← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

(ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَخَذَ مِنْ رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى رَجُلٍ آخَرَ فَعَمِلَ فِيهِ قِرَاضًا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ أَنَّهُ ضَامِنٌ لِلْمَالِ إنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ النُّقْصَانُ، وَإِنْ رَبِحَ فَلِصَاحِبِ الْمَالِ شَرْطُهُ مِنْ الرِّبْحِ، ثُمَّ يَكُونُ لِلَّذِي عَمِلَ شَرْطُهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ) . ــ [المنتقى] بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا أَقْرَضَهُ فَيَكُونَ عَلَى الْقِرَاضِ أَوْ يَكُونَ شَرِيكًا لَهُ بِمَا أَدَّى وَيَكُونَ الرِّبْحُ وَالْخَسَارَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ رَبُّ الْمَالِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا أَدَّى فَيَكُونَ رَبُّ الْمَالِ شَرِيكًا بِهِ لِمَالِ الْقِرَاضِ، فَإِنْ كَانَ نَمَاءٌ أَوْ نَقْصٌ قُصِرَ عَلَى قِيمَةِ الصَّبْغِ وَرَأْسِ الْمَالِ أَوْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَبَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ الثِّيَابَ الَّتِي طَرَّزَهَا وَقَصَّرَهَا بِمَالِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ شَرِيكًا لَهُ بِقِيمَةِ الصَّبْغِ مِنْ قِيمَةِ الثِّيَابِ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعَامِلَ لَمَّا صَرَفَ مَا صَبَغَ بِهِ وَقَصَّرَ فِي مَالِ الْقِرَاضِ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا أَسْلَفَهُ رَبُّ الْمَالِ لِيُلْحِقَهُ بِالْقِرَاضِ، فَإِنْ رَضِيَ ذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْقِرَاضِ، وَإِنْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَانَ الْعَامِلُ شَرِيكًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَنْفَقَهُ وَصَرَفَهُ عَلَى وَجْهِ التِّجَارَةِ وَطَلَبِ الرِّبْحِ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ الثِّيَابَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهَا بَلْ عَمِلَ فِيهَا مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْغَيْرِ أَنَّ الْعَامِلَ إذَا أَسْلَفَ رَبَّ الْمَالِ وَقَبَضَ صَاحِبُ الْمَالِ السَّلَفَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَكُونَ رَبُّ الْمَالِ دَفَعَ ذَلِكَ الْمَالَ الَّذِي طَرَّزَ بِهِ وَصَبَغَ مِنْ عِنْدِهِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكَانَ شَرِيكًا بِهِ لِمَالِ الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي أَنْ يُلْحِقَهُ بِالْقِرَاضِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلْعَامِلِ فِي ذَلِكَ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَإِنْ أَبَى رَبُّ الْمَالِ مِنْ قَبُولِ السَّلَفِ جَازَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ الثِّيَابَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَدَّى بِخَلْطِ مَالِهِ بِمَالِ الْقِرَاضِ بَعْدَ الشِّرَاءِ بِهِ فِي وَقْتٍ لَا يَجُوزُ لَهُ خَلْطُ مَالِهِ بِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ مَا أَسْلَفَهُ اكْتَرَى بِهِ عَلَى مَالِ الْقِرَاضِ فَإِنَّ الْعَامِلَ لَا يَكُونُ بِهِ شَرِيكًا، وَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ دَيْنٌ فِي مَالِ الْقِرَاضِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الصَّبْغَ يُحْسَبُ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَلَهُ حَظٌّ مِنْ الرِّبْحِ لِمَنْ بَاعَ مُرَابَحَةً، وَالْكِرَاءُ لَا يُحْسَبُ لَهُ رِبْحٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ سِلْعَةٍ قَائِمَةٍ فِي الْبَزِّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ شَرِيكًا بِالسِّلْعَةِ الْقَائِمَةِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا أَضَافَ إلَى مَالِ الْقِرَاضِ مَا يَكُونُ بِهِ شَرِيكًا كَالصَّبْغِ، وَالْقِصَارَةِ فَذَهَبَ الْمَالُ إلَى قَدْرِ مَا أَضَافَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ مَنْعُهُ إلَّا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَا أَضَافَهُ إلَيْهِ لَا يَكُونُ بِهِ شَرِيكًا كَالْكِرَاءِ فَتَلِفَ الْمَالُ إلَّا بِقَدْرِ الْكِرَاءِ فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِهِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ ثَمَنَ الصَّبْغِ وَالْقِصَارَةِ، هُوَ بِهِ شَرِيكٌ، وَالْكِرَاءُ سَلَفٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَعِنْدِي أَنَّ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى عَنْهُ مَا لَزِمَهُ كَمَنْ قَضَى عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَيَكُونُ لَهُ ذَلِكَ فِي مَالِ الْقِرَاضِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يُقْرِضَ مَالَ الْقِرَاضِ، وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يُنْفِقَ، وَلَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ثُمَّ دَفَعَهُ الْعَامِلُ إلَى رَجُلٍ آخَرَ فَعَمِلَ فِيهِ عَلَى الْقِرَاضِ دُونَ إذْنِ صَاحِبِ الْمَالِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَنْقُصْ وَلَمْ يَزِدْ أَوْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ وَقَدْ دَخَلَهُ زِيَادَةٌ أَوْ نَقْصٌ، فَإِنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ فَدَخَلَهُ نَقْصٌ بِيَدِ الثَّانِي فَالْأَوَّلُ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي دَفْعِ الْمَالِ إلَى غَيْرِهِ فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ بِذَلِكَ التَّعَدِّي. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ مَالُهُ غَيْرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ دَخَلَهُ زِيَادَةٌ أَوْ نَقْصٌ، فَإِنْ دَخَلَتْهُ زِيَادَةٌ وَكَانَ أَعْطَاهُ عَلَى مِثْلِ مَا أَخَذَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْقِرَاضِ فَإِنَّ صَاحِبَ الْمَالِ يُقَاسِمُ الْعَامِلَ الثَّانِي عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يُقَاسِمُ عَلَيْهِ الْأَوَّلَ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْعَامِلُ الْأَوَّلُ مِنْ الثَّانِي مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمَالِ لَوْ قَاسَمَ صَاحِبَهُ يَوْمَ دَفَعَهُ إلَى الثَّانِي وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ عِنْدَ الثَّانِي مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ الْأَوَّلُ مِنْ الْمَالِ وَرِبْحِهِ وَيَكُونُ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ نَصِيبُهُ مِنْ الرِّبْحِ الَّذِي ظَهَرَ عِنْدَهُ وَأَسْلَمَهُ إلَى الْعَامِلِ الثَّانِي. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ دَخَلَ الْمَالَ نَقْصٌ بِيَدِ الْعَامِلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ أَخَذَهُ الثَّانِي عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الرِّبْحِ فَرَبِحَ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ بِيَدِ الثَّانِي مَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ

стр. 1507

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَعَدَّى فَتَسَلَّفَ مِمَّا بِيَدَيْهِ مِنْ الْقِرَاضِ مَالًا فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ رَبِحَ فَالرِّبْحُ عَلَى شَرْطِهِمَا فِي الْقِرَاضِ، وَإِنْ نَقَصَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلنُّقْصَانِ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَاسْتَسْلَفَ مِنْهُ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ الْمَالَ مَالًا وَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ إنَّ صَاحِبَ الْمَالِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَشْرَكَهُ فِي السِّلْعَةِ عَلَى قِرَاضِهَا، وَإِنْ شَاءَ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَأَخَذَ مِنْهُ رَأْسَ الْمَالِ كُلَّهُ، وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِكُلِّ مَنْ تَعَدَّى) . ــ [المنتقى] عِنْدَ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَ الْغَيْرِ أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ هُوَ مَا صَارَ إلَى الْعَامِلِ الثَّانِي مِنْ الْمَالِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ ثَمَانِينَ فَيَضِيعَ مِنْهُ عِنْدَ الْعَامِلِ الْأَوَّلِ أَرْبَعُونَ وَيَدْفَعَ إلَى الْعَامِلِ الثَّانِي أَرْبَعِينَ فَصَارَتْ بِعَمَلِ الثَّانِي مِائَةً فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ صَاحِبَ الْمَالِ يَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ ثَمَانِينَ وَنِصْفَ مَا بَقِيَ بِاسْمِ الرِّبْحِ، وَذَلِكَ عَشَرَةٌ وَيَأْخُذُ الْعَامِلُ الثَّانِي الْعَشَرَةَ الْبَاقِيَةَ وَيَرْجِعُ عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ بِبَقِيَّةِ مَالِهِ مِنْ الرِّبْحِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ فِي حَقِّهِ سِتُّونَ لَهُ مِنْهَا النِّصْفُ وَذَلِكَ ثَلَاثُونَ قَالَ سَحْنُونٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ بَلْ رَأْسُ الْمَالِ مَا بِيَدِ الْعَامِلِ وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ ثُمَّ يَأْخُذُ نِصْفَ الرِّبْحِ وَذَلِكَ ثَلَاثُونَ ثُمَّ يَرْجِعُ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ أَتْلَفَ الْأَرْبَعِينَ بَعْدَ أَخْذِهَا مِنْهُ فَيَكْمُلُ لَهُ مِائَةٌ وَعَشَرَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ نَقْدٍ رَجَعَ عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ، وَقَدْ أَخَذَ سَبْعِينَ فَيَكْمُلُ عِنْدَهُ رَأْسُ مَالِهِ وَرِبْحُهُ تِسْعِينَ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَصْلَ الْمَالِ وَرِبْحَهُ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِ الْمَالِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْعَامِلِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَأْسَ مَالِهِ وَرِبْحَهُ عَلَى مَا أَعْطَاهُ عَلَيْهِ، وَيَدُ الْعَامِلِ لَيْسَتْ بِيَدٍ تَمْلِكُ وَلَا مُسَلَّمٌ إلَيْهَا بِحَقٍّ بَلْ إنَّمَا صَارَ إلَيْهِ الْمَالُ بِالتَّعَدِّي، وَهُوَ مُقِرٌّ بِأَصْلِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ أَتْلَفَ الْأَرْبَعِينَ مِنْهُ وَرِبْحُهُ لِصَاحِبِهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْأَصْلِ إنَّ لِصَاحِبِ الْمَالِ شَرْطَهُ مِنْ الرِّبْحِ، ثُمَّ يَكُونُ لِلَّذِي عَمِلَ شَرْطُهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ فَجَعَلَ صَاحِبَ الْمَالِ مُقَدَّمًا بِأَخْذِ مَالِهِ بِأَصْلِ عَقْدِ الْقِرَاضِ وَمَا شَرَطَهُ فِيهِ ثُمَّ يَأْخُذُ بَعْدَهُ الْعَامِلُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْغَيْرِ إنَّ الْمَالَ بِيَدِ الْعَامِلِ الثَّانِي عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ فَكَانَ أَحَقَّ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رِبْحِهِ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ الْعَامِلُ وَصَاحِبُ الْمَالِ فِي الرِّبْحِ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْعَامِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ الْعَامِلُ الثَّانِي عَلَى غَيْرِ الْجُزْءِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِ الْعَامِلُ الْأَوَّلُ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَأْخُذَهُ الْأَوَّلُ عَلَى النِّصْفِ فَيَدْفَعَهُ إلَى الثَّانِي عَلَى الثُّلُثَيْنِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ ضَامِنٌ عِنْدَ مَالِكٍ، فَإِنْ رَبِحَ الثَّانِي فَرَبُّ الْمَالِ أَوْلَى بِثُلُثَيْ الرِّبْحِ بِجَمِيعِ نِصْفِ الرِّبْحِ وَلِلْعَامِلِ الثَّانِي النِّصْفُ ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ بِالسُّدُسِ الَّذِي بَقِيَ لَهُ وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْغَيْرِ إنَّ الْعَامِلَ الثَّانِيَ أَوْلَى بِثُلُثَيْ الرِّبْحِ ثُمَّ يَرْجِعُ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ بِتَمَامِ مَا يَجِبُ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إنْ رَبِحَ فَلِصَاحِبِ الْمَالِ شَرْطُهُ مِنْ الرِّبْحِ يُرِيدُ أَنَّهُ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْعَامِلَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَكُونُ لِلَّذِي عَمِلَ شَرْطُهُ مِمَّا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ يُرِيدُ أَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ صَاحِبِ الْمَالِ مَا شَرَطَهُ فَيَأْخُذُ هَذَا مَا شَرَطَ أَيْضًا مِنْ بَاقِي الْمَالِ، وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ مِنْ تِجَارَتِهِ فَيَأْخُذَهُ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا قَبَضَ الثَّانِي رَأْسَ الْمَالِ كَامِلًا فَتَكُونُ مِنْ فِي قَوْلِهِ مِمَّا بَقِيَ زَائِدَةً. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ وَفِيهِ نَمَاءٌ وَتِجَارَةٌ الْأَوَّلُ، فَيَأْخُذُ الثَّانِي مَالَهُ مِنْ الرِّبْحِ الَّذِي رَبِحَهُ مِنْ جُمْلَةِ الرِّبْحِ الَّذِي لَهُ وَلِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ فَتَكُونُ مِنْ فِي قَوْلِهِ مِمَّا بَقِيَ لِلتَّبْعِيضِ، وَأَمَّا لَوْ أَخَذَهُ الثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ، وَقَدْ نَقَصَ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ لَمَا كَانَ فِيمَا بَقِيَ مَا تُسْتَوْفَى مِنْهُ حِصَّتُهُ مِنْ الرِّبْحِ وَيَرْجِعُ بِمَا بَقِيَ مِنْ حِصَّتِهِ عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ أَخَذَ مَالًا عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ فَتَعَدَّى مَا أَمَرَ بِهِ وَاسْتَسْلَفَ لِيَنْفَرِدَ بِرِبْحِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ فَإِنَّ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى

стр. 1508

مَا يَجُوزُ مِنْ النَّفَقَةِ فِي الْقِرَاضِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا يَحْمِلُ النَّفَقَةَ فَإِذَا شَخَصَ فِيهِ الْعَامِلُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَيَكْتَسِيَ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ قَدْرِ الْمَالِ وَيَسْتَأْجِرَ مِنْ الْمَالِ إذَا كَانَ كَثِيرًا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَكْفِيهِ بَعْضُ مُؤْنَتِهِ وَمِنْ الْأَعْمَالِ أَعْمَالٌ لَا يَعْلَمُهَا الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ وَلَيْسَ مِثْلُهُ يَعْمَلُهَا، مِنْ ذَلِكَ تَقَاضِي الدَّيْنِ وَنَقْلُ الْمَتَاعِ وَشَدُّهُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ الْمَالِ مَنْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلْمُقَارِضِ أَنْ يَسْتَنْفِقَ مِنْ الْمَالِ وَلَا يَكْتَسِيَ مِنْهُ مَا كَانَ مُقِيمًا فِي أَهْلِهِ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ النَّفَقَةُ إذَا شَخَصَ فِي الْمَالِ وَكَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ النَّفَقَةَ، فَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَتَّجِرُ فِي الْمَالِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ مُقِيمٌ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ مِنْ الْمَالِ وَلَا كِسْوَةَ ــ [المنتقى] الْقِرَاضِ الَّذِي عَقَدَاهُ بَيْنَهُمَا أَوْ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ وَيُضَمِّنَهُ رَأْسَ الْمَالِ، وَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ رَبِحَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ مِنْ الْقِرَاضِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْصٌ ضَمِنَهُ الْعَامِلُ لِلتَّعَدِّي، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَخَذَ مَالًا عَلَى وَجْهِ التَّنْمِيَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ عَنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ إلَى مَا يَنْفَرِدُ بِمَنْفَعَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَا وَجْهَ نَظَرٍ لَهُ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُتَعَدٍّ يَكُونُ الدَّافِعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي دَفَعَهُ عَلَيْهِ وَبَيْنَ أَنْ يُمْضِيَ لَهُ تَعَدِّيَهُ وَيُضَمِّنَهُ الْمَالَ، وَكَذَلِكَ الْمُبْضِعُ مَعَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فِي الَّذِي اشْتَرَى السِّلْعَةَ لِنَفْسِهِ إنَّ صَاحِبَ الْمَالِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَإِنْ شَاءَ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ دُفِعَ إلَيْهِ مَالٌ عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ فَتَعَدَّى مَا أُمِرَ بِهِ فَاسْتَسْلَفَهُ وَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً يَنْفَرِدُ بِهَا فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَتْرُكَهُ فِي السِّلْعَةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَرُدَّهَا إلَى مَالِ الْقِرَاضِ فَيَكُونُ رِبْحُهَا بَيْنَهُمَا عَلَى حُكْمِ مَا عَقَدَا عَلَيْهِ الْقِرَاضَ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ لَفْظَ الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ أَنَّهُ لَا يَرْغَبُ فِي السِّلْعَةِ إلَّا إذَا كَانَ فِيهَا رِبْحٌ وَبِذَلِكَ يَكُونُ لِلْعَامِلِ فِيهَا شِرْكٌ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنْ شَاءَ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَأَخَذَ مِنْهُ رَأْسَ مَالِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ يُلْزِمُهُ إيَّاهَا وَيُضَمِّنُهُ ثَمَنَهَا، وَهُوَ رَأْسُ مَالِهِ فِيهَا وَيَكُونُ أَخْذُهُ مِنْهُ بِأَنْ يَجْعَلَهُ مَعَ مَالِ الْقِرَاضِ، وَيَكُونُ بِأَنْ يَنْزِعَ مِنْهُ مَالَ الْقِرَاضِ إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ جَمِيعَ مَالِ الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَغْرَمَهُ الثَّمَنَ صَارَ عَيْنًا فَكَانَ لَهُ أَخْذُ مَالِهِ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ مُعْظَمُ مَالِ الْقِرَاضِ عُرُوضًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى يَتِمَّ عَمَلُهُ فِيهِ. [مَا يَجُوزُ مِنْ النَّفَقَةِ فِي الْقِرَاضِ] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا وَكَانَ يَعْمَلُ بِهِ فِي الْحَضَرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ اسْتِيطَانِ الْعَامِلِ أَوْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاسْتِيطَانِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِيهِ وَلَا كِسْوَةَ وَلَا مُؤْنَةَ؛ لِأَنَّ مُقَامَهُ لَيْسَ بِسَبَبِ الْمَالِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِ فَكَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِ، وَإِنَّمَا يُقِيمُ بِهِ لِلْعَمَلِ بِالْمَالِ فَإِنَّ لَهُ فِيهِ النَّفَقَةَ، وَالْكِسْوَةَ، وَالْمُؤْنَةَ؛ لِأَنَّ الْمَالَ شَغَلَهُ عَنْ الرُّجُوعِ إلَى وَطَنِهِ فَأَوْجَبَ مُقَامَهُ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِذَلِكَ الْبَلَدِ وَأَهْلٌ بِبَلَدٍ آخَرَ مُسْتَوْطِنًا لِلْجِهَتَيْنِ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ مَا أَقَامَ بِالْمَالِ فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ؛ لِأَنَّ مُقَامَهُ بِمَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ أَنْ تَكُونَ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ، وَرَوَى ابْنُ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَشْهَبَ فِي الَّذِي لَهُ أَهْلٌ بِبَلَدِ صَاحِبِ الْمَالِ وَأَهْلٌ حَيْثُ يُسَافِرُ إلَيْهِ وَأَنَّ لَهُ النَّفَقَةَ فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ وَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي مُقَامِهِ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَسَافَةَ السَّفَرِ لَيْسَتْ بِمَوْضِعِ اسْتِيطَانِ لَهُ فَكَانَتْ لَهُ فِيهَا النَّفَقَةُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَتْ تِجَارَتُهُ فِي السَّفَرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ مِنْ أَسْفَارِ الْقُرَبِ كَالْحَجِّ، وَالْغَزْوِ أَوْ مِنْ غَيْرِ أَسْفَارِ الْقُرَبِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَسْفَارِ الْقُرَبِ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهُ فِي مَالِ

стр. 1509

) . ــ [المنتقى] الْقِرَاضِ ذَاهِبًا وَلَا رَاجِعًا، وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ التِّجَارَةَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَهُ النَّفَقَةُ فِيهِ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ هَذِهِ مَسَافَةٌ تُقْطَعُ عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ، وَالْقُرْبَةِ فَيَجِبُ أَنْ يُخْلِصَ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ وَالْغَرَضُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لِسَبَبٍ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْخُرُوجُ لَهُ كَالسَّفَرِ إلَى مَوْضِعِ الِاسْتِيطَانِ، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ مَعْنَاهُ التِّجَارَةُ فِي الْحَجِّ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا سَفَرٌ مَقْصِدُهُ بِمَالِ الْقِرَاضِ إلَى مَوْضِعِ غَيْرِ اسْتِيطَانٍ فَكَانَتْ نَفَقَتُهُ فِي كَثِيرِهِ كَمَا لَوْ أَرَادَ سَفَرًا مَعَ السَّفَرِ لِلْقِرَاضِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ السَّفَرُ مِنْ أَسْفَارِ الْقُرْبَةِ إلَّا أَنَّهُ أَرَادَ حَاجَةً مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فِي بَلَدٍ فَلَمَّا تَجَهَّزَ أَعْطَاهُ رَجُلٌ مَالًا قِرَاضًا فَأَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ مَعَهُ فَهَلْ لَهُ نَفَقَةٌ فِي مَالِ الْقِرَاضِ أَوْ لَا رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَهُ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا نَفَقَةَ لَهُ فِيهِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا مَالٌ حَصَلَتْ تَنْمِيَتُهُ بِسَفَرٍ عَرَا عَنْ الْقُرْبَةِ، وَالتَّوَجُّهِ إلَى الْوَطَنِ فَكَانَتْ نَفَقَةُ الْعَامِلِ فِيهِ كَمَا لَوْ سَافَرَ إلَى أَهْلِهِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ سَفَرَهُ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ هَذَا الْمَالِ فَلَمْ تَكُنْ نَفَقَةُ الْعَامِلِ فِيهِ كَمَا لَوْ سَافَرَ إلَى أَهْلِهِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَكَيْفَ تَكُونُ لَهُ النَّفَقَةُ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ الْخُرُوجَ بِمَالٍ لِلتِّجَارَةِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ تُفَضُّ عَلَى الْمَالَيْنِ جَمِيعًا، وَإِنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ لِحَاجَةٍ نُظِرَ إلَى قَدْرِ نَفَقَتِهِ فِي طَرِيقِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مِائَةً وَكَانَ مَالُ الْقِرَاضِ تِسْعَمِائَةٍ فَإِنَّ عَلَى مَالِ الْقِرَاضِ مِنْ نَفَقَتِهِ تِسْعَةَ أَعْشَارِهَا وَعَلَيْهِ عُشْرُهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ سَافَرَ بِمَالِ الْقِرَاضِ إلَى بَلَدٍ هُوَ بِهِ مُسْتَوْطِنٌ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي الذَّهَابِ وَلَهُ النَّفَقَةُ فِي الْإِيَابِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ غَرَضَهُ فِي الذَّهَابِ إلَى أَهْلِهِ مَنَعَهُ النَّفَقَةَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي رُجُوعِهِ إلَّا تَنْمِيَةَ الْمَالِ فَكَانَتْ نَفَقَتُهُ فِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ السَّفَرُ إلَى الْغَزْوِ فَإِنَّ غَرَضَهُ فِي الذَّهَابِ الْغَزْوُ وَغَرَضَهُ فِي الرُّجُوعِ الْخُرُوجُ مِنْ بَلَدِ الْكُفْرِ فَمَنَعَ ذَلِكَ النَّفَقَةَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَشْهَبَ فِيمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِبَلَدِ صَاحِبِ الْمَالِ وَأَهْلٌ حَيْثُ يُسَافِرُ أَنَّ لَهُ النَّفَقَةَ فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ وَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي مُقَامِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَاَلَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ: لَا نَفَقَةَ لَهُ فِي الذَّهَابِ وَلَا الْإِيَابِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ قَدْ تَقَدَّمَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ بَعِيدًا أَوْ قَرِيبًا، فَإِنْ كَانَ السَّفَرُ بِالْمَالِ قَرِيبًا مِثْلُ دِمْيَاطَ فِي مِثْلِ مَنْ يَخْرُجُ لِشِرَاءِ صُوفٍ أَوْ سَمْنٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُرِيدُ الْمُقَامَ لِشِرَاءِ الْحُبُوبِ وَغَيْرِهَا الشَّهْرَيْنِ، وَالثَّلَاثَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ سَفَرٌ، وَإِنْ قَرُبَ الْمَكَانُ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ وَيَكْتَسِي فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَأْكُلُ وَلَا يَكْتَسِي وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدْ يَكْتَرِي مِنْهُ مَرْكُوبًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّفَقَاتِ الَّتِي تَخْتَصُّ لِقَرِيبِ الْمُدَدِ يَلْزَمُ هَذَا السَّفَرَ لِقُرْبِهِ كَالْأَكْلِ وَالرُّكُوبِ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَعَانِي يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي قَرِيبِ السَّفَرِ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِي كِسْوَةً لِيَوْمٍ وَلَا لِيَوْمَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ السَّفَرُ بَعِيدًا فَلِلْعَامِلِ فِي مَالِ الْقِرَاضِ مُؤْنَتُهُ الْمُعْتَادَةُ مِنْ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ وَكِرَاءِ مَسْكَنٍ وَدُخُولِ حَمَّامٍ وَحِجَامَةٍ وَحَلْقِ رَأْسٍ وَغَسْلِ ثَوْبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُعْتَادَةِ الَّتِي لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا الْإِنْسَانُ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحِجَامَةِ، وَالْحَمَّامِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ فِي حِجَامَةٍ وَحَمَّامٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ مُسَافِرٌ فِي حَضَرٍ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ أَصْلُهُ مَا يَأْكُلُ وَيَكْتَسِي بِهِ وَأَمَّا الدَّوَاءُ فَلَيْسَ فِي مَالِ الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تُسْتَعْمَلُ عَلَى مُعْتَادِ الْعَادَةِ، وَإِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُعْتَادَةٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَنَفَقَتُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ وَحَالِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ نَفَقَةٌ يُعْتَبَرُ فِيهَا كَثْرَةُ الْمَالِ وَقِلَّتُهُ فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهَا حَالُ مَنْ يُنْفَقُ

стр. 1510

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَخَرَجَ بِهِ وَبِمَالِ نَفْسِهِ قَالَ يَجْعَلُ النَّفَقَةَ مِنْ الْقِرَاضِ وَمِنْ مَالِهِ عَلَى قَدْرِ حِصَصِ الْمَالِ) . ــ [المنتقى] عَلَيْهِ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ، وَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَإِنَّ الَّذِي يَلْزَمُ مَالَ الْقِرَاضِ مِنْ كِسْوَةِ الْعَامِلِ كِسْوَةُ مِثْلِهِ فِي مُقَامِهِ وَسَفَرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ الَّذِي لَهُ مِنْ الْكِسْوَةِ الَّتِي لَوْلَا الْخُرُوجُ بِالْمَالِ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ يَبْطُلُ بِالنَّفَقَةِ لِلْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُدْخِلُهُ عَلَيْهِ السَّفَرُ بِالْمَالِ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ فِي الْمَالِ. (فَرْعٌ) وَكَمْ مَبْلَغُ الْمَالِ الْكَثِيرِ؟ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْقِرَاضِ، وَالْبِضَاعَةِ خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ أَرْبَعِينَ أَنَّ نَفَقَةَ الْعَامِلِ وَالْمُبْضِعِ مَعَهُ وَكِسْوَتَهُمَا فِي بَعِيدِ السَّفَرِ وَفِي السَّفَرِ الْقَرِيبِ نَفَقَتُهُ دُونَ كِسْوَتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ الْمَالُ يَسِيرًا لَا يَحْتَمِلُ مُؤْنَةَ الْعَامِلِ فِيهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِلْعَامِلِ فِيهِ نَفَقَةٌ وَلَا كِسْوَةٌ فِي بَعِيدِ السَّفَرِ وَلَا قَرِيبِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَالَ الْيَسِيرَ لَا يَحْتَمِلُ النَّفَقَةَ وَلَا يُقْصَدُ بِسَبَبِهِ السَّفَرُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ شَرَطَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ لَا يُنْفِقَ مِنْ الْمَالِ الَّذِي يَحْتَمِلُ النَّفَقَةَ فِي سَفَرٍ بَعِيدٍ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، فَإِنْ وَقَعَ فَهُوَ أَجِيرٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ اشْتَرَطَ زِيَادَةً لَا يَقْتَضِيهَا مُطْلَقُ عَقْدِ الْقِرَاضِ فَوَجَبَ أَنْ يَفْسُدَ الْقِرَاضُ كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ الْمِقْدَارِ مِنْ الرِّبْحِ لِنَفْسِهِ خَالِصًا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَيَسْتَأْجِرُ مِنْ الْمَالِ إذَا كَانَ كَثِيرًا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَكْفِيهِ بَعْضُ مُؤْنَتِهِ يُرِيدُ إذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْهُ مَنْ يُعِينُهُ عَلَى حِفْظِهِ وَالْقِيَامِ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا سُنَّةُ هَذَا الْمَالِ فِي الْقِرَاضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَمِنْ الْأَعْمَالِ أَعْمَالٌ لَا يَعْمَلُهَا الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ وَلَيْسَ مِثْلُهُ يَعْمَلُهَا يُرِيدُ أَنَّ بَعْضَ الْأَعْمَالِ لَا يَعْمَلُهَا الْمُقَارِضُ مِنْ الْقِصَارَةِ، وَالصَّبْغِ، وَالْخِيَاطَةِ، وَإِنَّمَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَعْمَلَهَا الصُّنَّاعُ وَمِنْهَا مَا لَا يَعْمَلُهَا مِثْلُ الْمُقَارِضِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُمْكِنُ أَكْثَرَ النَّاسِ عَمَلُهَا كَالشَّدِّ، وَالطَّيِّ، وَالنَّقْلِ فَمِثْلُ هَذَا يُحْكَمُ فِيهِ بِالْمُعْتَادِ الْمَعْرُوفِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْعُمَّالِ مَنْ لَهُ الْحَالُ، وَالْمَعْرُوفُ، وَالتَّصَاوُنُ فَيُحْمَلُ عَلَى عَادَتِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَتَقَاضِي الدَّيْنِ يُرِيدُ حَقَّهُ، وَالْمُطَالَبَةَ بِهِ، وَأَمَّا قَبْضُهُ فَهُوَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ الْعَامِلُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَبْضَ الْأَجِيرِ الْمَأْمُونِ الدَّرَاهِمَ الْيَسِيرَةَ فَيَأْتِيهِ بِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إذَا سَافَرَ الْعَامِلُ بِمَالِ الْقِرَاضِ وَبِمَالٍ آخَرَ وَأَنْشَأَ السَّفَرَ لَهُمَا فَإِنَّ نَفَقَتَهُ وَمُؤْنَتَهُ مُقَسَّطَةٌ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ كَانَ بِسَبَبِهِمَا، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُطْلَقِ عَقْدِ الْقِرَاضِ هَلْ يَقْتَضِي السَّفَرَ بِالْمَالِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لِلْعَامِلِ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ، وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ اسْمَ الْعَقْدِ مَأْخُوذٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] فَإِذَا كَانَ مَعْنَى الْمُضَارَبَةِ السَّفَرَ فَمُحَالٌ أَنْ يُنَافِيَهُ مُطْلَقُ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا وَجْهٌ مَقْصُودٌ مِنْ وُجُوهِ التَّنْمِيَةِ أَصْلُ ذَلِكَ سَائِرُ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا مَأْذُونٌ لَهُ فِي الشِّرَاءِ بِعَقْدٍ جَائِزٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ السَّفَرُ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ كَالْوَكِيلِ عَلَى الشِّرَاءِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَهَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ أَمَّا الْمَالُ الْيَسِيرُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ سَفَرًا بَعِيدًا إلَّا بِإِذْنِ رَبِّهِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَالَ الْيَسِيرَ لَا يَحْتَمِلُ الْإِنْفَاقَ مِنْهُ فِي السَّفَرِ فَلَمْ يَقْتَضِ سَفَرًا يُنْفِقُ الْعَامِلُ فِيهِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1511

مَا لَا يَجُوزُ مِنْ النَّفَقَةِ فِي الْقِرَاضِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ مَعَهُ مَالُ قِرَاضٍ فَهُوَ يَسْتَنْفِقُ مِنْهُ وَيَكْتَسِي أَنَّهُ لَا يَهَبُ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يُعْطِي مِنْهُ سَائِلًا وَلَا غَيْرَهُ وَلَا يُكَافِئُ فِيهِ أَحَدًا فَأَمَّا إنْ اجْتَمَعَ هُوَ وَقَوْمٌ فَجَاءُوا بِطَعَامٍ وَجَاءَ هُوَ بِطَعَامٍ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاسِعًا إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ أَوْ مَا يُشْبِهُهُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ الْمَالِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ ذَلِكَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ، فَإِنْ حَلَّلَهُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يُحَلِّلَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ إنْ كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا لَهُ مُكَافَأَةٌ) . الدَّيْنُ فِي الْقِرَاضِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً، ثُمَّ بَاعَ السِّلْعَةَ بِدَيْنٍ فَرَبِحَ فِي الْمَالِ، ثُمَّ هَلَكَ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمَالَ قَالَ إنْ أَرَادَ وَرَثَتُهُ أَنْ يَقْبِضُوا ذَلِكَ الْمَالَ وَهُمْ عَلَى شَرْطِ أَبِيهِمْ مِنْ الرِّبْحِ فَذَلِكَ لَهُمْ إذَا كَانُوا أُمَنَاءَ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ، وَإِنْ كَرِهُوا أَنْ يَقْتَضُوهُ وَخَلُّوا بَيْنَ صَاحِبِ الْمَالِ وَبَيْنَهُ لَمْ يُكَلَّفُوا أَنْ يَقْتَضُوهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَلَا شَيْءَ لَهُمْ إذَا أَسْلَمُوهُ إلَى رَبِّ الْمَالِ، فَإِنْ اقْتَضَوْهُ فَلَهُمْ فِيهِ مِنْ الشَّرْطِ وَالنَّفَقَةِ مِثْلُ مَا كَانَ لِأَبِيهِمْ فِي ذَلِكَ هُمْ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِأَمِينٍ ثِقَةٍ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ الْمَالَ فَإِذَا اقْتَضَى جَمِيعَ الْمَالِ وَجَمِيعَ الرِّبْحِ كَانُوا فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِمْ ــ [المنتقى] [مَا لَا يَجُوزُ مِنْ النَّفَقَةِ فِي الْقِرَاضِ] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى الْهِبَةِ مِنْهُ، وَالتَّفَضُّلِ عَلَى النَّاسِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَا يُعْطِي مِنْهُ سَائِلًا وَلَا غَيْرَهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُعْطِي مِنْهُ مَنْ سَأَلَ الدَّرَاهِمَ وَالثِّيَابَ وَإِمَّا أَنْ يُعْطِيَ مِنْهُ الْكِسْوَةَ، وَالْقِطْعَةَ لِلسَّائِلِ الرَّاضِي بِالدُّونِ الْمُتَكَفِّفِ لِلنَّاسِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَمَّا إنْ اجْتَمَعَ هُوَ وَقَوْمٌ فَجَاءُوا بِطَعَامٍ وَجَاءَ هُوَ بِطَعَامٍ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاسِعًا إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَرُفَقَاؤُهُ وَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الرُّفَقَاءِ أَنْ يَتَخَارَجُوهُ فِي النَّفَقَاتِ فَيُخْرِجُ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا يَتَعَاوَنُ فِيهِ ثُمَّ يُنْفِقُونَ مِنْهُ فِي طَعَامِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَشْمَلُهُمْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَأْكُلُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ أَكْثَرَ مِنْ صَاحِبِهِ وَمَنْ يَصُومُ فِي يَوْمٍ دُونَ رُفَقَائِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَدْعُوا الْحَاجَةُ إلَيْهِ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّ انْفِرَادَ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ بِتَوَلِّي طَعَامَهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ وَيَشْغَلُهُ عَمَّا هُوَ بِسَبَبِهِ مِنْ أَمْرِ سَفَرِهِ، فَإِذَا تَرَافَقَ جَمَاعَةٌ تَوَلَّى كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ مِنْ الْعَمَلِ لِنَفْسِهِ وَلِأَصْحَابِهِ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ الْجَمَاعَةُ وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ الصَّحَابَةُ وَعَمَلُ الْمُسْلِمِينَ إلَى هَلُمَّ جَرًّا لَا يُعَدُّ ذَلِكَ تَفَضُّلًا مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ إنَّ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ الْجَمَاعَةُ جَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِطَعَامٍ فَأَكَلُوا جَمِيعًا فِي سَفَرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ تَفَضُّلًا مِنْ الْعَامِلِ إذَا كَانَ مِنْ الْأَمْرِ الْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ تَفَضُّلًا إذَا أَتَى بِأَمْرٍ يُسْتَنْكَرُ مِنْ ذَلِكَ وَيَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَنْمِيَةٌ لِمَالِ التِّجَارَةِ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ إمَّا بِأَنْ يَجْعَلَهُ فِي حِلٍّ وَيُمْضِيَ فِعْلَهُ وَإِمَّا بِأَنْ يَحْتَسِبَ بِقَدْرِ التَّفَضُّلِ عَلَى نَفْسِهِ. [الدَّيْنُ فِي الْقِرَاضِ] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْعَامِلَ إذَا تُوُفِّيَ بَعْدَ أَنْ يَشْغَلَ مَالَ الْقِرَاضِ فَإِنَّ حَقَّ عَمَلِهِ فِيهِ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ فَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ بَعْدَ

стр. 1512

) . ــ [المنتقى] ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُمْ فِي الْمَالِ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ عَنْ مَوْرُوثِهِمْ. (مَسْأَلَةٌ) : وَشَغْلُ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِجَمِيعِهِ أَوْ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُ فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْمَالِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ إنْ أَرَادُوا الْعَمَلَ فِيهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْمَلُوا فِيهِ بِمِقْدَارِ مَا كَانَ لِمَوْرُوثِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ حَلُّوا مَحَلَّهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا إذَا اشْتَرَى بِهِ زَادَهُ وَكِسْوَتَهُ أَوْ اكْتَرَى رَاحِلَةً لِيُسَافِرَ ثُمَّ تُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يُسَافِرَ) فَإِنَّ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ وَيَأْخُذَ مَا ابْتَاعَ مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَلَا رُجُوعَ لَهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ إنْ دَخَلَ ذَلِكَ نَقْصٌ عَمَّا ابْتَاعَهُ بِهِ وَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَقُولُوا لَا بُدَّ أَنْ نَعْمَلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَوْرُوثَهُمْ لَوْ كَانَ حَيًّا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَدَمِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ سَافَرَ بِهِ، وَلَمْ يَبْتَعْ بِهِ شَيْئًا فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ لِرَبِّ الْمَالِ إنْ مَاتَ وَقَدْ سَافَرَ الْعَامِلُ بِالْمَالِ فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ وَإِنْ الْتَزَمَ نَفَقَتَهُ، وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ الْعَامِلَ إذَا أَشْخَصَ بِالْمَالِ، ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْهُ صَاحِبُ الْمَالِ أَنَّ نَفَقَتَهُ فِي الرُّجُوعِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فَعَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ أَنَّ السَّفَرَ عَمَلٌ فِي مَالِ الْقِرَاضِ وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ لَيْسَ ذَلِكَ بِعَمَلٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ التِّجَارَةَ عَمَلٌ مَقْصُودٌ وَتَصَرُّفٌ مُعْتَادٌ لِلتِّجَارَةِ فَمُنِعَ أَخْذُ مَالِ الْقِرَاضِ كَالشِّرَاءِ، وَالْبَيْعِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَالَ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَكَانَ لِرَبِّ الْمَالِ أَخْذُهُ أَصْلُهُ إذَا لَمْ يُسَافِرْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِذَا اشْتَرَى سِلَعًا فَبَاعَهَا بِرِبْحٍ يُرِيدُ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ أَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِي أَنْ يَبِيعَ بِالدَّيْنِ وَالْعَرْضِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يَبْتَاعَ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا بَاعَ بِدَيْنٍ لَمْ تَخْرُجْ تِجَارَتُهُ عَنْ مَالِ الْقِرَاضِ وَإِذَا اشْتَرَى بِدَيْنٍ خَرَجَ عَمَلُهُ عَنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَيَعُودُ ذَلِكَ بِالْجَهْلِ بِرَأْسِ مَالِ الْقِرَاضِ بِزِيَادَةٍ يَزْدَادُهَا عَلَى الْعَامِلِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَبِيعَ بِنَسِيئَةٍ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ وَدَلِيلُنَا عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا عَقْدٌ يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَلَمْ يَقْتَضِ مُطْلَقُهُ الْأَجَلَ كَالْوَكَالَةِ عَلَى الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ شَرَطَ الْبَيْعَ بِالنَّسِيئَةِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ عَمَلٍ عَلَى الْعَامِلِ اشْتَرَطَهُ رَبُّ الْمَالِ، وَالثَّانِي أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، فَإِنْ بَاعَ بِهِ، ثُمَّ فَسَخَا الْقِرَاضَ كَانَ عَلَى الْعَامِلِ قَبْضُ الدُّيُونِ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ أَوْ خَسَارَةٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ لَزِمَهُ قَبْضُ الدُّيُونِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا دَيْنٌ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَلَزِمَ الْعَامِلَ قَبْضُهُ أَصْلُهُ إذَا كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ هَلَكَ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمَالَ يُرِيدُ هَلَكَ الْعَامِلُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ مَا بَاعَ بِالدَّيْنِ فَإِنَّ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَقْبِضُوا ذَلِكَ الْمَالَ وَلَهُمْ فِيهِ شَرْطُ أَبِيهِمْ يُرِيدُ مِنْ قَدْرِ الرِّبْحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّفَقَةِ، وَالْكِسْوَةِ إنْ وَجَبَ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إذَا كَانُوا أُمَنَاءَ عَلَى ذَلِكَ وَصِفَةُ الْعَامِلِ الَّذِي يَرْفَعُ الْمَالَ مِنْ الْوَرَثَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ أَنْ يَكُونَ مَأْمُونًا عَلَى مِثْلِهِ عَالِمًا بِالْعَمَلِ فِيهِ، وَالْحِفْظِ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْعَامِلِ) ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَأْمُونًا وَلَمْ يَكُنْ بَصِيرًا بِالْعَمَلِ، وَالتِّجَارَةِ خَسِرَ فِي الْمَالِ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِأَمَانَتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ، وَلَمْ يَأْتُوا بِأَمِينٍ وَأَرَادُوا تَرْكَ الْعَمَلِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ رِبْحِهِ شَيْءٌ وَلَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ خَسَارَتِهِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ وَلَا كُلِّفُوا قَبْضَهُ وَلَا صَرْفَهُ عَيْنًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَامِلِ إذَا شَغَلَ الْمَالَ بِسِلَعٍ لَيْسَ لَهُ تَرْكُ الْمَالِ حَتَّى يُصَيِّرَهُ عَيْنًا أَنَّ الْعَامِلَ قَدْ الْتَزَمَ ذَلِكَ وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَلْتَزِمُوا إنَّمَا لَهُمْ مَا تَرَكَ مَوْرُوثُهُمْ مِنْ حَقٍّ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ مَا تَرَكَ مِنْ عَمَلٍ، وَدَيْنُ الْعَامِلِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ، كَمَا لَهُ اسْتِيفَاءُ مَالِهِ مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1513

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا عَلَى أَنَّهُ يَعْمَلُ فِيهِ فَمَا بَاعَ بِهِ مِنْ دَيْنٍ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ إنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ إنْ بَاعَ بِدَيْنٍ فَقَدْ ضَمِنَهُ) . الْبِضَاعَةُ فِي الْقِرَاضِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا وَاسْتَسْلَفَ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ سَلَفًا أَوْ اسْتَسْلَفَ مِنْهُ صَاحِبُ الْمَالِ سَلَفًا أَوْ أَبْضَعَ مَعَهُ صَاحِبُ الْمَالِ بِضَاعَةً يَبِيعُهَا لَهُ أَوْ بِدَنَانِيرَ يَشْتَرِي لَهُ بِهَا سِلْعَةً قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ أَبْضَعَ مَعَهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَالُهُ عِنْدَهُ ثُمَّ سَأَلَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَعَلَهُ لِإِخَاءٍ بَيْنَهُمَا أَوْ لِيَسَارَةِ مُؤْنَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْزِعْ مَالَهُ مِنْهُ أَوْ كَانَ الْعَامِلُ إنَّمَا اسْتَسْلَفَ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ أَوْ حَمَلَ لَهُ بِضَاعَةً، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَالُهُ عِنْدَهُ فَعَلَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَوْ أَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ لَمْ يَرْدُدْ عَلَيْهِ مَالَهُ فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ، وَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي أَصْلِ الْقِرَاضِ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ شَرْطٌ أَوْ خِيفَ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ الْعَامِلُ لِصَاحِبِ الْمَالِ لِيُقِرَّ مَالَهُ فِي يَدَيْهِ أَوْ إنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْمَالِ لَأَنْ يُمْسِكَ الْعَامِلُ مَالَهُ وَلَا يَرُدَّهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ، وَهُوَ مِمَّا يَنْهَى عَنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ) . السَّلَفُ فِي الْقِرَاضِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَسْلَفَ رَجُلًا مَالًا ثُمَّ سَأَلَهُ الَّذِي تَسَلَّفَ الْمَالَ أَنْ يُقِرَّهُ عِنْدَهُ قِرَاضًا قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ ذَلِكَ حَتَّى يَقْبِضَ مَالَهُ مِنْهُ ثُمَّ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ قِرَاضًا إنْ شَاءَ أَوْ يُمْسِكَهُ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَهُ عَلَيْهِ سَلَفًا قَالَ لَا أُحِبُّ ذَلِكَ حَتَّى يَقْبِضَ مِنْهُ مَالَهُ، ثُمَّ يُسَلِّفَهُ إيَّاهُ إنْ شَاءَ أَوْ يُمْسِكَهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَقَصَ فِيهِ فَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ فِيهِ مَا نَقَصَ مِنْهُ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَا يَجُوزُ وَلَا يَصْلُحُ) . ــ [المنتقى] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ أَلَّا يَبِيعَ بِالدَّيْنِ فَبَاعَ بِهِ أَنَّهُ ضَامِنٌ إنْ كَانَتْ فِيهِ خَسَارَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَ بِالدَّيْنِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا؛ لِأَنَّ تَعَدِّيَهُ فِي بَيْعِهِ بِالدَّيْنِ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ مِنْ الرِّبْحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْبِضَاعَةُ فِي الْقِرَاضِ] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ أَبْضَعَ أَحَدُهُمَا مَعَ صَاحِبِهِ أَوْ اسْتَسْلَفَ مِنْهُ بِشَرْطٍ كَانَ فِي أَصْلِ الْقِرَاضِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا فِي الْقِرَاضِ لَيْسَتْ مِنْ الرِّبْحِ فَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلَكِنَّهُ فَعَلَهُ بَعْدَ عَقْدِ الْقِرَاضِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَمَلِ فِي الْمَالِ أَوْ قَبْلَهُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعَمَلِ وَكَانَ ذَلِكَ لِإِخَاءٍ بَيْنَهُمَا وَمَوَدَّةٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ لِإِبْقَاءِ الْقِرَاضِ وَاسْتِدَامَتِهِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْهُدْنَةِ لِإِبْقَاءِ الْقِرَاضِ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْعَمَلِ فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الْعَامِلِ يُسَافِرُ بِمَالِ الْقِرَاضِ فَيَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا أُنْفِقُ مِنْ مَالِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَالُ عَيْنًا بِعَدٍّ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الشِّرَاءِ أَوْ الشُّخُوصِ بِهِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمَالَ إذَا كَانَ عَيْنًا بِعَدٍّ فَفِيهِ تُهْمَةٌ. [السَّلَفُ فِي الْقِرَاضِ] (ش) :

стр. 1514

الْمُحَاسَبَةُ فِي الْقِرَاضِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَعَمِلَ فِيهِ فَرَبِحَ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ وَصَاحِبُ الْمَالِ غَائِبٌ قَالَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِ الْمَالِ، وَإِنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ ضَامِنٌ حَتَّى يُحْسَبَ مَعَ الْمَالِ إذَا اقْتَسَمَاهُ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِلْمُتَقَارَضَيْنِ أَنْ يَتَحَاسَبَا وَيَتَفَاصَلَا، وَالْمَالُ غَائِبٌ عَنْهُمَا حَتَّى يَحْضُرَ الْمَالُ فَيَسْتَوْفِيَ صَاحِبُ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى شَرْطِهِمَا) . ــ [المنتقى] أَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ، وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فَهُوَ عَلَى مَا قَالَ إنَّهُ إذَا عَمِلَ الْعَامِلُ بِالْمَالِ مُدَّةً، ثُمَّ أَخْبَرَ رَبَّ الْمَالِ بِمَبْلَغِهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يُقِرَّهُ عِنْدَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَقْبِضَهُ مِنْهُ قَبْضًا نَاجِزًا، ثُمَّ إنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ قِرَاضًا فَعَلَ لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَهُ نَقْصٌ، فَيُؤَخِّرَهُ عَنْهُ لِيَضْمَنَ لَهُ النَّقْصَ فِيهِ فَيَدْخُلَهُ السَّلَفُ لِلزِّيَادَةِ وَيَدْخُلَهُ أَيْضًا فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ؛ لِأَنَّ لِلْقِرَاضِ بَعْضَ التَّعَلُّقِ بِذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الْخَسَارَةَ فِيهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهَا فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَضْمَنُ، وَلَوْ ادَّعَى تَبْرِئَةً لَمْ يَضْمَنْ وَإِذَا أَسْلَفَهُ إيَّاهُ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ فَهُوَ مِنْ بَابِ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ أَحْضَرَ الْعَامِلُ الْمَالَ فَسَأَلَ صَاحِبَهُ أَنْ يُخَلِّيَهُ عِنْدَهُ قِرَاضًا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يَقْبِضَهُ مِنْهُ، ثُمَّ يُسَلِّفَهُ إنْ شَاءَ وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ حُضُورَ الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ قَبْضِهِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ. [الْمُحَاسَبَةُ فِي الْقِرَاضِ] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ إلَّا بِحَضْرَةِ رَبِّ الْمَالِ وَحَضْرَةِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ حِصَّتَهُ مِنْهُ مُقَاسَمَةٌ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَاسَمَا رِبْحَ الْقِرَاضِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُحَصَّلَ رَأْسُ الْمَالِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ حَضَرَ الْمَالُ وَصَاحِبُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ وَيَبْقَى الْبَاقِي عِنْدَهُ عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ أَوْ تَقَاسَمَا الرِّبْحَ وَيَبْقَى رَأْسُ الْمَالِ عِنْدَهُ عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ وَلَمْ يَقْبِضْهُ مِنْهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ حَتَّى يَقْبِضَهُ مِنْهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ بَقَاءَ الْمَالِ بِيَدِ الْعَامِلِ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَبَضَهُ عَلَيْهِ وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا قَبْضُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ وَجْهَ الصِّحَّةِ فِي الْقِرَاضِ أَنْ يُجْبَرَ رَأْسُ الْمَالِ بِرِبْحِهِ، وَلَوْ أَمْضَيْنَا مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مَا قَسَمَاهُ مِنْ الرِّبْحِ عَلَى أَنْ يُجْبَرَ بِهِ رَأْسُ مَالِ الْقِرَاضِ إنْ دَخَلَهُ نَقْصٌ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ كَمَا لَوْ شَرَطَاهُ. (فَرْعٌ) وَلَوْ عَمِلَا ذَلِكَ فَمَنْ قَبَضَ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ، ثُمَّ نَقَصَ رَأْسُ الْمَالِ فَإِنَّهُ يَرُدُّ مَا قَبَضَ لِيَجْبُرَ بِهِ رَأْسَ الْمَالِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ رَدُّ الرِّبْحِ عَلَى مَا بَنَيَا عَلَيْهِ عَقْدَ الْقِرَاضِ الصَّحِيحِ حِينَ عَقَدَاهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَخَذَ رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ وَبَقِيَ الْبَاقِي بِيَدِ الْعَامِلِ عَلَى الْقِرَاضِ فَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَهِيَ الْآنَ شِرْكَةٌ لَا تَصْلُحُ إلَّا أَنْ يَعْمَلَا فِيهَا جَمِيعًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ رَأْسَ مَالِهِ فَقَدْ بَقِيَ الْبَاقِي مِلْكًا لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَمَلُهُ عَنْ رَأْسِ مَالٍ فَهُمَا شَرِيكَانِ وَمُقْتَضَى الشِّرْكَةِ عَمَلُ الشَّرِيكَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَصِفَةُ الْقِسْمَةِ أَنْ يُحْضِرَ الْمَالَ فَيَأْخُذَ صَاحِبُ الْمَالِ مِنْ الْعَيْنِ مِثْلَ مَا دَفَعَ أَوْ يَأْخُذَ بِهِ سِلْعَةً إنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الْبَاقِيَ عَيْنًا أَوْ سِلَعًا إنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ زَادَ ابْنُ مُزَيْنٍ لَا رِبْحَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يَحْضُرَ الْمَالُ حُضُورَ صِحَّةٍ وَيَأْخُذَهُ صَاحِبُهُ أَخْذَ مُفَاصَلَةٍ وَقَطْعٍ لِمَا بَيْنَهُمَا، ثُمَّ إنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ قِرَاضًا فَهُوَ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الْقِرَاضِ الثَّانِي وَالْأَوَّلِ فَأَمَّا أَنْ يَحْضُرَ وَيَقْبِضَهُ صَاحِبُهُ قَبْضًا عَلَى غَيْرِ صِحَّةٍ وَمُفَاصَلَةٍ بِانْقِطَاعٍ، ثُمَّ يَرُدَّهُ إلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ وَفِي الْفَوْرِ قِرَاضًا فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَلَمْ يُقْبَضْ، وَهُوَ قِرَاضٌ وَاحِدٌ يُجْبَرُ الْآخِرُ بِالْأَوَّلِ إنْ جَاءَتْ فِيهِ وَضِيعَةٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا إنْ تَشَاحَّا أَوْ شَحَّ أَحَدُهُمَا لَمْ يَأْخُذْ صَاحِبُ الْمَالِ إلَّا مِثْلَ مَا أَعْطَى وَعَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ يَلْزَمُ الْعَامِلَ أَنْ

стр. 1515

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَطَلَبَهُ غُرَمَاؤُهُ فَأَدْرَكُوهُ بِبَلَدٍ غَائِبًا عَنْ صَاحِبِ الْمَالِ وَفِي يَدَيْهِ عَرْضٌ مُرْبِحٌ بَيِّنٌ فَضْلُهُ فَأَرَادُوا أَنْ يُبَاعَ لَهُمْ الْعَرْضُ فَيَأْخُذُونَ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ قَالَ لَا يُؤْخَذُ مِنْ رِبْحِ الْقِرَاضِ شَيْءٌ حَتَّى يَحْضُرَ صَاحِبُ الْمَالِ فَيَأْخُذَ مَالَهُ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى شَرْطِهِمَا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَتَجَرَ فِيهِ فَرَبِحَ، ثُمَّ عَزَلَ رَأْسَ الْمَالِ وَقَسَمَ الرِّبْحَ وَأَخَذَ حِصَّتَهُ وَطَرَحَ حِصَّةَ صَاحِبِ الْمَالِ فِي الْمَالِ بِحَضْرَةِ شُهَدَاءَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَالَ لَا تَجُوزُ قِسْمَةُ الرِّبْحِ إلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَ شَيْئًا رَدَّهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ صَاحِبُ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا) . ــ [المنتقى] يَرُدَّ جَمِيعَ الْمَالِ فَيَتَفَاسَخَانِ جَمِيعَ الرِّبْحِ بَعْدَ اقْتِضَاءِ رَأْسِ الْمَالِ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ بِرَأْسِ مَالِهِ سِلْعَةً يَجُوزُ سَلَمُ رَأْسِ الْمَالِ فِيهَا جَازَ، وَكَذَلِكَ إنْ اتَّفَقَا عَلَى قِسْمَةِ الرِّبْحِ عُرُوضًا عَلَى وَجْهٍ سَائِغٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُمَا ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ الْمَالُ دُيُونًا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ أَوْ عُرُوضًا فَسَلَّمَ ذَلِكَ الْمَالَ إلَى رَبِّ الْمَالِ بِرِضَاهُ بِذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَكِتَابِ مُحَمَّدٍ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ صَيَّرَ الْعَامِلُ الْمَالَ عُرُوضًا، ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى الْمُقَاسَمَةِ فَقَالَ الْعَامِلُ أَنَا آخُذُ الْعُرُوضَ وَلَك عَلَيَّ رَأْسُ مَالِكَ أَوْ لَك رَأْسُ مَالِكَ وَحِصَّتُك مِنْ الرِّبْحِ كَذَا. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَيْسَ لِغُرَمَاءِ الْعَامِلِ بَيْعُ الْمَالِ أَوْ أَخْذُ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ الْمُتَيَقَّنِ فِيهِ حَتَّى يَحْضُرَ صَاحِبُ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ لَا يَسْتَقِرُّ لَهُ مِلْكٌ عَلَى حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ حَتَّى يَقْبِضَ صَاحِبُ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ وَيُقَاسِمَهُ الرِّبْحَ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ قَامَ غُرَمَاءُ رَبِّ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ وَهُوَ غَائِبٌ وَالْمَالُ عَيْنٌ قَضَى الْغُرَمَاءُ دَيْنَهُمْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَحِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ وَدُفِعَ إلَى الْعَامِلِ حِصَّتُهُ مِنْ الرِّبْحِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ فَإِنْ كَانَ الْمَالُ سِلَعًا لَمْ يُحْكَمْ لَهُمْ بِالْبَيْعِ حَتَّى يُرَى لِلْبَيْعِ وَجْهٌ وَلَا يُبَاعُ لَهُمْ مِنْهُ دَيْنٌ حَتَّى يُقْبَضَ، وَلَوْ شَاءَ رَبُّ الْمَالِ تَعْجِيلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ غُرَمَاءِ الْعَامِلِ وَغُرَمَاءِ صَاحِبِ الْمَالِ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ قَالَ عِيسَى وَإِنَّمَا عَيْبَةُ صَاحِبِ الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَبْضَعَ مَعَ رَجُلٍ بِضَاعَةً فَلَمَّا قَدِمَ بَلَدَ الِابْتِيَاعِ قَامَ عَلَيْهِ غُرَمَاءُ صَاحِبِ الْمَالِ فَأَثْبَتُوا دَيْنَهُمْ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي لَهُمْ بِتَقَاضِي الْبِضَاعَةِ فِي دُيُونِهِمْ وَيَكْتُبُ لِلْمُبْضِعِ مَعَهُ بَرَاءَةً، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَمْلِكُ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ إلَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلِذَلِكَ لَا يُبَاعُ الْمَالُ لِغُرَمَائِهِ وَيُبَاعُ لِغُرَمَاءِ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ كُلَّهُ عَلَى مِلْكِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَلَا يَنْفَعُهُ الْإِشْهَادُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَشْهَدَ عَلَى فِعْلِ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ، فَإِنْ تَجَرَ فِيهِ فَرَبِحَ فَحِصَّةُ رَبِّ الْمَالِ فِي ذَلِكَ الرِّبْحِ، وَهُوَ قِطْعَةٌ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ وَيُجْبَرُ بِهِ نَقْصُهُ وَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْمَالِ حِصَّتُهُ مِنْ رِبْحِهِ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِلِ يَتَسَلَّفُ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَتَجَرَ فِيهِ لِنَفْسِهِ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ أَوْ يَرُدَّهُ إلَى حُكْمِ الْقِرَاضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَعَمِلَ فِيهِ فَجَاءَهُ فَقَالَ لَهُ هَذِهِ حِصَّتُك مِنْ الرِّبْحِ، وَقَدْ أَخَذْتُ لِنَفْسِي مِثْلَهُ وَرَأْسُ مَالِكَ وَافِرٌ عِنْدِي قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ ذَلِكَ حَتَّى يُحْضِرَ الْمَالَ كُلَّهُ فَيُحَاسِبَهُ حَتَّى يُحَصِّلَ رَأْسَ الْمَالِ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ وَافِرٌ وَيَصِلَ إلَيْهِ ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ يَرُدَّ إلَيْهِ الْمَالَ إنْ شَاءَ أَوْ يَحْبِسَهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ حُضُورُ الْمَالِ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ قَدْ نَقَصَ فِيهِ فَهُوَ يَجِبُ أَنْ لَا يَنْزِعَ مِنْهُ وَأَنْ يُقِرَّهُ فِي يَدِهِ) . (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسِمَ الرِّبْحُ إلَّا بَعْدَ رَدِّ رَأْسِ الْمَالِ وَقَبْضِ صَاحِبِهِ لَهُ؛ لِأَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَمْلِكُ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ إلَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَالرِّبْحُ تَبَعٌ فِي الْقِسْمَةِ لِرَأْسِ الْمَالِ لَا تَصِحُّ قِسْمَتُهُ إلَّا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ

стр. 1516

جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الْقِرَاضِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْمَالِ بِعْهَا. وَقَالَ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ لَا أَرَى وَجْهَ بَيْعٍ فَاخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ قَالَ لَا يُنْظَرُ فِي قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ وَالْبَصَرِ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ، فَإِنْ رَأَوْا وَجْهَ بَيْعٍ بِيعَتْ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ رَأَوْا وَجْهَ انْتِظَارٍ اُنْتُظِرَ بِهَا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَخَذَ مِنْ رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَعَمِلَ فِيهِ، ثُمَّ سَأَلَهُ صَاحِبُ الْمَالِ عَنْ مَالِهِ فَقَالَ هُوَ عِنْدِي وَافِرٌ فَلَمَّا أَخَذَهُ بِهِ قَالَ قَدْ هَلَكَ عِنْدِي مِنْهُ كَذَا وَكَذَا لِمَالٍ يُسَمِّيهِ، وَإِنَّمَا قُلْت لَك ذَلِكَ لِكَيْ تَتْرُكَهُ عِنْدِي قَالَ لَا يَنْتَفِعُ بِإِنْكَارِهِ بَعْدَ إقْرَارِهِ أَنَّهُ عِنْدَهُ وَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ فِي هَلَاكِ ذَلِكَ الْمَالِ بِأَمْرٍ يُعْرَفُ بِهِ. قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَمْرٍ مَعْرُوفٍ أُخِذَ بِإِقْرَارِهِ وَلَمْ يَنْفَعْهُ إنْكَارُهُ قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَوْ قَالَ رَبِحْت فِي الْمَالِ كَذَا وَكَذَا فَسَأَلَهُ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالَهُ وَرِبْحَهُ فَقَالَ مَا رَبِحْت فِيهِ شَيْئًا وَمَا قُلْت ذَلِكَ إلَّا لَأَنْ تُقِرَّهُ فِي يَدَيَّ فَذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ وَيُؤْخَذُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَمْرٍ يُعْرَفُ بِهِ قَوْلُهُ وَصِدْقُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَرَبِحَ فِيهِ رِبْحًا فَقَالَ الْعَامِلُ قَارَضْتُك عَلَى أَنَّ لِي الثُّلُثَيْنِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَالِ قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ لَك الثُّلُثَ قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَمِينُ إذَا كَانَ مَا قَالَ يُشْبِهُ قِرَاضَ مِثْلِهِ وَكَانَ ذَلِكَ نَحْوًا مِمَّا يَتَقَارَضُ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَإِنْ جَاءَ بِأَمْرٍ يُسْتَنْكَرُ وَلَيْسَ عَلَى مِثْلِهِ يَتَقَارَضُ النَّاسُ لَمْ يُصَدَّقْ وَرُدَّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ) . ــ [المنتقى] مُقْتَضَى الْقِرَاضِ أَنْ يُجْبَرَ رَأْسُ الْمَالِ بِالرِّبْحِ، وَلَوْ عَقَدَا الْقِرَاضَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ، وَهَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِيهِ حَتَّى يُرَدَّ إلَى صَاحِبِهِ وَيَصِيرَ بِيَدَيْهِ كَسَائِرِ أَحْكَامِهِ مِنْ كَوْنِهِ أَمَانَةً بِيَدَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. [جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الْقِرَاضِ] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَبِيعَ عَلَى الْعَامِلِ سِلْعَةً مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إبْطَالٌ لِعَمَلِهِ وَإِتْلَافٌ لِمَا يَبْقَى لَهُ مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ، وَالْقِرَاضُ قَدْ لَزِمَهُمَا عَلَى وَجْهِ مَا دَخَلَا فِيهِ بِالشِّرَاءِ وَالْعَمَلِ فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِكَاكُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْمَعْهُودِ مِنْ التِّجَارَةِ وَطَلَبِ التَّنْمِيَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَالُ الْقِرَاضِ دَيْنًا دَايَنَ بِهِ الْعَامِلُ بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ، ثُمَّ أَرَادَ أَحَدُهُمَا بَيْعَ ذَلِكَ وَتَعْجِيلَ مَالِهِ وَأَبَاهُ الْآخَرُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْآبِي مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ دَعَا إلَى الْمَعْهُودِ مِنْ الْقِرَاضِ، وَالتِّجَارَةِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ أَنَّ الْمَالَ بَاقٍ عِنْدَهُ وَأَنَّهُ قَدْ رَبِحَ فِيهِ، فَإِنْ ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ الْخَسَارَةَ أَوْ ضَيَاعَ الْمَالِ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَرْبَحْ شَيْئًا لَمْ يُقْبَلْ) مُجَرَّدُ إنْكَارِهِ وَأُخِذَ بِأَوَّلِ إقْرَارِهِ، فَإِنْ أَتَى بِأَمْرٍ يُعْرَفُ بِهِ وَجْهُ مَا ادَّعَاهُ وَقَامَتْ لَهُ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ يُرِيدُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْخَسَارَةِ أَوْ ضَيَاعِ الْمَالِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَنْكَرَ الْقِرَاضَ جُمْلَةً فَلَمَّا قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ادَّعَى رَدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ فَقَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ عَلَى الرَّدِّ وَإِلَّا غُرِّمَ وَلَيْسَ مَنْ ادَّعَى الضَّيَاعَ مِثْلَ مَنْ ادَّعَى الْقَضَاءَ وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ إلَّا يَمِينُهُ وَيَبْرَأُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ ادَّعَى الضَّيَاعَ بَعْدَ إنْكَارِ الْقَبْضِ فَقَدْ رَوَى عِيسَى لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ عِيسَى يُصَدَّقُ وَيُغَرَّمُ وَبَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ إنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ شَرَطَ لِنَفْسِهِ الثُّلُثَيْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ مَا يَدَّعِيهِ الْعَامِلُ قِرَاضَ مِثْلِهِ دُونَ صَاحِبِ الْمَالِ، وَالثَّانِي أَنْ يَدَّعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يُشْبِهُ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَدَّعِيَ الْعَامِلُ مَا لَا يُشْبِهُ قِرَاضَ مِثْلِهِ

стр. 1517

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَعْطَى رَجُلًا مِائَةَ دِينَارٍ قِرَاضًا فَاشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَدْفَعَ إلَى رَبِّ السِّلْعَةِ الْمِائَةَ دِينَارٍ فَوَجَدَهَا قَدْ سُرِقَتْ فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ بِعْ السِّلْعَةَ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ كَانَ لِي، وَإِنْ كَانَ فِيهَا نُقْصَانٌ كَانَ عَلَيْك؛ لِأَنَّك أَنْتَ ضَيَّعْت، وَقَالَ الْمُقَارِضُ بَلْ عَلَيْك وَفَاءُ حَقِّ هَذَا إنَّمَا اشْتَرَيْتُهَا بِمَالِك الَّذِي أَعْطَيْتَنِي قَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُ الْعَامِلَ الْمُشْتَرِيَ أَدَاءُ ثَمَنِهَا إلَى الْبَائِعِ وَيُقَالُ لِصَاحِبِ الْمَالِ الْقِرَاضُ إنْ شِئْت فَأَدِّ الْمِائَةَ الدِّينَارِ إلَى الْمُقَارِضِ، وَالسِّلْعَةُ بَيْنَكُمَا وَتَكُونُ قِرَاضًا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْمِائَةُ الْأُولَى، وَإِنْ شِئْت فَابْرَأْ مِنْ السِّلْعَةِ، فَإِنْ دَفَعَ الْمِائَةَ دِينَارٍ إلَى الْعَامِلِ كَانَتْ قِرَاضًا عَلَى سُنَّةِ الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ أَبَى كَانَتْ السِّلْعَةُ لِلْعَامِلِ وَكَانَ عَلَيْهِ ثَمَنُهَا) . ــ [المنتقى] وَيَكُونُ دَعْوَى صَاحِبِ الْمَالِ يُشْبِهُ، وَالرَّابِعُ أَنْ يَدَّعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَا يُشْبِهُ، فَإِنْ ادَّعَى الْعَامِلُ مَا يُشْبِهُ وَادَّعَى صَاحِبُ الْمَالِ مَا لَا يُشْبِهُ أَوْ ادَّعَيَا جَمِيعًا مَا يُشْبِهُ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ فِي يَدِهِ فَكَانَ أَوْلَى بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رِبْحِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ ادَّعَى صَاحِبُ الْمَالِ مَا يُشْبِهُ دُونَ الْعَامِلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَهِدَ لَهُ، وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَا يُشْبِهُ رُدَّ إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ، فَإِنْ جَاءَ بِأَمْرٍ يُسْتَنْكَرُ لَمْ يُصَدَّقْ وَرُدَّ إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ قَالَا إنَّ الرِّبْحَ عَلَى الثُّلُثِ، وَالثُّلُثَيْنِ وَلَمْ يُسَمِّيَا لِمَنْ الثُّلُثَانِ حِينَ الْعَقْدِ، ثُمَّ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ الْقِسْمَةِ أَنْ يَكُونَ لَهُ الثُّلُثَانِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قِرَاضُ مِثْلِهِمَا يُشْبِهُ مَا يَدَّعِيهِ الْعَامِلُ أَوْ مَا يَدَّعِيَانِ جَمِيعًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ نَوَى ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمَغَارِبَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ جُعِلَ الثُّلُثُ لِلْعَامِلِ مِنْهُمَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْعَامِلَ لَهُ الْيَدُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَالَ وَرِبْحَهُ عَلَى مِلْكِ رَبِّ الْمَالِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْعَامِلُ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ بِالْقِسْمَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِضَى رَبِّ الْمَالِ بِذَلِكَ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ رِضَاهُ إلَّا بِالثُّلُثِ فَالْبَاقِي ثَابِتٌ عَلَى مِلْكِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ مَا يَدَّعِيهِ رَبُّ الْمَالِ يُشْبِهُ قِرَاضَ الْمِثْلِ دُونَ مَا يَدَّعِيهِ الْعَامِلُ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ إنْ ادَّعَى الْبَيِّنَةَ وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يَكُونُ لَهُ الثُّلُثَانِ دُونَ يَمِينٍ، وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَا يُشْبِهُ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَحْلِفَانِ وَيُرَدَّانِ إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يُرَدَّانِ إلَيْهِ دُونَ يَمِينٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَالنِّيَّةُ عِنْدِي غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ إذَا نَوَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الثُّلُثَانِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ بِنِيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ وَكَانَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُرَدَّا فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُعْقَدَ الْقِرَاضُ وَلَا يَذْكُرَا حِصَّةَ أَحَدِهِمَا مِنْ الرِّبْحِ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا لَمْ يَشْتَرِطَا الثُّلُثَيْنِ لِمُعَيَّنٍ فَقَدْ عَادَ ذَلِكَ بِجَهَالَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ وَأَدَّى ذَلِكَ إلَى أَنْ يَكُونَ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الرِّبْحِ مَجْهُولَةً وَلَا مَعْنَى لِاسْتِحْلَافِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ لَا يُنْكِرُ مَا يَدَّعِيهِ وَلَا يَسْتَحِقُّ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ النِّيَّةِ شَيْئًا فَلَا مَعْنَى لِاسْتِحْلَافِهِ عَلَى تَحْقِيقِهَا، وَلَوْ صَدَّقَهُ صَاحِبُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهُ. (ش) : وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْعَامِلَ إذَا أَخَذَ الْمَالَ قِرَاضًا فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً فَلَا يَخْلُو أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِدَيْنٍ أَوْ بِنَقْدٍ، فَإِنْ اشْتَرَاهَا بِدَيْنٍ لِلْقَرْضِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْعَامِلُ ثُمَّ نَقَدَ فِيهَا مَالَ الْقِرَاضِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ تُقَوَّمُ السِّلْعَةُ الَّتِي اشْتَرَى بِدَيْنٍ بِنَقْدٍ فَيَكُونُ الْعَامِلُ بِذَلِكَ شَرِيكًا فِي الْمَالِ قَالَ مُحَمَّدٌ لَعَلَّهُ يُرِيدُ فِي سِلْعَةٍ وَاحِدَةٍ اشْتَرَاهَا بِدَيْنٍ وَنَقَدَ فِيهَا مَالَ الْقِرَاضِ، وَإِذَا كَانَ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ فَتَبْقَى الْمَسْأَلَةُ الَّتِي يُسْأَلُ عَنْهَا غَيْرَ مُجَاوَبٍ عَنْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِدَيْنٍ بِمِائَةٍ قِيمَتُهَا مِائَتَانِ فَنَقَدَ فِيهَا حِينَ الْأَجَلِ مِائَةً مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي رَوَاهَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْعَامِلَ يَضْمَنُ مَا فَضَلَ مِنْ الْمِائَةِ دِينَارٍ عَنْ قِيمَةِ السِّلْعَةِ، وَالسِّلْعَةُ عَلَى الْقِرَاضِ، وَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ

стр. 1518

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُتَقَارِضَيْنِ إذَا تَفَاصَلَا فَبَقِيَ بِيَدِ الْعَامِلِ مِنْ الْمُبْتَاعِ الَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ خَلَقُ الْقِرْبَةِ أَوْ خَلَقُ الثَّوْبِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ تَافِهًا يَسِيرًا لَا خَطْبَ لَهُ فَهُوَ لِلْعَامِلِ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا أَفْتَى بِرَدِّ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُرَدُّ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي لَهُ ثَمَنٌ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا لَهُ اسْمٌ مِثْلُ الدَّابَّةِ أَوْ الْجَمَلِ أَوْ الشاذكونة أَوْ أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ ثَمَنٌ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُرَدَّ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ هَذَا إلَّا أَنْ يَتَحَلَّلَ صَاحِبُهُ مِنْ ذَلِكَ) . ــ [المنتقى] وَأَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ يُقَوَّمُ الدَّيْنُ فَيُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ الْمِائَةِ دِينَارٍ الْمُؤَجَّلَةِ فَمَا فَضَلَ عَنْ الْمِائَةِ دِينَارٍ النَّقْدُ عَنْ قِيمَةِ الْمِائَةِ الْمُؤَجَّلَةِ فَعَلَى الْعَامِلِ. (فَرْعٌ) وَلَوْ بَاعَهَا الْعَامِلُ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ فِيهَا فَرَبِحَ فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الرِّبْحَ، وَالْوَضِيعَةَ عَلَى الْعَامِلِ قَالَ وَكَيْفَ يَأْخُذُ رِبْحَ مَا يَضْمَنُهُ الْعَامِلُ فِي ذِمَّتِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ السِّلْعَةَ لَمْ يَتَعَلَّقْ ثَمَنُهَا بِذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ رِبْحُهَا وَلَمَّا اخْتَصَّتْ بِذِمَّةِ الْعَامِلِ وَضَمَانِهِ كَانَ لَهُ رِبْحُهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ كَانَ اشْتَرَى بِنَقْدٍ فَلَمْ يَنْقُدْ حَتَّى تَلِفَ الْمَالُ الَّذِي بِيَدِهِ فَهَذَا الَّذِي قَالَ إنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ بِعْ السِّلْعَةَ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ فَهُوَ لِي، وَإِنْ كَانَ نُقْصَانٌ كَانَ عَلَيْك؛ لِأَنَّك ضَيَّعْت الْمَالَ فَلَا حُجَّةَ لِرَبِّ الْمَالِ فِي قَوْلِهِ بِعْ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا رِبْحٌ فَلِي لِأَنَّ لِلْعَامِلِ أَنْ يَقُولَ إذَا تَعَلَّقَ ثَمَنُ السِّلْعَةِ بِذِمَّتِي دُونَ مَالِكَ فَلَا حَظَّ لَك مِنْ الرِّبْحِ، وَلَا حُجَّةَ لِلْعَامِلِ فِي قَوْلِهِ إنَّمَا اشْتَرَيْتهَا بِمَالِك الَّذِي أَعْطَيْتنِي فَإِنَّ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَقُولَ صَدَقْت فَلَا تَطْلُبْ مِنِّي غَيْرَهُ فَإِنَّنِي لَمْ آذَنْ لَكَ تَتَّجِرُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِي غَيْرَ مَا دَفَعْتُهُ إلَيْك فَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُك فِي غَيْرِهِ وَإِذَا طَلَبْتنِي بِغُرْمِ مَا نَقَصَ فَقَدْ حَوَّلْت تَصَرُّفَك مِنْ مَالِي فِي غَيْرِ مَالِ الْقِرَاضِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ الْمُشْتَرِيَ أَدَاءُ ثَمَنِهَا عَلَى الْبَائِعِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعُهْدَةَ لِلْبَائِعِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِسِوَاهُ وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ مَخْرَجٌ عَنْ مَالِهِ عَلَيْهِ إلَّا بِالْأَدَاءِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ، وَإِنَّمَا الْخِيَارُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَيُقَالُ لِصَاحِبِ الْمَالِ الْقِرَاضُ إنْ شِئْت فَأَدِّ الْمِائَةَ يُرِيدُ ثَمَنَ السِّلْعَةِ الَّتِي اشْتَرَى الْعَامِلُ بِدَيْنٍ فَتَكُونُ السِّلْعَةُ عَلَى مَا شَرَطْتَ مِنْ الْقِرَاضِ، وَإِنْ شِئْت فَابْرَأْ مِنْ السِّلْعَةِ يُرِيدُ أَنْ لَا حَظَّ لَك فِي رِبْحِهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْك مِنْ نَقْصِ ثَمَنِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ بَاعَ الْعَامِلُ السِّلْعَةَ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ ثَمَنَهَا وَقَبْلَ أَنْ يُتْلِفَ فَرَبِحَ فِيهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ مِنْ الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّهُ لِلْقِرَاضِ اشْتَرَى، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِي لِلْقِرَاضِ وَعَلَى أَنْ يَنْقُدَ مِنْهُ، وَالْمَالُ الَّذِي عُوِّلَ عَلَى النَّقْدِ مِنْهُ بَاقٍ حِينَ الْبَيْعِ وَظُهُورِ الرِّبْحِ فَكَانَ الْبَيْعُ لِلْقِرَاضِ، وَالرِّبْحُ عَلَى شَرْطِهِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْعَامِلَ إذَا رَدَّ الْمَالَ وَكَانَ قَدْ سَافَرَ سَفَرًا اكْتَسَى فِيهِ وَتَجَهَّزَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنْ جِهَازِهِ وَكِسْوَتِهِ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ لِلْعَامِلِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ كَخَلَقِ الْجُبَّةِ، وَالْقِرْبَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ، وَكَذَلِكَ الْغِرَارَةُ، وَالْإِدَاوَةُ قَالَ سَحْنُونٌ وَمَا كَانَ مِنْ الثِّيَابِ تَافِهًا خَلَقًا تُرِكَتْ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لِلثِّيَابِ بَالٌ بِيعَتْ وَرُدَّ ثَمَنُهَا فِي الْمَالِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَعَانِي تُتْرَكُ لِمَنْ كَانَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا كَالرَّجُلِ يُطَلِّقُ الْمَرْأَةَ وَعَلَيْهَا بَقِيَّةُ كِسْوَةٍ أَوْ تَكُونُ طَالِقًا حَامِلًا فَتَضَعُ وَعَلَيْهَا بَقِيَّةُ كِسْوَةٍ فَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي لَهُ بَالٌ رُدَّ إلَى مُسْتَحَقِّهِ وَإِذَا كَانَ يَسِيرًا لَا قَدْرَ لَهُ كَانَ بَيْعًا لِمَنْ تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ حَقِّهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَامِلَ لَوْ عَمِلَ فِي الْمَالِ عَمَلًا يَسِيرًا لَا يَلْزَمُهُ مِنْ نَقْلِ مَتَاعٍ أَوْ عَمَلٍ خَفِيفٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ عِوَضٌ، وَلَوْ عَمِلَ فِيهِ الصَّنَائِعَ، وَالرُّقُومَ لَكَانَ لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مَا كَانَ لَهُ ثَمَنٌ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ هَذَا إلَّا أَنْ يَتَحَلَّلَ صَاحِبُهُ مِنْ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنْ يُعْلِمَهُ بِمَا بَقِيَ عِنْدَهُ وَيُعْلِمَهُ بِصِفَتِهِ وَقَدْرِهِ، فَإِنْ جَعَلَهُ رَبُّ الْمَالِ فِي حِلٍّ مِنْهُ سَاغَ لَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا رَدَّ إلَيْهِ مِنْهُ حَقَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1519

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ) (التَّرْغِيبُ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» ) ــ [المنتقى] [كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ] [التَّرْغِيبُ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الْقَاضِي] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ عَلَى مَعْنَى الْإِقْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ بِصِفَةِ الْبَشَرِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا يَعْلَمُ الْمُحِقَّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ مِنْ الْمُبْطِلِ وَالْإِخْبَارُ بِأَنَّ فِي ذَلِكَ حَالُ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِنْ الْغَيْبِ إلَّا مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ، وَلَمَّا كَانَتْ الدُّنْيَا دَارَ تَكْلِيفٍ وَكَانَتْ الْأَحْكَامُ تَجْرِي عَلَى ذَلِكَ أَجْرَى فِي غَالِبِ أَحْكَامِهِ فِي هَذَا الْوَجْهِ عَلَى أَحْوَالِ سَائِرِ الْحُكَّامِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ فِي مَسْأَلَةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْكَاذِبِ مِنْهُمَا، وَقَالَ يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا مِنْ تَائِبٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ تَتَنَازَعُونَ فِي الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا تَنَازُعًا يَدَّعِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ صَاحِبِهِ فَيُخَاصِمُهُ فِي ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ وَهُوَ ﷺ الْحَاكِمُ فِي زَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ إمَامُ الْأُمَّةِ وَالْمُنْفَرِدُ بِالرِّئَاسَةِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ إلَّا هُوَ أَوْ مَنْ قَدَّمَهُ لِذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وَقَوْلُهُ ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وَفِي هَذَا بَابَانِ أَحَدُهُمَا فِي صِفَةِ الْقَاضِي وَالثَّانِي فِي مَجْلِسِهِ وَأَدَبِهِ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الْقَاضِي) فَأَمَّا صِفَاتُهُ فِي نَفْسِهِ فَإِحْدَاهَا أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا بَالِغًا، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مُفْرَدًا، وَالثَّالِثَةُ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا، وَالرَّابِعَةُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، وَالْخَامِسَةُ أَنْ يَكُونَ حُرًّا، وَالسَّادِسَةُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا، وَالسَّابِعَةُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا. فَأَمَّا اعْتِبَارُ الذُّكُورَةِ فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ أَنْ تَلِيَ الْمَرْأَةُ الْقَضَاءَ فِي الْأَمْوَالِ دُونَ الْقِصَاصِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ قَاضِيَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا يُفْلِحُ قَوْمٌ أَسْنَدُوا أَمْرَهُمْ إلَى امْرَأَةٍ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ أَمْرٌ يَتَضَمَّنُ فَصْلَ الْقَضَاءِ فَوَجَبَ أَنْ تُنَافِيهِ الْأُنُوثَةُ كَالْإِمَامَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ عِنْدِي عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ قُدِّمَ لِذَلِكَ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ وَلَا بَلَدٍ مِنْ الْبِلَادِ امْرَأَةٌ كَمَا لَمْ يُقَدَّمْ لِلْإِمَامَةِ امْرَأَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا كَوْنُهُ وَاحِدًا مُفْرَدًا فَمَعْنَاهُ أَنْ لَا يُوَلَّى الْقَضَاءَ قَاضِيَانِ فَأَكْثَرُ عَلَى وَجْهِ الِاشْتِرَاكِ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالنَّظَرِ فِي قَضِيَّةٍ وَلَا قَبُولُ بَيِّنَةٍ وَلَا انْفِرَادٌ بِإِنْفَاذِ حُكْمٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي زَاهِيهِ وَالْحَاكِمُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نِصْفُ حَاكِمٍ فَلَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ فَيَكُونَانِ جَمِيعًا حَاكِمًا فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمَّا أَنْ يُسْتَقْضَى فِي الْبَلَدِ الْحُكَّامُ وَالْقُضَاةُ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالنَّظَرِ فِي مَا يُرْفَعُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَجَائِزٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا

стр. 1520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] إجْمَاعُ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا وَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ أُشْرِكَ بَيْنَ قَاضِيَيْنِ فِي زَمَنٍ مِنْ الْأَزْمَانِ وَلَا بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ وَقَدْ قَامَ فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ عَدَدٌ مِنْ الْحُكَّامِ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْفَرِدُ بِحُكْمِهِ الَّذِي يُرْفَعُ إلَيْهِ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْمَذَاهِبَ مُخْتَلِفَةٌ وَالْأَغْرَاضَ مُتَبَايِنَةٌ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَّفِقَ رَجُلَانِ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى لَا يَرَى أَحَدُهُمَا خِلَافَ مَا يَرَاهُ الْآخَرُ، وَإِذَا أُشْرِكَ بَيْنَ الْحَاكِمَيْنِ دَعَا ذَلِكَ إلَى اخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَسَائِلِ وَيُوقَفُ نُفُوذُهُمَا كَالْإِمَامَةِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْحَكَمَانِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَالْحَكَمَانِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُمَا يَحْكُمَانِ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَلَيْسَ بِوِلَايَةٍ، وَإِنْ اتَّفَقَا نَفَذَ حُكْمُهُمَا، وَإِنْ اخْتَلَفَا لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُمَا وَحُكْمُ غَيْرِهِمَا فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَضَرَّةٌ وَهَذَا يُنَافِي الْوِلَايَةَ؛ لِأَنَّ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَوَقُّفِ الْأَحْكَامِ وَامْتِنَاعِ نُفُوذِهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا فَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَنْعِ مِنْ كَوْنِ الْأَعْمَى حَاكِمًا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ فِي تَقْدِيمِهِ لِلْقَضَاءِ تَضْيِيقًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِ الْقَضَاءِ وَإِنْفَاذِ الْأَحْكَامِ، وَالْحَاكِمُ مُضْطَرٌّ إلَى أَنْ يَنْظُرَ لِكُلِّ مَنْ يَطْلُبُ عِنْدَهُ مَطْلَبًا مِنْ مَطَالِبِ الْحَقِّ، وَالْأَعْمَى وَإِنْ كَانَ يُمَيِّزُ الْأَصْوَاتَ فَلَا يُمَيِّزُ إلَّا صَوْتَ مَنْ تَكَرَّرَ عَلَيْهِ صَوْتُهُ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَشْهَدُ عِنْدَهُ بِشَهَادَةٍ مِمَّنْ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ فَقَدْ يَشْهَدُ عِنْدَهُ بِهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ قَبْلَ هَذَا وَيُزَكَّى عِنْدَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَلَا يُعْلَمُ هَلْ هَذَا الْمُزَكَّى عِنْدَهُ هُوَ الَّذِي زَكَّى بِالْأَمْسِ أَوْ غَيْرُهُ، وَقَدْ يُجْرَحُ عِنْدَهُ بَعْدَ التَّزْكِيَةِ فَلَا يَدْرِي هَلْ هُوَ ذَلِكَ الْأَوَّلُ أَوْ غَيْرُهُ، وَقَدْ يَبْقَى عَلَى عَدَالَتِهِ فَيَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ مَرَّةً ثَانِيَةً مِنْ الْغَدِ فِي شَهَادَةٍ أُخْرَى وَقَدْ غَابَ مُعَدِّلُوهُ فَلَا يَدْرِي هَلْ هُوَ ذَلِكَ الْأَوَّلُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ الْأُمِّيَّ وَهُوَ يُبْصِرُ وَيُمَيِّزُ فَكَيْفَ بِالْأَعْمَى وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَا يُجِيزُ شَهَادَتَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا اعْتِبَارُ إسْلَامِهِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ حُرِّيَّتِهِ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنَافِعَ الْعَبْدِ مُسْتَحَقَّةٌ لِسَيِّدِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَهَا لِلنَّظَرِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَلِأَنَّهُ نَاقِصُ الْحُرْمَةِ نَقْصًا يُؤَثِّرُ فِي الْإِمَامَةِ كَالْمَرْأَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا اعْتِبَارُ كَوْنِهِ عَالِمًا فَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ الْعَالَمِ الْعَدْلِ وَاَلَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَقَدْ بَيَّنَّا صِفَةَ الْمُجْتَهِدِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يُسْتَقْضَى مَنْ لَيْسَ بِفَقِيهٍ. وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ فِي الْوَاضِحَةِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ حَدِيثٍ لَا فِقْهَ لَهُ أَوْ فِقْهٍ لَا حَدِيثَ عِنْدَهُ وَلَا يُفْتِي إلَّا مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ إلَّا أَنْ يُخْبِرَ بِشَيْءٍ سَمِعَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَمَعَ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] فَأَعْلَمَ تَعَالَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذَا بَيَّنَ لِلنَّاسِ مَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ يَتَفَكَّرُوا وَيَعْتَبِرُوا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ تَبْيِينُ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ لَمْ يَتَمَكَّنْ لَهُمْ التَّفَكُّرُ فِي أَحْكَامِهِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وَمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُ لَا يَرَى شَيْئًا، وَبِذَلِكَ قَالَ الْفُقَهَاءُ الْمُتَقَدِّمُونَ إنَّهُ لَا يُفْتِي مَنْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُخْبِرَ بِمَا سَمِعَ فَلَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْفَتْوَى وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ فَتْوَى صَاحِبِ الْمَقَالَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِعَدَمِ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي تَجُوزُ لَهُ الْفَتْوَى. (فَرْعٌ) فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا عَالِمٌ لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ أَوْ رَجُلٌ مَرْضِيُّ الْحَالِ غَيْرُ عَالِمٍ فَقَدْ رَوَى أَصْبَغُ يُسْتَقْضَى الْعَدْلُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَشِيرُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَيَجْتَهِدُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّجُلِ عِلْمٌ وَوَرَعٌ فَعَقْلٌ وَوَرَعٌ؛ لِأَنَّهُ بِالْعَقْلِ يَسْأَلُ وَبِالْوَرَعِ يَعِفُّ فَإِذَا طَلَبَ الْعِلْمَ وَجَدَهُ، وَإِذَا طَلَبَ الْعَقْلَ لَمْ يَجِدْهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا اعْتِبَارُ الْعَدَالَةِ فَالظَّاهِرُ مِنْ أَقْوَالِ الْمُسْلِمِينَ

стр. 1521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْقَضَاءِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ لَا تَنْعَقِدُ الْوِلَايَةُ لِلْحَاكِمِ الْفَاسِقِ، وَإِنْ طَرَأَ الْفِسْقُ بَعْدَ انْعِقَادِهَا انْفَسَخَتْ وِلَايَتُهُ وَفِي النَّوَادِرِ مِنْ كِتَابِ أَصْبَغَ أَنَّهُ يَجُوزُ حُكْمُ الْمَسْخُوطِ مَا لَمْ يَجُرْ، وَإِنْ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَا يَطْرَأُ مِنْ الْفِسْقِ لَا يَفْسَخُ وِلَايَتَهُ حَتَّى يَفْسَخَهَا الْإِمَامُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّهُ مَمْنُوعٌ لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ سَمَاعِهِ مِنْ دَعْوَى الْخُصُومِ وَسَمَاعِهِ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ شَاهِدٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يَكْتُبَ شَهَادَتَهُ فَيَعْرِضُهَا عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَكْتُبُ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَضْيِيقِ الْحَالِ عَلَى النَّاسِ وَتَعَذُّرِ سَبِيلِ الْحُكْمِ وَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأُمِّيُّ الَّذِي لَا يَكْتُبُ حَاكِمًا، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا عَدْلًا؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ وَالْآخَرُ الْمَنْعُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ إمَامَ الْمُرْسَلِينَ وَأَفْضَلَ الْحُكَّامِ كَانَ لَا يَكْتُبُ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قِرَاءَةِ الْعُقُودِ وَيَنُوبُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْعَدْلِ وَهَذِهِ حَالُ مَنْ لَا يَكْتُبُ مِنْ الْحُكَّامِ يُقْرَأُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ فِي الْأَغْلَبِ وَيُقَيَّدُ عَنْهُ الْمَقَالَاتِ وَلَا يُبَاشِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّ لِلْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَجْهًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيقِ طُرُقِ الْحُكُومَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعْصُومٌ وَلَيْسَ غَيْرُهُ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يُسْتَقْضَى وَلَدُ الزِّنَا؟ قَالَ سَحْنُونٌ لَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَقْضَى وَلَا يَحْكُمُ فِي حَدِّ زِنًا قَالَ كَمَا لَا يَحْكُمُ الْقَاضِي قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مَوْضِعُ رِفْعَةٍ وَطَهَارَةِ أَحْوَالٍ فَلَا يَلِيهَا وَلَدُ الزِّنَا كَالْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ يُسْتَقْضَى الْفَقِيرُ إذَا كَانَ أَعْلَمَ مَنْ بِالْبَلَدِ وَأَرْضَاهُمْ وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ حَتَّى يَغْنَى وَيُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْفَقْرَ لَيْسَ بِمُؤَثِّرٍ فِي دِينِهِ وَلَا عِلْمِهِ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ تُزَالَ حَاجَتُهُ لِيَتَفَرَّغَ لِلْقَضَاءِ وَلِيَكُونَ أَسْلَمَ لَهُ مِنْ مُقَارَفَةِ مَا يُخِلُّ بِحَالِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيُسْتَقْضَى الْمَحْدُودُ فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالْمَقْطُوعُ فِي السَّرِقَةِ إذَا كَانَ الْيَوْمَ مَرَضِيًّا مِنْ كِتَابِ أَصْبَغَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِمَّا يَمْنَعُ وِلَايَتَهُ قَدْ ظَهَرَ إقْلَاعُهُ عَنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ كَافِرًا ثُمَّ حَسُنَ إسْلَامُهُ. (فَرْعٌ) وَهَلْ يَحْكُمُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ جَوَّزَ ذَلِكَ أَصْبَغُ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ وَمَنَعَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ اعْتِبَارًا بِالشَّهَادَةِ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي مَجْلِسِهِ وَأَدَبِهِ] ١ ِ أَمَّا مَجْلِسُ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَكَرِهَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ مَالِكٌ الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْحَقِّ وَالْأَمْرِ الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّهُ يَرْضَى بِالدُّونِ مِنْ الْمَجْلِسِ وَيَصِلُ إلَيْهِ الضَّعِيفُ وَالْمَرْأَةُ وَلَا يُحْجَبُ عَنْهُ أَحَدٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٢] وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَضَى فِي الْمَسْجِدِ» . (فَرْعٌ) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ مِنْ الْمَسْجِدِ فِي رِحَابِهِ الْخَارِجَةِ قَالَ مَالِكٌ لِيَصِلَ إلَيْهِ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالْحَائِضُ قَالَ وَحَيْثُمَا جَلَسَ الْقَاضِي الْمَأْمُورُ أَجْزَأَهُ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ فِي مَنْزِلِهِ وَحَيْثُ أَحَبَّ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْضِيَ حَيْثُ جَمَاعَةُ النَّاسِ وَفِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ قَالَ سَحْنُونٌ قَالَ غَيْرُهُ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ لِكَثْرَةِ النَّاسِ حَتَّى يَشْغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ النَّظَرِ وَالْفَهْمِ فَلْيَكُنْ لَهُ مَوْضِعٌ فِي الْمَسْجِدِ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يَشْغَلُهُ وَاِتَّخَذَ سَحْنُونٌ بَيْتًا فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَ يَقْعُدُ فِيهِ لِلنَّاسِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ فِي الطَّرِيقِ فِي مَمَرِّهِ إلَى الْمَسْجِدِ أَوْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرٌ عَرَضَ وَاسْتُغِيثَ إلَيْهِ فِيهِ فَلَا

стр. 1522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ فِيهِ وَيَنْهَى فَأَمَّا الْحُكْمُ الْفَاصِلُ فَلَا قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ يَمْشِي، وَقَالَ أَيْضًا لَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ وَهُوَ يَمْشِي إذَا لَمْ يَشْغَلْهُ ذَلِكَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا الضَّرْبُ الْكَثِيرُ إلَّا الْيَسِيرُ كَالْخَمْسَةِ أَسْوَاطٍ وَالْعَشَرَةِ وَنَحْوِهَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُدُودَ تُبَاشِرُ سَيَلَانَ الدَّمِ وَالتَّأْثِيرَ فِي الْأَجْسَامِ، وَالْمَسَاجِدُ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّأْمِينِ وَالرَّحْمَةِ فَيَجِبُ أَنْ تُنَزَّهَ عَنْ مِثْلِ هَذَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَيَتَّخِذُ الْقَاضِي أَوْقَاتًا يَجْلِسُ فِيهَا لِلنَّاسِ عَلَى مَا هُوَ أَرْفَقُ بِهِ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسَ بِالضَّيِّقِ عَلَيْهِ حَتَّى يَصِيرَ كَالْأَجْنَبِيِّ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ وَلَا فِي الْأَسْحَارِ إلَّا أَنْ يَحْدُثَ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ وَيُرْفَعَ إلَيْهِ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَيَنْهَى وَيَسْجُنَ فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ مِمَّا شَخَّصَ فِيهِ الْخُصُومَ فَلَا. وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٍ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ الْجُلُوسُ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَلَا إشْخَاصُ الْخُصُومِ إلَيْهِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي فِيهَا إحْضَارُ الْخُصُومِ وَتَقْيِيدُ الْمَقَالَاتِ وَإِحْضَارُ الْبَيِّنَاتِ؛ لِأَنَّهَا أُمُورٌ لَا تَفُوتُ وَيَلْحَقُ الْمَطْلُوبَ بِذَلِكَ الْمَشَقَّةُ فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْعَادَةِ، وَأَمَّا الْأُمُورُ الَّتِي يُخَافُ فَوَاتُهَا وَيَطْرَأُ مِنْهَا ذَلِكَ الْوَقْتَ مَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَى النَّظَرِ فِيهِ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَمَعْنَى قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُ النَّظَرَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِ فَإِذَا أَرَادَ النَّظَرَ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ بِمَا يُدَّعَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى مَا لَا يُخَافُ فَوَاتُهُ، وَقَدْ شُرِّعَتْ الْآجَالُ فِي الْقَضَاءِ بِالْحُقُوقِ وَالْإِمْهَالِ وَاسْتِقْصَاءِ الْحُجَجِ وَذَلِكَ يُنَافِي الْقَضَاءَ بِاللَّيْلِ وَفِي وَقْتٍ يَشُقُّ نَقْلُ الْبَيِّنَاتِ وَالتَّفَرُّغُ لِلْإِدْلَاءِ بِالْحُجَجِ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ الْعَادَةِ فِي عَمَلِ الْقُضَاةِ وَلَا يَكَادُ يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّضْيِيقِ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَالْمُسَارَعَةِ إلَى الْحُكْمِ لِلطَّالِبِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ فَيَقْضِيَ النَّهَارَ كُلَّهُ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَلْيَقْعُدْ لِلنَّاسِ فِي سَاعَاتٍ مِنْ النَّهَارِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنِّي أَخَافُ أَنْ يُكْثِرَ فَيُخْطِئَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ إذَا دَخَلَهُ هَمٌّ أَوْ نُعَاسٌ أَوْ ضَجَرٌ شَدِيدٌ وَفِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَوْ جُوعٌ يُخَافُ عَلَى فَهْمِهِ مِنْهُ الْإِبْطَاءُ أَوْ التَّقْصِيرُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيُقَالُ لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ جَائِعٌ وَلَا أَنْ يَشْبَعَ جِدًّا فَإِنَّ الْغَضَبَ يَحْضُرُ الْجَائِعَ، وَالشَّبْعَانُ جِدًّا يَكُونُ بَطِيئًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ الْخَفِيفُ الَّذِي لَا يَضُرُّ بِهِ فِي فَهْمِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ فَكُلُّ حَالَةٍ مَنَعَتْهُ مِنْ اسْتِيفَاءِ حُجَجِ الْخُصُومِ كَمَا يَمْنَعُهُ الْغَضَبُ كَانَ لَهُ حُكْمُهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ بِمَوَاقِعِ الْحُجَجِ وَأَهْدَى إلَى إيرَادِ مَا يَحْتَاجُ مِنْ ذَلِكَ وَأَشَدَّ تَبْيِينًا لِمَا يَحْتَجُّ بِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ اللَّحَنُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْفِطْنَةُ وَاللَّحْنُ بِإِسْكَانِ الْحَاءِ الْخَطَأُ فِي الْقَوْلِ تَعَلَّقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُقْضَى بِعِلْمِهِ وَهَذَا التَّعَلُّقُ لَيْسَ بِالْبَيِّنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِمَا سَمِعَ مِنْهُ مَعَ عِلْمِهِ بِخِلَافِهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِعِلْمِهِ وَلَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَنْفِيهِ، فَأَمَّا مَنْ يَقُولُ إنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ فَإِنَّهُ يُنَفِّذُ مَا عَلِمَهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَى حُجَّةِ الْخَصْمِ وَلَا إلَى مَا شَهِدَ بِهِ عِنْدَهُ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِعِلْمِهِ فَإِذَا اقْتَضَتْ حُجَّتُهُ أَوْ مَا شَهِدَ بِهِ بَيْنَهُمَا خِلَافَ مَا عَلِمَهُ مِنْ الْأَمْرِ امْتَنَعَ مِنْ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ وَشَهِدَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ بِمَا فِي عِلْمِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الْحَاكِمَ

стр. 1523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] لَا يَحْكُمُ فِي شَيْءٍ أَصْلًا بِعِلْمِهِ عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ أَوْ بَعْدَهَا فِي مَجْلِسِ حُكْمِ غَيْرِهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ أَوْ غَيْرِهَا قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ قَالُوا وَكَذَلِكَ مَا وُجِدَ فِي دِيوَانِهِ مِنْ إقْرَارِ الْخُصُومِ مَكْتُوبًا، وَجَوَّزَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِعِلْمِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فَيَقْتَضِي الْعُمُومُ أَنْ يُجْلَدَ وَإِنْ عَلِمَ الْحَكَمُ بِصِدْقِهِ وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «قَالَ فِي مُلَاعَنَةٍ لَوْ كُنْت رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ هَذِهِ» . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ السُّوءَ وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْتُلْ الْمُنَافِقِينَ، وَإِنْ كَانَ عَلِمَ كُفْرَهُمْ لِمَا انْفَرَدَ بِذَلِكَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مَعْصُومٍ مُنِعَ مِنْ الْحُكْمِ بِعِلْمِهِ لِيَبْعُدَ عَنْ التُّهْمَةِ وَتَعَلَّقَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَعَلَّقَ الْقَضَاءَ بِمَا يُسْمَعُ وَتَأَوَّلَهُ مَالِكٌ ﵀ عَلَى مَا يُسْمَعُ مِنْهُ مِنْ اهْتِدَائِهِ إلَى مَوَاقِعِ حُجَّتِهِ وَعَجَزَ الْآخَرُ عَنْ إيرَادِ مَا يَعْتَضِدُ بِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ﷺ قَالَ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ وَمَا عَلِمَهُ الْحَاكِمُ لَيْسَ بِمَوْقُوفٍ عَلَى مَا يَسْمَعُ مِمَّنْ يَقْضِي لَهُ بَلْ قَدْ يَعْلَمُ مِنْ حُقُوقِهِ مَا لَا يَسْمَعُهُ مِنْهُ وَيَسْمَعُ مِنْهُ مَا لَا يَعْلَمُهُ، وَهُوَ ﷺ إنَّمَا عَلَّقَ الْحُكْمَ بِمَا يَسْمَعُ مِنْهُ فَثَبَتَ بِذَلِكَ وَبِقَوْلِهِ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ أَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي لَهُ بِمَا بَيَّنَهُ فِي خُصُومَتِهِ لِمَعْرِفَتِهِ بِمَوَاقِعِ حُجَجِهِ مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي تُلْزِمُ الْحَاكِمَ الْقَضَاءَ لَهُ بِهَا وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لَهَا. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهُ إنَّمَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِيمَا جَرَى بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ فِي مَجْلِسِ نَظَرِهِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مِمَّا عَلِمَهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ خَاصَّةً وَلِلشَّافِعِيِّ فِي تَجْوِيزِهِ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ بِدَعْوَى دُونَ بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا قَدَّرَ الْحُكْمَ بِأَحَدِهِمَا. (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فَحَكَمَ بِعِلْمِهِ وَسَجَّلَ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ لَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَعِنْدِي أَنَّهُ يُنْقَضُ حُكْمُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ قَضَاءَهُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ لِمَا سَمِعَ مِنْهُ مِنْ إظْهَارِ حُجَّةٍ أَوْجَبَتْ لَهُ ذَلِكَ مِنْ دَعْوَى بَاطِلٍ عَجَزَ الْمُحِقُّ عَنْ إنْكَارِهِ أَوْ إنْكَارِ حَقٍّ عَجَزَ الْمُحِقُّ عَنْ إثْبَاتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْلِكُهُ مَنْ حُكِمَ لَهُ بِهِ وَلَا يُبِيحُهُ لَهُ، وَإِنَّمَا يُعْطِيهِ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - قِطْعَةً مِنْ الْعَذَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا يُعَذَّبُونَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ، وَقَدْ يُوصَفُ الشَّيْءُ بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ وَيَكُونُ سَبَبًا لَهُ، وَلِذَلِكَ يُوصَفُ الشُّجَاعُ بِالْمَوْتِ قَالَ الشَّاعِرُ يَا أَيُّهَا الرَّاكِبُ الْمُزْجِي مَطِيَّتَهُ ... سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ وَقُلْ لَهُمْ بَادِرُوا بِالْعُذْرِ وَالْتَمِسُوا ... وَجْهًا يُنْجِيكُمْ إنِّي أَنَا الْمَوْتُ فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ الْمَوْتُ يُرِيدُ أَنَّهُ سَبَبٌ بِشَجَاعَتِهِ وَقِلَّةِ سَلَامَةِ مَنْ يُحَارِبُهُ مِنْ الْمَوْتِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ الْحَرَامَ وَلَا يُغَيِّرُهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ شَاهِدَيْ زُورٍ بِأَنَّ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً زَوْجَةٌ لَهُ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ إنَّ ذَلِكَ يُحِلُّهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ «فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا شَهِدَ لَهُ بِزُورٍ بِأَنَّ زَوْجًا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَأَنَّ هَذَا تَزَوَّجَهَا

стр. 1524

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اخْتَصَمَ إلَيْهِ مُسْلِمٌ وَيَهُودِيٌّ فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ فَقَضَى لَهُ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ وَاَللَّهِ لَقَدْ قَضَيْت بِالْحَقِّ فَضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالدِّرَّةِ ثُمَّ قَالَ لَهُ وَمَا يُدْرِيك فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ إنَّا نَجِدُ أَنَّهُ لَيْسَ قَاضٍ يَقْضِي بِالْحَقِّ إلَّا كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ يُسَدِّدَانِهِ وَيُوَفِّقَانِهِ لِلْحَقِّ مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ) . ــ [المنتقى] بَعْدَهُ إنَّمَا يَقْطَعُ لَهُ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَضَى لَهُ بِحَقٍّ هُوَ لِأَخِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ إنَّ عُمَرَ اخْتَصَمَ إلَيْهِ يَهُودِيٌّ وَمُسْلِمٌ فَقَضَى عُمَرُ لِلْيَهُودِيِّ لَمَّا رَأَى أَنَّ الْحَقَّ لَهُ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ فَإِنَّمَا يُقْضَى فِيهِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عُقِدَتْ لَهُمْ الذِّمَّةُ لِتَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ إلَّا فِيمَا يَخُصُّهُمْ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُونُوا ذِمَّةً وَكَانُوا أَهْلَ حَرْبٍ فَإِنْ أَمْكَنَ الْحُكْمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَبَيْنَهُمْ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ نَفَذَ، وَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ أَمْرُهُمْ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ وَذَهَبَ بِهِ إلَى مَعْنَى الصُّلْحِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا أَحْكَامُ أَهْلِ الْكُفْرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ كَيَهُودِيَّيْنِ أَوْ نَصْرَانِيَّيْنِ أَوْ يَكُونَا عَلَى دِينَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَيَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ فَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ دِينٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ لَا نَتَعَرَّضُ لِلْحُكْمِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ لَمَّا عُقِدَتْ لَهُمْ عَلَى أَنْ تَجْرِيَ أَحْكَامُهُمْ بَيْنَهُمْ فَإِنْ رَضِيَا جَمِيعًا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَرْضَ أَسَاقِفَتُهُمْ بِهِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُحْكَمُ بَيْنَهُمْ إلَّا بِرِضَى الْخَصْمَيْنِ وَرِضَى أَسَاقِفَتِهِمْ فَإِنْ رَضِيَ الْخَصْمَانِ وَأَبَى الْأَسَاقِفَةُ أَوْ رَضِيَ الْأَسَاقِفَةُ وَأَبَى ذَلِكَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ لَمْ يُحْكَمْ بَيْنَهُمَا، وَفِي كِتَابِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ إنْ رَضِيَ الْحَاكِمُ حَكَمَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ أَحَدُهُمَا طَالِبًا أَوْ مَطْلُوبًا لَمْ يَعْرِضْ لَهُمَا فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الرِّضَى بِذَلِكَ فَإِنَّ الْحَاكِمَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ الْحُكْمَ وَبَيْنَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] ، وَأَمَّا إنْ كَانَا عَلَى دِينَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَفِي النَّوَادِرِ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا لِاخْتِلَافِ مِلَّتَيْهِمَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا فِي طَرِيقَةِ التَّخَاصُمِ وَالتَّطَالُبِ بِالْحُقُوقِ الَّتِي سُلِّمَتْ بِرِضَى الطَّالِبِ لَهَا، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ التَّظَالُمِ كَالْغَصْبِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ فَإِنَّ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مِلَّتَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ وَالْآخَرُ كَافِرٌ وَهُوَ كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ الْيَهُودِيِّ لِعُمَرَ لَقَدْ قَضَيْت بِالْحَقِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لَقَدْ قَضَيْت لِي بِمَا هُوَ حَقٌّ لِي عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ لَقَدْ قَصَدْت الْحَقَّ فِي حُكْمِك هَذَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لَقَدْ قَضَيْت بِالْحَقِّ عَلَى حُكْمِ التَّوْرَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَضَرْبُهُ الْيَهُودِيَّ لَمَّا قَالَ لَهُ وَاَللَّهِ لَقَدْ قَضَيْت بِالْحَقِّ وَقَوْلُهُ لَهُ وَمَا يُدْرِيك يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ حَكَمَ بَيْنَهُمَا بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا لَا نَصَّ عِنْدَهُ فِيهِ وَكَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ طَرِيقَ ذَلِكَ غَلَبَةُ الظَّنِّ دُونَ الْقَطْعِ وَالْعِلْمِ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ وَمَا يُدْرِيك يُرِيدُ مَا يُدْرِيك أَنَّهُ كَمَا حَلَفْت عَلَيْهِ وَقَطَعْت بِهِ فَأَنْكَرَ عَلَى الْيَهُودِيِّ الْحَلِفَ عَلَى ذَلِكَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي ضَرْبَهُ وَعُقُوبَتَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى الْقَطْعِ فِي أَمْرٍ يَظُنُّهُ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ لَا سِيَّمَا، وَقَدْ تَكُونُ الْقَضِيَّةُ مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ صَحِيحَةً لَكِنَّهَا فِي الْبَاطِنِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ الْآخَرِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَرْبُهُ لَمَّا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ لَا يَعْرِفُهُ وَلَا يَعْلَمُ هُوَ مُقْتَضَى تِلْكَ الْقَضِيَّةِ فِي شَرْعِ الْمُسْلِمِينَ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا حُكْمٌ إنَّمَا شُرِعَتْ بِاجْتِهَادِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَرْبُهُ لِمَا فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ أَقْسَمَ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ

стр. 1525

مَا جَاءَ فِي الشَّهَادَاتِ وَفِيهِ أَبْوَاب (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا أَوْ يُخْبِرَ بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» ) . ــ [المنتقى] الْحَقَّ لِحُكْمِهِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى بَاطِنِهِ وَمُعْتَقَدِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَادَفَ الْحَقَّ فِي يَمِينِهِ هَذِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَرْبُهُ لِمَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّزْكِيَةَ لَهُ وَالْإِطْرَاءَ لَمَّا حَكَمَ لَهُ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ الْيَهُودُ مِنْ الْمَكْرِ وَالْخِلَابَةِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَأَدَّبَهُ عَلَى مَا بَادَرَ إلَيْهِ مِنْهُ وَظَنَّ أَنَّهُ يَجُورُ عَلَيْهِ لِيَزْجُرَ الْحُكَّامُ مَنْ سَلَكَ مَعَهُمْ هَذَا السَّبِيلَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ الْيَهُودِيِّ إنَّا نَجِدُ أَنَّهُ لَيْسَ قَاضٍ يَقْضِي بِالْحَقِّ إلَّا كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ يُسَدِّدَانِهِ وَيُوَفِّقَانِهِ لِلْحَقِّ مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ فَإِذَا تَرَكَ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْيَهُودِيُّ أَنَّهُ يَقْطَعُ بِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَأَنَّهُ مِمَّنْ قَدْ شَاهَدَ الْحُكْمَ بِمِثْلِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَنَّهُ مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ فِيهَا الشَّرَائِعُ، فَاسْتَدَلَّ عَلَى اجْتِهَادِ عُمَرَ وَقَصْدِهِ الْحَقَّ بِأَنْ حَكَمَ لَهُ بِمَا يَعْرِفُ هُوَ أَنَّهُ حَقُّهُ وَعَلِمَ ذَلِكَ بِمَا زَعَمَ أَنَّهُ يَجِدُهُ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا قَضَى بِالْحَقِّ يُرِيدُ قَصْدَهُ وَبَيَّنَهُ بِحُكْمِهِ كَانَ مَعَهُ مَلَكَانِ يُسَدِّدَانِهِ إلَيْهِ، وَأَنَّهُ إنْ زَاغَ عَنْ ذَلِكَ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ فَلَا يُوَفَّقُ لِلْحَقِّ فَأَمْسَكَ عَنْهُ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إمَّا تَصْدِيقًا لَهُ وَإِمَّا أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنْ أَدَبِهِ مَا أَقْنَعَهُ وَمَا قَالَهُ الْيَهُودِيُّ لَا يَبْعُدُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] ، وَقَدْ رَوَى فِي هَذَا الْمَعْنَى حَدِيثًا لَيْسَ بِذَلِكَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارُ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا عُمَرُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اللَّهُ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ» . [مَا جَاءَ فِي الشَّهَادَاتِ وَفِيهِ أَبْوَاب] (ش) : قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَغَيْرِهِ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الشَّاهِدِ شَهَادَةٌ لِرَجُلٍ لَا يَعْلَمُ بِهَا فَيُخْبِرُهُ بِهَا وَيُؤَدِّيهَا لَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ وَضَرْبٌ هُوَ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّينَ، فَأَمَّا مَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَعَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ لَا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ زَادَ أَصْبَغُ وَالسَّرِقَةِ فَهَذَا تَرْكُ الشَّهَادَةِ بِهِ لِلسَّتْرِ جَائِزٌ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِهُزَالٍ هَلَّا سَتَرْته بِرِدَائِك» وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ عَلِمَ بِذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ يَكْتُمُوهُ الشَّهَادَةَ وَلَا يَشْهَدُوا بِهَا إلَّا فِي تَجْرِيحِهِ إنْ شَهِدَ عَلَى أَحَدٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْقِسْمُ الثَّانِي مَا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْأَحْبَاسِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ إسْقَاطُ حَقِّهِ، وَالْمَسَاجِدُ وَالْقَنَاطِرُ وَالطُّرُقُ فَهَذَا عَلَى الشَّهَادَاتِ يَقُومُ الشَّاهِدُ فِيهَا وَيُؤَدِّيهَا مَتَى رَأَى ارْتِكَابَ الْمَحْظُورِ بِهَا وَلِلشَّاهِدِ فِي ذَلِكَ حَالَانِ حَالٌ يَعْلَمُ أَنَّ غَيْرَهُ يَقُومُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَيُشَارِكُهُ فِيهَا وَحَالٌ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ فِيهَا فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ غَيْرَهُ يَقُومُ بِهَا فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُبَادِرَ بِأَدَائِهَا لِيَحْصُلَ لَهُ أَجْرُ الْقِيَامِ وَلِيَقْوَى أَمْرُهَا لِكَثْرَةِ عَدَدِ مَنْ يَقُومُ بِهَا وَلِأَنَّ فِي قِيَامِ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ بِهَا رَدْعًا لِأَهْلِ الْبَاطِلِ وَإِرْهَابًا عَلَيْهِمْ وَيَصِحُّ أَنْ يَتَنَاوَلَ هَذَا عُمُومُ قَوْلِهِ ﷺ «خَيْرُ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» وَيَكُونُ مَعْنَى الْإِتْيَانِ بِهَا هُنَا أَدَاؤُهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ بَيَّنَ لَهُ أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ تَرَكَ الْقِيَامَ بِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَقُومُ بِهَا غَيْرُهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] وَقَوْلِهِ ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَلِأَنَّ الْقِيَامَ بِالشَّهَادَةِ مِنْ فُرُوضِ

стр. 1526

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَقَالَ لَقَدْ جِئْتُك لِأَمْرٍ مَا لَهُ رَأْسٌ وَلَا ذَنَبٌ فَقَالَ عُمَرُ وَمَا هُوَ فَقَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ ظَهَرَتْ بِأَرْضِنَا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَوَ قَدْ كَانَ ذَلِكَ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ عُمَرُ وَاَللَّهِ لَا يُؤْسَرُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْعُدُولِ) ــ [المنتقى] الْكِفَايَةِ كَالْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ فَإِذَا قَامَ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ سَقَطَ فَرْضُهَا عَنْ سَائِرِ النَّاسِ، وَإِذَا تَرَكَ الْقِيَامَ بِهَا جَمِيعُهُمْ أَثِمُوا كُلُّهُمْ إذَا كَانَ الْحَقُّ مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي وَهُوَ حَقُّ الْآدَمِيِّينَ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ إسْقَاطُهُ مِثْلُ أَنْ يَرَى مِلْكَ رَجُلٍ يُبَاعُ أَوْ يُوهَبُ أَوْ يُحَوَّلُ عَنْ حَالِهِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي الشَّاهِدِ حِينَ رَأَى ذَلِكَ وَلَمْ يُعْلِمْ بِعِلْمِهِ فِيهِ قَالَ غَيْرُهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا لَا يَعْلَمُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ حَاضِرًا فَهُوَ كَالْإِقْرَارِ. وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ إنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا كَانَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ كَانَ لِلشَّاهِدِ الْقِيَامُ بِهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ كَالْحَوَالَةِ وَالطَّلَاقِ، وَأَمَّا الْعُرُوض وَالْحَيَوَانُ وَالرِّبَاعُ فَلَا يُبْطِلُ ذَلِكَ شَهَادَتَهُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ إنْ كَانَ حَاضِرًا فَهُوَ أَضَاعَ حَقَّهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَلَيْسَ لِلشَّاهِدِ شَهَادَةٌ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَهَذَا عِنْدِي إنَّمَا يَكُونُ جُرْحَةً فِي الشَّاهِدِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ إذَا كَتَمَهَا وَلَمْ يُعْلِمْ بِهَا بَطَلَ الْحَقُّ فَكَتَمَ ذَلِكَ حَتَّى صُولِحَ عَلَى أَقَلَّ مِمَّا يَجِبُ لَهُ أَوْ حَتَّى نَالَتْهُ بِكِتْمَانِ شَهَادَتِهِ مَعَرَّةٌ وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ فَعَلِمَ ضَرُورَتَهُ إلَى شَهَادَتِهِ وَلَمْ يَقُمْ بِهَا حَتَّى دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ بِكِتْمَانِهِ إيَّاهَا فَهِيَ جُرْحَةٌ فِي شَهَادَتِهِ، وَأَمَّا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ صَاحِبَ الْحَقِّ قَدْ تَرَكَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ الَّذِي يَأْتِي شَهَادَتُهُ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ تَأْوِيلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ مَا بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِيهِ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ يَأْتِي بِهَا أَنْ يَأْتِيَ بِهَا إلَى صَاحِبِ الْحَقِّ فَيُخْبِرَهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَأْتِيهِ لِأَدَائِهَا قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا سُئِلَ أَدَاءَهَا بَادَرَ بِذَلِكَ فَأَسْرَعَ إلَيْهِ وَلَمْ يُحْوَجْ إلَى تَكْرَارِ السُّؤَالِ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ يُعْطِيك قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُ وَيُجِيبُك قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ سُرْعَةَ عَطَائِهِ وَسُرْعَةَ جَوَابِهِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا الْحَاكِمَ فَيُؤَدِّيَهَا عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ إيَّاهَا؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَسْمَعُهَا مِنْهُ إذَا لَمْ يَقُمْ صَاحِبُ الْحَقِّ بِهَا، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» . وَقَدْ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ إنَّ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِي الْحَدِيثِ الْيَمِينُ يُرِيدُ أَنَّهُ يَحْلِفُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَحْلَفَ. (ش) : قَوْلُهُ جِئْتُك بِأَمْرٍ مَا لَهُ رَأْسٌ وَلَا ذَنَبٌ مَعْنَاهُ لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ وَلَا آخِرٌ هَذَا مِمَّا تَسْتَعْمِلُهُ الْعَرَبُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا يُرِيدُونَ بِهِ الْكَثْرَةَ فَيَقُولُ هَذَا جِنْسٌ لَا أَوَّلَ لَهُ وَلَا آخِرَ إذَا أَخْبَرْت عَنْ كَثْرَتِهِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي يُرِيدُ بِهِ الْأَمْرَ الْمُبْهَمَ الَّذِي لَا يُعْرَفُ وَجْهُهُ وَلَا يُهْتَدَى لِإِصْلَاحِهِ فَيُقَالُ لَيْسَ لِهَذَا الْأَمْرِ أَوَّلٌ وَلَا آخِرُ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُبْهَمٌ لَيْسَ لَهُ وَجْهٌ يُتَنَاوَلُ مِنْهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْكَثْرَةَ فِي كَثْرَةِ شُهُودِ الزُّورِ، وَأَنْ يُرِيدَ بِهِ عِظَمَ الْفَسَادِ بِهَذَا الْأَمْرِ حَتَّى لَا يُهْتَدَى لِإِصْلَاحِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ شَهَادَةُ الزُّورِ ظَهَرَتْ بِأَرْضِنَا يُرِيدُ الشَّهَادَةَ بِالْبَاطِلِ ظَهَرَتْ بِأَرْضِهِمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ وَلَوْ كَانَتْ بِأَرْضِهِمْ قَدِيمًا لَمْ يَصِفْهَا الْآنَ بِالظُّهُورِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَصِفُهَا بِالدَّوَامِ أَوْ بِالْبَقَاءِ وَالتَّزَايُدِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا

стр. 1527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُمَرَ أَوَ قَدْ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ عِلْمُهُ بِهِ وَلَا عَهْدُهُ بِذَلِكَ الْبَلَدِ قَبْلَ إخْبَارِ هَذَا الْمُخْبِرِ وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي زَمَنِهِ وَرَآهُ وَكَانُوا عُدُولًا بِتَعْدِيلِ اللَّهِ إيَّاهُمْ وَإِخْبَارِهِ أَنَّهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وقَوْله تَعَالَى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] الْآيَةَ وَبِهَذَا كَانَ التَّعْدِيلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ يُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ إنَّ نَاسًا كَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نُؤَاخِذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمَّنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ وَلَيْسَ لَنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا شَرًّا لَمْ نُؤَمِّنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ حَسَنَةً فَلَمَّا كَانَ هَذَا حُكْمَ الصَّحَابَةِ كَانَ الْأَمْرُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ زَمَنِ عُمَرَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ عَدْلٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ صَحَابِيٍّ وَهُمْ عُدُولٌ فَلَمَّا أُخْبِرَ عُمَرُ بِمَا أُحْدِثَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَوَ قَدْ كَانَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَظُنُّ الْأَمْرَ عَلَى مَا عَهِدَ فَلَمَّا أُخْبِرَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ قَالَ وَاَللَّهِ لَا يُؤْسَرُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْعُدُولِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى شَاهِدٍ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ فَإِنْ كَانَ لِنِسْيَانٍ وَغَفْلَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ كَثُرَ مِنْهُ ذَلِكَ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَلَمْ يُحْكَمْ بِهَا لِفِسْقِهِ، فَأَمَّا مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقِرَّ بِتَعَمُّدِ ذَلِكَ، وَالثَّانِي أَنْ يَرْجِعَ عَنْ شَهَادَتِهِ بَعْدَ أَدَائِهَا، فَأَمَّا إنْ أَقَرَّ بِتَعَمُّدِ شَهَادَةِ الزُّورِ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُجْلَدُ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُضْرَبُ بِالسَّوْطِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَضْرِبُهُ الْقَاضِي قَدْرَ مَا يَرَى، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ يُكْشَفُ عَنْ ظَهْرِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُضْرَبُ ضَرْبًا مُوجِعًا. (فَرْعٌ) وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُطَافُ بِهِ وَيُشْهَرُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُطَافُ بِهِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْجَمَاعَاتِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُشْهَرُ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْحِلَقِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي مَجَالِسِ الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ يُسْجَنُ، وَرَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ وَلَا أَرَى الْحَلْقَ وَالتَّسْخِيمَ. (فَرْعٌ) وَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا تَابَ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا زَادَ عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ، وَإِنْ تَابَ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَرَوَى عَلِيٌّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا تَابَ وَأَظُنُّهُ لِمَالِكٍ وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ مِمَّا يُسَرُّ وَلَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَةِ صَلَاحِ حَالِهِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا نَوْعُ فِسْقٍ فَلَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ كَالْقَذْفِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا تَابَ فَبِأَيِّ شَيْءٍ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ بِالصَّلَاحِ وَالدَّءُوبِ فِي الْخَيْرِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأُولَى كَانَتْ حَالَ عَدَالَةٍ فِي الظَّاهِرِ، وَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ مَعَهَا مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ عَدَالَةٍ فَلَا تَثْبُتُ لَهُ تَوْبَةٌ إلَّا بِزِيَادَةِ خَيْرٍ مَا كَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ وُجُودِ شَهَادَةِ الزُّورِ مِنْهُ كَالْقَاذِفِ إذَا كَانَ عَدْلًا حِينَ قَذَفَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُمَرَ وَاَللَّهِ لَا يُؤْسَرُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْعُدُولِ قِيلَ مَعْنَاهُ لَا يُحْبَسُ، وَالْأَسْرُ الْحَبْسُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ لَا يُمْلَكُ مِلْكَ الْأَسْرِ لِإِقَامَةِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ إلَّا بِالصَّحَابَةِ الَّذِينَ جَمِيعُهُمْ عُدُولٌ أَوْ بِالْعَدْلِ مِنْ غَيْرِهِمْ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مُجَرَّدُ الْإِسْلَامِ يَقْتَضِي الْعَدَالَةَ فَكُلُّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ حُكِمَ لَهُ بِالْعَدَالَةِ وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ حَتَّى يُعْرَفَ فِسْقُهُ وَحَكَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ أَنَّ ذَلِكَ إلَى زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْقَرْنَ الثَّالِثَ آخِرُ الْقُرُونِ الَّتِي أَثْنَى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَ الْقَرْنِ الثَّالِثِ فَلَا يَكْفِي فِي عَدَالَتِهِمْ مُجَرَّدُ

стр. 1528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْإِسْلَامِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وَقَالَ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَهَذَا شَرْطُ اعْتِبَارِ الرِّضَى وَالْعَدَالَةِ وَذَلِكَ مَعْنًى يَزِيدُ عَلَى الْإِسْلَامِ أَوْ عَلَى إظْهَارِهِ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ الْعَدَالَةَ لَمَّا كَانَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ كَانَ الْجَهْلُ بِوُجُودِهَا مِثْلَ الْعِلْمِ بِعَدَمِهَا كَالْإِسْلَامِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ مَا بَلَغَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ فِي الْعَدَالَةِ وَأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَبُولَ شَهَادَةِ مُسْلِمٍ عُلِمَ مِنْهُ فِسْقٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلِلشَّاهِدِ صِفَاتٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَرَّى مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ بَالِغًا حُرًّا عَاقِلًا مُسْلِمًا عَدْلًا عَارِفًا بِالشَّهَادَةِ وَصِفَةِ تَحَمُّلِهَا الَّتِي يَجُوزُ مَعَهَا إقَامَتُهَا مُتَحَرِّزًا فِيهَا، وَإِنَّمَا شَرَطْنَا الْبُلُوغَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَهَذِهِ صِفَةُ الْبَالِغِ الْمُكَلَّفِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ لَا يَتَوَجَّهُ إلَّا إلَيْهِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الشَّاهِدَ إنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَخَافُ وَيَتَحَرَّجُ مِنْ الْإِثْمِ فَيَشْهَدُ بِالْحَقِّ وَيَتَوَقَّى الْبَاطِلَ وَالصَّغِيرُ لَا يَأْثَمُ بِشَيْءٍ وَلَا يَخَافُ عُقُوبَةً فَلَا شَيْءَ يَرْدَعُهُ مِنْ كِتْمَانِ الْحَقِّ وَالشَّهَادَةِ بِالْبَاطِلِ، وَإِنَّمَا شَرَطْنَا الْعَقْلَ؛ لِأَنَّ عَدَمَهُ مَعْنًى يُنَافِي التَّكْلِيفَ كَالصِّغَرِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي ابْنِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَحْتَلِمْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يَحْتَلِمَ أَوْ يَبْلُغَ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ تَجُوزُ شَهَادَةُ ابْنِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَإِنْ لَمْ يَحْتَلِمْ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا لَمْ يَحْتَلِمْ وَلَا بَلَغَ السِّنَّ الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ غَالِبًا إلَّا مُحْتَلِمٌ فَأَشْبَهَ ابْنَ عَشَرَةِ أَعْوَامٍ؛ لِأَنَّ الْخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً قَدْ يَبْلُغُهَا مَنْ لَا يَحْتَلِمُ وَاحْتَجَّ ابْنُ وَهْبٍ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ ابْنَ عُمَرَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَغَيْرُهُ فِي غَيْرِ الْعُتْبِيَّةِ إنَّمَا أَجَازَهُ لَمَّا رَآهُ مُطِيقًا لِلْقِتَالِ وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ سِنِّهِ وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حَدٌّ لِلْبُلُوغِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنَّمَا شَرَطْنَا الْحُرِّيَّةَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ شَهَادَةُ الْعَبْدِ مَقْبُولَةٌ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ نَقْصٌ يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ فَنَافَى الشَّهَادَةَ كَالْكُفْرِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنَّمَا شَرَطْنَا الْإِسْلَامَ خِلَافًا لِمَنْ جَوَّزَ شَهَادَةَ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي الْوَصِيَّةِ حَالَ السَّفَرِ، وَإِنْ كَانُوا مَجُوسًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلِقَوْلِهِ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَلَمْ يَخُصَّ سَفَرًا مِنْ حَضَرٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ حَالَةٌ مِنْ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ فَلَمْ تَجُزْ فِيهَا شَهَادَةُ الذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ كَحَالِ الْإِمَامَةِ، وَأَمَّا تَعَلُّقُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦] ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ - ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ﴾ [المائدة: ١٠٧ - ١٠٨] . قَالُوا فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ «خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بِدَاءٍ فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ بِيَدٍ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمٌ فَلَمَّا قَدِمَا فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِذَهَبٍ فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ وَجَدُوا الْجَامَ بِمَكَّةَ فَقَالُوا ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ فَحَلَفَا لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَأَنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] » وَالْجَوَابُ أَنَّ الْآيَةَ لَا تَتَضَمَّنُ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْتُمْ. وَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ

стр. 1529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] إنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] يُرِيدُونَ قَبِيلَكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ يُرِيدُ مِنْ غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَكُونَانِ شَهِيدَيْنِ وَيَكُونُ حُكْمُهُمَا مَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ مِنْ اسْتِحْلَافِهِمَا. وَجَوَابٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يُنَافِي الشَّهَادَةَ، وَلِذَلِكَ اُسْتُحْلِفُوا وَلَوْ كَانُوا شُهُودًا لَمْ يُسْتَحْلَفُوا؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الشَّاهِدَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ يَمِينٌ، وَإِنَّمَا يُسْتَحْلَفُ مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ مَعْنَى الْآيَةِ أَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ فَيَحْضُرَ مَوْتَهُ مُسْلِمَانِ أَوْ كَافِرَانِ لَا يَحْضُرُهُ غَيْرُهُمَا، فَإِنْ رَضِيَ وَرَثَتُهُ مَا غَابَ عَلَيْهِ مِنْ التَّرِكَةِ فَذَلِكَ وَيَحْلِفُ الشَّاهِدَانِ إنَّهُمَا لَصَادِقَانِ، فَإِنْ غُيِّرَا وَوُجِدَ لَطْخٌ أَوْ لَبْسٌ أَوْ شَبَهٌ حَلَفَ الْأَوْلَيَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ وَاسْتَحَقَّا وَأَبْطَلَا أَيْمَانَ الشَّاهِدَيْنِ، وَقَدْ يُسَمَّى الْحَالِفُ شَاهِدًا وَيَقُولُ الْحَالِفُ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ، وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ كَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ يَعْنِي عَلَى الْيَمِينِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. ١ - (فَرْعٌ) وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الذِّمِّيِّ عَلَى ذِمِّيٍّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَالْعَدَالَةُ تُنَافِي الْكُفْرَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى مُسْلِمٍ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ عَلَى كَافِرٍ كَالْمَجُوسِيِّ وَالْحَرْبِيِّ. (مَسْأَلَةٌ) وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الشَّهَادَةِ الْعَدَالَةُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ وَقْتُ الْأَدَاءِ لَا وَقْتُ التَّحَمُّلِ فَلَوْ تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ وَهُوَ صَغِيرٌ عَبْدٌ كَافِرٌ ثُمَّ أَدَّاهَا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ وَبَلَغَ وَأُعْتِقَ وَكَمُلَتْ لَهُ صِفَاتُ الشَّهَادَةِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَلَوْ تَحَمَّلَهَا فِي حَالِ عَدَالَةٍ ثُمَّ أَدَّاهَا فِي حَالِ فِسْقٍ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ أَشْهَدُوا عَلَى شَهَادَتِهِ فِي حَالِ فِسْقِهِ ثُمَّ أَدَّاهَا مَنْ عَلِمَهَا عَنْهُ بَعْدَ أَنْ بَلَغَ الْعَدَالَةَ لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِصِفَاتِهِمْ وَقْتَ إشْهَادِهِ عَلَى شَهَادَتِهِ قَالَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ قَالَ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. (فَرْعٌ) وَلَوْ شَهِدَ الشَّاهِدَانِ بِهَا عِنْدَ الْحُكْمِ فَرَدَّهَا لِمَعْنًى مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي ثُمَّ زَالَ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَمْ يَصِحَّ أَدَاؤُهَا لَهُمَا، وَلَوْ أَدَّيَاهَا لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِهَا، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ إنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِصِغَرٍ أَوْ رِقٍّ أَوْ كُفْرٍ قُبِلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ رُدَّتْ لِفِسْقٍ أَوْ تُهْمَةٍ لَمْ تُقْبَلْ بَعْدَ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ لِزَوْجَتِهِ بِشَهَادَةٍ فَتُرَدُّ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ لَهَا فِي تِلْكَ الشَّهَادَةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِمَعْنًى فِيهِ أَوْجَبَ رَدَّهَا فَلَمْ يَجُزْ قَبُولُهُ فِيهَا، وَإِنْ زَالَ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَالْفِسْقِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنَّمَا شَرَطْنَا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ لِتَحَمُّلِهَا لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ الْغَلَطُ فِيهَا وَتَرْكُ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا، وَإِنَّمَا شَرَطْنَا أَنْ يَكُونَ مُتَحَرِّزًا فِيهَا؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَحَرِّزًا لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ التَّخَيُّلُ مِنْ أَهْلِ التَّخْيِيلِ فَيَشْهَدُ بِالْبَاطِلِ وَلَمْ يَعْلَمْ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُوَلًّى عَلَيْهِ؟ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ أَنَّ شَهَادَةَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ تَجُوزُ إنْ كَانَ عَدْلًا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ لَوْ طَلَبَ مَالَهُ أَخَذَهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْبِكْرِ فِي الْمَالِ حَتَّى تُعَنِّسَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمَوْلَى وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِحِفْظِ الْمَالِ وَتَثْمِيرِهِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَتِهِ مَعَ الْعَدَالَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ مِنْ شَرْطِ الشَّاهِدِ أَنْ يَعْرِفَ التَّحَرُّزَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ التَّحَرُّزِ فِي حِفْظِ مَالِهِ وَلَا يَوْثُقُ بِهِ فِي ذَلِكَ فَبِأَنْ لَا يَوْثُقُ بِهِ فِي أَدَاءِ شَهَادَتِهِ أَوْلَى. (فَصْلٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالشُّهُودُ عَلَى ثَلَاثَةِ: أَقْسَامٍ قِسْمٌ يَعْرِفُ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُ وَقِسْمٌ يَعْرِفُ فِسْقَهُ وَقِسْمٌ يَجْهَلُ أَمْرَهُ، فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَنْ يَعْرِفُ عَدَالَتَهُ فَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ مَدْفَعٌ فِيهَا قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّجُلِ الْمَشْهُورِ بِالْعَدَالَةِ، وَعِنْدَ

стр. 1530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْحَاكِمِ مَنْ مَعْرِفَتُهُ مِثْلُ مَا عِنْدَ مَنْ يُعَدِّلُهُ فَهَذَا الَّذِي عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَقْبَلَهُ، وَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا كَانَ الْقَاضِي يَعْرِفُ الرَّجُلَ وَكَانَ يُزَكِّيهِ عِنْدَ غَيْرِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَاضِيًا فَهَذَا الَّذِي يَسَعُهُ قَبُولُ شَهَادَتِهِ، وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي وَهُوَ مَنْ يَعْرِفُ فِسْقَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْرِفَ الْحَاكِمُ فِسْقَهُ وَالثَّانِي أَنْ يُجْرَحَ عِنْدَهُ بِأَنَّهُ يَرْتَكِبُ مَحْظُورًا كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْعَمَلِ بِالرِّبَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدْعُو إلَى بِدْعَتِهِ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقُرَّاءِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ إلَّا شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّهُمْ يَتَحَاسَدُونَ كَالضَّرَائِرِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الْقُرَّاءِ بِالْأَلْحَانِ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا تَجُوزَ، وَالْبَخِيلُ الَّذِي ذَمَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ هُوَ الَّذِي لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ فَمَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ فَلَيْسَ بِبَخِيلٍ وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّ شَهَادَةَ الْبَخِيلِ مَرْدُودَةٌ، وَإِنْ كَانَ مَرْضِيَّ الْحَالِ يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ سَاقِطُ الْمُرُوءَةِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ. وَكَذَلِكَ تُرَدُّ شَهَادَةُ مَنْ يَتْرُكُ وَاجِبًا كَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ الْمَشْرُوعُ لَهَا، وَأَمَّا تَرْكُ الْجُمُعَةِ فَجُرْحَةٌ فِي الْجُمْلَةِ وَاخْتُلِفَ فِي تَرْكِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَالَ أَصْبَغُ هِيَ جُرْحَةٌ كَالصَّلَاةِ مِنْ الْفَرِيضَةِ فَتَرْكُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَيُؤَخِّرُهَا عَنْ وَقْتِهَا وَهَذَا ظَاهِرُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَكُونُ جُرْحَةً حَتَّى يَتْرُكَهَا ثَلَاثَةً مُتَوَالِيَةً وَمِثْلُهُ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا مَا كَانَ مِنْ الْعِبَادَاتِ عَلَى الْفَوْرِ، وَأَمَّا مَا كَانَ عَلَى التَّرَاخِي فَإِنَّهَا لَا تُبْطِلُ شَهَادَتَهُ حَتَّى يَتْرُكَ ذَلِكَ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ الَّتِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ تَهَاوُنُهُ بِهَا مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَدَائِهَا قَالَ سَحْنُونٌ فَمَنْ كَانَ صَحِيحَ الْبَدَنِ مُتَّصِلَ الْوَفْرِ قَدْ بَلَغَ عِشْرِينَ سَنَةً إلَى أَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً فَلَا شَهَادَةَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ يُرِيدُ إذَا تَرَكَ الْحَجَّ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا تَرْكُ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ بِمَا كَانَ مِنْهُ يَتَكَرَّرُ وَيَتَأَكَّدُ كَالْوِتْرِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَمَا قَدْ وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَإِنْ أَخَلَّ أَحَدٌ بِفِعْلِهِ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ عَدَالَتُهُ، وَأَمَّا مَنْ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَفْعَلَ أَوْ تَرَكَهُ جُمْلَةً فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْقِطُ شَهَادَتَهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢٢] وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٌ أَصْوَاتُهُمَا فَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الْآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ وَهُوَ يَقُولُ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَيْنَ الْمُتَأَلِّي أَنْ لَا يَفْعَلَ الْمَعْرُوفَ فَقَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ» . فَوَجْهُ الدَّلِيلِ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَنْكَرَ عَلَيْهِ يَمِينَهُ بِذَلِكَ إنْكَارًا اقْتَضَى إقْلَاعَهُ عَنْهُ وَتَوْبَتَهُ مِنْهُ فَمَنْ أَصَرَّ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَجَبَ رَدُّ شَهَادَتِهِ، وَأَمَّا الَّذِي قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَخْبَرَهُ بِالْفَرَائِضِ وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أُنْقِصُ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى أَنْ لَا يَأْتِيَ بِنَافِلَةٍ وَلَا يَعْمَلَ شَيْئًا مِنْ الْخَيْرِ وَلَكِنَّهُ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَفْعَلَ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ عِنْدَمَا أَخْبَرَهُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ وُجُوبِهِ، وَإِنْ أَجَازَ أَنْ يَفْعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِهِ عَلَى وَجْهِ النَّفْلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ زِيَادَةً تُفْسِدُهُ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ فَيُصَلِّيهَا خَمْسًا وَلَا يُنْقِصُ مِنْهَا فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا وَيُنْقِصَ مِنْهَا مَا لَا يُخِلُّ بِصِحَّتِهَا. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا مَنْ جَهِلَ الْحَاكِمُ أَمْرَهُ فَلَا يَعْرِفُهُ بِعَدَالَةٍ وَلَا فِسْقٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَتَنَاوَلَ شَهَادَةَ مَا يُعْدَمُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْعَدْلِ فِيهِ فِي الْأَغْلَبِ أَوْ مَا لَا يُعْدَمُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَأَمَّا مَا يُعْدِمُ ذَلِكَ فِيهِ غَالِبًا مِثْلُ شَهَادَةِ أَهْلِ الرُّفْقَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا يَخْتَصُّ بِمُعَامَلَاتِ السَّفَرِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ كِرَاءٍ أَوْ قَضَاءٍ وَمَا

стр. 1531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ، فَأَمَّا بَيْعُ الْعَقَارِ وَالْأَمْوَالِ الَّتِي لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِبَيْعِهَا فِي السَّفَرِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا إلَّا الْعُدُولُ وَكَذَلِكَ مَا شَهِدَ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا يُوجِبُ الْحَدَّ أَوْ الضَّرْبَ كَالسَّرِقَةِ وَالتَّلَصُّصِ وَالزِّنَا وَالْغَصْبِ الْمُوجِبِ لِلضَّرْبِ فَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ إلَّا أَهْلُ الْعَدَالَةِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ التَّوَسُّمِ فِي الْأَمْوَالِ لِصَلَاحِ السَّفَرِ وَاتِّصَالِ السُّبُلِ، وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢] ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَا تَدْعُو إلَيْهِ الضَّرُورَةُ فِي السَّفَرِ مِنْ قَبُولِ أَهْلِ الرُّفْقَةِ وَمَنْ لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِيهَا غَيْرُهُمْ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنَّمَا يُقْبَلُونَ عَلَى التَّوَسُّمِ وَذَلِكَ أَنْ يَتَوَسَّمَ فِيهِمْ الْحَاكِمُ الْحُرِّيَّةَ وَالْإِسْلَامَ زَادَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالْمُرُوءَةَ وَالْعَدَالَةَ وَلَا يُمَكَّنُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْ تَجْرِيحِهِمْ؛ لِأَنَّ مَنْ اجْتَرَأَ عَلَى غَيْرِ الْعَدَالَةِ لَا يُمَكَّنُ مِنْ تَجْرِيحِهِ كَالصِّبْيَانِ، وَإِنْ ارْتَابَ السُّلْطَانُ رِيبَةً قَبْلَ الْحُكْمِ فَإِنْ كَانَ سَبَبُ الرِّيبَةِ قَطْعَ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ جَلْدَ ظَهْرٍ فَلْيَتَوَقَّفْ وَيَتَثَبَّتْ فِي تَوَسُّمِهِ فَإِنْ ظَهْرَ لَهُ نَفْيُ تِلْكَ الرِّيبَةِ وَإِلَّا أَسْقَطَهُمْ، وَلَوْ شَهِدَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ عَدَدٌ لَا تَوَسُّمَ إنَّ الَّذِينَ قُبِلُوا بِالتَّوَسُّمِ عَبِيدٌ أَوْ مَسْخُوطُونَ وَذَلِكَ قَبْلَ الْحُكْمِ فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَتَثَبَّتُ فِيهِمْ وَيَكْشِفُ عَنْهُمْ فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ بَعْضُ مَا قِيلَ أَمْسَكَ عَنْ إمْضَاءِ شَهَادَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ ذَلِكَ حَكَمَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ فَلَا تَرَدُّدَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَدْلَانِ أَنَّهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا عَلَى صِفَةٍ تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ. [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي عَدَدِ الْمُزَكِّينَ] ١ (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا تَنَاوَلَتْ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ مَا لَا يُعْدَمُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْعَدْلِ فِيهِ غَالِبًا فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا إلَّا بَعْدَ التَّزْكِيَةِ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ تَعْدِيلُ الشُّهَدَاءِ إلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ سُمِّيَ لَهُ ذَلِكَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يُسَمَّ وَفِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي عَدَدِ الْمُزَكِّينَ وَالْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْمُزَكَّى وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَعْنَى الْعَدَالَةِ وَمَا يَلْزَمُ الْمُزَكَّى مِنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِي لَفْظِ التَّزْكِيَةِ وَالْبَابُ الْخَامِسُ فِي تَكْرَارِ التَّعْدِيلِ وَمَا يَلْزَمُ مِنْهُ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي عَدَدِ الْمُزَكِّينَ) وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ تَزْكِيَةٌ عَلَانِيَةٌ وَتَزْكِيَةٌ سِرِّيَّةٌ، فَأَمَّا تَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُجْزِئُ فِي التَّزْكِيَةِ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَهَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي تَزْكِيَةِ شُهُودِ الزِّنَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَعْدِلُ كُلُّ وَاحِدٍ إلَّا بِأَرْبَعَةٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَجُوزُ فِي تَعْدِيلِهِمْ مَا يَجُوزُ فِي تَعْدِيلِ غَيْرِهِمْ اثْنَانِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَوْ أَرْبَعَةٌ لِجَمِيعِهِمْ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا تَزْكِيَةُ السِّرِّ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْحَاكِمِ رَجُلٌ عَرَفَ دِينَهُ وَفَضْلَهُ وَمَيَّزَهُ وَتَحَرُّزَهُ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ سِوَى الْحَاكِمِ فَيَبْحَثُ عَنْ أَحْوَالِ النَّاسِ وَيَكْتَتِمُ بِذَلِكَ، فَإِذَا كَلَّفَهُ الْقَاضِي أَنْ يَتَعَرَّفَ لَهُ حَالَ شَاهِدٍ تَسَبَّبَ إلَى ذَلِكَ بِالْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ ثُمَّ يُعْلِمُ الْحَاكِمَ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ فَهَذِهِ تَزْكِيَةُ السِّرِّ. (فَرْعٌ) وَكَمْ عَدَدُ الْمُزَكِّينَ فِي السِّرِّ فِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَكْفِي فِي ذَلِكَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ الْعَدْلُ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا أُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ فِي السِّرِّ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يُقْبَلُ فِي السِّرِّ إلَّا اثْنَانِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الْحَاكِمِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ انْفِرَادَهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا شَهَادَةٌ فِي تَعْدِيلٍ كَتَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْأَفْضَلُ فِي التَّعْدِيلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى بِتَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ دُونَ تَعْدِيلِ السِّرِّ، وَقَدْ يُجْزِي تَعْدِيلُ السِّرِّ عَنْ تَعْدِيلِ

стр. 1532

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْعَلَانِيَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَعْدِيلَ السِّرِّ لَا يَجْتَزِي فِي ذَلِكَ السَّائِلُ إلَّا بِالْخَبَرِ الْفَاشِي الْمُتَكَرِّرِ الْمُتَحَقِّقِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْعِلْمُ لِلْمُسْتَخْبِرِ، وَلِذَلِكَ لَا يُعْذَرُ فِيهِ إلَى أَحَدٍ، وَأَمَّا تَعْدِيلُ الْعَلَانِيَةِ فَيُقْبَلُ فِي ذَلِكَ شَاهِدَانِ فَلَا يَقْوَى قُوَّةَ مَا يَقَعُ بِهِ الْعِلْمُ، وَلِذَلِكَ يُعْذَرُ فِيهِ إلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَإِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَهُوَ أَوْلَى لِيَسْتَوِيَ فِي تَعْدِيلِهِ السِّرُّ وَالْجَهْرُ، وَإِنْ اقْتَصَرَ فِي الرَّجُلِ الْمَشْهُورِ الْفَضْلِ بِتَزْكِيَةِ السِّرِّ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْغَضَاضَةِ بِمُطَالَبَتِهِ بِالتَّزْكِيَةِ وَالتَّوَقُّفِ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ حَتَّى يُزَكَّى فَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ حَالَتُهُ بِالسُّؤَالِ فِي السِّرِّ عَنْ أَمْرِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يُخْبِرُ بِذَلِكَ عَنْهُ إلَّا الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ اُضْطُرَّ فِي أَمْرِهِ إلَى تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ وَاجْتُزِئَ بِهَا فِي الَّذِي لَمْ تُشْتَهَرْ عَيْنُهُ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنْ يُزَكَّى فِي السِّرِّ أَوْ الْعَلَانِيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْمُزَكَّى] (الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْمُزَكَّى) رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ لَا يَجُوزُ تَعْدِيلُ الرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا حَتَّى يُعْرَفَ وَجْهُ التَّعْدِيلِ وَرَوَاهُ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ سَحْنُونٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِهِ عَنْهُ لَا تُقْبَلُ تَزْكِيَةُ الْأَبْلَهِ مِنْ النَّاسِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ يَجُوزُ تَعْدِيلُهُ وَلَا يَجُوزُ فِي التَّعْدِيلِ إلَّا الْمُبَرَّزُ النَّافِذُ الْفَطِنُ الَّذِي لَا يُخْدَعُ فِي عَقْلِهِ وَلَا يُسْتَزَلُّ فِي رَأْيِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَعْرِفَةَ أَحْوَالِ النَّاسِ وَمَعْرِفَةَ الْجَائِزِ مِنْهَا مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا يَخْفَى وَلَا يَعْلَمُهُ إلَّا آحَادُ النَّاسِ وَأَهْلُ الْمَيْزِ وَالْحِذْقِ مِنْهُمْ، وَأَمَّا دَفْعُ عَقْدٍ إلَى شَاهِدٍ يَشْهَدُ فِيهِ بِمَا يُشْهِدُهُ عَلَيْهِ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ فَذَلِكَ أَمْرٌ ظَاهِرٌ يَبْعُدُ مِنْ الْخَطَأِ وَالْمُخَادَعَةِ لِمَنْ لَهُ أَقَلُّ مَعْرِفَةٍ وَأَيْسَرُ جُزْءٍ مِنْ التَّحَرُّزِ. (فَرْعٌ) وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُعَدَّلَانِ غَيْرَ مَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَيُزَكَّيَانِ عِنْدَهُ إذَا كَانَ شَاهِدُ الْأَصْلِ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَإِنْ كَانَ غَرِيبًا جَازَ ذَلِكَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْغَرِيبَ قَدْ يَكُونُ مَجْهُولَ الْحَالِ فِي الْبَلَدِ فَلَا يَعْرِفُ عَدَالَتَهُ إلَّا مَنْ يَعْرِفُ الْحُكْمَ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُعْرَفَ بِهِ، وَأَمَّا الْمُسَاكِنُ بِالْبَلَدِ فَحَالُهُ فِي الْأَغْلَبِ مَعْلُومَةٌ كَحَالِ الْمُزَكَّى لَهُ فَلَا يُقْبَلُ فِي تَزْكِيَتِهِ إلَّا أَهْلُ الْعَدَالَةِ عَلَى مَا وَصَفْنَا قَبْلَ هَذَا. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَعْنَى الْعَدَالَةِ وَمَا يَلْزَمُ الْمُزَكَّى مِنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ] ١ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ الْحَاكِمُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَطْلُبُ فِيهِ التَّزْكِيَةَ قَالَ سَحْنُونٌ يُزَكِّيهِ عِنْدَهُ مَنْ يَعْرِفُ بَاطِنَهُ كَمَا يَعْرِفُ ظَاهِرَهُ، مَنْ صَحِبَهُ الصُّحْبَةَ الطَّوِيلَةَ وَعَامَلَهُ بِالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ قَالَ مَالِكٌ كَانَ يُقَالُ لِمَنْ مَدَحَ رَجُلًا أَصَحِبْته فِي سَفَرٍ أَخَالَطْته فِي مَالٍ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَصْحَبُ الرَّجُلَ شَهْرًا فَلَا يَعْلَمُ مِنْهُ إلَّا خَيْرًا لَا يُزَكِّيهِ بِهَذَا وَهُوَ كَبَعْضِ مَنْ يُجَالِسُك وَلَيْسَ هَذَا بِاخْتِبَارٍ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الشَّاهِدِ لَا يَعْرِفُهُ الْقَاضِي بِعَدَالَةٍ وَلَا فَسَادٍ إلَّا أَنَّهُ مِمَّنْ يَحْضُرُ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ قَالَ سَحْنُونٌ يَعْرِفُهُ بِظَاهِرٍ جَمِيلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَسَاجِدِ وَالْجِهَادِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ وَيَطْلُبُ فِيهِ التَّزْكِيَةَ قَالَ سَحْنُونٌ لَا يُزَكِّيهِ بِذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّزْكِيَةَ تَفْتَقِرُ إلَى أَنْ يَعْرِفَ الْمُزَكَّى مِنْ حَالِ الشَّاهِدِ مَا ذَكَرْنَاهُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ سَحْنُونٍ مَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَارِفَ بَعْضَ الذَّنْبِ كَالْأَمْرِ الْخَفِيفِ مِنْ الزَّلَّةِ وَالْفَلْتَةِ فَمِثْلُ هَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ عَدَالَتِهِ قَالَ مَالِكٌ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا تُذْكَرُ عُيُوبُهُمْ يَكُونُ عَيْبُهُ خَفِيفًا وَالْأَمْرُ كُلُّهُ حَسَنٌ وَلَا يُعْصَمُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ اللَّاعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ، وَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا مِمَّنْ لَا يُقَارِفُ شَيْئًا مِنْ الْعُيُوبِ مَا قُبِلَتْ لِأَحَدٍ شَهَادَةٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَيُزَكَّى الشَّاهِدُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْ الْقَاضِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ مَشْهُورُ الْعَيْنِ وَالِاسْمِ عِنْدَ الْقَاضِي وَالْمُزَكَّى مَعْرُوفُ الْعَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ

стр. 1533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] كَذَلِكَ فَلَا يُزَكَّى إلَّا عَيْنُهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ يَصِحُّ أَنْ يُزَكِّيَ الْمُزَكِّي رَجُلًا لَا يَعْرِفُ اسْمَهُ. وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ زَكَّاهُ عَلَى عَيْنِهِ وَأَنَّ هَذَا أَمْرٌ يَقِلُّ وَيَنْدُرُ إذَا كَانَ لَا يَصِحُّ تَزْكِيَتُهُ لَهُ إلَّا بَعْدَ الْمُدَاخَلَةِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَالْمُعَامَلَةِ الطَّوِيلَةِ بِالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَعْرِفُ اسْمَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِكُنْيَةٍ كَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبَّاسٍ أَوْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ لَقَبٌ قَدْ رَضِيَهُ كَأَشْهَبَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَاسْمُهُ مِسْكِينٌ وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَمْرٍو وَأَشْهَبُ لَقَبٌ، وَكَذَلِكَ سَحْنُونٌ اسْمُهُ عَبْدُ السَّلَامِ وَكُنْيَتُهُ أَبُو سَعِيدٍ وَسَحْنُونٌ لَقَبٌ فَمِثْلُ هَذَا يُمْكِنُ فِيهِ مَا قَالَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنِّي أَقُولُ إنَّ الْجَهْلَ بِاسْمِهِ يُؤَثِّرُ فِي تَزْكِيَتِهِ، وَإِنَّمَا يَقِلُّ مَعَ مَا شُرِطَ مِنْ سَبَبِ مَعْرِفَتِهِ. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِي لَفْظِ التَّزْكِيَةِ وَحُكْمِهَا] (الْبَابُ الرَّابِعُ فِي لَفْظِ التَّزْكِيَةِ وَحُكْمِهَا) قَدْ قَالَ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ فِي الْمُزَكَّى يَقُولُ لَا أَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا قَالَ مَالِكٌ وَيَلْقَاهُ فِي الطَّرِيقِ وَلَا يَعْلَمُ مِنْهُ إلَّا خَيْرًا وَلَا يَجُوزُ هَذَا قَالَ سَحْنُونٌ وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَقُولَ هُوَ صَالِحٌ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ يُجْزِئُهُ فِي ذَلِكَ لَفْظُ الْعَدْلِ وَالرِّضَى. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ كُلُّ لَفْظٍ كُنِّيَ بِهِ عَنْ الْعَدْلِ وَالرِّضَى فَإِنَّهُ يُجْزِئُ، وَإِنَّمَا اُخْتِيرَ لَفْظُ الْعَدْلِ وَالرِّضَى لِأَنَّهُ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ، وَقَالَ عَزَّ مَنْ قَائِلٌ ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ مِنْ الْعَدْلِ وَالرِّضَى حَتَّى يَجْمَعَهُمَا. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَعْنَى الْعَدَالَةِ وَأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَفْظُ الْعَدَالَةِ وَالرِّضَى فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ يُجْزِئُهُ أَنْ يَقُولَ أَرَاهُ عَدْلًا رِضًى وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ وَأَعْلَمُهُ عَدْلًا رِضًى جَائِزَ الشَّهَادَةِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إذَا قَالَ لَا أَعْلَمُهُ إلَّا عَدْلًا رِضًى قَالَ سَحْنُونٌ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ حَتَّى يَقُولَ إنَّهُ عَدْلٌ رِضًى وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ التَّعْدِيلَ إخْبَارٌ عَمَّا يُعْتَقَدُ فِيهِ مِنْ الصِّدْقِ لِمَا ظَهَرَ إلَيْهِ مِنْ الْأَحْوَالِ الْمَرْضِيَّةِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقْطَعَ عَلَى مَغِيبِهِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ التَّزْكِيَةُ وَأَنَّ الرِّضَى وَالْعَدَالَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا ظَهَرَ إلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِهِ وَذَلِكَ مَقْطُوعٌ بِهِ. [الْبَابُ الْخَامِسُ فِي تَكْرِيرِ التَّعْدِيلِ وَمَا يَلْزَمُ مِنْهُ] ١ (الْبَابُ الْخَامِسُ فِي تَكْرِيرِ التَّعْدِيلِ وَمَا يَلْزَمُ مِنْهُ) قَدْ رَوَى فِي الْمَجْمُوعَةِ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَشْهَدُ فَيُزَكَّى ثُمَّ يَشْهَدُ ثَانِيَةً قَالَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِالتَّزْكِيَةِ الْأُولَى وَلَيْسَ النَّاسُ كُلُّهُمْ سَوَاءً مِنْهُمْ الْمَشْهُورُونَ بِالْعَدَالَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْمِصُ مِنْهُ النَّاسُ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ أَمَّا الَّذِي لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ فَإِنَّهُ يُؤْتَنَفُ فِيهِ تَعْدِيلٌ ثَانٍ، وَأَمَّا الْمَشْهُورُ بِالْعَدَالَةِ فَالتَّعْدِيلُ الْأَوَّلُ يُجْزِئُ فِيهِ حَتَّى يُجْرَحَ بِأَمْرَيْنِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ عَلَيْهِ ائْتِنَافُ تَعْدِيلٍ إلَّا أَنْ يَغْمِزَ فِيهِ بِشَيْءٍ أَوْ يَرْتَابَ مِنْهُ وَلَا يَزِيدُهُ طُولُ ذَلِكَ إلَّا خَيْرًا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي لَيْسَ بِمَشْهُورِ الْعَيْنِ وَلَا مَشْهُورِ الْعَدَالَةِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَحْوَالٌ خَفِيَتْ عَنْ الْمُعَدِّلِينَ وَرُبَّمَا يَتَعَذَّرُ تَجْرِيحُهُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِخَفَاءِ عَيْنِهِ وَقِلَّةِ الْعِلْمِ بِهِ فَيُؤْتَنَفُ فِيهِ التَّعْدِيلُ لِيُحَقَّقَ أَمْرُهُ وَيُسْتَبْرَأَ حَالُهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ بِتَعْدِيلِهِ بَاقٍ لَا يَنْقُضُهُ التَّجْرِيحُ وَالِارْتِيَابُ فَلَا يَلْزَمُ تَجْدِيدُ حُكْمٍ آخَرَ فِيهِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يُؤْتَنَفُ فِيهِ التَّعْدِيلُ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنْ شَهِدَ مَرَّةً ثَانِيَةً بَعْدَ زَمَانِ الْخَمْسِ سِنِينَ وَنَحْوِهَا فَلْيُسْأَلْ عَنْهُ الْمُعَدِّلُ الْأَوَّلُ فَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ عُدِّلَ مَرَّةً أُخْرَى وَإِلَّا لَمْ يَفْعَلْ. وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ الثَّانِيَةُ قَرِيبَةً مِنْ الْأَشْهُرِ وَشِبْهِهَا وَلَمْ يَطُلْ جِدًّا لَمْ يُكَلَّفْ تَزْكِيَةً، وَإِنْ كَانَ قَدْ طَالَ فَلْيَكْشِفْ عَنْهُ ثَانِيَةً طَلَبَ ذَلِكَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَطْلُبْ

стр. 1534

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ) ــ [المنتقى] وَالسَّنَةُ كَثِيرٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ الَّذِي يُكَلَّفُ تَعْدِيلَهُ؟ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَسْأَلُهُ مَنْ يُعَدِّلُهُ فَإِنْ لَمْ يَأْتِهِ بِذَلِكَ فَلَا يَقْبَلُهُ قَالَ سَحْنُونٌ وَلَا يَطْلُبُ التَّزْكِيَةَ مِنْ الشَّاهِدِ وَذَلِكَ عَلَى الْخَصْمِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُجِيزَ الْحُكْمَ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ وَمَنْ يُعَدِّلُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي فَإِذَا قُلْنَا بِذَلِكَ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُكَلِّفُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ يُزَكِّيهِ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَإِنْ زَكَّاهُ وَإِلَّا رَدَّ شَهَادَتَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ عَدَالَتَهُ لَمْ يَرْضَهُ. (ش) : قَوْلُهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ الْخَصْمُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الرَّجُلُ يُخَاصِمُ الرَّجُلَ فِي الْأَمْرِ الْجَسِيمِ مِثْلُهُ يُورِثُ الْعَدَاوَةَ وَالْحِقْدَ فَمِثْلُ هَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى خَصْمِهِ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ وَفِي غَيْرِهِ، وَإِنْ خَاصَمَهُ فِيمَا لَا خَطْبَ لَهُ كَثَوْبٍ قَلِيلِ الثَّمَنِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُوجِبُ عَدَاوَةً فَإِنَّ شَهَادَتَهُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَا يُخَاصِمُهُ فِيهِ جَائِزَةٌ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْخَصْمُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْوَكِيلُ، وَقَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْوَجْهَانِ عِنْدِي مُحْتَمَلَانِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْعَدُوَّ الْمُخَاصِمَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْوَكِيلَ عَلَى خُصُومَتِهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى مَا يُخَاصِمُ فِيهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَقَامَ بِهِ أَحَدٌ يَطْلُبُهُ وَيُخَاصِمُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّ شَهَادَتَهُ جَائِزَةٌ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ النَّاسَ قَدْ جُبِلُوا عَلَى أَنَّ مَنْ خَاصَمَ فِي شَيْءٍ أَنَّ لَهُ إتْمَامَهُ وَالنَّفَاذَ فِيهِ فَلَا يُؤْمَنُ عَلَى هَذَا الْمُخَاصِمِ أَنْ يَزِيدَ فِي شَهَادَتِهِ مَا يَنْفُذُ بِهِ فِيمَا يُحَاوِلُهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ أَنَّ هَذَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يُتَّهَمُ أَحَدٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ الْقِيَامُ بِهِ، وَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ قَائِمٍ بِهِ لَمَا قُبِلَتْ شَهَادَةُ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ وَالْقَائِمُ بِهِ لَا يَجُرُّ بِهِ مَنْفَعَةً إلَى نَفْسِهِ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ خُصُومَتَهُمَا مُعْتَبَرَةٌ بِالتُّهْمَةِ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَإِنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الْخُصُومَةِ ثُمَّ حَدَثَتْ الْخُصُومَةُ قَبْلَ الْحُكْمِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ فَالصَّوَابُ عِنْدِي الْحُكْمُ بِهَا، وَإِنْ تَحَمَّلَهَا قَبْلَ الْخُصُومَةِ ثُمَّ حَدَثَتْ الْخُصُومَةُ فَإِنْ كَانَ أَشْهَدَ بِهَا قَبْلَ الْخُصُومَةِ ثُمَّ أَدَّاهَا بَعْدَ الْخُصُومَةِ فَهِيَ جَائِزَةٌ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا وَأَدَّاهَا فِي حَالِ الْخُصُومَةِ أَوْ بَعْدَهَا بِالْقُرْبِ مِنْهَا فَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا مُدَّةٌ لَا تَلْحَقُ فِي مِثْلِهَا التُّهْمَةُ جَازَتْ الشَّهَادَةُ، وَإِنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الْعَدَاوَةِ ثُمَّ حَدَثَتْ الْعَدَاوَةُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ إنَّ الشَّهَادَةَ مَاضِيَةٌ يَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا. (فَرْعٌ) وَقَوْلُهُ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ يُرِيدُ لَا يَجُوزُ أَدَاؤُهَا، وَأَمَّا تَحَمُّلُهَا فَمُعْتَبَرٌ بِوَقْتِ أَدَائِهَا. [لِلشَّهَادَةِ حَالَانِ] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ] ١ وَلِلشَّهَادَةِ حَالَانِ: حَالُ تَحَمُّلٍ وَحَالُ أَدَاءً وَإِنِّي أُفْرِدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَابًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ) أَمَّا تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: تَحَمُّلُ نَقْلِهَا مِنْ الْأَصْلِ، وَالثَّانِي تَحَمُّلُ نَقْلِهَا عَنْ الشُّهُودِ، وَالثَّالِثُ تَحَمُّلُ نَقْلِ حُكْمِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَأَمَّا تَحَمُّلُ نَقْلِهَا مِنْ الْأَصْلِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْمَعَ لَفْظَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ بِالشَّهَادَةِ لَهُ أَوْ إقْرَارَهُ، وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مَا تَقَيَّدَ فِي كِتَابٍ، فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَسْمَعَ مَا يَشْهَدُ بِهِ فَهُوَ إذَا وَعَاهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ وَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَقُمْ بِالشَّهَادَةِ غَيْرُهُ وَتَجُوزُ عَلَى هَذَا شَهَادَةُ الْأَعْمَى خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ لَا تَجُوزُ مَا تَحَمَّلَ حَالَ الْعَمَى وَلِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ لَهُ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فِي يَدَيْهِ إلَى أَنْ تُؤَدَّى الشَّهَادَةُ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ مَعْرِفَةُ الْمُقِرِّ وَالْمُقَرِّ لَهُ جَازَ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ

стр. 1535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بَيْنَهُمَا مَعَ الْعَدَالَةِ كَالْمُبْصِرِ وَالْأَعْمَى يَعْرِفُ ذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ الصَّوْتِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ سَحْنُونٌ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَأَ امْرَأَتَهُ بِمَعْرِفَةِ صَوْتِهَا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى حَقِّهِ بِمَعْرِفَةِ صَوْتِ مُبَايِعِهِ وَالْمُقْتَرِضِ مِنْهُ قَالَ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ نَافِعٍ وَسَحْنُونٌ سَوَاءٌ وُلِدَ أَعْمَى أَوْ عَمِيَ بَعْدَ ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعِ جَمِيعَ مَا شَهِدَ بِهِ فَإِنْ كَانَ نَسِيَ مِنْهُ مَا لَا يُخِلُّ بِمَا حَفِظَ فَلْيَشْهَدْ بِمَا حَفِظَ وَتَيَقَّنَهُ دُونَ مَا يَشُكُّ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ نَسِيَ مَا يَخَافُ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا لِمَا حَفِظَ وَمُغَيِّرًا لِحُكْمِهِ فَلَا يَشْهَدُ بِهِ وَهَذَا حُكْمُ الْإِقْرَارِ فِيمَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُحَدِّثُ غَيْرَهُ بِمَا فِيهِ إقْرَارٌ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَمُرُّ بِالرَّجُلَيْنِ يَتَكَلَّمَانِ وَلَمْ يُشْهِدَاهُ فَيَدْعُوهُ أَحَدُهُمَا إلَى الشَّهَادَةِ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يَسْتَوْعِبَ كَلَامَهُمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَذَلِكَ عِنْدِي عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مَخَافَةَ الِاسْتِغْفَالِ وَالتَّحَيُّلِ عَلَى الْمُقِرِّ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ إذَا اسْتَوْعَبَ الْكَلَامَ وَلَمْ يَفُتْهُ مَا يَخَافُ أَنْ يُخِلَّ بِالْمَعْنَى. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ تَفْسِيرًا لِقَوْلِ مَالِكٍ وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّلُ لَا يَشْهَدُ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ مَا يُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيلَ فِيمَنْ سَمِعَ رَجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ وَلَمْ يَشْهَدْ السَّامِعُ لَا يَشْهَدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَاذِفًا. وَقَالَ أَشْهَبُ هَذِهِ رِوَايَةٌ فِيهَا وَهْمٌ وَلْيَشْهَدْ بِمَا سَمِعَ مِنْ إقْرَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُقِرُّ فَلْيُعْلِمْهُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَقْوَالُ أَصْحَابِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَعْنَى وَيَرْجِعُ إلَيْهِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَهَادَةِ الْمُخْتَفِي عَلَى الْإِقْرَارِ إذَا كَانَ الْمُقِرُّ مِمَّنْ يَخَافُ أَنْ يُخْدَعَ أَوْ يُسْتَضْعَفَ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ وَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَقَرَّ إلَّا لِمَا يُذْكَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَهُوَ فِي الْخَلْوَةِ يُقِرُّ وَيَجْحَدُ عِنْدَ الْبَيِّنَةِ فَعَسَى أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ أَرَى ذَلِكَ ثَابِتًا وَسُئِلَ سَحْنُونٌ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ الشَّعْبِيَّ وَشُرَيْحًا كَانَا لَا يُجِيزَانِ ذَلِكَ فَظَاهِرُ مَا جَاوَبَ بِهِ مِنْ الرِّوَايَةِ الْأَخْذُ بِهَا فِي الْمَنْعِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الرَّجُلَيْنِ يَتَحَاسَبَانِ بِحَضْرَةِ رَجُلَيْنِ وَيَشْتَرِطَانِ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يَشْهَدَا بِمَا يُقِرَّانِ بِهِ فَيُقِرُّ أَحَدُهُمَا فَيَطْلُبُهُمَا الْآخَرُ بِالشَّهَادَةِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَمْتَنِعَانِ مِنْ الشَّهَادَةِ وَلَا يُعَجِّلَا فَإِنْ اصْطَلَحَ الْمُتَدَاعِيَانِ وَإِلَّا فَلْيُؤَدِّيَا الشَّهَادَةَ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ لَا أَرَى بِامْتِنَاعِهِمَا مِنْ الشَّهَادَةِ بَيْنَهُمَا بَأْسًا. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْحَاكِمِ بِمَا سَمِعَ مِنْ الْخُصُومِ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ مَنْ تَوَسَّطَ بَيْنَ اثْنَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا سَأَلَ الْمُسْتَفْتِي فَقِيهًا عَنْ أَمْرٍ يُنَوَّى فِيهِ، وَلَوْ أَقَرَّ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ أَسَرَّ بِهِ بَيِّنَةً لَمْ يُنَوَّ وَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ فَأَتَتْهُ الزَّوْجَةُ تَسْأَلُهُ عَنْ الشَّهَادَةِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ زَادَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَلَوْ شَهِدَ لَمْ يَنْفَعْهَا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَى غَيْرِ الْإِشْهَادِ وَمَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ حَدٍّ مِمَّا لَا رُجُوعَ لَهُ عَنْهُ ثُمَّ أَنْكَرَ فَلْيَشْهَدْ بِهِ عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْفَقِيهِ بِمَا يُسْأَلُ عَنْهُ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا إذَا شَهِدَ عَلَى مَا تَقَيَّدَ فِي كِتَابٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَخْتُومٍ أَوْ مَخْتُومًا فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَخْتُومٍ فَعِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْرَأَ مَا تَقَيَّدَتْ بِهِ الشَّهَادَةُ فِي آخِرِ الْعَقْدِ إنْ كَانَ يَقْرَأُ أَوْ يُقْرَأُ لَهُ إنْ كَانَ أُمِّيًّا أَوْ أَعْمَى لِيُعْلَمَ بِذَلِكَ مُوَافَقَةَ تَقْيِيدِ الشَّهَادَةِ لِمَا شَهِدَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ مَخْتُومًا فَفِي الْمَعُونَةِ لِلْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ دَفَعَ إلَى شُهُودٍ كِتَابًا مَطْوِيًّا، وَقَالَ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ هَلْ يَصِحُّ تَحَمُّلُهُمْ لِلشَّهَادَةِ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ إذَا كَتَبَ كِتَابًا إلَى حَاكِمٍ وَخَتَمَهُ وَأَشْهَدَ الشُّهُودَ بِأَنَّهُ كِتَابُهُ وَلَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ فَعَنْهُ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ جَائِزَةٌ وَالْأُخْرَى أَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ بِهِ إلَّا أَنْ يَقْرَؤُهُ وَقْتَ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ. فَوَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّهُ أَشْهَدَهُمْ عَلَى إقْرَارِهِ بِمَا فِي كِتَابٍ عَرَفُوهُ فَصَحَّ تَحَمُّلُهُمْ لِلشَّهَادَةِ

стр. 1536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَأَصْلُهُ إذَا قَرَأَهُ عَلَيْهِمْ وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ لِذَلِكَ بِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ كِتَابًا إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ لَيْلَتَيْنِ ثُمَّ يَقْرَأَ الْكِتَابَ فَيَتَّبِعَ مَا فِيهِ» قَالَ وَوَجْهُ الْمَنْعِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١] ، وَإِذَا لَمْ يَقْرَءُوا الْكِتَابَ لَمْ يَعْلَمُوا مَا يَشْهَدُونَ بِهِ فَلَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي حَالِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ] ١ (الْبَابُ الثَّانِي فِي حَالِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ) أَمَّا حَالُ الْأَدَاءِ فَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي شَهَادَةً حَفِظَهَا فَحُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لَهَا حِينَ الْأَدَاءِ إمَّا لِأَنَّهُ اسْتَدَامَ حِفْظَهَا وَإِمَّا لِأَنَّهُ قَيَّدَهَا فِي كِتَابٍ يَذْكُرُهَا مِنْهُ حَالَ الْأَدَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَشُكُّ فِي صِحَّتِهِ. وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ يَتَفَقَّدُهُ عِنْدَ نَفْسِهِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي كِتَابٍ عَقَدَ الْمَشْهُودُ لَهُ بِهِ عَقْدًا بِمَا عُلِمَ فِي الشَّاهِدِ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا يُسَمِّيهِ أَصْحَابُ الْوَثَائِقِ عَقْدَ اسْتِرْعَاءٍ، وَصِفَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ شَهِدَ مَنْ تَسَمَّى فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ كَذَا ثُمَّ يَكْتُبُ الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ وَيُسَلِّمُ الْعَقْدَ إلَى صَاحِبِهِ الْمَشْهُودِ لَهُ، فَإِذَا احْتَاجَ إلَيْهِ وَدُعِيَ الشَّاهِدُ إلَى الشَّهَادَةِ لَزِمَ الشَّاهِدَ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ ذَاكِرًا لِجَمِيعِهِ وَيَذْكُرُ ذَلِكَ بِقِرَاءَتِهِ أَدَّى الشَّهَادَةَ عَلَى عُمُومِهَا، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْضَهُ شَهِدَ بِمَا ذُكِرَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْهُ فَلَا يَشْهَدُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَى عَقْدِ تَبَايُعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ إقْرَارٍ مِمَّا لَا يَلْزَمُ الشَّاهِدَ حِفْظُهُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ تَقْيِيدِ الشَّهَادَةِ فِي آخِرِهِ فَإِنْ كَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ أَشْهَدَ عَلَيْهِ وَيَعْرِفُ خَطَّهُ وَلَا يَسْتَرِيبُ بِشَيْءٍ مِنْ الْكِتَابِ فِي مَحْوٍ وَلَا بَشْرٍ وَلَا إلْحَاقٍ فَلْيُؤَدِّ الشَّهَادَةَ وَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا، وَإِنْ اسْتَرَابَ بِشَيْءٍ فَلَا يَشْهَدُ؛ لِأَنَّهُ شَاكٌّ فِيمَا شَهِدَ عَلَى حَقِّهِ بِمَعْرِفَةِ صَوْتِ مُبَايِعِهِ وَالْمُقْتَرِضِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ فَإِنْ مَيَّزَ خَطَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أُشْهِدَ وَلَا أَنَّهُ كَتَبَهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ عَرَفَ خَطَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ وَلَا شَيْئًا مِنْهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ مَحْوٌ وَلَا رِيبَةٌ فَلْيَشْهَدْ بِهِمَا، وَإِنْ كَانَ فِي الْكِتَابِ مَحْوٌ فَلَا يَشْهَدُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا يَشْهَدُ، وَإِنْ عَرَفَ خَطَّهُ ثُمَّ يَذْكُرُ الشَّهَادَةَ أَوْ بَعْضَهَا أَوْ مَا يَدُلُّ مِنْهَا عَلَى أَكْثَرِهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَالْمُغِيرَةُ وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَابْنُ دِينَارٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ وَهْبٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ بِقَوْلِهِ الْآخَرِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا ذَكَرَ أَنَّهُ كَتَبَ شَهَادَتَهُ وَعَرَفَ خَطَّهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ مَا فِيهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَشْهَدُ بِهَا وَلَكِنْ يُؤَدِّيهَا كَمَا عَلِمَ وَلَا يَحْكُمُ بِهَا. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا عَرَفَ خَطَّهُ فِي كِتَابٍ لَا يَشُكُّ فِيهِ وَلَا يَذْكُرُ كُلَّ مَا فِي الْكِتَابِ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا وَقَوْلُهُ إنَّهُ لَمْ يَرَ فِي الْكِتَابِ مَحْوًا وَلَا لَحْقًا وَلَا مَا يَسْتَنْكِرُهُ وَرَأَى الْكِتَابَ خَطًّا وَاحِدًا فَلْيَشْهَدْ بِمَا فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مِنْ الْكِتَابِ شَيْئًا وَلَا يَجِدُ النَّاسُ مِنْ هَذَا بُدًّا. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَصِفَةُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَشْهَدُ بِهَا وَلَكِنْ يُؤَدِّيهَا كَمَا عَلِمَ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالشَّهَادَةِ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالشَّهَادَةِ إلَى مَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ كَامِلٌ وَيُورِدُهُ لِيَعْمَلَ بِهِ وَأَشَارَ بِالْأَدَاءِ إلَى الْإِخْبَارِ بِمَا عِنْدَهُ وَأَنَّهُ غَيْرُ كَامِلٍ فَلَا يَعْمَلُ بِهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي شَهَادَةِ مَنْ رَأَى خَطَّهُ فِي كِتَابٍ وَلَا يَذْكُرُهَا يَرْفَعُهَا إلَى الْإِمَامِ عَلَى وَجْهِهَا وَلْيَقُلْ هَذَا كِتَابٌ شَبِيهُ كِتَابِي وَأَظُنُّهُ إيَّاهُ وَلَا أَذْكُرُ شَهَادَةً وَلَا أَنِّي كَتَبْتهَا يَحْكِي ذَلِكَ وَلَا يُقْضَى بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ مَحْوٌ وَعَرَفَ خَطَّهُ فَقَدْ يَضْرِبُ عَلَى خَطِّهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ يَشْهَدُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ إلَّا خَطَّهُ فَيَقُولُ إنَّ مَا فِيهِ حَقٌّ وَذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ لِلْحَاكِمِ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مِنْ الشَّهَادَةِ شَيْئًا، وَقَدْ عَرَفَ خَطَّهُ وَلَمْ يَرْتَبْ فِي شَيْءٍ فَلَا يَقْبَلُهَا. وَقَالَ سَحْنُونٌ يَقُولُ أَشْهَدُ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَجِدُ النَّاسُ مِنْهُ بُدًّا، وَلَوْ أَعْلَمَ الْقَاضِيَ بِذَلِكَ رَأَيْت أَنْ يُجِيزَ شَهَادَتَهُ إذَا عَرَفَ أَنَّ الْكِتَابَ خَطُّ يَدِهِ قَالَ وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ شَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ وَهَذَا عِنْدِي هُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْهَدُ بِذَلِكَ حَتَّى

стр. 1537

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] يَعْرِفَ خَطَّهُ مَعْرِفَةً صَحِيحَةً لَا يَشُكُّ فِيهَا. وَقَدْ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ إذَا لَمْ يَعْرِفْ عَدَدَ الْمَالِ فَذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ يُعَرِّفُهُ الشَّاهِدُ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ وَمَا أَرَى ذَلِكَ يَنْفَعُ. وَقَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَقْضِي الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَهُ عَلَى عِدَّةِ الْمَالِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إذَا لَمْ يَعْرِفْ عَدَدَ الْمَالِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أُشْهِدَ مَعَ مَعْرِفَةِ خَطِّهِ وَهَذَا عِنْدِي إنَّمَا هُوَ الْخِلَافُ فِيمَنْ قَيَّدَ شَهَادَتَهُ بِاسْتِرْعَاءٍ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِمَالٍ وَعَدَدِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحُقُوقِ ثُمَّ نَسِيَ فَهَذَا يَحْتَمِلُ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَيِّدَ شَهَادَتَهُ إلَّا عَلَى مَعْلُومٍ عِنْدَ تَقْيِيدِ شَهَادَتِهِ. فَإِذَا نَسِيَ بَعْدَ ذَلِكَ تَيَقَّنَ مَا تَضَمَّنَهُ الْعَقْدُ أَوْ بَعْضَهُ وَذَكَرَ تَقْيِيدَهُ لِلشَّهَادَةِ وَعَرَفَ أَنَّهُ لَمْ يُوقِعْهَا إلَّا عَلَى مَعْلُومٍ احْتَمَلَ الْوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا إجَازَةُ شَهَادَتِهِ لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ صِحَّتَهَا، وَالثَّانِي رَدُّ شَهَادَتِهِ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْأَدَاءِ غَيْرُ ذَاكِرٍ لَهُ. وَقَدْ قَالَ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا عَرَفَ خَطَّهُ وَأَثْبَتَ مَنْ أَشْهَدَهُ فِي دَارٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ أَنَّهَا الَّتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ لَا يَشْهَدُ حَتَّى يَثْبُتَ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ حَرْفًا حَرْفًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَقْدُ اسْتِرْعَاءٍ، وَأَمَّا مَا شَهِدَ فِيهِ مِنْ الْعُقُودِ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَصَفُّحُهُ وَلَا قِرَاءَتُهُ وَلَا يَتَصَفَّحُ مِنْهُ إلَّا مَوْضِعَ التَّقْيِيدِ لِلشَّهَادَةِ، وَلِذَلِكَ شُهِدَ عَلَى الْحُكَّامِ بِالسِّجِلَّاتِ الْمُطَوَّلَةِ الَّتِي فِيهَا الْأَوْرَاقُ وَلَا يُقْرَأُ إلَّا فِي الْمُدَدِ الطُّوَالِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ وَالتَّفَرُّغِ لَهُ وَرُبَّمَا اجْتَمَعَ النَّفَرُ الْكَثِيرُ لِلْإِشْهَادِ مِنْهُ، وَإِنْ لَزِمَ كُلَّ إنْسَانٍ قِرَاءَتُهُ وَتَصَفُّحُهُ وَتَحَفُّظُهُ لَتَعَذَّرَ الْإِشْهَادُ فِيهِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قِرَاءَتُهُ وَلَا مَعْرِفَةُ مَا فِيهِ حِينَ تَقْيِيدِ شَهَادَتِهِ فَبِأَنْ لَا يَلْزَمَهُ ذَلِكَ حِينَ الْأَدَاءِ أَوْلَى، وَمَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ وَمَا شَهِدْنَا إلَّا بِمَا عَلِمْنَا غَيْرُ لَازِمٍ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ شَهَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ إنَّ الشَّهَادَةَ بِالْمَعْلُومِ غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الشَّهَادَةِ بِمَا لَمْ يُعْلَمْ وَالْآيَةُ لَا تَتَضَمَّنُ حُكْمَ هَذَا وَأَيْضًا فَإِنَّا نَقُولُ بِمُوجَبِ ذَلِكَ فَإِنَّ الشَّاهِدَ إنَّمَا يَشْهَدُ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ صِحَّةِ تَقْيِيدِهِ الشَّهَادَةَ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْوَجْهِ اللَّازِمِ فِي ذَلِكَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ حُكْمِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا يَعْلَمُ وَيَقْطَعُ بِهِ فَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَأَمَّا مَنْ دُعِيَ إلَى شَهَادَةٍ فَلَمْ يَذْكُرْهَا زَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ عِنْدَ الْقَاضِي لَا أَذْكُرُهَا ثُمَّ ذَكَرَهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ثُمَّ عَادَ بَعْدَ أَيَّامٍ فَشَهِدَ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ يُقْبَلُ مِنْهُ إنْ كَانَ مُبَرَّزًا لَا يُتَّهَمُ وَلَمْ يَمُرَّ مِنْ طُولِ الزَّمَنِ مَا يُسْتَنْكَرُ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنْ قَالَ أَخِّرُونِي لِأَتَفَكَّرَ وَأَنْظُرَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ إنْ كَانَ مُبَرَّزًا، وَإِنْ قَالَ مَا عِنْدِي عِلْمٌ ثُمَّ رَجَعَ فَأَخْبَرَ بِعِلْمِهِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ وَأَجَازَهَا ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمُبَرَّزِ فِي الْقُرْبِ وَجْهُ إجَازَتِهَا أَنَّهُ إنَّمَا أَخْبَرَ بِأَنْ لَا عِلْمَ لَهُ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَذَلِكَ لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ عَلِمَ ذَلِكَ قَبْلَهُ فَإِذَا تَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ عِلْمُهُ بِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ كَمَا لَوْ تَقَيَّدَتْ شَهَادَتُهُ فِي عَقْدٍ أُشْهِدَ عَلَيْهِ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَنْسَى ذَلِكَ فَإِذَا وَقَفَ عَلَى الْعَقْدِ وَرَأَى خَطَّهُ يَذْكُرُ شَهَادَتَهُ وَجَازَ أَدَاؤُهُ لَهَا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِرَدِّهَا إنَّ قَطْعَهُ بِنَفْيِ عِلْمِهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ أَصْلٌ وَلَا سَبَبٌ يَتَذَكَّرُ مِنْهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّمَا هَذَا إذَا سُئِلَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ سُئِلَ الْمَرِيضُ عِنْدَ نَقْلِهَا عَنْهُ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرَدِّ شَهَادَتِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ إنْ قَالَ كُلُّ شَهَادَةٍ أَشْهَدُ بِهَا بَيْنَكُمَا زُورٌ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ وَلْيَشْهَدْ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ قَالَ لِخَصْمٍ مَا أَشْهَدُ عَلَيْك بِشَيْءٍ ثُمَّ شَهِدَ عَلَيْهِ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا يَضُرُّهُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَهَذَا عِنْدَ الْحُكْمِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ إذَا وَعَدَهُ أَنْ لَا يُقِيمَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ إلَى الْوَاجِبِ مِنْ إقَامَتِهَا عَلَيْهِ أَوْ يَكُونُ نَسِيَ الشَّهَادَةَ ثُمَّ ذَكَرَهَا فَأَدَّاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ مَنْ شَهِدَ وَحَلَفَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ. [مَحَلُّ نَقْلِ الشَّهَادَةِ عَنْ الشُّهُودِ وَفِيهَا بَابَانِ] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي نَقْلِ الشَّهَادَةِ عَنْ مُعَيَّنِينَ] ، وَأَمَّا مَحَلُّ نَقْلِ الشَّهَادَةِ عَنْ الشُّهُودِ فَفِيهَا بَابَانِ أَحَدُهُمَا نَقْلُهَا عَنْ شُهَدَاءَ مُعَيَّنِينَ وَالْبَابُ الثَّانِي فِي نَقْلِهَا عَنْ شُهَدَاءَ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ

стр. 1538

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي نَقْلِ الشَّهَادَةِ عَنْ مُعَيَّنِينَ) فَأَمَّا نَقْلُهَا عَنْ الْمُعَيَّنِينَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُنْقَلُ عَنْهُ مُتَيَقِّنًا لِمَا أَشْهَدَ بِهِ غَيْرَ شَاكٍّ فِي شَيْءٍ مِنْهُ فَمَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ أَوْ نَسِيَهُ لَمْ يَصِحَّ نَقْلُهَا عَنْهُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ سَمِعَ شَاهِدًا يَنُصُّ شَهَادَتَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْقُلَهَا عَنْهُ حَتَّى يُشْهِدَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُخْبِرَ قَدْ تَرَكَ التَّحَرُّزَ وَالِاسْتِيعَابَ لِلشَّهَادَةِ وَالْمُؤَدِّي لِلشَّهَادَةِ يَتَحَرَّزُ فِيهَا وَيُؤَدِّيهَا أَدَاءً يَقْتَضِي الْعَمَلَ بِهَا وَأَدَاءُ الشَّاهِدِ شَهَادَتَهُ إلَى مَنْ يَنْقُلُهَا عَنْهُ كَأَدَائِهَا إلَى الْحَاكِمِ، وَلَوْ أَنَّ الْحَاكِمَ سَمِعَهُ يَنُصُّ عَلَيْهِ وَلَا يُؤَدِّي الشَّهَادَةَ عِنْدَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْعَمَلُ بِهَا فَكَذَلِكَ النَّاقِلُ لَهَا عَنْهُ. ١ - (فَرْعٌ) وَمَنْ سَمِعَ شَاهِدًا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ وَلَمْ يُشْهِدْهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ وَاحْتِيجَ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ وَيَحْتَمِلُ هَذَا عِنْدِي الْخِلَافَ الَّذِي بَيْنَ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِيمَنْ سَمِعَ رَجُلًا شَهِدَ عِنْدَ قَاضٍ بِشَهَادَةٍ ثُمَّ مَاتَ الْقَاضِي أَوْ عُزِلَ فَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَنْقُلُ الشَّهَادَةَ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ فِي الْوَاضِحَةِ يَنْقُلُ ذَلِكَ إذَا سَمِعَهُ يُؤَدِّيهَا عِنْدَ ذَلِكَ الْقَاضِي وَتَكُونُ شَهَادَةً عَلَى شَهَادَةٍ قَالَ أَصْبَغُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يُشْهِدَهُ أَوْ يُشْهِدَ عَلَى قَبُولِ الْقَاضِي لِتِلْكَ الشَّهَادَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ أَصْبَغُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ نَقْلُ الشَّهَادَةِ عَنْ الشَّاهِدِ الْغَائِبِ أَوْ الْمَرِيضِ الْحَاضِرِ إذَا كَانَتْ غَيْبَةُ الشَّاهِدِ بَعِيدَةً حَكَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ إلَّا الْمَرْأَةَ فَإِنَّهُ يَنْقُلُ شَهَادَتَهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً صَحِيحَةً رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ وَلَمْ أَرَ بِالْمَدِينَةِ قَطُّ امْرَأَةً قَامَتْ بِشَهَادَتِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَكِنَّهَا تُحْمَلُ عَنْهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَلْزَمَهَا مِنْ السَّتْرِ عُذْرٌ يُسْقِطُ فَرْضَ الْجُمُعَةِ فَأَبَاحَ تَحَمُّلَ الشَّهَادَةِ عَنْهَا كَالْمَرَضِ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا الْغَيْبَةُ الْقَرِيبَةُ كَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا تُنْقَلُ شَهَادَتُهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَغِيبَ عَنْ مَكَانِهِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ بَيْنَ مَوْضِعِهِ وَمَوْضِعِ الْقَاضِي مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهَا عِنْدَ ذَلِكَ الْقَاضِي وَيَصِحُّ نَقْلُهَا عَنْهُ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ إذَا كَانَ الشَّاهِدُ عَلَى مِثْلِ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ السِّتِّينَ مِيلًا وَنَحْوَهَا لَمْ يُشَخَّصْ الشُّهُودُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَيُشْهَدُ عِنْدَهُ مَنْ يَأْمُرُ بِهِ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ وَيَكْتُبُ بِمَا أَشْهَدُوا لَهُ بِهِ عِنْدَهُ إلَى الْقَاضِي قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنَّمَا يَنْقُلُ عَنْهُمْ الشَّهَادَةَ إذَا بَعُدَتْ غَيْبَتُهُمْ مَنْ يَعْرِفُ الْغَيْبَةَ بَعْدَ مُدَّةٍ لَا بِأَثَرِ غَيْبَتِهِمْ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ بِأَثَرِ غَيْبَتِهِمْ عَلَى مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ وَلَا يُؤْمَنُ رُجُوعُهُمْ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى بَرِيدٍ أَوْ بَرِيدَيْنِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي شَهَادَتَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ أَغْنِيَاءَ يَجِدُونَ نَفَقَةً وَرُكُوبًا فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ لَا يَقُومُ لَهُمْ بِذَلِكَ الْمَشْهُودُ لَهُ فَإِنْ فَعَلَ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُمْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَذَلِكَ إذَا كَانَ أَمْرًا خَفِيفًا فَإِنْ كَثُرَ لَمْ أُجِزْهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنْ الرِّشْوَةِ وَالْمَنْفَعَةِ الَّتِي لَا تَلْزَمُ الْمَشْهُودَ لَهُ وَيَلْزَمُ الشَّاهِدَ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَالْقِيَامِ بِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] ، وَقَالَ عَزَّ مَنْ قَائِلٌ ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الشُّهُودُ نَفَقَةً وَلَا مَرْكُوبًا جَازَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ أَنْ يَقُومَ بِهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا مُؤْنَةٌ لَا تَلْزَمُ الشُّهُودَ فَلَمْ تُبْطِلُ شَهَادَتُهُمْ تَكْلِيفَ الْمَشْهُودِ لَهُ كَسَائِرِ نَفَقَاتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اُسْتُنْهِضَ الشُّهُودُ إلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ لِيُعَايِنُوا حُدُودَ أَرْضٍ وَصِفَتَهَا فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ لَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَبُوا دَوَابَّ الْمَشْهُودِ لَهُ وَيَأْكُلُوا طَعَامَهُ، وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ مِنْ سُؤَالِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الشَّاهِدِ يَأْتِي مِنْ الْبَادِيَةِ يَشْهَدُ لِرَجُلٍ فَيَنْزِلُ عِنْدَهُ فِي ضِيَافَتِهِ حَتَّى يَخْرُجَ لَا تُرَدُّ بِذَلِكَ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا وَهَذَا خَفِيفٌ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مُعْتَادٌ دُونَ مُكَارَمَةٍ مَشْرُوعَةٍ يَتَقَارَضُ فِيهَا النَّاسُ وَلَعَلَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ كَانَ جَرَى بَيْنَهُمْ قَبْلَ هَذَا. (فَصْلٌ) : وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ لَا تَجُوزُ

стр. 1539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ وَاخْتَارَهُ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّهِ وَلَا يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ وَيَحْلِفُ الطَّالِبُ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ. وَقَالَهُ سَحْنُونٌ، وَقَالَ أَصْبَغُ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ الْغَائِبِ أَوْ الْمَيِّتِ قَوِيَّةٌ فِي الْحُكْمِ بِهَا وَاحْتَجَّ ابْنُ الْمَوَّازِ لِلْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَسْمَعَهُ يَنُصُّ شَهَادَتَهُ تِلْكَ وَلَا يُسَوَّغُ نَقْلُ الشَّهَادَةِ عَنْهُ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ إنَّمَا تَجُوزُ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً حَيْثُ يَجُوزُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ إنَّمَا تَجُوزُ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً حَيْثُ يَجُوزُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ قَالَهُ أَصْبَغُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا شَهَادَةٌ مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهَا نَاقِصَةُ الرُّتْبَةِ كَالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ قَالَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَسْمَعَ الْمُقِرَّ يَنُصُّ إقْرَارَهُ فَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِيهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا الْجَوَازُ وَالْأُخْرَى الْمَنْعُ وَجْهُ الْمَنْعِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا أَرَى أَنْ يُقْضَى بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ بِمَا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنْ الضَّرْبِ عَلَى الْخُطُوطِ، وَقَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى يُجِيزُونَ الشَّهَادَةَ عَلَى طَابِعِ الْقَاضِي وَرَأَى مَالِكٌ أَنْ لَا تَجُوزَ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ فَهَلْ تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ مَعَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِيهَا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يُحْكَمُ لَهُ بِمُجَرَّدِ الشَّهَادَةِ، وَالثَّانِيَةُ لَا يُحْكَمُ لَهُ حَتَّى يَحْلِفَ فَيَسْتَحِقَّ حَقَّهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا شَهَادَةٌ كَامِلَةٌ تَتَنَاوَلُ الْإِقْرَارَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى لَفْظِ الْمُقِرِّ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ فَلَمْ يَشْهَدْ لَهُ عَلَيْهِ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يُحْكَمُ لَهُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَالثَّانِيَةُ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِذَلِكَ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى مَا يَثْبُتُ بِهِ إقْرَارُ الْمُقِرِّ بِالْمَالِ فَأَشْبَهَتْ لَفْظَ الشَّهَادَةِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا شَهَادَةٌ لَا تَتَنَاوَلُ الْمَالَ، وَإِنَّمَا تَتَنَاوَلُ مَعْنًى يُجَرُّ إلَيْهِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ فِي الْمَالِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي نَقْلِ الشَّهَادَةِ عَنْ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ] ١ (الْبَابُ الثَّانِي فِي نَقْلِ الشَّهَادَةِ عَنْ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ) أَمَّا نَقْلُ الشَّهَادَةِ عَنْ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ وَهِيَ الشَّهَادَةُ عَلَى السَّمَاعِ فَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِمَا تَقَادَمَ زَمَنُهُ تَقَادُمًا يَبِيدُ فِيهِ الشُّهُودُ وَتُنْسَى فِيهِ الشَّهَادَاتُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَتَخْتَصُّ بِمَا لَا يَتَغَيَّرُ حَالُهُ وَلَا يَنْتَقِلُ الْمَوْتُ فِيهِ كَالْمَوْتِ وَالنَّسَبِ وَالْوَقْفِ الْمُحَرَّمِ، فَأَمَّا الْمَوْتُ فَإِنَّمَا يُشْهَدُ فِيهِ عَلَى السَّمَاعِ فِيمَا بَعُدَ مِنْ الْبِلَادِ، وَأَمَّا مَا قَرُبَ مِنْ الْبِلَادِ أَوْ الشَّهَادَةُ بِبَلَدِ الْمَوْتِ فَإِنَّمَا هُوَ شَهَادَةٌ عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ هَذِهِ الشَّهَادَاتِ السَّمَاعَ إلَّا أَنَّ لَفْظَ شَهَادَةِ السَّمَاعِ إنَّمَا يَنْطَلِقُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَا يَقَعُ بِهِ الْعِلْمُ لِلشَّاهِدِ، وَلِذَلِكَ لَا يُؤَدِّي شَهَادَتَهُ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ سَمَاعًا فَاشِيًا مَا يَنُصُّهُ مِنْ شَهَادَتِهِ، وَأَمَّا إذَا تَوَاتَرَ الْخَبَرُ حَتَّى وَقَعَ لَهُ الْعِلْمُ فَإِنَّمَا يَشْهَدُ عَلَى عِلْمِهِ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا مَاتَ وَأَنَّ فُلَانًا ابْنَهُ يَرِثُهُ فَلَا يُطْلِقُونَ عَلَى هَذَا النَّوْعِ شَهَادَةَ سَمَاعٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى السَّمَاعِ فِي النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ، فَأَكْثَرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِالْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُقْضَى لَهُ بِالْمِيرَاثِ وَلَا يَجْرِ بِذَلِكَ وَلَاءٌ وَلَا يَثْبُتُ لَهُ نَسَبٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرٌ انْتَشَرَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ أَنَّ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، فَمِثْلُ هَذَا يَجْرِ بِهِ الْوَلَاءُ وَالنَّسَبُ يُرِيدُ إذَا بَلَغَ مِنْ التَّوَاتُرِ بِحَيْثُ يَقَعُ بِهِ الْعِلْمُ فَيَشْهَدُ عَلَى عِلْمِهِ وَلَا يُضِيفُ شَهَادَتَهُ إلَى السَّمَاعِ وَفِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَفَنَشْهَدُ أَنَّك ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا نَعْرِفُ أَبَاك وَلَا أَنَّك

стр. 1540

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] ابْنُهُ إلَّا بِالسَّمَاعِ قَالَ نَعَمْ يُقْطَعُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَيَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ لَا يَجُوزُ عَلَى النَّسَبِ إلَّا شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ أَوْ مِنْ جِهَةِ تَوَاتُرِ الْخَبَرِ أَنَّ هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مِثْلُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَيَثْبُتُ بِهَذَا أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى السَّمَاعِ غَيْرُ الشَّهَادَةِ بِالْعِلْمِ الْوَاقِعِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ إنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى السَّمَاعِ مِنْ مَعْنَى الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِي السَّمَاعِ مِنْ عَدَدٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ يَقُولُ الشَّاهِدُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ أَهْلَ الْعَدْلِ فِيمَنْ سَمِعَ مِنْهُمْ فَلَمْ تَخْتَصَّ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَذَاهِبِ شُيُوخِنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَرْعٌ) وَإِذَا شُهِدَ لِلْمَرْأَةِ بِضَرَرِ زَوْجِهَا فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِالسَّمَاعِ مِنْ الْأَهْلِ وَالْجِيرَانِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الْخُلْعِ وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ إلَّا عَنْ الْعُدُولِ إلَّا فِي الرَّضَاعِ فَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ الْعُدُولُ عَنْ لَفِيفِ الْقَرَابَةِ وَالْأَهْلِ وَالْجِيرَانِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عُدُولًا كَالنِّسَاءِ وَالْخَدَمِ فَهَذَا أَيْضًا يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَنَظَرٍ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ رَجُلَانِ فَيَجِبُ أَنْ يَشْهَدَا بِعِلْمِهِمَا عَلَى مَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمَا مِنْ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ الَّذِي لَا يُرَاعَى فِيهِ عَدَالَةٌ وَلَا إسْلَامٌ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ عَلَى فُشُوِّ هَذَا الْمَعْنَى مَعَ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ عَلَى الرَّضَاعِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ بِالْوَلَاءِ وَالْمَوَارِيثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا لَا يَنْتَقِلُ كَالْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ وَالْوَقْفِ الْمُؤَبَّدِ وَذَكَرَ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ بِالنِّكَاحِ قَوْلَيْنِ قَالَ فَوَجْهُ قَوْلِهِ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ أَنَّهُ ثَابِتٌ لَا يَتَغَيَّرُ إذَا مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فَأَشْبَهَ الْوَلَاءَ وَالْوَقْفَ الْمُؤَبَّدَ، وَوَجْهُ قَوْلِهِ لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَنَّ أَصْلَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ بِدَلِيلِ جَوَازِ التَّنَقُّلِ فِيهِ فَكَانَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْأَمْلَاكِ وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ شَهَادَةَ السَّمَاعِ يُقْطَعُ بِهَا فِي الْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ وَالصَّدَقَاتِ الَّتِي طَالَ زَمَنُهَا، وَالصَّدَقَاتُ تَكُونُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْوَقْفِ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِيمَا تَقَادَمَ عَهْدُهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَالْحِيَازَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْأَحْبَاسِ وَشِبْهِ ذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا أُمُورٌ تَتَقَادَمُ وَيَبِيدُ شُهُودُهَا فَصَحَّتْ الشَّهَادَةُ فِيهَا عَلَى السَّمَاعِ كَالْأَحْبَاسِ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا فِي غَائِبٍ قَدِمَ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى دَارٍ أَنَّهَا لِأَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ وَأَثْبَتَ الْمَوَارِيثَ فَأَتَى مَنْ هَذِهِ فِي يَدِهِ بِبَيِّنَةٍ عَلَى السَّمَاعِ أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَ هُمْ أَوْ مَنْ نَقَلُوا عَنْهُ مِنْ الْعُدُولِ أَنَّهَا لِأَبِ الْحَائِزِ أَوْ لِجَدِّهِ بِشِرَاءٍ مِنْ أَبِ الْقَائِمِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ بِصَدَقَةٍ مَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ حَتَّى مَاتَ وَوَرِثَهَا وَرَثَتُهُ وَيَذْكُرُونَ وَرَثَةَ كُلِّ مَيِّتٍ أَنَّهُ يُقْضَى بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهَا فَإِنْ قَالُوا نَعْلَمُ أَنَّهَا بِيَدِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ لَا يَعْلَمُونَ بِمَاذَا لَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ، وَقَالَهُ مَالِكٌ وَأَشْهَبُ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا النِّكَاحُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ سَحْنُونٍ قَالَ جُلُّ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ فِي النِّكَاحِ إذَا انْتَشَرَ خَبَرُهُ فِي الْجِيرَانِ أَنَّ فُلَانًا تَزَوَّجَ فُلَانَةَ وَسَمِعَ الزِّفَافَ فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ فُلَانَةَ زَوْجَةُ فُلَانٍ زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَلَمْ يَحْضُرْ النِّكَاحُ، وَكَذَلِكَ فِي الْمَوْتِ يَسْمَعُ النِّيَاحَةَ وَرُبَّمَا لَمْ يَشْهَدْ الْجِنَازَةَ فَإِذَا كَثُرَ الْقَوْلُ بِذَلِكَ فَيَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا مَاتَ وَلَمْ يَحْضُرْ الْمَوْتَ، وَكَذَلِكَ النَّسَبُ، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي يُوَلَّى الْمِصْرَ وَلَا يَحْضُرُ وِلَايَتَهُ إلَّا بِمَا يَسْمَعُ مِنْ النَّاسِ وَرُبَّمَا رَآهُ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ فَلْيَشْهَدْ أَنَّهُ كَانَ قَاضِيًا، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ قَوْمٌ عَلَى امْرَأَةٍ أَنَّهَا زَوْجَةُ فُلَانٍ إذَا كَانَ يَحُوزُهَا بِالنِّكَاحِ، وَإِنْ كَانَ تَزْوِيجُهُ إيَّاهَا قَبْلَ أَنْ يُولَدَ الشُّهُودُ فَهَذِهِ الشَّهَادَةُ أَدْخَلَهَا شَيْخُنَا فِي بَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى السَّمَاعِ لَمَّا كَانَ السَّمَاعُ سَبَبَهَا، وَإِنَّمَا هِيَ شَهَادَةٌ بِالْعِلْمِ، وَلِذَلِكَ لَا يُضِيفُهَا الشَّاهِدُ إلَى سَمَاعِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ شَهَادَةٌ بِالْعِلْمِ يُضِيفُهَا إلَى عِلْمِهِ. (فَرْعٌ) إذَا

стр. 1541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] ثَبَتَ ذَلِكَ فَمِنْ شَرْطِ شَهَادَةِ السَّمَاعِ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا سَمَاعًا فَاشِيًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا تَصِحُّ شَهَادَةُ السَّمَاعِ حَتَّى يَقُولَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَا وَلَا يُسَمُّوا مَنْ سَمِعُوا مِنْهُ فَإِنْ سَمَّوْا خَرَجَتْ عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ إلَى الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ. (فَرْعٌ) وَيُجْزِئُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى السَّمَاعِ رَجُلَانِ وَمَا كَثُرَ أَحَبُّ إلَيْنَا قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى السَّمَاعِ وَفِي الْقَبِيلِ مِائَةٌ مِنْ أَنْسَابِهِمْ لَا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إلَّا بِأَمْرٍ يَفْشُو وَيَكُونُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَا شَيْخَيْنِ قَدِيمَيْنِ قَدْ بَادَ جِيلُهُمَا فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا. ١ - (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا إنَّ شَهَادَةَ السَّمَاعِ تَخْتَصُّ بِمَا تَقَادَمَ مِنْ الزَّمَانِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ تَجُوزُ فِي الْخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَنَحْوِهَا لِتَقَاصُرِ أَعْمَارِ النَّاسِ قَالَهُ أَصْبَغُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا تُقْبَلُ فِي الْخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً شَهَادَةٌ عَلَى السَّمَاعِ إلَّا فِيمَا تَقَادَمَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَا ظَنِينٍ فَرَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ الْمُتَّهَمُ الَّذِي يُظَنُّ بِهِ غَيْرُ الصَّلَاحِ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ هُوَ الْمُتَّهَمُ فَكُلُّ مَنْ اُتُّهِمَ فِي شَهَادَتِهِ بِمَيْلٍ لَمْ يُحْكَمْ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مُبَرَّزًا فِي الْعَدَالَةِ إلَّا أَنَّ التُّهْمَةَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا رَدُّ الشَّهَادَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِجَرِّ الْمَالِ، وَالثَّانِي لِدَفْعِ الْمَعَرَّةِ أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي جَرِّ الْمَالِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَشْهَدَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يَرْغَبُ فِي كَثْرَةِ مَالِهِ، وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَشْهَدَ لِمَنْ يَنَالُهُ مَعْرُوفُهُ، فَأَمَّا مَنْ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ لَهُ خَاصَّةً أَوْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ لَهُ خَاصَّةً فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي أَنَّ شَهَادَتَهُ غَيْرُ جَائِزَةٍ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ لِنَفْسِهِ هِيَ مُجَرَّدُ الدَّعْوَى وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ أَحَدٌ بِدَعْوَاهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ شَهِدَ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي رَجُلَيْنِ لَهُمَا مَالٌ عَلَى رَجُلٍ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِنِصْفِ الْمَالِ لِصَاحِبِهِ أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَالُ بَيْنَهُمَا مُشْتَرَكًا فَإِنَّ النِّصْفَ الَّذِي لِشَرِيكِهِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، وَلَوْ قَبَضَهُ شَرِيكُهُ لِسَاهِمِهِ فِيهِ فَقَدْ عَادَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّهُ شَهِدَ لِنَفْسِهِ فَإِنْ اقْتَسَمَا الْحَقَّ قَبْلَ الشَّهَادَةِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ لَيْسَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ شَهِدَ شَهَادَةً لَهُ فِيهَا حَقٌّ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةً أَوْ غَيْرَ وَصِيَّةٍ فَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةً وَكَانَ لَهُ فِيهَا مَالٌ كَثِيرٌ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ إحْدَاهَا لَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَالثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ لَهُ وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَالثَّالِثَةُ وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُدَوَّنَةِ يَجُوزُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَبِهَذَا قَالَ مُطَرِّفٌ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ شَهِدَ لَهُ بِحَقٍّ لَهُ فِيهِ حَظٌّ فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ مِنْ غَيْرِ الْوَصِيَّةِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ التُّهْمَةَ إنَّمَا تَخْتَصُّ بِهِ وَلَا تُهْمَةَ فِي شَهَادَتِهِ لِغَيْرِهِ فَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَتَصِحُّ لِغَيْرِهِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ أَنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ لَمْ تُبْطِلْ بَعْضَهَا تُهْمَةٌ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ جَمِيعُهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ لِغَيْرِهِ دُونَهُ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِهَا فِي الْقَلِيلِ فَكَمُّ الْقَلِيلِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ فِي شَاهِدَيْنِ أَوْصَى إلَيْهِمَا رَجُلٌ وَأَشْهَدَهُمَا فِي ثُلُثِهِ أَنَّ ثُلُثَهُ لِلْمَسَاكِينِ وَثُلُثَهُ لِجِيرَانِهِ وَثُلُثَهُ لَهُمَا هَذَا يَسِيرٌ وَيَجُوزُ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا قَالَ مُحَمَّدٌ مَعْنَاهُ إنْ كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا مِمَّا لَهُ بَالٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ شَهِدَ فِي غَيْرِ وَصِيَّةٍ لِحَقٍّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا لَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ لَهُ فِيهَا حَقٌّ وَلِغَيْرِهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي لَهُ يَسِيرٌ جِدًّا، وَكَذَلِكَ لَمْ يُتَّهَمْ عَلَيْهِ فَإِذَا قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى فَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ إذَا أَجَزْنَاهَا أَنَّ الْمُتَوَفَّى مُتَيَقَّنٌ انْتِقَالُهُ عَنْ مِلْكِهِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْوَرَثَةِ إلَّا بَعْدَ سَلَامَتِهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ وَوَقْتُ

стр. 1542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] انْتِقَالِهِ إلَى الْوَرَثَةِ وَإِلَى الْمُوصَى لَهُ بِهِ وَاحِدٌ وَهُوَ وَقْتُ وَفَاتِهِ فَلَمْ تَتَنَاوَلْ الْوَصِيَّةُ إخْرَاجَ شَيْءٍ عَنْ مِلْكٍ مُتَقَرِّرٍ، وَإِنَّمَا تَنَاوَلَتْ تَوَجُّهَهُ إلَى جِهَةٍ مُسْتَحَقَّةٍ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ عَنْهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّيْنُ فَإِنَّمَا شُهِدَ بِهِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَتَقَرَّرَ مِلْكُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَجَازَ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ مَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الدَّيْنِ لِضَعْفِ حَالِ الْمِلْكِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ وَفَوْتِهِ فِي الدَّيْنِ، وَلِذَلِكَ لَوْ شُهِدَ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّهُ أَوْصَى لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ لَحُكِمَ لِلْوَرَثَةِ، وَلَوْ شُهِدَ عَلَى حَيٍّ أَنَّهُ وَهَبَ مَالَهُ لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ لَمَا حُكِمَ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَنْ يَرْغَبُ فِي كَثْرَةِ مَالِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْغَبَ فِي كَثْرَةِ مَالِهِ لِلشَّفَقَةِ وَالْقَرَابَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لِمَا يَخْتَصُّ بِالشَّاهِدِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ، فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَكَشَهَادَةِ الْآبَاءِ لِلْأَبْنَاءِ وَالْأَبْنَاءِ لِلْآبَاءِ، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُ قَالَ وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِ عُمَرَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ شَهَادَةُ الْأَبَوَيْنِ لِلْوَلَدِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ وَهَذَا مَذْهَبُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ وَرُوِيَ عَنْ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْآبَاءِ لِلْأَبْنَاءِ وَالْأَبْنَاءِ لِلْآبَاءِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ عُمَرَ هَذَا. وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَصْحِيحِهِ وَالْأَخْذِ بِهِ وَلَا نَعْلَمُ بِتُهْمَةٍ أَقْوَى مِنْ كَلَفِ الْآبَاءِ بِالْأَبْنَاءِ وَمَحَبَّةِ الْأَبْنَاءِ فِي الْآبَاءِ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ لِلتُّهْمَةِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ تَكُونُ مَحَبَّتُهُ لِبَنِيهِ تَرْبُو عَلَى مَحَبَّتِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ تُقَارِبُهَا فَيَجِبُ أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُ اهـ. وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِمَنْ نَفَاهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ اسْتِمَالَتَهُ لِيَسْتَلْحِقَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الَّذِي لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ مِنْ ذِي الْقَرَابَةِ الْأَبَوَانِ وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ وَالْوَلَدُ وَوَلَدُ الْوَلَدِ مِنْ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ وَتَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ وَرَاءَ هَؤُلَاءِ مِنْ الْقَرَابَاتِ وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ شَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ وَابْنِ أَخِيهِ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا تَجُوزُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ عَلَى شَرْطٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الشَّرْطِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَرَّزًا وَقِيلَ يَجُوزُ إذَا لَمْ تَنَلْهُ صِلَتُهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ يَجُوزُ فِي الْيَسِيرِ دُونَ الْكَثِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَرَّزًا فَيَجُوزُ فِي الْكَثِيرِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَرَابَةَ الْأُبُوَّةِ وَالنُّبُوَّةِ آكَدُ وَالتُّهْمَةَ فِيهِمْ أَقْوَى وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِبَسْطِ هَؤُلَاءِ فِي مَالِ بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ فَإِنَّ الزَّوْجَ يُنْفِقُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَيَنْبَسِطُ فِي مَالِهَا، وَالْأُخُوَّةُ لَا تَبْلُغُ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ وَلَا يَخْلُو فِي الْأَغْلَبِ مِنْ الْإِشْفَاقِ وَالْحِرْصِ عَلَى الْغِنَى فَلِذَلِكَ رُوعِيَ فِي الْأُخُوَّةِ أَحَدُ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَرَابَةِ وَالْمَوَالِي فِي الرِّبَاعِ الَّتِي يُتَّهَمُونَ بِجَرِّهَا إلَيْهِمْ أَوْ إلَى بَنِيهِمْ الْيَوْمَ أَوْ بَعْدَهُ مِثْلُ حَبْسِ مَرْجِعِهِ إلَيْهِمْ أَوْ إلَى بَنِيهِمْ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِابْنِ امْرَأَتِهِ وَلَا لِأَبِيهَا، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لِابْنِ زَوْجِهَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِزَوْجِ ابْنَتِهِ وَلَا لِزَوْجَةِ ابْنِهِ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُك لَهُ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُك لِمَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَك؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ قَوِيَّةٌ فِي مَنَافِعِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ مَنْ كَانَ وَفْرُهُ وَفْرَ الشَّاهِدِ وَغِنَاهُ غِنًى لَهُ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ قَوِيَّةٌ فِي مَنَافِعِهِ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ غِنَاهُ غِنًى لِلشَّاهِدِ فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةٌ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا مَنْ يُرْغَبُ فِي غِنَاهُ لِمَنْفَعَتِهِ فَالزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ وَالْأَبُ يَجِبُ عَلَى ابْنِهِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ أَوْ أَجِيرٌ يُنْفِقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ إذَا شَهِدَ لَهُ جَرَّ إلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ نَفْعًا وَالزَّوْجَةُ تَنْبَسِطُ فِي مَالِ زَوْجِهَا فَتَجُرُّ إلَى نَفْسِهَا بِذَلِكَ نَفْعًا. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ لِمَنْ يَنَالُهُ مِنْهُ مَعْرُوفٌ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ

стр. 1543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] يَكُونَ الْمَعْرُوفُ مُتَكَرِّرًا مُعْتَادًا وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَعْرُوفُ مُتَعَيِّنًا، فَأَمَّا الْمَعْرُوفُ الْمُعْتَادُ فَإِنْ اقْتَرَنَتْ بِهِ الْقَرَابَةُ كَالْأَخِ يَكُونُ فِي عِيَالِ أَخِيهِ أَوْ تَحْتَ نَفَقَتِهِ أَوْ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ مَعْرُوفُهُ فَهَذِهِ تُهْمَةٌ تُوجِبُ رَدَّ شَهَادَتِهِ لَهُ، وَأَمَّا الصَّدِيقُ الْمُلَاطِفُ الَّذِي يَنَالُهُ مَعْرُوفُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ لَهُ مَقْبُولَةٌ وَالثَّانِيَةُ أَنَّهَا مَرْدُودَةٌ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا مَقْبُولَةٌ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَخِ أَنَّ الْمَعْرُوفَ يَقْتَرِنُ بِالْأُخُوَّةِ وَالْقَرَابَةِ فَتَقْوَى التُّهْمَةُ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا إنَّمَا هِيَ مُجَرَّدُ الْمَعْرُوفِ وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ قَبُولَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ وَذَا الْمَعْرُوفِ لَوْ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ إلَّا شَهَادَةُ مَنْ لَا يَنَالُهُ مَعْرُوفُهُ لَرُدَّتْ لَهُ شَهَادَاتُ أَكْثَرِ النَّاسِ وَلَاقْتَضَى ذَلِكَ مَنْعَهُ مَعْرُوفَهُ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا مِمَّنْ يَنَالُهُ مَعْرُوفُهُ وَيَتَكَرَّمُ عَلَيْهِ فَلَمْ يُقْبَلْ لَهُ شَهَادَةٌ كَالْأَخِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمَعْرُوفُ الْمُعَيَّنُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُسْتَدَامًا وَالثَّانِي أَنْ يَخْتَصَّ بِوَقْتِ الشَّهَادَةِ، فَأَمَّا الْمُسْتَدَامُ فَكَشَهَادَةِ الْعَامِلِ لِرَبِّ الْمَالِ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا إنْ كَانَ شَغَلَ الْمَالَ فِي سِلَعٍ فَشَهَادَتُهُ لَهُ مَقْبُولَةٌ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَشَهَادَتُهُ مَرْدُودَةٌ، وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ كَانَ عَيْنًا فَشَهَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ، وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا فَشَهَادَتُهُ مَرْدُودَةٌ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ إذَا شَغَلَ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ أَخَذُهُ فَارْتَفَعَتْ التُّهْمَةُ وَمَا يُتَوَقَّعُ مِنْ أَخْذِهِ مِنْ يَدِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ضَعِيفٌ فِي التُّهْمَةِ لِبُعْدِ الْأَمَدِ وَعَدَمِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ كَوْنَ الْمَالِ بِيَدِ الْعَامِلِ وَجْهٌ لِكَسْبِهِ فَيُتَّهَمُ فِي شَهَادَتِهِ إنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَى بَقَائِهِ بِيَدِهِ لِفَقْدِهِ وَبُعْدِ التُّهْمَةِ مَعَ غِنَاهُ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ مَالِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى الشَّاهِدِ دَيْنٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَ غَنِيًّا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ زَادَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لِأَنَّهُ كَالْأَسِيرِ فِي يَدِهِ فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ قَدْ قَرُبَ مَحِلُّهُ فَهَذَا حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ فَيَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ سَحْنُونٍ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةٌ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى الْغَنِيِّ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ لَا يَسْتَضِرَّ بِإِزَالَةِ هَذَا الْمَالِ عَنْهُ، فَأَمَّا إنْ كَانَ عِنْدَهُ وَفَاءٌ بِهِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ فَقِيرٌ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ الْعَظِيمَ يَلْحَقُهُ بِتَعْجِيلِ قَبْضِ الدَّيْنِ مِنْهُ وَلَهُ مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ فِي تَأْخِيرِهِ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ يُشْبِهُ قُوَّتَهُ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِوَقْتِ الشَّهَادَةِ فَأَنْ يَقْصِدَ حِينَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ إلَى أَنْ يُعْطِيَهُ أَوْ يَصِلَهُ أَوْ يَهَبَهُ أَوْ يُحَابِيَهُ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ قَالَ هَذَا كُلُّهُ يُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ لِلْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ التُّهْمَةِ لِدَفْعِ الْمَعَرَّةِ فَمِثْلُ أَنْ يُعَدِّلَ الرَّجُلُ ابْنَهُ أَوْ أَبَاهُ فَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِ الشَّهَادَةِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ التَّعْدِيلَ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَجْلِبٌ بِشَهَادَتِهِ الْجَاهَ وَالرِّفْعَةَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي نَقْلِ شَهَادَةٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ وَالْمَجْمُوعَةِ إنْ كَانَ مَقْصُودُهُ نَقْلَ شَهَادَةٍ، وَلَوْ ابْتَغَى تَعْدِيلَهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا النَّاقِلِ لَوَجَدَ ذَلِكَ فَإِنَّ التَّعْدِيلَ مَقْبُولٌ، وَإِنْ كَانَ يَتَعَذَّرُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَالتَّعْدِيلُ مَرْدُودٌ. وَقَالَ سَحْنُونٌ وَمُطَرِّفٌ لَا يَجُوزُ تَعْدِيلُهُ لَهُ بِوَجْهٍ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ هَذَا التَّعْدِيلَ إنَّمَا حَقِيقَتُهُ الْإِعْلَامُ بِخَبَرِهِ فَإِذَا كَانَ مَشْهُورًا بِالصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ يُزَكَّى مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ فَلَا تُهْمَةَ تَلْحَقُ فِي ذَلِكَ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ تَعْدِيلَ الْأَبِ ابْنَهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِيَسِيرِ الْمَالِ وَمَا يُوجَدُ تَعَدِّيهِ مِنْ الْجَاهِ وَالرِّفْعَةِ أَكْثَرُ مِنْ الْمَالِ فَبِأَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُ لَهُ بِهِ فَشَهَادَتُهُ لَهُ أَوْلَى. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا تَعْدِيلُ الْأَخِ لِأَخِيهِ الَّذِي تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ فِي الْمَالِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَجُوزُ تَعْدِيلُهُ وَهُوَ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَشْهَبَ تَعْدِيلُهُ مَرْدُودٌ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ مَنْ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ فِي الْمَالِ جَازَ تَعْدِيلُهُ لَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ تَعْدِيلَهُ بِهِ شَرَفٌ وَجَاهٌ يَتَعَدَّى إلَيْهِ بِخِلَافِ

стр. 1544

الْقَضَاءُ فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ رَجُلٍ جُلِدَ الْحَدَّ أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَقَالُوا نَعَمْ إذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ التَّوْبَةُ مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ ﵎ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥] قَالَ مَالِكٌ فَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الَّذِي يُجْلَدُ الْحَدَّ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) . ــ [المنتقى] الْمَالِ الَّذِي هُوَ مَقْصُورٌ عَلَى مَالِكِهِ. [الْقَضَاءُ فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُمْ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ جُلِدَ الْحَدَّ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَفْظٌ عَامٌّ فِي الْحُدُودِ الَّتِي يُجْلَدُ فِيهَا مِنْ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْقَذْفِ إلَّا أَنَّ إيرَادَهُ هَهُنَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بِهِ حَمْلَهُ عَلَى عُمُومِهِ ثُمَّ يُسْتَدَلَّ عَلَى نَوْعٍ مِنْهُ بِالنَّصِّ وَهُوَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ فَيَجْعَلَهُ أَصْلًا لِجَمِيعِ الْجِنْسِ، وَالثَّانِي أَنْ يُرِيدَ الْقَذْفَ وَحْدَهُ وَيَقْصِدَ بَيَانُ حُكْمِهِ بِالْآيَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا؛ لِأَنَّهَا خَاصَّةٌ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَكُلُّ مَا يُوجِبُ الْجَلْدَ حَدًّا يُوجِبُ التَّفْسِيقِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَدُّ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ يُنَافِي قَبُولَ الشَّهَادَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فَكُلُّ مَنْ قَذَفَ الْمُحْصَنَاتِ وَلَمْ يُثْبِتْ مَا قَذَفَ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الْقَذْفِ وَوَجَبَ رَدُّ شَهَادَتِهِ بِهِ وَالْحُكْمُ بِفِسْقِهِ فِي الظَّاهِرِ إلَيْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ فَقَدْ يَكُونُ صَادِقًا فِي قَذْفِهِ أَوْ مُشْتَبَهًا عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَتَى يُحْكَمُ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ مِنْ الْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ حَتَّى يُجْلَدَ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْكِتَابَيْنِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ إنْ عَجَزَ عَنْ إثْبَاتِ مَا ادَّعَاهُ وَحَقَّ عَلَيْهِ الْقَذْفُ، وَلَوْ تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْجَلْدِ وَبَعْدَهُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ قَاذِفًا بِأَنْ يُكْمِلَ الْجَلْدَ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَوْ أَقَرَّ الْمَقْذُوفُ وَثَبَتَ عَلَيْهِ مَا قَذَفَهُ بِهِ لَسَقَطَ الْجَلْدُ؛ لِأَنَّ طَرِيقَهُ النَّكَالُ وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ قَاذِفًا وَذَلِكَ يَمْنَعُ التَّفْسِيقَ بِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ يَتِمُّ بِعَجْزِهِ عَنْ إثْبَاتِ مَا قَذَفَ بِهِ وَالْحَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ تَطْهِيرٌ لَهُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ رَدُّ الشَّهَادَةِ كَالْكَفَّارَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا يُوجِبُ النَّكَالَ وَالتَّعْزِيرَ دُونَ الْحَدِّ فَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِيمَنْ كَانَتْ حَالُهُ حَسَنَةً فَوَجَبَ عَلَيْهِ نَكَالُ الشَّتْمِ أَوْ نَحْوُهُ فَلَا تُرَدُّ بِذَلِكَ شَهَادَتُهُ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِمَشْهُورِ الْعَدَالَةِ إلَّا أَنَّهُ مَقْبُولٌ وَأَتَى بِالْأَمْرِ الْعَظِيمِ مِمَّا فِيهِ النَّكَالُ الشَّدِيدُ فَلْيُنْظَرْ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا عِنْدَ نُزُولِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مِنْهُ مَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ وَمِنْهُ مَا لَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ وُقُوعِهِ عَلَى قَدْرِ الشَّاتِمِ، وَقَدْرِ مَا أَتَى بِهِ وَعَلَى حَسَبِ ذَلِكَ يُعْمَلُ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِ وَإِمْضَائِهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إنَّ الْأَمْرَ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الَّذِي جُلِدَ جَلْدَ الْحَدِّ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ تَجُوزُ شَهَادَتِهِ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ مَنْ جُلِدَ فِي حَدٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ قَذْفٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَلْدِ الْحَدِّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ الْآيَةِ وَهُوَ

стр. 1545

الْقَضَاءُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ عَامِلٌ عَلَى الْكُوفَةِ أَنْ اقْضِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا هَلْ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فَقَالَا نَعَمْ) ــ [المنتقى] قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] إلَى ﴿رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥] فَاسْتَثْنَى مَنْ تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ تَابَ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ كُلَّهَا تُرْفَعُ عَنْهُ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَعَقِّبٌ لِجَمِيعِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفِسْقِ فَيُعْرَفُ صَلَاحُ حَالِهِ بِالْإِقْلَاعِ عَنْ حَالِ الْفِسْقِ وَالْتِزَامِ أَحْوَالِ الْعَدَالَةِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَالصَّلَاحِ فَالتَّزَيُّدُ فِيهِ حَتَّى يُعْرَفَ زِيَادَةُ صَلَاحِ حَالِهِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا كَانَ يُعْرَفُ بِالصَّلَاحِ فَمَعْرِفَةُ ظُهُورِ التَّزَيُّدِ تَطُولُ وَلَيْسَ لِمَنْ كَانَ مُعْلِنًا بِالسُّوءِ؛ لِأَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالْخَيْرِ لَا يَتَبَيَّنُ مَزِيدُهُ فِيهِ إلَّا بِالتَّزْدَادِ فِيهِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَدْ كَانَ هَاهُنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ ازْدَادَ خَيْرًا وَصَلَاحًا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ تَوْبَتِهِ وَلَا مُؤَثِّرًا فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ رُجُوعُهُ عَنْ قَذْفِهِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ بِصَلَاحِ حَالِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ وَلَا يَقُولُ لَهُ الْإِمَامُ تُبْ، وَلَوْ قَالَ تُبْت لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ لَا أَتُوبُ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْإِنْسَانِ تُبْتُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَا يَنْقُلُهُ عَنْ حَالَةِ الْفِسْقِ حَتَّى يَظْهَرَ مِنْ أَفْعَالِهِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَوْبَتُهُ تَكْذِيبُهُ نَفْسَهُ وَبَلَغَنِي عَنْ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ نَحْوُهُ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذِهِ تَوْبَةٌ مِنْ ذَنْبٍ فَكَانَتْ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ كَسَائِرِ الذُّنُوبِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَعْصِيَةَ إذَا كَانَتْ بِالْأَقْوَالِ فَإِنَّ التَّوْبَةَ مِنْهَا بِالْقَوْلِ وَتَكْذِيبِ نَفْسِهِ كَالرِّدَّةِ لَمَّا كَانَتْ قَوْلًا كَانَتْ التَّوْبَةُ مِنْهَا بِتَكْذِيبِ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِي أَيِّ شَيْءٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي الْقَذْفِ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَنْ حُدَّ فِي قَذْفٍ أَوْ زِنًى قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْقَذْفِ وَالزِّنَا وَغَيْرِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ الْخَلْقُ أَنَّ مَنْ كَانَتْ بِهِ وَصْمَةٌ أَوْ تَوَرُّطٌ فِي أَمْرٍ حَرَصَ أَنْ يُلْحِقَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ لِيُسَاوُوهُ وَيُنْفَى عَنْهُ مَعَرَّةُ ذَلِكَ فَيَهْتَمُّ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى غَيْرِهِ بِمَا وَافَقَهُ لِيُسَاوِيَهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ حُكْمَنَا بِعَدَالَتِهِ يَنْفِي مِثْلَ هَذِهِ التُّهْمَةِ عَنْهُ فَإِذَا قَبِلْنَا شَهَادَتَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحُدُودِ وَجَبَ أَنْ نَقْبَلَ شَهَادَتَهُ فِي الْقَذْفِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. [الْقَضَاءُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ] (ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ يَحْتَمِلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لِصِحَّةِ ذَلِكَ وَالثَّانِي أَنَّهُ أَنْفَذَ الْقَضَاءَ بِهِمَا فِيمَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ اسْتَحْلَفَ الْمُدَّعِيَ وَقَضَى لَهُ بِهِ وَعَلَى هَذَا عَمَلُ الْحِجَازِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَوِيُّ هَذَا إسْنَادٌ جَيِّدٌ فَإِنْ قِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا حَكَمَ فِي ذَلِكَ بِشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الَّذِي جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ شَهَادَتَهُ وَحْدَهُ شَهَادَةَ اثْنَيْنِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذَا الشَّهَادَتَيْنِ فَالْجَوَابُ إنَّهُ لَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ شَهَادَتَهُ لِغَيْرِهِ كَشَهَادَةِ اثْنَيْنِ. وَهَذَا إذَا ثَبَتَ حُكْمٌ اخْتَصَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ كَمَا اخْتَصَّ فِي أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ وَيَسْمَعُ الْبَيِّنَاتِ فِيمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ مَا يُشِيرُونَ إلَيْهِ لَمْ يَشْهَدْ فِيهِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ لِلنَّبِيِّ
следующие страницы →