Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ اسْتَسْلَفَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ بِصِفَةٍ وَتَحْلِيَةٍ مَعْلُومَةٍ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهُ إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْوَلَائِدِ فَإِنَّهُ يُخَافُ فِي ذَلِكَ الذَّرِيعَةُ إلَى حَلَالِ مَا لَا يَحِلُّ فَلَا يَصْلُحُ، وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَسْلِفَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ فَيُصِيبَهَا مَا بَدَا لَهُ ثُمَّ يَرُدُّهَا إلَى صَاحِبِهَا بِعَيْنِهَا فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ، وَلَا يَحِلُّ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْهُ، وَلَا يُرَخِّصُونَ فِيهِ لِأَحَدٍ) .
ــ
[المنتقى]
أَنْ لَا يَأْخُذَ أَدْوَنَ مِنْ الَّذِي أَعْطَى كَانَ لَهُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ إنْ سَامَحَ وَتَجَاوَزَ وَأَخَذَ أَدْوَنَ مِمَّا أَعْطَى فَذَلِكَ أَعْظَمُ لِأَجْرِهِ لِأَنَّهُ يُضِيفُ إلَى أَجَلِ الْقَرْضِ أَجَلَ التَّجَاوُزِ.
(فَصْلٌ)
فَإِنْ أَعْطَاك أَفْضَلَ مِمَّا أَعْطَيْته طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ يُرِيدُ أَنْ لَا يُعْطِيَك مِنْ أَجْلِ شَرْطِك، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَطْلُبَهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ، وَإِنَّهُ قَدْ أَبْطَلَهُ، وَتَرَكَهُ، وَإِنْ زَادَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَزِيدُهُ شُكْرًا لَهُ، وَلَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ أَجْرُ مَا أَنْظَرَهُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فَلَا تَشْتَرِطْ إلَّا قَضَاءَهُ يُرِيدُ أَنْ لَا يَشْتَرِطَ زِيَادَةً وَلَا مَنْفَعَةً، وَلَا شَيْئًا إلَّا قَضَاءَ مِثْلِ مَا أَعْطَى قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَا يَشْتَرِطُ أَفْضَلَ مِنْهُ يُرِيدُ زِيَادَةً عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ قَبْضَةً مِنْ عَلَفٍ يُرِيدُ قَلِيلَ ذَلِكَ وَكَثِيرَهُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ زِيَادَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً فَإِنَّهَا رِبًا، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الزِّيَادَةَ رِبًا، وَلَكِنْ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الرِّبَا الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ إذَا أُطْلِقَ فِي الشَّرْعِ فَظَاهِرُهُ الزِّيَادَةُ الْمَمْنُوعَةُ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَالْبَيْعُ لَا يَخْلُو مِنْ الزِّيَادَةِ فِي الْأَغْلَبِ، وَلَكِنْ لَفْظُ الرِّبَا يَخْتَصُّ بِالْمَمْنُوعِ.
(ش) : وَقَوْلُهُ مَنْ اسْتَسْلَفَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ بِصِفَةٍ وَتَحْلِيَةٍ مَعْلُومَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ مَا اسْتَسْلَفَهُ مَعْلُومَ الصِّفَةِ وَالْحِلْيَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ رَدِّ مِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مَجْهُولَ الصِّفَةِ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إلَّا مَا رُوِيَ،.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقَوْلُهُ إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْوَلَائِدِ فَإِنَّهُ يُخَافُ مِنْ ذَلِكَ الذَّرِيعَةُ إلَى إحْلَالِ مَا لَا يَحِلُّ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَرْضُ الْجَوَارِي، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ.
وَرُوِيَ عَنْ الْمَازِنِيِّ إبَاحَةُ ذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ حَظْرِ الْفُرُوجِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ اسْتَقْرَضَ شَيْئًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ مَتَى شَاءَ بَعْدَ أَخْذِهِ بِسَاعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ انْتَفَعَ بِهِ مَا كَانَ عَلَى صِفَتِهِ فَمَنْ أَرَادَ الِاسْتِمْتَاعَ بِجَارِيَةِ غَيْرِهِ اقْتَرَضَهَا مِنْهُ فَوَطِئَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ مِنْ سَاعَتِهِ، وَهَذِهِ إبَاحَةٌ لِلْفُرُوجِ الْمَحْظُورَةِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ ذَاتَ مَحْرَمٍ لِلْمُسْتَقْرِضِ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ عَمَّتَهُ أَوْ خَالَتَهُ مِنْ النَّسَبِ لِأَنَّهُ يَسْلَمُ مِمَّا قَالَهُ، وَعَلَى هَذَا الَّذِي قَالَهُ يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ اسْتِقْرَاضُ الْجَوَارِي، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ خَاصَّةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
فَإِنْ اقْتَرَضَ رَجُلٌ مِمَّنْ ذَكَرْنَا مَنْعَهُ مِنْهَا فَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْجَارِيَةَ تُرَدُّ بِعَيْنِهَا مَا لَمْ يَطَأْهَا، وَيُفْسَخُ الْقَرْضُ، وَاخْتَلَفُوا إذَا وَطِئَهَا فَقَالَ مَالِكٌ تَفُوتُ بِالْوَطْءِ، وَتَكُونُ الْجَارِيَةُ لِلْمُسْتَقْرِضِ، وَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَرُدُّهَا، وَيَرُدُّ مَعَهَا عَقْدَهَا، وَإِنْ حَمَلَتْ رَدَّهَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَقِيمَةَ وَلَدِهَا حَيًّا يَوْمَ الْوِلَادَةِ، وَيَرُدُّ مَعَهَا مَا نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ، وَإِنْ مَاتَتْ لَزِمَهُ مِثْلُهَا فَإِنْ عَدِمَ مِثْلَهَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ عُقُودَ التَّمْلِيكِ تَفُوتُ عِنْدَنَا مَعَ بَقَاءِ الْأَعْيَانِ، وَلَمَّا دَفَعَ صَاحِبُ الْجَارِيَةِ الْجَارِيَةَ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ فَاتَتْ بِالْوَطْءِ الَّذِي مَنَعَ الْقَرْضَ مِنْ أَجْلِهِ فَلَوْ أَجَزْنَا لَهُ رَدَّهَا لَكُنَّا قَدْ أَتْمَمْنَا الْقَرْضَ الْفَاسِدَ وَالْمَقْصُودَ الْمَمْنُوعَ مِنْهُ، فَلَمَّا وُجِدَ مَعْنَى الْمَنْعِ وَفَاتَ رَدُّهَا بِذَلِكَ أَوْجَبْنَا لَهُ قِيمَتَهَا، وَإِذَا وَجَبَتْ قِيمَتُهَا بَطَلَ جَمِيعُ مَا أَوْجَبَهُ بَعْدَ الْوَطْءِ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقِيمَةَ إنَّمَا تَلْزَمُهُ يَوْمَ قَبَضَهَا.
стр. 1437
(مَا يُنْهَى عَنْهُ فِي الْمُسَاوَمَةِ وَالْمُبَايَعَةِ)
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» .
وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَصُرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» قَالَ مَالِكٌ، وَتَفْسِيرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا نَرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى أَنْ يَسُومَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ إذَا رَكَنَ الْبَائِعُ إلَى السَّائِمِ، وَجَعَلَ يَشْتَرِطُ وَزْنَ الذَّهَبِ، وَيَتَبَرَّأُ مِنْ الْعُيُوبِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَرَادَ مُبَايَعَةَ السَّائِمِ فَهَذَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ بِالسَّوْمِ بِالسِّلْعَةِ تُوقَفُ لِلْبَيْعِ فَيَسُومُ بِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ تَرَكَ النَّاسُ السَّوْمَ عِنْدَ أَوَّلِ مَنْ يَسُومُ بِهَا أُخِذَتْ بِشَبَهِ الْبَاطِلِ مِنْ الثَّمَنِ، وَدَخَلَ عَلَى الْبَاعَةِ فِي سِلَعِهِمْ الْمَكْرُوهُ، وَلَمْ يَزَلْ الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى هَذَا)
ــ
[المنتقى]
[مَا يُنْهَى عَنْهُ فِي الْمُسَاوَمَةِ وَالْمُبَايَعَةِ وَفِيهِ أَبْوَاب]
(ش) : قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَشْتَرِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ اشْتَرَيْت، وَشَرَيْت بِمَعْنَى بِعْت قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] .
وَقَالَ ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَقَالَ إنَّمَا النَّهْيُ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ، وَنَحْوَ هَذَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَبِي زَيْدٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ لَيْسَ لِلْحَدِيثِ وَجْهٌ غَيْرُ هَذَا عِنْدِي لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَكَادُ يَدْخُلُ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ أَنْ يَزِيدَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُشْتَرِي وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ لِلْحُطَيْئَةِ
وَبِعْت لِذُبْيَانَ الْعَلَاءَ بِمَالِكَا
يُرِيدُ اشْتَرَيْت قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيُمْنَعُ الْبَائِعُ أَيْضًا مِنْ أَنْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ إذَا كَانَ قَدْ رَكَنَ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ، وَوَافَقَهُ فِي ثَمَنِ سِلْعَتِهِ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا تَمَامُ الْعَقْدِ فَيَأْتِي مَنْ يَصْرِفُهُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ عَلَى وَجْهِ غَيْرِ الْإِرْخَاصِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا حَمَلَ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى مَا قَالَهُ لِأَنَّ الْإِرْخَاصَ مُسْتَحَبٌّ مَشْرُوعٌ فَإِذَا أَتَى مَنْ يَبِيعُ بِأَرْخَصَ مِنْ بَيْعِ الْأَوَّلِ فَلَا مَنْعَ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ مَنَعَ مِنْ تَلَقِّي السِّلَعِ، وَذَلِكَ إرْخَاصٌ عَلَى مُتَلَقِّيهَا غَيْرَ أَنَّ فِيهَا إغْلَاءً عَلَى أَهْلِ الْأَسْوَاقِ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ نَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَالضَّعِيفِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّلَقِّي.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ» يُرِيدُ الْمُسْلِمَ، وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ شَرْطًا فِيمَا يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِإِظْهَارِ قُبْحِ فِعْلِهِ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ بِالْأُخُوَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ الْمُقَابَحَةَ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي رَكَنَ إلَى بَيْعِهِ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَإِنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَجَوَّزَ ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا لَهُ عَهْدٌ، وَذِمَّةٌ كَالْمُسْلِمِ أَيْضًا فَإِنَّ كُلَّ حُكْمٍ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) فَإِنْ وَقَعَ وَسَامَ رَجُلٌ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَيَعْرِضُهَا عَلَى الْأَوَّلِ بِالثَّمَنِ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يُفْسَخُ، وَأَرَى أَنْ يُؤَدَّبَ، وَقَالَ غَيْرُهُ بَلْ يُفْسَخُ ذَلِكَ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ يُؤَدَّبُ يُرِيدُ لِمَنْ عَصَى بِهَذَا الْفِعْلِ إلَى الِاسْتِغْفَارِ مِنْهُ، وَنَدَبَهُ لِمَنْ مَنَعَهُ مِنْهُ وَظَلَمَهُ فِيهِ، وَزَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُعَاقَبُ بِالْأَدَبِ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ مَنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ الزَّجْرِ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْغَيْرِ يُفْسَخُ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ نَهْيٌ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ يَعْرِضُهَا عَلَى الْأَوَّلِ فَإِنْ كَانَ
стр. 1438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الثَّانِي أَنْفَقَ عَلَيْهَا نَفَقَةً زَادَتْ لَهُ أَعْطَاهُ النَّفَقَةَ مَعَ الثَّمَنِ فَإِنْ نَقَصَتْ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَبِيعَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَمَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ النَّفَقَةَ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً كَانَ لِلْأَوَّلِ الْعِوَضُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَلِفَتْ، وَلَمْ تُؤْثَرُ زِيَادَةٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْهَا، وَهَذَا وَجْهٌ يَتَلَخَّصُ مِمَّا دَخَلَ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَسُومَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ إذَا كَانَ قَدْ ذَكَرَ الْبَائِعُ إلَى السَّائِمِ مِمَّا يَعْرِفُ بِهِ أَنَّهُ قَدْ أَرَادَ مُبَايَعَتَهُ، ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَيْعَ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى الشِّرَاءِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِحَالَةِ الِاتِّفَاقِ دُونَ أَشَدِّ الْمُسَاوَمَةِ، وَوَقْتِ الِاخْتِلَافِ، وَهُوَ عَلَى مَا قَالَ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَوْ مَنَعَ مِنْ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ مَتَاعٍ مَعَ تَبَايُنِ مَا بَيْنَهُمَا وَتَبَاعُدِهِمَا لَفَسَدَتْ بِذَلِكَ حَالُ كُلِّ بَائِعٍ فَمَا كَانَ أَحَدٌ شَاءَ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ بَيْعِ السِّلْعَةِ إلَّا سَاوَمَهُ بِهَا، وَأَعْطَاهُ عُشْرَ ثَمَنِهَا فَإِذَا خَرَجَ عَلَى غَيْرِ الْمُسَاوَمَةِ بِهَا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْهُ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بَيْنَ الْبَائِعِ، وَمَنْعٌ مِنْ بَيْعِ سِلْعَتِهِ إلَّا بِالْيَسِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا مِمَّنْ يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهَا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَجْلِ مُسَاوَمَتِهِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَهَذَا فِي بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ، وَأَمَّا فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ فَفِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ خَارِجٌ عَمَّا نَهَى عَنْهُ مِنْ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَقَدْ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِلسُّلْطَانِ فِيمَا بِيعَ عَلَى مُفْلِسٍ أَوْ مَيِّتٍ يَتَأَنَّى ثَلَاثًا عَسَى بِزَائِدٍ أَنْ يَزِيدَ، وَفِي بَيْعِ الْعَقَارِ يُنَادِي عَلَيْهِ الشَّهْرَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ بِصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ وَتَسْمِيَةِ مَا فِيهِ فَإِذَا بَلَغَ مُنْتَهَاهُ عَلَى أَحَدٍ اسْتَأْنَاهُ ثَلَاثًا قَبْلَ الْإِيجَابِ يَكُونُ فِيهِ الْخِيَارُ لِلسُّلْطَانِ لَا لِلْمُبْتَاعِ فَإِنْ زِيدَ عَلَيْهِ قَبِلَهُ، وَإِلَّا لَزِمَهُ فَإِذَا أَوْجَبَهُ ثُمَّ جَاءَ مَنْ يَزِيدُ لَمْ تُقْبَلْ زِيَادَتُهُ، وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ، وَبَيْعُ الْمُسَاوَمَةِ أَنْ يَقِفَ الرَّجُلُ بِسِلْعَتِهِ يَسُومُ بِهَا مَنْ يُرِيدُ شِرَاءَهَا أَوْ يَجْلِسُ بِهَا فِي حَانُوتٍ أَوْ مَكَان فَمَنْ مَرَّ بِهِ سَاوَمَهُ عَلَيْهَا فَهَذَا إذَا رَكَنَ إلَى الْمُبْتَاعِ فَهُوَ الَّذِي نُهِيَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى بَيْعِهِ أَحَدٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَهَى أَنْ يَبِيعَ سِلْعَتَهُ عَلَى الْمُسَاوِمَةِ، وَمَنْ فَارَقَهُ، وَلَمْ يُوجِبْهُ أَوْ رَدَّ مَا أَعْطَاهُ مِنْ السَّوْمِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمَهُ الْبَيْعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَبَيْعُ الْمُزَايَدَةِ هُوَ الرَّجُلُ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ فِي السُّوقِ يَمْشِي بِهَا عَلَى مَنْ يَشْتَرِي تِلْكَ السِّلْعَةَ، وَيَطْلُبُ زِيَادَةَ مَنْ يَزِيدُ فِيهَا فَهَذَا لَا يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ الزِّيَادَةِ فِيهَا قَبْلَ الْإِيجَابِ، وَيَلْزَمُ مَنْ زَادَ فِيهَا شِرَاؤُهَا بِمَا زَادَ، وَإِنْ فَارَقَهُ بِغَيْرِ الْإِيجَابِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ عَلَى أَنَّهُ إنْ زَادَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَهِيَ لَهُ بِمَا زَادَ فِيهَا، فَإِذَا أَوْقَع الْإِيجَابَ لَهُ لَمْ تُقْبَلْ عَلَيْهِ زِيَادَةٌ.
١ -
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «وَلَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ ﷺ تَلَقِّي مَنْ يَجْلِبُ السِّلَعَ فَيَبْتَاعُ مِنْهُمْ قَبْلَ وُرُودِ أَسْوَاقِهَا، وَمَوَاضِعِ بَيْعِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ التَّلَقِّي فِيمَا بَعُدَ عَنْ مَوْضِعِ الْبَيْعِ أَوْ قَرُبَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ مِنْ الْحَاضِرَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا فِيهِ مُضِرَّةٌ عَامَّةٌ عَلَى النَّاسِ لِأَنَّ مَنْ تَلَقَّاهَا أَوْ اشْتَرَاهَا غَلَّاهَا عَلَى النَّاسِ وَانْفَرَدَ بِبَيْعِهَا، فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِيَصِلَ بَائِعُوهَا بِهَا إلَى الْبَلَدِ فَيَبِيعُونَهَا فِي أَسْوَاقِهَا فَيَصِلُ كُلُّ أَحَدٍ إلَى شِرَائِهَا وَالنَّيْلِ مِنْ رُخْصِهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
وَكَذَلِكَ فِيمَا قَرُبَ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ خُرُوجِ أَهْلِ مِصْرَ إلَى الْإِصْطَبْلِ مَسِيرَةَ مِيلٍ، وَنَحْوِهِ أَيَّامَ الْأَضْحَى يَتَلَقَّوْنَ الْغَنَمَ يَشْتَرُونَهَا قَالَ هَذَا مِنْ التَّلَقِّي، وَكَذَلِكَ غَيْرُ الضَّحَايَا مَتَى تَرِدُ سُوقَهَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا تَلَفٌ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ مَا جُلِبَ إلَى سُوقِ بَيْعِهِ فَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ كَالْبُعْدِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَهَذَا فِيمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَبْلِيغِهِ الْأَسْوَاقَ، وَلَا مَضَرَّةَ فِي ذَلِكَ فَأَمَّا مَا كَانَ يَضُرُّ بِالنَّاسِ تَبْلِيغُهُ الْأَسْوَاقَ كَالْفَوَاكِهِ وَالثِّمَارِ الَّتِي يَلْحَقُ أَهْلَ الْأُصُولِ ضَرَرٌ بِتَفْرِيقِ بَيْعِهَا وَمُحْتَاجُونَ إلَى بَيْعِهَا جُمْلَةً مِمَّنْ يَجْنِيهَا أَوْ يُبْقِيهَا فِي أَصْلِهَا، وَيُدْخِلُهَا إلَى الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى بِقَدْرِ مَا يَتَأَتَّى لَهُ مِنْ بَيْعِهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الْأَجِنَّةِ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الْفُسْطَاطِ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ يَخْرُجُ إلَيْهَا التُّجَّارُ فَيَشْتَرُونَهَا
стр. 1439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَيَحْمِلُونَهَا فِي السُّفُنِ إلَى الْفُسْطَاطِ لِلْبَيْعِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَقَالَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ هُوَ مِنْ التَّلَقِّي.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَيْسَ مِنْ التَّلَقِّي، وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي التُّجَّارِ يَشْتَرُونَ الْغَنَمَ مِنْ الرِّيفِ فَيَسِيرُونَ عَلَى مِثْلِ مِيلٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ فِي مَرَاعِيهَا، وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ إدْخَالُهَا كُلِّهَا أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ أَرْفَقَ بِهِمْ فَيَبِيعُونَهَا فَيُدْخِلُهَا الْمُشْتَرِي قَلِيلًا قَلِيلًا أَخَافُ أَنْ يَكُونَ مِنْ التَّلَقِّي.
وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَرَاهُ مِنْ التَّلَقِّي وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذَا وَجْهُ بَيْعِ الْجَلَّابِ لَهَا، وَتَلْحَقُهُ الْمَضَرَّةُ فِي أَخْذِهِ بِإِدْخَالِهَا، وَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى إفْسَادِهَا وَتَغَيُّرِهَا، وَطُولِ مَقَامِهِ عَلَيْهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَا أُرْسِيَ بِالسَّاحِلِ مِنْ السُّفُنِ بِالتُّجَّارِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُمْ الرَّجُلُ الطَّعَامَ وَغَيْرَهُ فَيَبِيعُهُ بِهَا إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الضَّرَرَ وَالْفَسَادَ فَلَا يَصْلُحُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحُكْرَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مُنْتَهَى سَفَرِ الْوَارِدِ فَلَا يُكَلَّفُ سَفَرًا آخَرَ لِأَنَّ ذَلِكَ مُضِرٌّ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَ السَّفَرَانِ فِي الْبَرِّ، وَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ أَحَدُهُمَا مَا قَدَّمْنَاهُ، وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى السِّلَعِ فَيَتَلَقَّاهَا وَيَشْتَرِيهَا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ أَسْوَاقَهَا، وَالثَّانِي أَنْ يَرِدَ خَبَرُهَا قَبْلَ أَنْ تَرِدَ فَيَشْتَرِيَهَا مَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ قَبْلَ وُصُولِهَا، وَالثَّالِثُ أَنْ تَمُرَّ بِمَنْزِلِهِ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَى أَسْوَاقِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ جَاءَهُ طَعَامٌ أَوْ بَزٌّ أَوْ غَيْرُهُ فَوَصَلَ إلَيْهِ خَبَرُهُ وَصِفَتُهُ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَيُخْبَرُ بِذَلِكَ فَيَشْتَرِيهِ مِنْهُ رَجُلٌ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَهَذَا مِنْ التَّلَقِّي، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ شِرَاءُ السِّلَعِ قَبْلَ وُصُولِهَا الْأَسْوَاقَ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ عَلَى هَذَا بِوُصُولِ السِّلَعِ وَوُصُولِ بَائِعِهَا، وَلَوْ وَصَلَتْ السِّلَعُ السُّوقَ وَلَمْ يَصِلْ بَائِعُهَا فَخَرَجَ إلَيْهِ مَنْ يَتَلَقَّاهُ وَيَشْتَرِيهَا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَهْبِطَ إلَى الْأَسْوَاقِ وَيَعْرِفَ الْأَسْعَارَ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَعِنْدِي أَنَّهُ مِنْ التَّلَقِّي الْمَمْنُوعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا إذَا مَرَّتْ بِمَنْزِلِهِ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَى أَسْوَاقِهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَنْزِلُهُ خَارِجَ الْمِصْرِ أَوْ بِطَرَفِ الْمِصْرِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّوقِ فَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ مَرَّتْ بِهِ السِّلَعُ وَمَنْزِلُهُ بِقُرْبِ الْمِصْرِ الَّذِي هَبَطَ إلَيْهِ بِتِلْكَ السِّلَعِ، وَمِنْ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَمِثْلُ الْعَقِيقِ مِنْ الْمَدِينَةِ فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا لِلْأَكْلِ وَلِلْقِنْيَةِ أَوْ لِيَلْبَسَ أَوْ لِيُضَحِّيَ أَوْ يُهْدِيَ وَنَحْوُهُ فَأَمَّا لِلتِّجَارَةِ فَلَا، وَلَا يَبْتَاعُهَا مَنْ مَرَّتْ بِبَابِ دَارِهِ فِي الْبَلَدِ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ التِّجَارَة.
(فَرْعٌ)
وَهَذَا فِيمَا كَانَ لَهُ سُوقٌ قَائِمٌ مِنْ السِّلَعِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سُوقٌ فَإِذَا دَخَلَتْ بُيُوتَ الْحَاضِرَةِ وَالْأَزِقَّةَ جَازَ شِرَاؤُهَا وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ السُّوقَ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِذَا بَلَغَتْ السِّلْعَةُ مَوْقِفَهَا ثُمَّ انْقَلَبَ بِهَا بَائِعُهَا، وَلَمْ تُبَعْ أَوْ بَاعَ بَعْضَهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مَنْ مَرَّتْ بِهِ أَوْ مِنْ دَارِ بَائِعِهَا مِنْ الْوَاضِحَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْجَالِبِ بِبُلُوغِهِ السُّوقَ، وَعَرْضِهَا فِيهَا لِلسِّلَعِ، وَانْتَقَلَ إلَى حُكْمِ الْمُحْتَكِرِ، وَذَلِكَ مُبَاحٌ يَشْتَرِي مِنْهُ حَيْثُ شَاءَ.
(فَصْلٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ وَقَعَ التَّلَقِّي مِنْ إنْسَانٍ فَلِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُنْهَى فَإِنْ عَادَ أُدِّبَ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَشْهَبَ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ يُنْزَعُ مِنْهُ مَا ابْتَاعَ فَتُبَاعُ لِأَهْلِ السُّوقِ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنْ يُرَدَّ شِرَاؤُهُ، وَتُرَدَّ عَلَى بَائِعِهَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْبَيْعَ عَقْدٌ لَازِمٌ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وَجْهُ فَسَادٍ يَمْنَعُ صِحَّتَهُ فَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّلَقِّي الْحَرَجُ لِمَنْ فَعَلَهُ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ أَخْذَ مَا اشْتَرَاهُ، وَانْتِزَاعَهُ مِنْهُ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ لِأَهْلِ الْأَسْوَاقِ حَظًّا فِيمَا اشْتَرَوْهُ كَمَا لَوْ حَضَرُوا مُسَاوَمَتَهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ، وَمَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ، وَهَذَا قَدْ قَالَ بِهِ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ السِّلْعَةَ تُعْرَضُ لِأَهْلِ السُّوقِ فَمَا رَبِحَ فَهُوَ بَيْنَهُمْ، وَمَا كَانَ
стр. 1440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مِنْ وَضَيْعَةٍ فَعَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْفَسْخِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ تُرَدُّ عَلَى بَائِعِهَا فَإِنْ فَاتَ أُمِرَ مَنْ يَقُومُ بِبَيْعِهَا لِصَاحِبِهَا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ فَاتَ بَائِعُهَا فَإِنْ كَانَ الْمُتَلَقِّي لَمْ يَعْتَدْ ذَلِكَ تُرِكَتْ لَهُ وَزُجِرَ، وَإِنْ كَانَ اعْتَادَ ذَلِكَ وَتَكَرَّرَ فَإِنْ كَانَ لَهَا سُوقٌ وَقَوْمٌ رَاتِبُونَ لِبَيْعِهَا فَلَهُمْ أَخْذُهَا بِالثَّمَنِ أَوْ تَرْكُهَا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَهْلٌ رَاتِبُونَ عُرِضَتْ فِي السُّوقِ بِثَمَنِهَا لِعَامَّةِ النَّاسِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَأْخُذُهَا بِذَلِكَ تُرِكَتْ لَهُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَرَى أَنْ يَشْتَرِكَ فِيهَا التُّجَّارُ، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَطْلُبُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ كَأَحَدِهِمْ.
وَقَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَزَادَ بِالْحِصَصِ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّ فَسْخَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي أَنْ يَرْجِعَ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا أَخَذَهَا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا قُدِّمَ لَهُ مَنْ يَبِيعُ عَنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ إنْ كَانَتْ زِيَادَةً فَلَهُ، وَإِنْ نُقْصَانًا فَعَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ الْمَحْظُورَ فِي بَيْعِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ السُّوقَ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ قَدِمَ بِقَمْحٍ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَقَالَ حِينَ خَرَجَ إنْ وَجَدْت بَيْعًا فِي الطَّرِيقِ، وَإِلَّا بَلَغْت الْفُسْطَاطَ قَالَ لَا يَبِيعُ فِي الطَّرِيقِ، وَيَبِيعُ بِالْفُسْطَاطِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ قَرْيَةً بِهَا سُوقٌ فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ فِيهَا فَثَبَتَ أَنَّ الْبَائِعَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْبَيْعِ قَبْلَ بُلُوغِ الْأَسْوَاقِ وَمَوَاضِعِ الْبُيُوعِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يُفْسَخُ لِفَسَادِهِ، وَإِنَّمَا يُفْسَخُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا فُسِخَ لِإِمْكَانِ ذَلِكَ فِيهِ، وَإِنْ فَاتَ فَسْخُهُ بِفَوَاتِ بَائِعِهِ عُرِضَ عَلَى مَنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ تُرِكَ لَهُ.
(فَرْعٌ)
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَيُعَاقَبُ مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ تَلَقِّي السِّلَعِ بِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ سِجْنٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ إخْرَاجٍ مِنْ السُّوقِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَطِيبُ لِلْمُتَلَقِّي رِبْحٌ مَا تَلْقَى فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ لَحْمِ مَا تَلَقَّى، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ أَيَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ فَقَالَ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ احْتِيَاطًا لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَعْيِينِ الْبَادِي الَّذِي يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ لَهُ]
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «وَلَا تَنَاجَشُوا» سَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا، وَقَوْلُهُ «وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» فِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ الْأَوَّلُ مِنْهَا فِي تَعْيِينِ الْبَادِي الَّذِي يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ لَهُ وَالثَّانِي فِي التَّصْرِيفِ الَّذِي يُمْنَعُ لَهُ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ لَهُ إذَا وَقَعَ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَعْيِينِ الْبَادِي الَّذِي يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ لَهُ) أَمَّا الْبَادِي الَّذِي مُنِعَ مِنْ الْبَيْعِ لَهُ فَإِنَّ أَهْلَ الْبَوَادِي ضَرْبَانِ ضَرْبٌ أَهْلُ عَمُودٍ وَضَرْبٌ أَهْلُ مَنَازِلَ وَاسْتِيطَانٍ فَأَمَّا أَهْلُ الْعَمُودِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُمْ مُرَادُونَ بِالْحَدِيثِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي النَّهْي عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي هُمْ الْأَعْرَابُ أَهْلُ الْعَمُودِ لَا يُبَاعُ لَهُمْ، وَلَا يُشْرَى عَلَيْهِمْ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الْأَسْعَارَ فَيُوشِكُ إذَا تَنَاوَلُوا الْبَيْعَ لِأَنْفُسِهِمْ اُسْتُرْخِصَ مِنْهُمْ مَا يَبِيعُونَ لِأَنَّ مَا يَبِيعُونَهُ أَكْثَرُهُ لَا رَأْسَ مَالٍ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرُوهُ، وَإِنَّمَا صَارَ إلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْلَالِ فَكَانَ الرِّفْقُ بِمَنْ يَشْتَرِيهِ أَوْلَى مَعَ أَنَّ أَهْلَ الْحَوَاضِرِ هُمْ أَكْثَرُ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ مَوَاضِعُ الْأَئِمَّةِ فَيَلْزَمُ الِاحْتِيَاطُ لَهَا وَالرِّفْقُ بِمَنْ يَسْكُنُهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَهْلَ الْقُرَى الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْأَثْمَانَ وَالْأَسْوَاقَ، وَلَا بَأْسَ بِهِ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وَرَوَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْعُتْبِيُّ عَنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّهُ قَالَ فَأَمَّا أَهْلُ الْمَدَائِنِ يَبِيعُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ، وَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى الَّذِينَ يُشْبِهُونَ أَهْلَ الْبَادِيَةِ فَلَا يُبَاعُ لَهُمْ، وَلَا يُشْرَى عَلَيْهِمْ قَالَ: وَإِنْ كَانُوا أَيَّامَ الرَّبِيعِ فِي الْقُرَى، وَمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ عَلَى الْمِيلَيْنِ مِنْ الْقَرْيَةِ، وَهُمْ عَالِمُونَ بِالسِّعْرِ فَلَا يُبَاعُ لَهُمْ، وَيَنْقَسِمُ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ الْبَدْوِيُّ لَا يُبَاعُ لَهُ عَرَفَ السِّعْرَ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ، وَالْقَرَوِيُّ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ الْأَسْعَارَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُهَا لَمْ يُبِعْ لَهُ.
(فَرْعٌ)
وَمَا قَدْرُ الْقَرْيَةِ الَّتِي تُبِيحُ الْبَيْعَ لَهُ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا نَهْيَ
стр. 1441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَنْ الْبَيْعِ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مِيدَ أَيْ وَمَا أَشْبَهَهَا لِأَنَّ هَذِهِ مَدَائِنُ وَكُوَرٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذِهِ كُوَرٌ وَحَوَاضِرُ لِأَهْلِهَا مِنْ الْحُرْمَةِ مِثْلُ مَا لِغَيْرِهِمْ مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْأَسْعَارِ وَالْأَسْوَاقِ، وَلَيْسَ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْبَيْعِ لَهُمْ إلَّا الْإِضْرَارُ بِهِمْ دُونَ مَنْفَعَةٍ تُجْتَلَبُ بِذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَبِيعُ مَدَنِيٌّ لِمِصْرِيٍّ، وَلَا مِصْرِيٌّ لِمَدَنِيٍّ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ فَأَمَّا أَهْلُ الْمَدَائِنِ يَبِيعُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَأَرْجُو أَنْ يَكُون خَفِيفًا.
فَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ اغْتِرَابَهُمْ، وَبُعْدَ أَوْطَانِهِمْ يَقْتَضِي جَهْلَهُمْ بِالْأَسْعَارِ فَمَنَعَ مَنْ يَعْرِفُهَا مِنْ الْبَيْعِ لَهُمْ لِيَرْخُصَ بِذَلِكَ مَا جَلَبُوهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ حُرْمَتَهُمْ مُتَسَاوِيَةٌ، وَبِأَيْسَرِ مَقَامٍ فِي الْبَلَدِ يَعْرِفُونَ الْأَسْعَارَ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُخْفِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَلَا فَائِدَةَ لِكِتْمَانِهِمْ ذَلِكَ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي التَّصَرُّفِ الَّذِي يُمْنَعُ لَهُ] ١
أَمَّا مَا يَمْنَعُ مِنْهُ مِنْ التَّصَرُّفِ لَهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْبَدْوِيِّ لَا يَبِيعُ لَهُ الْحَضَرِيُّ، وَلَا يَشْتَرِي عَلَيْهِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ فِي أَهْلِ الْقُرَى الَّذِينَ يُشْبِهُونَ الْبَادِيَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا قَدِمَ الْبَدْوِيُّ فَأَكْرَهُ أَنْ يُخْبِرَهُ الْحَضَرِيُّ بِالسِّعْرِ، وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ لَا يَبْعَثُ الْبَدْوِيُّ إلَى الْحَضَرِيِّ بِمَتَاعٍ يَبِيعُهُ لَهُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا الشِّرَاءُ لِلْبَدْوِيِّ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَبِيعُ لَهُ، وَلَا يَشْتَرِي وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا الِاسْتِرْخَاصَ مَشْرُوعٌ مُسْتَحَبٌّ، وَلِذَلِكَ نَهَى أَنْ يَبِيعَ الْحَاضِرُ لِلْبَادِي طَلَبًا لِرُخْصِ مَا يَبِيعُ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُبَاحَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ يَسْتَرْخِصُ لَهُ مَا يَشْتَرِيهِ، وَوَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَبِيعُهُ الْبَدْوِيُّ مَا يَصِيرُ إلَيْهِ بِالْغَلَّةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي رُخْصِهِ كَبِيرُ مَضَرَّةٍ، وَمَا يَشْتَرِيهِ حُكْمُهُ فِيهِ حُكْمُ الْحَضَرِيِّ فَلِذَلِكَ خَالَفَ بَيْعَهُ شِرَاؤُهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ تَخُصُّهُ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهَا الْحَضَرِيُّ لِلْبَدْوِيِّ كَالْبَيْعِ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ لَهُ إذَا وَقَعَ] ١
َ قَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُفْسَخُ الْبَيْعُ حَضَرَ الْبَدْوِيُّ أَوْ بَعَثَ سِلْعَتَهُ إلَى الْحَاضِرَةِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ، وَكَذَلِكَ الشِّرَاءُ.
وَقَالَهُ أَصْبَغُ فِي بَيْعِ الْمِصْرِيِّ لِلْمَدَنِيِّ وَبَيْعِ الْمَدَنِيِّ لِلْمَصْرِيِّ، وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فَسْخَهُ إذَا بَاعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَرَوَاهُ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْعَقْدَ سَالِمٌ مِنْ الْفَسَادِ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِمَعْنَى الِاسْتِرْخَاصِ، وَلِذَلِكَ لَا يَعُودُ بِالْفَسْخِ لِأَنَّ الْبَدْوِيَّ قَدْ عَلِمَ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ ثَمَنَ سِلْعَتِهِ فَلَا يَرْخُصُ بِفَسْخِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ هَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُؤَدَّبُ، وَرَوَى زُونَانُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ يُزْجَرُ وَلَا يُؤَدَّبُ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِمَكْرُوهِهِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ مَضَرَّةٌ عَامَّةٌ، وَقَدْ تَكَرَّرَ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الْإِمَامِ فِيهَا فَكَانَ حُكْمُهُ الْأَدَبَ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الزَّجْرَ فِي ذَلِكَ كَافٍ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ التَّسْعِيرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ «وَلَا تَصُرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ» التَّصْرِيَةُ حَبْسُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، مَأْخُوذٌ مِنْ حَبْسِ الْمَاءِ يُقَالُ صَرَيْته وَصَرَّيْتُهُ وَالْمُصَرَّاةُ هِيَ الْمُحَفَّلَةُ لِأَنَّ اللَّبَنَ حَفَلَ فِي ضَرْعِهَا، وَالْحَافِلُ الْعَظِيمَةُ الضَّرْعِ.
(فَصْلٌ)
فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا، يُرِيدُ أَنَّ التَّصْرِيَةَ تَدْلِيسٌ وَنَقْصُ اللَّبَنِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ حِينَ الْبَيْعِ نَقْصٌ فَلِلْبَائِعِ إذَا اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ الْإِمْسَاكُ أَوْ الرَّدُّ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَبُو يُوسُفَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ التَّصْرِيَةُ لَيْسَتْ بِتَدْلِيسٍ، وَنَقْصُ اللَّبَنِ لَيْسَ بِعَيْبٍ، وَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ الرَّدُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ، وَهُوَ يُسْتَدَلُّ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَ «فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ» يُرِيدُ بَعْدَ التَّصْرِيَةِ «فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ»
стр. 1442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ الرَّدَّ بِالتَّصْرِيَةِ، وَلَيْسَ هَاهُنَا وَجْهٌ يَرُدُّ بِهِ إلَّا بِالْعَيْبِ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ لَازِمًا، وَوَجْهُ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ جَعَلَ الْمُبْتَاعَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَتَبَيَّنَ أَمْرُهَا بِالْحَلْبِ إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا، وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَعْنَى التَّدْلِيسِ سَتْرُ الْعَيْبِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي التَّصْرِيَةِ لِأَنَّ الْبَائِعَ سَتَرَ مَا فِي شَاتِه أَوْ نَاقَتِهِ مِنْ قِلَّةِ اللَّبَنِ عَمَّا ابْتَاعَ عَلَيْهِ الْمُبْتَاعُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُبْتَاعَ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ عَادَةٌ فِيهَا، وَعَلَى ذَلِكَ اشْتَرَاهَا فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ نَقْصُهَا عَنْ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الرَّدُّ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا لَوْ جَعَّدَ الْبَائِعُ شَعْرَ جَارِيَتِهِ فَاشْتَرَاهَا الْمُبْتَاعُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ غَيْرُ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الرَّدُّ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ ﷺ «فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا قَالَ مُحَمَّدٌ لَهُ الرَّدُّ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ حَلَبَ ثَلَاثًا لَزِمَتْهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَمَّا سُئِلَ أَيَرُدُّهَا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ إذَا رَأَى مِنْ ذَلِكَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ اخْتَبَرَهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَمَا حُلِبَ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَعَ الرَّدَّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ يَكُونُ الْخِيَارُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَهُوَ «بِالْخِيَارِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا ثَلَاثًا» ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْحَلْبَةَ الثَّانِيَةَ لَا يُعْلَمُ بِهَا حَالُهَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ نَقْصُ اللَّبَنِ لِاخْتِلَافِ الْمَرْعَى، وَلِأَنَّ التَّحْفِيلَ يُقَلَّلُ لَبَنَهَا فِي الْحَلْبَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّمَا حَقِيقَةُ أَمْرِهَا بِالثَّالِثَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ بَعْدَهَا لِأَنَّهُ بِهَا يَتَبَيَّنُ أَمْرُهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ اشْتَرَى غَنَمًا غَيْرَ مُصَرَّاةٍ فَحَلَبَهَا فَلَمْ يَرْضَ حِلَابَهَا فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ لَمْ يَعْلَمْ حِلَابَهَا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ رَدُّهَا، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ اسْتَوَى عِلْمُهَا فِي قَدْرِ الْمَبِيعِ جُزَافًا كَالْبَائِعِ لِصُبْرَةِ الطَّعَامِ فَإِنْ عَلِمَ الْبَائِعُ قَدْرَ مَا يُحْلَبُ فَلَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ الْمُبْتَاعَ فَإِنْ كَانَ فِي إبَّانِ لَبَنِهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَهُ الرَّدُّ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَ صُبْرَةً جُزَافًا قَدْ عَلِمَ كَيْلَهَا فَلَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ الْمُبْتَاعَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَيْعُ فِي إبَّانِ لَبَنِهَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُبْتَاعِ رَدُّهَا، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَدْ عَرَفَ قَدْرَ لَبَنِهَا، وَإِنْ كَانَتْ شَاةَ لَبَنٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لِلْمُبْتَاعِ رَدُّهَا حُلِبَتْ أَوْ لَمْ تُحْلَبْ إذَا كَانَتْ شَاةَ لَبَنٍ قَالَ مُحَمَّدٌ، وَأَرَى أَنْ يَنْظُرَ فِي ثَمَنِهَا فَإِنْ كَانَتْ فِي كَثْرَتِهِ بِحَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّهَا لَمْ تُبَعْ لِشَحْمِهَا وَلَحْمِهَا وَلَا لِنِتَاجِ مِثْلِهَا ذَلِكَ اللَّبَنَ، وَإِنَّمَا بَيْعُهُ لِلَبَنِهَا فَلَهُ الرَّدُّ إذَا كَتَمَهُ الْبَائِعُ قَدْرَ اللَّبَنِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَقْصِدْ بِابْتِيَاعِهِ اللَّبَنَ، وَإِذَا كَانَتْ فِي إبَّانِ لَبَنِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِلَبَنِهَا فَرُوعِيَ ذَلِكَ فِيهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ كَانَتْ إبِلًا أَوْ بَقَرًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَتْ الْبَقَرُ يُطْلَبُ مِنْهَا اللَّبَنُ مِثْلُ مَا يُطْلَبُ مِنْ الْغَنَمِ فَهِيَ بِمَنْزِلَتِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ اشْتَرَى شَاةً عَلَى أَنَّهَا تَحْلُبُ قِسْطًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْبَيْعُ جَائِزٌ، وَتُجَرَّبُ الشَّاةُ فَإِنْ كَانَتْ تَحْلُبُ مَا شَرَطَهُ لَهُ، وَإِلَّا رَدَّهَا، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ فِي أَنَّهَا بِالتَّصْرِيَةِ تُرَدُّ فَبِأَنْ تُرَدَّ فِي هَذَا أَوْلَى، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ التَّصْرِيَةَ إنَّمَا تَقُومُ مَقَامَ الشَّرْطِ فَإِذَا ثَبَتَ بِهَا الرَّدُّ فَبِأَنْ تُرَدَّ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ أَبْيَنُ أَوْلَى.
(فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ ﷺ «وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» مَعْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنْ اخْتَارَ إمْسَاكَهَا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَتْ لَهُ التَّصْرِيَةُ أَمْسَكَهَا، وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهَا رَدَّهَا، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قُلْت لِمَالِكٍ أَتَأْخُذُ بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ قَالَ نَعَمْ، وَإِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا سَمِعْت أَوْ لَا حَدَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ أَشْهَبُ، وَقَالَ جَاءَ مَا يُضَعِّفُهُ أَنَّ الْغَلَّةَ بِالضَّمَانِ، وَسَأَلْت عَنْهُ مَالِكًا فَكَأَنَّهُ ضَعَّفَهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: وَهُوَ لَوْ رَدَّهَا بِعَيْبٍ، وَقَدْ أَكَلَ لَبَنَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
فَوَجْهُ رَدِّ الصَّاعِ أَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي فِي الضَّرْعِ حَالَ التَّحْفِيلِ مَبِيعٌ مَعَ الشَّاةِ، وَإِذَا تَلِفَ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ أَوْ تَغَيَّرَ بِالْحَلْبِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ عِوَضًا مِنْهُ
стр. 1443
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ النَّجْشِ» قَالَ وَالنَّجْشُ أَنْ تُعْطِيَهُ بِسِلْعَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا، وَلَيْسَ فِي نَفْسِك اشْتِرَاؤُهَا فَيَقْتَدِيَ بِك غَيْرُك) .
ــ
[المنتقى]
كَالثَّمَرَةِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَالصُّوفِ عَلَى الْغَنَمِ، وَأَمَّا مَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَرُدُّهُ الْمُبْتَاعُ، وَلَا يَرُدُّ عِوَضًا عَنْهُ، وَإِنَّمَا الصَّاعُ عِوَضٌ عَنْ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ خَاصَّةً، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَبَنٌ حُلِبَ بَعْدَ الشِّرَاءِ فَلَمْ يَرُدَّهُ الْمُبْتَاعُ لِلرَّدِّ بِالْعَيْبِ كَاللَّبَنِ الْحَادِثِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الْحَدِيثَ قَدْ ضَعَّفَهُ مَا جَاءَ مِنْ أَنَّ الْغَلَّةَ بِالضَّمَانِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ لِأَنَّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي صِحَّتِهِ، وَلَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مَا رُوِيَ أَنَّ «الْغَلَّةَ بِالضَّمَانِ» ، وَلَوْ صَحَّ حَدِيثُ «الْغَلَّةِ بِالضَّمَانِ» لَمَا كَانَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ حَدِيثَ الْغَلَّةِ عَامٌّ، وَحَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ خَاصٌّ فَيُقْضَى بِهِ عَلَى حَدِيثِ الْغَلَّةِ مَعَ أَنَّ الْغَلَّةَ إنَّمَا هِيَ مَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ دُونَ مَا اشْتَرَاهُ مَعَ الْبَيْعِ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّ مَعَهُ صَاعًا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِهِ لِرَفْعِ التَّخَاصُمِ فِي ذَلِكَ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِهِ، وَادَّعَى الْبَائِعُ مِنْ اللَّبَنِ أَكْثَرَ مِمَّا يُظْهِرُهُ إلَيْهِ الْمُبْتَاعُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُمَيِّزُ أَحَدَ اللَّبَنَيْنِ مِنْ الْآخَرِ لِأَنَّهُ يَحْدُثُ بَعْدَ الشِّرَاءِ إلَى وَقْتِ الْحَلْبِ فِي الْأَغْلَبِ مَا لَا يَتَمَيَّزُ مِنْ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ فَحَكَمَ فِي عِوَضِ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَا يَرْفَعُ الْخِصَامَ، وَيَحْسِمُ الدَّعَاوَى، وَهُوَ صَاعٌ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُقَدَّرٌ، وَهَذَا كَمَا «حَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ» لَمَّا كَانَ لَا يَتَمَيَّزُ غَالِبًا ذَكَرُهُ مِنْ أُنْثَاهُ سَوَاءٌ كَانَ الْجَنِينُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَلَوْ كَانَ حَيًّا لَكَانَ فِي الْأُنْثَى نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ، وَقَضَى فِي جَنِينِ الْأَمَةِ بِعُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ، وَلَوْ وَلَدَتْ الْجَنِينَيْنِ لَتَفَاوَتَتْ قِيمَتُهُمَا.
(فَرْعٌ)
وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ شَاةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ نَاقَةً فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ لَا يَرُدُّ إلَّا صَاعًا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «لَا تَصُرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا، وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ، وَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى الْبَقَرِ لِأَنَّ الْغَنَمَ أَطْيَبُ لَبَنًا وَالْإِبِلَ أَكْثَرُ لَبَنًا وَالْبَقَرَ أَكْثَرُ لَبَنًا مِنْ الْغَنَمِ، وَأَطْيَبُ لَبَنًا مِنْ الْإِبِلِ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا كَانَتْ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ عَدَدًا قَالَ الْإِمَامُ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ فَقَدْ بِوَجَدْت لِبَعْضِ شُيُوخِنَا الْأَنْدَلُسِيِّينَ يَرُدُّ لِجَمِيعِهَا صَاعًا وَاحِدًا، وَلَعَلَّهُ تَعَلَّقَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ «لَا تَصُرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا، وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ إنَّهُ يَرُدُّ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ صَاعًا لَرَأَيْت لَهُ وَجْهًا.
(فَرْعٌ)
وَمِمَّاذَا يَكُونُ الصَّاعُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَالِكٍ، وَجَدْته فِي كِتَابِي مَنْ اشْتَرَى شَاةً أَوْ نَاقَةً مُصَرَّاةً فَلَهُ إذَا حَلَبَهَا أَنْ يَرُدَّهَا، وَمَكِيلَةَ مَا حَلَبَ مِنْ اللَّبَنِ تَمْرًا أَوْ قِيمَتَهُ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ التَّمْرِ، وَقَدْ تَعَلَّقَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «وَصَاعًا مِنْ طَعَامٍ» ، وَوَجْهُ ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي صَاعِ التَّمْرِ أَنَّهُ خَصَّ التَّمْرَ بِالذَّكَرِ لِأَنَّهُ كَانَ أَغْلِبَ قُوتِ ذَلِكَ الْبَلَدِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْبِلَادِ غَالِبَ قُوتِهِمْ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ.
(فَرْعٌ)
فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ اللَّبَنُ بَدَلَ الصَّاعِ لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ بِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَضَ عَلَيْهِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ فَصَارَ ثَمَنًا قَدْ وَجَبَ لِلْبَائِعِ فَلَا يَفْسَخُهُ فِي اللَّبَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يَجِبُ رَدُّهُ مَا كَانَ مَوْجُودًا مِنْ اللَّبَنِ حِينَ الْبَيْعِ، وَذَلِكَ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يُمْكِنُ رَدُّهُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ يَكُونُ إقَالَةً، وَمَا ذَكَرْنَاهُ يَمْنَعُ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : نَهْيُهُ عَنْ النَّجْشِ يَقْتَضِي فَسَادَهُ
стр. 1444
(جَامِعُ الْبُيُوعِ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ «رَجُلًا ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ــ
[المنتقى]
وَتَحْرِيمَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُعْطِيَ بِسِلْعَتِهِ مَنْ يُرِيدُ مَنْفَعَتَهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا، وَلَا يُرِيدُ بِذَلِكَ شِرَاءَهَا، وَلَعَلَّهُ قَدْ وَافَقَك عَلَى أَنَّ مَا زِدْت غَيْرَ لَازِمٍ لَك لِيَقْتَدِيَ بِك غَيْرُك فَيَزِيدَ بِزِيَادَتِك أَوْ لِيَبْلُغَهُ مِنْ الثَّمَنِ مَا لَوْلَا زِيَادَتُك لَمْ يَبْلُغْهَا لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا وَحِرْصِهِ عَلَيْهَا.
وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ إنَّ أَصْلَ النَّجْشِ الِاسْتِثَارَةُ لِشَيْءٍ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لِلصَّائِدِ نَاجِشٌ لَمَّا كَانَ يُثِيرُ الصَّيْدَ فَكَانَ الزَّائِدُ فِي السِّلْعَةِ يُثِيرُ غَيْرَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي لِلزِّيَادَةِ فِيهَا، وَيُرِيهِمْ الْحِرْصَ عَلَيْهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى وَجْهِ النَّجْشِ فَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ عَلِمَ بِذَلِكَ الْمُبْتَاعُ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ مَا لَمْ تَفُتْ فَإِنْ فَاتَتْ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِقِيمَتِهَا مَا لَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ مِمَّا ابْتَاعَهَا بِهِ فَلَا تُزَادُ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ دَسَّ مَنْ يَزِيدُ فِي سِلْعَتِهِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ أَنَّ بَيْعَهُ يُفْسَخُ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِهَا الْمُبْتَاعُ بِالثَّمَنِ فَإِنْ فَاتَتْ فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ إنْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا دَسَّهُ الْبَائِعُ أَوْ أَحَدُ سَبَبِهِ مِنْ وَلَدِهِ أَوْ عَبْدِهِ أَوْ شَرِيكِهِ أَوْ مَنْ هُوَ مِنْ نَاحِيَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِهِ، وَلَا أَمْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِلْبَائِعِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَنْ اخْتِيَارِهِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ الزَّائِدُ فِي السِّلْعَةِ زَادَ عَلَى وَجْهِ الشِّرَاءِ وَالرَّغْبَةِ فِيهَا لَا عَلَى وَجْهِ النَّجْشِ لِأَنَّ النَّجْشَ إذَا وُجِدَ فَقَدْ وُجِدَ الْبَيْعُ عَلَى وَجْهِ الْخِلَابَةِ وَالْغِشِّ لِلْمُبْتَاعِ فَلَا يَسُوغُ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ قَدْ صَنَعَ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا الَّذِي يَقُولُ أَعْطَيْت بِسِلْعَتِي كَذَا فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ الْعَطَاءُ حَدِيثًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْعَطَاءُ قَدِيمًا فَكَتَمَ قِدَمَهُ، وَالْمُبْتَاعُ يَظُنُّهُ حَدِيثًا فَلَا، وَكَذَلِكَ النَّجْشُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَالْمَوَّازِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أُعْطِيَهُ بِقُرْبِ الْمُسَاوَمَةِ فَهُوَ صَادِقٌ، وَلَا خِلَابَةَ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ قَدِيمَ الْعَطَاءِ، وَتَغَيَّرَتْ الْأَسْوَاقُ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ النَّجْشِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَالنَّجْشُ مِنْ جِهَتِهِ أَنْ يَكْذِبَ فِي ذَلِكَ، وَيَقُولَ أُعْطِيت فِيهَا مَا لَمْ يُعْطَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَوْ قَالَ الْمُبْتَاعُ لِلْبَائِعِ مَا أُعْطِيت بِسِلْعَتِك زِدْتُك دِينَارًا فَقَالَ أَعْطَانِي بِهَا فُلَانٌ مِائَةً فَزَادَهُ وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ فُلَانٌ مَا أَعْطَيْته إلَّا تِسْعِينَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ، وَلَوْ شَاءَ لَثَبَتَ إلَّا أَنْ تَكُونَ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ عَلَى إعْطَاءِ فُلَانٍ دُونَ ذَلِكَ فَيَرُدُّ الْبَيْعَ إنْ شَاءَ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْبَائِعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أُعْطِيت بِهَا مِائَةً فَصَدَّقَهُ، وَزَادَهُ لَزِمَهُ الْبَيْعُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِمَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ صَدَّقَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ إنْكَارُ الْمُسَاوِمِ قَبْلَهُ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَقُولُ كَرِهَ بَيْعِي فَجَحَدَ مَا أَعْطَانِي فَلَا يَنْقُصُ بَيْعُهُ بِذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَهَذَا فِي زِيَادَةِ الثَّمَنِ فَأَمَّا فِي نَقْصِهِ فَمِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَاعُ لِرَجُلٍ حَاضِرٍ كُفَّ عَنِّي لَا تَزِدْ عَلَيَّ فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فَأَمَّا الْأَمْرُ الْعَامُّ فَلَا يُرِيدُ عِنْدِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ يُرِيدُ شِرَاءَهَا أَوْ مُعْظَمِهِمْ، وَأَمَّا الْوَاحِدُ الَّذِي يَخَافُ مِنْهُ الزِّيَادَةَ فِي ثَمَنِهَا عَلَى قِيمَتِهَا أَوْ تَبْقَى مُنَافَسَةٌ فِيهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ كُفَّ عَنِّي، وَلَك نِصْفُهَا، وَرَآهُ مِنْ الدُّلْسَةِ، وَكَرِهَ لِلْقَوْمِ يَجْتَمِعُونَ لِلْبَيْعِ فَيَقُولُونَ لَا تَزِيدُوا عَلَى كَذَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ تَوَاطَئُوا عَلَى أَذَى الْبَائِعِ وَحَطِّ بَعْضِ ثَمَنِ سِلْعَتِهِ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَوْ أَنَّ سِلْعَةً بَيْنَ ثَلَاثَةٍ فَقَالَ أَحَدُهُمْ لِآخَرَ إذَا تَقَاوَمْنَاهَا فَاخْرُجْ مِنْهَا بِرِبْحٍ لِيَقْتَدِيَ بِك صَاحِبُنَا، وَالْعَبْدُ بَيْنِي وَبَيْنَك فَفَعَلَ، وَثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ فَفِي الْوَاضِحَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ الْبَيْعُ مَرْدُودٌ، وَلَا يَجُوزُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَلَا يَأْخُذُ بِهَذَا أَصْبَغُ، وَلَمْ يَرَهُ مِنْ النَّجْشِ، وَبِهِ أَقُولُ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِزِيَادَتِهِ إنَّمَا أَمْسَكَ عَنْ الزِّيَادَةِ لِرُخْصِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَصَاحِبِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إنَّ هَذَا مَعْنَى فِعْلِهِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ كَالنَّجْشِ.
стр. 1445
أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ قَالَ فَكَانَ الرَّجُلُ إذَا بَايَعَ يَقُولُ لَا خِلَابَةَ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ إذَا جِئْت أَرْضًا يُوفُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ فَأَطِلْ الْمُقَامَ بِهَا، وَإِذَا جِئْت أَرْضًا يَنْقُصُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ فَأَقْلِلْ الْمُقَامَ
ــ
[المنتقى]
[جَامِعُ الْبُيُوعِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ «رَجُلًا ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ» يُقَالُ إنَّهُ مُنْقِذُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْمَازِنِيُّ جَدُّ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَصَابَتْهُ فِي رَأْسِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَأْمُومَةٌ فَغَيَّرَتْ لِسَانَهُ، وَغَيَّرَتْ بَعْضَ مَيْزِهِ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ حِبَّانَ بْنَ مُنْقِذٍ هُوَ الَّذِي كَانَ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «بِعْ وَقُلْ لَا خِلَابَةَ، وَأَنْتَ بِالْخِيَارِ» ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ خَاصٌّ بِهَذَا الرَّجُلِ لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْحِرْصِ عَلَى الْبَيْعِ وَضَعْفِهِ عَنْ التَّحَرُّزِ فِيهِ.
وَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي إشْرَافِهِ إذَا تَبَايَعَ النَّاسُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا مِمَّنْ لَا يُخْبِرُ بِسِعْرِ ذَلِكَ الْمَبِيعِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَا خِيَارَ لَهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَهُ الْخِيَارُ إذَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ وَالْمُتَعَارَفِ فِيهِ.
قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ نَهْيُهُ ﷺ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَمَنْ بَاعَ مَا يُسَاوِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ بِدِرْهَمٍ فَقَدْ أَضَاعَ مَالَهُ كَمَا أَنَّ مَنْ اشْتَرَى مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَقَدْ أَضَاعَ مَالَهُ قَالَ: وَنَهْيُهُ ﷺ عَنْ تَلَقِّي السِّلَعِ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ الْغَبْنِ فِي الْأَثْمَانِ فَكَانَ مُؤَثِّرًا فِي الْخِيَارِ كَالْعَيْبِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُ الْحَدِيثِ عَامًّا فِي كُلِّ أَحَدٍ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ مَعْنَى قَوْلِ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ لَا خِلَابَةَ عَلَى وَجْهِ الْأَعْلَامِ مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَخْبُرُ الْأَثْمَانَ، وَعَلَى وَجْهِ الْإِعْلَامِ لِلنَّاسِ بِهَذَا الْحُكْمِ، وَأَنَّهُ لَا تَنْفُذُ خِلَابَةُ الْخَالِبِ عَلَى مَغْبُونٍ مُسْتَسْلِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَ الْمُتَبَايِعَيْنِ مِنْ جَهَلَةِ الْبَيْعِ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى مَا يُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمٍ لَزِمَهُمَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ» قَالَ الْقَاضِي ﵁، وَيَحْصُلُ عِنْدِي ابْتِيَاعُهُ عَلَى الْمُرَابَحَةِ فَيَكُونُ قَوْلُ لَا خِلَابَةَ لِمَنْ يَزِيدُ عَلَيْهِ فِي الشِّرَاءِ، وَهَذَا حُكْمٌ عَامٌّ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى مُرَابَحَةً فَزِيدَ عَلَيْهِ فِي الثَّمَنِ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْتِيَاعُهُ بِالْخِيَارِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِطُهُ، وَيَقُولُ مَعَ ذَلِكَ لَا خِلَابَةَ بِمَعْنَى اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ يَتَحَرَّزُ مِنْ اسْتِخْدَاعِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ بِعْ وَقُلْ لَا خِلَابَةَ، وَأَنْتَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةً» ، وَلَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ حَكَمَ لَهُ بِهَذَا، وَحَجَرَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ بِغَيْرِ الْخِيَارِ، وَأَعْلَمَ النَّاسَ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَذْكُرَ حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ لَا خِلَابَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُهُ أَنْ يَقُولَ لَا خِلَابَةَ عَلَى وَجْهِ الْأَعْذَارِ إلَى مَنْ يُبَايِعُهُ لِيَتَوَقَّى خَدِيعَتَهُ أَهْلُ الصَّلَاحِ وَالدِّينِ لَا لِيَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ إنْ خُدِعَ، وَلَكِنْ لِئَلَّا يُقْدِمَ عَلَى خَدِيعَتِهِ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ، وَكَانَ قَلِيلًا فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ لَا خِلَابَةَ فِي صِفَةِ النَّقْدِ، وَفِي وَفَاءِ الْوَزْنِ وَالْكَيْلِ، وَاسْتِيفَائِهِمَا فَمَنْ غَبَنَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ حَالَةُ جَمِيعِ النَّاسِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «قُلْ لَا خِلَابَةَ» الْخِلَابَةُ الْخِدَاعُ، وَلَيْسَ مِنْ الْخِدَاعِ أَنْ يَبِيعَ الْبَائِعُ بِالْغَلَاءِ أَوْ يَشْتَرِيَ الْمُشْتَرِي بِرُخْصٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَابَةُ أَنْ يَكْتُمَهُ عَيْبًا فِيهَا، وَيَقُولَ إنَّهَا تُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا، وَأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ فِيهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى بِهَا.
وَقَدْ رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَّا بُورِكَ لَهُمَا، وَإِنْ كَذَبَا، وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» ، وَلِذَلِكَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ النَّجْشِ» لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَدِيعَةِ فِي الْبَيْعِ، وَإِظْهَارُ النَّاجِشِ لِلْمُبْتَاعِ أَنَّ قِيمَتَهَا أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا، وَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبْتَاعَهَا.
стр. 1446
بِهَا) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إنْ بَاعَ سَمْحًا إنْ ابْتَاعَ سَمْحًا إنْ قَضَى سَمْحًا إنْ اقْتَضَى) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ أَوْ الْبَزَّ أَوْ الرَّقِيقَ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْعُرُوضِ جُزَافًا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ الْجُزَافُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يُعَدُّ عَدَدًا) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ إذَا جِئْت أَرْضًا يُوفُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ فَأَطِلْ الْمُقَامَ بِهَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُبَارَكَ لَهُمْ فِيمَا يَكِيلُونَهُ وَيَزِنُونَهُ فَمَنْ أَطَالَ الْمُقَامَ بِهَا نَالَهُ مِنْ بَرَكَةِ عَمَلِهِمْ وَبُورِكَ لَهُ إذَا عَمِلَ بِعَمَلِهِمْ كَمَا يُبَارَكُ لَهُمْ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ الْخَيْرُ وَالْعَدْلُ شَائِعًا عِنْدَهُمْ لِأَنَّ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ إذَا كَانَ جَارِيًا عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ تَوْفِيَةِ الْحَقِّ وَظُهُورِهِ حَتَّى يَعُمَّ جَمِيعَهُمْ فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ سَائِرَ أَحْوَالِهِمْ جَارِيَةٌ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ إذَا جِئْت أَرْضًا يَنْقُصُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ فَأَقْلِلْ الْمُقَامَ بِهَا يَحْتَمِلُ أَيْضًا وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذِهِ عُقُوبَةٌ قَدْ عَاقَبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَجْلِهَا أُمَمًا وَأَهْلَكَهُمْ بِسَبَبِهَا فَحَذَّرَ الْمُقَامَ بِبَلَدٍ يَكُونُ هَذَا فِيهِمْ، وَيَشِيعُ فِي أَسْوَاقِهِمْ، وَحَذَّرَ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيَنَالُهُ مَعَهُمْ مَا يَذْهَبُ مِنْ بَرَكَةِ مَالِهِ، وَيَصْرِفُهُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النَّقْصَ فِي ذَلِكَ يُذْهِبُ بَرَكَةَ الْبَيْعِ فَلَا حَظَّ لَهُمْ فِي الْمُقَامِ فِيهِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] .
وَقَالَ تَعَالَى مَا قَالَ رَسُولُهُ شُعَيْبٌ لِقَوْمِهِ فَقَالَ ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥] وَعَلَى كُلِّ وَجْهٍ فَإِنَّ ظُهُورَ الْمُنْكَرِ، وَعُمُومَهُ مِمَّا يُحْذَرُ تَعْجِيلُ عُقُوبَتِهِ.
وَقَدْ «قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ، وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ إذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» فَهَذَا مَعَ الصَّالِحِينَ فَكَيْفَ مَعَ قِلَّتِهِمْ أَوْ مَعَ عَدَمِهِمْ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا بِفَضْلِهِ وَيَتَغَمَّدَ زَلَلَنَا بِرَحْمَتِهِ.
(ش) : قَوْلُهُ أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إنْ بَاعَ سَمْحًا إنْ ابْتَاعَ يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّمَاحَةِ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ الْمُسَامَحَةَ فِي الثَّمَنِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَأْخُذَ الْقِيمَةَ، وَلَا يُشْطِطْ بِطَلَبِ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَيَتَجَاوَزُ فِي النَّقْدِ، وَأَنْ يُنْظِرَ بِالثَّمَنِ.
وَقَدْ رَوَى رِبْعِيٍّ بْنُ خِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «تَلَقَّتْ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَالُوا عَمِلْتَ مِنْ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ كُنْت أُنْظِرُ الْمُوسِرَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنْ الْمُعْسِرِ قَالَ فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ» ، وَفِي الْوَاضِحَةِ تُسْتَحَبُّ الْمُسَامَحَةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَلَيْسَ هُوَ تَرْكَ الْمُكَايَسَةِ فِيهِ إنَّمَا هِيَ تَرْكُ الْمُوَارَبَةِ وَالْمُضَاجَرَةِ وَالْكَزَازَةِ وَالرِّضَا بِالْإِحْسَانِ وَيَسِيرِ الرِّبْحِ، وَحُسْنُ الطَّلَبِ بِالثَّمَنِ قَالَ وَيُكْرَهُ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ فِي التَّبَايُعِ، وَلَا يُفْسَخُ بِهِ، وَيَأْثَمُ فَاعِلُهُ لِشَبَهِهِ بِالْخَدِيعَةِ، وَمِنْ الْمَكْرُوهِ الْخَدِيعَةُ فِيهِ الْأَلْغَازُ بِالْيَمِينِ، وَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ وَالْحَلِفُ فِيهِ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ لَمْ يُلْغَزْ، وَرُوِيَ أَنَّ الْبَرَكَةَ تُرْفَعُ مِنْهُ بِالْيَمِينِ، وَالْمُسَامَحَةُ مِنْ الْمُبْتَاعِ فِي أَنْ يَقْضِيَ أَفْضَلَ مِمَّا يَجِدُ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ «فَإِنَّ أَفْضَلَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» ، وَيُعَجِّلُ الْقَضَاءَ، وَلَا يَبْلُغُ الْمَطْلَ فَهُوَ قَوْلُهُ سَمْحًا إنْ قَضَى، وَلَا يُعَنِّفُ فِي سُرْعَةِ الِاقْتِضَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا الَّذِي أَوْرَدَهُ مَالِكٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَدْ أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَبَّاسٍ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّهُ قَالَ لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا جُزَافًا، وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَا يَكُونُ الْجُزَافُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يُعَدُّ عَدَدًا يَحْتَاجُ إلَى تَفْسِيرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا يُعَدُّ عَدَدًا يَنْقَسِمُ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ تَخْتَلِفُ صِفَاتُهُ كَالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَالْعُرُوضِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَكَادُ جُمْلَةٌ مِنْهَا تَتَّفِقُ آحَادُهَا فَهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَلَا تَخْتَلِفُ صِفَاتُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كَالْجَوْزِ وَالْبِيضِ فَهَذَا إذَا وُجِدَتْ مِنْهُ جُمْلَةٌ فَأَكْثَرُهَا تَتَّفِقُ
стр. 1447
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُعْطِي الرَّجُلَ السِّلْعَةَ فَيَبِيعُهَا، وَقَدْ قَوَّمَهَا صَاحِبُهَا قِيمَةً فَقَالَ إنْ بِعْتهَا بِهَذَا الثَّمَنِ الَّذِي أَمَرْتُك بِهِ فَلَكَ دِينَارٌ أَوْ شَيْءٌ يُسَمِّيهِ لَهُ يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَبِعْهَا فَلَيْسَ لَك شَيْءٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا سَمَّى ثَمَنًا يَبِيعُهَا بِهِ وَسَمَّى أَجْرًا مَعْلُومًا إذَا بَاعَ أَخَذَهُ، وَإِنْ لَمْ يَبِعْ فَلَا شَيْءَ لَهُ قَالَ مَالِكٌ، وَمِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ إنْ قَدَرْت عَلَى غُلَامِي الْآبِقِ أَوْ جِئْت بِجَمَلِي الشَّارِدِ فَلَكَ كَذَا، وَكَذَا فَهَذَا مِنْ بَابِ الْجُعْلِ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ لَمْ يَصْلُحْ)
ــ
[المنتقى]
صِفَاتُ آحَادِهَا فِي الْمَقْصُودِ مِنْهَا فَهَذَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الْجُزَافِ مَعَ كَوْنِهِ مَعْدُومًا.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ يَجُوزُ الْجُزَافُ فِي كُلِّ مَكِيلٍ كَالْحِنْطَةِ أَوْ مَوْزُونٍ كَاللَّحْمِ أَوْ مَعْدُودٍ كَالْجَوْزِ وَالْبِيضِ مِمَّا الْغَرَضُ فِي مَبْلَغِهِ دُونَ أَعْيَانِهِ، وَلَا آحَادِهِ.
وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمَكِيلٍ، وَلَا مَوْزُونٍ مِمَّا الْغَرَضُ فِي أَعْيَانِهِ كَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ وَالثِّيَابِ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْجُزَافُ لِأَنَّ آحَادَهَا تَحْتَاجُ أَنْ تَنْفَرِدَ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا وَالْمَعْرِفَةِ بِصِفَتِهَا، وَقِيمَتِهَا فِي نَفْسِهَا.
فَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ لَا يَكُونُ الْجُزَافُ فِيمَا يُعَدُّ عَدَدًا يُرِيدُ بِذَلِكَ مَا الْغَالِبُ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ يَسْهُلَ عَدَدُهُ لِقِلَّتِهِ، وَلَا يُقَدَّرُ بِكَيْلٍ، وَلَا وَزْنٍ، وَلَكِنَّهُ لِسَبَبِ عِلَّةٍ مُنِعَ الْجُزَافُ فِيهِ إلَّا مَا تَقَدَّمَ مِنْ اخْتِلَافِ صِفَاتِهِ وَتَفَاوُتِ قِيمَتِهِ فِي الْأَغْلَبِ، وَمَعْنَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّ الْجُزَافَ يَجُوزُ فِي الْمَعْدُودِ كَمَا يَجُوزُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ يُرِيدُ الْمَعْدُودَ الَّذِي يَتَعَذَّرُ مَبْلَغُهُ بِالْعَدَدِ كَمَا يَتَعَذَّرُ الْمَكِيلُ بِالْكَيْلِ وَالْمَوْزُونُ بِالْوَزْنِ، وَلَا يُقَدَّرُ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْخَيْلُ وَسَائِرُ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ فَلَيْسَ لَهَا قَدْرٌ تَتَقَدَّرُ بِهِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ، وَإِنْ بِيعَتْ الْخَيْلُ، وَشُقَقُ الْكَتَّانِ إذَا كَثُرَتْ بِالْعَدَدِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَدَدَ مِقْدَارٌ لَهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ يَشُقُّ تَقْدِيرُ ثَمَنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيُجْعَلُ لَهَا ثَمَنٌ وَاحِدٌ، وَيَكُونُ زِيَادَةُ ثَمَنِ بَعْضِهَا بِنُقْصَانِ ثَمَنِ غَيْرِهَا، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ وَزْنِهِ جَمِيعًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْمَعْدُودِ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ لَا يَتَفَاوَتُ قِيَمُ آحَادِهِ فَإِنَّمَا يَكُونُ الْغَرَرُ فِي مَبْلَغِهِ، وَالْحَيَوَانُ وَالْعَرْضُ يَتَفَاوَتُ قِيَمُ آحَادِهِ فَيَكْثُرُ الْغَرَرُ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ مَبْلَغِهَا، وَمُنْتَهَى عَدَدِهَا، وَالثَّانِيَةُ مِنْ وَجْهِ اخْتِلَافِ صِفَتِهَا فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَمْ فِي تِلْكَ الْجُمْلَةِ مِنْ الْجَيِّدِ وَلَا مِنْ الدَّنِيءِ فَمُنِعَ الْجُزَافُ فِيهِ لِكَثْرَةِ الْغَرَرِ، وَأُبِيحَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لِقِلَّتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ الْكَلَامِ فِي بَيْعِ الْجُزَافِ فِي الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ بِالصَّوَابِ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ مَنْ أَعْطَى لِرَجُلٍ سِلْعَتَهُ، وَقَالَ لَهُ إنْ بِعْتهَا بِثَمَنِ كَذَا فَلَكَ دِينَارٌ فَإِنَّهُ جَائِزٌ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْجُعْلِ، وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وَمِنْ شَرْطِ الْجُعْلِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُؤَجَّلٍ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْعَامِلِ فَلَوْ ضُرِبَ لَهُ أَجَلٌ اقْتَضَى ذَلِكَ اللُّزُومَ، وَإِنَّمَا يَتَقَدَّرُ عَمَلُ الْجُعْلِ بِتَمَامِ الْعَمَلِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ الْجُعْلَ بِتَمَامِهِ كَقَوْلِهِ إنْ بِعْت لِي هَذَا الثَّوْبَ بِكَذَا فَلَكَ دِينَارٌ أَوْ إنْ بِعْته فَلَكَ دِينَارٌ، وَلَا يُسَمَّى ثَمَنًا، وَإِنْ جِئْتنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ أَوْ بِبَعِيرِي الشَّارِدِ فَلَكَ دِينَارٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَا يَجُوزُ الْجُعْلُ فِي عَمَلٍ إنْ تَرَكَ الْعَمَلَ بَقِيَ لِلْجَاعِلِ فِيهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ إنْ عَمِلْت لِي شَهْرًا فَلَكَ كَذَا، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَك، وَمَا يَعْمَلُ فِيهِ الْمَجْعُولُ لَهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْمَلَ فِي غَيْرِ مِلْكِ الْجَاعِلِ، وَالثَّانِي أَنْ يَعْمَلَ فِي مِلْكِهِ فَإِنْ كَانَ يَعْمَلُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ مِثْلُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ جُعْلًا فِي رَدِّ عَبْدِهِ الْآبِقِ أَوْ جَمَلِهِ الشَّارِدِ أَوْ يَحْفِرَ لَهُ بِئْرًا فِي غَيْرِ أَرْضِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَجُوزُ الْجُعْلُ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى مَا قَلَّ، وَكَثُرَ لِأَنَّ الْعَامِلَ إذَا تَرَكَ الْعَمَلَ لَا يَبْقَى بِيَدِ الْجَاعِلِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ يَعْمَلَ فِي مِلْكِ الْجَاعِلِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ جُعْلًا عَلَى أَنْ يَحْفِرَ لَهُ بِئْرًا فِي أَرْضِهِ فَلَا يَجُوزُ عَلَى وَجْهِ الْعَمَلِ لِأَنَّ الْجُعْلَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ إتْمَامُ الْعَمَلِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ فَإِذَا حَفَرَ فِي مِلْكِ الْجَاعِلِ ثُمَّ تَرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَهُ انْتَفَعَ الْجَاعِلُ بِمَا عَمِلَهُ دُونَ عِوَضٍ فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْجُعْلِ يُجْعَلُ لِلْخَصْمِ عَلَى
стр. 1448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
إدْرَاكِ مَا يُخَاصِمُ عَنْهُ فِيهِ، وَلِلطَّبِيبِ عَلَى إبْرَاءِ الْعَلِيلِ.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجُوزُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ عِنْدَهُ جَائِزٌ مِثْلُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ جُعْلًا عَلَى بَيْعِ ثِيَابٍ أَوْ رَقِيقٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا فِيمَا قَلَّ دُونَ مَا كَثُرَ، وَجَوَّزَ مَالِكٌ الْجُعْلَ فِي شِرَاءِ كَثِيرِ الثِّيَابِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ كُلَّمَا اشْتَرَى شَيْئًا كَانَ لَهُ مِنْ الْجُعْلِ بِحِسَابِهِ، وَلَوْ كَانَ مِثْلُ هَذَا فِي الْبَيْعِ لَجَازَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ أَعْطَاهُ ثِيَابًا، وَقَالَ كُلَّمَا بِعْت لِي ثَلَاثَةَ أَثْوَابٍ فَلَكَ كَذَا أَنَّهُ جَائِزٌ.
وَقَدْ رَوَى أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُجْعَلُ لَهُ فِي الرَّقِيقِ يَصِيحُ عَلَيْهِمْ، وَلَهُ فِي كُلِّ رَأْسٍ يَبِيعُ دِرْهَمٌ، وَلَا شَيْءَ لَهُ إنْ لَمْ يَبِعْ لَا يَصْلُحُ قَالَ مُحَمَّدٌ لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا بَيْعَ الْجُمْلَةِ، وَلَوْ قَالَ عَلَى أَنْ تَبِيعَ مِنْهُمْ مَنْ شِئْت لَجَازَ، وَكَذَلِكَ الثِّيَابُ، وَمِثْلُهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فَهَذَا وَجْهُ الْمَسْأَلَةِ عِنْدِي، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فِيمَنْ لَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْجُعْلِ حَتَّى يَبِيعَ جَمِيعَهَا، وَلَوْ شَرَطَ مِثْلَ هَذَا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مِائَةَ ثَوْبٍ، وَلَهُ دِينَارٌ، وَلَا شَيْءَ لَهُ إنْ لَمْ يَشْتَرِ جَمِيعَهَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي إطْلَاقِ الْعَقْدِ فَالْبَيْعُ يَقْتَضِي أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ إلَّا بِشَرْطٍ، وَالشِّرَاءُ يَقْتَضِي إنَّ لَهُ بِحِسَابِ مَا يَشْتَرِي، وَذَلِكَ عُرْفٌ جَارٍ بَيْنَهُمْ مَعَ أَنَّ جَمِيعَ الْبَيْعِ مُعَيَّنٌ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِيمَا يَشْتَرِي فِي الْأَغْلَبِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَمِنْ شَرْطِ الْجُعْلِ أَنْ لَا يُنْقَدَ الْجُعْلُ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ، وَابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَصِحُّ الْأَجَلُ فِي الْجُعْلِ، وَلَا النَّقْدُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَّا أَنْ تَتَطَوَّعَ بِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ لَا يَتِمُّ مَا جُعِلَ لَهُ عَلَيْهِ فَيَرُدُّ مَا قَبَضَ، وَقَدْ يَتِمُّ فَيَصِيرُ لَهُ فَتَارَةً يَكُونُ جُعْلًا، وَتَارَةً يَكُونُ سَلَفًا، وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّتَهُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ لَازِمًا لِلْعَامِلِ، وَلَهُ أَنْ يَتْرُكَ مَتَى شَاءَ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَكْثُرُ الْغَرَرُ فِي الْعَمَلِ، وَيَتَفَاوَتُ فَلَوْ لَزِمَهُ رَدُّ الْآبِقِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَرَدُّ الْبَعِيرِ الشَّارِدِ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَعَظُمَتْ فِيهِ الْمَشَقَّةُ مِمَّا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْعَمَلِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ مَتَى شَاءَ، وَلَا يَلْزَمُ الْجَاعِلَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَيَلْزَمُهُ إذَا شَرَعَ الْعَامِلُ فِي الْعَمَلِ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا شَرَعَ الْعَامِلُ فِي الْعَمَلِ لَمْ يَكُنْ لِلْجَاعِلِ إخْرَاجُهُ، وَلِلْمَجْعُولِ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مَتَى شَاءَ، وَلَوْ جَعَلَ لَهُ جُعْلًا فِي رَدِّ آبِقٍ ثُمَّ أَعْتَقَهُ فَإِنْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ أَنْ عَمِلَ، وَشَخَصَ فِيهِ فَلَهُ جَمِيعُ الْجُعْلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا، وَلَا شَخَصَ فَلَا شَيْءَ لَهُ قَالَهُ أَصْبَغُ، وَهَذَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مَنْ جَعَلَ فِي آبِقٍ جُعْلًا ثُمَّ أَعْتَقَهُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ لِمَنْ وَجَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعِتْقِ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ أَنْ وَجَدَهُ فَلَهُ جُعْلُهُ فَإِنْ كَانَ الْجَاعِلُ عَدِيمًا فَذَلِكَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ بِالْقَبْضِ، وَجَبَ لَهُ الْجُعْلُ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَيْسَرَةَ إنْ كَانَ الْعِتْقُ بَعْدَ الْقُدُومِ فَكَمَا قَالَ: وَإِنْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ لَزِمَهُ جُعْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَبْدَهُ لَمْ يَصِحَّ عِتْقُ الْعَبْدِ حَتَّى يَأْخُذَ جُعْلَهُ مَبْدَأً عَلَى الْغُرَمَاءِ كَالرَّهْنِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ الْجُعْلُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ أَوْ يَكُونَ مُعَيَّنًا لَا يُسْرِعُ إلَيْهِ التَّغَيُّرُ فَمَنْ قَالَ مَنْ جَاءَنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَهُ هَذِهِ الدَّنَانِيرُ أَوْ هَذَا الثَّوْبُ فَجَائِزٌ، وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَقُولَ لَهُ هَذَا الْعَبْدُ أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَغَيَّرُ، وَتُسْرِعُ الْحَوَادِثُ إلَيْهِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ إنْ لَمْ يَأْتِ بِمَا جُعِلَ لَهُ عَلَيْهِ الْجُعْلُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَالْجُعْلُ الْجَائِزُ أَنْ يَقُولَ إنْ لَمْ يَبِعْ أَوْ لَمْ يَجِدْ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إذَا الْتَزَمَ لَهُ الْجُعْلَ عَمِلَ أَوْ لَمْ يَعْمَلْ فَفِيهِ غَرَرٌ كَثِيرٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فَعَادَ ذَلِكَ بِفَسَادِ الْعَقْدِ.
(فَرْعٌ)
وَإِذَا عَقَدَ وَقَعَ عَقْدُ الْجُعْلِ عَلَى وَجْهِ الْفَسَادِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ قَالَ إنْ جِئْتنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَكَ نِصْفُهُ فَإِنْ جَاءَ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فَلَا جُعْلَ لَهُ، وَلَا إجَارَةَ، وَاَلَّذِي رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ جَاءَ بِهِ فَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنَّ فِي الْجُعْلِ الْفَاسِدِ إجَارَةَ الْمِثْلِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ أَنَّ الْجُعْل إذَا انْعَقَدَ قَبْلَ الْعَمَلِ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ فَإِنَّمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مَا يُجْعَلُ عَلَى مِثْلِ الْمَجْعُولِ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عُلِمَ مِنْ حَالِهِ أَوْ ظَهَرَ مِنْهَا يَوْمَ الْجُعْلِ، وَلَا يَنْظُرُ إلَى مَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ مَشَقَّةِ عَمَلٍ
стр. 1449
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا الرَّجُلُ يُعْطِي السِّلْعَةَ فَيُقَالُ لَهُ بِعْهَا، وَلَك كَذَا وَكَذَا فِي كُلِّ دِينَارٍ لِشَيْءٍ يُسَمِّيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِأَنَّهُ كُلَّمَا نَقَصَ دِينَارٌ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ نَقَصَ مِنْ حَقِّهِ الَّذِي سَمَّى لَهُ فَهَذَا غَرَرٌ لَا يَدْرِي كَمْ جُعِلَ لَهُ) .
ــ
[المنتقى]
أَوْ كَثْرَتِهِ أَوْ قِلَّتِهِ أَوْ خِفَّتِهِ، وَالْإِجَارَةُ إنَّمَا تَكُونُ فِي عَمَلٍ مَعْلُومٍ فَإِذَا عَمِلَ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ دُونَ مَا كَانَ عَقَدَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْعَقْدِ لَكِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ الْعَقْدُ مَخْرَجَ الْجُعْلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ إنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ، وَإِنْ أَتَى بِهِ كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهِ وَتَعَبِهِ وَطُولِ مَسَافَةِ طَلَبِهِ فَوُجِدَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَنَّ الْعَقْدَ إذَا تَنَوَّعَ إلَى صِحَّةٍ وَفَسَادٍ فَإِنَّ فَاسِدَهُ يُرَدُّ إلَى صَحِيحِهِ، وَلَا يُنْقَلُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ كَالْبُيُوعِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْإِجَارَةَ هِيَ الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا جُوِّزَ الْجُعْلُ فِي الْعَمَلِ الْمَجْهُولِ وَالْغَرَرِ لِلضَّرُورَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ عَقْدًا غَيْرَ لَازِمٍ لِلْعَامِلِ فَإِذَا وَقَعَ فَاسِدًا، وَفَاتَ رُدَّ إلَى الْإِجَارَةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ، وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ لِأَصْحَابِنَا فِي الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ يُرَدُّ إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ، وَإِلَى أَجْرِ الْمِثْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ فِي الَّذِي يَقُولُ مَنْ جَاءَنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَهُ هَذِهِ الدَّابَّةُ إنْ وَجَدَهُ فَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ جَاءَ بِهِ أَوْ لَمْ يَجِئْ بِهِ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ إذَا شَخَصَ فِيهِ فَيَجِيءُ عَلَى مِثْلِ هَذَا بَيْنَ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ فَرْقٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ جُعْلَ مِثْلِهِ إنَّمَا يَكُونُ لَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ عَلَى حَسَبِ مَا يُجْعَلُ لِمِثْلِهِ فِي عَنَائِهِ وَنَهْضَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَنُفُوذِهِ فِي مِثْلِ رَدِّ ذَلِكَ الْآبِقِ إنْ جَاءَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، وَأَمَّا أَجْرُ الْمِثْلِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ سَوَاءٌ جَاءَ بِمَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الْإِجَارَةِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَبِيعُ لَهُ ثَوْبًا بِدِرْهَمٍ شَهْرًا إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ إنْ بَاعَ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرِ أَخَذَ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ مِنْ الشَّهْرِ، وَإِنْ انْقَضَى الشَّهْرُ، وَهُوَ بِسُوقِهِ، وَلَمْ يَبِعْهُ فَلَهُ جَمِيعُ الْأَجْرِ، وَهُوَ كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ، وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ إنَّ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ بِعْ لِي ثَوْبِي، وَلَك مِنْ كُلِّ دِينَارٍ جُزْءٌ مِنْهُ أَوْ دِرْهَمٌ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا يَبِيعُهُ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ مَعْلُومًا كَانَ جُعْلُ الْعَامِلِ مَجْهُولًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجُعْلُ مَجْهُولًا لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَجْهُولًا لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَمَلَ لَمَّا كَانَ مَجْهُولًا كَانَ الْعَامِلُ بِالْخِيَارِ فِي تَرْكِهِ مَتَى شَاءَ فَتَقِلُّ مَضَرَّتُهُ لِأَنَّهُ إذَا رَأَى مَا يُكْرَهُ مِنْ مَشَقَّةِ الْعَمَلِ كَانَ لَهُ التَّرْكُ، وَالْجُعْلُ فِي جَنْبَةِ الْجَاعِلِ لَازِمٌ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ مَضَرَّةِ غَرَرِهِ إذَا شَاءَ.
(فَرْعٌ)
فَإِنْ بَاعَ عَلَى ذَلِكَ فَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبِعْ فَلَا شَيْءَ لَهُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ وَأَصْبَغَ، وَلَوْ قَالَ إنْ بِعْته بِعَشَرَةٍ فَلَكَ مِنْ عَدَدِ دِينَارٍ رُبْعُهُ أَوْ عُشْرُهُ أَوْ لَك مِنْهُ دِرْهَمٌ جَازَ لِأَنَّ الْجُعْلَ حَصَلَ مَعْلُومًا فَذَلِكَ جَائِزٌ فِيهِ.
(فَرْعٌ)
وَإِنْ بَاعَ بِأَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ إلَّا سُدُسُ الْعَشَرَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ جُعْلَهُ الْجُزْءَ الْمُسَمَّى مِنْ الْعَشَرَةِ فَمَا زَادَ مِنْ الثَّمَنِ فَذَلِكَ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ غَيْرُ الْبَيْعِ مِمَّا يَسْتَحِقُّ فِيهِ الْأُجْرَةَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ بِعْ هَذَا الثَّوْبَ، وَلَك دِرْهَمٌ أَوْ دِينَارٌ كَانَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَوْ قَالَ إنْ بِعْت هَذَا الثَّوْبَ فَلَكَ دِرْهَمٌ وَإِنْ لَمْ تَبِعْهُ فَلَكَ دِرْهَمٌ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ هِيَ إجَازَةٌ، وَهِيَ جَائِزَةٌ إنْ ضَرَبَ لَهَا أَجَلًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الدِّرْهَمَ لَزِمَهُ بَاعَ أَوْ لَمْ يَبِعْ فَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ لِلْعَمَلِ أَجَلًا كَانَ عَلَى نِهَايَةِ الْغَرَرِ لِأَنَّهُ يَعْرِضُهُ ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَيْهِ، وَقَدْ اسْتَوْجَبَ الدِّرْهَمَ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَوْ قَالَ إنْ بِعْته فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإِنْ لَمْ تَبِعْهُ فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ، وَهَاتَانِ إجَارَتَانِ فِي إجَارَةٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لَهُ بِعْهُ فَمَا زَادَ عَلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَلَكَ لِأَنَّ الْجُعْلَ مَجْهُولٌ قَدْ دَخَلَهُ الْغَرَرُ قَالَهُ مَالِكٌ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَوْ قَالَ إنْ بِعْت الْيَوْمَ هَذَا الثَّوْبَ فَلَكَ دِرْهَمٌ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَالْوَاضِحَةِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا خَيْرَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّهُ مَتَى شَاءَ
стр. 1450
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الرَّجُلِ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ ثُمَّ يُكْرِيهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا يَتَكَارَاهَا بِهِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ)
ــ
[المنتقى]
أَنْ يَتْرُكَهُ تَرَكَهُ، وَقَدْ قَالَ فِي مِثْلِ هَذَا أَرَاهُ جَائِزًا، وَهُوَ جُلُّ قَوْلِهِ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ مِنْ أَنَّ الْجُعْلَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا، وَهَذَا إنْ لَزِمَهُ الْعَمَلُ فَعَمِلَ يَوْمَهُ أَجْمَعَ، وَلَوْ يَبِعْهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلَوْ بَاعَهُ فِي بَعْضِ النَّهَارِ سَقَطَ عَنْهُ عَمَلُ سَائِرِ النَّهَارِ يُشِيرُ إلَى الْغَرَرِ مَعَ اللُّزُومِ.
وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ عِنْدِي أَنَّ الْعَمَلَ فِي الْجُعْلِ، وَالْإِجَارَةِ يَتَقَدَّرُ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالْعَمَلِ، وَالثَّانِي بِالزَّمَنِ فَإِذَا تَقَدَّرَ بِالْعَمَلِ فِي الْجُعْلِ، وَالْإِجَارَةِ جَازَ، وَإِذَا تَقَدَّرَ بِالزَّمَنِ جَازَ فِي الْإِجَارَةِ، وَأَمَّا فِي الْجُعْلِ فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَلَى مَعْنَى اللُّزُومِ فَقَدْ خَالَفَ حُكْمَ الْجُعْلِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْجَوَازِ، وَمَتَى فَاتَهُ اللُّزُومُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَعْنَى الْجَوَازِ، وَأَنَّهُ مَتَى شَاءَ أَنْ يَتْرُكَ فِي الْمُدَّةِ تَرَكَ فَلَا يَفْسُدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنَّهُ يُرَاعِي الْعَمَلَ بَعْدَ الزَّمَنِ فَإِنْ كَانَ لِلْعَامِلِ الْعَمَلُ بَعْدَ ذَلِكَ الزَّمَنِ حَتَّى يُكْمِلَ وَيَسْتَوْفِيَ جُعْلَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَقَدْ بَطَلَ التَّوْقِيتُ بِالزَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بَعْدَمَا قُدِّرَ مِنْ الزَّمَنِ فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَعْمَلُ جَمِيعَ الْمُدَّةِ فَيَنْتَفِعُ الْجَاعِلُ بِعَمَلِهِ ثُمَّ يَمْنَعُ إتْمَامَ الْعَمَلِ فَذَهَبَ عَمَلُهُ بَاطِلًا، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَتْرُكَ مَتَى شَاءَ فِي الْيَوْمِ، وَبَعْدَهُ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي إنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ مِنْ الْغَلَّةِ بِحَيْثُ يَتَيَقَّنُ إنَّهُ يُمْكِنُ غَالِبًا إكْمَالُهُ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ الزَّمَنِ جَازَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ التَّقْدِيرِ بِالزَّمَنِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ تَعْلِيقِهِ بِزَمَنٍ يَنْقَضِي فِيهِ الْعَمَلُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ لَك دِرْهَمٌ عَلَى أَنْ تَأْتِيَنِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ بِقُلَّةٍ مِنْ مَاءٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ جَازَ لِأَنَّهُ لَا يَتَقَدَّرُ الْعَمَلُ بِالْيَوْمِ، وَإِنَّمَا يَتَقَدَّرُ بِالْإِتْيَانِ بِالْقُلَّةِ مِنْ الْمَوْضِعِ الْقَرِيبِ الَّذِي يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ فِي سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ مِنْهُ بِأَمْثَالِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ ذَلِكَ بِالْيَوْمِ لِئَلَّا يَأْتِيَهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَوْ يُؤَخِّرَ إتْيَانَهُ بِهَا عَنْ تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ اسْتَأْجَرَ ثَوْرًا يَطْحَنُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ إرْدَبَّيْنِ فَوَجَدَهُ يَطْحَنُ إرْدَبًّا وَاحِدًا رَدَّهُ فَظَاهِرُ هَذَا تَجْوِيزُهُ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبْدُوسٍ عَنْ سَحْنُونٍ إنَّمَا سُئِلَ مَالِكٌ فِي الْفَرَّانِينَ يَسْتَأْجِرُونَ الْأُجَرَاءَ، وَيَطْرَحُونَ عَلَيْهِمْ كُلَّ يَوْمٍ طَرِيحَةً مَعْلُومَةً يُسْتَأْجَرُ الْأَجِيرُ شَهْرًا يَعْمَلُ كُلَّ يَوْمٍ طَرِيحَةً مَعْلُومَةً بِمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَفْرُغُ كُلَّ يَوْمٍ، وَلَا يَحْتَمِلُ لِذَلِكَ النَّظَرَ لِأَنَّ الطَّرِيحَةَ أَمَدٌ، وَالْيَوْمُ أَمَدٌ فَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي عَقْدٍ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَسْتَأْجِرُ الرَّجُلَ يَحْمِلُهُ إلَى مِصْرٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَمَدًا، وَقَوْلُ سَحْنُونٍ هَذَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَا ضُرِبَ مِنْ الزَّمَنِ عَلَى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ لِلْعَمَلِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَ تَقْدِيرِ الْعَمَلِ بِنَفْسِهِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ التَّقْدِيرِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى التَّرَاضِي لَا يَكُونُ مِنْ الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ أَمَدٌ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ ذَلِكَ الْعَقْدِ لِمَعْرِفَتِهِمَا بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الْفَرَاغِ مِنْهُ مَعَ الرِّفْقِ، وَيَتَّفِقُ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَصَارَ ذَلِكَ كَالْوَصْفِ لِعَمَلِهِ، وَمِقْدَارُ نَهْضَتِهِ فِيهِ فَإِنَّمَا يَجُوزُ ذِكْرُ الزَّمَنِ، وَوَصْفُ مِقْدَارِ الْعَمَلِ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَقُولُ لِلرَّجُلِ ابْتَعْ لِي هَذِهِ السِّلْعَةَ الْكَثِيرَةَ إلَى أَجَلِ كَذَا، وَلِي كَذَا عَلَى أَنِّي مَتَى شِئْت تَرَكَتْ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ إنْ لَمْ يَنْقُدْ، وَإِنْ نَقَدَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ لِأَنَّ الْخِيَارَ لَا يَصْلُحُ فِيهِ النَّقْدُ، وَلَمْ تَقَعْ الْإِجَارَةُ عَلَى وَجْهِ الْجُعْلِ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ إجَارَةٌ لَازِمَةٌ شُرِطَ فِيهَا الْخِيَارُ فَاقْتَضَى إطْلَاقَ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِي قَوْلِهِ إنْ بِعْت هَذَا الثَّوْبَ الْيَوْمَ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَلَك أَنْ تَتْرُكَ مَتَى شِئْت إنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْجُعْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ عَلَى شَرْطِ الْخِيَارِ لِلْعَامِلِ فَإِنْ بَاعَ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِهِ، وَإِنْ انْقَضَى الْيَوْمُ، وَهُوَ مُحَاوِلٌ الْبَيْعَ، وَلَمْ يَبِعْ فَلَهُ الدِّرْهَمُ كَامِلًا، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْيَوْمِ، وَبَعْدَهُ فَإِنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْجُعْلِ فَإِنْ عَمِلَ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَمَا بَعْدَهُ، وَلَمْ يَبِعْهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ بَاعَهُ فِي أَوَّلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَهُ الْجُعْلُ أَجْمَعُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ فِي الَّذِي يَكْتَرِي الدَّابَّةَ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا اكْتَرَاهَا بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ، وَبِهَذَا قَالَ
стр. 1451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَطَاوُسٌ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا بِمِثْلِ مَا أَكْرَاهَا بِهِ، وَأَقَلَّ، وَأَكْثَرَ لِأَنَّهُ عَاوَضَ عَلَى مِلْكِهِ كَبَائِعِ الْأَعْيَانِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا أَوْ دَابَّةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهَا حَتَّى يَقْبِضَهَا، وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ قَبْضِهَا أَنْ يُؤَاجِرَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْجَرَهَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إجَارَةُ كُلِّ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مِمَّا يَصِحُّ بَدَلَ مَنَافِعِهِ كَالدُّورِ وَالْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَاعِينِ، وَأَمَّا مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَلَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ، وَإِجَارَتُهُ قَرْضُهُ، وَالْأُجْرَةُ سَاقِطَةٌ عَنْ مُسْتَأْجِرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ، وَغَيْرُهُ يَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ، وَتَلْزَمُ الْأُجْرَةُ فِيهِ إذَا كَانَ الْمَالِكُ حَاضِرًا مَعَهُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْإِجَارَةَ مُعَاوَضَةٌ عَلَى مَنَافِعِ الْأَعْيَانِ دُونَ الْأَعْيَانِ، وَإِذَا كَانَتْ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ وَالْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ لَا يَصِحُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُسْتَأْجَرَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَا مُمْكِنٌ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا بِأَنْ يَضَعَهَا الْمُسْتَأْجِرُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَكْتَرِيهَا وَيَحْمِلُ، وَلَهُ غَرَضٌ بِأَنْ يَرَى النَّاسَ أَنَّ مَعَهُ مَالًا كَثِيرًا فَيُتَاجِرَ وَيُنَاكِحَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا يَكُونُ الْمَالِكُ مَعَهُ لِئَلَّا يُنْفِقَهَا الْمُسْتَأْجِرُ وَيُعْطِيَهُ بَدَلَهَا وَيَزِيدَهُ الْأُجْرَةَ فَيَكُونَ قَرْضًا بِعِوَضٍ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ لَيْسَ بِخِلَافٍ لِأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ إنَّمَا مَنَعَ اسْتِئْجَارَهَا لِمَنَافِعِهَا الْمَقْصُودَةِ مِنْهَا، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ مَا أَبَاحَ اسْتِئْجَارَهَا بِهِ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الشَّجَرِ لِمَنْفَعَتِهَا الْمَقْصُودَةِ لِأَنَّهُ بَيْعُ الثَّمَرِ عَلَى بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا لِيَمُدَّ عَلَيْهَا الْحِبَالَ، وَيَبْسُطَ الْغَسَّالُ الثِّيَابَ عَلَيْهَا، وَمَا جَرَى مُجْرَى ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ مِنْ مَنَافِعِهَا الْمَقْصُودَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
عَقْدُ الْإِجَارَةِ لَازِمٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَسْخُهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ إنَّ لِلْمُكْرِي فَسْخَهُ لِلْعَدْلِ مِثْلُ أَنْ يَكْتَرِيَ حَمَّالًا لِسَفَرٍ ثُمَّ يَبْدُوَ لَهُ أَوْ يَمْرَضَ فَلَهُ الْفَسْخُ أَوْ يَكْتَرِيَ دَارًا ثُمَّ يُرِيدُ السَّفَرَ أَوْ دُكَّانًا يَتَّجِرُ فِيهِ فَيَحْتَرِقُ مَتَاعُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ فَكَانَ لَازِمًا بِالشَّرْعِ كَالْبَيْعِ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ كُلَّ مَعْنًى لَا يَمْلِكُ فِيهِ الْمُكْرِي فَسْخَ الْإِجَارَةِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمُكْتَرِي فَسْخَهُ لِأَنَّهُ كَالْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) يَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ فِي الْإِجَارَةِ مُعَيَّنَةً كَانَتْ أَوْ مَضْمُونَةً خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ أَحَدُ نَوْعَيْ مَا يُقْصَدُ بِالْمُعَاوَضَةِ الْمَحْضَةِ فَجَازَ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهَا كَالْأَعْيَانِ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَالْإِجَارَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ إجَارَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِعَيْنٍ، وَإِجَارَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالذِّمَّةِ فَأَمَّا الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعَيْنِ فَمِثْلُ أَنْ يَكْتَرِيَ مِنْهُ دَابَّةً مُعَيَّنَةً، وَأَمَّا الْمُتَعَلِّقَةُ بِالذِّمَّةِ فَمِثْلُ أَنْ يَكْتَرِيَ مِنْهُ دَابَّةً يَأْتِيهِ بِهَا يَعْمَلُ عَلَيْهَا عَمَلًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ بَيْعُ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ جَازَ لَهُ بَيْعُ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ مَنَافِعِهَا، وَلَمَّا جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ دَابَّةً مَوْصُوفَةً فِي ذِمَّتِهِ جَازَ أَنْ يَبِيعَ مَنَافِعَهَا.
(فَرْعٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتَرِيَ الدَّابَّةَ الْمُعَيَّنَةَ كِرَاءً مَضْمُونًا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّعْيِينَ يُنَافِي الضَّمَانَ فَإِنَّ الْمُعَيَّنَةَ يَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِهَا، وَالْكِرَاءُ بِعَيْنِهَا، وَمَعْنَى ذَلِكَ مَنَافِعُهَا الْمُخْتَصَّةُ بِهَا لَا يَقُومُ غَيْرُهَا فِي ذَلِكَ مَقَامَهَا، وَالْكِرَاءُ الْمَضْمُونُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْكَرِيِّ فَلَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُمَا فَإِذَا هَلَكَتْ الدَّابَّةُ الْمُعَيَّنَةُ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ لِلْمُكْتَرِي عَلَى الْكَرِيِّ مِنْ ثَمَنِ الْمَنَافِعِ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَنَافِعَ دَابَّةٍ أُخْرَى لِأَنَّ ذَلِكَ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْكِرَاءَ عَلَى الضَّرْبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ يَتَقَدَّرُ عَمَلُهُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ بِالْعَمَلِ، وَبِالزَّمَنِ فَالْعَمَلُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ ارْكَبْ هَذِهِ الدَّابَّةَ إلَى الرَّمْلَةِ أَوْ إلَى مِصْرَ أَوْ إلَى بَرْقَةَ أَوْ إلَى مَكَّةَ، وَأَمَّا الْمُقَدَّرَةُ بِالثَّمَنِ فَمِثْلُ أَنْ يَكْتَرِيَ مِنْهُ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا شَهْرًا، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مَا يَكْتَرِي عَلَيْهِ بِأَحَدِ
стр. 1452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْأَمْرَيْنِ لِيَكُونَ لِلْعَمَلِ مِقْدَارٌ مَعْلُومٌ، وَإِلَّا كَانَ مَجْهُولًا، وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ التَّقْدِيرَانِ لِأَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ لِجَوَازِ أَنْ يَحْصُلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَحَدُ نَوْعَيْ مَا عَاوَضَ فِيهِ الْمُعَاوَضَةَ الْمَحْضَةَ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا أَوْ حَاضِرَةً أَوْ غَائِبَةً فَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً لَمْ يَجُزْ النَّقْدُ فِيهَا حَتَّى تَحْضُرَ، وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ اشْتَرَطَ تَأْخِيرَ النَّقْدِ إلَى الْبُلُوغِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَوَجْهُهُ أَنَّ النَّقْدَ لَا يَجُوزُ فِيهَا حَتَّى تَحْضُرَ فَإِذَا حَضَرَتْ جَازَتْ حِينَ النَّقْدِ بِالشَّرْعِ وَالشَّرْطِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً فَهَلْ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ رُكُوبِهَا بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَنْقُدْ.
وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْغَرَرَ الْيَسِيرَ جَائِزٌ فِي الْعُقُودِ لَا سِيَّمَا مَعَ عَدَمِ النَّقْلِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ أَمْرِهَا السَّلَامَةُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِجَارَةِ فِي الْمُعَيَّنِ إلَى شَهْرٍ، وَابْتِيَاعِهِ إلَى شَهْرَيْنِ الْمَنَافِعُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، وَلَا مَوْجُودَةٍ، وَلِعَدَمِ التَّعْيِينِ تَأْثِيرٌ فِي مَنْعِ التَّأْخِيرِ، وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي تَعْجِيلَ النَّقْدِ، وَالْإِجَارَةُ تَقْتَضِي تَأْخِيرَ النَّقْدِ حَتَّى تُسْتَوْفَى الْمَنَافِعُ فَلَمْ يُؤَثِّرْ تَأْخِيرُ قَبْضِ الْمَنَافِعِ فِي الْعَقْدِ تَأْثِيرًا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ مُقْتَضَاهُ، وَفِي الْبَيْعِ إنْ عُجِّلَ دَخَلَهُ تَارَةً بَيْعٌ، وَتَارَةً سَلَفٌ، وَإِنْ أُخِّرَ فَقَدْ أَثَّرَ فِيهِ مَا يُخَالِفُ مُقْتَضَاهُ.
(فَرْعٌ)
إذَا قُلْنَا لَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيمَا بَعُدَ، وَيَجُوزُ فِيمَا قَرُبَ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَنْقُدَ الْكِرَاءَ إلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ إنَّهُ مُدَّةٌ يَكْثُرُ فِيهَا تَغْيِيرُ الْحَيَوَانِ لَا سِيَّمَا مَعَ اسْتِخْدَامِ صَاحِبِهِ لَهُ، وَإِتْعَابِهِ إيَّاهُ فِيمَا يُرِيدُهُ، وَيُعْجِبُهُ فَيَحْتَاجُ بِتَغَيُّرِهِ إلَى رَدِّ الْكِرَاءِ فَيَكُونُ تَارَةً كِرَاءً وَتَارَةً سَلَفًا.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ إطْلَاقَ عَقْدِ الْكِرَاءِ فِي مَنَافِعِ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ لَا يَقْتَضِي تَعْجِيلَ النَّقْدِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أُجْرَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ نَدَبَ إلَى تَعْجِيلِ قَضَاءِ حَقِّهِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ وَقْتُ اسْتِحْقَاقِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَحِقُّهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ مَا يُعَوَّضُ عَلَيْهِ دُونَ ذِكْرِ تَأْجِيلٍ فَلَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ إلَّا عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَثْمُونِ كَالْأَعْيَانِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا أُطْلِقَ الْعَقْدُ فَإِنْ كَانَ لِلْبَلَدِ عُرْفٌ مِنْ نَقْدٍ أَوْ تَأْخِيرٍ حَمَلُوا عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَكُلَّمَا عَمِلَ جُزْءًا مِنْ الْعَمَلِ اسْتَحَقَّ بِقَدْرِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ، وَغَيْرُهُ، وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ فَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً بِأَنْ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ بِعَمَلِ شَهْرٍ بِثَوْبٍ فَإِنْ كَانَ كِرَاءُ النَّاسِ عِنْدَهُمْ عَلَى النَّقْدِ أُجْبِرَ عَلَى تَسْلِيمِ الثَّوْبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالنَّقْدِ لَمْ تَصْلُحْ الْإِجَارَةُ، وَلَا الْكِرَاءُ بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ النَّقْدَ، وَوَجْهُ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ أَنَّهُ مَبِيعٌ مُعَيَّنٍ لَا يُقْبَضُ إلَّا بَعْدَ شَهْرٍ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْعُرُوضُ، وَالطَّعَامُ فِي هَذَا سَوَاءٌ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْكِرَاءُ بِهَذَا كُلِّهِ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ سُنَّةُ النَّاسِ مِنْ التَّأْخِيرِ فَهُوَ عَلَى التَّعْجِيلِ حَتَّى يُشْتَرَطَ التَّأْخِيرُ تَصْرِيحًا، وَقَالَهُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ مَحْمُولٌ عَلَى الْعُرْفِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ لَا حُكْمَ لِلْعُرْفِ الْفَاسِدِ، وَإِنَّمَا التَّأْثِيرُ، وَالْحُكْمُ لِلْعُرْفِ الصَّحِيحِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا إنْ شَرَطَ أَنْ يُمْسِكَهُ الثَّوْبَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ إنْ كَانَ يُمْسِكُ الثَّوْبَ لِيَلْبَسَهُ أَوْ الْخَادِمَ لِيَخْدُمَ أَوْ الدَّابَّةَ لِيَرْكَبَهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ يَحْبِسَ ذَلِكَ لِلِاسْتِيثَاقِ لِلْإِشْهَادِ أَوْ نَحْوَهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ، وَلَا أَفْسَخُ بِهِ الْبَيْعَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ قِصَرُ الْمُدَّةِ وَقِلَّةُ الْغَرَرِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ لِغَرَضٍ فَلَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَلَيْسَ فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ مَا يَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الْكِرَاءُ الْمَضْمُونُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُعَجَّلًا بِخِلَافِ السَّلَمِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَنَافِعَ هَذَا حُكْمُهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ مِنْهَا إلَّا عَلَى مَوْجُودٍ مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِهِ فِيمَنْ
стр. 1453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يُعْتَبَرُ بِقَوْلِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالتَّعْيِينُ فِي الْعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَى مَنَافِعِهَا إنَّمَا هُوَ تَعْيِينٌ لِعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَإِذَا جَازَ الْعَقْدُ عَلَى مَنَافِعِ دَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مُؤَجَّلَةٍ فَكَذَلِكَ عَلَى مَنَافِعِ دَابَّةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ حُكْمَ كِرَاءِ الرَّاحِلَةِ الْمَضْمُونَةِ إلَى أَجَلٍ عَلَى تَعْجِيلِ الْكِرَاءِ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ الْكَالِئُ بِالْكَالِئِ، وَهَلْ يَجُوزُ فِيهِ التَّأْخِيرُ قَالَ مَالِكٌ إذَا تَكَارَى كِرَاءً مَضْمُونًا كَالْمُتَكَارِي إلَى غَيْرِ الْحَجِّ فِي غَيْرِ إبَّانِهِ فَلْيُقَدِّمْ مِنْهُ الدِّينَارَيْنِ، وَنَحْوَهُمَا، وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَضْمُونِ يَتَأَخَّرُ فِيهِ الرُّكُوبُ أَنْ يَتَأَخَّرَ شَيْءٌ مِنْ النَّقْدِ، وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا قَدَّمَ إلَيْهِ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ الدَّنَانِيرَ حَتَّى يَأْتِيَ بِالظَّهْرِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَكَمْ مِنْ مُكْرٍ يَهْرَبُ بِالْكِرَاءِ أَوْ يَتْرُكُ أَصْحَابَهُ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ تَأْخِيرَ النَّقْدِ فِيهِ إلَّا أَنْ يَنْقُدَ أَكْثَرَ الْكِرَاءِ أَوْ ثُلُثَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَقَدْ قَطَعَ الْأَكْرِيَاءُ أَمْوَالَ النَّاسِ فَلَا بَأْسَ بِتَأْخِيرِ النَّقْدِ وَنَقْدِهِ الدِّينَارَ، وَنَحْوَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ تَأْخِيرُهُ بِشَرْطٍ أَوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ أَجَلًا بَعْدَ تَبْلِيغِ الْحُمُولَةِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْكِرَاءِ لِلْحَجِّ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْكِرَاءِ لِغَيْرِ الْحَجِّ وَآخِرُ مَا قَالَهُ فِيهِ الْجَوَازُ لِلضَّرُورَةِ الْعَامَّةِ الشَّامِلَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الْكِرَاءُ الْمَضْمُونُ حَالًا وَشَرَعَ فِي الرُّكُوبُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نَقْدٍ لِأَنَّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ قَدْ تَعَجَّلَ وَأَخَذَهُ فِي الرُّكُوبِ وَتَمَادِيهِ فِيهِ يَقُومُ مُقَامَ اسْتِعْجَالِهِ كَمَا يَقُولُهُ فِي الْمَقَاثِي وَالْمِبْطَخَةِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِالدَّيْنِ وَإِنْ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ لَمْ يُخْلِفْ أَكْثَرَهُ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ لِسَابِقِهِ وَتَتَابُعِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْمَرْكُوبُ لَا بُدَّ أَنْ يُعَرَّفَ بِتَعْيِينٍ أَوْ وَصْفٍ فَالْمُشَاهَدُ يُشَارُ إلَيْهِ بِأَنْ يُقَالَ اكْتَرَيْتُك هَذِهِ الرَّاحِلَةَ أَوْ الدَّابَّةَ أَوْ الْعَبْدَ، وَالْمَوْصُوفُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الْجِنْسِ لِلْحَمْلِ وَمَا يَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ، وَالذَّكَرُ أَصْعَبُ مِنْ الْأُنْثَى فَلَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا تَتَعَيَّنُ الدَّابَّةُ وَلَا السَّفِينَةُ بِكَوْنِهَا فِي مِلْكِ الْمُكْتَرِي وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ فِي الَّذِي يَكْتَرِي مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ سَفِينَةٍ لَمْ يُسَمِّهَا وَلَهُ دَابَّةٌ أَوْ سَفِينَةٌ أَحْضَرَهَا وَلَمْ يَعْلَمْ لَهُ غَيْرَهَا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَحْمِلُنِي عَلَى هَذِهِ فَهَلَكَتْ بَعْدَ أَنْ رَكِبَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِدَابَّةٍ أَوْ سَفِينَةٍ غَيْرِهَا وَذَلِكَ عَلَى الضَّمَانِ وَمَتَى اشْتَرَطَ أَنِّي أُكْرِيكَ هَذِهِ بِعَيْنِهَا يَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ بِهَلَاكِهَا أَوْ يُكْرِي مِنْهُ جُزْءًا مِنْ هَذِهِ السَّفِينَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ كَالتَّعْيِينِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ أَيَّدَهُ اللَّهُ: وَهَذَا عِنْدِي إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَضْمُونَ مَوْصُوفٌ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَا قَدْ تَوَاصَفَا مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْكِرَاءَ فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالْكِرَاءِ ثُمَّ أَحْضَرَهُ مَا فِي مِلْكِهِ قَضَاءً عَنْ الْمَضْمُونِ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَا تَوَاصَفَا شَيْئًا فَيَكُونَ مَا أَحْضَرَ مِنْ الرَّاحِلَةِ فِي عَدَمِ التَّعْيِينِ يَقُومُ مُقَامَ الْوَصْفِ لِمَا عَقَدَا عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْإِحْضَارُ قَبْلَ الْعَقْدِ وَهَذَا أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ يَحْمِلُنِي عَلَى دَابَّةٍ أَوْ سَفِينَةٍ وَلَمْ يُسَمِّهَا يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِشَيْءٍ مَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَلَا يَجُوزُ إلْزَامُ الْعَقْدِ فِيهِ إلَّا عَلَى الْوَصْفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْمَنَافِعَ لَا يَخْتَصُّ بِالْعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا وَإِنْ عُيِّنَتْ لِذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ كَالْوَصْفِ لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِهِ بِخِلَافِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ تَتْلَفُ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا وَخِيَاطَةِ قَمِيصٍ بِعَيْنِهِ فَتَهْلِكُ الْغَنَمُ، وَيَحْتَرِقُ الثَّوْبُ فَإِنَّ الْعَقْدَ لَازِمٌ لَا يَنْفَسِخُ، وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُوَفِّيَ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ، وَيَأْتِيَ إنْ شَاءَ بِغَنَمٍ مِثْلِهَا، وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْعَيْنَ الَّتِي تُسْتَوْفَى فِيهَا الْإِجَارَةُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِ الْمَحَلِّ الْمُعَيَّنِ قَالَ: وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لَازِمٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ فَلَوْ كَانَ يَخْتَصُّ الِاسْتِيفَاءُ بِمَحَلٍّ مُعَيَّنٍ لَمَا لَزِمَ مِنْ جِهَةِ الْمُكْتَرِي لِأَنَّ لَهُ بَيْعَ مَتَاعِهِ وَغَنَمِهِ بَعْدَ الِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهَا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا أَحَدُ الْمَحَلَّيْنِ
стр. 1454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
بِالْإِجَارَةِ فَتَصِحُّ بِعَيْنِهِ كَالْعَيْنِ الَّتِي تُسْتَوْفَى فِيهَا مِنْ الْمَنَافِعِ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فَهَلَكَتْ بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ فَلِذَلِكَ إذَا عَيَّنَ مَنْ يَرْكَبُهَا أَوْ الْقَمِيصَ الَّذِي يَخِيطُهُ أَوْ الْغَنَمَ الَّتِي يَرْعَاهَا يَجِبُ أَنْ تَنْفَسِخَ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ ذَلِكَ فِي الضِّئْرِ تُسْتَأْجَرُ لِرَضَاعِ صَبِيٍّ وَالطَّبِيبِ لِعِلَاجِ مَرِيضٍ أَوْ قَلْعِ ضِرْسٍ إذَا مَاتَ الصَّبِيُّ وَبَرِئَ الْمَرِيضُ فَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِيهِ نَظَرٌ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَذَلِكَ أَنَّ مَحَلَّ اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ يَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ضَرْبٌ لَا يَخْتَلِفُ بِالْجِنْسِ، وَلَا تَخْتَلِفُ أَعْيَانُهُ كَحَمْلِ الْقَمْحِ، وَحَمْلِ الشَّعِيرِ، وَحَمْلِ الشُّقَّةِ فَهَذَا لَا فَائِدَةَ فِي تَعْيِينَهُ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ حَمْلِ قَمْحٍ وَحَمْلِ قَمْحٍ آخَرَ مِنْ جِنْسِهِ فِي مِثْلِ وَزْنِهِ، وَلَا تَسْتَضِرُّ الدَّابَّةُ بِحَمْلِ أَحَدِهِمَا إلَّا مِثْلَ اسْتِضْرَارِهَا بِالْآخَرِ فَلَا يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ أَحْضَرَ مَتَاعًا اكْتَرَى عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعْيِينًا لَهُ، وَلَوْ اشْتَرَطَ أَنْ لَا يَعُدُّوهُ، وَلَا يَأْتِيَ بِغَيْرِهِ، وَلَمْ يُبَدِّلْهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فَإِنْ حَمَلَ فَلَهُ كِرَاءُ مِثْلِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي عَيْنِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْجُزْءِ مِنْ الْجُمْلَةِ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا إنَّ مَا تَسَاوَتْ حَالُهُ فِي أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْمَنَافِعِ لَا يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِهِ فِي الذِّمَّةِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ فَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَلَى حَمْلِ مَتَاعٍ فَتَلِفَ ذَلِكَ الْمَتَاعُ لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ، وَكَانَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ إذًا جَمِيعُ الْإِجَارَةِ، وَيَأْتِي بِمِثْلِ الْمَتَاعِ يُحْمَلُ لَهُ إنْ شَاءَ.
(فَرْعٌ)
فَإِنْ شَرَطَ تَعْيِينَهُ، وَأَنْ لَا يَعْدُوَهُ إلَى غَيْرِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَنْ شَرَطَ فِي مَضْمُونٍ أَنَّهُ مَتَى عَيَّنَهُ ثُمَّ تَلِفَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِنْهُ بَطَلَ الْحَقُّ بِبُطْلَانِهِ، وَفَسَدَ الْعَقْدُ لِلشَّرْطِ الْمُدْخِلِ لِلْغَرَرِ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمَضْمُونِ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِيهِ بِالِاسْتِيفَاءِ دُونَ الْإِحْضَارِ لِلِاسْتِيفَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ سَلَّمَ فِي عَدَدٍ مِنْ الطَّعَامِ عَلَى أَنَّهُ مَتَى أَحْضَرَهُ صُبْرَةً مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الطَّعَامِ فَتَلِفَ قَبْلَ الْكَيْلِ أَنَّهُ يَبْطُلُ السَّلَمُ فَإِنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُبْطِلُ السَّلَمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى وَصْفِ الرَّاكِبِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَجْسَامَ فِي الْأَغْلَبِ مُتَقَارِبَةٌ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَعْيِينِهِ بِالْوَصْفِ، وَلَا بِالرُّؤْيَةِ فَإِنْ جَاءَ بِرَجُلٍ فَادِحٍ عَظِيمِ الْخَلْقِ خَارِجٍ عَنْ الْمُعْتَادِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لِأَنَّ هَذَا نَادِرٌ، وَلَا يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ إلَّا بِالْمُعْتَادِ دُونَ النَّادِرِ.
(فَصْلٌ)
وَالضَّرْبُ الثَّانِي ضَرْبٌ تَخْتَلِفُ أَعْيَانُهُ بِتَبَايُنِ أَغْرَاضِهِ كَالْعَلِيلِ يَسْتَأْجِرُ الطَّبِيبَ عَلَى عِلَاجِهِ، وَالْمُرْضِعُ تَسْتَأْجِرُ الضِّئْرَ عَلَى رَضَاعِهِ، وَالْمُعَلِّمُ يُسْتَأْجَرُ عَلَى تَعْلِيمِ الصَّبِيِّ وَرِيَاضَةِ الدَّابَّةِ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ، وَلَا يَجُوزُ الْعَقْدُ مِنْهُ عَلَى مَضْمُونٍ فِي الذِّمَّةِ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ، وَتَفَاوُتِهِمْ فِي أَمْرَاضِهِمْ وَاخْتِلَافِ الْأَطْفَالِ فِي كَثْرَةِ الرَّضَاعِ وَقِلَّتِهِ مَعَ مَشَقَّةِ تَنَاوُلِ أَحْوَالِ بَعْضِهِمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ يُعَلِّمُ الْقُرْآنَ وَالصَّنَائِعَ يَتَفَاوَتُونَ فِي التَّعْلِيمِ لِلِاخْتِلَافِ فِي الذَّكَاءِ وَقَبُولِ التَّعَلُّمِ.
(فَصْلٌ)
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ تَخْتَلِفُ أَعْيَانُهُ اخْتِلَافًا يَسِيرًا كَالْغَنَمِ وَالْمَاشِيَةِ يُسْتَأْجَرُ عَلَيْهَا مَنْ يَرْعَاهَا وَيَحْفَظُهَا فَيَخْتَلِفُ الْجِنْسُ مِنْ الْمَاشِيَةِ وَسُكُونِهَا وَأُنْسِهَا، وَلَيْسَ بِكَبِيرِ اخْتِلَافٍ فَفِي مِثْلِ هَذَا الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ لِتَقَارُبِ أَحْوَالِ الْجِنْسِ مِنْهَا، وَأَمَّا صِفَةُ الْعَقْدِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَصْلُحُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ إلَّا بِشَرْطِ خَلَفِ مَا هَلَكَ مِنْهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَالْحُكْمُ يُوجِبُ لَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ فَكَالصِّفَّةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ عَلَى حَصَادِ زَرْعٍ فِي بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ إنْ هَلَكَ الزَّرْعُ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْإِجَارَةُ قَائِمَةٌ، وَيَسْتَعْمِلُهُ فِي مِثْلِهِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ اخْتِلَافُ حَالِ الْبُقَعِ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، وَتَغَيُّرِ الْمِثْلِ لَا سِيَّمَا فِيمَا يَقْرُبُ، وَيَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِيهِ رِفْقٌ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ عَمَلَ الْحَصَادِ لَا يَخْتَلِفُ فِي الزَّرْعِ فَلِذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ عَلَى حَصَادِهِ كَحَمْلِ الْأَحْمَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 1455
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ) (مَا جَاءَ فِي الْمُسَاقَاةِ) (ص) : مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِيَهُودِ خَيْبَرَ يَوْمَ الْفَتْحِ أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ قَالَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ثُمَّ يَقُولُ إنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي فَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ» مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إلَى خَيْبَرَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ قَالَ فَجَمَعُوا لَهُ حُلِيًّا مِنْ حُلِيِّ نِسَائِهِمْ فَقَالُوا لَهُ هَذَا لَك، وَخَفِّفْ عَنَّا وَتَجَاوَزْ فِي الْقَسْمِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، وَاَللَّهِ إنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إلَيَّ، وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ، فَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنْ الرِّشْوَةِ فَإِنَّهَا سُحْتٌ، وَإِنَّا لَا نَأْكُلُهَا. فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ»
ــ
[المنتقى]
[كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ] [مَا جَاءَ فِي الْمُسَاقَاةِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّهُ «قَالَ لِيَهُودِ خَيْبَرَ يَوْمَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ» يُرِيدُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ حَيْثُ وَجَبَ تَفَرُّغُ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهَا كَمَا يُقَالُ قَالَ كَذَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَفَعَلَ كَذَا يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِنَّمَا جَرَى ذَلِكَ فِي الْأَيَّامِ الْمُضَافَةِ إلَيْهَا.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «عَلَى مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ عَلَى أَنَّ التَّمْرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ» يَقْتَضِي أَنَّ النَّخْلَ صَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلِلْمُسْلِمِينَ دُونَ أَهْلِ خَيْبَرَ، وَلِذَلِكَ كَانَ لَهُمْ بِالْعَمَلِ بَعْضُ الثَّمَرَةِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي افْتِتَاحِ خَيْبَرَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً لِمَا رَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً» ،.
وَقَالَ آخَرُونَ افْتَتَحَهَا بَعْضَهَا عَنْوَةً، وَبَعْضَهَا صُلْحًا، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، وَالْكَثِيبَةِ أَكْثَرُهَا عَنْوَةً، وَفِيهَا صُلْحٌ قَالَ مَالِكٌ، وَالْكَثِيبَةِ مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ عِرْقٍ.
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ كَانَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ خَيْبَرَ نِصْفُهَا فَكَانَ النِّصْفُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لِلْمُسْلِمِينَ فَكَانَ النِّصْفُ الَّذِي لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْكَثِيبَةُ وَالْوَطِيحُ، وَالسَّلَالِمُ وَوَجْرَةُ، وَالنِّصْفُ الَّذِي لِلْمُسْلِمِينَ بِطْلَةُ، وَالشِّقُّ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَعْنَى الصُّلْحِ أَنَّهُمْ تَخَلَّوْا عَنْ النَّخْلِ وَالْأَرْضِ فَعَلَى هَذَا تَقَرَّرَ أَنَّ جَمِيعَ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ، وَكَانَ سَبِيلُ ذَلِكَ سَبِيلَ النَّضِيرِ، وَمَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِفَدَكَ، وَمَا كَانَ مِنْ خَيْبَرَ بِقِتَالٍ، وَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ مَنْ حَضَرَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ مَنْ غَابَ عَنْهَا مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ خَاصَّةً لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَهُمْ بِهَا يُرِيدُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] .
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ «أُقِرُّكُمْ عَلَى مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ» يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ الْمُسَاقَاةِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ بَعْدَ وَصْفِ الْعَمَلِ وَالِاتِّفَاقِ مِنْهُ عَلَى مَعْلُومٍ بِعِبَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَمَنَعَ جَوَازَهَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى خَيْبَرَ لِيَهُودَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا» ، وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ التَّمْرَ نَوْعُ مَالٍ يَزْكُو بِالْعَمَلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِمَنْفَعَتِهِ الْمَقْصُودَةِ فَجَازَتْ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهِ بِبَعْضِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ عَلَى مُدَّةٍ يَلْزَمُ الْعَقْدُ فِي جَمِيعِهَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ فِي مِقْدَارٍ مِنْهَا فَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ فِي عَامٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَبَعَّضَ، وَكَذَلِكَ كُلَّمَا شَرَعَ الْعَامِلُ فِي عَامٍ لَزِمَ الْعَقْدُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، وَكَذَلِكَ الْمُتَسَاقِيَانِ
стр. 1456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
بِالْخِيَارِ فِيمَا بَعْدَهُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي مِنْ الرَّجُلِ دَارِهِ عَلَى شَهْرٍ بِدِينَارٍ أَوْ كُلَّ عَامٍ بِدِينَارَيْنِ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْإِجَارَةِ أَنْ يَتَمَادَى عَلَى الْعَمَلِ، وَأَنْ يَتْرُكَهُ مَا شَاءَ، وَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَرْكُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَشْرَعْ الْعَامِلُ فِي عَمَلِ سَنَتِهِ فَتَلْزَمُهُ تِلْكَ السَّنَةُ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَلْزَمُ أُجْرَةُ جُزْءٍ وَاحِدٍ مِمَّا جَعَلَاهُ عَمَلًا عَلَى حِسَابِ الْأُجْرَةِ مِنْ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ عَلَى شَيْءٍ مُقَرَّرٍ يَلْزَمُ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ لَزِمَهُمَا بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ حِسَابِ مَا قَرَّرَاهُ، وَلَهُمَا أَنْ يَزِيدَا مَا شَاءَا مِمَّا اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، وَمَنْ أَرَادَ مِنْهُمَا التَّرْكَ فَذَلِكَ لَهُ إذْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا، وَجَمِيعُ الْمُدَّةِ فِي ذَلِكَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ فَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الشَّهْرِ الثَّانِي، وَالسَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَكَذَلِكَ الْأُولَى، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ عَقْدٌ لَازِمٌ، وَأَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمُدَّةِ الْمُقَدَّرَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَلْزَمَ فِيهِ، وَيَكُونَ الْخِيَارُ فِيمَا بَعْدَهُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ» يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ، وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ تَحْدِيدُ جُزْءِ الْعَامِلِ مِنْ الثَّمَرَةِ غَيْرَ أَنَّ الظَّاهِرَ الْمُسَاوَاةُ وَلَعَلَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ لَهُمْ فَنَقَلَهُ الرَّاوِي عَلَى هَذَا اللَّفْظِ لَمَّا كَانَ ظَاهِرُهُ الْمُسَاوَاةُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ النِّصْفَ» وَأَبُو بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَيَقْتَضِي مَعَ ذَلِكَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْحَوَائِطِ كُلِّهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ أَنْ يُسَاقِيَهُ حَائِطَيْنِ عَلَى النِّصْفِ جَمِيعًا أَوْ عَلَى الثُّلُثِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَائِطِينَ نَخْلًا، وَفِي الْآخَرِ أَصْنَافُ الشَّجَرِ، وَيَكُونَ بَعْضُهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ سَقْيًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا بَعْلًا، وَبَعْضُهَا سَقْيًا فَإِنْ كَانَ عَلَى مُسَاقَاةٍ مُخْتَلِفَةٍ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ سَاقَى خَيْبَرَ كُلَّهَا عَلَى النِّصْفِ، وَفِيهَا الْجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ» ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ بِمَعْنَى حُكْمِ الْقِرَاضِ فَكَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى أَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَلَمَّا جَازَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ جِنْسَيْنِ مِنْ الْعَيْنِ وَرِقًا، وَذَهَبًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ عَلَى جُزْءٍ وَاحِدٍ جَازَ مِثْلُهُ فِي الْمُسَاقَاةِ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَجُوزُ عَمَلٌ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ عَلَى أَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ فَإِنْ عَمِلَ عَلَى ذَلِكَ رُدَّ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَاقَدَهُ السَّنَتَيْنِ بِأَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ عَمِلَ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعَ السَّنَتَيْنِ فَلَهُ مُسَاقَاةُ مِثْلِهِ فِيمَا مَضَى وَفِيمَا بَقِيَ، وَلَا يُفْسَخُ مَا بَقِيَ.
وَقَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ مُسَاقَاةُ جَمِيعِ السَّنَتَيْنِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ بَعْضَهَا بِسَبَبِ بَعْضٍ فَقَدْ يُنْفِقُ فِي أَوَّلِ عَامٍ لِيَسْتَغِلَّ أَعْوَامًا فَإِذَا لَزِمَهُ بَعْضُ الْأَعْوَامِ لَزِمَهُ جَمِيعًا.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ كَانَ فِي عُقُودٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى أَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ جَازَ ذَلِكَ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ مِثْلُ هَذَا فِي الْقِرَاضِ لِأَنَّ عَقْدَ الْقِرَاضِ عَقْدٌ جَائِزٌ، وَعَقْدُ الْمُسَاقَاةِ عَقْدٌ لَازِمٌ فَإِذَا عَقَدَ مَعَهُ فِي حَائِطٍ عَلَى النِّصْفِ ثُمَّ عَقَدَ مَعَهُ فِي حَائِطٍ آخَرَ عَلَى الثُّلُثِ لَمْ يَتَعَلَّقْ أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ بِالْآخَرِ فَجَازَ ذَلِكَ.
١ -
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُ ابْنَ رَوَاحَةَ لِلْخَرْصِ» ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي تَكَرُّرَ خَرْصِهِ لَهُمْ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي زَاهِيهِ خَرَصَ عَلَيْهِمْ عَامًا ثُمَّ قُتِلَ بِمُؤْتَةِ فَقَدِمَ غَيْرُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ خَرْصَ أَمْوَالِ الْمُسَاقَاةِ لِمَا يَجِبُ فِيهَا مِنْ الزَّكَاةِ لِأَنَّ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ فِي غَيْرِ مَصْرِفِ غَلَّةِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ وَنَخْلِهَا لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُصْرَفُ إلَّا إلَى الْأَصْنَافِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةَ، وَأَمَّا غَلَّةُ أَرْضِ الْعَنْوَةِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يُعْطِيهَا مَنْ يَسْتَحِقُّهَا مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَخْرُصُهَا لِيَمِيزَ حَقَّ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِهَا.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ سَأَلْت عِيسَى عَنْ فِعْلِ «ابْنِ رَوَاحَةَ إذَا كَانَ يَخْرُصُ تَمْرَ خَيْبَرَ الَّذِي أَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ -
стр. 1457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
بِأَيْدِي الْيَهُودِ مُسَاقَاةً ثُمَّ يَقُولُ لَهُمْ إنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي فَكَانُوا يَأْخُذُونَ» أَيَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُسَاقِيَيْنِ وَالشَّرِيكَيْنِ فَقَالَ لَا يُعْمَلُ بِذَلِكَ، وَلَا يَصْلُحُ اقْتِسَامُهُ إلَّا كَيْلًا إلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ حَاجَتُهُمَا إلَيْهِ فَيَقْتَسِمَانِهِ بِالْخَرْصِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عِيسَى حَمَلَهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَأَوَّلَ الْخَرْصَ لِلْقِسْمَةِ خَاصَّةً، وَإِذَا كَانَ الْخَرْصُ لِلزَّكَاةِ لَزِمَ إخْرَاجُهَا مِنْ جَمِيعِ ثَمَرِ الْحَائِطِ إنْ كَانَ الْعَامِلُ ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بِحَالِ مَالِكِ الْأَصْلِ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَصْلِ مُسْلِمًا حُرًّا فَالزَّكَاةُ فِي جَمِيعِهِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا فَلَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ لِأَنَّ الْعَامِلَ إنَّمَا يَمْلِكُ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَرَةِ بِالْقِسْمَةِ، وَالزَّكَاةُ تَجِبُ فِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخَرْصُ لِلْقِسْمَةِ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ اخْتِلَافُ حَاجَتِهِمَا إلَيْهِ لِأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَأْكُلُوهُ رُطَبًا، وَالصَّحَابَةُ لَا يُمْكِنُهُمْ ذَلِكَ، وَلَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ إلَّا تَمْرًا.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الشُّرَكَاءِ فِي الْحَائِطِ تَخْتَلِفُ حَاجَتُهُمْ إلَى الثَّمَرَةِ فَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ الْبَيْعَ، وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ أَكْلَهُ رُطَبًا، وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ أَكْلَهُ تَمْرًا إنَّ ذَلِكَ يُبِيحُ قِسْمَتَهُ بَيْنَهُمْ بِالْخَرْصِ، وَإِنْ اتَّفَقَتْ حَاجَتُهُمْ فَإِنْ أَرَادَ جَمِيعُهُمْ الْبَيْعَ أَوْ أَكْلَهُ رُطَبًا أَوْ تَمْرًا لَمْ يُقْسَمْ بَيْنَهُمْ بِالْخَرْصِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْقِسْمَةِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ ابْنِ رَوَاحَةَ إنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي حَمَلَهُ عِيسَى عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ إلَيْهِمْ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ الْخَارِصِ لِيَضْمَنُوا حِصَّةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الثَّمَرَةِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ بِالثَّمَرَةِ بِالْخَرْصِ فِي غَيْرِ الْعَرِيَّةِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِثْلُ هَذَا فِي الزَّكَاةِ أَنْ يَخْرُصَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَكُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ الثَّمَرِ مَا أَوْجَبَهُ الْخَارِصُ عَلَيْهِمْ عَلَى سُنَّةِ الزَّكَاةِ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ أَصْلَ الْحَوَائِطِ لَهُمْ فَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ إنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي عَلَى سَبِيلِ التَّحْقِيقِ لِصِحَّةِ خَرْصِهِ فَيَقُولُ لَهُمْ إنْ شِئْتُمْ أَنْ تَأْخُذُوا الثَّمَرَةَ عَلَى أَنْ تُؤَدُّوا زَكَاةَ مَا خَرَصْته عَلَيْكُمْ، وَإِلَّا فَأَنَا أَشْتَرِيهَا مِنْ الْفَيْءِ بِمِثْلِ مَا يُشْتَرَى بِهِ فَيَخْرُجُ هَذَا الْخَرْصُ الَّذِي خَرَصَهُ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِسِعْرِ التَّمْرِ فَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ لِتَحَقُّقِهِمْ صِحَّةَ قَوْلِهِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْمُرَادَ بِهِ خَرْصُ الثَّمَرَةِ لَا قِسْمَةَ لِاخْتِلَافِ الْحَاجَةِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ إنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ هَذَا النِّصْفُ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي وَلَكُمْ هَذَا الْآخَرُ عَلَى مَعْنَى التَّخْيِيرِ لَهُمْ فِي النِّصْفَيْنِ لِيَأْخُذُوا أَيَّهُمَا شَاءُوا لِتَحَقُّقِهِ التَّسَاوِي فِي ذَلِكَ فَكَانُوا يَأْخُذُونَ الَّذِي يَسَّرَ لَهُمْ وَيَخُصُّهُمْ بِهِ إمَّا لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُمْ، وَأَقْرَبُ لِمَسَاكِنِهِمْ أَوْ أَبْعَدُ مِنْ الدُّخُولِ فِيهِ عَلَيْهِمْ أَوْ لِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي أَوْ لِأَنَّهُمْ فَرِحُوا بِهِ، وَسَأَلُوهُ إيَّاهُ بَيْنَ ذَلِكَ، إنْ وَقْتَ طِيبِ النَّخْلِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا دَامَتْ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ لَيْسَ بِوَقْتِ قِسْمَةِ ثَمَرَةِ الْمُسَاقَاةِ لِأَنَّ عَلَى الْعَامِلِ أَخْذَهَا، وَالْقِيَامَ عَلَيْهَا حَتَّى يَجْرِيَ الصَّاعُ أَوْ الْوَزْنُ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَرْصَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْقِسْمَةِ إلَّا بِمَعْنَى اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ وَالْحَاجَاتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
١ -
(فَصْلٌ)
وَالظَّاهِرُ فِي قَوْلِهِ لِجَمَاعَتِهِمْ إنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُسَاقَاةِ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ وَالْحَاجَاتِ يَقْتَضِي أَنَّهُ سَاقَى جَمِيعَهُمْ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي جُمْلَةِ الْحَوَائِطِ، وَلَمْ يَخُصَّ كُلَّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ بِحَائِطٍ أَوْ حَوَائِطَ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ قَدْ «سَاقَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ عَلَى مُسَاقَاةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى النِّصْفِ، وَفِيهَا الْجَيِّدُ وَالدَّنِيءُ» ، وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ فِي هَذَا إلَّا أَنْ يَكُونَ عَقَدَ عَلَى جَمِيعِهَا عَقْدًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ فِي غَالِبِ الْحَالِ يَخْتَلِفُ مَا عُوقِدُوا عَلَيْهِ لِاخْتِلَافِ الْحَوَائِطِ مَعَ جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، وَأَقَلَّ، وَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ أَنْ يُسَاقِيَ فِيهِ جَمَاعَةً.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ يَسَارٍ كَانَ يَبْعَثُ ابْنَ رَوَاحَةَ لِيَخْرُصَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودَ أَضَافَ الْخَرْصَ إلَيْهِ لِتَصَرُّفِهِ فِيهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيمَا يَخُصُّهُ لِنَفَقَةِ عِيَالِهِ، وَإِنْفَاذِهِ لِيَخْرُصَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ غَيْرَ أَنَّ لَفْظَةَ كَانَ تَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَأَنَّهُ تَكَرَّرَ إنْفَاذُهُ إلَيْهِمْ لِهَذَا الْمَعْنَى لِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِهَذَا
стр. 1458
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ إذَا سَاقَى الرَّجُلُ النَّخْلَ، وَفِيهَا الْبَيَاضُ فَمَا ازْدَرَعَ الرَّجُلُ الدَّاخِلُ فِي الْبَيَاضِ فَهُوَ لَهُ قَالَ: وَإِنْ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنَّهُ يَزْرَعُ فِي الْبَيَاضِ لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِأَنَّ الرَّجُلَ الدَّاخِلَ فِي الْمَالِ يَسْقِي لِرَبِّ الْأَرْضِ فَذَلِكَ زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا عَلَيْهِ قَالَ وَإِنْ اُشْتُرِطَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْمُؤْنَةُ كُلُّهَا عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ الْبَذْرُ وَالسَّقْيُ وَالْعِلَاجُ كُلُّهُ فَإِنْ اشْتَرَطَ الدَّاخِلُ فِي الْمَالِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنَّ الْبَذْرَ عَلَيْك كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ لِأَنَّهُ قَدْ اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ زِيَادَةً ازْدَادَهَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى أَنَّ الدَّاخِلَ فِي الْمَالِ الْمُؤْنَةُ كُلُّهَا، وَالنَّفَقَةُ، وَلَا يَكُونُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْهَا شَيْءٌ فَهَذَا وَجْهُ الْمُسَاقَاةِ الْمَعْرُوفُ) .
ــ
[المنتقى]
الشَّأْنِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ عَالِمًا بِثَمَرِ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَمَا يَنْقُصُ بِالْجُفُوفِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «فَجَعَلُوا لَهُ حُلِيًّا، وَقَالُوا هَذَا لَك وَخَفِّفْ عَنَّا» أَرَادُوا بِذَلِكَ التَّخْفِيفَ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ فِي الْخَرْصِ، وَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَيْفِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا التَّخْفِيفُ الْيَسِيرُ فَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْمُقَاسَمَةِ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا الْمُسَاوَاةُ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الزَّكَاةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «يَا مَعْشَرَ يَهُودَ إنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إلَيَّ» يُرِيدُ لِكُفْرِهِمْ وَإِظْهَارِهِمْ الْعَدَاوَةَ وَالْمُخَالَفَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَلِلْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ أَنْبَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فَقَالَ ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] ثُمَّ قَالَ «وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي عَلَى الْحَيْفِ عَلَيْكُمْ» يُيَئِّسُهُمْ بِذَلِكَ مِنْ حَيْفِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَعَ مَحَبَّتِهِ فِيهِمْ وَسَعْيِهِ لَهُمْ.
(فَصْلٌ)
قَوْلُهُ «وَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنْ الرِّشْوَةِ فَإِنَّهُ سُحْتٌ» يُرِيدُ حَرَامًا، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ الْيَهُودَ بِأَكْلِهَا فَقَالَ ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] فَرَامُوا أَنْ يَسْتَنْزِلُوا ابْنَ رَوَاحَةَ لِمَا عَلِمُوا مِنْ وَرَعِهِ وَأَمَانَتِهِ، وَحَرَصُوا أَنْ يُدْخِلُوهُ فِيمَا يَتَلَبَّسُونَ بِهِ مِنْ أَخْذِ الرِّشْوَةِ وَأَكْلِ السُّحْتِ قَالَ اللَّهُ ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] .
وَقَالَ ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] فَعَصَمَهُ اللَّهُ وَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُعَاقِبْهُمْ امْتِثَالًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] .
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُمْ «بِهَذَا قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدُوا بِهِ الْإِقْرَارَ بِالْحَقِّ وَالرُّجُوعَ إلَى الِاعْتِرَافِ بِهِ إمَّا لِتَعْجِيلِ الْخِزْيِ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا أَوْ لِيَتَخَلَّصُوا بِهِ مِمَّا ظَنُّوا أَنَّهُ يَحِلُّ بِهِمْ مِنْ الْعُقُوبَةِ إذَا أَرَوْهُ الرُّجُوعَ إلَى قَوْلِهِ، وَالرِّضَا بِفِعْلِهِ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَسْكُتَ عَنْ الْبَيَاضِ فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ أَوْ يَشْتَرِطَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَإِنْ سَكَتَ عَنْهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ فِي تَفْرِيعِهِ هُوَ لِصَاحِبِهِ يَفْعَلُ فِيهِ مَا شَاءَ مِنْ زِرَاعَةٍ وَإِجَارَةٍ أَوْ تَرْكٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَابْنُ حَبِيبٍ إنْ تَشَاحَّا عِنْدَ الزِّرَاعَةِ فَذَلِكَ لِلْعَامِلِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مُقْتَضَى رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ «أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ» .
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا أَنَّهُ شَرَطَ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ نِصْفَ الثَّمَرَةِ، وَذَلِكَ وَقْتُ الِاشْتِرَاطِ وَاسْتِيفَاءِ الْجُفُوفِ وَتَبْيِينِهَا فَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ مَا يَكُونُ لَهُ، وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْأَرْضَ بَيْنَ الْعَامِلِينَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِلْمُسْلِمِينَ مَا تَنَاوَلَهُ اشْتِرَاطُهُ، وَهُوَ نِصْفُ الثَّمَرَةِ دُونَ سَائِرِ مَا بِأَيْدِيهِمْ، وَلِذَلِكَ انْفَرَدُوا بِمَسَاكِنِهَا وَمَسَارِحِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَعْطَى خَيْبَرَ لِيَهُودَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا» عَلَى مَا يُعْمَلُ فِيهَا مِنْ الْأَشْجَارِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي عَقْدَيْنِ أَوْ عَلَى مَكَانَيْنِ أَوْ زَمَانَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهَا عَلَى مَا يُعْمَلُ فِيهَا مِنْ الْأَشْجَارِ فَيَكُونُ بِمَعْنَى مَا قَدْ سَاقَهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ
стр. 1459
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَيْنِ تَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَنْقَطِعُ مَاؤُهَا فَيُرِيدُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْمَلَ فِي الْعَيْنِ، وَيَقُولُ الْآخَرُ لَا أَجِدُ مَا أَعْمَلُ بِهِ أَنَّهُ يُقَالُ لِلَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْعَيْنِ اعْمَلْ وَأَنْفِقْ، وَيَكُونُ لَك الْمَاءُ كُلُّهُ تَسْقِي بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُك بِنِصْفِ مَا أَنْفَقْت فَإِذَا جَاءَ بِنِصْفِ مَا أَنْفَقْت أَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْ الْمَاءِ، وَإِنَّمَا أُعْطِيَ الْأَوَّلُ الْمَاءَ كُلَّهُ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ، وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا بِعَمَلِهِ لَمْ يَعْلَقْ الْآخَرَ مِنْ النَّفَقَةِ شَيْءٌ)
ــ
[المنتقى]
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ كَانَ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى زَرَعَهَا الْعَامِلُ لِنَفْسِهِ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ وَابْنُ حَبِيبٍ مَا زَرَعَ الْعَامِلُ فَهُوَ لَهُ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ عَلَيْهِ كِرَاءُ الْأَرْضِ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ لَفْظَ الْمُسَاقَاةِ إنَّمَا يَخْتَصُّ بِالثِّمَارِ، وَمَا كَانَ مِنْ الْأَرْضِ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ فَهُوَ لِلْعَامِلِ كَالْمُرَاحِ وَالْمَسْكَنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ مَقْصُودٌ بِالْحَرْثِ وَالْعَمَلِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِالْعَامِلِ كَالثَّمَرَةِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا الشَّرْطُ فَإِنَّ فَضْلَ ذَلِكَ مُلْغًى لِلْعَامِلِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ اسْمَ الْمُسَاقَاةِ يَخْتَصُّ بِالثَّمَرِ، وَمَا لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ، وَفَرْعٌ ظَاهِرٌ حِينَ الْمُسَاقَاةِ، وَأَمَّا الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ فَعَلَى وَجْهِ ارْتِفَاقِ الْعَامِلِ مَا بَيْنَ الْأُصُولِ مِنْ الْبَيَاضِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ وَالْعَمَلُ مِنْ عِنْدِ الْعَامِلِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَغَيْرِهَا ذَلِكَ جَائِزٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ جَاءَتْ فِي خَيْبَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَهُمْ فِي الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ عَلَى النِّصْفِ» .
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا، وَالْبَذْرُ مِنْ عِنْدِهِمَا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْبَذْرُ كُلُّهُ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِ الْأَرْضِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَجُوزُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ، وَالْمَنْفَعَةَ كُلَّهَا عَلَى الْعَامِلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ، وَالْبَذْرُ وَالْعَمَلُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ جَمِيعُ الزَّرْعِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ اشْتِرَاطِهِ عَلَى الْعَامِلِ زِيَادَةً يَنْفَرِدُ بِهَا، وَلَوْ كَانَ الْبَيَاضُ تَبَعًا فَاشْتَرَطَ الْعَامِلُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ فَقَدْ أَبَى ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَكَرِهَهُ أَصْبَغُ مَرَّةً ثُمَّ أَجَازَهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَطَ بَعْضَهُ كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْمُسَاقَاةِ ازْدَادَهَا الْعَامِلُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْإِلْغَاءِ لِأَنَّ الْإِلْغَاءَ إنَّمَا يَكُونُ فِي جَمِيعِهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ اشْتَرَطَ أَرْضًا هِيَ تَبَعُ الْمُسَاقَاةِ فَجَازَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ اشْتَرَطَاهُ جَمِيعًا، وَالتَّوْجِيهَانِ لِأَصْبَغَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ.
(فَرْعٌ)
وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَيَاضُ بَيْنَ أَثْنَاءِ السَّوَادِ أَوْ مُنْفَرِدًا عَنْ الشَّجَرِ فِي ذَلِكَ الْحَائِطِ قَالَهُ مُحَمَّدٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَبَعٌ لِمِلْكِ صَاحِبِ الْأَصْلِ.
(فَرْعٌ)
وَلَوْ اسْتَثْنَى الْعَامِلُ الْبَيَاضَ فِيمَا يَجُوزُ زَرْعُهُ ثُمَّ أُجِيحَتْ الثَّمَرَةُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ عَلَيْهِ كِرَاءُ الْأَرْضِ الْبَيَاضِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ جَيِّدٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ إيَّاهُ إلَّا عَمَلَ السَّوَادِ فَلَمَّا ذَهَبَ السَّوَادُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْكِرَاءِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَجَزَ الدَّاخِلُ عَنْ الْعَمَلِ عَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِهِ فِي الْبَيَاضِ.
(فَرْعٌ)
وَإِنْ كَانَتْ الْمُسَاقَاةُ فِي زَرْعٍ، وَفِي وَسَطِهِ أَرْضٌ بَيْضَاءُ فَاشْتَرَطَهَا الْعَامِلُ لِنَفْسِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ كَالنَّخْلِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ يَسِيرَةً تَبَعًا لِأَرْضِ الزَّرْعِ قَالَ مُحَمَّدٌ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ بَيَاضِ النَّخْلِ، وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يُلْغِيَ لِلدَّاخِلِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِذَا سَاقَاهُ زَرْعًا فِيهِ شَجَرٌ تَبَعًا لِلزَّرْعِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ بِخِلَافِ الْبَيَاضِ بَيْنَ النَّخْلِ وَكِرَاءِ الْأَرْضِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى سِقَاءٍ وَاحِدٍ لَا لِلْعَامِلِ كَمُشْتَرِي الدَّارِ فِيهَا نَخْلٌ يَشْتَرِطُ ثَمَرَتَهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ إذَا كَانَ الْعَامِلُ يَسْقِي ذَلِكَ قَالَهُ مُحَمَّدٌ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَلْغَى كَنَوْعٍ مِنْ الشَّجَرِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ أَرْضٌ يُعْتَبَرُ فِيهَا التَّبَعُ لِلنَّخْلِ فَجَازَ أَنْ يَلْغَى كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ بَذْرَهَا، وَزِرَاعَتَهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا اخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الْمَعْرُوفُ.
(ش) : رَوَى
стр. 1460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَاءِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَغُورُ أَنَّ كُلَّ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ لَمْ يَقْسِمَا أَصْلَهَا مِنْ نَخْلٍ أَوْ أُصُولٍ أَوْ أَرْضٍ فِيهَا زَرْعٌ زَرَعُوهُ جَمِيعًا فَانْهَدَمَتْ الْبِئْرُ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِصَاحِبِهِ اعْمَلْ مَعَ صَاحِبِك أَوْ بِعْ حِصَّتَك مِنْ الْأَصْلِ، وَالْمَاءِ أَوْ قَاسِمْهُ الْأَصْلَ فَخُذْ حِصَّتَك، وَيَأْخُذُ حِصَّتَهُ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْمَلَ عَمِلَ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتْرُكَ تَرَكَ، وَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمَا كَانَ لَهُ الْمَاءُ كُلُّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ شَرِيكُهُ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ النَّفَقَةِ فَيَرْجِعَ عَلَى حَقِّهِ مِنْ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا زَرْعٌ أَوْ شَجَرٌ مُثْمِرٌ فِي أَرْضٍ لَهُمَا فَإِنَّ الْآبِيَ يُجْبَرُ عَلَى عَمَلِ حِصَّتِهِ أَوْ يَبِيعُهَا مَنْ يَعْمَلُ مَعَهُ.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفْرَدَةً، وَالْمَاءُ وَاحِدًا فَمَنْ أَبَى مِنْهُمَا الْعَمَلَ فَذَلِكَ لَهُ، وَيُقَالُ لِلْآخَرِ اعْمَلْ، وَلَك الْمَاءُ كُلُّهُ حَتَّى يَأْتِيَ شَرِيكُهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ النَّفَقَةِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ تَنْهَدِمُ فَيَأْبَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَبْنِيَ فَيُقَالَ لَهُ ابْنِ مَعَ شَرِيكِكَ أَوْ قَاسِمْهُ قَالَهُ سَحْنُونٌ وَابْنُ نَافِعٍ وَالْمَخْزُومِيُّ يَقُولَانِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي بِئْرٍ لَيْسَ عَلَيْهَا مَا يُجْنَى لَا زَرْعٌ، وَلَا نَخْلٌ، وَلَا غَيْرُهُ فَأَمَّا مَا كَانَ بِئْرًا أَوْ عَيْنًا عَلَيْهِمَا مَا يُجْنَى فَإِنْ أَبَى الْعَمَلَ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ مَعَ شَرِيكِهِ أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يَعْمَلُ مَعَهُ كَالسُّفْلِ لِرَجُلٍ وَالْعُلْوُ لِآخَرَ فَيَنْهَدِمُ ذَلِكَ فَإِنَّ صَاحِبَ السُّفْلِ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ فَإِنْ أَبَى بِيعَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ عِيسَى فِي الْعُتْبِيَّةِ يُقَالُ لِلْآبِي إمَّا أَنْ تَعْمَلَ، وَإِمَّا أَنْ تَبِيعَ مِمَّنْ يَعْمَلُ مَعَهُ، وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ إذَا كَانَ مَا يُسْقَى بِالْبِئْرِ أَوْ الْعَيْنِ مَقْسُومًا فَمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا أَنْ يَبْنِيَ بَنَى، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَ تَرَكَ، وَقَاسَهُ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ فِي الدَّارِ تَنْهَدِمُ، وَقَاسَهُ ابْنُ نَافِعٍ وَالْمَخْزُومِيُّ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ وَالْعُلْوِ، وَهُوَ أَظْهَرُ لِأَنَّ شَرِيكَهُ فِي الْعَيْنِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ لِقِسْمَةِ الْأَصْلِ كَمَا لَا يَقْدِرُ صَاحِبُ الْعُلْوِ عَلَى بُنْيَانِ عُلْوِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَبْنِيَ صَاحِبُ السُّفْلِ، وَصَاحِبُ الدَّارِ يَقْدِرُ بَعْدَ الْمُقَاسَمَةِ عَلَى بُنْيَانِ حِصَّتِهِ مِنْ الْقَاعَةِ، وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَشَاعًا يَقْدِرُ عَلَى مُقَاسَمَتِهِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ الْآبِي أَنْ يَعْمَلَ مَعَ صَاحِبِهِ أَوْ يُقَاسِمَهُ فَيَعُودَ إلَى حُكْمِ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَسْقِيَانِ مِمَّا لَا يَصْلُحُ قِسْمَتُهُ كَثَمَرَةِ نَخْلِهَا أَوْ زَرْعِ أَرْضِهَا فَهُوَ الَّذِي يُجْبَرُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى الْعَمَلِ مَعَ شَرِيكِهِ أَوْ عَلَى أَنْ يَبِيعَ مِمَّنْ يَعْمَلُ مَعَهُ فَرَاعَى فِي هَذَا بَقَاءَ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا رُوعِيَ حَقُّ الطَّالِبِ الَّذِي يَرُدُّ الْعَمَلَ فَإِنَّ الْمَضَرَّةَ تَلْحَقُهُ إذَا انْفَرَدَ زَرْعُهُ وَثَمَرَتُهُ كَمَا تَلْحَقُهُ حَالَ الِاشْتِرَاكِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءً عَلَى مَا رَوَاهُ عِيسَى عَنْ مَالِكٍ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ عَمِلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآبِي فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الثَّلَاثَةِ إلَّا ضَرْبَ أَنَّهُ يَكُونُ بِالْمَاءِ كُلِّهِ حَتَّى يَأْتِيَهُ شَرِيكُهُ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ النَّفَقَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَعْطَاهُ حِصَّتَهُ مِنْ النَّفَقَةِ فَقَدْ صَارَ مُنْفِقًا مَعَهُ، وَزَالَتْ الْعِلَّةُ الْمَانِعَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ إبَايَتُهُ مِنْ النَّفَقَةِ.
(فَرْعٌ)
فَلَوْ كَانَ الْعَامِلُ قَدْ اغْتَلَّ مِنْهَا غَلَّةً كَثِيرَةً قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِ حِصَّةَ الْآبِي مِمَّا أَنْفَقَ فَقَدْ رَوَى عِيسَى فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ فِي مَسْأَلَةِ الرَّحَا لِلْعَامِلِ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا أَنْفَقَ، وَمَا كَانَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُنْفِقَ، وَيَكُونُ لِلْآبِي بِقَدْرِ مَا كَانَ بَقِيَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ، وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ مَرَّةً الْغَلَّةُ كُلُّهَا لِلْعَامِلِ دُونَ الْآبِي حَتَّى يُعْطِيَ قِيمَةَ مَا عَمِلَ قَالَ عِيسَى، وَبِهَذَا الْقَوْلِ رَأَيْت ابْنَ بَشِيرٍ يَحْكُمُ، وَبِهِ أَخَذَ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الرَّحَا يُحَاصُّهُ بِمَا عَمِلَ فِيمَا أَنْفَقَ فَإِذَا اسْتَوْفَى ذَلِكَ رَجَعَ الْآبِي فِي حَظِّهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ دِينَارٍ أَنَّ مِقْدَارَ مَا كَانَ بَقِيَ مِنْ مَنَافِعِ الرَّحَا مِنْ هِنْدٍ وَآلَةٍ لِأَصْبَغَ فِيهِ فَمَنْ اخْتَارَ الْعَمَلَ فَعَلَيْهِ بَاقِيهِ لِلْآبِي، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ لِلْعَامِلِ غَلَّتَهُ مَعَ حِصَّتِهِ مِمَّا بَقِيَ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ عِيسَى أَنَّ حِصَّةَ الْآبِي لَمْ يَكُنْ يَنْتَفِعُ بِهَا، وَلَا غَلَّةَ لَهَا إلَّا بِمَا عَمِلَهُ الْعَامِلُ فَكَانَتْ غَلَّةُ ذَلِكَ كُلِّهِ لِلْعَامِلِ حَتَّى يُعْطِيَهُ الْآبِي حِصَّتَهُ مِنْ النَّفَقَةِ كَرَقَبَةِ الْعَيْنِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الرَّحَا
стр. 1461
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ كُلُّهَا وَالْمُؤْنَةُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ شَيْءٌ إلَّا أَنَّهُ يَعْمَلُ بِيَدِهِ إنَّمَا هُوَ أَجِيرٌ بِبَعْضِ الثَّمَرِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ إجَارَتُهُ إذَا لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا يَعْرِفُهُ، وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ لَا يَدْرِي أَيَقِلُّ ذَلِكَ أَمْ يَكْثُرُ قَالَ مَالِكٌ وَكُلُّ مُقَارِضٍ أَوْ مُسَاقٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ الْمَالِ، وَلَا مِنْ النَّخْلِ شَيْئًا دُونَ صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ لَهُ أَجِيرًا بِذَلِكَ يَقُولُ أُسَاقِيك عَلَى أَنْ تَعْمَلَ لِي فِي كَذَا وَكَذَا نَخْلَةً تَسْقِيهَا، وَتَأْبُرُهَا، وَأُقَارِضُك فِي كَذَا
ــ
[المنتقى]
وَالْعَيْنَ بَاقِيَانِ عَلَى مِلْكِ الْآبِي حِصَّتُهُ مِنْهَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ لَهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ غَلَّتِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ مَا أَنْفَقَهُ الْعَامِلُ فِي ذَلِكَ إذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ دِينَارٍ، وَاخْتِيَارُ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ فَإِنَّ الَّذِي يَرُدُّ سَلَفًا لَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةٍ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِعَيْنٍ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ فَإِذَا عَادَ إلَيْهِ سَلَفُهُ رَجَعَ الْآبِي إلَى اسْتِيفَائِهِ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ دِينَارٍ، وَاخْتِيَارِ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ فَإِنَّ الَّذِي يَرُدُّ الْآبِي إلَى الْعَامِلِ مَا يَنُوبُهُ مِنْ قِيمَةِ الْعَمَلِ يَوْمَ يَدْخُلُ مَعَهُ لَا يَوْمَ عَمَلِهِ، وَلَا مَا يَنُوبُهُ مِنْ النَّفَقَةِ الَّتِي أَنْفَقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحِدْثَانِهِ قَالَهُ عِيسَى، وَوَجْهُ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ الْإِنْفَاقُ لَهُ فَإِنَّ لِلْآبِي الرُّجُوعَ لِأَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ تَكُونُ لَهُ رِقْبَته وَغَلَّته هـ وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّ رَقَبَتَهُ وَغَلَّتَهُ لِلْعَامِلِ كَانَتَا فَكَانَ لَهُ الزِّيَادَةُ، وَعَلَيْهِ النَّقْصُ.
(فَرْعٌ)
وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الثَّانِي فَيَجِبُ أَنْ يَرُدَّ مَا أَنْفَقَ فِي الْبُنْيَانِ عَلَى وَجْهِ السَّدِّ لَهُ لِأَنَّ الْآبِيَ يُحْتَسَبُ لَهُ بِغَلَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَيَجِبُ أَنْ تَلْزَمُهُ تِلْكَ النَّفَقَةُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَبْنٌ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِذَا غَارَ مَاءُ عَيْنِ الْمُسَاقِي فَإِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ فَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَقَبْلَ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ فَإِنْ أَنْفَقَ الْعَامِلُ عَلَى سَدِّهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ فِيمَا أَنْفَقَ إلَّا مَا لِلْمُتَعَدِّي مِنْ النَّقْصِ، وَلَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَرَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعَمَلِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ فَسَّرَهُ تَفْسِيرًا حَسَنًا فَقَالَ يَتَوَخَّى قَدْرَ مَا لِرَبِّ الْحَائِطِ مِنْ الثَّمَرَةِ بَعْدَ طَرْحِ مُؤْنَتِهِ فِيهَا إلَى وَقْتِ بَيْعِهَا يَتَكَلَّفُ أَنْ يُعَجِّلَ ذَلِكَ، وَيُنْفِقَهُ فَإِنْ أَعْدَمَ قِيلَ لِلْعَامِلِ أَنْفِقْ ذَلِكَ الْقَدْرَ، وَتَكُونُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَرِ رَهْنًا بِيَدِك فَذَلِكَ، وَإِلَّا فَيُسَلِّمُ الْحَائِطَ إلَى رَبِّهِ، وَلَا شَيْءَ لَك، وَلَا لَهُ عَلَيْك.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ اكْتَرَى أَرْضًا سِنِينَ لِيَزْرَعَهَا فَانْهَارَتْ بِئْرُهَا أَوْ غَارَ مَاؤُهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زَرْعٌ انْفَسَخَ الْكِرَاءُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ فِيهَا شَيْئًا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مَانِعٌ طَرَأَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَمَلِ فَلَمْ يَكُنْ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ إصْلَاحُهَا لِأَنَّهُ لَا يَتَلَافَى بِذَلِكَ شَيْئًا، وَهِيَ لِلْمُكْتَرِي، وَأَمَّا إنْ كَانَ لَهُ فِيهَا زَرْعٌ، وَإِنَّ الَّذِي يَلْزَمُ أَنْ يُنْفِقَ فِيهَا كِرَاءَ تِلْكَ السَّنَةِ دُونَ سَائِرِ السِّنِينَ يُقَوَّمُ ذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَتْ قِيَمُ السِّنِينَ أَوْ عَلَى السَّوَاءِ إنْ تَسَاوَتْ فَإِنْ كَانَ الْمُكْتَرِي لَمْ يَنْقُدْ الْكِرَاءَ أَنْفَقَ فِي إصْلَاحِ ذَلِكَ كِرَاءَ تِلْكَ السَّنَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ نَقَدَهُ فَعَلَى رَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُنْفِقَهُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَفْلَسَ قِيلَ لِلْمُكْتَرِي أَنْفِقْهُ سَلَفًا مِنْ عِنْدِك لَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ أَكْثَرَ مِنْ كِرَاءِ سَنَةٍ لِأَنَّ السَّنَةَ الْبَاقِيَةَ لَمْ يَعْمَلْ فِيهَا شَيْئًا فَلَمْ يَلْزَمْ إنْفَاقُ كِرَائِهَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ كِرَاءُ السَّنَةِ الَّتِي قَدْ زَرَعَ فِيهَا لِيُحْيِيَ زَرْعَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا أُعْطِيَ الْأَوَّلُ الْمَاءَ كُلَّهُ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ، وَلَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا بِعَمَلِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْعَمَلِ مِنْ النَّفَقَةِ شَيْءٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ الْمَاءَ كُلَّهُ مَا اسْتَقَرَّ بِعَمَلِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ جَمِيعَ مَاءِ الْعَيْنِ مَا بَقِيَ مِنْهُ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَمَا زَادَ بِالْعَمَلِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا بَقِيَ مِنْهُ لَا يُوصِلُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ لِقِلَّتِهِ مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْمَاءِ شَيْءٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ انْقَطَعَ مَاءُ الْعَيْنِ، وَهَذَا إنَّمَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ ذَهَابِ جَمِيعِهِ، وَقَالَ إنَّ مَا قَضَى بِالْمَاءِ كُلِّهِ لِلْعَامِلِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْفَقَ يُرِيدُ أَنَّ بِنَفَقَتِهِ عَادَ الْمَاءُ مَعَ إنْفَاقِهِ عَلَى وَجْهٍ لَوْ لَمْ يَعُدْ الْمَاءُ بِنَفَقَتِهِ لَانْفَرَدَ بِالْخَسَارَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْآبِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا يَقْتَضِي انْفِرَادَهُ بِضَمَانِ النَّفَقَةِ، وَالْعِلَّةُ تَمْنَعُ الضَّمَانَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِالْمَاءِ حَتَّى يُشَارِكَهُ الْآخَرُ فِي ذَلِكَ بِأَنْ يُبَدِّلَ لَهُ حِصَّتَهُ مِنْ النَّفَقَةِ فَيَعُودَ إلَى حِصَّتِهِ مِنْ الْمَاءِ لِمِلْكِهِ لِلْأَصْلِ.
стр. 1462
وَكَذَا مِنْ الْمَالِ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ لِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ لَيْسَتْ مِمَّا أُقَارِضُك عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي وَلَا يَصْلُحُ، وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّمَا قَالَ لَا يَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ وَالْمُؤْنَةُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ لِأَنَّ الْعَامِلَ يَكُونُ أَجِيرًا لِأَنَّ الْمُكَافَأَةَ إنَّمَا هِيَ مِنْ جَنْبَةِ الْعَامِلِ بِعَمَلٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِنَمَاءِ الثَّمَرَةِ، وَيَبْقَى لَهُ فِي الْأَصْلِ بَعْدَ جَدِّ الثَّمَرَةِ عَيْنٌ ثَابِتَةٌ لِيَنْتَفِعَ بِهَا، وَكُلُّ بُقْعَةٍ فِي الْحَائِطِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي لِأَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الدَّوَابِّ وَالرَّقِيقِ نَوْعٌ مِنْ الْإِجَارَةِ عَلَى عَمَلِهِمْ فِي الْحَائِطِ فَإِذَا اُشْتُرِطَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ فَقَدْ شَرَطَ عَلَيْهِ عَمَلٌ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي الْمُسَاقَاةِ كَمَا لَا يَصِحُّ فِي الْقِرَاضِ لِأَنَّ الْقِرَاضَ أَصْلٌ لِلْمُسَاقَاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
١ -
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ إجَارَتُهُ مَعْنَاهُ إنَّهُ إذَا خَرَجَ عَنْ شَبَهِ الْمُسَاقَاةِ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِجَارَةِ الَّتِي يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا جَمِيعُ الْعَمَلِ عَلَى الْعَامِلِ، وَبَعْضُهُ، وَيُشْتَرَطُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْإِنْفَاقِ أَوْ بَعْضُهُ لَكِنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْإِجَارَةِ الْمَعْلُومَةِ الْمُقَدَّرَةِ، وَالْمُسَاقَاةُ إنَّمَا تَنْعَقِدُ بِجُزْءٍ مَذْكُورٍ أَوْ بِجَمِيعِ الثَّمَرَةِ، وَهُوَ قَدْرٌ مَجْهُولٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَى أَوْسُقٍ مُقَدَّرَةٍ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ نَعْلَمُهُ فَمَا أَفْسَدَ الْإِجَارَةَ مِنْ ذَلِكَ صَحَّحَ الْمُسَاقَاةَ، وَمَا صَحَّحَ الْمُسَاقَاةَ أَفْسَدَ الْإِجَارَةَ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ سُنَّةَ الْمُسَاقَاةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَامِلِ جَمِيعُ الْعَمَلِ، وَجَمِيعُ الْمُؤْنَةِ وَالنَّفَقَةِ وَالْأُجَرَاءِ وَالدَّوَابِّ وَالدِّلَاءِ وَالْحِبَالِ وَالْآلَاتِ مِنْ حَدِيدٍ، وَغَيْرِهِ لَا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَائِطِ يَوْمَ السِّقَاءِ فَيَسْتَعِينُ بِهِ الْعَامِلُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ قَالَهُ فِي الْوَاضِحَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَآلِ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلِّهَا إلَى الْعَمَلِ، وَهُوَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْعَامِلِ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَمَلَ يَكُونُ مَعْلُومًا فَمَا كَانَ لَهُ عُرْفٌ قَامَ مَقَامَ الْوَصْفِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُرْفٌ فَلَا بُدَّ مِنْ وَصْفِهِ مِنْ عَدَدِ الْحَرْثِ وَالسَّقْيِ، وَسَائِرِ الْعَمَلِ فَإِنْ قَصَرَ عَمَّا شَرَطَ عَلَيْهِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ سَحْنُونٍ فِيمَنْ سَاقَى حَائِطَهُ عَلَى أَنْ يَحْرُثَهُ ثَلَاثَ حَرْثَاتٍ فَيَحْرُثَهُ حَرْثَتَيْنِ قَالَ يَنْظُرُ جَمِيعَ الْعَمَلِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ مِنْ حَرْثٍ وَسَقْيٍ وَقَطْعٍ وَجَنْيٍ فَيَنْظُرُ مَا عَمِلَ هُوَ مِمَّا تَرَكَ فَإِنْ كَانَ تَرَكَ الثُّلُثَ حُطَّ ثُلُثُ نَصِيبِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ نَصِيبَهُ مِنْ الثَّمَرَةِ فِي مُقَابَلَةِ جَمِيعِ الْعَمَلِ فَإِذَا تَرَكَ بَعْضَهُ حُطَّ مِنْ الْعِوَضِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَوْ كَانَ مَا تَرَكَ مِنْ الْعَمَلِ قَدْ وُجِدَ لَهُ بَدَلٌ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلُ أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ السَّقْيِ فَيُغْنِيَ عَنْ ذَلِكَ الْمَطَرُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُحَاسِبُهُ رَبُّ الْحَائِطِ بِذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى أَنْ يَسْقِيَ الْحَائِطَ مَا احْتَاجَ مِنْ السَّقْي، وَلَا يُقَدَّرُ ذَلِكَ بِعَدَدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، وَإِذَا سَقَاهُ الْمَطَرُ أَوْ السَّيْلُ لَمْ يَحْتَجْ إلَى سَقْيٍ آخَرَ.
(فَرْعٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْأُجَرَاءَ عَلَى ضَرْبَيْنِ أُجَرَاءُ اسْتَأْنَفَ الْعَامِلُ اسْتِئْجَارَهُمْ، وَأُجَرَاءُ كَانُوا فِي الْحَائِطِ يَوْمَ الْمُسَاقَاةِ فَأَمَّا مَنْ اسْتَأْنَفَ الْعَامِلُ اسْتِئْجَارَهُمْ فَإِنَّ أُجْرَتَهُمْ عَلَى الْعَامِلِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِيهِ يَوْمَ الْمُسَاقَاةِ فَإِنَّ أُجْرَتَهُمْ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ أُجْرَتِهِمْ عَلَى الْعَامِلِ بِخِلَافِ نَفَقَتِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ عَلَى الْعَامِلِ قَالَهُ فِي الْوَاضِحَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَعَلَى الْعَامِلِ رَمُّ قَصَبَةِ الْبِئْرِ وَحِبَالِهِ وَقَوَادِيسِهِ، وَمُؤْنَةُ الْمَاءِ وَالْحَدِيدُ لِعَمَلِهِ فَإِذَا انْقَضَى عَمَلُهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ مَعَانٍ تَتَكَرَّرُ، وَكَذَلِكَ مَا يَعْمَلُ بِهِ مِنْ الْحَدِيدِ فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ إصْلَاحُهُ، وَهُوَ مِنْ الْآلَاتِ الْمَوْصُوفَةِ فِي الْعَمَلِ، وَكَانَتْ مِنْ الَّذِي يَلْزَمُ الْعَامِلَ، وَمَا كَانَ عَمَلًا ثَابِتًا كَالْبِنَاءِ الَّذِي يَبْقَى، وَإِنَّمَا يُعْمَلُ مَرَّةً لِخَرَابٍ طَرَأَ عَلَيْهِ أَوْ لِاسْتِئْنَافِ عَمَلٍ فَذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ فَهِيَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَعَلَى الْعَامِلِ فِي الثَّمَرِ جِدَادُهُ بَعْدَ أَنْ يُثْمِرَ، وَفِي التِّينِ وَالْكَرْمِ قِطَافُهُ، وَتَيْبِيسُهُ فِي مُسَاقَاةِ الزَّرْعِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ حَصَادُ الزَّرْعِ، وَدَرْسُهُ عَلَى الْعَامِلِ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَلَى الْعَامِلِ تَهْذِيبُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ الْعَمَلِ الَّذِي يَلْزَمُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى حَالِ اسْتِقَامَةٍ، وَالصِّفَةُ الَّتِي يُدَّخَرُ عَلَيْهَا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ، وَأَمَّا الزَّيْتُونُ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى الْعَامِلِ عَصْرُهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ غَالِبُ عَمَلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ قَالَ سَحْنُونٌ، وَمُنْتَهَى عَمَلِهِ
стр. 1463
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالسُّنَّةُ فِي الْمُسَاقَاةِ الَّتِي يَجُوزُ لِرَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُسَاقِي شَدُّ الْحِظَارِ، وَخَمُّ الْعَيْنِ وَسَرْوُ الشَّرَبِ وَإِبَارُ النَّخْلِ وَقَطْعُ الْجَرِيدِ وَجَذُّ الثَّمَرِ هَذَا، وَأَشْبَاهُهُ عَلَى أَنَّ لِلْمُسَاقِي شَطْرَ الثَّمَرِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ إذَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ الْأَصْلِ لَا يَشْتَرِطُ ابْتِدَاءً عَمَلَ جَدِيدٍ يُحْدِثُهُ فِيهَا مِنْ بِئْرٍ يَحْتَفِرُهَا أَوْ عَيْنٍ يَرْفَعُ رَأْسَهَا أَوْ غِرَاسٍ يَغْرِسُهُ فِيهَا يَأْتِي بِأَصْلِ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ ضَفِيرَةٍ يَبْنِيهَا تَعْظُمُ فِيهَا نَفَقَتُهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ رَبُّ الْحَائِطِ لِرَجُلٍ مِنْ النَّاسِ ابْنِ لِي هَاهُنَا بَيْتًا أَوْ احْفِرْ لِي بِئْرًا أَوْ أَجْرِ لِي عَيْنًا أَوْ اعْمَلْ لِي عَمَلًا بِنِصْفِ ثَمَرِ حَائِطِي هَذَا قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ ثَمَرُ الْحَائِطِ، وَيَحِلَّ بَيْعُهُ فَهَذَا بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ.
وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا إذَا طَابَ الثَّمَرُ وَبَدَا صَلَاحُهُ، وَحَلَّ بَيْعُهُ ثُمَّ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ اعْمَلْ لِي بَعْضَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ لِعَمَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ بِنِصْفِ ثَمَرِ حَائِطِي هَذَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ بِشَيْءٍ مَعْرُوفٍ مَعْلُومٍ قَدْ رَآهُ، وَرَضِيَهُ فَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَائِطِ ثَمَرٌ أَقَلَّ ثَمَرُهُ أَوْ فَسَدَ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا ذَلِكَ، وَأَنَّ الْأَجِيرَ لَا يُسْتَأْجَرُ إلَّا بِشَيْءٍ مُسَمًّى لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ إلَّا بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْإِجَارَةُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ إنَّمَا يَشْتَرِي مِنْهُ عَمَلَهُ، وَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ إذَا دَخَلَهُ الْغَرَرُ لِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» )
ــ
[المنتقى]
فِيهِ جَنْيُهُ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَى أَحَدٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا وَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ إنَّ جَنَاهُ صَبْرُهُ عَلَى صِفَةٍ تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، وَيُدَّخَرُ عَلَيْهَا غَالِبًا.
(ش) : قَوْلُهُ مِمَّا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ شَدُّ الْحِظَارِ، وَالْحِظَارُ هُوَ مَا يُحْظَرُ بِهِ عَلَى الْحَظِيرَةِ، وَهُوَ الْحَائِطُ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الزَّرْبَ فَمَا اثْتَلَمَ مِنْهُ جَازَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ سَدُّ ذَلِكَ الثُّلْمِ، وَيُرْوَى سَدُّ الْحِظَارِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَسْتَرْخِيَ رِبَاطُهُ فَيَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ شَدَّهُ، وَخُمُّ الْعَيْنِ تَنْقِيَتُهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَهُوَ كَنْسُهَا وَسَرْوُ الشَّرَبِ هُوَ الْكَنْسُ وَالشَّرَبُ الْحَوْضُ حَوْلَ النَّخْلَةِ وَالشَّجَرَةِ لِيَبْقَى فِيهِ الْمَاءُ بَعْدَ السَّقْيِ قَالَ زُهَيْرٌ
يَخْرُجْنَ مِنْ شَرَبَاتٍ مَاؤُهَا طُحُلٌ ... عَلَى الْجَزُوعِ يَخَفْنَ الْغَمَّ وَالْغَرْقَا
وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْعَمَلِ الَّذِي يُنْمِي الثَّمَرَةَ، وَيُوَصِّلُ إلَى صَلَاحِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ فِي سَرْوِ الشَّرَبِ سَوْقُ الشَّرَبِ، وَهُوَ جَلْبُ الْمَاءِ الَّذِي يُسْقَى بِهِ مِنْ مُسْتَقَرِّهِ إلَى الْأَصْلِ الَّذِي يُسْقَى بِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ سَرْوُ الشَّرَبِ تَنْقِيَةُ الْحِيَاضِ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الشَّجَرِ وَتَحْصِينُ حُرُوفِهَا وَمَجِيءِ الْمَاءِ إلَيْهَا، وَزَمُّ الْقُفِّ، وَهُوَ الْحَوْضُ الَّذِي يُفْرَغُ فِيهِ الدَّلْوُ، وَيَجْرِي مِنْهُ إلَى الضَّفِيرَةِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ سَرْوَ الشَّرَبِ عَلَى الْعَامِلِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا خَمُّ الْعَيْنِ، وَزَمُّ الْقُفِّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ إصْلَاحَ الْقُفِّ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ حَرْفُ الْقُفِّ وَإِصْلَاحُ كَفِّ الزَّرْنُوقِ قِيمَتُهُ الدُّرَيْهِمَاتُ أَوْ الدِّينَارُ، وَهُوَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ، وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مَعَ الْعَامِلِ إصْلَاحُ كَسْرِ الزَّرْنُوقِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى صِلَةٍ لَهَا قِيمَةٌ وَثَمَنٌ كَبِيرٌ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ عَصْرَ الزَّيْتُونِ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَصْرُ الزَّيْتُونِ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ بِأَنَّهُ إنْ شَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُقَاسِمَهُ الزَّيْتُونَ جَازَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ عَصْرَ حِصَّةِ الْعَامِلِ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ لِأَنَّهُ مُنْتَهٍ كَالْجِدَادِ لِأَنَّ
стр. 1464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مُعْظَمَ مَا يُدَّخَرُ بَعْدَ الْعَصْرِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ الزَّكَاةَ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مَعْلُومٌ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ رَبِّ الْحَائِطِ الزَّكَاةَ عَلَى الْعَامِلِ فِي حِصَّتِهِ فَأُجِيزَ، وَكُرِهَ وَإِجَازَتُهُ أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَحَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنِ الْجَلَّابِ، وَعَنْ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ بَلَغَ الْحَائِطُ الزَّكَاةَ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ لِي مَالِكٌ يَجُوزُ فِي اشْتِرَاطِهِ عَلَى الْعَامِلِ، وَهَذَا عِنْدِي مِثْلُهُ وَجْهُ جَوَازِ ذَلِكَ فِي الْوَجْهَيْنِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ فِي جَوَازِ ذَلِكَ فِي اشْتِرَاطِهِ عَلَى الْعَامِلِ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَهُ عَلَى الْعَامِلِ فَقَدْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ، وَلِلْعَامِلِ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ، وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَطَهُ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلِهِ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ، وَمَنْعُ اشْتِرَاطِهِ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ.
(فَرْعٌ)
فَإِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْعَامِلِ، وَلَمْ يَبْلُغْ ثَمَرُ الْحَائِطِ الزَّكَاةَ فَلِرَبِّ الْمَالِ مِنْ حِصَّةِ الْعَامِلِ الزَّكَاةُ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَوْ نِصْفُ عُشْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ يَقْتَسِمَانِ الثَّمَرَةَ عَلَى تِسْعَةِ أَجْزَاءٍ لِلْعَامِلِ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ، وَلِصَاحِبِ الْحَائِطِ خَمْسَةٌ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ يَقْسِمُ الثَّمَرَةَ عَشَرَةَ أَقْسَامٍ لِلْعَامِلِ أَرْبَعَةٌ، وَلِصَاحِبِ الْحَائِطِ خَمْسَةٌ ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الْجُزْءَ الثَّانِيَ بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ حَمْلَ نَصِيبِهِ إلَى مَنْزِلِهِ وَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ الْقُرْبِ عَلَى مِيلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ لَيْسَ عَلَيْهِ مُؤْنَةٌ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ اشْتَرَطَ زِيَادَةً عَلَى الْعَامِلِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ كَمَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ مَالًا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا إبَارُ النَّخْلِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَغَيْرُهُ هُوَ تَذْكِيرُهَا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ التَّلْقِيحُ عَلَى الْعَامِلِ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ جَمِيعُ عَمَلِ الْحَائِطِ عَلَى الْعَامِلِ، وَكَذَلِكَ الْجِدَادُ.
١ -
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ شَطْرَ الثَّمَرِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ إذَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ جَائِزَةٌ عَلَى أَيِّ جُزْءٍ اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَعَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ جَمِيعُ الثَّمَرَةِ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى تَجْوِيزِ الْقِرَاضِ عَلَى جَمِيعِ الرِّبْحِ لِلْعَامِلِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَلَى صَاحِبِ الْأَصْلِ ابْتِدَاءً عَمَلٌ جَدِيدٌ مِنْ بِئْرٍ يَحْفِرُهَا أَوْ عَيْنٍ يَرْفَعُ رَأْسَهَا يُرِيدُ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ لِانْخِفَاضِهَا لَا يَصِلُ مَاؤُهَا حَيْثُ يُرِيدُ فَيَبْنِي حَوَالَيْهَا بُنْيَانًا يَرْفَعُهُ فَيَصِلُ مِنْ أَعْلَى ذَلِكَ الْبُنَيَّانِ إلَى حَيْثُ يُرِيدُهُ قَالَ أَوْ غِرَاسٍ يَغْرِسُهُ يَأْتِي بِهِ مِنْ عِنْدِهِ مَعْنَاهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ غَرْسًا يَأْتِي بِهِ مِنْ عِنْدِهِ، وَيَغْرِسُهُ فِي أَرْضِهِ وَحَائِطِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَ يَسِيرًا أَجَزْت الْمُسَاقَاةَ، وَأَبْطَلْت الشَّرْطَ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يَجُزْ قَالَ مَالِكٌ، وَلَوْ شُرِطَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَقَطْ، وَيَكُونُ أَصْلُ الْغَرْسِ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِ الْحَائِطِ فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَا تَعْظُمُ فِيهِ النَّفَقَةُ فَجَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يَجُزْ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أُجِيزَ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ قَالَ عِيسَى إنْ كَانَ الْعَمَلُ الْكَثِيرُ مِنْ الْعَمَلِ دُونَ الْأَصْلِ رُدَّ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ، وَلَوْ أَتَى الْعَامِلُ بِالْوُدِّيِّ لَرُدَّ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَيُعْطَى قِيمَةُ غَرْسِهِ مَقْلُوعًا كَمَا لَوْ جَاءَ بِهِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ أَوْ ظَفِيرَةٍ يَبْنِيهَا يَعْظُمُ فِيهَا النَّفَقَةُ الظَّفِيرَةُ مَحْبِسُ الْمَاءِ كَالصِّهْرِيجِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ النَّفَقَةَ فِيهَا لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا إلَّا إصْلَاحٌ يَسِيرٌ كَجَبْرِ بَعْضِ حُرُوفِهَا جَازَ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ، وَالْمُسَاقَاةُ بَيْنَهُ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ مِمَّا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الثَّمَرَةُ، وَيَبْقَى بَعْدَ الْجِدَادِ مِمَّا يَلْزَمُ رَبَّ الْحَائِطِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ يَسِيرِهِ عَلَى الْعَامِلِ، وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ كَثِيرِهِ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الثَّمَرَةُ فَهُوَ أَيْضًا عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٍ فِيهِ مُجَرَّدُ الْعَمَلِ، وَقِسْمٍ يَأْتِي الْعَمَلُ بِعَيْنِهِ فَأَمَّا مُجَرَّدُ الْعَمَلِ فَقَدْ جَوَّزَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ يَسِيرَهُ، وَأَمَّا الْإِتْيَانُ بِالْمَنْعِ فَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ لِأَجْنَبِيٍّ احْفِرْ لِي بِئْرًا أَوْ احْفِرْ لِي عَيْنًا بِنِصْفِ ثَمَرَةِ حَائِطِي
стр. 1465
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالسُّنَّةُ فِي الْمُسَاقَاةِ عِنْدَنَا أَنَّهَا تَكُونُ فِي كُلِّ أَصْلٍ نَخْلٍ أَوْ كَرْمٍ أَوْ زَيْتُونٍ أَوْ تِينٍ أَوْ رُمَّانٍ أَوْ فِرْسِكٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ نِصْفَ الثَّمَرِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبْعَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ قَالَ مَالِكٌ وَالْمُسَاقَاةُ أَيْضًا تَجُوزُ فِي الزَّرْعِ إذَا خَرَجَ وَاسْتَقَلَّ فَعَجَزَ صَاحِبُهُ عَنْ سَقْيِهِ وَعَمَلِهِ وَعِلَاجِهِ فَالْمُسَاقَاةُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا جَائِزَةٌ)
ــ
[المنتقى]
قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» مَعْنَاهُ أَنَّ عَمَلَ الْمُسَاقَاةِ مُخْتَصٌّ بِالثَّمَرَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى بَعْدَ تَمَامِ الْمُسَاقَاةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ إجَارَةً بِثَمَرٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَهُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِهِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ بَدَا صَلَاحُهُ، وَحَلَّ بَيْعُهُ فَقَالَ لَهُ اعْمَلْ لِي بَعْضَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ لِعَمَلٍ مَعْرُوفٍ بِنِصْفِ هَذِهِ الثَّمَرَةِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ بِشَيْءٍ مَعْرُوفٍ يُرِيدُ أَنَّهُ لَوْ بَدَا صَلَاحُهُ لَصَحَّتْ الْإِجَارَةُ بِهِ، وَهَذِهِ الْأَعْمَالُ الْبَاقِيَةُ بَعْدَ الثَّمَرَةِ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَيْهَا بِثَمَرَةٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَالْمُسَاقَاةُ تَجُوزُ فِي ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي أَعْمَالٍ تَبْقَى بَعْدَ الثَّمَرَةِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ لَهَا قِيمَةٌ، وَيُكَلَّفُ فِيهَا مُؤْنَةٌ، وَنَفَقَةٌ.
(ش) : قَوْلُهُ السُّنَّةُ عِنْدَنَا فِي الْمُسَاقَاةِ أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَصْلِ كُلِّ نَخْلٍ أَوْ كَرْمٍ أَوْ زَيْتُونٍ أَوْ تِينٍ أَوْ فِرْسِكٍ يُرِيدُ الْخَوْخَ قَالَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إلَّا فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا شَجَرٌ مُثْمِرٌ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فَجَازَتْ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ كَالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِذَا كَانَتْ الثِّمَارُ بَعْلًا لَا تُسْقَى، وَإِنَّمَا فِيهَا مِنْ الْعَمَلِ الْحَرْثُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مُسَاقَاتُهَا جَائِزَةٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَرْثَ عَمَلٌ تَزْكُو بِهِ الثِّمَارُ، وَلَا تَزْكُو دُونَهُ فَجَازَتْ الْمُسَاقَاةُ عَلَى عَمَلِهِ كَالسَّقْيِ.
وَقَالَ فِي الْوَاضِحَةِ تَجُوزُ مُسَاقَاةُ شَجَرِ الْبَعْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَمَلٌ وَلَا مُؤْنَةٌ لِأَنَّ لَهَا حِرَاسَةً وَجِدَادًا فَجَعَلَ الْمُسَاقَاةَ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى الْحَرْثِ، وَصَحَّحَ الْمُسَاقَاةَ بِالْحِرَاسَةِ وَالْجِدَادِ، وَمِثْلُ هَذَا يُوجَدُ فِي الزَّرْعِ.
(فَرْعٌ)
وَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ، وَكَذَلِكَ الشَّجَرُ كُلُّهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَقْدَ إذَا جَاءَ فِي كَثِيرِ الْجِنْسِ جَازَ فِي قَلِيلِهِ كَالْإِجَارَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَاخْتُلِفَ فِي مُسَاقَاةِ الْمَرْسِينِ، وَهُوَ الرَّيْحَانُ يُرِيدُ الْآسَ فَأَجَازَهُ ابْنُ وَهْبٍ قَالَهُ أَصْبَغُ، وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ثُمَّ أَجَازَهُ، وَثَبَتَ عَلَى إجَازَتِهِ، وَاخْتَارَ مُحَمَّدٌ مَنْعَهُ قَالَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَالْمَوْزِ وَالْقَصَبِ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَشْجَارُهُ ثَابِتَةً، وَإِنَّمَا تُقْطَعُ مِنْهَا أَغْصَانُهَا الثَّابِتَةُ كَالسِّدْرَةِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قِيلَ إنَّ أُصُولَهُ تَعْظُمُ، وَتُقِيمُ السَّنَتَيْنِ، وَيُجَدُّ الشِّتَاءَ وَالصَّيْفَ، وَلَيْسَ لَهُ إبَّانٌ فَيُجَدُّ ثُمَّ يَنْقَطِعُ فَإِذَا كَانَ يُجَدُّ هَكَذَا كُلَّ وَقْتٍ لَمْ تَجُزْ مُسَاقَاتُهُ لِأَنَّهُ يَحِلُّ بَيْعُهُ إذَا بَدَا أَوَّلُهُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَتَجُوزُ مُسَاقَاةِ الْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ وَالْقُطْنِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ زَادَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي الْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ، وَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ عَنْهُ صَاحِبُهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ لِهَذِهِ أَصْلًا بَاقِيًا وَسَاقًا ثَابِتًا فَصَحَّتْ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ دُونَ عَجْزٍ عَنْ الشَّجَرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
فَأَمَّا مُسَاقَاةُ الزَّرْعِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ تَجُوزُ مُسَاقَاةُ الزَّرْعِ إذَا اسْتَقَلَّ عَنْ الْأَرْضِ، وَعَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بَعْدُ لَمْ تَجُزْ مُسَاقَاتُهُ لِأَنَّهُ بَذْرٌ ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَمَّنْ لَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ سَوَاءٌ عَجَزَ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَعْجِزْ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ بَعْدُ، وَإِنَّمَا هُوَ بَذْرٌ قَالَ فَإِنْ وَقَعَ فَالزَّرْعُ لِصَاحِبِهِ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِذَا طَلَعَ وَعَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ جَازَتْ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَوْ لَمْ يَسْتَقِلَّ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِيهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الزَّرْعِ، وَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ عَنْهُ صَاحِبُهُ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ أَيْ لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الزَّرْعِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الزَّرْعَ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ، وَمُدَّةُ الْعَمَلِ فِيهِ يَسِيرَةٌ، وَالنَّخْلُ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ ثَابِتٌ، وَيُسْتَدَامُ الْعَمَلُ فِيهَا أَبَدًا، وَإِلَّا تَلِفَتْ فَدَوَامُ الْعَمَلِ فِيهَا يَقُومُ مَقَامَ الْعَجْزِ عَنْهَا لِأَنَّ الزَّرْعَ إنَّمَا يَسْتَدِيمُ الْعَمَلُ فِيهِ مُدَّةً يَسِيرَةً إنْ شَاءَ تَرَكَ الْأَرْضَ أَوْ أَخَّرَهَا، وَلَمْ يَتَكَلَّفْ تَعَبًا، وَلَا عَمَلًا فِيهَا فَلِذَلِكَ
стр. 1466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
اخْتَصَّتْ الْمُسَاقَاةُ بِالشَّجَرِ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ، وَلَمْ تَجُزْ فِي الزَّرْعِ لِهَذَا الْمَعْنَى لِعَدَمِهَا فِيهِ، وَإِنَّمَا جَازَتْ فِيهِ لِضَرُورَةِ الْعَجْزِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ مَا جَازَتْ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ جَازَتْ لِغَيْرِ الْعَجْزِ كَالنَّخْلِ.
(فَرْعٌ)
وَمَعْنَى الْعَجْزِ عَنْ الزَّرْعِ أَنْ يَعْجِزَ عَنْ عَمَلِهِ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ أَوْ يَنْمُو أَوْ يَبْقَى فَإِنْ كَانَ لَهُ مَاءٌ فَقَدْ يَكُونُ عَاجِزًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْبَقَرِ وَالْأُجَرَاءِ قِيلَ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ سَيْحًا قَالَ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ عَاجِزٌ جَازَتْ الْمُسَاقَاةُ.
وَقَالَ فِي الْوَاضِحَةِ إذَا عَجَزَ صَاحِبُهُ عَنْ عَمَلِهِ، وَهُوَ يَعْمَلُ، وَلَهُ عَمَلٌ وَمُؤْنَةٌ إنْ تُرِكَ خِيفَ عَلَيْهِ التَّلَفُ جَازَتْ مُسَاقَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَمَلٌ وَلَا مُؤْنَةٌ وَلَا حِرَاسَةٌ، وَهُوَ يَعْمَلُ فَلَا تَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ، وَأَمَّا الشَّجَرُ الْبَقْلُ فَتَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَمَلٌ وَلَا مُؤْنَةٌ لِأَنَّ لَهَا حِرَاسَةً وَجِدَادًا، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مِثْلُهُ فِي الزَّرْعِ لِأَنَّ فِيهِ دِرَاسَةً وَحَصَادًا إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْحَصَادَ وَحْدَهُ لَا يُؤَثِّرُ، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ الْحِرَاسَةُ وَالنَّخْلُ يَحْتَاجُ إلَى حِرَاسَةٍ مُنْذُ يَصِيرُ بَلَحًا كَبِيرًا إلَى أَنْ يَصِيرَ تَمْرًا يَتَسَرَّعُ النَّاسُ إلَيْهِ وَالزَّرْعُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ إلَّا مَخَافَةَ الْمَوَاشِي، وَقَدْ يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ يَأْمَنُهَا، وَأَمَّا الْحَرْثُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي الزَّرْعِ، وَهُوَ إنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الشَّجَرِ فَقَدْ تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ بَعْدَ أَنْ أَتَى بِذَلِكَ.
(فَرْعٌ)
فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ بَعْلًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَ يَحْتَاجُ مِنْ الْمُؤْنَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ شَجَرُ الْبَقْلِ، وَإِنْ تُرِكَ خِيفَ أَنْ يَضِيعَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ مُؤْنَةٌ وَلَا عَمَلٌ فِيهِ لَمْ تَجُزْ مُسَاقَاتُهُ إنَّمَا يَقُولُ احْفَظْهُ لِي وَاحْصُدْهُ وَأَدْرُسُهُ لَك عَلَى أَنَّ لَك نِصْفَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَلَا يَجُوزُ عِنْدِي لِأَنَّهَا أُجْرَةٌ، وَإِنَّمَا جَازَ فِي الشَّجَرِ الْبَقْلِ لِلضَّرُورَةِ، وَهَذَا لَا ضَرُورَةَ فِيهِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ يَحْتَاجُ إلَى تَفْسِيرٍ لِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ، وَفِي النَّخْلِ إذَا قَالَ لَهُ احْفَظْهُ لِي وَجُدَّهُ، وَلَك نِصْفُهُ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا قَدَّمْنَا الْإِشَارَةَ إلَيْهِ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ لَا تَجُوزُ إلَّا فِي الْمَالِ الَّذِي لَا يَنْمُو إلَّا بِالْعَمَلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَأْجَرَ لِمَنْفَعَتِهِ الْمَقْصُودَةِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعَمَلُ يَلْزَمُ فِيهِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَهَذَا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَشْجَارِ لِأَنَّهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ حَرْثٍ وَتَقْسِيمٍ وَسَدِّ حِظَارٍ مَعَ كَوْنِهَا مِنْ الْبَعْلِ، وَأَمَّا الزَّرْعُ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ إلَّا بَعْدَ اسْتِقْلَالِهِ عَنْ الْأَرْضِ فَإِنْ كَانَ بَعْلًا فَلَا يَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى عَمَلٍ إلَى أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ، وَتِلْكَ حَالٌ لَا تَجُوزُ فِيهَا الْمُسَاقَاةُ مَعَ أَنَّ الزَّرْعَ تَقْصُرُ مُدَّتُهُ، وَلَا يُسْتَدَامُ الْعَمَلُ فِيهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَا كَانَ بِمَثَابَةِ الزَّرْعِ مِمَّا الْغَرَضُ فِي حَبِّهِ دُونَ بَقْلِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكَمُّونِ.
وَقَدْ رَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْعُصْفُرِ، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْكَمُّونِ إذْ لَيْسَ مِنْ شَجَرَةٍ بَاقِيَةٍ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ نُوَّارُهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا الْمَقَاثِي فَجَوَّزَ مَالِكٌ فِيهَا الْمُسَاقَاةَ كَالتِّينِ وَالْجُمَّيْزِ وَالْقُطْنِ وَالْمَقَاثِي، وَإِنْ كَانَ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ فَلَعَلَّ هَذَا الْجَوَازُ بِأَنَّ الثَّمَرَةَ تُؤْخَذُ مِنْهُ، وَأَصْلُهُ ثَابِتٌ احْتِرَازٌ مِنْ الْقَصَبِ الْحُلْوِ وَالْمَوْزِ الَّذِي يَبْقَى لَهُ أَصْلٌ بَعْدَ أَخْذِ ثَمَرَتِهِ، وَكَذَلِكَ الزَّعْفَرَانُ وَالرَّيْحَانُ الَّذِي هُوَ مِنْ جِنْسِ الْأَحْبَاقِ، وَالْبَقْلُ وَالْقَصَبُ وَالْقُرْطُ، وَلِذَلِكَ مَنَعَ الْمُسَاقَاةَ فِيهِ، وَعَلَّلَ فِي الْوَاضِحَةِ تَجْوِيزَ الْمُسَاقَاةِ فِي الْمَقَاثِي لِتَفَاوُتِ طِيبِهَا يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ بُطُونَهَا لَا تَنْفَصِلُ، وَشَبَّهَهُ بِالتِّينِ الَّذِي يَطِيبُ بَعْضُهُ بَعْدَ بَعْضٍ قَالَ وَلَيْسَ شَيْءٌ بَعْدَ شَيْءٍ كَالْقَصَبِ يُرِيدُ أَنَّهُ تَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ كَتَمَيُّزِ بُطُونِ الْقَصَبِ وَالْمَوْزِ وَأَمَّا الْقُطْنُ فَإِنْ كَانَ يُزْرَعُ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَقَاثِي وَالْعُصْفُرِ، وَإِنْ كَانَ يَبْقَى أَصْلُهُ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الْعَادِي فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا الْمَوْزُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْمَوْزِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَكُلُّ مَا يُجَذُّ وَيَخْلُفُ مِثْلُ الْقَصَبِ وَالْمَوْزِ وَالْقُرْطِ، وَشَبَهِهِ مِنْ الْبُقُولِ لَا تَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ، وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ اجْتَمَعَتْ فِيهِ مَعَانٍ مُؤَثِّرَةٌ فِي مَنْعِ الْمُسَاقَاةِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ سَاقٌ كَالشَّجَرِ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَلَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ الَّذِي إنَّمَا يُوجَدُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ إذَا
стр. 1467
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا تَصْلُحُ الْمُسَاقَاةُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأُصُولِ مِمَّا تَحِلُّ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ إذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ قَدْ طَابَ وَبَدَا صَلَاحُهُ وَحَلَّ بَيْعُهُ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَاقَى مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَإِنَّمَا مُسَاقَاةُ مَا حَلَّ بَيْعُهُ مِنْ الثِّمَارِ إجَارَةٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَاقَى صَاحِبُ الْأَصْلِ ثَمَرًا قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ إيَّاهُ، وَيَجُذَّهُ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ يُعْطِيهِ إيَّاهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْمُسَاقَاةِ إنَّمَا الْمُسَاقَاةُ مَا بَيْنَ أَنْ يُجَذَّ النَّخِيلُ إلَى أَنْ يَطِيبَ الثَّمَرُ، وَيَحِلَّ بَيْعُهُ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ سَاقَى ثَمَرًا فِي أَصْلٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَيَحِلَّ بَيْعُهُ فَتِلْكَ الْمُسَاقَاةُ بِعَيْنِهَا جَائِزَةٌ)
ــ
[المنتقى]
أُخِذَ لَمْ يَبْقَ أَصْلٌ يَخْلُفُ، وَالْمَوْزُ يَبْقَى لَهُ أَصْلٌ، وَهَذَا حُكْمُ مَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْزِ فِي ذَلِكَ كَالْقَصَبِ وَالْقَرَطِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
الْمُغْيِبَةُ كُلُّهَا مِمَّا لَا يُدَّخَرُ فَهُوَ كَالْبَقْلِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَهَذَا أَحَبُّ إلَيْنَا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَكَذَلِكَ الرَّيَاحِينُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا تَجُوزُ مُسَاقَاةٌ فِي الْبُقُولِ كُلِّهَا لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا إذَا بَدَا صَلَاحُهَا أَوَّلُهَا كَالْمَوْزِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَالْمَقَاثِيِّ لِأَنَّ ذَلِكَ نَبَاتٌ وَاحِدٌ يَتَقَارَبُ طِيبُهُ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا الزَّعْفَرَانُ وَالرَّيْحَانُ وَالْبَقْلُ وَالْقَصَبُ وَالْقَرَطُ فَلَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ، وَجَعَلَ قَصَبَ السُّكَّرِ كَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَرَآهُ اخْتِلَافًا مِنْ قَوْلِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ الْبَقْلُ مِثْلُ الْفُجْلِ وَالْجَزَرِ وَاللُّفْتِ وَالْبَصَلِ، وَشَبَهِهِ تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ إذَا ظَهَرَ مِنْ الْأَرْضِ، وَعَجَزَ صَاحِبُهُ مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَى حَدٍّ يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْبِطِّيخِ، وَالْأُصُولِ الْمُغَيَّبَةِ كُلِّهَا عَجَزَ عَنْهَا صَاحِبُهَا أَوْ لَمْ يَعْجِزْ فَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ لَا يُسَاقَى شَيْءٌ مِنْ الْبُقُولِ فَإِنْ عَنَى بِهِ الْكُزْبَرَ وَالْقَطَفَ وَالْخُضَرَ الَّتِي تُؤْكَلُ فَإِنَّ تِلْكَ إذَا اسْتَقَلَّتْ جَازَ بَيْعُهَا، وَإِلَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَشَارَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ مَا ظَهَرَ مِنْ وَرِقِهِ دُونَ بَذْرٍ يَكُونُ فِيهِ، وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا مُسَاقَاةَ فِيهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْأُصُولِ الْمُغَيَّبَةِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا أَنْ لَا تَظْهَرَ مِنْ الْأَرْضِ، وَالْمُسَاقَاةُ مُخْتَصَّةٌ بِمَا كَانَ ظَاهِرًا عَلَى الْأَرْضِ، وَبِذَلِكَ يَخْتَصُّ السَّقْيُ بِالشَّجَرِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الزَّرْعِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَظْهَرَ، وَوَجْهُ تَجْوِيزِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ أَصْلٌ، وَلِلْعَمَلِ فِيهِ غَايَةٌ يَنْتَهِي إلَيْهَا، وَتُنَالُ ثَمَرَتُهُ فِيهَا، وَلَا يَبْقَى لَهُ مَا يُجْلَبُ كَالزَّرْعِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا قَصَبُ السُّكَّرِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ إذَا ظَهَرَ وَعَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ وَمَنَعَ مِنْهُ فِي الْوَاضِحَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّهُ إنَّمَا تُؤْخَذُ ثَمَرَتُهُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ كَالزَّرْعِ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ مِمَّا يُخْلِفُ أَصْلُهُ كَالْمَوْزِ وَالْقَصَبِ.
(ش) : قَوْلُهُ لَا تَحِلُّ الْمُسَاقَاةُ فِي شَيْءٍ تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ إذَا طَابَ ثَمَرُهُ وَحَلَّ بَيْعُهُ يُرِيدُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُ ثَمَرَتِهِ، وَيَحِلَّ بَيْعُهُ لِلضَّرُورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَإِذَا حَلَّ بَيْعُهُ ارْتَفَعَتْ الضَّرُورَةُ فَلَمْ تَجُزْ الْمُسَاقَاةُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَعْجِيلُ نَفْعِهِ بِبَيْعِهِ أَوْ بِالْإِجَارَةِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ الْإِجَارَةُ بِهِ، وَلِلْأَشْجَارِ أَحْوَالٌ حَالٌ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ فِيهَا ثَمَرَةٌ، وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ فِيهَا الْمُسَاقَاةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَهْلِ خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ» فَعَقَدَ مُسَاقَاةً لِأَعْوَامٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ فِي النَّخْلِ حِينَئِذٍ ثَمَرَةٌ أَوْ لَا تَكُونَ فِيهَا ثَمَرَةٌ فَإِنْ كَانَ فِيهَا ثَمَرَةٌ فَقَدْ تَنَاوَلَ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ الْعَامِ مِنْ الْأَعْوَامِ، وَثَمَرَةُ تِلْكَ الْأَعْوَامِ مَعْدُومَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ الْعَامَ بَعْدُ ثَمَرَةٌ فَلَمْ يَتَنَاوَلْ الْعَقْدُ عَامًا إلَّا وَثَمَرَتُهُ مَعْدُومَةٌ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ كَانَ فِيهَا ثَمَرَةٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا فَتِلْكَ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا الْمُسَاقَاةُ دُونَ خِلَافٍ بَيْنَ مَنْ يَجُذُّهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهَا ثَمَرَةٌ قَدْ بَدَا صَلَاحُهَا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ.
(فَرْعٌ)
فَإِنْ وَقَعَتْ الْمُسَاقَاةُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ تَجُوزُ فِيهِ الْإِجَارَةُ، وَلَمْ تَجُزْ مُسَاقَاتُهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ فِي إزْهَاءِ الثَّمَرَةِ شَيْئًا مَعْلُومًا، وَيُرْجَعُ إلَى الْمُسَاقَاةِ، وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ مَا لَمْ تَفُتْ، وَلَا يَكُونُ إجَارَةً، وَمَعْنَى الْإِجَارَةِ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَتَضَمَّنُ أَنَّ
стр. 1468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَلَى الدَّاخِلِ النَّفَقَةَ عَلَى رَقِيقِ الْحَائِطِ، وَجَمِيعَ مَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ مِنْ الْمُؤَنِ وَالنَّفَقَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْلُومًا، وَلَا يَجُوزُ فِي الْإِجَارَةِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْإِجَارَةِ، وَلَا تَبْطُلُ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ لِأَنَّ مَا يُعْطَاهُ الْمُسَاقَى غَيْرُ مَكِيلٍ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ نِصْفِ ثَمَرِ حَائِطٍ وَمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ بِهِ وَجَوَّزَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ الْمُسَاقَاةَ فِي الثَّمَرَةِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ كَاَلَّذِي يَبْدُو صَلَاحُهُ مِنْ التِّينِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَشْجَارِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ سَاقَى حَائِطًا قَدْ أَزْهَتْ ثَمَرَتُهُ لِهَذِهِ السَّنَةِ وَسِنِينَ بَعْدَهَا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُفْسَخُ إنْ أُدْرِكَ قَبْلَ أَنْ تُجَدَّ الثَّمَرَةُ أَوْ بَعْدَمَا جَدَّهَا لِأَنَّهُ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ لَهُ نَفَقَتُهُ الَّتِي أَنْفَقَ، وَعَمَلُ مِثْلِهِ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ النَّفَقَةُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَمَا أَنْفَقَ.
(فَرْعٌ)
وَإِنْ عَمِلَ فِي النَّخْلِ بَعْدَمَا جَدَّ الثَّمَرَةَ لَمْ يَكُنْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْهُ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ السَّنَتَيْنِ كِلَيْهِمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ لِأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ فِي الْحَائِطِ، وَالنَّخْلُ قَدْ يَنْقُصُ حَمْلُهَا فِي عَامٍ، وَيَزِيدُ فِي آخَرَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْ السَّنَتَيْنِ ظَلَمَ أَحَدَهُمَا، وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْمُسَاقَاةَ الْفَاسِدَةَ الَّتِي يُرْجَعُ فِيهَا إلَى مُسَاقَاةِ الْمِثْلِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ مَا لَمْ يَعْمَلْ الْعَامِلُ فَإِذَا عَمِلَ لَمْ يُفْسَخْ، وَمَا يُرَدُّ إلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَيُفْسَخُ عَمِلَ أَوْ لَمْ يَعْمَلْ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فَجَعَلَ الْفَوَاتَ بِابْتِدَاءِ الْعَمَلِ فِي وَقْتٍ تَصِحُّ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أُدْرِكَ قَبْلَ مَجِيءِ ثَمَرَةِ قَابِلٍ فُسِخَ، وَأَخَذَ إجَارَةَ مِثْلِهِ وَنَفَقَتَهُ، وَإِنْ لَمْ يُفْسَخْ حَتَّى أَتَتْ ثَمَرَةُ قَابِلٍ لَمْ يُفْسَخْ إلَى بَقِيَّةِ السَّنَتَيْنِ فَجَعَلَ الْفَوَاتَ بِظُهُورِ ثَمَرَةِ عَامٍ مِنْ أَعْوَامِ الْمُسَاقَاةِ، وَلَا يَلْزَمُ هَذَا فِي قَوْلِهِ إنَّهُ تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الثَّمَرَةِ الْمُزْهِيَةِ، وَتَكُونُ إجَارَةً لِأَنَّهُ لَمَّا جَمَعَ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ عَقْدَ إجَارَةٍ، وَعَقْدَ مُسَاقَاةٍ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ ازْدِيَادٌ مِنْ أَحَدِهِمَا فِي الْمُسَاقَاةِ، وَإِنَّمَا يُجَوِّزُهُ سَحْنُونٌ إذَا انْفَرَدَ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِي الْحَائِطِ تَكُونُ فِيهِ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ حَلَّ بَيْعُ بَعْضِهَا، وَلَمْ يَحِلَّ بَيْعُ سَائِرِهَا فَجَمَعَ ذَلِكَ فِي الْمُسَاقَاةِ قَالَ وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَزْهَى فِي الْحَائِطِ الْأَقَلَّ جَازَتْ، وَإِنْ كَثُرَ لَمْ يَجُزْ فِيهِ، وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ جَمْعُ الْإِجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ، وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ فِيمَا قَدْ أَزْهَى مِنْ الثَّمَرَةِ فَاسِدٌ فَفَسَدَ مَا قَارَبَهُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَاقَى فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ وُقُوعَ الْعَقْدِ بَعْدَ جَدِّ الثَّمَرَةِ الَّتِي أَزْهَتْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَعْقِدَ لِأَنَّ الْعَقْدَ لِلْعَامِ الْمُقْبِلِ فَيَكُونُ أَوَّلُهُ بَعْدَ الْجِدَادِ لِلثَّمَرَةِ الْمُزْهِيَةِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ فِي عَامٍ أَوَّلَ الْعَامِ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ مَعَ قُرْبِ الْمُدَّةِ.
١ -
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا مُسَاقَاةُ مَا حَلَّ بَيْعُهُ مِنْ الثِّمَارِ إجَارَةٌ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَصِحُّ فِيهِ بَدَلَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ عَقْدُ الْإِجَارَةِ فَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَلَا تَجُوزُ فِيهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْإِجَارَةِ، وَأَنَّ الْعَقْدَ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُسَاقِيهِ ثَمَرًا بَدَا صَلَاحُهُ عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ إيَّاهُ، وَيَجُدَّهُ لَهُ كَمَا لَوْ أَعْطَاهُ عَلَى ذَلِكَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسَاقَاةٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ، وَلَيْسَ فِي وَقْتِ الْمُسَاقَاةِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا الْمُسَاقَاةُ مَا بَيْنَ أَنْ يُجَدَّ النَّخْلَ إلَى أَنْ يَطِيبَ ثَمَرُهُ يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا الْمُسَاقَاةُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا تِلْكَ الْمُدَّةُ الَّتِي تُثْبِتُ لِمَا انْعَقَدَ فِيهَا بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ حُكْمَ الْمُسَاقَاةِ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَتِلْكَ الْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ إنَّ مُسَاقَاةَ مَا حَلَّ بَيْعُهُ مِنْ الثِّمَارِ إجَارَةٌ أَنَّ مُسَاقَاتِهِ لَا تَجُوزُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ تُعْقَدَ فِيهَا الْإِجَارَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ سَاقَى حَائِطًا يَعْمَلُ فِيهِ بِثَمَرَةِ حَائِطٍ آخَرَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا تَجُوزُ إلَّا أَنْ تَكُونَ ثَمَرَةُ الْآخَرِ قَدْ أَزْهَتْ فَهِيَ إجَارَةٌ فَإِنْ لَمْ تُزْهِ فَهِيَ مُسَاقَاةٌ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ عَلَى أَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ
стр. 1469
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَسَاقَى الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَحِلُّ لِصَاحِبِهَا كِرَاؤُهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَثْمَانِ الْمَعْلُومَةِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي يُعْطِي أَرْضَهُ الْبَيْضَاءَ بِالثُّلُثِ أَوْ الرُّبْعِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا فَذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُهُ الْغَرَرُ لِأَنَّ الزَّرْعَ يَقِلُّ مَرَّةً، وَيَكْثُرُ مَرَّةً، وَرُبَّمَا هَلَكَ رَأْسًا فَيَكُونُ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَدْ تَرَكَ كِرَاءً مَعْلُومًا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُكْرِيَ أَرْضَهُ بِهِ، وَأَخَذَ أَمْرًا غَرَرًا لَا يَدْرِي أَيَتِمُّ أَمْ لَا فَهَذَا مَكْرُوهٌ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرَ السَّفَرِ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ قَالَ الَّذِي اسْتَأْجَرَ الْأَجِيرَ هَلْ لَك أَنْ أُعْطِيَك عُشْرَ مَا أَرْبَحُ فِي سَفَرِي هَذَا إجَارَةً لَك فَهَذَا لَا يَحِلُّ، وَلَا يَنْبَغِي قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ، وَلَا أَرْضَهُ وَلَا سَفِينَتَهُ إلَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ لَا يَزُولُ إلَى غَيْرِهِ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ وَالْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ أَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَصَاحِبُ الْأَرْضِ يُكْرِيهَا، وَهِيَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَا شَيْءَ فِيهَا)
ــ
[المنتقى]
احْتِمَالِهِ اللَّفْظَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَلِإِبْطَالِ الْعَقْدِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ إنَّمَا مَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ مُسَاقَاةَ مَا أَزْهَى، وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إجَارَةً لِأَنَّ عُرْفَ الْمُسَاقَاةِ أَنْ لَا يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا إلَى جِدَادِ الثَّمَرَةِ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَرَطَ عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ لَا يُقَاسِمَهُ، وَلَا يَتَصَرَّفَ فِي نَصِيبِهِ إلَّا عِنْدَ الْقِسْمَةِ بَعْدَ الْجِدَادِ، وَهُوَ فِي الْإِجَارَةِ لَوْ شَرَطَ هَذَا لَمْ يَجُزْ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ بِبَعْضِهِ إذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُقَاسِمَ، وَيَتَصَرَّفَ فِي نَصِيبِهِ مَا شَاءَ فَإِنْ اُعْتُرِضَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ فِي بَيْعِ أَحَدِ الْمُسَاقِيَيْنِ لِسَهْمِهِ فَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ، وَالْمُشْتَرِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْجَدِّ فَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ وَقَعَتْ عَلَى التَّقِيَّةِ فَلَمَّا احْتَاجَ إلَى الْبَيْعِ، وَاسْتَضَرَّ بِمَنْعِهِ سُومِحَ بِذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ.
(ش) : قَوْلُهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَسَاقَى الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لِصَاحِبِهَا كِرَاؤُهَا يُرِيدُ أَنَّ مَا حَلَّ بَيْعُهُ لِلْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ لَا يَحِلُّ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهِ بِبَعْضِ نَمَائِهِ الْخَارِجِ عَنْهُ، وَبِذَلِكَ لَا تَجُوزُ مُسَاقَاةُ الْأَرْضِ الَّتِي يَجُوزُ كِرَاؤُهَا لِلْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهَا وَهِيَ الثَّمَرَةُ، وَإِنْ جَازَ أَنْ تُكْرَى لِغَيْرِ مَنْفَعَتِهَا الْمَقْصُودَةِ مِنْهَا لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْشُرَ عَلَيْهَا ثِيَابًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ يَحِلُّ لِصَاحِبِهَا كِرَاؤُهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَثْمَانِ يُرِيدُ، وَمَا أَشْبَهَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ فَإِنَّمَا يُمْنَعُ كِرَاؤُهَا بِكَثِيرٍ مِمَّا يُعَاوَضُ بِهِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(ش) : قَوْلُهُ فَاَلَّذِي يُعْطِي أَرْضَهُ الْبَيْضَاءَ بِثُلُثِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَوْ رُبْعِهِ يَدْخُلُهُ الْغَرَرُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُكْرِيَ أَرْضَهُ الْبَيْضَاءَ بِجُزْءٍ يَخْرُجُ مِنْهَا، وَإِنْ جَازَ أَنْ يُكْرِيَهَا فِي الْجُمْلَةِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ الرُّبْعَ لَا يَدْرُونَ قَدْرَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَقِلُّ مَرَّةً، وَرُبَّمَا تَلِفَ جَمِيعُهُ، وَيَكْثُرُ أُخْرَى، وَالْكِرَاءُ مُعَاوَضَةٌ عَلَى مَنَافِعِ الْأَرْضِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ لَا سِيَّمَا فِيمَنْ تُمْكِنُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ لِشَيْءٍ مَعْلُومٍ، وَإِنَّمَا جَازَ فِي الْمُسَاقَاةِ لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَى مَنَافِعِ الثِّمَارِ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا بِثُلُثِ مَا يَرْبَحُ فِي سَفَرِهِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ اسْتِئْجَارِهِ بِإِجَارَةٍ مَعْلُومَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَقَدْ جَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ اسْتِئْجَارَ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ «كَانُوا يَزْرَعُونَهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ وَالنِّصْفِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ» ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا عِوَضٌ فِي الْإِجَارَةِ مَجْهُولٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا كَالْجُزْءِ الَّذِي لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمُخَابَرَةُ اكْتِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْجُزْءِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَالْخَبَرُ حَرْثُ الْأَرْضِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا بِطَعَامٍ مُقَدَّرٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ عَمِّهِ «ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقًا قُلْت مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ حَقٌّ قَالَ
стр. 1470
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ قُلْتُ نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبْعِ، وَعَلَى الْأَوْسُقِ مِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ قَالَ لَا تَفْعَلُوا ازْرَعُوهَا وَأَزْرِعُوهَا أَوْ أَمْسِكُوهَا قَالَ رَافِعٌ قُلْت سَمْعًا وَطَاعَةً» قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مَالِكٌ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الْمُحَاقَلَةِ هُوَ اكْتِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ مَنْفَعَةُ الْأَرْضِ الَّتِي اُكْتُرِيَتْ لَهَا، وَهِيَ الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا إنَّمَا هُوَ الطَّعَامُ الْخَارِجُ فَإِذَا اكْتَرَاهَا مِنْهُ بِطَعَامٍ فَهُوَ طَعَامٌ بِطَعَامٍ غَيْرِ مَقْبُوضٍ، وَلَا مُقَدَّرٍ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَسَوَاءٌ كَانَ الطَّعَامُ الَّذِي اكْتَرَى بِهِ الْأَرْضَ مِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ كَالْحَبِّ وَالتَّمْرِ أَوْ مِمَّا لَا تَنْبُتُهُ كَاللَّحْمِ وَاللَّبَنِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ لَا يُكْرَى بِشَيْءٍ إذَا أُعِيدَ فِيهَا نَبَتَ، وَتُكْرَى بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَا تُنْبِتُ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ، وَغَيْرُهُ لَا تُكْرَى بِالْحِنْطَةِ، وَأَخَوَاتِهَا وَتُكْرَى بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَطْعُومٍ، وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَكَرِهَ مَالِكٌ اكْتِرَاءَهَا بِالطَّعَامِ لِأَنَّهُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ مُؤَجَّلٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنَّمَا كَرِهَهُ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُحَاقَلَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَرْضًا لَا تُنْبِتُ ذَلِكَ الشَّيْءَ كَالْقُطْنِ وَالزَّعْفَرَانِ فِي أَرْضٍ لَا تُنْبِتُهُمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَجْهُ كَرَاهِيَتِهِ عِنْدِي مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُحَاقَلَةِ» ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ «نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ» ، وَهَذَا عَامٌّ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا طَعَامٌ فَلَمْ يَجُزْ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِهِ كَالْقَمْحِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُزْرَعُ فِي الْأَرْضِ فَجَازَ أَنْ تُكْرَى بِهِ كَالْحَطَبِ وَالْجُذُوعِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ إنَّ كُلَّ مَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَمْحِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُكْرَى بِهِ الْأَرْضُ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَا تُكْرَى الْأَرْضُ بِشَيْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ النَّبَاتِ مِمَّا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ كَالْكَتَّانِ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ الْحَشِيشِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا بَأْسَ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ بِالْخَضِرِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ مِنْ الْكَلَأِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُزْرَعُ، وَلَا مِنْ الطَّعَامِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ مِمَّا تَنْبُتُهُ الْأَرْضُ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُكْرَى بِهِ كَالْقَمْحِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ إنَّمَا يُكْرَهُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا لِئَلَّا يُعْطِيَك مِمَّا تُنْبِتُ أَرْضُك أَوْ يَدْخُلَهُ الْجُزَافُ الْمَجْهُولُ بَيْنَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ، وَمَا تُنْبِتُهُ أَرْضُك فَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ لَا تُنْبِتُ ذَلِكَ الْجِنْسَ فَقَدْ أَمِنْت ذَلِكَ كُلَّهُ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا لَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِالْكَتَّانِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِالثِّيَابِ مِنْ الْمَوَّازِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ اسْتَحَالَ عَنْ جِنْسِ الْأَصْلِ فَلَيْسَ هُوَ مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَا بَأْسَ أَنْ تُكْرَى بِالْجُذُوعِ وَالْحَطَبِ وَالْخَشَبِ وَالْعُودِ، وَبِأَصْلِ شَجَرٍ لَا يُثْمِرُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ، وَلِأَنَّهُ يَتْبَعُهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ بِخِلَافِ الزَّرْعِ فَكَأَنَّهُ إنَّمَا أَكْرَاهَا بِأَرْضٍ أُخْرَى، وَذَلِكَ جَائِزٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنَّمَا أَجَازَهُ بِالْخَشَبِ لِأَنَّهُ لَيْسَ الَّذِي يُزْرَعُ، وَهَذَا الَّذِي يَنْتَقِضُ بِالْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ فَإِنَّهُ لَا يُزْرَعُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ بِهِمَا.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ مَالِكٍ وَلَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ وَلَا أَرْضَهُ، وَلَا سَفِينَتَهُ إلَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ يُرِيدُ مَعْلُومَ الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ أَوْ حَزْرٍ إنْ كَانَ قَرِيبًا غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِالذِّمَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنْ يُكْرِي أَرْضَهُ بِجُزْءٍ مِمَّا تُخْرِجُهُ فَإِنَّ مَا تُخْرِجُهُ غَيْرُ مَعْلُومِ الصِّفَةِ، وَلَا الْقَدْرِ، وَلَا مَرْئِيٌّ يُنْظَرُ إلَيْهِ.
١ -
(فَصْلٌ)
وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ وَالْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ أَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَصَاحِبُ الْأَرْضِ يُكْرِيهَا يُرِيدُ أَنَّ النَّخْلَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مَنْفَعَتَهَا الْمَقْصُودَةَ مِنْهَا، وَهِيَ الثَّمَرَةُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا فَإِذَا بَدَا، وَجَازَ ذَلِكَ لَمْ تَجُزْ فِيهَا الْمُسَاقَاةُ، وَصَارَتْ بِمَنْزِلَةِ
стр. 1471
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي النَّخْلِ أَيْضًا أَنَّهَا تُسَاقَى السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ، وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَأَكْثَرَ قَالَ، وَذَلِكَ الَّذِي سَمِعْت، وَكُلُّ شَيْءٍ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلِ يَجُوزُ فِيهِ لِمَنْ سَاقَى مِنْ السِّنِينَ مِثْلُ مَا يَجُوزُ فِي النَّخْلِ) .
ــ
[المنتقى]
الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ لَمَّا جَازَ أَنْ تُبَاعَ مَنْفَعَتُهَا الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا، وَهِيَ الزِّرَاعَةُ فِيهَا، وَاكْتِرَاؤُهَا لِلزَّرْعِ قَبْلَ الصَّلَاحِ لَمْ تَجُزْ الْمُسَاقَاةُ فِيهَا.
(ش) : قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ عَقْدٌ لَازِمٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ عَقْدٌ الْمُسَاقَاةِ لَازِمٌ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهُ بَعْدَ عَقْدِهِ إلَّا بِرِضَا صَاحِبِهِ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا لَكَانَ، وَرَثَتُهُ مَكَانَهُ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا انْعَقَدَتْ الْمُسَاقَاةُ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا رُجُوعٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ كَالْإِجَارَةِ بِخِلَافِ الْقِرَاضِ، وَقَدْ رَأَيْت لِبَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْجِدَادِ لَبَطَلَتْ الْمُسَاقَاةُ، وَلَيْسَ كَالْعُقُودِ اللَّازِمَةِ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَضْ، وَلَعَلَّهُ تَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ فِي عَيْنِ السَّقْيِ تَغُورُ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْعَمَلِ فَلَا شَيْءَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعَمَلِ لَزِمَهُ أَنْ يُنْفِقَ بِقَدْرِ مَا يَقَعُ لَهُ مِنْ الثَّمَرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلِلْعَامِلِ أَنْ يُنْفِقَ، وَيَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْ الثَّمَرَةِ رَهْنًا بِيَدِهِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْعَامِلِ يَنْدَمُ فَيَسْأَلُ الْإِقَالَةَ قَبْلَ الْعَمَلِ فَيَأْبَى صَاحِبُ الْحَائِطِ أَنْ يُقِيلَهُ فَيُعْطِيَهُ عَلَى ذَلِكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ قَبْلَ الْعَمَلِ وَلَا بَعْدَهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي اللُّزُومَ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَلَوْ لَمْ يَلْزَمْ قَبْلَ الْعَمَلِ لَمَا لَحِقَهُ نَدَمٌ، وَلَا سَأَلَ إقَالَةً، وَلَا زَادَ لِذَلِكَ مِائَةً، وَأَمَّا الْقَبْضُ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْقِرَاضِ، وَإِنَّمَا التَّأْثِيرُ لِلْعَمَلِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمُسَاقَاةُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ إذَا عَقَدَاهَا بَيْنَهُمَا لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا حَتَّى يُتِمَّ أَجَلَهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ جَازَ أَنْ يُعْقَدَ لَوْ جَائِب عِنْدَهُ كَاكْتِرَاءِ الْأَرْضِ، وَمَا لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَمِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ كَالشَّرِكَةِ وَالْقِرَاضِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْقَدَ إلَّا عَقْدًا مُطْلَقًا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ وَجَائِبُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي اللُّزُومَ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَوَجَائِبُهُ بِالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ حَبِيبٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ أُجْرَةَ الْعَامِلِ لَا تَصِحُّ أَنْ تَكُونَ إلَّا مِنْ الثَّمَرَةِ الَّتِي يَعْمَلُ فِي أَصْلِهَا بِجُزْءٍ مِنْهَا فَكَانَ الْعَمَلُ إلَى أَنْ يُمْكِنَ قِسْمَتُهَا كَرِبْحِ الْقِرَاضِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ بِالسِّنِينَ يُرِيدُ مِنْ الْجِدَادِ إلَى الْجِدَادِ.
١ -
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ إنَّ النَّخْلَ يَجُوزُ أَنْ يُسَاقَى لِسَنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَأَكْثَرَ يُرِيدُ مَا لَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ جِدًّا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْعَشْرِ سِنِينَ وَالثَّلَاثِينَ وَالْخَمْسِينَ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَدْرِي مَا هَذَا، وَمَا لَمْ يَكْثُرْ جِدًّا فَلَا بَأْسَ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ أَخَذَ النَّخْلَ مُسَاقَاةً ثَلَاثَ سِنِينَ فَعَمِلَ فِي النَّخْلِ سَنَةً ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُتِمَّ أَجَلَ الْمُسَاقَاةِ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا قَبْلَ ذَلِكَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ فَإِنَّ لَهُمَا أَنْ يَتَتَارَكَا بِغَيْرِ جُعْلٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْعَامِلُ شَيْئًا قَبْلَ الْعَمَلِ وَلَا بَعْدَهُ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَامِلَ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ النَّخْلَ إلَى غَيْرِهِ مُسَاقَاةً فَإِذَا رَدَّهَا إلَى رَبِّهَا فَقَدْ سَاقَاهُ فِيهَا، وَلَمْ يَجُزْ عِنْدِي أَنْ يَزِيدَهُ شَيْئًا لِأَنَّهُ يَكُونُ زِيَادَةً مِنْ أَحَدِ الْمُسَاقِيَيْنِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْمُسَاقَاةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ صَاحِبُ الْحَائِطِ لَهُ اُخْرُجْ، وَأُعْطِيكَ قِيمَةَ مَا أَنْفَقْتَ وَإِنْ رَضِيَا بِذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي الْمُسَاقَاةِ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ الْعَامِلُ النَّخْلَ مُسَاقَاةً إلَى رَبِّ الْحَائِطِ بِأَقَلَّ مِمَّا أَخَذَهُ مَا لَمْ تَطِبْ الثَّمَرَةُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ مُحَمَّدٌ، وَمَا لَمْ يَضْمَنْ لَهُ الْجُزْءَ الْبَاقِيَ مِنْ الثَّمَرَةِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ حَتَّى يَحْتَاجَ الْعَامِلُ أَنْ يَزِيدَ مِنْ حَائِطٍ آخَرَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا سَاقَاهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ فَهِيَ مُسَاقَاةٌ صَحِيحَةٌ لِأَنَّ الْعَامِلَ الْأَوَّلَ لَمَّا عَمِلَ صَارَ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْحَائِطِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَاقِيَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ فَيَبْقَى لِلْعَامِلِ فِي الْحَائِطِ سُدُسٌ أَوْ رُبْعٌ كَمَا يَبْقَى لِصَاحِبِ الْحَائِطِ إذَا سَاقَى غَيْرَهُ فَإِذَا سَاقَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ
стр. 1472
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُسَاقِي إنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي سَاقَاهُ شَيْئًا مِنْ ذَهَبٍ، وَلَا وَرِقٍ يَزْدَادُهُ وَلَا طَعَامٍ، وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ الْمُسَاقِيَ مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ شَيْئًا يَزِيدُهُ إيَّاهُ مِنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، وَالزِّيَادَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا لَا تَصْلُحُ قَالَ مَالِكٌ وَالْمُقَارِضُ أَيْضًا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ لَا يَصْلُحُ، إذَا دَخَلَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْمُسَاقَاةِ أَوْ الْمُقَارَضَةِ صَارَتْ إجَارَةً، وَمَا دَخَلَتْهُ الْإِجَارَةُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ الْإِجَارَةُ بِأَمْرِ غَرَرٍ لَا يُدْرَى أَيَكُونُ أَوْ لَا يَكُونُ أَوْ يَقِلُّ أَوْ يَكْثُرُ) .
ــ
[المنتقى]
ذَلِكَ الْجُزْءِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَشْتَرِطَ صَاحِبُ الْحَائِطِ لِلْعَامِلِ جُزْءًا زَائِدًا مِنْ حَائِطٍ آخَرَ عَلَى جَمِيعِ ثَمَرِ حَائِطِ الْمُسَاقِي، وَرَوَى ابْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إنْ لَمْ يَعْمَلْ جَازَ أَنْ يُعْطِيَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ جُزْءًا مِنْ الثَّمَرَةِ، وَإِنْ عَمِلَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَوْ اُطُّلِعَ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ سَارِقٌ مُبَرِّحٌ يُخَافُ مِنْهُ أَنْ يَقْطَعَ النَّخْلَ، وَيَذْهَبَ بِالثَّمَرَةِ أَوْ يُخَرِّبَ الدَّارَ، وَيَبِيعَ أَبْوَابَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إخْرَاجُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ السِّلْعَةَ مِنْ رَجُلٍ مُفْلِسٍ، وَالْبَائِعُ لَا يَعْلَمُ بِفَلَسِهِ أَنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ فَهَذَا مِثْلُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْمُسَاقِيَ شَرِيكٌ فِي أَصْلِ الثَّمَرَةِ، وَالشَّرِيكُ لَا يَسْتَطِيعُ شَرِيكُهُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ عَيْنِ حَقِّهِ لِمَا يَظْهَرُ فِيهِ مِنْ خِيَانَةٍ وَلَا غَيْرِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَا تَنْفَسِخُ الْمُسَاقَاةُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَسَاقِيَيْنِ فَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ عَمِلَ وَرَثَتُهُ إنْ كَانُوا أُمَنَاءَ كَمَا كَانَ صَاحِبُهُمْ يَعْمَلُ فَإِنْ أَبَوْا ذَلِكَ كَانَ مَالُ الْمَيِّتِ لَازِمًا لَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ أُمَنَاءَ لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِمْ، وَيَأْتُونَ بِأَمِينٍ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَفَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَظْهَرَ مِنْ الْعَامِلِ سَرِقَةٌ أَوْ إغَارَةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَامِلَ تَعَلَّقَتْ الْمُسَاقَاةُ بِذِمَّتِهِ وَمَالِهِ، وَلَزِمَتْهُ أَكْثَرَ مِنْ لُزُومِهَا لِلْوَرَثَةِ فَلَوْ اطَّلَعَ فِي النَّخْلِ عَلَى قِلَّةِ حَمْلٍ وَضَعْفٍ لَزِمَتْهُ الْمُسَاقَاةُ، وَكَذَلِكَ إذَا اُطُّلِعَ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ، وَالْوَرَثَةُ لَا تَتَعَلَّقُ الْمُسَاقَاةُ بِأَمْوَالِهِمْ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ إنْ كَرِهُوهَا، وَإِنَّمَا تَلْزَمُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُلْزَمْ صَاحِبُ الْحَائِطِ بِسَرِقَتِهِمْ وَخِيَانَتِهِمْ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَوْ أُجِيحَتْ الثَّمَرَةُ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا جَائِحَةَ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَخْرُجَ، وَهُمَا شَرِيكَانِ فِي النَّمَاءِ وَالنُّقْصَانِ، وَرَوَى عَنْهُ سَعْدٌ إنْ بَلَغَتْ الْجَائِحَةُ الثُّلُثَ فَلِلْعَامِلِ أَنْ يَسْقِيَ الْحَائِطَ كُلَّهُ أَوْ يَخْرُجَ قَالَ مُحَمَّدٌ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ عِلَاجِهِ وَنَفَقَتِهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فَلَمْ يُفْسَخْ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا بِالْجَائِحَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ عَمَلَهُ عِوَضٌ مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ جَمِيعِ الثَّمَرَةِ فَإِذَا أُجِيحَتْ كَانَ لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا.
(فَرْعٌ)
وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْجَائِحَةُ شَائِعَةً فِي الْحَائِطِ فَأَمَّا إذَا أُجِيحَتْ جِهَةٌ، وَسَلِمَتْ أُخْرَى فَيَلْزَمُ الْمُسَاقَاةُ فِيمَا سَلِمَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ أَخْذِ الثُّلُثِ فَأَقَلَّ قَالَهُ مُحَمَّدٌ.
(ش) : قَوْلُهُ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ الَّذِي سَاقَاهُ يَعْنِي الْعَامِلَ شَيْئًا مِنْ ذَهَبٍ، وَلَا وَرِقٍ، وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ يَزْدَادُهُ يُرِيدُ أَنَّ صَاحِبَ الْحَائِطِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ شَيْئًا يَزْدَادُهُ غَيْرَ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَرَةِ يُرِيدُ مِمَّا نَقَصَهُ خَارِجًا عَنْ الْعَمَلِ فِي الْحَائِطِ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُهُ عَلَيْهِ الْعَمَلَ فِي الْحَائِطِ فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ فِيهِ عِوَضٌ عَنْ الْعَمَلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلثَّمَرَةِ عِوَضٌ غَيْرُ الْعَمَلِ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَقَبْلَ ظُهُورِهَا، وَلَا يَزْدَادُ الْعَامِلُ مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَارِنَ الْمُسَاقَاةَ بَيْعٌ، وَلَوْ شَرَطَ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ شَيْئًا لَكَانَ ذَلِكَ عِوَضًا مِنْ بَيْعِ عَمَلِهِ فَاجْتَمَعَ عَقْدُ مُسَاقَاةٍ وَبَيْعٌ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَوْ عَقَدَا مُسَاقَاةً عَلَى جُزْءٍ مِنْ الثَّمَرَةِ بَعْدَ أَنْ عَمِلَ صَاحِبُ الْحَائِطِ فِيهِ أَشْهُرًا فَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ بِمَا سَقَى لَمْ يُصْلَحْ، وَإِنْ كَانَ مُلْغًى فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ، وَيَدْخُلُهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ ازْدِيَادِ صَاحِبِ الْحَائِطِ مِنْ الْعَامِلِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَوْ كَانَتْ الْمُسَاقَاةُ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ لِلْعَامِلِ فَذَلِكَ جَائِزٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ
стр. 1473
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُسَاقِي الرَّجُلَ الْأَرْضَ فِيهَا النَّخْلُ أَوْ الْكَرْمُ أَوْ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ فَتَكُونُ فِيهَا الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ قَالَ مَالِكٌ إذَا كَانَ الْبَيَاضُ تَبَعًا لِلْأَصْلِ، وَكَانَ الْأَصْلُ أَعْظَمَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَهُ فَلَا بَأْسَ بِمُسَاقَاتِهِ، وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ النَّخْلُ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَيَكُونُ الْبَيَاضُ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ أَنَّ الْبَيَاضَ حِينَئِذٍ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ) .
ــ
[المنتقى]
الْحَائِطِ سَقَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَشْهُرٍ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَةَ سَقْيِهِ فَقَدْ بَاعَهُ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَإِنْ أَلْغَاهُ فَعِنْدِي أَنَّهُ يَجُوزُ.
١ -
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ الْمُسَاقَى مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَمَا لَا يَزْدَادُ صَاحِبُ الْحَائِطِ مِنْ الْعَامِلِ شَيْئًا كَذَلِكَ لَا يَزْدَادُ الْعَامِلُ مِنْ صَاحِبِ الْحَائِطِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا تَنْعَقِدُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ عِوَضٌ عَنْ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَرَةِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يَزْدَادَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْأُجْرَةِ مِمَّا لَا يَلْزَمُهُ بِعَقْدِ الْمُسَاقَاةِ يَسِيرُ الْعَمَلِ فِي الثَّمَرَةِ فَأَمَّا مَا ازْدَادَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ قَلِيلُهُ وَلَا كَثِيرُهُ لِأَنَّ ازْدِيَادَ صَاحِبِ الْحَائِطِ مِنْ الْعَمَلِ يُخْرِجُهُ إلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَازْدِيَادُ الْعَامِلِ مِنْ صَاحِبِ الْحَائِطِ يُخْرِجُهُ إلَى أَنْ يُقَارِنَ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ عَقْدُ إجَارَةٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لِتُنَافِيهِمَا، وَلَوْ جَازَتْ الْإِجَارَةُ فِي الْأَشْجَارِ لَمَا جَازَتْ فِيهَا الْمُسَاقَاةُ وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْإِجَارَةَ يُنَافِيهَا الْغَرَرُ وَالْمُسَاقَاةُ لَا تَصِحُّ إلَّا فِيمَا فِيهِ الْغَرَرُ فَلَمْ يَجُزْ اجْتِمَاعُهُمَا كَالْإِجَارَةِ وَالْجُعْلِ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ الْبَيَاضَ مَعَ النَّخْلِ فِي الْمُسَاقَاةِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ تَبَعًا لِلنَّخْلِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الثُّلُثَ مِنْ الْجُمْلَةِ وَالنَّخْلُ ثُلُثَيْهَا فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْبَيَاضُ تَبَعًا لِلنَّخْلِ فَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ.
وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي النَّخْلِ يَكُونُ تَبَعًا لِلْبَيَاضِ فِي الْكِرَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ الثُّلُثَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا إنْ قَصُرَ عَلَى الثُّلُثِ جَازَ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا قَوْلًا وَاحِدًا أَوْ مَا كَانَ أَزْيَدَ مِنْ الثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَأَمَّا الثُّلُثُ فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ فَمَرَّةً جَعَلَهُ فِي حَيِّزِ الْيَسِيرِ الَّذِي يَكُونُ تَبَعًا، وَمَرَّةً جَعَلَهُ فِي حَيِّزِ الْكَثِيرِ الَّذِي لَا يَكُونُ تَبَعًا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ جَعَلَ الثُّلُثَ فِيهِ حَدًّا بَيْنَ مَا يَجُوزُ، وَبَيْنَ مَا لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَجُوزُ كَالْوَصِيَّةِ وَهِبَةِ الزَّوْجَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» .
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَحُكْمُ مَا لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ مَعَ مَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ حُكْمُ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ مَعَ النَّخْلِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا بَأْسَ أَنْ يُسَاقَى الْحَائِطُ، وَفِيهِ مِنْ الْمَوْزِ مَا فِيهِ تَبَعٌ قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَقَلَّ قَالَ مُحَمَّدٌ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى سِقَاءٍ وَاحِدٍ، وَلَا يُلْغَى لِأَحَدِهِمَا.
(فَرْعٌ)
وَفِيمَا يُرَاعَى الثُّلُثُ مِنْ الْبَيَاضِ الظَّاهِرُ مِنْ أَقْوَالِ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا يُلْغَى، وَفِيمَا شُرِطَ عَلَى حُكْمِ الْمُسَاقَاةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ إنَّمَا يُرَاعَى أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلثَّمَرَةِ كُلِّهَا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا فَأَمَّا إذَا أُلْغِيَ فَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهِ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِحِصَّةِ الْعَامِلِ خَاصَّةً وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ عَبْدُوسٍ أَنَّ مَا صَارَ لِلْعَامِلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلْحِصَّةِ إذَا لَمْ يُلْغَ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَصِفَةُ اعْتِبَارِ ذَلِكَ أَنْ يُنْظَرَ إلَى كِرَاءِ الْأَرْضِ فَكَأَنَّهُ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، وَإِلَى غَلَّةِ النَّخْلِ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ حَالِهَا، وَيَسْقُطُ مِنْ ذَلِكَ قَدْرُ الْإِنْفَاقِ عَلَى الثَّمَرَةِ فَإِنْ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ أُضِيفَتْ إلَى كِرَاءِ الْأَرْضِ فَيَكُونُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَيَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّ كِرَاءَ الْأَرْضِ تَبَعٌ، وَلَوْ بَقِيَ مِنْ قِيمَةِ الثَّمَرَةِ ثَمَانِيَةُ دَنَانِيرَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْخَمْسَةَ إذَا أُضِيفَتْ إلَى ثَمَانِيَةٍ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ الْجُمْلَةِ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِذَا قُلْنَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ، وَيَجُوزُ إلْغَاؤُهُ لِلْعَامِلِ فَهَذَا إنْ عَمِلَ الْعَامِلُ حَتَّى تَكْمُلَ الْمُسَاقَاةُ فَهُوَ لَهُ عَلَى حَسَبِ مَا أُلْغِيَ لَهُ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْحَائِطِ بِجَائِحَةٍ أَصَابَتْهُ، وَقَدْ زَرَعَ الْعَامِلُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَشْرَسَ عَنْ مَالِكٍ عَلَيْهِ كِرَاءُ الْبَيَاضِ، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ عَمَلِ الْحَائِطِ فَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ عَلَيْهِ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِكِرَاءِ مِثْلِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ بَيْنَهُمَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ
стр. 1474
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ فِيهَا نَخْلٌ أَوْ كَرْمٌ أَوْ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ فَكَانَ الْأَصْلُ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ، وَالْبَيَاضُ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ فِي ذَلِكَ الْكِرَاءُ، وَحَرُمَتْ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يُسَاقُوا الْأَصْلَ، وَفِيهِ الْبَيَاضُ، وَتُكْرَى الْأَرْضُ، وَفِيهَا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ مِنْ الْأَصْلِ أَوْ يُبَاعُ الْمُصْحَفُ أَوْ السَّيْفُ، وَفِيهِمَا الْحِلْيَةُ مِنْ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ أَوْ الْقِلَادَةُ أَوْ الْخَاتَمُ فِيهِمَا الْفُصُوصُ، وَالذَّهَبُ بِالدَّنَانِيرِ، وَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ الْبُيُوعُ جَائِزَةً يَتَبَايَعُهَا النَّاسُ، وَيَبْتَاعُونَهَا، وَلَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مَوْصُوفٌ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ إذَا هُوَ بَلَغَهُ كَانَ حَرَامًا أَوْ قَصُرَ عَنْهُ كَانَ حَلَالًا، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا الَّذِي عَمِلَ بِهِ النَّاسُ، وَأَجَازُوهُ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الشَّيْءُ مِنْ ذَلِكَ الْوَرِقِ أَوْ الذَّهَبِ تَبَعًا لِمَا هُوَ فِيهِ جَازَ بَيْعُهُ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّصْلُ أَوْ الْمُصْحَفُ أَوْ الْفُصُوصُ قِيمَتُهُ الثُّلُثَانِ أَوْ أَكْثَرُ، وَالْحِلْيَةُ قِيمَتُهَا الثُّلُثُ أَوْ أَقَلُّ) .
ــ
[المنتقى]
إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى سِقَاءِ الْحَائِطِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ أَيْضًا إذَا كَانَتْ الْمُسَاقَاةُ عَلَى النِّصْفِ، وَشَرَطَ لِلْعَامِلِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْبَيَاضِ جَازَ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ إذَا انْعَقَدَتْ بِجُزْأَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَمْ يَجُزْ كَالْحَائِطَيْنِ أَوْ بَعْضِ أَنْوَاعِ الشَّجَرِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ جَمِيعُ الْبَيَاضِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِجُزْءِ الْمُسَاقَاةِ فَكَذَلِكَ إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ جُزْءًا أَكْثَرَ مِنْ جُزْأَيْهِ فِي الْمُسَاقَاةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ أَخَذَ زَرْعًا مُسَاقًى قَدْ عَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ، وَمَعَهُ أَرْضٌ بَيْضَاءُ تَبَعًا لِلزَّرْعِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ مِنْهُ مَا يَجُوزُ مِنْ الْبَيَاضِ مَعَ الْأُصُولِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ تَصِحُّ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ كَاَلَّذِي مَعَ النَّخْلِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ سَاقَى زَرْعًا عَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ، وَفِيهِ نَخْلٌ تَبَعٌ لِلزَّرْعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَاقِيَ ذَلِكَ مُسَاقَاةً وَاحِدَةً قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الزَّرْعُ تَبَعًا لِلنَّخْلِ.
(فَرْعٌ)
إذَا قُلْنَا بِجَوَازِ أَنْ يَجْمَعَ النَّخْلَ وَالزَّرْعَ فِي الْمُسَاقَاةِ فَإِذَا كَانَتْ النَّخْلُ تَبَعًا لِلزَّرْعِ لَمْ تَجُزْ الْمُسَاقَاةُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَعْجِزَ صَاحِبُ الزَّرْعِ عَنْهُ، وَإِذَا كَانَ الزَّرْعُ تَبَعًا لِلنَّخْلِ جَازَتْ الْمُسَاقَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ عَنْ الزَّرْعِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَهَلْ يَجُوزُ إلْغَاءُ النَّخْلِ الَّتِي هِيَ تَبَعٌ لِلزَّرْعِ لِلْعَامِلِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّهُ بِخِلَافِ الْبَيَاضِ مَعَ النَّخْلِ، وَلَا يَجُوزُ إلْغَاءُ ذَلِكَ لِلْعَامِلِ، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي هُوَ تَبَعٌ لِلشَّجَرِ كَأَصْنَافٍ مِنْ الشَّجَرِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُلْغَى صِنْفٌ مِنْهَا لِلْعَامِلِ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُلْغَى لِلْعَامِلِ وَحْدَهُ، وَإِذَا كَانَ تَبَعًا كَمُكْتَرِي الدَّارِ فِيهَا نَخْلٌ هِيَ تَبَعٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ تُلْغَى الْمُؤَنُ لِلْعَامِلِ إذَا كَانَتْ تَبَعًا لِلْحَائِطِ.
(ش) : قَوْلُهُ فِي الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ يَكُونُ فِيهَا يَسِيرُ النَّخْلِ الثُّلُثُ فَأَقَلُّ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْكِرَاءِ أَصْلُ ذَلِكَ جَوَازُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ ثَمَرَةُ النَّخْلِ الثُّلُثَ، وَقَدْ مَنَعَ مِنْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْيَسِيرِ، وَأَبَى أَنْ يَبْلُغَ بِهِ الثُّلُثَ فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي يَسِيرِ الْغَلَّةِ مَعَ الْأَرْضِ فِي الْكِرَاءِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ فِي تَحْدِيدِ ذَلِكَ الْيَسِيرِ فَمَرَّةً يَجْعَلُ الثُّلُثَ فِي حَيِّزِ الْيَسِيرِ، وَمَرَّةً يَجْعَلُهُ أَوَّلَ الْكَثِيرِ، وَمَا قَصُرَ عَنْهُ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْيَسِيرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَحَرُمَتْ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهَا تَحْرُمُ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ الْبَيَاضِ وَالنَّخْلِ وَأَمَّا إذَا أُفْرِدَتْ النَّخْلَ بِالْمُسَاقَاةِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرَدَ بِالْكِرَاءِ، وَقَدْ جَوَّزَ مَالِكٌ الْمُسَاقَاةَ فِي النَّخْلَةِ الْوَاحِدَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يُسَاقُوا الْأَرْضَ، وَفِيهَا الْبَيَاضُ وَتُكْتَرَى الْأَرْضُ، وَفِيهَا الْيَسِيرُ مِنْ الْأَصْلِ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ شَائِعٌ دُونَ نَكِيرٍ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ إلَيْهِ عَامَّةٌ لِتَعَذُّرِ انْفِصَالِ الْأَرْضِ مِنْ الشَّجَرِ، وَالشَّجَرِ مِنْ الْأَرْضِ غَالِبًا، وَحَاجَةُ النَّاسِ إلَى الِاسْتِنَابَةِ فِي عَمَلِهَا فَمَا جَازَتْ إجَارَتُهُ كَانَتْ
стр. 1475
(الشَّرْطُ فِي الرَّقِيقِ فِي الْمُسَاقَاةِ) (ص) : (قَالَ مَالِكٌ: إنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي عَمَلِ الرَّقِيقِ فِي الْمُسَاقَاةُ يَشْتَرِطُهُمْ الْمُسَاقَى عَلَى صَاحِبِ الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ عُمَّالُ الْمَالِ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِمْ لِلدَّاخِلِ إلَّا أَنَّهُ تَخِفُّ عَنْهُ بِهِمْ الْمُؤْنَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي الْمَالِ اشْتَدَّتْ مُؤْنَتُهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسَاقَاةِ فِي الْعَيْنِ، وَالنَّضْحِ وَلَنْ تَجِدَ أَحَدًا يُسَاقِي فِي أَرْضَيْنِ سَوَاءٌ فِي الْأَصْلِ، وَالْمَنْفَعَةِ إحْدَاهُمَا بِعَيْنٍ وَاثِنَةٍ غَزِيرَةٍ، وَالْأُخْرَى بِنَضْحٍ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لِخِفَّةِ مُؤْنَةِ الْعَيْنِ وَشِدَّةِ مُؤْنَةِ النَّضْحِ، قَالَ وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا قَالَ وَالْوَاثِنَةُ الثَّابِتُ مَاؤُهَا الَّتِي لَا تَغُورُ وَلَا تَنْقَطِعُ
ــ
[المنتقى]
فِيهِ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْيَسِيرُ مِمَّا لَا تَجُوزُ فِيهِ الْإِجَارَةُ، وَمَا جَازَتْ مُسَاقَاتُهُ كَانَتْ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْيَسِيرُ مِمَّا لَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مَوْصُوفٌ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ إذَا هُوَ بَلَغَهُ كَانَ حَرَامًا أَوْ قَصُرَ عَنْهُ كَانَ حَلَالًا يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ حَدٌّ يُبَيِّنُ مَا يَجُوزُ مِنْهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا هَذَا التَّحْدِيدُ بِاجْتِهَادِ الْعُلَمَاءِ فِي جَعْلِهِمْ الثُّلُثَ فِي حَيِّزِ التَّبَعِ لِلثُّلُثَيْنِ أَوْ فِي حَيِّزِ مَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا فِيهَا نَخْلٌ ثَمَرَتُهَا تَبَعٌ لِكِرَاءِ الدَّارِ فَتَهَدَّمَتْ الدَّارُ فِي نِصْفِ السَّنَةِ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ قَدْ طَابَتْ، وَكَانَتْ تَبَعًا لِمَا سُكِنَ فَهُوَ لِلْمُكْتَرِي، وَعَلَيْهِ ثُلُثَا الْكِرَاءِ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّمَرَةِ الثُّلُثَ فَإِنْ لَمْ تَطِبْ فَهِيَ لِصَاحِبِ الدَّارِ عَلَى الْمُكْتَرِي ثُلُثُ الْكِرَاءِ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ، وَكَذَلِكَ لَوْ طَابَتْ الثَّمَرَةُ، وَلَيْسَتْ بِتَبَعٍ لِمَا سُكِنَ فَهِيَ لِصَاحِبِ الدَّارِ، وَقَدْ فَسَدَ فِيهَا الْبَيْعُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ الثَّمَرَةُ رَاجِعَةٌ إلَى صَاحِبِهَا طَابَتْ أَوْ لَمْ تَطِبْ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا إذَا طَابَتْ، وَكَانَتْ تَبَعًا لِمَا سُكِنَ فَإِنَّمَا وَقَعَ الْفَسْخُ مِنْ الْعَقْدِ فِيمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي بَيْعِ الثَّمَرَةِ لِأَنَّهُ لَوْ أَفْرَدَ بَيْعَ الثَّمَرَةِ بِمَا صَحَّ مِنْ الْكِرَاءِ لَجَازَ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الثَّمَرَةَ قَدْ تَبِعَتْ مَا فُسِخَ مِنْ التَّبَايُعِ كَمَا تَبِعَتْ مَا جَازَ مِنْهُ فَلَمَّا فُسِخَ مَا هِيَ تَبَعٌ لَهُ انْفَسَخَ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْبَيْعِ، وَإِذَا فَسَدَ بَعْضُهَا لِذَلِكَ فَسَدَ جَمِيعُهَا.
[الشَّرْطُ فِي الرَّقِيقِ فِي الْمُسَاقَاةِ]
(ش) : قَوْلُهُ فِي عَمَلِ الرَّقِيقِ فِي الْمُسَاقَاةِ إنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَهُمْ الْعَامِلُ عَلَى صَاحِبِ الْأَصْلِ يُرِيدُ الرَّقِيقَ الَّذِينَ كَانُوا عُمَّالَ الْحَائِطِ وَقْتَ الْمُسَاقَاةِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَ إخْرَاجَهُمْ إذَا كَانُوا فِيهِ يَوْمَ الْمُسَاقَاةِ وَلَكِنْ لَوْ أَخْرَجَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَفَعَ الْحَائِطَ مُسَاقَاةً لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ فَعَلَى هَذَا إنَّمَا يَكُونُ اشْتِرَاطُ الْعَامِلِ لَهُمْ عَلَى وَجْهِ رَفْعِ الْإِلْبَاسِ عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ رَاعِيًا يَرْعَى لَهُ غَنَمَهُ سَنَةً إنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّ الْغَنَمَ إنْ مَاتَتْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْعَى لَهُ مِثْلَهَا وَهَذَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ لَكَانَ هَذَا حُكْمُهُ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ إقْرَارِ رَبِّ الْحَائِطِ لَهُ بِأَنَّهُمْ فِي حَائِطِهِ عِنْدَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ.
وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعَامِلِ يَجْهَلُ فَلَا يَسْتَثْنِي مَا فِي الْحَائِطِ مِنْ دَوَابَّ وَرَقِيقٍ وَيَقُولُ صَاحِبُ الْحَائِطِ إنَّمَا سَاقَيْتُك بِغَيْرِ دَوَابَّ وَلَا رَقِيقٍ إنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ اُنْظُرْ هَذَا، وَهُوَ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ إخْرَاجُ دَوَابِّهِ فَقَدْ صَارَ مُدَّعِيًا لِمَا لَا يَجُوزُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ عِنْدِي عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يَجْهَلَ الْعَامِلُ فَلَا يُقِرُّ صَاحِبُ الْحَائِطِ عَلَى أَنَّهُمْ فِي الْحَائِطِ يَوْمَ الْمُسَاقَاةِ وَلَا يُشْهِدُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُمْ فِي الْحَائِطِ وَأَنَّهُمْ بِهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ صَاحِبُ الْحَائِطِ لَمْ يَكُونُوا فِي الْحَائِطِ يَوْمَ الْعَقْدِ وَقَالَ الْعَامِلُ بَلْ كَانُوا فِيهِ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ رِوَايَةَ عِيسَى عَنْ
следующие страницы →