Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي النَّخْلِ أَيْضًا أَنَّهَا تُسَاقَى السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ، وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَأَكْثَرَ قَالَ، وَذَلِكَ الَّذِي سَمِعْت، وَكُلُّ شَيْءٍ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلِ يَجُوزُ فِيهِ لِمَنْ سَاقَى مِنْ السِّنِينَ مِثْلُ مَا يَجُوزُ فِي النَّخْلِ) .
ــ
[المنتقى]
الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ لَمَّا جَازَ أَنْ تُبَاعَ مَنْفَعَتُهَا الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا، وَهِيَ الزِّرَاعَةُ فِيهَا، وَاكْتِرَاؤُهَا لِلزَّرْعِ قَبْلَ الصَّلَاحِ لَمْ تَجُزْ الْمُسَاقَاةُ فِيهَا.
(ش) : قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ عَقْدٌ لَازِمٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ عَقْدٌ الْمُسَاقَاةِ لَازِمٌ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهُ بَعْدَ عَقْدِهِ إلَّا بِرِضَا صَاحِبِهِ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا لَكَانَ، وَرَثَتُهُ مَكَانَهُ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا انْعَقَدَتْ الْمُسَاقَاةُ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا رُجُوعٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ كَالْإِجَارَةِ بِخِلَافِ الْقِرَاضِ، وَقَدْ رَأَيْت لِبَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْجِدَادِ لَبَطَلَتْ الْمُسَاقَاةُ، وَلَيْسَ كَالْعُقُودِ اللَّازِمَةِ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَضْ، وَلَعَلَّهُ تَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ فِي عَيْنِ السَّقْيِ تَغُورُ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْعَمَلِ فَلَا شَيْءَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعَمَلِ لَزِمَهُ أَنْ يُنْفِقَ بِقَدْرِ مَا يَقَعُ لَهُ مِنْ الثَّمَرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلِلْعَامِلِ أَنْ يُنْفِقَ، وَيَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْ الثَّمَرَةِ رَهْنًا بِيَدِهِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْعَامِلِ يَنْدَمُ فَيَسْأَلُ الْإِقَالَةَ قَبْلَ الْعَمَلِ فَيَأْبَى صَاحِبُ الْحَائِطِ أَنْ يُقِيلَهُ فَيُعْطِيَهُ عَلَى ذَلِكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ قَبْلَ الْعَمَلِ وَلَا بَعْدَهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي اللُّزُومَ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَلَوْ لَمْ يَلْزَمْ قَبْلَ الْعَمَلِ لَمَا لَحِقَهُ نَدَمٌ، وَلَا سَأَلَ إقَالَةً، وَلَا زَادَ لِذَلِكَ مِائَةً، وَأَمَّا الْقَبْضُ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْقِرَاضِ، وَإِنَّمَا التَّأْثِيرُ لِلْعَمَلِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمُسَاقَاةُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ إذَا عَقَدَاهَا بَيْنَهُمَا لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا حَتَّى يُتِمَّ أَجَلَهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ جَازَ أَنْ يُعْقَدَ لَوْ جَائِب عِنْدَهُ كَاكْتِرَاءِ الْأَرْضِ، وَمَا لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَمِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ كَالشَّرِكَةِ وَالْقِرَاضِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْقَدَ إلَّا عَقْدًا مُطْلَقًا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ وَجَائِبُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي اللُّزُومَ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَوَجَائِبُهُ بِالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ حَبِيبٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ أُجْرَةَ الْعَامِلِ لَا تَصِحُّ أَنْ تَكُونَ إلَّا مِنْ الثَّمَرَةِ الَّتِي يَعْمَلُ فِي أَصْلِهَا بِجُزْءٍ مِنْهَا فَكَانَ الْعَمَلُ إلَى أَنْ يُمْكِنَ قِسْمَتُهَا كَرِبْحِ الْقِرَاضِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ بِالسِّنِينَ يُرِيدُ مِنْ الْجِدَادِ إلَى الْجِدَادِ.
١ -
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ إنَّ النَّخْلَ يَجُوزُ أَنْ يُسَاقَى لِسَنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَأَكْثَرَ يُرِيدُ مَا لَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ جِدًّا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْعَشْرِ سِنِينَ وَالثَّلَاثِينَ وَالْخَمْسِينَ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَدْرِي مَا هَذَا، وَمَا لَمْ يَكْثُرْ جِدًّا فَلَا بَأْسَ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ أَخَذَ النَّخْلَ مُسَاقَاةً ثَلَاثَ سِنِينَ فَعَمِلَ فِي النَّخْلِ سَنَةً ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُتِمَّ أَجَلَ الْمُسَاقَاةِ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا قَبْلَ ذَلِكَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ فَإِنَّ لَهُمَا أَنْ يَتَتَارَكَا بِغَيْرِ جُعْلٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْعَامِلُ شَيْئًا قَبْلَ الْعَمَلِ وَلَا بَعْدَهُ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَامِلَ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ النَّخْلَ إلَى غَيْرِهِ مُسَاقَاةً فَإِذَا رَدَّهَا إلَى رَبِّهَا فَقَدْ سَاقَاهُ فِيهَا، وَلَمْ يَجُزْ عِنْدِي أَنْ يَزِيدَهُ شَيْئًا لِأَنَّهُ يَكُونُ زِيَادَةً مِنْ أَحَدِ الْمُسَاقِيَيْنِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْمُسَاقَاةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ صَاحِبُ الْحَائِطِ لَهُ اُخْرُجْ، وَأُعْطِيكَ قِيمَةَ مَا أَنْفَقْتَ وَإِنْ رَضِيَا بِذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي الْمُسَاقَاةِ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ الْعَامِلُ النَّخْلَ مُسَاقَاةً إلَى رَبِّ الْحَائِطِ بِأَقَلَّ مِمَّا أَخَذَهُ مَا لَمْ تَطِبْ الثَّمَرَةُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ مُحَمَّدٌ، وَمَا لَمْ يَضْمَنْ لَهُ الْجُزْءَ الْبَاقِيَ مِنْ الثَّمَرَةِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ حَتَّى يَحْتَاجَ الْعَامِلُ أَنْ يَزِيدَ مِنْ حَائِطٍ آخَرَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا سَاقَاهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ فَهِيَ مُسَاقَاةٌ صَحِيحَةٌ لِأَنَّ الْعَامِلَ الْأَوَّلَ لَمَّا عَمِلَ صَارَ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْحَائِطِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَاقِيَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ فَيَبْقَى لِلْعَامِلِ فِي الْحَائِطِ سُدُسٌ أَوْ رُبْعٌ كَمَا يَبْقَى لِصَاحِبِ الْحَائِطِ إذَا سَاقَى غَيْرَهُ فَإِذَا سَاقَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ
стр. 1472
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُسَاقِي إنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي سَاقَاهُ شَيْئًا مِنْ ذَهَبٍ، وَلَا وَرِقٍ يَزْدَادُهُ وَلَا طَعَامٍ، وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ الْمُسَاقِيَ مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ شَيْئًا يَزِيدُهُ إيَّاهُ مِنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، وَالزِّيَادَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا لَا تَصْلُحُ قَالَ مَالِكٌ وَالْمُقَارِضُ أَيْضًا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ لَا يَصْلُحُ، إذَا دَخَلَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْمُسَاقَاةِ أَوْ الْمُقَارَضَةِ صَارَتْ إجَارَةً، وَمَا دَخَلَتْهُ الْإِجَارَةُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ الْإِجَارَةُ بِأَمْرِ غَرَرٍ لَا يُدْرَى أَيَكُونُ أَوْ لَا يَكُونُ أَوْ يَقِلُّ أَوْ يَكْثُرُ) .
ــ
[المنتقى]
ذَلِكَ الْجُزْءِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَشْتَرِطَ صَاحِبُ الْحَائِطِ لِلْعَامِلِ جُزْءًا زَائِدًا مِنْ حَائِطٍ آخَرَ عَلَى جَمِيعِ ثَمَرِ حَائِطِ الْمُسَاقِي، وَرَوَى ابْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إنْ لَمْ يَعْمَلْ جَازَ أَنْ يُعْطِيَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ جُزْءًا مِنْ الثَّمَرَةِ، وَإِنْ عَمِلَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَوْ اُطُّلِعَ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ سَارِقٌ مُبَرِّحٌ يُخَافُ مِنْهُ أَنْ يَقْطَعَ النَّخْلَ، وَيَذْهَبَ بِالثَّمَرَةِ أَوْ يُخَرِّبَ الدَّارَ، وَيَبِيعَ أَبْوَابَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إخْرَاجُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ السِّلْعَةَ مِنْ رَجُلٍ مُفْلِسٍ، وَالْبَائِعُ لَا يَعْلَمُ بِفَلَسِهِ أَنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ فَهَذَا مِثْلُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْمُسَاقِيَ شَرِيكٌ فِي أَصْلِ الثَّمَرَةِ، وَالشَّرِيكُ لَا يَسْتَطِيعُ شَرِيكُهُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ عَيْنِ حَقِّهِ لِمَا يَظْهَرُ فِيهِ مِنْ خِيَانَةٍ وَلَا غَيْرِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَا تَنْفَسِخُ الْمُسَاقَاةُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَسَاقِيَيْنِ فَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ عَمِلَ وَرَثَتُهُ إنْ كَانُوا أُمَنَاءَ كَمَا كَانَ صَاحِبُهُمْ يَعْمَلُ فَإِنْ أَبَوْا ذَلِكَ كَانَ مَالُ الْمَيِّتِ لَازِمًا لَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ أُمَنَاءَ لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِمْ، وَيَأْتُونَ بِأَمِينٍ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَفَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَظْهَرَ مِنْ الْعَامِلِ سَرِقَةٌ أَوْ إغَارَةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَامِلَ تَعَلَّقَتْ الْمُسَاقَاةُ بِذِمَّتِهِ وَمَالِهِ، وَلَزِمَتْهُ أَكْثَرَ مِنْ لُزُومِهَا لِلْوَرَثَةِ فَلَوْ اطَّلَعَ فِي النَّخْلِ عَلَى قِلَّةِ حَمْلٍ وَضَعْفٍ لَزِمَتْهُ الْمُسَاقَاةُ، وَكَذَلِكَ إذَا اُطُّلِعَ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ، وَالْوَرَثَةُ لَا تَتَعَلَّقُ الْمُسَاقَاةُ بِأَمْوَالِهِمْ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ إنْ كَرِهُوهَا، وَإِنَّمَا تَلْزَمُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُلْزَمْ صَاحِبُ الْحَائِطِ بِسَرِقَتِهِمْ وَخِيَانَتِهِمْ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَوْ أُجِيحَتْ الثَّمَرَةُ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا جَائِحَةَ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَخْرُجَ، وَهُمَا شَرِيكَانِ فِي النَّمَاءِ وَالنُّقْصَانِ، وَرَوَى عَنْهُ سَعْدٌ إنْ بَلَغَتْ الْجَائِحَةُ الثُّلُثَ فَلِلْعَامِلِ أَنْ يَسْقِيَ الْحَائِطَ كُلَّهُ أَوْ يَخْرُجَ قَالَ مُحَمَّدٌ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ عِلَاجِهِ وَنَفَقَتِهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فَلَمْ يُفْسَخْ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا بِالْجَائِحَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ عَمَلَهُ عِوَضٌ مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ جَمِيعِ الثَّمَرَةِ فَإِذَا أُجِيحَتْ كَانَ لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا.
(فَرْعٌ)
وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْجَائِحَةُ شَائِعَةً فِي الْحَائِطِ فَأَمَّا إذَا أُجِيحَتْ جِهَةٌ، وَسَلِمَتْ أُخْرَى فَيَلْزَمُ الْمُسَاقَاةُ فِيمَا سَلِمَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ أَخْذِ الثُّلُثِ فَأَقَلَّ قَالَهُ مُحَمَّدٌ.
(ش) : قَوْلُهُ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ الَّذِي سَاقَاهُ يَعْنِي الْعَامِلَ شَيْئًا مِنْ ذَهَبٍ، وَلَا وَرِقٍ، وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ يَزْدَادُهُ يُرِيدُ أَنَّ صَاحِبَ الْحَائِطِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ شَيْئًا يَزْدَادُهُ غَيْرَ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَرَةِ يُرِيدُ مِمَّا نَقَصَهُ خَارِجًا عَنْ الْعَمَلِ فِي الْحَائِطِ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُهُ عَلَيْهِ الْعَمَلَ فِي الْحَائِطِ فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ فِيهِ عِوَضٌ عَنْ الْعَمَلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلثَّمَرَةِ عِوَضٌ غَيْرُ الْعَمَلِ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَقَبْلَ ظُهُورِهَا، وَلَا يَزْدَادُ الْعَامِلُ مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَارِنَ الْمُسَاقَاةَ بَيْعٌ، وَلَوْ شَرَطَ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ شَيْئًا لَكَانَ ذَلِكَ عِوَضًا مِنْ بَيْعِ عَمَلِهِ فَاجْتَمَعَ عَقْدُ مُسَاقَاةٍ وَبَيْعٌ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَوْ عَقَدَا مُسَاقَاةً عَلَى جُزْءٍ مِنْ الثَّمَرَةِ بَعْدَ أَنْ عَمِلَ صَاحِبُ الْحَائِطِ فِيهِ أَشْهُرًا فَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ بِمَا سَقَى لَمْ يُصْلَحْ، وَإِنْ كَانَ مُلْغًى فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ، وَيَدْخُلُهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ ازْدِيَادِ صَاحِبِ الْحَائِطِ مِنْ الْعَامِلِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَوْ كَانَتْ الْمُسَاقَاةُ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ لِلْعَامِلِ فَذَلِكَ جَائِزٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ
стр. 1473
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُسَاقِي الرَّجُلَ الْأَرْضَ فِيهَا النَّخْلُ أَوْ الْكَرْمُ أَوْ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ فَتَكُونُ فِيهَا الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ قَالَ مَالِكٌ إذَا كَانَ الْبَيَاضُ تَبَعًا لِلْأَصْلِ، وَكَانَ الْأَصْلُ أَعْظَمَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَهُ فَلَا بَأْسَ بِمُسَاقَاتِهِ، وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ النَّخْلُ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَيَكُونُ الْبَيَاضُ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ أَنَّ الْبَيَاضَ حِينَئِذٍ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ) .
ــ
[المنتقى]
الْحَائِطِ سَقَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَشْهُرٍ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَةَ سَقْيِهِ فَقَدْ بَاعَهُ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَإِنْ أَلْغَاهُ فَعِنْدِي أَنَّهُ يَجُوزُ.
١ -
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ الْمُسَاقَى مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَمَا لَا يَزْدَادُ صَاحِبُ الْحَائِطِ مِنْ الْعَامِلِ شَيْئًا كَذَلِكَ لَا يَزْدَادُ الْعَامِلُ مِنْ صَاحِبِ الْحَائِطِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا تَنْعَقِدُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ عِوَضٌ عَنْ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَرَةِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يَزْدَادَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْأُجْرَةِ مِمَّا لَا يَلْزَمُهُ بِعَقْدِ الْمُسَاقَاةِ يَسِيرُ الْعَمَلِ فِي الثَّمَرَةِ فَأَمَّا مَا ازْدَادَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ قَلِيلُهُ وَلَا كَثِيرُهُ لِأَنَّ ازْدِيَادَ صَاحِبِ الْحَائِطِ مِنْ الْعَمَلِ يُخْرِجُهُ إلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَازْدِيَادُ الْعَامِلِ مِنْ صَاحِبِ الْحَائِطِ يُخْرِجُهُ إلَى أَنْ يُقَارِنَ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ عَقْدُ إجَارَةٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لِتُنَافِيهِمَا، وَلَوْ جَازَتْ الْإِجَارَةُ فِي الْأَشْجَارِ لَمَا جَازَتْ فِيهَا الْمُسَاقَاةُ وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْإِجَارَةَ يُنَافِيهَا الْغَرَرُ وَالْمُسَاقَاةُ لَا تَصِحُّ إلَّا فِيمَا فِيهِ الْغَرَرُ فَلَمْ يَجُزْ اجْتِمَاعُهُمَا كَالْإِجَارَةِ وَالْجُعْلِ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ الْبَيَاضَ مَعَ النَّخْلِ فِي الْمُسَاقَاةِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ تَبَعًا لِلنَّخْلِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الثُّلُثَ مِنْ الْجُمْلَةِ وَالنَّخْلُ ثُلُثَيْهَا فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْبَيَاضُ تَبَعًا لِلنَّخْلِ فَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ.
وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي النَّخْلِ يَكُونُ تَبَعًا لِلْبَيَاضِ فِي الْكِرَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ الثُّلُثَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا إنْ قَصُرَ عَلَى الثُّلُثِ جَازَ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا قَوْلًا وَاحِدًا أَوْ مَا كَانَ أَزْيَدَ مِنْ الثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَأَمَّا الثُّلُثُ فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ فَمَرَّةً جَعَلَهُ فِي حَيِّزِ الْيَسِيرِ الَّذِي يَكُونُ تَبَعًا، وَمَرَّةً جَعَلَهُ فِي حَيِّزِ الْكَثِيرِ الَّذِي لَا يَكُونُ تَبَعًا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ جَعَلَ الثُّلُثَ فِيهِ حَدًّا بَيْنَ مَا يَجُوزُ، وَبَيْنَ مَا لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَجُوزُ كَالْوَصِيَّةِ وَهِبَةِ الزَّوْجَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» .
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَحُكْمُ مَا لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ مَعَ مَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِيهِ حُكْمُ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ مَعَ النَّخْلِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا بَأْسَ أَنْ يُسَاقَى الْحَائِطُ، وَفِيهِ مِنْ الْمَوْزِ مَا فِيهِ تَبَعٌ قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَقَلَّ قَالَ مُحَمَّدٌ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى سِقَاءٍ وَاحِدٍ، وَلَا يُلْغَى لِأَحَدِهِمَا.
(فَرْعٌ)
وَفِيمَا يُرَاعَى الثُّلُثُ مِنْ الْبَيَاضِ الظَّاهِرُ مِنْ أَقْوَالِ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا يُلْغَى، وَفِيمَا شُرِطَ عَلَى حُكْمِ الْمُسَاقَاةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ إنَّمَا يُرَاعَى أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلثَّمَرَةِ كُلِّهَا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا فَأَمَّا إذَا أُلْغِيَ فَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهِ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِحِصَّةِ الْعَامِلِ خَاصَّةً وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ عَبْدُوسٍ أَنَّ مَا صَارَ لِلْعَامِلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلْحِصَّةِ إذَا لَمْ يُلْغَ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَصِفَةُ اعْتِبَارِ ذَلِكَ أَنْ يُنْظَرَ إلَى كِرَاءِ الْأَرْضِ فَكَأَنَّهُ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، وَإِلَى غَلَّةِ النَّخْلِ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ حَالِهَا، وَيَسْقُطُ مِنْ ذَلِكَ قَدْرُ الْإِنْفَاقِ عَلَى الثَّمَرَةِ فَإِنْ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ أُضِيفَتْ إلَى كِرَاءِ الْأَرْضِ فَيَكُونُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَيَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّ كِرَاءَ الْأَرْضِ تَبَعٌ، وَلَوْ بَقِيَ مِنْ قِيمَةِ الثَّمَرَةِ ثَمَانِيَةُ دَنَانِيرَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْخَمْسَةَ إذَا أُضِيفَتْ إلَى ثَمَانِيَةٍ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ الْجُمْلَةِ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِذَا قُلْنَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ، وَيَجُوزُ إلْغَاؤُهُ لِلْعَامِلِ فَهَذَا إنْ عَمِلَ الْعَامِلُ حَتَّى تَكْمُلَ الْمُسَاقَاةُ فَهُوَ لَهُ عَلَى حَسَبِ مَا أُلْغِيَ لَهُ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْحَائِطِ بِجَائِحَةٍ أَصَابَتْهُ، وَقَدْ زَرَعَ الْعَامِلُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَشْرَسَ عَنْ مَالِكٍ عَلَيْهِ كِرَاءُ الْبَيَاضِ، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ عَمَلِ الْحَائِطِ فَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ عَلَيْهِ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِكِرَاءِ مِثْلِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ بَيْنَهُمَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ
стр. 1474
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ فِيهَا نَخْلٌ أَوْ كَرْمٌ أَوْ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ فَكَانَ الْأَصْلُ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ، وَالْبَيَاضُ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ فِي ذَلِكَ الْكِرَاءُ، وَحَرُمَتْ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يُسَاقُوا الْأَصْلَ، وَفِيهِ الْبَيَاضُ، وَتُكْرَى الْأَرْضُ، وَفِيهَا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ مِنْ الْأَصْلِ أَوْ يُبَاعُ الْمُصْحَفُ أَوْ السَّيْفُ، وَفِيهِمَا الْحِلْيَةُ مِنْ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ أَوْ الْقِلَادَةُ أَوْ الْخَاتَمُ فِيهِمَا الْفُصُوصُ، وَالذَّهَبُ بِالدَّنَانِيرِ، وَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ الْبُيُوعُ جَائِزَةً يَتَبَايَعُهَا النَّاسُ، وَيَبْتَاعُونَهَا، وَلَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مَوْصُوفٌ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ إذَا هُوَ بَلَغَهُ كَانَ حَرَامًا أَوْ قَصُرَ عَنْهُ كَانَ حَلَالًا، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا الَّذِي عَمِلَ بِهِ النَّاسُ، وَأَجَازُوهُ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الشَّيْءُ مِنْ ذَلِكَ الْوَرِقِ أَوْ الذَّهَبِ تَبَعًا لِمَا هُوَ فِيهِ جَازَ بَيْعُهُ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّصْلُ أَوْ الْمُصْحَفُ أَوْ الْفُصُوصُ قِيمَتُهُ الثُّلُثَانِ أَوْ أَكْثَرُ، وَالْحِلْيَةُ قِيمَتُهَا الثُّلُثُ أَوْ أَقَلُّ) .
ــ
[المنتقى]
إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى سِقَاءِ الْحَائِطِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ أَيْضًا إذَا كَانَتْ الْمُسَاقَاةُ عَلَى النِّصْفِ، وَشَرَطَ لِلْعَامِلِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْبَيَاضِ جَازَ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ إذَا انْعَقَدَتْ بِجُزْأَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَمْ يَجُزْ كَالْحَائِطَيْنِ أَوْ بَعْضِ أَنْوَاعِ الشَّجَرِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ جَمِيعُ الْبَيَاضِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِجُزْءِ الْمُسَاقَاةِ فَكَذَلِكَ إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ جُزْءًا أَكْثَرَ مِنْ جُزْأَيْهِ فِي الْمُسَاقَاةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ أَخَذَ زَرْعًا مُسَاقًى قَدْ عَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ، وَمَعَهُ أَرْضٌ بَيْضَاءُ تَبَعًا لِلزَّرْعِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ مِنْهُ مَا يَجُوزُ مِنْ الْبَيَاضِ مَعَ الْأُصُولِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ تَصِحُّ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ كَاَلَّذِي مَعَ النَّخْلِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ سَاقَى زَرْعًا عَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ، وَفِيهِ نَخْلٌ تَبَعٌ لِلزَّرْعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَاقِيَ ذَلِكَ مُسَاقَاةً وَاحِدَةً قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الزَّرْعُ تَبَعًا لِلنَّخْلِ.
(فَرْعٌ)
إذَا قُلْنَا بِجَوَازِ أَنْ يَجْمَعَ النَّخْلَ وَالزَّرْعَ فِي الْمُسَاقَاةِ فَإِذَا كَانَتْ النَّخْلُ تَبَعًا لِلزَّرْعِ لَمْ تَجُزْ الْمُسَاقَاةُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَعْجِزَ صَاحِبُ الزَّرْعِ عَنْهُ، وَإِذَا كَانَ الزَّرْعُ تَبَعًا لِلنَّخْلِ جَازَتْ الْمُسَاقَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ عَنْ الزَّرْعِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَهَلْ يَجُوزُ إلْغَاءُ النَّخْلِ الَّتِي هِيَ تَبَعٌ لِلزَّرْعِ لِلْعَامِلِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّهُ بِخِلَافِ الْبَيَاضِ مَعَ النَّخْلِ، وَلَا يَجُوزُ إلْغَاءُ ذَلِكَ لِلْعَامِلِ، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي هُوَ تَبَعٌ لِلشَّجَرِ كَأَصْنَافٍ مِنْ الشَّجَرِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُلْغَى صِنْفٌ مِنْهَا لِلْعَامِلِ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُلْغَى لِلْعَامِلِ وَحْدَهُ، وَإِذَا كَانَ تَبَعًا كَمُكْتَرِي الدَّارِ فِيهَا نَخْلٌ هِيَ تَبَعٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ تُلْغَى الْمُؤَنُ لِلْعَامِلِ إذَا كَانَتْ تَبَعًا لِلْحَائِطِ.
(ش) : قَوْلُهُ فِي الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ يَكُونُ فِيهَا يَسِيرُ النَّخْلِ الثُّلُثُ فَأَقَلُّ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْكِرَاءِ أَصْلُ ذَلِكَ جَوَازُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ ثَمَرَةُ النَّخْلِ الثُّلُثَ، وَقَدْ مَنَعَ مِنْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْيَسِيرِ، وَأَبَى أَنْ يَبْلُغَ بِهِ الثُّلُثَ فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي يَسِيرِ الْغَلَّةِ مَعَ الْأَرْضِ فِي الْكِرَاءِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ فِي تَحْدِيدِ ذَلِكَ الْيَسِيرِ فَمَرَّةً يَجْعَلُ الثُّلُثَ فِي حَيِّزِ الْيَسِيرِ، وَمَرَّةً يَجْعَلُهُ أَوَّلَ الْكَثِيرِ، وَمَا قَصُرَ عَنْهُ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْيَسِيرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَحَرُمَتْ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهَا تَحْرُمُ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ الْبَيَاضِ وَالنَّخْلِ وَأَمَّا إذَا أُفْرِدَتْ النَّخْلَ بِالْمُسَاقَاةِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرَدَ بِالْكِرَاءِ، وَقَدْ جَوَّزَ مَالِكٌ الْمُسَاقَاةَ فِي النَّخْلَةِ الْوَاحِدَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يُسَاقُوا الْأَرْضَ، وَفِيهَا الْبَيَاضُ وَتُكْتَرَى الْأَرْضُ، وَفِيهَا الْيَسِيرُ مِنْ الْأَصْلِ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ شَائِعٌ دُونَ نَكِيرٍ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ إلَيْهِ عَامَّةٌ لِتَعَذُّرِ انْفِصَالِ الْأَرْضِ مِنْ الشَّجَرِ، وَالشَّجَرِ مِنْ الْأَرْضِ غَالِبًا، وَحَاجَةُ النَّاسِ إلَى الِاسْتِنَابَةِ فِي عَمَلِهَا فَمَا جَازَتْ إجَارَتُهُ كَانَتْ
стр. 1475
(الشَّرْطُ فِي الرَّقِيقِ فِي الْمُسَاقَاةِ) (ص) : (قَالَ مَالِكٌ: إنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي عَمَلِ الرَّقِيقِ فِي الْمُسَاقَاةُ يَشْتَرِطُهُمْ الْمُسَاقَى عَلَى صَاحِبِ الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ عُمَّالُ الْمَالِ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِمْ لِلدَّاخِلِ إلَّا أَنَّهُ تَخِفُّ عَنْهُ بِهِمْ الْمُؤْنَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي الْمَالِ اشْتَدَّتْ مُؤْنَتُهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسَاقَاةِ فِي الْعَيْنِ، وَالنَّضْحِ وَلَنْ تَجِدَ أَحَدًا يُسَاقِي فِي أَرْضَيْنِ سَوَاءٌ فِي الْأَصْلِ، وَالْمَنْفَعَةِ إحْدَاهُمَا بِعَيْنٍ وَاثِنَةٍ غَزِيرَةٍ، وَالْأُخْرَى بِنَضْحٍ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لِخِفَّةِ مُؤْنَةِ الْعَيْنِ وَشِدَّةِ مُؤْنَةِ النَّضْحِ، قَالَ وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا قَالَ وَالْوَاثِنَةُ الثَّابِتُ مَاؤُهَا الَّتِي لَا تَغُورُ وَلَا تَنْقَطِعُ
ــ
[المنتقى]
فِيهِ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْيَسِيرُ مِمَّا لَا تَجُوزُ فِيهِ الْإِجَارَةُ، وَمَا جَازَتْ مُسَاقَاتُهُ كَانَتْ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْيَسِيرُ مِمَّا لَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مَوْصُوفٌ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ إذَا هُوَ بَلَغَهُ كَانَ حَرَامًا أَوْ قَصُرَ عَنْهُ كَانَ حَلَالًا يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ حَدٌّ يُبَيِّنُ مَا يَجُوزُ مِنْهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا هَذَا التَّحْدِيدُ بِاجْتِهَادِ الْعُلَمَاءِ فِي جَعْلِهِمْ الثُّلُثَ فِي حَيِّزِ التَّبَعِ لِلثُّلُثَيْنِ أَوْ فِي حَيِّزِ مَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا فِيهَا نَخْلٌ ثَمَرَتُهَا تَبَعٌ لِكِرَاءِ الدَّارِ فَتَهَدَّمَتْ الدَّارُ فِي نِصْفِ السَّنَةِ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ قَدْ طَابَتْ، وَكَانَتْ تَبَعًا لِمَا سُكِنَ فَهُوَ لِلْمُكْتَرِي، وَعَلَيْهِ ثُلُثَا الْكِرَاءِ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّمَرَةِ الثُّلُثَ فَإِنْ لَمْ تَطِبْ فَهِيَ لِصَاحِبِ الدَّارِ عَلَى الْمُكْتَرِي ثُلُثُ الْكِرَاءِ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ، وَكَذَلِكَ لَوْ طَابَتْ الثَّمَرَةُ، وَلَيْسَتْ بِتَبَعٍ لِمَا سُكِنَ فَهِيَ لِصَاحِبِ الدَّارِ، وَقَدْ فَسَدَ فِيهَا الْبَيْعُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ الثَّمَرَةُ رَاجِعَةٌ إلَى صَاحِبِهَا طَابَتْ أَوْ لَمْ تَطِبْ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا إذَا طَابَتْ، وَكَانَتْ تَبَعًا لِمَا سُكِنَ فَإِنَّمَا وَقَعَ الْفَسْخُ مِنْ الْعَقْدِ فِيمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي بَيْعِ الثَّمَرَةِ لِأَنَّهُ لَوْ أَفْرَدَ بَيْعَ الثَّمَرَةِ بِمَا صَحَّ مِنْ الْكِرَاءِ لَجَازَ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الثَّمَرَةَ قَدْ تَبِعَتْ مَا فُسِخَ مِنْ التَّبَايُعِ كَمَا تَبِعَتْ مَا جَازَ مِنْهُ فَلَمَّا فُسِخَ مَا هِيَ تَبَعٌ لَهُ انْفَسَخَ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْبَيْعِ، وَإِذَا فَسَدَ بَعْضُهَا لِذَلِكَ فَسَدَ جَمِيعُهَا.
[الشَّرْطُ فِي الرَّقِيقِ فِي الْمُسَاقَاةِ]
(ش) : قَوْلُهُ فِي عَمَلِ الرَّقِيقِ فِي الْمُسَاقَاةِ إنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَهُمْ الْعَامِلُ عَلَى صَاحِبِ الْأَصْلِ يُرِيدُ الرَّقِيقَ الَّذِينَ كَانُوا عُمَّالَ الْحَائِطِ وَقْتَ الْمُسَاقَاةِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَ إخْرَاجَهُمْ إذَا كَانُوا فِيهِ يَوْمَ الْمُسَاقَاةِ وَلَكِنْ لَوْ أَخْرَجَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَفَعَ الْحَائِطَ مُسَاقَاةً لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ فَعَلَى هَذَا إنَّمَا يَكُونُ اشْتِرَاطُ الْعَامِلِ لَهُمْ عَلَى وَجْهِ رَفْعِ الْإِلْبَاسِ عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ رَاعِيًا يَرْعَى لَهُ غَنَمَهُ سَنَةً إنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّ الْغَنَمَ إنْ مَاتَتْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْعَى لَهُ مِثْلَهَا وَهَذَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ لَكَانَ هَذَا حُكْمُهُ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ إقْرَارِ رَبِّ الْحَائِطِ لَهُ بِأَنَّهُمْ فِي حَائِطِهِ عِنْدَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ.
وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعَامِلِ يَجْهَلُ فَلَا يَسْتَثْنِي مَا فِي الْحَائِطِ مِنْ دَوَابَّ وَرَقِيقٍ وَيَقُولُ صَاحِبُ الْحَائِطِ إنَّمَا سَاقَيْتُك بِغَيْرِ دَوَابَّ وَلَا رَقِيقٍ إنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ اُنْظُرْ هَذَا، وَهُوَ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ إخْرَاجُ دَوَابِّهِ فَقَدْ صَارَ مُدَّعِيًا لِمَا لَا يَجُوزُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ عِنْدِي عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يَجْهَلَ الْعَامِلُ فَلَا يُقِرُّ صَاحِبُ الْحَائِطِ عَلَى أَنَّهُمْ فِي الْحَائِطِ يَوْمَ الْمُسَاقَاةِ وَلَا يُشْهِدُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُمْ فِي الْحَائِطِ وَأَنَّهُمْ بِهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ صَاحِبُ الْحَائِطِ لَمْ يَكُونُوا فِي الْحَائِطِ يَوْمَ الْعَقْدِ وَقَالَ الْعَامِلُ بَلْ كَانُوا فِيهِ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ رِوَايَةَ عِيسَى عَنْ
стр. 1476
) .
ــ
[المنتقى]
ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ إلَّا أَنْ يُمْضِيَ رَبُّ الْحَائِطِ الرَّقِيقَ فَتَلْزَمُ الْمُسَاقَاةُ إلَى أَجَلِهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَى حَسَبِ مَا قُلْنَاهُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَصْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِطْلَاقِ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ، فَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ نَافِعٍ: فِي الْمُزَنِيَّة لَا يَكُونُ الرَّقِيقُ، وَالدَّوَابُّ لِلْعَامِلِ إلَّا بِالشَّرْطِ، وَالْعَقْدُ لَازِمٌ صَحِيحٌ وَفِي الْوَاضِحَةِ أَنَّ مَا فِي الْحَائِطِ مِنْ الْأُجَرَاءِ، وَالدَّوَابِّ، وَالدِّلَاءِ، وَالْحِبَالِ، وَالْأَدَاةِ مِنْ حَدِيدٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ يَوْمَ السِّقَاءِ يَسْتَعِينُ بِهِ الْعَامِلُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ إنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ رَبُّ الْحَائِطِ لَمْ يَجُزْ، وَاحْتَجَّ عِيسَى لِقَوْلِهِ بِأَنَّ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ أَنْ يَقُولَ لَوْ اشْتَرَطْتُمْ عَلَى مَا سَاقَيْتُك إلَّا عَلَى أَقَلَّ مِنْ هَذَا الْجُزْءِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ أَنْ يُسَاقِيَهُ عَلَى إخْرَاجِ الرَّقِيقِ، وَالدَّوَابِّ.
وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَقَدْ احْتَجَّ لَهُ بِمَا تَقَدَّمَ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَ إخْرَاجَهُمْ فَإِنْ شَرَطَ رَبُّ الْحَائِطِ إخْرَاجَ مَنْ فِيهِ مِنْ الرَّقِيقِ، وَالدَّوَابِّ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ عَمِلَ عَلَى هَذَا فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ.
وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة لَهُ مُسَاقَاةُ مِثْلِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ قَدْ كَانَ يَقُولُهُ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَجْرِ مِثْلِهِ وَأَمَّا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْحَائِطِ يَوْمَ الْعَقْدِ فَإِنَّ صَاحِبَ الْحَائِطِ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ قَدْ شَرَطَ إخْرَاجَهُمْ لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ إمَّا أَنْ يُوَافِقَهُ الْعَامِلُ عَلَى ذَلِكَ فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ فَيُفْسَخُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَيُرَدُّ بَعْدَ الْعَمَلِ إلَى أَجْرِ مِثْلِهِ وَإِمَّا أَنْ يُنْكِرَ الْعَامِلُ وَيَدَّعِيَ أَنَّهُ قَدْ شَرَطَ إبْقَاءَهُمْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَدَّعِ الْعَامِلُ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ أَنْكَرَ الشَّرْطَ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الصِّحَّةَ وَصَاحِبُ الْحَائِطِ يَدَّعِي الْفَسَادَ وَلَوْ أَقَرَّ صَاحِبُ الْحَائِطِ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا وَادَّعَى أَنَّهُ اعْتَقَدَ إخْرَاجَهُمْ لَمْ يُنْظَرْ إلَى مَا ادَّعَاهُ وَكَانُوا لِلْعَامِلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ فِي الْحَائِطِ أُجَرَاءُ فَأُجْرَتُهُمْ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَائِطَ إنَّمَا أَخَذَهُ الْعَامِلُ مُسَاقَاةً عَلَى صِفَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا حِينَ الْعَقْدِ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ بِعَمَلِ الْعُمَّالِ مِنْ الرَّقِيقِ، وَالْأُجَرَاءِ، وَالدَّوَابِّ فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَنْهُ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ حَائِطَهُ مُسَاقَاةً وَيَسْتَثْنِي مَاءَهُ الَّذِي يُسْقَى بِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ مَاتَ مِنْ الرَّقِيقِ، وَالْأُجَرَاءِ، وَالدَّوَابِّ مِمَّنْ هُوَ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ فَعَلَيْهِ خَلَفُ ذَلِكَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ زَادَ فِي غَيْرِهَا وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْعَامِلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ بَقَاءَهُمْ فِي الْحَائِطِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ وَقْتٌ مِنْ أَوْقَاتِ الْمُسَاقَاةِ مِنْهُمْ فَلَا يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِأَعْيَانِهِمْ إلَّا مَعَ بَقَائِهِمْ فَإِنْ عُدِمُوا لَزِمَ صَاحِبَ الْحَائِطِ الْإِتْيَانُ بِعِوَضِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ يُعِينُهُ عَلَى الْخِدْمَةِ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَبْطُلُ بِمَوْتِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى عَمَلٍ فِي ذِمَّةِ صَاحِبِ الْحَائِطِ وَلَكِنْ تَعَيَّنَ لِهَؤُلَاءِ الْأُجَرَاءِ، وَالْعُمَّالِ، وَالدَّوَابِّ بِالتَّسْلِيمِ، وَالْيَدِ كَاَلَّذِي يَكْتَرِي رَاحِلَةً مَضْمُونَةً ثُمَّ يُسَلِّمُ إحْدَى رَوَاحِلِهِ إلَى الرَّاكِبِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبَدِّلَهَا.
وَالثَّانِي أَنْ يَتَعَيَّنَ الرَّقِيقُ، وَالدَّوَابُّ بِالْعَقْدِ وَيَكُونَ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ خَلَفُ ذَلِكَ إنْ تَلِفَ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الرَّقِيقِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بِالْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ ثَابِتٌ بِمَوْتِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَلِذَلِكَ لَزِمَ الْعِوَضُ فِيهِمْ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا كَانَ الْأَجِيرُ مُسْتَأْجَرًا لِجَمِيعِ الْعَامِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْجَرًا لِبَعْضِهِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَعِنْدِي أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُعَوِّضَ مِنْهُ مَنْ يُتِمُّ الْعَامَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ لَلَزِمَهُ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ إجَارَتِهِ وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ الْعَقْدِ لِأَنَّ عَمَلَ الْأَجِيرِ فِي الْحَائِطِ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّةِ صَاحِبِ الْحَائِطِ أَوْ بِمَعْنَى مَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ اسْتَعْمَلَ مَا فِي الْحَائِطِ مِنْ الْحِبَالِ، وَالدِّلَاءِ، وَالْآلَةِ حَتَّى خَلِقَ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَعَلَى الْعَامِلِ خَلَفُ ذَلِكَ وَلَوْ سُرِقَ ذَلِكَ لَكَانَ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ خَلَفُهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّقِيقِ، وَالدَّوَابِّ لِتِلْكَ، وَقَدْ رَأَيْته لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ شُيُوخِنَا، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ هَذَا أَنَّ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ خَلَفَ ذَلِكَ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَظْهَرُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَنَفَقَةُ الْأُجَرَاءِ، وَالرَّقِيقِ، وَالدَّوَابِّ عَلَى
стр. 1477
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِلْمُسَاقَى أَنْ يَعْمَلَ بِعُمَّالِ الْمَالِ فِي غَيْرِهِ وَلَا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عَلَى الَّذِي سَاقَاهُ) .
ــ
[المنتقى]
الْعَامِلِ دُونَ صَاحِبِ الْحَائِطِ بِخِلَافِ الْأُجْرَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأُجْرَةَ مَعْنًى لَزِمَ رَبَّ الْحَائِطِ قَبْلَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ وَكَذَلِكَ أَثْمَانُ الدَّوَابِّ، وَالرَّقِيقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ النَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهَا مَعْنًى طَرَأَ بَعْدَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ وَبِهِ يَتِمُّ الْعَمَلُ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ لِأَنَّ جَمِيعَ الْعَمَلِ الطَّارِئِ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ شَرَطَ النَّفَقَةَ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ مِنْ الْوَاضِحَةِ، وَالْمَوَّازِيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ الطَّارِئَةَ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى الْعَامِلِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُمْ عُمَّالُ الْمَالِ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِمْ لِلدَّاخِلِ إلَّا بِخَفِيفِ الْعَمَلِ يُرِيدُ أَنَّهُمْ كَانُوا عُمَّالَ الْمَالِ قَبْلَ ذَلِكَ إلَى حِينِ الْعَقْدِ فَظُهُورُ الْمَالِ وَقُوَّتُهُ وَكَثْرَةُ عِمَارَتِهِ إنَّمَا كَانَ بِعَمَلِهِمْ وَلَهُمْ فِيهِ تَأْثِيرٌ فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الَّذِي بِهِ صَلَاحُ الْحَائِطِ وَنَمَاؤُهُ فَلَا يَجُوزُ لِذَلِكَ إخْرَاجُهُمْ مِنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ السَّقْيِ وَسَائِرِ مَا يَتَّصِلُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَلَمَّا كَانَتْ الْمُسَاقَاةُ تَخْتَلِفُ بِمَا أَثَّرَهُ الْعَامِلُ فِي الْحَوَائِطِ فَإِذَا قَوِيَ الْحَائِطُ بِالْعَمَلِ وَضَعُفَ بِقِلَّتِهِ كَمَا يَقْوَى بِالسَّقْيِ وَيَضْعُفُ بِعَدَمِهِ وَتَخْتَلِفُ رَغْبَةُ الْعَامِلِ فِيهِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ إخْرَاجُ الرَّقِيقِ كَمَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِمْسَاكُ بِالْمَاءِ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا كَانَ الرَّقِيقُ، وَالدَّوَابُّ فِي الْحَائِطِ حِينَ الْمُسَاقَاةِ وَأَمَّا لَوْ أَخْرَجَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ لَصَحَّتْ الْمُسَاقَاةُ عَلَى اسْتِمْسَاكِ صَاحِبِ الْحَائِطِ لَهُمْ وَمَتَى يَكُونُ إخْرَاجُهُمْ يُبِيحُ الِاسْتِمْسَاكَ لَهُمْ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا مُحَرَّرًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَنْ تَجِدَ أَحَدًا يُسَاقِي فِي أَرْضَيْنِ سَوَاءٌ فِي الْأَصْلِ، وَالْمَنْفَعَةِ أَحَدُهُمَا بِعَيْنٍ وَاثِنَةٍ غَزِيرَةٍ، وَالْأُخْرَى بِنَضْحٍ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنَّ الْأَرْضَيْنِ إذَا تَسَاوَتَا فِي طِيبِ الْأَرْضِ وَقُوَّةِ النَّخْلِ وَكَثْرَةِ غَلَّتِهِمَا إلَّا أَنَّ إحْدَاهُمَا لِسَقْيِهَا نَضْحٌ مَأْمُونٌ غَزِيرٌ لَا يُتَكَلَّفُ عَمَلٌ فِي إخْرَاجِهِ، وَالسَّقْيِ بِهِ، وَالثَّانِيَةُ سَقْيُهَا نَضْحٌ يَتَكَلَّفُ فِيهِ الْمُؤْنَةَ يَأْخُذُهُمَا نَسَقًا وَاحِدًا فِي عَقْدَيْنِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَهُمَا لِمَكَانِ الْآخَرِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِخِفَّةِ الْعَمَلِ وَشِدَّتِهِ تَأْثِيرًا مَقْصُودًا فِي الْمُسَاقَاةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ مِنْهُ إلَّا مَا كَانَ عَلَيْهِ الْحَائِطُ يَوْمَ الْمُسَاقَاةِ؛ لِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ عَمَلًا لِصَاحِبِ الْحَائِطِ يَعْمَلُهُ الْعَامِلُ فِي غَيْرِ الْحَائِطِ وَفِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ اشْتِرَاطُ كَثِيرِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْحَائِطِ لَوْ عَمِلَ فِي الْحَائِطِ أَقَلَّ السَّنَةِ أَوْ أَكْثَرَهَا ثُمَّ سَاقَاهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ الْعَامِلُ قِيمَةَ مَا عَمِلَ فِي ذَلِكَ الْعَامِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فَاشْتِرَاطُ الْعُمَّالِ الَّذِينَ فِي الْحَائِطِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ قِيمَةِ مَا عَمِلَ فِيهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ جَائِزٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ الْوَاثِنَةُ الثَّابِتُ مَاؤُهَا الَّتِي لَا تَغُورُ وَلَا تَنْقَطِعُ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ يَحْيَى وَغَيْرِهِ الْوَاتِنَةُ بِالتَّاءِ الْمُعْجَمَةِ بِنُقْطَتَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبَيْنِ الْوَاتِنُ الدَّائِمُ، وَفِي الْحَدِيثِ أَمَّا تَيْمَاءُ فَعَيْنٌ جَارِيَةٌ وَأَمَّا خَيْبَرُ فَمَاءٌ وَاتِنٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ وَاثِنًا بِالثَّاءِ الْمُعْجَمَةِ بِثَلَاثِ نُقَطٍ، وَحَكَى صَاحِبُ الْعَيْنِ الْوَاثِنُ الْمُقِيمُ بِالثَّاءِ بِثَلَاثِ نُقَطٍ وَلَمْ يَذْكُرْ وَاتِنًا بِالتَّاءِ الْمُعْجَمَةِ بِنُقْطَتَيْنِ فَعَلَى هَذَا تَصِحُّ الرِّوَايَتَانِ وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ وَانِيَةٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ التَّفْسِيرَ.
(ش) : قَوْلُهُ وَلَيْسَ لِلْمُسَاقَى أَنْ يَعْمَلَ بِعُمَّالِ الْحَائِطِ فِي غَيْرِهِ يُرِيدُ مَنْ وُجِدَ فِي الْحَائِطِ مِنْ الرَّقِيقِ فَاشْتَرَطَهُمْ حِينَ الْعَقْدِ أَوْ وَجَبَ لَهُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْحَائِطِ يُرِيدُ مِنْ حَوَائِطِهِ الَّتِي يَمْلِكُهَا أَوْ حَائِطِ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ اتَّخَذَهَا مُسَاقَاةً أَوْ عَمِلَ فِيهَا بِأُجْرَةٍ وَأَمَّا إنْ كَانَ الرَّقِيقُ لِلْعَامِلِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُمْ حَيْثُ شَاءَ وَيَسْتَبْدِلَ بِهِمْ كَيْفَ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الْحَائِطِ عَلَى صِفَةٍ مَعْلُومَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَيَعْمَلَ مَنْ شَاءَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عَلَى الَّذِي سَاقَاهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ شَرْطٍ فِي الْعَقْدِ فَإِنْ فَعَلَ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ وَلَا يَتَغَيَّرُ شَيْءٌ مِنْهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ زَادَ فِي الْوَاضِحَةِ وَيُفْسِدُ هَذَا الشَّرْطُ الْمُسَاقَاةَ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الزِّيَادَةِ فِيهَا يُنَافِي صِحَّتَهَا.
(فَرْعٌ) فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ وَفَسَدَتْ
стр. 1478
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلَّذِي سَاقَى أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ رَقِيقًا يَعْمَلُ بِهِمْ فِي الْحَائِطِ لَيْسُوا فِيهِ حِينَ سَاقَاهُ إيَّاهُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَنْبَغِي لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الَّذِي دَخَلَ فِي مَالِهِ بِمُسَاقَاةٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رَقِيقِ الْمَالِ أَحَدًا يُخْرِجُهُ مِنْ الْمَالِ وَإِنَّمَا مُسَاقَاةُ الْمَالِ عَلَى حَالِهِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ قَالَ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ رَقِيقِ الْمَالِ أَحَدًا فَلْيُخْرِجْهُ قَبْلَ الْمُسَاقَاةِ أَوْ يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ أَحَدًا فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ قَبْلَ الْمُسَاقَاةِ، ثُمَّ يُسَاقِي بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ) .
ــ
[المنتقى]
الْمُسَاقَاةُ وَفَاتَتْ بِالْعَمَلِ فَقِيَاسُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يُرَدَّ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ.
(ش) : قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ لِلَّذِي سَاقَى أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ رَقِيقًا لَيْسُوا فِي الْحَائِطِ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَمَلَهُمْ فِي حَائِطِ الْمُسَاقَاةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ازْدِيَادٌ يَزْدَادُهُ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ مِمَّا يَلْزَمُ الْعَامِلَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ مِنْهُ مَا لَهُ قِيمَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مُسَاقَاةِ ازْدِيَادِ أَحَدِ الْمُتَسَاقِيَيْنِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مُطْلَقُ الْعَقْدِ وَمُطْلَقُ الْعَقْدِ يَقْتَضِي جَمِيعَ الْعَمَلِ عَلَى الْعَامِلِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ «الْيَهُودَ سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ لِيُقِرَّهُمْ عَلَى أَنْ يَكُفُّوا الْعَمَلَ وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا» وَلِأَنَّنَا قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ صَاحِبِ الْحَائِطِ إخْرَاجَ مَنْ فِي الْحَائِطِ مِنْ الرَّقِيقِ، وَالدَّوَابِّ فَبِأَنْ لَا يَجُوزَ لِلْعَامِلِ اشْتِرَاطُ مَنْ لَيْسَ فِي الْحَائِطِ أَحْرَى وَأَوْلَى.
(فَرْعٌ) وَقَدْ جَوَّزَ مَالِكٌ أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَامِلُ مِنْ ذَلِكَ التَّافِهَ الْيَسِيرَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: كَالْعَبْدِ، وَالدَّابَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ: وَذَلِكَ فِي الْحَائِطِ الْكَبِيرِ فَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ صَغِيرًا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ جَمِيعَ الْعَمَلِ وَوَجْهُ الْجَوَازِ فِي الْحَائِطِ الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَسَاقِيَيْنِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى صَاحِبِهِ الْيَسِيرَ مِمَّا يَلْزَمُهُ عَمَلُهُ كَمَا يَشْتَرِطُ صَاحِبُ الْحَائِطِ عَلَى الْعَامِلِ سَدَّ الْحِظَارِ، وَالنَّفَقَةِ الْيَسِيرَةِ فِي الظَّفِيرَةِ، وَالْقُفِّ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ أَنْ يَشْتَرِطَ الْغُلَامَ، وَالدَّابَّةَ فَإِنَّ مِنْ حُكْمِ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِطَ بَقَاءَهُ فِي الْحَائِطِ مُدَّةَ الْمُسَاقَاةِ، وَإِنْ مَاتَ أَخْلَفَ ذَلِكَ رَبُّ الْحَائِطِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ شَرَطَ رَبُّ الْحَائِطِ أَنْ يُخْلِفَهُ فَقَدْ قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّ مَا عَقَدَا بَاقٍ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْغُلَامِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ خُلْفُهُ فَقَدْ اشْتَرَطَ عَمَلَهُ مُدَّةً مَجْهُولَةً وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ غُلَامَهُ مَعَهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ سَحْنُونٌ إذَا كَانَ الْحَائِطُ كَبِيرًا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْغُلَامِ فِيهِ جَازَ اشْتِرَاطُ عَمَلِ رَبِّ الْحَائِطِ فِيهِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مِنْ حُكْمِ الْمُسَاقَاةِ أَنْ يَكُونَ الْحَائِطُ بِيَدِ الْعَامِلِ كَالْقِرَاضِ وَعَمَلُ رَبِّ الْحَائِطِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ: إنَّ هَذَا اشْتِرَاطُ عَمَلِ عَامِلٍ وَاحِدٍ فِي حَائِطٍ كَبِيرٍ فَجَازَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ عَمَلَ أَجِيرٍ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَعَمِلَ عَلَى ذَلِكَ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يُرَدُّ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يُرَدُّ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ مَالِكًا قَدْ أَجَازَ اشْتِرَاطَ عَمَلِ الدَّابَّةِ، وَالْغُلَامِ فَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ مِنْ أَجْلِ الْيَدِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَرَامِ لَمَّا جَوَّزَ ذَلِكَ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ مُسَاقَاةٌ تُزِيلُ يَدَ الْعَامِلِ فَرُدَّتْ إلَى الْإِجَارَةِ كَمَا لَوْ شَرَطَ صَاحِبُهُ بَقَاءَ الْحَائِطِ فِي يَدِهِ.
(ش) : قَوْلُهُ لَا يَنْبَغِي لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ إخْرَاجَ أَحَدٍ مِنْ رَقِيقِ الْمَالِ يُرِيدُ أَنَّ حُكْمَ الْمُسَاقَاةِ إبْقَاءُ مَنْ كَانَ مِنْ خُدَّامِ الْمَالِ يَوْمَ الْمُسَاقَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ إنَّمَا تَكُونُ فِيهِ عَلَى حَالِهِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ بِعَمَلِ الْعُمَّالِ صَارَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهَا وَبِإِخْرَاجِ الْمُعَيَّنِ عَنْ الْحَائِطِ نَقْصٌ عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ فَصَارَتْ بِمَنْزِلَةِ اسْتِثْنَاءِ شَيْءٍ مِنْ الْحَائِطِ الَّذِي يَعْمَلُ فِي جُمْلَتِهِ، وَقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ ابْنُ نَافِعٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ الرَّقِيقِ أَحَدًا فَلْيُخْرِجْهُ أَوْ يُدْخِلَ فِيهِ أَحَدًا فَلْيُدْخِلْهُ قَبْلَ الْمُسَاقَاةِ، ثُمَّ يُسَاقِي عَلَى ذَلِكَ إنْ شَاءَ يُرِيدُ أَنَّ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ الرَّقِيقَ مِنْهُ أَوْ يُدْخِلَ
стр. 1479
(ص) : (قَالَ وَمَنْ مَاتَ مِنْ الرَّقِيقِ أَوْ غَابَ أَوْ مَرِضَ فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يُخْلِفَهُ) .
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (كِتَابُ كِرَاءِ الْأَرْضِ)
(مَا جَاءَ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ)
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ، قَالَ حَنْظَلَةُ فَسَأَلْت رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ فَقَالَ أَمَّا بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ فَلَا بَأْسَ بِهِ» مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ، فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهَا بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَقُلْت لَهُ أَرَأَيْت الْحَدِيثَ الَّذِي يَذْكُرُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَقَالَ أَكْثَرَ رَافِعٌ وَلَوْ كَانَ لِي مَزْرَعَةٌ أَكَرَيْتُهَا
ــ
[المنتقى]
فِيهِ مِنْ غَيْرِ رَقِيقِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَامِلُ مِمَّنْ لَيْسَ فِي الْحَائِطِ.
(ش) : قَوْلُهُ وَمَنْ مَاتَ مِنْ الرَّقِيقِ يُرِيدُ مِنْ رَقِيقِ الْحَائِطِ الَّذِينَ كَانُوا فِيهِ يَوْمَ الْعَقْدِ أَوْ شَرْطِ الْعَامِلِ فِي الْعَقْدِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَالدَّابَّةِ، وَالْأَجِيرِ فِي الْحَائِطِ الْكَبِيرِ فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَوْ غَابَ بِإِبَاقٍ أَوْ مَرَضٍ فَعَلَى رَبِّ الْحَائِطِ خُلْفُهُ يُرِيدُ أَنْ يُعَوِّضَ مِنْهُ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُمْنَعُ مِنْ خَدَّامِ الْحَائِطِ مِنْ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْعَقَدَتْ الْمُسَاقَاةُ عَلَى تَخْفِيفِ الْعَمَلِ عَنْهُ مُدَّةَ الْمُسَاقَاةِ وَيَصِحُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِأَعْيَانِهِمْ، وَيَلْزَمُ صَاحِبَ الْحَائِطِ الْعِوَضُ مِنْهُمْ إنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُمْ لَيْسَ بِعِوَضٍ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَثْنًى مِمَّا يَلْزَمُ الْعَامِلَ وَيَلْزَمُ صَاحِبَ الْحَائِطِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِمْ، وَإِنْ كَانَ يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ أَكْثَرُ مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ ثَمَرِ ذَلِكَ الْعَامِ بِخِلَافِ أَرْضِ السَّقْيِ بِغَوْرِ مَاءِ بِئْرِهَا بَعْدَ الزِّرَاعَةِ فَإِنَّ عَلَى صَاحِبِهَا أَنْ يُنْفِقَ فِيهَا كِرَاءَ سَنَةٍ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ يَغُورُ بِئْرُ الْحَائِطِ أَوْ يَنْهَارُ فَإِنَّ لِلْعَامِلِ أَنْ يُنْفِقَ فِي ذَلِكَ قِيمَةَ حِصَّةِ رَبُّ الْحَائِطِ مِنْ ثَمَرَةِ ذَلِكَ الْعَامِ لَا زِيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ.
(فَرْقٌ) فَعَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ ضُرُوبٍ ضَرْبٌ لَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الْحَائِطِ وَالدَّارِ أَنْ يُنْفِقَ فِيهِ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا كَبُنْيَانِ الدَّارِ الْمُكْتَرَاةِ وَغَوْرِ الْعَيْنِ لِلْأَرْضِ الْمُكْتَرَاةِ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ، وَالضَّرْبُ الثَّانِي يَلْزَمُ صَاحِبَ الْحَائِطِ أَنْ يُنْفِقَ فِيهِ مَنْفَعَةَ سَنَةٍ كَالنَّفَقَةِ عَلَى عَيْنِ الْأَرْضِ الْمُكْتَرَاةِ أَوْ الْحَائِطِ الْمُسَاقَى، وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَهُ إلَى مَا كَانَ بَلَغَ ذَلِكَ مَا بَلَغَ كَرَقِيقِ حَائِطِ الْمُسَاقِي وَدَوَابِّهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبِئْرِ، وَالْعَيْنِ أَنَّ الرَّقِيقَ، وَالدَّوَابَّ مِنْ جِنْسِ مَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ الْإِتْيَانَ بِهِ مِنْ عَمَلِ الْحَائِطِ وَإِنَّمَا لَزِمَ بَقَاؤُهُمْ فِي الْحَائِطِ لِسَقْيِ الْحَائِطِ عَلَى صِفَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا ثُمَّ عَلَى الْعَامِلِ عَمَلُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَإِذَا زَالُوا مِنْ الْحَائِطِ لَمْ يَكُنْ الْعَامِلُ عَمِلَ مَا زَادَ عَلَى عَمَلِهِمْ مَعَ عَدَمِ عَمَلِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ، وَالسُّفْلِ يَلْزَمُ صَاحِبَ السُّفْلِ أَنْ يَبْنِيَ أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يَبْنِيَ لِتَمَكُّنِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ مِنْ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ دُونَ أَنْ يَبْنِيَ صَاحِبُ السُّفْلِ فَيَلْزَمُهُ إعَادَةُ عَمَلِهِ عَلَى مَا كَانَ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَاءُ الْعَيْنِ فَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ الْإِتْيَانُ بِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَامِلِ لَمْ يَلْزَمْ صَاحِبَ الْحَائِطِ الْإِتْيَانُ بِهِ لِيَسْتَوْفِيَ لِلْعَامِلِ مَنْفَعَةً وَإِذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَامِلِ بِالْعَمَلِ، وَالزِّرَاعَةِ فِي اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ إصْلَاحُ ذَلِكَ بِذِمَّتِهِ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمَا لِصَاحِبِ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَدْخَلَهُ الْعَامِلُ فِي الْحَائِطِ مِنْ غُلَامٍ أَوْ أَجِيرٍ أَوْ دَابَّةٍ فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْبَةٍ أَوْ مَرَضٍ فَعَلَى الْعَامِلِ عِوَضُهُ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ انْعَقَدَتْ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعَمَلَ فِي جَمِيعِ مُدَّةِ الْمُسَاقَاةِ.
[كِتَابُ كِرَاءِ الْأَرْضِ]
[مَا جَاءَ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ]
(ش) : قَوْلُهُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ» عَامٌّ فِي كُلِّ مَا تُكْرَى بِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ فَأَتَى مِنْ ذَلِكَ الْمَنْعِ
стр. 1480
) .
ــ
[المنتقى]
فِي الْجُمْلَةِ ذَهَبَ طَاوُسٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ إلَى تَجْوِيزِ ذَلِكَ وَوَجْهُهُ أَنَّ الرَّاوِيَ لِلْمَنْعِ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ لَمْ يَنْقُلْ لَفْظَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا أَخْبَرَهُ عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي أَخْبَرَ بِأَنَّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى غَيْرِ الذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ اسْتِئْجَارُهَا لِمَنْفَعَتِهَا الْمَقْصُودَةِ لَجَازَتْ الْمُسَاقَاةُ فِيهَا كَالنَّخْلِ وَلَمَّا لَمْ تَجُزْ الْمُسَاقَاةُ فِيهَا جَازَ اسْتِئْجَارُهَا كَالدَّوَابِّ وَسَائِرِ مَا يُسْتَأْجَرُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ حَنْظَلَةَ فَسَأَلْت رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ، فَقَالَ أَمَّا بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ فَلَا بَأْسَ بِهِ يَقْتَضِي إبَاحَةَ ذَلِكَ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى إبَاحَتِهِ بِغَيْرِ الذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ مَالِكٌ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ غَيْرُ رَبِيعَةَ فَإِنَّهُ مَنَعَهُ بِغَيْرِ الذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَا جَازَ اسْتِئْجَارُهُ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ جَازَ اسْتِئْجَارُهُ بِالْحَيَوَانِ، وَالثِّيَابِ كَالرَّوَاحِلِ فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ بِكُلِّ مَا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ وَلَا ثَابِتٍ فِي الْأَرْضِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَا لِأَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ مِنْ الِاخْتِلَافِ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِهَذَا الْمُخْتَصَرِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ لِسَالِمٍ، وَقَدْ قَالَ لَهُ: يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ رَأَيْت الْحَدِيثَ الَّذِي يُذْكَرُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ يُرِيدُ قَوْلَهُ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ وَيَتَنَاوَلُ عُمُومَ ذَلِكَ لِلْمَنْعِ مِنْ كِرَائِهَا بِذَهَبٍ وَوَرِقٍ وَغَيْرِهِ فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ أَكْثَرَ رَافِعٌ يُرِيدُ أَنَّهُ رَوَى مِنْ النَّهْيِ مَا مُنِعَ مِنْهُ وَمَا لَمْ يُمْنَعْ وَإِنَّ النَّهْيَ إنَّمَا تَوَجَّهَ إلَى مَنْفَعَةٍ بِغَيْرِ الذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ لَكِنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ الْعُمُومِ أَوْ نَقَلَ اللَّفْظَ عَلَى مَا سَمِعَهُ، وَلَمْ يَنْقُلْ مَعَهُ مَا يَمْنَعُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ مِنْ الْعُرْفِ، وَالْعَادَةِ أَوْ مَا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَوْ كَانَتْ لِي مَزْرَعَةٌ أَكَرَيْتهَا عَلَى مَعْنَى تَجْوِيزِ الْكِرَاءِ فِي الْجُمْلَةِ لَا عَلَى مَعْنَى تَجْوِيزِ إكْرَائِهَا بِكُلِّ عِوَضٍ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَرَى اكْتِرَاءَهَا جَائِزًا فِي الْجُمْلَةِ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْعِوَضِ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ وَسَكَتَ عَنْ اكْتِرَائِهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ رَوَى نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ وَصَدْرًا مِنْ إمَارَةِ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ حَدَّثَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ «فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إلَى رَافِعٍ وَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَأَلْته فَقَالَ» نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ «فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ قَدْ عَلِمْت إنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا عَلَى الْأَرْبِعَاءِ وَشَيْءٍ مِنْ التِّينِ» وَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ كُنْت أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْأَرْضَ تُكْرَى ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ فَتَرَكَ اكْتِرَاءَ الْأَرْضِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَدْ عَلِمْت إنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا عَلَى الْأَرْبِعَاءِ وَبِشَيْءٍ مِنْ التِّينِ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ بِهِ فَأَقَرَّهُ» بَلْ هُوَ نَفْسُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ.
وَقَدْ رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عَنْ عَمِّهِ «أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الْأَرْضَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا ثَبَتَ عَلَى الْأَرْبِعَاءِ أَوْ شَيْءٍ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الْأَرْضِ فَنَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ» فَقَدْ تَنَاوَلَ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ مَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ إلَّا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِنَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ قَالَ اللَّيْثُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَكَانَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذُو الْفَهْمِ بِالْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ لَمْ يُجِزْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُخَاطَرَةِ، وَقَدْ بَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيِّ عَنْ رَافِعٍ قَالَ «كُنَّا أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلًا وَكُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمَّاةٌ لِسَيِّدِ الْأَرْضِ فِيمَا يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلِيمُ الْأَرْضِ مِمَّا تُصَابُ الْأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ »
стр. 1481
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ تَكَارَى أَرْضًا فَلَمْ تَزَلْ فِي يَدَيْهِ بِكِرَاءٍ حَتَّى مَاتَ قَالَ ابْنُهُ فَمَا كُنْت أَرَاهَا إلَّا لَنَا مِنْ طُولِ مَا مَكَثَتْ فِي يَدَيْهِ حَتَّى ذَكَرَهَا لَنَا عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَمَرَنَا بِقَضَاءِ شَيْءٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ كِرَائِهَا ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا قَالَ مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُكْرِي أَرْضَهُ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ) .
ــ
[المنتقى]
وَلَعَلَّ ابْنَ عُمَرَ لَمَّا بَلَغَهُ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ امْتَنَعَ مِنْهُ وَجَوَّزَهُ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ عَلَى مَا جَوَّزَهُ ابْنُهُ سَالِمٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ امْتَنَعَ مِنْهُ جُمْلَةً لَمَّا خَشِيَ أَنْ يَكُونَ حَدَثَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ مَنْعٌ عَامٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ كَانَ يُكَارِي أَرْضًا فَلَمْ تَزَلْ فِي يَدَيْهِ حَتَّى مَاتَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ اكْتَرَاهَا مُسَاقَاةً وَذَلِكَ بِأَنْ يُكْرِيَهَا مِنْهُ بِدِينَارٍ فِي كُلِّ عَامٍ وَلَا يَحُدُّ فِي ذَلِكَ أَعْوَامًا وَلَكِنَّهُ يُطْلِقُ فِيهَا الْقَوْلَ وَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ جَائِزٌ وَمَنَعَ مِنْهُ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ هُوَ بَاطِلٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُقِرَّهُمْ عَلَى أَنْ يَكُفُّوا الْعَمَلَ وَلَهُمْ شَطْرُ الثَّمَرَةِ فَقَالَ نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا» وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إنَّ مَا جَازَ الْعَقْدُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ جَازَ الْعَقْدُ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْهُ غَيْرِ مُقَدَّرَةٍ كَمَا لَوْ قَالَ: أَشْتَرِي مِنْك هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ هَذَا لِكِرَاءِ مَا مَضَى وَلِلْمُكْتَرِي أَنْ يَخْرُجَ مَتَى شَاءَ وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يُخْرِجَهُ مَتَى شَاءَ، رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّقْدِيرِ فِي الْكِرَاءِ يُنَافِي اللُّزُومَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَ لَتَأَبَّدَ، وَذَلِكَ مُنَافٍ لِلْكِرَاءِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْأَوْجَبِيَّةُ وَاحِدَةٌ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَهَذَا إذَا قَالَ: كُلُّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ كُلُّ سَنَةٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ فِي السَّنَةِ بِكَذَا أَوْ فِي الشَّهْرِ بِكَذَا رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَوْ الشَّهْرَ، وَفِي الْوَاضِحَةِ لِمُطَرِّفِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَرِوَايَتُهُمَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا قَالَ: كُلُّ شَهْرٍ أَوْ الشَّهْرَ أَوْ فِي الشَّهْرِ بِكَذَا فَالشَّهْرُ الْأَوَّلُ لَازِمٌ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَقْضُهُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ كَانَ أَوْ آخِرِهِ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ شَهْرٌ لَمْ يَتَعَيَّنْ إلَّا كَتَعْيِينِ غَيْرِهِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ لَازِمًا كَالثَّانِي وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ مَا قُدِّرَ بِهِ الْكِرَاءُ أَقَلُّ مَا يَجِبُ لُزُومُهُ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مُقْتَضَاهُ اللُّزُومُ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ اللُّزُومُ؛ لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى مَا قُدِّرَ بِهِ الْكِرَاءُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ نَقَدَهُ الْكِرَاءُ فَقَدْ لَزِمَهُمَا مِقْدَارُ مَا نُقِدَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ النَّقْدَ قَدْ قَطَعَ مَا احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ مِنْ الْخِيَارِ، وَأَخْرَجَهُ إلَى اللُّزُومِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ وَلَوْ اكْتَرَى مِنْهُ سَنَةً مُعَيَّنَةً عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مَتَى شَاءَ جَازَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ عَقَدَ الْكِرَاءَ بِأَنِّي قَدْ اكْتَرَيْت هَذِهِ الْأَرْضَ سَنَةً أَوْ هَذِهِ الدَّارَ شَهْرًا فَهُوَ جَائِزٌ لِكَوْنِ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ الْكِرَاءِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ التَّعْيِينِ لِلسَّنَةِ، وَإِنْ كَانَتْ دَارًا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ اكْتَرَاهَا سَنَةً وَلَمْ يُسَمِّ مَتَى سَكَنَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فَإِنْ اكْتَرَاهَا بَعْدَ مُضِيِّ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِنْ السَّنَةِ فَإِنَّهُ يَحْسِبُ بَقِيَّةَ هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي ذَهَبَ بَعْضُهُ ثُمَّ يَحْسِبُ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا بَعْدَهُ بِالْأَهِلَّةِ، ثُمَّ يُتِمُّ عَلَى الْأَيَّامِ الْأُولَى شَهْرًا ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَيَكُونُ مِنْ هَذَا الْعَامِ شَهْرٌ وَاحِدٌ عَلَى الْأَيَّامِ وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ أَرْضًا فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي تُزْرَعُ الْعَامَ كُلَّهُ فِيهَا الْبُقُولُ، وَالْخُضَرُ، فَيَصِحُّ أَنْ يَكْتَرِيَ مُشَاهَرَةً وَمُسَانَاةً، وَإِنْ كَانَتْ خَالِيَةً مِنْ الزَّرْعِ فَأَوَّلُ سِنِيهَا مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا خُضْرَةٌ أَوْ زَرْعٌ فَمِنْ وَقْتِ تَخْلُو، وَآخِرُ عَامِهَا عَلَى ذَلِكَ عَلَى مِثْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الدُّورِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ بَلَدٍ عُرْفٌ فِي الْكِرَاءِ بِالشُّهُورِ الْعَجَمِيَّةِ فِي الْأَرْضِ فَيَكُونُ إطْلَاقُ الْكِرَاءِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي إنَّمَا تُزْرَعُ مُدَّةً كَأَرْضِ النِّيلِ وَمَا أَشْبَهَهَا، فَأَوَّلُ سَنَتِهَا وَقْتَ زِرَاعَتِهَا وَوَقْتُ الزَّرْعِ لِلْحَرْثِ إنْ كَانَتْ أَرْضًا يُقَدِّمُ لَهَا الْحَرْثَ وَآخِرُ عَامِهَا عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ رَفْعُ الزَّرْعِ فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الْعَامِ شَهْرٌ أَوْ شَهْرَانِ وَمَا لَا يُنْتَفَعُ فِيهِ بِالزَّرْعِ فَلَيْسَ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يَحْرُثَ فِيهَا زَرْعًا إلَّا بِكِرَاءٍ مُؤْتَنَفٍ وَلَا يُحَطُّ عَنْهُ لِمَا بَقِيَ شَيْءٌ وَلِرَبِّهَا حَرْثُهَا لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ لِلْمُكْتَرِي
стр. 1482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مَنْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُضَارٌّ وَلَوْ زَرَعَهَا الْمُكْتَرِي، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْوَجِيبَةَ تَنْقَضِي قَبْلَ تَمَامِ زَرْعِهِ بِالْأَيَّامِ، وَالشَّهْرِ فَرُبَّمَا مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ حَرَثَ أَرْضَهُ وَأَفْسَدَ زَرْعَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَقَرَّهُ وَأَخَذَ بِالْأَكْثَرِ مِنْ كِرَاءِ الْمِثْلِ وَبِحِسَابِ كِرَاءِ الْوَجِيبَةِ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَصَفَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَنَّهُ مَنْعُهُ مِنْ الزِّرَاعَةِ لِانْقِضَاءِ عَامِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي تُزْرَعُ الْعَامَ كُلَّهُ وَأَتَى آخِرُ الْعَامِ وَلِلْمُكْتَرِي فِيهَا زَرْعٌ أَوْ بَقْلٌ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ قَلْعُهُ وَزَرْعُهُ وَلَا يَقْلَعُهُ وَيَتْرُكُ ذَلِكَ حَتَّى يَتِمَّ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ كِرَاءُ مِثْلِ أَرْضِهِ عَلَى حِسَابِ مَا كَانَ اكْتَرَاهَا مِنْهُ وَاخْتَلَفَ شُيُوخُنَا فِي تَأْوِيلِ هَذَا اللَّفْظِ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ بَلَدِنَا: إنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ إنَّهُ مُتَضَادٌّ؛ لِأَنَّ كِرَاءَ مِثْلِ أَرْضِهِ مَفْهُومُهُ مَا يُسَاوِي أَرْضَهُ كَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ حِسَابِ مَا اكْتَرَى أَوْ أَكْثَرَ وَقَوْلُهُ عَلَى حِسَابِ مَا كَانَ اكْتَرَاهَا يَقْتَضِي الِاعْتِبَارَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عَقْدِهِمَا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ كِرَاءِ مِثْلِهَا أَوْ أَكْثَرَ قَالَ وَلَكِنْ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا كِرَاءُ الْمِثْلِ، وَالثَّانِي لَهُ كِرَاءٌ مِنْ حِسَابِ مَا كَانَ اكْتَرَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ عَلَيْهِ كِرَاءَ مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ أَوْقَاتَ السَّنَةِ يَخْتَلِفُ فِي كَثْرَةِ الْكِرَاءِ وَقِلَّتِهِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ كِرَاؤُهَا فِي الشِّتَاءِ، وَالصَّيْفِ وَاحِدًا فَكِرَاءُ مِثْلِ أَرْضِهِ إنَّمَا أَرَادَ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ السَّنَةَ كُلَّهَا فَيُعْتَبَرُ كِرَاؤُهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ السَّنَةِ وَلَكِنَّهُ عَلَى حِسَابِ مَا اكْتَرَى فَإِنْ اكْتَرَاهَا مِنْهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَتِلْكَ الْمُدَّةُ وَإِنْ كَانَتْ شَهْرًا وَاحِدًا فَحِصَّتُهُ مِنْ كِرَاءِ السَّنَةِ الرُّبْعُ لِرَغْبَةِ النَّاسِ فِيهِ وَآخِرُ وَقْتِ الْغَلَّةِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ دِينَارَانِ وَنِصْفُ وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَبِرَ بِمَا عَقَدَ عَلَيْهِ مِنْ الْكِرَاءِ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ كِرَاءِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ.
وَإِنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ خَارِجَةً عَنْ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ زَرَعَ فِي وَقْتٍ كَانَ لَهُ الْعَمَلُ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ قَدْ اسْتَحَقَّهَا بِالْكِرَاءِ وَلَا فَائِدَةَ لَهَا إلَّا الزَّرْعُ فَلِذَلِكَ أُسْنِدَتْ الْمُدَّةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ إلَى هَذِهِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا بِسَبَبِهَا ثَبَتَتْ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَتْ مُدَّةُ تَعَدٍّ وَظُلْمٍ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْأَصْلِ فِيهَا كِرَاءُ الْمِثْلِ أَوْ يَأْمُرُهُ بِقَلْعِ مَا زَرَعَ وَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ فَإِنَّ الْغَيْرَ يَقُولُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يَزْرَعَ حِينَ لَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْ شُهُورِهِ مُدَّةً يَتِمُّ فِيهَا زَرْعُهُ فَإِذَا زَرَعَ فَقَدْ تَعَدَّى فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ فَعَلَيْهِ كِرَاءُ الْمِثْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِمَّا يَجِبُ لَهُ عَلَى حِسَابِ مَا مَضَى فَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ رَاضٍ إذَا عَمِلَهَا بِحِسَابِ مَا مَضَى، وَفِي الْوَاضِحَةِ أَنَّ الْمُكْتَرِيَ أَرْضَ الْمُسَاقَاةِ قَبْلَ أَنْ يَعْمِدَ إلَى انْقِضَاءِ الْوَجِيبَةِ فَجَازَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ أَوْ شَهْرٍ فَلَهُ كِرَاءُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ يُرِيدَانِ الْأَكْثَرَ مِنْ كِرَاءِ الْمِثْلِ أَوْ عَلَى حِسَابِ مَا كَانَ اكْتَرَى، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ تَمَامَهُ إلَّا بِالْوَجِيبَةِ بِأَمْرٍ بَعِيدٍ فَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَقْلَعَ أَوْ يَتْرُكَ وَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ كِرَاءِ الْوَجِيبَةِ أَوْ كِرَاءِ الْمِثْلِ، فَقَالَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ لَهُ أَنْ يَعْمِدَ إلَى انْقِضَاءِ الْوَجِيبَةِ، ثُمَّ حَكَمَ فِي ذَلِكَ بِحُكْمِ الْمَنْعِ وَإِنَّمَا تَحَقَّقَ الْقَوْلُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْمِدَ مَا تَيَقَّنَ أَنَّ وَرَقَتَهُ تَتِمُّ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْوَجِيبَةِ وَلَوْ تَبَايَعَا عِنْدَ الزِّرَاعَةِ لَوَجَبَ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ، وَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْكِرَاءِ بِقَدْرِ مَا لَهُ مِنْ الْمُدَّةِ.
١ -
/ (مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ اكْتَرَى أَرْضًا سِنِينَ فَغَرَسَهَا فَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَفِيهَا شَجَرُ الْمُكْتَرِي فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِقِيمَتِهَا مَقْلُوعَةً أَوْ يَأْمُرَ الْمُكْتَرِيَ بِقَلْعِهَا وَلَوْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَفِيهَا زَرْعٌ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ وَلَا أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الزَّرْعَ لَهُ أَمْرٌ يَكْمُلُ فِيهِ وَتَخْلُو الْأَرْضُ مِنْهُ فَلِذَلِكَ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُنْقَلُ وَيَحُولُ، وَالشَّجَرُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فَلَوْ لَزِمَ بَقَاؤُهُ فِي الْأَرْضِ لَاسْتَحَقَّ صَاحِبُهُ الْأَرْضَ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَلَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْكِرَاءِ الَّذِي مُقْتَضَاهُ أَنْ يَنْقَضِيَ بِانْقِضَاءِ أَمَدٍ إلَى حَدِّ الِاسْتِحْقَاقِ فِي الثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ وَلَوْ كَانَ فِي الشَّجَرَةِ ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ لَمْ يَخْلُ أَنْ تَكُونَ مُؤَبَّرَةً أَوْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ فَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ إنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ
стр. 1483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أُجْبِرَ الْمُكْتَرِي عَلَى قَلْعِ شَجَرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مُؤَبَّرَةً لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَلْعِهِ وَكَانَ لَهُ إبْقَاؤُهَا حَتَّى تَتِمَّ ثَمَرَتُهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْأَرْضَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مَأْمُونَةٌ وَغَيْرُ مَأْمُونَةٍ، فَأَمَّا الْمَأْمُونَةُ فَهِيَ أَرْضُ النِّيلِ قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ أَرْضُ الْمَطَرِ عِنْدِي بَيِّنًا كَبَيَانِ أَرْضِ النِّيلِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَكَادُ تَخْتَلِفُ فَالنَّقْدُ جَائِزٌ خِلَافًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي أَرْضِ النِّيلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ مَنَافِعِهَا الِاسْتِيفَاءُ فَجَازَ الْكِرَاءُ فِيهَا كَسُكْنَى الدُّورِ، قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَكَذَلِكَ أَرْضُ الْآبَارِ، وَالْأَنْهَارِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تَخْلُفُ إلَّا فِي الْغِبِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا أَرْضُ الْمَطَرِ فَإِنْ كَانَتْ لَا تَخْلُفُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَالنِّيلُ أَبْيَنُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأُصْبَغُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَقَدْ قِيلَ لَهُمَا أَنَّ أَرْضَ الْأَنْدَلُسِ أَرْضُ مَطَرٍ وَلَا تَكَادُ تَخْلُفُ، فَقَالُوا لَا يَنْعَقِدُ فِيهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا الْمَطَرُ الَّذِي يُحْرَثُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْتَظَرُ بِهَا الرِّوَاءُ بِخِلَافِ أَرْضِ النِّيلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ مَعْنَى الْمَأْمُونَةِ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ تَكْفِيَهَا سَقْيَةٌ وَاحِدَةٌ تُرْوَى بِهَا كَأَرْضِ النِّيلِ فَأَمَّا أَرْضُ الْمَطَرِ فَلَا يَكْفِيهَا إلَّا الْمَطَرُ الْمُتَكَرِّرُ وَلَوْ أَرَادَ أَنَّ الْمَأْمُونَةَ هِيَ الَّتِي لَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا السَّقْيُ بِوَجْهٍ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ النِّيلِ بِمَأْمُونَةٍ فَإِنَّهُ قَدْ يَنْقَطِعُ عَنْهَا السَّقْيُ كَمَا يَنْقَطِعُ الْمَطَرُ عَنْ أَرْضِ الْمَطَرِ لَكِنَّهَا تُفَارِقُهَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْأَرْضُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَأْمُونَةٍ فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا بِشَرْطٍ عِنْدَ الْعَقْدِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ مَنْفَعَتُهَا الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْمَطَرِ لَمْ يَجِبْ لَهُ كِرَاءُ الْأَرْضِ إلَّا مَعَ الْمَطَرِ، وَلَمَّا كَانَ عَدَمُهُ مُعْتَادًا لَمْ يَجُزْ النَّقْدُ؛ لِأَنَّ بِعَدَمِ الْمَطَرِ يَجِبُ رَدُّهُ فَيَكُونُ تَارَةً كِرَاءً إنْ نَزَلَ الْمَطَرُ وَتَارَةً سَلَفًا إنْ عَدِمَ الْمَطَرُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ نَقَدَ بِشَرْطٍ فَقَدْ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ حُسَيْنُ بْنُ عَاصِمٍ فِيمَنْ اكْتَرَى أَرْضَهُ عَشْرَ سِنِينَ وَهِيَ أَرْضُ مَطَرٍ وَانْتَقَدَ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَأْمُونَةً فَهِيَ كِرَاءٌ وَسَلَفٌ يُفْسَخُ مَا لَمْ يُفْتِ فَإِنْ حَرَثَهَا لِقَلِيبٍ أَوْ زَرْعٍ فَذَلِكَ فَوْتٌ وَيُقَاصُّهُ بِكِرَاءِ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا مِنْ سَائِرِ السِّنِينَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي قَبَضَ وَيَرُدُّ مَا بَقِيَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَ نَقَدَهُ بِشَرْطٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً، وَإِنْ نَقَدَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَقَدْ أَطْلَقَ اللَّفْظَ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَالْأَظْهَرُ الْجَوَازُ وَإِنْ كَانَ بِشَرْطِ ذَلِكَ فَهُوَ عَقْدٌ فَاسِدٌ فَيُفْسَخُ مَا لَمْ يَفُتْ فَإِنْ فَاتَ بِالْعَمَلِ لَزِمَهُ بِكِرَاءِ الْمِثْلِ فَيُقَاصُّهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِرَاءِ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ فِيهَا وَلَا يَقْضِيهِ غَيْرَهَا وَيَتْرُكُ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ يَأْخُذُ بِهِ مَنْفَعَةَ أَرْضٍ فَيُؤَدِّي إلَى فَسْخِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَطْلَقَ الْعَقْدَ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ فَمَتَى يَلْزَمُ النَّقْدُ؟ رَأَيْتُ لِأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْحَقِّ أَنَّ كِرَاءَ الْأَرْضِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فَأَمَّا أَرْضُ الْمَطَرِ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْقُدَ حَتَّى يَتِمَّ زَرْعُهُ وَأَمَّا أَرْضُ النِّيلِ، وَالْمَأْمُونَةُ مِنْ الْمَطَرِ فَيَنْقُدُهُ إذَا رُوِيَتْ وَأَمَّا أَرْضُ السَّقْيِ الَّتِي تُزْرَعُ بُطُونًا فَيَنْقُدُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ عِنْدَ تَمَامِ كُلِّ بَطْنٍ مَا يُنْوَ بِهِ، وَعِنْدَ أَشْهَبَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ كُلِّ بَطْنٍ مَا يَنْوِ بِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي عِنْدَهُمَا.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَيَحْتَاجُ هَذَا إلَى تَأَمُّلٍ فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ النَّقْدُ فِي أَرْضِ الْمَطَرِ إلَّا بَعْدَ مَا تُرْوَى وَتُمَكَّنُ مِنْ الْحَرْثِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ إلَّا غَيْرَ الْمَأْمُونَةِ فَإِنَّ الْمَأْمُونَةَ يَصْلُحُ النَّقْدُ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تُرْوَى وَلَكِنَّهُ لَعَلَّهُ أَرَادَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ الرَّيَّ الْمُبَلِّغَ وَعَلَى ذَلِكَ تَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ النَّقْدُ فِي أَرْضِ النِّيلِ إذَا رُوِيَتْ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُرْوَى مَرَّةً وَاحِدَةً وَبِهَا يَتِمُّ الزَّرْعُ فَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ الْمَطَرِ هَذَا حُكْمُهُ، فَهِيَ الْمَأْمُونَةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَمَا كَانَ تَوَالِي الْمَطَرِ عَلَيْهَا مُعْتَادًا لَا يَكَادُ أَنْ يُخْلِفَ لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَتَابُعِهِ فِي إتْمَامِ الزَّرْعِ فَلَا يَلْزَمُ النَّقْدُ بِنَفْسِ الرَّيِّ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ النَّقْدُ بِالرَّيِّ الْمُبَلِّغِ وَأَمَّا أَرْضُ الْخُضَرِ الَّتِي تُزْرَعُ بُطُونًا، فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْقُدَ أَوَّلَ كُلِّ بَطْنٍ مَا يَنُوبُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَنْقُدُ عِنْدَ تَمَامِ كُلِّ بَطْنٍ مَا يَنُوبُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي يَكْفِيهَا أَوَّلَ سَقْيَةٍ لِتَمَامِ الْبَطْنِ
стр. 1484
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فَهِيَ الَّتِي أَرَادَ أَشْهَبُ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ أَرْضِ النِّيلِ إذَا قُصِدَ بِهَا الزَّرْعُ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى مُتَابَعَةِ السَّقْيِ فَهِيَ الَّتِي عَنَاهَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ مِنْ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ وَهِيَ الَّتِي تُشْبِهُ السُّكْنَى، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ إذَا كَانَ مَا زُرِعَ فِيهَا يَتِمُّ بِأَوَّلِ رَيٍّ لَزِمَ النَّقْدُ مَعَ وُجُودِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ إنَّمَا هُوَ فِي أَرْضِهِ فَقَدْ قَبَضَ ذَلِكَ الْمُكْرِي الْأَرْضَ إذَا جَعَلْنَاهَا قَابِضَةً فَلَزِمَهُ النَّقْدُ، وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَاجُ إلَى تَوَالِي الْمَطَرِ وَتَتَابُعِهِ فَلَمْ يَقَعْ الِاسْتِيفَاءُ فِيهِ فَلَمْ يَلْزَمْ النَّقْدُ وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْكِرَاءِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْأَرْضِ الْمَأْمُونَةِ مِنْ النِّيلِ، وَالسَّيْحِ أَوْ الْمَطَرِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ أَمَانُهَا عِنْدَ الْعَقْدِ وَأَمَّا أَرْضُ الْمَطَرِ الَّتِي يَتَخَلَّفُ مَطَرُهَا فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ قَبْضِ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَقْدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى الْجَائِزِ مِنْ تَرْكِ اشْتِرَاطِ النَّقْدِ فَمَتَى يُنْقَدُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَصْلُحُ النَّقْدُ فِيهَا إلَّا إذَا رُوِيَتْ وَذَلِكَ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ النِّيلِ فَإِذَا قَبَضَ الْأَرْضَ، وَقَدْ رُوِيَتْ لَزِمَهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ نَقْدُ الْكِرَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي لَا يَتِمُّ زَرْعُهَا إلَّا بِالْمَطَرِ أَرْضَ نِيلٍ كَانَتْ أَوْ أَرْضَ مَطَرٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُدُهُ الْكِرَاءَ حَتَّى يَتِمَّ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا كَانَتْ مَأْمُونَةَ السَّقْيِ وَجَبَ الْكِرَاءُ نَقْدًا، فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْكِرَاءَ إنَّمَا يَجِبُ بِتَمَامِ الْمَنْفَعَةِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالرَّيِّ الْمُبَلِّغِ وَوَجْهُ قَوْلِ الْغَيْرِ أَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُنْتَقِيَةَ وَاَلَّتِي ظَاهِرُهَا، وَالْغَالِبُ فِيهَا إمْكَانُ الْقَبْضِ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْبُوضَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا اكْتِرَاءُ الْأَرْضِ فَإِنْ كَانَتْ مَأْمُونَةً فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَقْدُ الْكِرَاءِ قَبْلَ إبَّانِ الْحَرْثِ وَتُكْرَى الْعَشْرَ سِنِينَ وَأَكْثَرَ مَا لَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْمُونَةٍ كَأَرْضِ الْمَطَرِ الَّتِي تُرْوَى مَرَّةً وَتَعْطَشُ أُخْرَى فَأَجَازَ الرُّوَاةُ اكْتِرَاءَهَا قَبْلَ إبَّانِ الْحَرْثِ إذَا لَمْ يُنْقَدْ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا تُكْتَرَى إلَّا قُرْبَ الْحَرْثِ مَعَ وُقُوعِ الْمَطَرِ، وَالرَّيِّ وَيَكُونُ مُبَلِّغًا لَهُ أَوْ لِأَكْثَرِهِ مَعَ رَجَاءِ وُقُوعِ غَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ اكْتِرَاؤُهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ مَخَافَةَ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ التَّمَكُّنُ مِنْ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ وَإِنَّمَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهِ تَعَذُّرُ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ فَإِنَّ مَا يُؤْثَرُ مَخَافَةَ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ مِنْ تَعْجِيلِ النَّقْدِ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْغَيْرِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي هَذَا الْعَقْدِ قَبْلَ وَقْتِ الْعَمَلِ إلَّا مُجَرَّدُ التَّحْجِيرِ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ مِنْ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْهُ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَظْهَرُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَكَارَى أَرْضًا لَهَا مَا لَيْسَ فِي مِثْلِهِ مَا يَكْفِي زَرْعَهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنَّمَا كَرِهَهُ مِنْ وَجْهِ الْغَرَرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْضِ الْمَطَرِ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَدْخُلُ مِنْ الْمَاءِ عَلَى قَدْرِ مَا يُرَى فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يُبَلِّغُ زَرْعَهُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ وَأَرْضُ الْمَطَرِ إنْ لَمْ يَأْتِ مِنْ الْمَطَرِ مَا يُبَلِّغُ زَرْعَهُ وَإِلَّا سَقَطَ عَنْهُ الْكِرَاءُ قَالَ وَلَوْ تَكَارَيَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكْفِهِ مَا رَأَى مِنْ الْمَاءِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِالْكِرَاءِ فَإِنَّهُ أَيْضًا خَطَأٌ وَلِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ لَوْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ يَتِمُّ بِهِ الزَّرْعُ لَمْ يُكْرَهْ بِأَمْثَالِ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ الْمَاءَ مَعْلُومٌ وَإِنَّمَا تَخَاطَرَا فِي تَمَامِ الزَّرْعِ بِهِ أَمْ لَا، وَأَمَّا الْمَطَرُ فَمَاؤُهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَإِنَّمَا يُكْتَرَى عَلَى التَّبْلِيغِ وَلَا يَعْلَمُ الْمُكْتَرَى مِنْ حَالِ الْمَطَرِ إلَّا مَا يَعْلَمُهُ الْمُكْتَرِي فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ وَجْهِ الْخَطَرِ الْمَانِعِ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَهَذَا كَبَيْعِ الْآبِقِ الَّذِي لَا يُتَيَقَّنُ تَسْلِيمُهُ أَوْ بَيْعِ الْمَهْرِ الصَّعْبِ الْمُطْلَقِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ قَبْضَهُ رُدَّ إلَيْهِ الثَّمَنُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ اكْتَرَى أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا شَعِيرًا فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا حِنْطَةً فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَرَادَ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا مَا مَضَرَّتُهُ مَضَرَّةُ الْقَمْحِ أَوْ أَقَلُّ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا مَا مَضَرَّتُهُ أَشَدُّ مِنْ مَضَرَّةِ الْقَمْحِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا تُسْتَوْفَى بِهِ الْمَنَافِعُ فِي الْإِجَارَاتِ لَا يَتَعَيَّنُ وَإِنَّمَا تَتَعَيَّنُ الْعَيْنُ الَّتِي يُسْتَوْفَى مِنْهَا الْمَنَافِعُ وَجِنْسُ الْعَيْنِ الَّتِي يُسْتَوْفَى بِهَا كَحِمْلِ الرَّاحِلَةِ وَإِنَّمَا تَتَعَيَّنُ الرَّاحِلَةُ وَيَتَعَيَّنُ جِنْسُ الْحِمْلِ لِيَمْتَنِعَ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ وَلَا يَمْتَنِعَ
стр. 1485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْمُكْتَرِي مِمَّا هُوَ مِثْلُهُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ زَرَعَهَا مَا ضَرَرُهُ أَكْثَرُ مِنْ الشَّعِيرِ فَلِرَبِّهَا كِرَاءُ الشَّعِيرِ وَقِيمَةُ الزِّيَادَةِ بِالضَّرَرِ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَهُ كِرَاءُ الْمِثْلِ وَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ تَنَاوَلَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ زِيَادَةً عَلَى الْقَدْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلِرَبِّهِ بِقَدْرِ مَا زَادَ مَعَ مَا عُقِدَ بِهِ أَصْلُ ذَلِكَ اكْتِرَاءُ دَابَّةٍ مِنْ بَغْدَادَ إلَى حُلْوَانَ فَيَتَعَدَّى بِهَا إلَى الرِّيِّ فَإِنَّ لَهُ الْأُجْرَةَ مِنْ بَغْدَادَ إلَى حُلْوَانَ وَكِرَاءُ الْمِثْلِ مِنْ حُلْوَانَ إلَى الرِّيِّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ اكْتَرَى أَرْضًا سِنِينَ لِلزَّرْعِ لَهَا بِئْرٌ أَوْ عَيْنٌ فَذَهَبَ مَاؤُهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَرْعٌ انْفَسَخَ الْكِرَاءُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ فِي إصْلَاحِ ذَلِكَ كِرَاءَ عَامِهِ ذَلِكَ وَلَا غَيْرِهِ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ وَعَبْدُ الْمُلْكِ بْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُمَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ اسْتِدَامَةُ الْكِرَاءِ لِعَدَمِ مَا اكْتَرَى مِنْ الْمَاءِ الَّذِي تَتِمُّ بِهِ الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ كَمَا لَوْ اكْتَرَى دَارًا لِيَسْكُنَهَا فَانْهَدَمَ بِنَاؤُهَا وَلَيْسَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهَا إصْلَاحُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزْرَعْ فِيهَا بَعْدُ فَلَمْ يُتْلِفْ لَهُ إلَّا مَا لَا يُتْرَكُ الْإِنْفَاقُ فِيهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فَإِنْ أَنْفَقَ فِيهَا الْمُكْتَرِي فَهُوَ مُصَدِّقٌ، ثُمَّ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ رَبَّهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ فَيُؤَدُّونَهُ نَقْدًا، وَإِنْ حَبَسَهُ فِي الْكِرَاءِ جَازَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فَإِنْ أَنْفَقَ فِيهَا الْمُكْتَرِي فَهُوَ مُصَدَّقٌ، ثُمَّ لَا يَلْزَمُ رَبَّهَا ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ دَيْنًا بِدَيْنٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ قَدْ زَرَعَ الْأَرْضَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي كِرَاءِ السَّنَةِ الْأُولَى مَا يُصْلِحُ بِهِ مَا فَسَدَ مِنْ الْمَاءِ أَوْ لَا يَبْلُغُ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ فُسِخَ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْمَوَّازِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ يُقَالُ لِلْمُكْتَرِي أَنْفِقْ مَا زَادَ عَلَى أَنَّ رَبَّ الْمَالِ مُخَيَّرٌ عَلَيْك بَعْدَ الْوَجِيبَةِ فِي أَنْ يَأْمُرَك بِقَلْعِ مَا لَك فِيهِ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ يُعْطِيَك قِيمَتَهُ وَكِلَاهُمَا يَئُولُ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ الْمُكْتَرِي لَمْ يُرِدْ أَنْ يُنْفِقَ مَا زَادَ عَلَى كِرَاءِ السَّنَةِ فَاحْتَاجَ إلَى الزِّيَادَةِ وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ وَبَدَأَ بِالْإِنْفَاقِ وَهُوَ يَظُنُّ بُلُوغَ الْمُرَادِ عَلَى كِرَاءِ السَّنَةِ فَاحْتَاجَ إلَى الزِّيَادَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا زَرَعَ لَزِمَ رَبَّ الْأَرْضِ الْعَمَلُ بِكِرَاءِ أَوَّلِ عَامٍ سَوَاءٌ انْتَقَدَ أَوْ لَمْ يَنْتَقِدْ، فَإِنْ كَانَ انْتَقَدَ وَأَعْدَمَ بِهِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قِيلَ لِلْمُزَارِعِ أَنْفِقْهُ مِنْ مَالِك سَلَفًا لَك إنْ شِئْت، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا تَعَلَّقَ هَذَا الْحَقُّ بِإِنْفَاقِ هَذَا الْعَامِ اخْتَصَّ بِهِ، فَإِنْ كَانَ الْكِرَاءُ بَاقِيًا عِنْدَ الزَّارِعِ أَنْفَقَهُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ صَاحِبِ الْأَرْضِ لَزِمَهُ إنْفَاقُهُ، فَإِنْ أَعْدَمَ بِهِ كَانَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يُسَلِّفَهُ إيَّاهُ وَيَتَّبِعَهُ بِهِ فِي ذِمَّتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُعْلَمُ كِرَاءُ ذَلِكَ الْعَامِ بِتَقْوِيمِ السِّنِينَ إنْ كَانَتْ تَخْتَلِفُ فَيُنْفِقُ مَا يُصِيبُ هَذَا الْعَامَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ يُخْرِجُ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ لِثَلَاثِ سِنِينَ ثُلُثَ الْكِرَاءِ إنْ اكْتَرَاهُ بِالذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ وَإِنْ كَانَ مُؤَخَّرًا، وَلَا يُقَوِّمُ الْعَيْنَ، وَإِنْ كَانَ عَرْضًا فَإِنَّمَا يُخْرِجُ فِيهِ كِرَاءَ تِلْكَ السَّنَةِ مِنْ الصَّفْقَةِ عَلَى أَنْ يَقْبِضَ إلَى أَجَلِهِ كَمَا لَوْ بِيعَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَحَبَّ الزَّارِعُ أَنْ لَا يُنْفِقَ وَسَقَطَ عَنْهُ الْكِرَاءُ فَذَلِكَ لَهُ قَالَهُ مَالِكٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ لَهُ بِالزِّرَاعَةِ فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي اقْتِضَائِهِ أَوْ تَرْكِهِ وَأَمَّا صَاحِبُ الْأَرْضِ فَحَالُهُ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ أَوْ بَعْدَهُ سَوَاءٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ زَرَعَ وَذَهَبَ بِالْعَيْنِ أَوْ الْبِئْرِ قَبْلَ تَمَامِ الزَّرْعِ فَهَلَكَ الزَّرْعُ بِذَهَابِ الْمَاءِ فَلَا كِرَاءَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، فَإِنْ كَانَ أَخَذَ الْكِرَاءَ لَزِمَ صَاحِبَ الْبِئْرِ أَوْ الْعَيْنِ رَدُّهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَأْخُذْهُ فَذَلِكَ عَنْ الزَّارِعِ مَوْضُوعٌ وَلَوْ هَلَكَ بَعْضُهُ وَكَانَ قَدْ حَصَدَ شَيْئًا لَهُ قَدْرٌ وَمَنْفَعَةٌ أَعْطَى مِنْ الْكِرَاءِ بِحِسَابِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدْرٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ الْمَطَرِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ لَمْ يَأْتِهِ مِنْ الْمَطَرِ مَا يَتِمُّ بِهِ زَرْعُهُ فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَثُرَ الْمَطَرُ فَقَتَلَ الزَّرْعَ) فَإِنْ كَانَ فِي إبَّانِ الْحَرْثِ، وَفِي وَقْتٍ لَوْ انْقَطَعَ وَزَالَ الْمَاءُ أَمْكَنَهُ أَنْ يُرِيدَ زِرَاعَتَهَا فَلَمْ يَنْكَشِفْ الْمَاءُ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ الزِّرَاعَةِ فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ تَغْرَقَ الْأَرْضُ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ فِيهَا فَالْكِرَاءُ لَازِمٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَبَعْضُهُ عَنْ مَالِكٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ غَرِقَتْ الْأَرْضُ بَعْدَ إبَّانِ الزِّرَاعَةِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ:
стр. 1486
(ص) : (قَالَ يَحْيَى وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ أَكْرَى مَزْرَعَتَهُ بِمِائَةِ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ الْحِنْطَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَكَرِهَ ذَلِكَ) .
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (كِتَابُ الْقِرَاضِ) (مَا جَاءَ فِي الْقِرَاضِ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي جَيْشٍ إلَى الْعِرَاقِ فَلَمَّا قَفَلَا مَرَّا عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ فَرَحَّبَ بِهِمَا وَسَهَّلَ، ثُمَّ قَالَ لَوْ أَقْدِرُ لَكُمَا عَلَى أَمْرٍ أَنْفَعُكُمَا بِهِ لَفَعَلْت، ثُمَّ قَالَ بَلَى هَاهُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأُسَلِّفَكُمَاهُ فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِ الْعِرَاقِ، ثُمَّ تَبِيعَانِهِ بِالْمَدِينَةِ فَتُؤَدِّيَانِ رَأْسَ الْمَالِ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَكُمَا فَقَالَا وَدِدْنَا ذَلِكَ فَفَعَلَ وَكَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا الْمَالَ فَلَمَّا قَدِمَا بَاعَا فَأَرْبَحَا فَلَمَّا دَفَعَا ذَلِكَ إلَى عُمَرَ قَالَ أَكُلَّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ مِثْلَ مَا أَسْلَفَكُمَا؟ قَالَا لَا فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَسْلَفَكُمَا أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَسَكَتَ وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَالَ مَا يَنْبَغِي لَك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا، لَوْ نَقَصَ الْمَالُ أَوْ هَلَكَ لَضَمِنَّاهُ فَقَالَ عُمَرُ أَدَّيَاهُ فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ جَعَلْته قِرَاضًا فَقَالَ عُمَرُ قَدْ جَعَلْته قِرَاضًا فَأَخَذَ عُمَرُ رَأْسَ الْمَالِ وَنِصْفَ رِبْحِهِ وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نِصْفَ رِبْحِ الْمَالِ
ــ
[المنتقى]
إنْ زَرَعَ فَجَاءَهُ بَرْدٌ فَأَذْهَبَ زَرْعَهُ فَإِنَّ الْكِرَاءَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَهُ جَرَادٌ أَوْ جَلِيدٌ وَغَرِقَتْ الْأَرْضُ فِي غَيْرِ إبَّانِ الزِّرَاعَةِ فَتَلِفَ الزَّرْعُ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَطْعُومَاتِ وَلَا بَأْسَ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ بِأَرْضٍ أُخْرَى خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَنَافِعُ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُمَا مَنْفَعَتَانِ يَجُوزُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَجَازَ الْعَقْدُ عَلَى إحْدَاهُمَا بِالْأَحْرَى كَمَا لَوْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ.
[كِتَابُ الْقِرَاضِ]
[مَا جَاءَ فِي الْقِرَاضِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ هَاهُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأُسَلِّفَكُمَاهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ إحْرَازَ الْمَالِ فِي ذِمَّتِهِمَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ مَنْفَعَتَهُمَا بِالسَّلَفِ وَمِنْ مُقْتَضَاهُ ضَمَانُهُمَا الْمَالَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ السَّلَفُ لِمُجَرَّدِ مَنْفَعَةِ السَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ لِمَحْضِ الرِّفْقِ فَإِذَا قَصَدَ الْمُسَلِّفُ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ دَخَلَ الْفَسَادُ فَإِذَا أَسْلَفَ رَجُلٌ رَجُلًا مَالًا لِيَدْفَعَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَقَصَدَ بِهِ مَنْفَعَةَ الْمُتَسَلِّفِ خَاصَّةً فَهُوَ جَائِزٌ لِاخْتِصَاصِهِ بِمَنْفَعَةِ الْمُتَسَلِّفِ، فَإِنْ أَرَادَ رَدَّهُ إلَيْهِ حَيْثُ لَقِيَهُ بِبِلَادِ السَّلَفِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي يُؤَمَّرُ فِيهَا أُجْبِرَ الْمُسَلِّفُ عَلَى قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْمُسَلَّفِ بِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ دَفَعَهُ خَاصَّةً فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُعَجِّلَهُ لَزِمَ الْمُسَلِّفَ قَبْضُهُ كَالْأَجَلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَرَادَ الْمُسَلِّفُ مَنْفَعَتَهُ بِالسَّلَفِ بِأَنْ يَقْصِدَ إحْرَازَ مَالِهِ فِي ذِمَّةِ الْمُتَسَلِّفِ إلَى بَلَدِ الْقَضَاءِ كَالسَّفَاتِجِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا أَهْلُ الْمَشْرِقِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَرَوَى أَبُو الْفَرْجِ جَوَازَ السَّفَاتِجِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَا لَمْ يَقْصِدْ الْمُسَلِّفُ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ، وَالْأَظْهَرُ مَنْعُهَا إذَا قَصَدَ الْمُسَلِّفُ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسَلِّفُ صَاحِبَ الْمَالِ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّنْ لَهُ النَّظَرُ عَلَيْهِ مِنْ إمَامٍ أَوْ قَاضٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ أَبٍ فَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُسَلِّفَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لِيُحْرِزَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُتَسَلِّفِ وَكَذَلِكَ الْقَاضِي، وَالْوَصِيُّ فِي مَالِ
стр. 1487
) .
ــ
[المنتقى]
الْيَتِيمِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْقَاضِي، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ فِي مَالِ نَفْسِهِ مِنْ الِارْتِفَاقِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ فِي مَالٍ يَلِي عَلَيْهِ كَالسَّلَفِ بِزِيَادَةٍ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ وَقَعَ السَّلَفُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فُسِخَ فِي الْأَجَلِ وَالْبَلَدِ وَأُجْبِرَ الْمُتَسَلِّفُ عَلَى تَعْجِيلِ الْمَالِ وَأُجْبِرَ الْمُسَلِّفُ عَلَى قَبْضِهِ وَبَطَلَ الْأَجَلُ بِهِ ذَلِكَ كُلُّهُ كَالْبَيْعِ بِأَجَلٍ عَلَى وَجْهٍ فَاسِدٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مُعَجَّلًا.
(فَصْلٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ فِعْلَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ هَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فَعَلَ هَذَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لِمُجَرَّدِ مَنْفَعَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ وَجَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ الْمُفَوِّضَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ كَانَ بِيَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَسْلَفَهُ وَأَسْلَفَهُمَا إيَّاهُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَحْكَامِ الْوَدِيعَةِ فِي الْأَقْضِيَةِ وَلَوْ تَلِفَ الْمَالُ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ وَفَاءٌ لَضَمِنَهُ أَبُو مُوسَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِأَبِي مُوسَى النَّظَرُ فِي الْمَالِ بِالتَّثْمِيرِ وَالْإِصْلَاحِ فَإِذَا أَسْلَفَهُ كَانَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الَّذِي هُوَ الْإِمَامُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ تَعَقُّبُ فِعْلِهِ فَتَعَقَّبَهُ وَرَدَّهُ إلَى الْقِرَاضِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ أَكُلَّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ مِثْلَ مَا أَسْلَفَكُمَا قَالَا لَا تَعَقُّبَ مِنْهُ لِأَفْعَالِ أَبِي مُوسَى وَنَظَرَ فِي تَصْحِيحِ أَفْعَالِهِ وَتَبْيِينَ لِمَوْضِعِ الْمَحْظُورِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى عُمَرَ أَنَّ أَبَا مُوسَى لَمْ يُسَلِّفْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَيْشِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لِابْنَيْهِ مَوْضِعَ الْمُحَابَاةِ فِي مَوْضِعِ فِعْلِ أَبِي مُوسَى فَلَمَّا قَالَا لَا أَقَرَّا بِالْمُحَابَاةِ فَقَالَ ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَسْلَفَكُمَا يُرِيدُ أَنَّ تَخْصِيصَهُمَا بِالسَّلَفِ دُونَ غَيْرِهِمَا إنَّمَا كَانَ لِمَوْضِعِهِمَا مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا مِمَّا كَانَ يَتَوَرَّعُ مِنْهُ عُمَرُ أَنْ يَخُصَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَوْ مِمَّنْ يَنْتَمِي إلَيْهِ بِمَنْفَعَةٍ مِنْ مَالِ اللَّهِ لِمَكَانِهِ مِنْهُ، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يُبَالِغُ فِي التَّوَقِّي مِنْ هَذَا، وَلِذَلِكَ قَسَمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَقَلَّ مِمَّا قَسَمَ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَكَانَ يُعْطِي حَفْصَةَ ابْنَتَهُ مِمَّا يَصْلُحُ إلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ آخِرَ مَنْ يُعْطِي، فَإِنْ كَانَ نُقْصَانٌ فَفِي حِصَّتِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ نَقْضٌ لِفِعْلِ أَبِي مُوسَى وَتَغْيِيرٌ لِسَلَفِهِ بِرَدِّ رِبْحِ الْمَالِ إلَى الْمُسْلِمِينَ وَإِجْرَائِهِ مَجْرَى أَصْلِهِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ، وَإِنَّمَا كَرِهَ تَفْضِيلَ أَبِي مُوسَى لِوَلَدَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُمَا ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا قَوْلُنَا إنَّ أَبَا مُوسَى اسْتَسْلَفَ الْمَالَ وَأَسْلَفَهُمَا إيَّاهُ لِمُجَرَّدِ مَنْفَعَتِهِمَا وَأَنَّ الْمَالَ كَانَ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِ الْوَدِيعَةِ، وَأَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّهُ بِيَدِهِ لِوَجْهِ التَّثْمِيرِ وَالْإِصْلَاحِ فَإِنَّ لِعُمَرَ تَعَقُّبَ ذَلِكَ وَالتَّكَلُّمَ فِيهِ وَالنَّظَرَ فِي ذَلِكَ لَهُمَا وَلِلْمُسْلِمِينَ بِوَجْهِ الصَّوَابِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا فِي الْمُبْضِعِ مَعَهُ الْمَالُ يَبْتَاعُ بِهِ لِنَفْسِهِ وَيَتَسَلَّفُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مَا ابْتَاعَ بِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ يَضْمَنَهُ رَأْسُ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ عَلَى النِّيَابَةِ عَنْهُ فِي عَرْضِهِ وَابْتِيَاعِ مَا أَمَرَهُ بِهِ وَكَانَ أَحَقَّ بِمَا ابْتَاعَهُ بِهِ، وَهَذَا إذَا ظَفِرَ بِالْأَمْرِ قَبْلَ بَيْعِ مَا ابْتَاعَهُ، فَإِنْ فَاتَ مَا ابْتَاعَهُ بِهِ فَإِنَّ رِبْحَهُ لِرَبِّ الْمَالِ وَخَسَارَتَهُ عَلَى الْمُبْضَعِ مَعَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَسَكَتَ يُرِيدُ أَنَّهُ أَمْسَكَ عَنْ الْمُرَاجَعَةِ بِرًّا بِأَبِيهِ وَانْقِيَادًا لَهُ وَاتِّبَاعًا لِمُرَادِهِ، وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ فَرَاجَعَهُ طَلَبًا لِحَقِّهِ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا مَالٌ قَدْ ضَمِنَاهُ وَلَوْ دَخَلَهُ نَقْصٌ لَجَبَرْنَاهُ، وَقَوْلُ عُمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ إعْرَاضٌ عَنْ حُجَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُبْضِعَ مَعَهُ يَضْمَنُ الْبِضَاعَةَ إذَا اشْتَرَى بِهَا لِنَفْسِهِ، وَإِنْ دَخَلَهَا نَقْصٌ جَبَرَهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ رِبْحَهَا لِرَبِّ الْمَالِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ الرَّجُلِ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ جَعَلْته قِرَاضًا عَلَى وَجْهِ مَا رَآهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عُمَرُ لَمْ يَسْأَلْهُ إلَّا أَنَّهُ قَدْ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ وَمَا عُرِفَ مِنْ حَالِ عُمَرَ وَاسْتِشَارَتِهِ أَهْلَ الْعِلْمِ، وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْحُكْمَ بِالْفَتْوَى إذَا عُلِمَ مِنْ حَالِهِ اسْتِشَارَتُهُ وَجَرَتْ بِذَلِكَ عَادَتُهُ، وَالْقِرَاضُ الَّذِي أَشَارَ بِهِ أَحَدُ نَوْعَيْ الشِّرْكَةِ يَكُونُ فِيهِمَا الْمَالُ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، وَالْعَمَلُ مِنْ الثَّانِي
стр. 1488
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَعْطَاهُ مَالًا قِرَاضًا يَعْمَلُ فِيهِ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا) .
ــ
[المنتقى]
وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الشِّرْكَةِ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْمَالِ وَالْعَمَلِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْقِرَاضُ فَهُوَ جَائِزٌ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صِحَّةِ أَنْوَاعِهِ، وَوَجْهُ صِحَّتِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَالٍ يَزْكُو بِالْعَمَلِ لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ لِلْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهِ بِبَعْضِ النَّمَاءِ الْخَارِجِ مِنْهُ وَذَلِكَ أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تَزْكُو إلَّا بِالْعَمَلِ وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَسْتَطِيعُ التِّجَارَةَ وَيَقْدِرُ عَلَى تَنْمِيَةِ مَالِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ إجَارَتُهَا مِمَّنْ يُنَمِّيهَا فَلَوْلَا الْمُضَارَبَةُ لَبَطَلَتْ مَنْفَعَتُهَا فَلِذَلِكَ أُبِيحَتْ الْمُعَامَلَةُ بِهَا عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ مِنْ مِثْلِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَالِ إلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي التَّنْمِيَةِ إلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ قَدْ جَعَلْته قِرَاضًا عَلَى سَبِيلِ التَّصْوِيبِ لِمَا رَآهُ هَذَا الْمُشِيرُ، وَالْأَخْذُ بِقَوْلِهِ وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا، وَإِنَّمَا كَانَ إظْهَارًا لِمَا يُرِيدُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ وَيَرَاهُ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَلَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ مِنْهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِيهِ.
(فَصْلٌ) :
وَإِنَّمَا جَوَّزَ عُمَرُ ذَلِكَ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ عَمِلَا فِي الْمَالِ بِوَجْهِ شُبْهَةٍ وَعَلَى وَجْهٍ يُعْتَقَدُ أَنَّ فِيهِ الصِّحَّةَ دُونَ أَنْ يُبْطِلَا فِيهِ مَقْصُودًا لِمَنْ يَمْلِكُهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُبْطَلَ عَلَيْهِمَا عَمَلُهُمَا فَرَدَّهُمَا إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِمَا وَكَانَ قِرَاضُ مِثْلِهِمَا النِّصْفَ فَأَخَذَ عُمَرُ النِّصْفَ مِنْ الرِّبْحِ وَعَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ النِّصْفَ الثَّانِيَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(ش) : إنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَعْطَى جَدَّ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَالًا قِرَاضًا لَفْظَةُ الْإِعْطَاءِ تَقْتَضِي تَسْلِيمَهُ إلَيْهِ وَائْتِمَانَهُ عَلَيْهِ وَهَذِهِ سُنَّةُ الْقِرَاضِ وَلَوْ شَرَطَا بَقَاءَ الْمَالِ بِيَدِ صَاحِبِهِ وَإِذَا اشْتَرَى الْعَامِلُ سِلْعَةً وَزَنَ وَإِذَا بَاعَ قَبَضَ الثَّمَنَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مَعْنًى قَدْ أَخْرَجَهُمَا عَنْ صُورَةِ الْقِرَاضِ وَمَعْنَاهُ فَمَنَعَ ذَلِكَ صِحَّتَهُ؛ لِأَنَّ صُورَةَ الْقِرَاضِ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ بِيَدِ الْعَامِلِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ مُؤْتَمَنًا عَلَى الْمَالِ فَمَا أَخْرَجَ الْقِرَاضَ عَنْ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ صِحَّتَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ قِرَاضًا وَيَجْعَلُهُ إجَارَةً مَجْهُولَةَ الْعِوَضِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ عَمِلَ مَعَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الْكَثِيرِ دُونَ الْيَسِيرِ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَمِنْ أَجْلِهِ أُنْفِقَ فِي الْقِرَاضِ عَلَى مَا أُنْفِقَ فِيهِ فَلِذَلِكَ أَثَرٌ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَأَمَّا الْيَسِيرُ فِيمَا لَا يَسْتَبِدُّ مِنْهُ الْحَاضِرُ مِثْلُ أَنْ يُعَيِّنَهُ فِي شِرَاءِ سِلْعَةٍ أَوْ يَنُوبَ عَنْهُ فِي قَبْضِ دَرَاهِمَ يَسِيرَةٍ مِمَّا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ لِصَدِيقِهِ أَوْ يُعَيِّنَ بِهِ مَنْ يَعْرِفُهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَكَانَ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْقِرَاضَ لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَى مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ لِأَجْلِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا يُفْسَخُ الْقِرَاضُ لِكَثِيرِهِ دُونَ شَرْطٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْقِرَاضِ قَدْ سَلِمَ مِنْ الشَّرْطِ وَلَيْسَتْ التُّهْمَةُ فِيهِ بِقَوِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَكَادُ يُفْعَلُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ تَشَارُكَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْمَالِ بِمَالٍ آخَرَ جَعَلَهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي عَقْدِ الْقِرَاضِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ شَرْطًا فِي الْقِرَاضِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَيْنِ عَقْدَانِ مُقْتَضَى أَحَدِهِمَا غَيْرُ مُقْتَضَى الْآخَرِ فَلَمْ يَجُزْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ كَالصَّرْفِ، وَالسَّلَمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ تَشَارَكَا بَعْدَ عَقْدِ الْقِرَاضِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الِاشْتِرَاكِ بَعْدَ الْعَمَلِ أَقْوَالًا مُخْتَلِفَةً لَمْ يُبَيِّنُوا هَلْ ذَلِكَ قَبْلَ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُهُ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ إنْ صَحَّ مِنْ غَيْرِ مَوْعِدٍ وَلَا وَأْيٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ أُصْبَغَ قَالَ خُيِّرَ فِيهِ وَعَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ قَالَ هُوَ الرِّبَا بِعَيْنِهِ، وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ فِي أَقْوَالِهِمْ فَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ أَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدْ سَلِمَ عَقْدُ الْقِرَاضِ مِنْ الْفَسَادِ، وَذَلِكَ أَنْ يَعْقِدَاهُ عَلَى مَا يُوجِبُ تَصَرُّفَ
стр. 1489
مَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ (ص) : (مَالِكٌ: وَجْهُ الْقِرَاضِ الْمَعْرُوفِ الْجَائِزِ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ الْمَالَ مِنْ صَاحِبِهِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَنَفَقَةُ الْعَامِلِ مِنْ الْمَالِ فِي سَفَرِهِ مِنْ طَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ وَمَا يُصْلِحُهُ بِالْمَعْرُوفِ بِقَدْرِ الْمَالِ إذَا شَخَصَ فِي الْمَالِ إذَا كَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مُقِيمًا فِي أَهْلِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ مِنْ الْمَالِ وَلَا كِسْوَةَ) .
ــ
[المنتقى]
رَبِّ الْمَالِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا لَوْ عَمِلَا عَلَيْهِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ إذَا عَمِلَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فِي عَقْدِ الْقِرَاضِ لِعَقْدٍ صَارَ عَمَلًا كَثِيرًا بَطَلَ ذَلِكَ الْقِرَاضُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ فَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَيَجُوزُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ رَأْسُ الْمَالِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَعْقِدَ الْقِرَاضَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حَالَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَرْكُ الْقِرَاضِ فِيهَا إذَا اسْتَدْرَكَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ شَرْطًا يُنَافِي الْقِرَاضَ فَكَأَنَّمَا شَرَطَاهُ فِي عَقْدِ الْقِرَاضِ، وَأَمَّا إذَا عَمِلَ الْعَامِلُ بِالْقِرَاضِ وَلَزِمَهُمَا أَمْرُهُ وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا إبْطَالُهُ فَمَا اُلْتُزِمَ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ مَا شُرِطَ مِنْ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا عَادَ مَالُ الْقِرَاضِ إلَى غَيْرِ الصِّفَةِ الَّتِي أَخَذَهُ الْعَامِلُ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مَالُ الْقِرَاضِ دَنَانِيرَ فَيَصِيرُ دَرَاهِمَ فَيَشْتَرِكَانِ بِالدَّرَاهِمِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَعُونَةُ الْغُلَامِ، فَإِنْ كَانَ شَرَطَ الْعَامِلُ خِدْمَتَهُ فِي الْمَالِ الْكَثِيرِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى الْمَعُونَةِ فِيهِ فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ إجَازَتُهُ أَنَّ هَذَا مَالٌ تَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهِ بِبَعْضِ نَمَائِهِ الْخَارِجِ مِنْهُ فَجَازَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِيهِ خِدْمَةَ الْعَبْدِ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ كَثِيرًا كَالْمُسَاقَاةِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَخْتَصُّ بِالْخِدْمَةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْحَائِطِ مَنْ كَانَ يَعْمَلُ فِيهِ مِنْ الْخُدَّامِ فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِيهِ الْخَادِمُ، وَأَمَّا الْقِرَاضُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الْخَادِمِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّ الْمَالِ أَنَّ الْعَامِلَ إذَا عَمِلَ فِي مَالِهِ نُظِرَ فِيهِ بِالْحِفْظِ لَهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ كَمَا لَوْ جَعَلَ غُلَامَهُ أَوْ وَكِيلَهُ مَعَهُ لِيَحْفَظَ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ بِمُجَرَّدِ الْخِدْمَةِ وَالْمَعُونَةِ وَلَوْ أَعَانَهُ بِغُلَامِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَجْزَاءٍ اتَّفَقَا عَلَيْهَا عِنْدَ عَقْدِ الْقِرَاضِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حَدٌّ كَالْمُسَاقَاةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الرِّبْحِ لِلْعَامِلِ أَوْ لِرَبِّ الْمَالِ بِالشَّرْطِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَيَكُونُ الْقِرَاضُ فَاسِدًا إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ إذَا شَرَطَا الرِّبْحَ لِلْعَامِلِ صَارَ قِرَاضًا وَإِذَا شَرَطَاهُ لِرَبِّ الْمَالِ صَارَ بِضَاعَةً.
(فَصْلٌ) :
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَذْكُرَا مِقْدَارًا أَوْ يَقُولَ اعْمَلْ فِي هَذَا الْمَالِ عَلَى أَنَّ لَك فِي الرِّبْحِ شِرْكًا أَوْ شِرْكَةً ذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إذَا قَالَ عَلَى أَنَّ لَك شِرْكَةً فِي الرِّبْحِ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِذَا قَالَ عَلَى أَنَّ لَك شِرْكًا فَهُوَ قِرَاضٌ فَاسِدٌ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ عَمِلَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَهُ النِّصْفُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الشِّرْكَةَ لَمَّا احْتَمَلَتْ النِّصْفَ وَغَيْرَهُ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ إنْ لَمْ يَذْكُرَا شَيْئًا بَيْنَهُمَا وَعَمَلُ الْعَامِلِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَلَهُ قِرَاضُ الْمِثْلِ وَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الشِّرْكَةِ يَقْتَضِي تَسَاوِيَ الشَّرِيكَيْنِ وَلَا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِبَيَانٍ فَيُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ رَجُلَانِ أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فِي هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا مَزِيَّةً.
[مَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ]
(ش) :
стр. 1490
(ص) : (مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَيِّنَ الْمُتَقَارِضَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ إذَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمَا) .
(ص) : (مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ رَبُّ الْمَالِ مِمَّنْ قَارَضَهُ بَعْضَ مَا يَشْتَرِي مِنْ السِّلَعِ إذَا كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ) .
ــ
[المنتقى]
وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مِنْ سُنَّةِ الْقِرَاضِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْعَامِلَ يَأْخُذُ الْمَالَ الْقِرَاضَ وَيَعْمَلُ فِيهِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ ضَمَانِ رَبِّ الْمَالِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ شَرَطَ الضَّمَانَ عَلَى الْعَامِلِ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ الْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا نَقْلُ الضَّمَانِ عَنْ مَحَلِّهِ بِإِجْمَاعٍ فَاقْتَضَى ذَلِكَ فَسَادَ الْعَقْدِ وَالشَّرْطِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا بَاعَ مِنْهُ شَيْئًا عَلَى الْبَائِعِ ضَمَانُهُ أَبَدًا، وَلِذَلِكَ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ حَمِيلًا أَوْ رَهْنًا أَوْ يَمِينًا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ وَيُرَدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ وَبَاقِي الْفَصْلِ سَيَرِدُ بَيَانُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُعَيِّنَ الْعَامِلُ رَبَّ الْمَالِ فِيمَا يَنْفَرِدُ بِهِ إذَا كَانَتْ مَعُونَتُهُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ الْمَحْضِ وَلَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الْمَالَ بِيَدِهِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْمَعُونَةُ يَسِيرَةً مَعَ كَوْنِ الْمَالِ الَّذِي يُقْرِضُهُ بِيَدِ صَاحِبِهِ فَأَمَّا أَنْ يُبْضِعَ مَعَهُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ الْقَلِيلُ مِنْهُ دُونَ الْكَثِيرِ وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا قَلَّ مِنْهُ لِشَرْطِ وَجْهِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ: إنَّ الْيَسِيرَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فَلَا تُهْمَةَ فِيهِ بِخِلَافِ الْكَثِيرِ الَّذِي يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ بِسَبَبِهِ وَيَكُونُ زِيَادَةً مَقْصُودَةً فِيهِ، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ ذِكْرَهُ وَاشْتِرَاطَهُ فِي الْعَقْدِ ازْدِيَادٌ فِي الْقِرَاضِ عَلَى الْعَامِلِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مَقْصُودًا فِيهِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ مَالِكٍ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَتَحَمَّلُ مَالَ الْقِرَاضِ لِكَثْرَتِهِ فَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ الْعَامِلُ وَمَالُ الْقِرَاضِ نَاضٌّ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَلُّ الْعَقْدِ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ حَالِ الْعَقْدِ وَكُلُّ شَيْءٍ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ حَالَ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ مَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ بَاقِيًا عَلَى صِفَتِهِ، وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ قَدْ شَغَلَهُ الْعَامِلُ فِي تِجَارَةٍ قَالَ مَالِكٌ: فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ هَذَا وَقْتٌ لَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ انْتِزَاعُهُ مِنْ الْعَامِلِ فَتَبْعُدُ التُّهْمَةُ فِيهِ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ مُتَبَرِّعٌ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَعُونَةُ رَبِّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ إذَا كَانَ الْمَالُ بِيَدِ الْعَامِلِ بِأَنْ أَرَادَ الْعَامِلُ أَنْ يُبْضِعَ مَعَهُ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ رَبُّ الْمَالِ مِنْ الْعَامِلِ بَعْضَ مَا ابْتَاعَهُ مِنْ السِّلَعِ إذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْهَدِيَّةِ لِإِبْقَاءِ الْمَالِ بِيَدِهِ أَوْ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ الرِّبْحِ قَبْلَ الْمُقَاسَمَةِ، وَسَوَاءٌ اشْتَرَى مِنْهُ بِنَقْدٍ أَوْ إلَى أَجَلٍ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ اشْتَرَى مِنْهُ بِنَقْدٍ أَخْرَجَهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِمَا يَتَبَايَعُ بِهِ النَّاسُ فَقَدْ سَلِمَا مِنْ التُّهْمَةِ وَوُجُوهِ الْفَسَادِ فَجَازَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ اشْتَرَاهَا لِيَأْخُذَهَا مِنْ الْقِرَاضِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا خَيْرَ فِيهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ اشْتَرَى الْعَامِلُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ سِلَعًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَبْتَاعَهَا بِمَالِ الْقِرَاضِ أَوْ لِنَفْسِهِ فَإِنْ ابْتَاعَهَا مِنْهُ لِلْقِرَاضِ بِمَالِ الْقِرَاضِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ فَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ أَنَّهُ خَفَّفَهُ إنْ صَحَّ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ كَرَاهِيَتَهُ، وَكَذَلِكَ الصَّرْفُ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ إذَا صَحَّ الْبَيْعُ مِنْهُمَا جَازَ كَمَا لَوْ بَاعَ الْعَامِلُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا يَحْذَرُ مِنْ تَغَابُنِ الْعَامِلِ لَهُ وَزِيَادَتِهِ فِي ثَمَنِ سِلْعَتِهِ فَيَتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إلَى أَخْذِ مَنْفَعَةٍ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَرُبَّمَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي مَالِ الْقِرَاضِ نَقْصًا يَحْتَاجُ الْعَامِلُ إلَى جَبْرِهِ بِعَمَلِهِ، وَإِنْ ابْتَاعَ الْعَامِلُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ جَائِزٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّبَايُعَ لَمْ يَقَعْ فِي مَالِ التِّجَارَةِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي ذَلِكَ فَسَادًا فِي عَقْدِهَا كَمُبَايَعَةِ الْأَجْنَبِيِّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ ابْتَاعَ الْعَامِلُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ بَعْضَ سِلَعِ الْقِرَاضِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعَ اسْتِدَامَةِ الْقِرَاضِ أَوْ مَعَ التَّفَاضُلِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مَعَ اسْتِدَامَتِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ نَقْدًا وَلَا يَجُوزُ إلَى أَجَلٍ خِلَافًا لِلَّيْثِ
стр. 1491
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ وَإِلَى غُلَامٍ لَهُ مَالًا قِرَاضًا يَعْمَلَانِ فِيهِ جَمِيعًا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ مَالٌ لِغُلَامِهِ لَا يَكُونُ الرِّبْحُ لِلسَّيِّدِ حَتَّى يَنْتَزِعَهُ مِنْهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ كَسْبِهِ) .
ــ
[المنتقى]
وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي تَجْوِيزِهِمَا ذَلِكَ إلَى أَجَلٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ مَا قُلْنَاهُ إنَّ الْقِرَاضَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّسَاوِي وَمُبَاعَدَةِ الِازْدِيَادِ مِنْ الْعَامِلِ فَإِذَا بَاعَ مِنْهُ سِلَعًا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهَا بِزِيَادَةٍ عَلَى الْقِسْمَةِ فَيَزْدَادُ مِنْهُ لِلْقِرَاضِ تِلْكَ الزِّيَادَةُ وَتَكُونُ أَيْضًا مَضْمُونَةً عَلَيْهِ، وَذَلِكَ خِلَافُ مَا بُنِيَ عَلَيْهِ الْقِرَاضُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ عِنْدَ التَّفَاضُلِ فَيَجُوزُ بِالنَّقْدِ، وَأَمَّا بِالتَّأْخِيرِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَا خَيْرَ فِيهِ وَكَأَنَّهُ نَحَا بِهِ نَاحِيَةَ الرِّبَا، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ابْتِيَاعَهُ مِنْهُ بِنَقْدٍ أَوْ بِمِثْلٍ فَأَقَلَّ إلَى أَجَلٍ فَهُوَ جَائِزٌ وَلَا يَجُوزُ إلَى أَجَلٍ بِأَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ سَمِعْت أَصْحَابَ مَالِكٍ يَقُولُونَ لَا بَأْسَ بِهِ وَعُمْدَتُهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكِ أَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ عِنْدَ الْعَامِلِ هُوَ الَّذِي وَجَبَ لِرَبِّ الْمَالِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عِنْدَهُ لِزِيَادَةٍ يَزْدَادُهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُشَابِهُ الرِّبَا؛ لِأَنَّ الَّذِي لَهُ عِنْدَهُ عَيْنٌ فَيَتْرُكُهُ عِنْدَهُ لِيَزِيدَهُ فِيهِ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ عَلَى الْعَامِلِ بَيْعَ ذَلِكَ الْعَرْضِ وَتَحْصِيلَ ثَمَنِهِ فَإِذَا بَاعَهُ مِنْهُ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ قَوِيَتْ التُّهْمَةُ فِي أَنَّهُ يُعْطِيهِ الثَّمَنَ الْمُؤَجَّلَ فِيمَا بَقِيَ بِيَدِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِ الْقِرَاضِ، وَفِي عَمَلِهِ وَيَضْمَنُ مَعَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى الضَّمَانِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ عِيسَى أَنَّهُ إذَا بَاعَهُ بِمِثْلِ رَأْسِ الْمَالِ فَأَقَلَّ ضَعُفَتْ التُّهْمَةُ وَإِذَا كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ قَوِيَتْ التُّهْمَةُ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّهُ إنَّمَا يَبِيعُ مِنْهُ ذَلِكَ عِنْدَ التَّفَاضُلِ بَعْدَ أَنْ يَرْضَى بِأَخْذِهِ رَبُّ الْمَالِ، فَإِذَا جَازَ بَيْعُهُ بِالنَّقْدِ جَازَ بَيْعُهُ بِأَجَلٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ تُهْمَةٍ تُوجَدُ فِيهِ مَعَ التَّأْجِيلِ تُوجَدُ مَعَ النَّقْدِ فَإِذَا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ بَيْعَهَا بِالنَّقْدِ لَمْ يَمْنَعْ بَيْعَهَا بِالتَّأْجِيلِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ إذَا دَفَعَ إلَى عَبْدِهِ مَالَ الْقِرَاضِ وَرَجُلٍ آخَرَ لِيَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ فِي ذَلِكَ، وَالْعَبْدُ يَكُونُ مَعَ الْعَامِلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَامِلًا مَعَهُ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا، وَالثَّانِي يَكُونُ خَادِمًا لِلْمَالِ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهِ وَحَافِظًا لَهُ، فَإِنْ كَانَ عَامِلًا فِيهِ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا وَهُمَا تَاجِرَانِ أَمِينَانِ فَهُوَ جَائِزٌ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ فِي مَنْعِهِ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَرِيكٌ لَهُ فِي حِفْظِ الْمَالِ وَرِبْحِهِ، وَالْعَمَلِ فِيهِ فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّةَ الْقِرَاضِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ مُقَارَضَةِ الِاثْنَيْنِ أَنْ يَتَسَاوَى حَظُّهُمَا مِنْ الرِّبْحِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ ذَلِكَ فَكَانَ لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثُ وَلِلْآخِرِ السُّدُسُ وَلِصَاحِبِ الْمَالِ النِّصْفُ لَمْ يَجُزْ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي تَجْوِيزِهِمَا ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ بِأَنَّهُمَا شَرِيكَانِ بِأَبْدَانِهِمَا فَلَا يَجُوزُ تَفَاضُلُهُمَا فِيمَا يَعُودُ نَوْعُهُ عَلَيْهِمَا كَالشَّرِكَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْأَبْدَانِ.
(فَرْعٌ) وَسَوَاءٌ كَانَ أَحَدُ الْعَامِلَيْنِ أَبْصَرَ مِنْ الْآخَرِ أَوْ مِثْلَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْعَامِلُ الْأَجْنَبِيُّ أَبْصَرَ مِنْ غُلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الشَّرِيكَيْنِ فِي التِّجَارَةِ تُسَاوِيهِمَا فِي الْبَصَرِ بِالْعَمَلِ الَّذِي اشْتَرَكَا فِيهِ كَالْمُعَلِّمَيْنِ، وَالطَّبِيبَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْعَبْدُ لِخِدْمَةِ الْمَالِ فَهُوَ جَائِزٌ إذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا يَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَخْدُمُهُ وَيُعِينُهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَعَهُ مَنْ يَحْفَظُ الْمَالَ مِنْهُ فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الرِّبْحَ لِغُلَامِهِ لَا يَكُونُ الرِّبْحُ لِلسَّيِّدِ حَتَّى يَنْتَزِعَهُ مِنْهُ يُرِيدُ أَنَّ مَا أَبْرَزَتْهُ لِلْغُلَامِ الْقِسْمَةُ مِنْ الرِّبْحِ فَهُوَ مِلْكٌ لَهُ وَلَا يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ إلَّا بِالِانْتِزَاعِ، وَلَوْ كَانَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الرِّبْحِ لِلسَّيِّدِ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فَسَادًا فِي الْقَرْضِ مِنْ جِهَةِ الْجَهْلِ بِالْحِصَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ رَجُلٌ مَالًا قِرَاضًا إلَى عَامِلٍ عَلَى أَيِّ جُزْءٍ اتَّفَقَا عَلَيْهِ جَازَ ذَلِكَ فَلَا يَبْطُلُ الْقِرَاضُ بِإِضَافَةِ حِصَّةِ أَحَدِ الْعَامِلَيْنِ إلَى حِصَّةِ رَبِّ الْمَالِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَبْطُلُ إذَا كَانَ الْعَامِلُ نَائِبًا عَنْ رَبِّ الْمَالِ فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحٍ لَهُ وَمَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ فَإِنَّهُ يَنُوبُ عَنْهُ وَإِذَا قُلْنَا إنَّ الْعَبْدَ
стр. 1492
مَا لَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَسَأَلَهُ أَنْ يُقِرَّهُ عِنْدَهُ قِرَاضًا أَنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ حَتَّى يَقْبِضَ مَالَهُ، ثُمَّ يُقَارِضَهُ بَعْدُ أَوْ يُمْسِكَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ أَعْسَرَ بِمَالِهِ فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ فِيهِ) .
ــ
[المنتقى]
يَمْلِكُ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ حَتَّى يَنْتَزِعَهَا مِنْهُ السَّيِّدُ فَإِنَّمَا يَنُوبُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَلُهُ لَهُ، وَهُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعَامِلِينَ يَمْلِكُونَ حِصَّتَهُمْ مِنْ الرِّبْحِ بِالْقِسْمَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَهَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مَسَائِلَ تَقْتَضِي ذَلِكَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْعَمَلَ بِالْعِوَضِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ، وَالتَّسْلِيمُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ إنْ خِطْت هَذَا الثَّوْبَ فَلَكَ دِينَارٌ فَإِنَّنَا قَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الدِّينَارَ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ وَالتَّسْلِيمِ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَ الرِّبْحَ بِظُهُورِهِ كَصَاحِبِ الْمَالِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي رِبْحِ مَالِ الْقِرَاضِ مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْعَامِلَ يَمْلِكُ حِصَّتَهُ بِالْقِسْمَةِ فَإِنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ رَبِّ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَإِنْ قُلْنَا أَنَّهُ يَمْلِكُ بِظُهُورِهِ اعْتَبَرْنَا فِي الزَّكَاةِ بِحَالِ الْعَامِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَسْبِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ دُونَ السَّيِّدِ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إلَى السَّيِّدِ بِالِانْتِزَاعِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَطَأَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ صَحَّ مِنْهُ الْمِلْكُ كَالْحَرْثِ.
[مَا لَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقِرَّ الدَّيْنَ بِيَدِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ وَيَدْخُلَهُ مَا قَالَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي الدَّيْنِ لِلتَّأْخِيرِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْضَى بِالْجُزْءِ الْيَسِيرِ مِنْ أَجْلِ بَقَاءِ الدَّيْنِ عِنْدَهُ فَيَفْتَضِحَ بِإِحْضَارِهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا رَضِيَ بِمِثْلِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْقِرَاضُ بِالدَّيْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُحْضِرُ الْمَالَ، وَالثَّانِي أَنْ يُحْضِرَهُ، فَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُ فَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ لَهُ إلَّا رَأْسُ مَالِهِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْقِرَاضِ أَدْخَلَ الْفَسَادَ عَلَى مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ مِنْ تَأْخِيرِهِ بِالدَّيْنِ فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ الْقِرَاضُ وَأَنْ يَبْقَى الدَّيْنُ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ أَحْضَرَ الْمَالَ فَجَعَلَهُ قِرَاضًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ رَبُّ الْمَالِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِيمَنْ غَصَبَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، ثُمَّ رَدَّهَا فَقَالَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ لَا أَقْبِضُهَا وَلَكِنْ أَعْمَلُ بِهَا قِرَاضًا إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمَغْصُوبُ أَحْضَرَ الْمَالَ تَبَرُّعًا فَلِذَلِكَ جَوَّزَهُ وَأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ اتَّفَقَ مَعَهُ عَلَى إحْضَارِ الدَّيْنِ لِيَرُدَّهُ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ، وَلَوْ جَاءَ بِدَيْنِهِ مُتَبَرِّعًا قَاضِيًا لَهُ فَتَرَكَهُ عِنْدَهُ قِرَاضًا أَقَامَ إحْضَارَهُ مَقَامَ قَبْضِهِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِجَوْدَتِهِ وَوَزْنِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ مَا لَمْ يُقْبَضْ مِنْهُ بِالِانْتِقَادِ وَالْوَزْنِ فَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ فَلَمْ يَجُزْ الْقِرَاضُ بِهِ كَاَلَّذِي لَمْ يُحْضِرْهُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ نَزَلَ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ إلَّا رَأْسُ مَالِهِ، وَهُوَ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرَوَى أَشْهَبُ فِي غَيْرِ الْعُتْبِيَّةِ إنْ نَزَلَ مَضَى وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ قُورِضَ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْمَالِ غَيْرُ رَأْسِ مَالِهِ مَضْمُونًا كَاَلَّذِي لَمْ يُحْضِرْ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذَا مَالٌ قَدْ حَضَرَتْ عَيْنُهُ وَعُلِمَتْ بَرَاءَةُ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ فَإِذَا رَدَّهُ إلَيْهِ قِرَاضًا فَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْبُوضِ مِنْهُ.
١ -
стр. 1493
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَهَلَكَ بَعْضُهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ، ثُمَّ عَمِلَ فِيهِ فَرَبِحَ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ رَأْسَ الْمَالِ بَقِيَّةَ الْمَالِ بَعْدَ الَّذِي هَلَكَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيُجْبَرُ رَأْسُ الْمَالِ مِنْ رِبْحِهِ ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ بَعْدَ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى شَرْطِهِمَا مِنْ الْقِرَاضِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا يَصْلُحُ الْقِرَاضُ إلَّا فِي الْعَيْنِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ وَلَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعُرُوضِ، وَالسِّلَعِ) .
ــ
[المنتقى]
مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا الْوَدِيعَةُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا فَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْمُقَارَضَةَ بِهَا حَتَّى تُحْضَرَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا بَأْسَ بِهِ وَكَرِهَهُ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ غَيْرِ الثِّقَةِ وَلَمْ يَكْرَهْهُ إذَا كَانَ الْمُودِعُ ثِقَةً وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يُمْكِنُ الْمُودِعَ التَّصَرُّفُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِرَاضِ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ فِي مَنْعِ الْمُقَارَضَةِ بِهَا، وَلِذَلِكَ جَوَّزَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْعَدْلِ الثِّقَةِ؛ لِأَنَّهُ يُوَثِّقُ بِقَوْلِهِ هِيَ عِنْدِي لَمْ أَتَصَرَّفْ فِيهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ يَدُ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ حَافِظٌ لَهُ فَصَحَّ أَنْ يَقْبِضَهَا مِنْ نَفْسِهِ قِرَاضًا كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَقْبِضَهَا مِنْ رَبِّ الْمَالِ بِذَلِكَ الْوَجْهِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ نَزَلَ الْقِرَاضُ الْوَدِيعَةِ مَضَى، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا وَيُصَدَّقُ الْمُودَعُ فِي ضَيَاعِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تَتَعَلَّقْ بِالذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ وَدِيعَةً لِصَاحِبِهَا بِيَدِ الْمُودِعِ النَّائِبَةِ عَنْ يَدِهِ، وَلَوْ أَحْضَرَهَا لَارْتَفَعَتْ الْكَرَاهِيَةُ فِيهَا، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي جَوَازِهَا لِبَقَاءِ عَيْنِهَا، وَكَذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ هَلَاكَ بَعْضِ الْمَالِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ رَأْسِ الْمَالِ بَلْ هُوَ عَلَى مَا عَقَدَا عَلَيْهِ وَقَبَضَ الْعَامِلُ مِنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاضَ عَلَى ذَلِكَ انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا فَمَتَى رَبِحَ بَعْدَ ذَلِكَ جُبِرَ مَا نَقَصَ مِنْ الْمَالِ بِالرِّبْحِ، فَإِنْ فَضَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ الْجَبْرِ فَضْلَةٌ فَذَلِكَ جَمِيعُ الرِّبْحِ، وَلَوْ اتَّفَقَا بَعْدَ النَّقْصِ عَلَى إسْقَاطِ مَا هَلَكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَاسْتِئْنَافِ الْقِرَاضِ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَاَلَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقْبِضَ رَبُّ الْمَالِ بَقِيَّةَ مَالِهِ قَبْضًا صَحِيحًا، ثُمَّ يَدْفَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَيْهِ قِرَاضًا مُسْتَأْنَفًا، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُمَا إذَا تَحَاسَبَا فَأَقَرَّا مَا بَقِيَ بَعْدَ الْخَسَارَةِ رَأْسَ مَالِ الْقِرَاضِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَقَاضِيًا صَحِيحًا وَمَا عَقَدَاهُ مِنْ الْقِرَاضِ عَقْدًا مُسْتَأْنَفًا أَحْضَرَ الْمَالَ أَوْ لَمْ يُحْضِرْهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِجْبَارِ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُفَاضَلَةِ فَإِنَّ حُكْمَ الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ بَاقٍ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ التَّفَاضُلَ فِي الْقِرَاضِ إنَّمَا يَكُونُ بِأَنْ يَقْبِضَ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ وَمَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ إلَى أَنْ يَزِيدَ الْعَامِلُ فِي حَظِّهِ مِنْ الرِّبْحِ مَا يَقْتَضِيهِ عِنْدَ الْقِرَاضِ مِنْ جَبْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَسَارَةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا جَائِزٍ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْمُفَاضَلَةَ تَقَعُ فِي ذَلِكَ بِالْقَوْلِ دُونَ الْقَبْضِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ اللَّازِمَةَ تُفْسَخُ بِالْقَوْلِ فَبِأَنْ تُفْسَخَ بِهِ الْجَائِزَةُ أَوْلَى وَأَحْرَى.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِغَيْرِ الدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّهَا أُصُولُ الْأَثْمَانِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ وَلَا يَدْخُلُ أَسْوَاقَهَا تَغْيِيرٌ فَلِذَلِكَ يَصِحُّ الْقِرَاضُ بِهَا فَأَمَّا مَا يَدْخُلُهُ تَغَيُّرُ الْأَسْوَاقِ مِنْ الْعُرُوضِ فَلَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَأْخُذُ الْعَامِلُ الْعَرْضَ قَرْضًا وَقِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ فَيَتَّجِرُ فِي الْمَالِ فَيَرْبَحُ مِائَةً فَيَرُدُّهُ وَقِيمَتُهُ مِائَتَانِ فَيَصِيرُ الرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ وَلَا يَحْصُلُ لِلْعَامِلِ شَيْءٌ، وَقَدْ لَا يَرْبَحُ فَيَرُدُّهُ وَقِيمَتُهُ خَمْسُونَ فَيَبْقَى بِيَدِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ خَمْسُونَ فَيَأْخُذُ نِصْفَهَا، وَهُوَ لَمْ يَرْبَحْ شَيْئًا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا الْقِرَاضُ بِالْفُلُوسِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَرُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ فِي الْأُمَّهَاتِ أَنَّهُ أَجَازَ الْقِرَاضَ بِهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْفُلُوسَ لَيْسَتْ بِأَصْلٍ فِي الْأَثْمَانِ، وَلِذَلِكَ لَا تَجْرِي مَجْرَى الْعَيْنِ فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ وَبَيْعِهَا بِالْعَيْنِ نَسَاءً فَلَمْ يَجُزْ الْقِرَاضُ بِهَا كَالْعُرُوضِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ فَصَحَّ الْقِرَاضُ بِهَا كَالدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْمَنْعِ فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَهُ الْقِرَاضُ
стр. 1494
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَمِنْ الْبُيُوعِ مَا لَا يَجُوزُ إذَا تَفَاوَتَ أَمْرُهُ وَتَفَاحَشَ رَدُّهُ فَأَمَّا الرِّبَا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فِيهِ إلَّا الرَّدُّ أَبَدًا وَلَا يَجُوزُ مِنْهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ مَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ فِي كِتَابِهِ ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]
ــ
[المنتقى]
بِالنِّقَارِ أَخَفُّ، وَالْفُلُوسُ كَالْعُرُوضِ، وَهَذَا مُقْتَضَى فَسَادِ الْقِرَاضِ وَيَكُونُ لَهُ فِي بَيْعِ الْفُلُوسِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَفِيمَا نَضَّ مِنْ ثَمَنِهَا قِرَاضُ الْمِثْلِ.
وَقَالَ أُصْبَغُ هِيَ كَالنِّقَارِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ نَحْوَهُ وَتُرَدُّ فُلُوسًا مِثْلَهَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ الْفُلُوسَ لَا يَحْرُمُ فِيهَا التَّفَاضُلُ فَإِذَا وَقَعَ الْقِرَاضُ بِهَا وَجَبَ فَسْخُهُ كَالْعُرُوضِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ هَذَا ثَمَنٌ يُتَعَامَلُ بِهِ فَلَا يُفْسَخُ الْقِرَاضُ إذَا وَقَعَ بِهِ كَالدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا نِقَارُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ الْمَنْعَ مِنْ الْقِرَاضِ بِهَا، وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ إجَازَةَ ذَلِكَ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى مَنْعَ ذَلِكَ فِي بَلَدٍ يُتَعَامَلُ فِيهِ بِالدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ، وَأَمَّا فِي بَلَدٍ يُتَعَامَلُ فِيهِ بِالتَّمْرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ فَكَانَ الْقِرَاضُ بِهَا مَمْنُوعًا كَالْعُرُوضِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّهَا عَيْنٌ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ فَصَحَّ الْقِرَاضُ فِيهَا كَالدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْمَنْعِ وَوَقَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ يَحْيَى رَوَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ وَلَا يَفْسَخُهُ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي عَلَى الْكَرَاهِيَةِ، وَذَلِكَ عِنْدِي يَحْتَاجُ أَيْضًا إلَى تَوْجِيهٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّ قِيمَتَهُ لَا تَتَفَاوَتُ وَلَا يَدْخُلُهَا مِنْ حِوَالَةِ الْأَسْوَاقِ إلَّا مَا يَقْرُبُ مِمَّا يُدْخِلُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ فَلِذَلِكَ لَمْ يُفْسَخْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْحُلِيُّ الْمَصُوغُ مِنْ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ فَلَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِهِ وَرَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الصِّيَاغَةَ قَدْ غَيَّرَتْ حُكْمَهُ وَأَلْحَقَتْهُ بِالْعُرُوضِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمَغْشُوشُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِهِ مَضْرُوبًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ الْغِشُّ النِّصْفَ فَأَقَلَّ جَازَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ هَذِهِ دَرَاهِمُ مَغْشُوشَةٌ فَلَمْ يَجُزْ الْقِرَاضُ بِهَا أَصْلُ ذَلِكَ إذَا زَادَ الْغِشُّ عَلَى النِّصْفِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ لَيْسَتْ بِالسِّكَّةِ الَّتِي يَتَعَامَلُ النَّاسُ بِهَا فَإِذَا كَانَتْ سِكَّةَ التَّعَامُلِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ عَيْنًا وَصَارَتْ أُصُولُ الْأَثْمَانِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ، وَقَدْ جَوَّزَ أَصْحَابُنَا الْقِرَاضَ بِالْفُلُوسِ فَكَيْفَ بِالدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِعَيْنِهَا، وَلَوْ كَانَتْ عُرُوضًا لَمْ تَتَعَلَّقْ الزَّكَاةُ بِعَيْنِهَا، وَإِنْ اُعْتُرِضَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ إنْ انْقَطَعَ فَتَسْتَحِيلُ أَسْوَاقُهَا فَمِثْلُ ذَلِكَ يَعْتَرِضُ فِي الدَّرَاهِمِ الْخَالِصَةِ إذَا قُطِعَ التَّعَامُلُ بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مِنْ الْبُيُوعِ بُيُوعًا مَكْرُوهَةً، فَإِنْ فَاتَ أَمْضَى عَقْدَهُ وَلَمْ يَنْتَقِضْ، وَلَمْ يُغَيَّرْ كَبَيْعِ الْحَبِّ بَعْدَ أَنْ أَفْرَكَ وَقَبْلَ أَنْ يَيْبَسَ وَبَيْعِ الثَّمَرِ بَعْدَ أَنْ أَزْهَى يُؤْخَذُ كَيْلًا بَعْدَ أَنْ يُثْمِرَ قَالَ ذَلِكَ عِيسَى، وَزَادَ فِيهِ أَنَّ مِنْ الْبُيُوعِ الْمَكْرُوهَةِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَا إذَا فَاتَ نَظَرٌ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا شَيْءٌ يَأْخُذُهُ الْبَائِعُ أُعْطِيهِ وَإِلَّا لَمْ يُنْقَصْ مِمَّا أَخَذَ شَيْئًا، وَإِنْ هِيَ أَدْرَكَتْ، وَلَمْ تَفُتْ فَأَسْقَطَ الْبَائِعُ شَرْطَهُ مَضَى الْبَيْعُ وَلَزِمَهُمَا وَأَرَى أَنَّهُ يَصِيرُ إلَى بَيْعٍ وَسَلَفٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْبُيُوعِ الْمَكْرُوهَةِ فَقَطْ بَلْ هُوَ مِنْ الْبُيُوعِ الْمُحَرَّمَةِ، وَكَذَلِكَ مَا يُرَدُّ فِيهِ إلَى الْأَكْثَرِ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنِ كَبَيْعِ الْأَمَةِ عَلَى أَنْ تُتَّخَذَ أُمَّ وَلَدٍ.
قَالَ عِيسَى: وَأَمَّا الَّذِي لَا يَفُوتُ فَالْبَيْعُ الْحَرَامُ يُفْسَخُ مَا لَمْ يَفُتْ فَإِذَا فَاتَ رُدَّ إلَى الْقِيمَةِ مَا بَلَغَتْ فَفِي قَوْلِ عِيسَى إنَّمَا يَمْضِي مِنْ الْبُيُوعِ بِالثَّمَنِ إذَا فَاتَ مَا كَانَ مَكْرُوهًا، وَلَمْ يَكُنْ حَرَامًا، وَأَمَّا الَّذِي يُرَدُّ إلَى الْقِيمَةِ حِينَ الْقَبْضِ فَهُوَ الْحَرَامُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ إنْ كَانَ بَيْعٌ كَانَ فَسَادُهُ لِعَقْدِهِ كَالْبَيْعِ وَقْتَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ إتْيَانُهَا وَكَابْتِيَاعِ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، وَالْبَيْعِ عَلَى
стр. 1495
) .
ــ
[المنتقى]
تَلَقِّي السِّلَعِ، فَإِنْ فَاتَ يَمْضِي بِالثَّمَنِ وَمَا كَانَ فَسَادُهُ فِي أَحَدِ عِوَضَيْهِ كَبَيْعِ الْمَجْهُولِ وَالْغَرَرِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ بَعْدَ الْفَوَاتِ إلَى الْقِيمَةِ وَجْهُ مَا قَالَهُ عِيسَى مَا حَكَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ بَاعَ كَيْلًا مِنْ التَّمْرِ مِنْ حَائِطٍ مُعَيَّنٍ قَدْ أَزْهَى أَنَّهُ يُرَدُّ لِلْإِتْيَانِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَكْرُوهِ مَا لَمْ يَفُتْ فَإِذَا فَاتَ أَمْضَى كَالصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ إذَا وَقَعَتْ عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ الْمَكْرُوهَةِ إلَّا أَنَّهَا عَلَى صِفَاتِ الْأَجْزَاءِ فَإِنَّهَا تُعَادُ فِي الْوَقْتِ لِلْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى أَكْمَلِ صِفَاتِهَا فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ لَمْ تُعَدْ.
وَأَمَّا الْبَيْعُ الْحَرَامُ فَإِنَّهُ يُرَدُّ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ الْفَاسِدِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إنْفَاذُهُ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يُرَدَّ التَّغَابُنُ فِيهِ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْلَكْ بِالْعَقْدِ كَالصَّلَاةِ إذَا عَرِيَتْ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْزَاءِ فَإِنَّهَا تُعَادُ أَبَدًا، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ أَنَّ هَذَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَإِذَا كَانَ الْفَسَادُ فِي عَقْدِهِ كَانَ فِيهِ بَعْدَ الْفَوَاتِ الْعِوَضُ الْمُسَمَّى وَإِذَا كَانَ فَسَادُهُ فِي عِوَضِهِ كَانَ فِيهِ بَعْدَ الْفَوَاتِ الْقِيمَةُ كَالنِّكَاحِ.
(فَصْلٌ) :
قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مَالِكٌ مِنْ مَقَالَتِهِ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْقِرَاضِ إلَى ذِكْرِ الْبُيُوعِ وَمَا اُخْتُلِفَ مِنْ ذِكْرِ مَكْرُوهِهَا وَحَرَامِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اعْتَزَى فِيهِ أَنَّ لِلْقِرَاضِ مَكْرُوهًا وَحَرَامًا كَالْبُيُوعِ لَهَا مَكْرُوهٌ وَحَرَامٌ فَمَكْرُوهُ الْقِرَاضِ مَا كَانَ مِنْهُ إذَا فَاتَ بِالْعَمَلِ يَرُدُّ فِيهِ الْعَامِلُ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ مِثْلُ الْمُقَارِضِ بِالسِّلْعَةِ، وَالْمُقَارِضِ عَلَى الضَّمَانِ، وَالْمُقَارِضِ يَشْرِطُ أَوْ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرُدَّ الْمَالَ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَهَذَا وَشِبْهُهُ مَكْرُوهُ الْقِرَاضِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَكْرُوهِ الْبَيْعِ، كَمَا لَا يَنْقُضُ الْبَائِعُ فِي مَكْرُوهِ الْبَيْعِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ إذَا كَانَ أَدْنَى مِنْ الْقِيمَةِ فَكَذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ الْمُقَارِضُ فِي مَكْرُوهِ الْقِرَاضِ وَيُرَدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ، وَحَرَامُ الْقِرَاضِ مَا كَانَ مِنْهُ يُرَدُّ الْمُقَارِضُ بَعْدَ الْعَمَلِ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَيَخْرُجُ عَنْ رِبْحِ الْقِرَاضِ كَمَا أَنَّ الْبَيْعَ فِي الْبُيُوعِ الْحَرَامِ يَرْجِعُ عِنْدَ فَوَاتِ السِّلْعَةِ إلَى قِيمَتِهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ دُونَ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ أَوْ أَكْثَرَ فَهَذَا تَأْوِيلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الَّتِي قَالَهَا مَالِكٌ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مُزَيْنٍ فِي إيرَادِ مَسْأَلَةِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ بِإِثْرِ مَسَائِلِ الْقِرَاضِ لَا بَأْسَ بِهِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَمْثِيلُ الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ بِالْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْقِرَاضِ الْحَرَامِ، وَالْمَكْرُوهِ مُتَنَازَعٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِرَاضَ الْفَاسِدَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْوَاجِبِ بِهِ إذَا فَاتَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الظَّاهِرُ إنَّهُ يُرَدُّ إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْهُ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ يُرَدُّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ يُرَدُّ بَعْضُ الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ وَبَعْضُهُ إلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ حَكَاهَا عَنْهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
وَقَالَ بِهَذَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ نَافِعٍ وَمُطَرِّفُ وَأَصْبَغُ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ زِيَادَةٍ يَشْتَرِطُهَا أَحَدُهُمَا فِي الْمَالِ دَاخِلَةٌ فِيهِ لَيْسَتْ بِخَارِجَةٍ عَنْهُ وَلَا خَالِصَةٍ لِمُشْتَرِطِهَا فَذَلِكَ يُرَدُّ إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ، وَكُلُّ زِيَادَةٍ ازْدَادَهَا خَارِجَةٌ مِنْ الْمَالِ أَوْ خَالِصَةٌ لِأَحَدِهِمَا فَإِنَّ هَذَا يُرَدُّ إلَى إجَارَةِ الْمِثْلِ وَكُلُّ خَطَرٍ وَغَرَرٍ يَتَعَامَلَانِ عَلَيْهِ خَرَجَا فِيهِ عَنْ سَنَةِ الْقِرَاضِ فَهُوَ فِي ذَلِكَ أَجِيرٌ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ إنْ طَالَ الْفَسَادُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ إنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ زِيَادَةٍ ازْدَادَهَا أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَى إجَارَةِ الْمِثْلِ حُكِيَ عَنْ عِيسَى مَا تَقَدَّمَ.
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ شُبْهَةَ كُلِّ عَقْدٍ وَفَاسِدَهُ يَجِبُ رَدُّهُ إلَى صَحِيحِهِ إذَا فَاتَ كَالْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْإِجَارَاتِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي التَّقْسِيمِ غَيْرُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنِ مُزَيْنٍ، وَإِنَّمَا كَانَ يَجِبُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ أَنْ لَوْ قَالَ كُلُّ قَرْضٍ أُوقِعَ عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ وَوُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ فَإِنَّهُ يُتْرَكُ إذَا وَقَعَ وَفَاتَ وَمَا كَانَ حَرَامًا لَمْ
стр. 1496
مَا يَجُوزُ مِنْ الشَّرْطِ فِي الْقِرَاضِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا تَشْتَرِيَ بِمَالِي إلَّا سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا أَوْ يَنْهَاهُ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً بِاسْمِهَا قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَطَ عَلَى مَنْ قَارَضَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ حَيَوَانًا أَوْ سِلْعَةً بِاسْمِهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَمَنْ اشْتَرَطَ عَلَى مَنْ قَارَضَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ الَّتِي أَمَرَهُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ غَيْرَهَا كَثِيرَةً مَوْجُودَةً لَا تَخْلُفُ فِي شِتَاءٍ وَلَا صَيْفٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ) .
ــ
[المنتقى]
يُوجَدْ فِيهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ أَبَدًا، وَإِنْ فَاتَ كَانَ فِيهِ قِرَاضُ الْمِثْلِ، وَلَكِنَّ مَالِكًا إنَّمَا قَصَدَ إلَى أَنَّ حُكْمَ الْقِرَاضِ الْمَكْرُوهِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ كَمَا أَنَّ حُكْمَ الْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَلَمْ يَقْصِدْ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَكْرُوهِ مِنْهَا.
(فَرْقٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِنَا قِرَاضُ الْمِثْلِ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ أَنَّ قِرَاضَ الْمِثْلِ مُتَعَلِّقٌ بِنَمَاءِ ذَلِكَ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ فَلَهُ حِصَّتُهُ فِي مِثْلِهِ فِي عَمَلِهِ وَأَمَانَتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِبْحٌ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا شَيْءَ لَهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ لَهُ قِرَاضَ الْمِثْلِ حِصَّةً ثَابِتَةً مَعَ وُجُودِ الرِّبْحِ وَعَدَمِهِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ بِأَنْ يُجْعَلَ لَهُ الْجُزْءُ الَّذِي يُعَامَلُ مِثْلُهُ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ الْمَالِ، وَأَمَّا أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَإِنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِذِمَّةِ صَاحِبِ الْمَالِ بِإِجَارَةِ ثَابِتَةٍ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ شَاءَ إنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ كَانَ لَهُ فِي الْمَالِ رِبْحٌ أَوْ خَسَارَةٌ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبِ إنَّ لَهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ مِنْ الرِّبْحِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ.
(فَرْقٌ) وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْعَامِلَ فِي قِرَاضِ الْمِثْلِ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ إلَى أَنْ يَنِضَّ الْمَالُ وَلَا يَلْزَمُهُ فِي أُجْرَةِ الْمِثْلِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَعَلَى رَبِّ الْمَالِ قَبْضُ دَيْنِهِ إنْ كَانَ أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَبَيْعُ عُرُوضِهِ، وَعَلَى الْعَامِلِ إثْبَاتُ دُيُونِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ إنْ جَحَدَهَا، وَلَمْ تَثْبُتْ بِبَيِّنَةٍ ضَمِنَهَا الْعَامِلُ.
[مَا يَجُوزُ مِنْ الشَّرْطِ فِي الْقِرَاضِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ شَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ لَا يَتَّجِرَ بِسِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ بِالْحَيَوَانِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَهُ شَرْطُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَبْقَى لَهُ مِنْ السِّلَعِ مَا لَا يُعْدَمُ التِّجَارَةُ فِيهَا فِي بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ وَلَا وَقْتَ مِنْ الْأَوْقَاتِ، وَهَذَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْقِرَاضِ، فَأَمَّا إذَا قَالَ لَهُ أُقَارِضُك عَلَى أَنْ لَا تَشْتَرِيَ إلَّا سِلْعَةَ كَذَا السِّلْعَةَ بِعَيْنِهَا، فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ كَثِيرَةً مَوْجُودَةً وَلَا تُعْدَمُ التِّجَارَةُ فِيهَا وَلَا تُعْدَمُ هِيَ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ كَالْحَيَوَانِ، وَالطَّعَامِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَدْ تَعْدَمُ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ أَوْ تَتَعَذَّرُ التِّجَارَةُ بِهَا لِقِلَّتِهَا فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ لَمْ تَجُزْ الْمُقَارَضَةُ بِهَا وَعَقْدُ الْقِرَاضِ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ فَاسِدٌ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ جَائِزٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ هَذَا اشْتَرَطَ مَا يُنَافِي عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ كَمَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ أَوْ شَرَطَ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِ عُرُوضًا وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُنَافِي الْمُضَارَبَةَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا هُوَ النَّمَاءُ وَالرِّبْحُ، وَإِذَا قَالَ لَا تَشْتَرِ إلَّا هَذَا الثَّوْبَ فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُعْدَمَ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ رِبْحٌ فَيَبْطُلَ مَقْصُودُ الْقِرَاضِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الْقِرَاضَ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ كُلُّ قِرَاضٍ وَقَعَ فَاسِدًا مِمَّا يَرُدُّ فِيهِ الْعَامِلَ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ أَوْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ مَتَى عَثَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ فَإِذَا عَثَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَبْتَاعَ بِالْمَالِ شَيْئًا فُسِخَ، وَإِنْ عَثَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ ابْتَاعَ بِالْجَمِيعِ كَانَ فَسْخُهُ الْمَنْعَ مِنْ اسْتِئْنَافِ الْعَمَلِ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهْمًا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعَمَلِ عَلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ أَوْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يُرَدُّ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ فَلَا تَفْرِيعَ وَإِذَا قُلْنَا يُرَدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ وَابْتَاعَ بِبَعْضِ الْعَيْنِ سَلَفًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ فَعِنْدِي إنْ اشْتَرَى بِالْيَسِيرِ الَّذِي لَا خَطْبَ لَهُ فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَشْتَرِ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَى بِالْكَثِيرِ وَبَقِيَ الْكَثِيرُ فَهُوَ
стр. 1497
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ خَالِصًا دُونَ صَاحِبِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ، وَإِنْ كَانَ دِرْهَمًا وَاحِدًا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ نِصْفَ الرِّبْحِ لَهُ وَنِصْفَهُ لِصَاحِبِهِ أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ فَإِذَا سَمَّى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَلَالٌ، وَهُوَ قِرَاضُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ وَلَكِنْ إنْ اشْتَرَطَ أَنَّ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ دِرْهَمًا وَاحِدًا فَمَا فَوْقَهُ خَالِصًا لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ وَمَا بَقِيَ مِنْ الرِّبْحِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ وَلَيْسَ عَلَى ذَلِكَ قِرَاضُ الْمُسْلِمِينَ) .
مَا لَا يَجُوزُ مِنْ الشَّرْطِ فِي الْقِرَاضِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ خَالِصًا دُونَ الْعَامِلِ وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ خَالِصًا دُونَ صَاحِبِهِ، وَلَا يَكُونُ مَعَ الْقِرَاضِ بَيْعٌ وَلَا كِرَاءٌ وَلَا عَمَلٌ وَلَا سَلَفٌ وَلَا مِرْفَقٌ يَشْتَرِطُهُ أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ صَاحِبِهِ إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ إذَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمَا، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُتَقَارَضَيْنِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ زِيَادَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ يَزْدَادُهُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ قَالَ فَإِنْ دَخَلَ الْقِرَاضَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ صَارَ إجَارَةً وَلَا تَصْلُحُ الْإِجَارَةُ إلَّا بِشَيْءٍ ثَابِتٍ مَعْلُومٍ وَلَا يَنْبَغِي لِلَّذِي أَخَذَ الْمَالَ أَنْ يَشْتَرِطَ مَعَ أَخْذِهِ الْمَالَ أَنْ يُكَافِئَ وَلَا يُوَلِّي مِنْ سِلْعَتِهِ أَحَدًا وَلَا يَتَوَلَّى مِنْهَا شَيْئًا لِنَفْسِهِ فَإِذَا وَفَرَ الْمَالُ وَحَصَلَ عَزْلُ رَأْسِ الْمَالِ، ثُمَّ اقْتَسَمَا الرِّبْحَ عَلَى شَرْطِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِ رِبْحٌ أَوْ دَخَلَتْهُ وَضِيعَةٌ لَمْ يَلْحَقْ الْعَامِلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لَا مِمَّا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا مِنْ الْوَضِيعَةِ، وَذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فِي مَالِهِ، وَالْقِرَاضُ جَائِزٌ عَلَى مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ وَالْعَامِلُ مِنْ نِصْفِ الرِّبْحِ أَوْ ثُلُثِهِ أَوْ رُبْعِهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ
ــ
[المنتقى]
عَلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ فِيمَا عَمِلَ فِيهِ وَيَتْرُكُ الْبَاقِيَ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ اشْتَرَطَ مِنْ الْمُتَعَامِلَيْنِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ عَلَى الْآخَرِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَخْلُوَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنْ حِصَّةٍ مِنْ الرِّبْحِ، وَلَوْ اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا عَدَدًا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ ذَلِكَ الْعَدَدُ أَنْ يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ الرِّبْحِ فَلَا يَكُونُ لِلْآخَرِ حَظٌّ مِنْ الرِّبْحِ، وَهُوَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْقِرَاضِ إلَّا عَلَى حَظٍّ مِنْ الرِّبْحِ فَلِذَلِكَ كَانَ الرِّبْحُ عَلَى الْأَجْزَاءِ لَا عَلَى الْعَدَدِ، فَإِنْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا مَعَ الْأَجْزَاءِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ مُقَدَّرًا بِالْعَدَدِ، وَلَوْ دِرْهَمًا وَاحِدًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ عَقْدَ الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاضَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَجْزَاءِ فَإِذَا اشْتَرَطَ فِيهِ عَدَدًا مُسْتَثْنًى أَدْخَلَ الْجَهَالَةَ فِي الْأَجْزَاءِ الْمُشْتَرَطَةِ وَلَا يُعْلَمُ حِينَئِذٍ كَمْ مِقْدَارُهَا وَلَا يَعْلَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُزْأَهُ مِنْ الرِّبْحِ فَلَمْ يَتَقَدَّرْ بِجُزْءٍ وَلَا بِعَدَدٍ فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَا لَا يَجُوزُ مِنْ الشَّرْطِ فِي الْقِرَاضِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ الْمُتَعَامِلَيْنِ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ مِنْ الرِّبْحِ شَيْئًا لَا يُفْضِي إلَى الْأَجْزَاءِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ وَلَا يَكُونُ مَعَ الْقِرَاضِ بَيْعٌ وَلَا كِرَاءٌ وَلَا عَمَلٌ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَمِلَ
стр. 1498
) .
ــ
[المنتقى]
عَلَيْهِمَا عَقْدٌ وَاحِدٌ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ عُقُودٌ لَازِمَةٌ وَعَقْدُ الْقِرَاضِ عَقْدٌ جَائِزٌ، وَالْجَوَازُ ضِدُّ اللُّزُومِ فَلَمَّا تَنَافَى مُقْتَضَاهُمَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي عَقْدٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُ أَحَدَهُمَا عَنْ مُقْتَضَاهُ وَيُوجِبُ فَسَادَهُ وَإِذَا فَسَدَ أَحَدُهُمَا فَسَدَ الْآخَرُ لِاشْتِمَالِ الْعَقْدِ عَلَيْهِمَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ وَقَعَ بَيْعٌ وَقِرَاضٌ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيْنٍ يُفْسَخُ ذَلِكَ مَا لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ وَيُعْمَلُ فِي الْقِرَاضِ ثُمَّ يَتَقَارَضَانِ قِرَاضًا صَحِيحًا إنْ شَاءَ، فَإِنْ لَمْ تَفُتْ سِلْعَةٌ الْبَيْعَ، وَقَدْ عُمِلَ فِي الْمَالِ فُسِخَ الْبَيْعُ وَكَانَ أَجِيرًا فِي الْقِرَاضِ، وَإِنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ وَعُمِلَ فِي الْمَالِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا لَهُ قِيمَةُ سِلْعَتِهِ وَيُرَدُّ فِي الْقِرَاضِ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ وَيَكُونُ نَمَاءُ الْمَالِ لِرَبِّهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ عَمَلًا كَالصَّانِعِ يَأْخُذُ الْقِرَاضَ عَلَى الْعَمَلِ أَوْ يَعْمَلُ بِيَدِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ فَاتَ فَهُوَ أَجِيرٌ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ هُمَا عَلَى قِرَاضِهِمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ وَيَكُونُ فِي الْمَالِ عَلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ دُونَ اشْتِرَاطِ عَمَلِهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا سَلَفَ وَلَا مِرْفَقَ يَشْتَرِطُ أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ صَاحِبِهِ عَلَى مَا قَالَ إنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ السَّلَفَ طَرِيقُهُ اللُّزُومُ، وَكَذَلِكَ عُقُودُ الْمَرَافِقِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُنَافِي عُقُودَ الْجَوَازِ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَرِبْحُ السَّلَفِ لِلْعَامِلِ، وَهُوَ فِي الْمِائَةِ الْأُخْرَى أَجِيرٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ فِي قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ إذَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا يُعَيِّنُ صَاحِبَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلَا عِوَضٍ إلَّا لِمُجَرَّدِ الْمَعْرُوفِ، وَالْمِرْفَقِ فِيمَا يَجُوزُ أَنْ يُعَيِّنَهُ فِيهِ وَلَا يَعُودُ بِفَسَادِ الْقِرَاضِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا فَإِنَّهُ إذَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمَا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِمَعْنَى الْقِرَاضِ الَّذِي بَيْنَهُمَا فَهُوَ جَائِزٌ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْقِرَاضِ.
(فَصْلٌ) :
وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُتَقَارَضَيْنِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ زِيَادَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنْ غَيْرِ رِبْحِ الْقِرَاضِ كَانَتْ مَعَ الْقِرَاضِ إجَارَةً إنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الْعَامِلُ، وَإِنْ اشْتَرَطَهُ صَاحِبُ الْمَالِ فَإِنَّهُ عَمَلٌ وَعَيْنٌ مَعْلُومٌ بِعَيْنٍ مَجْهُولٍ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ نَزَلَ ذَلِكَ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ إنْ تَرَكَ ذَلِكَ مَنْ اشْتَرَطَهُ قَبْلَ الْعَمَلِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ مَا أَدْخَلَ الْفَسَادَ فِي الْعَقْدِ فِي وَقْتٍ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ وَابْتِدَاؤُهُ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ فَسَخَ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ وَاسْتَأْنَفَ عَقْدًا صَحِيحًا.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا بَعْدَ الْعَمَلِ فَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ إنْ أَبْطَلَ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ مُشْتَرِطُهُ صَحَّ الْعَقْدُ وَتَمَادَيَا عَلَيْهِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ يَحْيَى بَعْدَ الْعَمَلِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ دَخَلَ الْقِرَاضَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ صَارَ إجَارَةً وَلَا يَصْلُحُ إلَّا بِشَيْءٍ ثَابِتٍ مَعْلُومٍ يُرِيدُ إنْ اشْتَرَطَهُ الْعَامِلُ فَهُوَ إجَارَةٌ؛ لِأَنَّ مِنْ حُكْمِ الْقِرَاضِ أَنْ يَكُونَ عِوَضُ الْعَمَلِ حَقُّهُ مَقْصُورٌ عَلَى مَا يُتَرَقَّبُ خُرُوجُهُ مِنْ النَّمَاءِ فَإِذَا اشْتَرَطَ الْعَامِلُ ذَهَبًا مِنْ غَيْرِهِ أَوْ غَيْرِ ذَهَبٍ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ سُنَّةِ الْقِرَاضِ إلَى مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي الْإِجَارَةِ إلَّا أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْإِجَارَةِ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ عِوَضِهَا مَعْلُومًا فَإِذَا كَانَ بَعْضُ عِوَضِهَا مَجْهُولًا مُتَرَقَّبًا مِنْ النَّمَاءِ لَمْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ أَيْضًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِجَارَةِ عَلَى التِّجَارَةِ بِالْمَالِ وَبَيْنَ الْقِرَاضِ أَنَّ فِي الْإِجَارَةِ يَسْتَأْجِرُهُ عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ لَهُ فِي مَالِهِ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مُعَيَّنٍ مَقْبُوضٍ أَوْ مُقَدَّرٍ فِي الذِّمَّةِ بِعَقْدٍ لَازِمٍ، فَإِنْ جُعِلَ شَيْءٌ مِنْهُ فِي النَّمَاءِ الْمُتَرَقَّبِ لَمْ يَجُزْ وَمَعْنَى الْقِرَاضِ أَنْ يُعَامِلَهُ مُعَامَلَةً جَائِزَةً لِيَعْمَلَ فِي مَالِهِ بِجُزْءٍ مِنْ نَمَائِهِ الْمُتَرَقَّبِ فَإِنْ صُرِفَ شَيْءٌ مِنْ عِوَضِ الْعَمَلِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ
стр. 1499
(ص) : (مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِلَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ قِرَاضًا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ سِنِينَ لَا يُنْزَعُ مِنْهُ قَالَ وَلَا يَصْلُحُ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّكَ لَا تَرُدُّهُ إلَى سِنِينَ لِأَجَلٍ يُسَمِّيَانِهِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاضَ لَا يَكُونُ إلَى أَجَلٍ وَلَكِنْ يَدْفَعُ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ إلَى الَّذِي يَعْمَلُ لَهُ فِيهِ، فَإِنْ بَدَا لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ وَالْمَالُ نَاضٌّ لَمْ يَشْتَرِ بِهِ شَيْئًا تَرَكَهُ وَأَخَذَ صَاحِبُ الْمَالِ مَالَهُ، وَإِنْ بَدَا لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَقْبِضَهُ بَعْدَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ سِلْعَةً فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ حَتَّى يُبَاعَ الْمَتَاعُ وَيَصِيرَ عَيْنًا، فَإِنْ بَدَا لِلْعَامِلِ أَنْ يَرُدَّهُ، وَهُوَ عَرْضٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَبِيعَهُ فَيَرُدَّهُ عَيْنًا كَمَا أَخَذَهُ) .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا يَنْبَغِي لِلَّذِي أَخَذَ الْمَالَ أَنْ يَشْتَرِطَ مَعَ أَخْذِهِ الْمَالَ أَنْ يُكَافِئَ وَلَا يُوَلِّي مِنْ سِلْعَتِهِ أَحَدًا وَلَا يَتَوَلَّى مِنْهَا شَيْئًا لِنَفْسِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي عَقْدِ الْقِرَاضِ إلَّا أَنْ يُكَافِئَ مِنْهُ مَنْ أَسْدَى إلَيْهِ مَعْرُوفًا يَخْتَصُّ بِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَافَأَ مِنْهُ أَحَدًا بِمَعْرُوفٍ أَسْدَى إلَيْهِ فِي مَالِ الْقِرَاضِ عَلَى وَجْهِ التِّجَارَةِ وَحُسْنِ النَّظَرِ لَجَازَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ أَحَدًا سِلْعَةً يَرْجُو فِيهَا نَمَاءً وَرِبْحًا، وَأَمَّا إذَا وَلَّاهَا وَكَانَ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ فَهُوَ نَفْعٌ يُقْصَدُ مَعَ الْمُكَايَسَةِ فَلِلْعَامِلِ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَهَذَانِ الْفَصْلَانِ إذَا كَانَا عَلَى وَجْهِ الْمُتَاجَرَةِ فَلِلْعَامِلِ فِعْلُهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اشْتِرَاطِهَا، وَلَوْ اشْتَرَطَهَا لَمَا فَسَدَ بِذَلِكَ الْقِرَاضُ، وَإِنْ كَانَا عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُمَا وَيُفْسِدُ ذَلِكَ الْعَقْدَ، وَإِنْ فَعَلَهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ كَانَ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ صَاحِبِ الْعَامِلِ، وَأَمَّا أَنْ يَتَوَلَّى مِنْ ذَلِكَ سِلْعَةً فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ بِبَعْضِ النَّمَاءِ الْحَاصِلِ فِي الْمَالِ وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَلِرَبِّ الْمَالِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُمْضِيَهُ وَيَلْزَمَهُ الْعَامِلُ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِذَا حَضَرَ الْمَالُ وَحَصَلَ عَزْلُهُ، ثُمَّ اقْتَسَمَا الرِّبْحَ عَلَى شَرْطِهِمَا يُرِيدُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُبْدَأَ بِالْإِخْرَاجِ فِي قِسْمَةِ الْقِرَاضِ رَأْسُ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا رِبْحَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُسَلَّمَ إلَى صَاحِبِهِ وَيَصِيرَ فِي قَبْضِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَبْرَأَ فِي الْقِسْمَةِ، فَإِذَا سُلِّمَ إلَى صَاحِبِهِ وَتَصَيَّرَ فِي قَبْضِهِ كَانَ مَا بَقِيَ بَعْدَهُ رِبْحٌ حَاصِلٌ فَيَقْتَسِمَانِهِ عَلَى مَا سَمَّيَا فِي الْقِرَاضِ الصَّحِيحِ وَيَجْرِي الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ اقْتَسَمَا الرِّبْحَ دُونَ أَنْ يَحْضُرَ رَأْسُ الْمَالِ أَوْ حَضَرَ فَلَمْ يَقْبِضْهُ صَاحِبُهُ فَإِنَّ تِلْكَ قِسْمَةٌ فَاسِدَةٌ، فَإِنْ دَخَلَ الْمَالَ نَقْصٌ رُدَّ مِنْ الرِّبْحِ مَا يُجْبَرُ بِهِ رَأْسُ الْمَالِ وَإِنْ أَتَى عَلَى جَمِيعِهِ قَالَهُ عِيسَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ لَهُ رِبْحٌ أَوْ دَخَلَتْهُ وَضِيعَةٌ لَمْ يَلْحَقْ الْعَامِلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لَا مِمَّا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا مِنْ الْوَضِيعَةِ، وَذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فِي مَالِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِ بَعْدَ إخْرَاجِ رَأْسِ الْمَالِ وَرَدِّهِ إلَى صَاحِبِهِ رِبْحٌ يُقَسَّمُ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ خُسْرَانٌ وَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَجْبُرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهِ رَدُّ شَيْءٍ مِمَّا أَنْفَقَهُ عَلَى نَفْسِهِ إنْ كَانَ سَافَرَ فِيهِ سَفَرًا يَقْتَضِي الْإِنْفَاقَ عَلَى الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْمُؤَنِ اللَّازِمَةِ لِمَالِ الْقِرَاضِ مِنْ كِرَاءِ حَمْلٍ وَإِجَارَةِ نَشْرٍ وَطَيٍّ، وَقَوْلُهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فِي مَالِهِ يُرِيدُ مَالَ الْقِرَاضِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِيمَا بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ إلَّا فِي مَالِ الْقِرَاضِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ تَصَرُّفًا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَقِّتَ الْقِرَاضَ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ قَبْلَهَا، وَإِنْ عَادَ الْمَالُ عَيْنًا، وَإِنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ فَقَدْ كَمُلَ الْقِرَاضُ فَلَا يَكُونُ لِلْعَامِلِ وَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ، وَلَا يَعْمَلُ بِهِ إذَا كَانَ عَرْضًا عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ فَلَمْ يَتَوَقَّتْ بِمُدَّةٍ مِنْ الزَّمَانِ كَالشَّرِكَةِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقِرَاضَ عَقْدٌ جَائِزٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ، وَلَمْ يُوَقَّتْ بِزَمَنٍ لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّوْقِيتَ يَمْنَعُ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَحَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ إنْ وَقَعَ فَسَخْتُ الشَّرْطَ وَأَثْبَتُّهُمَا
стр. 1500
زَكَاةُ الْقِرَاضِ (ص) : (مَالِكٌ: لَا يَصْلُحُ لِمَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ فِي حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ إذَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ فَقَدْ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ فَضْلًا مِنْ الرِّبْحِ ثَانِيًا فِيمَا سَقَطَ عَنْهُ مِنْ حِصَّةِ الزَّكَاةِ الَّتِي تُصِيبُهُ مِنْ حِصَّتِهِ) .
(ص) : (مَالِكٌ: وَلَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى مَنْ قَارَضَهُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا مِنْ فُلَانٍ لِرَجُلٍ يُسَمِّيهِ فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ لَهُ أَجِيرًا بِأَجْرٍ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ) .
ــ
[المنتقى]
عَلَى قِرَاضِهِمَا قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ هُوَ حَسَنٌ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَأَمَّا بَعْدَ أَنْ يَعْمَلَ فَهُوَ أَجِيرٌ، وَالرِّبْحُ لِصَاحِبِ الْمَالِ، وَالضَّمَانُ مِنْهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ بَدَا لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَقْضِيَهُ بَعْدَ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ يُرِيدُ أَنَّ عَقْدَ الْقِرَاضِ يَلْزَمُ بِتَغَيُّرِ عَيْنِ الْمَالِ وَاَلَّذِي يَلْزَمُ مِنْهُ عَمَلٌ مُعْتَادٌ فَفِي مِثْلِهِ يَرْجِعُ بِهِ الْمَالُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَيْنِ لِتَمَكُّنِ الِانْفِصَالِ فِيهِ وَلَا يَلْزَمُ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ بِأَنْ يَبْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً أُخْرَى أَوْ يَسْتَأْنِفَ بِهِ تِجَارَةً ثَانِيَةً، وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقِرَاضَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ الَّتِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهُ، وَالثَّانِي أَنَّ الْقِرَاضَ لَا يَقَعُ الِانْفِصَالُ فِيهِ إلَّا وَهُوَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي انْعَقَدَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَعُودَ الْمَالُ عَيْنًا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي انْعَقَدَ بِهَا الْقِرَاضُ فَإِذَا ثَبَتَ الْأَصْلَانِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَسْخُهُ مَا كَانَ عَيْنًا فَإِذَا غَيَّرَهُ فِي سِلْعَةٍ لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ إلَى أَنْ يَعُودَ الْمَالُ عَيْنًا فَيُمْكِنُ الِانْفِصَالُ بِهِ وَيَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ تَرْكُهُ بِيَدِهِ إذَا صَارَ عَرْضًا لِيَتَخَلَّصَ لِلْعَامِلِ حِصَّتُهُ مِنْ الرِّبْحِ الَّتِي لَهَا عَمَلٌ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِأَنْ يَصِيرَ الْمَالُ عَيْنًا يُرَدُّ مِنْهُ رَأْسُ الْمَالِ وَيَتَخَلَّصُ بَعْدَ ذَلِكَ الرِّبْحُ لِتَصِحَّ الْمُقَاسَمَةُ فِيهِ.
[زَكَاةُ الْقِرَاضِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ زَكَاةَ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَعُودُ إلَى أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ عَدَدًا مِنْ الرِّبْحِ يَنْفَرِدُ بِهِ ثُمَّ تَطْرَأُ الْقِسْمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ وَرُبَّمَا اسْتَغْرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَدَدُ جَمِيعَ الرِّبْحِ فَيَسْقُطُ حَظُّ الْعَامِلِ مِنْ الرِّبْحِ مَعَ وُجُودِهِ وَاشْتِرَاطِهِ لَهُ، وَذَلِكَ يُنَافِي الْجَوَازَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَهَالَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ زَكَاةَ الرِّبْحِ مِنْ حِصَّتِهِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ ذَلِكَ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ التَّتَارُكُ بَيْنَهُمَا قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَالِ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ جُزْءًا شَائِعًا فَكَانَ جَائِزًا بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ النِّصْفَ وَرُبْعَ الْعُشْرِ وَلِلْعَامِلِ النِّصْفُ غَيْرُ رُبْعِ الْعُشْرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ اشْتَرَطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ الزَّكَاةَ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَ زَكَاةَ الرِّبْحِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَالثَّانِي أَنْ يَشْتَرِطَ زَكَاةَ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ فِي حِصَّةِ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ، فَإِنْ اشْتَرَطَ زَكَاةَ الْمَالِ مِنْ رَأْسِ الرِّبْحِ فَقَدْ قَالَ عِيسَى لَا يَجُوزُ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ جَوَازَ ذَلِكَ وَجْهُ رِوَايَةِ عِيسَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْجَهَالَةِ، وَالْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا شَرَطَ عَلَيْهِ فِي رَأْسِ مَالِهِ فِي قِلَّتِهِ أَوْ كَثْرَتِهِ وَلَا يَدْرِي هَلْ يَثْبُتُ ذَلِكَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ لَزِمَ رَبَّ الْمَالِ أَدَاءُ الزَّكَاةِ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّ زَكَاةَ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَزَكَاةَ الرِّبْحِ مِنْهُ، ثُمَّ تَقَعُ الْقِسْمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا شَرَطَ الْعَامِلُ الزَّكَاةَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فَإِنَّمَا شَرَطَ عَلَيْهِ زِيَادَةَ جُزْءٍ مِنْ الرِّبْحِ وَلَا تَأْثِيرَ لِتَخْصِيصِهِ بِرَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَدْفَعَهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ كَمَا لَوْ شَرَطَ الزَّكَاةَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا مِنْ فُلَانٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ جَائِزٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَاحْتَجَّ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ إذَا عَيَّنَ
стр. 1501
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ مَالًا قِرَاضًا وَيَشْتَرِطُ عَلَى الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ الضَّمَانَ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي مَالِهِ غَيْرَ مَا وُضِعَ الْقِرَاضُ عَلَيْهِ وَمَا مَضَى مِنْ رِبْحِ سَنَةِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ فَإِنَّمَا الْمَالُ عَلَى شَرْطِ الضَّمَانِ كَانَ قَدْ ازْدَادَ فِي حَقِّهِ مِنْ الرِّبْحِ مِنْ أَجْلِ مَوْضِعِ الضَّمَانِ، وَإِنَّمَا يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى مَا لَوْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ عَلَى غَيْرِ الضَّمَانِ، وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ لَمْ أَرَ عَلَى الَّذِي أَخَذَهُ ضَمَانًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ الضَّمَانِ فِي الْقِرَاضِ بَاطِلٌ) .
ــ
[المنتقى]
لَهُ هَذَا التَّعْيِينَ فَإِنَّمَا هُوَ رَسُولٌ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْمَالِ سُنَّتُهُ التَّصَرُّفُ وَطَلَبُ الِاسْتِرْخَاصِ فَإِذَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَنَصَّ عَلَى الِابْتِيَاعِ مِنْ مُعَيَّنٍ فَإِنَّمَا هُوَ رَسُولٌ إلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الْمُعَيَّنِ يَبْتَاعُ مِنْهُ لِرَبِّ الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ أُجْرَتُهُ بِضَمَانِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ مَجْهُولٌ وَمِقْدَارَهُ مَجْهُولٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُوسِرًا لَا تَعْدَمُ عِنْدَهُ السِّلَعُ وَالْمَتَاجِرُ أَوْ مُعْسِرًا يَعْدَمُ ذَلِكَ عِنْدَهُ قَالَهُ عِيسَى وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَمْنَعُ وُجُودَ النَّمَاءِ غَالِبًا وَيَعْتَمِدُ عَلَى اخْتِيَارِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ مُبَايَعَتِهِ جُمْلَةً أَوْ مِنْ مُبَايَعَتِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي لَا يُرْجَى بَعْدَهُ رِبْحٌ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ وَقَعَ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ يُفْسَخُ مَا لَمْ يَفُتْ، فَإِنْ فَاتَ صُحِّحَ بِمَا يَصِحُّ بِهِ الْقِرَاضُ الْفَاسِدُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَّجِرَ إلَّا فِي حَانُوتٍ مُعَيَّنٍ) وَأَمَّا إنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَّجِرَ إلَّا بِبَلَدٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ كَانَ حَيْثُ عَقَدَا الْقِرَاضَ وَكَانَ لَا يُعْدَمُ فِيهِ التِّجَارَةُ الَّتِي يَقْصِدَانِ لِعِظَمِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَكَثْرَةِ مَتَاجِرِهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَتَاجِرُ تُعْدَمُ فِيهِ لِصِغَرِهِ لَمْ يَجُزْ فَأَمَّا إنْ كَانَ بِغَيْرِ بَلَدِ الْقِرَاضِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ فَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ لِيَتَّجِرَ بِهِ، وَالثَّانِي أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ لِيَبِيعَ فِيهِ مَا يَحْمِلُ إلَيْهِ وَيَجْلِبُ مِنْهُ مَا يَشْتَرِي فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هُوَ جَائِزٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ التِّجَارَةَ بِبَلَدٍ يُعْلَمُ وُجُودُهَا بِهِ أَبَدًا كَمَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ بَلَدَ عَقْدِ الْقِرَاضِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ الْمَنْعَ مِنْهُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ فِي ثَمَانِيَتِهِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِينَارٍ قِرَاضًا يَذْهَبُ بِهَا إلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ بِعَيْنِهِ لِيَشْتَرِيَ بِهَا مَتَاعًا وَيَقْدُمَ بِهَا إلَى الْمَدِينَةِ لَا يَبِيعُ إلَّا بِهَا وَشَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَهُوَ قِرَاضُ النَّاسِ لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ اخْتِلَافًا، وَرَوَى أَصْبُغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إجَازَتَهُ فِيمَنْ قَارَضَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْبُحَيْرَةِ أَوْ الْفَيُّومِ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا قِيلَ لَهُ فَالْمَكَانُ بَعِيدٌ مِثْلُ بَرْقَةَ وَإِفْرِيقِيَّةَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهَا يَشْتَرِي بِهَا فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ هَذَا اشْتِرَاطٌ عَلَى الْعَامِلِ سَفَرًا بِعَيْنِهِ وَرُبَّمَا عَدِمَ التِّجَارَةَ وَالرِّبْحَ فِيهِ لِكَسَادِ سُوقٍ أَوْ انْقِطَاعِ طَرِيقٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ التِّجَارَةَ فِي سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ التِّجَارَةِ لَا يَكَادُ يَخْلُفُهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ عَلَى الْمَعْهُودِ فَجَازَ أَنْ يُقْصَرَ الْعَامِلُ عَلَيْهِ كَالتُّجَّارِ فِي الْبَزِّ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ لِرَبِّ الْمَالِ إذَا شَرَطَ الضَّمَانَ عَلَى الْعَامِلِ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي فَسَادَ الْعَقْدِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْقِرَاضِ لَا يَقْتَضِي ضَمَانَ الْعَامِلِ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي الْأَمَانَةَ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فَلِذَلِكَ إذَا شَرَطَ نَقْلَ الضَّمَانِ عَنْ مَحَلِّهِ بِإِجْمَاعٍ اقْتَضَى ذَلِكَ فَسَادَ الْعَقْدِ وَالشَّرْطِ، فَإِنْ ادَّعَى ضَيَاعَهُ أَوْ سَرِقَتَهُ صُدِّقَ، وَإِنْ ادَّعَى رَدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا دَفَعَ الْقِرَاضَ عَلَى الضَّمَانِ وَجَبَ فَسْخُهُ مَا لَمْ يَفُتْ، فَإِنْ فَاتَ بَطَلَ الشَّرْطُ وَرُدَّ فِيمَا قَدْ مَضَى مِنْهُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي تَحْصِيلِ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى هَيْئَتِهِ إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي رَدِّ جَمِيعِ الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِنَّمَا يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى مَا لَوْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ عَلَى غَيْرِ ضَمَانٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ ادَّعَى خَسَارَةً وَكَانَ وَجْهُ مَا ادَّعَاهُ مَعْرُوفًا بِأَنْ يَكُونَ مَنْ سَافَرَ مِثْلَ سَفَرِهِ أَوْ تَجَرَ مِثْلَ تِجَارَتِهِ أَصَابَهُ
стр. 1502
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبْتَاعَ بِهِ إلَّا نَخْلًا أَوْ دَوَابَّ لِأَجْلِ أَنَّهُ يَطْلُبُ ثَمَرَ النَّخْلِ أَوْ نَسْلَ الدَّوَابِّ وَيَحْبِسُ رِقَابَهَا قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ هَذَا وَلَيْسَ هَذَا مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقِرَاضِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبِيعَهُ كَمَا يُبَاعُ غَيْرُهُ مِنْ السِّلَعِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُقَارِضُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ غُلَامًا يُعِينُهُ بِهِ عَلَى أَنْ يَقُومَ مَعَهُ الْغُلَامُ فِي الْمَالِ إذَا لَمْ يَعُدْ أَنْ يُعِينَهُ فِي الْمَالِ لَا يُعِينُهُ فِي غَيْرِهِ) .
الْقِرَاضُ فِي الْعُرُوضِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُقَارِضَ أَحَدًا إلَّا فِي الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْمُقَارَضَةُ فِي الْعُرُوضِ؛ لِأَنَّ الْمُقَارَضَةَ فِي الْعُرُوضِ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ صَاحِبُ الْعَرْضِ خُذْ هَذَا الْعَرْضَ فَبِعْهُ فَمَا خَرَجَ مِنْ ثَمَنِهِ فَاشْتَرِ بِهِ وَبِعْ عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ فَقَدْ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْمَالِ فَضْلًا لِنَفْسِهِ مِنْ بَيْعِ سِلْعَتِهِ وَمَا يَكْفِيهِ مِنْ مُؤْنَتِهَا، أَوْ يَقُولَ اشْتَرِ بِهَذِهِ السِّلْعَةِ وَبِعْ فَإِذَا فَرَغْت فَابْتَعْ لِي مِثْلَ عَرْضِي الَّذِي دَفَعْت إلَيْك، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَك وَلَعَلَّ صَاحِبَ الْعَرْضِ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى الْعَامِلِ فِي زَمَنٍ هُوَ فِيهِ نَافِقٌ كَثِيرُ الثَّمَنِ، ثُمَّ يَرُدَّهُ الْعَامِلُ حِينَ يَرُدُّهُ وَقَدْ رَخُصَ فَيَشْتَرِيهِ بِثُلُثِ ثَمَنِهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ الْعَامِلُ قَدْ رَبِحَ نِصْفَ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِ الْعَرْضِ فِي حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ أَوْ يَأْخُذُ الْعَرْضَ فِي زَمَانٍ ثَمَنُهُ فِيهِ قَلِيلٌ فَيَعْمَلُ فِيهِ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ يَغْلُو ذَلِكَ الْعَرْضُ وَيَرْتَفِعُ ثَمَنُهُ حِينَ يَرُدُّهُ فَيَشْتَرِيهِ بِكُلِّ مَا فِي يَدِهِ فَيَذْهَبُ عَمَلُهُ وَعِلَاجُهُ بَاطِلًا فَهَذَا غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ، فَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ حَتَّى يَمْضِيَ نَظَرَ إلَى قَدْرِ أَجْرِ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ الْقِرَاضَ فِي بَيْعِهِ إيَّاهُ وَعِلَاجِهِ فَيُعْطَاهُ، ثُمَّ يَكُونُ الْمَالُ قِرَاضًا مِنْ يَوْمِ نَضَّ الْمَالُ وَاجْتَمَعَ عَيْنًا وَيُرَدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ) .
ــ
[المنتقى]
ذَلِكَ أَوْ كَانَ وَجْهُهُ مَعْرُوفًا فَهُوَ مُصَدَّقٌ، وَإِنْ ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُعْرَفُ فَرَوَى ابْنُ أَيْمَنَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ ضَامِنٌ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ نَخْلًا يُوقِفُ رِقَابَهَا وَيَكُونُ رِبْحُهَا ثِمَارَهَا؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي يُعَامَلُ عَلَيْهِ الْمُقَارِضُ هُوَ التِّجَارَةُ دُونَ السَّقْيِ، وَالْقِيَامِ عَلَى النَّخْلِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا عَنْ سَقْيِ النَّخْلِ وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَكُونَ حِصَّةً مِنْ ثَمَرَةِ ذَلِكَ النَّخْلِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَرْضُ، وَالثَّمَرَةُ عِوَضًا عَنْ عَمَلِ التِّجَارَةِ، وَكَذَلِكَ الْقِيَامُ عَلَى الدَّوَابِّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ عَلَيْهِ جُزْءًا مِنْ نَسْلِهَا؛ لِأَنَّهَا مِمَّا يَزْكُو بِغَيْرِ عَمَلٍ كَالْمَاشِيَةِ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يَجِدُ الْعَامِلُ بِالرِّقَابِ الرِّبْحَ فَيَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْهُ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْقِرَاضِ، وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَالْوَاضِحَةِ عَنْ مَالِكٍ إذَا اشْتَرَطَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَزْرَعَ مِثْلَ ذَلِكَ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ إذَا كَانَ كَثِيرًا غُلَامًا يُعِينُهُ فِيهِ بِالْخِدْمَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ وَلَوْ اشْتَرَطَ خِدْمَةَ الْغُلَامِ فِيمَا يَخُصُّ الْعَامِلَ لَمْ يَجُزْ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كَالْمُسَاقَاةِ يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ الْغُلَامَ يُعِينُهُ فِي السَّقْيِ وَالْخِدْمَةِ.
[الْقِرَاضُ فِي الْعُرُوضِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يَنْبَغِي الْقِرَاضُ إلَّا بِالْعَيْنِ
стр. 1503
الْكِرَاءُ فِي الْقِرَاضِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَاشْتَرَى بِهِ مَتَاعًا فَحَمَلَهُ إلَى بَلَدٍ لِلتِّجَارَةِ فَبَارَ عَلَيْهِ وَخَافَ النُّقْصَانَ إنْ بَاعَ فَتَكَارَى عَلَيْهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَبَاعَ بِنُقْصَانٍ فَاغْتَرَقَ الْكِرَاءُ أَصْلَ الْمَالِ كُلِّهِ قَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ فِيمَا بَاعَ وَفَاءٌ لِلْكِرَاءِ فَسَبِيلُهُ ذَلِكَ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ بَعْدَ أَصْلِ الْمَالِ كَانَ عَلَى الْعَامِلِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْهُ شَيْءٌ يُتْبَعُ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالتِّجَارَةِ فِي مَالِهِ فَلَيْسَ لِلْمُقَارِضِ أَنْ يُتْبِعَهُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُتْبَعُ بِهِ رَبُّ الْمَالِ لَكَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ الَّذِي قَارَضَهُ فِيهِ فَلَيْسَ لِلْمُقَارِضِ أَنْ يُحَمِّلَ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ) .
ــ
[المنتقى]
الدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ، فَإِنْ قَارَضَهُ بِعَرْضِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ لَهُ بِعْ هَذَا الْعَرْضَ فَإِذَا نَضَّ ثَمَنُهُ فَاعْمَلْ بِهِ قِرَاضًا يَكُونُ الثَّمَنُ رَأْسَ الْمَالِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ جَائِزٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ مُسْتَأْنَفٌ فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُ الْقِرَاضِ بِهِ أَصْلُ ذَلِكَ هُبُوبُ الرِّيَاحِ وَنُزُولُ الْمَطَرِ وَاسْتِدْلَالٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا قِرَاضٌ وَإِجَارَةٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي عَقْدٍ لِاخْتِلَافِ مُقْتَضَاهُمَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ لَهُ خُذْ هَذَا الْعَرْضَ عَلَى الْقِرَاضِ يَكُونُ الْعَرْضُ رَأْسَ الْمَالِ تَرُدُّ إلَيَّ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ مِثْلَهُ فَمَا فَضَلَ شَيْءٌ فَهُوَ رِبْحٌ بَيْنِي وَبَيْنَك فَهَذَا أَيْضًا لَا يَجُوزُ خِلَافًا لِابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي تَجْوِيزِهِ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ الْغَرَرِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَرْضَ فِي وَقْتِ رُخْصِهِ وَيَرُدَّهُ فِي وَقْتِ غَلَائِهِ، فَيَذْهَبُ رَبُّ الْمَالِ بِرِبْحِ الْمَالِ أَوْ يَأْخُذُهُ فِي وَقْتِ نَفَاقِهِ وَيَرُدُّهُ فِي وَقْتِ كَسَادِهِ فَيَشْتَرِيهِ بِبَعْضِ رَأْسِ الْمَالِ وَيُقَاسِمُهُ الْبَعْضَ الْآخَرَ دُونَ أَنْ يُنَمِّيَ بِعَمَلِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الْقِرَاضُ بِمَا تَخْتَلِفُ أَسْوَاقُهُ وَيَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْأَوْقَاتِ نَفَاقُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ، فَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ حَتَّى يَمْضِيَ إلَى آخِرِ الْفَصْلِ يُرِيدُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقِرَاضُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْعَيْنِ وَجَبَ أَنْ يُصَحَّحَ بِهِ عِنْدَ الْفَوَاتِ فَيَكُونَ الْقِرَاضُ مِنْ وَقْتٍ صَحَّ الثَّمَنُ وَحَصَلَ بِيَدِ الْعَامِلِ وَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى الْقِرَاضِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْقِرَاضُ بِهِ لِوَجْهٍ فَكَانَ فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَهَذَا كَمَا يَقُولُ أَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ يُصَحَّحُ بَعْدَ الْفَوَاتِ وَيُرَدُّ إلَى الْبَيْعِ الصَّحِيحِ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ يَصِحُّ بَيْعُهُ فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ لَمْ يُرَدَّ إلَى الْبَيْعِ الصَّحِيحِ.
(فَرْعٌ) وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي ذَلِكَ قِسْمًا ثَالِثًا، وَهُوَ إذَا أَعْطَاهُ عَرْضًا بِقِيمَتِهِ وَجَعَلَا تِلْكَ الْقِيمَةَ رَأْسَ الْمَالِ فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ يَظْهَرُ إلَيَّ أَنَّهُ إنْ كَانَ قَصَدَ إلَى أَنْ يَعْمَلَ بِالثَّمَنِ وَيَكُونَ مَا قَوَّمَ بِهِ رَأْسَ الْمَالِ أَنَّهُ أَجِيرٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مُشْتَرَطَةٌ إمَّا لِرَبِّ الْمَالِ وَإِمَّا لِلْعَامِلِ بِخِلَافِ الْقِرَاضِ بِالْعَرْضِ فَلَا يُقَدَّرُ لَهُ ثَمَنٌ قَالَ وَهَذَا عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ لَهُ حُكْمُ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا إنَّهُ أَجِيرٌ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ فِيهَا زِيَادَةٌ لِأَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي الْقِرَاضِ بِنَقْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَرُدَّهُ وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ فَهَذِهِ زِيَادَةٌ لِرَبِّ الْمَالِ أَوْ يَرُدَّهُ وَقِيمَتُهُ أَقَلُّ فَهَذِهِ زِيَادَةٌ لِلْعَامِلِ.
[الْكِرَاءُ فِي الْقِرَاضِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ أَطْلَقَ يَدَ الْعَامِلِ مِنْ مَالِهِ عَلَى رَأْسِ مَالِ الْقِرَاضِ دُونَ غَيْرِهِ فَكُلُّ مَا عَمِلَ فِيهِ الْعَامِلُ مِنْ عَمَلٍ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ عَادَ ذَلِكَ بِخُسْرَانٍ أَوْ رِبْحٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ فِيهِ دُونَ سَائِرِ أَمْوَالِهِ، فَإِنْ لَحِقَ الْعَامِلَ بَعْدَ ذَلِكَ غُرْمٌ بِسَبَبِ مَالِ الْقِرَاضِ فَهُوَ مُلْتَزِمٌ مُتَعَدٍّ فِي الْتِزَامِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ غُرْمُهُ.
стр. 1504
التَّعَدِّي فِي الْقِرَاضِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَعَمِلَ فِيهِ فَرَبِحَ ثُمَّ اشْتَرَى مِنْ رِبْحِ الْمَالِ أَوْ مِنْ جُمْلَتِهِ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا فَحَمَلَتْ، ثُمَّ نَقَصَ الْمَالُ قَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أُخِذَتْ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ مِنْ مَالِهِ فَيُجْبَرُ بِهِ الْمَالُ، فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ بَعْدَ وَفَاءِ الْمَالِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَفَاءٌ بِيعَتْ الْجَارِيَةُ حَتَّى يُجْبَرَ الْمَالُ مِنْ ثَمَنِهَا) .
ــ
[المنتقى]
[التَّعَدِّي فِي الْقِرَاضِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ مَنْ ابْتَاعَ جَارِيَةً مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَوَطِئَهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهَا وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ أَنْ يَبْتَاعَهَا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِيلَادِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ جَارِيَةٌ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَيَطَؤُهَا فَتَحْمِلُ مِنْهُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْقِيمَةِ الَّتِي تَلْزَمُهُ بِذَلِكَ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ يَلْزَمُهُ الْأَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْوَطْءِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَلْزَمُهُ الْأَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ ثَمَنِهَا يَوْمَ الْوَطْءِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إنَّمَا تَعَدَّى عَلَيْهَا بِالْوَطْءِ وَبِهِ فَاتَتْ فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ وَطِئَهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَوْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ الْحَمْلِ لَمْ يَمْنَعْهَا الْوَطْءُ مِنْ أَخْذِهَا مِنْهُ وَرَدِّهَا إلَى الْقِرَاضِ فَإِذَا فَاتَتْ بِالْحَمْلِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي يَمْنَعُ رَدَّهَا إلَى الْقِرَاضِ وَكَانَتْ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْحَمْلِ أَكْثَرَ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْحَمْلِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْوَطْءِ أَكْثَرَ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ ابْتِدَاءِ التَّفْوِيتِ فِيهَا، وَالْوَطْءُ كَانَ سَبَبَ فَوَاتِهَا، وَإِنْ كَانَ ثَمَنُهَا أَكْثَرَ لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ أُتْلِفَ بِالتَّعَدِّي، وَقَدْ رَضِيَ بِضَمَانِهِ حِينَ وَطِئَهَا وَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَسَلَّفَ ثَمَنَهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا فَتَعَدَّى عَلَى جَارِيَةٍ مِنْ الْقِرَاضِ فَوَطِئَهَا فَحَمَلَتْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَضْمَنَهَا لَهُ وَيُتْبِعَهُ بِقِيمَتِهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَالْقِيمَةُ فِي ذَلِكَ يَوْمَ الْوَطْءِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ قِيمَةِ وَلَدِهَا وَلَا مِمَّا نَقَصَهَا الْوَطْءُ شَيْءٌ وَبَيْنَ أَنْ تُبَاعَ عَلَيْهِ جَمِيعًا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ أَوْ حِصَّتُهُ مِنْهَا إنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، فَإِنْ نَقَصَ ثَمَنُ مَا بِيعَ مِنْهَا مِنْ ذَلِكَ النَّصِيبِ الَّذِي بِيعَتْ عَنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْوَطْءِ اتَّبَعَتْهُ بِذَلِكَ النُّقْصَانِ بِنَصِيبِهِ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ، وَإِنْ شَاءَ تَمَسَّكَ بِنَصِيبِهِ مِنْهَا وَأَتْبَعَهُ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ قَالَهُ عِيسَى، وَهَذَا عَلَى مَا اخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا عَلَى اخْتِيَارِ أَشْهَبَ فَإِنَّهُ مَنْ ضَمِنَ قِيمَةَ أَمَتِهِ بِالْوَطْءِ مِنْ شَرِيكٍ أَوْ مُقَارِضٍ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَةِ وَلَدِهَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْقِيمَةَ إنَّمَا يُحْكَمُ بِهَا عَلَيْهِ يَوْمَ الْحُكْمِ فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ وَلَدٍ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْمَالِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْقِيمَةَ إنَّمَا تَكُونُ يَوْمَ الْوَطْءِ فَيَجِبُ أَنْ يَسْقُطَ فِيهَا مَا كَانَ مِنْ نَمَاءٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَاعَى ابْنُ الْقَاسِمِ يَوْمَ التَّقْوِيمِ وَرَاعَى أَشْهَبُ يَوْمَ الْقِيمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ مُعْدَمًا وَتَسَلَّفَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَاشْتَرَى جَارِيَةً فَأَحْبَلَهَا فَاَلَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُجِيزَ لَهُ ذَلِكَ وَبَيْنَ أَنْ تُبَاعَ لَهُ فِي الْمَالِ الَّذِي تَسَلَّفَ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُتْبَعُ بِهِ فِي ذِمَّتِهِ فِي الْعَدَمِ بِقِيمَتِهَا وَلَا تُبَاعُ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ هَذَا دَفَعَ الْمَالَ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّنْمِيَةِ لِرَبِّ الْمَالِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا أَبْضَعَ مَعَهُ مَالًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ مَا وَجَدَ لَهُ فَاشْتَرَى بِهِ جَارِيَةً فَأَحْبَلَهَا أَوْ ثَوْبًا يَخْتَصُّ بِهِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَسْلَفَ عَيْنًا وَعَلَيْهَا وَقَعَ تَعَدِّيهِ فَكَانَ مَا اشْتَرَى فِيهِ لِلْمُتَعَدِّي لَا سِيَّمَا وَقَدْ تَسَبَّبَ بِحُرْمَةِ الْعِتْقِ، فَإِذَا لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ فَلَمْ أَمْنَعْ صَاحِبَ الْمَالِ مِنْ عِوَضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ الْمَالَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ جَارِيَةً، وَإِنَّمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ لِيَطْلُبَ الرِّبْحَ فَإِذَا حَكَمْت لَهُ بِالْقِيمَةِ فَقَدْ مَضَى لَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ، وَلَوْ اشْتَرَى الْمُودِعُ الْوَدِيعَةِ جَارِيَةً فَحَمَلَتْ مِنْهُ فَلَا تُبَاعُ عَلَيْهِ فِي يُسْرٍ وَلَا عُسْرٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَبَيْنَ الْقِرَاضِ، وَالْبِضَاعَةِ أَنَّ الْوَدِيعَةَ لَمْ تُوضَعْ عِنْدَهُ لِلتَّنْمِيَةِ فَيَكُونُ قَدْ قَصَدَ إلَى إبْطَالِ غَرَضِ صَاحِبِهَا عَنْهَا، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ عِنْدَهُ لِلْحِفْظِ، وَتَسَلُّفُهَا لَا يُنَافِي حِفْظَهَا
стр. 1505
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَتَعَدَّى فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً وَزَادَ فِي ثَمَنِهَا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ مَالِكٌ: صَاحِبُ الْمَالِ بِالْخِيَارِ إنْ بِيعَتْ السِّلْعَةُ بِرِبْحٍ أَوْ وَضِيعَةٍ أَوْ لَمْ تُبَعْ إنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ السِّلْعَةَ أَخَذَهَا وَقَضَاهُ مَا أَسْلَفَهُ فِيهَا، وَإِنْ أَبَى كَانَ الْمُقَارِضُ شَرِيكًا لَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فِي النَّمَاءِ أَوْ النُّقْصَانِ بِحِسَابِ مَا زَادَ الْعَامِلُ فِيهَا مِنْ عِنْدِهِ) .
ــ
[المنتقى]
عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ لِلْمُودَعِ أَنْ يَتَسَلَّفَهَا، الْوَدِيعَةُ وَالْقِرَاضُ إنَّمَا دُفِعَا إلَيْهِ لِلتَّنْمِيَةِ فَإِذَا تَسَلَّفَهَا فَقَدْ قَصَدَ إلَى إبْطَالِ غَرَضِ صَاحِبِ الْمَالِ مِنْهَا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ابْتَاعَ بِمَالِ الْقِرَاضِ أَوْ الْبِضَاعَةِ ثَوْبًا لِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ، وَلَوْ ابْتَاعَ الْوَدِيعَةِ ثَوْبًا لِنَفْسِهِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ رَبُّهُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ وَطِئَ الْعَامِلُ جَارِيَةً مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَلَمْ تَحْمِلْ أَوْ تَسَلَّفَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَاشْتَرَى جَارِيَةً فَوَطِئَهَا فَلَمْ تَحْمِلْ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا فَرَبُّ الْمَالِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَهُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الَّذِي تَسَلَّفَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَاشْتَرَى بِهِ جَارِيَةً وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُضَمِّنُهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْوَطْءِ أَوْ يُلْزِمُهُ إيَّاهَا بِالثَّمَنِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ لَوْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ لَكَانَ لَهُ رَدُّهَا إلَى مَالِ الْقِرَاضِ فَلَمَّا فَاتَتْ بِالْوَطْءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَكَانَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْفَوْتِ أَوْ يُسَوِّغَ الِاسْتِسْلَافَ فَيُطَالِبَهُ بِالثَّمَنِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَاَلَّذِي رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تُبَاعُ فِيمَا لَزِمَهُ مِنْ الْقِيمَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ فَاتَ اسْتِرْجَاعُهَا إلَى مَالِ الْقِرَاضِ بِالْوَطْءِ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الشُّبْهَةِ الَّتِي أَسْقَطَتْ الْحَدَّ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إعَارَةِ الْفُرُوجِ، وَلَمْ يَفُتْ بَيْعُهَا عَلَيْهِ فَلِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَبِيعَهَا عَلَيْهِ فِيمَا لَزِمَهُ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَوْ يُطَالِبَهُ بِالثَّمَنِ عَاجِلًا يَبِيعُهَا بِهِ أَوْ مُؤَجَّلًا يَتْبَعُهُ بِهِ، وَهَذَا حُكْمُ الْبِضَاعَةِ إذَا ابْتَاعَ بِهَا فَوَطِئَهَا فَإِنَّهُ يَفُوتُ بِالْوَطْءِ رَدُّهَا إلَى الْبِضَاعَةِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(ش) : قَوْلُهُ إذَا تَعَدَّى فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً وَزَادَ فِي ثَمَنِهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ فَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ، وَالشِّرَاءُ بِأَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ مَالِ الْقِرَاضِ يَقَعُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ مِنْهَا مَا هُوَ نَقْدٌ وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بِنَقْدٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ مَالٌ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَغَيْرِ صَاحِبِ مَالِ الْقِرَاضِ فَيُرِيدُ أَنْ يُشْرِكَ بَيْنَ الْمَالَيْنِ فَهَذَا لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ فِيهِ، وَهُوَ جَائِزٌ لَهُ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّ الْمَالِ وَلَا اشْتِرَاطَ حِينَ عَقْدِ الْقِرَاضِ، فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ حِينَ عَقْدِ الْقِرَاضِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَنْعُ مِنْهُ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ إجَازَتُهُ إذَا شَرَطَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ قَالَهُ مَالِكٌ.
وَقَالَ أَشْهَبُ مَا لَمْ يَقْصِدَا فِيهِ اسْتِقْرَارَ الرِّبْحِ لِقِلَّةِ مَالِ الْقِرَاضِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ الْآخَرِ وَجْهُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ اسْتِقْرَارَ الرِّبْحِ بِمَالِ الْعَامِلِ وَالِانْتِفَاعَ بِهِ؛ لِأَنَّ التِّجَارَةَ بِكَثْرَةِ الْمَالِ أَشَدُّ تَأَتِّيًا، وَالْأَرْبَاحَ أَغْزَرُ وَأَمْكَنُ وَإِذَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ صَاحِبُ الْمَالِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ يَمْنَعُ الْعَقْدُ وُجُودَهُ فِيهِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ اشْتِرَاطَ رَبِّ الْمَالِ لَهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ إلَّا رِبْحَ مَالِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ اشْتِرَاطَ رَبِّ الْمَالِ لَا تُهْمَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ إلَّا رِبْحَ مَالِهِ النَّقْدِ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعَامِلِ لَهُ فِعْلَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَلَمْ يُؤَثِّرْ اشْتِرَاطُهُ غَيْرَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَشَرْطُ ذَلِكَ لِرَبِّ الْمَالِ فَهَلْ يُفْسَخُ أَمْ؟ لَا قَالَ أَصْبَغُ فِيمَنْ أَخَذَ قِرَاضًا يُشْتَرَطُ أَنْ يَخْلِطَهُ بِمَالِهِ أَوْ عَلَى إنْ شَاءَ خَلْطَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ الْأَوَّلُ أَشَدُّ، فَإِنْ فَعَلَا لَمْ يُفْسَخْ بِهِ الْقِرَاضُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُسَلِّفَهُ صَاحِبُ الْمَالِ مَا يَزِيدُهُ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ) فَهَذَا هُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ،.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّ رَبَّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ بِيعَتْ السِّلْعَةُ بِرِبْحٍ أَوْ وَضِيعَةٍ أَوْ لَمْ تُبَعْ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ السِّلْعَةَ وَيَقْتَضِي مَا أَسْلَفَهُ فِيهَا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُقَارِضُ شَرِيكًا لَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فِي النَّمَاءِ وَالنُّقْصَانِ بِحَسَبِ مَا زَادَ الْعَامِلُ فِيهَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَ مَا أَسْلَفَهُ الْعَامِلَ رَبُّ الْمَالِ صَبَغَ بِهِ الثِّيَابَ أَوْ قَصَّرَهَا فَإِنَّ رَبَّ الْمَالِ مُخَيَّرٌ
стр. 1506
(ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَخَذَ مِنْ رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى رَجُلٍ آخَرَ فَعَمِلَ فِيهِ قِرَاضًا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ أَنَّهُ ضَامِنٌ لِلْمَالِ إنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ النُّقْصَانُ، وَإِنْ رَبِحَ فَلِصَاحِبِ الْمَالِ شَرْطُهُ مِنْ الرِّبْحِ، ثُمَّ يَكُونُ لِلَّذِي عَمِلَ شَرْطُهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ) .
ــ
[المنتقى]
بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا أَقْرَضَهُ فَيَكُونَ عَلَى الْقِرَاضِ أَوْ يَكُونَ شَرِيكًا لَهُ بِمَا أَدَّى وَيَكُونَ الرِّبْحُ وَالْخَسَارَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ رَبُّ الْمَالِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا أَدَّى فَيَكُونَ رَبُّ الْمَالِ شَرِيكًا بِهِ لِمَالِ الْقِرَاضِ، فَإِنْ كَانَ نَمَاءٌ أَوْ نَقْصٌ قُصِرَ عَلَى قِيمَةِ الصَّبْغِ وَرَأْسِ الْمَالِ أَوْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَبَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ الثِّيَابَ الَّتِي طَرَّزَهَا وَقَصَّرَهَا بِمَالِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ شَرِيكًا لَهُ بِقِيمَةِ الصَّبْغِ مِنْ قِيمَةِ الثِّيَابِ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعَامِلَ لَمَّا صَرَفَ مَا صَبَغَ بِهِ وَقَصَّرَ فِي مَالِ الْقِرَاضِ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا أَسْلَفَهُ رَبُّ الْمَالِ لِيُلْحِقَهُ بِالْقِرَاضِ، فَإِنْ رَضِيَ ذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْقِرَاضِ، وَإِنْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَانَ الْعَامِلُ شَرِيكًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَنْفَقَهُ وَصَرَفَهُ عَلَى وَجْهِ التِّجَارَةِ وَطَلَبِ الرِّبْحِ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ الثِّيَابَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهَا بَلْ عَمِلَ فِيهَا مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْغَيْرِ أَنَّ الْعَامِلَ إذَا أَسْلَفَ رَبَّ الْمَالِ وَقَبَضَ صَاحِبُ الْمَالِ السَّلَفَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَكُونَ رَبُّ الْمَالِ دَفَعَ ذَلِكَ الْمَالَ الَّذِي طَرَّزَ بِهِ وَصَبَغَ مِنْ عِنْدِهِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكَانَ شَرِيكًا بِهِ لِمَالِ الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي أَنْ يُلْحِقَهُ بِالْقِرَاضِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلْعَامِلِ فِي ذَلِكَ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَإِنْ أَبَى رَبُّ الْمَالِ مِنْ قَبُولِ السَّلَفِ جَازَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ الثِّيَابَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَدَّى بِخَلْطِ مَالِهِ بِمَالِ الْقِرَاضِ بَعْدَ الشِّرَاءِ بِهِ فِي وَقْتٍ لَا يَجُوزُ لَهُ خَلْطُ مَالِهِ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ مَا أَسْلَفَهُ اكْتَرَى بِهِ عَلَى مَالِ الْقِرَاضِ فَإِنَّ الْعَامِلَ لَا يَكُونُ بِهِ شَرِيكًا، وَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ دَيْنٌ فِي مَالِ الْقِرَاضِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الصَّبْغَ يُحْسَبُ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَلَهُ حَظٌّ مِنْ الرِّبْحِ لِمَنْ بَاعَ مُرَابَحَةً، وَالْكِرَاءُ لَا يُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ سِلْعَةٍ قَائِمَةٍ فِي الْبَزِّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ شَرِيكًا بِالسِّلْعَةِ الْقَائِمَةِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا أَضَافَ إلَى مَالِ الْقِرَاضِ مَا يَكُونُ بِهِ شَرِيكًا كَالصَّبْغِ، وَالْقِصَارَةِ فَذَهَبَ الْمَالُ إلَى قَدْرِ مَا أَضَافَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ مَنْعُهُ إلَّا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَا أَضَافَهُ إلَيْهِ لَا يَكُونُ بِهِ شَرِيكًا كَالْكِرَاءِ فَتَلِفَ الْمَالُ إلَّا بِقَدْرِ الْكِرَاءِ فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِهِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ ثَمَنَ الصَّبْغِ وَالْقِصَارَةِ، هُوَ بِهِ شَرِيكٌ، وَالْكِرَاءُ سَلَفٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَعِنْدِي أَنَّ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى عَنْهُ مَا لَزِمَهُ كَمَنْ قَضَى عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَيَكُونُ لَهُ ذَلِكَ فِي مَالِ الْقِرَاضِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يُقْرِضَ مَالَ الْقِرَاضِ، وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يُنْفِقَ، وَلَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ثُمَّ دَفَعَهُ الْعَامِلُ إلَى رَجُلٍ آخَرَ فَعَمِلَ فِيهِ عَلَى الْقِرَاضِ دُونَ إذْنِ صَاحِبِ الْمَالِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَنْقُصْ وَلَمْ يَزِدْ أَوْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ وَقَدْ دَخَلَهُ زِيَادَةٌ أَوْ نَقْصٌ، فَإِنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ فَدَخَلَهُ نَقْصٌ بِيَدِ الثَّانِي فَالْأَوَّلُ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي دَفْعِ الْمَالِ إلَى غَيْرِهِ فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ بِذَلِكَ التَّعَدِّي.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ مَالُهُ غَيْرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ دَخَلَهُ زِيَادَةٌ أَوْ نَقْصٌ، فَإِنْ دَخَلَتْهُ زِيَادَةٌ وَكَانَ أَعْطَاهُ عَلَى مِثْلِ مَا أَخَذَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْقِرَاضِ فَإِنَّ صَاحِبَ الْمَالِ يُقَاسِمُ الْعَامِلَ الثَّانِي عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يُقَاسِمُ عَلَيْهِ الْأَوَّلَ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْعَامِلُ الْأَوَّلُ مِنْ الثَّانِي مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمَالِ لَوْ قَاسَمَ صَاحِبَهُ يَوْمَ دَفَعَهُ إلَى الثَّانِي وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ عِنْدَ الثَّانِي مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ الْأَوَّلُ مِنْ الْمَالِ وَرِبْحِهِ وَيَكُونُ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ نَصِيبُهُ مِنْ الرِّبْحِ الَّذِي ظَهَرَ عِنْدَهُ وَأَسْلَمَهُ إلَى الْعَامِلِ الثَّانِي.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ دَخَلَ الْمَالَ نَقْصٌ بِيَدِ الْعَامِلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ أَخَذَهُ الثَّانِي عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الرِّبْحِ فَرَبِحَ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ بِيَدِ الثَّانِي مَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ
стр. 1507
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَعَدَّى فَتَسَلَّفَ مِمَّا بِيَدَيْهِ مِنْ الْقِرَاضِ مَالًا فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ رَبِحَ فَالرِّبْحُ عَلَى شَرْطِهِمَا فِي الْقِرَاضِ، وَإِنْ نَقَصَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلنُّقْصَانِ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَاسْتَسْلَفَ مِنْهُ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ الْمَالَ مَالًا وَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ إنَّ صَاحِبَ الْمَالِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَشْرَكَهُ فِي السِّلْعَةِ عَلَى قِرَاضِهَا، وَإِنْ شَاءَ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَأَخَذَ مِنْهُ رَأْسَ الْمَالِ كُلَّهُ، وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِكُلِّ مَنْ تَعَدَّى) .
ــ
[المنتقى]
عِنْدَ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَ الْغَيْرِ أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ هُوَ مَا صَارَ إلَى الْعَامِلِ الثَّانِي مِنْ الْمَالِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ ثَمَانِينَ فَيَضِيعَ مِنْهُ عِنْدَ الْعَامِلِ الْأَوَّلِ أَرْبَعُونَ وَيَدْفَعَ إلَى الْعَامِلِ الثَّانِي أَرْبَعِينَ فَصَارَتْ بِعَمَلِ الثَّانِي مِائَةً فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ صَاحِبَ الْمَالِ يَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ ثَمَانِينَ وَنِصْفَ مَا بَقِيَ بِاسْمِ الرِّبْحِ، وَذَلِكَ عَشَرَةٌ وَيَأْخُذُ الْعَامِلُ الثَّانِي الْعَشَرَةَ الْبَاقِيَةَ وَيَرْجِعُ عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ بِبَقِيَّةِ مَالِهِ مِنْ الرِّبْحِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ فِي حَقِّهِ سِتُّونَ لَهُ مِنْهَا النِّصْفُ وَذَلِكَ ثَلَاثُونَ قَالَ سَحْنُونٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ بَلْ رَأْسُ الْمَالِ مَا بِيَدِ الْعَامِلِ وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ ثُمَّ يَأْخُذُ نِصْفَ الرِّبْحِ وَذَلِكَ ثَلَاثُونَ ثُمَّ يَرْجِعُ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ أَتْلَفَ الْأَرْبَعِينَ بَعْدَ أَخْذِهَا مِنْهُ فَيَكْمُلُ لَهُ مِائَةٌ وَعَشَرَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ نَقْدٍ رَجَعَ عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ، وَقَدْ أَخَذَ سَبْعِينَ فَيَكْمُلُ عِنْدَهُ رَأْسُ مَالِهِ وَرِبْحُهُ تِسْعِينَ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَصْلَ الْمَالِ وَرِبْحَهُ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِ الْمَالِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْعَامِلِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَأْسَ مَالِهِ وَرِبْحَهُ عَلَى مَا أَعْطَاهُ عَلَيْهِ، وَيَدُ الْعَامِلِ لَيْسَتْ بِيَدٍ تَمْلِكُ وَلَا مُسَلَّمٌ إلَيْهَا بِحَقٍّ بَلْ إنَّمَا صَارَ إلَيْهِ الْمَالُ بِالتَّعَدِّي، وَهُوَ مُقِرٌّ بِأَصْلِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ أَتْلَفَ الْأَرْبَعِينَ مِنْهُ وَرِبْحُهُ لِصَاحِبِهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْأَصْلِ إنَّ لِصَاحِبِ الْمَالِ شَرْطَهُ مِنْ الرِّبْحِ، ثُمَّ يَكُونُ لِلَّذِي عَمِلَ شَرْطُهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ فَجَعَلَ صَاحِبَ الْمَالِ مُقَدَّمًا بِأَخْذِ مَالِهِ بِأَصْلِ عَقْدِ الْقِرَاضِ وَمَا شَرَطَهُ فِيهِ ثُمَّ يَأْخُذُ بَعْدَهُ الْعَامِلُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْغَيْرِ إنَّ الْمَالَ بِيَدِ الْعَامِلِ الثَّانِي عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ فَكَانَ أَحَقَّ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رِبْحِهِ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ الْعَامِلُ وَصَاحِبُ الْمَالِ فِي الرِّبْحِ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْعَامِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ الْعَامِلُ الثَّانِي عَلَى غَيْرِ الْجُزْءِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِ الْعَامِلُ الْأَوَّلُ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَأْخُذَهُ الْأَوَّلُ عَلَى النِّصْفِ فَيَدْفَعَهُ إلَى الثَّانِي عَلَى الثُّلُثَيْنِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ ضَامِنٌ عِنْدَ مَالِكٍ، فَإِنْ رَبِحَ الثَّانِي فَرَبُّ الْمَالِ أَوْلَى بِثُلُثَيْ الرِّبْحِ بِجَمِيعِ نِصْفِ الرِّبْحِ وَلِلْعَامِلِ الثَّانِي النِّصْفُ ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ بِالسُّدُسِ الَّذِي بَقِيَ لَهُ وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْغَيْرِ إنَّ الْعَامِلَ الثَّانِيَ أَوْلَى بِثُلُثَيْ الرِّبْحِ ثُمَّ يَرْجِعُ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ بِتَمَامِ مَا يَجِبُ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنْ رَبِحَ فَلِصَاحِبِ الْمَالِ شَرْطُهُ مِنْ الرِّبْحِ يُرِيدُ أَنَّهُ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْعَامِلَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَكُونُ لِلَّذِي عَمِلَ شَرْطُهُ مِمَّا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ يُرِيدُ أَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ صَاحِبِ الْمَالِ مَا شَرَطَهُ فَيَأْخُذُ هَذَا مَا شَرَطَ أَيْضًا مِنْ بَاقِي الْمَالِ، وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ مِنْ تِجَارَتِهِ فَيَأْخُذَهُ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا قَبَضَ الثَّانِي رَأْسَ الْمَالِ كَامِلًا فَتَكُونُ مِنْ فِي قَوْلِهِ مِمَّا بَقِيَ زَائِدَةً.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ وَفِيهِ نَمَاءٌ وَتِجَارَةٌ الْأَوَّلُ، فَيَأْخُذُ الثَّانِي مَالَهُ مِنْ الرِّبْحِ الَّذِي رَبِحَهُ مِنْ جُمْلَةِ الرِّبْحِ الَّذِي لَهُ وَلِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ فَتَكُونُ مِنْ فِي قَوْلِهِ مِمَّا بَقِيَ لِلتَّبْعِيضِ، وَأَمَّا لَوْ أَخَذَهُ الثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ، وَقَدْ نَقَصَ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ لَمَا كَانَ فِيمَا بَقِيَ مَا تُسْتَوْفَى مِنْهُ حِصَّتُهُ مِنْ الرِّبْحِ وَيَرْجِعُ بِمَا بَقِيَ مِنْ حِصَّتِهِ عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ أَخَذَ مَالًا عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ فَتَعَدَّى مَا أَمَرَ بِهِ وَاسْتَسْلَفَ لِيَنْفَرِدَ بِرِبْحِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ فَإِنَّ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى
стр. 1508
مَا يَجُوزُ مِنْ النَّفَقَةِ فِي الْقِرَاضِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا يَحْمِلُ النَّفَقَةَ فَإِذَا شَخَصَ فِيهِ الْعَامِلُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَيَكْتَسِيَ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ قَدْرِ الْمَالِ وَيَسْتَأْجِرَ مِنْ الْمَالِ إذَا كَانَ كَثِيرًا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَكْفِيهِ بَعْضُ مُؤْنَتِهِ وَمِنْ الْأَعْمَالِ أَعْمَالٌ لَا يَعْلَمُهَا الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ وَلَيْسَ مِثْلُهُ يَعْمَلُهَا، مِنْ ذَلِكَ تَقَاضِي الدَّيْنِ وَنَقْلُ الْمَتَاعِ وَشَدُّهُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ الْمَالِ مَنْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلْمُقَارِضِ أَنْ يَسْتَنْفِقَ مِنْ الْمَالِ وَلَا يَكْتَسِيَ مِنْهُ مَا كَانَ مُقِيمًا فِي أَهْلِهِ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ النَّفَقَةُ إذَا شَخَصَ فِي الْمَالِ وَكَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ النَّفَقَةَ، فَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَتَّجِرُ فِي الْمَالِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ مُقِيمٌ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ مِنْ الْمَالِ وَلَا كِسْوَةَ
ــ
[المنتقى]
الْقِرَاضِ الَّذِي عَقَدَاهُ بَيْنَهُمَا أَوْ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ وَيُضَمِّنَهُ رَأْسَ الْمَالِ، وَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ رَبِحَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ مِنْ الْقِرَاضِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْصٌ ضَمِنَهُ الْعَامِلُ لِلتَّعَدِّي، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَخَذَ مَالًا عَلَى وَجْهِ التَّنْمِيَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ عَنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ إلَى مَا يَنْفَرِدُ بِمَنْفَعَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَا وَجْهَ نَظَرٍ لَهُ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُتَعَدٍّ يَكُونُ الدَّافِعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي دَفَعَهُ عَلَيْهِ وَبَيْنَ أَنْ يُمْضِيَ لَهُ تَعَدِّيَهُ وَيُضَمِّنَهُ الْمَالَ، وَكَذَلِكَ الْمُبْضِعُ مَعَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي الَّذِي اشْتَرَى السِّلْعَةَ لِنَفْسِهِ إنَّ صَاحِبَ الْمَالِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَإِنْ شَاءَ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ دُفِعَ إلَيْهِ مَالٌ عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ فَتَعَدَّى مَا أُمِرَ بِهِ فَاسْتَسْلَفَهُ وَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً يَنْفَرِدُ بِهَا فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَتْرُكَهُ فِي السِّلْعَةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَرُدَّهَا إلَى مَالِ الْقِرَاضِ فَيَكُونُ رِبْحُهَا بَيْنَهُمَا عَلَى حُكْمِ مَا عَقَدَا عَلَيْهِ الْقِرَاضَ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ لَفْظَ الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ أَنَّهُ لَا يَرْغَبُ فِي السِّلْعَةِ إلَّا إذَا كَانَ فِيهَا رِبْحٌ وَبِذَلِكَ يَكُونُ لِلْعَامِلِ فِيهَا شِرْكٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ شَاءَ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَأَخَذَ مِنْهُ رَأْسَ مَالِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ يُلْزِمُهُ إيَّاهَا وَيُضَمِّنُهُ ثَمَنَهَا، وَهُوَ رَأْسُ مَالِهِ فِيهَا وَيَكُونُ أَخْذُهُ مِنْهُ بِأَنْ يَجْعَلَهُ مَعَ مَالِ الْقِرَاضِ، وَيَكُونُ بِأَنْ يَنْزِعَ مِنْهُ مَالَ الْقِرَاضِ إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ جَمِيعَ مَالِ الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَغْرَمَهُ الثَّمَنَ صَارَ عَيْنًا فَكَانَ لَهُ أَخْذُ مَالِهِ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ مُعْظَمُ مَالِ الْقِرَاضِ عُرُوضًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى يَتِمَّ عَمَلُهُ فِيهِ.
[مَا يَجُوزُ مِنْ النَّفَقَةِ فِي الْقِرَاضِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا وَكَانَ يَعْمَلُ بِهِ فِي الْحَضَرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ اسْتِيطَانِ الْعَامِلِ أَوْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاسْتِيطَانِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِيهِ وَلَا كِسْوَةَ وَلَا مُؤْنَةَ؛ لِأَنَّ مُقَامَهُ لَيْسَ بِسَبَبِ الْمَالِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِ فَكَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِ، وَإِنَّمَا يُقِيمُ بِهِ لِلْعَمَلِ بِالْمَالِ فَإِنَّ لَهُ فِيهِ النَّفَقَةَ، وَالْكِسْوَةَ، وَالْمُؤْنَةَ؛ لِأَنَّ الْمَالَ شَغَلَهُ عَنْ الرُّجُوعِ إلَى وَطَنِهِ فَأَوْجَبَ مُقَامَهُ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِذَلِكَ الْبَلَدِ وَأَهْلٌ بِبَلَدٍ آخَرَ مُسْتَوْطِنًا لِلْجِهَتَيْنِ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ مَا أَقَامَ بِالْمَالِ فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ؛ لِأَنَّ مُقَامَهُ بِمَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ أَنْ تَكُونَ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ، وَرَوَى ابْنُ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَشْهَبَ فِي الَّذِي لَهُ أَهْلٌ بِبَلَدِ صَاحِبِ الْمَالِ وَأَهْلٌ حَيْثُ يُسَافِرُ إلَيْهِ وَأَنَّ لَهُ النَّفَقَةَ فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ وَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي مُقَامِهِ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَسَافَةَ السَّفَرِ لَيْسَتْ بِمَوْضِعِ اسْتِيطَانِ لَهُ فَكَانَتْ لَهُ فِيهَا النَّفَقَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ تِجَارَتُهُ فِي السَّفَرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ مِنْ أَسْفَارِ الْقُرَبِ كَالْحَجِّ، وَالْغَزْوِ أَوْ مِنْ غَيْرِ أَسْفَارِ الْقُرَبِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَسْفَارِ الْقُرَبِ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهُ فِي مَالِ
стр. 1509
) .
ــ
[المنتقى]
الْقِرَاضِ ذَاهِبًا وَلَا رَاجِعًا، وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ التِّجَارَةَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَهُ النَّفَقَةُ فِيهِ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ هَذِهِ مَسَافَةٌ تُقْطَعُ عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ، وَالْقُرْبَةِ فَيَجِبُ أَنْ يُخْلِصَ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ وَالْغَرَضُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لِسَبَبٍ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْخُرُوجُ لَهُ كَالسَّفَرِ إلَى مَوْضِعِ الِاسْتِيطَانِ، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ مَعْنَاهُ التِّجَارَةُ فِي الْحَجِّ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا سَفَرٌ مَقْصِدُهُ بِمَالِ الْقِرَاضِ إلَى مَوْضِعِ غَيْرِ اسْتِيطَانٍ فَكَانَتْ نَفَقَتُهُ فِي كَثِيرِهِ كَمَا لَوْ أَرَادَ سَفَرًا مَعَ السَّفَرِ لِلْقِرَاضِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ السَّفَرُ مِنْ أَسْفَارِ الْقُرْبَةِ إلَّا أَنَّهُ أَرَادَ حَاجَةً مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فِي بَلَدٍ فَلَمَّا تَجَهَّزَ أَعْطَاهُ رَجُلٌ مَالًا قِرَاضًا فَأَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ مَعَهُ فَهَلْ لَهُ نَفَقَةٌ فِي مَالِ الْقِرَاضِ أَوْ لَا رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَهُ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا نَفَقَةَ لَهُ فِيهِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا مَالٌ حَصَلَتْ تَنْمِيَتُهُ بِسَفَرٍ عَرَا عَنْ الْقُرْبَةِ، وَالتَّوَجُّهِ إلَى الْوَطَنِ فَكَانَتْ نَفَقَةُ الْعَامِلِ فِيهِ كَمَا لَوْ سَافَرَ إلَى أَهْلِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ سَفَرَهُ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ هَذَا الْمَالِ فَلَمْ تَكُنْ نَفَقَةُ الْعَامِلِ فِيهِ كَمَا لَوْ سَافَرَ إلَى أَهْلِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَكَيْفَ تَكُونُ لَهُ النَّفَقَةُ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ الْخُرُوجَ بِمَالٍ لِلتِّجَارَةِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ تُفَضُّ عَلَى الْمَالَيْنِ جَمِيعًا، وَإِنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ لِحَاجَةٍ نُظِرَ إلَى قَدْرِ نَفَقَتِهِ فِي طَرِيقِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مِائَةً وَكَانَ مَالُ الْقِرَاضِ تِسْعَمِائَةٍ فَإِنَّ عَلَى مَالِ الْقِرَاضِ مِنْ نَفَقَتِهِ تِسْعَةَ أَعْشَارِهَا وَعَلَيْهِ عُشْرُهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ سَافَرَ بِمَالِ الْقِرَاضِ إلَى بَلَدٍ هُوَ بِهِ مُسْتَوْطِنٌ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي الذَّهَابِ وَلَهُ النَّفَقَةُ فِي الْإِيَابِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ غَرَضَهُ فِي الذَّهَابِ إلَى أَهْلِهِ مَنَعَهُ النَّفَقَةَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي رُجُوعِهِ إلَّا تَنْمِيَةَ الْمَالِ فَكَانَتْ نَفَقَتُهُ فِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ السَّفَرُ إلَى الْغَزْوِ فَإِنَّ غَرَضَهُ فِي الذَّهَابِ الْغَزْوُ وَغَرَضَهُ فِي الرُّجُوعِ الْخُرُوجُ مِنْ بَلَدِ الْكُفْرِ فَمَنَعَ ذَلِكَ النَّفَقَةَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَشْهَبَ فِيمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِبَلَدِ صَاحِبِ الْمَالِ وَأَهْلٌ حَيْثُ يُسَافِرُ أَنَّ لَهُ النَّفَقَةَ فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ وَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي مُقَامِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَاَلَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ: لَا نَفَقَةَ لَهُ فِي الذَّهَابِ وَلَا الْإِيَابِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ قَدْ تَقَدَّمَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ بَعِيدًا أَوْ قَرِيبًا، فَإِنْ كَانَ السَّفَرُ بِالْمَالِ قَرِيبًا مِثْلُ دِمْيَاطَ فِي مِثْلِ مَنْ يَخْرُجُ لِشِرَاءِ صُوفٍ أَوْ سَمْنٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُرِيدُ الْمُقَامَ لِشِرَاءِ الْحُبُوبِ وَغَيْرِهَا الشَّهْرَيْنِ، وَالثَّلَاثَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ سَفَرٌ، وَإِنْ قَرُبَ الْمَكَانُ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ وَيَكْتَسِي فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَأْكُلُ وَلَا يَكْتَسِي وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدْ يَكْتَرِي مِنْهُ مَرْكُوبًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّفَقَاتِ الَّتِي تَخْتَصُّ لِقَرِيبِ الْمُدَدِ يَلْزَمُ هَذَا السَّفَرَ لِقُرْبِهِ كَالْأَكْلِ وَالرُّكُوبِ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَعَانِي يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي قَرِيبِ السَّفَرِ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِي كِسْوَةً لِيَوْمٍ وَلَا لِيَوْمَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ السَّفَرُ بَعِيدًا فَلِلْعَامِلِ فِي مَالِ الْقِرَاضِ مُؤْنَتُهُ الْمُعْتَادَةُ مِنْ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ وَكِرَاءِ مَسْكَنٍ وَدُخُولِ حَمَّامٍ وَحِجَامَةٍ وَحَلْقِ رَأْسٍ وَغَسْلِ ثَوْبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُعْتَادَةِ الَّتِي لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا الْإِنْسَانُ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحِجَامَةِ، وَالْحَمَّامِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ فِي حِجَامَةٍ وَحَمَّامٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ مُسَافِرٌ فِي حَضَرٍ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ أَصْلُهُ مَا يَأْكُلُ وَيَكْتَسِي بِهِ وَأَمَّا الدَّوَاءُ فَلَيْسَ فِي مَالِ الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تُسْتَعْمَلُ عَلَى مُعْتَادِ الْعَادَةِ، وَإِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُعْتَادَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَنَفَقَتُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ وَحَالِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ نَفَقَةٌ يُعْتَبَرُ فِيهَا كَثْرَةُ الْمَالِ وَقِلَّتُهُ فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهَا حَالُ مَنْ يُنْفَقُ
стр. 1510
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَخَرَجَ بِهِ وَبِمَالِ نَفْسِهِ قَالَ يَجْعَلُ النَّفَقَةَ مِنْ الْقِرَاضِ وَمِنْ مَالِهِ عَلَى قَدْرِ حِصَصِ الْمَالِ) .
ــ
[المنتقى]
عَلَيْهِ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ، وَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَإِنَّ الَّذِي يَلْزَمُ مَالَ الْقِرَاضِ مِنْ كِسْوَةِ الْعَامِلِ كِسْوَةُ مِثْلِهِ فِي مُقَامِهِ وَسَفَرِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ الَّذِي لَهُ مِنْ الْكِسْوَةِ الَّتِي لَوْلَا الْخُرُوجُ بِالْمَالِ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ يَبْطُلُ بِالنَّفَقَةِ لِلْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُدْخِلُهُ عَلَيْهِ السَّفَرُ بِالْمَالِ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ فِي الْمَالِ.
(فَرْعٌ) وَكَمْ مَبْلَغُ الْمَالِ الْكَثِيرِ؟ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْقِرَاضِ، وَالْبِضَاعَةِ خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ أَرْبَعِينَ أَنَّ نَفَقَةَ الْعَامِلِ وَالْمُبْضِعِ مَعَهُ وَكِسْوَتَهُمَا فِي بَعِيدِ السَّفَرِ وَفِي السَّفَرِ الْقَرِيبِ نَفَقَتُهُ دُونَ كِسْوَتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الْمَالُ يَسِيرًا لَا يَحْتَمِلُ مُؤْنَةَ الْعَامِلِ فِيهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِلْعَامِلِ فِيهِ نَفَقَةٌ وَلَا كِسْوَةٌ فِي بَعِيدِ السَّفَرِ وَلَا قَرِيبِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَالَ الْيَسِيرَ لَا يَحْتَمِلُ النَّفَقَةَ وَلَا يُقْصَدُ بِسَبَبِهِ السَّفَرُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ شَرَطَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ لَا يُنْفِقَ مِنْ الْمَالِ الَّذِي يَحْتَمِلُ النَّفَقَةَ فِي سَفَرٍ بَعِيدٍ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، فَإِنْ وَقَعَ فَهُوَ أَجِيرٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ اشْتَرَطَ زِيَادَةً لَا يَقْتَضِيهَا مُطْلَقُ عَقْدِ الْقِرَاضِ فَوَجَبَ أَنْ يَفْسُدَ الْقِرَاضُ كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ الْمِقْدَارِ مِنْ الرِّبْحِ لِنَفْسِهِ خَالِصًا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَيَسْتَأْجِرُ مِنْ الْمَالِ إذَا كَانَ كَثِيرًا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَكْفِيهِ بَعْضُ مُؤْنَتِهِ يُرِيدُ إذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْهُ مَنْ يُعِينُهُ عَلَى حِفْظِهِ وَالْقِيَامِ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا سُنَّةُ هَذَا الْمَالِ فِي الْقِرَاضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَمِنْ الْأَعْمَالِ أَعْمَالٌ لَا يَعْمَلُهَا الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ وَلَيْسَ مِثْلُهُ يَعْمَلُهَا يُرِيدُ أَنَّ بَعْضَ الْأَعْمَالِ لَا يَعْمَلُهَا الْمُقَارِضُ مِنْ الْقِصَارَةِ، وَالصَّبْغِ، وَالْخِيَاطَةِ، وَإِنَّمَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَعْمَلَهَا الصُّنَّاعُ وَمِنْهَا مَا لَا يَعْمَلُهَا مِثْلُ الْمُقَارِضِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُمْكِنُ أَكْثَرَ النَّاسِ عَمَلُهَا كَالشَّدِّ، وَالطَّيِّ، وَالنَّقْلِ فَمِثْلُ هَذَا يُحْكَمُ فِيهِ بِالْمُعْتَادِ الْمَعْرُوفِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْعُمَّالِ مَنْ لَهُ الْحَالُ، وَالْمَعْرُوفُ، وَالتَّصَاوُنُ فَيُحْمَلُ عَلَى عَادَتِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَتَقَاضِي الدَّيْنِ يُرِيدُ حَقَّهُ، وَالْمُطَالَبَةَ بِهِ، وَأَمَّا قَبْضُهُ فَهُوَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ الْعَامِلُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَبْضَ الْأَجِيرِ الْمَأْمُونِ الدَّرَاهِمَ الْيَسِيرَةَ فَيَأْتِيهِ بِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إذَا سَافَرَ الْعَامِلُ بِمَالِ الْقِرَاضِ وَبِمَالٍ آخَرَ وَأَنْشَأَ السَّفَرَ لَهُمَا فَإِنَّ نَفَقَتَهُ وَمُؤْنَتَهُ مُقَسَّطَةٌ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ كَانَ بِسَبَبِهِمَا، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُطْلَقِ عَقْدِ الْقِرَاضِ هَلْ يَقْتَضِي السَّفَرَ بِالْمَالِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لِلْعَامِلِ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ، وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ اسْمَ الْعَقْدِ مَأْخُوذٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] فَإِذَا كَانَ مَعْنَى الْمُضَارَبَةِ السَّفَرَ فَمُحَالٌ أَنْ يُنَافِيَهُ مُطْلَقُ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا وَجْهٌ مَقْصُودٌ مِنْ وُجُوهِ التَّنْمِيَةِ أَصْلُ ذَلِكَ سَائِرُ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا مَأْذُونٌ لَهُ فِي الشِّرَاءِ بِعَقْدٍ جَائِزٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ السَّفَرُ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ كَالْوَكِيلِ عَلَى الشِّرَاءِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَهَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ أَمَّا الْمَالُ الْيَسِيرُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ سَفَرًا بَعِيدًا إلَّا بِإِذْنِ رَبِّهِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَالَ الْيَسِيرَ لَا يَحْتَمِلُ الْإِنْفَاقَ مِنْهُ فِي السَّفَرِ فَلَمْ يَقْتَضِ سَفَرًا يُنْفِقُ الْعَامِلُ فِيهِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →