Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
(مَا جَاءَ فِي الرِّبَا فِي الدَّيْنِ)
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى السَّفَّاحِ أَنَّهُ قَالَ بِعْت بَزًّا لِي مِنْ أَهْلِ دَارِ نَخْلَةَ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ أَرَدْت الْخُرُوجَ إلَى الْكُوفَةِ فَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ أَضَعَ عَنْهُمْ مِنْ الثَّمَنِ، وَيَنْقُدُونِي فَسَأَلْت عَنْ ذَلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ لَا آمُرُك أَنْ تَأْخُذَ هَذَا، وَلَا تُؤْكِلُهُ قَالَ مَالِكٌ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَفْصٍ بْنِ خَلَدَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى الرَّجُلِ إلَى أَجَلٍ فَيَضَعُ عَنْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَيُعَجِّلُهُ الْآخَرُ فَكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَنَهَى عَنْهُ) .
ــ
[المنتقى]
لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْبَائِعِ رَدُّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ فَصَارَ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ الْبَائِعُ قَدْ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ فَكَانَ ذَلِكَ فَوْتًا فِي بَيْعِهِمَا، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقَبْضُ يُجْعَلُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ كَانَ الِاعْتِبَارُ بِقَبْضِ الدِّينَارِ دُونَ تَفَرُّقِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَوَجْهُ قَوْلِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يُوجِبُ التَّحَالُفَ، وَالْفَسْخَ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا بَعْدَ الْقَبْضِ، وَهَذَا إنْ لَمْ يَفْتَرِقَا بَعْدَ الْقَبْضِ، وَلَا غَابَ أَحَدُهُمَا عَلَى مَا قَبَضَهُ مِنْ الْآخَرِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمُهُمَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ قَبَضَ الْمُبْتَاعُ خَمْسَةَ أَرَادِبَ، وَلَمْ يَدْفَعْ الدِّينَارَ فَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى يَلْزَمُهُ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ دِينَارٍ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِي سُدُسِ دِينَارٍ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَانَ قَبْضُهُ فَوْتًا فَيُصَدَّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا عَلَيْهِ فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الطَّعَامِ، وَأَنَّ ذَلِكَ جَمِيعَ مَا بَاعَهُ مِنْهُ ثُمَّ يَحْلِفُ الْمُبْتَاعُ أَنَّهُ مَا ابْتَاعَ مِنْهُ إلَّا سِتَّةَ أَرَادِبَ بِدِينَارٍ فَيَجِبُ لِلْخَمْسَةِ أَرَادِبَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ دِينَارٍ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ قَبَضَ الْبَائِعُ الدِّينَارَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ إذَا قَبَضَ الْبَائِعُ الدِّينَارَ فَهُوَ مُصَدَّقٌ بِعَيْنِهِ قَبَضَ الْمُبْتَاعُ الطَّعَامَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَائِعَ الَّذِي قَبَضَ الدِّينَارَ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَعْنَى فَوَاتِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ الْمُبْتَاعُ الطَّعَامَ فَإِنَّمَا يَدَّعِي عَلَيْهِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقْبِضْهُ فَإِنَّمَا يَدَّعِي الْمُبْتَاعُ زِيَادَةً عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ إنْكَارُ هَذَا، وَاخْتِيَارُهُ أَنْ يَتَحَالَفَا.
(فَرْقٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ إذَا قَبَضَ الثَّمَنَ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّلَمِ أَنَّهُ قَدْ قَالَ إذَا أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ فَقَالَ الْمُبْتَاعُ سَلَّمْت إلَيْك مِائَةَ دِينَارٍ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ، وَقَالَ الْبَائِعُ بَلْ سَلَّمْت إلَيَّ مِائَةَ دِينَارٍ فِي خَمْسِينَ إرْدَبِّ حِنْطَةٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِقُرْبِ تَبَايُعِهِمَا تَحَالَفَا وَتَرَادَّا، وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ عَلَيْهِ السَّلَمُ مَعَ يَمِينِهِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ حَمْلًا عَلَى سَلَمِ النَّاسِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ النَّقْدِ وَمَسْأَلَةِ السَّلَمِ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ السَّلَمِ يَسْتَحِقُّ الْقَبْضَ كَمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ فِي السَّلَمِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَاسْتَوَيَا، وَأَمَّا قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَقَبْلَ تَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمَ الطَّعَامِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَيَثْبُتُ بَيْنَهُمَا حُكْمُ التَّحَالُفِ وَالتَّفَاسُخِ.
(فَرْقٌ) وَفَرْقٌ بَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَبَيْنَ الْمُعَيَّنِ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَأَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وَإِذَا غُيِّبَ عَلَيْهِ تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ، وَالثِّيَابُ وَالْحَيَوَانُ بِأَعْيَانِهَا فَمَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالذِّمَّةِ لِفَوَاتٍ يَلْحَقُهَا لَمْ يَكُنْ الْقَوْلُ قَوْلَ بَائِعِهَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ فِيهَا لَمَا كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، وَكَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِذِمَّةِ مَنْ بَاعَهَا حُكْمُنَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حُكْمُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي الرِّبَا فِي الدَّيْنِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ أَهْلَ دَارِ نَخْلَةَ عَرَضُوا عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ أَجَلَ دَيْنِهِ أَنْ يَضَعَ عَنْهُمْ
стр. 1402
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ كَانَ الرِّبَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الْحَقُّ إلَى أَجَلٍ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ قَالَ أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي فَإِنْ قَضَى أَخَذَ وَإِلَّا زَادَهُ فِي حَقِّهِ، وَأَخَّرَ عَنْهُ فِي الْأَجَلِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَمْرُ الْمَكْرُوهُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ إلَى أَجَلٍ فَيَضَعَ عَنْهُ الطَّالِبُ، وَيُعَجِّلُهُ الْمَطْلُوبَ قَالَ وَذَلِكَ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُؤَخِّرُ دَيْنَهُ بَعْدَ مَحَلِّهِ عَنْ غَرِيمِهِ، وَيَزِيدُهُ الْغَرِيمُ فِي حَقِّهِ قَالَ فَهَذَا الرِّبَا بِعَيْنِهِ لَا شَكَّ فِيهِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ مِائَةُ دِينَارٍ إلَى أَجَلٍ فَإِذَا حَلَّتْ قَالَ لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِعْنِي سِلْعَةً يَكُونُ ثَمَنُهَا مِائَةَ دِينَارٍ نَقْدًا بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ إلَى أَجَلٍ قَالَ مَالِكٌ هَذَا بَيْعٌ لَا يَصْلُحُ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قَالَ مَالِكٌ، وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا
ــ
[المنتقى]
وَيَنْقُدُوهُ يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَنْقُدُوهُ جِنْسَ مَا لَهُ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِائَةُ دِينَارٍ مُؤَجَّلَةً فَيَدْفَعُونَ إلَيْهِ قَبْلَ الْأَجَلِ خَمْسِينَ دِينَارًا، وَيَحُطُّ عَنْهُمْ خَمْسِينَ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ لَا آمُرُك أَنْ تَأْكُلَهُ، وَلَا تُؤْكِلُهُ يُرِيدُ تُطْعِمُهُ غَيْرَك، وَمَعْنَى ذَلِكَ تَحْرِيمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَأْكُلَهُ، وَيُؤْكِلَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُبَاحًا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَأَجَازَهُ النَّخَعِيُّ وَزُفَرُ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ فِي ذَلِكَ، وَأَصَحُّهَا الْمَنْعُ، وَدَلِيلُنَا عَلَى تَحْرِيمِهِ أَنَّهُمْ اشْتَرَوْا مِنْهُ الْمِائَةَ الْمُؤَجَّلَةَ بِخَمْسِينَ مُعَجَّلَةٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لِوَجْهَيْنِ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ الْعَيْنِ، وَيَدْخُلُهُ سَلَفٌ لِعِوَضٍ؛ لِأَنَّهُمْ أَسْلَفُوهُ خَمْسِينَ يَقْبِضُهَا مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الْأَجَلِ عَلَى أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُمْ خَمْسِينَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا أَخَذَ مِنْهُ قَبْلَ الْأَجَلِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مَا قِيمَتُهُ أَقَلُّ مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ الْأَجَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّنَانِيرِ أَوْ مِمَّا يَجُوزُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ كَالدَّرَاهِمِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْأَجَلِ بِدَنَانِيرَ دَرَاهِمَ مِثْلَ قِيمَتِهَا وَلَا أَقَلَّ، وَلَا أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ هَذَا وَرِقٌ بِذَهَبٍ إلَى أَجَلٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ مِثْلَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِدَنَانِيرَ قَبْلَ الْأَجَلِ عُرُوضًا مُعَجَّلَةً تَكُونُ قِيمَتُهَا أَقَلَّ مِنْ دَنَانِيرِهِ أَوْ مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا بَأْسَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَآلَ أَمْرِهِ إلَى شِرَاءِ عَرْضٍ بِدَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةً، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ.
(ش) : قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ إنَّ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ أَنْ يَقُولَ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ عِنْدَ أَجَلِهِ لِلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي يُرِيدُ يَزِيدُ فِي الدَّيْنِ فَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يَزِيدَهُ فِي الدَّيْنِ لِيَزِيدَهُ فِي الْأَجَلِ فَعَلَ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي تَحْرِيمِهِ، وَقَدْ قِيلَ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] نَزَلَتْ فِي هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ سَلَفٌ لِنَفْعٍ؛ لِأَنَّهُ يُؤَخِّرُهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ فِي دَيْنِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا اُتُّفِقَ عَلَى تَحْرِيمِهِ كَمَا لَوْ أَعْطَاهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فِي عِشْرِينَ إلَى أَجَلٍ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ الَّذِي يَضَعُ مِنْ دَيْنِهِ، وَيَتَعَجَّلُهُ قَبْلَ أَجَلِهِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُؤَخِّرُهُ بَعْدَ مَحَلِّ أَجَلِهِ وَيَزِيدُهُ يُرِيدُ أَنَّ مَعْنَاهُمَا الْعِوَضُ لِلزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي وَضَعَ قَبْلَ أَجَلِهِ سَلَفٌ عَلَى أَنْ وَضَعَ، وَاَلَّذِي أَخَّرَ لِلزِّيَادَةِ أَسْلَفَ عَلَى أَنْ زَادَ فَهُوَ تَأْخِيرٌ لِعِوَضٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ يَفْتَرِقَانِ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ أَجَلُهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ دَيْنِهِ مُعَجِّلًا مَا قِيمَتُهُ أَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ دَيْنِهِ، وَاَلَّذِي يُؤَخِّرُ بَعْدَ الْأَجَلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي مِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَتَعَجَّلُ قَبْلَ الْأَجَلِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ تَبْرَأُ الذِّمَّتَانِ، وَيَتَنَجَّزُ مَا بَيْنَهُمَا، وَاَلَّذِي يُؤَخِّرُ بَعْدَ الْأَجَلِ، وَيَنْقُلُ دَيْنَهُ إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ تَبْقَى ذِمَّةُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مَشْغُولَةً، وَيَنْتَقِلُ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ إلَى غَيْرِ الْجِنْسِ الْأَوَّلِ فَيَصِيرُ فَسْخَ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
стр. 1403
يُعْطِيهِ ثَمَنَ مَا بَاعَهُ بِعَيْنِهِ، وَيُؤَخِّرُ عَنْهُ الْمِائَةَ الْأُولَى إلَى الْأَجَلِ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ آخِرَ مَرَّةٍ، وَيَزْدَادُ عَلَيْهِ خَمْسِينَ دِينَارًا فِي تَأْخِيرِهِ عَنْهُ فَهَذَا مَكْرُوهٌ، وَلَا يَصْلُحُ، وَهُوَ أَيْضًا يُشْبِهُ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي بَيْعِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا حَلَّتْ دُيُونُهُمْ قَالَ لِلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ إمَّا أَنْ تَقْضِيَ، وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ فَإِنْ قَضَى أَخَذُوا، وَإِلَّا زَادُوهُمْ فِي حُقُوقِهِمْ وَزَادُوهُمْ فِي الْأَجَلِ) .
(جَامِعُ الدَّيْنِ وَالْحُلُولِ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» )
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مِائَةُ دِينَارٍ إلَى أَجَلٍ فَاشْتَرَى مِنْهُ عِنْدَ الْأَجَلِ سِلْعَةً تُسَاوِي مِائَةَ دِينَارٍ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَقَضَاهُ دَيْنَهُ الْأَوَّلَ، وَإِنَّمَا قَضَاهُ ثَمَنَ سِلْعَتِهِ، وَزَادَ خَمْسِينَ دِينَارًا فِي دَيْنِهِ لِتَأْخِيرِهِ بِهِ عَنْ أَجَلِهِ فَهَذَا يُشْبِهُ مَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ بُيُوعِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي زِيَادَتِهِمْ فِي الدُّيُونِ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِهَا لِيُؤَخِّرُوا بِهَا، وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا بَيْعٌ وَسَلَفٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ابْتَاعَ مِنْهُ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِمِائَةٍ مُعَجَّلَةٍ وَخَمْسِينَ مُؤَجَّلَةٍ لِيُؤَخِّرَهُ بِالْمِائَةِ الَّتِي حَلَّتْ لَهُ عَلَيْهِ، وَوُجُوهُ الْفَسَادِ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ وَقَعَ هَذَا الْبَيْعُ فَفِي الْمَدِينَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ يُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ الَّتِي بَاعَهَا إيَّاهَا بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَإِنْ فَاتَتْ رَدَدْتهَا إلَى قِيمَتِهَا نَقْدًا، وَفَسَخْت الْبَيْعَ الْأَوَّلَ، وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ مِثْلَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ قَدْ دَخَلَهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ وُجُوهِ الْفَسَادِ فَوَجَبَ فَسْخُهُ مَا لَمْ يَفُتْ فَإِنْ فَاتَ رُدَّ إلَى الْقِيمَةِ، وَكَانَا عَلَى أَجَلِهِمَا فِي الدَّيْنِ الْأَوَّلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ فَسَخْت الْبَيْعَ الْأَوَّلَ يُرِيدُ الَّذِي انْعَقَدَ فِي السِّلْعَةِ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[جَامِعُ الدَّيْنِ وَالْحُلُولِ]
(ش) : قَوْلُهُ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ الْمَطْلُ» هُوَ مَنْعُ قَضَاءِ مَا اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فَلَا يَكُونُ مَنْعُ مَا لَمْ يَحِلَّ أَجَلُهُ مِنْ الدُّيُونِ مَطْلًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَطْلًا بَعْدَ حُلُولِ أَجَلِهِ، وَتَأْخِيرِ مَا بِيعَ عَلَى النَّقْدِ عَنْ الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ عَادَةُ النَّاسِ مِنْ الْقَضَاءِ قَدْ جَاءَ التَّشْدِيدُ فِيهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» ، وَوَصَفَهُ بِالظُّلْمِ إذَا كَانَ غَنِيًّا خَاصَّةً، وَلَمْ يَصِفْهُ بِذَلِكَ مَعَ الْعُسْرِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ، وَإِذَا كَانَ غَنِيًّا فَمَطَلَ بِمَا قَدْ اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ فَقَدْ ظَلَمَ.
وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ، وَتُرَدُّ بِذَلِكَ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّاهُ ظَالِمًا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ، فَعِرْضُهُ التَّظَلُّمُ مِنْهُ بِقَوْلِ مَطَلَنِي وَظَلَمَنِي» ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَعُقُوبَتُهُ سِجْنُهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «إذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» مَعْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْحَوَالَةُ، وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ الْأَصْلَ بِالْحَوَالَةِ قَوْلُهُ ﷺ «، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» ، وَالْحَوَالَةُ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ عَلَى أَجَلٍ آخَرَ مِثْلِهِ فَيُحِيلُ بِهِ غَرِيمُهُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ مِثْلُهُ.
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي قَوْلِهِ فَلْيَتْبَعْ أَنَّهُ عَلَى النَّدْبِ، وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ، وَقَالَ إنَّ الْحَوَالَةَ اُسْتُثْنِيَتْ مِنْ الدَّيْنِ كَمَا اُسْتُثْنِيَتْ الْعَرِيَّةُ، وَبَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالصَّحِيحُ فِي الْحَوَالَةِ عِنْدِي أَنَّ الْحَوَالَةَ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ إذَا قُلْنَا أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا مِنْ دَيْنٍ ثَابِتٍ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحِيلَ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِنَفْسِ الْإِحَالَةِ فَهِيَ مِنْ بَابِ النَّقْدِ، وَمَعْنَى الْحَوَالَةِ عِنْدِي أَنْ تَكُونَ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَأَنَّ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَسْتَحِيلَ عَلَى غَرِيمِ غَرِيمِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَطْلُبَ غَرِيمَهُ، وَيَقُولُ لَهُ اقْضِنِي حَقِّي وَشَأْنَك بِصَاحِبِك، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ
стр. 1404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يَلْزَمُهُ الِاسْتِحَالَةُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا نَقْلُ حَقٍّ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فَلَمْ يَجِبْ ذَلِكَ بِالشَّرْعِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ شَاءَ الْمُحَالُ أَنْ يَسْتَحِيلَ بِحَقِّهِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي ذَلِكَ بِرِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ دَاوُد لَا تَصِحُّ حَوَالَتُهُ إلَّا بِرِضَا مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ أَوْ الْإِبَاحَةُ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي ذَلِكَ رِضَا الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَإِنَّمَا شُرِطَ فِي ذَلِكَ رِضَا الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتْبَعُ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ الدَّيْنُ عَلَى مَنْ لَهُ هُوَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا اسْتِنَابَةُ مَنْ يَقْضِي هَذَا الْحَقَّ كَالْوَكِيلِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ شَرَطَ الْمُسْتَحِيلُ عَلَى الْمُحِيلِ أَنَّهُ إنْ أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ نَقَصَ رَجَعَ عَلَيْهِ فَهُوَ حَوْلٌ ثَابِتٌ، وَلَهُ شَرْطُهُ إنْ أَفْلَسَ رَوَاهُ سَحْنُونٌ عَنْ الْمُغِيرَةِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَوَالَةَ صَحِيحَةٌ وَقَدْ شَرَطَ فِيهَا سَلَامَةَ ذِمَّتِهِ، وَلَهُ شَرْطُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِنْ شَرْطِ هَذِهِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا أَحَالَ بِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْحَوَالَةِ بَيْعُ الدَّيْنِ الَّذِي لِلْمُحَالِ بِالدَّيْنِ الَّذِي لِلْمُحِيلِ، وَيَحُولُ الْحَقُّ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَيْنٌ تَحْصُلُ الْمُعَاوَضَةُ بِهِ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ غَيْرَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فَإِنَّ الْحَوَالَةَ تَصِحُّ عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ شَيْءٌ إذَا كَانَتْ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْتِزَامَهُ لِلْحَوَالَةِ يُثْبِتُ حَقَّ الْمُحَالِ فِي ذِمَّتِهِ، وَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُحِيلِ، وَيَلْزَمُهُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي هَذِهِ الْحَوَالَةِ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِ لِلْمُحَالِ فَهُوَ مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ أَوْ مِنْ بَابِ الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ، وَالدَّيْنُ بِالدَّيْنِ مُحَرَّمٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحَالَ يَبِيعُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ دَيْنَهُ عَلَى الْمُحِيلِ بِدَيْنٍ يُثْبِتُهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَتَبْقَى ذِمَّةُ الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ مَشْغُولَتَيْنِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّيْنَيْنِ عِوَضٌ عَنْ الْآخَرِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمُ الْحَوَالَةِ، وَلَزِمَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حُكْمِ الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ الَّذِي طَرِيقُهُ الْمَعْرُوفُ، وَلَا يَشْغَلُ ذِمَّةَ الضَّامِنِ مَا عَلَى الْمَضْمُونِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْقَرْضِ وَالرِّفْقِ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ، وَأَمَّا الْحَوَالَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ بَابِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ إذَا قُلْنَا إنَّهَا لَا تَصْلُحُ إلَّا مِنْ دَيْنٍ ثَابِتٍ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحِيلَ تَبْرَأُ ذِمَّتَهُ بِنَفْسِ الْإِحَالَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ احْتَجَّ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ تَلْزَمُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَصْلِ دَيْنٍ كَمَا لَوْ قَالَ بِعْ مِنْهُ ثَوْبَك، وَالثَّمَنُ عَلَيَّ فَهَذَا مِثْلُهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَعْطِهِ مِنْ مَالِك كَذَا، وَهُوَ لَك عَلَيَّ، وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْحَوَالَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ حَمْلِ الثَّمَنِ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُحِيلِ مِنْ دَيْنِ الْمُحَالِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ رُجُوعٌ، وَإِنْ مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا أَوْ جَحَدَ الْحَقَّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ هَذَا الْحَدِيثُ، وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ شَرْطَ الْمُلَاءَةِ مَعْنًى فِي الْحَوَالَةِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا رُجُوعَ عَلَى الْمُحِيلِ وَلَوْ كَانَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ رُجُوعٌ لَمَا كَانَ لِشَرْطِ الْمَلَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ تَلَفَ دَيْنِهِ بِإِفْلَاسِهِ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ حَوَالَةٌ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُحِيلِ بِهَا فَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحَالِ رُجُوعٌ عَلَى الْمُحِيلِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَحَالَهُ بِثَمَنِ سِلْعَةٍ بَاعَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، وَهُوَ مُوسِرٌ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ أَوْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْحَوْلُ ثَابِتٌ عَلَيْهِ يُؤَدِّيهِ، وَيَرْجِعُ بِهِ الْمُحِيلُ عَلَى الْبَائِعِ مِنْهُ قَالَ، وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ الْحَوْلُ سَاقِطٌ، وَيَرْجِعُ الْمُحَالُ عَلَى الْمُحِيلِ، وَلَوْ كَانَ قَدْ قَبَضَ مَا احْتَالَ بِهِ لَرَجَعَ عَلَيْهِ مِنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ فَلَا يُنْقَضُ فِي حَقِّ الْمُحَالِ بِاسْتِحْقَاقِ سِلْعَةٍ لَمْ يُعَاوِضْ بِهَا هُوَ فِيمَا قَبَضَهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ
стр. 1405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَشْهَبَ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَقْدٌ ثَبَتَ بَيْنَ الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ، وَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَكُونَ لِلْمُحِيلِ مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَإِذَا اُسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ الَّتِي ثَبَتَ فِيهَا الْحَقُّ عَلَيْهِ وَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ، وَلَمْ يَنْعَقِدْ بَيْنَ الْمُحَالِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ عَقْدٌ يَلْزَمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَقْبِضُ الْمُحَالُ مَا كَانَ لِلْمُحِيلِ فَبِاسْتِحْقَاقِ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ يَسْتَحِقُّ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ رَدَّ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ أَوْ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْهُ إنْ كَانَ لَمْ يَدْفَعْهُ، وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ رِضَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَإِنْ دَفَعَهُ إلَى الْمُحَالِ دَفَعَهُ إلَى الْمُحِيلِ، وَلَوْ اُسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ الْمُحِيلُ بِقَبْضِ ثَمَنِهَا فَكَذَلِكَ مَنْ يَدْفَعُهُ إلَيْهِ بِسَبَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ كُلِّهِمْ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بِيعَ عَلَى مُفْلِسٍ أَوْ مَيِّتٍ مَتَاعُهُ، وَقَبَضَ غُرَمَاؤُهُ مِنْ مُتَوَلِّي الْبَيْعِ أَوْ الْمُشْتَرِي لِحَوَالَتِهِمْ عَلَيْهِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ مَا بِيعَ رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى مَنْ قَبَضَهُ.
١ -
(فَرْعٌ) وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا بِمِائَةٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى رَجُلٍ، وَأَحَالَهُ بِهَا، وَأَشْهَدَ لَهُ بِذَلِكَ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ فَقَدْ رَوَى أَصْبَغُ، وَابْنُ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ إنْ قَبَضَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ الثَّمَنَ، وَفَاتَ عِنْدَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ كَمَا لَوْ قَبَضَهَا الْمُتَصَدِّقُ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا، وَلَمْ تَفُتْ بِيَدِ الْمُعْطِي أَخَذَهَا مِنْهُ الْمُشْتَرِي، وَلَا شَيْءَ لِلْمُعْطِي.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ غَيَّرَ الْمُحِيلُ الْمُحَالَ مِنْ حَالِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمَ بِإِفْلَاسِهِ كَانَ لِلْمُحَالِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ» فَلْيَتْبَعْ فَشَرْطُ الْمُلَاءَةِ، وَهَذَا غَيْرُ مَلِيءٍ، وَلِأَنَّ إفْلَاسَ الْغَرِيمِ عَيْبٌ فِيمَا تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ فَإِذَا دَلَّسَ بِهِ الْمُحِيلُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ غَرَّهُ فِي الدَّيْنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ جَهِلَ أَمْرَ الْمُحِيلِ فِي ذَلِكَ فَقَدْ قِيلَ لِمَالِكٍ فَعَلَى الْغَرِيمِ شَيْءٌ قَالَ يَنْظُرُ الْقَاضِي فِيهِ فَإِنْ كَانَ يُتَّهَمُ فِي ذَلِكَ أَحْلَفَهُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يَرْضَى بِمِثْلِ هَذَا أُحْلِفَ أَنَّهُ مَا عَلِمَ مِنْهُ مَا يَغُرُّهُ بِهِ.
(فَرْقٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ فَلَسِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَبَيْنِ سَائِرِ الْعُيُوبِ الَّتِي تُرَدُّ بِهَا السِّلَعُ الْمَعِيبَةُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْبَائِعُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْعَيْبَ فِي السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ إنَّمَا هُوَ عَيْبٌ فِي نَفْسِ الْعِوَضِ، وَفَلَسُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ عَيْبٌ فِي مَحَلِّ الْعِوَضِ لَا فِي نَفْسِ الْعِوَضِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْحَوَالَةَ إنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ الْبَرَاءَةِ فَلَا يَرْجِعُ مِنْ الْعُيُوبِ إلَّا بِمَا عَلِمَهُ الْبَائِعُ، وَعَلَى هَذَا التَّوْجِيهُ تَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُحِيلِ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِفَلَسِهِ، وَلَا غَرَّ بِهِ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَعَلَى رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي بَيْعِ الْبَرَاءَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ يَمِينٌ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ الْمُحَالُ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّ الذِّمَمَ مِمَّا ظَاهِرُهَا أَنَّهَا لَا تُعْلَمُ فَصَارَتْ كَالْمَبِيعِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ بَاطِنُهُ لَا يُرَدُّ بِالْعَيْبِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ دَلَّسَ بِهِ فَعَلَى هَذَا لَا يَمِينَ عَلَى الْمُحِيلِ إذَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ عَلِمَ بِالْفَلَسِ فَيَرْجِعُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ يُتَّهَمُ بِذَلِكَ فَيَحْلِفُ، وَلَعَلَّهُ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ قَبْلَ هَذَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا كَانَتْ الْحَوَالَةُ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَقُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ فَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبِ عَقْدٍ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بِعْ مِنْ فُلَانٍ سِلْعَتَك هَذِهِ، وَعَلَى حَقِّك، وَقَالَ الْآخَرُ لِفُلَانٍ اعْمَلْ عَمَلَ كَذَا، وَحَقُّك عَلَيَّ، وَفِي الْوَاضِحَةِ مَنْ تَحَمَّلَ عَنْ نَاكِحٍ صَدَاقَهُ فِي عَقْدِ نِكَاحِهِ فَهُوَ لَهُ لَازِمٌ فِي حَيَاتِهِ، وَبَعْدَ مَمَاتِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْوَاضِحَةِ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَنْعَقِدْ بِسَبَبِهِ عَقْدٌ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَهِيَ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَمَالَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا سَوَاءٌ كَانَتْ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ أَوْ الْحَمَالَةِ إلَّا مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ فَلَهَا حُكْمُ الْحَوَالَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ فَهِيَ حَمَالَةٌ فَإِنْ مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا أَوْ فَلِسَ فِي حَيَاتِهِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ أَحَالَ رَجُلًا عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَشَرَطَ إنِّي بَرِيءٌ بِذَلِكَ، وَشَقَّ صَحِيفَتَهُ قَالَ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ، وَلَهُ شَرْطُهُ قَالَ مُحَمَّدٌ إلَّا إنْ أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْمُحَالَ فَإِنَّ الْمُحَالَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّ
стр. 1406
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْمُحَالَ عَلَيْهِ لَوْ قَضَاهُ لَرَجَعَ بِمَا قَضَاهُ عَلَى الْمُحِيلِ، وَرَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَشَرَطَ فِي الْحَوَالَةِ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ الْمَالِ، وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ أَحِلْنِي عَلَيْهِ، وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ الْمَالِ فَإِنَّهُ إنْ عَلِمَ الْمُحَالُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ فَرَضِيَ بِالْحَوَالَةِ، وَأَبْرَأَ الْمُحِيلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِإِثْرِ ذَلِكَ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ أَنَا لَك بِمَا لَك قِبَلَ فُلَانٍ فَخَرِّقْ ذِكْرَ الْحَقِّ عَلَيْهِ، وَاطْلُبْنِي دُونَهُ، وَلَمْ تَكُنْ حَوَالَةٌ مِنْ دَيْنٍ كَانَ لِلْغَرِيمِ عَلَى الْقَابِلِ فَأَشْهَدَ الرَّجُلُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ، وَشَقَّ الصَّحِيفَةَ وَطَلَبَهُ بِذَلِكَ الْحَقِّ حَتَّى أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ مُفْلِسًا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى غَرِيمِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَحَمِّلَ وَعَدَ الْغَرِيمَ أَنْ يُسْلِفَهُ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْغَرِيمِ حَتَّى يَقْضِيَ عَنْهُ فَقَدْ اتَّفَقَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَرِوَايَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ غَيْرَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ عَلَى أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِي الْفَلَسِ فَرِوَايَةُ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مُوَافِقَةٌ لِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ ظَاهِرُهُ خِلَافُ هَذَا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إذَا عَلِمَ الْمُحَالُ، وَأَبْرَأَ حُكْمَ الْحَوَالَةِ الْمُحْصَنَة، وَأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فَلَسًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مُخَالِفًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لَهُمْ، وَأَنَّهُ أَطْلَقَ اللَّفْظَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَيَّدَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْفَلَسِ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ مَعَ الْيَسَارِ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ مَا لَمْ يُفْلِسْ أَوْ يَمُتْ الْمُحَالُ عَلَيْهِ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَقُولُ لِلرَّجُلِ عَلَيَّ حَقُّك وَدَعْ صَاحِبَك لَا تُكَلِّمْهُ فَإِنَّ الْحَقَّ عَلَيَّ فَإِنْ كَانَ الْمُحِيلُ مَلِيئًا فَالْمُحَالُ بِالْخِيَارِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحِيلِ وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدْ أَبْرَأَ الْمُحَالُ الْمُحِيلَ مِنْ دَيْنِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُحِيلِ إلَّا بِأَنْ يَتَعَذَّرَ قَبْضُهُ مِمَّنْ يَضْمَنُ دَفْعَهُ إلَيْهِ فَيَرْجِعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ دَيْنُهُ بِذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ تَعَلُّقًا مِنْ أَجْلِ مُعَاوَضَةٍ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِهَا تَعَلُّقًا مِنْ جِهَةِ مُكَارَمَةٍ فَلَمْ يَلْزَمْهُ بِالْفَلَسِ وَلَا بِالْمَوْتِ وَلَزِمَتْهُ مَعَ الْيَسَارِ مُدَّةَ الْخِيَارِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا عَلَى وَجْهِ الْحَمَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إبْرَاءٌ فِي انْتِقَالِهِ إلَى مُطَالَبَةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي الِاسْتِيثَاقَ مِنْ حَقِّهِ، وَالْكَفَّ عَنْ مُطَالَبَتِهِ مَعَ بَقَاءِ حَقِّهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْهُ إلَى مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِمَكَارِمٍ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ مَا لَمْ يُوجَدْ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ غَيْرِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا عُلِمَ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْغَرِيمِ مُقَابَحَةٌ وَمُعَادَاةٌ وَامْتِنَاعًا بِسُلْطَانٍ فَقَالَ الطَّالِبُ لِمَنْ اسْتَحَالَ عَلَيْهِ لَا أَطْلُبُ بِهِ غَرِيمًا، وَحَقِّي عَلَيْك فَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ مِنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ الشَّرْطُ جَائِزٌ، وَحَقُّهُ عَلَيْهِ حَضَرَ الْغَرِيمُ أَوْ غَابَ فِي عُدْمِهِ، وَمَلَائِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى غَرِيمِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَا وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّمَا يَقُولُهُ فِي الْقَبِيحِ الْمُطَالَبَةِ أَوْ ذِي السُّلْطَانِ، وَنَحْنُ نَرَاهُ فِي كُلِّ أَحَدٍ إذَا بَيَّنَ، وَحَقَّقَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَهِيَ حَمَالَةٌ لَا يُطَالِبُهُ إلَّا فِي غَيْبَةِ الْغَرِيمِ أَوْ عُدْمِهِ حَتَّى يُسَمِّيَ الْحَوَالَةَ، وَجْهُ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَمْرٌ لَازِمٌ لِلْمُحِيلِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِحَقِّهِ دُونَ الْغَرِيمِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يَلْزَمُ إلَّا إذَا سَقَطَ الْخِيَارُ فِي الرُّجُوعِ عَلَى الْغَرِيمِ، وَيَثْبُتُ لِمَا عَقَدَاهُ حُكْمُ الْحَوَالَةِ بِالتَّلَفُّظِ بِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَنَّ الْغَرِيمَ ذَهَبَ بِصَاحِبِ الْحَقِّ إلَى غَرِيمٍ لَهُ فَأَمَرَهُ بِالْأَخْذِ مِنْهُ، وَأَمَرَ الْغَرِيمَ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ فَيَقْضِيهِ الْبَعْضُ أَوْ لَا يَقْضِيهِ شَيْئًا، وَقَدْ تَقَاضَاهُ فَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لِلطَّالِبِ الرُّجُوعَ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِاحْتِيَالٍ، وَيَقُولُ إنَّمَا أَرَدْت أَنْ أَكْفِيَك التَّقَاضِي، وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَقِّ أَنْ يَقُولَ أُحِيلُك بِحَقِّك عَلَى هَذَا أَوْ أَبْرَأُ إلَيْك بِذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَحَلْت رَجُلًا عَلَى غَرِيمٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْك ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ لَك عَلَيْهِ إلَّا بَعْضُ مَا أَحَلْته بِهِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ
стр. 1407
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ إنِّي رَجُلٌ أَبِيعُ بِالدَّيْنِ فَقَالَ سَعِيدُ لَا تَبِعْ إلَّا مَا آوَيْت إلَى رَحْلِك)
ــ
[المنتقى]
سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ قَابَلَ مَا لَك عَلَيْهِ فَهُوَ حَوْلٌ، وَهُوَ فِي الْبَاقِي حَمِيلٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِنْ شَرْطِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ قَبْلَ الْحَوَالَةِ فَلَوْ أَحَلْته، وَلَا شَيْءَ لَك عَلَى الْمُحَالِ ثُمَّ قَضَيْت الْمُحَالَ عَلَيْهِ ثُمَّ فَلِسَ أَوْ مَاتَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْك، وَإِنْ قُلْت كَانَتْ حَمَالَةً ثُمَّ صَارَتْ حَوْلًا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُحِيلُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِمَا دَفَعَ إلَيْهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَقْدُ الْحَوَالَةِ مَعْنَاهُ الْحَمَالَةُ ثُمَّ دَفَعَ الْمُحِيلُ إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ مَا لَا يُؤَدِّيهِ عَنْهُ بِسَبَبِ تِلْكَ الْحَمَالَةِ، وَهَذَا لَا يَنْتَقِلُ بِمَا عَقَدَاهُ إلَى الْحَوَالَةِ، وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِيلَ مِنْ مُعَجَّلٍ عَلَى مُعَجَّلٍ وَمُؤَجَّلٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِيلَ مِنْ مُؤَجَّلٍ عَلَى مُعَجَّلٍ وَلَا مُؤَجَّلٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ دَيْنُهُ قَدْ حَلَّ فَاسْتَحَالَ مِنْهُ عَلَى مُعَجَّلٍ أَوْ مُؤَجَّلٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمُعَجَّلِ بِالْمُعَجَّلِ حَوَالَةٌ جَائِزَةٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» ، وَإِذَا اسْتَحَالَ مِنْهُ عَلَى مُؤَجَّلٍ فَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْهُ مَحْضٌ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَعَجَّلَ حَقَّهُ مِنْ الْمُحِيلِ أَوْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ إنْ أَفْلَسَ الْمُحِيلُ فَلَيْسَ فِيهِ غَيْرُ مُجَرَّدِ الْمَعْرُوفِ، وَإِذَا كَانَ دَيْنُهُ مُؤَجَّلًا لَمْ تَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، وَإِذَا أُحِيلَ مِنْهُ عَلَى دَيْنٍ مُعَجَّلٍ فَهُوَ مِنْ ضَعْ وَتَعَجَّلْ، وَإِذَا أُحِيلَ بِهِ عَلَى دَيْنٍ مُعَجَّلٍ فَهُوَ مِنْ حُطَّ عَنِّي الضَّمَانَ وَأَزِيدُك، وَالدَّيْنُ وَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَلَيْسَ بِحَقِيقَةِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَمِ، وَالذِّمَمُ لَا تَتَمَاثَلُ، وَلَوْ كَانَ لَهَا حُكْمُ الْعَيْنِ لَمَا جَازَتْ الْحَوَالَةُ إلَّا مَعَ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ فَهُوَ كَمَنْ أَخَذَ بِدَيْنِهِ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ مِنْ جِنْسِهِ بِمَا هُوَ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ، وَأَجْوَدُ أَوْ أَرْدَأُ لِتَعَذُّرِ تَمَاثُلِ الذِّمَمِ، وَمِثْلُ هَذَا يَجُوزُ عِنْدَ الْأَجَلِ مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ أَقَلُّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَدْنَى أَوْ أَعْلَى.
(ش) : قَوْلُهُ لِلرَّجُلِ لَا تَبِعْ إلَّا مَا آوَيْت إلَى رَحْلِك يُرِيدُ مَا قَدْ قَبَضْته، وَصَارَ عِنْدَك، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ مِمَّنْ يُدَايِنُ النَّاسَ، وَيَبِيعُ مِنْهُمْ بِالدَّيْنِ فَنَهَاهُ عَنْ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُمْ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدُ أَوْ مَا يَشْتَرِيهِ بَعْدَ مُوَافَقَةِ الْمُبْتَاعِ مِنْهُ عَلَى بَيْعِهِ مِنْهُ بِثَمَنٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ فَيَشْتَرِيهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَرُبَّمَا لَمْ يَسْتَتِمَّ قَبْضُهُ مِنْ بَائِعِهِ مِنْهُ، وَيُوَلِّي قَبْضَهُ الْمُبْتَاعَ مِمَّنْ بَاعَهُ مِنْ هَذَا السَّائِلِ؛ لِأَنَّهُ لَهُ اشْتَرَاهُ فَيَكُونُ كَأَنَّهُ أَسْلَفَهُ ثَمَنَهُ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ فِي ثَمَنِهِ الَّذِي بَاعَهُ بِهِ مِنْهُ، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ لَا تَبِعْ إنِّي كُنْت مِنْ أَهْلِ هَذَا الصِّنْفِ، وَعَرَفْت بِمِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ مِنْ التِّجَارَةِ إلَّا مَا قَدْ تَقَدَّمَ ابْتِيَاعُك لَهُ، وَصَحَّ مِلْكُك لَهُ، وَتَمَّ ذَلِكَ بِالْقَبْضِ لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْعَدُ مِنْ الذَّرِيعَةِ الَّتِي يُخَافُ عَلَيْك مُوَاقَعَتُهَا، وَتَعَلَّقَ تَبَايُعُك بِهَا، وَلَا تَعَلُّقَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِبَيْعِك مَا تَقَدَّمَ مِلْكُك لَهُ، وَقَبْضُك إيَّاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي بِالنَّقْدِ أَوْ يَكُونَانِ عَلَى التَّأْجِيلِ أَوْ يَكُونُ الْأَوَّلُ بِالنَّقْدِ وَالثَّانِي بِأَجَلٍ أَوْ يَكُونُ الْأَوَّلُ بِالْأَجَلِ، وَالثَّانِي بِالنَّقْدِ فَإِنْ كَانَ جَمِيعًا بِالنَّقْدِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقُولَ لَهُ اشْتَرِ هَذَا الثَّوْبَ، وَلَا يُعَيِّنُ لِمَنْ يَشْتَرِيهِ أَوْ يَقُولُ اشْتَرِهِ لِنَفْسِك فَإِنْ قَالَ اشْتَرِ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشَرَةٍ، وَهُوَ لِي بِأَحَدَ عَشَرَ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ يُكْرَهُ هَذَا وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بُيُوعِ النَّاسِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَ بِالنَّقْدِ كُلِّهِ، وَهُمَا حَاضِرَانِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ دَخَلَهُ تَأْخِيرٌ، وَدَخَلَتْهُ الزِّيَادَةُ فِي السَّلَفِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ هَذَا اللَّفْظُ يُسْتَعْمَلُ عَلَى وَجْهِ الِابْتِيَاعِ، وَهُوَ قَوْلُهُ، وَهُوَ لِي بِأَحَدَ عَشَرَ، وَجَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَجَعَلَهُ ثَمَنًا لِلْمَبِيعِ كُرِهَ ذَلِكَ، وَمُنِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يَبْتَاعَهُ لِنَفْسِهِ بِعَشْرَةٍ ثُمَّ يَبِيعَهُ مِنْهُ بِأَحَدَ عَشَرَ فَهُوَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الَّذِي يَقُولُ لَهُ اشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا، وَأَنَا أُرْبِحُك فِيهَا كَذَا أَوْ أَنَا أُرْبِحُك فِيهَا، وَلَا يُسَمِّي شَيْئًا فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الرِّبْحِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَأْمُورَ يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ قَالَ اشْتَرِهِ بِعَشْرَةٍ، وَلَك دِينَارٌ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَضَمَانُهُ مِنْ الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الدِّينَارَ جُعْلًا لِلْمَأْمُورِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي
стр. 1408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
اللَّفْظِ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ بِظَاهِرِهِ وَلَا بِصَرِيحِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ مُرَاعَاةُ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ لِفَقْدِ التَّمْيِيزِ إذَا كَانَ الْبَيْعَانِ بِالنَّقْدِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَيَجِبُ فَسْخُ الْبَيْعِ الثَّانِي.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ قَالَ لَهُ ابْتَعْ لِي هَذَا الثَّوْبَ، وَأَنَا أَبْتَاعُهُ مِنْك بِرِبْحٍ كَذَا فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَهُوَ جُعْلٌ، وَلَا خَيْرَ فِيهِ إلَى أَجَلٍ، وَقَوْلُ الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ ابْتَعْ لِي هَذِهِ السِّلْعَةَ بِعَشَرَةٍ، وَهِيَ لِي بِاثْنَيْ عَشَرَ فَإِنْ اسْتَوْجَبَهَا الْآمِرُ، وَالثَّمَنُ نَقْدًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْعَشَرَةِ جُعْلٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَذَلِكَ أَنْ يَنْتَقِدَ الثَّمَنَ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ نَقَدَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَإِنْ نَقَدَهُ بِشَرْطٍ رُدَّ إلَى جُعْلٍ مِثْلِهِ مَا لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ الدِّرْهَمَيْنِ كَالْبَيْعِ وَالسَّلَفِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ اشْتَرِهَا فَظَاهِرُهُ مِلْكُ الْآمِرِ لَهَا، وَأَنَّ الِابْتِيَاعَ لَهُ، وَلَمَّا اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى اشْتَرِهَا لِي لِتَبِيعَهَا مِنِّي شَرْطٌ فِي رِوَايَةِ الْعُتْبِيِّ عَنْ مَالِكٍ أَنْ يَسْتَوْجِبَهَا لِلْبَائِعِ فَيَكُونُ ضَمَانُهَا مِنْهُ، وَيَكُونُ مَا زَادَهُ مِنْ الدِّينَارَيْنِ جُعْلًا لِلْمَأْمُورِ فِي تَنَاوُلِ ابْتِيَاعِهَا لَهُ، وَشَرْطٌ أَنْ لَا يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ النَّقْدَ؛ لِأَنَّهُ إنْ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَانَ بَيْعًا وَسَلَفًا مُشْتَرَطًا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ قَالَ اشْتَرِهَا لِنَفْسِك بِعَشَرَةٍ نَقْدًا، وَأَنَا أَشْتَرِيهَا مِنْك بِاثْنَيْ عَشَرَ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي يَشْتَرِيهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ يَبِيعُهَا مِنْهُ لَمْ يَحْتَمِلْ هَذَا الْجُعْلُ، وَكَانَ قَدْ بَاعَ مِنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ بِثَمَنٍ مُعَجَّلٍ، وَلَا مُؤَجَّلٍ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُفْسَخُ الشِّرَاءُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بَاعَهَا قَبْلَ أَنْ تَجِبَ لَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ الْبَيْعَتَانِ إلَى أَجَلٍ، وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ لَهُ ابْتَعْ، وَإِنْ كَانَتْ الْبَيْعَةُ الْأُولَى بِالنَّقْدِ، وَالثَّانِيَةُ إلَى أَجَلٍ فَهَذِهِ أَشَدُّ الْوُجُوهِ فَسَادًا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْعِينَةِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ سَأَلَ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ شَيْئًا فَيَقُولَ ابْتَاعَهُ لَك فَيُرَاوِضَهُ عَلَى الرِّبْحِ ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ فَيَبِيعَهُ مِنْهُ إلَى أَجَلٍ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْعِينَةُ الْمَكْرُوهَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ ابْتَعْ لِي سِلْعَةَ كَذَا، وَأُرْبِحُك فِيهَا كَذَا إلَى أَجَلٍ فَكَأَنَّهُ دَفَعَ ذَهَبًا فِي أَكْثَرَ مِنْهَا.
(فَرْعٌ) فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ الَّذِي يَقُولُ لِلرَّجُلِ ابْتَعْ لِي هَذِهِ السِّلْعَةَ بِعَشَرَةٍ، وَهِيَ لِي بِاثْنَيْ عَشَرَ مُؤَجَّلَةً أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ إيجَابَهَا لِلْآمِرِ عَلَى أَنْ يَنْتَقِدَهَا عَنْهُ لِلْمَأْمُورِ، وَيَبِيعَهُ مِنْهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَنَّ ذَلِكَ يُفْسَخُ مَا لَمْ تَفُتْ فَإِنْ فَاتَتْ لَزِمَتْ الْآمِرَ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا، وَيَسْقُطُ مَا زَادَ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَهَا حِينَ قَالَ لَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا وَقَعَ لَزِمَتْ السِّلْعَةُ الْآمِرَ بِعَشْرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ، وَهِيَ الَّتِي نَقَدَ عَنْهُ الْمَأْمُورُ، وَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ السِّلْعَةَ بِدِينَارَيْنِ عَلَى أَنْ يُسَلِّفَهُ الْمَأْمُورُ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ فِي السِّلْعَةِ، وَقَوْلُهُ أَنَّ هَذَا يُفْسَخُ مَا لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ يُرِيدُ تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ، وَالسَّلَفُ فَتَرْجِعُ السِّلْعَةُ إلَى الْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّ دَيْنَ الْبَائِعِ فِيهَا قَدْ لَزِمَ فَإِنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ حُكِمَ عَلَى الْآمِرِ بِمَا أَسْلَفَهُ الْمَأْمُورُ، وَذَلِكَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ تُعَجَّلُ؛ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ كَانَ بِسَبَبِ عِوَضٍ قَدْ بَطَلَ، وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يُفْسَخُ، وَإِنْ لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْإِجَارَةِ قَدْ كَمُلَ، وَفَاتَ نَقْصُ عَقْدِ الْإِجَارَةِ فَيَلْزَمُ الْآمِرَ السِّلْعَةُ، وَعَلَيْهِ ثَمَنُهَا الَّذِي اسْتَسْلَفَهُ، وَجُعْلُ مِثْلِ الْمَأْمُورِ فِيمَا ابْتَاعَ بِهِ، وَنَحْوَهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ قَالَ اشْتَرِهَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا، وَأَنَا أَشْتَرِيهَا مِنْك بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا إلَى سَنَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا لَا يَجُوزُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ لَزِمَتْ الْآمِرَ بِاثْنَيْ عَشَرَ إلَى سَنَةٍ؛ لِأَنَّ مُبْتَاعَهَا ضَمِنَهَا قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَمَعْنَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ بَاعَهَا الْمَأْمُورُ مِنْ الْآمِرِ بَيْعًا مُسْتَأْنَفًا فَكُرِهَ ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ فِيهِ مِنْ الْمَوْعِدِ، وَلَمْ يُفْسَخْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ بَيْعٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَوَرَّعَ الْمَأْمُورُ عَنْ الزَّائِدِ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَيُقْتَضَى لَهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ فِي الَّذِي يَقُولُ اشْتَرِ هَذَا الْمُبْتَاعَ، وَأَنَا ابْتَاعَهُ مِنْك بِرِبْحٍ يُسَمِّيهِ إلَى
стр. 1409
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنْ الرَّجُلِ عَلَى أَنْ يُوفِيَهُ تِلْكَ السِّلْعَةَ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى أَمَّا السُّوقُ يَرْجُو نِفَاقَهُ، وَأَمَّا الْحَاجَةُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ الَّذِي يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُخْلِفُهُ الْبَائِعُ عَنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ فَيُرِيدُ الْمُشْتَرِي رَدَّ تِلْكَ السِّلْعَةِ عَلَى الْبَائِعِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي، وَأَنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ لَهُ، وَأَنَّ الْبَائِعَ لَوْ جَاءَ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ لَمْ يُكْرَهْ الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِهَا)
ــ
[المنتقى]
أَجَلٍ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَمَعْنَى ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنْ يُرَاعِيَ عَدَمَ انْبِرَامِ الْعَقْدِ وَلُزُومَهُ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَوْعِدِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَلَا يَنْتَقِضُ، وَإِنْ ذَكَرَ الرِّبْحَ وَسَمَّاهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى اللُّزُومِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَهُوَ الَّذِي يُنْقَضُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَقُولُ لِلرَّجُلِ اشْتَرِ هَذَا الْمَتَاعَ أَبْتَاعُهُ مِنْك بِرِبْحٍ إلَى أَجَلٍ، وَلَمْ يَتَرَاوَضَا عَلَى رِبْحٍ يُرِيدُ لَمْ يَقْطَعَا سَوْمًا ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ فَبَاعَهُ مِنْهُ إلَى أَجَلٍ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَإِلَّا يَفْسَخُهُ إنْ نَزَلَ فَرَاعَى فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَدَمَ ذِكْرِ تَقْدِيرِ الرِّبْحِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ قَالَ لَهُ اشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا، وَأَنَا أُرْبِحُك أَكْثَرَ أَوْ قَالَ أُرْبِحُك، وَلَمْ يُسَمِّ رِبْحًا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْكَرَاهِيَةَ مِنْ أَجْلِ الْمَوْعِدِ فَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ الْعَادَةَ أَوْ الْمَوْعِدَ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ لَيْسَ عِنْدِي، وَلَكِنْ عُدْ إلَيَّ أَشْتَرِهِ لَك، وَلَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ أَجْلِهِ ثُمَّ يَبِيعُهُ مِنْ غَيْرِ مَوْعِدٍ، وَلَا عَادَةَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ بِأَجَلٍ، وَالثَّانِي بِالنَّقْدِ، وَهُوَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِآخَرَ ابْتَعْ لِي هَذِهِ السِّلْعَةَ إلَى أَجَلٍ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَنَا أَبْتَاعُهَا مِنْك بِنَقْدٍ بِعَشَرَةٍ أَوْ لَمْ يَقُلْ لِي فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُعْجِبُهُ ذَلِكَ، وَكَرِهَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَأَنَّ الْمُبْتَاعَ الْآخَرَ أَقْرَضَ الْأَوَّلَ عَشَرَةً لِيَدْفَعَهَا عَنْهُ عِنْدَ الْأَجَلِ إلَى بَائِعِ السِّلْعَةِ، وَيَزِيدَ مِنْ عِنْدِهِ خَمْسَةً.
(فَرْعٌ) فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ إنْ قَالَ ابْتَعْهُ لِي لَزِمَ الْآمِرَ مَا ابْتَاعَ لَهُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْزِمَهُ نَفْسَهُ بِأَقَلَّ نَقْدًا، وَلَا بِأَكْثَرَ تَأْخِيرًا، وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْعَشَرَةَ لِيَدْفَعَ عَنْهُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ رُدَّتْ إلَيْهِ الْعَشَرَةُ، وَبَقِيَتْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ عَلَى الْآمِرِ إلَى الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ اشْتَرِهِ لِي يَقْتَضِي مِلْكَ الْآمِرِ لَهَا بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ اشْتَرِهَا، وَلَا تَقُلْ لِي.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ قَالَ اشْتَرِهَا لِنَفْسِك بِخَمْسَةَ عَشَرَ مُؤَجَّلَةً، وَأَشْتَرِيهَا مِنْك بِعَشَرَةٍ نَقْدًا.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ فِي الَّذِي يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنْ الرَّجُلِ يُرِيدُ بِالشِّرَاءِ هَاهُنَا السَّلَمَ فَمَنْ أَسْلَمَ فِي سِلْعَةٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لِغَرَضٍ كَانَ لَهُ فِيهَا عِنْدَ ذَلِكَ الْأَجَلِ فَيُخْلِفُهُ الْبَائِعُ عِنْدَ ذَلِكَ الْأَجَلِ، وَيَأْتِي بِهَا عِنْدَ اسْتِغْنَاءِ الْمُسْلِمِ عَنْهَا فَإِنَّهَا تَلْزَمُ الْمُسْلِمَ، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ عَلَى الْبَائِعِ فَإِذَا أَخَّرَ الدَّيْنَ عَنْ مَحِلِّهِ لَمْ تَجِبْ بِذَلِكَ اسْتِحَالَةُ جِنْسِ الدَّيْنِ، وَلَا نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهِ، وَلَا نَقْضُ الْعَقْدِ الَّذِي كَانَ سَبَبَ ثُبُوتِهِ فِي ذِمَّتِهِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّابَّةَ لِيَخْرُجَ بِهَا مِنْ الْغَدِ إلَى مَوْضِعٍ اُضْطُرَّ إلَى الْخُرُوجِ إلَيْهِ فَيُخْلِفُ الْكَرْيَ، وَيَفِرُّ بِدَابَّتِهِ، وَيُكْرِيهَا مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَعُودُ إلَيْهِ بَعْدَ مُدَّةٍ، وَقَدْ اسْتَغْنَى الْمُكْتَرِي عَنْهَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا رُكُوبُ الدَّابَّةِ، وَعَلَيْهِ الْكِرَاءُ الَّذِي عَقَدَ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ رَفَعَ الْمُكْتَرِي أَمْرَهُ إلَى الْإِمَامِ، وَكَانَ اكْتَرَى مِنْهُ رَاحِلَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ اكْتَرَى عَلَى الْكَرِيِّ رَاحِلَةً فَخَرَجَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ اكْتَرَى مِنْهُ رَاحِلَةً مُعَيَّنَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكْرِيَ عَلَيْهِ رَاحِلَةً، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَبْقَى عَلَى الْكِرَاءِ أَوْ يَنْقُدُ إلَى الْكَرِيِّ إنْ كَانَ قَرِيبًا، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا يَلْحَقُهُ الضَّرَرُ بِانْتِظَارِهِ، وَاخْتَارَ الْمُكْتَرِي الْفَسْخَ فُسِخَ بَيْنَهُمَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ الْكِرَاءُ لَمْ يَتَقَدَّرْ بِزَمَانٍ فَإِنْ تَقَدَّرَ بِزَمَانٍ فَإِنَّ الْكِرَاءَ بِفَوَاتِ الزَّمَنِ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ أَوْ بِنَفْسِ الْعَمَلِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، وَالثَّانِي أَنْ يَتَعَلَّقَ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ فَإِنْ كَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ كَالْكِرَاءِ مِنْ مَصْرَ إلَى إفْرِيقِيَةَ أَوْ الشَّامِ فَهَذَا لَا يَفُوتُ بِمَغِيبِ أَحَدِ الْمُتَكَارِيَيْنِ، وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ وَالْكِرَاءُ
стр. 1410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ مَا لَمْ يَفْسَخْهُ إمَامٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِإِبَّانَ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَتَعَلَّقُ بِإِبَّانٍ لَا يُمْكِنُ إلَّا فِيهِ كَاكْتِرَاءِ السُّفُنِ فِي الْبَحْرِ، وَالثَّانِي أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ عَلَى وَجْهٍ مَا مِنْ صِفَةِ ذَلِكَ الْعَمَلِ لَا يُمْكِنُ إلَّا فِي ذَلِكَ الْإِبَّانِ كَاكْتِرَاءِ الْحَاجِّ إلَى مَكَّةَ وَاكْتِرَائِهِمْ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى وَعَرَفَةَ فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَفُوتُ بِفَوَاتِ الْإِبَّانِ لَا بِفَوَاتِ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ، وَذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى السَّلَمِ فِي الرُّطَبِ لِيُقْبَضَ فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ مِنْ إبَّانِ الرُّطَبِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَفُوتُ بِفَوَاتِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمُعَيَّنِ، وَهَلْ يَفُوتُ بِفَوَاتِ الْإِبَّانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي، وَهُوَ اكْتِرَاءُ الْحَاجِّ إلَى مَكَّةَ وَمِنًى وَعَرَفَةَ، وَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَغَيْرِهَا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْكِرَاءَ يَنْفَسِخُ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ لَهُ إبَّانٌ فَوَجَبَ أَنْ تَنْفَسِخَ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ كَكِرَاءِ السُّفُنِ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ إنْ نَقَدَ الْكِرَاءَ فِي الْحَجِّ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَأَخَّرَ الْكِرَاءُ إلَى عَامٍ قَابِلٍ، وَلَا يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْ فَجَازَ فَسْخُهُ ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ فِي الْحَجِّ فَقَالَ يُفْسَخُ بَيْنَهُمَا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ بَقِيَ إلَى قَابِلٍ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْكِرَاءَ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ فِي قَوْلِهِ بِالْفَسْخِ كَالْكِرَاءِ لِأَيَّامٍ مُعَيَّنَةٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْأَيَّامِ لِلْكِرَاءِ إنَّمَا هِيَ أَنْ يَتَقَدَّرَ الْعَمَلُ بِهَا، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِمَا نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَهَذَا عِنْدِي لَا يَنْفَسِخُ بِخُرُوجِ أَوَّلِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا يَنْفَسِخُ بِغَيْبَةِ الْمُكْتَرِي عَنْهُ فِي وَقْتٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ فَاتَهُ الْحَجُّ عَلَى السَّيْرِ الْمُعْتَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ سَلَّمَ فِي ضَحَايَا لِيُوَفِّيَ بِهَا عِيدَ الْأَضْحَى فَغَابَ عَنْهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ، وَأَتَاهُ بِهَا بَعْدَ فَوَاتِ الْأَضْحَى فَقَدْ قَالَ فِي بَعْضِ الْأَقْوَالِ يَبْطُلُ السَّلَمُ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ سَلَّمَ فِي الْفَاكِهَةِ الرَّطْبَةِ فَفَاتَ إبَّانُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا أَوْ قَبْضِ بَعْضِهَا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ يَتَأَخَّرُ إلَى إبَّانِهِ مِنْ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بَقِيَّةَ رَأْسِ مَالِهِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ أَوْ يُعَجِّلَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَمَنْ طَلَبَ التَّأْخِيرَ مِنْهُمَا فَذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى التَّعْجِيلِ فَذَلِكَ جَائِزٌ قَالَ سَحْنُونٌ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ، وَمَا بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ إلَى قَابِلٍ قَالَ أَشْهَبُ لَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا رَأْسُ مَالِهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ مَنْ شَاءَ الْمُحَاصَّةَ فَذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى التَّأْخِيرِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلُ أَنَّهُ يَتَأَخَّرُ إلَى قَابِلٍ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ سَحْنُونٌ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ قَدْ ثَبَتَ بَيْنَهُمَا، وَلَزِمَ فِي الْأَعْيَانِ فَلَا يَنْتَقِلُ مَا عَقَدَا عَلَيْهِ إلَى غَيْرِهِمَا كَمَا لَوْ أَعْسَرَ الْبَائِعُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فَيَحْتَمِلُ مَسْأَلَةُ الْكِرَاءِ لِلْحَجِّ أَنْ تَكُونَ مُخَالِفَةً لِهَذِهِ؛ لِأَنَّهَا تَتَوَقَّتْ بِالشَّرْعِ، وَهَذِهِ لَا تَتَوَقَّتْ بِالشَّرْعِ، وَإِنَّمَا تَتَوَقَّتُ بِالْإِمْكَانِ مِنْ الْقَضَاءِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخَالِفَهَا؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ عَلَى الْمَنَافِعِ مُخَالِفَةٌ لِلْعُقُودِ عَلَى الْأَعْيَانِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِفَوَاتِ الْإِبَّانِ، وَلِذَلِكَ فُسِخَ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَرَاكِبِ بِفَوَاتِ الْإِبَّانِ، وَلَوْ اشْتَرَى مِنْهُ مَرْكَبًا أَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِيهِ فَفَاتَ وَقْتُ الِانْتِفَاعِ بِهِ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَنَافِعَ الْأَعْيَانِ يَجُوزُ أَنْ يُعْقَدَ مِنْهَا عَلَى مَا لَمْ يُوجَدْ مِمَّا يَخْتَصُّ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ، وَالْأَعْيَانُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا؛ لِأَنَّ عُقُودَهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى اللُّزُومِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِلْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَ مِنْهَا شَيْئًا فِي ذِمَّتِهِ إلَّا مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكَادُ يَعْدَمُهُ لِكَثْرَةِ جِنْسِهِ وَسَعَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ أَشْهَبَ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ إلَّا الْفَسْخُ وَالتَّعْجِيلُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عِوَضًا لِلْآخَرِ عَلَى وَجْهٍ مَا يُخَيَّرُ فِيهِ فَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ ثَمَرَةَ نَخْلَةٍ مِنْ عَشْرِ نَخَلَاتٍ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ الْمُبْتَاعُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَنْ يُعَاوِضَهُ فِي رُطَبِ عَامٍ قَابِلٍ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَيَّرَ بَيْنَ تَأْخِيرِ دَيْنِهِ وَبَيْنَ إبْقَاءِ ثَمَرَتِهِ عَلَيْهِ إلَى
стр. 1411
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الطَّعَامَ فَيَكْتَالُهُ ثُمَّ يَأْتِيهِ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنْهُ فَيُخْبِرُ الَّذِي يَأْتِيهِ أَنَّهُ قَدْ اكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ، وَاسْتَوْفَاهُ فَيُرِيدُ الْمُبْتَاعُ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيَأْخُذَهُ بِكَيْلِهِ إنَّ مَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ بِنَقْدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إلَى أَجَلٍ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ حَتَّى يَكْتَالَهُ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ الَّذِي إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى الرِّبَا، وَتَخَوُّفٌ أَنْ يُدَارَ ذَلِكَ عَلَى
ــ
[المنتقى]
عَامٍ قَابِلٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ بَقَاؤُهَا إلَى عَامٍ آخَرَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِتَأْخِيرِ مَالِهِ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي كِرَاءِ السُّفُنِ.
وَقَدْ اتَّفَقَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ، وَقَوْلُ مَالِكٍ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَقٌّ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا فَكَانَ كَالْعَيْبِ يَجِدُهُ بِالْمَبِيعِ فَلَهُ رَدُّهُ، وَلَهُ إبْقَاؤُهُ، وَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ جَارِيَةً مِنْ أَعْلَى الرَّقِيقِ فَتَوَاضَعَاهَا ثُمَّ أَطْلَعَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى عَيْبٍ بِهَا لَكَانَ لَهُ الرِّضَا بِهَا، وَانْتِظَارُ قَبْضِهَا إذَا انْقَضَتْ مُوَاضَعَتُهَا أَوْ رَدَّهَا الْآنَ مُعَجَّلًا فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ، وَهَذَا حُكْمُ كِرَاءِ السُّفُنِ إذَا فَاتَ إبَّانُ جَرْيِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى مَنْ لَهُ الْحَقُّ الْفَسْخُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ لَهُ ذَلِكَ.
(فَرْعٌ) وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الْقَائِلِينَ بِالتَّخْيِيرِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ شَاءَ التَّأْخِيرَ فَذَلِكَ لَهُ، وَقَالَ أَصْبَغُ مَنْ شَاءَ التَّعْجِيلَ فَذَلِكَ لَهُ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ مَنْ أَرَادَ التَّأْخِيرَ بِالتَّعْجِيلِ كَمَا يَلْحَقُ مَنْ أَرَادَ التَّعْجِيلَ بِالتَّأْخِيرِ، وَقَدْ انْعَقَدَ سَلَمُهُمَا بِعَيْنٍ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَلَا يَنْتَقِلَانِ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِي نَقْلِهِمَا عَنْهُ مَضَرَّةٌ لَاحِقَةٌ لِمَنْ كَرِهَ التَّعْجِيلَ، وَنَقَلَ عَيْنَ الْمَبِيعِ إلَى غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ إذَا اسْتَوَتْ الضَّرُورَةُ كَانَ الْبَقَاءُ عَلَى حُكْمِ الْعَقْدِ أَوْلَى كَمَا يَلْزَمُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي إحْدَى الْجِهَتَيْنِ ضَرُورَةٌ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ الْعَقْدَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّعْجِيلِ فَالضَّرَرُ اللَّاحِقُ بِالتَّأْخِيرِ مُخْرِجٌ عَنْ حُكْمِ الْعَقْدِ فَكَانَتْ مُرَاعَاتُهُ أَوْلَى مِنْ ضَرَرٍ لَا يُخْرِجُ عَنْ حُكْمِ الْعَقْدِ بَلْ يُرَدُّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِتَسْلِيمِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ لَا سِيَّمَا مَعَ ضِيقِ حَالِهِ، وَلَكِنَّهُ ضَرَرٌ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَلَا يُغَيَّرُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ.
(فَرْعٌ) وَقَوْلُ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِقِيمَةِ رَأْسِ مَالِهِ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ مَعْنَاهُ إذَا تَرَاضَيَا، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ؛ لِأَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُؤَخِّرَ أَوْ يُعَجِّلَ فَهَذَا قَوْلٌ آخَرُ فِي التَّخْيِيرِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الضَّرَرَ يَخْتَصُّ بِهِ فِي تَأْخِيرِ مَا لَهُ عَلَيْهِ تَعْجِيلُهُ، وَهَذَا غَالِبُ الْحَالِ فَكَانَ الْخِيَارُ مُخْتَصًّا بِهِ كَمُكْتَرِي السَّفِينَةِ وَوَاجِدِ الْعَيْبِ بِالْمَبِيعِ فِيهِ الْمُوَاضَعَةُ، وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُ هَذَا السُّؤَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا قُلْنَا أَنَّهُ يُفْسَخُ بَيْنَهُمَا الْبَيْعُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ إنْ تَحَاسَبَا فَجَائِزٌ أَنْ يَأْخُذَ بِبَقِيَّةِ رَأْسِ مَالِهِ مَا شَاءَ مُعَجَّلًا حَاشَا الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ يُدْخِلُهُ فِي مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ اقْتِضَاءٌ طَعَامٍ مُعَجَّلٍ فِي طَعَامٍ مُؤَجَّلٍ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى قَابِلٍ بِالثَّمَرَةِ فَتَرَكَهَا، وَأَخَذَ مَكَانَهَا طَعَامًا كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَقَدْ خَفَّفَهُ أَصْبَغُ فِي الطَّعَامِ عَلَى إقْرَارٍ مِنْهُ بِالْمَعْنَى فِيهِ، وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ يَأْخُذُ فِيمَا لَا يُقْطَعُ إبَّانُهُ مِنْ الْعِنَبِ زَبِيبًا أَوْ عِنَبًا شَتْوِيًّا رَطْلًا بِرَطْلَيْنِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِمَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ مَنْ سَلَّمَ فِي لَحْمِ ضَأْنٍ فَانْقَطَعَ إبَّانُهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِبَاقِي سَلَمِهِ لَحْمَ بَقَرٍ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ نَقْدًا يَقْبِضُ جَمِيعَهُ مَكَانَهُ فَأَمَّا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْهُ مَا شَاءَ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ مُحَمَّدٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ لَيْسَ لَهُمَا إلَّا الْمُحَاسَبَةُ فِيمَا لَيْسَ لِحَائِطٍ بِعَيْنِهِ، وَرَوَى عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْكَاتِبِ إنَّمَا يَقَعُ مَا ذَكَرَهُ إذَا حُكِمَ بِالْفَسْخِ أَوْ أَشْهَدَ بِالْفَسْخِ فَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ لَحْمًا مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لِلْخِلَافِ الَّذِي فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَا فِيهِ خِلَافٌ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى حُكْمٍ أَوْ إشْهَادٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ لَا اعْتِبَارَ بِالْإِشْهَادِ، وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ.
стр. 1412
هَذَا الْوَجْهِ بِغَيْرِ كَيْلٍ، وَلَا وَزْنٍ فَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ شِرَاءَ الطَّعَامِ بِالنَّقْدِ إذَا رَضِيَ الْمُبْتَاعُ أَنْ يُصَدِّقَ الْبَائِعَ فِي كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ إنْ كَانَ مَوْزُونًا فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَغَيْرِهِ اسْتِثْقَالَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ إذَا بِيعَ بِالتَّأْخِيرِ، وَالذَّرِيعَةُ فِيهِ أَبْيَنُ فَعَلَى تَأْوِيلِ مَالِكٍ لَا يَتَعَلَّقُ كَرَاهِيَتُهُمْ لَهُ بِالنَّقْدِ بَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ بِالنَّقْدِ دُونَ النَّسَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي تَصْدِيقِهِ فِيمَا ابْتَاعَ بِالنَّقْدِ وَجْهٌ بَيِّنٌ مِنْ الذَّرِيعَةِ إلَى أَمْرٍ مَكْرُوهٍ، وَعَلَى أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنَّ الذَّرِيعَةَ فِي التَّأْخِيرِ أَبْيَنُ، وَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّ فِي النَّقْدِ وَجْهًا مِنْ الذَّرِيعَةِ لَيْسَ يُفْتَى بِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا مَا سُمِّيَ لَهُ كَيْلُهُ أَوْ حَضَرَ كَيْلَهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ عَلَى الْكَيْلِ حَتَّى يُشْتَرَطَ التَّصْدِيقُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنْ بَائِعِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ اكْتَالَهُ حَتَّى يَكِيلَهُ الْمُبْتَاعُ مِنْهُ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْكَيْلُ فَيَفْسَخُ الْبَائِعُ مِنْهُ إذَا اشْتَرَاهُ عَلَى مَا لَا يَرْضَى الْمُبْتَاعُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا عَلَى الْكَيْلِ رَجَعَ بِالتَّصْدِيقِ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُشْتَرِي إلَى الْكَيْلِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ الْتَزَمَهُ عَلَى التَّصْدِيقِ، وَأَسْقَطَ عَنْ الْبَائِعِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ مُؤْنَةِ الْكَيْلِ وَالضَّمَانِ، وَالرُّجُوعِ بِالنَّقْضِ الْيَسِيرِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ نَقْصِ الْكَيْلِ فَفِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ يُؤَثِّرُ التَّصْدِيقُ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُشْتَرِي فِيهَا بَعْدَ أَنْ تَرَكَهَا لِلْبَائِعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ أَرَادَ الْمُبْتَاعُ بَعْدَ التَّصْدِيقِ فِيمَا اشْتَرَى عَلَى الْكَيْلِ، وَفِيمَا اشْتَرَى عَلَى التَّصْدِيقِ يَكِيلُهُ إنْ هُوَ بِحَضْرَةِ بَيِّنَةٍ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ، وَكَانَ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ وُجِدَ نَقْصًا لَا يَكُونُ مِنْ نَقْصِ الْكَيْلِ مِمَّا يُشْبِهُ الْغَلَطَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ، وَإِنْ غَابَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيِّنَةِ فَعَلَى الْبَائِعِ الْيَمِينُ أَنَّهُ بَاعَهُ عَلَى مَا شَاهَدَ مِنْ كَيْلِهِ، وَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُبْتَاعُ، وَرَجَعَ بِمَا نَقَصَ مِنْهُ، وَإِنْ وَجَدَ زِيَادَةً فِي الْكَيْلِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ مَنْ اشْتَرَى صُبْرَةً عَلَى أَنَّ فِيهَا كَيْلًا سَمَّاهُ فَوَجَدَهَا تَزِيدُ فَلْيَرُدَّ الزِّيَادَةَ، وَيَلْزَمُهُ الْبَيْعُ فِي الْبَاقِي، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَاهَا عَلَى كَيْلٍ مَعْلُومٍ كَانَ النَّقْصُ، وَالزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ فَكَمَا أَنَّهُ لَوْ نَقَصَتْ رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ كَذَلِكَ إذَا زَادَتْ رَدَّ عَلَيْهِ الزِّيَادَةَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا عَلَى التَّصْدِيقِ فَقَالَ مَالِكٌ لَا يَبِيعُهُ هُوَ حَتَّى يَغِيبَ عَلَيْهِ وَيَكِيلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ بَيْعُهُ إلَّا بِذَلِكَ، وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ، وَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَأَصْبَغُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الذَّرِيعَةَ فِي ذَلِكَ إلَى بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ ذَلِكَ صَدَّقَ الْبَائِعَ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ أَحْضَرَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ كَيْلَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ مِنْهُ فَلَا يَضُرُّهُ التَّصْدِيقُ، وَيَرْجِعُ بِمَا نَقَصَهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ فَجَازَ لَهُ بَيْعُهُ كَمَا لَوْ اكْتَالَهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ ابْتَاعَ زِقًّا فِيهِ سَمْنٌ بِقَمْحٍ جُزَافًا، وَزَعَمَ بَائِعُ الزِّقِّ أَنَّ فِيهِ عَشَرَةَ أَقْسَاطٍ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كُرِهَ أَنْ يَأْخُذَ السَّمْنَ بِقَوْلِ صَاحِبِهِ، وَبِهِ قَالَ الْمَخْزُومِيُّ، وَاخْتَارَهُ سَحْنُونٌ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَنَّهُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ غَيْرِ نَاجِزٍ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَخْتَبِرَ كَيْلَهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ التَّصْدِيقَ مَعْنًى يَخْرُجُ بِهِ الطَّعَامُ عَنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ كَالْكَيْلِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَمَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إلَى أَجَلٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ قَالَ؛ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى الرِّبَا فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ إلَيْنَا مِنْ جِهَةِ الْمَنْعِ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَاعُ تَجُوزُ فِي بَعْضِ الْكَيْلِ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ رَجَاءَ التَّأْخِيرِ بَعْدَ الْأَجَلِ فَيَكُونَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهِ هَدِيَّةِ الْمِدْيَان، وَمَنْ ابْتَاعَ بِنَقْدٍ فَقَدْ سَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فَهُوَ ذَرِيعَةٌ إلَى الرِّبَا فَلَعَلَّهُ يُرِيدُ مَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ مَا يُتْرَكُ لِلْبَائِعِ مِنْ نَقْصِ الْكَيْلِ زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجُوزُ أَنْ يَبْتَاعَ الرَّجُلُ الطَّعَامَ إلَى أَجَلٍ، وَيُصَدِّقُهُ الْبَائِعُ عَلَى كَيْلِهِ إذَا كَانَ يَكِيلُهُ
стр. 1413
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَى دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ وَلَا حَاضِرٍ إلَّا بِإِقْرَارٍ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَلَا عَلَى مَيِّتٍ، وَإِنْ عَلِمَ الَّذِي تَرَكَ الْمَيِّتُ، وَذَلِكَ أَنَّ اشْتِرَاءَ ذَلِكَ غَرَرٌ لَا يَدْرِي أَيَتِمُّ أَمْ لَا يَتِمُّ قَالَ: وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى دَيْنًا عَلَى غَائِبٍ أَوْ مَيِّتٍ أَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَلْحَقُ بِالْمَيِّتِ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَإِنْ لَحِقَ الْمَيِّتَ دَيْنٌ ذَهَبَ الثَّمَنُ الَّذِي أَعْطَى الْمُبْتَاعُ بَاطِلًا قَالَ مَالِكٌ، وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا عَيْبٌ آخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا لَيْسَ بِمَضْمُونٍ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ ذَهَبَ ثَمَنُهُ بَاطِلًا فَهَذَا غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ) .
ــ
[المنتقى]
بِالْقُرْبِ قَالَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا كَانَ فِي السَّفَرِ عَلَى الْمَيْلِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّا يَتَأَخَّرُ كَيْلُهُ الْأَيَّامَ قَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ إلَى بَلَدٍ يَبْلُغُهُ لَمْ يَجُزْ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ يَضْمَنُ لَهُ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ، وَنَقْصَهُ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ بِعَيْنِهِ مَا يُوفِيهِ النَّقْصَ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَإِنْ قَرُبَ، وَذَلِكَ إذَا قَالَ لَهُ فَمَا نَقَصَ، وَفَّيْتُكَهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ فَمَا نَقَصَ فَبِحِسَابِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِالْقُرْبِ فَهُوَ جَائِزٌ سَوَاءٌ شَرْطَاهُ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ أَوْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَقْدِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُدُهُ إلَّا قَدْرَ مَا لَا يَشُكَّانِ فِيهِ، وَرَوَى فِي الْمُدَوَّنَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ دُونَ شَرْطٍ قَالَ؛ لِأَنَّهُ إنْ نَقَصَ الطَّعَامُ كَانَ قَدْ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ ذِكْرَ حَقٍّ لِلْبَائِعِ بِشَيْءٍ لَمْ يَتِمَّ لَهُ فَهَذَا لَا يَصْلُحُ، وَيَدْخُلُهُ بَابٌ آخَرُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ الْفَسَادِ، وَالْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ يَتَخَلَّصُ مِنْهُ بِأَنْ لَا يَكْتُبَ ذِكْرَ الْحَقِّ حَتَّى يَكْتَالَهُ أَوْ يُبَيِّنَ فِي ذَلِكَ الْحَقَّ أَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى التَّصْدِيقِ فِي كَيْلِهِ، وَأَمَّا الْأَبْوَابُ الْأُخَرُ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنْ الْفَسَادِ فَلَعَلَّهُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ.
(ش) :، وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَى دَيْنٌ عَلَى غَائِبٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَى الْغَائِبِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ يَثْبُتُ عَلَيْهِ بِشُهُودٍ عُدُولٍ أَوْ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إلَّا بِدَعْوَى الْبَائِعِ لَهُ فَإِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ إلَّا بِدَعْوَى الْبَائِعِ لَهُ فَلَا خَوْفَ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ وَالْخَطَرِ لِجَوَازِ أَنْ يُنْكِرَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ فَيَبْطُلَ ذَلِكَ كَشِرَاءِ الْآبِقِ، وَإِنْ نَقَدَ فِيهِ دَخَلَهُ وَجْهٌ آخَرُ مِنْ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَنْكَرَهُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ رَجَعَ بِمَا نَقَدَ فِيهِ، وَإِنْ نَقَدَ الْبَيْعَ فِيهِ كَانَ ثَمَنًا لِمَا اشْتَرَاهُ فَيَكُونُ تَارَةً بَيْعًا، وَتَارَةً سَلَفًا، وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةِ عُدُولٍ فَهَلْ يَجُوزُ شِرَاؤُهُ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ غَائِبٌ رَوَى دَاوُد بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ إذَا ثَبَتَ الدَّيْنُ بِبَيِّنَةٍ، وَعُلِمَ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ حَيٌّ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ثَبَتَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ أَوْ لَمْ تَثْبُتْ لَا أُحِبُّهُ إلَّا أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي السَّلَمِ الثَّانِي.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا بِعْت الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِالثَّمَنِ الْيَوْمَ، وَالْيَوْمَيْنِ فَقَطْ، وَلَا يُؤَخِّرُ الْغَرِيمُ إذَا بِعْته مِنْهُ إلَّا مِثْلَ ذَهَابِهِ إلَى الْبَيْتِ، وَأَمَّا أَنْ تُفَارِقَهُ ثُمَّ تَطْلُبَهُ فَلَا يَجُوزُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَأْخِيرَ الْمُبْتَاعِ إذَا كَانَ غَيْرُهُ مِنْ بَابِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَالْيَسِيرُ مِنْهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَتَأْخِيرِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وَإِذَا بِعْته مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَهُوَ مِنْ بَابِ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ، وَلَا يَجُوزُ مِنْهُ إلَّا قَدْرُ مَا لَا يُمْكِنُ الْقَبْضُ إلَّا بِهِ فَإِنْ كَانَ مَا يَأْخُذُهُ يَسِيرًا فَبِقَدْرِ مَا يَأْتِي بِمَنْ يَحْمِلُهُ، وَإِنْ كَانَ طَعَامًا كَثِيرًا جَازَ ذَلِكَ مَعَ اتِّصَالِ الْعَمَلِ فِيهِ، وَلَوْ اتَّصَلَ شَهْرًا قَالَهُ أَشْهَبُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ حَاضِرًا أَوْ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ كَالشَّيْءِ يَكُونُ فِي مَنْزِلِهِ أَوْ مَخْزَنِهِ أَوْ حَانُوتِهِ فَيَذْهَبَانِ مِنْ فَوْرِهِمَا لِقَبْضِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ فَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٌ حَلَّ الدَّيْنِ أَوْ لَمْ يَحِلَّ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا يَدْخُلُهُ مِنْ التَّأْخِيرِ الَّذِي لَا يَكُونُ مِنْ أَجْلِ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ مَغِيبِ الْمَبِيعِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا قُلْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ بِكِرَاءٍ أَوْ إجَارَةٍ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مَنْعَهُ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ إجَازَتَهُ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَعْنًى يُعْتَبَرُ بِهِ مَا فِي الذِّمَّةِ، وَلَا يَبْرَأُ بُرْءًا تَامًّا فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ أَخَذَ بِهِ جَارِيَةً تَتَوَاضَعُ أَوْ
стр. 1414
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ لَا يَبِيعَ الرَّجُلُ إلَّا مَا عِنْدَهُ، وَأَنْ يُسَلِّفَ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ لَيْسَ عِنْدَهُ أَصْلُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْعَيْنَةِ إنَّمَا يَحْمِلُ ذَهَبَهُ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا فَيَقُولَ هَذِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَمَا تُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ لَك بِهَا فَكَأَنَّهُ يَبِيعُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ نَقْدًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا إلَى أَجَلٍ فَلِهَذَا كُرِهَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تِلْكَ الدُّخْلَةُ وَالدُّلْسَةُ) .
ــ
[المنتقى]
تَمْرًا يَتَأَخَّرُ، وَوَجْهُ رِوَايَةُ أَشْهَبَ أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا يُمْكِنُ قَبْضُهَا إلَّا بِقَبْضِ الرِّقَابِ، وَذَلِكَ قَدْ وُجِدَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا اسْتِئْجَارُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ كَالثَّوْبِ يَصْبُغُهُ أَوْ يَخِيطُهُ أَوْ الْحِنْطَةِ يَطْحَنُهَا أَوْ يُكْرِي لَهُ مِنْهُ أَرْضًا فَقَدْ مَنَعَهُ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ إلَّا الْعَمَلَ الْيَسِيرَ، وَالدَّيْنُ لَمْ يَحِلَّ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ حَلَّ لَمْ يَجُزْ فِي يَسِيرٍ، وَلَا فِي كَثِيرٍ، وَكَرِهَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فِي دَيْنٍ لَمْ يَحِلَّ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ لَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ قَالَ أَخَافُ أَنْ يَمْرَضَ أَوْ يَغِيبَ فَيَتَأَخَّرَ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ فَيَصِيرَ دَيْنًا بِدَيْنٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَبْلَ الْأَجَلِ مِنْ بَابِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَحِلَّ الْأَجَلُ فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ بِالْعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ لَهُ، وَلَا يَكُونُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ بَعْدُ عَلَيْهِ فَيَفْسَخُهُ فِي غَيْرِهِ، وَيَقْتَضِي هَذَا أَنَّ دَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَبْقَى إلَى الْأَجَلِ، وَأَمَّا إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ دَيْنُهُ الْحَالُ فِي الْعَمَلِ، وَلِذَلِكَ لَا يَبْقَى لَهُ فِي ذِمَّتِهِ بِنَفْسِ الِاسْتِئْجَارِ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَا يُضَارِعُ بَيْعَ الدَّيْنِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الرَّجُلِ دَيْنٌ مِنْ عُرُوضٍ يَقْضِيكَهَا بِبَلَدٍ فَتَلْقَاهُ بِبَلَدٍ آخَرَ فَلَا بَأْسَ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ، وَتَرَاضَيْتُمَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ مَالَك عَلَيْهِ فِي جِنْسِهِ وَصِفَتِهِ لَا أَفْضَلَ، وَلَا أَدْوَنَ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْأَجَلِ لَمْ يَجُزْ كَانَ دَيْنُك مِنْ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبَلَدِ قَبْلَ الْأَجَلِ مِثْلُهُ، وَيَجُوزُ فِي الْقَرْضِ أَجْوَدُ مِنْهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَبْلَ الْأَجَلِ إذَا أَعْطَاهُ بِغَيْرِ الْبَلَدِ لَمْ يَخْلُ مِنْ حُطَّ عَنِّي الضَّمَانَ، وَأَزِيدُك أَوْ ضَعْ، وَتَعَجَّلْ، وَكَذَلِكَ الْقَرْضُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ بِغَيْرِ بَلَدِ الْقَرْضِ، وَإِنْ كَانَ بِبَلَدِ الْقَرْضِ أَوْ قَبْلَ السَّلَمِ جَازَ قَبْلَ الْأَجَلِ مِثْلُهُ، وَلَمْ يَجُزْ أَدْوَنُ، وَلَا أَفْضَلُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَيَجُوزُ فِي الْقَرْضِ أَجْوَدُ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُعَجِّلَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَدْوَنَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُقْرِضِ أَنْ يَتَعَجَّلَهُ فَيَدْخُلُهُ ضَعْ وَتَعَجَّلْ.
(ش) : هَذَا عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ مِنْ وُجُوهِ فَسَادِ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَإِنْ جَازَ ذَلِكَ فِي السَّلَمِ إنْ عَمِلَ أَهْلُ الْعَيْنَةِ إنَّمَا يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ إلَى سَلَفِ دِرْهَمٍ فِي دِرْهَمٍ وَنِصْفٍ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ هَذِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ أَشْتَرِي لَك بِهَا مَا شِئْت أَبِيعُهُ مِنْك بِخَمْسَةَ عَشَر دِينَارًا إلَى أَجَلٍ فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ عَشَرَةً نَقْدًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَك بِسَبَبِ الذَّرِيعَةِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ لِمَا كَانَ يَتَكَرَّرُ قَصْدُهُ، وَإِلَّا فَبَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك مَمْنُوعٌ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ رَوَى جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهِك عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي أَبِيعُهُ مِنْهُ ثُمَّ ابْتَاعَهُ مِنْ السُّوقِ قَالَ فَقَالَ لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك» ، وَهَذَا أَحْسَنُ أَسَانِيدِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ السَّلَمَ لَا يَصِحُّ إلَّا مُؤَجَّلًا، وَإِذَا جَوَّزْنَا السَّلَمَ عَلَى الْحَوْلِ حُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَهُ شَيْئًا مُعَيَّنًا قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهُ وَيَتَضَمَّنَ خُرُوجَهُ مِنْ مِلْكِهِ، وَعَلَى أَنَّ اسْمَ الْبَيْعِ لَا يَتَنَاوَلُ السَّلَمَ فِي الظَّاهِرِ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ لِبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَيُطْلَبُ عَقِيبَ الْبَيْعِ بِقَضَائِهِ فَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا.
(فَرْقٌ) وَفَرْقٌ بَيْنَ شِرَاءِ مَا عِنْدَ الْبَائِعِ وَبَيْنَ السَّلَمِ فِيهِ أَنَّ السَّلَمَ اخْتَصَّ بِالتَّأْجِيلِ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَالْبَيْعُ يَخْتَصُّ بِنَفْسِ الْمَبِيعِ، وَمَا اخْتَصَّ بِأَحَدِ الْعَقْدَيْنِ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّصْحِيحِ لِلْعَقْدِ كَالْأَجَلِ فِي السَّلَمِ وَفَرْقٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ السَّلَمَ يُنَافِي التَّعْيِينَ فِي الْمَبِيعِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ فَضَمَانُهُ إلَى الْأَجَلِ، وَالْبَيْعُ يُنَافِي عَدَمَ التَّعْيِينِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِتَعَذُّرِ تَحْصِيلِهِ، وَتَفَاوُتِ ثَمَنِهِ مَعَ كَوْنِهِ حَالًا عَلَيْهِ فَلَا يَجِدُ السَّبِيلَ إلَى تَسْلِيمِهِ.
стр. 1415
(مَا جَاءَ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ) (ص) : (مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْبَزَّ الْمُصَنَّفَ، وَيَسْتَثْنِي ثِيَابًا بِرُقُومِهَا أَنَّهُ إنْ اشْتَرَطَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ ذَلِكَ الرَّقِيمَ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُ حِينَ اسْتَثْنَى فَإِنِّي أَرَاهُ شَرِيكًا فِي عَدَدِ الْبَزِّ الَّذِي اُشْتُرِيَ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ يَكُونُ رَقْمُهُمَا سَوَاءً وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي الثَّمَنِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشِّرْكِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ قُبِضَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُقْبَضْ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِالنَّقْدِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ، وَلَا وَضِيعَةٌ، وَلَا تَأْخِيرٌ لِلثَّمَنِ فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ رِبْحٌ أَوْ وَضِيعَةٌ أَوْ تَأْخِيرٌ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهَا صَارَ بَيْعًا يُحِلُّهُ مَا يُحِلُّ الْبَيْعَ، وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ، وَلَيْسَ بِشِرْكٍ وَلَا تَوْلِيَةٍ وَلَا إقَالَةٍ) .
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ]
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا بَاعَ أَصْنَافًا مِنْ الْبَزِّ، وَاسْتَثْنَى مِنْهَا ثِيَابًا بِمَا رُقِمَ عَلَيْهَا مِنْ الثَّمَنِ أَوْ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ رَقْمُ جِنْسٍ مَا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو إذَا اسْتَثْنَى بَعْضَ النَّوْعِ الَّذِي اسْتَثْنَى مِنْهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ الِاخْتِيَارَ أَوْ لَا يَشْتَرِطَ شَيْئًا فَإِنْ اسْتَثْنَى الِاخْتِيَارَ فَإِنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا اسْتَثْنَى الِاخْتِيَارَ الْأَكْثَرَ مِنْهُ، وَهُوَ بَائِعٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا فَهُوَ شَرِيكٌ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ بِقَدْرِ مَا اسْتَثْنَى مِنْهُ مِنْ جَمِيعِ عَدَدِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي اسْتَثْنَى مِنْهُ ثَلَاثِينَ ثَوْبًا فَيَسْتَثْنِي مِنْهَا عَشَرَةَ أَثْوَابٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ شَرِيكًا فِي ذَلِكَ النَّوْعِ مِنْ الْمَتَاعِ بِالثُّلُثِ لَهُ ثُلُثُهُ، وَلِمَنْ ابْتَاعَهُ ثُلُثَاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ يَكُونُ رَقْمُهُمَا سَوَاءً وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي الثَّمَنِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ أَفْضَلُهُمَا، وَلَا أَدْنَاهُمَا لَتَفَاوُتِ أَثْمَانِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ مِنْ الثِّيَابِ مَعَ تَسَاوِيهَا فِي الرُّقُومِ إمَّا؛ لِأَنَّ الرَّقْمَ بِمَعْنَى النَّوْعِ، وَإِمَّا لِغَلَاءِ أَوْ رُخْصِ، وَإِمَّا أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ رَقَمَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي بِثَمَنٍ وَاحِدٍ يَتَحَمَّلُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَإِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ تَعْيِينًا، وَلَا اخْتِيَارًا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا بِعَدَدِ مَا اسْتَثْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَنَّ مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا عَلَى كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ لَأَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُشْرِكَ فِيهِ بِأَنْ يُولِيَ أَحَدًا جُزْءًا مِنْهُ أَوْ يُولِيَهُ جَمِيعَهُ أَوْ يَقْبَلَ الْبَائِعُ مِنْهُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى رَبِيعَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى، وَأَرْخَصَ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ» ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا مِنْ عُقُودِ الْمُكَارَمَةِ فَاسْتَثْنَى مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ كَمَا اسْتَثْنَى بَيْعَ الْعَرِيَّةِ مِنْ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ بِالنَّقْدِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ وَلَا، وَضِيعَةٌ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ النَّقْدُ أَوْ يَكُونُ الْبَيْعُ عَلَى النَّقْدِ، وَتَكُونُ عَلَى ذَلِكَ الشَّرِكَةُ أَوْ التَّوْلِيَةُ أَوْ الْإِقَالَةُ، وَلَوْ كَانَ النَّقْدُ الْأَوَّلُ عَلَى التَّأْجِيلِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ وَالْإِقَالَةُ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ هَذِهِ الْعُقُودِ أَنْ تَكُونَ مُسَاوِيَةً لِمَا تَقَدَّمَهَا مِنْ الْبَيْعِ، وَلَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ نَقْصٌ وَلَا زِيَادَةُ غَيْرِ مَا انْعَقَدَ بِهِ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ، وَلَا يَكَادُ الرَّقْمُ يَتَسَاوَى، وَلَا تَصِحُّ فِي ذَلِكَ شَرِكَةٌ، وَلَا تَوْلِيَةٌ، وَلَا إقَالَةٌ لِعَدَمِ تَسَاوِي الرَّقْمِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا كَانَ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ بِالنَّقْدِ جَازَتْ الشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ وَالْإِقَالَةُ بِالنَّقْدِ دُونَ تَأْخِيرٍ، وَلَا زِيَادَةٍ فِي الثَّمَنِ، وَلَا نَقْصٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ إلَى حُكْمِ الْبَيْعِ الْمَحْضِ الْمُنَافَى لِلْمُكَارَمَةِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْمُغَابَنَةِ وَالْمُكَايَسَةِ وَاَلَّذِي يَمْنَعُ أَنْ يَمْلِكَ بِهِ الطَّعَامَ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ تَأْخِيرٌ أَوْ زِيَادَةُ ثَمَنٍ أَوْ نَقْصٌ مِنْهُ فَلَيْسَ بِشَرِكَةٍ، وَلَا تَوْلِيَةٍ وَلَا إقَالَةٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ رِبْحٌ أَوْ وَضِيعَةٌ أَوْ تَأْخِيرٌ مِنْ أَحَدِهِمَا صَارَ بَيْعًا يُرِيدُ أَنَّهُ لَا تَكُونُ
стр. 1416
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بَزًّا أَوْ رَقِيقًا فَبَتَّ بِهِ ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ أَنْ يُشْرِكَهُ فَفَعَلَ، وَنَقَدَ الثَّمَنَ صَاحِبَ السِّلْعَةِ جَمِيعًا ثُمَّ أَدْرَكَ السِّلْعَةَ شَيْءٌ يَنْتَزِعُهَا مِنْ أَيْدِيهِمَا فَإِنَّ الْمُشْرِكَ يَأْخُذُ مِنْ الَّذِي أَشْرَكَهُ الثَّمَنَ، وَيَطْلُبُ الَّذِي أَشْرَكَ بَيْعَهُ الَّذِي بَاعَهُ السِّلْعَةَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشْرِكُ عَلَى الَّذِي أَشْرَكَ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ، وَعِنْدَ مُبَايَعَةِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ، وَقَبْلَ أَنْ يَتَفَاوَتَ ذَلِكَ أَنَّ عُهْدَتَك عَلَى الَّذِي ابْتَعْت مِنْهُ، وَإِنْ تَفَاوَتَ ذَلِكَ، وَفَاتَ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ فَشَرْطُ الْآخَرِ بَاطِلٌ، وَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ اشْتَرِ هَذِهِ السِّلْعَةَ بَيْنِي وَبَيْنَك، وَانْقُدْ عَنِّي، وَأَنَا أَبِيعُهَا لَك إنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ حِينَ قَالَ اُنْقُدْ عَنِّي، وَأَنَا أَبِيعُهَا لَك، وَإِنَّمَا ذَلِكَ سَلَفٌ يُسَلِّفُهُ إيَّاهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا لَهُ، وَلَوْ أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ هَلَكَتْ أَوْ فَاتَتْ أَخَذَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ شَرِيكِهِ مَا نَقَدَ لَهُ فَهَذَا مِنْ السَّلَفِ الَّذِي يَجُرُّ مَنْفَعَةً) .
ــ
[المنتقى]
الْإِقَالَةُ وَالتَّوْلِيَةُ وَالشَّرِكَةُ إلَّا عَلَى حُكْمِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ لَا زِيَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَا نُقْصَانَ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ هَذِهِ الْعُقُودُ مَبْنِيَّةً عَلَى الْمُكَارَمَةِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا تَأْخِيرٌ بِأَنْ يُؤَخِّرَ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ بِرَأْسِ مَالِ الْمُسْلَمِ أَوْ يَكُونُ الْمَبِيعُ مِنْهُ الطَّعَامُ ثُمَّ قَدْ أَخَّرَ بِثَمَنِهِ ثُمَّ أَقَالَ مِنْهُ عَلَى التَّعْجِيلِ أَوْ اشْتَرَكَ أَوْ وَلَّى عَلَى التَّعْجِيلِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ عُقُودِ الْمُكَارَمَةِ إلَى الْمُبَايَعَةِ الْمَحْضَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْمُغَابَنَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إيقَاعُهَا فِي طَعَامٍ بِيعَ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ يُحِلُّهُ مَا يُحِلُّ الْبُيُوعَ مِنْ أَنْ لَا يَقَعَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ، وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبُيُوعَ فَلَا يَقَعُ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى بَزًّا أَوْ رَقِيقًا فَبَتَّ شِرَاءَهُ يُرِيدُ اشْتَرَاهُ عَلَى الْقَطْعِ دُونَ الْخِيَارِ ثُمَّ أَشْرَكَ فِيهِ رَجُلًا بِأَنْ بَاعَهُ نِصْفَهُ أَوْ جُزْءًا مِنْهُ، وَنَقَدَ الثَّانِي صَاحِبَ السِّلْعَةِ يُرِيدُ الْبَائِعَ جَمِيعَ ثَمَنِ السِّلْعَةِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ فَإِنَّ دَافِعَ الثَّمَنِ إلَى الْبَائِعِ يَرْجِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ الْأَوَّلِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَيَرْجِعُ الْمُبْتَاعُ الْأَوَّلُ بِذَلِكَ عَلَى بَائِعِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ بَيْعٌ مُسْتَأْنَفٌ، وَكَوْنُهُ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ تَكُونَ فِيهِ الْعُهْدَةُ عَلَى الْبَائِعِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ عُهْدَةَ الشَّرِيكِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَشْرَكَهُ مَعَ الْإِطْلَاقِ، وَعَدَمُ الشَّرْطِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ بِأَنَّهُ بَيْعٌ مُسْتَأْنَفٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ عَلَى الَّذِي أَشْرَكَ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ، وَقَبْلَ أَنْ يَتَفَاوَتَ ذَلِكَ أَنَّ عُهْدَتَك عَلَى الَّذِي ابْتَعْت مِنْهُ يُرِيدُ أَنَّ الشَّرْطَ يَصِحُّ فِي الْوَقْتَيْنِ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ، وَقَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا مُفَارَقَةً بَيِّنَةً، وَيُقْطَعُ مَا كَانَا فِيهِ مِنْ الْبَيْعِ وَمُذَاكَرَتِهِ، وَقَبَضَ مِنْهُ حَقَّهُ أَوْ أَخَّرَهُ بِهِ فَانْبَتَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَشْرَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ اشْتَرَطَ الْبَيْعَ قَبْلَ هَذَا أَنْ تَكُونَ الْعُهْدَةُ عَلَى الْبَائِعِ صَحَّ مَا شَرَطَهُ، وَإِنْ اشْتَرَطَ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْعُهْدَةُ عَلَى الْمُشْتَرَطِ وَالْمُولِي، وَلَا يَنْتَفِعُ بِشَرْطِهِ، وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ مِثْلَهُ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ اشْتَرِ هَذِهِ السِّلْعَةَ بَيْنِي وَبَيْنَك بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَانْقُدْ عَنِّي، وَأَنَا أَبِيعُهَا لَك؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ اُنْقُدْ عَنِّي اشْتِرَاطُ سَلَفٍ يُسَلِّفُهُ ثَمَنَهَا لِيَكْفِيَهُ هُوَ مُؤْنَةَ بَيْعِهَا، وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ دُونَهُ فَقَدْ جَعَلَ جُعْلَهُ فِي الِانْفِرَادِ بِبَيْعِ السِّلْعَةِ لِلِانْتِفَاعِ بِمَا يُسْلِفُهُ الْآخِرُ مِنْ ثَمَنِهَا إلَى أَنْ يَبِيعَهَا وَيَرُدَّ عَلَيْهِ مَا أَسْلَفَهُ، وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ عَلَى أَنَّ مَعْنَى هَذَا السَّلَفِ بِأَنَّ السِّلْعَةَ لَوْ هَلَكَتْ لَرَجَعَ الْمُسْلِفُ عَلَى شَرِيكِهِ بِمَا أَسْلَفَهُ مِنْ ثَمَنِهَا فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مَعْنَاهُ السَّلَفُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مِنْ حُكْمِ الْقَرْضِ أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ عِوَضٍ، وَلَا مُقَارَضَةٍ، وَهَذَا يَمْنَعُ صِحَّةَ هَذَا الْعَقْدِ، وَيُدْخِلُهُ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ مَا وُجِّهَ مِنْ وُجُوهِ الْفَسَادِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ وَقَعَ هَذَا فَالسِّلْعَةُ بَيْنَهُمَا، وَلِلْمُسَلِّفِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا أَسْلَفَهُ نَقْدًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَاعَ السِّلْعَةَ لَمْ يَكُنْ بَيْعُهَا إلَّا أَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي وَجَبَ بِهِ عَلَيْهِ قَدْ نُقِضَ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِفُ قَدْ بَاعَ السِّلْعَةَ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِيمَا بَاعَ مِنْ نَصِيبِ الْمُتَسَلِّفِ، وَذَلِكَ أَنَّ الشِّرَاءَ وَقَعَ صَحِيحًا لَهُمَا جَمِيعًا، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْفَسَادُ فِي الْإِجَارَةِ
стр. 1417
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ سِلْعَةً فَوَجَبَتْ لَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ رَجُلٌ أَشْرِكْنِي بِنِصْفِ هَذِهِ السِّلْعَةِ، وَأَنَا أَبِيعُهَا لَك جَمِيعًا كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لَا بَأْسَ بِهِ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ جَدِيدٌ بَاعَهُ نِصْفَ السِّلْعَةِ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ) .
ــ
[المنتقى]
مِنْ أَجْلِ السَّلَفِ فَالسَّلَفُ مَرْدُودٌ، وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ عَمَلِهِ فِيمَا عَمِلَ لِشَرِيكِهِ، وَلَهُ رِبْحُ حِصَّتِهِ مِنْ السِّلْعَةِ وَلِشَرِيكِهِ رِبْحُ حِصَّتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ ظَهَرَ عَلَى هَذَا قَبْلَ النَّقْدِ لَأَمْسَكَ الْمُسْلِفُ مَا شُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يُسْلِفَهُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ الْمُسْلِفُ عَمِلَ فِي حِصَّتِهِ دُونَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ، وَكَانَ عَلَى شَرِيكِهِ أَنْ يَعْمَلَ فِي حِصَّتِهِ أَوْ يَسْتَأْجِرَ الْمُسْلِفُ اسْتِئْجَارًا مُسْتَأْنَفًا صَحِيحًا.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً، وَثَبَتَ لَهُ مِلْكُهَا ثُمَّ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ أَشْرِكْنِي فِي نِصْفِ هَذِهِ السِّلْعَةِ، وَأَنَا أَبِيعُ لَك جَمِيعَهَا فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَاعَهُ النِّصْفَ الَّذِي أَشْرَكَهُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ، وَبِعَمَلِهِ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي لَهُ يَتَنَاوَلُ بَيْعَهَا إلَّا أَنْ يَبِيعَهَا فَلَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ الْجَهَالَةِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَعْلُومٌ، وَالسِّلْعَةَ مَعْلُومَةٌ، وَعَمَلَ الشَّرِيكِ فِي بَيْعِهَا مَعْلُومٌ، وَوَجْهَ تَنَاوُلِهِ فِي ذَلِكَ مَعْلُومٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ وُجُوهِ الِاعْتِرَاضِ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اللُّزُومِ، وَمَقْصُودُهُمَا وَاحِدٌ فَلَا يَتَنَافَيَانِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْتَمِعَ الْجُعْلُ، وَالْبَيْعُ فِي عَقْدٍ؛ لِأَنَّ الْجُعْلَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْجَوَازِ، وَالْبَيْعُ مَبْنِيٌّ عَلَى اللُّزُومِ فَهُمَا يَتَنَافَيَانِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ اجْتِمَاعُهُمَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ لِجَوَازِ هَذَا الْعَقْدِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ شُرُوطًا مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَضْرِبَ لِمُدَّةِ الْبَيْعِ أَجَلًا فَيَقُولَ عَلَى أَنْ أَبِيعَ لَك النِّصْفَ الثَّانِيَ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَجَلِ فَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ لِذَلِكَ أَجَلًا لَمْ يَجُزْ هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ أَصْلِ الْكِتَابِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ، وَذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ بَاعَ نِصْفَ ثَوْبٍ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ الْمُشْتَرِي النِّصْفَ الثَّانِيَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ ضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا فَهُوَ أَحْرَمُ لَهُ.
فَوَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ الْأَجَلِ، وَيَجُوزُ مَعَ وُجُودِهِ أَنَّ عَدَمَ الْأَجَلِ يُبْطِلُ عَقْدَ الْإِجَارَةِ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ الْإِجَارَةِ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْجُعْلَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَارِنَ الْبَيْعَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِذَا ضَرَبَ الْأَجَلَ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ، وَصَحَّ مُقَارَنَتُهَا لِلْبَيْعِ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا الْقَرَوِيِّينَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ اشْتَرَى مُعَيَّنًا لَا يَقْبِضُهُ إلَّا إلَى الْأَجَلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَوِّتَ النِّصْفَ الَّذِي صَارَ إلَيْهِ بِالشَّرِكَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ أَوْ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْعَيْنِ إلَّا بِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ إجَارَةُ بَيْعِهِ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ ذَلِكَ فَبَاعَ السِّلْعَةَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ نِصْفَ الثَّوْبِ بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الثَّانِيَ شَهْرًا، وَكَانَ قِيمَةُ بَيْعِهِ إيَّاهُ شَهْرًا دِرْهَمَيْنِ فَصَارَ ثَمَنُ الثَّوْبِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا فَبَاعَهُ فِي نِصْفِ الشَّهْرِ فَإِنَّ صَاحِبَ الثَّوْبِ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا بَقِيَ مِنْ إجَارَةِ الْمُدَّةِ، وَذَلِكَ نِصْفُ سُدُسِ ثَمَنِ نِصْفِ الثَّوْبِ، وَذَلِكَ رُبُعُ سُدُسِ قِيمَةِ الثَّوْبِ كُلِّهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَرْجِعُ بِذَلِكَ ثَمَنًا، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ قَائِمًا فَيَكُونَ لَهُ شَرِيكًا بِهِ فِيهِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا بَاعَ الْأَجِيرُ نِصْفَ الْمُسْتَأْجَرِ، وَبَقِيَ نِصْفُهُ الَّذِي بِيعَ مِنْهُ، وَاسْتُؤْجِرَ بِهِ بِيَدِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِمَّا يَجِبُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي هَذَا الْعَقْدِ أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ مِمَّا تُعْرَفُ بِعَيْنِهَا كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَالْعُرُوضِ مِمَّا لَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ فَإِنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا كَالطَّعَامِ وَالْحِنَّاءِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ يَقْبِضُ الطَّعَامَ، وَيُغَابُ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَبِيعُ فِي نِصْفِ الْأَجَلِ فَيَرُدُّ طَعَامًا قَدْ غَابَ عَلَيْهِ فَيَدْخُلُهُ السَّلَفُ وَالْإِجَارَةُ.
стр. 1418
(مَا جَاءَ فِي إفْلَاسِ الْغَرِيمِ)
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ مِنْهُ، وَلَمْ يَقْبِضْ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الَّذِي ابْتَاعَهُ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ فِيهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَأَدْرَكَ الرَّجُلُ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» )
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي إفْلَاسِ الْغَرِيمِ وَفِيهِ أَبْوَاب]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ مِنْهُ» الْفَلَسُ هُوَ عَدَمُ الْمَالِ، وَهُوَ الْإِعْسَارُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ، وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَنْ ادَّعَى ذَلِكَ مَجْهُولًا فَلَسُهُ أَوْ مَعْلُومًا فَلَسُهُ أَوْ مَعْلُومًا غِنَاهُ فَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْفَلَسِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ يُحْبَسُ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ حَتَّى يَسْتَبِدَّ أَمْرَهُ لَعَلَّهُ غَيَّبَ مَالَهُ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ، وَيُحْبَسُ النِّسَاءُ وَمَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ فِي الدَّيْنِ فِي اللَّدَدِ وَالتُّهْمَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا يَدَّعِيهِ مِنْ الْإِعْسَارِ يُنَافِيهِ إقْرَارُهُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ عِوَضَهُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُوسِرٌ بِهِ فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ خِلَافُ مَا يَدَّعِيهِ فَلِذَلِكَ أَلْزَمَهُ السِّجْنَ لِتَحَقُّقِ حَالِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ ادَّعَى الْفَقْرَ، وَظَاهِرُهُ الْغِنَى، وَأَقَامَ بَيِّنَةً فِي الْفَقْرِ، وَلَمْ تُزَكَّ بَيِّنَتُهُ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِ حَمِيلٌ وَسِجْنٌ حَتَّى تُزَكَّى بَيِّنَتُهُ مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ، وَذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ يَدَّعِي خِلَافَ الظَّاهِرِ مِنْ حَالِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَهَذَا لِمَنْ تَفَالَسَ، وَيَقُولُ لَا شَيْءَ لَهُ، وَأَمَّا إذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَسَأَلَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ، وَوَعَدَ بِالْقَضَاءِ فَلْيُؤَخِّرْهُ الْإِمَامُ حَسْبَمَا يَرْجُو لَهُ، وَلَا يَعْجَلْ عَلَيْهِ حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ، وَقَالَ فِي كِتَابِ سَحْنُونٍ إنْ سَأَلَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ يَوْمًا أَوْ نَحْوَهُ أُخِّرَ، وَيُعْطِي حَمِيلًا بِالْمَالِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَمِيلًا بِهِ سُجِنَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَعَذُّرَ الْقَضَاءِ قَدْ يَتَّجِهُ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فَإِذَا أَعْطَى حَمِيلًا بِالْمَالِ، وَسَأَلَ النَّظِرَةَ إلَى مِثْلِ هَذَا الْمِقْدَارِ مِمَّا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ عَلَى الْمُطَالِبِ لَهُ فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُوَفِّقَهُ مِثْلَ هَذَا التَّأْخِيرِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ سَمَّاكٌ لِرَجُلِ عَلَيْهِ سَمَكٌ فَسَأَلَ الصَّبْرَ حَتَّى يَخْرُجَ فَيَصِيدَ قَالَ يَصْبِرُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ ابْنُ الْمَاجِشُونَ فِي رِوَايَتِهِ الْحَمِيلَ، وَوَجْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سَحْنُونٍ الْحَمِيلُ فِي الْمَالِ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ الْأَجَلُ كَانَ لَهُ أَنْ لَا يُؤَخِّرَهُ إلَّا بِحَمِيلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا السَّمَّاكُ عَدِيمًا يُعْلَمُ أَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَا يَجِدُ قَضَاءً إلَّا مِنْ تَصَيُّدِهِ فَيَتْرُكُ، وَالتَّصَيُّدَ لِأَنَّهُ الْوَجْهُ الَّذِي يُسْلِمُ إلَيْهِ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَمُدَّةُ سَجْنِ الْمَجْهُولِ الْحَالِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدَّيْنِ فِيمَا رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ فَقَالَ يُحْبَسُ فِي الدُّرَيْهِمَاتِ الْيَسِيرَةِ قَدْرَ نِصْفِ شَهْرٍ، وَفِي الْكَثِيرِ مِنْ الْمَالِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي الْوَسَطِ مِنْهُ شَهْرَيْنِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ سُجِنَ عَلَى وَجْهِ اخْتِبَارِ حَالِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى قَدْرِ الْحَقِّ الَّذِي يُخْتَبَرُ مِنْ أَجْلِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَيُحْبَسُ الْوَصِيُّ فِيمَا عَلَى الْأَيْتَامِ مِنْ دَيْنٍ إذَا كَانَ لَهُمْ فِي يَدِهِ مَالٌ، وَكَذَلِكَ الْأَبُ فِي دَيْنِ الْوَلَدِ إذَا كَانَ لَهُ بِيَدِهِ مَالٌ رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَبَضَ لَهُ مَالًا، وَلَا يَعْلَمُ بَقَاءَهُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ يَدَّعِي خِلَافَ الظَّاهِرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَيُحْبَسُ الْأَبُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، وَلَا يُحْبَسُ الْأَبُ فِي دَيْنِ الْوَلَدِ يُرِيدُ إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَطْلُبُهُ بِهِ، وَأَمَّا تَرْكُهُ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ فَضَرَرٌ يَلْحَقُ الْوَلَدَ، وَغَيْرَهُ يَطْلُبُهُ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَيُحْبَسُ الْمُسْلِمُ لِلْكَافِرِ فِي الدَّيْنِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَيُحْبَسُ السَّيِّدُ لِمُكَاتَبِهِ فِي الدَّيْنِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُقُوقَ لَا تُعْتَبَرُ فِيهَا الْحُرْمَةُ وَالْمَنْزِلَةُ إلَّا الْوَالِدَ فِي حَقِّ الْوَلَدِ لِأَنَّ حَقَّهُ عَلَيْهِ لَيْسَ لِأَجْلِ حُرْمَتِهِ وَقَرَابَتِهِ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا
стр. 1419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الْأُبُوَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّفَقَةِ، وَيُحْبَسُ سَائِرُ الْقَرَابَاتِ مِنْ الْأَجْدَادِ، وَغَيْرِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنْ ظَهَرَ أَنْ لَا مَالَ لَهُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُحَلِّفُهُ، وَيُطْلِقُهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ الشُّهُودُ إنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ مَالًا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا، وَيَنْقَضِي أَمْرُ السِّجْنِ، وَيَلْزَمُهُ هُوَ الْيَمِينُ لِأَنَّ الشُّهُودَ إنَّمَا يَشْهَدُونَ عَلَى الْعِلْمِ فَعَلَيْهِ هُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْبَاطِنِ بِالْبَتِّ كَالرَّجُلِ يَسْتَحِقُّ الدَّارَ فَيَشْهَدُ الشُّهُودُ لَهُ عَلَى عِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ فَوْتَهُ فَيَحْلِفُ هُوَ عَلَى الْبَاطِنِ بِالْبَتِّ وَالْقَطْعِ أَنَّهُ مَا فَوَّتَهُ.
١ -
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا مَنْ ثَبَتَ فَلَسُهُ، وَعُلِمَ عُدْمُهُ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ لَا يُحْبَسُ إنْ كَانَ مُعْسِرًا، وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فَلَا يُحْبَس حُرٌّ وَلَا عَبْدٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] .
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَلَا يُؤَاجِرُ الْمُفْلِسُ فِي دَيْنِهِ خِلَافًا لِابْنِ حَنْبَلٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الدَّيْنَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ دُونَ عَمَلِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا مَنْ عُلِمَ غِنَاهُ أَوْ كَانَ ذَلِكَ ظَاهِرَ أَمْرِهِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَالْعُتْبِيَّةِ يُحْبَسُ حَتَّى يُوَفِّيَ النَّاسَ حُقُوقَهُمْ أَوْ يَتَبَيَّنُ أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فَهَذَا لَا يُصْرَفُ، وَلَا يُعَجَّلُ سَرَاحُهُ حَتَّى يُسْتَبْرَأَ أَمْرُهُ قَالَ: وَهَذَا مِثْلُ التُّجَّارِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ ثُمَّ يَدَّعُونَ ذَهَابَهَا، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ، وَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ سُرِقَ لَهُ شَيْءٌ، وَلَا أُحْرِقَ لَهُ مَنْزِلٌ، وَلَا أُصِيبَ بِشَيْءٍ.
١ -
(فَصْلٌ)
وَإِنَّمَا يَثْبُتُ فَلَسُهُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ فَيَمْنَعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، وَيَحْجُرُ عَلَيْهِ فِيهِ حَتَّى يَقْسِمَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَيُعَجِّلُ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ، وَمَنْ وَجَدَ سِلْعَتَهُ كَانَ أَحَقَّ بِهَا، وَهَذَا مَعْنَى تَفْلِيسِهِ، وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُون حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا فَإِنْ كَانَ غَائِبًا، وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ فَقَامَ غُرَمَاؤُهُ عَلَيْهِ لِيُفْلِسَ لَهُمْ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ، وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ أَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ إنْ كَانَتْ غِيبَةً قَرِيبَةً فَيَكْتُبُ إلَيْهِ، وَيَكْشِفُ عَنْ أَمْرِهِ لِيَعْرِفَ مَلَاءَهُ مِنْ عُدْمِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَعْرِفَ فِي الْعُدْمِ وَالْيَسَارِ أَوْ يَجْهَلَ ذَلِكَ فَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ فَلِسَ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنْ عَرَفَ يَسَارَهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُفَلَّسُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ يُفَلَّسُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا مَعْرُوفُ الْمَلَاءَةِ فَلَا يُفَلَّسُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ حَاضِرًا، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ مَالَ الْغَائِبِ الْبَعِيدِ الْغَيْبَةِ لَا يُقْضَى مِنْهُ دَيْنٌ، وَلَا يُعْرَفُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ إفْلَاسَهُ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يُفَلِّسُهُ الْحَاكِمُ، وَيَقْضِي دُيُونَ الْحَاضِرِينَ، وَتَحَاصُّوا بِمَا عُلِمَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ لِغَائِبٍ، وَلَا يُؤَخَّرُونَ لِاسْتِبْرَاءِ مَا عَلَيْهِ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ بَاقِيَةٌ، وَأَمَّا الْمَيِّتُ فَإِنَّ ذِمَّتَهُ قَدْ ذَهَبَتْ فَلِذَلِكَ يُسْتَأْنَى بِهِمْ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالدَّيْنِ رَوَاهُ مُطَرِّفٌ، وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ جَمِيعُ غُرَمَائِهِ تَفْلِيسَهُ أَوْ بَعْضُهُمْ فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَإِنَّ لِلْقَائِمِ تَفْلِيسَهُ وَسَجْنَهُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ، وَإِنْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ، وَوَجْهُهُ أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلطَّالِبِ فَلَا يَبْطُلُ بِإِسْقَاطِ غَيْرِهِ عَنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ الْحَقُّ كَمَا لَوْ وَهَبَ بَعْضُهُمْ دَيْنَهُ لَمْ يَلْزَمْ غَيْرَهُمْ أَنْ يَهَبَهُ دَيْنَهُ أَيْضًا، وَلِمَنْ أَبَى تَفْلِيسَهُ أَنْ يُحَاصَّ لِلْقَائِمِ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ، وَيُقِرَّ بِيَدِ الْمُفْلِسِ مَا كَانَ لَهُ بِالْمُحَاصَّةِ، وَلَيْسَ لِلْقَائِمِ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْهُ فِي دَيْنِهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَفْلِيسَهُ يَقْتَضِي تَحَاصَّ غُرَمَائِهِ فِي مَالِهِ فَمَنْ أَقَرَّ حِصَّتَهُ بِيَدِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ
стр. 1420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
اسْتَأْنَفَ مُعَامَلَتَهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ أَخْذُ مَا عَامَلَهُ بِهِ مِنْ الْمُفْلِسِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَهَذَا إذَا قَامَ مَنْ أَرَادَ إقْرَارَ حِصَّتِهِ بِيَدِهِ، وَطَلَبَ الْمُحَاصَّةَ، وَأَمَّا مَنْ أَمْسَكَ عَنْ الطَّلَبِ، وَعَلِمَ بِالتَّفْلِيسِ، وَتَقَاسَمَ الْغُرَمَاءُ مَالَهُ، وَهُوَ حَاضِرٌ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ إنْ قَامَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِهِ الْقِيَامَ أَوْ يَكُونَ لَهُ سُلْطَانٌ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ بِذَلِكَ، وَأَمْسَكَ عَنْ الطَّلَبِ مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ رَاضٍ بِذَلِكَ، وَمُسَوِّغٌ لَهُ حِصَّتُهُ مِنْ مَالِهِ رِضًا بِطَلَبِ ذِمَّتِهِ مَعَ خَرَابِهَا أَوْ رِفْقًا بِهِ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ سُكُوتِهِ عَمَّا أَعْتَقَ الْمُفْلِسُ ثَمَّ يُرِيدُ الْقِيَامَ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَيَصِحُّ ذَلِكَ مِنْ تَفْلِيسِهِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ قَالَ: وَإِذَا قَامَ غُرَمَاؤُهُ فَأَمْكَنَهُمْ مِنْ مَالِهِ يَتَّبِعُونَهُ، وَيَقْتَسِمُونَهُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَفْلِيسِ السُّلْطَانِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حُكْمٌ لَا يَتَعَدَّى الْمُفْلِسَ، وَغُرَمَاءَهُ فَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ ثَبَتَ بَيْنَهُمْ، وَمَعْنَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَامِلِهِ بَعْدَ التَّفْلِيسِ أَحَقَّ بِيَدِهِ مِمَّنْ فَلَّسَهُ، وَأَخَذَ حِصَّتَهُ مِمَّا كَانَ بِيَدِهِ رَوَاهُ أَصْبَغُ، وَأَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَهَذَا إذَا وَجَدُوا لَهُ مَالًا تَحَاصُّوا فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا لَهُ شَيْئًا فَتَرَكُوهُ فَتَدَايَنَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ هَذَا بِتَفْلِيسٍ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ: وَلَوْ بَلَغُوا بِهِ السُّلْطَانَ فَفَلَّسَهُ لَكَانَ هَذَا تَفْلِيسًا لِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنْ كَشْفِ حَالِهِ مَا لَا يَبْلُغُهُ غُرَمَاؤُهُ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ غُرَمَاءَهُ يَبْلُغُونَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَبْلُغُهُ السُّلْطَانُ رَأَيْته تَفْلِيسًا، وَلَكِنْ لَا آخُذُ بِهِ خَوْفَ أَنْ لَا يَبْلُغُوا ذَلِكَ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِيهِ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي حُكْمِ إقْرَارِ الْمُفْلِسِ قَبْلَ التَّفْلِيسِ وَبَعْدَهُ وَالْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ مَا لَا يُنْتَزَعُ مِنْ مَالِهِ وَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ مَا يُحْجَزُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَبَعْدَهُ وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِي دُيُونِ الْمُفْلِسِ بَعْدَ الْفَلَسِ وَالْبَابُ الْخَامِسُ فِيمَا تَقَعُ فِيهِ الْمُحَاصَّةُ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي حُكْمِ إقْرَارِ الْمُفْلِسِ قَبْلَ التَّفْلِيسِ وَبَعْدَهُ] ١
ُ أَمَّا إقْرَارُ الْمُفْلِسِ وَبَيْعُهُ لِمَالِهِ وَقَضَاؤُهُ عَنْ بَعْضِ غُرَمَائِهِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ فِيمَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ إنْ قَضَى بَعْضَ غُرَمَائِهِ أَوْ رَهَنَ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ فَقَالَ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ بَاقِي الْغُرَمَاءِ، وَقَالَ لَا يَدْخُلُونَ، وَذَلِكَ مَاضٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ وَجْهُ قَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ عِتْقٌ بِغَيْرِ إذْنِ غُرَمَائِهِ فَأَشْبَهَ الَّذِي قَدْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِتَفْلِيسِهِ أَوْ الْمَرِيضَ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ الْمَرِيضَ الْمَخُوفَ عَلَيْهِ لَا يَقْضِي بَعْضَ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَخُوفٍ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي مَالِهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِأَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ قَضَاؤُهُ دَيْنَ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ إتْلَافِ مَالِهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ كَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ.
(فَرْعٌ)
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِذَا فَطِنَ الْمُقْتَضَيْ بِاسْتِغْرَاقِهِ، وَبَادَرَ الْغُرَمَاءَ فَهُوَ أَحَقُّ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ الْغُرَمَاءُ قَدْ تَشَاوَرُوا كُلُّهُمْ فِي تَفْلِيسِهِ، وَلَمْ يَرْفَعُوهُ بَعْدُ فَخَالَفَ بَعْضُهُمْ إلَيْهِ فَقَضَاهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ يَدْخُلُ مَعَهُ سَائِرُ الْغُرَمَاءِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ لَا يَدْخُلُونَ مَعَهُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمْ إذَا تَشَاوَرُوا فِي تَفْلِيسِهِ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى التَّحَاصِّ فِي مَالِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي اشْتِرَاكَهُمْ فِيهِ فَمَنْ اقْتَضَى مِنْهُمْ شَيْئًا شَارَكَهُ فِيهِ الْآخَرُونَ كَمَا لَوْ بَاعُوا مِنْهُ بِعَقْدٍ، وَاحِدٍ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّهُمْ لَمْ يَنْقُدُوا ذَلِكَ فَلَمْ يُوجَدْ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَهُمْ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الِاشْتِرَاكُ بِإِنْفَاذِ التَّفْلِيسِ وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ فِيمَا بِيَدِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَالتَّفْلِيسُ الَّذِي يَمْنَعُ قَبُولَ إقْرَارِهِ فِيمَا رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ عَلَى وَجْهِ التَّفْلِيسِ قَالَ مُحَمَّدٌ يُرِيدُ، وَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ، وَبَيْنَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالشِّرَاءِ وَالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ حِينَئِذٍ بِدَيْنٍ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَيْسَرَةَ مَا كَانَ قَائِمَ الْوَجْهِ مُنْبَسِطَ الْيَدِ فِي مَالِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إقْرَارُهُ إلَّا أَنَّهُ إذَا خَافَ مِنْ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ فَأَقَرَّ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ مِنْ
стр. 1421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ فَأَرَاهُ فَاسِدًا، وَيَبْطُلُ إقْرَارُهُ قَالَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إقْرَارُهُ لِلْأَجْنَبِيِّينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِمَالٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ دُيُونُ غُرَمَائِهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ أَوْ ثَابِتَةً بِبَيِّنَةٍ فَإِنْ كَانَتْ إنَّمَا هِيَ بِإِقْرَارٍ فَيَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَبِلَفْظٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرُبَ بَعْضُ ذَلِكَ مِنْ بَعْضٍ قَالَهُ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا ثَبَتَ بِهِ دَيْنُهُمْ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يَرُدَّ بَعْضَ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ، وَإِذَا أَقَرَّ لِقَوْمٍ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَعْدَ مُدَّةٍ أَوْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لِغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ إقْرَارُهُ لِلْآخَرِينَ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْأَوَّل قَدْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُقِرَّ بِمَا يُدْخِلُ النَّقْصَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا أَقَرَّ الْمُفْلِسُ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ أَوْ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ لِغُرَمَائِهِ فَإِنَّ الْمُقِرَّ لَهُ يُحَاصُّ سَائِرَ غُرَمَائِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا إنْ كَانَ الدَّيْنُ الْأَوَّلُ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لِمَنْ يَثْبُتُ دَيْنُهُ مِنْ الْغُرَمَاءِ فِي وَقْتِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُدْخِلُ نَقْصًا عَلَى مَنْ ثَبَتَ دَيْنُهُ بِالْبَيِّنَةِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّ مَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ فَقَدْ حُجِرَ عَلَيْهِ فِي الْإِقْرَارِ كَالسَّفِيهِ، وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَقَدْ كَانَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ لَهُ الْمُفْلِسُ إنْ كَانَ يَعْلَمُ مِنْهُ تَقَاضِيًا لَهُ وَمُدَايَنَةً وَخُلْطَةً فَإِنَّهُ يَحْلِفُ، وَيُحَاصِصُ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ غَيْرُ ثَابِتٍ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِهَذَا الْإِقْرَارِ، وَيَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُخَالَطَةِ لَهُ فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يُحَاصَّ بِهِ، وَأَمَّا السَّفِيهُ فَإِنَّ مَا أَقَرَّ بِهِ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِذِمَّتِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ إقْرَارُهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ سَوَاءٌ كَانَ إقْرَارُهُ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ أَوْ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ إذَا كَانَ لِلْغُرَمَاءِ بَيِّنَةٌ، وَهَذَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ، وَقَدْ أَحَاطَ بِمَالِهِ فَإِنْ لَمْ يُحِطْ بِمَالِهِ جَازَ إقْرَارُهُ لِمَنْ أَقَرَّ بِهِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ احْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ ثَبَتَ دَيْنُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَفْلِيسُهُ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ فَجَازَ إقْرَارُهُ كَسَائِرِ الْمُتَصَرِّفِينَ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَهَذَا حُكْمُ إقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ، وَأَمَّا أَنْ يَقُولَ لِبَعْضِ مَا بِيَدِهِ هَذَا إقْرَاضٌ أَوْ وَدِيعَةٌ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُصَدَّقُ الْمُفْلِسُ فِي ذَلِكَ كَمَا لَا يُصَدَّقُ فِي الدَّيْنِ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إقْرَارٌ يُدْخِلُ عَلَى الْغُرَمَاءِ النَّقْصَ فَلَمْ يَجُزْ كَالْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ فِي مَا لِي وَدِيعَةٌ أَوْ قِرَاضٌ، وَلَمْ يُعَيِّنْ فَإِنَّ أَصْبَغَ قَالَ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْإِقْرَارِ الْوَدِيعَةِ وَالْقِرَاضِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَصْلِ ذَلِكَ بَيِّنَةٌ قَالَ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِأَمَانَةٍ، وَلَمْ يُقِرَّ بِدَيْنٍ رَوَاهُ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ زَادَ أَصْبَغُ، وَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِمَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا يُقَرُّ بِيَدِهِ مِنْ مَالِهِ وَلَا يَقْبِضُهُ الْغُرَمَاءُ فِي دُيُونِهِمْ]
(الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا يُقَرُّ بِيَدِهِ مِنْ مَالِهِ، وَلَا يَقْبِضُهُ الْغُرَمَاءُ فِي دُيُونِهِمْ) فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يُتْرَكُ لَهُ مَا فِيهِ نَفَقَةٌ لَهُ وَلِأَهْلِهِ وَلِعِيَالِهِ وَكِسْوَةٌ لَهُ وَلِأَهْلِهِ وَفِي كِسْوَةِ زَوْجَتِهِ شَكٌّ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُتْرَكُ لَهُ قَدْرُ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ، وَلَا يُتْرَكُ لَهُ كِسْوَةُ زَوْجَتِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُتْرَكُ لَهُ لُبْسُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ لِبَاسِ مِثْلِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُتْرَكُ لَهُ مَا يَكْفِيهِ هُوَ وَزَوْجَتَهُ وَوَلَدَهُ الصَّغِيرَ الْأَيَّامَ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ، وَابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ قَدْرَ الشَّهْرِ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ إنْ كَانَ الَّذِي يُوجَدُ لَهُ قَدْرُ نَفَقَتِهِ شَهْرًا أَوْ نَحْوَهُ فَلْيُتْرَكْ لَهُ يَعِيشُ بِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ لِبَاسِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَرَّى مِنْهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ هَتْكِ سِتْرِهِ وَكَشْفِ عَوْرَتِهِ فَيُتْرَكُ لَهُ مِنْهُ مَا يَكْفِيهِ مِمَّا جَرَتْ عَادَتُهُ بِمِثْلِهِ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرُ لَا يُعَاوَضُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ نَفَقَةُ الْأَيَّامِ لِنَفْسِهِ وَلِبَنِيهِ الصِّغَارِ إلَى أَنْ يَتَسَبَّبَ فِي وَجْهِ نَفَقَتِهِ لِأَنَّ إسْلَامَهُ لِلْهَلَاكِ دُونَ فَوْتٍ غَيْرُ جَائِزٍ، وَكَذَلِكَ إخْرَاجُهُ عَنْ عَادَةِ مِثْلِهِ، وَأَمَّا كِسْوَةُ الزَّوْجَةِ فَتَوَقَّفَ فِيهَا مَالِكٌ، وَصَرَّحَ سَحْنُونٌ بِأَنَّهَا لَا تُتْرَكُ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَصِيرُ إلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ، وَلَهَا كِسْوَةٌ سِوَاهَا مِمَّا يَمْلِكُهَا، وَهِيَ مِمَّا يَطُولُ بَقَاؤُهُ، وَيَدُومُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَالنَّفَقَةِ الَّتِي تَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ الْأَيَّامِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْحَيَوَانِ
стр. 1422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَالْأَثَاثِ وَالدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالْعُرُوضِ فَتَتَعَلَّقُ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ بِهِ، وَيُبَاعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ يُسْتَأْنَى فِي بَيْعِ رِيعِهِ بِسُوقِ الشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ، وَأَمَّا الْحَيَوَانُ فَالْمُدَّةُ الْيَسِيرَةُ، وَكَذَلِكَ الْعُرُوض وَالْحَيَوَانُ أَسْرَعُ بَيْعًا، وَمَعْنَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مَعَ تَسَرُّعِ التَّغَيُّرِ إلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَصِفَةُ بَيْعِهِ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا طَلَبًا لِلزِّيَادَةِ رَوَاهُ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّمَا تَوَقَّفَ النَّاسُ عَنْ الزِّيَادَةِ إلَّا عِنْدَ تَوَقُّعِ إمْضَاءِ الْبَيْعِ، وَإِذَا أَمْضَى الْبَيْعَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالزِّيَادَةِ فَكَانَ الْأَفْضَلُ أَنْ يَبِيعَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا لِيَكُونَ كُلُّ مَنْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ يَعْلَمُ وَقْتَ فَوَاتِهَا فَلَا يُؤَخِّرُهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
وَيُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ سَرِيرَهُ وَقُبَّتَهُ وَمُصْحَفَهُ وَخَاتَمَهُ قَالَهُ مَالِكٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعِ كُتُبِهِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا تُبَاعُ عَلَيْهِ كُتُبُ الْعِلْمِ قَالَ وَكَانَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يُجِيزُ بَيْعَهَا فِي الدَّيْنِ، وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا فَإِنَّ مَالِكًا مَنَعَ مِنْ بَيْعِهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَغَيْرِهَا لِأَنَّ طَرِيقَهَا النَّظَرُ، وَلَيْسَ بِمَقْطُوعٍ بِصِحَّتِهَا، وَجَوَّزَ بَيْعَ الْمُصْحَفِ لِصِحَّةِ مَا فِيهِ، وَقَدْ أَبَاحَ بَيْعَهَا الْجُمْهُورُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ بِيعَتْ كُتُبُ ابْنِ وَهْبٍ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ، وَأَصْحَابُنَا مُتَوَافِرُونَ فَمَا أَنْكَرُوا ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَا تُؤَجَّرُ أُمُّ وَلَدِ الْمُفْلِسِ، وَيُؤَاجِرُ مُدَبَّرَهُ، وَتُبَاعُ كِتَابَةُ مُكَاتَبِهِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ أُمَّ الْوَلَد إنَّمَا بَقِيَ لَهُ فِيهَا الِاسْتِمْتَاعُ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ فَإِنَّ خِدْمَتَهُ لِلْمُفْلِسِ، وَهُوَ يَعُودُ مَالًا فَجَازَ أَنْ يُبَاعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ كِتَابَةُ مُكَاتَبِهِ حَقٌّ مُؤَجَّلٌ يُطْلَبُ بِهِ الْمَكَاتِبُ، وَيَصِحُّ بَيْعُهُ فَتَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ أَصْلُ ذَلِكَ مَا سَلَّمَ فِيهِ مِنْ الْعُرُوضِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَا يُجْبَرُ الْمُفْلِسُ عَلَى اعْتِصَارِ مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ، وَلَا عَلَى الْأَخْذِ بِشُفْعَةٍ لَهُ فِيهَا فَضْلٌ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا يَمْلِكُ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ابْتِدَاءِ الْمِلْكِ بِالْقَبُولِ كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ هِبَةٍ تُوهَبُ لَهُ أَوْ وَصِيَّةٍ يُوصَى لَهُ بِهَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الصَّدَقَةِ، وَلَوْ بَذَلَ لَهُ رَجُلٌ السَّلَفَ وَالْعَوْنَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِ ذَلِكَ رَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ وَرِثَ أَبَاهُ فَالدَّيْنُ أَوْلَى بِهِ، وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ الدَّيْنِ فَيَعْتِقَ وَلَوْ وَهَبَ لَهُ لَعَتَقَ، وَلَا شَيْءَ فِيهِ لِلْغُرَمَاءِ رَوَاهُ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوهَبْ لَهُ لِيَبِيعَهُ الْغُرَمَاءُ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ الْعِتْقَ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَالْمَرْأَةُ الْمِدْيَانَةُ تُفَلَّسُ حَتَّى تَتَزَوَّجَ فَلَيْسَ لِغُرَمَائِهَا أَخْذُ مَهْرِهَا فِي دَيْنِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ كَالدِّينَارِ وَنَحْوِهِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَقْضِيَهُمْ جَمِيعَ صَدَاقِهَا، وَتَبْقَى بِلَا جِهَازِهَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ مُتَعَلِّقٌ بِالْجِهَازِ، وَعَلَى ذَلِكَ أَمْرُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي النِّكَاحِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِذَا رَهِقَ الرَّجُلَ دَيْنٌ فَزَعَمَ فِي جَارِيَةٍ أَنَّهَا أَسْقَطَتْ مِنْهُ رَوَى عِيسَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ مِنْ النِّسَاءِ أَوْ يَكُونَ قَدْ فَشَا هَذَا قَبْلَ ادِّعَائِهِ أَوْ كَانَ يَذْكُرُ ذَلِكَ، وَإِلَّا بِيعَتْ لِلْغُرَمَاءِ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي ضَمَانِ مَا يَتَحَاصُّ فِيهِ الْغُرَمَاءُ مِنْ مَالِهِ] ١
(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي ضَمَانِ مَا يَتَحَاصُّ فِيهِ الْغُرَمَاءُ مِنْ مَالِهِ) الْمَالُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَيْنًا أَوْ غَيْرَ عَيْنٍ فَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أُوقِفَ لِذَلِكَ أَوْ بِيعَ لَهُ بَعْضُ مَا وُجِدَ لَهُ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنْ الْغُرَمَاءِ، وَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَمُطَرِّفٌ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنْ الْمُفْلِسِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يَصِحُّ الْقَضَاءُ فِيهَا، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْقِسْمَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْغُرَمَاءِ، وَهَذَا يَصِحُّ إذَا كَانَتْ الدُّيُونُ عَيْنًا، وَكَانَ مَا وُجِدَ عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْنِ مِثْلَهُ فِي صِفَتِهِ فَأَمَّا إنْ كَانَ دَيْنُهُ عُرُوضًا فَقَدْ قَالَ يُتَحَاصُّ بِقِيمَتِهِ، وَيَشْتَرِي لَهُ بِذَلِكَ مِثْلَ عُرُوضِهِ فَاَلَّذِي يُحَاصُّ بِهِ الْعَيْنُ فَلِذَلِكَ يَصِيرُ ضَامِنًا لَهُ لِأَنَّهُ مِنْ حِينَئِذٍ تَفَرَّدَ بِمِلْكِهِ، وَمِنْ أَجْلِهِ نُقِلَ إلَى
стр. 1423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
تِلْكَ الصِّفَةِ إنْ كَانَ بِيعَ بِهِ عَرْضٌ، وَإِذَا كَانَ مَالُهُ طَعَامًا، وَالدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ طَعَامًا فَيَجِبُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يَكُونَ مِنْ ضَمَانِ الْغُرَمَاءِ لِأَنَّهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّونَهَا، وَإِنَّمَا وُقِفَ لِلْقِسْمَةِ بَيْنَهُمْ فَكَانَ ضَمَانُهُ مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَيْنًا وُقِفَ لِلْبَيْعِ فَاَلَّذِي رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنْ الْمُفْلِسِ، وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنْ الْغُرَمَاءِ فَعَلَى هَذَا رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ الْغُرَمَاءُ يَضْمَنُونَ الْعَيْنَ، وَالْمُفْلِسُ يَضْمَنُ غَيْرَهُ، وَرِوَايَةُ أَشْهَبَ أَنَّ الْمُفْلِسَ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ حَتَّى يَقْتَسِمَهُ الْغُرَمَاءُ، وَرِوَايَةُ ابْنِ الْمَاجِشُونَ أَنَّ الْغُرَمَاءَ يَضْمَنُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِمَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَهُمْ وُقِفَ، وَبِسَبَبِهِمْ مُنِعَ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ فَضَمَانُهُ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلْمُفْلِسِ بِهِ تَعَلُّقٌ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ حُقُوقِهِمْ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ حَقَّ التَّوْفِيَةِ بَقِيَ فِيهِ فَكَانَ ضَمَانُهُ مِنْ الْمُفْلِسِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَلَوْ اشْتَرَى مِنْ الْعَيْنِ سِلْعَةً بَعْدَ التَّوْقِيفِ لِمَنْ رِبْحُهَا؟ فَقَالَ لِلْمُفْلِسِ يُقْضَى مِنْهُ دَيْنُهُ قِيلَ لَهُ فَكَيْفَ رِبْحُهُ لَهُ، وَضَمَانُهُ مِنْ الْغُرَمَاءِ؟ فَسَكَتَ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي حُكْمِ الْمُحَاصَّةِ] ١
ِ أَمَّا حُكْمُهَا فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إلَى كُلِّ دَيْنٍ عَلَيْهِ مُؤَجَّلٍ أَجَلُهُ بِالْفَلَسِ، وَيُحَاصُّ صَاحِبُهُ لِغُرَمَائِهِ قَالَ مَالِكٌ لِأَنَّ الْفَلَسَ مَعْنًى يُفْسِدُ الذِّمَّةَ فَاقْتَضَى حُلُولَ الدُّيُونِ كَالْمَوْتِ، وَمَالَهُ مِنْ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فَإِنَّهُ يَبْقَى إلَى أَجَلِهِ، وَيُبَاعُ لِغُرَمَائِهِ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِهِ لِأَنَّ خَرَابَ الذِّمَّةِ لَا يُوجِبُ حُلُولَ الدُّيُونِ الَّتِي لَهَا، وَإِنَّمَا يُوجِبُ حُلُولَ الدُّيُونِ الَّتِي عَلَيْهَا كَخَرَابِهَا بِالْمَوْتِ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدُّيُونِ مُتَمَاثِلًا كَالْعَيْنِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ أَوْ غَيْرِ مُتَمَاثِلٍ، فَإِنْ كَانَ مُتَمَاثِلًا وَكَانَ جَمِيعُهُ عَيْنًا صَيَّرَ مَالَهُ عَيْنًا، وَيُقَاسِمُهُ الْغُرَمَاءُ بِأَنْ يَعْلَمَ مَا لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَيُجْمَعُ ثُمَّ يَنْظُرُ كَمْ مِقْدَارُ مَا وُجِدَ لَهُ مِنْ الْمَالِ مِمَّا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنْ كَانَ النِّصْفَ أَخَذَ كُلُّ غَرِيمٍ نِصْفَ مَالِهِ مِنْ الدَّيْنِ، وَاتَّبَعَهُ بِالْبَاقِي فِي ذِمَّتِهِ مَتَى أَيْسَرَ.
(فَرْعٌ)
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَدْفَعُ فِيمَا لَهُ عَلَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ أَنَّ إصَابَتَهُ بِالْمُحَاصَّةِ قِيمَتُهَا، وَإِنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ كَطَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَكِيلِ أَوْ الْمَوْزُونِ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إذَا كَانَ مَالُهُ طَعَامًا، وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ دُفِعَ إلَى غُرَمَائِهِ يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يَتَحَاصُّونَ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا لَهُمْ كَالْعَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ كَانَ مَالُهُ دَرَاهِمَ، وَعَلَيْهِ دَنَانِيرُ أَوْ كَانَ مَالُهُ دَنَانِيرَ وَعَلَيْهِ دَرَاهِمُ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يَصْرِفُهَا إلَّا أَنْ يَصْرِفَهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ بِمَا تَسْوَى بِرِضَاهُمْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ مِمَّا يَقْرُبُ مِنْ دَيْنِ الْغُرَمَاءِ، وَيُجْمَعُ إلَيْهِ فِي الزَّكَاةِ فَلَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْحَيَوَانِ، وَالثِّيَابِ فِي لُزُومِ بَيْعِهَا، وَإِنْ أَرَادَ الْغُرَمَاءُ أَخْذَهَا تَحَاصَّوْا فِيهَا بِصَرْفِهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ كَانَ مَالُهُ عُرُوضًا فَاشْتَرَى بَعْضُ الْغُرَمَاءِ شَيْئًا مِمَّا بِيعَ عَلَيْهِ حُوسِبَ بِهِ فِيمَا يَقَعُ بِهِ مِنْ الْمُحَاصَّةِ.
(فَصْلٌ)
وَإِنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ غَيْرَ مُتَمَاثِلٍ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ عُرُوضٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَجْنَاسِ حَيَوَانٌ وَعَيْنٌ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ مَنْ أَفْلَسَ، وَعَلَيْهِ عُرُوضٌ وَحَيَوَانٌ أُسْلِمَ إلَيْهِ فِيهَا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يُحَاصُّ بِقِيمَةِ ذَلِكَ فَمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْقِيمَةِ اشْتَرَى لَهُ بِهِ مَا شَرَطَهُ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ طَعَامٌ مِنْ سَلَمٍ حَاصَّ بِقِيمَتِهِ فَمَا أَصَابَهُ بِذَلِكَ يَشْتَرِي لَهُ بِهِ مِثْلَ طَعَامِهِ مَا بَلَغَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْقِيمَةِ ثَمَنًا، وَلَوْ كَانَ السَّلَمُ فِي وَصِيفٍ فَدَفَعَ لَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ نِصْفَ وَصِيفٍ خُيِّرَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ نِصْفَ وَصِيفٍ، وَيُتَّبَعُ الْمُفْلِسُ بِنِصْفِ وَصِيفٍ إذَا أَيْسَرَ وَبَيْنَ أَنْ يُتْرَكَ حَتَّى يَيْسَرَ صَاحِبُهُ فَيَأْخُذَ مِنْهُ وَصِيفًا كَامِلًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ وَيَتَّبِعَهُ بِنِصْفِ وَصِيفٍ أَوْ يَهَبَهُ
стр. 1424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مَا بَقِيَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا أَصَابَهُ مِثْلَ رَأْسِ مَالِهِ فَأَقَلَّ فَيَكُونَ إقَالَةً جَائِزَةً قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ الْمُسْلَمِ فِيهِ.
(فَرْعٌ)
وَالِاعْتِبَارُ فِي الْقِيمَةِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْمُحَاصَّةِ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَالَهُ مِنْ الدَّيْنِ قَدْ حَلَّ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا فَإِنَّمَا لَهُ قِيمَتُهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْقَضَاءِ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَشْتَرِي لَهُ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ مِثْلَ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ فَإِنْ تَأَخَّرَ الشِّرَاءُ حَتَّى غَلَا سِعْرُهُ أَوْ رَخُصَ فَإِنَّهُ لَا تَرَاجُعَ فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَأَمَّا التَّحَاسُبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُفْلِسِ فَفِي زِيَادَةِ ذَلِكَ أَوْ نُقْصَانِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ بِالْقِسْمَةِ قَدْ اخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ بِمَا صَارَ لَهُ بِالْقِسْمَةِ، وَصَارَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِهِ فَزِيَادَتُهُ وَنُقْصَانُهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِسَائِرِ الْغُرَمَاءِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِذَا اشْتَرَى مِنْ مَالِهِ مِنْ السَّلَمِ اُعْتُبِرَ فِي ذَلِكَ الصِّفَاتُ الَّتِي اشْتَرَطَهَا فِي السَّلَمِ فَإِنْ كَانَ وَصَفَ الطَّعَامَ بِأَنَّهُ جَيِّدٌ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَشْتَرِي لَهُ أَدْنَى مَا تَقَعُ عَلَيْهِ الصِّفَةُ، وَقَدْ قِيلَ أَوْسَطُ تِلْكَ الصِّفَةِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ مَا يَلْزَمُ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الصِّفَةِ مَعَ التَّشَاحِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[الْبَابُ الْخَامِسُ فِيمَا تَقَعُ فِيهِ الْمُحَاصَّةُ]
ُ وَأَمَّا مَا تَقَعُ فِيهِ الْمُحَاصَّةُ فَهُوَ كُلُّ دَيْنٍ ثَابِتٍ قَدْ لَزِمَ ذِمَّتَهُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُحَاصَّ غُرَمَاءَ الزَّوْجِ بِصَدَاقِهَا أَوْ مَا بَقِيَ مِنْهُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ قَدْ بَنَى بِهَا فَإِنْ لَمْ يَبْنِ بِهَا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهَا تُحَاصُّ بِجَمِيعِهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ لَهُ إسْقَاطُ بَعْضِهِ بِطَلَاقِهَا، وَلَهُ إثْبَاتُهُ بِاسْتِدَامَةِ نِكَاحِهَا فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَا تَأْثِيرَ لِطَلَاقِهَا فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الصَّدَاقِ أَوْ يَكُونَ قَدْ دَفَعَ إلَيْهَا جَمِيعَهُ أَوْ بَعْضَهُ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الصَّدَاقِ حَاصَّتْ الْغُرَمَاءَ بِمَا وَجَبَ لَهَا مِنْهُ، وَهُوَ نِصْفُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَ إلَيْهَا جَمِيعَهُ كَانَ لَهَا نِصْفُهُ، وَالنِّصْفُ الثَّانِي دَيْنٌ لَهَا عَلَيْهِ تُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءَ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهَا نِصْفَهُ.
فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَالْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَقَدْ كَانَ نَقَدَهَا خَمْسِينَ، وَبَقِيَ لَهَا خَمْسُونَ مُؤَخَّرَةٌ، وَفَلِسَ الزَّوْجُ فَلْتَرُدَّ نِصْفَ النَّقْدِ، وَتُحَاصَّ الْغُرَمَاءَ فِيمَا تَرُدُّ بِنِصْفِ الْمَهْرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَهَذَا إذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ أَنْ أَفْلَسَ فَأَمَّا لَوْ طَلَّقَهَا، وَهُوَ قَائِمٌ الْوَجْهُ فَقَدْ أَوْجَبَ لَهَا مَا أَخَذَتْ، وَتَسْتَحِقُّهُ قَبْلَ فَلَسِهِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَأَمَّا إنْ طَلَّقَ بَعْدَ الْفَلَسِ فَجَوَابُ ابْنِ الْقَاسِمِ صَحِيحٌ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحَمَّدٌ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ، وَمَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ نَقَدَهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَإِنْ كَانَ نَقَدَهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ عَلَى وَجْهِ اسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ فَهَذَا إنَّمَا سَلَّمَهُ إلَيْهَا عَلَى أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ جَمِيعِ صَدَاقِهَا فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَالِ فَلَسِهِ كَانَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ التَّرَاجُعِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْفَلَسِ فَلَمْ يَنْتَجِزْ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ شَيْءٌ فَلَا مُحَاصَّةَ لِأَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا دَفَعَ إلَيْهَا مِنْ الْمُعَجَّلِ، وَبَقِيَ نِصْفُ الْمُؤَجَّلِ إلَى أَنْ يَجِيءَ أَجَلُهُ، وَأَمَّا إنْ تَقَاصَّا فِي ذَلِكَ، وَرَضِيَ الزَّوْجُ بِتَرْكِ الرُّجُوعِ عَلَيْهَا فِي الْمُعَجَّلِ فَذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ، وَلَا تَرْجِعُ هِيَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهَا عَلَى أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ صَدَاقِهَا، وَلَا أَنَّهُ حَقٌّ لِاسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَإِنَّمَا دَفَعَهُ إلَيْهَا عَلَى أَنَّهُ جَمِيعُ مَا قَدْ اسْتَحَقَّتْ عَلَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَكُونَ قَضَاهَا دَيْنًا لَهَا عَلَيْهِ مِنْ مُعَامَلَةٍ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَلَيْهَا مِنْ سَبَبِهَا شَيْءٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَوْ صَالَحَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ إلَى شَهْرٍ فَأَفْلَسَتْ حَاصَّ الْغُرَمَاءَ بِهَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ لَهُ عَلَيْهَا قَدْ اسْتَوْفَتْ مَا عَاوَضَتْ بِهِ عَنْهُ كَمَا لَوْ بَاعَهَا ثَوْبًا قَبَضَتْهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَالْمُطَلَّقَةُ الْحَامِلُ لَا تَضْرِبُ بِنَفَقَةِ الْحَمْلِ مَعَ الْغُرَمَاءِ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ فِي الْعِصْمَةِ لَا تَضْرِبُ بِنَفَقَتِهَا مَعَ الْغُرَمَاءِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ عَنْ دَيْنٍ لَمْ يُقْبَضْ بَعْدُ أَوْ نَفَقَةٍ عَلَى وَلَدٍ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءَ لِأَنَّ دُيُونَهُمْ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ، وَاسْتَوْفَى
стр. 1425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَعْوَاضَهَا، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ تُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهَا فِي غَيْبَةِ الزَّوْجِ فَإِنْ كَانَ دُونَ أَنْ يُرْفَعَ أَمْرُهَا إلَى السُّلْطَانِ لَمْ يُحَاصَّ بِهِ الْغُرَمَاءُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ رَفَعَتْ إلَى الْإِمَامِ فَإِنَّهَا تَضْرِبُ بِهِ فِي الْفَلَسِ، وَهَلْ تَضْرِبُ بِهِ فِي الْمَوْتِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فَقَالَ مَرَّةً تُحَاصُّ بِهِ فِي الْمَوْتِ كَالْفَلَسِ.
وَقَالَ مَرَّةً تُحَاصُّ بِهِ فِي الْفَلَسِ دُونَ الْمَوْتِ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ ثَابِتٌ لَازِمٌ لِذِمَّتِهِ لِمَعْنًى مَاضٍ قَدْ اسْتَوْفَاهُ تَجِبُ الْمُحَاصَّةُ بِهِ فِي الْفَلَسِ فَوَجَبَتْ الْمُحَاصَّةُ لَهُ فِي الْمَوْتِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ مَا طَرِيقُهُ النَّفَقَاتُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ جُمْلَةً، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ، وَلِذَلِكَ لَا يُحَاصُّ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ لَزِمَتْ، وَثَبَتَتْ أَسْبَابُهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا نَفَقَةُ الْوَلَدِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَضْرِبُ بِنَفَقَتِهِمْ فِي مَوْتٍ وَلَا فَلَسٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ الْوَلَدُ كَالزَّوْجَةِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا نَفَقَةٌ لَا تَجِبُ إلَّا مَعَ الْيَسَارِ فَلَا يُحَاصُّ بِهَا الْغُرَمَاءُ كَالْمُسْتَقْبَلِ مِنْ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ نَفَقَةَ الْأَبَوَيْنِ تَلْزَمُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ فَإِذَا كَانَتْ لِأَمْرٍ مَاضٍ فِي وَقْتٍ يَلْزَمُ الْأَبَ النَّفَقَةُ وَجَبَ أَنْ يُحَاصَّ بِهَا كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ أَشْهَبَ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ مَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنْ أُمٍّ أَوْ أَجْنَبِيٍّ بِأَمْرِ سُلْطَانٍ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَالْأَبُ يَوْمَئِذٍ مَلِيءٌ فَإِنَّهُ يَضْرِبُ بِهِمَا فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ فَإِنْ كَانَ الْأَبُ يَوْمَ الْإِنْفَاقِ مُعْسِرًا فَلَا شَيْءَ لِلْمُنْفِقِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا نَفَقَةُ الْأَبَوَيْنِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ نَفَقَةَ الْأَبَوَيْنِ لَا يَضْرِبُ بِهِمَا فِي مَوْتٍ، وَلَا فَلَسٍ قَالَ أَصْبَغُ إلَّا أَنْ تَكُونَ نَفَقَةُ الْأَبَوَيْنِ قُدِّرَتْ بِحُكْمٍ أَوْ تَسَلَّفَ وَهُوَ مَلِيءٌ يَوْمَئِذٍ فَإِنَّهَا تَضْرِبُ بِهَا فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ النَّفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِهَا الْمَاضِيَةَ فَإِنَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّهَا عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ فَأَشْبَهَتْ الْهِبَةَ الَّتِي لَمْ تُقْبَضْ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ بِحُكْمِ حَاكِمٍ، وَاسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُضْرَبَ بِهِ فِي مَالِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَالْمَسْجُونُ فِي دَيْنِ امْرَأَتِهِ أَوْ غَيْرِهَا لَيْسَ لَهُ أَنْ تَكُونَ مَعَهُ امْرَأَتُهُ، وَلَا أَنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ سُجِنَ لِلتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ تُمْنَعْ لَذَّتَهُ لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِ قَالَهُ سَحْنُونٌ، وَلَوْ سُجِنَ الزَّوْجَانِ فِي حَقٍّ لَمْ يُمْنَعَا أَنْ يَجْتَمِعَا إذَا كَانَ السِّجْنُ خَالِيًا، وَلَوْ كَانَ فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ حُبِسَ الزَّوْجُ مَعَ الرِّجَالِ، وَحُبِسَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ النِّسَاءِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا مَسْجُونَانِ فَلَمْ يُقْصَدْ لِكَوْنِهَا مَعَهُ إدْخَالُ الرَّاحَةِ عَلَيْهِ وَالرِّفْقُ بِهِ، وَإِنَّمَا قُصِدَ بِذَلِكَ اسْتِيفَاءُ حَقٍّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِذَا وَجَبَ السِّجْنُ عَلَيْهِمَا لَمْ يُمْنَعَا الِاجْتِمَاعَ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأَبَوَيْنِ وَلَا غَيْرِهِمَا مِنْ الْقَرَابَاتِ فِي السِّجْنِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَا يُمْنَعُ الْمَحْبُوسُ فِي الْحُقُوقِ مِمَّنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَلَا مِمَّنْ يَخْدُمُهُ، وَإِنْ اشْتَدَّ مَرَضُهُ، وَاحْتَاجَ إلَى أَمَةٍ تَخْدُمُهُ، وَتُبَاشِرُ مِنْهُ مَا لَا يُبَاشِرُ غَيْرُهَا، وَتَطَّلِعُ عَلَى عَوْرَتِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُجْعَلَ مَعَهُ حَيْثُ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْعَهُ مِمَّا تَدْعُوهُ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ يُفْضِي بِهِ إلَى الْهَلَاكِ وَإِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ وَالْعَنَتِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَيُمْنَعُ الْمَسْجُونُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ، وَلَا يَخْرُجُ لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَوْ أَحْرَمَ بِحَجَّةِ فَرْضٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ بِحَجَّةٍ حَنِثَ بِهَا أَوْ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قِيَم عَلَيْهِ بِأَنْ حُبِسَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحِلَّ، وَيَبْقَى عَلَى إحْرَامِهِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُهَا لِعِبَادَةٍ لَا يَفُوتُ وَقْتُهَا قَالَ: وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ يَوْمَ نُزُولِهِ بِمَكَّةَ أَوْ مِنًى أَوْ عَرَفَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ اسْتَحْسَنْت أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ كَفِيلٌ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الْحَجِّ ثُمَّ يُحْبَسُ بَعْدَ النَّفَرِ الْأَوَّلِ، وَاسْتَحْسَنَ إذَا اشْتَدَّ مَرَضُ أَبَوَيْهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ أُخْتِهِ أَوْ أَخِيهِ، وَمَنْ يَقْرُبُ مِنْ أَقْرِبَائِهِ، وَخِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ أَنْ يَخْرُجَ فَيُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَيُؤْخَذَ مِنْهُ كَفِيلٌ بِالْوَجْهِ، وَلَا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِهِ فِي غَيْرِهِمْ مِنْ قَرَابَتِهِ رَوَى ذَلِكَ كُلُّهُ ابْنُ سَحْنُونٍ، وَهَذَا سَائِغٌ لِمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا بِالِاسْتِحْسَانِ فَأَمَّا الْقِيَاسُ، وَالنَّظَرُ فَالْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ
стр. 1426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَمَنْ أَنْكَرَ مِنْ أَصْحَابِنَا الِاسْتِحْسَانَ مَنَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ، وَلَمْ يَقْبِضْ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» حَمَلَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ هَذَا اللَّفْظَ عَلَى وَجْهِهِ، وَقَالَا بِذَلِكَ فِي الْبَائِعِ الْمُفْلِسِ يَجِدُ مَتَاعَهُ فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ، وَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي هَذَا الْحُكْمِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ مَرَاسِيلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَهُوَ مِمَّا اُتُّفِقَ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا الْمَالِكِيُّونَ وَالْحَنَفِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَسْنَدَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مُسْنَدٌ، وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ فَلَسَ الْمُبْتَاعِ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى صِفَتِهِ، وَعَدَمَ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ يُوجِبُ لِلْبَائِعِ حَقَّ الْفَسْخِ، وَيَجْعَلُهُ أَحَقَّ بِهِ إنْ شَاءَ أَصْلُ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِي هَذَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ إحْدَاهُمَا بِمَاذَا ثَبَتَتْ السِّلْعَةُ لِلْبَائِعِ، وَالثَّانِيَةُ فِيمَا تَثْبُتُ فِيهَا لِصَاحِبِهَا، وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِيمَا تَثْبُتُ فِيهَا لِلْغُرَمَاءِ، فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِيمَا تَثْبُتُ فِيهِ السِّلْعَةُ لِلْبَائِعِ، وَأَنْ يَقُومَ لَهُ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ فَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ، وَقَالَ الْمُفْلِسُ هِيَ لَهُ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إذَا كَانَ عَلَى الْحَقِّ بَيِّنَةٌ فَقَالَ عِنْدَ التَّفْلِيسِ هَذَا مَتَاعُ فُلَانٍ فَقِيلَ يَكُونُ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ زَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَحْلِفُ بَائِعُ الْعَبْدِ، وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِأَصْلِ الْحَقِّ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا قَامَتْ بِأَصْلِ الْحَقِّ بَيِّنَةٌ عَلَى إقْرَارِهِ بِذَلِكَ قَبْلَ الْفَلَسِ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ إقْرَارَهُ لَهُمْ بِذَلِكَ جَائِزٌ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَلَعَلَّ هَذَا فِي الصُّنَّاعِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ وَاحِدٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الدَّيْنَ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ فَلَا يَتَغَيَّرُ فِي غَيْرِهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ،
وَالصُّنَّاعُ لَا يَتَعَلَّقُ مَا سُلِّمَ إلَيْهِمْ بِذِمَمِهِمْ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُونَهُ إنْ ضَاعَ عَلَى وَجْهٍ مَا
، وَقِيلَ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الشُّهُودُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِهِ بِعَبْدٍ أَوْ سِلْعَةٍ لَمْ يُعَيِّنْهَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي تَعْيِينِهَا بَعْدَ التَّفْلِيسِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَصْلِ الْحَقِّ، وَافْتَرَقَ بِذَلِكَ إقْرَارُ الْمُفْلِسِ لَهُ بِالْعَيْنِ فَإِنَّهُ يُقَوِّي حُجَّةَ الْبَائِعِ لَا سِيَّمَا، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يُكَذِّبُ قَوْلَهُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْبَائِعَ مُدَّعٍ فِي تَعَلُّقِ حَقِّهِ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّانِي فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ يَحْلِفُ الْغُرَمَاءُ عَلَى عِلْمِهِمْ فَإِنْ نَكَلُوا حَلَفَ الْبَائِعُ، وَأَخَذَهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ لَمَّا لَزِمَتْهُ، وَعَجَزَ عَنْهَا حَلَفَ الْغُرَمَاءُ عَلَى مَا يَعْلَمُونَ صِدْقَهُ فِيمَا يَقُولُ، وَيَكُونُونَ أَحَقَّ بِعَيْنِ الْعَبْدِ فَإِنْ نَكَلُوا رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، وَحَلَفَ أَنَّهُ الْعَبْدُ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ، وَكَانَ أَحَقَّ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الَّذِي ثَبَتَ فِيهَا لِصَاحِبِهَا أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا وَبَيْنَ تَسْلِيمِهَا، وَيُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ بِثَمَنِهَا سَوَاءٌ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ قَالَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ لَهُ إلَّا سِلْعَتُهُ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْمُحَاصَّةِ بِثَمَنِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ السِّلْعَةَ قَدْ مَلَكَهَا الْمُفْلِسُ بِالشِّرَاءِ بِثَمَنٍ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ فَلَمَّا غَابَتْ ذِمَّتُهُ، وَدَخَلَ الثَّمَنَ النَّقْصُ كَانَ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ، وَيَرْجِعَ بِسِلْعَتِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَنْقُدَهُ، وَيُحَاصَّ بِمَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَيْسَ فِي الْإِفْلَاسِ مَعْنًى يُفْسَخُ بِهِ الْبَيْعُ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلْبَائِعِ إلَّا سِلْعَتُهُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ لِلْغُرَمَاءِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ جَمِيعَ ثَمَنِهَا قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ وَلَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ الثَّمَنَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَوْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُفْلِسِ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ لَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَفْدُوهَا بِأَمْوَالِهِمْ، وَلَكِنْ يَفْدُوهَا بِثَمَنِهَا فِي مَالِ الْمُفْلِسِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ أَخْذُهَا بِالثَّمَنِ حَتَّى يَزِيدُوا عَلَى الثَّمَنِ زِيَادَةً يَحُطُّونَهَا عَنْ
стр. 1427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْمُفْلِسِ مِنْ دَيْنِهِمْ وَتَكُونُ لَهُمْ السِّلْعَةُ لَهُمْ نَمَاؤُهَا، وَعَلَيْهِمْ تَوَاهَا، وَفِي هَذَا بَابَانِ أَحَدُهُمَا فِي وَجْهِ تَصَيُّرِ الْمِلْكِ إلَى الْمُفْلِسِ فَيَكُونُ الْمُصَيَّرُ أَحَقَّ بِهَا، وَالثَّانِي فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهَا فَأَمَّا الْبَابُ الْأَوَّلُ فَبِأَيِّ وَجْهٍ صَارَتْ السِّلْعَةُ إلَى الْمُفْلِسِ مِنْ وُجُوهِ الْمُعَاوَضَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَنْ صَيَّرَهَا إلَيْهِ أَحَقَّ بِهَا، فَمَنْ أَصْدَقَ امْرَأَتَهُ عَبْدًا أَوْ سِلَعًا قَبَضَتْهَا ثُمَّ أَفْلَسَتْ، وَقَدْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الزَّوْجُ أَحَقُّ بِنِصْفِ مَا وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَكَانَ هَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْبَيْعِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ وَهَبَ لِثَوَابٍ فَتَغَيَّرَتْ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ ثُمَّ فَلِسَ فَإِنَّ الْوَاهِبَ أَحَقُّ بِهَا كَالْبَيْعِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالُوا إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ الْغُرَمَاءُ قِيمَتَهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ اشْتَرَى مِنْ الْغَازِينَ شَيْئًا مِنْ الْمَغْنَمِ ثُمَّ فَلِسَ فَأَهْلُ الْمَغْنَمِ الَّذِينَ بَاعُوهُ أَوْلَى بِمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ سَهْمِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ إلَّا أَنَّهُ شَرَطَ فِي ذَلِكَ شَرْطًا قَالَ وَذَلِكَ إذَا كَانَ شِرَاؤُهُ مِنْهُمْ خَاصَّةً بِمِقْدَارِ مَا صَارَ لَهُ وَلَهُمْ دُونَ الْجَيْشِ وَالْحَقُّ ثَابِتٌ عَلَيْهِ لَمْ يَحُلْ بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ، فَأَمَّا إنْ حِيلَ عَلَيْهِ بِمَا زَادَ عَلَى حَقِّهِ فَالْمُحَالُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ إذَا احْتَالَ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَشْتَرِ مِنْ قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ إذْ لَيْسَتْ بِسِلَعٍ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ إنَّمَا هِيَ غَنَائِمُ يَبِيعُهَا السُّلْطَانُ لِلْخُمُسِ وَالْجَيْشِ، وَالْمُحِيلُ لَيْسَ بِبَائِعٍ، وَإِنَّمَا أُحِيلَ بِدَيْنٍ فَهُوَ، وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ قَالَ أَصْبَغُ، وَادَّعَى أَنْ يَكُونَ الْمُحَالُ يَقُومُ مَقَامَ مَنْ أَحَالهُ سَوَاءٌ يَكُونُ أَحَقَّ بِمَا زَادَ ثَمَنُهُمْ عَلَى سَهْمِهِ عَلَى مَا كَانَ اشْتَرَى يَوْمَ الشِّرَاءِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً شِرَاءً فَاسِدًا فَأَفْلَسَ الْبَائِعُ ثُمَّ فُسِخَ الْبَيْعُ قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ الْمُبْتَاعُ أَحَقُّ بِالسِّلْعَةِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ ثَمَنَهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ إنْ كَانَ اشْتَرَاهَا بِنَقْدٍ الْمُبْتَاعُ أَحَقُّ بِثَمَنِهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهَا، وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِدَيْنٍ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَذَلِكَ سَوَاءٌ إلَّا أَنْ يَجِدَ ثَمَنَهَا بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَبَضَهَا قَبْضًا يَتَمَلَّكُ بِهِ كَانَ كَالرَّهْنِ بِيَدِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِثَمَنِهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا لَهُ فِيهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا يَكُونُ أَحَقَّ بِعَيْنِ سِلْعَتِهِ الَّتِي سَلَّمَ لَا بِمَا سُلِّمَ إلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِيهِ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً فَرَدَّهَا بِعَيْبٍ ثُمَّ أَفْلَسَ الْبَائِعُ فَوَجَدَ الْمُبْتَاعُ السِّلْعَةَ بِعَيْنِهَا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَكُونُ الرَّدُّ أَحَقَّ بِهِ، وَأَشَارَ ابْنُ الْمَوَّازِ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ أَحَقَّ بِمَا دَفَعَ فِي السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ إنْ وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ نَقْصٌ لِلْبَيْعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي وَجْهِ تَصَيُّرِ الْمِلْكِ إلَى الْمُفْلِسِ فَيَكُونُ الْمُصَيَّرُ أَحَقَّ بِهَا) وَأَمَّا مَا يَثْبُتُ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ الْمَبِيعَاتِ فَذَلِكَ ثَابِتٌ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ تُعْرَفُ بِعَيْنِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهَا فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا هِيَ سِلْعَتُهُ بِعَيْنِهَا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ اشْتَرَى زَيْتًا فَخَلَطَهُ بِزَيْتِهِ ثُمَّ أَفْلَسَ فَإِنَّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ زَيْتَهُ لِأَنَّهَا سِلْعَةٌ مُعَيَّنَةٌ فَكَانَ الْبَائِعُ أَحَقَّ بِهَا فِي فَلَسِ الْمُبْتَاعِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ فِيهَا عِنْدَ الْمُبْتَاعِ غَيْرُ مَزْجِهَا بِمَا هُوَ مِثْلُهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي إخْرَاجِهَا عَنْ مِلْكِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ خَلْطَ الرَّجُلِ مِلْكَهُ بِمِلْكِ غَيْرِهِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ مِلْكِهِ، وَبَيْعُهُ يَخْرُجُهُ عَنْ مِلْكِهِ ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّ الْبَيْعَ الَّذِي يَنْقُلُ لَا يَمْنَعُ الْبَائِعَ مِنْ أَخْذِ مِلْكِهِ عِنْدَ فَلَسِ الْمُبْتَاعِ فَبِأَنْ لَا يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَزْجِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْ أَشْهَبَ فِي قَوْمٍ اكْتَرَوْا إبِلًا، وَدَفَعُوا الثَّمَنَ ثُمَّ فَلِسَ الْجَمَّالُ، وَوُجِدَتْ دَنَانِيرُ أَحَدِهِمْ بِيَدِ الْجَمَّالِ بِعَيْنِهَا أَشْهَدُ عَلَيْهَا أَنَّ دَافِعَهَا لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا بِخِلَافِ السِّلْعَةِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ، وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ
стр. 1428
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الْمُبْتَاعُ فَإِنَّ الْبَائِعَ إذَا وَجَدَ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ بَاعَ بَعْضَهُ وَفَرَّقَهُ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ لَا يَمْنَعُهُ مَا فَرَّقَ الْمُبْتَاعُ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا وَجَدَ بِعَيْنِهِ فَإِنْ اقْتَضَى مِنْ ثَمَنِ الْمُبْتَاعِ شَيْئًا فَأُحِبُّ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَقْبِضَ مَا وَجَدَ مِنْ مَتَاعِهِ، وَيَكُونُ فِيمَا لَمْ يَجِدْ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فَذَلِكَ لَهُ) .
ــ
[المنتقى]
مَالِكٍ فِيمَنْ دَفَعَ إلَى صَرَّافٍ مِائَةَ دِينَارٍ قَبَضَهَا فِي كِيسِهِ ثُمَّ أَفْلَسَ مَكَانَهُ لَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الْبَائِعَ مِنْ أَخْذِ مَالِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ، وَالثَّانِي مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ كَالْعُرُوضِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ «وَلَمْ يَقْبِضْ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» يُرِيدُ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي حُكْمُهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَيْنِ مَتَاعِهِ إنْ شَاءَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «وَإِنْ مَاتَ الَّذِي ابْتَاعَهُ فَصَاحِبُ الْحَقِّ فِيهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» يُرِيدُ أَنَّ حُكْمَ الْمَوْتِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ حُكْمِ الْفَلَسِ لِأَنَّهُ فِي فَلَسِ الْمُبْتَاعِ الْبَائِعُ أَحَقُّ بِسِلْعَتِهِ، وَفِي مَوْتِ الْمُبْتَاعِ الْبَائِعُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِهَا فِي الْمَوْتِ وَالْفَلْسِ، وَهُمَا سَوَاءٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «وَإِنْ مَاتَ الَّذِي ابْتَاعَهُ فَصَاحِبُ الْمُبْتَاعِ فِيهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» ، وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِمَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَلَيْسَتْ بِأَصَحَّ مِنْ مَرَاسِيلِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَسْنَدَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ثِقَةٌ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّ حَظَّ تَقْدِيمِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ بِعَيْنِ مَالِهِ لِإِسْقَاطِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ وَانْفِرَادِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ أَنَّ فِي الْفَلَسِ الذِّمَّةُ بَاقِيَةٌ يَرْجِعُ الْغُرَمَاءُ إلَيْهَا، وَيَنْتَظِرُونَ الِاقْتِضَاءَ مِنْهَا، وَفِي الْمَوْتِ تَبْطُلُ الذِّمَّةُ فَيَكُونُ ذَلِكَ إسْقَاطًا لِحَقِّ بَاقِي الْغُرَمَاءِ عَنْ مَالٍ قَدْ مَلَكَهُ غَرِيمُهُمْ لَا رُجُوعَ لَهُمْ مِنْهُ بِشَيْءٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَهَذَا إذَا مَاتَ الْمُبْتَاعُ قَبْلَ أَنْ يُوقِفَ لِلْبَائِعِ سِلْعَتَهُ، وَأَمَّا إنْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُفْلِسِ السُّلْطَانُ يُوقِفُ مَالَهُ، وَيُوقِفُ مِنْهُ سِلْعَةً لِبَائِعِهَا مِنْهُ ثُمَّ يَمُوتُ الْمُبْتَاعُ فَإِنَّ السِّلْعَةَ لِبَائِعِهَا إذَا وَقَفَهَا لَهُ السُّلْطَانُ، وَإِنْ مَاتَ الْمُبْتَاعُ قَبْلَ أَنْ تُوقَفَ لَهُ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَلَيْسَ إيقَافُ الْمَالِ إيقَافًا لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَعَلَّقَ بِهَا الْبَائِعُ، وَأَرَادَ أَخْذَهَا فِي حَيَاةِ الْمُبْتَاعِ، وَأَبَى ذَلِكَ الْغُرَمَاءُ فَإِنَّهُ يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً مُعَيَّنَةً فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى مَاتَ الْبَائِعُ فَالْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِهَا فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ابْتَاعَ مِنْهُ طَعَامًا عَلَى الْكَيْلِ فَلَمْ يَكْتَلْهُ حَتَّى مَاتَ الْبَائِعُ فَالْمُبْتَاعُ أَحَقُّ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الذِّمَّةِ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى سِلَعًا فَبَاعَ بَعْضَهَا ثُمَّ أَفْلَسَ فَإِنَّ الْبَائِعَ أَحَقُّ بِمَا بَقِيَ مِنْهَا مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ وَبِمَا يُصِيبُهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ سِلْعَتَيْنِ ثُمَّ يُفْلِسُ الْمُبْتَاعُ فَيَجِدُ الْبَائِعُ إحْدَى السِّلْعَتَيْنِ، وَقَدْ فَاتَتْ الْأُخْرَى فَإِنَّهُ يَقْبِضُ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَتِهَا ثُمَّ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْبَاقِيَةَ بِمَا يُصِيبُهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَيُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ بِمَا يُصِيبُ الْفَائِنَةَ مِنْ الثَّمَنِ فَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ الَّتِي وَجَدَ، وَحَاصَّ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مِنْ الثَّمَنِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا لَهُ أَخْذُ مَا بَقِيَ مِنْ سِلْعَتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ قَبَضَ جَمِيعَ الثَّمَنِ لَمْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذْ السِّلْعَةَ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ إنَّ قَبْضَهُ لِجَمِيعِ الثَّمَنِ قَدْ سَلِمَ بِهِ الْعَقْدُ مِنْ الْعَيْبِ فِي أَخْذِ الْعِوَضَيْنِ، وَأَمَّا إذَا قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ، وَقَدْ أَدْرَكَ الذِّمَّةَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا بِقِيمَةِ الثَّمَنِ عَيْبُ الْفَلَسِ جَازَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الثَّمَنِ يَتَقَسَّطُ عَلَى الْمَبِيعِ فَيَدْخُلُ
стр. 1429
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ غَزْلًا أَوْ مَتَاعًا أَوْ بُقْعَةً مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ الْمُشْتَرَى عَمَلًا بَنَى الْبُقْعَةَ دَارًا أَوْ نَسَجَ الْغَزْلَ ثَوْبًا ثُمَّ أَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَ ذَلِكَ فَقَالَ رَبُّ الْبُقْعَةِ أَنَا آخُذُ الْبُقْعَةَ وَمَا فِيهَا مِنْ الْبُنْيَانِ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ، وَلَكِنْ تُقَوَّمُ الْبُقْعَةُ وَمَا فِيهَا مِمَّا أَصْلَحَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ يَنْظُرُ كَمْ ثَمَنُ الْبُقْعَةِ وَكَمْ ثَمَنُ الْبُنْيَانِ مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ ثُمَّ يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْبُقْعَةِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، وَيَكُونُ لِلْغُرَمَاءِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْبُنْيَانِ قَالَ مَالِكٌ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَتَكُونُ قِيمَةُ الْبُقْعَةِ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَقِيمَةُ الْبُنْيَانِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْبُقْعَةِ الثُّلُثُ، وَيَكُونُ لِلْغُرَمَاءِ الثُّلُثَانِ قَالَ مَالِكٌ، وَكَذَلِكَ الْغَزْلُ وَغَيْرُهُ مِمَّا أَشْبَهَهُ إذَا دَخَلَهُ هَذَا وَلَحِقَ الْمُشْتَرِيَ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ عِنْدَهُ، وَهَذَا الْعَمَلُ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا مَا بِيعَ مِنْ السِّلَعِ الَّتِي لَمْ يُحْدِثْ فِيهَا الْمُبْتَاعُ شَيْئًا إلَّا أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ نَفَقَتْ، وَارْتَفَعَ ثَمَنُهَا فَصَاحِبُهَا يَرْغَبُ فِيهَا، وَالْغُرَمَاءُ يُرِيدُونَ إمْسَاكَهَا فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوا رَبَّ السِّلْعَةِ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ، وَلَا يَنْقُصُوهُ شَيْئًا، وَبَيْنَ أَنْ يُسْلِمُوا إلَيْهِ سِلْعَتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَدْ نَقَصَ ثَمَنُهَا فَاَلَّذِي بَاعَهَا بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ سِلْعَتَهُ، وَلَا تَبَاعَةَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِ غَرِيمِهِ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَكُونَ غَرِيمًا مِنْ الْغُرَمَاءِ يُحَاصُّ بِحَقِّهِ، وَلَا يَأْخُذُ سِلْعَتَهُ فَذَلِكَ لَهُ)
ــ
[المنتقى]
فِيهِ ضَرُورَةُ الشَّرِكَةِ لِأَنَّهُ إذَا بَاعَ مِنْهُ عَبْدًا، وَرَجَعَ إلَيْهِ نِصْفُ الْعَبْدِ أَوْ رُبْعُهُ فَقَدْ لَحِقَهُ ضَرُورَةُ الشَّرِكَةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ فَلِذَلِكَ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ مَا قَبَضَ، وَيَرْجِعَ فِي سِلْعَتِهِ أَوْ يُسَلِّمَهَا وَيُحَاصَّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الْغُرَمَاءَ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فَإِنْ اقْتَضَى مِنْ ثَمَنِ الْمُبْتَاعِ شَيْئًا فَأُحِبُّ أَنْ يَرُدَّهُ، وَيَقْبِضَ مَا وَجَدَ مِنْ مَتَاعِهِ، وَيَكُونُ فِيمَا لَمْ يَجِدْ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فَذَلِكَ لَهُ، وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجِدَ سِلْعَتَهُ كُلَّهَا، وَقَدْ قَبَضَ بَعْضَ ثَمَنِهَا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا قَبَضَ، وَيَأْخُذَ سِلْعَتَهُ أَوْ يُسَلِّمَهَا، وَيُحَاصَّ الْغُرَمَاءَ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ، وَوَجَدَ بَعْضَ السِّلْعَةِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مِمَّا قَبَضَ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ مَا يَجِبُ مِنْ الثَّمَنِ لِمَا وَجَدَ مِنْ السِّلْعَةِ، وَيُمْسِكُ الْبَاقِيَ، وَيَرْجِعُ فِيمَا وَجَدَ مِنْ سِلْعَتِهِ، وَيَتَمَسَّكُ بِمَا يُصِيبُ مَا فَاتَ مِنْ السِّلَعِ مِمَّا كَانَ قَبَضَ مِنْ الثَّمَنِ، وَيُحَاصُّ بِبَقِيَّتِهِ الْغُرَمَاءَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ بَاعَ ثَلَاثَةَ أَرْؤُسٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَقِيمَةُ أَحَدِهِمْ نِصْفُ الثَّمَنِ وَالْآخَرِ ثَلَاثَةُ أَعْشَارِ الثَّمَنِ، وَالْآخَرِ خُمُسُ الثَّمَنِ فَإِنَّهُ يَفُضُّ الْمِائَةَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ قَبَضَ مِنْ الثَّمَنِ ثَلَاثِينَ دِينَارًا فُضَّتْ عَلَى الْأَرْؤُسِ الثَّلَاثَةِ فَيُصِيبُ الَّذِي قِيمَتُهُ النِّصْفُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَيُصِيبُ الَّذِي قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ أَعْشَارٍ تِسْعَةَ دَنَانِيرَ، وَيُصِيبُ الْآخَرُ سِتَّةَ دَنَانِيرَ فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ حُسِبَ عَلَيْهِ فِيهِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهِ، وَحَاصَ بِمَا بَقِيَ، وَمَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ رَدَّ مَا وَقَعَ لَهُ، وَأَخَذَهُ إنْ شَاءَ إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ الْغُرَمَاءُ بَقِيَّةَ ثَمَنِهِ، وَحَاصَّ بِمَا بَقِيَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا قَبَضَهُ مِنْ الثَّمَنِ إنَّمَا قَبَضَهُ عَنْ جَمِيعِ الْمَبِيعِ فَيَقْبِضُ عَلَى ذَلِكَ فَمَا أَصَابَ مِنْهُ مَا فَاتَ حُسِبَ لَهُ مِنْ ثَمَنِهِ، وَحَاصَّ الْغُرَمَاءَ بِبَقِيَّتِهِ، وَمَا أَصَابَ مِنْهُ مَا أَدْرَكَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ، وَيَأْخُذَ عَيْنَ مَالِهِ أَوْ يَتْرُكَ مَا أَدْرَكَ، وَيُحَاصَّ بِمَا بَقِيَ مِنْ ثَمَنِهِ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الَّذِي يَبِيعُ الْبُقْعَةَ وَالْغَزْلَ فَيَبْنِي الْمُشْتَرِي فِي الْبُقْعَةِ، وَيَنْسِجُ الْغَزْلَ ثُمَّ يُفْلِسُ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ يَوْمَ الْحُكْمِ فِيهِ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة، وَقَالَ يُقَوَّمُ جَمِيعُ الْبُنْيَانِ جُمْلَةً، وَلَا يُقَوَّمُ جِدَارًا أَوْ خَشَبَةً خَشَبَةً، وَإِنَّمَا يُقَالُ مَا قِيمَةُ هَذِهِ الدَّارِ مَبْنِيَّةً فَتُعْرَفُ قِيمَتُهَا ثُمَّ يُقَالُ مَا قِيمَةُ الْبُقْعَةِ بَرَاحًا لَا بِنَاءَ فِيهَا فَيَكُونَانِ فِيهَا شُرَكَاءَ؛ صَاحِبُ الْبُقْعَةِ بِقِيمَةِ بُقْعَتِهِ، وَصَاحِبُ الْبُنْيَانِ بِقِيمَةِ بُنْيَانِهِ، رَوَاهُ عِيسَى عَنْ يَحْيَى عَنْ
стр. 1430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
ابْنِ نَافِعٍ، وَفِي الْمَبْسُوطِ شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ زِيَادَةً فِي الْمَبِيعِ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ لَا يُفِيتُهُ، وَذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ جُلُودًا فَيَدْبُغَهَا الْمُبْتَاعُ أَوْ ثِيَابًا فَيَصْبُغَهَا أَوْ يُقَصِّرَهَا فَإِنَّ الْبَائِعَ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ سِلْعَتَهُ، وَيُشَارِكَ الْغُرَمَاءَ بِقِيمَتِهَا، وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّ ذَلِكَ فَوْتٌ ثُمَّ رَجَعَ إلَى هَذَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَيْنَ قَدْ تَغَيَّرَتْ تَغَيُّرًا لَا سَبِيلَ أَنْ تَعُودَ إلَى صِفَتِهَا الْأُولَى فَكَانَ ذَلِكَ فَوْتًا فِيهَا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْعَيْنَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا زِيدَ فِيهَا عَمَلٌ، وَأُضِيفَ إلَيْهَا مَعْنًى كَالنَّسْجِ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا بِالْمُشَارَكَةِ فِيمَا يُشَارِكُهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَكُونُ الْغُرَمَاءُ شُرَكَاءَ بِقِيمَةِ الصَّبْغِ وَقِيمَةِ النَّسْجِ فِي الْغَزْلِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَكُونُونَ شُرَكَاءَ بِقَدْرِ مَا زَادَ الصَّبْغُ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الصَّبَّاغِ يَدْفَعُ الثَّوْبَ إلَى رَبِّهِ ثُمَّ يُفْلِسُ رَبُّهُ إنَّ الصَّبَّاغَ يَكُونُ شَرِيكًا فِي الثَّوْبِ بِمَا زَادَ فِيهِ الصَّبْغُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ صَنَعَ فِيهِ مَا يَجُوزُ لَهُ، وَأَنْفَقَ فِيهِ نَفَقَةً فَيَجِبُ أَنْ يُشَارِكَ بِقِيمَتِهَا لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ الَّتِي أَحْدَثَ فِيهِ الْمُشْتَرِي بِمَنْزِلَةِ مَا أُضِيفَ إلَى الثَّوْبِ كَمَا لَوْ أَخْطَأَهُ الصَّبَّاغُ بِثَوْبٍ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْفَلَسَ مَعْنًى يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ فِي رَدِّ الثَّوْبِ إلَى بَائِعِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُشَارِكَ بِمَا زَادَتْ قِيمَةُ الصَّبْغِ وَالْعَمَلِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ اشْتَرَى زُبْدًا فَعَمِلَهُ سَمْنًا أَوْ ثَوْبًا فَقَطَعَهُ قَمِيصًا أَوْ خَشَبَةً فَعَمِلَهَا بَابًا أَوْ تَابُوتًا أَوْ كَبْشًا فَذَبَحَهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فَوْتٌ، وَلَيْسَ لِبَائِعِهِ إلَّا الْمُحَاصَّةُ بِخِلَافِ الْعَرْصَةِ تُبْنَى، وَالْغَزْلِ يُنْسَجُ، وَرَوَى مُطَرِّفٌ، وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْجُلُودِ تُقْطَعُ نِعَالًا إنَّ ذَلِكَ فَوْتٌ، وَأَمَّا الثِّيَابُ تُقْطَعُ فَلَا أَدْرِي، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَزْلِ يُنْسَجُ أَنَّ النَّسْجَ عَمَلٌ وَصِنَاعَةٌ مُعْتَادَةٌ تَزِيدُ فِي الْقِيمَةِ، وَأَمَّا الْقَطْعُ فَيُعْتَبَرُ، وَهُوَ مِمَّا يُنْقِصُ الْقِيمَةَ فِي الْغَالِبِ، وَلِذَلِكَ كَانَ فَوْتًا، وَكَذَلِكَ مَنْ اشْتَرَى قَمْحًا فَخَلَطَهُ ثُمَّ أَفْلَسَ كَانَ لِصَاحِبِ الْقَمْحِ أَنْ يَأْخُذَ قَمْحَهُ، وَلَوْ خَلَطَهُ بِقَمْحٍ رَدِيءٍ مُسَوَّسٍ مَغْلُوثٍ لَكَانَ ذَلِكَ فَوْتًا يَمْنَعُ الْبَائِعَ مِنْ أَخْذِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَمَنْ اشْتَرَى ثَمَرَ حَائِطٍ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ ثُمَّ فَلِسَ الْمُبْتَاعُ بَعْدَ أَنْ يَبِسَ التَّمْرُ فَأَرَادَ الْبَائِعُ أَخْذَهُ بِحَقِّهِ فَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فَأَجَازَهُ مَرَّةً، وَمَنَعَهُ أُخْرَى وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَشْهَبُ أَنَّهُ أَخَذَ عَيْنَ مَالِهِ، وَإِنَّمَا تَبْقَى الذَّرِيعَةُ إلَى بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَإِلْزَامُ ذَلِكَ بِحُكْمٍ يَنْفِي الذَّرِيعَةَ، وَتَبْعُدُ التُّهْمَةُ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ، وَإِلَيْهَا ذَهَبَ أَصْبَغُ إثْبَاتُ حُكْمِ الذَّرِيعَةِ، وَإِنْ حَكَمَ بِهَا حَاكِمٌ، وَهَذَا أَصْلُ اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ، وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُ، وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ فِي مَسَائِلَ تُشْبِهُ ذَلِكَ، وَيُبْنَى الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبَائِعِ أَخْذَ سِلْعَتِهِ إذَا فَلِسَ الْمُبْتَاعُ هَلْ هُوَ ابْتِدَاءُ بَيْعٍ أَوْ نَقْضٌ لِلْبَيْعِ الْأَوَّلِ فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ ابْتِدَاءُ بَيْعٍ رُوعِيَ فِيهِ مِنْ الذَّرَائِعِ مَا يُرَاعَى فِي عُقُودِ الْبَيْعِ، وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ نَقْضُ بَيْعٍ لَمْ يَحْتَجْ إلَى مُرَاعَاةِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي عَبْدٍ أَبَقَ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُبْتَاعُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهُ أَنْ يَرْضَى بِالْعَبْدِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ أَوْ يُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَاصَّ بِقِيمَتِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ وَجَدَهُ أَخَذَهُ وَرَدَّ مَا حَاصَّ بِهِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ نَقْضٌ لِلْبَيْعِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ لَيْسَ لِبَائِعِ الْآبِقِ أَخْذُهُ بِالثَّمَنِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ عَقْدُ بَيْعٍ، وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ الْآبِقِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ ابْتَاعَ قَمْحًا فَزَرَعَهُ ثُمَّ أَفْلَسَ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ لَا يَكُونُ الْبَائِعُ أَحَقَّ بِهِ فَأَمَّا الَّذِي زَرَعَهُ فَبَيِّنٌ أَنَّهُ لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ لِأَنَّ تِلْكَ الْعَيْنَ الَّتِي بَاعَهَا قَدْ تَلِفَتْ، وَالْقَمْحُ الَّذِي نَبَتَ عَيْنٌ أُخْرَى، وَلَيْسَ فِي الْفَوَاتِ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا، وَأَمَّا مَنْعُ ذَلِكَ فِي الَّذِي طَحَنَ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ، وَالثَّانِي ارْتِجَاعُ الْبَائِعِ عَيْنَ مَالِهِ بِشِرَاءٍ حَادِثٍ فَلِذَلِكَ مَنَعَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْنِيَهُ عَلَى أَنَّ تَفْرِيقَ الْأَجْزَاءِ مَانِعٌ مِنْ رُجُوعِ الْبَائِعِ فِيهِ وَمُفِيتٌ لَهُ كَقَطْعِ الثَّوْبِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَإِذَا اخْتَلَطَ مَا ابْتَاعَهُ مِنْ قَمْحٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ
стр. 1431
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً أَوْ دَابَّةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي فَإِنَّ الْجَارِيَةَ أَوْ الدَّابَّةَ وَوَلَدَهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَرْغَبَ الْغُرَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَيُعْطُونَهُ حَقَّهُ كَامِلًا وَيُمْسِكُونَ ذَلِكَ) .
ــ
[المنتقى]
غَيْرِهِمَا، وَعُرِفَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ أَفْلَسَ فَإِنَّ لِلْمُبْتَاعِ أَخْذَهُ مِنْ جُمْلَةِ الطَّعَامِ قَالَهُ مَالِكٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا خَلَطَهُ فَقَدْ فَاتَ، وَلَا يَكُونُ الْبَائِعُ أَحَقَّ بِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَأَدْرَكَ الرَّجُلُ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» ، وَهَذَا قَدْ وَجَدَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا بَائِعٌ مُدْرِكٌ لَعَيْن مَالِهِ فِي فَلَسِ غَرِيمِهِ فَكَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَخْلِطْهُ بِسِوَاهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَوْ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ جَمَاعَةٍ فَخَلَطَهُ ثُمَّ أَفْلَسَ كَانُوا أَحَقَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ غُرَمَائِهِ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ الدَّنَانِيرُ يَدْفَعُهَا الرَّجُلُ إلَى الصَّرَّافِ يَخْلِطُهَا بِكِيسِهِ ثُمَّ يُفْلِسُ مَكَانَهُ، وَالْبَزُّ يَشْتَرِيهِ فَيَرْفَؤُهُ، وَيَخْلِطُهُ بِبَزِّ غَيْرِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الْبَائِعَ مِنْ أَخْذِ مَالِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ وَأَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ خَلْطَهُ بِمَالٍ لَا يَمْنَعُ الْبَائِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِهِ فَبِأَنْ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ خَلْطُهُ بِمَالِ بَائِعٍ أَحْرَى وَأَوْلَى.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا إنْ خَلَطَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُفْسِدَهُ ذَلِكَ أَوْ لَا يُفْسِدُهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُفْسِدًا لَهُ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِيمَنْ خَلَطَ مَا اشْتَرَى بِغَيْرِ جِنْسِهِ مِثْلُ أَنْ يَخْلِطَ زَيْتَ الْفُجْلِ بِزَيْتِ الزَّيْتُونِ أَوْ الْقَمْحِ بِالْمَغْلُوثِ جِدًّا أَوْ الْمُسَوَّسِ حَتَّى يَفْسُدَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفِيتُهُ، وَأَمَّا إنْ خَلَطَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفْسِدُهُ بَلْ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ لَهُ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ رَجُلٍ عَسَلًا، وَمِنْ آخَرَ حَرِيرَةً يَلُثُّهَا بِالْعَسَلِ ثُمَّ يُفْلِسُ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُمَا أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ يَتَحَاصَّانِ فِي ثَمَنِهَا بِقِيمَةِ هَذَا مِنْ قِيمَةِ هَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ثُمَّ وَقَفَ عَنْهَا مُحَمَّدٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ فِيمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ أَفْلَسَ فَإِنَّ لِلْبَائِعِ أَخْذَهَا وَوَلَدَهَا لِأَنَّهُ نَمَاءٌ مِنْ جِنْسِ الْعَيْنِ كَالسِّمَنِ، وَالنَّمَاءُ الْحَادِثُ فِي الْعَيْنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ نَمَاءٌ مِنْ جِنْسِ الْعَيْنِ كَالْوَلَدِ، وَنَمَاءٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَثَمَرِ الشَّجَرِ وَصُوفِ الْغَنَمِ وَلَبَنِ الْأَنْعُمِ وَغَلَّةِ الدُّورِ وَالْعَبِيدِ، فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ فَإِنْ حَدَثَ الْوَلَدُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَفْلَسَ فَإِنَّ لِلْبَائِعِ أَخْذَهُ مَعَ أُمِّهِ عَلَى مَا ذَكَرَ أَوْ تَرَكَهَا مَعَ وَلَدِهَا، وَمُحَاصَّةُ الْغُرَمَاءِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي بَاعَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَبِعْهُ فَإِنْ كَانَ بَاعَ الْأَوْلَادَ وَوَجَدَ الْأُمَّ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْأُمَّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يُسْلِمَهَا، وَيُحَاصَّ الْغُرَمَاءَ، وَذَكَرَهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ: وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْوَلَدِ، وَرَوَى يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَقْسِمُ الثَّمَنَ عَلَى الْأُمِّ وَالْوَلَدِ فَيَأْخُذُ الْأُمَّ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَيُحَاصُّ بِمَا أَصَابَ الْأَوْلَادَ مِنْ الثَّمَنِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْوَلَدَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْبَيْعُ، وَإِنَّمَا كَانَ نَمَاءٌ حَدَثَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْهُ كَالثَّمَرَةِ وَاللَّبَنِ وَالْغَلَّةِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ نَمَاءٌ مِنْ جِنْسِ الْعَيْنِ فَكَانَ لِلْبَائِعِ أَخْذُهُ وَأَخْذُ ثَمَنِهِ إنْ كَانَ بَاعَهُ، وَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُهُ بِالْغَلَّةِ لِأَنَّ الْغَلَّةَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْوَلَدَ وَحْدَهُ لَكَانَ لَهُ أَخْذُهُ وَالْمُحَاصَّةُ بِقِيمَةِ الْأُمِّ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَمَّا وَجَدَ النَّمَاءَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فِيهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَبِعْ الْمُشْتَرِي الْوَلَدَ، وَلَكِنَّهُ تَلِفَ فَإِنْ كَانَ تَلِفَ عَلَى وَجْهٍ لَا عِوَضَ فِيهِ كَالْمَوْتِ وَالْإِبَاقِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ لَوْ مَاتَتْ الْأُمُّ وَبَقِيَ الْوَلَدُ أَوْ مَاتَ الْوَلَدُ وَبَقِيَتْ الْأُمُّ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْبَاقِي مِنْهُمَا إلَّا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ التَّرْكُ وَالْمُحَاصَّةُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ إسْلَامُهُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ بَاعَ أَمَةً فَعَمِيَتْ أَوْ اعْوَرَّتْ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ ثُمَّ أَفْلَسَ فَإِمَّا أَخَذَهَا الْبَائِعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ أَسْلَمَهَا قَالَ مَالِكٌ، وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ يَخْلَقُ أَوْ يَدْخُلُهُ فَسَادٌ كَالْأَمَةِ.
(فَرْعٌ)
وَأَمَّا إنْ تَلِفَ عَلَى وَجْهٍ فِيهِ الْعِوَضُ مِثْلُ أَنْ يَجْنِيَ عَلَيْهِ جَانٍ فَإِنْ أَخَذَ لَهُ عَقْلًا فَهُوَ مِثْلُ بَيْعِهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ لَهُ عَقْلًا فَهُوَ مِثْلُ الْمَوْتِ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ
стр. 1432
مَا يَجُوزُ مِنْ السَّلَفِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَكْرًا فَجَاءَتْهُ إبِلٌ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ أَبُو رَافِعٍ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ فَقُلْت لَمْ أَجِدْ فِي الْإِبِلِ إلَّا جَمَلًا خِيَارًا رُبَاعِيًّا
ــ
[المنتقى]
الْجَانِي عَلَيْهِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا حَدَثَ الْوَلَدُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَأَمَّا لَوْ بِيعَا جَمِيعًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ سِلْعَتَيْنِ بِيعَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فِي وُجُودِ مَنْ وُجِدَ مِنْهُمَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ النَّمَاءِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَبِيعِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حِينَ الْبَيْعِ أَوْ حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ فَمَا كَانَ مِنْهُ مَوْجُودًا حِينَ الْبَيْعِ عَلَى صِفَةٍ نُبَيِّنُهَا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِثْلُ الصُّوفِ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ قَالَ أَصْبَغُ قَدْ حَانَ جِزَازُهُ فَجَزَّهُ الْمُبْتَاعُ ثُمَّ أَفْلَسَ فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا، وَكَانَ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ لَمْ يَجُزَّهُ فَهُوَ لِلْبَائِعِ مَعَ الرِّقَابِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَوْ جَزَّهُ الْمُبْتَاعُ وَلَمْ يَفُتْ فَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ لِلْبَائِعِ أَخْذُهُ مَعَ الْغَنَمِ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ ثُمَّ فُلِّسَ قَالَ أَصْبَغُ: لَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ إلَّا قِيمَتُهُ بِقِسْطِ الثَّمَنِ عَلَى الصُّوفِ وَرِقَابِ الْغَنَمِ يُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ بِمَا لِلصُّوفِ مِنْ الثَّمَنِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْغَنَمَ بِبَاقِي الثَّمَنِ أَوْ يُسْلِمَهَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ فَكَانَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ كَالسِّلْعَتَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا الثَّمَرَةُ تُبَاعُ مَعَ الْأَصْلِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَكِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ قَدْ أُبِّرَتْ فَيَقْضِي لَهُ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَأَمَّا مَا قَبْلَ ذَلِكَ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمَبِيعِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْبَيْعِ، وَلَا حِصَّةَ لَهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا رَاعَى ابْنُ حَبِيبٍ الْإِبَارَ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تَتْبَعُ النَّخْلَ إلَّا بِالشَّرْطِ فَكَانَ لَهَا عَلَى هَذَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ فُلِّسَ الْمُبْتَاعُ قَبْلَ أَنْ يَجُدَّ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْأَصْلِ وَالثَّمَرَةِ مَا لَمْ يُفَارِقْ الْأَصْلَ، وَقِيلَ مَا لَمْ تَيْبَسْ، وَرُوِيَ الْقَوْلَانِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الْقِيَاسُ، وَالثَّانِي هُوَ الِاسْتِحْسَانُ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا قَدَّمْنَاهُ قَالَ مَالِكٌ مَا دَامَتْ الثَّمَرَةُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ لَمْ تُجَدَّ، وَلَمْ تُبَعْ فَهِيَ كَالْوَلَدِ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ جَعَلَهَا مَا دَامَتْ مُتَّصِلَةً بِالْأَصْلِ كَالنَّمَاءِ الْحَادِثِ فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ قَدْ وُجِدَتْ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ لِلْبَائِعِ قِيمَةُ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ لِارْتِجَاعِ الْمَبِيعِ حُكْمَ الْعَقْدِ، وَهَذَا ثَمَرٌ قَدْ انْفَصَلَ مِنْ أَصْلِهِ فَوَجَبَ عِوَضًا عَنْ ثَمَرَةٍ مُزْهِيَةٍ فَلَمْ يَجِدْ ذَلِكَ فَرَجَعَ فِيهِ إلَى الْقِيمَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الشَّجَرِ عِنْدَ الْبَيْعِ ثَمَرٌ، وَلَا عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ صُوفٌ ثُمَّ اسْتَغَلَّهَا الْمُشْتَرِي مُدَّةَ أَعْوَامٍ ثُمَّ أَفْلَسَ فَإِنَّ الْبَائِعَ يَأْخُذُ الْأُصُولَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْغَلَّةِ وَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ بَاقِيَةً فِي الشَّجَرِ، وَالصُّوفُ بَاقٍ عَلَى الْغَنَمِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ فِي النَّخْلِ يَوْمَ التَّفْلِيسِ ثَمَرٌ قَدْ طَابَتْ فَهِيَ لِلْغُرَمَاءِ، وَكَذَلِكَ مَا حَلَّ مِنْ غَلَّةِ دَارٍ، وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لِلْبَائِعِ أَخْذَهَا بِثَمَرِهَا مَا دَامَتْ فِي النَّخْلِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ قَدْ حَازَ أَفْرَادَهَا فَكَانَ لَهَا حُكْمُهَا كَاَلَّتِي جُدَّتْ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا مَا دَامَتْ مُتَّصِلَةً بِمِلْكِ الْبَائِعِ، وَغَيْرَ مُفَارِقَةٍ لَهُ فَإِنَّهَا لَمْ تَزُلْ عَنْ مِلْكِهِ فَكَانَ لَهُ اسْتِرْجَاعُهَا فِي الْفَلَسِ كَنَمَاءِ الْأَغْصَانِ مَا لَمْ يَطِبْ مِنْ الثَّمَرِ، وَصُوفِ الْغَنَمِ.
(فَرْعٌ)
وَأَمَّا الصُّوفُ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ يَكُونُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ الْمُفْلِسِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ لِلْبَائِعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّمَرَةِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لِلْغُرَمَاءِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الصُّوفَ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ فِي بَيْعِ الْغَنَمِ وَالثَّمَرَةِ الْمَأْبُورَةُ فَلَا يَكُونُ لَهُ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1433
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْطِهِ إيَّاهُ فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ اسْتَسْلَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ ثُمَّ قَضَاهُ دَرَاهِمَ خَيْرًا مِنْهَا فَقَالَ الرَّجُلُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذِهِ خَيْرٌ مِنْ دَرَاهِمِي الَّتِي أَسْلَفْتُك فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَدْ عَلِمْت، وَلَكِنْ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْبِضَ مَنْ أَسْلَفَ شَيْئًا مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ أَوْ الطَّعَامِ أَوْ الْحَيَوَانِ مِمَّنْ أَسْلَفَهُ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى شَرْطٍ مِنْهُمَا أَوْ وَأْيٍ أَوْ عَادَةٍ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى شَرْطٍ أَوْ وَأْيٍ أَوْ عَادَةٍ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَلَا خَيْرَ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ، وَذَلِكَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى جَمَلًا رُبَاعِيًّا خِيَارًا مَكَانَ بَكْرٍ اسْتَسْلَفَهُ» ، وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اسْتَسْلَفَ دَرَاهِمَ فَقَضَاهُ خَيْرًا مِنْهَا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْ الْمُسْتَسْلِفِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى شَرْطٍ، وَلَا وَأْيٍ، وَلَا عَادَةٍ كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لَا بَأْسَ بِهِ) .
ــ
[المنتقى]
[مَا يَجُوزُ مِنْ السَّلَفِ]
(ش) : قَوْلُهُ «اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَكْرًا» يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ثُبُوتِ الْحَيَوَانِ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا يُضْبَطُ بِالصِّفَةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا جَازَ ثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّةِ عِوَضًا عَمَّا يَسْتَقْرِضُهُ الْمُسْتَقْرِضُ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ عَلَيْهِ رَدَّ مِثْلَ مَا اسْتَقْرَضَ، وَوَافَقَنَا عَلَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَنَعَ مِنْهُ فِي السَّلَمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَالْقَرْضُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا، وَغَيْرَ مُؤَجَّلٍ فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا لَمْ يَكُنْ لِلْمُقْرِضِ أَنْ يَطْلُبَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَلِلْمُسْتَقْرِضِ أَنْ يَدْفَعَهُ مَتَى شَاءَ قَبْلَ الْأَجَلِ إذَا كَانَ عَيْنًا لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقْرَضَهُ لِمُجَرَّدِ مَنْفَعَةِ الْمُسْتَقْرِضِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَنْفَعَةً لِلْمُقْرِضِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَنْ يُبْقِيَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَقْرِضِ إلَى الْأَجَلِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ وَجْهُ مَنْفَعَةٍ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَرْضِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَقْرَضَهُ عَرْضًا.
١ -
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «فَجَاءَتْهُ إبِلٌ مِنْ الصَّدَقَةِ قَالَ أَبُو رَافِعٍ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ» لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْتَرِضُ الْبَكْرَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ فَإِنْ كَانَ اقْتَرَضَهُ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ، وَقَوْلُ أَبِي رَافِعٍ «لَمَّا جَاءَتْهُ إبِلٌ مِنْ الصَّدَقَةِ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ» يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أَحَدُهَا أَنَّ مَا أَمَرَهُ أَنْ يَقْضِيَ مِنْهُ الرَّجُلَ كَانَ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ ثُمَّ صَارَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ بِابْتِيَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ أَقْرَضَهُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ جَازَ أَنْ يَقْضِيَهُ مِنْهَا كَمَا يَسْتَقْرِضُ وَالِي الْيَتِيمِ عَلَى مَالِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ أَمْوَالِ الْمَسَاكِينِ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِمَّا أَخَذَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقْرِضُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ فَيَكُونُ فَضْلُ الشَّيْءِ صَدَقَةً عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى إخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْلَ حُلُولِهَا عَلَى قَوْلِنَا إنَّهُ اسْتَقْرَضَ لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنَّمَا فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اسْتَقْرَضَ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ رَجُلٍ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ أَوْ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ فَيَقْضِيهِ قَرْضَهُ كَمَا فَعَلَ ﷺ ، وَيَقْبِضُ مِنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ فَلَوْ كَانَ مِنْ بَابِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحُلُولِ لَتَعَجَّلَهَا وَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُقْرِضَ، وَلَوْ شَاءَ لَعَجَّلَهَا اقْتِرَاضًا لَمَّا احْتَاجَ أَنْ يَقْضِيَهُ عِنْدَ الْأَجَلِ، وَلَوْ تَعَلَّقَ مُتَعَلِّقٌ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مَا أَبْعَدَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا يَكُونُ لَهُ هَذَا الْبَكْرُ الَّذِي قَضَاهُ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ إمَّا بَعْدَ أَنْ بَلَغَ مَحِلَّهُ، وَصَارَ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْغَارِمِينَ أَوْ الْفُقَرَاءِ أَوْ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ مِمَّنْ احْتَاجَ إلَى بَيْعِهِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ «رَجُلًا تَقَاضَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَغْلَظَ لَهُ فَهَمَّ أَصْحَابُهُ بِهِ فَقَالَ دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا، وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا فَأَعْطُوهُ فَقَالُوا لَا نَجِدُ إلَّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ قَالَ اشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إيَّاهُ فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ فَحَفِظَ أَبُو رَافِعٍ أَنَّ أَصْلَهُ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ، وَحَفِظَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الشِّرَاءَ.
(ش) : قَضَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵁ مَنْ أَسْلَفَهُ الدَّرَاهِمَ
стр. 1434
مَا لَا يَجُوزُ مِنْ السَّلَفِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي رَجُلٍ أَسْلَفَ رَجُلًا طَعَامًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَكَرِهَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَقَالَ فَأَيْنَ الْحَمْلُ يَعْنِي حُمْلَانَهُ) .
ــ
[المنتقى]
خَيْرًا مِنْهَا الظَّاهِرُ أَنَّهَا أَفْضَلُ فِي الصِّفَةِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَةُ تِلْكَ الْفَضِيلَةِ كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً، وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي مُقَابِلِ تِلْكَ الْفَضِيلَةِ نَقْصٌ فِي وَجْهٍ آخَرَ مِثْلُ أَنْ يُسْلِفَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ رَدِيئَةَ الذَّهَبِ فَيَقْضِيَهُ ثَمَانِيَةً جَيِّدَةَ الذَّهَبِ أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ مَسْكُوكَةٍ رَدِيئَةِ الذَّهَبِ فَيَقْضِيَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ مِنْ التِّبْرِ الْجَيِّدِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ فَيُؤَدِّي إلَى بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إلَى أَجَلٍ لَمَّا كَانَ مِنْ جِنْسَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ كَانَتْ الْفَضِيلَةُ فِي الْقَدْرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ إقْرَاضُهُ وَزْنًا أَوْ عَدَدًا فَإِنْ كَانَ إقْرَاضُهُ وَزْنًا فَلَا اعْتِبَارَ بِالْعَدَدِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْوَزْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْيَسِيرَ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ أَقْرَضَهُ عَدَدًا جَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ مِثْلَ ذَلِكَ الْعَدَدِ أَفْضَلَ وَزْنًا مِثْلَ أَنْ يُقْرِضَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ أَنْصَافًا فَيَقْضِيَهُ مِائَةً وَازِنَةً لِأَنَّ الْفَضِيلَةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ فِي الْجِنْسِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَهُ فِي الْعَدَدِ إلَّا الزِّيَادَةَ الْيَسِيرَةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ قَضَاهُ أَقَلَّ عَدَدًا أَوْ أَكْثَرَ وَزْنًا أَوْ أَكْثَرَ عَدَدًا أَوْ أَقَلَّ وَزْنًا لَمْ يَجُزْ لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ الرَّجُلِ أَفْضَلَ مِمَّا سَلَّفَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطٍ وَلَا عَادَةٍ يُرِيدُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَفْسُهُ طَيِّبَةً بِذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَوْ يَجْرِيَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى عَادَةٍ يَكُونُ الْقَرْضُ مِنْ أَجْلِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ الرَّجُلُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَذِهِ خَيْرٌ مِنْ دَرَاهِمِي إنْكَارًا لِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ أَوْ لِعَادَةٍ يَرْجُوهَا لَمَا أَنْكَرَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ أَفْضَلَ مِنْ دَرَاهِمِهِ فَأَمَّا الشَّرْطُ فَلَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِ، وَأَمَّا الْعَادَةُ فَقَدْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ أَيْضًا، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فَيَكْرَهَانِهِ وَلَا يَرَيَانِهِ حَرَامًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ الْعَادَةَ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقَصْدُ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ زِيَادَتَهُ كَالشَّرْطِ، وَلِأَنَّ الْمُقْتَرِضَ إذَا أَقْرَضَ لِهَذَا الرَّجَاءِ الَّذِي اعْتَادَهُ فَقَدْ دَخَلَ عَمَلَهُ الْفَسَادُ وَالتَّحْرِيمُ لَمْ يَقْصِدْ بِمَا أَقْرَضَهُ الْمَعْرُوفَ الَّذِي هُوَ مِنْ مُقْتَضَى الْقَرْضِ، وَلِذَلِكَ أَبْدَى ابْنُ عُمَرَ مَعْنَى الْجَوَازِ فِي الزِّيَادَةِ، وَقَالَ إنَّ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ، وَأَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي زَادَهَا لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِشَرْطٍ، وَلَا عَادَةٍ، وَأَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِطِيبِ نَفْسِهِ، وَرِضَاهُ بِإِسْدَاءِ الْمَعْرُوفِ إلَى مَنْ أَقْرَضَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَا لَا يَجُوزُ مِنْ السَّلَفِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ فِي الَّذِي أَسْلَفَ طَعَامًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ بِبَلَدٍ آخَرَ فَأَيْنَ الْحَمْلُ تَبْيِينٌ لِوَجْهِ الْمَنْعِ وَمُقْتَضِي التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ زِيَادَةً فِي قَرْضِهِ، وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَى فَسَادِهِ لَا سِيَّمَا فِي مَالَهُ حَمْلٌ كَالطَّعَامِ وَسَائِرِ الْمَتَاعِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ فَلَقِيَهُ بِبَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِ الْقَرْضِ جَازَ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الْقَضَاءِ حَيْثُ الْتَقَيَا رَوَاهُ عَبْدُ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ زِيَادَةُ الْمُقْتَرَضِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا الْبَيْعُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ قَضَاءً فِي غَيْرِ بَلَدِ التَّبَايُعِ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ الِازْدِيَادِ فِيهِ فَإِنْ لَقِيَهُ بَعْدَ الْأَجَلِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَاتَّفَقَا عَلَى الْقَضَاءِ فِيهِ جَازَ ذَلِكَ إذَا أَخَذَ مِثْلَ الَّذِي يَجُوزُ ذَلِكَ قَبْلَ الْأَجَلِ قَالَهُ مَالِكٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَدْخُلُهُ قَبْلَ الْأَجَلِ حُطَّ عَنِّي الضَّمَانَ وَأَزِيدُك أَوْ ضَعْ وَتَعَجَّلْ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ كَانَ الْقَرْضُ فِي دَرَاهِمَ مِثْلِ الصَّفَائِحِ الَّتِي يَدْفَعُهَا رَجُلٌ لِآخَرَ عَلَى وَجْهِ السَّلَفِ لِيَقْضِيَهُ إيَّاهَا بِبَلَدٍ آخَرَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ الْمَنْعُ، وَرَوَى أَبُو الْفَرْجِ الْجَوَازَ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ فَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ بِبَلَدٍ آخَرَ، وَلَا يَخْلُو أَنْ يَضْرِبَ لِذَلِكَ أَجَلًا أَوْ لَا يَضْرِبَ أَجَلًا فَإِنْ ضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا جَازَ
стр. 1435
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنِّي أَسْلَفْت رَجُلًا سَلَفًا، وَاشْتَرَطْت عَلَيْهِ فَضْلًا مِمَّا أَسْلَفْته فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَذَلِكَ الرِّبَا قَالَ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ السَّلَفُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ سَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَلَكَ وَجْهُ اللَّهِ، وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِك فَلَكَ وَجْهُ صَاحِبِك، وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ لِتَأْخُذَ خَبِيثًا بِطَيِّبٍ فَذَلِكَ الرِّبَا، قَالَ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ أَرَى أَنْ تَشُقَّ الصَّحِيفَةَ فَإِنْ أَعْطَاك مِثْلَ الَّذِي أَسْلَفْته قَبِلْته، وَإِنْ أَعْطَاك دُونَ الَّذِي أَسْلَفْته فَأَخَذْته أُجِرْت، وَإِنْ أَعْطَاك أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْته طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ فَذَلِكَ شُكْرٌ شَكَرَهُ لَك، وَلَك أَجْرُ مَا أَنْظَرْته مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلَا يَشْتَرِطْ إلَّا قَضَاءَهُ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلَا يَشْتَرِطْ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ قَبْضَةً مِنْ عَلَفٍ فَهُوَ رِبًا) .
ــ
[المنتقى]
وَحَيْثُمَا لَقِيَهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ عَلَيْهِ الدِّينُ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْقَضَاءِ لِمَا شَرَطَ مِنْ الْبَلَدِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ هِيَ مِمَّا يُقَوَّمُ بِهَا، وَلَا تُقَوَّمُ بِغَيْرِهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا قِيمَةٌ لَمْ تَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ، وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْوَزْنِ وَالْجِنْسِ، وَقَدْ لَزِمَ مِنْهُ مَا لَا يُغَيَّرُ، وَأَمَّا سَائِرُ الْمَبِيعَاتِ فَتَخْتَلِفُ قِيمَتُهَا بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ فَلَمْ يَكُنْ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْهُمَا أَنْ يَقْضِيَ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَقَوْلُهُ فَأَيْنَ الْحَمْلُ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ ازْدَادَ عَلَيْهِ بِالْقَرْضِ الْحَمْلُ إذَا شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فَأَيْنَ الْحَمْلُ، وَرَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ أَرَادَ بِهِ الضَّمَانَ وَالْحَمْلَ يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مُؤْنَةَ الْحَمْلِ وَالضَّمَانِ فِي مُدَّتِهِ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْغَرَرِ، وَلَمْ يَمْنَعْ الضَّمَانُ فِي مُدَّةِ الِاقْتِرَاضِ مِنْ صِحَّةِ الْقَرْضِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الِانْتِفَاعِ بِمَا اقْتَرَضَهُ الْمُقْتَرَضُ، وَأَمَّا ضَمَانُهُ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فَأَمْرٌ ثَابِتٌ بِالشَّرْطِ وَزِيَادَةٌ لَهَا قَدْرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُ الرَّجُلِ إنِّي أَسْلَفْت سَلَفًا، وَاشْتَرَطْت عَلَيْهِ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْته، وَمُجَاوِبَةُ ابْنِ عُمَرَ لَهُ عَلَى هَذَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَفْسِرَ وَجْهَ الْفَضِيلَةِ بِأَنَّهُ رِبًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَائِرَ أَنْوَاعِ الْفَضِيلَةِ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي الْوَزْنِ أَوْ الْجَوْدَةِ أَوْ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَتْ الْفَضِيلَةُ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَرْضِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فَمَا تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ طَلَبًا لِلْخُرُوجِ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ، وَاسْتِرْشَادًا لِمَا يَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ الرِّبَا الَّذِي قَدْ تَوَرَّطَ فِيهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ السَّلَفُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ سَلَفٌ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَلَكَ وَجْهُ اللَّهِ يُرِيدُ لَك مَا لِمَنْ أَرَادَ وَجْهَ اللَّهِ مِنْ الثَّوَابِ، وَسَلَفٌ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِك يُرِيدُ أَنَّك تَقْصِدُ بِهِ اسْتِرْضَاءَهُ، وَتَطْيِيبَ نَفْسِهِ فَلَكَ وَجْهُ صَاحِبِك يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ لَك رِضَاءَهُ، وَطَيِّبَ نَفْسِهِ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ لَيْسَ فِيهِمَا ازْدِيَادٌ، وَالثَّالِثُ أَنْ تُسْلِفَ أَخَاك لِتَأْخُذَ خَبِيثًا بِطَيِّبٍ يُرِيدُ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ هَذَا السَّائِلُ مِنْ شَرْطِ الزِّيَادَةِ فَيَأْخُذُ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْخَبِيثُ عِوَضًا عَنْ الطَّيِّبِ، وَهُوَ الْحَلَالُ الَّذِي أَعْطَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ طَيِّبًا قَبْلَ أَنْ يُقْرِضَهُ عَلَى وَجْهِ الرِّبَا فَجَاوَبَهُ ابْنُ عُمَرَ بِتَبْيِينِ وَجْهِ تَحْرِيمِ مَا أَخْبَرَهُ عَنْ تَحْرِيمِهِ، وَفَصَّلَ لَهُ وُجُوهَ السَّلَفِ لِيَكْشِفَ لَهُ عَنْ مَعَانِيهَا وَبَيَّنَ لَهُ طَيِّبَهَا مِنْ خَبِيثِهَا.
(فَصْلٌ)
ثُمَّ قَالَ لَهُ أَرَى أَنْ تَشُقَّ الصَّحِيفَةَ يُرِيدُ أَنْ يُبْطِلَ الشَّرْطَ الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيفَةِ، وَلَا يَعْتَقِدَ الطَّلَبَ لَهُ بَلْ يَعْتَقِدُ إسْقَاطَ الشَّرْطِ جُمْلَةً، وَهَكَذَا مَنْ أَسْلَفَ رَجُلًا، وَشَرَطَ عَلَيْهِ زِيَادَةً، وَكَانَ قَرْضُهُ مُؤَجَّلًا كَانَ لَهُ أَنْ يُبْطِلَ الْقَرْضَ جُمْلَةً لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ لِلشَّرْطِ الَّذِي شَرَطَهُ، وَيُعَجِّلُ قَبْضَ مَالِهِ، وَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يُسْقِطَ الشَّرْطَ، وَيُبْقِيَهُ عَلَى أَجَلِهِ دُونَ شَرْطٍ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُؤَجَّلٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ، وَيُبْطِلَ شَرْطَهُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فَإِنْ أَعْطَاك مِثْلَ الَّذِي أَسْلَفْته قَبِلْته، وَهُوَ الَّذِي يَلْزَمُهُ، وَلَيْسَ لَك غَيْرُهُ، وَإِنْ أَعْطَاك دُونَ الَّذِي أَعْطَيْته فَأَخَذْته أُجِرْت نَدْبٌ إلَى الْخَيْرِ وَالتَّنَاهِي فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّرْطِ، وَذَلِكَ إنْ شَاءَ
стр. 1436
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ اسْتَسْلَفَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ بِصِفَةٍ وَتَحْلِيَةٍ مَعْلُومَةٍ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهُ إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْوَلَائِدِ فَإِنَّهُ يُخَافُ فِي ذَلِكَ الذَّرِيعَةُ إلَى حَلَالِ مَا لَا يَحِلُّ فَلَا يَصْلُحُ، وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَسْلِفَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ فَيُصِيبَهَا مَا بَدَا لَهُ ثُمَّ يَرُدُّهَا إلَى صَاحِبِهَا بِعَيْنِهَا فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ، وَلَا يَحِلُّ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْهُ، وَلَا يُرَخِّصُونَ فِيهِ لِأَحَدٍ) .
ــ
[المنتقى]
أَنْ لَا يَأْخُذَ أَدْوَنَ مِنْ الَّذِي أَعْطَى كَانَ لَهُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ إنْ سَامَحَ وَتَجَاوَزَ وَأَخَذَ أَدْوَنَ مِمَّا أَعْطَى فَذَلِكَ أَعْظَمُ لِأَجْرِهِ لِأَنَّهُ يُضِيفُ إلَى أَجَلِ الْقَرْضِ أَجَلَ التَّجَاوُزِ.
(فَصْلٌ)
فَإِنْ أَعْطَاك أَفْضَلَ مِمَّا أَعْطَيْته طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ يُرِيدُ أَنْ لَا يُعْطِيَك مِنْ أَجْلِ شَرْطِك، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَطْلُبَهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ، وَإِنَّهُ قَدْ أَبْطَلَهُ، وَتَرَكَهُ، وَإِنْ زَادَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَزِيدُهُ شُكْرًا لَهُ، وَلَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ أَجْرُ مَا أَنْظَرَهُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فَلَا تَشْتَرِطْ إلَّا قَضَاءَهُ يُرِيدُ أَنْ لَا يَشْتَرِطَ زِيَادَةً وَلَا مَنْفَعَةً، وَلَا شَيْئًا إلَّا قَضَاءَ مِثْلِ مَا أَعْطَى قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَا يَشْتَرِطُ أَفْضَلَ مِنْهُ يُرِيدُ زِيَادَةً عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ قَبْضَةً مِنْ عَلَفٍ يُرِيدُ قَلِيلَ ذَلِكَ وَكَثِيرَهُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ زِيَادَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً فَإِنَّهَا رِبًا، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الزِّيَادَةَ رِبًا، وَلَكِنْ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الرِّبَا الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ إذَا أُطْلِقَ فِي الشَّرْعِ فَظَاهِرُهُ الزِّيَادَةُ الْمَمْنُوعَةُ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَالْبَيْعُ لَا يَخْلُو مِنْ الزِّيَادَةِ فِي الْأَغْلَبِ، وَلَكِنْ لَفْظُ الرِّبَا يَخْتَصُّ بِالْمَمْنُوعِ.
(ش) : وَقَوْلُهُ مَنْ اسْتَسْلَفَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ بِصِفَةٍ وَتَحْلِيَةٍ مَعْلُومَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ مَا اسْتَسْلَفَهُ مَعْلُومَ الصِّفَةِ وَالْحِلْيَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ رَدِّ مِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مَجْهُولَ الصِّفَةِ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إلَّا مَا رُوِيَ،.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقَوْلُهُ إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْوَلَائِدِ فَإِنَّهُ يُخَافُ مِنْ ذَلِكَ الذَّرِيعَةُ إلَى إحْلَالِ مَا لَا يَحِلُّ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَرْضُ الْجَوَارِي، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ.
وَرُوِيَ عَنْ الْمَازِنِيِّ إبَاحَةُ ذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ حَظْرِ الْفُرُوجِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ اسْتَقْرَضَ شَيْئًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ مَتَى شَاءَ بَعْدَ أَخْذِهِ بِسَاعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ انْتَفَعَ بِهِ مَا كَانَ عَلَى صِفَتِهِ فَمَنْ أَرَادَ الِاسْتِمْتَاعَ بِجَارِيَةِ غَيْرِهِ اقْتَرَضَهَا مِنْهُ فَوَطِئَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ مِنْ سَاعَتِهِ، وَهَذِهِ إبَاحَةٌ لِلْفُرُوجِ الْمَحْظُورَةِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ ذَاتَ مَحْرَمٍ لِلْمُسْتَقْرِضِ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ عَمَّتَهُ أَوْ خَالَتَهُ مِنْ النَّسَبِ لِأَنَّهُ يَسْلَمُ مِمَّا قَالَهُ، وَعَلَى هَذَا الَّذِي قَالَهُ يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ اسْتِقْرَاضُ الْجَوَارِي، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ خَاصَّةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
فَإِنْ اقْتَرَضَ رَجُلٌ مِمَّنْ ذَكَرْنَا مَنْعَهُ مِنْهَا فَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْجَارِيَةَ تُرَدُّ بِعَيْنِهَا مَا لَمْ يَطَأْهَا، وَيُفْسَخُ الْقَرْضُ، وَاخْتَلَفُوا إذَا وَطِئَهَا فَقَالَ مَالِكٌ تَفُوتُ بِالْوَطْءِ، وَتَكُونُ الْجَارِيَةُ لِلْمُسْتَقْرِضِ، وَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَرُدُّهَا، وَيَرُدُّ مَعَهَا عَقْدَهَا، وَإِنْ حَمَلَتْ رَدَّهَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَقِيمَةَ وَلَدِهَا حَيًّا يَوْمَ الْوِلَادَةِ، وَيَرُدُّ مَعَهَا مَا نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ، وَإِنْ مَاتَتْ لَزِمَهُ مِثْلُهَا فَإِنْ عَدِمَ مِثْلَهَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ عُقُودَ التَّمْلِيكِ تَفُوتُ عِنْدَنَا مَعَ بَقَاءِ الْأَعْيَانِ، وَلَمَّا دَفَعَ صَاحِبُ الْجَارِيَةِ الْجَارِيَةَ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ فَاتَتْ بِالْوَطْءِ الَّذِي مَنَعَ الْقَرْضَ مِنْ أَجْلِهِ فَلَوْ أَجَزْنَا لَهُ رَدَّهَا لَكُنَّا قَدْ أَتْمَمْنَا الْقَرْضَ الْفَاسِدَ وَالْمَقْصُودَ الْمَمْنُوعَ مِنْهُ، فَلَمَّا وُجِدَ مَعْنَى الْمَنْعِ وَفَاتَ رَدُّهَا بِذَلِكَ أَوْجَبْنَا لَهُ قِيمَتَهَا، وَإِذَا وَجَبَتْ قِيمَتُهَا بَطَلَ جَمِيعُ مَا أَوْجَبَهُ بَعْدَ الْوَطْءِ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقِيمَةَ إنَّمَا تَلْزَمُهُ يَوْمَ قَبَضَهَا.
стр. 1437
(مَا يُنْهَى عَنْهُ فِي الْمُسَاوَمَةِ وَالْمُبَايَعَةِ)
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» .
وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَصُرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» قَالَ مَالِكٌ، وَتَفْسِيرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا نَرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى أَنْ يَسُومَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ إذَا رَكَنَ الْبَائِعُ إلَى السَّائِمِ، وَجَعَلَ يَشْتَرِطُ وَزْنَ الذَّهَبِ، وَيَتَبَرَّأُ مِنْ الْعُيُوبِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَرَادَ مُبَايَعَةَ السَّائِمِ فَهَذَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ بِالسَّوْمِ بِالسِّلْعَةِ تُوقَفُ لِلْبَيْعِ فَيَسُومُ بِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ تَرَكَ النَّاسُ السَّوْمَ عِنْدَ أَوَّلِ مَنْ يَسُومُ بِهَا أُخِذَتْ بِشَبَهِ الْبَاطِلِ مِنْ الثَّمَنِ، وَدَخَلَ عَلَى الْبَاعَةِ فِي سِلَعِهِمْ الْمَكْرُوهُ، وَلَمْ يَزَلْ الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى هَذَا)
ــ
[المنتقى]
[مَا يُنْهَى عَنْهُ فِي الْمُسَاوَمَةِ وَالْمُبَايَعَةِ وَفِيهِ أَبْوَاب]
(ش) : قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَشْتَرِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ اشْتَرَيْت، وَشَرَيْت بِمَعْنَى بِعْت قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] .
وَقَالَ ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَقَالَ إنَّمَا النَّهْيُ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ، وَنَحْوَ هَذَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَبِي زَيْدٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ لَيْسَ لِلْحَدِيثِ وَجْهٌ غَيْرُ هَذَا عِنْدِي لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَكَادُ يَدْخُلُ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ أَنْ يَزِيدَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُشْتَرِي وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ لِلْحُطَيْئَةِ
وَبِعْت لِذُبْيَانَ الْعَلَاءَ بِمَالِكَا
يُرِيدُ اشْتَرَيْت قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيُمْنَعُ الْبَائِعُ أَيْضًا مِنْ أَنْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ إذَا كَانَ قَدْ رَكَنَ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ، وَوَافَقَهُ فِي ثَمَنِ سِلْعَتِهِ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا تَمَامُ الْعَقْدِ فَيَأْتِي مَنْ يَصْرِفُهُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ عَلَى وَجْهِ غَيْرِ الْإِرْخَاصِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا حَمَلَ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى مَا قَالَهُ لِأَنَّ الْإِرْخَاصَ مُسْتَحَبٌّ مَشْرُوعٌ فَإِذَا أَتَى مَنْ يَبِيعُ بِأَرْخَصَ مِنْ بَيْعِ الْأَوَّلِ فَلَا مَنْعَ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ مَنَعَ مِنْ تَلَقِّي السِّلَعِ، وَذَلِكَ إرْخَاصٌ عَلَى مُتَلَقِّيهَا غَيْرَ أَنَّ فِيهَا إغْلَاءً عَلَى أَهْلِ الْأَسْوَاقِ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ نَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَالضَّعِيفِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّلَقِّي.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ» يُرِيدُ الْمُسْلِمَ، وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ شَرْطًا فِيمَا يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِإِظْهَارِ قُبْحِ فِعْلِهِ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ بِالْأُخُوَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ الْمُقَابَحَةَ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي رَكَنَ إلَى بَيْعِهِ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَإِنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَجَوَّزَ ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا لَهُ عَهْدٌ، وَذِمَّةٌ كَالْمُسْلِمِ أَيْضًا فَإِنَّ كُلَّ حُكْمٍ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) فَإِنْ وَقَعَ وَسَامَ رَجُلٌ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَيَعْرِضُهَا عَلَى الْأَوَّلِ بِالثَّمَنِ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يُفْسَخُ، وَأَرَى أَنْ يُؤَدَّبَ، وَقَالَ غَيْرُهُ بَلْ يُفْسَخُ ذَلِكَ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ يُؤَدَّبُ يُرِيدُ لِمَنْ عَصَى بِهَذَا الْفِعْلِ إلَى الِاسْتِغْفَارِ مِنْهُ، وَنَدَبَهُ لِمَنْ مَنَعَهُ مِنْهُ وَظَلَمَهُ فِيهِ، وَزَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُعَاقَبُ بِالْأَدَبِ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ مَنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ الزَّجْرِ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْغَيْرِ يُفْسَخُ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ نَهْيٌ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ يَعْرِضُهَا عَلَى الْأَوَّلِ فَإِنْ كَانَ
стр. 1438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الثَّانِي أَنْفَقَ عَلَيْهَا نَفَقَةً زَادَتْ لَهُ أَعْطَاهُ النَّفَقَةَ مَعَ الثَّمَنِ فَإِنْ نَقَصَتْ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَبِيعَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَمَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ النَّفَقَةَ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً كَانَ لِلْأَوَّلِ الْعِوَضُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَلِفَتْ، وَلَمْ تُؤْثَرُ زِيَادَةٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْهَا، وَهَذَا وَجْهٌ يَتَلَخَّصُ مِمَّا دَخَلَ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَسُومَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ إذَا كَانَ قَدْ ذَكَرَ الْبَائِعُ إلَى السَّائِمِ مِمَّا يَعْرِفُ بِهِ أَنَّهُ قَدْ أَرَادَ مُبَايَعَتَهُ، ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَيْعَ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى الشِّرَاءِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِحَالَةِ الِاتِّفَاقِ دُونَ أَشَدِّ الْمُسَاوَمَةِ، وَوَقْتِ الِاخْتِلَافِ، وَهُوَ عَلَى مَا قَالَ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَوْ مَنَعَ مِنْ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ مَتَاعٍ مَعَ تَبَايُنِ مَا بَيْنَهُمَا وَتَبَاعُدِهِمَا لَفَسَدَتْ بِذَلِكَ حَالُ كُلِّ بَائِعٍ فَمَا كَانَ أَحَدٌ شَاءَ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ بَيْعِ السِّلْعَةِ إلَّا سَاوَمَهُ بِهَا، وَأَعْطَاهُ عُشْرَ ثَمَنِهَا فَإِذَا خَرَجَ عَلَى غَيْرِ الْمُسَاوَمَةِ بِهَا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْهُ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بَيْنَ الْبَائِعِ، وَمَنْعٌ مِنْ بَيْعِ سِلْعَتِهِ إلَّا بِالْيَسِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا مِمَّنْ يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهَا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَجْلِ مُسَاوَمَتِهِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَهَذَا فِي بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ، وَأَمَّا فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ فَفِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ خَارِجٌ عَمَّا نَهَى عَنْهُ مِنْ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَقَدْ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِلسُّلْطَانِ فِيمَا بِيعَ عَلَى مُفْلِسٍ أَوْ مَيِّتٍ يَتَأَنَّى ثَلَاثًا عَسَى بِزَائِدٍ أَنْ يَزِيدَ، وَفِي بَيْعِ الْعَقَارِ يُنَادِي عَلَيْهِ الشَّهْرَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ بِصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ وَتَسْمِيَةِ مَا فِيهِ فَإِذَا بَلَغَ مُنْتَهَاهُ عَلَى أَحَدٍ اسْتَأْنَاهُ ثَلَاثًا قَبْلَ الْإِيجَابِ يَكُونُ فِيهِ الْخِيَارُ لِلسُّلْطَانِ لَا لِلْمُبْتَاعِ فَإِنْ زِيدَ عَلَيْهِ قَبِلَهُ، وَإِلَّا لَزِمَهُ فَإِذَا أَوْجَبَهُ ثُمَّ جَاءَ مَنْ يَزِيدُ لَمْ تُقْبَلْ زِيَادَتُهُ، وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ، وَبَيْعُ الْمُسَاوَمَةِ أَنْ يَقِفَ الرَّجُلُ بِسِلْعَتِهِ يَسُومُ بِهَا مَنْ يُرِيدُ شِرَاءَهَا أَوْ يَجْلِسُ بِهَا فِي حَانُوتٍ أَوْ مَكَان فَمَنْ مَرَّ بِهِ سَاوَمَهُ عَلَيْهَا فَهَذَا إذَا رَكَنَ إلَى الْمُبْتَاعِ فَهُوَ الَّذِي نُهِيَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى بَيْعِهِ أَحَدٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَهَى أَنْ يَبِيعَ سِلْعَتَهُ عَلَى الْمُسَاوِمَةِ، وَمَنْ فَارَقَهُ، وَلَمْ يُوجِبْهُ أَوْ رَدَّ مَا أَعْطَاهُ مِنْ السَّوْمِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمَهُ الْبَيْعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَبَيْعُ الْمُزَايَدَةِ هُوَ الرَّجُلُ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ فِي السُّوقِ يَمْشِي بِهَا عَلَى مَنْ يَشْتَرِي تِلْكَ السِّلْعَةَ، وَيَطْلُبُ زِيَادَةَ مَنْ يَزِيدُ فِيهَا فَهَذَا لَا يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ الزِّيَادَةِ فِيهَا قَبْلَ الْإِيجَابِ، وَيَلْزَمُ مَنْ زَادَ فِيهَا شِرَاؤُهَا بِمَا زَادَ، وَإِنْ فَارَقَهُ بِغَيْرِ الْإِيجَابِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ عَلَى أَنَّهُ إنْ زَادَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَهِيَ لَهُ بِمَا زَادَ فِيهَا، فَإِذَا أَوْقَع الْإِيجَابَ لَهُ لَمْ تُقْبَلْ عَلَيْهِ زِيَادَةٌ.
١ -
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «وَلَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ ﷺ تَلَقِّي مَنْ يَجْلِبُ السِّلَعَ فَيَبْتَاعُ مِنْهُمْ قَبْلَ وُرُودِ أَسْوَاقِهَا، وَمَوَاضِعِ بَيْعِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ التَّلَقِّي فِيمَا بَعُدَ عَنْ مَوْضِعِ الْبَيْعِ أَوْ قَرُبَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ مِنْ الْحَاضِرَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا فِيهِ مُضِرَّةٌ عَامَّةٌ عَلَى النَّاسِ لِأَنَّ مَنْ تَلَقَّاهَا أَوْ اشْتَرَاهَا غَلَّاهَا عَلَى النَّاسِ وَانْفَرَدَ بِبَيْعِهَا، فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِيَصِلَ بَائِعُوهَا بِهَا إلَى الْبَلَدِ فَيَبِيعُونَهَا فِي أَسْوَاقِهَا فَيَصِلُ كُلُّ أَحَدٍ إلَى شِرَائِهَا وَالنَّيْلِ مِنْ رُخْصِهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
وَكَذَلِكَ فِيمَا قَرُبَ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ خُرُوجِ أَهْلِ مِصْرَ إلَى الْإِصْطَبْلِ مَسِيرَةَ مِيلٍ، وَنَحْوِهِ أَيَّامَ الْأَضْحَى يَتَلَقَّوْنَ الْغَنَمَ يَشْتَرُونَهَا قَالَ هَذَا مِنْ التَّلَقِّي، وَكَذَلِكَ غَيْرُ الضَّحَايَا مَتَى تَرِدُ سُوقَهَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا تَلَفٌ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ مَا جُلِبَ إلَى سُوقِ بَيْعِهِ فَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ كَالْبُعْدِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَهَذَا فِيمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَبْلِيغِهِ الْأَسْوَاقَ، وَلَا مَضَرَّةَ فِي ذَلِكَ فَأَمَّا مَا كَانَ يَضُرُّ بِالنَّاسِ تَبْلِيغُهُ الْأَسْوَاقَ كَالْفَوَاكِهِ وَالثِّمَارِ الَّتِي يَلْحَقُ أَهْلَ الْأُصُولِ ضَرَرٌ بِتَفْرِيقِ بَيْعِهَا وَمُحْتَاجُونَ إلَى بَيْعِهَا جُمْلَةً مِمَّنْ يَجْنِيهَا أَوْ يُبْقِيهَا فِي أَصْلِهَا، وَيُدْخِلُهَا إلَى الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى بِقَدْرِ مَا يَتَأَتَّى لَهُ مِنْ بَيْعِهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الْأَجِنَّةِ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الْفُسْطَاطِ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ يَخْرُجُ إلَيْهَا التُّجَّارُ فَيَشْتَرُونَهَا
стр. 1439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَيَحْمِلُونَهَا فِي السُّفُنِ إلَى الْفُسْطَاطِ لِلْبَيْعِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَقَالَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ هُوَ مِنْ التَّلَقِّي.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَيْسَ مِنْ التَّلَقِّي، وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي التُّجَّارِ يَشْتَرُونَ الْغَنَمَ مِنْ الرِّيفِ فَيَسِيرُونَ عَلَى مِثْلِ مِيلٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ فِي مَرَاعِيهَا، وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ إدْخَالُهَا كُلِّهَا أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ أَرْفَقَ بِهِمْ فَيَبِيعُونَهَا فَيُدْخِلُهَا الْمُشْتَرِي قَلِيلًا قَلِيلًا أَخَافُ أَنْ يَكُونَ مِنْ التَّلَقِّي.
وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَرَاهُ مِنْ التَّلَقِّي وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذَا وَجْهُ بَيْعِ الْجَلَّابِ لَهَا، وَتَلْحَقُهُ الْمَضَرَّةُ فِي أَخْذِهِ بِإِدْخَالِهَا، وَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى إفْسَادِهَا وَتَغَيُّرِهَا، وَطُولِ مَقَامِهِ عَلَيْهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَا أُرْسِيَ بِالسَّاحِلِ مِنْ السُّفُنِ بِالتُّجَّارِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُمْ الرَّجُلُ الطَّعَامَ وَغَيْرَهُ فَيَبِيعُهُ بِهَا إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الضَّرَرَ وَالْفَسَادَ فَلَا يَصْلُحُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحُكْرَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مُنْتَهَى سَفَرِ الْوَارِدِ فَلَا يُكَلَّفُ سَفَرًا آخَرَ لِأَنَّ ذَلِكَ مُضِرٌّ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَ السَّفَرَانِ فِي الْبَرِّ، وَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ أَحَدُهُمَا مَا قَدَّمْنَاهُ، وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى السِّلَعِ فَيَتَلَقَّاهَا وَيَشْتَرِيهَا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ أَسْوَاقَهَا، وَالثَّانِي أَنْ يَرِدَ خَبَرُهَا قَبْلَ أَنْ تَرِدَ فَيَشْتَرِيَهَا مَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ قَبْلَ وُصُولِهَا، وَالثَّالِثُ أَنْ تَمُرَّ بِمَنْزِلِهِ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَى أَسْوَاقِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ جَاءَهُ طَعَامٌ أَوْ بَزٌّ أَوْ غَيْرُهُ فَوَصَلَ إلَيْهِ خَبَرُهُ وَصِفَتُهُ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَيُخْبَرُ بِذَلِكَ فَيَشْتَرِيهِ مِنْهُ رَجُلٌ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَهَذَا مِنْ التَّلَقِّي، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ شِرَاءُ السِّلَعِ قَبْلَ وُصُولِهَا الْأَسْوَاقَ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ عَلَى هَذَا بِوُصُولِ السِّلَعِ وَوُصُولِ بَائِعِهَا، وَلَوْ وَصَلَتْ السِّلَعُ السُّوقَ وَلَمْ يَصِلْ بَائِعُهَا فَخَرَجَ إلَيْهِ مَنْ يَتَلَقَّاهُ وَيَشْتَرِيهَا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَهْبِطَ إلَى الْأَسْوَاقِ وَيَعْرِفَ الْأَسْعَارَ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَعِنْدِي أَنَّهُ مِنْ التَّلَقِّي الْمَمْنُوعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا إذَا مَرَّتْ بِمَنْزِلِهِ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَى أَسْوَاقِهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَنْزِلُهُ خَارِجَ الْمِصْرِ أَوْ بِطَرَفِ الْمِصْرِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّوقِ فَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ مَرَّتْ بِهِ السِّلَعُ وَمَنْزِلُهُ بِقُرْبِ الْمِصْرِ الَّذِي هَبَطَ إلَيْهِ بِتِلْكَ السِّلَعِ، وَمِنْ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَمِثْلُ الْعَقِيقِ مِنْ الْمَدِينَةِ فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا لِلْأَكْلِ وَلِلْقِنْيَةِ أَوْ لِيَلْبَسَ أَوْ لِيُضَحِّيَ أَوْ يُهْدِيَ وَنَحْوُهُ فَأَمَّا لِلتِّجَارَةِ فَلَا، وَلَا يَبْتَاعُهَا مَنْ مَرَّتْ بِبَابِ دَارِهِ فِي الْبَلَدِ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ التِّجَارَة.
(فَرْعٌ)
وَهَذَا فِيمَا كَانَ لَهُ سُوقٌ قَائِمٌ مِنْ السِّلَعِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سُوقٌ فَإِذَا دَخَلَتْ بُيُوتَ الْحَاضِرَةِ وَالْأَزِقَّةَ جَازَ شِرَاؤُهَا وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ السُّوقَ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِذَا بَلَغَتْ السِّلْعَةُ مَوْقِفَهَا ثُمَّ انْقَلَبَ بِهَا بَائِعُهَا، وَلَمْ تُبَعْ أَوْ بَاعَ بَعْضَهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مَنْ مَرَّتْ بِهِ أَوْ مِنْ دَارِ بَائِعِهَا مِنْ الْوَاضِحَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْجَالِبِ بِبُلُوغِهِ السُّوقَ، وَعَرْضِهَا فِيهَا لِلسِّلَعِ، وَانْتَقَلَ إلَى حُكْمِ الْمُحْتَكِرِ، وَذَلِكَ مُبَاحٌ يَشْتَرِي مِنْهُ حَيْثُ شَاءَ.
(فَصْلٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ وَقَعَ التَّلَقِّي مِنْ إنْسَانٍ فَلِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُنْهَى فَإِنْ عَادَ أُدِّبَ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَشْهَبَ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ يُنْزَعُ مِنْهُ مَا ابْتَاعَ فَتُبَاعُ لِأَهْلِ السُّوقِ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنْ يُرَدَّ شِرَاؤُهُ، وَتُرَدَّ عَلَى بَائِعِهَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْبَيْعَ عَقْدٌ لَازِمٌ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وَجْهُ فَسَادٍ يَمْنَعُ صِحَّتَهُ فَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّلَقِّي الْحَرَجُ لِمَنْ فَعَلَهُ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ أَخْذَ مَا اشْتَرَاهُ، وَانْتِزَاعَهُ مِنْهُ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ لِأَهْلِ الْأَسْوَاقِ حَظًّا فِيمَا اشْتَرَوْهُ كَمَا لَوْ حَضَرُوا مُسَاوَمَتَهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ، وَمَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ، وَهَذَا قَدْ قَالَ بِهِ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ السِّلْعَةَ تُعْرَضُ لِأَهْلِ السُّوقِ فَمَا رَبِحَ فَهُوَ بَيْنَهُمْ، وَمَا كَانَ
стр. 1440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مِنْ وَضَيْعَةٍ فَعَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْفَسْخِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ تُرَدُّ عَلَى بَائِعِهَا فَإِنْ فَاتَ أُمِرَ مَنْ يَقُومُ بِبَيْعِهَا لِصَاحِبِهَا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ فَاتَ بَائِعُهَا فَإِنْ كَانَ الْمُتَلَقِّي لَمْ يَعْتَدْ ذَلِكَ تُرِكَتْ لَهُ وَزُجِرَ، وَإِنْ كَانَ اعْتَادَ ذَلِكَ وَتَكَرَّرَ فَإِنْ كَانَ لَهَا سُوقٌ وَقَوْمٌ رَاتِبُونَ لِبَيْعِهَا فَلَهُمْ أَخْذُهَا بِالثَّمَنِ أَوْ تَرْكُهَا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَهْلٌ رَاتِبُونَ عُرِضَتْ فِي السُّوقِ بِثَمَنِهَا لِعَامَّةِ النَّاسِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَأْخُذُهَا بِذَلِكَ تُرِكَتْ لَهُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَرَى أَنْ يَشْتَرِكَ فِيهَا التُّجَّارُ، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَطْلُبُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ كَأَحَدِهِمْ.
وَقَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَزَادَ بِالْحِصَصِ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّ فَسْخَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي أَنْ يَرْجِعَ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا أَخَذَهَا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا قُدِّمَ لَهُ مَنْ يَبِيعُ عَنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ إنْ كَانَتْ زِيَادَةً فَلَهُ، وَإِنْ نُقْصَانًا فَعَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ الْمَحْظُورَ فِي بَيْعِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ السُّوقَ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ قَدِمَ بِقَمْحٍ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَقَالَ حِينَ خَرَجَ إنْ وَجَدْت بَيْعًا فِي الطَّرِيقِ، وَإِلَّا بَلَغْت الْفُسْطَاطَ قَالَ لَا يَبِيعُ فِي الطَّرِيقِ، وَيَبِيعُ بِالْفُسْطَاطِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ قَرْيَةً بِهَا سُوقٌ فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ فِيهَا فَثَبَتَ أَنَّ الْبَائِعَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْبَيْعِ قَبْلَ بُلُوغِ الْأَسْوَاقِ وَمَوَاضِعِ الْبُيُوعِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يُفْسَخُ لِفَسَادِهِ، وَإِنَّمَا يُفْسَخُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا فُسِخَ لِإِمْكَانِ ذَلِكَ فِيهِ، وَإِنْ فَاتَ فَسْخُهُ بِفَوَاتِ بَائِعِهِ عُرِضَ عَلَى مَنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ تُرِكَ لَهُ.
(فَرْعٌ)
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَيُعَاقَبُ مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ تَلَقِّي السِّلَعِ بِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ سِجْنٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ إخْرَاجٍ مِنْ السُّوقِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَطِيبُ لِلْمُتَلَقِّي رِبْحٌ مَا تَلْقَى فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ لَحْمِ مَا تَلَقَّى، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ أَيَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ فَقَالَ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ احْتِيَاطًا لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَعْيِينِ الْبَادِي الَّذِي يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ لَهُ]
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «وَلَا تَنَاجَشُوا» سَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا، وَقَوْلُهُ «وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» فِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ الْأَوَّلُ مِنْهَا فِي تَعْيِينِ الْبَادِي الَّذِي يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ لَهُ وَالثَّانِي فِي التَّصْرِيفِ الَّذِي يُمْنَعُ لَهُ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ لَهُ إذَا وَقَعَ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَعْيِينِ الْبَادِي الَّذِي يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ لَهُ) أَمَّا الْبَادِي الَّذِي مُنِعَ مِنْ الْبَيْعِ لَهُ فَإِنَّ أَهْلَ الْبَوَادِي ضَرْبَانِ ضَرْبٌ أَهْلُ عَمُودٍ وَضَرْبٌ أَهْلُ مَنَازِلَ وَاسْتِيطَانٍ فَأَمَّا أَهْلُ الْعَمُودِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُمْ مُرَادُونَ بِالْحَدِيثِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي النَّهْي عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي هُمْ الْأَعْرَابُ أَهْلُ الْعَمُودِ لَا يُبَاعُ لَهُمْ، وَلَا يُشْرَى عَلَيْهِمْ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الْأَسْعَارَ فَيُوشِكُ إذَا تَنَاوَلُوا الْبَيْعَ لِأَنْفُسِهِمْ اُسْتُرْخِصَ مِنْهُمْ مَا يَبِيعُونَ لِأَنَّ مَا يَبِيعُونَهُ أَكْثَرُهُ لَا رَأْسَ مَالٍ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرُوهُ، وَإِنَّمَا صَارَ إلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْلَالِ فَكَانَ الرِّفْقُ بِمَنْ يَشْتَرِيهِ أَوْلَى مَعَ أَنَّ أَهْلَ الْحَوَاضِرِ هُمْ أَكْثَرُ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ مَوَاضِعُ الْأَئِمَّةِ فَيَلْزَمُ الِاحْتِيَاطُ لَهَا وَالرِّفْقُ بِمَنْ يَسْكُنُهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَهْلَ الْقُرَى الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْأَثْمَانَ وَالْأَسْوَاقَ، وَلَا بَأْسَ بِهِ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وَرَوَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْعُتْبِيُّ عَنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّهُ قَالَ فَأَمَّا أَهْلُ الْمَدَائِنِ يَبِيعُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ، وَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى الَّذِينَ يُشْبِهُونَ أَهْلَ الْبَادِيَةِ فَلَا يُبَاعُ لَهُمْ، وَلَا يُشْرَى عَلَيْهِمْ قَالَ: وَإِنْ كَانُوا أَيَّامَ الرَّبِيعِ فِي الْقُرَى، وَمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ عَلَى الْمِيلَيْنِ مِنْ الْقَرْيَةِ، وَهُمْ عَالِمُونَ بِالسِّعْرِ فَلَا يُبَاعُ لَهُمْ، وَيَنْقَسِمُ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ الْبَدْوِيُّ لَا يُبَاعُ لَهُ عَرَفَ السِّعْرَ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ، وَالْقَرَوِيُّ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ الْأَسْعَارَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُهَا لَمْ يُبِعْ لَهُ.
(فَرْعٌ)
وَمَا قَدْرُ الْقَرْيَةِ الَّتِي تُبِيحُ الْبَيْعَ لَهُ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا نَهْيَ
следующие страницы →