ مِنْ ذَلِكَ خَمْسُونَ دِينَارًا فَيَقُولَ لَهُ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُ مِنْك بِعِشْرِينَ دِينَارًا فَإِنْ وَجَدَهُ الْمُبْتَاعُ ذَهَبَ مِنْ الْبَائِعِ ثَلَاثُونَ دِينَارًا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ ذَهَبَ مِنْ الْمُبْتَاعِ بِعِشْرِينَ دِينَارًا قَالَ مَالِكٌ وَفِي ذَلِكَ عَيْبٌ آخَرُ أَنَّ تِلْكَ الضَّالَّةَ إنْ وُجِدَتْ لَمْ يُدْرَ أَزَادَتْ أَمْ نَقَصَتْ أَمْ مَا حَدَثَ بِهَا مِنْ الْعُيُوبِ فَهَذَا أَعْظَمُ الْمُخَاطَرَةِ) . ــ [المنتقى] [بَيْعُ الْغَرَرِ] (ش) : «نَهْيُهُ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» يَقْتَضِي فَسَادَهُ، وَمَعْنَى بَيْعِ الْغَرَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا كَثُرَ فِيهِ الْغَرَرُ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ الْبَيْعُ يُوصَفُ بِبَيْعِ الْغَرَرِ فَهَذَا الَّذِي لَا خِلَافَ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ، وَأَمَّا يَسِيرُ الْغَرَرِ فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي فَسَادِ عَقْدِ بَيْعٍ فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْلُو عَقْدٌ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي فَسَادِ أَعْيَانِ الْعُقُودِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِيمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ، وَهَلْ هُوَ مِنْ حَيِّزِ الْكَثِيرِ الَّذِي يَمْنَعُ الصِّحَّةَ أَوْ مِنْ حَيِّزِ الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يَمْنَعُهَا. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْغَرَرُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَبِيعِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ مِنْ جِهَةِ الْعَقْدِ وَالْعِوَضِ، وَالْأَجَلِ فَأَمَّا الْمَبِيعُ وَالثَّمَنُ فَأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَجْهُولَ الصِّفَةِ حِينَ الْعَقْدِ كَشِرَاءِ الْأَجِنَّةِ وَاشْتِرَاطِهَا قَالَ مَالِكٌ لَا خَيْرَ فِي بَيْعِ الرَّمَكَةَ عَلَى إنَّهَا عُقُوقٌ، وَكَذَلِكَ الْغَنَمُ وَالْإِبِلُ إلَّا أَنْ يَقُولَ إنَّهَا عَقُوقٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ أَشْهَبَ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَفِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ حِينَ اسْتِحْقَاقِ التَّسْلِيمِ كَالْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْجَمَلِ الشَّارِدِ وَالسَّلَمِ فِي ثَمَرِ حَائِطٍ بِعَيْنِهِ، وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ سِوَى الْإِبِلِ الْمُهْمَلَةِ فِي الرَّعْيِ فَإِنْ رَآهَا الْمُبْتَاعُ قَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَكَذَلِكَ الْمَهَارَاتُ وَالْفِلَاءُ الصِّغَارُ بِالْبَرَاءَةِ، وَهِيَ كَبَيْعِ الْآبِقِ، وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تُبَاعُ الْإِبِلُ الصِّغَارُ، وَمَا لَا يُوجَدُ إلَّا بِالْإِرْهَاقِ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يُوجَدُ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا خَطَرٌ، وَزَادَ الْعُتْبِيَّةَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّهُ لَا يَدْرِي مَا فِيهَا مِنْ الْعُيُوبِ قَالَ كَبَيْعِ الْغَائِبِ بِغَيْرِ صِفَةٍ، وَأَنْكَرَ هَذَا أَصْبَغُ، وَقَالَ إنَّمَا يُكْرَهُ لِصُعُوبَةِ أَخْذِهَا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَجَازَ، وَلَكَانَ بَيْعُ الْغَائِبِ وَغَيْرِهِ بِالْبَرَاءَةِ مِمَّا لَا يُعْلَمُ جَائِزًا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِيعَتْ بِالْبَرَاءَةِ أَوْ بِغَيْرِ الْبَرَاءَةِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ مَنْعُ هَذَا الْبَيْعِ فَالْمَبِيعُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُبْتَاعُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَإِنْ فَاتَتْ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبَضَهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا مَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ الْغَرَرُ، وَمَا يُخَافُ مِنْ تَعَذُّرِ قَبْضِهِ فَإِنَّهُ مِنْ الْبَائِعِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ الْمُبْتَاعُ بِالْقَبْضِ كَالْآبِقِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَدْ يَكُونُ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَيَكُونُ الْغَرَرُ فِيهِ مِنْ أَجْلِ حَالِهِ كَالْعَبْدِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ لِمَرَضٍ يَمْرَضُ يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هُوَ مِنْ الْغَرَرِ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ مَا لَمْ يَفُتْ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ فَتَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ قَبَضَهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ الْجَهَالَةِ فِي الثَّمَنِ أَنَّ يَبِيعَهُ السِّلْعَةَ بِقِيمَتِهَا أَوْ بِمَا يُعْطِي فِيهَا، وَلَوْ قَالَ لَهُ بِعْتُك إيَّاهَا بِمَا شِئْت ثُمَّ سَخِطَ مَا أَرْسَلَ إلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ لَزِمَهُ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ مَعْنَاهُ إنْ فَاتَ، وَإِنْ لَمْ يَفُتْ رَدَّ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ظَاهِرَ أَمْرِهِ الْمُكَارَمَةُ، وَتَعْلِيقُ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِ الْمَتَاعِ فَأَشْبَهَ هَذَا الثَّوْبَ، وَوَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارًا بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَلِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّلَفُّظِ بِالْهِبَةِ لِلثَّوَابِ فَجُعِلَ لِلَّفْظِ تَأْثِيرًا فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ دَارِهِ عَلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ رَوَى ابْن الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ لَا أُحِبُّ ذَلِكَ، وَلَا أَفْسَخُهُ إنْ وَقَعَ، وَقَالَ أَصْبَغُ هُوَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ حَيَاتَهُ مَجْهُولَةٌ، وَيُفْسَخُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ إذَا قَالَ عَلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ.

стр. 1379

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا إنَّ مِنْ الْمُخَاطَرَةِ وَالْغَرَرِ اشْتِرَاءَ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ مِنْ النِّسَاءِ وَالدَّوَابِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَيَخْرُجُ أَمْ لَا يَخْرُجُ فَإِنْ خَرَجَ لَمْ يُدْرَ أَيَكُونُ حَسَنًا أَمْ قَبِيحًا أَمْ تَامًّا أَمْ نَاقِصًا أَمْ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، وَذَلِكَ كُلُّهُ يَتَفَاضَلُ إنْ كَانَ عَلَى كَذَا فَقِيمَتُهُ كَذَا، وَإِنْ كَانَ عَلَى كَذَا فَقِيمَتُهُ كَذَا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَنْبَغِي بَيْعُ الْإِنَاثِ، وَاسْتِثْنَاءُ مَا فِي بُطُونِهَا، وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ ثَمَنُ شَاتَيْ الْغَزِيرَةِ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ فَهِيَ لَك بِدِينَارَيْنِ، وَلِي مَا فِي بَطْنِهَا فَهَذَا مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَمُخَاطَرَةٌ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ وَلَا الْجُلْجُلَانِ بِدُهْنِ الْجُلْجُلَانِ، وَلَا الزُّبْدُ بِالسَّمْنِ؛ لِأَنَّ الْمُزَابَنَةَ تَدْخُلُهُ، وَلِأَنَّ الَّذِي يَشْتَرِي الْحَبَّ وَمَا أَشْبَهَهُ بِشَيْءٍ مُسَمًّى مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ لَا يَدْرِي أَيَخْرُجُ مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرُ فَهَذَا غَرَرٌ مُخَاطَرَةٌ قَالَ مَالِكٌ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا اشْتِرَاءُ حَبِّ الْبَانِ بِالسَّلِيخَةِ فَذَلِكَ غَرَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ حَبِّ الْبَانِ هُوَ السَّلِيخَةُ، وَلَا بَأْسَ بِحَبِّ الْبَانِ بِالْبَانِ الْمُطَيَّبِ؛ لِأَنَّ الْبَانَ الْمُطَيَّبَ قَدْ طُيِّبَ وَنَشَّ وَتَحَوَّلَ عَنْ حَالِ السَّلِيخَةِ) . ــ [المنتقى] مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا الْغَرَرُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْدِ فَمِثْلُ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَّ الْعِوَضَيْنِ ابْتَاعَ أَوْ بَاعَ، وَمِنْ ذَلِكَ بَيْعُ الْحَصَاةِ، وَهُوَ مِنْ بُيُوعِ الْجَاهِلِيَّةِ تَكُونُ حَصَاةٌ بِيَدِ الْبَائِعِ فَإِذَا سَقَطَتْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَمِنْ ذَلِكَ بَيْعُ الْعُرْبَانِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا تَعَلُّقُ الْغَرَرِ بِالْأَجَلِ فَأَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا أَوْ بَعِيدًا فَأَمَّا الْمَجْهُولُ فَمِثْلُ أَنْ يَكُونَ إلَى مَوْتٍ أَوْ إلَى مَيْسَرَةٍ أَوْ إلَى أَنْ يَبِيعَ الْمَبِيعَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْبَيْعُ مِنْ أَهْلِ الْأَسْوَاقِ عَلَى التَّقَاضِي، وَقَدْ عَرَفُوا أَنَّ قَدْرَ ذَلِكَ الشَّهْرِ، وَنَحْوِهِ فَجَوَّزَهُ مَالِكٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مَعْنَى ذَلِكَ فِيمَا جَرَى بَيْنَهُمْ تَقَاضِيهِ مُقَطَّعًا قَالَ مَالِكٌ، وَإِنْ تَأَخَّرَ بَعْدَ مَا عُرِفَ مِنْ وَجْهِ التَّقَاضِي أَغْرَمَ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْبَعِيدُ فَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْبَيْعَ إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ مِثْلَ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا يَفْسَخُهُ إلَّا مِثْلُ الثَّمَانِينَ وَالتِّسْعِينَ، وَلَا بَأْسَ بِهِ إلَى عِشْرِينَ سَنَةً، وَإِنَّمَا أَشَرْت إلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ ذَلِكَ بِإِشَارَةٍ يَسِيرَةٍ، وَهُوَ مُسْتَوْعَبٌ فِي كِتَابِ الِاسْتِيفَاءِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (ش) : قَوْلُهُ إنَّ مِنْ الْمُخَاطَرَةِ بَيْعَ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ مِنْ النِّسَاءِ وَالدَّوَابِّ فَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ «نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ» قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمَضَامِينُ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ وَالْمَلَاقِيحُ مَا فِي ظُهُورِ الذُّكُورِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَضَامِينُ مَا فِي ظُهُورِ الْفُحُولِ، وَالْمَلَاقِيحُ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ، وَوَجْهُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَا اُحْتُجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ مَجْهُولُ الصِّفَةِ مُتَعَذِّرُ التَّسْلِيمِ، وَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَإِفْسَادُهُمَا إذَا اجْتَمَعَا أَوْكَدُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ بَيْعٌ نُقِضَ مَا لَمْ يَخْرُجْ الْجَنِينُ، وَيَقْبِضُهُ الْمُبْتَاعُ، وَيَفُوتُ عِنْدَهُ فَإِنْ فَاتَ عِنْدَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ فَإِنْ كَانَ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى الْبَائِعِ، وَالْمُشْتَرِي جَمْعُهُمَا فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ فَلَا يَفُوتُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَزِمَ الْمُبْتَاعَ قِيمَتُهُ يَوْمَ حُكِمَ بِقَبْضِهِ، وَلَا يَجُوزُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا الصَّغِيرِ فِي الْمِلْكِ فَيُجْبَرَانِ عَلَى جَمْعِهِمَا فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ إمَّا بِأَنْ يَبْتَاعَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخِرِ، وَإِلَّا بِيعَا عَلَيْهِمَا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (ش) : أَمَّا قَوْلُهُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ شَاتَهُ الْحَامِلَ وَيَسْتَثْنِيَ جَنِينَهَا فَعَلَى مَا قَالَهُ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِنَا أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْمَبِيعِ مَبِيعٌ مَعَهُ ثُمَّ يَخْرُجُ بِالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ جُمْلَتِهِ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولُ الصِّفَةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَإِذَا تَنَاوَلَهُ الْبَيْعُ فَسَدَ الْبَيْعُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْجُمْلَةَ الْمَرْئِيَّةَ إذَا اُسْتُثْنِيَ مَجْهُولٌ مُتَنَاهِي الْجَهَالَةِ أَثَّرَ ذَلِكَ فِي بَاقِي الْجُمْلَةِ جَهَالَةٌ تَمْنَعُ صِحَّةَ عَقْدِ الْبَيْعِ عَلَيْهَا. (ش) : قَوْلُهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ لِمَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ مِنْ الْمُزَابَنَةِ، وَذَلِكَ بَيْعُ الشَّيْءِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمِقْدَارَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ مَجْهُولٌ، وَهُوَ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّسَاوِي لِتَحْرِيمِ الرِّبَا فِيهِ، وَإِنَّمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَخْرُجُ مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرُ فَهَذَا غَرَرٌ، وَمُخَاطَرَةٌ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدُهُمَا الْأَكْثَرَ مِمَّا لَا يَشُكُّ فِي أَنَّهُ أَكْثَرُ لِمَا يَأْخُذُ مِنْهُ فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ الْمُخَاطَرَةِ، وَالْمُقَامِرَةِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ نَوْعٌ آخَرُ مِنْ الْفَسَادِ، وَهُوَ التَّفَاضُلُ

стр. 1380

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنَّهُ لَا نُقْصَانَ عَلَى الْمُبْتَاعِ إنْ ذَلِكَ بَيْعٌ غَيْرُ جَائِزٍ، وَهُوَ مِنْ الْمُخَاطَرَةِ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِرِبْحٍ إنْ كَانَ فِي تِلْكَ السِّلَعِ، وَإِنْ بَاعَ بِرَأْسِ الْمَالِ أَوْ بِنُقْصَانٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَذَهَبَ عَنَاؤُهُ بَاطِلًا فَهَذَا لَا يَصْلُحُ، وَلِلْمُبْتَاعِ فِي هَذَا أُجْرَةٌ بِمِقْدَارِ مَا عَالَجَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا كَانَ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ مِنْ نُقْصَانٍ أَوْ رِبْحٍ فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَعَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا فَاتَتْ السِّلْعَةُ، وَبِيعَتْ فَإِنْ لَمْ تَفُتْ فُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا أَنْ يَبِيعَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً يَبُتُّ بَيْعُهَا ثُمَّ يَنْدَمَ الْمُشْتَرِي فَيَقُولَ لِلْبَائِعِ ضَعْ عَنِّي فَيَأْبَى الْبَائِعُ، وَيَقُولَ بِعْ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُخَاطَرَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءُ وَضَعَهُ لَهُ، وَلَيْسَ عَلَى ذَلِكَ عَقَدَا بَيْعَهُمَا، وَذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) . ــ [المنتقى] فِيمَا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُتَحَرَّى التَّسَاوِي فِيهِمَا، وَلَا يَصِحُّ التَّحَرِّي فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الزَّيْتُونِ أَقَلُّ مِنْ الزَّيْتِ الْآخِرِ أَوْ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَبْلُغُ بِتَحَرِّي الزَّيْتُونِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ اشْتِرَاءُ حَبِّ الْبَانِ بِالسَّلِيخَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ حَبِّ الْبَانِ هُوَ السَّلِيخَةُ قَالَ عِيسَى السَّلِيخَةُ هِيَ عُصَارَةُ حَبِّ الْبَانِ، وَهُوَ الزَّيْتُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ فَمَنَعَ حَبَّ الْبَانِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَطْعُومًا، وَلَا فِيمَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ عِنْدَ تَقَارُبِهِمَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي السَّلِيخَةِ وَحَبِّ الْبَانِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الشَّيْءِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَتَّانِ بِالْغَزْلِ جُزَافًا أَوْ أَحَدِهِمَا جُزَافًا، وَإِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا شَيْءَ مِمَّا لَا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ جُزَافًا مَعَ تَجْوِيزِ التَّسَاوِي وَالتَّفَاضُلِ قَالَهُ مَالِكٌ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا فِيمَا يَتَقَارَبُ فَأَمَّا لَوْ دَفَعَ رَطْلَ صُوفٍ بِعَشَرَةِ أَرْطَالٍ مَغْزُولَةٍ يَدًا بِيَدٍ لَجَازَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِحَبِّ الْبَانِ بِالْبَانِ الْمُطَيَّبِ؛ لِأَنَّ الْمُطَيَّبَ قَدْ طُيِّبَ وَنَشَّ وَتَحَوَّلَ عَنْ السَّلِيخَةِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَالنَّشُّ هُوَ التَّطْيِيبُ جَعَلَ النَّشَّ فِي الْبَانِ صَنْعَةً يَخْرُجُ بِهَا عَنْ جِنْسِ السَّلِيخَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُطَيَّبَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا نِهَايَةَ الصِّنَاعَةِ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً عَلَى أَنَّهُ لَا نُقْصَانَ عَلَى الْمُبْتَاعِ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهِ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى بَيْعِهِ بِرِبْحٍ إنْ كَانَ فِيهِ، وَلَا يَدْرِي قَدْرَهُ وَلَا جِنْسَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي رِبْحٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَبِيعَ مِنْ الرَّجُلِ السِّلْعَةَ عَلَى أَنَّهُ إنْ وَجَدَ قَضَاهُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَجِدَ فَهُوَ فِي حِلٍّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ حَرَامٌ وَيُرَدُّ فَإِنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ قَبَضَهَا، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ زَادَ فِي ثَمَنِهَا لِلْجَهْلِ بِالْأَجَلِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَعْلِيقِ الْقَضَاءِ بِالْوُجُودِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلِلْمَتَاعِ فِي هَذَا أُجْرَةٌ بِقَدْرِ مَا عَالَجَ ذَلِكَ، وَلِلْبَائِعِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ إنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ يُرِيدُ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا يَئُولُ إلَيْهِ أَمْرُهُمَا مِنْ الْإِجَارَةِ فَإِنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ بِبَيْعِ الْمُبْتَاعِ لَهَا فَلِلَّذِي بَاعَهَا مِنْهُ الثَّمَنُ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ أَكْثَرَ، وَكَانَ لِلْمُبْتَاعِ أُجْرَةُ مَا حَاوَلَ مِنْ بَيْعِهَا، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ حِفْظِهَا إنْ كَانَ لَهُ أُجْرَةٌ، وَإِنْ وُجِدَتْ السِّلْعَةُ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ لَمْ تَفُتْ فُسِخَ الْبَيْعُ فِيمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ يُوجَدُ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ لَمْ يَدْخُلْهَا مَا يُغَيِّرُ صِفَتَهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنْ نَدِمَ مُشْتَرِي سِلْعَةٍ، وَسَأَلَ الْوَضِيعَةَ فَيَقُولُ الْبَائِعُ بِعْ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ يُرِيدُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ سَلِمَ أَوَّلًا مِمَّا يُفْسِدُهُ ابْتِدَاءً. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيْنٍ، وَذَلِكَ لَازِمٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ حَمَلَهُ بِمَا غَرَّهُ بِهِ عَلَى بَيْعِ سِلْعَتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ مَا الْتَزَمَ لَهُ بِذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ الْبَائِعُ وَالسِّلْعَةُ بَائِرَةٌ فَأَرَادَ الْمُبْتَاعُ حَمْلَهَا عَلَى وَجْهِ السُّوقِ لَمَّا أَمِنَ النُّقْصَانَ قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا إلَّا عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ إنَّمَا أَبَاحَ لَهُ الْبَيْعَ الْمُعْتَادَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ، وَطَلَبِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ فَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ إلَى مَا يَكْثُرُ بِهِ النُّقْصَانُ. (فَرْعٌ) فَإِنْ بَاعَ حِينَ الْبَيْعِ فَزَعَمَ أَنَّهُ نَقَصَ

стр. 1381

(الْمُلَامَسَةُ وَالْمُنَابَذَةُ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ» قَالَ مَالِكٌ وَالْمُلَامَسَةُ أَنْ يَلْمِسَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ وَلَا يَنْشُرَهُ وَلَا يَتَبَيَّنَ مَا فِيهِ أَوْ يَبْتَاعَهُ لَيْلًا، وَلَا يَعْلَمَ مَا فِيهِ، وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ ثَوْبَهُ وَيَنْبِذَ الْآخَرُ إلَيْهِ ثَوْبَهُ عَلَى غَيْرِ تَأَمُّلٍ مِنْهُمَا وَيَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَذَا بِهَذَا فَهَذَا الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي السَّاجِ الْمُدْرَجِ فِي جِرَابِهِ أَوْ الثَّوْبِ الْقِبْطِيِّ الْمُدْرَجِ فِي طَيِّهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا حَتَّى يَنْشُرَا وَيَنْظُرَا إلَى مَا فِي أَجْوَافِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَهُمَا مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَهُوَ مِنْ الْمُلَامَسَةِ قَالَ مَالِكٌ، وَبَيْعُ الْأَعْدَالِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ مُخَالِفُ لِبَيْعِ السَّاجِ فِي جِرَابِهِ وَالثَّوْبِ فِي طَيِّهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَرْقٌ بَيْنَ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمَعْمُولِ بِهِ وَمَعْرِفَةِ ذَلِكَ فِي صُدُورِ النَّاسِ، وَمَا مَضَى مِنْ عَمَلِ الْمَاضِينَ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مِنْ بُيُوعِ النَّاسِ الْجَائِزَةِ وَالتِّجَارَةِ بَيْنَهُمْ الَّتِي لَا يَرَوْنَ بِهَا بَأْسًا؛ لِأَنَّ الْأَعْدَالَ عَلَى الْبَرْنَامَجِ عَلَى غَيْرِ نَشْرٍ لَا يُرَادُ بِهِ الْغَرَرُ، وَلَيْسَ يُشْبِهُ الْمُلَامَسَةَ) . ــ [المنتقى] مِنْ الثَّمَنِ مَا أَنْكَرَهُ صَاحِبُهُ قَالَ عِيسَى يُصَدَّقُ وَيُوضَعُ عَنْهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَمْرٍ مُنْكَرٍ يُعْلَمُ بِهِ كَذِبُهُ، وَأَنَّهُ حَابَى فِي الْبَيْعِ فَيَلْزَمُهُ غُرْمُ مَا قَصَرَ بِهِ عَنْ ثَمَنِهَا، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تُعْرَفُ مَا بَاعَ بِهِ إلَّا يَدَّعِي مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا يَعْرِفُ أَهْلُ تِلْكَ الصِّنَاعَةِ أَنَّهَا تُبَاعُ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَيَحْلِفُ عَلَى مَا زَعَمَ وَيُصَدَّقُ. [الْمُلَامَسَةُ وَالْمُنَابَذَةُ] (ش) : «نَهْيُهُ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ» يَقْتَضِي فَسَادَهُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بَيْعَ مُلَامَسَةٍ وَمُنَابَذَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ مِنْ النَّظَرِ وَالْمَعْرِفَةِ لِصِفَاتِهِ إلَّا لَمْسَهُ أَوْ أَنْ يَكُونَ بِيَدِ صَاحِبِهِ حَتَّى يَنْبِذَهُ إلَيْهِ وَاللَّمْسُ لَا يَعْرِفُ بِهِ الْمُبْتَاعُ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ صِفَاتِ الْمَبِيعِ الَّذِي يَخْتَلِفُ ثَمَنُهُ بِاخْتِلَافِهَا، وَيَتَفَاوَتُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ انْعَقَدَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، وَأَمَّا لَوْ أَمْكَنَهُ الْبَائِعُ مِنْ تَقْلِيبِهِ وَالنَّظَرِ إلَيْهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ الِامْتِنَاعَ مِنْ ذَلِكَ فَاقْتَنَعَ الْمُبْتَاعُ بِلَمْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بَيْعَ مُلَامَسَةٍ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ مَنْ بَاعَ ثَوْبًا مُدْرَجًا فِي جِرَابِهِ فَوَصَفَهُ لَهُ، وَكَانَ عَلَى أَنْ يَنْشُرَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ يَنْشُرُهُ قَبْلَ الْبَيْعِ أَوْ بَعْدَهُ. (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ الثَّوْبَ الْمُدْرَجَ فِي جِرَابِهِ كَالسَّاجِ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يُصَانُ بِغِلَافٍ أَوْ جِرَابٍ يَكُونُ فِيهِ فَلَا يَظْهَرُ شَيْءٌ مِنْهُ أَوْ الثَّوْبِ الْقِبْطِيِّ الَّذِي دُرِجَ عَلَى طَيِّهِ، وَإِنْ ظَهَرَ ظَاهِرُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا بِالصِّفَةِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ، وَيُخَالِفُ ذَلِكَ بَيْعَ الْأَعْدَالِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ بِأَنَّ بَيْعَهَا عَلَى ذَلِكَ جَائِزٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لِكَثْرَةِ ثِيَابِ الْأَعْدَالِ وَعِظَمِ الْمُؤْنَةِ فِي فَتْحِهَا وَنَشْرِهَا، وَيَصِحُّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ السَّاجُ الْمُدْرَجُ فِي جِرَابِهِ وَالثَّوْبُ الْقِبْطِيُّ الْمُدْرَجُ فِي طَيِّهِ يَمْنَعُ الْمُبْتَاعَ مِنْ نَشْرِهِمَا، وَلَا يُوصَفَانِ لَهُ بِصِفَتِهِمَا، وَإِنَّمَا يُشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ دُونَ صِفَةٍ يَلْزَمُهَا الْبَائِعُ، وَبَيْعُ الْأَعْدَالِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ إنَّمَا هُوَ بَيْعُهَا عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْبَرْنَامَجُ مِنْ صِفَتِهَا الْمُسْتَوْعِبَةِ لِمَا يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهَا الَّتِي تَخْتَلِفُ الْأَثْمَانُ وَالْأَغْرَاضُ بِاخْتِلَافِهَا فَلِذَلِكَ جَازَ بَيْعُ الْأَعْدَالِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ عَلَى صِفَةٍ، وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ السَّاجِ فِي الْجِرَابِ وَالْقِبْطِيِّ الْمَطْوِيِّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ عَلَى غَيْرِ صِفَةٍ وَلَا رُؤْيَةٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ كَانَ عَلَى الصِّفَةِ وَمَنْعِ الرُّؤْيَةِ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَحْنُونٍ فِي رَدِّهِ عَلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّ الصِّفَةَ تَنُوبُ عَنْ ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ السِّلَعِ لَا يَنْظُرُونَ إلَيْهَا، وَلَا يُخْبِرُونَ عَنْهَا، وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ أَنَّ حَبِيبًا سَأَلَ أَبَاهُ عَمَّنْ ابْتَاعَ مِائَةَ شَاةٍ أَوْ مِائَتَيْنِ أَيَجُسُّ جَمِيعَهَا فَقَالَ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَجُسَّ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ يَقُولَ لِلْبَائِعِ إنَّ مَا لَمْ أَجُسَّ مِثْلَ مَا جَسَسْت

стр. 1382

(بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ) (ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْبَزِّ يَشْتَرِيهِ الرَّجُلُ بِبَلَدٍ ثُمَّ يَقْدَمُ بِهِ بَلَدًا آخَرَ فَيَبِيعُهُ مُرَابَحَةً أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ فِيهِ أَجْرُ السَّمَاسِرَةِ وَلَا أَجْرُ الطَّيِّ وَلَا الشَّدِّ وَلَا النَّفَقَةِ وَلَا كِرَاءُ الْبَيْتِ فَأَمَّا كِرَاءُ الْبَزِّ فِي حُمْلَانِهِ فَإِنَّهُ يُحْسَبُ فِي أَصْلِ الثَّمَنِ، وَلَا يُحْسَبُ فِيهِ رِبْحٌ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مَنْ يُسَاوِمُهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ فَإِنْ رَبَّحُوهُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا الْقِصَارَةُ، وَالْخِيَاطَةُ وَالصِّبَاغُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَزِّ يُحْسَبُ فِيهِ الرِّبْحُ كَمَا يُحْسَبُ فِي الْبَزِّ فَإِنْ بَاعَ الْبَزَّ، وَلَمْ يُبَيِّنْ شَيْئًا مِمَّا سَمَّيْت أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ لَهُ فِيهِ رِبْحٌ فَإِنْ فَاتَ الْبَزُّ فَإِنَّ الْكِرَاءَ يُحْسَبُ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ رِبْحٌ فَإِنْ لَمْ يَفُتْ الْبَزُّ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا) ــ [المنتقى] فَيَكُونَ كَالْبَيْعِ عَلَى الصِّفَةِ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَى جَمِيعًا، وَتَوَاصَفَا السِّمَنَ فَقَطْ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِيمَنْ بَاعَكُمْ أَخْفَافًا أَوْ بَزًّا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إلَى اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ يُرِيدُ بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَا عَدَدَهَا فَهَذِهِ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَسْأَلَةُ سَحْنُونٍ وَمَسْأَلَةُ ابْنِ الْمَوَّازِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِشَرْطٍ، وَظَاهِرُ قَوْلِ سَحْنُونٍ يَقْتَضِي الشَّرْطَ، وَإِلَّا فَهُوَ وِفَاقٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْأَعْدَالَ تَلْحَقُ الْمَشَقَّةَ وَالْمُؤْنَةَ بِإِعَادَتِهَا إلَى حَالِهَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي غَالِبِ الْحَالِ إلَّا بِالْأُجْرَةِ، وَصَانِعٍ يَتَوَلَّى ذَلِكَ، وَالسَّائِمُونَ يَتَكَرَّرُونَ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَسُومُ، وَيَنْظُرُ إلَى الْمُبْتَاعِ يَشْتَرِيهِ فَرُبَّ إنْسَانٍ لَا يُوَافِقُهُ وَآخَرَ يُوَافِقُهُ، وَلَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ الَّذِي يُرْضِي الْبَائِعَ، وَتَرَكَ الْمُبْتَاعَ دُونَ شَدٍّ وَإِعَادَةٍ إلَى الْحَالِ الْأُولَى تُغَيِّرُهُ، وَتَذْهَبُ بِجَمَالِهِ، وَتُنْقِصُ مِنْ ثَمَنِهِ فَإِنْ تَرَكَ دُونَ أَنْ يُعَادَ إلَى الشَّدِّ تَغَيَّرَ، وَإِنْ أُعِيدَ إلَى الشَّدِّ بَعْدَ رُؤْيَةِ كُلِّ مُسَاوِمٍ لَهُ، وَرُبَّمَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ، وَطَالَ لَحِقَتْ بِذَلِكَ مَشَقَّةٌ، وَعَظُمَتْ الْمُؤْنَةُ، وَالنَّفَقَةُ فَلِهَذِهِ الضَّرُورَةِ جَازَ أَنْ تَقُومَ الصِّفَةُ مَقَامَ رُؤْيَةِ الْمُبْتَاعِ، وَالنَّظَرِ إلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّوْبُ الْمُدْرَجُ فِي جِرَابِهِ، وَإِنَّ إخْرَاجَهُ مِنْهُ، وَنَظَرَهُ إلَيْهِ وَرَدَّهُ فِيهِ لَيْسَتْ فِيهِ مَشَقَّةٌ، وَلِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَعْمَلَ ذَلِكَ بِأُجْرَةٍ فَلَا تَلْحَقُ فِيهِ نَفَقَةٌ، وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ، وَتَكَرَّرَ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ بَيْعِهِ عَلَى الرُّؤْيَةِ إلَى بَيْعِهِ عَلَى الصِّفَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ غَيْرَ مُجَرَّدِ الْغَرَرِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَبِيعَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا بِيَدِهِ لَا مَضَرَّةَ فِي نَشْرِهِ وَتَقْلِيبِهِ عَلَى الصِّفَةِ دُونَ الرُّؤْيَةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ مِنْ الرُّؤْيَةِ إلَى الصِّفَةِ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ] (ش) : قَوْلُهُ إنَّ مَنْ قَدِمَ بِمَتَاعٍ فَبَاعَهُ مُرَابَحَةً لَا يُحْسَبُ فِيهِ أَجْرُ السَّمَاسِرَةِ، وَلَا أَجْرُ الطَّيِّ وَلَا الشَّدِّ وَلَا النَّفَقَةُ، وَلَا كِرَاءُ بَيْتٍ يُرِيدُ بِأَجْرِ السَّمَاسِرَةِ مِنْ كُلْفَةِ شِرَاءِ الْمَتَاعِ وَكَذَلِكَ أَجْرُ طَيِّهِ وَشَدِّهِ إعْدَالًا وَنَفَقَةُ التَّأْجِيرِ وَكِرَاءُ بَيْتِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَكِرَاءُ رُكُوبِهِ لَا يُحْسَبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي ثَمَنِ الْمَتَاعِ دُونَ أَنْ يُبَيِّنَ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ قَامَتْ عَلِيَّ بِكَذَا، وَلَوْ بَيَّنَ وَقَالَ لَا بَيْعَ مُرَابَحَةٍ إلَّا أَنْ أَعُدَّهَا فِي الثَّمَنِ، وَآخُذَ لَهُ رِبْحًا لَجَازَ ذَلِكَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا كِرَاءُ الْبَزِّ فِي حَمْلِهِ فَإِنَّهُ يُحْسَبُ فِي أَصْلِ الثَّمَنِ، وَلَا يُحْسَبُ فِيهِ رِبْحٌ إلَّا أَنْ يُعْلِمَ الْبَائِعُ مَنْ يُسَاوِمُهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ يُرِيدُ أَنَّ حَمْلَ الْبَزِّ مِنْ بَلَدِ ابْتِيَاعِهِ إلَى بَلَدِ بَيْعِهِ مِمَّا يُحْسَبُ فِي ثَمَنِهِ، وَلَا يَجْعَلْ لَهُ حِصَّةً مِنْ الرِّبْحِ فِيمَا بَاعَ لِرِبْحٍ لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ، وَهَذَا حُكْمُ نَفَقَةِ الرَّقِيقِ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ فَيَكُونَ عَلَى مَا شَرَطَ، وَذَلِكَ جَائِزٌ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ الْقِصَارَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالصِّبَاغِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ وَالْفَتْلِ وَالْكِمَادِ وَالتَّطْوِيَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ وَالطِّرَازِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَزِّ يُحْسَبُ لَهُ الرِّبْحُ كَمَا يُحْسَبُ لِلْبَزِّ فَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قِسْمٌ

стр. 1383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] لَا يُحْسَبُ فِي رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا يُقْسَمُ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَقِسْمٌ يُحْسَبُ فِي رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا يُقْسَمُ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَقِسْمٌ يُحْسَبُ فِي رَأْسِ الْمَالِ، وَيُقْسَمُ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ. (فَرْقٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَا لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ لَا يُتَّخَذُ بِسَبَبِ الْبَزِّ غَالِبًا، وَإِنَّمَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يُتَّخَذَ لِغَيْرِهِ كَكِرَاءِ بَيْتٍ وَنَفَقَةِ الْمَتَاعِ وَكِرَاءِ رَكُوبَةٍ، وَضَرْبٌ جَرَتْ عَادَةُ الْمُبْتَاعِ أَنْ يُبَاشِرَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَسْتَنِيبُ فِيهِ غَالِبًا بِأُجْرَةٍ كَأُجْرَةِ السِّمْسَارِ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ عَلَى أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ الْمَتَاعَ، وَعَلَى أَنْ يَطْوِيَهُ لَهُ، وَيَشُدَّهُ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَفْعَلَهُ التَّاجِرُ لِنَفْسِهِ فَالْعِوَضُ عَنْهُ دَاخِلٌ فِي رِبْحِ رَأْسِ الْمَالِ فَإِنْ اسْتَأْجَرَ هُوَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ الْمُبْتَاعَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَحْسِبَ فِي الثَّمَنِ أُجْرَتَهُ، وَكَذَلِكَ نَفَقَتُهُ، وَكِرَاءُ بَيْتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ أَنْ يُخَزِّنَهُ التَّاجِرُ فِي بَيْتِ سُكْنَاهُ فَإِنَّمَا يُعَامَلُ عَلَى الْمُعْتَادِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُحْسَبْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنُهُ، وَلَا رِبْحُهُ، وَأَمَّا مَا لَيْسَتْ لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ يَخْتَصُّ بِالْمَبِيعِ، وَعَادَتُهُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ إلَّا بِأُجْرَةٍ كَكِرَاءِ حَمْلِهِ وَنَفَقَةِ الرَّقِيقِ فَهَذَا يُحْسَبُ فِي الثَّمَنِ، وَلَا حَظَّ لَهُ فِي الرِّبْحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ فِي الْمَبِيعِ عَيْنٌ قَائِمَةٌ، وَأَمَّا مَا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ فِي الْمَبِيعِ كَالْقِصَارَةِ، وَالْخِيَاطَةِ وَالصِّبْغِ وَالطِّرَازِ فَهَذَا يُحْسَبُ فِي الثَّمَنِ، وَلَهُ حَظُّهُ مِنْ الرِّبْحِ لَمَّا كَانَتْ لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ كَنَفْسِ الْمَتَاعِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فَإِنْ كَانَ الْمَتَاعُ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَى إلَّا بِوَاسِطَةٍ أَوْ سِمْسَارٍ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِذَلِكَ فَيُحْسَبُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا يُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ قَالَ، وَأَمَّا اكْتِرَاءُ الْمَنَازِلِ فَإِنْ كَانَ اكْتَرَاهَا لِيَسْكُنَ فِيهَا، وَيَأْوِيَ إلَيْهَا فَالْمَتَاعُ تَبَعٌ، وَلَا يُحْسَبُ كَمَا لَا تُحْسَبُ النَّفَقَةُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ اكْتَرَاهُ لِيُحْرِزَ فِيهِ الْمَتَاعَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُحْسَبُ بِغَيْرِ رِبْحٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنْ بَاعَ الْبَزَّ، وَلَمْ يُبَيِّنْ شَيْئًا مِمَّا سَمَّيْت أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ فِيهِ رِبْحٌ وَفَاتَ الْبَزُّ فَإِنَّ الْكِرَاءَ يُحْسَبُ، وَلَا يُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ، وَإِنْ لَمْ يَفُتْ فُسِخَ بَيْعُهُمَا إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ يُرِيدُ أَنَّهُ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى مَا قَالَهُ مَعَ الْإِبْهَامِ فَإِنْ لَمْ يَفُتْ فُسِخَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يَفُتْ، وَالْبَائِعُ يَقُولُ لَا أَبِيعُ إلَّا بِمَا سَمَّيْت مِنْ الثَّمَنِ، وَالرِّبْحِ، وَالْمُبْتَاعُ يَقُولُ لَا أَحْسِبُ فِي رَأْسِ الْمَالِ شَيْئًا لَمْ تَجْرِ بِهِ الْعَادَةُ، وَلَا أَجْعَلُ حَظًّا مِنْ الرِّبْحِ لِمَا لَا حَظَّ لَهُ مِنْهُ فَيُفْسَخُ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا أَوْ يَتَّفِقَا عَلَى أَمْرٍ يَجُوزُ مِنْ أَمْرٍ يَرْضَى أَحَدُهُمَا بِمَا شَاءَ الْآخَرُ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِحَطِّ مَا لَا يَلْزَمُ مِنْ الرِّبْحِ، وَالثَّمَنِ لَزِمَ ذَلِكَ الْمُبْتَاعَ قَالَهُ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ فَاتَتْ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُحْسَبُ لَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ عَلَى الْمُبْتَاعِ الْقِيمَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَلَا يُزَادُ أَوْ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ بَعْدَ طَرْحِ مَا ذَكَرْنَا فَلَا يَنْقُصُ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْكَذِبِ، وَلَا فِي لَفْظِهِ أَنَّهُ اعْتَمَدَهُ، وَإِنَّمَا أَبْهَمَ لَفْظَهُ، وَلِذَلِكَ حَكَمَ فِي الشَّرْعِ بِرَدِّهِ إلَيْهِ مَعَ الْفَوَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُهُ اللَّازِمِ فَذَلِكَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْقِيمَةِ، وَإِذَا لَمْ تَفُتْ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ لِاحْتِمَالِ لَفْظِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ فَإِنَّهُ تَصْرِيحٌ بِالْكَذِبِ، وَلَمْ يَأْتِ بِلَفْظٍ لَهُ عُرْفٌ فِي الشَّرْعِ، وَحُكْمٌ مُخْتَصٌّ بِهِ فَيُرَدُّ إلَيْهِ فَلِذَلِكَ رُدَّ فِي الْفَوَاتِ إلَى الْقِيمَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا قَدْ أَظْهَرَ مِنْ الثَّمَنِ مَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ بِالْعَقْدِ فَرُدَّ إلَى الْقِيمَةِ كَمَا لَوْ زَادَ فِي الثَّمَنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالزِّيَادَةُ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْمُرَابَحَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ زِيَادَةً مُضَافَةً إلَيْهِ، وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مِنْ نَمَائِهِ فَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُضَافَةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ بِالنَّمَاءِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ زِيَادَةٌ فِي الْعَيْنِ، وَزِيَادَةٌ فِي الْقِيمَةِ فَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الْعَيْنِ فَمِثْلُ سِمَنِ الْحَيَوَانِ، وَوِلَادَتُهُ وَأَثْمَارُ الشَّجَرِ، وَنَبَاتُ الصُّوفِ عَلَى الْغَنَمِ، وَحُدُوثُ اللَّبَنِ فِي الْأَنْعَامِ، وَاسْتِغْلَالُ كِرَاءِ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالرَّقِيقِ فَأَمَّا السِّمَنُ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا، وَعِنْدِي أَنَّهُ إنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِهِ حَوَالَةُ أَسْوَاقٍ، وَيَمْضِي مِنْ طُولِ الزَّمَانِ مَا لَا يَخْلُو مِنْ حَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ

стр. 1384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مُرَابَحَةً وَيَحْتَمِلُ عَلَى مَنْعِهِ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ لِزِيَادَةِ الْقِيمَةِ أَنْ يَمْنَعَ أَيْضًا ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْوِلَادَةُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ فَتَلِدُ عِنْدَهُ فَيَبِيعُهَا مُرَابَحَةً، وَلَا يُبَيِّنُ أَنَّ لِلْمُبْتَاعِ الرَّدَّ أَوْ التَّمَاسُكَ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ أَسْوَاقَهَا قَدْ حَالَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِيمَا قَدْ حَالَتْ أَسْوَاقُهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ فَإِنْ بَقِيَتْ السِّلْعَةُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ حَتَّى حَالَتْ أَسْوَاقُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ ذَلِكَ، وَالْأَمَةُ إذَا بَقِيَتْ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ حَتَّى وَلَدَتْ فَقَدْ بَقِيَتْ مُدَّةً حَالَتْ فِيهَا أَسْوَاقُهَا، وَذَلِكَ يَمْنَعُ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ. وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الَّذِي يَبْتَاعُ غَنَمًا فَتَلِدُ عِنْدَهُ لَا يَبِيعُ حَتَّى يُبَيِّنَ؛ لِأَنَّ الْأَسْوَاقَ إلَى أَنْ تَلِدَ تَحُولُ سَوَاءٌ بَاعَهَا بِوَلَدِهَا أَوْ بِغَيْرِ وَلَدِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ وَلَدَتْ الْغَنَمُ عِنْدَهُ لَمْ يَبِعْ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ، وَإِنْ ضَمَّ إلَيْهَا أَوْلَادَهَا، وَهَذَا فِي الْغَنَمِ الْكَثِيرَةِ، وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَالَ لِمَا تَتَكَامَلُ وِلَادَتُهَا حَتَّى تَحُولَ أَسْوَاقُهَا، وَأَمَّا الشَّاةُ الْوَاحِدَةُ أَوْ الْبَقَرَةُ أَوْ النَّاقَةُ أَوْ الْأَمَةُ فَإِنَّ وِلَادَتَهَا قَدْ تَكُونُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا تَحُولُ فِي ذَلِكَ أَسْوَاقُهَا فَيَجِبُ عَلَى هَذَا جَوَازُ بَيْعِهَا دُونَ تَبْيِينٍ إنْ لَمْ يُنْقِصْ ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِهَا أَوْ يُرِيدُ أَنَّ الْوِلَادَةَ الْمَانِعَةَ مِنْ ذَلِكَ هِيَ مَا يَكُونُ ابْتِدَاءُ الْحَمْلِ عِنْدَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إثْمَارُ الشَّجَرِ وَكِرَاءُ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ اشْتَرَى حَوَائِطَ، وَاغْتَلَّهَا أَعْوَامًا أَوْ دَوَابَّ أَوْ رَقِيقًا أَوْ دُورًا فَاكْتَرَى ذَلِكَ كُلَّهُ زَمَانًا إذَا لَمْ تَحُلْ الْأَسْوَاقُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ مُرَابَحَةً، وَلَا يُبَيِّنُ إلَّا أَنْ يَتَطَاوَلَ فَيُبَيِّنَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ أَنْ يَطُولَ ذَلِكَ إلَّا وَتَخْتَلِفُ الْأَسْوَاقُ فَأَمَّا إثْمَارُ الشَّجَرِ وَاسْتِغْلَالُهَا أَعْوَامًا فَإِنَّهُ يُحْمَلُ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا بَعْدَ الْأَعْوَامِ؛ لِأَنَّ أَسْوَاقَهَا لَا تَتَغَيَّرُ إلَّا فِي أَعْوَامٍ كَثِيرَةٍ، وَلَا يُسْرِعُ التَّغْيِيرُ إلَيْهَا فِي أَنْفُسِهَا، وَأَمَّا إجَارَةُ الدَّوَابِّ وَالرَّقِيقِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مُدَّةٍ لَا تَتَغَيَّرُ فِيهَا أَسْوَاقُهَا غَالِبًا، وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْأَنْعَامِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا جَزُّ أَصْوَافِ الْغَنَمِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا صُوفٌ حِينَ اشْتَرَاهَا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ فِيهَا الصُّوفُ إلَّا مُدَّةً تَتَغَيَّرُ فِيهَا الْأَسْوَاقُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا صُوفٌ حِينَ اشْتَرَاهَا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَبَضَ بَعْضَ مَا اشْتَرَاهُ، وَبَاعَ الْبَاقِيَ مُرَابَحَةً بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يُبَيِّنَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. ١ - (فَرْعٌ) فَإِنْ وَلَدَتْ الْإِنَاثُ فَبَاعَ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَبِيعَهَا وَيُمْسِكَ أَوْلَادَهَا أَوْ يَبِيعَهَا مَعَ أَوْلَادِهَا فَإِنْ بَاعَهَا وَأَمْسَكَ أَوْلَادَهَا، وَلَمْ تَفُتْ فَلِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَحْبِسَ أَوْ يَرُدَّ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُعْطِيَهُ الْوَلَدَ، وَيَلْزَمَهُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بَاعَ بَعْدَ أَنْ حَالَتْ الْأَسْوَاقُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ قَالَهُ سَحْنُونٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْغَنَمُ فَاتَتْ وَكَانَتْ أَسْوَاقُهَا حَالَتْ إلَى زِيَادَةٍ فَلَا يُزَادُ فِيهَا، وَيَمْضِي الْبَيْعُ، وَإِنْ حَالَتْ بِنُقْصَانٍ قَالَ سَحْنُونٌ هِيَ كَمَسْأَلَةِ الْكَذِبِ، وَإِنْ بَاعَهَا مَعَ الْأَوْلَادِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا لِلْمُبْتَاعِ الْخِيَارُ لِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ عَلَى أَصْلِهِمْ، وَإِنْ فَاتَتْ فَعَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَبَاعَهَا دُونَ الْوَلَدِ فَالْوَلَدُ فِيهَا عَيْبٌ فَلِلْمُبْتَاعِ الرَّدُّ، وَإِنْ حَالَتْ الْأَسْوَاقُ، وَنَقَصَتْ نَقْصًا خَفِيفًا؛ لِأَنَّهَا لَا تَفُوتُ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَلَوْ رَضِيَا بِذَلِكَ أُجْبِرَا عَلَى جَمْعِهِمَا فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ فَاتَتْ بِعِتْقٍ فَإِنْ حَطَّ قِيمَةَ الْعَيْبِ، وَإِلَّا فَعَلَى الْمُبْتَاعِ قِيمَتُهَا مَعِيبَةً مَا لَمْ يُجَاوِزْ الثَّمَنَ بَعْدَ إلْغَاءِ قِيمَةِ الْعَيْبِ وَرِبْحِهِ فَلَا يُزَادُ أَوْ يَنْقُصُ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَنْقُصُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ سَحْنُونٍ مَرْجِعُهُ إلَى أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ حِصَّةَ الْعَيْبِ وَرِبْحَهُ نَحْوُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَلَا تَأْثِيرَ لِلْقِيمَةِ فِي هَذَا، وَلَوْ بَاعَهَا مَعَ وَلَدِهَا فَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ أَنَّهُ حَدَثَ عِنْدَهُ فَلِلْمُبْتَاعِ الرَّدُّ أَوْ الْإِمْسَاكُ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ فَإِنْ فَاتَتْ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، وَكَانَتْ أَسْوَاقُهَا زَادَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ فَلَا قِيمَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ أَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَا حُجَّةَ لِلْمُبْتَاعِ فِي عَيْبِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ أَسْوَاقُهَا نَقَصَتْ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ قَوْلُهُ قَدْ تَبَيَّنَ عَيْبُ الْوَلَدِ حِينَ بَاعَهُ مَعَ أُمِّهِ لَا يُجْزِئُهُ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ، وَإِنَّمَا حُكْمُهُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ عِنْدَهُ وَلَدَتْ فَهُوَ كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا، وَأَخْبَرَ بِالزَّوْجِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ عِنْدَهُ حَدَثَ، وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ أَصْلِ ابْنِ عَبْدُوسٍ

стр. 1385

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ ــ [المنتقى] أُبَيِّنُ يُرِيدُ أَنَّ ابْنَ عَبْدُوسٍ يَقُولُ إنْ فَاتَتْ لَزِمَ الْبَائِعُ أَنْ يَحُطَّ قِيمَةَ الْعَيْبِ وَرِبْحَهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَالْوَجْهُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَجْهٌ ظَاهِرٌ عِنْدِي، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً فَحَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ ثُمَّ بَاعَ مُرَابَحَةً، وَبَيَّنَ الْعَيْبَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ حَدَثَ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى مَا بَاعَ مِنْ السِّلْعَةِ بِعَشَرَةٍ، وَهُوَ إنَّمَا اشْتَرَى بِالْعَشَرَةِ مَا بَاعَهُ مِنْ السِّلْعَةِ، وَمَا تَلِفَ عِنْدَهُ بِحُدُوثِ الْعَيْبِ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى سِلْعَتَيْنِ بِعَشَرَةٍ، وَبَاعَ إحْدَاهُمَا مُرَابَحَةً عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِعَشَرَةٍ فَعَلَى هَذَا إذَا فَاتَتْ السِّلْعَةُ تَكُونُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَقَلَّ مِمَّا يَصِيرُ لَهَا مِنْ الثَّمَنِ وَرِبْحِهِ بَعْدَ إسْقَاطِ قِيمَةِ الْعَيْبِ وَرِبْحِهَا فَلَا يَنْقُصُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يَكُونُ أَكْثَرَ مِمَّا يَصِيرُ لَهَا مِنْ الثَّمَنِ وَرِبْحِهِ دُونَ إلْغَاءِ قِيمَةِ الْعَيْبِ وَرِبْحِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا زِيَادَةُ الْقِيمَةِ فَهِيَ حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ بِالزِّيَادَةِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً فَحَالَتْ أَسْوَاقُهَا لَا يَبِيعُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ، وَإِنْ زَادَتْ الْأَسْوَاقُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ فِي الطَّرِيِّ أَرْغَبُ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ زَادَتْ أَسْوَاقُهَا، وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُرَاعِيَ اخْتِلَافَ الْأَسْوَاقِ مَنْ لَا يُرَاعِي اخْتِلَافَ الْعَيْنِ بِالزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَبِيعُ عَلَى شِرَائِهِ، وَالشِّرَاءُ مُخْتَصٌّ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ دُونَ زِيَادَةِ الْعَيْنِ وَنَقْصِهَا، وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ بَقَاءَ السِّلْعَةِ مُدَّةً طَوِيلَةً يَدُلُّ عَلَى غَلَاءِ شِرَائِهَا، وَعَلَى زُهْدِ النَّاسِ فِي عَيْنِهَا فَإِنْ حَالَتْ أَسْوَاقُهَا إلَى زِيَادَةٍ، وَتَعَذَّرَ بَيْعُهَا مَعَ ذَلِكَ مَعَ تَعْرِيضِهَا لِلْبَيْعِ فَذَلِكَ أَدَلُّ عَلَى الزُّهْدِ فِي عَيْنِهَا، وَإِنَّ الْمُبْتَاعَ لَهَا قَدْ غَلِطَ فِي قِيمَتِهَا، وَإِذَا اطَّلَعَ عَلَى هَذَا مِنْ حَالِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَكْتُمَ عَنْ بَائِعِهِ إيَّاهَا مُرَابَحَةً؛ لِأَنَّهُ دَاخِلُ ابْتِيَاعِهِ فَيَجِبُ لَهُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْ صِفَتِهِ مَا عَرَفَهُ بَعْدُ بَائِعُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا قُلْنَا إنَّ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ تَمْنَعُ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ فَإِنْ حَالَتْ فِي الْقُرْبِ إلَى نَقْصٍ فَلَا بَيْعَ مُرَابَحَةٍ حَتَّى يُبَيِّنَ، وَإِنْ حَالَتْ بِزِيَادَةٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الزِّيَادَةِ أَعْجَبُ إلَى أَنْ لَا يَبِيعَ حَتَّى يُبَيِّنَ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ قُرْبِ الْمُدَّةِ وَطُولِهَا، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ أَرْغَبُ فِي الطَّرِيِّ وَجَوَّزَ ابْنُ حَبِيبٍ ذَلِكَ فِي الْقُرْبِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَإِنْ طَالَ لُبْثُهَا عِنْدَهُ فَلْيُبَيِّنْ حَالَ سُوقِهَا أَوْ لَمْ يَحُلْ فَجَعَلَ الْمَانِعَ طُولَ اللُّبْثِ أَوْ التَّغَيُّرَ إلَى النَّقْصِ قَالَ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فَلِلْمُبْتَاعِ رَدُّ الْمَبِيعِ فَإِنْ فَاتَتْ رَدَّ الْقِيمَةَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا فِي زِيَادَةِ الْعَيْنِ وَالْقِيمَةِ فَأَمَّا النَّقْصُ مِنْ ذَلِكَ فَمَانِعٌ مِنْ الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَةً فَذَهَبَ عِنْدَهُ ضِرْسُهَا أَوْ أَصَابَهَا عَيْبٌ لَا يَبِيعُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَلِلْمُبْتَاعِ الرَّدُّ أَوْ الْإِمْسَاكُ مَا لَمْ تَفُتْ فَإِنْ فَاتَتْ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا حَدَثَ النَّقْصُ مِنْ انْتِفَاعِ الْبَائِعِ بِهِ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ جَارِيَةً فَيَفْتَضَّهَا أَوْ ثَوْبًا فَيَلْبَسَهُ أَوْ دَابَّةً فَيُسَافِرَ عَلَيْهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ وَابْنُ عَبْدُوسٍ إنْ بَاعَ الْجَارِيَةَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ افْتَضَّهَا فَحَطَّهُ الْبَائِعُ مَا يَنُوبُ الِافْتِضَاضَ وَرِبْحَهُ فَلَا حُجَّةَ لَهُ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ بِخِلَافِ الْعُيُوبِ؛ لِأَنَّ مَنْ بَاعَ جَارِيَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ إنَّهَا بِكْرٌ، وَإِنَّمَا حُجَّةُ الْمُبْتَاعِ أَنَّ الْبَائِعَ زَادَ فِي الثَّمَنِ فَهِيَ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَشْبَهُ، وَيُفِيتُهَا حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ فَإِنْ فَاتَتْ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ فَالْمُبْتَاعُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْبَائِعِ قِيمَةَ الِافْتِضَاضِ وَرِبْحَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَرْجِعَ الثَّمَنَ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا مُفْتَضَّةً يَوْمَ قَبَضَهَا مَا لَمْ يُزِدْ عَلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ يُنْقِصْ عَنْهُ بَعْدَ طَرْحِ قِيمَةِ الِافْتِضَاضِ وَرِبْحِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَأَصْلُ جَوَابِهَا لِأَشْهَبَ، وَمِثْلُهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُشْتَرِي لِغَنَمٍ عَلَيْهَا صُوفٌ فَجَزَّ أَصْوَافَهَا، وَبَاعَ مُرَابَحَةً، وَلَمْ يُبَيِّنْ، وَاشْتَرَى ثَوْبًا فَلَبِسَهُ أَوْ دَابَّةً فَسَافَرَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ، وَلَيْسَ بِعَيْبٍ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُبْتَاعَ قَدْ رَأَى الْغَنَمَ مَجْزُوزَةً، وَرَأَى الثَّوْبَ مَلْبُوسًا، وَالدَّابَّةَ قَدْ عَجِفَتْ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ حَدَثَ عِنْدَ الْبَائِعِ مِنْهُ، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ لِلزِّيَادَةِ عَلَيْهِ فِي الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي عُرِفَ بِهِ كَانَ ثَمَنَ مَا بِيعَ مِنْهُ، وَمَا ذَهَبَ قَبْلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1386

فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْمَتَاعَ بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْوَرِقِ، وَالصَّرْفُ يَوْمَ اشْتَرَاهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ فَيَقْدَمُ بِهِ بَلَدًا فَيَبِيعُهُ مُرَابَحَةً أَوْ يَبِيعُهُ حَيْثُ اشْتَرَاهُ مُرَابَحَةً عَلَى صَرْفِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي بَاعَهُ فِيهِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ ابْتَاعَهُ بِدَرَاهِمَ، وَبَاعَهُ بِدَنَانِيرَ أَوْ ابْتَاعَهُ بِدَنَانِيرَ وَبِدَرَاهِمَ، وَكَانَ الْمَتَاعُ لَمْ يَفُتْ فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ فَإِنْ فَاتَ الْمَتَاعُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ الْبَائِعُ، وَيُحْسَبُ لِلْبَائِعِ الرِّبْحُ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ بِهِ عَلَى مَا رَبِحَهُ الْمُبْتَاعُ) ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الْمَتَاعَ بِالذَّهَبِ وَالصَّرْفِ عَلَى قَدْرِ مَا يَبِيعُهُ، وَالصَّرْفُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْقَدْرِ مُرَابَحَةٌ هَذَا السُّؤَالُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِيَ بِذَهَبٍ، وَيَبِيعَ بِذَهَبٍ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الصَّرْفُ فِي وَقْتَيْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَهَذَا لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ مُرَابَحَةً، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ، وَالثَّانِي مَا أَجَابَ عَنْهُ، وَأَنْ يَبْتَاعَ بِذَهَبٍ فَيَبِيعَ بِوَرِقٍ أَوْ يَبْتَاعَ بِوَرِقٍ فَيَبِيعَ بِذَهَبٍ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي أَجَابَ عَنْهَا فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ سَوَاءٌ تَغَيَّرَ الصَّرْفُ أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ تَخْتَلِفُ الْأَغْرَاضُ فِيهِمَا فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْأَخْذِ وَالرَّدِّ مَا لَمْ يَفُتْ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَلْزَمَهُ إيَّاهُ بِمَا نَقَدَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ لَمْ يُرِدْ الشِّرَاءَ بِهَذِهِ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَى بِغَيْرِهَا لَكِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ لِمَا ظَهَرَ مِنْ أَنَّ الْبَائِعَ ابْتَاعَ بِغَيْرِ مَا أَظْهَرَ إلَيْهِ، وَإِنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مَا ثَبَتَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهَا لِلْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ، وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ إلَّا أَنْ يَجِيءَ أَكْثَرُ مِمَّا رَضِيَ بِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ مَالِكٌ فِي هَذَا قِيمَةً كَمَا فَعَلَ فِي مَسْأَلَةِ الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ وَحَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ فِي مِثْلِ هَذَا فَوْتٌ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ فَاتَتْ ضُرِبَ الرِّبْحُ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ لِلْمُشْتَرِي. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ اشْتَرَى بِعَيْنٍ فَدَفَعَ فِي ذَلِكَ عَرْضًا أَوْ بَاعَ بِعَرْضٍ فَدَفَعَ عَيْنًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ إذَا بَيَّنَ أَنْ يَبِيعَ مُرَابَحَةً عَلَى أَيُّهُمَا شَاءَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يَبِيعُ عَلَى عَرْضٍ بِصِفَةٍ أَوْ طَعَامٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ عَلَى قِيمَةٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَبِيعُ عَلَى عَرْضٍ، وَلَا طَعَامٍ مَوْصُوفٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ فِي الذِّمَّةِ طَعَامًا مُعَجَّلًا بِبَيْعٍ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عِنْدِي أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُ الْعَرْضُ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ الْبَائِعُ مُرَابَحَةً مِثْلَهُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ بِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ إنَّمَا جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى مَنْ ابْتَاعَ شِقْصًا بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ حَقٌّ ثَبَتَ لَهُ، وَلَهُ الْأَخْذُ بِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الِامْتِنَاعُ مِنْهُ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ حَقٍّ قَدْ لَزِمَهُ، وَالشُّفْعَةُ حُجَّةٌ عَلَى قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَكِيلٍ يَأْخُذُ الشُّفْعَةَ بِقِيمَةٍ دُونَ مِثْلِهِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْمُرَابَحَةِ أَنْ يَبِيعَ عَلَى قِيمَةِ ثَوْبِهِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ هَذِهِ السِّلْعَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ عَلَى الْمُرَابَحَةِ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ، وَقَالَ يَبِيعُ مُرَابَحَةً قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ ثُمَّ يَنْقُدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ إنَّمَا هُوَ عَلَى شِرَاءِ الْبَائِعِ فَإِذَا نَقَدَ عَلَى غَيْرِ مَا عَقَدَ بِهِ فَلَمْ يَتِمَّ بَيْعُهُ إلَّا بِمَا نَقَدَ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ أَفْضَلَ لِلْمُشْتَرِي فَيَتَوَصَّلُ الْبَائِعُ إلَى عَيْنِهِ بِمَا سَمَّى مِنْ الثَّمَنِ فِي الْعَقْدِ، وَقَدْ نَقَدَ غَيْرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَا عَقَدَ بِهِ أَفْضَلَ، وَحَابَى هُوَ فِيمَا نَقَدَ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْمُشْتَرِيَ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِبَيْعِ الْمُكَايَسَةِ، وَالِاجْتِهَادُ دُونَ بَيْعِ الْمُحَابَاةِ فَإِنْ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ فَعَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَحَالَ بِالثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مُرَابَحَةً إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ بَاعَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَمَنْ ابْتَاعَ بِأَجَلٍ فَبَاعَ مُرَابَحَةً، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْبَيْعُ مَرْدُودٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ شَاءَ الْمُبْتَاعُ، وَهَذَا خِلَافُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ لَمْ يَفُتْ يُنْقَضُ الْبَيْعُ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إمْسَاكُهَا فَإِنْ فَاتَتْ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبَضَهَا بِلَا رِبْحٍ، وَهُوَ نَحْوُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا فَاتَتْ، وَزَادَ وَلَا يُضْرَبُ لَهُ الرِّبْحُ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا بِهِ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ إنْ فَاتَتْ قُوِّمَ

стр. 1387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الدَّيْنُ بِالنَّقْدِ فَإِنْ كَانَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، وَكَانَتْ قِيمَتُهُ ثَمَانِيَةَ دَنَانِيرَ فَهِيَ كَمَسْأَلَةِ الْكَذِبِ لَهُ قِيمَتُهَا مَا لَمْ تُجَاوِزْ عَشَرَةً، وَرِبْحَهَا أَوْ يَنْقُصُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَرِبْحِهَا، وَيَقْتَضِي قَوْلُهُ هَذَا أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ لِلْبَائِعِ الرِّضَا بِالسِّلْعَةِ إنْ لَمْ تَفُتْ، وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ بَعْضُ شُيُوخِنَا الْمَغَارِبَةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إذَا فَاتَتْ السِّلْعَةُ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ الْقِيمَةِ الَّتِي وَجَبَتْ بِالنَّقْدِ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا إلَى أَجَلٍ، وَهَذَا يَنْحُو إلَى مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ غَيْرَ أَنَّ رِوَايَةَ مُحَمَّدٍ تَمْنَعُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ إنْ لَمْ تَفُتْ بِنَقْصٍ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إمْسَاكُهَا. وَقَدْ حَلَّ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَكِتَابِ مُحَمَّدٍ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ، وَقَدْ اسْتَوْعَبْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمَغَارِبَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّهُ سَوَاءٌ أَخَّرَ بَعْدَ الشِّرَاءِ النَّقْدَ أَوْ اشْتَرَى عَلَى التَّأْجِيلِ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ لَمْ يَجْعَلْهَا ابْنُ الْقَاسِمِ كَمَسْأَلَةِ الْكَذِبِ، وَلَيْسَ هَذَا بِالْبَيِّنِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ اشْتَرَى سِلَعًا فَبَاعَ بَعْضَهَا مُرَابَحَةً فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَكِيلَةٍ، وَلَا مَوْزُونَةٍ أَوْ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَكِيلَةٍ أَوْ مَوْزُونَةٍ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ فَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَ بَعْضَهَا مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ زَادَ ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلَانِ يَشْتَرِيَانِ الْبَزَّ فَيَقْسِمَانِهِ لَا يَبِيعُ أَحَدُهُمَا مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا شَمَلَهُمَا عَقْدُ بَيْعٍ فَلَا يَخْتَصُّ بَعْضُهَا بِحِصَّةٍ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا بَعْدَ التَّقْوِيمِ، وَالتَّقْوِيمُ قَدْ تَدْخُلُهُ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْمُشْتَرِيَ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُ بِهِ، وَقَدْ عَلَّلَ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ بِذَلِكَ أَنَّ مِنْ حُجَّةِ الْمُبْتَاعِ أَنَّ الْجُمْلَةَ يَرْغَبُ فِيهَا فَيُزَادُ فِي ثَمَنِهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَحَقَّ جُلَّ صَفْقَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا بَقِيَ، وَكَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَاَلَّذِي عَلَّلَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الثَّمَنَ يُقْسَمُ عَلَى الثَّوْبَيْنِ بِالْقِيمَةِ، وَهُوَ الَّذِي قَدَّمْته، وَهُوَ أَظْهَرُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ. (فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ لِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ إنْ شَاءَ مَا لَمْ تَفُتْ فَإِنْ فَاتَتْ فَالْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الثَّمَنَ الْأَوَّلَ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا إنْ كَانَ الثَّوْبَانِ فِي الذِّمَّةِ عَلَى صِفَةٍ، وَاحِدَةٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيمَا يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الثَّمَنِ إلَى تَقْوِيمٍ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الصِّفَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبٌ أَوْ اسْتَحَقَّ رَجَعَ بِمِثْلِهِ فَأَشْبَهَ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ وَالْمُعَيَّنَ لَا يَرْجِعُ بِمِثْلِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ بَعْضَهُ مُرَابَحَةً دُونَ أَنْ يُبَيِّنَ، وَوَجْهُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَسَاوِي الثَّمَنِ فِي التَّقْسِيطِ مَعَ تَسَاوِي أَجْزَائِهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الْمَكِيلَ فَيَجِدُ بِالْيَسِيرِ مِنْهُ عَيْبًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ، وَيُمْسِكَ السَّلَمَ إنْ شَاءَ ذَلِكَ الْبَائِعُ، وَإِنْ وُجِدَ الْعَيْبُ بِالْأَكْثَرِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي الْكَثْرَةِ فَكَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمُ الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ أَوْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْمُرَابَحَةِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً يُتَجَوَّزُ لَهُ فِيهَا دِرْهَمٌ زَائِفٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ مَا نَقَدَ فِيهَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ نَقْدَهُ مُعْتَبَرٌ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ كَمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ مَا يُعْقَدُ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يُبَيِّنْ أَحَدٌ الْأَمْرَيْنِ فَلِلْمُبْتَاعِ الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ وَهَبَهُ الْمُبْتَاعُ بَعْضَ الثَّمَنِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا وَهَبَهُ مَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ وَضِيعَةً مِنْ الثَّمَنِ فَحَطَّ الْبَائِعُ ذَلِكَ عَنْ الْمُبْتَاعِ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْبَيْعُ فَإِنْ أَبَى الْبَائِعُ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدَّهَا، وَلَوْ كَانَ إنَّمَا وَهَبَهُ مِنْ الثَّمَنِ مَا لَا يُشْبِهُ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ لِأَجَلِ الْبَيْعِ مِثْلَ أَنْ يَهَبَهُ جَمِيعَ الثَّمَنِ أَوْ بِصِفَةٍ لَمْ يَلْزَمْ الْبَائِعَ أَنْ يَحُطَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَنْ الْمُشْتَرِي قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَعَلَى هَذَا يَبِيعُ مُرَابَحَةً، وَلَا يُبَيِّنُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّ الْبَائِعَ مُرَابَحَةً يَحُطُّ

стр. 1388

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ سِلْعَةً قَامَتْ عَلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ دِينَارًا ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِتِسْعِينَ دِينَارًا، وَقَدْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ خُيِّرَ الْبَائِعُ فَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ قِيمَةُ سِلْعَتِهِ يَوْمَ قُبِضَتْ مِنْهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ بِالْبَيْعِ أَوَّلَ يَوْمٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ مِائَةُ دِينَارٍ وَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَإِنْ أَحَبَّ ضُرِبَ لَهُ الرِّبْحُ عَلَى التِّسْعِينَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي بَلَغَتْ سِلْعَتُهُ مِنْ الثَّمَنِ أَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ فَيَجُوزُ فِي الَّذِي بَلَغَتْ سِلْعَتُهُ، وَفِي رَأْسِ مَالِهِ وَرِبْحِهِ، وَذَلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِينَارًا) . ــ [المنتقى] مَا حُطَّ عَلَى وَجْهِ الْوَضِيعَةِ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ يَحُطُّهُ ذَلِكَ دُونَ مَا لَهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَقَالَ أَصْبَغُ بَلْ يَحُطُّهُ إيَّاهُ بِمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الرِّبْحِ وَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ الْبَائِعَ مُرَابَحَةً إنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ مِنْ الثَّمَنِ قَدْرًا مَا فَإِنْ حَطَّ عَنْ الْمُبْتَاعِ مِنْهُ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَزِمَهُ الْبَيْعُ، وَمَا يُقَابِلُ ذَلِكَ مِنْ الرِّبْحِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ هِبَةٌ فَلَا يَلْزَمُهُ إسْقَاطُهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ مَا يُقَابِلُ الْهِبَةَ مِنْ الرِّبْحِ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ لِأَجْلِ مَا وَضَعَ عَنْ الْمُبْتَاعِ لِلْهِبَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَحُطَّ عَنْ الْمُشْتَرِي إذَا حُطَّتْ عَنْهُ الْهِبَةُ كَمَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ بِثُبُوتِ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْهِبَةُ. (ش) : وَقَوْلُهُ، وَإِنْ بَاعَ رَجُلٌ سِلْعَةً قَامَتْ عَلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ يُرِيدُ قَامَتْ عَلَيْهِ بِابْتِيَاعِ مُكَايَسَةٍ وَاجْتِهَادٍ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ مَخْصُوصٌ بِمَا مَلَكَهُ الْبَائِعُ بِذَلِكَ دُونَ مَا مَلَكَهُ بِمِيرَاثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ فَإِنْ مَلَكَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مُرَابَحَةً، وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَاهَا رَجَاءً فِي ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً بِعِشْرِينَ فَبَاعَهَا بِثَلَاثِينَ فَأَقَالَ مِنْهَا الْمُشْتَرِي لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مُرَابَحَةً إلَّا عَلَى الْعِشْرِينَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَإِنْ أَقَالَك مِنْ سِلْعَتِهِ فَلَا بَيْعَ مُرَابَحَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْإِقَالَةِ حَتَّى تَبِينَ فَتَفْسِيرُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْإِقَالَةِ إنَّهَا نَقْضُ بَيْعٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِنَا أَنَّهَا بَيْعٌ مُبْتَدَأٌ فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَبِيعَ مُرَابَحَةً؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ مِنْ عُقُودِ الْمُكَارَمَةِ وَالْمُسَامَحَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ مُرَابَحَةً مَا مُلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ مَخْصُوصٌ بِمَا مُلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ وَالْمُكَايَسَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً بِرِبْحِ دِرْهَمٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِرِبْحِ دِرْهَمَيْنِ جَازَ أَنْ يَبِيعَ مُرَابَحَةً، وَلَا يُبَيِّنُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِقَالَةِ؛ لِأَنَّ ابْتِيَاعَهُ لِلسِّلْعَةِ بِرِبْحٍ مِنْ عُقُودِ الْمُكَايَسَةِ، وَهَذَا مِنْهَا، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَبِيعَهَا بِرِبْحٍ ثُمَّ يَرَى إنْ اشْتَرَاهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ وَجْهَ رِبْحٍ لِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ أَوْ لِزِيَادَةٍ فِي عَيْنِهَا أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْ الْوَاضِحَةِ إذَا أَقَالَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ اشْتَرَاهَا بِرِبْحٍ فَلَا يَبِيعُ مُرَابَحَةً عَلَى الثَّمَنِ الْآخَرِ حَتَّى يُبَيِّنَ قَالَهُ مَالِكٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَبْضَعَ فِي سِلْعَةٍ اُشْتُرِيَتْ لَهُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ لَهُ أَنْ يَبِيعَ، وَلَا يُبَيِّنَ قَالَ سَحْنُونٌ يَلْزَمُهُ أَنْ يُبَيِّنَ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ إنْ رَضَاهُ بِمَا اشْتَرَى لَهُ حِينَ رَآهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لِمَا رَأَى فِي ذَلِكَ مِنْ الْغِبْطَةِ، وَأَنَّهُ لَا غَبْنَ عَلَيْهِ فِيهَا أَوْ رَأَى الْغَبْنَ فِيهَا، وَرَضِيَهَا لِغَرَضٍ لَهُ فِيهَا فَإِنْ رَأَى أَنَّهُ لَا غَبْنَ عَلَيْهِ فِيهَا وَرَضِيَهَا فَهُوَ كَشِرَائِهِ لَهَا لَا يَبِيعُ حَتَّى يُبَيِّنَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُحَابَاةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى مَنْ تَوَلَّى شِرَاءَهَا وَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقُولَ إنَّمَا رَضِيت بِاجْتِهَادِك وَمَيْزِك فَلَا أَرْضَى بِمَا تَنَاوَلَ غَيْرَك شِرَاءَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فِي الَّذِي يَبِيعُ سِلْعَةً مُرَابَحَةً قَامَتْ عَلَيْهِ بِمِائَةٍ لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِتِسْعِينَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ الْبَائِعَ غَلِطَ، وَظَنَّ أَنَّهَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِمِائَةٍ فَبَاعَ بِذَلِكَ ثُمَّ جَاءَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ قَامَتْ عَلَيْهِ بِتِسْعِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ الْبَائِعَ قَالَ قَامَتْ عَلَيْهِ بِمِائَةٍ ثُمَّ جَاءَ الْمُبْتَاعَ الْعِلْمُ بِأَنَّهَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِتِسْعِينَ، وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخَبَرُ وَرَدَ قَبْلَ أَنْ تَفُوتَ السِّلْعَةُ أَوْ بَعْدَ أَنْ فَاتَتْ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَفُوتَ فَلِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَيَلْزَمَ ذَلِكَ الْبَائِعَ أَوْ يَرُدَّهَا فَيَلْزَمَ ذَلِكَ الْبَائِعَ، وَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَقُولَ آخُذُهَا بِتِسْعِينَ وَرِبْحَهَا إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ

стр. 1389

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ بَاعَ رَجُلٌ سِلْعَةً مُرَابَحَةً فَقَالَ قَامَتْ عَلِيَّ بِمِائَةِ دِينَارٍ ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا قَامَتْ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا خُيِّرَ الْمُبْتَاعُ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَى الْبَائِعَ قِيمَةَ السِّلْعَةِ يَوْمَ قَبَضَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَعْطَى الثَّمَنَ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ عَلَى حِسَابِ مَا رَبِحَهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ السِّلَعَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُصَ رَبُّ السِّلْعَةِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ رَضِيَ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا جَاءَ رَبُّ السِّلْعَةِ يَطْلُبُ الْفَضْلَ فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ فِي هَذَا حُجَّةٌ عَلَى الْبَائِعِ بِأَنْ يَضَعَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ) . ــ [المنتقى] وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالثَّمَنِ الصَّحِيحِ وَرِبْحِهِ، وَهِيَ لَمْ تَبْلُغْ مِنْهُ بِذَلِكَ، وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُلْزِمَ ذَلِكَ الْمُبْتَاعَ بِالتِّسْعِينَ وَرِبْحِهَا فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ. (فَرْعٌ) وَأَيُّهُمَا يَبْدَأُ بِالتَّخْيِيرِ قَالَ سَحْنُونٌ إنْ لَمْ تَفُتْ بَدَأَ الْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ أَوْ يَحْبِسَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَإِنْ رَدَّ خُيِّرَ الْبَائِعُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ أَوْ يَحُطَّ الْكَذِبَ، وَرِبْحَهُ فَيَتِمُّ الْبَيْعُ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْعَيْبِ يَجِدُهُ الْمُبْتَاعُ فَيَحُطُّ عَنْهُ قِيمَتَهُ الْبَائِعُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الْمُبْتَاعَ أَنَّ الْعَيْبَ قَائِمٌ بَعْدَ الْحَطِيطَةِ، وَلَا يَبْقَى بَعْدَ حَطِيطَةِ الْكَذِبِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ الْمُبْتَاعُ مِنْ السِّلْعَةِ، وَيَصِيرُ كَالْعَيْبِ يَذْهَبُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ خُيِّرَ الْبَائِعُ فَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ قِيمَةُ سِلْعَتِهِ يَوْمَ قَبَضَهَا مِنْهُ، وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ قِيمَتُهَا يَوْمَ بَاعَهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَوْمَ قَبَضَهَا الْمُبْتَاعُ فَعَلَى هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْقَاسِمِ رَاعَى الْقِيمَةَ يَوْمَ الْقَبْضِ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُشْبِهُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ، وَعَلَى رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْعَقْدِ أَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إنَّمَا حَمَلَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّ يَوْمَ الْقَبْضِ هُوَ يَوْمُ الْعَقْدِ، وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَعَلَى هَذَا لَا خِلَافَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَتَأْوِيلِهِمَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ ﵁ أَنَّ ضَمَانَ السِّلْعَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ الْبَائِعِ. وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ الْمُبْتَاعِ، وَهُوَ يُرَجِّحُ بَيْنَ الْمَقَالَتَيْنِ وَتَأْوِيلِهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي تَبَيَّنَ عِنْدِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ غَيْرُ مُرَاعًى، وَأَنَّ يَوْمَ الْقَبْضِ هُوَ يَوْمُ الْعَقْدِ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ فِي مَسْأَلَةِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ فِيمَنْ اطَّلَعَ عَلَى سِلْعَةٍ بَاعَهَا مُرَابَحَةً عَلَى زِيَادَةٍ فِي ثَمَنِهَا قِيمَتُهَا يَوْمَ قُبِضَتْ بِمِثْلِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِذَا قُلْنَا بِذَلِكَ فَوَجْهٌ وَاضِحٌ، وَإِذَا قُلْنَا أَنَّ ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ. فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ بَيْعٌ يَفُوتُ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ عَقْدٌ عَرَا عَنْ الْفَسَادِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْقِيمَةُ بِيَوْمِ الْعَقْدِ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَبِمَاذَا تَفُوتُ السِّلْعَةُ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهَا تَفُوتُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَزَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ طَرْدَ مَذْهَبِهِ فِي تَشْبِيهِ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَنَّهَا تَفُوتُ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ فَظَاهِرُهَا أَنَّهَا مِنْ الْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ فَلَا تَفُوتُ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ، وَقَدْ تَأَوَّلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ إنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ خُيِّرَ الْبَائِعُ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ لَيْسَ بِالْبَيِّنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ مَا سَمِعَ مِنْهُ، وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ مَنْ قَالَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ فِي الْأَسْمَاءِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ فَوَاتَ السِّلْعَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إنْ ابْتَاعَ أَوْ تَذْهَبُ مِنْ يَدِهِ أَوْ يَزِيدُ فِي بَدَنِهَا أَوْ تَنْقُصُ قِيلَ لَهُ فَإِنْ تَغَيَّرَتْ الْأَسْوَاقُ قَالَ هُوَ فَوَاتٌ أَيْضًا فَنَصَّ أَوَّلًا عَلَى تَغْيِيرِ الْعَيْنِ وَفَوَاتِهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ فَلَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَلْحَقَهُ بِمَا تَقَدَّمَ. (ش) : قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً مُرَابَحَةً عَلَى أَنَّهَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِمِائَةٍ ثُمَّ جَاءَهُ الْعِلْمُ أَنَّهَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَفُتْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي رَدَّ الْجَارِيَةِ أَوْ يُضْرَبُ لَهُ الرِّبْحُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ تَبَيَّنَ غَلَطُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ

стр. 1390

(الْبَيْعُ عَلَى الْبَرْنَامَجِ) (ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْقَوْمِ يَشْتَرُونَ السِّلْعَةَ الْبَزَّ وَالرَّقِيقَ فَيَسْمَعُ بِهِ الرَّجُلُ فَيَقُولُ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ الْبَزُّ الَّذِي اشْتَرَيْت مِنْ فُلَانٍ قَدْ بَلَغَتْنِي صِفَتُهُ، وَأَمْرُهُ فَهَلْ لَك أَنْ أُرْبِحَك فِي نَصِيبِك كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُرْبِحُهُ، وَيَكُونُ شَرِيكًا لِلْقَوْمِ مَكَانَهُ فَإِذَا نَظَرَ إلَيْهِ رَآهُ قَبِيحًا، وَاسْتَغْلَاهُ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ، وَلَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ إذَا كَانَ ابْتَاعَهُ عَلَى بَرْنَامَجٍ مَعْلُومٍ وَصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ) . ــ [المنتقى] سِلْعَتِهِ قَائِمَةً، وَلَا يَلْزَمُ الْمُبْتَاعُ مَا ظَهَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي لَمْ يَرْضَ بِهِ فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ فَاتَتْ فَقَدْ قَالَ فِي الْمُوَطَّأِ إنْ شَاءَ أَعْطَى الْبَائِعَ قِيمَةَ السِّلْعَةِ يَوْمَ قَبَضَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَعْطَى الثَّمَنَ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ يُرِيدُ الْمِائَةَ وَعِشْرِينَ عَلَى حِسَابِ مَا رَبِحَهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ يُرِيدُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْمِائَةُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْقِصَ رَبُّ السِّلْعَةِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا أَتَى بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ تَخْيِيرٌ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى النَّدْبِ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَبْلُغَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ الَّذِي ظَهَرَ وَرِبْحَهُ، وَلَا يُنْقِصُهُ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ السِّلْعَةِ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَمَعْنَى لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُعْطِيَ الْبَائِعَ الْقِيمَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ، وَهِيَ عَشَرَةٌ وَمِائَةٌ فَلَا يُنْقِصُ مِنْهُ أَوْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ ضَرْبِ الرِّبْحِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ، وَهُوَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ السِّلْعَةَ لَمَّا فَاتَتْ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا عَقْدٌ سَالِمٌ يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِهِ دُونَ الْفَوَاتِ كَانَ بَدَلَ تِلْكَ السِّلْعَةِ قِيمَتُهَا كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَإِنْ قَصُرَتْ الْقِيمَةُ عَنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ رِبْحِهِ فَلَا يُنْقِصُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ قَدْ كَانَ رَضِيَ بِهِ دُونَ أَنْ يَظْهَرَ مَا ظَهَرَ مِنْ زِيَادَةِ الثَّمَنِ فَلَا حُجَّةَ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي ظَهَرَ وَرِبْحِهِ فَلَا حُجَّةَ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ رَضِيَ أَنْ يَبِيعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ ثَمَنَهُ فَإِنْ أَعْطَى الثَّمَنَ الَّذِي ظَهَرَ وَرِبْحَهُ فَلَا حُجَّةَ لَهُ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَقُولُ لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِقِيمَتِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ فَغَلِطَ الْبَائِعُ فَدَفَعَ إلَيْهِ ثَوْبًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَلَبِسَهُ حَتَّى أَبْلَاهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَالْعُتْبِيَّةِ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ إنْ قَطَعَهُ الْمُبْتَاعُ فَهُوَ لَهُ بِثَوْبِهِ، وَقَالَ ابْنُ مُيَسَّرٍ لِرَبِّهِ أَخْذُهُ مَقْطُوعًا دُونَ غُرْمِ شَيْءٍ، وَكَذَلِكَ إنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ رَسُولُهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَقُولَ أَرَدْت ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ، وَلَمْ أُرِدْ ثَوْبًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَسْأَلَةُ الْمُرَابَحَةِ، وَمَسْأَلَةُ الْعُتْبِيَّةِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ فِيهِمَا رِوَايَتَانِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ رِوَايَةَ عَلِيٍّ إنَّمَا هِيَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرَابَحَةِ، وَرِوَايَةُ أَشْهَبَ فِي مَسْأَلَةِ مُسَاوَمَةٍ. (فَرْقٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ إنَّمَا بَاعَهُ عَلَى أَنْ يَرْبَحَ فِي كُلِّ عَشَرَةٍ دِينَارًا فَإِذَا فَاتَ عِنْدَهُ الثَّوْبُ بِلُبْسٍ أَوْ قَطْعٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا إلَى الْقِيمَةِ مَا لَمْ يَنْقُصْ عَنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَرِبْحِهِ فَلَا يُنْقِصُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ أَوْ يَزِيدُ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي ظَهَرَ آخِرًا أَوْ رِبْحِهِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَقْصَى مَطْلَبِ الْبَائِعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الَّذِي بَاعَ مُسَاوَمَةً فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى اشْتِرَاطِ رِبْحٍ وَلَا نَجَاةٍ عَنْ خَسَارَةٍ، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي نِصْفَ الْعَبْدِ بِمِائَةٍ، وَيَشْتَرِي رَجُلٌ آخَرُ نِصْفَهُ الْآخِرِ بِمِائَتَيْنِ، وَيَبِيعَانِهِ مُرَابَحَةً فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْمِائَةِ ثُلُثَ الثَّمَنِ، وَلِصَاحِبِ الْمِائَتَيْنِ ثُلُثَيْ الثَّمَنِ، وَلَوْ بَاعَا مُسَاوَمَةً لَكَانَ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ فِي مَاذَا يَثْبُتُ بِمَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ قَالَ ابْنُ مُيَسَّرٍ لَا يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ بِقَوْمٍ حَضَرُوا شِرَاءَهُ، وَأَمْرٍ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ، وَالثَّوْبُ حَاضِرٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَمَعْنَاهُ عِنْدِي أَنْ يَرَى مِنْ حَالِ الثَّوْبِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، وَإِنَّهُ يُشْبِهُ مِنْ الثَّمَنِ مَا دَفَعَهُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [الْبَيْعُ عَلَى الْبَرْنَامَجِ] (ش) : قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ فِي

стр. 1391

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُقَدَّمُ لَهُ أَصْنَافٌ مِنْ الْبَزِّ، وَيَحْضُرُهُ السَّوَامُّ، وَيَقْرَأُ عَلَيْهِمْ بَرْنَامَجَه، وَيَقُولُ فِي كُلِّ عِدْلِ كَذَا وَكَذَا مِلْحَفَةٌ بَصْرِيَّةٌ وَكَذَا وَكَذَا رَيْطَةً سَابِرِيَّةً ذَرْعُهَا كَذَا وَكَذَا، وَيُسَمِّي لَهُمْ أَصْنَافًا مِنْ الْبَزِّ بِأَجْنَاسِهِ وَيَقُولُ اشْتَرُوا مِنِّي عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَيَشْتَرُونَ الْأَعْدَالَ عَلَى مَا وَصَفَ لَهُمْ ثُمَّ يَفْتَحُونَهَا فَيَسْتَغِلُّونَهَا وَيَنْدَمُونَ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُمْ إذَا كَانَ مُوَافِقًا لِلْبَرْنَامَجِ الَّذِي بَاعَهُمْ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ، وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ النَّاسُ عِنْدَنَا يُجِيزُونَهُ بَيْنَهُمْ إذَا كَانَ الْمَتَاعُ مُوَافِقًا لِلْبَرْنَامَجِ، وَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لَهُ) . ــ [المنتقى] الْقَوْمِ يَشْتَرُونَ الْبَزَّ وَالرَّقِيقَ فَيَبِيعُهُ عَلَى الْبَرْنَامَجِ يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الرَّقِيقَ غُيِّبَ غَيْبَةً بَعِيدَةً يَشُقُّ عَلَى الْمُبْتَاعِ غَالِبًا التَّوَجُّهُ إلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانُوا حَاضِرِينَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَيْهِمْ مُمْكِنٌ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ فَلَا يَنُوبُ عَنْهَا الْوَصْفُ، وَإِنَّمَا يَنُوبُ عَنْهَا إذَا كَانَ يَمْنَعُ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا مَانِعٌ مِنْ بُعْدِ مَسَافَةٍ أَوْ تَغَيُّرِ طَيٍّ وَشَدٍّ يَلْحَقُ فِيهِ مُؤْنَةٌ وَنَفَقَةٌ، وَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَغْيِيرِ نَضَارَةِ الثَّوْبِ وَهَيْئَتِهِ الَّتِي تَزِيدُ فِي ثَمَنِهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا خَيْرَ فِي أَنْ يَبِيعَ جَارِيَةً عِنْدَهُ فِي الدَّارِ حَاضِرَةً عَلَى الصِّفَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى النَّظَرِ إلَيْهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ فِي النَّظَرِ إلَيْهَا مَضَرَّةٌ، وَشَرَطَا تَرْكَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ بَيْعِ الْمُنَابَذَةِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ، وَمِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ الَّذِي لَا يَجُوزُ إذَا قَصَدَهُ الْبَائِعَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا الثِّيَابُ فَيَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ غَائِبَةً، وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ حَاضِرَةً مَشْدُودَةً فِي أَعْدَالِهَا بِحَيْثُ يَشُقُّ حَلُّهَا، وَيُحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ فِي رَدِّهَا إلَى شِدَادِهَا مَعَ مَا يَلْحَقُهَا فِي الْحَمْلِ وَالشَّدِّ وَتَكْرَارِ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ مُشْتَرٍ يُرِيدُ رُؤْيَتَهَا مِنْ الِابْتِذَالِ لَهَا، وَالْإِذْهَابِ لِكَثِيرٍ مِنْ حُسْنِهَا، وَلَا بُدَّ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا مِنْ تَقَدُّمِ رُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ. وَرُوِيَ جَوَازُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَقَدْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَقَالَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ عَيْنٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ عَلَى الصِّفَةِ فَجَازَ فِي الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ أَصْلُهُ السَّلَمُ الْمَضْمُونُ فِي الذِّمَّةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ عَلَى الصِّفَةِ فَإِنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ، وَلَيْسَ لَهُمْ رَدُّهُ، وَإِنْ اسْتَغَلُّوهُ إذَا فَتَحُوا الْمَتَاعَ مَا وَجَدُوهُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ لِلْمُبْتَاعِ الْخِيَارُ، وَإِنْ وَجَدَ الْمَتَاعَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ عَلَى صِفَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا أَصْلُ ذَلِكَ السَّلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إنَّ الْمَتَاعَ الَّذِي اشْتَرَيْته مِنْ فُلَانٍ قَدْ بَلَغَنِي صِفَتُهُ وَأَمْرُهُ فَهَلْ لَك أَنْ أُرْبِحَك لَفْظٌ فِيهِ اخْتِصَارٌ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ تِلْكَ الصِّفَةَ، وَأَمَّا إنْ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَدَّعِيَ مِنْ الصِّفَةِ إذَا نَظَرَ إلَى الْمَتَاعِ مَا شَاءَ، وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ عَلَى صِفَةِ مُعَيَّنَةٍ فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَيَكُونُ شَرِيكًا لِلْقَوْمِ مَكَانَهُ يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا جَمَاعَةً شُرَكَاءَ اشْتَرَكُوا فِي ذَلِكَ الْمَتَاعِ فَبَاعَ مِنْهُمْ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ فَصَارَ الْمُبْتَاعُ شَرِيكًا لِسَائِرِ الشُّرَكَاءِ بِحِصَّةِ مَنْ بَاعَ مِنْهُ، وَيَكُونُ هَذَا حُكْمُهُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ قَبْلَ فَتْحِ الْمَتَاعِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِذَا نَظَرُوا إلَيْهِ فَرَأَوْهُ قَبِيحًا، وَاسْتَغَلُّوهُ إنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُمْ دُونَ خِيَارٍ يُرِيدُ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ مَعَ مُوَافَقَةِ الْبَرْنَامَجِ مِنْ أَقْبَحِ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ تِلْكَ الصِّفَاتُ الَّتِي تَضَمَّنَهَا الْبَرْنَامَجُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى هَذَا دَخَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ كُلُّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الصِّفَاتُ فَإِنَّ الصِّفَاتِ قَدْ تَتَّفِقُ، وَيَكُونُ بَعْضُهَا أَمْثَلَ مِنْ بَعْضٍ، وَمِثْلُ هَذَا يَعْتَرِي الْمَرْئِيَّ فَقَدْ يَرَى الْمَتَاعَ فَيَحْسُنُ عِنْدَهُ ثُمَّ يَرَاهُ مَرَّةً أُخْرَى فَيَقْبُحُ عِنْدَهُ، وَلَا يُثْبِتُ ذَلِكَ لِلْمُبْتَاعِ خِيَارًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : هَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ مَنْ قَدِمَ بِأَصْنَافٍ مِنْ الْبَزِّ فَيَقْرَأُ بَرْنَامَجَهُ عَلَى السَّوَامِّ، وَيَذْكُرُ عَدَدَ مَا فِي كُلِّ عَدْلٍ مِنْ ثِيَابِهِ وَأَجْنَاسِهَا وَذَرْعِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ

стр. 1392

(بَيْعُ الْخِيَارِ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ، وَلَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَيُّمَا بَيْعَيْنِ تَبَايَعَا فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ» ) ــ [المنتقى] وَنَوْعِهَا وَثَمَنِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ مَعَ الثَّمَنِ مَا يَجِبُ أَنْ يَذْكُرَهُ مِنْ الصِّفَاتِ فِي السَّلَمِ فَإِنْ وَافَقَ الْمَتَاعُ تِلْكَ الصِّفَاتِ لَزِمَ الْمُبْتَاعَ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ أَنَّ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ ذِكْرِ الصِّفَاتِ كُلُّ صِفَةٍ مَقْصُودَةٍ تَخْتَلِفُ الْأَغْرَاضُ بِاخْتِلَافِهَا وَتَتَفَاوَتُ الْأَثْمَانُ لِأَجْلِهَا، وَتَقِلُّ الرَّغْبَةُ فِي الْعَيْنِ، وَتَكْثُرُ بِحَسَبِ عَدَمِهَا وَوُجُودِهَا، وَهُوَ نَحْوُ مَا قَدَّمْنَاهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَيَقُولُ اشْتَرُوهُ مِنِّي عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْمُرَابَحَةِ فَأَمَّا إنْ بَاعَهُ مِنْهُمْ عَلَى غَيْرِ الْمُرَابَحَةِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا أُحِبُّ ذَلِكَ، وَهَذَا تَدْخُلُهُ الْخَدِيعَةُ. [بَيْعُ الْخِيَارِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا» اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهِ فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ هُمَا الْمُتَسَاوِمَانِ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ إنَّمَا يُوصَفَانِ بِذَلِكَ حَقِيقَةً حِينَ مُبَاشَرَةِ الْبَيْعِ، وَمُحَاوَلَتِهِ، وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَسُمْ عَلَى سَوْمِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا بِالْقَوْلِ، وَمَعْنَى تَفَرُّقِهِمَا عَلَى هَذَا كَمَالُ الْبَيْعِ بِإِتْمَامِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ تَفَرُّقَهُمَا قَدْ حَصَلَ بِأَنْ اسْتَبَدَّ الْمُبْتَاعُ بِمَا ابْتَاعَهُ، وَالْبَائِعُ بِثَمَنِهِ، وَقَدْ يَكُونُ التَّفَرُّقُ بِالِانْحِيَازِ إلَى الْمَعَانِي وَالتَّبَايُنِ فِيهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ تَفَرُّقَهُمْ فِي الْأَدْيَانِ وَمُبَايَنَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِيهَا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمُتَسَاوِمَيْنِ لَهُمَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يُكْمِلَا الْبَيْعَ قَالَ بِهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ وَالنَّخَعِيُّ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَى أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ هُمَا مَنْ قَدْ وُجِدَ مِنْهُمَا التَّبَايُعُ، وَانْقَضَى بَيْنَهُمَا بِإِتْمَامِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَأَنَّهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُوصَفَانِ بِأَنَّهُمَا مُتَبَايِعَانِ، وَإِنَّمَا يُوصَفَانِ بِأَنَّهُمَا مُتَسَاوِمَانِ، وَمَعْنَى مَا لَمْ يَفْتَرِقَا بِالْأَبْدَانِ فَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ بَعْدَ وُجُودِ الْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ حَتَّى يَفْتَرِقَا بِأَنْ يَزُولَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ، وَيُفَارِقُهُ بِذَاتِهِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ كَالنِّكَاحِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» يَقْتَضِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى تَأْوِيلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا الْخِيَارَ عَلَى صَاحِبِهِ مُدَّةً مُقَرَّرَةٍ يَثْبُتُ مِثْلُهَا فِي الْمَبِيعِ، وَلَا يُقَدَّرُ الْخِيَارُ بِمُدَّةٍ فَيَقْضِي فِيهَا بِالْوَاجِبِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى هَذَا مِمَّا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ إنَّهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا فَإِنَّهُ لَا خِيَارَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ التَّفَرُّقِ إلَّا فِي بَيْعِ الْخِيَارِ فَكَأَنَّهُ قَالَ حُكْمُ الْبُيُوعِ اللُّزُومُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ إلَّا الْبَيْعَ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِيهِ الْخِيَارُ فَيَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ عَلَى حَسَبِ مَا شُرِطَ، وَمَعْنَاهُ عَلَى تَأْوِيلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ، وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ الْإِمْضَاءَ أَوْ الرَّدَّ فَيَخْتَارَ فَيَنْقَطِعَ بِذَلِكَ الْخِيَارِ وَيَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ عَلَى

стр. 1393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْخِيَارِ إلَّا أَنْ يُوقَفَ عَلَى قَطْعِ الْخِيَارِ بَعْدَهُ، وَاللَّفْظُ فِي الْأَوَّلِ أَظْهَرُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَيْعَ الْخِيَارِ إذَا أُطْلِقَ فِي الشَّرْعِ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ إثْبَاتُ الْخِيَارِ فِيهِ لَا قَطْعُهُ، وَالثَّانِي أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ بَعْدَ كَمَالِ الْعَقْدِ أَجِزْ أَوْ رُدَّ لَا يَجِبُ أَنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ الْبَيْعُ بِأَنَّهُ بَيْعُ خِيَارٍ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْخِيَارِ إنَّمَا يَطْرَأُ بَعْدَ كَمَالِ الْعَقْدِ، وَعَلَى تَأْوِيلِ مَالِكٍ يُوصَفُ بَيْعُهُمَا بِأَنَّهُ بَيْعُ خِيَارٍ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَرَطٌ فِيهِ، وَمُنْعَقِدٌ عَلَى حُكْمِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ مُدَّةَ الْخِيَارِ ثَابِتَةٌ فِي الشَّرْطِ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ الْمَبِيعِ، وَلَا يَقْصُرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا خِيَارٌ يُسْتَحَقُّ بِهِ الرَّدُّ فَلَمْ يَقْصُرْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْخِيَارُ بِالْبَيْعِ بِقَدْرِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مُدَّةِ النَّظَرِ إلَيْهِ وَالِاخْتِيَارِ لَهُ وَالسُّؤَالِ عَنْهُ مَعَ تَسَرُّعِ اسْتِحَالَةِ الْمَبِيعِ، وَإِبْطَاءِ ذَلِكَ فِيهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ هُوَ فِي الدَّارِ الشَّهْرُ وَنَحْوُهُ، وَفِي الْوَاضِحَةِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ يَحْتَاجُ مِنْ النَّظَرِ إلَى حِيطَانِهَا وَأُسُسِهَا وَمَرَافِقِهَا وَاخْتِبَارِ جِيرَانِهَا وَمَكَانِهَا إلَى مَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْمُهْلَةِ مَعَ كَوْنِهَا مَأْمُونَةً لَا تُسْرِعُ إلَيْهَا الِاسْتِحَالَةُ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَعَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْخَمْسَةُ الْأَيَّامُ وَالْجُمُعَةُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ الْأَرْبَعَةُ أَيَّامٍ وَالْخَمْسَةُ، وَلَا أَفْسَخُهُ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَأَفْسَخُهُ فِي الشَّهْرِ، وَأَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعَبْدِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا أَجَازَ فِي الشَّهْرِ، وَأَبَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَجْهُ إجَازَتِهِ فِي الشَّهْرِ أَنَّ الرَّقِيقَ ذُو مَيْزٍ، وَرُبَّمَا سَتَرَ مَا فِيهِ مِنْ الْأَخْلَاقِ وَالْعُيُوبِ الَّتِي تُزْهَدُ فِيهِ، وَيُسْتَعْمَلُ مَا يُرْغَبُ فِيهِ مُدَّةً فَيَجِبُ أَنْ يُسْرِعَ فِيهِ مِنْ مُدَّةِ الشَّرْطِ مَا لَا يَكَادُ أَنْ يُسْتَرَ فِيهِ أَمْرُهُ غَالِبًا، وَإِنْ رَامَ سِتْرَهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الِاخْتِبَارِ الْمُدَّةُ إلَّا أَنَّ التَّغَيُّرَ يُسْرِعُ إلَيْهِ فَمَنَعَ ذَلِكَ طَوِيلُ الْمُدَّةِ، وَالشَّهْرُ مُدَّةٌ يَتَغَيَّرُ فِيهَا غَالِبًا. (فَرْعٌ) وَأَمَّا الدَّابَّةُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يَرْكَبُ الْيَوْمَ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ السَّيْرَ عَلَيْهَا الْبَرِيدَ وَالْبَرِيدَيْنِ مَا لَمْ يَتَبَاعَدْ ذَلِكَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّقِيقِ أَنَّهَا لَا تُمَيَّزُ فَتُكْتَمُ أَخْلَاقُهَا وَأَحْوَالُهَا فَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ يُخْتَبَرُ حُسْنُ أَخْلَاقِهَا وَسَيْرِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ رُكُوبَ الدَّابَّةِ الْيَوْمَ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى حَسَبِ مَا يَرْكَبُ النَّاسُ فِي تَصَرُّفَاتِهِمْ وَسَيْرِ الْبَرِيدِ وَالْبَرِيدَيْنِ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ لِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ تَفَاسِيرَهَا، وَصَبْرَهَا فِي حَالِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ تُضَافَ إلَى ذَلِكَ اللَّيْلَةُ لِيَخْتَبِرَ أَكْلَهَا وَحَالَهَا فِي وُقُوفِهَا وَوَضْعِ آلَتِهَا عَلَيْهَا وَنَزْعِهَا عَنْهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فَإِنَّمَا يُسْرِعُ التَّغَيُّرُ إلَيْهَا، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ إنَّهُ يُشْتَرَطُ الْخِيَارُ فِي الدَّابَّةِ الْيَوْمَ وَالثَّلَاثَةَ كَالثَّوْبِ مِنْ غَيْرِ رُكُوبٍ، وَإِنَّمَا شَرَطَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْيَوْمَ لِلرُّكُوبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا الثَّوْبُ فَفِي الْوَاضِحَةِ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْيَوْمَانِ وَالثَّلَاثَةُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِهِ، وَلَمْ يَضِقْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُسْرِعُ إلَيْهِ التَّغَيُّرُ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِبَاسُ الثَّوْبِ، وَإِنْ شَرَطَ اسْتِخْدَامَ الرَّقِيقِ، وَرُكُوبَ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ اخْتِبَارَ الرَّقِيقِ إنَّمَا يَكُونُ بِالِاسْتِخْدَامِ وَالتَّصَرُّفِ وَاخْتِبَارِ الدَّابَّةِ بِالرُّكُوبِ، وَأَمَّا الثَّوْبُ فَلَا يُخْتَبَرُ بِاللِّبَاسِ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ مِنْهُ قَدْرُ مَا يُعْرَفُ بِهِ طُولُهُ أَوْ قِصَرُهُ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا الْفَاكِهَةُ كَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالتُّفَّاحِ وَالرُّمَّانِ وَالْخَوْخِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَ النَّاسُ يَسْتَشِيرُونَ فِي مِثْلِ هَذَا فَفِيهِ مِنْ الْخِيَارِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَهَذَا فِيمَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَالثَّوْبِ وَالدَّابَّةِ وَالدَّارِ وَالْعَبْدِ فَأَمَّا مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ فَإِنْ اُشْتُرِطَ فِيهِ خِيَارٌ فَلَا يَغِيبُ الْمُشْتَرِي عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغِيبُ عَلَيْهِ فَيَرُدُّ غَيْرَهُ مَكَانَهُ قَالَ أَشْهَبُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ تَارَةً سَلَفًا أَنَّ رَدَّهُ تَارَةً بَيْعًا إنْ أَبَى رَدَّهُ. ١ - (فَرْعٌ) وَأَمَّا الْخِيَارُ فِي السَّلَمِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يَجُوزُ فِيهِ الْيَوْمُ وَالْيَوْمَانِ وَالثَّلَاثَةُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لِمَعْنَى السُّؤَالِ وَالْمَشُورَةِ مَعَ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لَا يَلْحَقُهُ بِذَلِكَ تَغَيُّرٌ فَصَارَ كَالثَّوْبِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ مِنْ كَثِيرِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُشَابَهَةِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَذَلِكَ

стр. 1394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مِمَّا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ دُونَ كَثِيرِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا شُرِطَ الْخِيَارُ، وَلَمْ يُقَرِّرْ الْمُدَّةَ لَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ، وَحُكِمَ فِي ذَلِكَ بِمِقْدَارِ مَا تُخْتَبَرُ بِهِ تِلْكَ السِّلْعَةُ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يَبْطُلُ الْعَقْدُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا الْخِيَارَ لَهُ قَدْرٌ فِي الشَّرْعِ، وَذَلِكَ قَدْرُ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْمَبِيعِ فَإِذَا أَخَلَّا بِذِكْرِهِ فَقَدْ دَخَلَا عَلَى الْمَعْرُوفِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ لَوْ زَادَا عَلَيْهِ لَفَسَدَ الْعَقْدُ بِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُمَا مَا زَادَاهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا شَرَطَا مِنْ مُدَّةِ الْخِيَارِ مَا لَا يَجُوزُ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِيمَنْ اشْتَرَى دَارًا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَ سِنِينَ أَوْ أَرْبَعَ سِنِينَ أَوْ أُجِّلَ لِمَا يَجُوزُ لَهُ الْخِيَارُ تُرَدُّ إلَى صَاحِبِهَا، وَلَا تَفُوتُ بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَإِنْ تَبَاعَدَ أَجَلُ الْخِيَارِ الْمُشْتَرَطِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْقَضَى وَمَضَى بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَالْبِنَاءُ فَوْتٌ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ خُرُوجِ وَقْتِ الْخِيَارِ، وَرَوَى ذَلِكَ الْعُتْبِيُّ عَنْ سَحْنُونٍ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ بِنَاءَ الْمُبْتَاعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَالْخِيَارُ لِغَيْرِهِ لَا يُبْطِلُ حُكْمَ الْخِيَارِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَنَى فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ فَبَنَى لَعُدَّ ذَلِكَ مِنْهُ إمْضَاءَ الْبَيْعِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَنَى بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَذَلِكَ فَوْتٌ. وَقَدْ رَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ ابْتَاعَ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَهُ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَقَبَضَ الْمَبِيعَ فَإِنَّ مُصِيبَتَهُ مِنْ الْبَائِعِ إذَا لَمْ يَتِمُّ فِيهَا بَيْعٌ يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا تَلِفَتْ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ فِيمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً، وَشَرَطَ فِيهَا الْخِيَارَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ وَضَمَانُهَا مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ يَوْمِ قَبَضَهَا، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَرِوَايَةُ الْعُتْبِيِّ عَنْهُ أَحْسَنُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَجْهُ رِوَايَةِ الْعُتْبِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ السِّلْعَةَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ فَلَمْ يَكُنْ نَمَاؤُهَا وَنُقْصَانُهَا لَهُ فَلَا تَفُوتُ بِذَلِكَ عِنْدَهُ، وَلَا يَضْمَنُ ضَيَاعَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهَا بِذَلِكَ فَإِذَا خَرَجَتْ عَنْ أَيَّامِ الْخِيَارِ فَقَدْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ فَتَفُوتُ بِمَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، وَيَكُونُ ضَمَانُهَا مِنْهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ قَبَضَهَا بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ بَاعَ سِلْعَةً عَلَى أَنَّهُ مَتَى رَدَّ الثَّمَنَ فَهُوَ أَحَقُّ بِسِلْعَتِهِ، وَإِنْ رَدَّهُ إلَى خَمْسِ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا لَا يَجُوزُ الْخِيَارُ إلَيْهِ إنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ، وَالْمُشْتَرِي ضَامِنٌ مِنْ يَوْمِ الْقَبْضِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إلَى مَا يَجُوزُ فِيهِ الْخِيَارُ، وَيَشْتَرِطُ النَّقْدُ فَقَالَ فِي هَذَا ضَمَانُهَا مِنْ الْبَائِعِ، وَإِنْ قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَقْبِضَهَا بَعْدَ أَجَلِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ هَاهُنَا صَحِيحٌ لَمْ يَفْسُدْ بِهِ الْعَقْدُ. ١ - (فَرْعٌ) ، وَمَا حَدَثَ بِالْمَبِيعِ مِنْ نَمَاءٍ فِي أَمَدِ الْخِيَارِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ كَالْوَلَدِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْوَلَدُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي، وَقَالَ أَشْهَبُ هُوَ لِلْبَائِعِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّهُ نَمَاءٌ مِنْ جِنْسِ الْعَيْنِ فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهَا كَالسَّمْنِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ إنَّهُ نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ كَالْمَالِ يُوهَبُ لِلْعَبْدِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ لِلْبَائِعِ قَالَ أَشْهَبُ إنْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ، وَاتَّفَقَا عَلَى جَمْعِهِمَا فِي مِلْكٍ، وَإِلَّا نُقِضَ الْبَيْعُ، وَمَنْ اشْتَرَى عَشْرَ جِوَارٍ مِنْ مِائَةٍ يَخْتَارُهُنَّ فَلَمْ يَخْتَرْ حَتَّى وَضَعْنَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هَذَا لَا يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِ الْأُمَّهَاتِ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ مِنْ أَجْلِ التَّفْرِقَةِ، وَقِيلَ لَا يُفْسَخُ، وَالْوَلَدُ لِلْبَائِعِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي مِلْكٍ أَوْ يَبِيعَانِ، وَهَذَا مُوَافَقَةٌ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَشْهَبَ، وَكَانَ يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّهُ يَخْتَارُ الْأُمَّهَاتِ، وَتَكُونُ أَوْلَادُ مَا اخْتَارَ مَعَهَا بِمَنْزِلَةِ سَمْنِ أَجْسَامِهَا، وَقَالَ أَشْهَبُ فِيمَنْ اشْتَرَى عَشَرَ شِيَاهٍ مِنْ مِائَةٍ يَخْتَارُهَا فَوَلَدَتْ إنَّهُ يَخْتَارُ الْأُمَّهَاتِ دُونَ الْأَوْلَادِ قَالَ أَشْهَبُ، وَقَدْ وُضِعَتْ فِي ضَمَانِ غَيْرِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ بَيْعًا إنْ اخْتَارَ الْبَيْعَ، وَتَارَةً يَكُونُ سَلَفًا إنْ رَدَّ الْبَيْعَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ السَّلَفُ لِلتَّخْيِيرِ فِي بَيْعٍ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ مِنْ عُقُودِ الْمَعْرُوفِ الَّتِي تَبْطُلُ الْمُعَاوَضَةُ إذَا قَارَنَتْهَا كَالْبَيْعِ، وَالسَّلَفِ. وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا سَحْنُونٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ

стр. 1395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] (فَرْعٌ) فَإِنْ عَجَّلَ النَّقْدَ عَلَى الطَّوْعِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْعَقْدِ جَازَ إلَّا فِي السَّلَمِ قَالَ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀، وَوَجْهُهُ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَطَوَّعَ بِالنَّقْدِ فِيهِ ثُمَّ أَرَادَ الْإِجَازَةَ فُسِخَ الثَّمَنُ الَّذِي تَطَوَّعَ بِنَقْدِهِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ إلَى أَجَلٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ فِي بَيْعٍ مُعَيَّنٍ، وَتَطَوَّعَ بِتَعْجِيلِ النَّقْدِ صُرِفَ الثَّمَنُ الَّذِي تَبَرَّعَ بِتَقْدِيمِهِ فِي عَيْنٍ يَتَعَجَّلُ قَبْضَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمِمَّا يَكُونُ مِنْ الْمُبْتَاعِ إجَازَةٌ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ أَنْ يَهَبَ مَا اشْتَرَاهُ بِالْخِيَارِ أَوْ تَكُونَ جَارِيَةٌ فَيُدَبِّرَهَا أَوْ يُكَاتِبَهَا أَوْ يُؤَجِّرَهَا أَوْ يُعْتِقَهَا أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهَا أَوْ يَطَؤُهَا أَوْ يُقَبِّلَهَا أَوْ يُبَاشِرَهَا فَذَلِكَ كُلُّهُ إجَازَةٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَذَلِكَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ إلَّا فِيمَا يَمْلِكُهُ فَكَانَ فِعْلُهُ لَهُ فِيمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ تَمَلُّكًا كَانْتِزَاعِ مَالِ عَبْدِهِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا جَرَّدَ الْجَارِيَةَ لِيَنْظُرَ إلَيْهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارٍ إلَّا أَنْ يُجَرِّدَهَا مُتَلَذِّذًا بِالنَّظَرِ إلَيْهَا أَوْ يَنْظُرَ إلَى فَرْجِهَا فَذَلِكَ رِضًا بِهَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَزَوَّجَهَا لَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ رِضًا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ وَإِنَّمَا خَالَفَ أَشْهَبُ ابْنَ الْقَاسِمِ فِي تَزْوِيجِ الْعَبْدِ، وَأَمَّا تَزْوِيجُ الْأَمَةِ فَهُوَ رِضًا عِنْدَهُمَا. ١ - (فَرْعٌ) وَلَوْ رَهَنَ الْعَبْدَ أَوْ أَجَرَهُ أَوْ زَوَّجَهُ أَوْ أَسْلَمَهُ إلَى خَبَّازٍ أَوْ طَبَّاخٍ أَوْ كِتَابٍ أَوْ سَاوَمَ بِهِ لَكَانَ اخْتِيَارًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قُطْع يَدَهُ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ أَوْ ضَرَّ بِهِ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا فَإِنْ فَعَلَهُ خَطَأً رَدَّ مَعَهُ مَا نَقَصَهُ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ فِي غَيْرِهَا، وَيَحْلِفُ إنْ اُتُّهِمَ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا تَكُونُ الْإِجَارَةُ وَلَا الرَّهْنُ وَلَا السَّوْمُ بِهَا وَلَا الْجِنَايَاتُ وَلَا إسْلَامُهُ إلَى الصِّنَاعَاتِ، وَلَا تَزْوِيجُهُ الْعَبْدَ إجَازَةً مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ فِي الْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَتَزْوِيجِ الْعَبْدِ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا بِاَللَّهِ مَا كَانَ مِنْهُ هَذَا رِضًا بِالْعَبْدِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مَعَانٍ لَا يَفْعَلُهَا الْإِنْسَانُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ إلَّا فِيمَنْ تَمَلَّكَهُ فَلَا يُحْمَلُ أَمْرُهُ عَلَى التَّعَدِّي بَلْ عَلَى عَمَلِ مَا لَهُ فِعْلُهُ، وَهُوَ الْإِجَارَةُ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ عَلَى قِسْمَيْنِ فَمِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي، وَمِنْهُ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِبَارِ كَالْمُسَاوَمَةِ وَتَسْلِيمِهِ فِي الصِّنَاعَاتِ لِيَخْتَبِرَ قَبُولَهُ لَهَا وَنَفَاذَهُ فِيهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ عَلَى أَنَّهُ أَمْضَى الْبَيْعَ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ لِاخْتِيَارِ الْمَبِيعِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ كَانَتْ دَابَّةٌ قَطَعَ ذَنَبَهَا الْمُبْتَاعُ أَوْ وَدَجَهَا أَوْ غَرَّ بِهَا أَوْ سَافَرَ بِهَا فَذَلِكَ كُلُّهُ إجَازَةٌ مِنْهُ لِلْبَيْعِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ وَلَوْ رَكِبَهَا إلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ رَكِبْتهَا لِأَخْتَبِرَهَا، وَلِذَلِكَ شَرَطَ الْخِيَارَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ بَاعَ السِّلْعَةَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَخْتَارَ فَإِنْ بَاعَ فَلَيْسَ بَيْعُهُ اخْتِيَارًا أَوْ لِرَبِّ السِّلْعَةِ أَنْ يُجِيزَ فَيَأْخُذَ الثَّمَنَ أَوْ يَرُدَّ الْبَيْعَ، وَفِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ إنْ قَالَ بِعْته بَعْدَ الرِّضَا صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ قَالَ بِعْته قَبْلَ أَنْ أَرْضَى فَالرِّبْحُ لِلْبَائِعِ مِنْهُ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْبَيْعُ رِضًا وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ حَقُّ الْبَائِعِ مِنْهُ بِالرِّبْحِ الَّذِي بَاعَ بِهِ فَيَقُولُ إنَّهُ لِي؛ لِأَنَّك بِعْتَ قَبْلَ الرِّضَا فَالرِّبْحُ لِي، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُخَالِفَةٌ لِلْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْبَائِعُ يُنْكِرُ الرِّضَا، وَيُرِيدُ الرَّدَّ، وَفِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ الْبَائِعُ يَدَّعِي رِضَاهُ بِالْبَيْعِ، وَيَمْنَعُ الرَّدَّ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَضَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لِلْبَائِعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ كَانَ يَدَّعِي عَلَيْهِ الرِّضَا بِالْبَيْعِ لَلَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ إنَّ الرِّضَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ بِالْمُسَاوَمَةِ، وَالْبَيْعُ فِي ذَلِكَ أَبْلَغُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ حَجَمَ الْعَبْدَ أَوْ حَلَقَهُ عَلَى الْمِشْطِ فَفِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ رَضِيَ بِهِ قَالَ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ مَنْ يُخَضِّبُ يَدَ الْجَارِيَةِ أَوْ يُضَفِّرُ رَأْسَهَا بِالْغَاسُولِ إلَّا أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ الْجَارِيَةُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَا يَكُونُ رِضًا. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْبَيْعَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُبْتَاعِ أَوْ لَهُمَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ فَقَدْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَنْتَقِلُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ مُرَاعَاةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى

стр. 1396

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً فَقَالَ الْبَائِعُ عِنْدَ مُوَاجَبَةِ الْبَيْعِ أَبِيعُك عَلَى أَنْ أَسْتَشِيرَ فُلَانًا فَإِنْ رَضِيَ فَقَدْ جَازَ الْبَيْعُ، وَإِنْ كَرِهَ فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا فَيَتَبَايَعَانِ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ يَنْدَمُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَسْتَشِيرَ الْبَائِعُ فُلَانًا إنَّ ذَلِكَ الْبَيْعَ لَازِمٌ لَهُمَا عَلَى مَا وَصَفَا، وَلَا خِيَارَ لِلْمُبْتَاعِ، وَهُوَ لَازِمٌ لَهُ إنْ أَحَبَّ الَّذِي اشْتَرَطَ لَهُ الْبَائِعُ أَنْ يُجِيزَهُ) . ــ [المنتقى] مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ إيجَابٌ لَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ فَلَمْ يَنْتَقِلْ بِهِ الْمِلْكُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْإِيجَابُ لَمْ يُوجَدْ فِي الْقَبُولِ بَعْدَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ بِيَدِ الْبَائِعِ فَهُوَ مِنْهُ، وَإِنْ هَلَكَ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِ الْمُبْتَاعِ لَقَدْ ذَهَبَ مِنْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُبْتَاعِ إذَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِضَيَاعِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَبَضَهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِ بَائِعِهِ فَأَشْبَهَ الرَّهْنَ. (فَرْعٌ) وَبِمَاذَا يَضْمَنُ فِي الْوَاضِحَةِ يَضْمَنُ بِالثَّمَنِ دُونَ الْقِيمَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنْ يَغِيبَ عَلَيْهِ، وَيَدَّعِيَ ضَيَاعَهُ لِيَأْخُذَ بِالْقِيمَةِ، وَقَدْ كَانَ بَائِعُهُ لَا يُبِيحُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ إلَيْهِ بِقِيمَةٍ إلَّا بِمَا شَرَطَ مِنْ ثَمَنِهِ، وَمَتَى قَبَضَهُ عَلَى ثَمَنٍ يَصِحُّ ضَمِنَهُ بِهِ كَمَا أَنَّهُ إذَا قَبَضَهُ عَلَى غَيْرِ ثَمَنٍ لَمْ يَضْمَنْهُ إلَّا بِالْقِيمَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : خِيَارُ الشَّرْطِ مَوْرُوثٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ بِمَوْرُوثٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] ، وَهَذَا الْحَقُّ مِمَّا تَرَكَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلْوَارِثِ، وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا خِيَارٌ ثَبَتَ لِإِصْلَاحِ الْمَالِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ بِالْمَوْتِ إلَى الْوَارِثِ كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. ١ - (فَرْعٌ) وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ إبْطَالُ خِيَارِهِ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ نَظَرَ السُّلْطَانُ فَإِنْ كَانَ مِنْهُ ضَرَرٌ فَسَخَ الْبَيْعَ، وَلَيْسَ لَهُ الْإِجَازَةُ لِلْمُغْمَى عَلَيْهِ هَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمَوَّازِيَّةِ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُجِيزَ أَوْ يَرُدَّ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظَرٌ، وَرَدَّ الْبَيْعَ فَيَقَعُ الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ الْحَجْرُ عَلَيْهِ، وَلَا النَّظَرُ فِي مَالِهِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أَوْ الرَّدِّ وَالْإِمْضَاءِ لِقُرْبِ مَا يُرْجَى مِنْ إفَاقَتِهِ، وَإِنَّمَا الْحَجَرُ عَلَى مَنْ يَطُولُ أَمْرُهُ، وَيَبْعُدُ وَقْتُ إفَاقَتِهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ الَّتِي يَخَافُ فِيهَا ضَيَاعَ مَالِهِ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ النَّظَرُ كَانَ السُّلْطَانُ هُوَ الْقَائِمَ عَنْهُ، وَالْآخِذُ لَهُ بِمَالِهِ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ لِنَفْسِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا أَرَادَ مِنْ شَرْطِ الْخِيَارِ لِنَفْسِهِ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنْ يُجِيزَ أَوْ يَفْسَخَ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْآخَرُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِمَحْضَرِ الْآخَرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُفْتَقَرْ حَالَ الْعَقْدِ إلَى رِضَاهُ فَإِنَّهُ لَا يُفْتَقَرُ إلَى حُضُورِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ، وَلَمْ يَخْتَرْ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ لَهُ أَنْ يَرُدَّ السِّلْعَةَ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الْخِيَارِ، وَمِنْ الْغَدِ، وَقُرْبِ ذَلِكَ فَإِنْ تَبَاعَدَ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهَا قَالَ مَالِكٌ أَرَأَيْت أَنَّ مَنْ مَرِضَ أَوْ حُبِسَ أَيَلْزَمُهُ الْبَيْعُ قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ إذَا مَضَتْ الْأَيَّامُ بِلَيَالِيِهَا فَلَا رَدَّ لَهُ فَإِنْ رَدَّ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِهَا فَذَلِكَ لَهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إنَّ فِي تَحْدِيدِ وَقْتِ الْخِيَارِ نَوْعًا مِنْ الْغَرَرِ فَقَدْ يَعُوقُ الْعَائِقُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَنْ الِالْتِزَامِ أَوْ الرَّدِّ مَعَ حَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ، وَمَا أَثَّرَ الْغَرَرُ فِي الْبَيْعِ كَانَ مَمْنُوعًا، وَلِذَلِكَ مُنِعَ فِي السَّلَمِ أَنْ يُرِيَهُ حِنْطَةً، وَيُسْلِمَ إلَيْهِ فِي مِثْلِهَا، وَمَنْ جَوَّزَهُ لَمْ يُلْزِمْ السَّلَمَ إلَيْهِ إلَّا مَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَهَا لِتَعَذُّرِ وُجُودِ مِثْلِهَا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي إنَّ اشْتِرَاطَ الْمَدَدِ يَقْتَضِي تَوْقِيتَهَا، وَالْمَنْعَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا كَأَجَلِ الدَّيْنِ، وَعُهْدَةِ الثَّلَاثِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ فِي يَدِهِ بِأَنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ، وَالسِّلْعَةُ بِيَدِهِ حَتَّى انْقَضَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ، وَمَا يَقْرُبُ مِنْهَا فَالسِّلْعَةُ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ إمْضَاءُ الْبَيْعِ، وَلَوْ كَانَتْ بِيَدِ الْمُشْتَرِي لَنَفَذَ الْبَيْعُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ الرَّدُّ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لَهُمَا عَلَى حَسَبِ هَذَا يَكُونُ الْأَمْرُ فِيهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ

стр. 1397

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنْ الرَّجُلِ فَيَخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ فَيَقُولُ الْبَائِعُ بِعْتُكَهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَيَقُولُ الْمُبْتَاعُ ابْتَعْتهَا مِنْك بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْبَائِعِ إنْ شِئْت فَأَعْطِهَا لِلْمُشْتَرِي بِمَا قَالَ، وَإِنْ شِئْت فَاحْلِفْ بِاَللَّهِ مَا بِعْت سِلْعَتَك إلَّا بِمَا قُلْت فَإِنْ حَلَفَ قِيلَ لِلْمُشْتَرِي إمَّا أَنْ تَأْخُذَ السِّلْعَةَ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ، وَإِمَّا أَنْ تَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَيْتهَا إلَّا بِمَا قُلْت فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ مِنْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ عَلَى صَاحِبِهِ) ــ [المنتقى] الْبَائِعَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ مَشُورَةَ فُلَانٍ وَخِيَارَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُبْتَاعُ خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَحَدِ وَجْهَيْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْخِيَارَ وُضِعَ لِتَأَمُّلِ الْمَبِيعِ وَاخْتِبَارِهِ، وَقَدْ يَكُونُ هُوَ مِمَّنْ لَا يُبْصِرُ فَيَشْتَرِطُ خِيَارَ غَيْرِهِ أَوْ يَكُونُ هُوَ يُبْصِرُ، وَيَشْتَرِطُ اسْتِعَانَتَهُ بِهِ. (فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرَطُ مَشُورَتَهُ، وَاخْتِيَارَهُ حَاضِرًا أَوْ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ فَسَدَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ يَشْتَرِي عَلَى أَنْ يَسْتَحِقَّ قَبْضَهُ إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا بَاعَ الْبَائِعُ وَاشْتَرَطَ مَشُورَةَ فُلَانٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ الْمُبْتَاعَ، وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُمْضِيَ الْبَيْعَ أَوْ يَرُدَّهُ قِبَل نَظَرِ فُلَانٍ الْمَذْكُورِ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ كَمَنْ خَلَعَ وَكَالَةَ وَكِيلٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ ابْتَاعَ عَلَى أَنْ يَسْتَأْمِرَ فُلَانًا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ، وَلَا يَسْتَأْمِرَ هَذَا، وَقَوْلُهُ كَمَنْ خَلَعَ وَكَالَةَ وَكِيلٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِئْمَارَ لَيْسَ بِمَعْنَى التَّوْكِيلِ وَالتَّسْلِيطِ عَلَى الْعَمَلِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْمُشَاوِرَةِ وَالِاسْتِئْمَارِ اسْتِعْلَامُ رَأْيِ الْمُشِيرِ، وَمَا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ لِلْمُسْتَشِيرِ بِمُوَافَقَتِهِ لَهُ أَوْ مُخَالَفَتِهِ إلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ الْوَكِيلَ الَّذِي فُوِّضَ إلَيْهِ الْعَمَلُ خَلَعَهُ فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يُفَوَّضْ لَهُ شَيْءٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ شَرَطَ الْبَائِعُ خِيَارَ أَجْنَبِيٍّ فَقَدْ سَوَّى ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ بَيْنَ الْمَشُورَةِ وَالْخِيَارِ، وَقَالَ إنَّ لِمَنْ شَرَطَ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْأَخْذَ أَوْ الرَّدَّ دُونَ الْأَجْنَبِيِّ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَرَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَلَا رَدَّ لِلْمُبْتَاعِ إلَّا بِرَأْيِ مَنْ اشْتَرَطَ خِيَارَهُ أَوْ مَشُورَتَهُ كَذَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ، وَاَلَّذِي فِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيْنٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ فِي الَّذِي يَبِيعُ السِّلْعَةَ، وَيَسْتَثْنِي أَنْ يَسْتَشِيرَ فُلَانًا فَإِنْ أَمْضَى الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا تَمَّ بَيْعُهُمَا فَقَالَ الْبَيْعُ لَازِمٌ لِلْبَائِعِ، وَلِلْمُبْتَاعِ إنْ أَجَازَهُ الَّذِي اسْتَثْنَى الْبَائِعُ نَظَرَهُ، وَلَا يَنْفَعُ أَحَدُهُمَا نَدَمُهُ، وَهَذَا لَيْسَتْ فِيهِ اسْتِشَارَةٌ فَقَطْ بَلْ قَدْ جُعِلَ إلَيْهِ الْإِمْضَاءُ فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَا إلَيْهِ الْخِيَارَ وَالرِّضَا، وَقَدْ سَوَّى فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمَا إنْ جَعَلَا إلَى أَجْنَبِيٍّ الرَّدَّ وَالْإِمْضَاءَ إنَّهُمَا قَدْ تَخَاطَرَا فِي ذَلِكَ، وَلَا يُعْجِبُهُ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْبَائِعِ يَبِيعُ عَلَى رِضَا أَجْنَبِيٍّ أَوْ خِيَارِهِ فَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ أَوْ فُلَانٌ جَازَ الْبَيْعُ، وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ أَجَازَ مِنْهُمَا الْبَيْعَ جَازَ، وَعَلَيْهِ تَأَوَّلَهُ ابْنُ لُبَابَةَ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَشُورَةِ وَالرِّضَا وَالِاخْتِيَارِ فِي حَقِّ الْمُبْتَاعِ فَقَالَ إنْ شَرَطَ الْمُبْتَاعُ مَشُورَةَ أَجْنَبِيٍّ جَازَ لَهُ أَنْ يُجِيزَ دُونَ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنْ شَرَطَ رِضَاهُ أَوْ عَلَى خِيَارِهِ فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَرُدَّهُ، وَلَا يُجِيزَهُ حَتَّى يَرْضَى فُلَانٌ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا شَرَطَ خِيَارَ أَجْنَبِيٍّ أَوْ رِضَاهُ كَانَ لَهُ الِاخْتِيَارُ دُونَ الْأَجْنَبِيِّ بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي يَشْتَرِطُ ذَلِكَ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْأَجْنَبِيِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ حَالَ الْبَائِعِ أَقْوَى؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، وَلَهُ عَزْلُ مَنْ جَعَلَ الْخِيَارَ إلَيْهِ، وَالْمُشْتَرِي لَمْ يَمْلِكْ الْمَبِيعَ بَعْدُ، وَلَمْ يُوجِبْ لَهُ فِيهِ عَلَى اخْتِيَارِهِ إنَّمَا شَرَطَ اخْتِيَارَ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ عَزْلُ الْغَيْرِ عَمَّا لَا يَمْلِكُ. ١ - (فَرْعٌ) وَمَنْ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ، وَشَرَطَ خِيَارَ حَاضِرٍ أَوْ غَائِبٍ قَرِيبِ الْغَيْبَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَهُ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ دُونَهُ بِخِلَافِ الَّذِي يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ، وَتَوْجِيهُهُ يَقْرُبُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ نَافِعٍ أَنَّ خِيَارَ الْأَجْنَبِيِّ فِي ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (ش) : وَهَذَا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ كَانَ كُلُّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعِيًا وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مَا لَمْ يَفُتْ الْمَبِيعُ، وَيَتَقَرَّرْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ

стр. 1398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَحَدُهُمَا أَنْ يَخْتَلِفَا قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالثَّانِي أَنْ يَخْتَلِفَا بَعْدَ الْقَبْضِ، وَقَبْلَ فَوَاتِ السِّلْعَةِ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَخْتَلِفَا بَعْدَ فَوَاتِ السِّلْعَةِ فَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُبْتَاعُ السِّلْعَةَ فَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ عَلَيْهَا مَالِكٌ فِي أَصْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ إنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا، وَقَالَ الْبَائِعُ بِعْتُكهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَقَالَ الْمُبْتَاعُ ابْتَعْتهَا مِنْك بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ فَقَالَ إنَّهُ يَبْدَأُ بِالْبَائِعِ فَيُقَالُ لَهُ إنْ شِئْت أَنْ تُسَلِّمَهَا لِلْمُبْتَاعِ بِمَا قَالَ وَإِلَّا فَاحْلِفْ أَنَّك بِعْتهَا مِنْهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَإِنْ حَلَفَ قِيلَ لِلْمُبْتَاعِ خُذْهَا بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ، وَإِلَّا فَاحْلِفْ بِأَنَّك اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ بِخَمْسَةٍ فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يَلْزَمْ أَحَدُهُمَا مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْآخَرُ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ، وَمُدَّعًى عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ دَعْوَى أَحَدِهِمَا بِأَظْهَرَ مِنْ دَعْوَى الْآخَرِ لَكِنْ قَدَمَ الْبَائِعُ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ التَّسْلِيمِ أَوْ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ أَقْدَمُ مِنْ مِلْكِ الْمُبْتَاعِ، وَالْإِيجَابُ الَّذِي مِنْ جِهَتِهِ قَبْلَ الْقَبُولِ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْمُبْتَاعِ فَإِنْ حَلَفَ لَمْ تَكُنْ يَمِينُهُ يَمِينًا يَسْتَحِقُّ بِهَا مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ يَمِينُهُ يَمِينًا تَمْنَعُ الْمُبْتَاعَ مِنْ اسْتِحْقَاقِ السِّلْعَةِ لِمَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ إنْ حَلَفَ، وَيُقَوِّي دَعْوَاهُ أَنَّهُ إنَّمَا بَاعَ بِالثَّمَنِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَإِذَا اقْتَرَنَ بِهِ نُكُولُ الْمُبْتَاعِ اسْتَحَقَّ بِهَا الثَّمَنَ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ فَإِذَا حَلَفَ الْمُبْتَاعُ لَمْ يَسْتَحِقَّ أَيْضًا أَخْذَ السِّلْعَةِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ إنَّمَا هِيَ لِمُقَاوَمَةِ يَمِينِ الْبَائِعِ، وَلِتَقْوَى دَعْوَاهُ بِمِثْلِ مَا قَوَّى بِهِ الْبَائِعُ دَعْوَاهُ بِيَمِينِهِ فَإِذَا تَكَافَأَتْ الْيَمِينَانِ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ أَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْآخَرِ فَيُنْتَقَضُ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ اقْتَضَتْ يَمِينُهُ أَنْ لَا يُخْرِجَ السِّلْعَةَ مِنْ يَدِهِ بِخَمْسَةِ مَثَاقِيلَ، وَالْمُبْتَاعُ اقْتَضَتْ يَمِينُهُ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهَا عَشَرَةَ مَثَاقِيلَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا فَسْخُ مَا بَيْنَهُمَا. (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا يُفْسَخُ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ إنَّ بِنَفْسِ التَّخَالُفِ يُنْتَقَضُ التَّبَايُعُ، وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إذَا تَحَالَفَا ثُمَّ أَرَادَ الْبَائِعُ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِيَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُبْتَاعُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِالْفَسْخِ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ فَذَلِكَ لَهُ، وَجْهُ مَا قَالَهُ سَحْنُونٌ إنَّ الْحَلِفَ إذَا لَزِمَ مِنْ الْجِهَتَيْنِ، وَيَعْقُبُهُ فَسْخٌ كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا لَا خِيَارَ فِيهِ لِأَحَدٍ كَاللِّعَانِ، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنْ أَنَّ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا أَنَّ الْخِيَارَ قَدْ ثَبَتَ لِلْبَائِعِ بِنَفْسِ اخْتِلَافِهِمَا، وَلِذَلِكَ خُيِّرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ، وَلَيْسَ فِي أَيْمَانِهِمَا مَا يَقْطَعُ خِيَارَهُ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ إنَّمَا كَانَتْ لِتُقَوِّيَ دَعْوَاهُ، وَيَمِينُ الْمُبْتَاعِ لِتُقَاوِمَ يَمِينَ الْبَائِعِ، وَتَمْنَعَهُ مِنْ أَخْذِ السِّلْعَةِ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَبَقِيَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ، وَنُحَرِّرُ مِنْ هَذَا قِيَاسًا فَنَقُولُ إنَّ هَذَا خِيَارٌ لِلْبَائِعِ ثَبَتَ بِاخْتِلَافِهِمَا فَكَانَ بَاقِيًا لَهُ مَا لَمْ يَفْسَخْ بَيْعَهُمَا أَصْلُ ذَلِكَ قَبْلَ تَحَالُفِهِمَا، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ بِيَمِينِ الْبَائِعِ قَدْ انْتَقَلَ الْخِيَارُ إلَى الْمُبْتَاعِ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُمْضِيَ السِّلْعَةَ لِلْبَائِعِ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَكَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَعْنَى نُكُولِهِ بَلْ لَا يُعْذَرُ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ هَذَا إلَّا بِالْيَمِينِ فَإِذَا حَلَفَ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ، وَذَلِكَ أَنَّ لَهُ أَنْ يُمْضِيَ الْبَيْعَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ كَمَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ يَمِينِهِ، وَكَانَ لَهُ رَدُّهُ لِمُقَاوَمَةِ يَمِينِهِ يَمِينَ الْبَائِعِ، وَكَانَ الْخِيَارُ لَهُ دُونَ الْبَائِعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ نَكَلَ الْبَائِعُ أَوَّلًا نُقِلَتْ الْيَمِينُ إلَى الْمُبْتَاعِ فَإِنْ حَلَفَ كَانَتْ السِّلْعَةُ بِالْخَمْسَةِ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ قَوَّى جَنْبَتَهُ بِيَمِينِهِ وَنُكُولِ الْبَائِعِ، وَلَوْ نَكَلَ الْمُبْتَاعُ أَيْضًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ يَتَرَادَّانِ، وَقِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ رِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ وَرَدَتْ مُجْمَلَةً دُونَ ذِكْرِ يَمِينٍ، وَقَدْ حَمَلَهَا قَوْمٌ عَلَى أَنَّهَا تَلْزَمُ الْمُبْتَاعَ لِمَا قَالَ الْبَائِعُ دُونَ أَنْ يَحْلِفَ الْبَائِعُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ إلَّا مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ الْأُولَى لَمْ تَكُنْ لِاسْتِحْقَاقِ مَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يُسْقِطَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِيَمِينِهِ فَلَمَّا نَكَلَ عَنْهَا ثُمَّ نَكَلَ الْمُبْتَاعُ بَعْدَهُ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ يَمِينٌ أُخْرَى، وَهِيَ الْيَمِينُ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ إسْقَاطُ ذَلِكَ عَنْهُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْ هَذِهِ الْيَمِينِ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ، وَيَأْخُذَ

стр. 1399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] السِّلْعَةَ بِالْخَمْسَةِ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا، وَلَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدًا فَقُضِيَ لَهُ بِيَمِينِهِ مَعَ شَاهِدِهِ فَنَكَلَ فَرُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَنَكَلَ فَإِنَّهُ يَزِنُ الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ لِنُكُولِهِ دُونَ يَمِينِ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ نَكَلَ عَنْهَا الْمُدَّعِي الَّتِي رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ لَوْ حَلَفَ أَوَّلًا لَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ، وَلَوْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ نُكُولِ الْمُدَّعِي لَاسْتَحَقَّ الْبَرَاءَةَ مِمَّا ادَّعَى عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ الْبَائِعَ لَوْ حَلَفَ لَمْ يَسْتَحِقَّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ يَمِينِهِ، وَلَوْ أَحْلَفَ الْمُبْتَاعَ لَاسْتَحَقَّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ يَمِينِهِ فَإِحْدَى الْيَمِينَيْنِ غَيْرُ الْأُخْرَى، وَإِذَا نَكَلَ الْمُبْتَاعُ وَجَبَ أَنْ تُرَدَّ يَمِينُ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ قَطُّ فِي جَنْبَتِهِ يَمِينٌ يَسْتَحِقُّ حَقَّهُ بِهَا، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ فِي حَقِّهِ أَوَّلًا يَمِينٌ إذَا أَتَمَّهَا قِيلَ لِلْمُبْتَاعِ إمَّا أَنْ تَحْلِفَ، وَتُسْقِطَ عَنْ نَفْسِك مَا حَلَفَ عَلَيْهِ أَوْ تَنْكُلَ فَيُقْضَى لَهُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا بَعْدَ قَبْضِ السِّلْعَةِ وَقَبْلَ فَوْتِهَا فَاَلَّذِي رَوَاهُ أَشْهَبُ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَأَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَانِ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ إذَا تَفَرَّقَا، وَقَدْ قَبَضَ الْمُبْتَاعُ السِّلْعَةَ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ حَبِيبٍ مَا تَقَدَّمَ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ السِّلْعَةَ بَاقِيَةٌ عَلَى صِفَتِهَا فَكَانَ حُكْمُهَا أَنْ يَتَحَالَفَا وَيَتَفَاسَخَا وَلَا تَأْثِيرَ لِقَبْضِهَا بِانْفِرَادِهِ كَمَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ جَنْبَةَ الْمُبْتَاعِ قَدْ قَوِيَتْ بِالْقَبْضِ، وَلِلْيَدِ تَأْثِيرٌ فِي ثُبُوتِ الْأَيْمَانِ فِي جَنْبَةِ ذِي الْيَدِ كَمَا لَوْ تَدَاعَى رَجُلَانِ حَقًّا هُوَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَسَوَاءٌ نَقَدَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْهُ يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَرَادَّانِ مَا لَمْ تَفُتْ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا فَاتَتْ السِّلْعَةُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ حَوَالَةِ أَسْوَاقٍ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ أَبَدًا، وَإِنْ تَلِفَتْ السَّاعَةَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ التَّحَالُفَ قَبْلَ الْفَوَاتِ يُوجِبُ الْفَسْخَ فِي عَيْنِ السِّلْعَةِ وَرَدَّ عَيْنِهَا إلَى الْبَائِعِ، وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ بَعْدَ تَلَفِهَا، وَإِنَّمَا يَرُدُّ بَدَلَهَا، وَهُوَ الْقِيمَةُ فَيُقَرِّرُ بِهَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُبْتَاعَ غَارِمٌ لِمَا تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ، وَمَنْ كَانَ هَذَا حُكْمُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ إنَّ هَذِهِ إحْدَى حَالَتَيْ السِّلْعَةِ فَوَجَبَ إذَا اخْتَلَفَ مُتَبَايِعَاهَا فِي ثَمَنِهَا أَنْ يَتَحَالَفَا وَيَتَفَاسَخَا كَحَالَةِ الْوُجُودِ فَيَتَقَرَّرُ مِنْ هَذَا أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ إحْدَاهَا أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ مَا لَمْ يَقْبِضْ السِّلْعَةَ، وَيَفْتَرِقَانِ فَإِذَا فَارَقَهُ الْمُبْتَاعُ، وَقَدْ قَبَضَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ، وَبِهَا يَأْخُذُ سَحْنُونٌ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ إنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ أَبَدًا، وَهِيَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي النَّوَادِرِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ، وَاتَّفَقَا عَلَى جِنْسِهِ، وَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِهِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا بِدِينَارٍ، وَقَالَ الْآخَرُ بِطَعَامٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ إذَا اتَّفَقَا فِي الْجِنْسِ فَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ أَبَدًا، وَتُرَدُّ الْقِيمَةُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى جِنْسٍ لِكَوْنِ الْبَائِعِ يَدَّعِي زِيَادَةً يُنْكِرُهَا الْمُبْتَاعُ، وَقَدْ صَدَّقَهُ فِيمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُبْتَاعِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ عَلَيْهِ الزِّيَادَةَ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعِيًا، وَمُدَّعًى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يُرَاعَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَا أَوْ يَأْتِيَ أَحَدُهُمَا بِمَا لَا يُشْبِهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى مِنْهُمَا مَا يُشْبِهُ يَعْنِي بَعْدَ فَوْتِهَا بِيَدِ الْمُشْتَرِي فِي سُوقٍ أَوْ بَدَنٍ، وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ إذَا أَتَيَا بِمَا يُشْبِهُ، وَإِنْ أَتَى أَحَدُهُمَا بِمَا لَا يُشْبِهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ أَتَى بِمَا يُشْبِهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَاَلَّذِي عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ

стр. 1400

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] لَا يُرَاعِي مَعَ بَقَاءِ السِّلْعَةِ فِي وَقْتٍ يُحْكَمُ بِالتَّحَالُفِ وَالتَّفَاسُخِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُهُمَا بِمَا يُشْبِهُ أَوْ بِمَا لَا يُشْبِهُ، وَإِنَّمَا يُرَاعِي ذَلِكَ عِنْدَ فَوَاتِهَا فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُبْتَاعِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، وَإِنَّ مَذْهَبَ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبَ مُرَاعَاةُ قَوْلِ مَنْ أَتَى بِمَا يُشْبِهُ دُونَ مَنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ، وَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ مِمَّا لَا يُحْكَمُ فِيهَا بِالتَّحَالُفِ وَالتَّفَاسُخِ، وَالْقَوْلَانِ مَوْجُودَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِمَنْ تَأَمَّلَهُمَا فِيمَنْ اكْتَرَى رَاحِلَةً بِمِصْرَ، وَنَقَدَ مِائَةً فَلَمَّا بَلَغَا الْمَدِينَةَ قَالَ اكْتَرَيْت إلَى مَكَّةَ بِمِائَةٍ، وَقَالَ الْمُكْرَى إلَى الْمَدِينَةِ بِمِائَتَيْنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْرَى فِي الْمِائَةِ الَّتِي قَبَضَ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ إنَّهُ لَمْ يُكْرِ إلَى مَكَّةَ بِالْمِائَةِ، وَعَلَى الْمُتَكَارَى الْيَمِينُ فِي الْمِائَةِ الْأُخْرَى، وَإِنْ لَمْ يَنْتَقِدْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْرِي فِي الْمَسَافَةِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْتَرَى فِي الْكِرَاءِ، وَيُقْسَمُ مَا بَيْنَ مِصْرَ إلَى مَكَّةَ فَيَكُونُ لِلْمُكْرَى بِمِقْدَارِ مَا بَيْنَ مِصْرَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِثْلَ قَوْلِهِ، وَذَلِكَ إذَا أَتَيَا جَمِيعًا بِمَا يُشْبِهُ فَإِنْ أَتَى الْمُكْرِي بِمَا يُشْبِهُ دُونَ الْمُكْتَرَى فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَحَيْثُ مَا يَجِدُ لِابْنِ الْقَاسِمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَغَيْرِهَا لَا يَجِدُهُ يُرَاعِي مَا يُشْبِهُ إلَّا بَعْدَ الْفَوَاتِ، وَقَدْ خَالَفَهُ الْغَيْرُ، وَهُوَ عِنْدِي أَشْبَهُ عَلَى مَا وَرَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَبَضَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ وَالسِّلْعَةُ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ لَمْ تَفُتْ بِحَوَالَةِ سُوقٍ، وَلَا غَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ نَقَدَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْهُ مَا لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ، وَهَاهُنَا أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ لِقَبْضِ الثَّمَنِ تَأْثِيرٌ فِي مَحَلِّ الْيَمِينِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا عَلَى ذَلِكَ قَوْلٌ آخَرُ بِمُرَاعَاةِ الْقَبْضِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَرْعٌ) وَلَوْ حَالَتْ أَسْوَاقُ السِّلْعَةِ بِيَدِ الْبَائِعِ، وَقَدْ قَبَضَ الثَّمَنَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَوْ قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ السِّلْعَةِ إلَّا بِقَدْرِ مَا قَبَضَ مِنْ الثَّمَنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ ثُمَّ يَحْلِفُ الْمُبْتَاعُ، وَإِلَّا لَزِمَتْهُ بَقِيَّةُ السِّلْعَةِ، وَغَرِمَ بَقِيَّةَ الثَّمَنِ عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ، وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي التَّشَارُكِ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ ضَرَرٌ فَإِنْ كَانَ فِيهَا ضَرَرٌ كَالْعَبْدِ الْوَاحِدِ، وَالدَّابَّةِ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا، وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ تَبَايَعَا طَعَامًا فَقَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا اخْتَلَفَا فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْتُك خَمْسَةَ أَرَادِبَ بِدِينَارٍ، وَقَالَ الْمُبْتَاعُ ابْتَعْت مِنْك سِتَّةَ أَرَادِبَ بِدِينَارٍ فَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَرَادَّانِ فَيُفْسَخُ الْبَيْعُ كُلُّهُ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ إذَا اخْتَلَفَا فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْتُك ثَلَاثَةَ أَرَادِبَ بِدِينَارٍ، وَقَالَ الْمُبْتَاعُ ابْتَعْت مِنْك أَرْبَعَةَ أَرَادِبَ بِدِينَارٍ حَلَفَ الْمُبْتَاعُ أَنَّهُ ابْتَاعَ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَرَادِبَ بِدِينَارٍ، وَحَلَفَ الْبَائِعُ أَنَّهُ مَا بَاعَهُ إلَّا ثَلَاثَةَ أَرَادِبَ بِدِينَارٍ فَإِنْ حَلَفَ صُدِّقَ الْبَائِعُ فِيمَا عَلَيْهِ فَيُؤَدِّي ثَلَاثَةَ أَرَادِبَ، وَيُصَدَّقُ الْمُبْتَاعُ فِيمَا عَلَيْهِ فَيُؤَدِّي ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ دِينَارٍ فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنْ أَنَّ التَّحَالُفَ يَثْبُتُ بَيْنَهُمَا مَا لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ، وَلَمْ يَقْبِضْ الْبَائِعُ الثَّمَنَ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْبَيْعَ ثَبَتَ فِي مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حُكْمُ التَّحَالُفِ وَالتَّفَاسُخِ، وَلَوْ ثَبَتَ فِيهِ حُكْمُ التَّحَالُفِ وَالتَّفَاسُخِ لَثَبَتَ ذَلِكَ فِي السَّلَمِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَعِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَلَكِنْ لِحُلُولِ الْأَجَلِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ تَأْثِيرٌ فَجَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَ الْغَارِمِ مَعَ يَمِينِهِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَرَادَّانِ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَبْدَأُ بِيَمِينِهِ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ الْمُبْتَاعُ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ سِتَّةَ أَرَادِبَ بِدِينَارٍ ثُمَّ يَحْلِفُ الْبَائِعُ أَنَّهُ مَا بَاعَهُ إلَّا خَمْسَةً ثُمَّ الْمُبْتَاعُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ خَمْسَةٍ أَوْ الْفَسْخِ، وَلَوْ قَبَضَ الْبَائِعُ دِينَارًا، وَدَفَعَ خَمْسَةَ أَرَادِبَ ثُمَّ اخْتَلَفَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَقَالَ الْبَائِعُ بِعْتُك بِالدِّينَارِ الَّذِي قَبَضْته الْخَمْسَةَ الْأَرَادِبَ الَّتِي دَفَعْت إلَيْك، وَقَالَ الْمُبْتَاعُ بَلْ ابْتَعْت مِنْك بِهِ سِتَّةَ أَرَادِبَ فَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ الْبَائِعُ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ بِقَبْضِهِ الدِّينَارَ، وَأَنْكَرَ هَذَا يَحْيَى بْنُ عُمَرَ، وَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، وَلَمْ تَفُتْ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الدِّينَارَ لَمَّا كَانَ

стр. 1401

(مَا جَاءَ فِي الرِّبَا فِي الدَّيْنِ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى السَّفَّاحِ أَنَّهُ قَالَ بِعْت بَزًّا لِي مِنْ أَهْلِ دَارِ نَخْلَةَ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ أَرَدْت الْخُرُوجَ إلَى الْكُوفَةِ فَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ أَضَعَ عَنْهُمْ مِنْ الثَّمَنِ، وَيَنْقُدُونِي فَسَأَلْت عَنْ ذَلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ لَا آمُرُك أَنْ تَأْخُذَ هَذَا، وَلَا تُؤْكِلُهُ قَالَ مَالِكٌ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَفْصٍ بْنِ خَلَدَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى الرَّجُلِ إلَى أَجَلٍ فَيَضَعُ عَنْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَيُعَجِّلُهُ الْآخَرُ فَكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَنَهَى عَنْهُ) . ــ [المنتقى] لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْبَائِعِ رَدُّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ فَصَارَ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ الْبَائِعُ قَدْ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ فَكَانَ ذَلِكَ فَوْتًا فِي بَيْعِهِمَا، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقَبْضُ يُجْعَلُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ كَانَ الِاعْتِبَارُ بِقَبْضِ الدِّينَارِ دُونَ تَفَرُّقِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَوَجْهُ قَوْلِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يُوجِبُ التَّحَالُفَ، وَالْفَسْخَ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا بَعْدَ الْقَبْضِ، وَهَذَا إنْ لَمْ يَفْتَرِقَا بَعْدَ الْقَبْضِ، وَلَا غَابَ أَحَدُهُمَا عَلَى مَا قَبَضَهُ مِنْ الْآخَرِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمُهُمَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَبَضَ الْمُبْتَاعُ خَمْسَةَ أَرَادِبَ، وَلَمْ يَدْفَعْ الدِّينَارَ فَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى يَلْزَمُهُ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ دِينَارٍ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِي سُدُسِ دِينَارٍ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَانَ قَبْضُهُ فَوْتًا فَيُصَدَّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا عَلَيْهِ فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الطَّعَامِ، وَأَنَّ ذَلِكَ جَمِيعَ مَا بَاعَهُ مِنْهُ ثُمَّ يَحْلِفُ الْمُبْتَاعُ أَنَّهُ مَا ابْتَاعَ مِنْهُ إلَّا سِتَّةَ أَرَادِبَ بِدِينَارٍ فَيَجِبُ لِلْخَمْسَةِ أَرَادِبَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ دِينَارٍ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَبَضَ الْبَائِعُ الدِّينَارَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ إذَا قَبَضَ الْبَائِعُ الدِّينَارَ فَهُوَ مُصَدَّقٌ بِعَيْنِهِ قَبَضَ الْمُبْتَاعُ الطَّعَامَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَائِعَ الَّذِي قَبَضَ الدِّينَارَ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَعْنَى فَوَاتِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ الْمُبْتَاعُ الطَّعَامَ فَإِنَّمَا يَدَّعِي عَلَيْهِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقْبِضْهُ فَإِنَّمَا يَدَّعِي الْمُبْتَاعُ زِيَادَةً عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ إنْكَارُ هَذَا، وَاخْتِيَارُهُ أَنْ يَتَحَالَفَا. (فَرْقٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ إذَا قَبَضَ الثَّمَنَ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّلَمِ أَنَّهُ قَدْ قَالَ إذَا أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ فَقَالَ الْمُبْتَاعُ سَلَّمْت إلَيْك مِائَةَ دِينَارٍ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ، وَقَالَ الْبَائِعُ بَلْ سَلَّمْت إلَيَّ مِائَةَ دِينَارٍ فِي خَمْسِينَ إرْدَبِّ حِنْطَةٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِقُرْبِ تَبَايُعِهِمَا تَحَالَفَا وَتَرَادَّا، وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ عَلَيْهِ السَّلَمُ مَعَ يَمِينِهِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ حَمْلًا عَلَى سَلَمِ النَّاسِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ النَّقْدِ وَمَسْأَلَةِ السَّلَمِ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ السَّلَمِ يَسْتَحِقُّ الْقَبْضَ كَمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ فِي السَّلَمِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَاسْتَوَيَا، وَأَمَّا قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَقَبْلَ تَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمَ الطَّعَامِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَيَثْبُتُ بَيْنَهُمَا حُكْمُ التَّحَالُفِ وَالتَّفَاسُخِ. (فَرْقٌ) وَفَرْقٌ بَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَبَيْنَ الْمُعَيَّنِ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَأَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وَإِذَا غُيِّبَ عَلَيْهِ تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ، وَالثِّيَابُ وَالْحَيَوَانُ بِأَعْيَانِهَا فَمَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالذِّمَّةِ لِفَوَاتٍ يَلْحَقُهَا لَمْ يَكُنْ الْقَوْلُ قَوْلَ بَائِعِهَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ فِيهَا لَمَا كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، وَكَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِذِمَّةِ مَنْ بَاعَهَا حُكْمُنَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حُكْمُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [مَا جَاءَ فِي الرِّبَا فِي الدَّيْنِ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ أَهْلَ دَارِ نَخْلَةَ عَرَضُوا عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ أَجَلَ دَيْنِهِ أَنْ يَضَعَ عَنْهُمْ

стр. 1402

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ كَانَ الرِّبَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الْحَقُّ إلَى أَجَلٍ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ قَالَ أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي فَإِنْ قَضَى أَخَذَ وَإِلَّا زَادَهُ فِي حَقِّهِ، وَأَخَّرَ عَنْهُ فِي الْأَجَلِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَمْرُ الْمَكْرُوهُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ إلَى أَجَلٍ فَيَضَعَ عَنْهُ الطَّالِبُ، وَيُعَجِّلُهُ الْمَطْلُوبَ قَالَ وَذَلِكَ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُؤَخِّرُ دَيْنَهُ بَعْدَ مَحَلِّهِ عَنْ غَرِيمِهِ، وَيَزِيدُهُ الْغَرِيمُ فِي حَقِّهِ قَالَ فَهَذَا الرِّبَا بِعَيْنِهِ لَا شَكَّ فِيهِ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ مِائَةُ دِينَارٍ إلَى أَجَلٍ فَإِذَا حَلَّتْ قَالَ لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِعْنِي سِلْعَةً يَكُونُ ثَمَنُهَا مِائَةَ دِينَارٍ نَقْدًا بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ إلَى أَجَلٍ قَالَ مَالِكٌ هَذَا بَيْعٌ لَا يَصْلُحُ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قَالَ مَالِكٌ، وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ــ [المنتقى] وَيَنْقُدُوهُ يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَنْقُدُوهُ جِنْسَ مَا لَهُ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِائَةُ دِينَارٍ مُؤَجَّلَةً فَيَدْفَعُونَ إلَيْهِ قَبْلَ الْأَجَلِ خَمْسِينَ دِينَارًا، وَيَحُطُّ عَنْهُمْ خَمْسِينَ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ لَا آمُرُك أَنْ تَأْكُلَهُ، وَلَا تُؤْكِلُهُ يُرِيدُ تُطْعِمُهُ غَيْرَك، وَمَعْنَى ذَلِكَ تَحْرِيمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَأْكُلَهُ، وَيُؤْكِلَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُبَاحًا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَأَجَازَهُ النَّخَعِيُّ وَزُفَرُ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ فِي ذَلِكَ، وَأَصَحُّهَا الْمَنْعُ، وَدَلِيلُنَا عَلَى تَحْرِيمِهِ أَنَّهُمْ اشْتَرَوْا مِنْهُ الْمِائَةَ الْمُؤَجَّلَةَ بِخَمْسِينَ مُعَجَّلَةٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لِوَجْهَيْنِ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ الْعَيْنِ، وَيَدْخُلُهُ سَلَفٌ لِعِوَضٍ؛ لِأَنَّهُمْ أَسْلَفُوهُ خَمْسِينَ يَقْبِضُهَا مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الْأَجَلِ عَلَى أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُمْ خَمْسِينَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا أَخَذَ مِنْهُ قَبْلَ الْأَجَلِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مَا قِيمَتُهُ أَقَلُّ مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ الْأَجَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّنَانِيرِ أَوْ مِمَّا يَجُوزُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ كَالدَّرَاهِمِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْأَجَلِ بِدَنَانِيرَ دَرَاهِمَ مِثْلَ قِيمَتِهَا وَلَا أَقَلَّ، وَلَا أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ هَذَا وَرِقٌ بِذَهَبٍ إلَى أَجَلٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ مِثْلَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِدَنَانِيرَ قَبْلَ الْأَجَلِ عُرُوضًا مُعَجَّلَةً تَكُونُ قِيمَتُهَا أَقَلَّ مِنْ دَنَانِيرِهِ أَوْ مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا بَأْسَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَآلَ أَمْرِهِ إلَى شِرَاءِ عَرْضٍ بِدَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةً، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ. (ش) : قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ إنَّ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ أَنْ يَقُولَ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ عِنْدَ أَجَلِهِ لِلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي يُرِيدُ يَزِيدُ فِي الدَّيْنِ فَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يَزِيدَهُ فِي الدَّيْنِ لِيَزِيدَهُ فِي الْأَجَلِ فَعَلَ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي تَحْرِيمِهِ، وَقَدْ قِيلَ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] نَزَلَتْ فِي هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ سَلَفٌ لِنَفْعٍ؛ لِأَنَّهُ يُؤَخِّرُهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ فِي دَيْنِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا اُتُّفِقَ عَلَى تَحْرِيمِهِ كَمَا لَوْ أَعْطَاهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فِي عِشْرِينَ إلَى أَجَلٍ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ الَّذِي يَضَعُ مِنْ دَيْنِهِ، وَيَتَعَجَّلُهُ قَبْلَ أَجَلِهِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُؤَخِّرُهُ بَعْدَ مَحَلِّ أَجَلِهِ وَيَزِيدُهُ يُرِيدُ أَنَّ مَعْنَاهُمَا الْعِوَضُ لِلزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي وَضَعَ قَبْلَ أَجَلِهِ سَلَفٌ عَلَى أَنْ وَضَعَ، وَاَلَّذِي أَخَّرَ لِلزِّيَادَةِ أَسْلَفَ عَلَى أَنْ زَادَ فَهُوَ تَأْخِيرٌ لِعِوَضٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ يَفْتَرِقَانِ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ أَجَلُهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ دَيْنِهِ مُعَجِّلًا مَا قِيمَتُهُ أَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ دَيْنِهِ، وَاَلَّذِي يُؤَخِّرُ بَعْدَ الْأَجَلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي مِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَتَعَجَّلُ قَبْلَ الْأَجَلِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ تَبْرَأُ الذِّمَّتَانِ، وَيَتَنَجَّزُ مَا بَيْنَهُمَا، وَاَلَّذِي يُؤَخِّرُ بَعْدَ الْأَجَلِ، وَيَنْقُلُ دَيْنَهُ إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ تَبْقَى ذِمَّةُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مَشْغُولَةً، وَيَنْتَقِلُ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ إلَى غَيْرِ الْجِنْسِ الْأَوَّلِ فَيَصِيرُ فَسْخَ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

стр. 1403

يُعْطِيهِ ثَمَنَ مَا بَاعَهُ بِعَيْنِهِ، وَيُؤَخِّرُ عَنْهُ الْمِائَةَ الْأُولَى إلَى الْأَجَلِ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ آخِرَ مَرَّةٍ، وَيَزْدَادُ عَلَيْهِ خَمْسِينَ دِينَارًا فِي تَأْخِيرِهِ عَنْهُ فَهَذَا مَكْرُوهٌ، وَلَا يَصْلُحُ، وَهُوَ أَيْضًا يُشْبِهُ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي بَيْعِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا حَلَّتْ دُيُونُهُمْ قَالَ لِلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ إمَّا أَنْ تَقْضِيَ، وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ فَإِنْ قَضَى أَخَذُوا، وَإِلَّا زَادُوهُمْ فِي حُقُوقِهِمْ وَزَادُوهُمْ فِي الْأَجَلِ) . (جَامِعُ الدَّيْنِ وَالْحُلُولِ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» ) ــ [المنتقى] (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مِائَةُ دِينَارٍ إلَى أَجَلٍ فَاشْتَرَى مِنْهُ عِنْدَ الْأَجَلِ سِلْعَةً تُسَاوِي مِائَةَ دِينَارٍ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَقَضَاهُ دَيْنَهُ الْأَوَّلَ، وَإِنَّمَا قَضَاهُ ثَمَنَ سِلْعَتِهِ، وَزَادَ خَمْسِينَ دِينَارًا فِي دَيْنِهِ لِتَأْخِيرِهِ بِهِ عَنْ أَجَلِهِ فَهَذَا يُشْبِهُ مَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ بُيُوعِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي زِيَادَتِهِمْ فِي الدُّيُونِ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِهَا لِيُؤَخِّرُوا بِهَا، وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا بَيْعٌ وَسَلَفٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ابْتَاعَ مِنْهُ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِمِائَةٍ مُعَجَّلَةٍ وَخَمْسِينَ مُؤَجَّلَةٍ لِيُؤَخِّرَهُ بِالْمِائَةِ الَّتِي حَلَّتْ لَهُ عَلَيْهِ، وَوُجُوهُ الْفَسَادِ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ وَقَعَ هَذَا الْبَيْعُ فَفِي الْمَدِينَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ يُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ الَّتِي بَاعَهَا إيَّاهَا بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَإِنْ فَاتَتْ رَدَدْتهَا إلَى قِيمَتِهَا نَقْدًا، وَفَسَخْت الْبَيْعَ الْأَوَّلَ، وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ مِثْلَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ قَدْ دَخَلَهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ وُجُوهِ الْفَسَادِ فَوَجَبَ فَسْخُهُ مَا لَمْ يَفُتْ فَإِنْ فَاتَ رُدَّ إلَى الْقِيمَةِ، وَكَانَا عَلَى أَجَلِهِمَا فِي الدَّيْنِ الْأَوَّلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ فَسَخْت الْبَيْعَ الْأَوَّلَ يُرِيدُ الَّذِي انْعَقَدَ فِي السِّلْعَةِ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [جَامِعُ الدَّيْنِ وَالْحُلُولِ] (ش) : قَوْلُهُ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ الْمَطْلُ» هُوَ مَنْعُ قَضَاءِ مَا اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فَلَا يَكُونُ مَنْعُ مَا لَمْ يَحِلَّ أَجَلُهُ مِنْ الدُّيُونِ مَطْلًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَطْلًا بَعْدَ حُلُولِ أَجَلِهِ، وَتَأْخِيرِ مَا بِيعَ عَلَى النَّقْدِ عَنْ الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ عَادَةُ النَّاسِ مِنْ الْقَضَاءِ قَدْ جَاءَ التَّشْدِيدُ فِيهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» ، وَوَصَفَهُ بِالظُّلْمِ إذَا كَانَ غَنِيًّا خَاصَّةً، وَلَمْ يَصِفْهُ بِذَلِكَ مَعَ الْعُسْرِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ، وَإِذَا كَانَ غَنِيًّا فَمَطَلَ بِمَا قَدْ اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ فَقَدْ ظَلَمَ. وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ، وَتُرَدُّ بِذَلِكَ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّاهُ ظَالِمًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ، فَعِرْضُهُ التَّظَلُّمُ مِنْهُ بِقَوْلِ مَطَلَنِي وَظَلَمَنِي» ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَعُقُوبَتُهُ سِجْنُهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «إذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» مَعْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْحَوَالَةُ، وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ الْأَصْلَ بِالْحَوَالَةِ قَوْلُهُ ﷺ «، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» ، وَالْحَوَالَةُ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ عَلَى أَجَلٍ آخَرَ مِثْلِهِ فَيُحِيلُ بِهِ غَرِيمُهُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ مِثْلُهُ. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي قَوْلِهِ فَلْيَتْبَعْ أَنَّهُ عَلَى النَّدْبِ، وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ، وَقَالَ إنَّ الْحَوَالَةَ اُسْتُثْنِيَتْ مِنْ الدَّيْنِ كَمَا اُسْتُثْنِيَتْ الْعَرِيَّةُ، وَبَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالصَّحِيحُ فِي الْحَوَالَةِ عِنْدِي أَنَّ الْحَوَالَةَ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ إذَا قُلْنَا أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا مِنْ دَيْنٍ ثَابِتٍ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحِيلَ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِنَفْسِ الْإِحَالَةِ فَهِيَ مِنْ بَابِ النَّقْدِ، وَمَعْنَى الْحَوَالَةِ عِنْدِي أَنْ تَكُونَ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَأَنَّ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَسْتَحِيلَ عَلَى غَرِيمِ غَرِيمِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَطْلُبَ غَرِيمَهُ، وَيَقُولُ لَهُ اقْضِنِي حَقِّي وَشَأْنَك بِصَاحِبِك، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ

стр. 1404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] يَلْزَمُهُ الِاسْتِحَالَةُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا نَقْلُ حَقٍّ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فَلَمْ يَجِبْ ذَلِكَ بِالشَّرْعِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ شَاءَ الْمُحَالُ أَنْ يَسْتَحِيلَ بِحَقِّهِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي ذَلِكَ بِرِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ دَاوُد لَا تَصِحُّ حَوَالَتُهُ إلَّا بِرِضَا مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ أَوْ الْإِبَاحَةُ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي ذَلِكَ رِضَا الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَإِنَّمَا شُرِطَ فِي ذَلِكَ رِضَا الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتْبَعُ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ الدَّيْنُ عَلَى مَنْ لَهُ هُوَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا اسْتِنَابَةُ مَنْ يَقْضِي هَذَا الْحَقَّ كَالْوَكِيلِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ شَرَطَ الْمُسْتَحِيلُ عَلَى الْمُحِيلِ أَنَّهُ إنْ أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ نَقَصَ رَجَعَ عَلَيْهِ فَهُوَ حَوْلٌ ثَابِتٌ، وَلَهُ شَرْطُهُ إنْ أَفْلَسَ رَوَاهُ سَحْنُونٌ عَنْ الْمُغِيرَةِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَوَالَةَ صَحِيحَةٌ وَقَدْ شَرَطَ فِيهَا سَلَامَةَ ذِمَّتِهِ، وَلَهُ شَرْطُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ شَرْطِ هَذِهِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا أَحَالَ بِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْحَوَالَةِ بَيْعُ الدَّيْنِ الَّذِي لِلْمُحَالِ بِالدَّيْنِ الَّذِي لِلْمُحِيلِ، وَيَحُولُ الْحَقُّ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَيْنٌ تَحْصُلُ الْمُعَاوَضَةُ بِهِ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ غَيْرَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فَإِنَّ الْحَوَالَةَ تَصِحُّ عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ شَيْءٌ إذَا كَانَتْ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْتِزَامَهُ لِلْحَوَالَةِ يُثْبِتُ حَقَّ الْمُحَالِ فِي ذِمَّتِهِ، وَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُحِيلِ، وَيَلْزَمُهُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي هَذِهِ الْحَوَالَةِ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِ لِلْمُحَالِ فَهُوَ مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ أَوْ مِنْ بَابِ الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ، وَالدَّيْنُ بِالدَّيْنِ مُحَرَّمٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحَالَ يَبِيعُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ دَيْنَهُ عَلَى الْمُحِيلِ بِدَيْنٍ يُثْبِتُهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَتَبْقَى ذِمَّةُ الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ مَشْغُولَتَيْنِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّيْنَيْنِ عِوَضٌ عَنْ الْآخَرِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمُ الْحَوَالَةِ، وَلَزِمَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حُكْمِ الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ الَّذِي طَرِيقُهُ الْمَعْرُوفُ، وَلَا يَشْغَلُ ذِمَّةَ الضَّامِنِ مَا عَلَى الْمَضْمُونِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْقَرْضِ وَالرِّفْقِ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ، وَأَمَّا الْحَوَالَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ بَابِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ إذَا قُلْنَا إنَّهَا لَا تَصْلُحُ إلَّا مِنْ دَيْنٍ ثَابِتٍ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحِيلَ تَبْرَأُ ذِمَّتَهُ بِنَفْسِ الْإِحَالَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ احْتَجَّ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ تَلْزَمُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَصْلِ دَيْنٍ كَمَا لَوْ قَالَ بِعْ مِنْهُ ثَوْبَك، وَالثَّمَنُ عَلَيَّ فَهَذَا مِثْلُهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَعْطِهِ مِنْ مَالِك كَذَا، وَهُوَ لَك عَلَيَّ، وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْحَوَالَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ حَمْلِ الثَّمَنِ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُحِيلِ مِنْ دَيْنِ الْمُحَالِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ رُجُوعٌ، وَإِنْ مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا أَوْ جَحَدَ الْحَقَّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ هَذَا الْحَدِيثُ، وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ شَرْطَ الْمُلَاءَةِ مَعْنًى فِي الْحَوَالَةِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا رُجُوعَ عَلَى الْمُحِيلِ وَلَوْ كَانَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ رُجُوعٌ لَمَا كَانَ لِشَرْطِ الْمَلَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ تَلَفَ دَيْنِهِ بِإِفْلَاسِهِ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ حَوَالَةٌ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُحِيلِ بِهَا فَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحَالِ رُجُوعٌ عَلَى الْمُحِيلِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَحَالَهُ بِثَمَنِ سِلْعَةٍ بَاعَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، وَهُوَ مُوسِرٌ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ أَوْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْحَوْلُ ثَابِتٌ عَلَيْهِ يُؤَدِّيهِ، وَيَرْجِعُ بِهِ الْمُحِيلُ عَلَى الْبَائِعِ مِنْهُ قَالَ، وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ الْحَوْلُ سَاقِطٌ، وَيَرْجِعُ الْمُحَالُ عَلَى الْمُحِيلِ، وَلَوْ كَانَ قَدْ قَبَضَ مَا احْتَالَ بِهِ لَرَجَعَ عَلَيْهِ مِنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ فَلَا يُنْقَضُ فِي حَقِّ الْمُحَالِ بِاسْتِحْقَاقِ سِلْعَةٍ لَمْ يُعَاوِضْ بِهَا هُوَ فِيمَا قَبَضَهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ

стр. 1405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَشْهَبَ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَقْدٌ ثَبَتَ بَيْنَ الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ، وَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَكُونَ لِلْمُحِيلِ مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَإِذَا اُسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ الَّتِي ثَبَتَ فِيهَا الْحَقُّ عَلَيْهِ وَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ، وَلَمْ يَنْعَقِدْ بَيْنَ الْمُحَالِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ عَقْدٌ يَلْزَمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَقْبِضُ الْمُحَالُ مَا كَانَ لِلْمُحِيلِ فَبِاسْتِحْقَاقِ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ يَسْتَحِقُّ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ رَدَّ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ أَوْ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْهُ إنْ كَانَ لَمْ يَدْفَعْهُ، وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ رِضَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَإِنْ دَفَعَهُ إلَى الْمُحَالِ دَفَعَهُ إلَى الْمُحِيلِ، وَلَوْ اُسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ الْمُحِيلُ بِقَبْضِ ثَمَنِهَا فَكَذَلِكَ مَنْ يَدْفَعُهُ إلَيْهِ بِسَبَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ كُلِّهِمْ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بِيعَ عَلَى مُفْلِسٍ أَوْ مَيِّتٍ مَتَاعُهُ، وَقَبَضَ غُرَمَاؤُهُ مِنْ مُتَوَلِّي الْبَيْعِ أَوْ الْمُشْتَرِي لِحَوَالَتِهِمْ عَلَيْهِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ مَا بِيعَ رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى مَنْ قَبَضَهُ. ١ - (فَرْعٌ) وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا بِمِائَةٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى رَجُلٍ، وَأَحَالَهُ بِهَا، وَأَشْهَدَ لَهُ بِذَلِكَ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ فَقَدْ رَوَى أَصْبَغُ، وَابْنُ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ إنْ قَبَضَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ الثَّمَنَ، وَفَاتَ عِنْدَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ كَمَا لَوْ قَبَضَهَا الْمُتَصَدِّقُ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا، وَلَمْ تَفُتْ بِيَدِ الْمُعْطِي أَخَذَهَا مِنْهُ الْمُشْتَرِي، وَلَا شَيْءَ لِلْمُعْطِي. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ غَيَّرَ الْمُحِيلُ الْمُحَالَ مِنْ حَالِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمَ بِإِفْلَاسِهِ كَانَ لِلْمُحَالِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ» فَلْيَتْبَعْ فَشَرْطُ الْمُلَاءَةِ، وَهَذَا غَيْرُ مَلِيءٍ، وَلِأَنَّ إفْلَاسَ الْغَرِيمِ عَيْبٌ فِيمَا تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ فَإِذَا دَلَّسَ بِهِ الْمُحِيلُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ. (فَرْعٌ) وَهَذَا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ غَرَّهُ فِي الدَّيْنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ جَهِلَ أَمْرَ الْمُحِيلِ فِي ذَلِكَ فَقَدْ قِيلَ لِمَالِكٍ فَعَلَى الْغَرِيمِ شَيْءٌ قَالَ يَنْظُرُ الْقَاضِي فِيهِ فَإِنْ كَانَ يُتَّهَمُ فِي ذَلِكَ أَحْلَفَهُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يَرْضَى بِمِثْلِ هَذَا أُحْلِفَ أَنَّهُ مَا عَلِمَ مِنْهُ مَا يَغُرُّهُ بِهِ. (فَرْقٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ فَلَسِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَبَيْنِ سَائِرِ الْعُيُوبِ الَّتِي تُرَدُّ بِهَا السِّلَعُ الْمَعِيبَةُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْبَائِعُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْعَيْبَ فِي السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ إنَّمَا هُوَ عَيْبٌ فِي نَفْسِ الْعِوَضِ، وَفَلَسُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ عَيْبٌ فِي مَحَلِّ الْعِوَضِ لَا فِي نَفْسِ الْعِوَضِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْحَوَالَةَ إنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ الْبَرَاءَةِ فَلَا يَرْجِعُ مِنْ الْعُيُوبِ إلَّا بِمَا عَلِمَهُ الْبَائِعُ، وَعَلَى هَذَا التَّوْجِيهُ تَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُحِيلِ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِفَلَسِهِ، وَلَا غَرَّ بِهِ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَعَلَى رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي بَيْعِ الْبَرَاءَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ يَمِينٌ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ الْمُحَالُ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّ الذِّمَمَ مِمَّا ظَاهِرُهَا أَنَّهَا لَا تُعْلَمُ فَصَارَتْ كَالْمَبِيعِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ بَاطِنُهُ لَا يُرَدُّ بِالْعَيْبِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ دَلَّسَ بِهِ فَعَلَى هَذَا لَا يَمِينَ عَلَى الْمُحِيلِ إذَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ عَلِمَ بِالْفَلَسِ فَيَرْجِعُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ يُتَّهَمُ بِذَلِكَ فَيَحْلِفُ، وَلَعَلَّهُ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ قَبْلَ هَذَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا كَانَتْ الْحَوَالَةُ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَقُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ فَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبِ عَقْدٍ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بِعْ مِنْ فُلَانٍ سِلْعَتَك هَذِهِ، وَعَلَى حَقِّك، وَقَالَ الْآخَرُ لِفُلَانٍ اعْمَلْ عَمَلَ كَذَا، وَحَقُّك عَلَيَّ، وَفِي الْوَاضِحَةِ مَنْ تَحَمَّلَ عَنْ نَاكِحٍ صَدَاقَهُ فِي عَقْدِ نِكَاحِهِ فَهُوَ لَهُ لَازِمٌ فِي حَيَاتِهِ، وَبَعْدَ مَمَاتِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْوَاضِحَةِ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا لَمْ يَنْعَقِدْ بِسَبَبِهِ عَقْدٌ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَهِيَ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَمَالَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا سَوَاءٌ كَانَتْ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ أَوْ الْحَمَالَةِ إلَّا مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ فَلَهَا حُكْمُ الْحَوَالَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ فَهِيَ حَمَالَةٌ فَإِنْ مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا أَوْ فَلِسَ فِي حَيَاتِهِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ أَحَالَ رَجُلًا عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَشَرَطَ إنِّي بَرِيءٌ بِذَلِكَ، وَشَقَّ صَحِيفَتَهُ قَالَ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ، وَلَهُ شَرْطُهُ قَالَ مُحَمَّدٌ إلَّا إنْ أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْمُحَالَ فَإِنَّ الْمُحَالَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّ
следующие страницы →