← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَوَخَّ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ نَسِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُصَلِّهِ ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَهُوَ جَالِسٌ) . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَتْ الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّى خَامِسَةً شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ التَّأْوِيلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي قَدْ تَرَكَ ذِكْرَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ أَشَارَ إلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ شَفَعَهُمَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ وَيَقُومُ ذَلِكَ مَقَامَ ذِكْرِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَعَلَى هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الصَّلَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الشَّفْعِ فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهَا مَا يُوتِرُهَا مِنْ زِيَادَةٍ وَجَبَ إصْلَاحُ ذَلِكَ بِمَا يَشْفَعُهَا وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ مَا أَرَادَ بِهِ الشَّفْعَ يُوتِرُ الصَّلَاةَ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ تَكُونَ السَّجْدَتَانِ خَارِجَ الصَّلَاةِ لِأَنَّ مَا يَقَعُ بِهِ الشَّفْعُ يَقَعُ بِهِ الْوَتْرُ فَلَوْ كَانَتْ السَّجْدَتَانِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى شَفْعٍ فَيَنْقُلَهَا ذَلِكَ إلَى الْوَتْرِ فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ السَّجْدَتَانِ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَإِنْ قِيلَ فَإِنْ كَانَتْ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَمْ يَقَعْ بِهَا شَفْعٌ كَمَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهَا وَتْرٌ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ شَفْعًا فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مَا يُفْعَلُ خَارِجَ الصَّلَاةِ يَجْبُرُ الصَّلَاةَ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي نَقْصِهَا وَإِفْسَادِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ سَلَّمَ مُتَيَقِّنًا لِتَمَامِ صَلَاتِهِ ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَرَجَعَ إلَى صَلَاتِهِ فَصَلَّاهَا عَلَى مَا بَدَا لَهُ فَإِنَّهُ يَجْبُرُ بِذَلِكَ نَقْصَ صَلَاتِهِ وَيُتِمُّهَا فَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ إتْمَامِهَا أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَتَمَّ صَلَاتَهُ أَوْ لَا لَمْ يُؤَثِّرْ هَذَا فِي نَصِّ صَلَاتِهِ وَلَا فِي إفْسَادِهَا وَلَا وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ لِشَيْءٍ مِنْ زِيَادَتِهِ تِلْكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إنْ كَانَتْ رَابِعَةً فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمُ الشَّيْطَانِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ السَّهْوَ بَعْدَ السَّلَامِ وَأَنَّ السَّلَامَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ هُوَ سَلَامُ التَّشَهُّدِ لِأَنَّ تَرْغِيمَ الشَّيْطَانِ إنَّمَا يَصِحُّ بَعْدَ تَمَامِ الْعِبَادَةِ وَبَعْدَ أَنْ يُؤْمَنَ إفْسَادُهُ إيَّاهَا بِالسَّهْوِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ تَعَلَّقَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ إنَّ السُّجُودَ لِلسَّهْوِ الْمُتَيَقَّنِ أَنَّهُ نَقْصٌ وَلِلسَّهْوِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ قَبْلَ السَّلَامِ وَإِنَّمَا يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ مَنْ تَيَقَّنَ الزِّيَادَةَ. (ش) : قَوْلُهُ ﵁ فَلْيَتَوَخَّ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ نَسِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُصَلِّهِ عَلَّقَ الْإِعَادَةَ بِالظَّنِّ وَلَمْ يَذْكُرْ التَّجْوِيزَ وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمَ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَإِنَّمَا يَعْتَدُّ مِنْ صَلَاتِهِ بِمَا تَيَقَّنَ أَدَاءَهُ لَهُ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَرْجِعُ إلَى غَالِبِ ظَنِّهِ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنَّهُ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا لَمْ يُصَلِّ خَامِسَةً وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا ثَالِثَةٌ صَلَّى رَابِعَةً وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ عَطَاءٍ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ وَهُوَ نَصٌّ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ ﵀ وَقَدْ أَسْنَدَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الصَّلَاةَ مُتَيَقَّنٌ تَعَلُّقُهَا بِالذِّمَّةِ فَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ مِنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيَلْزَمُ الشَّاكَّ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَتَذَكَّرَ مَا لَمْ يَطُلْ ذَلِكَ فَإِنْ تَذَكَّرَ وَإِلَّا بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَأَلْغَى وَالشَّكَّ وَهَلْ يَلْزَمُهُ سُجُودُ سَهْوٍ لِتَذَكُّرِهِ أَمْ لَا أَفْعَالُ الصَّلَاةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ فِي تَطْوِيلِهِ قُرْبَةٌ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ فَهَذَا لَيْسَ فِي تَطْوِيلِهِ لِذَلِكَ سُجُودُ سَهْوٍ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْجُلُوسِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ عَنْ حَدِّهِ فَيَسْجُدَ لِسَهْوِهِ وَأَمَّا مَا لَا قُرْبَةَ فِي تَطْوِيلِهِ كَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ أَوْ الْمُسْتَوْفِزِ لِلْقِيَامِ عَلَى يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مَنْ أَطَالَ التَّذَكُّرَ عَلَى ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ لِأَنَّ الشَّكَّ بِانْفِرَادِهِ لَا يُوجِبُ سُجُودَ سَهْوٍ وَتَطْوِيلُ ذَلِكَ الْفِعْلِ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِسُجُودِ السَّهْوِ وَقَالَ أَشْهَبُ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا طَوَّلَهَا بِالشَّكِّ وَلَا قُرْبَةَ فِي تَطْوِيلِهَا فَلَزِمَ بِذَلِكَ سُجُودُ السَّهْوِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَهُوَ جَالِسٌ يَعْنِي قَبْلَ قِيَامِهِ وَزَوَالِهِ عَنْ مُصَلَّاهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ الدُّخُولَ فِيهَا لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ جُلُوسٍ وَكَذَلِكَ الِانْفِصَالُ عَنْهَا وَلَا يَنْحَطُّ لَهَا مِنْ قِيَامٍ كَمَا

стр. 177

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَفِيفِ بْنِ عَمْرِو السَّهْمِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَكَعْبَ الْأَحْبَارِ عَنْ الَّذِي يَشُكُّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَكِلَاهُمَا قَالَ لِيُصَلِّ رَكْعَةً أُخْرَى ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ النِّسْيَانِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ لِيَتَوَخَّ أَحَدُكُمْ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ نَسِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُصَلِّهِ) . ــ [المنتقى] يَفْعَلُ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ لِمَنْ قَرَأَهَا وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا. (ش) : جَوَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَهُوَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَقْرِيرُ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اتِّصَالِ عَمَلِ الصَّحَابَةِ بِهِ. (ش) : وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مِثْلُ رِوَايَةِ سَالِمٍ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ سُجُودَ السَّهْوِ وَهُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَكَعْبٍ. [مَنْ قَامَ بَعْدَ الْإِتْمَامِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ] ِ (ش) : مَعْنَى قَوْلِهِ بَعْدَ الْإِتْمَامِ يُرِيدُ إتْمَامَ رُكُوعِ صَلَاتِهِ وَسُجُودِهَا وَهُوَ أَنْ يَقُومَ مِنْ الرَّابِعَةِ إلَى الْخَامِسَةِ سَاهِيًا وَقَوْلُهُ أَوْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ يَعْنِي أَنْ يَقُومَ مِنْهُمَا وَلَا يَجْلِسُ الْجِلْسَةَ الْأُولَى. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ وَلَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ثُمَّ سَلَّمَ» ) . (ش) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونُوا قَدْ عَلِمُوا حُكْمَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَأَنَّهُ إذَا اسْتَوَى قَائِمًا لَا يَرْجِعُ إلَى الْجِلْسَةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَرَائِضِ وَلَا مَحِلًّا لِلْفَرْضِ أَوْ يَكُونُوا لَمْ يَعْلَمُوا فَسَبَّحُوا فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ قُومُوا وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَسَبَّحُوا بِهِ فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ قُومُوا ثُمَّ قَالَ هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: إحْدَاهَا: أَنْ يُسَبِّحُوا بِهِ وَقَدْ شَرَعَ فِي الْقِيَامِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ الْأَرْضِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ الْأَرْضِ وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ قِيَامَهُ. وَالثَّالِثَةُ: بَعْدَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الْقِيَامَ. فَأَمَّا إذَا سَبَّحُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَ الْأَرْضَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ وَأَمَّا إذَا سَبَّحُوا بِهِ بَعْدَ أَنْ فَارَقَ الْأَرْضَ وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ الْقِيَامَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ وَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ لِلزِّيَادَةِ بَعْدَ السَّلَامِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَرْجِعُ بَعْدَ أَنْ يُفَارِقَ الْأَرْضَ. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ يَرْجِعُ مَا لَمْ يَتَشَبَّثْ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْوُقُوفُ وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِرُكْنٍ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى فِعْلِ الْجُلُوسِ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَحِلَّ قَدْ فَاتَ بِالِانْتِقَالِ عَلَى هَيْئَتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا إذَا سَبَّحُوا بِهِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا فَلَا يَرْجِعُ إلَى الْجُلُوسِ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ مَحِلُّ الْجِلْسَةِ وَتَلَبَّسَ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْوُقُوفُ فَإِنْ رَجَعَ فَهَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ لَا تَفْسُدُ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحِلِّ الْجُلُوسِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ بِالْجُلُوسِ كَمَا لَوْ رَجَعَ إلَى الْجُلُوسِ قَبْلَ اسْتِوَائِهِ. وَوَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْجُلُوسِ فَوَجَبَ أَنْ تَبْطُلَ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ رَجَعَ بَعْدَ الرُّكُوعِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَفْسُدُ بِالرُّجُوعِ فَهَلْ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ وَأَشْهَبُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ قَضَى الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ الدُّعَاءُ وَصَارَ مَنْ وَرَاءَهُ يَنْتَظِرُونَ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالصَّلَاةِ الْأَفْعَالَ وَالْأَقْوَالَ

стр. 178

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ فَقَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يَجْلِسْ فِيهِمَا فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ» ) . النَّظَرُ فِي الصَّلَاةِ إلَى مَا يَشْغَلُك عَنْهَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ «أَهْدَى ــ [المنتقى] الَّتِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا هَذَا الِاسْمُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَيَكُونُ مَعْنَى قَضَى صَلَاتَهُ قَارَبَ قَضَاءَهَا وَأَتَى بِجَمِيعِهَا غَيْرِ التَّسْلِيمِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ كَبَّرَ يَقْتَضِي أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ يُكَبَّرُ لَهُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ مِمَّا شُرِعَ فِيهِ التَّكْبِيرُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ثُمَّ سَلَّمَ نَصٌّ فِي أَنَّهُ سَجَدَ لِسَهْوِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَمَّا كَانَ مُقْتَضَى سَهْوِهِ النَّقْصَ مِمَّا سُنَّ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ الْجِلْسَةُ الْأُولَى وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَسْجُدُ لِمِثْلِ هَذَا بَعْدَ السَّلَامِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ هَذَا الْحَدِيثُ هُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا جُبْرَانٌ لِلنَّقْصِ الْوَاقِعِ فِي الْعِبَادَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا كَهَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فِي الْحَجِّ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَتْ سَجْدَةُ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ فَهَلْ يُعَادِلُهُ التَّشَهُّدُ أَمْ لَا فِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ: وَجْهُ قَوْلِهِ يُعَادُ أَنَّ هَاتَيْنِ سَجْدَتَانِ فِي الصَّلَاةِ فَكَانَ مِنْ سُنَّتِهَا أَنْ لَا يُسَلِّمَ مِنْهُمَا إلَّا بَعْدَ تَشَهُّدِ سَجْدَتَيْ الصَّلَاةِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ سُنَّةَ الصَّلَاةِ لَا يَتَكَرَّرُ التَّشَهُّدُ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِذَا أَعَدْنَا التَّشَهُّدَ بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ فَقَدْ كَرَّرْنَاهُ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ الصَّلَاةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا إحْرَامَ لِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ حَكَى ذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَوَجْهُهُ أَنَّ كُلَّ سُجُودٍ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِإِحْرَامٍ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ فَذَكَرَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ بِالْقُرْبِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَسْجُدُهُمَا فِي مَوْضِعِ ذِكْرِ ذَلِكَ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ فَلَا يَسْجُدُهُمَا إلَّا فِي الْمَسْجِدِ وَكَذَلِكَ فِي السَّلَامِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ أَتَمَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لَمْ تُجْزِهِ الْجُمُعَةُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ سُجُودَ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ سُجُودٌ مِنْ نَفْسِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنْهَا فَلَا يَكُونُ إلَّا فِي مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ كَسُجُودِ الصَّلَاةِ وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الرَّاعِفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُتِمُّ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. (ش) : بَيَّنَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي حَدِيثِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَقَوْلُهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ يُرِيدُ انْقَضَتْ أَفْعَالُ صَلَاتِهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا التَّحَلُّلُ مِنْهَا وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ شِهَابٍ بِقَوْلِهِ وَانْتَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ وَقَوْلِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ يُرِيدُ لِسَهْوِهِ ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ السَّلَامَ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَذْكُرْ التَّشَهُّدَ مِنْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ فَقَامَ بَعْدَ إتْمَامِهِ الْأَرْبَعَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِهِ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَتَمَّ أَنَّهُ يَرْجِعُ فَيَجْلِسُ وَلَا يَسْجُدُ وَلَوْ سَجَدَ إحْدَى السَّجْدَتَيْنِ لَمْ أَرَ أَنْ يَسْجُدَ الْأُخْرَى ثُمَّ إذَا قَضَى صَلَاتَهُ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ التَّسْلِيمِ) . (ش) : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ نَعْلَمُهُ لِأَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فَإِذَا زَادَ سَاهِيًا وَهُوَ فِي نَفْسِ الزِّيَادَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنْهَا مَتَى مَا ذَكَرَ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَعَلَى أَيِّ حَالٍ ذَكَرَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ التَّرْكُ لِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ وَالْأَخْذِ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَشَهُّدِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ قَضَى صَلَاتَهُ يُرِيدُ أَتَمَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا مِنْ جُلُوسٍ وَتَشَهُّدٍ وَسَلَامٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ يُرِيدُ لِسَهْوِهِ بَعْدَ السَّلَامِ.

стр. 179

أَبُو جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمِيصَةً شَامِيَّةً لَهَا عَلَمٌ يَشْهَدُ فِيهَا الصَّلَاةَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رُدِّي هَذِهِ الْخَمِيصَةَ إلَى أَبِي جَهْمٍ فَإِنِّي نَظَرْت إلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ فَكَادَ يَفْتِنُنِي» ) ــ [المنتقى] [النَّظَرُ فِي الصَّلَاةِ إلَى مَا يَشْغَلُك عَنْهَا] (ش) : الْخَمِيصَةُ كِسَاءُ صُوفٍ رَقِيقٌ يَكُونُ لَهُ فِي الْأَغْلَبِ عَلَمٌ وَكَانَتْ مِنْ لِبَاسِ أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَشُهُودُهُ ﷺ فِيهَا الصَّلَاةَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ بِهَا وَذَلِكَ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصُّوفَ وَالشَّعْرَ لَا يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ حَلَالٌ لَنَا وَهُمْ كَانُوا سُكَّانَ الشَّامِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ جِهَتِهِمْ عَلَى الذَّكَاةِ لِمَا عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَمَلَهُمْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رُدِّي هَذِهِ الْخَمِيصَةَ إلَى أَبِي جَهْمٍ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ رَدِّ الْهَدِيَّةِ إلَى مُهْدِيهَا بِاخْتِيَارِ الْمُهْدَى إلَيْهِ وَقَوْلُهُ فَإِنِّي نَظَرْتُ إلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَيَّنَ عِلَّةَ رَدِّهَا لِيُقْتَدَى بِهِ فِي تَرْكِ لِبَاسِهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ. وَالثَّانِي: عَلَى وَجْهِ التَّأْنِيسِ لِأَبِي جَهْمٍ فِي رَدِّ هَدِيَّتِهِ إلَيْهِ وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْفِتْنَةَ لَمْ تَقَعْ وَأَنَّ صَلَاتَهُ ﷺ كَمُلَتْ بِقَوْلِهِ فَكَادَ يَفْتِنُنِي. (ش) : لِبَاسُهُ ﷺ الْخَمِيصَةَ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَةِ لُبْسِهَا وَإِنْ كَانَ لَهَا عَلَمٌ وَالْأَنْبِجَانِيَّةَ وَالْأَنْبِجَانِيُّ كِسَاءُ صُوفٍ غَلِيظٌ إنْ أَرَدْت الثَّوْبَ وَالْكِسَاءَ ذَكَّرْتَ وَإِنْ أَرَدْت الرُّقْعَةَ وَالْخَمِيصَةَ أَنَّثْت قَالَ ثَعْلَبٌ يُقَالُ أَنْبِجَانِيَّةٌ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا فِي كُلِّ مَا كَثُفَ وَالْتَفَّ يُقَالُ شَاةٌ أَنْبِجَانِيَّةٌ إذَا كَانَ صُوفُهَا كَثِيرًا مُلْتَفًّا وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ إنَّمَا هِيَ مَنْبَجَانِيٌّ وَلَا يُقَالُ الْبَجَانِيُّ إنَّمَا هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى مَنْبِجَ وَفُتِحَتْ بَاؤُهُ فِي النَّسَبِ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ مَنْظَرَانِيٍّ وَمَخْبَرَانِيٍّ وَاَلَّذِي قَالَهُ ثَعْلَبٌ أَظْهَرُ وَالنَّسَبُ إلَى مَنْبِجَ مَنْبِجِيٌّ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَعْطَاهَا أَبَا جَهْمٍ وَأَخَذَ مِنْ أَبِي جَهْمٍ أَنْبِجَانِيَّةً لَهُ يَقْتَضِي الْمُعَاوَضَةَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا التَّبَسُّطَ عَلَى مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُسْعِفُ رَغْبَتَهُ وَلَا يَرُدُّ إرَادَتَهُ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ الَّذِي يَرْوِيهِ عَلْقَمَةُ فِي أَنَّ أَصْلَ الْخَمِيصَةِ مِنْ عِنْدِ أَبِي جَهْمٍ أَهْدَاهَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا أُهْدَاهُ مِنْ الْمُهْدِي لَهُ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ الَّتِي يُكْرَهُ لِلْمُتَصَدِّقِ بِهَا أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِمَنْعِ النَّبِيِّ ﷺ عُمَرَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْفَرَسَ الَّذِي كَانَ حَمَلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ أَبِي جَهْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِمَ؟ سُؤَالٌ عَنْ مَعْنَى كَرَاهِيَتِهِ لِلْخَمِيصَةِ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ حَدَثَ فِيهَا تَحْرِيمُ لُبْسِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنِّي نَظَرْت إلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَةِ الِاشْتِغَالِ عَنْ الصَّلَاةِ بِالنَّظَرِ إلَى غَيْرِهَا يُقَلِّبُهُ فِيهَا دُونَ تَكَلُّفٍ وَلَا قَصْدٍ وَلَا امْتِنَاعٍ مِنْ كُلِّ مَا يَشْغَلُ فِيهَا وَالْقَصْدِ إلَى التَّفَرُّغِ لَهَا وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنْ الثِّيَابِ خَيْرَهَا وَلَا مَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْظَرَ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْ أَبَا جَهْمٍ مِنْ لُبْسِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يُفْرَضْ عَلَى غَيْرِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهَا وَيُزِيلَ عَنْ نَفْسِهِ كُلَّ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِدْخَالِ النَّقْصِ فِيهَا بِالشُّغُلِ عَنْهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاجِبًا فَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ «أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِطِهِ فَطَارَ دُبْسِيٌّ فَطَفِقَ يَتَرَدَّدُ يَلْتَمِسُ مَخْرَجًا فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ فَجَعَلَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ سَاعَةً ثُمَّ رَجَعَ إلَى صَلَاتِهِ فَإِذَا هُوَ لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى فَقَالَ لَقَدْ أَصَابَتْنِي فِي مَالِي هَذَا فِتْنَةٌ فَجَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ الَّذِي أَصَابَهُ فِي حَائِطِهِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ صَدَقَةٌ لِلَّهِ فَضَعْهُ حَيْثُ شِئْتَ» ) . (ش) : قَوْلُهُ فَطَفِقَ يَتَرَدَّدُ يَلْتَمِسُ مَخْرَجًا يَعْنِي أَنَّ

стр. 180

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَبِسَ خَمِيصَةً لَهَا عَلَمٌ ثُمَّ أَعْطَاهَا أَبَا جَهْمٍ وَأَخَذَ مِنْ أَبِي جَهْمٍ أَنْبِجَانِيَّةً لَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِمَ فَقَالَ إنِّي نَظَرْت إلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ» ) . ــ [المنتقى] اتِّسَاقَ النَّخْلِ وَاتِّصَالَ جَرَائِدِهَا لِتَنَسُّقِهَا كَانَتْ تَمْنَعُ الدُّبْسِيَّ مِنْ الْخُرُوجِ فَجَعَلَ يَتَرَدَّدُ بِطَلَبِ الْمَخْرَجِ فَرَأَى ذَلِكَ أَبُو طَلْحَةَ فَأَتْبَعَهُ بَصَرَهُ اتِّبَاعَ الْمَسْرُورِ بِصَلَاحِ مَالِهِ وَحُسْنِ إقْبَالِهِ وَتَنَعُّمِهِ فَشَغَلَهُ ذَلِكَ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ صَلَاتِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى صَلَاتِهِ مَعْنَاهُ رَجَعَ إلَى الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَتَفْرِيغِ نَفْسِهِ لِإِتْمَامِهَا فَإِذَا هُوَ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى لِأَنَّهُ نَسِيَ ذَلِكَ بِنَظْرَةٍ إلَى الدُّبْسِيِّ فَقَالَ لَقَدْ أَصَابَتْنِي فِي مَالِي هَذَا فِتْنَةٌ أَصْلُ الْفِتْنَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الِاخْتِبَارُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اخْتَبَرْنَاك اخْتِبَارًا إلَّا أَنَّ لَفْظَ الْفِتْنَةِ إذَا أُطْلِقَ فَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِيمَنْ أَخْرَجَهُ الِاخْتِبَارُ عَنْ الْحَقِّ يُقَالُ فُلَانٌ مَفْتُونٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ اُخْتُبِرَ فَوُجِدَ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ فَمَعْنَى قَوْلِهِ أَصَابَتْنِي فِتْنَةٌ أَيْ اُخْتُبِرْت بِهَذَا الْمَالِ فَشَغَلَنِي عَنْ الصَّلَاةِ وَتَكُونُ الْفِتْنَةُ بِمَعْنَى الْمَيْلِ عَنْ الْحَقِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] مَعْنَاهُ يُمِيلُونَك فَيَكُونُ مَعْنَى أَصَابَتْنِي فِتْنَةٌ أَيْ أَصَابَتْنِي مِنْ بَهْجَةِ هَذَا الْمَالِ مَا أَمَالَنِي عَنْ الْإِقْبَالِ إلَى صَلَاتِي وَتَكُونُ الْفِتْنَةُ أَيْضًا الْإِحْرَاقَ يُقَالُ فَتَنْتُ الرَّغِيفَ إذَا أَحْرَقْتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أَيْ يُحْرَقُونَ وَاللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ فَتَنْت الرَّجُلَ وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ أَفَتَنْت الرَّجُلَ لَمَّا أَصَابَتْ أَبَا طَلْحَةَ الْفِتْنَةُ فِي مَالِهِ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ الَّذِي أَصَابَهُ فِي حَائِطِهِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ صَدَقَةٌ لِلَّهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ إخْرَاجَ مَا فُتِنَ بِهِ مِنْ مَالِهِ وَتَكْفِيرَ اشْتِغَالِهِ عَنْ صَلَاتِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا كَانَ يَقِلُّ مِنْهُمْ وَيَعْظُمُ فِي نُفُوسِهِمْ فَكَيْفَ مِمَّنْ يَكْثُرُ ذَلِكَ مِنْهُ تَغَمَّدَ اللَّهُ زَلَلَنَا بِفَضْلِهِ وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّ الْإِقْبَالَ عَلَى الصَّلَاةِ وَتَرْكِ الِالْتِفَاتِ فِيهَا مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ أَحْكَامِهَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] قَالَ الْإِقْبَالُ عَلَيْهَا وَالْخُشُوعُ فِيهَا وَقَدْ كُرِهَ كُلُّ مَا يَكُونُ سَبَبًا إلَى الِالْتِفَاتِ فِيهَا قَالَ مَالِكٌ وَلِذَلِكَ كَرِهَ النَّاسُ تَزْوِيقَ الْمَسْجِدِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْفُسَيْفِسَاءِ وَتَأَوَّلُوا أَنَّهُ يَشْغَلُ النَّاسَ فِي صَلَاتِهِمْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ هُوَ صَدَقَةٌ لِلَّهِ ضَعْهُ حَيْثُ شِئْت يَقْتَضِي الصَّدَقَةَ بِرَقَبَةِ الْمَالِ وَإِنَّمَا صَرَفَ ذَلِكَ إلَى اخْتِيَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعِلْمِهِ بِأَفْضَلِ مَا تُصْرَفُ إلَيْهِ الصَّدَقَاتُ وَحَاجَتُهُ إلَى صَرْفِهَا فِي وُجُوهِهَا. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِطٍ لَهُ بِالْقُفِّ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ الثَّمَرِ وَالنَّخْلُ قَدْ ذُلِّلَتْ فَهِيَ مُطَوَّقَةٌ بِثَمَرِهَا فَنَظَرَ إلَيْهَا فَأَعْجَبَهُ مَا رَأَى مِنْ ثَمَرِهَا ثُمَّ رَجَعَ إلَى صَلَاتِهِ فَإِذَا هُوَ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَقَالَ لَقَدْ أَصَابَتْنِي فِي مَالِي هَذَا فِتْنَةٌ فَجَاءَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ وَقَالَ هُوَ صَدَقَةٌ فَاجْعَلْهُ فِي سُبُلِ الْخَيْرِ فَبَاعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِخَمْسِينَ أَلْفًا فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَالُ الْخَمْسِينَ) . (ش) : قَوْلُهُ بِالْقُفِّ الْقُفُّ مَا صَلُبَ مِنْ الْأَرْضِ وَاجْتَمَعَ وَأَصْلُ الْقُفُوفِ الِاجْتِمَاعُ وَمِنْهُ قَفَا شَعْرِك أَيْ اجْتَمَعَ وَتَقَبَّضَ وَقَوْلُهُ قَدْ ذُلِّلَتْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى مَعْنَى ذُلِّلَتْ مَالَتْ الثَّمَرَةُ بِعَرَاجِينِهَا فَبَرَزَتْ وَصَارَتْ كَالطَّوْقِ لِلنَّخْلَةِ. وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النَّخْلَ تُجْمَعُ عَرَاجِينُهَا بِحَبْلٍ أَوْ شَيْءٍ فَتَبْرُزُ الثَّمَرَةُ فَتَبِينُ لِلْخَرْصِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الثَّمَرَةَ تُفْتَلُ عَرَاجِينُهَا لِتُثْمِرَ وَرَوَى عِيسَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَتَمَكَّنَ الْخِرْصُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ الثَّمَرَةَ إذَا عَظُمَتْ وَبَلَغَتْ حَدَّ النُّضْجِ ثَقُلَتْ فَمَالَتْ بِعَرَاجِينِهَا فَهُوَ مَعْنَى تَذْلِيلِهَا وَهُوَ فِيمَا يَقَعُ فِي نَفْسِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ [الإنسان: ١٤] . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ هُوَ صَدَقَةٌ هَذِهِ اللَّفْظَةُ بِانْفِرَادِهَا تَقْتَضِي الْبِرَّ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ صَدَقَةً لِلَّهِ وَلِذَلِكَ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ اعْتِصَارُ صَدَقَتِهِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ فَإِنَّ لَهُ اعْتِصَارَهَا حَتَّى يَقُولَ هِبَةٌ لِلَّهِ وَتُفَارِقُ الصَّدَقَةُ

стр. 181

الْعَمَلُ فِي السَّهْوِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَلَبِسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ» ) ــ [المنتقى] الْهِبَةَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا قَالَ صَدَقَةٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ كَمُلَتْ الصَّدَقَةُ وَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى ذِكْرِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَالْهِبَةُ تَفْتَقِرُ إلَى ذِكْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَيِّنٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ أَنَّ مَا أَخْرَجَهُ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَلَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَلْزَمَ ذَلِكَ وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ مَعَ امْتِنَاعِهِ مِنْهُ. [الْعَمَلُ فِي السَّهْوِ] (ش) : لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَعْمَلُ عِنْدَ شَكِّهِ فِي صَلَاتِهِ مِنْ الْبِنَاءِ عَلَى يَقِينِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فَيَكُونَ الْأَخْذُ بِالزَّائِدِ الْمُفَسِّرِ أَوْلَى وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ لِهَذَا الْحَدِيثِ إلَى أَنَّ هَذَا فِي الْمُسْتَنْكِحِ وَقَالَ إنَّهُ لَوْ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فَمَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْيَقِينُ لَوَجَبَ أَنْ يَذْكُرَهُ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ تَعْلِيمٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخِلَّ فِيهِ بِبَعْضِ الْمَقْصُودِ وَهَذَا لَيْسَ بِبَيِّنٍ لِأَنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ فِيمَا يَرْعَاهُ مِنْ الِاسْتِنْكَاحِ لِأَنَّ مَنْ خَالَفَهُ أَنْ يَقُولَ هَذَا مَوْضِعُ تَعْلِيمٍ فَلَوْ أَرَادَ بِهِ الْمُسْتَنْكِحَ لَوَجَبَ أَنْ يُبَيِّنَهُ وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ بَيَّنَهُ وَلَكِنَّهُ حَفِظَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ وَنَسِيَهُ بَعْضُهُمْ فَيُؤْخَذُ بِرِوَايَةِ مَنْ حَفِظَ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى كُلِّ سَاهٍ وَأَنَّ حُكْمَهُ السُّجُودُ وَيَرْجِعُ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْمُصَلِّي فِيمَا شَكَّ فِيهِ وَفِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ مِنْ صَلَاتِهِ إلَى سَائِرِ الْأَحَادِيثِ الْمُفَسِّرَةِ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إنِّي لَأَنْسَى أَوْ أَنْسَى لِأَسُنَّ» ) . (ش) : قَوْلُهُ ﷺ إنِّي لَأَنْسَى أَوْ أَنْسَى لِأَسُنَّ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إلَى أَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ نَافِعٍ لَيْسَتْ لِلشَّكِّ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْسَى أَنَا أَوْ يُنْسِينِي اللَّهُ تَعَالَى وَيَحْتَاجُ هَذَا إلَى بَيَانٍ لِأَنَّهُ أَضَافَ أَحَدَ النِّسْيَانَيْنِ إلَيْهِ وَالثَّانِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا نَسِيَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ أَنْسَاهُ أَيْضًا وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بِهِ لَأَنْسَى فِي الْيَقِظَةِ أَوْ أَنْسَى فِي النَّوْمِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَنَامُ قَلْبُهُ وَإِنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى النِّسْيَانِ فَأَضَافَ النِّسْيَانَ فِي الْيَقَظَةِ إلَيْهِ لِأَنَّهَا حَالُ التَّحَرُّزِ فِي غَالِبِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَأَضَافَ النِّسْيَانَ فِي النَّوْمِ إلَى غَيْرِهِ أَمَّا لِأَنَّهَا كَانَتْ حَالًا يُمْكِنُ فِيهَا التَّحَرُّزُ وَلَا يُمْكِنُ فِيهَا مَا يُمْكِنُ فِي حَالِ الْيَقِظَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُرِيدُ إنِّي لَأَنْسَى عَلَى حَسَبِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ النِّسْيَانِ مَعَ السَّهْوِ وَالذُّهُولِ عَنْ الْأَمْرِ أَوْ أَنْسَى مَعَ تَذَكُّرِ الْأَمْرِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ وَالتَّفَرُّغِ لَهُ فَأَضَافَ أَحَدَ النِّسْيَايَيْنِ إلَى نَفْسِهِ لَمَّا كَانَ لَهُ بَعْضُ السَّبَبِ فِيهِ وَأَضَافَ النِّسْيَانَ الْآخَرَ إلَى غَيْرِهِ لَمَّا كَانَ كَالْمُضْطَرِّ إلَيْهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَيْسَ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ» فَنَفَى أَنْ يُضِيفَ الْإِنْسَانُ النِّسْيَانَ هَاهُنَا إلَى نَفْسِهِ. وَقَدْ قَالَ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مَا كَانَ يُنْسَخُ مِنْ الْقُرْآنِ بِالنِّسْيَانِ يَنْسَاهُ جَمِيعُ النَّاسِ فَلَا يَبْقَى فِي حِفْظِ أَحَدٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ نَسْخَهُ لَهُ وَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ النِّسْيَانُ الْمُعْتَادُ مِنْ السَّهْوِ الْمُعْتَادِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لِأُسِنَّ يُرِيدُ لِأَرْسُمَ لَكُمْ النِّسْيَانَ وَالسَّهْوَ وَمَا يُتَلَقَّى بِهِ مِنْ إفْسَادِ الْعِبَادَةِ أَوْ إدْخَالِ

стр. 182

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقَالَ إنِّي أَهِمُ فِي صَلَاتِي فَيَكْثُرُ ذَلِكَ عَلَيَّ فَقَالَ الْقَاسِمُ امْضِ فِي صَلَاتِك فَإِنَّهُ لَنْ يَذْهَبَ عَنْك حَتَّى تَنْصَرِفَ وَأَنْتَ تَقُولُ مَا أَتْمَمْت صَلَاتِي) . الْعَمَلُ فِي غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقَرْنَ وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» ) . ــ [المنتقى] النَّقْصِ فِيهَا وَمَا يَجِبُ لِذَلِكَ مِنْ سُجُودٍ أَوْ غَيْرِهِ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقَالَ إنِّي أَهِمُ فِي صَلَاتِي فَيَكْثُرُ ذَلِكَ عَلَيَّ فَقَالَ الْقَاسِمُ امْضِ فِي صَلَاتِك فَإِنَّهُ لَنْ يَذْهَبَ عَنْك حَتَّى تَنْصَرِفَ وَأَنْتَ تَقُولُ مَا أَتْمَمْت صَلَاتِي) . (ش) : هَذَا الْقَوْلُ مِنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الَّذِي يَسْتَنْكِحُهُ السَّهْوُ وَالْوَهْمُ فَلَا يَكَادُ يَثْبُتُ لَهُ يَقِينٌ وَذَلِكَ أَنَّ السَّاهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٍ يُمْكِنُهُ التَّيَقُّنُ لِأَنَّ السَّهْوَ يَقَعُ مِنْهُ نَادِرًا وَضَرْبٍ يَكْثُرُ مِنْهُ السَّهْوُ حَتَّى لَا يَكَادُ يَحْصُلُ لَهُ يَقِينٌ فَهَذَا مِنْ بَابِ الْوَسْوَاسِ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ قَبْلَ هَذَا. وَأَمَّا الثَّانِي: فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ امْضِ عَلَى صَلَاتِكَ وَلَا تَلْتَفِتْ إلَى السَّهْوِ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْبِنَاءَ عَلَى الْيَقِينِ لَمْ تَتِمَّ لَهُ صَلَاةٌ وَهَلْ يَسْجُدُ أَمْ لَا رَوَى ابْنُ نَافِعٍ وَأَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَسْجُدُ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ وَإِنْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ فَحَسَنٌ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ يَسْجُدُ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ. وَجْهُ رِوَايَةِ الْمَدَنِيِّينَ أَنَّهُ لَمَّا اسْتَنْكَحَهُ السَّهْوُ اسْتِنْكَاحًا وَجَبَ إطْرَاحُهُ وَوَجَبَ أَيْضًا أَنْ يَطْرَحَ مَا يُوجِبُهُ مِنْ سُجُودِ السَّهْوِ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا سَهْوٌ فِي الصَّلَاةِ وَجَبَ أَنْ يَجْبُرَ نَقْصَهُ بِالسُّجُودِ كَالنَّادِرِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ السُّجُودِ فَمَتَى يَسْجُدُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ سَهْوَهُ زِيَادَةٌ فِي صَلَاتِهِ وَسُجُودَهُ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ وَلَا تَأْثِيرَ لِتَجْوِيزِ النَّقْصِ وَلَوْ كَانَ لَهُ تَأْثِيرٌ لَمَا أَجْزَأَ عَنْهُ السُّجُودُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْصُ مَا لَا يُجْزِئُ عَنْهُ السُّجُودُ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَجُوزُ النُّقْصَانَ وَيَجُوزُ الزِّيَادَةَ فَوَجَبَ أَنْ يُغَلِّبَ حُكْمَ النُّقْصَانِ كَمَا لَوْ تَيَقَّنَهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَا هُنَا قِسْمٌ ثَانٍ مِنْ كَثْرَةِ السَّهْوِ حَكَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ يَلْزَمُهُ السَّهْوُ وَيَكْثُرُ عَلَيْهِ يَنْسَى وَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ يُرِيدُ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَنْكَحَهُ السَّهْوُ وَأَمَّا الَّذِي يَكْثُرُ عَلَيْهِ الشَّكُّ فَلَا يَدْرِي أَسَهَا أَمْ لَمْ يَسْهُ إلَّا أَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَهَا وَنَقَصَ فَهَذَا لَا يَنْسَى وَيُجْزِئُ سُجُودُ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ فَفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ تَيَقَّنَ السَّهْوَ وَبَيْنَ مَنْ يَجُوزُهُ فَجَعَلَ مَنْ تَيَقَّنَهُ يَلْزَمُهُ إتْيَانُهُ وَمَنْ يَجُوزُهُ يَسْجُدُ لَهُ وَلَا يُكْمِلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْعَمَلُ فِي غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ] (ش) : قَوْلُهُ مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ غُسْلًا عَلَى صِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْجُنُبَ الْمُغْتَسِلَ لِجَنَابَتِهِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ أَوْجَبَ عَلَى غَيْرِهِ الْغُسْلَ بِالْجِمَاعِ وَاغْتَسَلَ هُوَ مِنْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ إلَى قَوْلِهِ الْخَامِسَةِ ذَهَبَ مَالِكٌ ﵀ إلَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَّ هَذِهِ أَجْزَأُ مِنْ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ وَلَمْ يَرَ التَّبْكِيرَ لَهَا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَذَهَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي السَّاعَاتِ الْمَعْلُومَاتِ وَأَنَّ أَفْضَلَ الْأَوْقَاتِ فِي ذَلِكَ أَوَّلُ سَاعَاتِ النَّهَارِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ

стр. 183

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ» ) . ــ [المنتقى] السَّاعَةَ السَّادِسَةَ مِنْ النَّهَارِ لَمْ يَذْكُرْ فَضِيلَةَ مَنْ رَاحَ فِيهَا وَلَيْسَتْ بِوَقْتِ قُعُودِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَا بِوَقْتِ اسْتِمَاعِ الذِّكْرِ مِنْهُ وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ تَرْتَفِعُ فَضِيلَةُ الرَّوَاحِ وَتَحْضُرُ الْمَلَائِكَةُ لِلذِّكْرِ وَإِنَّ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِالسَّاعَةِ الْخَامِسَةِ وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ السَّاعَةَ الْخَامِسَةَ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ لِأَنَّ السَّاعَةَ السَّادِسَةَ تَفْصِلُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْخَامِسَةِ وَإِذَا بَطَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ أَجْزَاءٌ مِنْ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ وَتِلْكَ السَّاعَةُ يَصِحُّ تَجْزِئَتُهَا عَلَى خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ وَدَلِيلٌ ثَانٍ مِنْ الْحَدِيثِ وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى وَالرَّوَاحُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَالِكًا ﵀ كَرِهَ الرَّوَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ عِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هُوَ الْمُخْتَارُ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَالْمَشْيُ إلَى الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ إلَّا أَنْ يُتْعِبَهُ ذَلِكَ لِمَاءٍ وَطِينٍ أَوْ بُعْدِ مَكَان وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ قَالَ أَدْرَكَنِي أَبُو عِيسَى وَأَنَا أَذْهَبُ إلَى الْجُمُعَةِ فَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ يُرِيدُ بِهِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي الْجَامِعِ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِمَّا كَانَ مَسْتُورًا فِيهِ مِنْ مَنْزِلٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِ فَضِيلَةِ التَّهْجِيرِ إلَى الْجُمُعَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ وَعَلَى مِقْدَارِ ذَلِكَ جَعَلَ فِي الْحَدِيثِ فَضَائِلَهُمْ وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَطْوُونَ صُحُفَهُمْ إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ وَاسْتَمَعُوا الذِّكْرَ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا تَكْتُبُ فَضِيلَةَ مَنْ يَأْتِي ذَلِكَ الْوَقْتَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ غَيْرَ الْحَفَظَةِ لِأَنَّ الْحَفَظَةَ لَا يُفَارِقُونَ بَنِي آدَمَ وَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ مَخْصُوصُونَ بِكَتْبِ هَذَا الْعَمَلِ. (ش) : قَوْلُهُ غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إضَافَةُ الْغُسْلِ إلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو الْيَوْمُ مِنْ إتْيَانِ الْجُمُعَةِ وَقَوْلُهُ وَاجِبٌ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ هَذَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ رَوَاهُ طَاوُسٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَقٌّ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا» وَطَاوُسٌ أَثْبَتُ مِنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَلَفْظُ الْحَقِّ يَكُونُ بِمَعْنَى الْوُجُوبِ وَيَكُونُ بِمَعْنَى النَّدْبِ فَإِنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَتَنَوَّعُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. (فَصْلٌ) : وَإِضَافَةُ وُجُوبِهِ إلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ لِجَرَيَانِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِمْ وَتَوَجُّهِ الْأَوَامِرِ إلَيْهِمْ وَقَوْلُهُ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ يَعْنِي صِفَةَ الْغُسْلِ وَاسْتِيعَابَهُ الْجَسَدَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ «دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ فَقَالَ عُمَرُ أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ انْقَلَبْتُ مِنْ السُّوقِ فَسَمِعْت النِّدَاءَ فَمَا زِدْت عَلَى أَنْ تَوَضَّأْت فَقَالَ عُمَرُ الْوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ» ) . (ش) : قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ لَيْسَتْ مِنْ سَاعَاتِ الرَّوَاحِ إلَى الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ وَقْتٌ طُوِيَتْ فِيهِ الصُّحُفُ وَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ فِي خُطْبَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَا يَكُونُ لَاغِيًا وَإِنَّ لِمَنْ خَاطَبَهُ الْإِمَامُ أَنْ يُجَاوِبَهُ عَمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ وَلَا يَكُونُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ لَاغِيًا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ كَلَّمَهُ الْإِمَامُ فَرَدَّ عَلَيْهِ لَمْ أَرَهُ لَاغِيًا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْصَاتَ إنَّمَا هُوَ لِلْإِمَامِ وَالْإِصْغَاءَ إلَيْهِ

стр. 184

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» ) . ــ [المنتقى] وَإِلَى كَلَامِهِ فَإِذَا سَأَلَهُ عَنْ أَمْرٍ فَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ فَلَيْسَ بِمُفْتَاتٍ عَلَيْهِ وَلَا مُعْرِضٍ عَنْهُ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمَا أَنْ يَتَكَلَّمَ حِينَئِذٍ لِأَنَّ مَا يَأْمُرُ الْإِمَامُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ وَيَسْأَلُ بِسَبَبِهِ وَيُجَابُ عَنْهُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْخُطْبَةِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ تَبْلِيغُهُ إلَى الْجَمَاعَةِ وَإِعْلَامُهُمْ بِهِ فَلَا يَجُوزُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ بِالتَّكَلُّمِ كَمَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْخُطْبَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَهُوَ الْمُخَاطِبُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دَعَا بِذَلِكَ انْقَلَبْتُ مِنْ السُّوقِ فَسَمِعْت النِّدَاءَ إظْهَارٌ مِنْهُ لِعُذْرِهِ الْمُبَاحِ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يُقِيمُ لِعَقْدِ بَيْعٍ أَوْ شُغُلٍ إلَى وَقْتِ النِّدَاءِ وَفِيهِ أَنَّ الْبَيْعَ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ ذَلِكَ الْيَوْمَ إلَى حِينِ وَقْتِ النِّدَاءِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الجمعة: ٩] وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِهِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ تَرْكُهُ وَهَذَا كُلُّهُ يَقْتَضِي جَوَازَ الْعَمَلِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَى وَقْتِ الْأَذَانِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَكْرَهُونَ تَرْكَ الْعَمَلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى نَحْوِ تَعْظِيمِ الْيَهُودِ لِلسَّبْتِ وَالنَّصَارَى لِلْأَحَدِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَمَا زِدْت عَلَى أَنْ تَوَضَّأْت اعْتِذَارٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشْتَغِلْ بِغَيْرِ الْفَرْضِ مُبَادَرَةً إلَى سَمَاعِ الْخُطْبَةِ وَالذِّكْرِ وَقَوْلُ عُمَرَ الْوُضُوءَ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْت أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ مَعْنَاهُ أَنَّك مَعَ مَا فَاتَكَ مِنْ التَّهْجِيرِ فَاتَتْك فَضِيلَةُ الْغُسْلِ الَّذِي قَدْ عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِهِ تَذْكِيرًا لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَضًّا لَهُ عَلَى أَنْ لَا يَفُوتَهُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ مِنْ فَضِيلَةِ مَا فَاتَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ إلَّا أَنَّ عُمَرَ رَأَى اشْتِغَالَهُ بَعْدُ بِاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ أَوْلَى مِنْ خُرُوجِهِ إلَى فَضِيلَةِ الْغُسْلِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُ وَلَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ قُعُودَهُ وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ مَا مَضَى مِنْ تَرْكِهِ الْغُسْلَ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لَهُ عَلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عِنْدَ سَعَةِ الْوَقْتِ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وُجُوبًا يَعْصِي تَارِكُهُ وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ عَلَى مَعْنَى التَّأْكِيدِ لِحُكْمِهِ وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ لَسَارَعَ إلَى الْإِنْكَارِ عَلَى عُثْمَانَ وَالْأَمْرِ بِالْقِيَامِ إلَى الِاغْتِسَالِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرِ دَاوُد فَإِنَّهُ يَقُولُ إنَّ الْغُسْلَ وَاجِبٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ خَبَرُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْمَذْكُورُ فَهُوَ إجْمَاعٌ يَجِبُ الْتِزَامُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ. ش: مَعْنَى الْوُجُوبِ تَأَكُّدُ لُزُومِهِ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى مَعْنَى تَأْكِيدِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَيُقَالُ يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَيُكْثِرَ النَّوَافِلَ الْمُوَصِّلَةَ لَهُ إلَى رِضَاهُ. وَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ سُلَيْمٍ أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ وَقَالَ أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ وَأَنْ يَسْتَنَّ وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إنْ وَجَدَ» قَالَ عُمَرُ فَأَمَّا الْغُسْلُ فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَأَمَّا الِاسْتِنَانُ وَالطِّيبُ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لَا وَلَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وُجُوبُ الِاسْتِنَانِ وَالطِّيبِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَأَكُّدُ حُكْمِهِ دُونَ إيجَابِهِ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ بِمَعْنَى مَنْ يَلْزَمُهُ لِحَقِّهِ فَيُقَالُ يَجِبُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَنْظُرَ لِنَفْسِهِ وَأَنْ يَتَرَفَّقَ طَرِيقَهُ وَلَا يَصْحَبَ إلَّا مَنْ يَأْمَنُهُ وَهَذَا اللَّفْظُ فِي الْحَدِيثِ يَصِحُّ أَنْ يُسْتَعْمَلَ مَعَ الْوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى مَعْنَى تَأْكِيدِ النَّدْبِ إلَيْهِ وَالثَّانِي وُجُوبُهُ لِمَا يَخُصُّ الْإِنْسَانَ وَيَلْزَمُهُ لِحَقِّ نَفْسِهِ مِنْ التَّجَمُّلِ بَيْنَ أَتْرَابِهِ وَجِيرَانِهِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ تَجَمُّلِهِمْ وَأَخْذِهِ بِالْحَظِّ

стр. 185

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» ) . ــ [المنتقى] مِنْ الزِّينَةِ الْمُبَاحَةِ وَلَا يُضَيِّعُ حَظَّهُ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْوُجُوبِ يَقْتَضِي اللُّزُومَ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ بِمَعْنَى الْفَرْضِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ لَخُصَّ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَعُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى الْجُنُبِ الرَّائِحِ إلَى الْجُمُعَةِ. وَأَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إلَى وُجُوبِهِ وَأَنَّهُ أَيُّ وَقْتٍ اغْتَسَلَ مِنْ الْيَوْمِ أَجْزَأَهُ سَوَاءٌ اغْتَسَلَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ عُثْمَانَ الْمُتَقَدِّمُ وَمَا اقْتَرَنَ بِهِ مِنْ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» قَالَ ثَعْلَبٌ يُقَالُ إنْ فَعَلْت كَذَا فَبِهَا وَنِعْمَتْ بِالتَّاءِ وَالْعَامَّةُ تَقُولُ فَبِهَا وَنِعْمَهْ وَتَقِفُ بِالْهَاءِ. وَقَالَ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ ثَعْلَبٍ هُوَ الصَّوَابُ وَأَنْ تَكُونَ التَّاءُ خَطَأً لِأَنَّ الْكُوفِيِّينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ نِعْمَ وَبِئْسَ اسْمَانِ وَالْأَسْمَاءُ يَدْخُلُ فِيهَا الْهَاءُ بَدَلَ تَاءِ التَّأْنِيثِ وَالْبَصْرِيُّونَ يَقُولُونَ هُمَا فِعْلَانِ مَاضِيَانِ وَالْأَفْعَالُ تَلِيهَا تَاءُ التَّأْنِيثِ وَلَا يَلْحَقُهَا الْهَاءُ فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ لَا يَنْقُضُهَا الْحَدَثُ فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً كَالطَّهَارَةِ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّدِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ يَقْتَضِي تَعَلُّقَ هَذَا الْحُكْمِ مِنْ الْعِبَادَاتِ بِالِاحْتِلَامِ دُونَ الْإِنْبَاتِ وَهِيَ الْخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَيَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِالرِّجَالِ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ تَذْكِيرٍ مَعَ أَنَّ الِاحْتِلَامَ مُعْتَبَرٌ فِيهِمْ وَعَامٌّ لَهُمْ وَأَمَّا الِاحْتِلَامُ فِي النِّسَاءِ فَنَادِرٌ وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ فِيهِنَّ بِالْحَيْضِ. (ش) : قَوْلُهُ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ جَعَلَ الْجُمُعَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْمًا لِلصَّلَاةِ وَأَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ مَنْ جَاءَهَا وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَعَلُّقَ الِاغْتِسَالِ بِالصَّلَاةِ دُونَ الْيَوْمِ وَقَوْلُهُ فَلْيَغْتَسِلْ أَمْرٌ وَالْأَمْرُ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَيَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى النَّدْبِ بِدَلِيلٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْغُسْلُ لِلْجُمُعَةِ مَنْ يَأْتِيهَا مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ الرَّجُلُ الْمُقِيمُ الْحُرُّ الْبَالِغُ الْمُسْتَطِيعُ وَكَذَلِكَ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مِنْ مُسَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ امْرَأَةٍ إذَا أَتَوْا الْجُمُعَةَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ وَهُوَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْمُخْتَصَرِ عَنْ مَالِكٍ تَقْسِيمٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا يَلْزَمُ الْغُسْلُ مَنْ يَأْتِيهَا لِفَضْلِ الْجُمُعَةِ كَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالْمُقِيمِ وَكَذَلِكَ الْمُسَافِرُ يَأْتِيهَا لِلْفَضْلِ فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْهَا الْمُسَافِرُ لِلْفَضْلِ وَإِنَّمَا شَهِدَهَا لِلصَّلَاةِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ وَالْأَوَّلُ أَبْيَنُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيَلْزَمُ الْآتِيَ لِلْجُمُعَةِ مَعَ الْغُسْلِ الطِّيبُ وَالزِّينَةُ وَحُسْنُ الْهَيْئَةِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَفَقَّدَ فِطْرَةَ جَسَدِهِ مِنْ قَصِّ شَارِبِهِ وَأَظْفَارِهِ وَنَتْفِ إبْطِهِ وَسِوَاكِهِ وَاسْتِحْدَادِهِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّجَمُّلَ فِيهِ مَشْرُوعٌ وَهَذِهِ كُلُّهَا مِنْ بَابِ التَّجَمُّلِ وَالتَّنَظُّفِ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلَ نَهَارِهِ وَهُوَ يُرِيدُ بِذَلِكَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ الْغُسْلَ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ حَتَّى يَغْتَسِلَ لِرَوَاحِهِ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» ) . (ش) : ذَهَبَ مَالِكٌ ﵀ إلَى أَنَّ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ يَكُونُ مُتَّصِلًا بِالرَّوَاحِ لَهَا وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَصِحُّ أَنْ يَغْتَسِلَ لَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَالَ وَأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَتَّصِلَ غُسْلُهُ بِرَوَاحِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَاحْتَجَّ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» . وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ مَنْ جَاءَ الْجُمُعَةَ بِالِاغْتِسَالِ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ اغْتِسَالَهُ لِلْمَجِيءِ لَهَا وَيَجِبُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَبْقَى أَثَرُهُ إلَى وَقْتِ الْإِتْيَانِ لَهَا وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ اغْتِسَالُهُ مُتَّصِلًا بِرَوَاحِهِ وَأَمَّا مَنْ اغْتَسَلَ أَوَّلَ نَهَارِهِ

стр. 186

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُعَجِّلًا أَوْ مُؤَخِّرًا وَهُوَ يَنْوِي بِذَلِكَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ فَأَصَابَهُ مَا يَنْقُضُ وُضُوءَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْوُضُوءُ وَغُسْلُهُ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ) . ــ [المنتقى] ثُمَّ نَامَ وَتَصَرَّفَ فَإِنَّ أَثَرَ غُسْلِهِ لَا يَبْقَى وَلِذَلِكَ قَالَ مَنْ أَتَى الْعِيدَ فَلْيَتَجَمَّلْ وَلْيَلْبَسْ أَفْضَلَ ثِيَابِهِ فَفُهِمَ مِنْهُ اسْتِصْحَابُ ذَلِكَ فِي إتْيَانِهِ إلَى الْعِيدِ وَلَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ أَنْ يَتَجَمَّلَ ثُمَّ يُزِيلَ ذَلِكَ وَيَرْجِعَ إلَى حَالِ الْبَدَاوَةِ حِينَ خُرُوجِهِ إلَى الْعِيدِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ مِنْ الْعَوَالِي فَيُصِيبُهُمْ الْغُبَارُ فَيَخْرُجُ مِنْهُمْ الْعَرَقُ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَوْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا» فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالِاغْتِسَالِ لِمَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْهُمْ مِنْ الْعَرَقِ وَالرَّائِحَةِ بِحُضُورِ الْجُمُعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ مُعَجِّلًا أَوْ مُؤَخِّرًا يُرِيدُ بِالتَّعْجِيلِ أَنْ يُعَجِّلَ غُسْلَهُ وَرَوَاحَهُ وَالْمُؤَخِّرُ أَنْ يُؤَخِّرَ غُسْلَهُ وَرَوَاحَهُ وَقَوْلُهُ وَهُوَ يَنْوِي بِذَلِكَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ يَقْتَضِي أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ يُنْوَى وَيُقْصَدُ ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَلَوْ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى النِّيَّةِ عِنْدَهُ لَمَا أَثَّرَ فِيهِ وُجُودُهَا وَلَا عَدَمُهَا كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَشْهَبَ وَابْنِ شَعْبَانَ أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى افْتِقَارِهِ إلَى النِّيَّةِ أَنَّهُ غُسْلٌ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ فَافْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ. وَوَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِالنِّيَّةِ أَنَّهُ تَأَكَّدَ وَتَعَدَّى عَلَى مُوجِبِهِ حَتَّى لَحِقَ بِالسُّنَنِ وَالْعِبَادَاتِ الَّتِي تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ اخْتَصَّ بِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ لَاخْتَصَّ بِالْمَوَاضِعِ الْمُوجِبَةِ لِذَلِكَ وَبِمَنْ يُتَوَقَّعُ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَمَّا شَمِلَ جَمِيعَ الْجَسَدِ وَلَزِمَ التَّنْظِيفُ لِلْجَسَدِ الَّذِي يُؤْمَنُ مِنْهُ وُجُودُ رَائِحَةٍ تَتَعَدَّى مَحِلَّ مُوجِبِهِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ فَلَحِقَ بِالسُّنَنِ الَّتِي تَلْزَمُ فِيهَا النِّيَّةُ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ ثَبَتَ بِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي ثُمَّ يَتَعَدَّى ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَيَجِبُ مَعَ عَدَمِهِ وَيَلْحَقُ بِالسُّنَنِ وَالْعِبَادَاتِ كَمَا قُلْنَا فِي الرَّمَلِ حَوْلَ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ كَانَ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ لِلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ ثَبَتَ مَعَ عَدَمِ الْمُشْرِكِينَ وَمَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ فَلَحِقَ بِالسُّنَنِ وَالْعِبَادَاتِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ فَمَنْ اغْتَسَلَ يَنْوِي الْجُمُعَةَ وَالْجَنَابَةَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُجْزِئُهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَغْتَسِلَ لِجَنَابَتِهِ وَيَنْوِي أَنْ يُجْزِئُهُ عَنْ غُسْلِ جُمُعَتِهِ. وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَالْجَنَابَةَ مُوجِبُهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْغُسْلُ وَهِيَ عِبَادَةٌ تَتَدَاخَلُ فَجَازَ أَنْ يَفْعَلَ لَهُمَا كَالْوُضُوءِ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالنَّوْمِ وَمَسِّ الذَّكَرِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. وَوَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّ نِيَّةَ الْجُمُعَةِ تَقْتَضِي النَّفَلَ وَنِيَّةَ الْجَنَابَةِ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَمُقْتَضَى أَحَدِهِمَا يُنَافِي الْآخَرَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعْنِيَ بِذَلِكَ أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ فَإِذَا نَوَاهُ مَعَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ الَّذِي يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ مَنَعَ ذَلِكَ صِحَّةَ النِّيَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذَا الْبَابِ مُسْتَوْعَبًا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مَا أَصَابَهُ مَا يَنْقُضُ وُضُوءَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْوُضُوءُ وَغُسْلُهُ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْغُسْلَ لَا يُنَافِيهِ الْحَدَثُ وَلَا يُنَافِيهِ الْعَرَقُ وَالصُّنَانُ وَلِذَلِكَ لَوْ لَمْ يُحْدِثْ وَطَالَ مَقَامُهُ بَعْدَ اغْتِسَالِهِ لَانْتَقَضَ غُسْلُهُ وَلَوْ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَكَلَ أَوْ نَامَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ غُسْلَهُ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ وَذَلِكَ إذَا أَرَادَ النَّوْمَ فَأَمَّا مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ فَكَنَوْمِ الْمُحْتَبِي. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَعْرِيفِهِ إنْ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ نَهَارِهِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ تَشَاغَلَ بَعْدَ الْغُسْلِ أَعَادَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ إنَّمَا يُجْزِئُهُ اغْتِسَالُهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ سَعْيُهُ إلَى الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّأَخُّرَ إلَى وَقْتِ الرَّوَاحِ هُوَ الْمَشْرُوعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ اغْتَسَلَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ مَسَافَةٌ فَذَهَبَ فِيهَا أَثَرُ الْغُسْلِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْغُسْلِ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ يَأْتِي الْجُمُعَةَ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ رُبَّ دَابَّةٍ سَرِيعَةِ الْمَشْيِ وَأُخْرَى الْمَشْيُ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِهَا فَإِعَادَةُ الْغُسْلِ فِي مِثْلِ هَذَا

стр. 187

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ لَغَوْت» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُصَلُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ فَإِذَا خَرَجَ عُمَرُ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ قَالَ ثَعْلَبَةُ جَلَسْنَا نَتَحَدَّثُ فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ وَقَامَ عُمَرُ يَخْطُبُ أَنْصَتْنَا فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مِنَّا أَحَدٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَخُرُوجُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَكَلَامُهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ) . ــ [المنتقى] أَحَبُّ إلَيَّ وَمَا هُوَ بِالْبَيِّنِ وَفِيهِ سَعَةٌ وَمَنْ كَانَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا فَاغْتَسَلَ لَمْ يُجْزِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ مَا جَاءَ فِي الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ] (ش) : مَعْنَى هَذَا الْمَنْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمَنْعُ مِنْ الْكَلَامِ إذَا خَطَبَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَكَّدَ ذَلِكَ ﷺ بِأَنَّ مَنْ أَمَرَ حِينَئِذٍ غَيْرَهُ بِالصَّمْتِ فَهُوَ لَاغٍ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى مِنْ الْكَلَامِ بِمَا نُهِيَ عَنْهُ كَمَا أَنَّ مَنْ نَهَى فِي الصَّلَاةِ مُصَلِّيًا عَنْ الْكَلَامِ فَقَدْ أَفْسَدَ عَلَى نَفْسِهِ صَلَاتَهُ وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى أَنَّ الْآمِرَ بِالصَّمْتِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ لَاغٍ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ كُلَّ مُكَلِّمٍ غَيْرَهُ لَاغٍ وَاللَّغْوُ رَدِيءُ الْكَلَامِ وَمَا لَا خَيْرَ فِيهِ مِنْهُ قَالَ الدَّاوُدِيُّ تَرْكُ اللَّغْوِ وَرَفَثُ التَّكَلُّمِ وَالْإِنْصَاتُ لِلْخُطْبَةِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ شَهِدَهَا سَمِعَهَا أَوْ لَمْ يَسْمَعْهَا قَالَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ لَا يَجُوزُ الْإِنْصَاتُ إلَّا إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ خَاصَّةً وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَجِبُ الْإِنْصَاتُ عَلَى مَنْ سَمِعَ الْخُطْبَةَ دُونَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ عَامٌّ فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّ مَعْنَى قَدْ لَغَوْت أَنَّك أَمَرْت بِالْإِنْصَاتِ مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَنَا فِي الْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ لَاغِيًا لِأَجْلِ أَمْرِهِ لِأَنَّ الْإِنْصَاتَ مَأْمُورٌ بِهِ فِي الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَاغِيًا لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي وَقْتٍ هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْكَلَامِ فِيهِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ ثُمَّ إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ أَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» . (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ مَنْ حَضَرَ الْجُمُعَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ فِيهِ عِبَادَةٌ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَضَرْبٌ لَا عِبَادَةَ فِيهِ فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ مَمْنُوعٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَأَمَّا مَا فِيهِ عِبَادَةٌ فَإِنَّ كَثِيرَهُ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ مَشْرُوعَةٌ لِمَعْنَى التَّذْكِيرِ وَالْوَعْظِ وَأَمْرُ الْإِمَامِ وَنَهْيُهُ وَتَعْلِيمُهُ فَهُوَ ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ يُفَوِّتُ مَا قُصِدَ بِهَا وَمَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لَا يُفَوِّتُهُ وَأَمَّا يَسِيرُ الذِّكْرِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ يَخْتَصُّ بِهِ كَحَمْدِ اللَّهِ عِنْدَ الْعُطَاسِ وَالتَّعَوُّذِ مِنْ النَّارِ عِنْدَ ذِكْرِهَا فَهَذَا خَفِيفٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَشْغَلُ عَنْ الْإِصْغَاءِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِنْصَاتِ إلَى الْخُطْبَةِ. وَقَالَ أَشْهَبُ الْإِنْصَاتُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ وَإِنْ فَعَلُوا فَسِرًّا فِي أَنْفُسِهِمْ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: لَا يَخْتَصُّ بِهِ مِثْلُ أَنْ يَعْطِسَ غَيْرُهُ فَيُشَمِّتَهُ فَهَذَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ. وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ إذَا قَرَأَ الْإِمَامُ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فَلْيُصَلِّ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا دَعَا الْإِمَامُ فِي خُطْبَتِهِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ أَمَّنَ النَّاسُ وَجَهَرُوا جَهْرًا لَيْسَ بِالْعَالِي قَالَ وَذَلِكَ فِيمَا يَنُوبُ النَّاسَ مِنْ قَحْطٍ أَوْ غَيْرِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ بِدُعَائِهِ مُسْتَدْعٍ تَأْمِينَهُمْ وَآذِنٌ فِيهِ وَكَذَلِكَ إذَا قَرَأَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الْآيَةَ مُسْتَدْعٍ مِنْهُمْ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ ﷺ تَسْلِيمًا فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي إبَاحَتِهِ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي صِفَةِ النُّطْقِ بِهِ مِنْ سِرٍّ وَجَهْرٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْإِنْصَاتُ الْمَذْكُورُ لَازِمٌ مِنْ وَقْتِ يَشْرَعُ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ إلَى أَنْ تَكْمُلَ الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ. ش: قَوْلُهُ كَانُوا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُصَلُّونَ يَوْمَ

стр. 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْجُمُعَةِ يَعْنِي الْمُهَجِّرِينَ إلَى الْجُمُعَةِ يُصَلُّونَ فَإِذَا خَرَجَ عُمَرُ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقْتَضِي اسْتِقْرَاءَهُ لِلْعَمَلِ وَتَتَبُّعَهُ الْأَخْبَارَ عِنْدَ اتِّصَالِ خُرُوجِهِ عَلَى النَّاسِ بِارْتِقَائِهِ الْمِنْبَرَ وَلَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِرُكُوعٍ وَلَا غَيْرِهِ وَهَذِهِ السُّنَّةُ أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ إلَى الْمَسْجِدِ فَيَرْقَى الْمِنْبَرَ بِإِثْرِ دُخُولِهِ وَلَا يَرْكَعُ لِأَنَّ دُخُولَهُ الْمَسْجِدَ يَمْنَعُ صَلَاةَ النَّافِلَةِ وَيَقْتَضِي الْأَخْذَ فِي الْغَرَضِ مِنْ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ بَعْدَهَا وَإِنَّمَا يَرْكَعُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ مَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ وَأَمَّا مَتَى شَرَعَ فِي الْغَرَضِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ رُكُوعٌ. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ حُكْمُ الْإِمَامِ إذَا صَعِدَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَنْ يَجْلِسَ وَلَا يُسَلِّمَ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ شِهَابٍ مَنْ فِعْلِ عُمَرَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ كَانَ مِمَّنْ إذَا دَخَلَ رَقِيَ الْمِنْبَرَ وَوَقَفَ إلَى جَنْبِهِ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّاسِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مَعَ النَّاسِ رَكَعَ أَوْ لَمْ يَرْكَعْ فَإِنَّهُ لَا يُسَلِّمُ إذَا جَلَسَ لِلْخُطْبَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُسَلِّمُ إذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَمْ يَفْصِلْ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُتَّصِلُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ فِيمَا طَرِيقُهُ الْخَبَرُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَوْضِعُ شُغُلٍ بِافْتِتَاحِ عِبَادَةٍ فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِ السَّلَامُ عَلَى النَّاسِ كَافْتِتَاحِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فَإِنَّهُ يَجْهَرُ بِالسَّلَامِ فَيُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَنْ سَمِعَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ حُكْمِ الْمُسَلِّمِ أَنْ يُسْمِعَ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَوْ بَعْضَهُمْ وَيَلْزَمُ الرَّدُّ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا خِلَافَ فِي الْجُلُوسِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَمَّا فِي سَائِرِ الْخُطَبِ فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَجْلِسُ لِأَنَّ ارْتِقَاءَ الْمِنْبَرِ لِلْخُطْبَةِ يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ فَكَانَ مِنْ سُنَّتِهِ الْجُلُوسُ كَالِارْتِقَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجْلِسُ لِأَنَّ الْجُلُوسَ إنَّمَا شُرِعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ انْتِظَارًا لِفَرَاغِ الْمُؤَذِّنِينَ مِنْ الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَا أَذَانَ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ فَلَا مَعْنَى لِلْجُلُوسِ فِي أَوَّلِهَا. (فَصْلٌ) : وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَجَلَسْنَا نَتَحَدَّثُ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِبَاحَةَ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى صَلَاةٍ حَتَّى إذَا خَرَجَ عُمَرُ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ وَهَذَا أَبْيَنُ فِي تَرْكِهِمْ مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَانْتِقَالِهِمْ إلَى حَالٍ أُخْرَى غَيْرِهَا وَهُوَ الْحَدِيثُ وَأَمَّا الْإِنْصَاتُ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ الْإِنْصَاتُ إذَا قَعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَقَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْخُطْبَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْصَاتَ إنَّمَا هُوَ لِلْإِصْغَاءِ إلَى الْخُطْبَةِ وَقَبْلَ أَنْ يَبْتَدِئَ الْإِمَامُ بِالْخُطْبَةِ لَمْ يُوجَدْ مَا يُصْغَى لَهُ وَلَمْ يَلْزَمْ بَعْدَ حُكْمِ الْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ فَلَا مَعْنَى لَهُ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْإِنْصَاتِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِنْصَاتِ قَدْ لَزِمَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَذَانَ كَانَ عِنْدَ جُلُوسِ عُمَرَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهِيَ السُّنَّةُ فَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُونَ وَقَامَ عُمَرُ يَخْطُبُ أَنْصَتْنَا يَقْتَضِي أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْخُطْبَةِ الْقِيَامَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ» كَمَا تَفْعَلُونَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَنْصَتْنَا فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مِنَّا أَحَدٌ بَيَّنَ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى الْإِنْصَاتِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَهُمْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ خُرُوجَ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَكَلَامَهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ تَفْسِيرٌ لِحَدِيثِ ثَعْلَبَةَ وَتَقْرِيرٌ لِمَعْنَاهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتَنَفِّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا يَخْلُو أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَ دُخُولِ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ دُخُولِ الْإِمَامِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يَتَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ وَإِنْ خَرَجَ الْإِمَامُ لِأَنَّهُ قَدْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فِي وَقْتٍ يَجُوزُ لَهُ الشُّرُوعُ فِيهَا وَلَزِمَهُ إتْمَامُهَا وَإِنْ دَخَلَ الْإِمَامُ الْمَسْجِدَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَقْعُدُ وَلَا يُحْرِمُ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ الصَّلَاةُ جَائِزَةٌ إلَى أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بَعْدَ دُخُولِ الْإِمَامِ وَقَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ لِقُرْبِ ذَلِكَ مِنْ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ قَبْلَ

стр. 189

> (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ مَالِكٍ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ قَلَّ مَا يَدَعُ ذَلِكَ إذَا خَطَبَ إذَا قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا فَإِنَّ لِلْمُنْصِتِ الَّذِي لَا يَسْمَعُ مِنْ الْحَظِّ مِثْلَ مَا لِلْمُنْصِتِ السَّامِعِ فَإِذَا قَامَتْ الصَّلَاةُ فَاعْدِلُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بِالْمَنَاكِبِ فَإِنَّ اعْتِدَالَ الصُّفُوفِ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ ثُمَّ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَهُ رِجَالٌ قَدْ وَكَّلَهُمْ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فَيُخْبِرُونَهُ أَنْ قَدْ اسْتَوَتْ فَيُكَبِّرُ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَشَمَّتَهُ إنْسَانٌ عَنْ جَنْبِهِ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ ــ [المنتقى] أَنْ يَجْلِسَ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ دَخَلَ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْمُؤَذِّنُونَ يُؤَذِّنُونَ فَلَا يُصَلِّي وَإِنْ أَحْرَمَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ وَلْيُتِمَّهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ تَلَبَّسَ بِالصَّلَاةِ وَلَزِمَهُ حُكْمُهَا فَكَانَ عَلَيْهِ إتْمَامُهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَنْ جَاءَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ وَلَا يَرْكَعُ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَرْكَعُ مَنْ دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ وَالْمُصَلِّي لَا يُمْكِنُهُ الْإِنْصَاتُ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْقِرَاءَةِ. . (ش) : هَذَا الْخَبَرُ وَخَبَرُ ثَعْلَبَةَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ حُجَّتَانِ فِيمَا تَضَمَّنَهُ كُلُّ خَبَرٍ مِنْهُمَا لِحُضُورِ الصَّحَابَةِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمَا وَعَدَمِ الْمُخَالِفِ وَتَرْكُ الِاعْتِرَاضِ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا، وَمُثَابَرَةُ عُثْمَانَ ﵁ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ عِنْدَ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَأَكُّدِ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مَنْ سَمِعَهُ مِمَّنْ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ فَإِنَّ لِلْمُنْصِتِ الَّذِي لَا يَسْمَعُ مِنْ الْحَظِّ مِثْلَ مَا لِلْمُنْصِتِ السَّامِعِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِوَاءِ الْحَالَتَيْنِ فِي الْوُجُوبِ وَأَمَّا فِي الْأَجْرِ فَقَدْ قَالَ الدَّاوُدِيُّ إنَّمَا ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يُفَرِّطْ فِي التَّهْجِيرِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ لِأَنَّ الْمُفَرِّطَ فِي التَّهْجِيرِ وَغَيْرَ الْمُفَرِّطِ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْإِنْصَاتُ وَيُؤْجَرَانِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ حَالُهُمَا وَيَتَبَايَنُ أَجْرُهُمَا فِي التَّهْجِيرِ وَتِلْكَ قُرْبَةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْإِنْصَاتِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِذَا قَامَتْ الصَّلَاةُ فَاعْدِلُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بِالْمَنَاكِبِ أَمْرٌ بِتَعْدِيلِ الصُّفُوفِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ وَإِقَامَتِهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَوْضِعٌ تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِيهِ فَصَحَّتْ صَلَاةُ الرَّجُلِ فِيهِ كَالصَّفِّ. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ وَكَانَ عُثْمَانُ ﵁ قَدْ وَكَّلَ أُنَاسًا بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ لَمَّا عَلِمَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ وَعَلِمَ اعْتِقَادَ النَّاسِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ وَفَضَائِلِهَا دُونَ فَرَائِضِهَا فَرُبَّمَا تَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِ صِحَّةَ صَلَاتِهِ وَكَانَ عُثْمَانُ ﵁ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِالْأَفْضَلِ الْأَكْمَلِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَأَى رَجُلَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَحَصَبَهُمَا أَنْ اُصْمُتَا) . ش: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى الْمُتَحَدِّثِينَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِمَا فَحَصَبَهُمَا وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى تَحْصِيبِ مَنْ تَكَلَّمَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُشِيرَ إلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ إنَّمَا حَصَبَهُمَا لِبُعْدِهِمَا وَخُلُوِّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا وَأَمِنَ أَنْ يُؤْذِيَ بِذَلِكَ أَحَدًا فَحَصَبَهُمَا يَعْنِي أَنَّهُ رَمَى الْحَصْبَ بِقُرْبِهِمَا لِيَنْظُرَا إلَيْهِ فَيُشِيرَ إلَيْهِمَا بِالصَّمْتِ فَإِنْ كَانَ ابْنُ دِينَارٍ خَافَ مِنْ أَنْ يُؤْذِيَ أَحَدًا بِذَلِكَ فَإِنَّمَا أَنْكَرَ إطْلَاقَ اللَّفْظِ مَنْ أَذَى الْمَحْصُوبَ أَوْ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَاصِبِ وَإِنْ كَانَ أَنْكَرَ كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَالِاشْتِغَالَ عَنْ الْخُطْبَةِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَفِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنْ لَا يُشِيرَ إلَيْهِمَا وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ إلَيْهِمَا أَنْ يَصْمُتَا بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ لَهُمَا اُصْمُتَا فِي تَرْكِ الْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَاغِيًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 190

سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ لَا تَعُدْ) . مَا جَاءَ فِيمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً يَوْمَ الْجُمُعَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُصَلِّ إلَيْهَا أُخْرَى قَالَ مَالِكٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَهِيَ السُّنَّةُ قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْت أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» ) ــ [المنتقى] (ش) : هَذَا مِنْ قَبِيلِ مَا ذَكَرْنَا النَّهْيَ عَنْهُ لِأَنَّ تَشْمِيتَ الْعَاطِسِ كَلَامٌ مِنْ الْمُشَمِّتِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ لِغَيْرِ الْإِمَامِ وَهَذَا مَكْرُوهٌ وَمُخْرِجٌ مِنْ الْإِنْصَاتِ. وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْعَاطِسِ حِينَ الْخُطْبَةِ إنْ حَمِدَ اللَّهَ فَفِي نَفْسِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْجَهْرَ بِهِ اسْتِدْعَاءٌ لِتَشْمِيتِ مَنْ سَمِعَهُ وَمَعْنَى التَّشْمِيتِ أَنْ يُقَالَ لَهُ يَرْحَمُك اللَّهُ وَيُقَالُ شَمَّتَهُ وَسَمَّتَهُ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَالشِّينُ أَفْصَحُ وَمَعْنَى التَّشْمِيتِ الدُّعَاءُ فَمَعْنَى شَمَّتَهُ أَيْ دَعَا لَهُ وَقَوْلُهُ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ لَا تَعُدْ مِنْ بَابِ اتِّصَالِ الْعَمَلِ بِالْأَمْرِ بِالصَّمْتِ وَاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الْكَلَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذَا نَزَلَ الْإِمَامُ عَنْ الْمِنْبَرِ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ) . (ش) : فَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِنْصَاتِ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ الْخُطْبَةِ فَإِذَا انْقَضَتْ الْخُطْبَةُ وَزَالَ حُكْمُهَا فَلَا يُوجِبُ الْإِنْصَاتَ إلَّا الْإِحْرَامُ بِالصَّلَاةِ وَذَلِكَ مُبَاحٌ فِي حَالِ الْإِقَامَةِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ. [مَا جَاءَ فِيمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (ش) : فِي إدْرَاكِ الْمُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: إحْدَاهَا: أَنْ يُدْرِكَ بَعْضَ الْخُطْبَةِ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي إدْرَاكِهِ الْجُمُعَةَ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَفُوتَهُ جَمِيعُ الْخُطْبَةِ وَيُدْرِكَ جَمِيعَ الصَّلَاةِ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَمَكْحُولٌ وَمُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ أَنَّ الْجُمُعَةَ قَدْ فَاتَتْهُ بِفَوَاتِ الْخُطْبَةِ وَفَرْضُهُ أَنْ يُصَلِّيَ ظُهْرًا أَرْبَعًا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ فَوَجَبَ أَنْ تُدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنْهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فَهُوَ أَنْ يُدْرِكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَإِنَّ جُمُعَتَهُ صَحِيحَةٌ وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ عَلَى نَحْوِ مَا فَاتَتْهُ فَتَتِمُّ بِذَلِكَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِمَامَ وَالْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِي إدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنْ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَتَا شَرْطًا فِي إدْرَاكِ جَمِيعِهَا وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْجَامِعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فَأَنْ يُدْرِكَ الْإِمَامَ جَالِسًا فِي صَلَاتِهِ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْجُمُعَةَ قَدْ فَاتَتْهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ ظُهْرًا أَرْبَعًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْجُمُعَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ هَذَا لَمْ يُدْرِكْ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ مَا يُعْتَدُّ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لَهَا كَمَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ إلَّا بَعْدَ السَّلَامِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا ثَبَتَ مَا قُلْنَاهُ فَهَلْ يُتِمُّ صَلَاتَهُ عَلَى إحْرَامِهِ الَّذِي أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ أَمْ يَسْتَأْنِفُ الْإِحْرَامَ سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يُصِيبُهُ زِحَامُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَيَرْكَعُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَسْجُدَ حَتَّى يَقُومَ الْإِمَامُ أَوْ يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ أَنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَسْجُدَ إنْ كَانَ قَدْ رَكَعَ فَلْيَسْجُدْ إذَا قَامَ النَّاسُ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَسْجُدَ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْتَدِئَ صَلَاتَهُ ظُهْرًا أَرْبَعًا) . (ش) : الظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الزِّحَامَ كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ أَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِهَا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى السُّجُودِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَسْجُدَهَا وَالْإِمَامُ قَائِمٌ فِي الثَّانِيَةِ سَجَدَهَا وَاعْتَدَّ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى سُجُودِهَا حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ كُلِّهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا وَفِي هَذَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ: أَحَدُهَا: فِي بَيَانِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَجِبُ بِهَا اتِّبَاعُ الْإِمَامِ. وَالثَّانِي: فِي اخْتِلَافِ مَحِلِّ الْأَسْبَابِ. وَالثَّالِثُ: فِي بَيَانِ فَوَاتِ الِاتِّبَاعِ

стр. 191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فِي مَا يَجِبُ فِيهِ الِاتِّبَاعُ. وَالرَّابِعُ: الْعَمَلُ فِيمَا تَرَكَهُ لِلْمُصَلِّي. [بَابُ بَيَانِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَجِبُ بِهَا اتِّبَاعُ الْإِمَامِ] ١ (بَابُ بَيَانِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَجِبُ بِهَا اتِّبَاعُ الْإِمَامِ) وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ نُعَاسٌ وَغَفْلَةٌ وَزِحَامٌ فَأَمَّا الْغَافِلُ وَالنَّاعِسُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَلَا أَصْحَابِهِ فِي أَنَّهُمَا يَتْبَعَانِ الْإِمَامَ وَيَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا فِي الْمُزَاحِمِ فَقَالَ مَالِكٌ يَتْبَعُ الْإِمَامَ وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِنَا غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيب عَنْهُمَا فَإِنَّهُمَا رَوَيَا أَنَّ الْمُزَاحِمَ لَا يَتْبَعُ الْإِمَامَ بِوَجْهٍ وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُزَاحِمَ يَتْبَعُ الْإِمَامَ بِمِثْلِ رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْغَافِلَ يَتْبَعُ الْإِمَامَ وَالْمُزَاحِمُ أَعَذْرُ مِنْهُ فَقَالَ يَكُونُ اتِّبَاعُهُ لَهُ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْمُزَاحِمَ ذَاكِرٌ وَلِهَذَا تَأْثِيرٌ فِي لُزُومِ الْفَرَائِضِ وَلِذَلِكَ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الْمَرْبُوطَ فِي جَمِيعِ وَقْتِ الصَّلَاةِ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ أَبَدًا وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ وَقْتِ الصَّلَاةِ يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابٌ فِي اخْتِلَافِ مَحَلِّ الْأَسْبَابِ] ١ ِ أَمَّا مَحَلُّ اخْتِلَافِ الْأَسْبَابِ فَإِنَّ مَنْ نَعَسَ أَوْ غَفَلَ عَنْ اتِّبَاعِ الْإِمَامِ أَوْ نَسِيَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ غَفَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ فِيمَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ مَا لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهَا وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُطَّرِفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ نَعَسَ أَوْ غَفَلَ حَتَّى رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الْأُولَى لَمْ يَتْبَعْهُ فِيهَا وَلَوْ نَابَهُ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ أَنْ عَقَدَ الْأُولَى لَتَبِعَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ غَفَلَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ رَوَاهُمَا عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إحْدَاهُمَا لَا يَتْبَعُهُ فِي الْأُولَى وَيَتْبَعُهُ فِيمَا بَعْدَهَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّانِيَةُ يَتْبَعُهُ فِي الْأُولَى وَفِيمَا بَعْدَهَا وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ أَيْضًا. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ لَمْ يَعْقِدْ مَعَهُ مِنْ الصَّلَاةِ مَا يَكُونُ بِهِ مُدْرِكًا لِلْإِمَامِ فَلَا يَتْبَعُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ الرُّكُوعَ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذِهِ رَكْعَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ فَجَازَ أَنْ يَتْبَعَ فِيهَا الْغَافِلُ وَالنَّاعِسُ الْإِمَامَ كَالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ. [بَابٌ فِي بَيَانِ فَوَاتِ الِاتِّبَاعِ] ِ أَمَّا مَا يَفُوتُ بِهِ الْمَأْمُومُ اتِّبَاعَ الْإِمَامِ فِيمَا يَجِبُ لَهُ فِيهِ اتِّبَاعُهُ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي الْأُولَى أَوْ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنْ كَانَ فِي الْأُولَى فَعَلَى رَأْيِ مَنْ رَأَى الِاتِّبَاعَ فِيهَا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يَتْبَعُهُ مَا لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهَا وَالثَّانِيَةُ يَتْبَعُهُ مَا لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ الَّذِي يَلِيهَا. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ لَهُ اتِّبَاعَ الْإِمَامِ مَا لَمْ يَلْتَبِسْ بِفِعْلِ رَكْعَةٍ أُخْرَى فَإِنْ تَلَبَّسَ بِهَا كَانَ اتِّبَاعُهُ فِيهَا أَوْلَى مِنْ اتِّبَاعِهِ فِي الْأُولَى الَّتِي قَدْ فَارَقَهَا لِأَنَّ اتِّبَاعَهُ فِي الْأُولَى مُخَالَفَةٌ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ الْإِمَامَ قَدْ سَبَقَهُ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ فِيمَا أَدْرَكَ مَعَهُ دُونَ مَا سَبَقَهُ بِهِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْقِيَامَ لَيْسَ بِحَائِلٍ فِي الصَّلَاةِ يَمْنَعُ مِنْ تَصْحِيحِ مَا قَبْلَهُ وَإِنَّمَا الْحَائِلُ رَفْعُ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ ذَكَرَ سَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ أَوْلَى وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الثَّانِيَةِ يُؤْمَرُ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهَا مَا لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهَا فَقَدْ فَاتَهُ تَصْحِيحُ مَا قَبْلَهَا فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ يَتْبَعُ الْإِمَامَ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ إلَّا بَعْدَ السَّلَامِ فَلْيَسْجُدْ بَعْدَ سَلَامِهِ وَيُجْزِيهِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ لَا يَتْبَعُهُ فِي السُّجُودِ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ إلَّا بَعْدَ السَّلَامِ فَلْيَسْجُدْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ

стр. 192

مَا جَاءَ فِيمَنْ رَعَفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ رَعَفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَخَرَجَ فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي أَرْبَعًا قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَرْكَعُ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ يَرْعُفُ فَيَخْرُجُ فَيَأْتِي وَقَدْ صَلَّى الْإِمَامُ الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا أَنَّهُ يَبْنِي بِرَكْعَةٍ أُخْرَى مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ ــ [المنتقى] وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ آخِرُ صَلَاتِهِ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ عَمَلٌ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى فَيَلْزَمُ الْمَأْمُورَ اتِّبَاعُهُ فِيهَا لِعَقْدِ الْإِمَامِ لَهَا وَإِنَّمَا عَمَلُ الْإِمَامِ فِي إتْمَامِ تِلْكَ الرَّكْعَةِ فَيَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ اتِّبَاعُهُ فِيهَا كَمَا يَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَا لَمْ يَعْقِدْ الثَّانِيَةَ أَوْ يَتَلَبَّسْ بِهَا. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الرَّكْعَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِسَجْدَتَيْهَا فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهَا فَلَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً كَامِلَةً فَلَا يَتْبَعُهُ فِيهَا. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يَتْبَعُهُ بَعْدَ السَّلَامِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ فَهَلْ يَكُونُ بِذَلِكَ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الْجُمُعَةِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ سَجْدَةً فَقَالَ مَرَّةً يَسْجُدُهَا وَيَقْضِي رَكْعَةً وَتَصِحُّ لَهُ الْجُمُعَةُ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ وَيَبْنِي عَلَيْهَا أَرْبَعًا. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ رَكْعَةً شُرِعَ لَهُ إتْمَامُهَا وَالِاعْتِدَادُ بِهَا فَكَانَ بِهَا مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ كَمَا لَوْ أَتَى بِهَا وَبِسَجْدَتَيْهَا مَعَ الْإِمَامِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا فَلَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لِصَلَاةِ الْإِمَامِ كَمَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ إلَّا الْجُلُوسَ. (فَرْعٌ آخَرُ) وَهَلْ يَصِحُّ بِنَاؤُهُ عَلَى تِلْكَ التَّكْبِيرَةِ إذَا قُلْنَا أَنَّهَا لَا تَكُونُ جُمُعَةً وَإِنَّمَا يُتِمُّهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ مَرَّةً يُتِمُّ عَلَيْهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَدْ قَالَ أَيْضًا يُسَلِّمُ وَيَبْتَدِئُ ظُهْرًا أَرْبَعًا. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَبْتَدِئَ تَكْبِيرَةً أُخْرَى لِلْإِحْرَامِ وَقَالَ أَصْبَغُ يُتِمُّ رَكْعَتَيْنِ وَيُعِيدُ ظُهْرًا أَرْبَعًا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي الِاعْتِبَارُ بِعَدَدِ الرَّكَعَاتِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ فَمَنْ قَالَ إنَّهُ إذَا نَوَى رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُتِمَّ عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعًا لِأَنَّ نِيَّتَهُ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ لَمْ تَتَنَاوَلْهَا وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْبِنَاءُ هُنَا وَإِتْمَامُ الْأَرْبَعِ وَمَنْ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي أُولَى صَلَاتِهِ أَنْ يَنْوِيَ عَدَدَ الرَّكَعَاتِ جَوَّزَ لَهُ هَاهُنَا الْإِتْمَامَ أَرْبَعًا. [مَا جَاءَ فِيمَنْ رَعَفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ مَا يَعْتَدُّ بِهِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي ظُهْرًا أَرْبَعًا وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً يُرِيدُ بِسَجْدَتَيْهَا فَإِنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ فَلَمَّا فَاتَتْهُ الثَّانِيَةُ بِالرُّعَافِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهَا بِرَكْعَةٍ ثَانِيَةٍ يُتِمُّ بِهَا جُمُعَتَهُ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى هَذَا الْبَابِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَعَلَى الَّذِي يَرْعُفُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمَسْجِدِ فَيَبْنِيَ فِيهِ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فَيَكُونُ مَشْيُهُ فِي الرُّجُوعِ إلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الصَّلَاةِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ مِنْ شَرْطِ الْجُمُعَةِ فِي رَكْعَةِ الْبِنَاءِ إلَّا مَا لَا سَبِيلَ إلَى اسْتِدْرَاكِهِ مِنْ أَمْرِ الْإِمَامِ وَالْجَمَاعَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أَتَمَّ صَلَاتَهُ حَيْثُ غَسَلَ عَنْهُ الدَّمَ وَلَمْ يَرْجِعْ فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إنْ لَمْ يَرْجُ أَنْ يُدْرِكَ صَلَاةَ الْإِمَامِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ إتْيَانُ الْجَامِعِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَتَمَّ مَكَانَهُ أَجْزَأَهُ وَهَذَا لَهُ أَصْلٌ فِي الْمَذْهَبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَجِيءُ هَذَا عَلَى أَصْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْإِتْيَانَ بِجَمِيعِ الصَّلَاةِ فِي الْجَامِعِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ وَإِنَّمَا شُرِطَ مِنْ ذَلِكَ عَقْدُ رَكْعَةٍ مِنْهَا فِي جَامِعٍ كَالْإِمَامَةِ أَوْ يَقُولُ إنَّ الرُّجُوعَ إلَى الْجَامِعِ فَضِيلَةٌ وَلَيْسَ بِفَرِيضَةٍ فَلِذَلِكَ أُبِيحَ لَهُ الْمَشْيُ إلَيْهَا وَجُوِّزَ لَهُ تَرْكُهَا فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ فِي الْمَشْيِ إلَى الْفَضَائِلِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبِنَاءِ لِلرَّاعِفِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا بِلُزُومِهِ الرُّجُوعَ إلَى الْجَامِعِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ مِنْهُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ زَادَ فِيهَا مَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 193

عَلَى مَنْ رَعَفَ أَوْ أَصَابَهُ أَمْرٌ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْخُرُوجِ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ) . مَا جَاءَ فِي السَّعْيِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقْرَؤُهَا إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا السَّعْيُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَمَلُ وَالْفِعْلُ يَقُولُ اللَّهُ ﵎ ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] . وَقَالَ ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى - وَهُوَ يَخْشَى﴾ [عبس: ٨ - ٩] وَقَالَ ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ [النازعات: ٢٢] وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] قَالَ مَالِكٌ فَلَيْسَ السَّعْيُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ السَّعْيَ عَلَى الْأَقْدَامِ وَلَا الِاشْتِدَادَ وَإِنَّمَا عَنَى الْعَمَلَ وَالْفِعْلَ) ــ [المنتقى] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ التَّابِعِينَ إلَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا يُسْتَأْذَنُ فِيمَا فِيهِ النَّظَرُ إلَيْهِ وَالْمَنْعُ مِنْهُ إنْ شَاءَ لِأَنَّ ذَلِكَ فَائِدَةُ الِاسْتِئْذَانِ وَمَا لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ فَلَا يُسْتَأْذَنُ فِيهِ وَلِذَلِكَ لَا يَسْتَأْذِنُهُ النَّاسُ فِي سَائِرِ تَصَرُّفِهِمْ. [مَا جَاءَ فِي السَّعْيِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (ش) : إنَّمَا سَأَلَ مَالِكٌ عَنْ تَفْسِيرِ لَفْظَةِ السَّعْيِ لَمَّا كَانَتْ تَحْتَمِلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْجَرْيَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ» وَالْمَشْيَ مِنْ غَيْرِ جَرْيٍ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى - وَهُوَ يَخْشَى﴾ [عبس: ٨ - ٩] فَأَجَابَهُ ابْنُ شِهَابٍ بِقِرَاءَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَهَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ بَيَانًا مِنْهُ أَنَّهَا عِنْدَهُ بِمَعْنَى الْمَشْيِ فَاحْتَجَّ ابْنُ شِهَابٍ فِي ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ عُمَرَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً فِي الْمُصْحَفِ إلَّا أَنَّهَا تَجْرِي عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ مَجْرَى خَبَرِ الْآحَادِ سَوَاءٌ أَسْنَدَهَا الْقَارِئُ أَوْ لَمْ يُسْنِدْهَا وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى إلَى أَنَّهَا لَا تَجْرِي مَجْرَى خَبَرِ الْآحَادِ إلَّا إذَا اسْتَنَدَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا لَمْ يُسْنِدْهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْقَارِئِ لَهَا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ لِنَصِّ الْقُرْآنِ الثَّابِتِ وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهَا وَنَقَلَ مَالِكٌ ذَلِكَ بِمَعْنَى أَنَّ عُمَرَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ حَمَلَ السَّعْيَ فِي الْآيَةِ عَلَى مَعْنَى الْمُضِيِّ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنَّ تَفْسِيرَ السَّعْيِ الثَّابِتِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ الْمُضِيُّ دُونَ الْعَدْوِ وَقَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَاحْتَجَّ مَالِكٌ ﵀ فِي ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذَا إلَى آخِرِ الْبَابِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا السَّعْيُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَمَلُ ذَهَبَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ إلَى أَنَّ الْمَشْيَ وَالْمُضِيَّ إلَى الْجُمُعَةِ إنَّمَا سُمِّيَا سَعْيًا مِنْ حَيْثُ كَانَا عَمَلًا وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا بِيَدَيْهِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ سَعَى وَأَمَّا السَّعْيُ بِمَعْنَى الْجَرْيِ فَهُوَ الْعَمَلُ بِالْقَدَمَيْنِ عَلَى نَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِنْ الِاشْتِدَادِ وَالْإِسْرَاعِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ «فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ» فَنَهَى عَنْ الْعَدْوِ خَاصَّةً دُونَ الْمَشْيِ وَالْمُضِيِّ إلَى الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ السَّعْيَ إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْعَدْوِ أَوْ بِمَعْنَى الْمُضِيِّ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَتَعَدَّى إلَى الْغَايَةِ بِإِلَى يُقَالُ سَعَى إلَى غَايَةِ كَذَا وَكَذَا أَيْ جَرَى إلَيْهَا وَمَشَى إلَيْهَا وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْعَمَلِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَدَّى بِإِلَى وَإِنَّمَا يَتَعَدَّى بِاللَّامِ فَتَقُولُ سَعَيْت لِكَذَا وَكَذَا وَسَعَيْت لِفُلَانٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩] وَإِنَّمَا تَعَدَّى السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ بِإِلَى لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمُضِيِّ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالسَّعْيُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةَ فِي الْجُمْلَةِ وَقَدْ يُبَاحُ التَّأْخِيرُ عَنْهَا لِأَعْذَارٍ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهَا لِجِنَازَةِ أَخٍ مِنْ إخْوَانِهِ يَنْظُرُ فِي أَمْرِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَتَخَلَّفُ لِغُسْلِ مَيِّتٍ عِنْدَهُ قَالَ مَالِكٌ أَوْ مَرِيضٍ يَخَافُ عَلَيْهِ الْمَوْتَ وَاخْتُلِفَ فِي تَخَلُّفِ الْعَرُوسِ وَالْمَجْذُومِ عَنْهَا وَفِي التَّخَلُّفِ عَنْهَا فِي الْيَوْمِ الْمَطِيرِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلِلسَّعْيِ إلَيْهَا وَقْتَانِ: أَحَدُهُمَا: وَقْتُ اسْتِحْبَابٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ

стр. 194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَوَقْتُ وُجُوبٍ وَهُوَ وَقْتُ النِّدَاءِ إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ. هَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَذَلِكَ أَنَّنَا إذَا قُلْنَا أَنَّ حُضُورَ الْخُطْبَةِ وَاجِبٌ فَيَجِبُ رَوَاحُهُ بِمِقْدَارِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَصِلُ لِيَحْضُرَ الْخُطْبَةَ وَإِنْ قُلْنَا أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الرَّوَاحُ بِمِقْدَارِ مَا يُدْرِكُ الصَّلَاةَ وَقَدْ رَأَيْت لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ نَحْوَهُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ الْخُطْبَةِ دُونَ جَمَاعَةٍ فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ شُيُوخِنَا أَنَّهُ يَجِيءُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِيهَا وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاَلَّذِي يَقُولُهُ أَصْحَابُنَا أَنَّ إتْيَانَ الْجُمُعَةِ يَجِبُ بِالْأَذَانِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْخُطْبَةِ لِأَنَّ الْأَذَانَ هُوَ عِنْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَهُوَ فِي طَرَفِ الْمِصْرِ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَأْتِي الْمَسْجِدَ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخُطْبَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ لَيْسَ مِنْ شُرُوطِهَا الْجَمَاعَةُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ يَقْتَضِي وُجُوبَ السَّعْيِ بِمِقْدَارِ مَا يَأْتِي الْمَسْجِدَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ لِمَنْ كَانَ مِنْهَا عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ النُّزُولُ لِمَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجِبُ النُّزُولُ إلَيْهَا لِمَنْ كَأَنْ خَارِجَ الْمِصْرِ وَمَنَعَ التَّحْدِيدَ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] وَلَمْ يَخُصَّ أَهْلَ الْمِصْرِ مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا سَلِيمٌ يَبْلُغُهُ النِّدَاءُ فَوَجَبَ أَنْ تَلْزَمَهُ الْجُمُعَةُ كَاَلَّذِي دَاخِلَ الْمِصْرِ وَدَلِيلُنَا عَلَى اعْتِبَارِ الْمَسَافَةِ أَنَّنَا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالنِّدَاءِ وَيَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يُسْمَعُ مِنْهُ لَا بِنَفْسِ السَّمَاعِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَصَمَّ يَلْزَمُهُ إتْيَانُ الْجُمُعَةِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ النِّدَاءَ وَاَلَّذِي جَرَتْ عَلَيْهِ الْعَادَةُ أَنْ يَسْمَعَ النِّدَاءَ فِي غَالِبِ الْحَالِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهَا فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ فِي وُجُوبِ إتْيَانِهَا وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْمَكَانُ الَّذِي يَكُونُ الْمُقِيمُ فِيهِ وَقْتَ وُجُوبِ السَّعْيِ عَلَيْهِ دُونَ مَكَانِ مَنْزِلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالنِّدَاءُ الَّذِي يَحْرُمُ بِهِ الْبَيْعُ هُوَ النِّدَاءُ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ وَأُنْكِرُ مَنْعُ النَّاسِ الْبَيْعَ قَبْلَ ذَلِكَ وَكُلُّ مَنْ لَزِمَهُ النُّزُولُ إلَى الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ عَمَلٍ فَمَنْ بَاعَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ النُّزُولُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ بَاعَ مِنْ وَقْتِ الْأَذَانِ عِنْدَ الْخُطْبَةِ إلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَى الْجُمُعَةِ أَنَّهُ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْبَيْعَ يُفْسَخُ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَالدَّلِيلُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] . وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْهِبَاتُ وَالصَّدَقَاتُ مِثْلُهُمَا وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ النِّكَاحُ وَالْإِجَارَةُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يُفْسَخُ فَفَاتَ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ حَوَالَةِ سُوقٍ فَقَدْ قَالَ الْمُغِيرَةُ وَسَحْنُونٌ يَمْضِي بِالثَّمَنِ وَلَا يَرُدُّ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ يُرَدُّ إلَى الْقِيمَةِ. وَجْهُ مَا قَالَهُ الْمُغِيرَةُ مَا احْتَجَّ لَهُ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ أَنَّ الْفَسَادَ فِي الْعَقْدِ لَا فِي الْعَرْضِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَمْضِيَ بِالْمُسَمَّى إذَا فَاتَ. وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ فَاسِدٌ لَا يَفُوتُ بِالْقَبْضِ وَإِنَّمَا يَفُوتُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ فَوَجَبَ أَنْ يُرَدَّ إلَى الْقِيمَةِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْفَسَادُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا بِرَدِّ الْقِيمَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تُرَاعَى الْقِيمَةُ حِينَ الْقَبْضِ وَقَالَ أَشْهَبُ الْقِيمَةُ حِينَ انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ وَوَقْتَ جَوَازِ الْبَيْعِ.

стр. 195

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ إذَا نَزَلَ الْإِمَامُ بِقَرْيَةٍ تَجِبُ فِيهَا الْجُمُعَةُ وَالْإِمَامُ مُسَافِرٌ فَخَطَبَ وَجَمَعَ بِهِمْ فَإِنَّ أَهْلَ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَغَيْرَهُمْ يَجْمَعُونَ مَعَهُ) ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي الْإِمَامِ يَنْزِلُ بِقَرْيَةٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي السَّفَرِ] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ شُرُوطَ الْجُمُعَةِ قَدْ وُجِدَتْ وَالْإِمَامُ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَإِنَّ وَالِيَهُ النَّائِبَ عَنْهُ مُسْتَوْطِنٌ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَإِنْ كَانَتْ الْجُمُعَةُ تَجِبُ بِحَقِّ النِّيَابَةِ عَنْ الْإِمَامِ وَجَبَتْ أَيْضًا عَلَى الْإِمَامِ الَّذِي يَنُوبُ عَنْهُ الْوَالِي وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالْقَصْرِ أَنَّ مَنْ كَانَ فَرْضُهُ الْإِتْمَامَ أَتَمَّ وَرَاءَ مَنْ يَقْصُرُ وَمَنْ كَانَ فَرْضُهُ فِي الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا وَرَاءَ مَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ الْإِمَامُ دُونَ الْوَالِي لِأَنَّ الْقَرْيَةَ الْمُجْمَعُ بِهَا مِنْ عَمَلِهِ وَنَظَرِهِ وَإِنَّمَا يَنُوبُ الْوَالِي عَنْهُ مَعَ غَيْبَتِهِ فَإِذَا حَضَرَ كَانَ أَحَقَّ بِالصَّلَاةِ فَإِنْ صَلَّى الْوَالِي جَازَتْ الصَّلَاةُ كَمَا لَوْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ فِي وَطَنِهِ مَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَهُوَ حَاضِرٌ وَجُمْلَةُ مَا تُبْنَى عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةُ أَنَّ لِلْجُمُعَةِ أَرْبَعَةَ شُرُوطٍ تَجِبُ بِوُجُودِهَا وَلَهَا شَرْطٌ آخَرُ هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا بَعْدَ وُجُوبِهَا فَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ فَهِيَ مَوْضِعُ اسْتِيطَانٍ وَإِقَامَةٍ وَجَامِعٍ وَجَمَاعَةٍ وَإِمَامٍ وَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا فَهُوَ الْخُطْبَةُ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ كُلَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَمَّا مَوْضِعُ الِاسْتِيطَانِ فَإِنَّمَا يُعْنَى بِهِ الْمِصْرُ وَالْقَرْيَةُ وَإِنَّمَا يُخْتَلَفُ فِي الِاسْتِيطَانِ وَالْإِقَامَةِ فَهِيَ اعْتِقَادُ الْمَقَامُ بِمَوْضِعٍ مُدَّةً يَلْزَمُهُ إتْمَامُ الصَّلَاةِ بِهَا فَكُلُّ اسْتِيطَانٍ إقَامَةٌ وَلَيْسَ كُلُّ إقَامَةٍ اسْتِيطَانًا فَإِنْ عَلَّلْنَا بِالِاسْتِيطَانِ فَلَا يَجُوزُ لِجَمَاعَةٍ مَرَّتْ بِقَرْيَةٍ خَالِيَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَعَقَدُوا فِيهَا إقَامَةَ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ أَنْ يَجْمَعُوا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ اسْتِيطَانٍ وَإِنْ عَلَّلْنَا بِالْإِقَامَةِ جَازَ لَهُمْ ذَلِكَ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَوْضِعُ الِاسْتِيطَانِ هُوَ الْمِصْرُ أَوْ الْقَرْيَةُ الْجَامِعَةُ الْمُتَّصِلَةُ الْبُنْيَانِ فَأَمَّا الْمِصْرُ فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ فِيهِ وَأَمَّا الْقَرْيَةُ فَإِنَّ مَالِكًا ﵀ جَعَلَهَا فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمِصْرِ فَقَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ إنْ كَانَتْ الْقَرْيَةُ بُيُوتُهَا مُتَّصِلَةٌ وَطُرُقُهَا فِي وَسَطِهَا وَفِيهَا سُوقٌ وَمَسْجِدٌ يُجْمَعُ فِيهِ لِلصَّلَوَاتِ فَلْيَجْمَعُوا كَانَ لَهُمْ وَالٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تُقَامُ الْجُمُعَةُ إلَّا فِي مِصْرٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّ «أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ لَجُمُعَةٌ جُمِّعَتْ بِجُوَاثَى قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ» وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْعَمُودِ جُمُعَةٌ. (فَرْعٌ) وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي تَحْدِيدِ الْقَرْيَةِ الَّتِي تَلْزَمُ فِيهَا الْجُمُعَةُ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِي ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ الْقَرْيَةُ الْمُتَّصِلَةُ الْبُنْيَانِ وَرَوَى عَنْهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهَا الَّتِي فِيهَا ثَلَاثُونَ بَيْتًا مُتَّصِلَةً وَذَلِكَ مُتَقَارِبٌ فِي الْمَعْنَى وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْقَرْيَةُ الْمَوْصُوفَةُ حَيْثُ الْجَامِعُ فَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ الْجَامِعِ لَا تَصِحُّ فِيهَا الْجُمُعَةُ بِانْفِرَادِهِ وَيَجْتَمِعُ إلَيْهِ مِمَّنْ يَقْرَبُ مِنْهُ عَدَدٌ كَثِيرٌ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لِأَنَّ مَوْضِعَ إقَامَتِهَا لَا تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ بِانْفِرَادِهِ فَلَا تَصِحُّ بِمَا هُوَ تَبَعٌ لَهُ. (فَصْلٌ) : فَأَمَّا الْجَامِعُ فَإِنَّهُ مِنْ شُرُوطِ الْجُمُعَةِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ إلَّا خِلَافٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِمَّا نَقَلَهُ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّالِحِيِّ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَتَأَوَّلَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْجُمُعَةَ تُقَامُ فِي الْقَرْيَةِ الْمُتَّصِلَةِ الْبُنْيَانِ الَّتِي بِهَا الْأَسْوَاقُ وَتَرَكَ ذِكْرَ الْأَسْوَاقِ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّالِحِيُّ لَوْ كَانَ مِنْ صِفَةِ الْقَرْيَةِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا الْجَامِعُ لَذَكَرَهُ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ مِنْ ذِكْرِ الْقَرْيَةِ إلَى مَا يَخْتَصُّ بِصِفَاتِهَا دُونَ أَنْ يَذْكُرَهَا فَهُوَ شَرْطٌ مُنْفَرِدٌ عَنْهَا كَمَا لَمْ يَذْكُرْ أَنْ تَكُونَ مَعْمُورَةً بِعَدَدٍ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ وَأَنْ يَحْضُرَهَا إمَامٌ وَأَنْ

стр. 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ إنْ كَانَتْ الْقَرْيَةُ بُيُوتُهَا مُتَّصِلَةٌ وَطُرُقُهَا فِي وَسَطِهَا وَفِيهَا سُوقٌ وَمَسْجِدٌ فَلْيَجْمَعُوا بِشَرْطِ الْمَسْجِدِ وَلَا يَلْزَمُهُ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَلَا أَنْ يَنْقُلَهُ عَنْهُ كُلُّ رَاوٍ وَهَذَا قَوْلٌ قَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ فَلَا نَعْلَمُ مِمَّنْ بَقِيَ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْجَامِعِ وَلَيْسَ الْقَزْوِينِيُّ وَلَا الصَّالِحِيُّ بِالْمَوْثُوقِ بِعِلْمِهِمَا فِي النَّقْلِ وَالتَّأْوِيلِ فَيُعْتَمَدُ عَلَى مَا أَثْبَتَاهُ وَيَحْتَاجُ إلَى الْمُرَاجَعَةِ عَنْهُ وَأَمَّا الصَّالِحِيُّ فَمَجْهُولٌ وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ لِنُبَيِّنَ وَجْهَ الصَّوَابِ فِيهِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ مَنْ يَقَعُ هَذَا الْقَوْلُ إلَيْهِ مِمَّنْ لَا يُمَيِّزُ وَجْهَ الْأَقْوَالِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَعَمَلُ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ إلَى هَلُمَّ جَرًّا. (فَرْعٌ) وَمِنْ شَرْطِهِ الْبُنْيَانُ الْمَخْصُوصُ عَلَى صِفَةِ الْمَسَاجِدِ فَأَمَّا الْبَرَاحُ الَّذِي لَا بُنْيَانَ فِيهِ أَوْ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْبُنْيَانِ مَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَسْجِدٍ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِيهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ شُرُوطَهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِأَسْمَائِهَا كَالْجَمَاعَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ لَهُ حُكْمُ الْجَمَاعَةِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجْزِئَ بِذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ حَتَّى يُوجَدَ الِاسْمُ مَعَ الْحُكْمِ بِهِ. (فَرْعٌ) وَالْجَامِعُ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى كَوْنِهِ مَسْجِدًا فَكُلُّ جَامِعٍ مَسْجِدٌ وَلَيْسَ كُلُّ مَسْجِدٍ جَامِعًا وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ جَامِعٌ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ كُلِّهِمْ فِيهِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَهَذَا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِهَذَا الْمَسْجِدِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ تُقَامَ الْجُمُعَةُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ مِمَّا لَا يُحْكَمُ لَهُ بِهَذَا الْحُكْمِ حَتَّى يُحْكَمَ لَهُ بِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ دُونَ أَنْ يُنْقَلَ إلَيْهِ هَذَا الْحُكْمُ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ وَلَوْ أَصَابَ النَّاسُ مَا يَمْنَعُ مِنْ الْجَامِعِ فِي يَوْمٍ مَا لَمْ تَصِحَّ لَهُمْ جُمُعَةٌ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ ذَلِكَ الْيَوْمَ إلَّا بِأَنْ يَحْكُمَ لَهُ الْإِمَامُ بِحُكْمِ الْجَامِعِ وَيَنْقُلَ الْحُكْمَ إلَيْهِ عَنْ الْجَامِعِ الْمَمْنُوعِ فَيَبْطُلُ حُكْمُ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْأَوَّلِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فَمَنْ رَعَفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي التَّشَهُّدِ أَنَّهُ يَخْرُجُ فَيَغْسِلُ عَنْهُ الدَّمَ وَيَرْجِعُ إلَى الْجَامِعِ فَيُتِمُّ فِيهِ تَشَهُّدَهُ وَيُسَلِّمُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ بَعْدَهُ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْجَامِعِ وَلَوْ كَانَتْ سَائِرُ الْمَسَاجِدِ تَنُوبُ عَنْ الْجَامِعِ لَقَالَ يُتِمُّ صَلَاتَهُ فِي أَقْرَبِ الْمَسَاجِدِ إلَيْهِ لِأَنَّ إتْمَامَهَا فِيهِ يُجْزِئُ عَنْهُ. (فَرْعٌ) وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْجَامِعِ وَبَيْنَ جَامِعٍ أَقْدَمَ مِنْهُ مَسَافَةٌ لَا يَجِبُ الْمُضِيُّ مِنْهَا إلَى الْجَامِعِ الْأَقْدَمِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ كَانَ مِنْ الْحَضْرَةِ أَوْ مِنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي يُجَمَّعُ فِيهَا عَلَى أَقَلَّ مِنْ بَرِيدٍ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُتَّخَذُ بِهَا جَامِعٌ حَتَّى يَكُونَ مِنْهُ عَلَى مَسَافَةٍ بَرِيدٍ فَأَكْثَرَ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ لَا يُجَمِّعُوا حَتَّى يَكُونُوا مِنْهَا عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ بَشِيرٍ يَتَّخِذُوا جَامِعًا إنْ كَانُوا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ فَرْسَخٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ لَا يَلْزَمُ أَهْلَهُ النُّزُولُ إلَى الْجُمُعَةِ لِبُعْدِهِمْ عَنْهُ وَكَمُلَتْ فِيهِمْ شُرُوطُ الْجُمُعَةِ لَزِمَتْهُمْ إقَامَتُهَا فِي مَوْضِعِهِمْ كَأَهْلِ الْمِصْرِ. وَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا بَأْسَ أَنْ تُقَامَ الْجُمُعَةُ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي الْأَمْصَارِ الْعِظَامِ كَبَغْدَادَ وَمِصْرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ لَا يُصَلَّى الْجُمُعَةُ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ فِي مَسْجِدَيْنِ فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَالصَّلَاةُ صَلَاةُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ يَعْنِي الْقَدِيمَ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْإِمَامُ فَهُوَ أَيْضًا شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَيْضًا فَإِنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ شَرْطِهَا الْجَمَاعَةُ وَالْجَمَاعَةُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ إمَامٍ فَإِنْ كَانَتْ قَرْيَةً لَا وَالِيَ لَهَا قَدَّمُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ وَصَحَّتْ الْجُمُعَةُ. (فَرْعٌ) وَمِنْ صِفَةِ الْإِمَامِ الذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي إشْرَافِهِ أَنَّ الْجُمُعَةَ تَصِحُّ خَلْفَ الْعَبْدِ وَمِنْ صِفَاتِهِ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا وَمِنْ صِفَاتِهِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا وَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنْ لَا تَصِحَّ إمَامَةُ الْفَاسِقِ وَلَمْ يَخُصَّ جُمُعَةً مِنْ غَيْرِهَا وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ تَصِحُّ إمَامَتُهُ وَإِنْ

стр. 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بَلَغَ فِسْقُهُ مَا بَلَغَ فِي الْجُمُعَةِ دُونَ غَيْرِهَا وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي صِفَاتِ إمَامِ الْجُمُعَةِ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِي غَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ الْفِسْقُ يَمْنَعُ إمَامَتَهُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ فَبِأَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ أَوْلَى. (فَرْعٌ) وَهَلْ مِنْ صِفَاتِهِ أَنْ يَكُونَ مُقِيمًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَؤُمُّ الْمُسَافِرُ ابْتِدَاءً وَلَا مُسْتَخْلَفًا وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ يَؤُمُّ فِي الْحَالَتَيْنِ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ يَؤُمُّ مُسْتَخْلَفًا وَلَا يَؤُمُّ ابْتِدَاءً. وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا كَالْمَرْأَةِ. وَوَجْهُ مَا قَالَهُ أَشْهَبُ أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهَا صَارَ مِنْ أَهْلِهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ نَقْصٌ يَمْنَعُهُ مِنْ التَّقَدُّمِ فِيهَا كَالْإِمَامِ بِقَرْيَةٍ مِنْ عَمَلِهِ وَهُوَ مُسَافِرٌ. وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إذَا عَقَدَ الْمُسَافِرُ مَعَ الْإِمَامِ إحْرَامَهُ فَقَدْ لَزِمَ حُكْمُ الْجُمُعَةِ وَثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِهَا فَصَحَّ أَنْ يُسْتَخْلَفَ عَلَى إتْمَامِهَا وَإِذَا لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ مَعَ الْإِمَامِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُهَا وَلَمْ يَصِحَّ إمَامَتُهُ فِيهَا. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فَشَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَلَا حَدَّ لَهَا عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَكُونُوا عَدَدًا تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ وَتُمْكِنُهُمْ الْإِقَامَةُ بِانْفِرَادِهِمْ وَمُنِعَ ذَلِكَ فِي الثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَنْعَقِدُ بِالْإِمَامِ وَثَلَاثَةٍ مَعَهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِأَرْبَعِينَ مَعَ الْإِمَامِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِهَا الْإِقَامَةُ بِدَلِيلِ سُقُوطِهَا عَنْ أَهْلِ الظَّعْنِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِهَا مَنْ يُمْكِنُهُ الْإِقَامَةُ مِنْ الْجَمْعِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ فِي الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَنْعَقِدَ بِهِمْ الْجُمُعَةُ وَقَدْ اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى الشَّافِعِيِّ بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا فَانْفَضُّوا إلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] » وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ضَعْفِ التَّعَلُّقِ بِهِ يَقْتَضِي إجَازَتَهُمْ لِلْجُمُعَةِ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مَعَ الْإِمَامِ وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلِيلِ أَنَّ هَذَا عَدَدٌ يَصِحُّ مِنْهُمْ الِانْفِرَادُ بِالِاسْتِيطَانِ فَصَحَّ أَنْ تَنْعَقِدَ بِهِمْ الْجُمُعَةُ كَالْأَرْبَعِينَ رَجُلًا. (فَرْعٌ) وَمِنْ صِفَتِهِمْ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ فَإِنْ كَانُوا مُسَافِرِينَ أَوْ عَبِيدًا لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْإِمَامِ يَفِدُ مَنْ عِنْدَهُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا نِسَاءٌ أَوْ عَبِيدٌ فَلْيُصَلِّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَرَى أَنَّ الْجُمُعَةَ تَنْعَقِدُ بِهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْجُمُعَةِ قَدْ ثَبَتَ بِالْإِحْرَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) وَهَلْ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ أَنْ تَحْضُرَ جَمِيعَ الصَّلَاةِ قَالَ أَشْهَبُ إنْ عَقَدَ الْإِمَامُ مَعَهُمْ رَكْعَةً ثُمَّ تَفَرَّقُوا عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَمَّ الْجُمُعَةَ رَكْعَتَيْنِ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ هُوَ الْقِيَاسُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا تَصِحُّ لَهُ الْجُمُعَةُ وَلَوْ تَفَرَّقُوا عَنْهُ فِي التَّشَهُّدِ حَتَّى يَبْقَى مَعَهُ مِنْ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ الْمُقِيمِينَ عَدَدٌ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلَّا عَبِيدٌ أَوْ مُسَافِرُونَ جَعَلَهَا نَافِلَةً وَسَلَّمَ وَانْتَظَرَ الْجَمَاعَةَ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْجُمُعَةِ أَنْ يُؤْتَى بِجَمِيعِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ وَأَنَّهَا مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَنْعَقِدَ مِنْهَا رَكْعَةٌ مَعَ الْإِمَامِ وَلِذَلِكَ مَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ جَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ الرَّكْعَةَ الْأُخْرَى وَحْدَهُ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْرَى عَنْهَا شَيْءٌ مِنْهَا كَالْجَامِعِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا مَنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ قَدْ كَمُلَتْ بِشُرُوطِهَا فِي مَسْأَلَتِنَا بِخِلَافِهِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْخُطْبَةُ فَهِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ عَنْهُ مَنْ تَرَكَ الْخُطْبَةَ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ تَرَكَهَا فَإِنَّ جُمُعَتَهُ مَاضِيَةٌ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الثَّمَانِيَةِ وَبِهِ قَالَ دَاوُد وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مَا نَقَلَتْهُ الْأُمَّةُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَفْعَالُهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَقَالَ مُطَرِّفٌ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّ تَرْكَهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ أَعَادَ أَبَدًا

стр. 198

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ جَمَعَ الْإِمَامُ وَهُوَ مُسَافِرٌ بِقَرْيَةٍ لَا تَجِبُ فِيهَا الْجُمُعَةُ فَلَا جُمُعَةَ لَهُ وَلَا لِأَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَلَا لِمَنْ جَمَعَ مَعَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ وَلْيُتِمَّ أَهْلُ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُسَافِرٍ الصَّلَاةَ) . ــ [المنتقى] وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ. (فَرْعٌ) وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ بِحَضْرَةِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ شُيُوخِنَا أَنَّهُ يُجْزِئُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيهَا نَصًّا لِمَالِكٍ وَلَا لِمُتَقَدِّمِي أَصْحَابِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّهُ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِقَوْلِهِ لَا تُجْمَعُ الْجُمُعَةُ إلَّا بِالْجَمَاعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ ذِكْرٌ جُعِلَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مِنْ شَرْطِهِ الْجَمَاعَةُ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ جَمَعَ الْإِمَامُ وَهُوَ مُسَافِرٌ بِقَرْيَةٍ لَا تَجِبُ فِيهَا الْجُمُعَةُ فَلَا جُمُعَةَ لَهُ وَلَا لِأَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَلَا لِمَنْ جَمَعَ مَعَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ وَلْيُتِمَّ أَهْلُ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُسَافِرٍ الصَّلَاةَ) . (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّهُ لَا جُمُعَةَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُصَلِّينَ لِعَدَمِ شُرُوطِ الْجُمُعَةِ مِنْ الْمِصْرِ أَوْ الْقَرْيَةِ الْمَوْصُوفَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلْيُتِمَّ أَهْلُ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُسَافِرٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعُودُوا إلَى الْإِتْمَامِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُتِمُّوا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَلَاتِهِمْ. وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ لَقَالَ لِيُعِدْ جَمِيعُ الْمُصَلِّينَ مَعَهُ فَيُتِمَّ الْمُقِيمُ وَيَقْصُرْ الْمُسَافِرُ وَلَمَّا خَصَّ الْمُقِيمِينَ بِالذَّكَرِ كَانَ أَظْهَرَ إذْ صَلَاةُ الْمُسَافِرِينَ جَائِزَةٌ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَجْمُوعَةِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُجْزِئُ الْإِمَامَ وَلَا أَحَدًا مِمَّنْ مَعَهُ وَرَوَى عَنْهُ أَبُو زَيْدٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ تُجْزِئُهُ وَلَا تُجْزِي أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ حَتَّى يُتِمُّوا عَلَيْهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْإِمَامَ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ بِتَعَمُّدِ الْجَهْرِ فِي صَلَاةِ السِّرِّ وَإِذَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ بِالْعَمْدِ تَعَدَّى إلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مَعَهُ وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ إنَّ الْجَهْرَ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ وَالْإِسْرَارَ فِيمَا يُسَرُّ فِيهِ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَهَذَا مُقْتَضَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ تَعَمُّدَهُ لِلْجَهْرِ لَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ لِأَنَّهَا صِفَةٌ لِلْقِرَاءَةِ مَشْرُوعَةٌ فَلَمْ تَمْنَعْ صِحَّةَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَإِذَا لَمْ تَمْنَعْ صِحَّةَ صَلَاتِهِ لَمْ تَمْنَعْ صِحَّةَ صَلَاةِ مَنْ وَرَاءَهُ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ) . (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسَافِرَ عَلَى ضَرْبَيْنِ رَجُلٌ ابْتَدَأَ سَفَرَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَجُلٌ مُسْتَدِيمٌ لِسَفَرِهِ فَأَمَّا مَنْ ابْتَدَأَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَبْتَدِئَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَ الزَّوَالِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْهُ لَا بَأْسَ بِهِ فَإِنْ أَنْشَأَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾ [الجمعة: ٩] الْآيَةَ وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ وَتَحْرِيمَ تَرْكِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَذَّنَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِأَنَّهُ قَدْ نُودِيَ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ بِمَوْضِعٍ يَلْزَمُ مِنْهُ إتْيَانُ الْجُمُعَةِ كَمَا لَوْ كَانَ بِالْمِصْرِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُسْتَدِيمًا لِسَفَرِهِ فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعِ الْجُمُعَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ السَّفَرَ عُذْرٌ يُبِيحُ الْفِطْرَ لِلصَّائِمِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ فَرْضُ الْجُمُعَةِ كَالْمَرَضِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُسَافِرُ وَارِدًا عَلَى مَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ بِمِصْرِهِ فَلْيُؤَخِّرْ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ فَإِنْ عَجَّلَ فَصَلَّى الظُّهْرَ لَمْ يُجْزِهِ لِأَنَّ فَرْضَهُ الْجُمُعَةُ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ فَصَلَّى الظُّهْرَ فَاَلَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ إنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ فَانْتَقَضَ مَا كَانَ صَلَّى مِنْ الظُّهْرِ. وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ كَانَ صَلَّى الظُّهْرَ فِي جَمَاعَةٍ فَالْأُولَى فَرْضُهُ وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ وَإِنْ كَانَ صَلَّى الْأُولَى فَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُعِيدَهَا جُمُعَةً ثُمَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِصَلَاتِهِ وَلَوْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ إنْ كَانَ

стр. 199

مَا جَاءَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِسِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «خَرَجْت إلَى الطُّورِ فَلَقِيت كَعْبَ الْأَحْبَارِ فَجَلَسْت مَعَهُ فَحَدَّثَنِي عَنْ التَّوْرَاةِ وَحَدَّثْته عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ فِيمَا حَدَّثْته أَنْ قُلْت قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَم وَفِيهِ أُهْبِطَ وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَاتَ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينِ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنْ السَّاعَةِ إلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ قَالَ كَعْبٌ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ فَقُلْت بَلْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَلَقِيتُ بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيَّ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْت فَقُلْت مِنْ الطُّورِ فَقَالَ لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ مَا خَرَجْتَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ــ [المنتقى] صَلَّى عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ إتْيَانُ الْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَ صَلَّى عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إتْيَانُهَا بَلْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ كَانَتْ مُرَاعَاةً لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ فَلَا ظُهْرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُدْرِكُهَا فَظُهْرُهُ ثَابِتٌ فَإِذَا طَلَعَ الْغَيْبُ عَنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ حُكِمَ لَهُ بِذَلِكَ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا صَلَّى وَهُوَ مُعْتَقِدٌ أَنَّ الْجُمُعَةَ قَدْ فَاتَتْهُ كَانَ مَا صَلَّى فَرْضَهُ فَلَا يُعِيدُ إلَّا لِمِثْلِ مَا يُعِيدُ لَهُ الْعَبْدُ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ أَنَّهُ إذَا صَلَّى عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ فَصَلَاتُهُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِأَنَّ فَرْضَهُ الْجُمُعَةَ وَإِنْ كَانَ صَلَّى عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ فَظُهْرُهُ صَحِيحَةٌ لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضُهُ. [مَا جَاءَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ فِيهِ سَاعَةٌ يَقْتَضِي جُزْءًا مِنْ الْيَوْمِ غَيْرَ مُقَدَّرٍ وَلَا مُعَيَّنٍ وَبَيَانُ ذَلِكَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تَقْلِيلِهَا وَلَوْ كَانَتْ مُقَدَّرَةً أَوْ مُعَيَّنَةً لَمَا كَانَ لِلتَّقْلِيلِ مَعْنًى وَقَوْلُهُ وَلَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ تَخْصِيصًا لِدُعَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِالْإِجَابَةِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَخَالَفَهُمْ قُتَيْبَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو مُصْعَبٍ فَأَسْقَطُوا لَفْظَةَ وَهُوَ قَائِمٌ وَهِيَ ثَابِتَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ وَقَوْلُهُ يُصَلِّي اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي تَعْيِينِ السَّاعَةِ وَرُوِيَتْ فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ نَذْكُرُ مَا شَهَرَ مِنْهَا وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَجَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ قَالُوا إنَّ السَّاعَةَ هِيَ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ يُصَلِّي بِمَعْنَى أَنَّ لَهُ حُكْمَ الْمُصَلِّي عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا وَيَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يَتَأَوَّلُوا يُصَلِّي بِمَعْنَى يَدْعُو وَتَأَوَّلَ مَنْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي بِمَعْنَى مُوَاظِبٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] وَيَحْتَمِلُ اللَّفْظُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرَهُ وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ إلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ وَإِلَّا احْتَاجُوا مِنْ التَّأْوِيلِ إلَى مِثْلِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى لِأَنَّ وَقْتَ الْخُطْبَةِ لَيْسَ بِوَقْتِ قِيَامٍ فِي صَلَاةٍ عِنْدَنَا وَلَا يُنْتَدَبُ إلَى ذَلِكَ بِإِجْمَاعٍ وَأَقَلُّ مَا يَقْتَضِي هَذَا اللَّفْظُ النَّدْبَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ تِلْكَ السَّاعَةُ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِسِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «خَرَجْت إلَى الطُّورِ فَلَقِيت كَعْبَ الْأَحْبَارِ فَجَلَسْت مَعَهُ فَحَدَّثَنِي عَنْ التَّوْرَاةِ وَحَدَّثْته عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ فِيمَا حَدَّثْته أَنْ قُلْت قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَم وَفِيهِ أُهْبِطَ وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَاتَ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينِ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنْ السَّاعَةِ إلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ قَالَ كَعْبٌ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ فَقُلْت بَلْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَلَقِيتُ بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيَّ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْت فَقُلْت مِنْ الطُّورِ فَقَالَ لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ مَا خَرَجْتَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -

стр. 200

يَقُولُ» لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِلَى مَسْجِدِي هَذَا وَإِلَى مَسْجِدِ إيلِيَاءَ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَشُكُّ «قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ثُمَّ لَقِيت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ فَحَدَّثْته بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَمَا حَدَّثْته بِهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقُلْت قَالَ كَعْبٌ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهُ بْنُ سَلَامٍ كَذَبَ كَعْبٌ فَقُلْت ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ صَدَقَ كَعْبٌ ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ قَدْ عَلِمْت أَيَّةَ سَاعَةٍ هِيَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْت لَهُ أَخْبِرْنِي بِهَا وَلَا تَضْنِنْ عَلَيَّ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْت وَكَيْفَ تَكُونُ آخِرَ سَاعَةٍ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي وَتِلْكَ السَّاعَةُ لَا يُصَلَّى فِيهَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْت بَلَى قَالَ فَهُوَ ذَلِكَ» ) .. ــ [المنتقى] يَقُولُ» لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِلَى مَسْجِدِي هَذَا وَإِلَى مَسْجِدِ إيلِيَاءَ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَشُكُّ «قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ثُمَّ لَقِيت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ فَحَدَّثْته بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَمَا حَدَّثْته بِهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقُلْت قَالَ كَعْبٌ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهُ بْنُ سَلَامٍ كَذَبَ كَعْبٌ فَقُلْت ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ صَدَقَ كَعْبٌ ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ قَدْ عَلِمْت أَيَّةَ سَاعَةٍ هِيَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْت لَهُ أَخْبِرْنِي بِهَا وَلَا تَضْنِنْ عَلَيَّ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْت وَكَيْفَ تَكُونُ آخِرَ سَاعَةٍ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي وَتِلْكَ السَّاعَةُ لَا يُصَلَّى فِيهَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْت بَلَى قَالَ فَهُوَ ذَلِكَ» ) . (ش) : قَوْلُهُ خَرَجْت إلَى الطُّورِ الطُّورُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ إلَّا أَنَّهُ فِي الشَّرْعِ يُطْلَقُ عَلَى جَبَلٍ بِعَيْنِهِ وَهُوَ الَّذِي كُلِّمَ فِيهِ مُوسَى ﵇ وَهُوَ الَّذِي عَنَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَقَوْلُهُ فَلَقِيت كَعْبَ الْأَحْبَارِ فَحَدَّثَنِي عَنْ التَّوْرَاةِ يَعْنِي أَخْبَرَهُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ عَلَى وَجْهِ الْقَصَصِ وَالْأَخْبَارِ عَمَّا يُنْسَبُ إلَيْهَا وَاعْتِبَارِ مَا يُوَافِقُ مِنْهَا مَا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَكَانَ فِيمَا حَدَّثْته أَنْ قُلْت خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَم وَفِيهِ أُهْبِطَ وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ إخْبَارٌ عَنْ وُقُوعِ الْأُمُورِ الْعِظَامِ فِيهِ وَاخْتِصَاصِهَا بِهِ فِي الْأَغْلَبِ دُونَ سَائِرِ الْأَيَّامِ وَذَلِكَ حَضٌّ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ مِنْ الطَّاعَاتِ فِيهِ وَزَجْرٌ عَنْ مُوَاقَعَةِ الْمَعَاصِي. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينِ يُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنْ السَّاعَةِ إلَّا صَاخَّةَ الْإِسْمَاعِ مَعَ التَّوَقُّعِ لِأَمْرٍ يَطْرَأُ فَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ إصَاخَتَهَا إنَّمَا هِيَ تَوَقُّعٌ لِلسَّاعَةِ وَشَفَقَةٌ مِنْهَا وَقَوْلُهُ إلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ اسْتَثْنَى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْجِنْسِ لِأَنَّ اسْمَ الدَّابَّةِ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ مَا دَبَّ وَدَرَجَ إذْ هَذَا الْجِنْسُ لَا يُصِيخُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إشْفَاقًا مِنْ السَّاعَةِ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ أَشْرَاطًا يَنْتَظِرُهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ بِالْبَيِّنِ لِأَنَّا نَجِدُ مِنْهَا مَا لَا يُصِيخُ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِالْأَشْرَاطِ وَقَدْ كَانَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِالْأَشْرَاطِ عَلَى حَالَتِهِمْ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا لَا يُصِيخُونَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ إخْبَارٌ عَنْ فَضِيلَةِ الْيَوْمِ وَعَظِيمِ دَرَجَتِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِهَذِهِ السَّاعَةِ وَقَوْلُ كَعْبٍ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ السَّهْوِ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ التَّوْرَاةِ أَوْ التَّأْوِيلِ لِلَفْظِهَا فَلَمَّا رَاجَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَاجَعَ قِرَاءَةَ التَّوْرَاةِ فَقَالَ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الَّذِي فِي التَّوْرَاةِ مُوَافِقٌ لَهُ لَا عَلَى مَعْنَى أَنَّ صِدْقَهُ إنَّمَا ظَهَرَ بِمُوَافَقَتِهِ مَا قَرَأَ مِنْ التَّوْرَاةِ لِأَنَّ الَّذِي عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَصَحُّ وَصِدْقُهُ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ بِمُوَافَقَةِ مَا قَرَأَ كَعْبٌ لَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَقِيت بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيَّ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْت يَعْنِي أَنَّهُ لَقِيَهُ مُنْصَرِفًا مِنْ الطُّورِ وَقَدْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُ هَذَا إلَى الطُّورِ لِحَاجَةٍ عَنَّتْ لَهُ فِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ عَلَى مَعْنَى التَّعَبُّدِ وَالتَّقَرُّبِ بِإِتْيَانِهِ إلَّا أَنَّ قَوْلَ بَصْرَةَ لَوْ أَدْرَكْتُك قَبْلَ أَنْ نَخْرُجَ إلَيْهِ مَا خَرَجْت دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ التَّقَرُّبِ بِقَصْدِهِ وَسُكُوتِ أَبِي هُرَيْرَةَ حِينَ أَنْكَرَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي فَهِمَ مِنْهُ كَانَ قَصْدَهُ

стр. 201

الْهَيْئَةُ وَتَخَطِّي الرِّقَابِ وَاسْتِقْبَالُ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوْ اتَّخَذَ ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ هُوَ تَسْيِيرُهَا وَالسَّفَرُ عَلَيْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ عَمَلُهَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا وَنَهْيُهُ عَنْ إعْمَالِ الْمَطِيِّ إلَى مَسْجِدٍ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ نَذَرَ صَلَاةً بِمَسْجِدِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ أَنَّهُ يُصَلِّي بِمَوْضِعِهِ وَلَا يَأْتِيهِ حَدِيثُ بَصْرَةَ الْمَنْصُوصُ فِي ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ النَّذْرَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا فِيهِ الْقُرْبَةُ وَلَا فَضِيلَةَ لِمَسَاجِدِ الْبِلَادِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ تَقْتَضِي قَصْدَهُ بِإِعْمَالِ الْمَطِيِّ إلَيْهِ إلَّا الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ فَإِنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْفَضِيلَةِ وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِ الثُّغُورِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إتْيَانُهَا وَالْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ لِأَنَّ نَذْرَهُ قَصْدُهَا لَمْ يَكُنْ لِمَعْنَى الصَّلَاةِ فِيهَا بَلْ قَدْ اُقْتُرِنَ بِذَلِكَ الرِّبَاطِ فَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ وَلَا خِلَافَ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ إلَّا مَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي الْمَبْسُوطِ فَإِنَّهُ أَضَافَ إلَى ذَلِكَ مَسْجِدًا رَابِعًا وَهُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ فَقَالَ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَهُ فَيُصَلِّيَ فِيهِ كَانَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِلَى مَسْجِدِ إيلِيَاءَ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَشُكُّ فِي اللَّفْظَةِ وَمَسْجِدُ إيلِيَاءَ هُوَ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ بَصْرَةَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ يُرْسِلُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ كَذَبَ كَعْبٌ لَمَّا أَخْبَرَهُ عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً يَعْنِي أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِالشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ بِهِ سَوَاءٌ تَعَمَّدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إنَّ الْكَذِبَ إنَّمَا هُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْإِخْبَارَ عَنْ الْمُخْبِرِ عَلَى مَا لَيْسَ بِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨] ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ إذَا بُعِثُوا بَعْدَ الْمَوْتِ أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ فِي قَوْلِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ وَإِنْ كَانُوا فِي حَالِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ صَادِقُونَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ صَدَقَ كَعْبٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَخْبَرَ بِالشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ قَدْ عَلِمْت أَيَّةَ سَاعَةٍ هِيَ إظْهَارٌ لِعِلْمِهِ وَتَنْبِيهٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى أَنَّهَا مَعْلُومَةٌ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِنْهَا عِلْمٌ يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ أَوْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَيُبَيِّنُهُ لَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْبِرْنِي بِهَا وَلَا تَضْنِنْ عَلَيَّ بِمَعْنَى لَا تَبْخَلْ عَلَيَّ بِالْعِلْمِ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَا يَسْتَضِرُّ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بَلْ يَنْتَفِعُ بِتَعْلِيمِهِ وَإِنَّمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ذَلِكَ لِأَنَّ فِطْرَةَ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ الْبُخْلُ بِمَا يَنْفَرِدُ بِعِلْمِهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي وَتِلْكَ سَاعَةٌ لَا يُصَلَّى فِيهَا مُطَالَبَةً مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لِعَبْدِ اللَّهِ بِتَصْحِيحِ قَوْلِهِ وَلِيُزِيلَ مِنْ نَفْسِ أَبِي هُرَيْرَةَ الشُّبْهَةَ الَّتِي تَعْتَرِضُ عَلَى قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ وَهَذَا يَدُلُّك عَلَى كَثْرَةِ بَحْثِهِمْ عَنْ مَعَانِي الْأَلْفَاظِ وَتَحْقِيقِهِمْ فِيهَا وَصِحَّةِ مُنَاظَرَتِهِمْ عَلَيْهَا بِمَعْنَى اسْتِخْرَاجِ الْفَائِدَةِ فَفَزِعَ عَبْدُ اللَّهِ إلَى تَأْوِيلِ الظَّاهِرِ الَّذِي اعْتَرَضَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِهِ وَالْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا أَوْرَدَهُ وَلَمْ يَقْنَعْ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ مَا رَوَيْته عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَوْ بِأَنَّ مَا قُلْته أَوْلَى مِنْهُ لَمَّا كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ عِنْدَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ حَتَّى بَيَّنَ لَهُ وَجْهَهُ وَمُوَافَقَتَهُ لِمَا رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْمُصَلِّي يَنْطَلِقُ فِي الشَّرْعِ عَلَى مُنْتَظِرِ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ فِيهِ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ» .

стр. 202

ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ» ) ــ [المنتقى] [الْهَيْئَةُ وَتَخَطِّي الرِّقَابِ وَاسْتِقْبَالُ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (ش) : هَذَا حَضٌّ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى التَّجَمُّلِ لِلْجُمُعَةِ فِي اللِّبَاسِ كَمَا حَضَّ عَلَى التَّطَيُّبِ وَالْغُسْلِ وَالسِّوَاكِ لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ فَكَانَ التَّجَمُّلُ مَسْنُونًا فِيهِ كَالْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَقَوْلُهُ ﷺ لَوْ اتَّخَذَ ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا يَكُونُ مِنْ لُبْسِ الْجَمَالِ وَحُسْنِ الْهَيْئَةِ عَلَى عَادَتِهِمْ مِنْ الْمَلَابِسِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَاِتِّخَاذِهَا لِلْجُمُعَةِ سِوَى الثِّيَابِ الَّتِي يَمْتَهِنُهَا فِي سَائِرِ أَوْقَاتِهِ يُفِيدُ قَصْرَهَا عَلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَأَنْ تَكُونَ الْجُمُعَةُ مَخْصُوصَةً بِلُبْسِهَا وَأَنْ تَكُونَ لَهُ ثِيَابٌ غَيْرَهَا يَمْتَهِنُهَا وَيُبَاشِرُ الْأَعْمَالَ فِيهَا. ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَرُوحُ إلَى الْجُمُعَةِ إلَّا إذَا ادَّهَنَ وَتَطَيَّبَ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَرَامًا) . (ش) : هَذَا مِنْ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ مُوَافِقٌ لِلْحَدِيثِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَعَلَى ذَلِكَ عَمَلُ الْأُمَّةِ وَالْحَدِيثُ إذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ بِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى إسْنَادٍ صَحِيحٍ لِأَنَّ عَمَلَ الْأُمَّةِ بِهِ يَقْتَضِي الْعِلْمَ بِصِحَّتِهِ بِتَقْرِيرِ الشَّرْعِ وَتَصْحِيحِ إسْنَادِهِ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ فَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَقْوَى. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَزْمٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَأَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمْ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقْعُدَ حَتَّى إذَا قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ جَاءَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) . (ش) : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْثَمَ عِنْدَهُ فِي تَخَطِّي الرِّقَابِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَكْثَرُ مِنْ الْمُؤْثَمِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجُمُعَةِ وَالتَّخَطِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَالثَّانِي: بَعْدَ ذَلِكَ. فَأَمَّا التَّخَطِّي قَبْلَ الْجُلُوسِ لِمَنْ رَأَى فُرْجَةً لِجُلُوسِهِ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لِأَنَّ لِلدَّاخِلِ حَقًّا فِي الْجُلُوسِ فِي الْفُرْجَةِ مَا لَمْ يَجْلِسْ فِيهَا غَيْرُهُ لِأَنَّ جُلُوسَ الْجَالِسِ فِيهَا قَبْلَ الدَّاخِلِ لَا يَمْنَعُ هَذَا الدَّاخِلَ مِنْ الْجُلُوسِ فِيهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ طَرِيقٍ إلَيْهَا إلَّا أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالتَّحَفُّظِ مِنْ إذَايَةِ النَّاسِ وَالْوُجُوبِ فِي التَّخَطِّي إلَيْهَا وَأَمَّا الدَّاخِلُ بَعْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ فَلَا يَتَخَطَّى إلَى فُرْجَةٍ وَلَا غَيْرِهَا لِأَنَّ تَأَخُّرَهُ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِ السَّعْيِ قَدْ أَبْطَلَ حَقَّهُ مِنْ التَّخَطِّي إلَى الْفُرْجَةِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لِلدَّاخِلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْت» . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنْ يَسْتَقْبِلَ النَّاسُ الْإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْطُبَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا) . (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَعَمَلُ النَّاسِ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ تَرَكَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَاسْتَقْبَلَهُمْ بِوَجْهِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي وَعْظِهِمْ وَأَتَمَّ فِي إحْضَارِهِمْ أَفْهَامَهُمْ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَقْبِلُوهُ إجَابَةً لَهُ وَطَاعَةً وَإِقْبَالًا عَلَى كَلَامِهِ وَوَقْتُ اسْتِقْبَالِهِ هُوَ إذَا قَامَ يَخْطُبُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَلْزَمُ اسْتِقْبَالُ الْإِمَامِ مَنْ لَا يَسْمَعُهُ وَلَا يَرَاهُ مِمَّنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَخَارِجَهُ وَلِلْمُسْتَقْبِلِ أَنْ يَلْتَفِتَ يَمِينًا وَشِمَالًا زَادَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ وَلَهُ أَنْ يَلْتَفِتَ وَإِنْ حَوَّلَ ظَهْرَهُ إلَى الْقِبْلَةِ. [الْقِرَاءَةُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالِاحْتِبَاءُ وَمَنْ تَرَكَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ] ١ ٍ ذُكِرَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ الِاحْتِبَاءُ وَلَمْ يَجِئْ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْبَابِ وَلِأَصْحَابِنَا فِي صِفَةِ الْجُلُوسِ مَسَائِلُ نَذْكُرُهَا فَأَوَّلُهَا الِاحْتِبَاءُ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَلَهُ أَنْ يَمُدَّ رِجْلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعُونَةٌ لَهُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ مِنْ أَمْرِهِ فَلْيَفْعَلْ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ أَرْفَقُ بِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ مَاذَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى إثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ قَالَ كَانَ يَقْرَأُ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» ) . (ش) : قَوْلُهُ عَلَى إثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّسَاؤُلِ عَنْهُ لِكَوْنِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 203

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ مَالِكٌ لَا أَدْرِي أَعْنِ النَّبِيِّ ﷺ أَمْ لَا أَنَّهُ قَالَ «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا عِلَّةٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَجَلَسَ بَيْنَهُمَا» ) . ــ [المنتقى] وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ قِيلَ لِمَالِكٍ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ قَالَ مَا أَدْرِي مَا سُنَّةٌ وَلَكِنْ مَنْ أَدْرَكْنَا كَانَ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْأُولَى وَأَمَّا الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ فَكَانَتْ تَخْتَلِفُ الْقِرَاءَةُ فِيهَا فَمَرَّةً كَانَ يُقْرَأُ فِيهَا بِهَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَرَأَ بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَرُوِيَ أَنَّهُ قَرَأَ بِالْمُنَافِقِينَ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ إنَّهُ يُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هِيَ وَغَيْرُهَا مِنْ السُّوَرِ سَوَاءٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ حَدِيثُ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَخْتَصُّ بِتَضَمُّنِ أَحْكَامِ الْجُمُعَةِ فَكَانَتْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهَا وَأَشْبَهَ بِالْحَالِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ عَلَى إثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ يَحْتَمِلُ مِنْ جِهَةِ الْقِرَاءَةِ بِإِثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى غَيْرَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَحُمِلَ عَلَيْهِ فَقَالَ كَانَ يَقْرَأُ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ. وَرُوِيَ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَهَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ لَا تَخْتَصُّ بِإِحْدَى هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ وَهِيَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ لَا تَخْتَصُّ بِغَيْرِهِمَا مِنْ السُّوَرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُقْرَأُ فِيهَا إلَّا بِسُورَةِ الْمُنَافِقِينَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قِرَاءَتُهُ بِهَذِهِ السُّوَرِ كُلِّهَا وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ عَلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِسُورَةٍ مِنْ السُّوَرِ لِأَنَّهَا لَوْ اُخْتُصَّتْ بِسُورَةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا بِغَيْرِهَا. (فَصْلٌ) : وَيَتَضَمَّنُ هَذَا الْحَدِيثُ جَهْرَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْقِرَاءَةِ وَلِذَلِكَ عَلِمُوا مَا قَرَأَ بِهِ وَلَوْ أَسَرَّ لَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إلَى التَّغْرِيرِ كَمَا ذَهَبُوا إلَى ذَلِكَ فِي قِرَاءَتِهِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَفِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ مَالِكٌ لَا أَدْرِي أَعْنِ النَّبِيِّ ﷺ أَمْ لَا أَنَّهُ قَالَ «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا عِلَّةٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» ) . (ش) : هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ إتْيَانِ الْجُمُعَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَأَمَّا مَعْنَى اعْتِبَارِ الْعَدَدِ فِي الْحَدِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَانْتِظَارٌ لِلْفَيْئَةِ وَإِمْهَالٌ مِنْهُ تَعَالَى عَبْدَهُ لِلتَّوْبَةِ وَمَعْنَى الطَّبْعِ عَلَى الْقَلْبِ أَنْ يُجْعَلَ بِمَنْزِلَةِ الْمَخْتُومِ عَلَيْهِ لَا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْخَيْرِ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعِصْمَةَ بِفَضْلِهِ. (ش) : لَا خِلَافَ أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْخُطْبَةِ أَنْ تُفْصَلَ عَلَى خُطْبَتَيْنِ فَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ لِانْحِصَارٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ حَدَثٍ وَصَلَّى غَيْرُهُ أَجْزَأَهُمْ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُتِمَّ الْأُولَى وَأَتَى مِنْهَا بِمَا لَهُ بَالٌ وَرَوَاهُ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ يَخْطُبْ مِنْ الثَّانِيَةِ مَا لَهُ بَالٌ لَمْ تُجْزِهِمْ وَأَعَادَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَالْجُلُوسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ مَسْنُونٌ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّتِهَا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ ذِكْرَانِ يَتَقَدَّمَانِ الصَّلَاةَ فَلَمْ يَكُنْ الْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا شَرْطًا فِي صِحَّتِهِمَا كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمِقْدَارُ الْجِلْسَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ مِقْدَارُ الْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ فَصْلٌ بَيْنَ مُشْتَبِهَيْنِ كَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يَخْطُبَ قَائِمًا فَإِنْ خَطَبَ جَالِسًا فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي إشْرَافِهِ أَنَّهُ قَدْ أَسَاءَ وَلَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ خُطْبَتُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصَّلَاةَ فَلَمْ يَكُنْ الْقِيَامُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ كَالْأَذَانِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَكَمْ الْمِقْدَارُ الَّذِي يُجْزِئُ مِنْ الْخُطْبَةِ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا مَا لَهُ بَالٌ وَيَقَعُ عَلَيْهِ

стр. 204

التَّرْغِيبُ فِي الصَّلَاةِ فِي رَمَضَانَ (ص) : «مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ » أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ ثُمَّ صَلَّى اللَّيْلَةَ الْقَابِلَةَ فَكَثُرَ النَّاسُ ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَقَدْ رَأَيْت الَّذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْكُمْ إلَّا أَنِّي خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ) ــ [المنتقى] اسْمُ خُطْبَةٍ وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ إنْ سَبَّحَ وَهَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ فَقَطْ فَإِنَّهُ يُعِيدُ مَا لَمْ يُصَلِّ فَإِنْ صَلَّى أَجْزَأَهُ وَفِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَتَكَلَّمَ بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَجُمُعَتُهُمْ جُمُعَةٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَيُسْتَحَبُّ تَقْصِيرُ الْخُطْبَتَيْنِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالثَّانِيَةُ أَقْصَرُهُمَا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ أَنَّهُ قَالَ «خَطَبَنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْت وَأَوْجَزْت فَلَوْ سَكَتَّ تَنَفَّسْت فَقَالَ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ فَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» . ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ سُنَّةِ الْخُطْبَةِ الطَّهَارَةُ وَهَلْ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَمْ لَا قَالَ سَحْنُونٌ إنْ خَطَبَ جُنُبًا أَعَادُوا الصَّلَاةَ أَبَدًا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ وَهُوَ ذَاكِرٌ فَذَهَبَ إلَى أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ إذَا خَطَبَ بِهِمْ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ صَحَّتْ خُطْبَتُهُ وَإِنْ كَانَ ذَاكِرًا لِجَنَابَتِهِ بَطَلَتْ خُطْبَتُهُ وَقَدْ أَسَاءُوا إلَى مِثْلِ هَذَا قَصَدَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ فِيمَنْ خَطَبَ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ ثُمَّ ذَكَرَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى أَجْزَأَهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ الِاخْتِيَارُ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى طَهَارَةٍ فَإِنْ خَطَبَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ أَسَاءَ وَالْخُطْبَةُ صَحِيحَةٌ وَلَوْ أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ خُطْبَتِهِ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا أَجْزَأَتْهُ خُطْبَتُهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ ذَكَرَ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّهُ جُنُبٌ فَتَمَادَى فِي خُطْبَتِهِ وَاسْتَخْلَفَ لِلصَّلَاةِ أَجْزَأَهُمْ وَنَحْوَ هَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ حُكْمِ الْخُطْبَةِ الِاتِّصَالُ بِالصَّلَاةِ اتِّصَالَ قُرْبٍ فَإِنْ خَطَبَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَصَلَّى فِي وَقْتِ الْعَصْرِ فِي غَيْمٍ قَالَ أَشْهَبُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدُوا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ قَرِيبٌ فَيُجْزِيهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [التَّرْغِيبُ فِي الصَّلَاةِ فِي رَمَضَانَ] (ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ يَدُلُّ آخِرُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ نَافِلَةٌ وَصَلَاةُ النَّاسِ مَعَهُ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِمَاعِ فِي النَّافِلَةِ فِي رَمَضَانَ وَفِعْلُهُمْ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ دُونَ غَيْرِهِ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى عَلَى وَجْهٍ مَا كَمَا خَصَّهُ بِالِاعْتِكَافِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِفَضِيلَةِ الْعَمَلِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ اجْتَمَعُوا فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ لِإِقْرَارِهِ لَهُمْ فِي اللَّيْلَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ عَلَيْهِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ لِأَنَّهُ عَلَّلَ امْتِنَاعَهُ مِنْ الْخُرُوجِ فَإِنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فَإِذَا زَالَتْ الْعِلَّةُ بِانْقِطَاعِ الْفَرْضِ بَعْدَهُ ذَهَبَ الْمَانِعُ وَثَبَتَ جَوَازُ الِاجْتِمَاعِ لِقِيَامِ رَمَضَانَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا مِنْ الْأَصْلِ قَالَ إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعَ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ وَإِنِّي وَقَاصِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْحَى إلَيْهِ أَنَّهُ إنْ وَاصَلَ هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ فَرَضَهَا عَلَيْهِمْ إمَّا لِإِرَادَتِهِ فَرْضَهَا فَقَطْ عَلَى مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ أَوْ لِأَنَّهُ يَحْدُثُ فِيهِمْ مِنْ الْأَحْوَالِ وَالِاعْتِقَادِ مَا يَكُونُ الْأَصْلَحُ لَهُمْ فَرْضَ هَذِهِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ سَيُفْرَضُ عَلَيْهِمْ لَمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ فَإِنَّ مَا دَامَ عَلَيْهِ.

стр. 205

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَ بِعَزِيمَةٍ فَيَقُولُ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄» ) . ــ [المنتقى] عَلَى وَجْهِ الِاجْتِمَاعِ مِنْ الْقُرْبِ فُرِضَ عَلَى أُمَّتِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ خَافَ أَنْ يَظُنَّ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ بَعْدَهُ إذَا دَاوَمَ عَلَيْهَا وُجُوبَهَا وَإِلْزَامَ النَّاسِ أَمْرَهَا وَهَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا مَأْمُونَةٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ عَنْ مَالِكٍ اسْتِدَامَةَ الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ إلَى وَقْتِنَا فَقَالَ لَيْسَ مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي تَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِالنَّفَرِ فِي سُبْحَةِ الضُّحَى وَغَيْرِهَا مِنْ النَّافِلَةِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ غَيْرَ نَافِلَةِ رَمَضَانَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَفَرًا قَلِيلًا الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَنَحْوَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا مَشْهُورًا فَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا اشْتَهَرَ مِنْ أَمْرِ نَافِلَةِ رَمَضَانَ فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَجْتَمِعَ وَتَشْتَهِرَ الْإِمَامَةُ فِيهَا وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النَّوَافِلِ الَّتِي لَمْ يَشْتَهِرْ ذَلِكَ فِيهَا فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ إشْهَارِهَا وَالِاجْتِمَاعِ لَهَا مَخَافَةَ أَنْ يَظُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْفَرَائِضِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَ بِعَزِيمَةٍ فَيَقُولُ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄» ) . (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يَحُضُّهُمْ عَلَيْهِ وَيَنْدُبُهُمْ إلَيْهِ وَيُخْبِرُهُمْ عَنْ ثَوَابِهِ بِمَا يُرَغِّبُهُمْ فِيهِ وَقِيَامُ رَمَضَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صَلَاةً تَخْتَصُّ بِهِ وَلَوْ كَانَ شَائِعًا فِي جَمِيعِ الْعَامِ لِمَا اُخْتُصَّ بِهِ وَلَا انْتَسَبَ إلَيْهِ كَمَا لَا تُنْتَسَبُ إلَيْهِ الْفَرَائِضُ وَالنَّوَافِلُ الَّتِي تُفْعَلُ فِي غَيْرِهِ عَلَى حَسَبِ مَا تُفْعَلُ فِيهِ وَإِنَّمَا خُصَّ بِهِ بِمَعْنَى الْحَضِّ عَلَيْهِ لِمَنْ عَجَزَ عَنْ جَمِيعِ قِيَامِ الْعَامِ رَجَاءَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْقِيَامِ بِحَظٍّ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي أَكْثَرِ أَشْهُرِ الْعَامِ ثَوَابًا كَمَا أَنَّهُ يَحُضُّ عَلَى قِيَامِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قِيَامَ جَمِيعِ رَمَضَانَ وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقُومَ جَمِيعَ الْعَامِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَقَالَتْ فِي حَدِيثٍ آخَرَ يَأْتِي بَعْدَ هَذَا وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَطِيعُهُ كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً فَلَمَّا عَلِمَ ﷺ أَنَّ أُمَّتَهُ لَا تُطِيقُ مِنْ ذَلِكَ مَا يُطِيقُهُ حَضَّهُمْ عَلَى أَفْضَلِ الْأَوْقَاتِ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِأَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَهُمْ مُحَافَظَةً عَلَيْهَا وَأَعْلَمَهُمْ بِهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَ بِعَزِيمَةٍ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجِبَهُ إيجَابًا لَا يَحِلُّ تَرْكُهُ ثُمَّ بَيَّنَ التَّرْغِيبَ بِقَوْلِهِ «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ التَّرْغِيبِ وَأَوْلَى مَا يَجِبُ أَنْ يُسَارَعَ إلَيْهِ إذَا كَانَ فِيهِ تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لَهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي يَكُونُ التَّكْفِيرُ بِهِ هُوَ أَنْ يَقُومَهُ إيمَانًا بِصِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَرْغِيبِهِ فِيهِ وَعِلْمًا بِأَنَّ مَا وَعَدَ بِهِ مَنْ قَامَهُ عَلَى مَا وَعَدَهُ بِهِ وَاحْتِسَابًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ يَقُومُهُ رَجَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُفْسِدُ الْعَمَلَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ وَهُوَ مُرْسَلٌ أَرْسَلَهُ ابْنُ شِهَابٍ وَيَعْنِي قَوْلُهُ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ وَحَالُ النَّاسِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ تَرْكِ النَّاسِ وَالنَّدْبِ إلَى الْقِيَامِ وَأَنْ لَا يَجْتَمِعُوا فِيهِ عَلَى إمَامٍ يُصَلِّي بِهِمْ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونُوا أَلَّا يُصَلُّونَ إلَّا فِي بُيُوتِهِمْ أَوْ يُصَلِّي الْوَاحِدُ مِنْهُمْ فِي الْمَسْجِدِ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونُوا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ أَوْزَاعًا مُتَفَرِّقِينَ عَلَى حَسَبِ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ بَعْدَ هَذَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ وَإِنَّمَا أَمْضَاهُ عَلَى ذَلِكَ

стр. 206

مَا جَاءَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِئِ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْت مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رَمَضَانَ إلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ فَقَالَ عُمَرُ وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرَانِي لَوْ جَمَعْت هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ ثُمَّ خَرَجْت مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ فَقَالَ نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّتِي يَقُومُونَ يَعْنِي آخِرَ اللَّيْلِ وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ) . ــ [المنتقى] أَبُو بَكْرٍ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الشَّرَائِعَ لَا تُفْرَضُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا لِأَنَّهُ شُغِلَ وَلَمْ يَتَفَرَّغْ لِلنَّظَرِ فِي جَمِيعِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ مَعَ قِصَرِ الْمُدَّةِ أَوْ لِأَنَّهُ رَأَى مِنْ قِيَامِ النَّاسِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقُوَّتِهِمْ عَلَيْهِ مَا كَانَ أَفْضَلَ عِنْدَهُ مِنْ جَمْعِهِمْ عَلَى إمَامٍ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ رَغَّبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ فَقَامَ النَّاسُ وُحْدَانًا مِنْهُمْ فِي بَيْتِهِ وَمِنْهُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَمَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ثُمَّ رَأَى عُمَرُ أَنْ يَجْمَعَهُمْ فَأَمَرَ أُبَيًّا وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يُصَلِّيَا بِهِمْ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً بِالْوَتْرِ. [مَا جَاءَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ] (ش) : قَوْلُهُ فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يَعْنِي جَمَاعَاتٍ مُتَفَرِّقَةً تَكُونُ الْجَمَاعَةُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ وَفِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى مِنْهَا جَمَاعَةٌ أُخْرَى وَكَذَلِكَ فِي نَوَاحٍ مِنْهُ وَقَوْلُهُ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُصَلِّي رَجُلٌ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّي آخَرُ وَمَعَهُ الرَّهْطُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِصَلَاتِهِ رَاجِعٌ إلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الرَّجُلُ فَتَكُونُ الْأَلْفُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ الرَّجُلُ لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ وَإِنَّمَا هِيَ لِلْجِنْسِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الرَّجُلَ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّي بِصَلَاةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الرَّهْطُ فَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْأَلْفُ وَاللَّامُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لِلْجِنْسِ وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ وَيَقْتَضِي أَنَّ الْمَأْمُومَ يَصِحُّ أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْمُصَلِّي وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْمُصَلِّي ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُمَرَ وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرَانِي لَوْ جَمَعْت هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ فَبَانَ أَنْ ذَلِكَ فِيمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَرَأْيُهُ وَاسْتِنْبَاطُهُ ذَلِكَ مِنْ إقْرَارِ النَّبِيِّ ﷺ النَّاسَ عَلَى الصَّلَاةِ مَعَهُ فِي اللَّيْلَتَيْنِ وَقِيَامِهِ ذَلِكَ عَلَى جَمْعِ النَّاسِ عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ وَلِمَا فِي اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ مِنْ اخْتِلَافِ الْكَلِمَةِ وَأَسْبَابِ الْحِقْدِ وَلِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَجْمَعُ الْكَثِيرَ مِنْ النَّاسِ عَلَى الصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ أَمْثَلَ يُرِيدُ أَفْضَلَ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ مَنْ حَوْلَ الْمَسْجِدِ فِي دُورِهِمْ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ إذَا سَمِعُوا التَّكْبِيرَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْمِعَ النَّاسَ رَجُلٌ التَّكْبِيرَ وَلَا يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْفَرَائِضِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ يَعْنِي أَنَّهُ جَمَعَهُمْ عَلَى الِائْتِمَامِ بِهِ وَالصَّلَاةِ مَعَهُ قَالَ ثُمَّ خَرَجْت مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ يَعْنِي الَّذِي جَمَعَهُمْ عَلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ هَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ نِعْمَةُ فِيمَا رَأَيْت مِنْ النُّسَخِ نِعْمَةُ بِالْهَاءِ وَذَلِكَ وَجْهُ الصَّوَابِ عَلَى أُصُولِ الْكُوفِيِّينَ وَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ فَإِنَّمَا تَكُونُ عِنْدَهُمْ نِعْمَتْ بِالتَّاءِ الْمَمْدُودَةِ لِأَنَّ نِعْمَ عِنْدَهُمْ فِعْلٌ فَلَا تَتَّصِلُ بِهِ إلَّا تَاءُ التَّأْنِيثِ دُونَ هَذَا وَهَذَا الْقَوْلُ تَصْرِيحٌ مِنْ عُمَرَ ﵁ بِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى قِيَامِ رَمَضَانَ عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ بِقَصْدِ الصَّلَاةِ بِهِمْ وَرَتَّبَ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ تَرْتِيبًا مُسْتَقِرًّا لِأَنَّ الْبِدْعَةَ هُوَ مَا ابْتَدَأَ فِعْلَهُ الْمُبْتَدَعُ دُونَ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ إلَيْهِ غَيْرُهُ فَابْتَدَعَهُ عُمَرُ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالنَّاسُ إلَى هَلُمَّ جَرًّا

стр. 207

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً قَالَ وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إلَّا فِي بُزُوغِ الْفَجْرِ) . ــ [المنتقى] وَهَذَا أَبْيَنُ فِي صِحَّةِ الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِنِعْمَتْ الْبِدْعَةُ لِمَا فِيهَا مِنْ وُجُوهِ الْمَصَالِحِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا يُرِيدُ الصَّلَاةَ آخِرَ اللَّيْلِ، أَفْضَلُ مِنْ الَّتِي يَقُومُونَ يُرِيدُ مَعَ الْإِمَامِ أَوَّلَ اللَّيْلِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَيُحْيِي آخِرَهُ» وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّوَافِلَ فِي بَيْتِ الرَّجُلِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ لِمَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا مُسْنَدًا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَيُكْرَهُ لِلْقَارِئِ التَّطْرِيبُ فِي قِرَاءَتِهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُحَزِّنَ قِرَاءَتَهُ مِنْ غَيْرِ تَطْرِيبٍ وَلَا تَرْجِيعٍ وَلَا تَحْزِينٍ فَاحِشٍ يُشْبِهُ النَّوْحَ أَوْ يُمِيتُ بِهِ حُرُوفَهُ وَلَكِنْ عَلَى مَعْنَى التَّرْتِيلِ وَالْخُشُوعِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] . (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِعَاذَةِ لِلْقَارِئِ فِي رَمَضَانَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ: تَرْكُ ذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] أَنَّ الْآيَةَ عِنْدَهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ هَذَا لَفْظٌ لَيْسَ مِنْ الْمُعْجِزِ فَلَمْ يُسَنَّ الْإِتْيَانُ بِهِ مَعَ الْقِرَاءَةِ كَسَائِرِ الْكَلَامِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يَجُوزُ ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِالْجَهْرِ بِذَلِكَ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةَ الْجَهْرِ بِذَلِكَ. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ حَالَ الْقِيَامِ فَكَانَ حُكْمُهُ فِي السِّرِّ وَالْجَهْرِ حُكْمَ الْقِرَاءَةِ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُعْجِزِ فَكَانَ شَأْنُهُ الْإِسْرَارَ لِيُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعْجِزِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ ذَلِكَ فِي افْتِتَاحِ الْقَارِئِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَفْتَتِحَ بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. (ش) : قَوْلُهُ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ يَعْنِي أَنْ يَؤُمَّاهُمْ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ يُصَلِّي بِهِمْ أُبَيٌّ مَا قَدَرَ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي تَمِيمٌ وَالصَّوَابُ أَنْ يَقْرَأَ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ انْتَهَى الْأَوَّلُ لِأَنَّ الثَّانِيَ إنَّمَا هُوَ بَدَلٌ مِنْ الْأَوَّلِ وَنَائِبٌ عَنْهُ وَلِأَنَّ الْقَارِئَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إنَّمَا يَقْصِدُ مَا يُوَافِقُ صَوْتَهُ وَيَحْسُنُ فِيهِ طَبْعُهُ وَذَلِكَ يُنَافِي الْخُشُوعَ، وَسُنَّةُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى التَّرْتِيبِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إحْدَى عَشْرَ رَكْعَةً يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَعَلَّ عُمَرَ إنَّمَا امْتَثَلَ فِي ذَلِكَ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ اللَّيْلِ عَلَى مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» . وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيمَا كَانَ يُصَلِّي بِهِ فِي رَمَضَانَ فِي زَمَانِ عُمَرَ فَرَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ رَكْعَةً وَرَوَى نَافِعُ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّاسَ يُصَلُّونَ بِتِسْعٍ وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً يُوتِرُونَ مِنْهَا بِثَلَاثٍ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ عِشْرِينَ رَكْعَةً غَيْرَ الْوِتْرِ عَلَى حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ أَمَرَهُمْ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَأَمَرَهُمْ مَعَ ذَلِكَ بِطُولِ الْقِرَاءَةِ يَقْرَأُ الْقَارِئُ بِالْمِئِينَ فِي الرَّكْعَةِ لِأَنَّ التَّطْوِيلَ فِي الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ فَلَمَّا ضَعُفَ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِثَلَاثِ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً عَلَى وَجْهِ التَّخْفِيفِ عَنْهُمْ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ وَاسْتِدْرَاكِ بَعْضِ الْفَضِيلَةِ بِزِيَادَةِ الرَّكَعَاتِ وَكَانَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَلَى حَدِيثِ الْأَعْرَجِ وَقَدْ

стр. 208

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ أَنَّهُ قَالَ كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رَمَضَانَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً) . ــ [المنتقى] قِيلَ إنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ مِنْ ثَلَاثِينَ آيَةً إلَى عِشْرِينَ وَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْحَرَّةِ فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ الْقِيَامُ فَنَقَصُوا مِنْ الْقِرَاءَةِ وَزَادُوا فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فَجَاءَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً وَالْوِتْرُ بِثَلَاثٍ فَمَضَى الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ وَأَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي أَيَّامِهِ أَنْ يُقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِعَشْرِ آيَاتٍ وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ ذَلِكَ وِتْرُ الْقِرَاءَةِ وَهُوَ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ الْأَئِمَّةِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ رَأْيُ الْجَمَاعَةِ فَكَانَ هُوَ الْأَفْضَلُ بِمَعْنَى التَّخْفِيفِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَهَذَا فِي الْآيَاتِ الطِّوَالِ وَيَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْآيَاتِ الْخِفَافِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَهَذَا عِنْدِي فِي الْجَمَاعَاتِ وَالْمَسَاجِدِ وَلَوْ اسْتَطَاعَ أَحَدٌ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالْمِئِينَ لَكَانَ أَفْضَلَ وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقِيَامِ» . ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَكُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْعَصَا وَالْحَائِطِ فِي النَّافِلَةِ لَا بَأْسَ بِهِ لِطُولِ الْقِيَامِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعُونَةٌ عَلَيْهِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لِطُولِ الْقِيَامِ فَضِيلَةً رُبَّمَا اُسْتُعِينَ عَلَيْهَا بِالِاعْتِمَادِ عَلَى عَصًا أَوْ حَائِطٍ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ جَائِزٌ فِي النَّافِلَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَأَمَّا فِي الْفَرِيضَةِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقِيَامَ مِنْ فُرُوضِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْقِيَامَ إلَّا بِالِاعْتِمَادِ كَانَ ذَلِكَ فَرْضَهُ وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الْجُلُوسِ إلَّا مَعَ الْعَجْزِ عَنْهُ وَمِنْ ذَلِكَ الِاعْتِمَادُ بِإِحْدَى الْيَدَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي الْفَرِيضَةِ لِأَنَّهُ اعْتِمَادٌ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ فِي الْمَنْعِ مَبْلَغَ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْعَصَا وَالْعُودِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إلَّا فِي بُزُوغِ الْفَجْرِ وَهِيَ أَوَائِلُهُ وَأَوَّلُ مَا يَبْدُو مِنْهُ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْضُونَ صَلَاتَهُمْ لِطُولِ الْقِيَامِ إلَّا لِقُرْبِ الْفَجْرِ وَهَذِهِ صَلَاةُ مَنْ كَانَتْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى قِيَامِ آخَرِ اللَّيْلِ وَقَوْلُ عُمَرَ وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا خَيْرٌ مِنْ الَّتِي يَقُومُونَ لِمَنْ كَانَ يَقُومُ أَوَّلَ اللَّيْلِ خَاصَّةً وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحْوَالَ النَّاسِ كَانَتْ تَخْتَلِفُ فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُصَلِّي أَوَّلَ اللَّيْلِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُصَلِّي آخِرَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُصَلِّي جَمِيعَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُرِيدُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الثَّلَاثُ مِنْهَا وِتْرًا وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْوِتْرُ مِنْهَا رَكْعَةً وَاحِدَةً وَقَدْ اخْتَارَ مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ الْوِتْرُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَلَهُ عِنْدِي ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ لِمَنْ أَخَّرَ وِتْرَهُ عَنْ صَلَاتِهِ وَأَمَّا مَنْ وَصَلَ صَلَاتَهُ بِوِتْرِهِ فَإِنَّهُ تُجْزِئُهُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ. وَالثَّانِي: مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ الْوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لَا سَلَامَ فِيهَا فَأَرَادَ مَالِكٌ إبْقَاءَ الصُّورَةِ إذْ لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُ اتِّصَالُهَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يُوتِرَ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ الْوِتْرَ نَفْلٌ فَيَلْزَمُ أَنْ يُوتِرَ نَفْلًا وَأَقَلُّ مَا يَكُونُ ذَلِكَ رَكْعَتَيْنِ فَلَزِمَتْ هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ الْوِتْرَ حَتَّى صَارَتَا مِنْ جُمْلَتِهِ لِأَنَّهُمَا شَرْطٌ فِيهِ. وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ النَّوَافِلِ فَلَهُ غَيْرُ هَذَا الْحُكْمِ لِأَنَّهُ إنْ شَاءَ جَاءَ بِهِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْوِتْرِ. (ش) : قَوْلُهُ كَانُوا يَقُومُونَ فِي رَمَضَانَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً يُرِيدُ عِشْرِينَ رَكْعَةً غَيْرَ الْوِتْرِ وَالرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُفْعَلَانِ مَعَهُ فِي سَائِرِ الْعَامِ وَالْعِشْرُونَ رَكْعَةً خَمْسُ تَرَاوِيحَ كُلُّ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ تَرْوِيحَةٌ وَيُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْأَئِمَّةِ أَنْ يَفْصِلُوا بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ يُصَلُّونَهُمَا أَفْذَاذًا وَلِذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَقْرَبَ إلَى التَّصْحِيحِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَأَبْعَدَ مِنْ الْغَلَطِ فِيهَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَتَمَكَّنَ مَنْ فَاتَهُ الْإِمَامُ بِرَكْعَةٍ مِنْ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً فَلَا.

стр. 209

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّهُ سَمِعَ الْأَعْرَجَ يَقُولُ مَا أَدْرَكْت النَّاسَ إلَّا وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ قَالَ وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فَإِذَا قَامَ بِهَا فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ خَفَّفَ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ذَكْوَانَ أَبَا عَمْرٍو وَكَانَ عَبْدًا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْتَقَتْهُ عَنْ دُبُرٍ مِنْهَا كَانَ يَقُومُ يَقْرَأُ لَهَا فِي رَمَضَانَ) . ــ [المنتقى] يَخْلُو أَنْ تَكُونَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ أَوْ مِنْ الْأُولَيَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَخِرَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الَّتِي فَاتَتْهُ إذَا قَامَ الْإِمَامُ إلَى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يَنْفَرِدُ بِهِمَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ سَلَامَهُ وَلَكِنْ يَقُومُ فَيَصْحَبُ الْإِمَامَ فَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْأُخْرَيَيْنِ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ ثُمَّ دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ فَصَلَّى مِنْهُمَا رَكْعَةً ثُمَّ قَضَى الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا حِينَ انْفِرَادِهِ بِالتَّنَفُّلِ. (ش) : قَوْلُهُ مَا أَدْرَكْت النَّاسَ إلَّا وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ يُرِيدُ بِالنَّاسِ الصَّحَابَةَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْنُتُونَ فِي رَمَضَانَ بِلَعْنِ الْكَفَرَةِ وَمَحَلُّ قُنُوتِهِمْ الْوِتْرُ وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: نَفْيُ الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ جُمْلَةً وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلِيٍّ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ مِنْ رَمَضَانَ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ وِتْرٍ فَلَمْ يَكُنْ الْقُنُوتُ مَشْرُوعًا فِيهَا كَالْمَغْرِبِ. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ مَا أَدْرَكْت النَّاسَ إلَّا وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقُنُوتُ وَإِنَّمَا اخْتَصَّ ذَلِكَ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ لِمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ أُبَيًّا صَلَّى بِالنَّاسِ النِّصْفَ الْأَوَّلَ فَلَمْ يَقْنُتْ ثُمَّ مَرَضَ وَصَلَّى مَكَانَهُ مُعَاذٌ فَقَنَتَ فَحَصَلَ الِاتِّفَاقُ مِنْهُمَا وَمِنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ لَمْ يُنْكِرُوا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى أَنَّ الْقُنُوتَ مَشْرُوعٌ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ دُونَ الْأَوَّلِ كَمَا اخْتَصَّ بِالرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ. (فَرْعٌ) وَفِي الْمَدِينَةِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَعَنَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ إذَا أَوْتَرَ النَّاسُ فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ بِهِ الثَّالِثَةَ فَرَكَعَ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَقَفَ يَدْعُو عَلَى الْكَفَرَةِ وَيَلْعَنُهُمْ وَيَسْتَنْصِرُ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَدْعُو قَالَ وَكُلُّ ذَلِكَ شَيْءٌ خَفِيفٌ غَيْرُ كَثِيرٍ وَكَانَ لِلْإِمَامِ دُعَاءٌ مَعْرُوفٌ يَجْهَرُ بِهِ كَمَا يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ وَإِنَّهُ لَحَسَنٌ وَهَذَا أَمْرٌ مُحْدَثٌ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَانَ مَالِكٌ بَعْدَ ذَلِكَ يُنْكِرُهُ إنْكَارًا شَدِيدًا وَلَا أَرَى مَنْ يَعْمَلُ بِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ كَانَ النَّاسُ يَدْعُونَ بِهِ فِي لَيْلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الشَّهْرِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ كَانَ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ بِهَا فِي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ بَعْدَ أَنْ خُفِّفَتْ الصَّلَاةُ عَنْ الْقِرَاءَةِ بِالْمِئِينَ لَمَّا رَأَى عُمَرُ ﵁ أَنَّ ذَلِكَ أَرْفَقُ بِالنَّاسِ وَأَدْعَى لَهُمْ إلَى الصَّلَاةِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ سَمِعْت أَبِي يَقُولُ كُنَّا نَنْصَرِفُ فِي رَمَضَانَ فَنَسْتَعْجِلُ الْخَدَمَ بِالطَّعَامِ مَخَافَةَ الْفَجْرِ) . (ش) : هَذَا لِمَنْ كَانَ يَسْتَدِيمُ الْقِيَامَ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ أَوْ لِمَنْ كَانَ يَخْتَصُّ آخِرَهُ بِالْقِيَامِ فَأَمَّا مَنْ قَالَ عَنْهُ عُمَرُ وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا خَيْرٌ فَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ حَالَهُمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَقُومُ يَقْرَأُ لَهَا فِي رَمَضَانَ يَقْتَضِي أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ كَانَ أَمْرًا فَاشِيًّا عِنْدَ الصَّحَابَةِ مَعْمُولًا بِهِ حَتَّى إنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَلْتَزِمْنَهُ وَيَتَّخِذْنَ مَنْ يَقُومُ بِهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ وَفِي هَذَا إجَازَةُ إمَامَةِ الْعَبْدِ فِي أَيَّامِ رَمَضَانَ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُدَبَّرِ حُكْمُ الْعَبْدِ. وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقُومُ فِي أَهْلِهِ حَسْبَمَا فَعَلَتْهُ عَائِشَةُ وَأَمَّا فِي الْمَسَاجِدِ الْجَامِعَةِ فَلَا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَةَ الرَّاتِبَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْمَسَاجِدِ وَفِي ذَلِكَ يُرَاعَى تَمَامُ أَحْوَالِ الْأَئِمَّةِ فَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ رَأَى

стр. 210

مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ رَجُلٍ عِنْدَهُ رِضًا أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا مِنْ امْرِئٍ تَكُونُ لَهُ صَلَاةٌ بِلَيْلٍ يَغْلِبُهُ عَلَيْهَا نَوْمٌ إلَّا كُتِبَ لَهُ أَجْرُ صَلَاتِهِ وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةً» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ «عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ كُنْت أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْت رِجْلَيَّ فَإِذَا قَامَ بَسَطَتْهُمَا قَالَتْ وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ» ) . ــ [المنتقى] الْعُبُودِيَّةَ نَقْصًا مُؤَثِّرًا فِي الْإِمَامَةِ فَأَمَّا ابْنُ الْمَاجِشُونِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ إمَامًا رَاتِبًا. وَقَدْ رَوَى أَنَّ ذَكْوَانَ هَذَا كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّ نَظَرًا مَنْ لَا يَحْفَظُ. [مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ] (ش) : قَوْلُهُ مَا مِنْ امْرِئٍ تَكُونُ لَهُ صَلَاةٌ بِلَيْلٍ يَعْنِي أَنْ تَكُونَ لَهُ عَادَةٌ مِنْ صَلَاةِ نَافِلَةٍ فِي لَيْلِهِ فَيَغْلِبُهُ عَلَى تِلْكَ الصَّلَاةِ نَوْمٌ يَمْنَعُهُ مِنْهَا وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَذْهَبَ بِهِ النَّوْمُ فَلَا يَسْتَيْقِظُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَيْقِظَ وَيَمْنَعُهُ النَّوْمُ مِنْ الصَّلَاةِ فَهَذَا حُكْمُهُ أَنْ يَنَامَ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ مَانِعُ النَّوْمِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إلَّا كُتِبَ لَهُ أَجْرُ صَلَاتِهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ الَّتِي اعْتَادَهَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ عِنْدِي وُجُوهًا أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَجْرُهَا غَيْرُ مُضَاعَفٍ وَلَوْ عَمِلَهَا لَكَانَ لَهُ أَجْرُهَا مُضَاعَفًا لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الَّذِي يُصَلِّيهَا أَكْمَلُ حَالًا وَلِذَلِكَ «قَالَ ﷺ لِعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ أَلَا تُصَلِّيَانِ فَلَمَّا قَالَ لَهُ عَلِيٌّ ﵁ إنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهَا بَعَثَهَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْرِبُ فَخْذَهُ وَيَقُولُ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا» وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ لَهُ أَجْرَ مَنْ تَمَنَّى أَنْ يُصَلِّيَ مِثْلَ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَجْرَ تَأَسُّفِهِ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْهَا وَقَوْلُهُ وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِهِ وَيُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ الْمُصَلِّينَ. (ش) : قَوْلُهَا كُنْت أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَضْجَعُهَا مِنْ الْقِبْلَةِ إلَى الْجَوْفِ مُتَّصَلُ رِجْلَاهَا مِنْ قِبْلَتِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا قَالَتْ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ كَاعْتِرَاضِ الْجِنَازَةِ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْت رِجْلَيَّ فَإِذَا قَامَ بَسَطَتْهُمَا مَعَ كَوْنِهَا مُعْتَرِضَةً بَيْنَ يَدَيْهِ فِيهِ مَعْنَى الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي لِزَوَالِهَا عَنْ قِبْلَتِهِ مَرَّةً وَرُجُوعِهَا إلَيْهَا ثَانِيَةً لِتُبَيِّنَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَأَنَّهُ مُبَاحٌ مَعَ الضَّرُورَةِ وَفِي هَذَا صِحَّةُ صَلَاةِ الْمُصَلِّي إلَى الْمَرْأَةِ وَهِيَ فِي قِبْلَتِهِ. وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ الصَّلَاةَ إلَى الْمَرْأَةِ لِئَلَّا يَتَذَكَّرَ مِنْهَا مَا يَشْغَلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ النَّقْصُ فِيهَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعْصُومٌ مِنْ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ صَلَّى وَعَائِشَةُ فِي قِبْلَتِهِ مَعَ ضِيقِ الْمَنْزِلِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْت رِجْلَيَّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّمْسَ لِغَيْرِ اللَّذَّةِ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهَا غَمَزَنِي يَقْتَضِي الْمُبَاشَرَةَ لِجَسَدِهَا بِيَدِهِ. وَالثَّانِي: قَوْلُهَا وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. وَهَذِهِ حَالَةٌ لَا يُؤْمَنُ مَعَهَا أَنْ تَقَعَ يَدُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهَا لِلظَّلَامِ وَأَنَّ النَّائِمَ لَا يُؤْمَنُ انْكِشَافُ بَعْضِ جَسَدِهِ وَغَمْزُهُ إيَّاهَا بِيَدِهِ لِتَقْبِضَ رِجْلَيْهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ يَسِيرَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا وَالْعَمَلُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: الْيَسِيرُ جِدًّا كَالْغَمْزِ وَحَكِّ الْجَسَدِ وَالْإِشَارَةِ فَهَذَا لَا يَنْقُضُ الصَّلَاةَ عَمْدُهُ وَلَا سَهْوُهُ وَكَذَلِكَ التَّخَطِّي إلَى الْفُرْجَةِ الْقَرِيبَةِ. وَالثَّانِي: أَكْثَرُ مِنْ هَذَا وَهُوَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَمْدُهُ وَلَا يُبْطِلُهَا سَهْوُهُ كَالِانْصِرَافِ عَنْ الصَّلَاةِ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا

стр. 211

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هَشَّامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا نَعِسَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إسْمَاعِيلِ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ امْرَأَةً مِنْ اللَّيْلِ تُصَلِّي فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقِيلَ هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى عُرِفَتْ الْكَرَاهِيَةُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا اكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ» ) . ــ [المنتقى] فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا جِدًّا كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ. وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ: فَهُوَ الْكَثِيرُ جِدًّا كَالْمَشْيِ الْكَثِيرِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ فَهَذَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ تُرِيدُ فِي زَمَانِ اللَّيْلِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَصَابِيحَ لَا تُتَّخَذُ فِي الْأَيَّامِ وَإِنَّمَا تُتَّخَذُ فِي اللَّيَالِيِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا يَوْمَئِذٍ يُرِيدُ ذَلِكَ الزَّمَانَ وَلَمْ تُرِدْ أَيَّامَهُ دُونَ لَيَالِيِهِ. (ش) : مَعْنَى قَوْلِهِ أَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ وَلَمْ يَسْتَطِعْ مُدَافَعَتَهُ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ وَيَقْدِرَ عَلَى إقَامَةِ الصَّلَاةِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ مَعْنَى سُكَارَى مِنْ النَّوْمِ وَإِذَا قُلْنَا بِالْعُمُومِ فَنَجْعَلُهُ عَلَى سُكْرِ النَّوْمِ وَغَيْرِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ إذَا صَلَّى فِي حَالِ غَلَبَةِ النَّوْمِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ يَسْتَغْفِرُ إذَا أَرَادَ الِاسْتِغْفَارَ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَأْتِي بِسَبِّ نَفْسِهِ بَدَلًا مِنْ الِاسْتِغْفَارِ هَذَا مِمَّا يُنَافِي الصَّلَاةَ وَهَذَا اللَّفْظُ عَامٌّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَقَدْ أَدْخَلَهُ مَالِكٌ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَقَدْ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ لِأَنَّ النَّوْمَ الْغَالِبَ لَا يَكُونُ فِي الْأَغْلَبِ إلَّا فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَإِنْ جَرَى ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ فَكَانَ فِي الْوَقْتِ مِنْ السَّعَةِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَذْهَبُ عَنْهُ فِيهِ النُّعَاسُ وَيَدْرِك صَلَاتَهُ أَوْ يَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُ مَنْ يُوقِظُهُ فَلْيَرْقُدْ وَلْيَتَفَرَّغْ لِإِقَامَةِ صَلَاتِهِ فِي وَقْتِهَا فَإِنْ كَانَ فِي ضِيقِ الْوَقْتِ وَعَلِمَ أَنَّهُ إنْ رَقَدَ فَاتَهُ الْوَقْتُ فَلْيُصَلِّ مَا يُمْكِنُهُ وَلْيُجْهِدْ نَفْسَهُ فِي تَصْحِيحِ صَلَاتِهِ ثُمَّ يَرْقُدُ فَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ قَدْ أَتَى فِي ذَلِكَ بِالْفَرْضِ وَإِلَّا قَضَاهَا بَعْدَ نَوْمِهِ. (ش) : قَوْلُهُ سَمِعَ امْرَأَةً مِنْ اللَّيْلِ تُصَلِّي يَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَمِعَهَا تَذْكُرُ صَلَاتَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَيَحْتَمِلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنْ يَسْمَعَ قِرَاءَتَهَا وَهَذَا مَمْنُوعٌ لِلنِّسَاءِ لِأَنَّ أَصْوَاتَهُنَّ عَوْرَةٌ وَإِنَّمَا حُكْمُهَا فِيمَا تَجْهَرُ فِيهِ أَنْ تُسْمِعَ نَفْسَهَا خَاصَّةً وَأَمَّا الرَّجُلُ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى حَسَبِ مَا هُوَ أَرْفَقُ بِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَوَاعَدُونَ بِالْمَدِينَةِ لِقِيَامِ الْقُرَّاءِ فِي الصَّلَاةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ يُرِيدُ أَنَّهَا تُصَلِّي فِي جَمِيعِ لَيْلَتِهَا وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِالِامْتِنَاعِ مِنْ النَّوْمِ خَاصَّةً لِأَنَّهُ عَادَةُ النِّسَاءِ بِاللَّيْلِ وَلِأَنَّهَا لَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إلَّا لِغَرَضٍ مَقْصُودٍ وَذَلِكَ مَا أَشَارَتْ إلَيْهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ أَمْرٌ لَا تَسْتَطِيعُ الدَّوَامَ عَلَيْهِ وَكَانَ يُعْجِبُهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ يُحْيِي اللَّيْلَ كُلَّهُ فَكَرِهَهُ مَرَّةً وَقَالَ لَعَلَّهُ يُصْبِحُ مَغْلُوبًا وَفِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ كَانَ يُصَلِّي أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيْ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَإِذَا أَصَابَهُ النَّوْمُ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ يَأْتِيهِ الصُّبْحُ وَهُوَ نَاعِسٌ فَلَا يَفْعَلُ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يُدْرِكُهُ كَسَلٌ وَفُتُورٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ حَتَّى عُرِفَتْ الْكَرَاهِيَةُ فِي وَجْهِهِ يَعْنِي أَنَّهُ رَأَى فِي وَجْهِهِ مِنْ التَّقْطِيبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ

стр. 212

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ حَتَّى إذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلَاةِ يَقُولُ لَهُمْ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) . ــ [المنتقى] عَلَامَاتِ الْكَرَاهِيَةِ مَا عُرِفَتْ بِهِ كَرَاهِيَتُهُ لِمَا وُصِفَتْ بِهِ الْحَوْلَاءُ مِنْ أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ وَقَوْلُهُ ﷺ إنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ مَعْنَاهُ لَا يَمَلُّ مِنْ الثَّوَابِ حَتَّى تَمَلُّوا مِنْ الْعَمَلِ وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمَلَلَ مِنْ الْبَارِّي إنَّمَا هُوَ تَرْكُ الْإِثَابَةِ وَالْإِعْطَاءِ وَالْمَلَلُ مِنَّا هُوَ السَّآمَةُ وَالْعَجْزُ عَنْ الْفِعْلِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَعْنَى الْأَمْرَيْنِ التَّرْكَ وَصَفَ تَرْكَهُ بِالْمَلَلِ عَلَى مَعْنَى الْمُقَابَلَةِ وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَذَكَرَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ مَعْنَاهُ لَا يَمَلُّ وَأَنْتُمْ تَمَلُّونَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «اكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ» يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدَهُمَا: النَّدْبُ لَنَا إلَى تَكَلُّفِ مَا لَنَا بِهِ طَاقَةٌ مِنْ الْعَمَلِ. وَالثَّانِي: نَهْيُنَا عَنْ تَكَلُّفِ مَا لَا نُطِيقُ وَالْأَمْرُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا نُطِيقُهُ وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِنَفْسِ الْحَدِيثِ وَقَوْلُهُ مِنْ الْعَمَلِ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ عَمَلَ الْبَرِّ لِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبَبِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ اللَّفْظَ الْوَارِدَ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَفْظٌ وَرَدَ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ وَقَوْلُهُ مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا لَكُمْ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ طَاقَةٌ. (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّنَفُّلَ غَيْرُ مَحْدُودٍ وَأَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ كُلِّ إنْسَانٍ وَنَشَاطِهِ وَمَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهِ وَإِيقَاظُهُ أَهْلَهُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ نَافِلَةِ اللَّيْلِ بِحَظٍّ وَإِنْ قَلَّ فَكَانَ يَجْعَلُ ذَلِكَ فِي أَفْضَلِ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ وَهُوَ السَّحَرُ وَقَدْ قَلَّ قِيَامُهُ فَلْيَتَوَخَّ بِهِ أَفْضَلَ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُد كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه: ١٣٢] يَحْتَمِلُ أَنْ يُوقِظَهُمْ امْتِثَالًا لِأَمْرِ الْبَارِّي تَعَالَى فَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ عِنْدَ امْتِثَالِهَا لِيَتَأَكَّدَ قَصْدُهُ لِذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقْرَأَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِذَارِ مِنْ إيقَاظِهِمْ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَانَ يَقُولُ يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا) . (ش) : يَعْنِي كَرَاهِيَةَ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَتَعْرِيضِهَا لِلْفَوَاتِ فَقَدْ يَذْهَبُ بِهِ النَّوْمُ حَتَّى يَفُوتَ وَقْتُهَا وَمَعْنَى كَرَاهِيَةِ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا أَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَقَدْ أَرْخَصَ فِي ذَلِكَ لِمَنْ تَحَدَّثَ مَعَ ضَيْفٍ أَوْ قَرَأَ عِلْمًا زَادَ الدَّاوُدِيُّ أَوْ الْعَرُوسِ أَوْ مُسَافِرٍ. (ش) : قَوْلُهُ ﵁ صَلَاةُ اللَّيْلِ يُرِيدُ بِذَلِكَ النَّافِلَةَ وَلِذَلِكَ أُضِيفَ إلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَإِضَافَتُهَا إلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ تَقْتَضِي أَنَّ لِلَّيْلِ نَافِلَةً وَلِلنَّهَارِ نَافِلَةً وَأَفْضَلُ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَأَفْضَلُ أَوْقَاتِ النَّهَارِ الْهَاجِرَةُ قَالَ مَالِكٌ إنَّمَا كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ الصَّلَاةَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَبِالْهَاجِرَةِ وَالْوَرَعَ وَالْفِكْرَةَ قِيلَ لَهُ فَالتَّنَفُّلُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ إنَّمَا كَانَتْ صَلَاةُ الْقَوْمِ بِاللَّيْلِ وَالْهَاجِرَةِ قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ كَأَنِّي رَأَيْته يَكْرَهُ الصَّلَاةَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا وَقْتُ التَّصَرُّفِ وَالِاشْتِغَالِ بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي وَقْتِ النَّوْمِ وَالدَّعَةِ كَصَلَاةِ اللَّيْلِ وَفِي وَقْتٍ يَبْعُدُ عَنْ صَلَاةِ فَرْضٍ كَصَلَاةِ اللَّيْلِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ ﵀ مَثْنَى مَثْنَى يُرِيدُ أَنَّ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا صَلَاةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا يُرِيدُ أَنَّ النَّوَافِلَ لَا يُزَادُ فِيهَا عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ

стр. 213

صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْوِتْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ فَإِذَا فَرَغَ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ» . ــ [المنتقى] وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ شَاءَ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ مِنْ أَرْبَعٍ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ صَلِّ كَمْ شِئْت بِسَلَامٍ وَاحِدٍ بَعْدَ أَنْ تَجْلِسَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ الْحَدِيثُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا مِنْ الْأَصْلِ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» فَإِنْ قِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَجْلِسَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ لَا يُسْتَعْمَلُ لِلْفَصْلِ بِالْجُلُوسِ وَلِذَلِكَ لَا يُقَالُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ مَثْنَى مَثْنَى وَإِنْ كَانَ يَجْلِسُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُمَا وَيُقَالُ صَلَاةُ الصُّبْحِ مَثْنَى لَمَّا كَانَ يُسَلِّمُ فِيهَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا صَلَاةً وَلَا تَكُونُ صَلَاةً إلَّا بِأَنْ يَفْصِلُهَا عَمَّا بَعْدَهَا بِالسَّلَامِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ نَفْلٍ فَلَمْ تَجُزْ الزِّيَادَةُ فِيهَا عَلَى رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ. [صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْوِتْرِ] (ش) : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ فَزَادُوا فِيهِ «يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» وَقَوْلُهُ يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْوِتْرَ مِنْ جُمْلَتِهَا رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْوِتْرِ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ إحْدَاهَا: وُجُوبُهُ. وَالثَّانِيَةِ: عَدَدُهُ. وَالثَّالِثَةِ: إفْرَادُهُ مِنْ الشَّفْعِ. فَأَمَّا وُجُوبُهُ فَإِنَّ مَالِكًا ﵀ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ وَالْوَاجِبُ عِنْدَهُ دُونَ الْفَرْضِ وَفَوْقَ السُّنَنِ وَمِيزَتُهُ عَلَى السُّنَنِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ السُّنَنِ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْوَاجِبِ وَنَقْصُهُ عَنْ الْفَرْضِ أَنَّهُ يَكْفُرُ جَاحِدُ الْفَرْضِ وَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُ الْوَاجِبِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْوَاجِبُ عِنْدَنَا وَالْفَرْضُ وَاللَّازِمُ وَالْحَتْمُ وَالْمُسْتَحَقُّ بِمَعْنًى فَيَتَحَقَّقُ مَعَهُمْ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ أَرَادُوا بِالْوَاجِبِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ تَرْكُهُ فَهُوَ خِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ فَلَا مَعْنَى لِلِانْتِقَالِ بِالْمُنَاظَرَةِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ قَالُوا أَنَّهُ مِمَّا يَحْرُمُ تَرْكُهُ فَهُوَ خِلَافٌ فِي مَعْنًى وَالدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِهِ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي «الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْفَرَائِضِ فَقَالَ ﷺ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا فَقَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» : فَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْفَرْضِ فَأَجَابَ بِالْخَمْسِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْخَمْسَ صَلَوَاتٍ هِيَ جَمِيعُ فَرْضِ الصَّلَاةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا فَنَفَى وُجُوبَ غَيْرِهَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ فَوَصَفَ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِ بِالتَّطَوُّعِ. (فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي عَدَدِ الْوِتْرِ فَإِنَّ مَالِكًا ﵀ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ قَوْلُ «عَائِشَةَ ﵂ فِي الْحَدِيثِ يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ» . (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) وَهُوَ أَنَّ الْوِتْرَ لَا يَكُونُ إلَّا عَقِيبَ شَفْعٍ وَأَقَلُّهُ رَكْعَتَانِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَالَ سَحْنُونَ فِي كِتَابِ ابْنِهِ. وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ يُوتِرُ الْمُسَافِرُ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ أَوْتَرَ سَحْنُونَ فِي مَرَضِهِ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ يَدُلُّ مِنْ رَأْيِهَا عَلَى تَخْفِيفِ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ وَأَنَّ الشَّفْعَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْوِتْرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ جَائِزٌ دُونَ عُذْرٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ وِتْرٍ

стр. 214

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَقَالَتْ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ فَقَالَ يَا عَائِشَةَ إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» ) ــ [المنتقى] فَوَجَبَ أَنْ يُوتِرَ بِهَا مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا كَالْمَغْرِبِ الَّتِي تُوتِرُ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا وَهُوَ الْفَرْضُ. ١ - (فَرْعٌ) وَهَلْ يَتَعَيَّنُ لِلْوِتْرِ قِرَاءَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ الِاسْتِحْبَابِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنَّ النَّاسَ لَيَلْتَزِمُونَ فِي الْوِتْرِ قِرَاءَةَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَمَا هُوَ بِلَازِمٍ وَهَذَا يَنْفِي الْوُجُوبَ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إنِّي لَأَفْعَلُهُ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ قَرَأَ فِي الْوِتْرِ سَهْوًا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الشَّفْعُ قَبْلَ الْوِتْرِ فَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ مَا عِنْدِي شَيْءٌ يُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّفْعَ مِنْ جِنْسِ سَائِرِ النَّوَافِلِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَهَذَا عِنْدِي لِمَنْ كَانَ وِتْرُهُ بِوَاحِدَةٍ عَقِيبَ صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُوتِرْ إلَّا عَقِيبَ شَفْعِ الْوِتْرِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الشَّفْعِ بِسَبِّحْ اسْمِ رَبِّك الْأَعْلَى وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِذَا فَرَغَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ إذَا فَرَغَ مِنْ الْإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّهَا الَّتِي ذَكَرَ فِعْلَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَرَاغَ كَانَ مِنْهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَإِذَا فَرَغَ يَعْنِي مِنْ جَمِيعِ مَا صَلَّى إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَظْهَرُ إذْ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالْوِتْرُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَالْأَوْزَاعِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «أَنَّ اضْطِجَاعَهُ ﷺ إنَّمَا كَانَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ رَاحَةً وَانْتِظَارًا لِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَكَانَ يَضْطَجِعُ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ رَاحَةً وَانْتِظَارَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ هَذِهِ الضَّجْعَةَ لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَضْطَجِعُ رَاحَةً وَإِبْقَاءً عَلَى نَفْسِهِ قَالَ مَالِكٌ مَنْ فَعَلَهَا رَاحَةً فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَمَنْ فَعَلَهَا سُنَّةً وَعِبَادَةً فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ اُسْتُحِبَّ الضَّجْعَةُ بَيْنَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا صَلَّى فَإِنْ كُنْت مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ» وَأَمَّا اضْطِجَاعُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ «أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» . (ش) : قَوْلُهُ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ يَحْتَمِلُ السُّؤَالُ عَنْ صِفَةِ صَلَاتِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سُؤَالًا عَنْ عِدَّةِ مَا يُصَلِّي مِنْ الرَّكَعَاتِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ جَوَابُ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً فَأَجَابَتْهُ بِالْعَدَدِ ثُمَّ أَتْبَعَتْ ذَلِكَ الصِّفَةَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ وَقَدْ تَأْتِي كَيْفَ بِمَعْنَى كَمْ وَإِنَّمَا قَصَرَ السُّؤَالَ عَلَى رَمَضَانَ لِمَا رَأَى مِنْ الْحَضِّ عَلَى صَلَاةِ رَمَضَانَ فَظُنَّ لِذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخُصُّهُ بِصَلَاةٍ فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ أَنَّ فِعْلَهُ كَانَ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ وَفِي ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ حُصُولَنَا عَلَى صَلَاةِ رَمَضَانَ لِمَا عُلِمَ مِنْ ضَعْفِنَا عَنْ إقَامَةِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْعَامِ فَحَضَّنَا عَلَى أَفْضَلِ أَوْقَاتِ الْعَامِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ تُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِكَلَامٍ

стр. 215

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» ) . ــ [المنتقى] وَلَكِنَّهَا جَمَعَتْهُمَا فِي اللَّفْظِ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ صِفَتَهُمَا وَطُولَهُمَا وَحُسْنَهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَأَنَّ الْأَرْبَعَ الْأُخَرَ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَخَذَتْ مِنْ الْحُسْنِ وَالطُّولِ حَظَّهَا. وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ يَنَامُ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ يَنَامُ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَيْقَظَ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُولُ إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِآيَاتٍ لِأُوَلِي الْأَلْبَابِ فَقَرَأَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَامَ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِسِتِّ رَكَعَاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَضْلِ وَإِنَّ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ جِنْسِ الْوِتْرِ فِي الْحُسْنِ وَالطُّولِ وَقَوْلُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ بِإِثْرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ قَبْلَ أَنْ يُوتِرَ ثُمَّ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ لِصَلَاتِهِ وَوِتْرِهِ فَقَالَتْ لَهُ كَيْفَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَرُبَّمَا ذَهَبَ بِك النَّوْمُ عَنْ وِتْرِك. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا ثُمَّ نَامَ قَبْلَ أَنْ يُوتِرَ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنَامُ عَنْ مُرَاعَاةِ الْوَقْتِ. وَهَذَا مِمَّا خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ وَالْعِصْمَةِ وَلِذَلِكَ كَانَ ﷺ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ لِعِلْمِهِ بِمَا يَكُونُ مِنْهُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» ) . (ش) : ذَكَرَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً غَيْرَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَذَكَرَتْ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ أَنَّ رِوَايَةَ عَائِشَةَ ﵂ اضْطَرَبَتْ فِي الْحَجِّ وَالرَّضَاعِ وَصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ وَقَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ وَهَذَا غَلَطٌ مِمَّنْ قَالَهُ وَسَهْوٌ عَنْ وَجْهِ التَّأْوِيلِ وَلَوْ اضْطَرَبَتْ رِوَايَتُهَا فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ مَعَ مُشَاهَدَتِهَا لَهُ مُدَّةَ عُمْرِهَا فِي حَيَاتِهِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اضْطِرَابُ رِوَايَتِهَا فِيمَا لَمْ تُشَاهِدْهُ إلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَشَدَّ وَلَا تَصِحُّ لَهَا رِوَايَةٌ وَقَدْ أَجْمَعَ مَنْ تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَحْفَظِ الصَّحَابَةِ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ قِلَّةُ مَعْرِفَتِهِ بِمَعَانِي الْكَلَامِ وَوُجُوهِ التَّأْوِيلِ وَرِوَايَةُ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنَّهُ كَانَ ﷺ تَخْتَلِفُ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ فَمَرَّةً كَانَتْ تُخْبِرُ بِمَا شَاهَدَتْ مِنْهُ فِي وَقْتٍ مَا وَمَرَّةً كَانَتْ تُخْبِرُ بِمَا شَاهَدَتْ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ وَإِنَّمَا قَالَتْ إنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً تُرِيدُ صَلَاتَهُ الْمُعْتَادَةَ الْغَالِبَةَ وَإِنْ كَانَ رُبَّمَا يَزِيدُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عَلَى ذَلِكَ فَقَصَدَتْ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ إلَى الْإِخْبَارِ عَنْ غَالِبِ صَلَاتِهِ وَذَكَرَتْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ تَنْتَهِي إلَيْهِ صَلَاتُهُ فِي النَّادِرِ أَنَّ مَا كَانَتْ تَنْتَهِي إلَيْهِ صَلَاتُهُ فِي الْأَغْلَبِ إذَا زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ. وَالْوَجْهَ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ ﵂ تَقْصِدُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ إلَى الْإِخْبَارِ عَنْ جَمِيعِ صَلَاتِهِ فِي لَيْلَةٍ وَتَقْصِدُ فِي وَقْتٍ ثَانٍ إلَى ذِكْرِ نَوْعٍ مِنْ صَلَاتِهِ فِي اللَّيْلِ وَجَمِيعِ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» فَلَمْ تَعْتَدَّ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ بِرَكْعَتَيْ الِافْتِتَاحِ وَلَا بِرَكْعَتَيْ
следующие страницы →