Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
ثَبَتَ ذَلِكَ فَمِنْ شَرْطِ شَهَادَةِ السَّمَاعِ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا سَمَاعًا فَاشِيًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا تَصِحُّ شَهَادَةُ السَّمَاعِ حَتَّى يَقُولَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَا وَلَا يُسَمُّوا مَنْ سَمِعُوا مِنْهُ فَإِنْ سَمَّوْا خَرَجَتْ عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ إلَى الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ.
(فَرْعٌ) وَيُجْزِئُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى السَّمَاعِ رَجُلَانِ وَمَا كَثُرَ أَحَبُّ إلَيْنَا قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى السَّمَاعِ وَفِي الْقَبِيلِ مِائَةٌ مِنْ أَنْسَابِهِمْ لَا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إلَّا بِأَمْرٍ يَفْشُو وَيَكُونُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَا شَيْخَيْنِ قَدِيمَيْنِ قَدْ بَادَ جِيلُهُمَا فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا.
١ -
(فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا إنَّ شَهَادَةَ السَّمَاعِ تَخْتَصُّ بِمَا تَقَادَمَ مِنْ الزَّمَانِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ تَجُوزُ فِي الْخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَنَحْوِهَا لِتَقَاصُرِ أَعْمَارِ النَّاسِ قَالَهُ أَصْبَغُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا تُقْبَلُ فِي الْخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً شَهَادَةٌ عَلَى السَّمَاعِ إلَّا فِيمَا تَقَادَمَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَا ظَنِينٍ فَرَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ الْمُتَّهَمُ الَّذِي يُظَنُّ بِهِ غَيْرُ الصَّلَاحِ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ هُوَ الْمُتَّهَمُ فَكُلُّ مَنْ اُتُّهِمَ فِي شَهَادَتِهِ بِمَيْلٍ لَمْ يُحْكَمْ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مُبَرَّزًا فِي الْعَدَالَةِ إلَّا أَنَّ التُّهْمَةَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا رَدُّ الشَّهَادَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا لِجَرِّ الْمَالِ، وَالثَّانِي لِدَفْعِ الْمَعَرَّةِ أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي جَرِّ الْمَالِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يَشْهَدَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يَرْغَبُ فِي كَثْرَةِ مَالِهِ، وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَشْهَدَ لِمَنْ يَنَالُهُ مَعْرُوفُهُ، فَأَمَّا مَنْ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ لَهُ خَاصَّةً أَوْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ لَهُ خَاصَّةً فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي أَنَّ شَهَادَتَهُ غَيْرُ جَائِزَةٍ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ لِنَفْسِهِ هِيَ مُجَرَّدُ الدَّعْوَى وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ أَحَدٌ بِدَعْوَاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ شَهِدَ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي رَجُلَيْنِ لَهُمَا مَالٌ عَلَى رَجُلٍ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِنِصْفِ الْمَالِ لِصَاحِبِهِ أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَالُ بَيْنَهُمَا مُشْتَرَكًا فَإِنَّ النِّصْفَ الَّذِي لِشَرِيكِهِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، وَلَوْ قَبَضَهُ شَرِيكُهُ لِسَاهِمِهِ فِيهِ فَقَدْ عَادَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّهُ شَهِدَ لِنَفْسِهِ فَإِنْ اقْتَسَمَا الْحَقَّ قَبْلَ الشَّهَادَةِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ لَيْسَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ شَهِدَ شَهَادَةً لَهُ فِيهَا حَقٌّ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةً أَوْ غَيْرَ وَصِيَّةٍ فَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةً وَكَانَ لَهُ فِيهَا مَالٌ كَثِيرٌ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ إحْدَاهَا لَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَالثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ لَهُ وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَالثَّالِثَةُ وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُدَوَّنَةِ يَجُوزُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَبِهَذَا قَالَ مُطَرِّفٌ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ شَهِدَ لَهُ بِحَقٍّ لَهُ فِيهِ حَظٌّ فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ مِنْ غَيْرِ الْوَصِيَّةِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ التُّهْمَةَ إنَّمَا تَخْتَصُّ بِهِ وَلَا تُهْمَةَ فِي شَهَادَتِهِ لِغَيْرِهِ فَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَتَصِحُّ لِغَيْرِهِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ أَنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ لَمْ تُبْطِلْ بَعْضَهَا تُهْمَةٌ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ جَمِيعُهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ لِغَيْرِهِ دُونَهُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِهَا فِي الْقَلِيلِ فَكَمُّ الْقَلِيلِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ فِي شَاهِدَيْنِ أَوْصَى إلَيْهِمَا رَجُلٌ وَأَشْهَدَهُمَا فِي ثُلُثِهِ أَنَّ ثُلُثَهُ لِلْمَسَاكِينِ وَثُلُثَهُ لِجِيرَانِهِ وَثُلُثَهُ لَهُمَا هَذَا يَسِيرٌ وَيَجُوزُ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا قَالَ مُحَمَّدٌ مَعْنَاهُ إنْ كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا مِمَّا لَهُ بَالٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ شَهِدَ فِي غَيْرِ وَصِيَّةٍ لِحَقٍّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا لَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ لَهُ فِيهَا حَقٌّ وَلِغَيْرِهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي لَهُ يَسِيرٌ جِدًّا، وَكَذَلِكَ لَمْ يُتَّهَمْ عَلَيْهِ فَإِذَا قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى فَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ إذَا أَجَزْنَاهَا أَنَّ الْمُتَوَفَّى مُتَيَقَّنٌ انْتِقَالُهُ عَنْ مِلْكِهِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْوَرَثَةِ إلَّا بَعْدَ سَلَامَتِهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ وَوَقْتُ
стр. 1542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
انْتِقَالِهِ إلَى الْوَرَثَةِ وَإِلَى الْمُوصَى لَهُ بِهِ وَاحِدٌ وَهُوَ وَقْتُ وَفَاتِهِ فَلَمْ تَتَنَاوَلْ الْوَصِيَّةُ إخْرَاجَ شَيْءٍ عَنْ مِلْكٍ مُتَقَرِّرٍ، وَإِنَّمَا تَنَاوَلَتْ تَوَجُّهَهُ إلَى جِهَةٍ مُسْتَحَقَّةٍ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ عَنْهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّيْنُ فَإِنَّمَا شُهِدَ بِهِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَتَقَرَّرَ مِلْكُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَجَازَ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ مَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الدَّيْنِ لِضَعْفِ حَالِ الْمِلْكِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ وَفَوْتِهِ فِي الدَّيْنِ، وَلِذَلِكَ لَوْ شُهِدَ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّهُ أَوْصَى لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ لَحُكِمَ لِلْوَرَثَةِ، وَلَوْ شُهِدَ عَلَى حَيٍّ أَنَّهُ وَهَبَ مَالَهُ لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ لَمَا حُكِمَ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَنْ يَرْغَبُ فِي كَثْرَةِ مَالِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْغَبَ فِي كَثْرَةِ مَالِهِ لِلشَّفَقَةِ وَالْقَرَابَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لِمَا يَخْتَصُّ بِالشَّاهِدِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ، فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَكَشَهَادَةِ الْآبَاءِ لِلْأَبْنَاءِ وَالْأَبْنَاءِ لِلْآبَاءِ، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُ قَالَ وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِ عُمَرَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ شَهَادَةُ الْأَبَوَيْنِ لِلْوَلَدِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ وَهَذَا مَذْهَبُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ وَرُوِيَ عَنْ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْآبَاءِ لِلْأَبْنَاءِ وَالْأَبْنَاءِ لِلْآبَاءِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ عُمَرَ هَذَا.
وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَصْحِيحِهِ وَالْأَخْذِ بِهِ وَلَا نَعْلَمُ بِتُهْمَةٍ أَقْوَى مِنْ كَلَفِ الْآبَاءِ بِالْأَبْنَاءِ وَمَحَبَّةِ الْأَبْنَاءِ فِي الْآبَاءِ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ لِلتُّهْمَةِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ تَكُونُ مَحَبَّتُهُ لِبَنِيهِ تَرْبُو عَلَى مَحَبَّتِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ تُقَارِبُهَا فَيَجِبُ أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُ اهـ.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِمَنْ نَفَاهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ اسْتِمَالَتَهُ لِيَسْتَلْحِقَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الَّذِي لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ مِنْ ذِي الْقَرَابَةِ الْأَبَوَانِ وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ وَالْوَلَدُ وَوَلَدُ الْوَلَدِ مِنْ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ وَتَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ وَرَاءَ هَؤُلَاءِ مِنْ الْقَرَابَاتِ وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ شَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ وَابْنِ أَخِيهِ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا تَجُوزُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ عَلَى شَرْطٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الشَّرْطِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَرَّزًا وَقِيلَ يَجُوزُ إذَا لَمْ تَنَلْهُ صِلَتُهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ يَجُوزُ فِي الْيَسِيرِ دُونَ الْكَثِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَرَّزًا فَيَجُوزُ فِي الْكَثِيرِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَرَابَةَ الْأُبُوَّةِ وَالنُّبُوَّةِ آكَدُ وَالتُّهْمَةَ فِيهِمْ أَقْوَى وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِبَسْطِ هَؤُلَاءِ فِي مَالِ بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ فَإِنَّ الزَّوْجَ يُنْفِقُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَيَنْبَسِطُ فِي مَالِهَا، وَالْأُخُوَّةُ لَا تَبْلُغُ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ وَلَا يَخْلُو فِي الْأَغْلَبِ مِنْ الْإِشْفَاقِ وَالْحِرْصِ عَلَى الْغِنَى فَلِذَلِكَ رُوعِيَ فِي الْأُخُوَّةِ أَحَدُ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَرَابَةِ وَالْمَوَالِي فِي الرِّبَاعِ الَّتِي يُتَّهَمُونَ بِجَرِّهَا إلَيْهِمْ أَوْ إلَى بَنِيهِمْ الْيَوْمَ أَوْ بَعْدَهُ مِثْلُ حَبْسِ مَرْجِعِهِ إلَيْهِمْ أَوْ إلَى بَنِيهِمْ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِابْنِ امْرَأَتِهِ وَلَا لِأَبِيهَا، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لِابْنِ زَوْجِهَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِزَوْجِ ابْنَتِهِ وَلَا لِزَوْجَةِ ابْنِهِ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُك لَهُ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُك لِمَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَك؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ قَوِيَّةٌ فِي مَنَافِعِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ مَنْ كَانَ وَفْرُهُ وَفْرَ الشَّاهِدِ وَغِنَاهُ غِنًى لَهُ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ قَوِيَّةٌ فِي مَنَافِعِهِ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ غِنَاهُ غِنًى لِلشَّاهِدِ فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةٌ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَنْ يُرْغَبُ فِي غِنَاهُ لِمَنْفَعَتِهِ فَالزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ وَالْأَبُ يَجِبُ عَلَى ابْنِهِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ أَوْ أَجِيرٌ يُنْفِقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ إذَا شَهِدَ لَهُ جَرَّ إلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ نَفْعًا وَالزَّوْجَةُ تَنْبَسِطُ فِي مَالِ زَوْجِهَا فَتَجُرُّ إلَى نَفْسِهَا بِذَلِكَ نَفْعًا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ لِمَنْ يَنَالُهُ مِنْهُ مَعْرُوفٌ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ
стр. 1543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يَكُونَ الْمَعْرُوفُ مُتَكَرِّرًا مُعْتَادًا وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَعْرُوفُ مُتَعَيِّنًا، فَأَمَّا الْمَعْرُوفُ الْمُعْتَادُ فَإِنْ اقْتَرَنَتْ بِهِ الْقَرَابَةُ كَالْأَخِ يَكُونُ فِي عِيَالِ أَخِيهِ أَوْ تَحْتَ نَفَقَتِهِ أَوْ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ مَعْرُوفُهُ فَهَذِهِ تُهْمَةٌ تُوجِبُ رَدَّ شَهَادَتِهِ لَهُ، وَأَمَّا الصَّدِيقُ الْمُلَاطِفُ الَّذِي يَنَالُهُ مَعْرُوفُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ لَهُ مَقْبُولَةٌ وَالثَّانِيَةُ أَنَّهَا مَرْدُودَةٌ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا مَقْبُولَةٌ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَخِ أَنَّ الْمَعْرُوفَ يَقْتَرِنُ بِالْأُخُوَّةِ وَالْقَرَابَةِ فَتَقْوَى التُّهْمَةُ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا إنَّمَا هِيَ مُجَرَّدُ الْمَعْرُوفِ وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ قَبُولَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ وَذَا الْمَعْرُوفِ لَوْ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ إلَّا شَهَادَةُ مَنْ لَا يَنَالُهُ مَعْرُوفُهُ لَرُدَّتْ لَهُ شَهَادَاتُ أَكْثَرِ النَّاسِ وَلَاقْتَضَى ذَلِكَ مَنْعَهُ مَعْرُوفَهُ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا مِمَّنْ يَنَالُهُ مَعْرُوفُهُ وَيَتَكَرَّمُ عَلَيْهِ فَلَمْ يُقْبَلْ لَهُ شَهَادَةٌ كَالْأَخِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمَعْرُوفُ الْمُعَيَّنُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُسْتَدَامًا وَالثَّانِي أَنْ يَخْتَصَّ بِوَقْتِ الشَّهَادَةِ، فَأَمَّا الْمُسْتَدَامُ فَكَشَهَادَةِ الْعَامِلِ لِرَبِّ الْمَالِ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا إنْ كَانَ شَغَلَ الْمَالَ فِي سِلَعٍ فَشَهَادَتُهُ لَهُ مَقْبُولَةٌ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَشَهَادَتُهُ مَرْدُودَةٌ، وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ كَانَ عَيْنًا فَشَهَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ، وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا فَشَهَادَتُهُ مَرْدُودَةٌ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ إذَا شَغَلَ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ أَخَذُهُ فَارْتَفَعَتْ التُّهْمَةُ وَمَا يُتَوَقَّعُ مِنْ أَخْذِهِ مِنْ يَدِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ضَعِيفٌ فِي التُّهْمَةِ لِبُعْدِ الْأَمَدِ وَعَدَمِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ كَوْنَ الْمَالِ بِيَدِ الْعَامِلِ وَجْهٌ لِكَسْبِهِ فَيُتَّهَمُ فِي شَهَادَتِهِ إنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَى بَقَائِهِ بِيَدِهِ لِفَقْدِهِ وَبُعْدِ التُّهْمَةِ مَعَ غِنَاهُ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ مَالِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى الشَّاهِدِ دَيْنٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَ غَنِيًّا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ زَادَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لِأَنَّهُ كَالْأَسِيرِ فِي يَدِهِ فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ قَدْ قَرُبَ مَحِلُّهُ فَهَذَا حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ فَيَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ سَحْنُونٍ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةٌ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى الْغَنِيِّ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ لَا يَسْتَضِرَّ بِإِزَالَةِ هَذَا الْمَالِ عَنْهُ، فَأَمَّا إنْ كَانَ عِنْدَهُ وَفَاءٌ بِهِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ فَقِيرٌ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ الْعَظِيمَ يَلْحَقُهُ بِتَعْجِيلِ قَبْضِ الدَّيْنِ مِنْهُ وَلَهُ مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ فِي تَأْخِيرِهِ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ يُشْبِهُ قُوَّتَهُ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِوَقْتِ الشَّهَادَةِ فَأَنْ يَقْصِدَ حِينَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ إلَى أَنْ يُعْطِيَهُ أَوْ يَصِلَهُ أَوْ يَهَبَهُ أَوْ يُحَابِيَهُ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ قَالَ هَذَا كُلُّهُ يُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ لِلْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ التُّهْمَةِ لِدَفْعِ الْمَعَرَّةِ فَمِثْلُ أَنْ يُعَدِّلَ الرَّجُلُ ابْنَهُ أَوْ أَبَاهُ فَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِ الشَّهَادَةِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ التَّعْدِيلَ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَجْلِبٌ بِشَهَادَتِهِ الْجَاهَ وَالرِّفْعَةَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي نَقْلِ شَهَادَةٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ وَالْمَجْمُوعَةِ إنْ كَانَ مَقْصُودُهُ نَقْلَ شَهَادَةٍ، وَلَوْ ابْتَغَى تَعْدِيلَهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا النَّاقِلِ لَوَجَدَ ذَلِكَ فَإِنَّ التَّعْدِيلَ مَقْبُولٌ، وَإِنْ كَانَ يَتَعَذَّرُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَالتَّعْدِيلُ مَرْدُودٌ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ وَمُطَرِّفٌ لَا يَجُوزُ تَعْدِيلُهُ لَهُ بِوَجْهٍ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ هَذَا التَّعْدِيلَ إنَّمَا حَقِيقَتُهُ الْإِعْلَامُ بِخَبَرِهِ فَإِذَا كَانَ مَشْهُورًا بِالصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ يُزَكَّى مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ فَلَا تُهْمَةَ تَلْحَقُ فِي ذَلِكَ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ تَعْدِيلَ الْأَبِ ابْنَهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِيَسِيرِ الْمَالِ وَمَا يُوجَدُ تَعَدِّيهِ مِنْ الْجَاهِ وَالرِّفْعَةِ أَكْثَرُ مِنْ الْمَالِ فَبِأَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُ لَهُ بِهِ فَشَهَادَتُهُ لَهُ أَوْلَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا تَعْدِيلُ الْأَخِ لِأَخِيهِ الَّذِي تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ فِي الْمَالِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَجُوزُ تَعْدِيلُهُ وَهُوَ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَشْهَبَ تَعْدِيلُهُ مَرْدُودٌ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ مَنْ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ فِي الْمَالِ جَازَ تَعْدِيلُهُ لَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ تَعْدِيلَهُ بِهِ شَرَفٌ وَجَاهٌ يَتَعَدَّى إلَيْهِ بِخِلَافِ
стр. 1544
الْقَضَاءُ فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ رَجُلٍ جُلِدَ الْحَدَّ أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَقَالُوا نَعَمْ إذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ التَّوْبَةُ مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ ﵎ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥] قَالَ مَالِكٌ فَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الَّذِي يُجْلَدُ الْحَدَّ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) .
ــ
[المنتقى]
الْمَالِ الَّذِي هُوَ مَقْصُورٌ عَلَى مَالِكِهِ.
[الْقَضَاءُ فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُمْ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ جُلِدَ الْحَدَّ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَفْظٌ عَامٌّ فِي الْحُدُودِ الَّتِي يُجْلَدُ فِيهَا مِنْ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْقَذْفِ إلَّا أَنَّ إيرَادَهُ هَهُنَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بِهِ حَمْلَهُ عَلَى عُمُومِهِ ثُمَّ يُسْتَدَلَّ عَلَى نَوْعٍ مِنْهُ بِالنَّصِّ وَهُوَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ فَيَجْعَلَهُ أَصْلًا لِجَمِيعِ الْجِنْسِ، وَالثَّانِي أَنْ يُرِيدَ الْقَذْفَ وَحْدَهُ وَيَقْصِدَ بَيَانُ حُكْمِهِ بِالْآيَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا؛ لِأَنَّهَا خَاصَّةٌ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَكُلُّ مَا يُوجِبُ الْجَلْدَ حَدًّا يُوجِبُ التَّفْسِيقِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَدُّ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ يُنَافِي قَبُولَ الشَّهَادَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فَكُلُّ مَنْ قَذَفَ الْمُحْصَنَاتِ وَلَمْ يُثْبِتْ مَا قَذَفَ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الْقَذْفِ وَوَجَبَ رَدُّ شَهَادَتِهِ بِهِ وَالْحُكْمُ بِفِسْقِهِ فِي الظَّاهِرِ إلَيْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ فَقَدْ يَكُونُ صَادِقًا فِي قَذْفِهِ أَوْ مُشْتَبَهًا عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَتَى يُحْكَمُ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ مِنْ الْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ حَتَّى يُجْلَدَ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْكِتَابَيْنِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ إنْ عَجَزَ عَنْ إثْبَاتِ مَا ادَّعَاهُ وَحَقَّ عَلَيْهِ الْقَذْفُ، وَلَوْ تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْجَلْدِ وَبَعْدَهُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ قَاذِفًا بِأَنْ يُكْمِلَ الْجَلْدَ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَوْ أَقَرَّ الْمَقْذُوفُ وَثَبَتَ عَلَيْهِ مَا قَذَفَهُ بِهِ لَسَقَطَ الْجَلْدُ؛ لِأَنَّ طَرِيقَهُ النَّكَالُ وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ قَاذِفًا وَذَلِكَ يَمْنَعُ التَّفْسِيقَ بِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ يَتِمُّ بِعَجْزِهِ عَنْ إثْبَاتِ مَا قَذَفَ بِهِ وَالْحَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ تَطْهِيرٌ لَهُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ رَدُّ الشَّهَادَةِ كَالْكَفَّارَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا يُوجِبُ النَّكَالَ وَالتَّعْزِيرَ دُونَ الْحَدِّ فَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِيمَنْ كَانَتْ حَالُهُ حَسَنَةً فَوَجَبَ عَلَيْهِ نَكَالُ الشَّتْمِ أَوْ نَحْوُهُ فَلَا تُرَدُّ بِذَلِكَ شَهَادَتُهُ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِمَشْهُورِ الْعَدَالَةِ إلَّا أَنَّهُ مَقْبُولٌ وَأَتَى بِالْأَمْرِ الْعَظِيمِ مِمَّا فِيهِ النَّكَالُ الشَّدِيدُ فَلْيُنْظَرْ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا عِنْدَ نُزُولِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مِنْهُ مَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ وَمِنْهُ مَا لَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ وُقُوعِهِ عَلَى قَدْرِ الشَّاتِمِ، وَقَدْرِ مَا أَتَى بِهِ وَعَلَى حَسَبِ ذَلِكَ يُعْمَلُ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِ وَإِمْضَائِهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنَّ الْأَمْرَ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الَّذِي جُلِدَ جَلْدَ الْحَدِّ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ تَجُوزُ شَهَادَتِهِ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ مَنْ جُلِدَ فِي حَدٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ قَذْفٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَلْدِ الْحَدِّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ الْآيَةِ وَهُوَ
стр. 1545
الْقَضَاءُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ عَامِلٌ عَلَى الْكُوفَةِ أَنْ اقْضِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا هَلْ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فَقَالَا نَعَمْ)
ــ
[المنتقى]
قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] إلَى ﴿رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥] فَاسْتَثْنَى مَنْ تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ تَابَ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ كُلَّهَا تُرْفَعُ عَنْهُ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَعَقِّبٌ لِجَمِيعِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفِسْقِ فَيُعْرَفُ صَلَاحُ حَالِهِ بِالْإِقْلَاعِ عَنْ حَالِ الْفِسْقِ وَالْتِزَامِ أَحْوَالِ الْعَدَالَةِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَالصَّلَاحِ فَالتَّزَيُّدُ فِيهِ حَتَّى يُعْرَفَ زِيَادَةُ صَلَاحِ حَالِهِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا كَانَ يُعْرَفُ بِالصَّلَاحِ فَمَعْرِفَةُ ظُهُورِ التَّزَيُّدِ تَطُولُ وَلَيْسَ لِمَنْ كَانَ مُعْلِنًا بِالسُّوءِ؛ لِأَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالْخَيْرِ لَا يَتَبَيَّنُ مَزِيدُهُ فِيهِ إلَّا بِالتَّزْدَادِ فِيهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَدْ كَانَ هَاهُنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ ازْدَادَ خَيْرًا وَصَلَاحًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ تَوْبَتِهِ وَلَا مُؤَثِّرًا فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ رُجُوعُهُ عَنْ قَذْفِهِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ بِصَلَاحِ حَالِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ وَلَا يَقُولُ لَهُ الْإِمَامُ تُبْ، وَلَوْ قَالَ تُبْت لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ لَا أَتُوبُ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْإِنْسَانِ تُبْتُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَا يَنْقُلُهُ عَنْ حَالَةِ الْفِسْقِ حَتَّى يَظْهَرَ مِنْ أَفْعَالِهِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَوْبَتُهُ تَكْذِيبُهُ نَفْسَهُ وَبَلَغَنِي عَنْ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ نَحْوُهُ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذِهِ تَوْبَةٌ مِنْ ذَنْبٍ فَكَانَتْ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ كَسَائِرِ الذُّنُوبِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَعْصِيَةَ إذَا كَانَتْ بِالْأَقْوَالِ فَإِنَّ التَّوْبَةَ مِنْهَا بِالْقَوْلِ وَتَكْذِيبِ نَفْسِهِ كَالرِّدَّةِ لَمَّا كَانَتْ قَوْلًا كَانَتْ التَّوْبَةُ مِنْهَا بِتَكْذِيبِ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِي أَيِّ شَيْءٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي الْقَذْفِ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَنْ حُدَّ فِي قَذْفٍ أَوْ زِنًى قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْقَذْفِ وَالزِّنَا وَغَيْرِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ الْخَلْقُ أَنَّ مَنْ كَانَتْ بِهِ وَصْمَةٌ أَوْ تَوَرُّطٌ فِي أَمْرٍ حَرَصَ أَنْ يُلْحِقَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ لِيُسَاوُوهُ وَيُنْفَى عَنْهُ مَعَرَّةُ ذَلِكَ فَيَهْتَمُّ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى غَيْرِهِ بِمَا وَافَقَهُ لِيُسَاوِيَهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ حُكْمَنَا بِعَدَالَتِهِ يَنْفِي مِثْلَ هَذِهِ التُّهْمَةِ عَنْهُ فَإِذَا قَبِلْنَا شَهَادَتَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحُدُودِ وَجَبَ أَنْ نَقْبَلَ شَهَادَتَهُ فِي الْقَذْفِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[الْقَضَاءُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ يَحْتَمِلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لِصِحَّةِ ذَلِكَ وَالثَّانِي أَنَّهُ أَنْفَذَ الْقَضَاءَ بِهِمَا فِيمَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ اسْتَحْلَفَ الْمُدَّعِيَ وَقَضَى لَهُ بِهِ وَعَلَى هَذَا عَمَلُ الْحِجَازِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَوِيُّ هَذَا إسْنَادٌ جَيِّدٌ فَإِنْ قِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا حَكَمَ فِي ذَلِكَ بِشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الَّذِي جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ شَهَادَتَهُ وَحْدَهُ شَهَادَةَ اثْنَيْنِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذَا الشَّهَادَتَيْنِ فَالْجَوَابُ إنَّهُ لَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ شَهَادَتَهُ لِغَيْرِهِ كَشَهَادَةِ اثْنَيْنِ.
وَهَذَا إذَا ثَبَتَ حُكْمٌ اخْتَصَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ كَمَا اخْتَصَّ فِي أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ وَيَسْمَعُ الْبَيِّنَاتِ فِيمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ مَا يُشِيرُونَ إلَيْهِ لَمْ يَشْهَدْ فِيهِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ لِلنَّبِيِّ
стр. 1546
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَضَتْ السُّنَّةُ فِي الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ يَحْلِفُ صَاحِبُ الْحَقِّ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ فَإِنْ نَكَلَ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ أُحْلِفَ الْمَطْلُوبَ فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ الْحَقُّ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَقُّ لِصَاحِبِهِ)
ــ
[المنتقى]
ﷺ بِأَمْرٍ شَاهَدَهُ، وَإِنَّمَا شَهِدَ لَهُ بِمَا سَمِعَ مِنْهُ لِعِلْمِهِ بِصِدْقِهِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَلِأَنَّ مَنْ يُخَالِفُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَقُولُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ تَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَجْنَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ شَاهِدَيْنِ فَلَا مَعْنَى لِلْيَمِينِ، وَحَدِيثُنَا يَقْتَضِي الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَإِنْ كَانَ جَعَلَ شَهَادَتَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ الشُّهُودِ فَإِنْ قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَضَى بِيَمِينِ الْمَطْلُوبِ مَعَ شَهَادَةِ الْمُدَّعِي فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ لَا تَأْثِيرَ لِشَهَادَتِهِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ يُفِيدُ كَوْنَهُمَا مِمَّا قَضَى بِهِ وَأَنْ يَكُونَ قَضَى بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ كَانَ مَا قُلْتُمُوهُ لَقَالَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ وُجُودِ الشَّاهِدِ أَوْ قَضَى بِالْيَمِينِ وَرَدَّ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ، وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا مِنْ جَنْبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَلَى مَا يَتَأَوَّلُونَهُ الْيَمِينُ فِي غَيْرِ جَنْبَةِ الشَّاهِدِ فَلَا يُقَالُ فِيهَا إنَّهَا مَعَهُ بَلْ هِيَ نَاقِضَةٌ لَهُ وَمُبْطِلَةٌ لِشَهَادَتِهِ فَإِنْ قِيلَ نَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِ هَذَا فِي مَوْضِعٍ وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ حَيَوَانًا فَيَدَّعِي الْمُشْتَرِي بِهِ عَيْبًا يُنْكِرُهُ الْبَائِعُ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِشَاهِدٍ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ يَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عِنْدَنَا وَحْدَهُ فَإِنْ ادَّعَى الْبَائِعُ الْبَيْعَ بِالْبَرَاءَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَا اشْتَرَى عَلَى الْبَرَاءَةِ فَيُحْكَمُ لَهُ بِالرَّدِّ بِشَاهِدِهِ مَعَ يَمِينِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي الْقَضَاءَ بِالتَّمْيِيزِ مَعَ الشَّاهِدِ وَهَذَا لَيْسَ بِشَاهِدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخْبِرٌ عَنْ عِلْمِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي يَسْتَوِي النَّاسُ فِي عِلْمِهَا لَمْ يُقْبَلْ فِي ذَلِكَ إلَّا شَاهِدَانِ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَمَا زَعَمْتُمُوهُ قَضِيَّتَانِ ثَبَتَ بِالشَّاهِدِ عِنْدَكُمْ وُجُودُ الْعَيْبِ وَثَبَتَ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي بَرَاءَتُهُ مِمَّا ادَّعَى عَلَيْهِ الْبَائِعُ مِنْ الْتِزَامِ الْبَيْعِ بِالْبَرَاءَةِ، وَهَاتَانِ قَضِيَّتَانِ قَضَى فِي إحْدَاهُمَا بِالشَّاهِدِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ الْيَمِينُ بِهَا وَقَضَى فِي الثَّانِيَةِ بِالْيَمِينِ وَلَمْ يَشْهَدْ الشَّاهِدُ بِهَا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ الْيَمِينُ فِي جَنْبَتِهِ ابْتِدَاءً كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَمَا رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي سَلَمَةَ وَسُلَيْمَانَ فِي تَصْحِيحِ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَالْأَمْرُ بِهِ إظْهَارٌ لِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَأَئِمَّتِهِمْ وَأَعْلَامِهِمْ عَلَى الْحُكْمِ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَضَتْ السُّنَّةُ فِي الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ يَحْلِفُ صَاحِبُ الْحَقِّ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ فَإِنْ نَكَلَ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ أُحْلِفَ الْمَطْلُوبَ فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ الْحَقُّ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَقُّ لِصَاحِبِهِ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَقْتَطِعُ الْحُقُوقَ بِيَمِينِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُعَيَّنٌ وَغَيْرُ مُعَيَّنٍ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: غَيْرُ مُوَلًّى عَلَيْهِ وَمُوَلًّى فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُوَلًّى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ الَّذِي شَهِدَ لَهُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ مُؤْمِنًا أَوْ كَافِرًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا تَسَاوَوْا فِي الْمِلْكِ وَالتَّصَرُّفِ وَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: صَغِيرٌ وَكَبِيرٌ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا وَانْفَرَدَ بِالْحَقِّ قَبْلَ شَاهِدِهِ وَاسْتُحْلِفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَهَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ، وَإِنْ كَانَ وَارِثُ الْمَيِّتِ صَغِيرًا وُقِفَ لَهُ حَقُّهُ حَتَّى يَحْتَلِمَ فَيَحْلِفَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْيَمِينَ وَبِهَذَا قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الصَّغِيرَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ ثَبَتَ الْيَمِينُ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا لَوْ شَهِدَ الشَّاهِدُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ مُعَيَّنٌ يُرْجَى أَنْ يَزُولَ الْمَانِعُ لَهُ مِنْ الْيَمِينِ فَانْتَظَرَ ذَاكَ أَصْلُهُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا قُلْنَا يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ فَإِذَا حَلَفَ أَبْقَى الْحَقَّ عِنْدَهُ سَوَاءٌ كَانَ ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ أَوْ مُعَيَّنًا حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ
стр. 1547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فَيَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ فَيَسْتَحِقَّ حَقَّهُ مَا فِي الذِّمَّةِ وَالْمُعَيَّنُ إنْ كَانَ بَاقِيًا فَإِنْ فَاتَ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْحُكْمِ بِهِ لِلصَّبِيِّ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّغِيرَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْيَمِينُ فَيَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ وَيُتْرَكُ عِنْدَهُ الْحَقُّ فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ وَصَارَ مِمَّنْ يَحْلِفُ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ لَمَّا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ وَأَخَذَ حَقَّهُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ نَكَلَ الصَّبِيُّ بَعْدَ أَنْ بَلَغَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ بِذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَتْ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ يَمِينَ الْمَطْلُوبِ يَمِينُ اسْتِحْقَاقٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَحْلِفَ الْمُدَّعِي فَإِنْ حَلَفَ كَانَتْ أَوْلَى مِنْ هَذِهِ الْيَمِينِ لِتَقَدُّمِهَا فِي الرُّتْبَةِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ هَذِهِ لِضَرُورَةِ تَوَقُّفِ تِلْكَ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعِي صَحَّتْ يَمِينُ الْمَطْلُوبِ وَصَحَّ الْحُكْمُ لَهُ بِهَا وَكَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّ يَمِينَ الْمَطْلُوبِ لِتَوْقِيفِ الْحَقِّ بِيَدِهِ خَاصَّةً لَمَّا تَعَذَّرَتْ يَمِينُ الطَّالِبِ الَّتِي يَتَعَجَّلُ بِهَا حَقَّهُ فَإِذَا حَلَفَ الطَّالِبُ أَخَذَ حَقَّهُ بِشَاهِدِهِ وَيَمِينِهِ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ يَمِينَ الِاسْتِحْقَاقِ وَقُضِيَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ عَنْ هَذِهِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ أَوَّلًا يَمِينَ اسْتِحْقَاقٍ لَوَجَبَ أَنْ لَا يَبْقَى بَعْدَهَا لِلْمُدَّعِي يَمِينٌ وَلَوَجَبَ إذَا نَكَلَ عَنْهَا أَنْ لَا يَنْفُذَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ وَلَا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي يَمِينًا بَعْدَهَا، وَلَمَّا كَانَ إذَا حَلَفَ بَقِيَ الْحَقُّ بِيَدِهِ حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي فَإِذَا رَشَدَ الْمُدَّعِي وَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ قُضِيَ بِالْحَقِّ لِلْمَطْلُوبِ وَعُلِمَ أَنَّهَا يَمِينُ إبْقَاءِ الْحَقِّ فَيَجِبُ إذَا رَشَدَ وَنَكَلَ الطَّالِبُ أَنْ يَحْلِفَ الْمَطْلُوبُ يَمِينَ الِاسْتِحْقَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا الْأَصْلُ مُتَنَازَعٌ فِيهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ نَكَلَ الْمَطْلُوبُ أَوَّلًا غَرِمَ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ كِنَانَةَ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ فَإِذَا بَلَغَ الصَّغِيرُ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ فَإِنْ حَلَفَ قُضِيَ لَهُ بِحَقِّهِ، وَإِنْ نَكَلَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ إنْ نَكَلَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَالصَّغِيرُ بَعْدَ الرُّشْدِ وَالْبُلُوغِ رُدَّ إلَى الْمَطْلُوبِ وَنَحْوُهُ رَوَاهُ ابْنُ كِنَانَةَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى لَهُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهِ يَمِينُهُ فَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ ثَانِيَةً عَلَى الْمَطْلُوبِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَحْلِفُ الصَّغِيرُ إذَا كَبِرَ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى الْبَتِّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَا يَحْلِفُ حَتَّى يَعْلَمَ بِالْخَبَرِ الَّذِي يُتَيَقَّنُ لَهُ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَحْلِفُ كَمَا يَحْلِفُ الْوَارِثُ عَلَى مَا لَمْ يَحْضُرْ وَلَمْ يَعْلَمْ وَهُوَ لَا يَدْرِي هَلْ شَهِدَ لَهُ بِحَقٍّ أَوْ لَا فَيَحْلِفُ مَعَهُ عَلَى خَبَرِهِ وَيُصَدِّقُهُ كَمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا شَهِدَ لَهُ بِهِ الشَّاهِدَانِ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِمَا وَظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى مَا شَهِدَ لَهُ بِهِ شَاهِدُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ ذَلِكَ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَالْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ حَتَّى يَقَعَ لَهُ الْعِلْمُ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْبِرُ لَهُ عَدْلًا أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ إنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذَا الْحَدَّ امْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ وَاسْتُحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا لَا يَسْتَيْقِنُهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَصِفَةُ الْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى حَسَبِ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ فَإِنْ شَهِدَ لَهُ الشَّاهِدُ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ كَذَا وَلَا أَنَّهُ غَصَبَهُ كَذَا وَلَكِنْ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَقَدْ أَقَرَّ لَهُ فُلَانٌ بِكَذَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَائِبًا زَادَ فِي يَمِينِهِ أَنَّ حَقَّهُ عَلَيْهِ لَبَاقٍ وَمَا عِنْدَهُ بِهِ رَهْنٌ وَلَا وَثِيقَةٌ ثُمَّ يُقْضَى لَهُ بِذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ كَبِيرًا فَإِنَّ الَّذِي فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَبَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ قَالَ أَصْبَغُ كَالْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ وَيُؤَخَّرُ السَّفِيهُ فَإِذَا رَشَدَ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ إنْ شَاءَ وَقُضِيَ لَهُ، وَإِنْ أَبَى لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ يَمِينٌ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ الْحُدُودُ وَالطَّلَاقُ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ وَيَسْتَحِقَّ حَقَّهُ كَالرَّشِيدِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ مَنْ لَا يَحْلِفُ فِي دَفْعِ حَقٍّ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ كَالصَّغِيرِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ أَوَّلًا وَيَبْقَى الْحَقُّ عِنْدَهُ فَإِنْ نَكَلَ أُخِذَ مِنْهُ الْحَقُّ فَإِذَا رَشَدَ السَّفِيهُ حَلَفَ وَقُضِيَ لَهُ، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّ إلَى.
стр. 1548
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْمَطْلُوبِ، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ، وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ نُكُولَهُ يُضْعِفُ حَقَّهُ وَيُوجِبُ قَبْضَ الْمَالِ مِنْهُ لِحَقِّ السَّفِيهِ وَالصَّبِيِّ فَإِذَا أَمْكَنَتْ أَيْمَانُهُمَا بِرُشْدِ السَّفِيهِ وَكِبَرِ الصَّغِيرِ اُسْتُحْلِفَا مَعَ شَاهِدِهِمَا فَإِنْ حَلَفَا نَفَذَ الْحَقُّ لَهُمَا، وَإِنْ نَكَلَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ نُكُولِهِمَا أَوَّلًا وَرُدَّ إلَى الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ أَوَّلًا نَقَلَ الْيَمِينَ إلَى جَنْبَةِ السَّفِيهِ وَالصَّغِيرِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ تَجِبَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَنْكُلُ فَيُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فَيَنْكُلُ بِأَنَّهُ يُقْضَى لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ، وَلَوْ رُوعِيَ وُجُوبُ الْيَمِينِ أَوَّلًا عَلَى السَّفِيهِ وَالصَّغِيرِ وَأَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنَّمَا كَانَتْ لِتَأْخِيرِ أَخْذِ الْحَقِّ مِنْهُ إلَى أَنْ يَزُولَ الْمَانِعُ مِنْ الْيَمِينِ فَيُحَلِّفُ الرَّشِيدُ وَالْكَبِيرُ شَاهِدَهُمَا لَوَجَبَ إنْ نَكَلَا أَنْ تُرَدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَإِنْ حَلَفَ رُدَّ إلَيْهِ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ هِيَ الْيَمِينُ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِ بِنُكُولِ الطَّالِبِ مَعَ شَاهِدِهِ، وَإِنْ نَكَلَ نَفَذَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِأَنَّهُ نَكَلَ عَنْ يَمِينٍ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يَحْلِفُ السَّفِيهُ مَعَ شَاهِدِهِ حَالَ سَفَهِهِ فَإِنَّهُ إنْ حَلَفَ قَبَضَ مَا اسْتَحَقَّهُ بِيَمِينِهِ النَّاظِرِ لَهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَحْلِفَ وَيَقْبِضَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَإِذَا صَارَ إلَيْهِ قَبَضَهُ مِنْهُ مَنْ يَنْظُرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ شَيْئًا إلَّا مَنْ لَهُ قَبْضُهُ.
(فَرْعٌ) وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَبَرِئَ وَلَا يَمِينَ عَلَى السَّفِيهِ إذَا رَشَدَ، وَكَذَلِكَ الْبَكْرُ الْمُوَلَّى عَلَيْهَا رَوَاهُ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ لَهَا الرُّجُوعُ إلَى الْيَمِينِ، وَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ قَدْ حَلَفَ أَوَّلًا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ فَنَكَلَ عَنْهَا وَحُكِمَ بِالْيَمِينِ عَلَى الْمَطْلُوبِ لِنُكُولِهِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ كَالرُّشْدِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ أَنَّ السَّفِيهَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ نُكُولُهُ كَالصَّغِيرِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ وَلَا يُحَاطُ بِعَدَدِهِمْ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ بِصَدَقَةٍ لِبَنِي تَمِيمٍ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ لَا يُحْلَفُ مَعَ هَذَا الشَّاهِدِ وَلَا يُسْتَحَقُّ بِشَهَادَتِهِ حَقٌّ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ مُسْتَحِقُّ هَذَا الْحَقِّ فَيَحْلِفُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ هَذَا الْحَقِّ وَيُصْرَفُ إلَى غَيْرِ مِلْكِهِ وَقَبْضِهِ، وَإِنَّمَا يَحْلِفُ فِي الْحُقُوقِ مَنْ يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ الْمِلْكَ أَوْ الْقَبْضَ وَيُطْلَبُ مِنْهُ إنْ نَكَلَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الْحَبْسُ لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ إلَّا أَنَّهُ يُحَاطُ بِعَدَدِهِمْ وَأُضِيفَ إلَيْهِمْ مَنْ لَا يُحْصَى مِثْلُ أَنْ يَقُولَ حَبَسْت هَذَا الْمِلْكَ عَلَى وَلَدِ زَيْدٍ وَعَقِبِهِمْ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ الَّذِي يَقُولُ أَصْحَابُنَا إنَّ كُلَّ حَبْسٍ مُسْبِلٍ وَمُعَقَّبٍ فَلَا يَصْلُحُ فِيهِ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ، وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ نَفَذَتْ الصَّدَقَةُ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ وَغَائِبِهِمْ وَمَوْلُودِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ بَعْدَ كَلَامٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ وَمُطَرِّفًا وَابْنَ الْمَاجِشُونِ رَوَاهَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ أَهْلِ الصَّدَقَةِ رَجُلٌ وَاحِدٌ مَعَ الشَّاهِدِ وَيُثْبِتُ حَبْسًا لَهُ وَلِجَمِيعِ أَهْلِهَا، فَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ إنَّمَا هِيَ فِيمَنْ ذُكِرَ بِحَصْرِ عَدَدِهِ.
وَقَدْ قَالَ الْمُغِيرَةُ فِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ لِمُعَيَّنٍ وَغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ الشَّاهِدُ أَنَّ فُلَانًا حَبَسَ عَلَى فُلَانٍ وَعَلَى عَقِبِهِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَحِقُّ الْحَقُّ لَهُ وَلِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ عَدَدَ الشُّهُودِ وَجِنْسَهُمْ يَتَرَتَّبُ عَلَى مَرَاتِبِ الْحُقُوقِ وَذَلِكَ عَلَى سِتَّةِ أَضْرُبٍ فَيَثْبُتُ الزِّنَى بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وَقَوْلُهُ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] .
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ فَرَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ لَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ إلَّا سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا أَرْبَعَةٌ عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إذَا شَهِدَ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ فَإِنْ تَفَرَّقُوا جَازَ أَنْ يَنْقُلَ شَهَادَةَ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ حَتَّى يَصِيرُوا ثَمَانِيَةً وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ وَقِيلَ لَا يَكْفِي إلَّا الْأَرْبَعَةُ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَتَانِ
стр. 1549
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ حُدَّا وَجْهُ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الزِّنَا مُغَلَّظَةٌ بِالْعَدَدِ وَاخْتُصَّتْ بِذَلِكَ فَلِذَلِكَ اخْتَصَّتْ بِأَنْ لَا تُنْقَلَ عَنْ شَاهِدٍ لَا مَنْ لَا يَنْقُلُ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَغَلَّظُ نَقْلُهَا مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ إلَّا بِهَذَا الْوَجْهِ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا قَطَعَ اللُّصُوصُ عَلَى رُفْقَةٍ فَشَهِدَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا قَوْمٌ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ الْمُغِيرَةِ وَابْنِ دِينَارٍ لَا يَجُوزُ مِنْهُمْ أَقَلُّ مِنْ شَهَادَةِ أَرْبَعٍ فِي الْقَطْعِ وَأَمْوَالِ الرُّفْقَةِ غَيْرَ الَّذِينَ شَهِدُوا وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ جَائِزَةٌ فِي الْقَطْعِ وَفِي أَمْوَالِهِمْ وَأَمْوَالِ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فِي الْمَالِ لَمْ يَجُزْ فِي الْقَطْعِ، وَقَالَهُ مَالِكٌ وَلَا يُقْبَلُ بَعْضٌ وَيُتْرَكُ بَعْضٌ، وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ تَجُوزُ شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ مِنْهُمْ فِي الْقَطْعِ وَفِي أَمْوَالِ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فِي الْمَالِ لَمْ يَجُزْ فِي الْقَطْعِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ وَأَمْوَالُ الرُّفْقَةِ دُونَ أَمْوَالِهِمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَسِيرًا فَيَجُوزُ ذَلِكَ لَهُمْ وَيَغْرَمُ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ كَثُرَ مَالُهُمَا لَمْ يَجُزْ فِي الْقَطْعِ لِمَالِهِمَا وَلَا لِغَيْرِهِمَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فَشَاهِدَانِ مِنْ الرِّجَالِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالرُّشْدِ وَالسَّفَهِ وَقَتْلِ الْعَمْدِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَكِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ أَنَّهُ أَشْهَدَهُمَا بِمَا فِيهِ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ سَحْنُونٍ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْأَبْدَانِ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا تَرْشِيدُ السَّفِيهِ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ لَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ فَاشِيًّا وَيَجُوزُ إفْشَاءُ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي شَهَادَتِهِنَّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ إنْفَاذَ الرَّجُلَيْنِ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنْ حَالِهِ يَبْعُدُ وَيَتَرَتَّبُ مَعَ كَوْنِهِ مُتَصَرِّفًا بَيْنَ النَّاسِ وَلَا سِيَّمَا أَهْلُ الثِّقَةِ وَالصَّلَاحِ فَإِنَّ الرَّشِيدَ يُقْصَدُ بِمُجَالَسَتِهِ وَمُدَاخَلَتِهِ، وَلَوْ قَلَّ ذَلِكَ لَعَرَفَ النِّسَاءُ مِنْ جِيرَانِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَمَنْ يُدَاخِلُهُمْ فَإِذَا فَشَا ذَلِكَ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَ أَحَدٍ غَيْرَ الرَّجُلَيْنِ مَعَ مَا يَلْزَمُ مِنْ ظُهُورِ ذَلِكَ وَفُشُوِّهِ لَمْ تَصِحَّ الشَّهَادَةُ وَقَوْلُهُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ ظَاهِرُهُ عِنْدِي جَوَازُ شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْفُشُوِّ وَالظُّهُورِ وَذَلِكَ بِأَنْ تَجُوزَ مِنْهُنَّ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ فِي رَجُلٍ فِي تَرْشِيدِهِ الْمُوجِبِ لِرَفْعِ مَالِهِ لَمَّا كَانَ مَقْصُودًا لِشَهَادَةِ الْمَالِ كَشَهَادَتِهِنَّ مَعَ رَجُلٍ فِي الْوَكَالَةِ وَعَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ فِي الْمَالِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْعُقُودِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْأَمْوَالِ، فَأَمَّا الْعُقُودُ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِالْأَمْوَالِ وَلَكِنْ مَقْصُودُهَا الْمَالُ كَالْوَكَالَةِ عَلَى الْمَالِ وَالْوَصِيَّةِ بِالنَّظَرِ فِيهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ.
وَقَالَ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ يَجُوزُ نَقْلُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ قَالَ أَصْبَغُ مَعْنَاهُ عِنْدِي فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ مَالِكٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَائِنَا فِي الْوَكَالَةِ وَلَا نَقْلِ الشَّهَادَةِ وَلَا فِي إسْنَادِ الْوَصَايَا وَلَا أُجِيزُهَا وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ مَقْصُودُهَا الْمَالُ كَالْبَيْعِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ سَحْنُونٌ مِنْ أَنِّي لَوْ أَجَزْت شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ وَرَجُلٍ فِي الْوَكَالَةِ لَأَجَزْت فِيهَا مِثْلَ هَذَا وَيَمِينًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالضَّرْبُ الْخَامِسُ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ كَالْوِلَادَةِ وَالْحَمْلِ وَالْحَيْضِ وَعُيُوبِ الْفَرْجِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَالرَّضَاعِ فَإِذَا شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ عَلَى اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا جَائِزَةٌ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا إنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى ذَلِكَ إذَا بَقِيَ بَدَنُ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشْهَدَ الرِّجَالُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ مَيِّتًا؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ لَا يَفُوتُ وَالِاسْتِهْلَالَ يَفُوتُ، وَأَمَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمَوْلُودَ ذَكَرٌ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ
стр. 1550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مَا أَرَاهُ إلَّا وَسَيَكُونُ مَعَ شَهَادَتِهِمَا يَمِينٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا عَلَى مَا قَالَ أَصْبَغُ عَنْهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَجُوزَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ نَسَبًا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مَالًا وَيُورَثُ بِأَدْنَى الْمَنْزِلَتَيْنِ إلَّا أَنْ يُخَافَ أَنْ لَا يَبْقَى إلَى أَنْ يَحْضُرَهُ الرِّجَالُ فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا فِيهِ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ شَهَادَتُهُمَا لَا تَجُوزُ فِي أَنَّهُ ذَكَرٌ وَأَخَذَ بِهِ أَشْهَبُ قَالَ سَحْنُونٌ الْقَوْلُ قَوْلُ أَشْهَبَ؛ لِأَنَّ الْجَسَدَ لَا يَفُوتُ وَالِاسْتِهْلَالَ يَفُوتُ قَالَ سَحْنُونٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْوِلَادَةُ بِمَوْضِعٍ لَا رِجَالَ فِيهِ وَيُخَافُ عَلَى الْجَسَدِ إنْ أُخِّرَ دَفْنُهُ فَتَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ حِينَئِذٍ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ.
١ -
(فَرْعٌ) إذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ عَلَى اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ وَذَلِكَ لِارْتِفَاعِ الضَّرُورَةِ بِحُضُورِ الرِّجَالِ فَتَسْقُطُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ وَلَا تَتِمُّ الشَّهَادَةُ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَقَدْ سَمِعْت مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُجِيزُ ذَلِكَ وَرَآهُ أَقْوَى مِنْ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَيَلْحَقُ بِهَذَا فَصْلٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ أَوْ مِنْ بَابِ الْفَتْوَى وَالْخَبَرِ كَالْقَائِفِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ سَحْنُونٍ لَا يُقْضَى بِقَائِفٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ نَسَبٌ وَيُكْتَبُ إلَى الْبُلْدَانِ وَيُنْتَظَرُ أَبَدًا حَتَّى يُضَمَّ إلَيْهِ آخَرُ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ شَهَادَةَ الْقَائِفِ الْوَاحِدِ مَقْبُولَةٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ لَمْ يَقْبَلْ فِيهِ إلَّا قَوْلَ اثْنَيْنِ مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا بِالنَّسَبِ وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْفَتْوَى وَالْخَبَرِ قَبِلَ فِيهِ قَوْلَ وَاحِدٍ وَيَلْزَمُ عِنْدِي عَلَى هَذَا أَنْ يُقْبَلَ فِيهِ قَوْلُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ إذَا سَأَلَهُ الْحَاكِمُ الْحُكْمَ عَنْ عِلْمِهِ لِذَلِكَ، وَمِنْ ذَلِكَ التَّرْجَمَةُ لِقَوْلِ الْخَصْمِ إذَا لَمْ يَفْهَمْهُ الْحَاكِمُ أَوْ لَمْ يَفْهَمْ أَحَدُهُمَا فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يُجْزِئُ الْوَاحِدُ الْعَدْلُ وَالِاثْنَانِ أَحَبُّ إلَيَّ وَالْمَرْأَةُ الْعِدْلَةُ تُجْزِئُهُ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ مِمَّا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ.
قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ لَا تُقْبَلُ تَرْجَمَةُ النِّسَاءِ وَلَا تَرْجَمَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَهَذَا يَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَمْرِ الْقَائِفِ، غَيْرَ أَنَّ اشْتِرَاطَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٍ فِي قَبُولِ التَّرْجَمَةِ مِنْ النِّسَاءِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيهِ نَظَرٌ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَبَّرَ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ، وَقَدْ قُبِلَ فِيهِ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ وَالْمَرْأَةُ فَإِنَّمَا هُوَ تَجَوُّزٌ فِي عِبَارَةٍ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ لَا تُقْبَلُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، وَإِذَا كَانَ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ وَالْفَتْوَى فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ فِيهِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ الْعَدَالَةُ كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُفْتِي وَالرَّاوِي لِلْحَدِيثِ، وَأَمَّا عُيُوبُ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ يَأْمُرُ الْحَاكِمُ مَنْ يَثِقُ بِنَظَرِهِ وَعِلْمِهِ بِالْعَيْبِ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ، وَيَأْخُذُ فِيهِ بِخَبَرِهِ وَحْدَهُ وَبِقَوْلِ الطَّبِيبِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْلِمٍ إذْ لَيْسَ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ وَلَكِنَّهُ عِلْمٌ يُؤْخَذُ مِمَّنْ يُبْصِرُهُ مِنْ مَرْضِيٍّ أَوْ غَيْرِ مَرْضِيٍّ وَهَذَا مَا كَانَ الْمُخْتَبَرُ حَاضِرًا، فَإِنْ غَابَ أَوْ مَاتَ انْتَقَلَ إلَى بَابِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فَقَالَ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ قَالَ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ قُبِلَ فِيهِ خَبَرُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ غَابَتْ الْأَمَةُ أَوْ مَاتَتْ لَمْ يُقْبَلْ فِي ذَلِكَ إلَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالضَّرْبُ السَّادِسُ مَا لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَالَةُ وَهُوَ شَهَادَةُ أَهْلِ الرُّفْقَةِ بِالتَّوَسُّمِ وَشَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِيمَا لَا يَحْضُرُهُ غَيْرُهُمْ غَالِبًا مِنْ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يَحْضُرُهَا الرِّجَالُ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِي ذَلِكَ وَاعْتَبَرَهَا بِشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ سَقَطَ وَأُحْلِفَ الْمَطْلُوبُ، يُرِيدُ أَنَّ الْيَمِينَ تَنْتَقِلُ مِنْ جَنْبَةِ مَنْ لَهُ أَوَّلًا لِنُكُولِهِ عَنْهَا إلَى جَنْبَتِهِ الْأُخْرَى فَإِنْ ثَبَتَ أَوَّلًا فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعِي لِقُوَّتِهَا بِشَاهِدٍ يَشْهَدُ لَهُ فَنَكَلَ عَنْهُ انْتَقَلَتْ إلَى جَنْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ ثَبَتَتْ أَوَّلًا فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَنَكَلَ انْتَقَلَتْ إلَى جَنْبَةِ الْمُدَّعِي
стр. 1551
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً وَلَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ وَلَا فِي نِكَاحٍ وَلَا فِي طَلَاقٍ وَلَا فِي عَتَاقَةٍ وَلَا فِي سَرِقَةٍ وَلَا فِي فِرْيَةٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِنَّ الْعَتَاقَةَ مِنْ الْأَمْوَالِ فَقَدْ أَخْطَأَ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ لَحَلَفَ الْعَبْدُ مَعَ شَاهِدِهِ إذَا جَاءَ بِشَاهِدٍ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ وَأَنَّ الْعَبْدَ إذَا جَاءَ بِشَاهِدٍ عَلَى مَالٍ مِنْ الْأَمْوَالِ ادَّعَاهُ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ كَمَا يَحْلِفُ الْحُرُّ)
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَ عَنْهُ الْحَقُّ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَقُّ لِصَاحِبِهِ يُرِيدُ أَنَّ الْيَمِينَ إذَا انْتَقَلَتْ إلَى جَنْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَ نَكَلَ الْمُدَّعِي عَنْ الْيَمِينِ مَعَ شَاهِدِهِ فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ حَلَفَ سَقَطَتْ عَنْهُ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ إنَّمَا هِيَ لِذَلِكَ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ جَنْبَتَهُ تَضْعُفُ حِينَئِذٍ بِنُكُولِهِ فَلَا يَنْتَقِلُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ إلَى إثْبَاتِ الْحَقِّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُحْكَمُ بِنُكُولِهِ مَعَ شَاهِدِ الدَّعْوَى، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ النُّكُولَ بِسَبَبٍ مُؤَثِّرٍ فِي الْحُكْمِ فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى بِهِ مَعَ الشَّاهِدِ كَيَمِينِ الْمُدَّعِي، وَمَعْنَى تَأْثِيرِهِ أَنَّ الْيَمِينَ تَنْتَقِلُ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى جَنْبَةِ الْمُدَّعِي فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَنْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ الْيَمِينُ مِنْ خَصْمِهِ فَنَكَلَ عَنْهَا وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ كَاَللَّذَيْنِ لَا بَيِّنَةَ بَيْنَهُمَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ نَكَلَ مَنْ شَهِدَ لَهُ الشَّاهِدُ بِحَقٍّ فَرُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَحَلَفَ ثُمَّ وَجَدَ الطَّالِبُ شَاهِدًا آخَرَ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهُ لَا يُضَمُّ لَهُ إلَى الْأَوَّلِ وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُضَمُّ لَهُ إلَى الْأَوَّلِ وَيُقْضَى لَهُ بِهِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ هَذَا وَهْمٌ، وَقَدْ كَانَ يَقُولُ لَا يُضَمُّ إلَى الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمَرْأَةِ تُقِيمُ شَاهِدًا عَلَى طَلَاقٍ فَيَحْلِفُ الزَّوْجُ ثُمَّ تَجِدُ شَاهِدًا آخَرَ أَنَّهُ لَا يُضَمُّ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا نُكُولٌ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَقَالَ أَصْبَغُ بِقَوْلِ مَالِكٍ يُضَافُ لَهُ الشَّاهِدُ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ فِي الْحُقُوقِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُقِمْ شَاهِدًا فَيَحْلِفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ يُصِيبَ الطَّالِبُ بَيِّنَتَهُ أَنَّهُ يَقُومُ بِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا أَصْبَغُ وَالْخِلَافُ فِيهَا كَالْخِلَافِ فِي هَذِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا لَا يُضَمُّ الشَّاهِدُ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ يُؤْتَنَفُ لَهُ الْحُكْمُ فَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ لَا يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ حَقَّهُ بِالنُّكُولِ وَنَحْوِهِ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِذَا قُلْنَا يَحْلِفُ فَنَكَلَ ثَانِيَةً فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ تُرَدُّ الْيَمِينُ ثَانِيَةً عَلَى الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ الْأَوَّلَ إنَّمَا سَقَطَ بِهَا شَهَادَةُ الشَّاهِدِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ ابْنُ مُيَسَّرٍ لَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمَطْلُوبِ ثَانِيَةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَلَفَ عَلَى الْحَقِّ مَرَّةً.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ شَهَادَةٌ قُبِلَتْ فِي الشَّرْعِ مَعَ شَهَادَةِ رَجُلٍ فَجَازَ أَنْ يُقْضَى بِهَا مَعَ الْيَمِينِ.
(ش) : قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْمَالِ الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ بِمَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْأَمْوَالِ الْجَسِيمَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالْحَائِطِ وَالرَّقِيقِ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ وَفِي الْغَصْبِ وَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ مِمَّا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ وَمَا لَا تَحْمِلُهُ وَفِي إبْرَاءِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَمُصَالَحَتِهِ وَقَبْضِهِ وَفِي التَّبَرِّي مِنْ عَيْبِ الرَّقِيقِ وَإِقْرَارِ مَنْ يَشْهَدُ بِهِ شَاهِدَانِ بِمَالٍ أَنَّهُمَا شَهِدَا بِبَاطِلٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ بَاشَرَتْ الْمَالَ وَالْعُقُودَ الْمُخْتَصَّةَ بِالْمَالِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ تَعَلَّقَتْ الشَّهَادَةُ بِالْعُقُودِ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِالْمَالِ وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْمَالُ كَالشَّهَادَةِ عَلَى حُكْمِ قَاضٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا يَثْبُتُ كِتَابُ قَاضٍ إلَى قَاضٍ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَإِنْ كَانَ فِي مَالٍ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَثْبُتُ لَهُ الْقَضَاءُ وَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ لَا تَخْتَصُّ بِالْمَالِ وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْمَالُ كَالشَّهَادَةِ عَلَى النِّكَاحِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ مَقْصُودُهَا الْمَالُ فَأَشْبَهَتْ الْبَيْعَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْجِرَاحُ فَقَدْ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ
стр. 1552
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
شُيُوخِنَا فِيهَا فَفِي الْمَجْمُوعَةِ وَغَيْرِهَا إطْلَاقُ قَوْلِهِمْ لَا يَجُوزُ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ إلَّا حَيْثُ تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ أَصْلُنَا أَنَّ كُلَّ مَا جَازَ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ جَازَتْ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَكُلُّ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ لَمْ تَجُزْ فِيهِ شَهَادَةُ وَيَمِينُ النِّسَاءِ وَتَقَدَّمَ مِنْ الْقَوْلِ أَنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ إنَّمَا يَجُوزُ فِي الْمَالِ.
وَقَدْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبُ تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي خَطَأِ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحَاتِ قَالَ أَشْهَبُ وَفِي الْعَمْدِ الَّذِي لَا قَوَدَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ حَلَفَ الْمَجْرُوحُ وَاسْتَحَقَّ دِيَةَ جُرْحِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ إنَّمَا يَجِبُ بِهَا الْمَالُ وَبِهِ فَثَبَتَتْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ كَالشَّهَادَةِ بِالْبَيْعِ وَاخْتُلِفَ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ فَرَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ، وَرَوَى فِي الْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابِ ابْنِهِ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ يَجُوزُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ لَا يَجِبُ بِهَا مَالٌ وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَمْ تَثْبُتْ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ كَالشَّهَادَةِ بِقَتْلِ الْعَمْدِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا حَقُّ الْآدَمِيِّ لَا يَتَعَلَّقُ بِتَفْوِيتِ نَفْسٍ وَلَا مِلْكِ مَنَافِعِهَا فَأَثْبَتَتْ الشَّهَادَةَ بِالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا تَجُوزُ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْوَاضِحَةِ يَجُوزُ فِيمَا صَغُرَ مِنْهَا كَالْمُوضِحَةِ وَالْأُصْبُعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْمَنُ عَلَى النَّفْسِ وَلَا يَجُوزُ فِيمَا يُخَافُ مِنْهُ تَلَفُ النَّفْسِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابِ ابْنِهِ اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ.
قَالَ وَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلَا يُعْجِبُنِي وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ أَنَّ الشَّهَادَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِمَا يَثْبُتُ بِهَا وَوَجَدْنَا التَّغْلِيظَ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ جِهَتَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ وَلَهُ أَقَلُّ وَأَكْثَرُ وَمِنْ جِهَةِ الذُّكُورَةِ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ الزِّنَا يَتَعَلَّقُ بِهِ سَفْكُ الدَّمِ وَإِتْلَافُ حُرْمَةِ الْعِرْضِ وَتَدْخُلُ بِهِ الْمَعَرَّةُ عَلَى الْأَهْلِ وَالْقَرَابَةِ تَغَلَّظَ بِالْوَجْهَيْنِ بِأَكْثَرِ الْعَدَدِ وَالذُّكُورَةِ، وَلَمَّا كَانَ قَتْلُ الْعَمْدِ يَتَعَلَّقُ بِهِ سَفْكُ الدَّمِ خَاصَّةً تَعَلَّقَ بِأَقَلَّ الْعَدَدَيْنِ وَالذُّكُورَةِ، وَلَمَّا كَانَتْ الْأَمْوَالُ أَقَلَّهَا رُتْبَةً لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذُكُورَةٍ وَلَا عَدَدٍ فَثَبَتَ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَبِالْيَمِينِ مَعَ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَوَجَدْنَا الْجِرَاحَ تُنَوَّعُ نَوْعَيْنِ فَمِنْهَا مَا يَصْغُرُ وَيَقِلُّ خَطَرُهُ وَيُؤْمَنُ تَعَدِّيهِ إلَى النَّفْسِ غَالِبًا فَلَمْ يَدْخُلْهُ التَّغْلِيظُ وَثَبَتَ بِمَا تَثْبُتُ بِهِ الْأَمْوَالُ وَمِنْهَا مَا عَظُمَ وَعَظُمَ خَطَرُهُ وَيُخَافُ تَعَدِّيهِ إلَى النَّفْسِ فَدَخَلَهُ التَّغْلِيظُ الَّذِي حَصَلَ فِي الْقَتْلِ لِمَا يُخَافُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا إلَيْهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِمَا دُونَ النَّفْسِ شَهَادَةٌ بِجِرَاحٍ لَا تَتَنَاوَلُ النَّفْسَ وَلَا سَفْكَ الدَّمِ فَتَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَبِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَيَمِينٍ أَصْلُ ذَلِكَ مَا صَغُرَ مِنْ الْجِرَاحِ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَرَى الِاحْتِيَاطَ فِي إثْبَاتِ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ بِالشَّاهِدَيْنِ وَالْيَمِينِ كَمَا يَرَى ذَلِكَ فِي إثْبَاتِهَا بِشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ، وَإِنَّمَا تَغْلُظُ النَّفْسُ بِعَدَدِ الْأَيْمَانِ وَالْحَالِفِينَ، وَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ الْعَدَالَةُ وَالذُّكُورَةُ فِي الشَّاهِدِ بِالْقَتْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً دُونَ الْحُدُودِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْفِدْيَةِ يُرِيدُ أَنَّ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ يُحْكَمُ بِهَا فِي الْأَمْوَالِ وَلَا يُحْكَمُ بِهَا فِي الْمَعَانِي الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا مِنْ الْحُدُودِ وَالسَّرِقَةِ وَالْفِدْيَةِ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ وَالشُّرْبِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالْعَتَاقُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقْضَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْحُدُودِ وَلِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهِ الْقَضَاءُ بِالْيَمِينِ مَعَ شَهَادَةِ الْمُسْتَحِقِّ، وَأَمَّا النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ فَإِنَّهَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا تَعَلَّقَ بِهَا مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ كَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ فَهُوَ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ وَلَا يَثْبُتُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ هِلَالُ صَوْمٍ وَلَا فِطْرٍ وَلَا حَجٍّ لِمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْفِرْيَةُ وَهِيَ الْقَذْفُ بِالزِّنَا لَا تَثْبُتُ عَلَى الْقَاذِفِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُ يَحْلِفُ لَهُ مَا قَذَفَهُ فَإِنْ نَكَلَ سُجِنَ لَهُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ، وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ طَالَ سَجْنُهُ خُلِّيَ سَبِيلُهُ وَلَا ضَرْبَ عَلَيْهِ
стр. 1553
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ يَأْتِي فِي حُكْمِ الشَّاهِدِ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّ فُلَانًا شَتَمَهُ قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا يُقْضَى فِي هَذَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَلَكِنْ إنْ كَانَ الشَّاتِمُ يُعْرَفُ بِالسَّفَهِ وَالْفُحْشِ عُزِّرَ قِيلَ أَفَهَلْ الشَّاتِمُ يُمَسُّ؟ قَالَ نَعَمْ وَعَسَى بِهِ أَنْ أَرَاهُ وَلَيْسَ كُلُّ مَا رَأَى الْمَرْءُ أَنْ يُؤَجِّلُوهُ سُنَّةً، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْمُشَاتَمَةِ دُونَ الْحُدُودِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَقٌّ يُسْتَوْفَى مِنْهُ لَا يُوجِبُ حُرْمَةً وَهُوَ حَقُّ الْآدَمِيِّ فَثَبَتَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ كَالْمَالِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ سَرَقَ لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ وَيَحْلِفُ صَاحِبُ الْمَتَاعِ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ رَدَّ مَا سَرَقَ، وَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ أَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا لَمْ يُحَدَّ، وَأَمَّا النِّكَاحُ فَإِنْ شَهِدَ بِعَقْدِ نِكَاحٍ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ وَلَا يَجِبُ الْيَمِينُ بِهِ عَلَى مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ النِّكَاحُ، وَلَوْ ثَبَتَ النِّكَاحُ وَجُهِلَ الصَّدَاقُ ثَبَتَ قَدْرُ الصَّدَاقِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ فِي مَالٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ فَإِنْ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا وَالْأَمَةُ عَلَى سَيِّدِهَا فَلَا يَمِينَ عَلَى السَّيِّدِ وَلَا الزَّوْجِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا إلَّا مُكْرَهَةً قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْأَمَةُ كَذَلِكَ، وَإِنْ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَفْتَدِيَ الزَّوْجَةُ بِجَمِيعِ مَالِهَا تَفْعَلُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا تَعْتَقِدُ الزِّنَا فِي وَطْئِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهَا ذَلِكَ إلَّا بِالْإِكْرَاهِ الَّذِي لَا تَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ، وَإِذَا أَمْكَنَهَا أَنْ تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِجَمِيعِ مَا تَمْلِكُ لَزِمَهَا ذَلِكَ كَاَلَّتِي تَكُونُ عَلَى الزِّنَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يَحْلِفُ الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ إنْ أَنْكَرَ فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِنْ الطَّلَاقِ وَلَا الْعِتْقِ فَإِنْ نَكَلَ فَفِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ تَطْلُقُ الزَّوْجَةُ وَيَعْتِقُ الْعَبْدُ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا قَالَ أَشْهَبُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ يُحْبَسُ وَهُوَ الَّذِي يَخْتَارُهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَزِمَتْهُ يَمِينٌ فَإِنَّ نُكُولَهُ لَا يُوجِبُ رَدَّهَا فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي إلْزَامِهَا إذَا كَانَ الِامْتِنَاعُ مِنْهَا يُبْطِلُ حُكْمَهَا وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ هَذَا نَكَلَ عَنْ يَمِينٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لِإِبْطَالِ شَهَادَةِ شَاهِدٍ فَوَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِمَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ كَمَا لَوْ رُدَّتْ عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَالِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ بِأَنَّى لَوْ حَكَمْت عَلَيْهِ لَحَكَمْت بِشَاهِدٍ بِغَيْرِ يَمِينٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَقَلَّ حَالًا مِنْ الْمَالِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الشَّاهِدَ لَيْسَ مِمَّنْ يَجِبُ أَنْ يَنْفُذَ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ مَا شَهِدَ بِهِ بِوَجْهٍ لَوْ اقْتَرَنَتْ شَهَادَتُهُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي فَالْيَمِينُ يُوجِبُ شَهَادَتَهُ بِمَنْزِلَةِ الْيَمِينِ الَّتِي تُوجِبُهَا الدَّعْوَى فِي الْأَمْوَالِ وَلَيْسَتْ بِمَنْقُولَةٍ إلَيْهِ عَنْ جَنْبَةِ مَنْ كَانَ يُحْكَمُ لَهُ بِيَمِينِهِ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلِاسْتِظْهَارِ، وَإِذَا نَكَلَ عَنْهَا لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِهَا عَنْ مَالِكٍ لَهُ إنْ نَكَلَ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ نَكَلَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النُّكُولَ يُضْعِفُ جَنْبَتَهُ وَيُقَوِّي دَعْوَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الطَّلَاقَ فَإِذَا نَكَلَ فَقَدْ أَقَرَّ مِنْ ضَعْفِ جَنْبَتِهِ بِمَا يُوجِبُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يُحْبَسُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُحْبَسُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفُوا وَاخْتَارَهُ سَحْنُونٌ وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُحْبَسُ حَتَّى يُطَوَّلَ عَلَيْهِ وَتَطْلُقُ وَالطَّوْلُ سَنَةٌ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إنَّمَا سُجِنَ لِيَحْلِفَ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ السِّجْنِ إلَّا بِمَا حُبِسَ لِأَجْلِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ السِّجْنَ إنَّمَا هُوَ عُقُوبَةٌ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ الْيَمِينِ وَلِاخْتِبَارِ حَالِهِ وَالسَّنَةُ مُدَّةٌ فِي الشَّرْعِ لَمَعَانٍ مِنْ الِاخْتِبَارِ كَالْعُنَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ يُسْجَنُ وَيُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ فَإِذَا انْقَضَى طُلِّقَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ هَذَا الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ فِي نَوَادِرِهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَاَلَّذِي فِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيْنٍ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى رُوِيَ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ خَالِدٍ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَطَالَ سَجْنَهُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ ضُرِبَ لَهُ الْأَجَلُ فَإِنْ حَلَفَ عِنْدَ انْقِضَائِهِ خُلِّيَ سَبِيلُهُ وَرُدَّتْ إلَيْهِ الْمَرْأَةُ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ طَلُقَتْ عَلَيْهِ بِالْإِيلَاءِ قَالَ يَحْيَى.
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ قَاضِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِثْلَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْوَطْءِ بِمَعْنَى حُرْمَتِهِ عَلَيْهِ فَضُرِبَ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ كَاَلَّذِي يَحْلِفُ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ لَيَفْعَلَنَّ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْإِيلَاءُ مِنْ يَوْمِ رَفَعَتْهُ زَوْجَتُهُ وَيَحْكُمُ بِهِ
стр. 1554
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الْعَبْدَ إذَا جَاءَ بِشَاهِدٍ عَلَى عَتَاقَتِهِ اُسْتُحْلِفَ سَيِّدُهُ مَا أَعْتَقَهُ وَبَطَلَ ذَلِكَ عَنْهُ قَالَ مَالِكٌ، وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَيْضًا فِي الطَّلَاقِ إذَا جَاءَتْ الْمَرْأَةُ بِشَاهِدٍ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا أُحْلِفَ زَوْجُهَا مَا طَلَّقَهَا فَإِذَا حَلَفَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ قَالَ مَالِكٌ فَسُنَّةُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقَةِ فِي الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَاحِدَةٌ إنَّمَا يَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى زَوْجِ الْمَرْأَةِ وَعَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا الْعَتَاقَةُ حَدٌّ مِنْ الْحُدُودِ لَا تَجُوزُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَتَقَ الْعَبْدُ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ وَوَقَعَتْ لَهُ الْحُدُودُ وَوَقَعَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ زَنَى، وَقَدْ أَحْصَنَ رُجِمَ، وَإِنْ قَتَلَ قُتِلَ بِهِ وَثَبَتَ لَهُ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يُوَارِثُهُ.
فَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ فَقَالَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَجَاءَ رَجُلٌ يَطْلُبُ سَيِّدَ الْعَبْدِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ فَشَهِدَ لَهُ عَلَى حَقِّهِ ذَلِكَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُثْبِتُ الْحَقَّ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ حَتَّى تُرَدَّ بِهِ عَتَاقَتُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ مَالٌ غَيْرُ الْعَبْدِ يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ بِذَلِكَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي الْعَتَاقَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى مَا قَالَ، وَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ يُعْتِقُ عَبْدَهُ ثُمَّ يَأْتِي طَالِبُ الْحَقِّ عَلَى سَيِّدِهِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ فَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ ثُمَّ يَسْتَحِقُّ حَقَّهُ وَتُرَدُّ بِذَلِكَ عَتَاقَةُ الْعَبْدِ، أَوْ يَأْتِي الرَّجُلُ قَدْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِ الْعَبْدِ مُخَالَطَةٌ وَمُلَابَسَةٌ فَيَزْعُمُ أَنَّ لَهُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ مَالًا فَيُقَالُ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ احْلِفْ مَا عَلَيْك مَا ادَّعَى فَإِنْ نَكَلَ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ حَلَفَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَثَبَتَ حَقُّهُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ فَيَكُونُ ذَلِكَ يَرُدُّ عَتَاقَةَ الْعَبْدِ إذَا ثَبَتَ الْمَالُ عَلَى سَيِّدِهِ.
قَالَ وَكَذَلِكَ أَيْضًا الرَّجُلُ
ــ
[المنتقى]
عَلَيْهِ الْحَاكِمُ وَهَذَا أَشَدُّ مِنْ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ، وَقَدْ شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ شَاهِدٌ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إنَّ الْعَتَاقَةَ مِنْ الْأَمْوَالِ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا قَالَ يَحْلِفُ الْعَبْدُ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى عِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ مَعَ شَاهِدِهِ فِي الْمَالِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى بَيَانِ مَعْنَى قَوْلِنَا الشَّهَادَةُ عَلَى الْأَمْوَالِ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْمَالِ هِيَ الشَّهَادَةُ بِطَلَبِ مَالٍ يَخْرُجُ مِنْ مُتَمَوَّلٍ لَهُ إلَى مُتَمَوَّلٍ آخَرَ وَلَيْسَ هَذَا حُكْمُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْعَتَاقَةِ؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ بِالْعَتَاقَةِ لَا تَخْرُجُ إلَى مُتَمَلِّكٍ وَذَلِكَ مِثْلُ الْمَالِ يَطْلُبُهُ الرَّجُلُ مِنْ الْآخَرِ فَيَشْهَدُ لَهُ بِشَاهِدٍ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ دَيْنًا مُعَلَّقًا بِذِمَّتِهِ أَوْ شَيْئًا مُعَيَّنًا مِمَّا يُتَمَلَّكُ وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُبَاشِرَ الشَّهَادَةَ مَالًا فَيُؤَدِّي إلَى عِتْقٍ أَوْ إلَى نَقْضِهِ أَوْ إلَى طَلَاقِ زَوْجِهِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ أَوْ تَكُونُ الشَّهَادَةُ تَجُرُّ إلَى الْمَالِ لَا يُحْكَمُ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ بَاشَرَتْ مَعْنًى آخَرَ مِثْلَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْحُرِّ يَجْرَحُ الْعَبْدِ فَيَحْلِفُ سَيِّدُهُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ الْأَرْشَ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ إذَا شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ عَلَى امْرَأَةٍ أَنَّهَا ضَرَبَتْ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ مُضْغَةً فَلْتَحْلِفْ مَعَهُمَا وَتَسْتَحِقَّ الْغُرَّةَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الضَّارِبَةِ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الَّذِي شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ أَنَّهُ وَارِثُ فُلَانٍ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِغَيْرِهِ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ قَالَ أَشْهَبُ وَذَلِكَ إذَا كَانَ نَسَبُهُ مِنْ الْمَيِّتِ ثَابِتًا وَيَكُونُ الشَّاهِدُ يَشْهَدُ أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُ فَيَحْلِفُ مَعَهُ وَيَرِثُ؛ لِأَنَّهُ شَهِدَ عَلَى مَالٍ، وَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ يَثْبُتُ لِلْأَقْعَدِ مِنْ أَهْلِ الْوَلَاءِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ إذَا ثَبَتَ الْوَلَاءُ لِمَنْ وَرِثُوهُ عَنْهُ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّهُ وَارِثُ فُلَانٍ أَوْ مَوْلَاهُ لَا يُعْلَمُ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُ قَالَ مَالِكٌ يُسْتَأْنَى بِالْمَالِ حَتَّى يُؤْيَسَ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدٌ بِأَثْبَتَ مِنْ ذَلِكَ فَيَحْلِفُ مَعَهُ وَيُقْضَى لَهُ بِالْمَالِ وَلَا نَسَبَ لَهُ يَثْبُتُ فَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنَّ الْعَبْدَ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ فِي الْمَالِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَحْلِفُ فِي قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ إنَّهُ يَحْلِفُ كَمَا يَحْلِفُ الْحُرُّ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَمْلِكُ كَمَا يَمْلِكُ الْحُرُّ فَوَجَبَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ لِيَصِلَ إلَى اسْتِحْقَاقِ مِلْكِهِ كَالْحُرِّ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الْعَبْدَ إذَا جَاءَ بِشَاهِدٍ عَلَى عَتَاقَتِهِ اُسْتُحْلِفَ سَيِّدُهُ مَا أَعْتَقَهُ وَبَطَلَ ذَلِكَ عَنْهُ قَالَ مَالِكٌ، وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَيْضًا فِي الطَّلَاقِ إذَا جَاءَتْ الْمَرْأَةُ بِشَاهِدٍ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا أُحْلِفَ زَوْجُهَا مَا طَلَّقَهَا فَإِذَا حَلَفَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ قَالَ مَالِكٌ فَسُنَّةُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقَةِ فِي الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَاحِدَةٌ إنَّمَا يَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى زَوْجِ الْمَرْأَةِ وَعَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا الْعَتَاقَةُ حَدٌّ مِنْ الْحُدُودِ لَا تَجُوزُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَتَقَ الْعَبْدُ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ وَوَقَعَتْ لَهُ الْحُدُودُ وَوَقَعَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ زَنَى، وَقَدْ أَحْصَنَ رُجِمَ، وَإِنْ قَتَلَ قُتِلَ بِهِ وَثَبَتَ لَهُ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يُوَارِثُهُ.
فَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ فَقَالَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَجَاءَ رَجُلٌ يَطْلُبُ سَيِّدَ الْعَبْدِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ فَشَهِدَ لَهُ عَلَى حَقِّهِ ذَلِكَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُثْبِتُ الْحَقَّ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ حَتَّى تُرَدَّ بِهِ عَتَاقَتُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ مَالٌ غَيْرُ الْعَبْدِ يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ بِذَلِكَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي الْعَتَاقَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى مَا قَالَ، وَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ يُعْتِقُ عَبْدَهُ ثُمَّ يَأْتِي طَالِبُ الْحَقِّ عَلَى سَيِّدِهِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ فَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ ثُمَّ يَسْتَحِقُّ حَقَّهُ وَتُرَدُّ بِذَلِكَ عَتَاقَةُ الْعَبْدِ، أَوْ يَأْتِي الرَّجُلُ قَدْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِ الْعَبْدِ مُخَالَطَةٌ وَمُلَابَسَةٌ فَيَزْعُمُ أَنَّ لَهُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ مَالًا فَيُقَالُ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ احْلِفْ مَا عَلَيْك مَا ادَّعَى فَإِنْ نَكَلَ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ حَلَفَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَثَبَتَ حَقُّهُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ فَيَكُونُ ذَلِكَ يَرُدُّ عَتَاقَةَ الْعَبْدِ إذَا ثَبَتَ الْمَالُ عَلَى سَيِّدِهِ.
قَالَ وَكَذَلِكَ أَيْضًا الرَّجُلُ
стр. 1555
يَنْكِحُ الْأَمَةَ فَتَكُونُ امْرَأَتَهُ فَيَأْتِي سَيِّدُ الْأَمَةِ إلَى الرَّجُلِ الَّذِي تَزَوَّجَهَا فَيَقُولُ لَهُ ابْتَعْت مِنِّي جَارِيَتِي فُلَانَةَ أَنْتَ وَفُلَانٌ بِكَذَا وَكَذَا دِينَارًا فَيُنْكِرُ ذَلِكَ زَوْجُ الْأَمَةِ فَيَأْتِي سَيِّدُ الْأَمَةِ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَيَشْهَدَانِ عَلَى مَا قَالَ فَيَثْبُتُ لَهُ بَيْعُهُ وَيَحِقُّ حَقُّهُ وَتَحْرُمُ الْأَمَةُ عَلَى زَوْجِهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ فِرَاقًا بَيْنَهُمَا وَشَهَادَةُ النَّسَبِ لَا تَجُوزُ فِي الطَّلَاقِ قَالَ مَالِكٌ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الرَّجُلُ يَفْتَرِي عَلَى الرَّجُلِ الْحُرِّ فَيَقَعُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَيَأْتِي رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَيَشْهَدُونَ أَنَّ الَّذِي افْتَرَى عَلَيْهِ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ فَيَضَعُ ذَلِكَ الْحَدَّ عَنْ الْمُفْتَرِي بَعْدَ أَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ، وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ لَا تَجُوزُ فِي الْفِرْيَةِ قَالَ مَالِكٌ وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَفْتَرِقُ فِيهِ الْقَضَاءُ وَمَا مَضَى مِنْ السُّنَّةِ أَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ فَيَجِبُ بِذَلِكَ مِيرَاثُهُ حَتَّى يَرِثَ وَيَكُونُ مَالُهُ لِمَنْ يَرِثُهُ إنْ مَاتَ الصَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ شَهِدَتَا رَجُلٌ وَلَا يَمِينٌ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ الْعِظَامِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالرِّبَاعِ وَالْحَوَائِطِ وَالرَّقِيقِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَمْوَالِ، وَلَوْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ عَلَى دِرْهَمٍ وَاحِدٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ تَقْطَعْ شَهَادَتُهُمَا شَيْئًا وَلَمْ تَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا شَاهِدٌ أَوْ يَمِينٌ)
ــ
[المنتقى]
يَنْكِحُ الْأَمَةَ فَتَكُونُ امْرَأَتَهُ فَيَأْتِي سَيِّدُ الْأَمَةِ إلَى الرَّجُلِ الَّذِي تَزَوَّجَهَا فَيَقُولُ لَهُ ابْتَعْت مِنِّي جَارِيَتِي فُلَانَةَ أَنْتَ وَفُلَانٌ بِكَذَا وَكَذَا دِينَارًا فَيُنْكِرُ ذَلِكَ زَوْجُ الْأَمَةِ فَيَأْتِي سَيِّدُ الْأَمَةِ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَيَشْهَدَانِ عَلَى مَا قَالَ فَيَثْبُتُ لَهُ بَيْعُهُ وَيَحِقُّ حَقُّهُ وَتَحْرُمُ الْأَمَةُ عَلَى زَوْجِهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ فِرَاقًا بَيْنَهُمَا وَشَهَادَةُ النَّسَبِ لَا تَجُوزُ فِي الطَّلَاقِ قَالَ مَالِكٌ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الرَّجُلُ يَفْتَرِي عَلَى الرَّجُلِ الْحُرِّ فَيَقَعُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَيَأْتِي رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَيَشْهَدُونَ أَنَّ الَّذِي افْتَرَى عَلَيْهِ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ فَيَضَعُ ذَلِكَ الْحَدَّ عَنْ الْمُفْتَرِي بَعْدَ أَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ، وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ لَا تَجُوزُ فِي الْفِرْيَةِ قَالَ مَالِكٌ وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَفْتَرِقُ فِيهِ الْقَضَاءُ وَمَا مَضَى مِنْ السُّنَّةِ أَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ فَيَجِبُ بِذَلِكَ مِيرَاثُهُ حَتَّى يَرِثَ وَيَكُونُ مَالُهُ لِمَنْ يَرِثُهُ إنْ مَاتَ الصَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ شَهِدَتَا رَجُلٌ وَلَا يَمِينٌ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ الْعِظَامِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالرِّبَاعِ وَالْحَوَائِطِ وَالرَّقِيقِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَمْوَالِ، وَلَوْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ عَلَى دِرْهَمٍ وَاحِدٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ تَقْطَعْ شَهَادَتُهُمَا شَيْئًا وَلَمْ تَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا شَاهِدٌ أَوْ يَمِينٌ) .
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ الْعَبْدَ إذَا جَاءَ بِشَاهِدٍ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ حَلَفَ السَّيِّدُ وَبَطَلَ الْعِتْقُ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تَدَّعِي طَلَاقَ زَوْجِهَا يَحْلِفُ الزَّوْجُ وَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ فَإِنْ وَجَدَ الْعَبْدُ أَوْ الزَّوْجَةُ بَعْدَ الْيَمِينِ شَاهِدًا آخَرَ فَإِنَّهُ يُضَمُّ إلَى الشَّاهِدِ الْأَوَّلِ وَيُقْضَى بِهِمَا بِالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لِأَنَّهُ مُنِعَ أَوَّلًا مِنْ الْيَمِينِ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ نُكُولٌ يَسْقُطُ بِهِ الشَّاهِدُ كَالصَّغِيرِ يَقُومُ لَهُ شَاهِدٌ بِحَقٍّ فَيَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ يُوجَدُ لَهُ شَاهِدٌ آخَرُ بِذَلِكَ الْحَقِّ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ إذَا أَقَامَ شَاهِدًا بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ الْوَرَثَةَ يَحْلِفُونَ عَلَى الْعِلْمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُمْ إلَى الْقَطْعِ بِذَلِكَ كَسَائِرِ مَا يُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنَّ الْعَتَاقَةَ مِنْ الْحُدُودِ يُرِيدُ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ لَوْ اتَّفَقَ السَّيِّدُ وَالْعَبْدُ عَلَى إبْطَالِ الْعِتْقِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ذَلِكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّلَاقَ فَقَالَ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، وَقَالَ عَزَّ مَنْ قَائِلٌ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] فَوَصَفَ الطَّلَاقَ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ بِأَنَّهُ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ لَا تَجُوزُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ يُرِيدُ لَا يَنْفُذُ الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ فَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ لَمْ تَجُزْ فِي ذَلِكَ شَهَادَتُهُمْ بِمَعْنَى أَنْ يُحْكَمَ بِالطَّلَاقِ، وَلَوْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ عَلَى رَجُلٍ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَوْ عِتْقِ عَبْدِهِ وَجَبَتْ بِشَهَادَتِهِمَا عَلَى الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ الْيَمِينُ وَلَيْسَتْ هَاهُنَا شَهَادَةٌ عَلَى التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِمَا يَقْتَضِيهِ مِنْ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بِهَا الْيَمِينُ عَلَى الزَّوْجِ وَهِيَ تُشْبِهُ الشَّاهِدَ الْعَدْلَ فِي الْمُقَاسَمَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ إذَا عَتَقَ الْعَبْدُ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ وَوَقَعَتْ لَهُ الْحُدُودُ وَوَقَعَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ زَنَى وَقَدْ أُحْصِنَ رُجِمَ، وَإِنْ قَتَلَ قُتِلَ بِهِ وَتَثْبُتُ لَهُ الْمَوَارِيثُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ أَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حُرْمَةُ الْحُرِّيَّةِ فَتُكْمِلُ دِيَتُهُ دِيَةَ الْحُرِّ وَيَثْبُتُ الْقِصَاصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُرِّ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ وَمَنْ قَذَفَهُ مَعَ الْعِفَّةِ حُدَّ، وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ وَوَقَعَتْ لَهُ الْحُدُودُ أَنَّ مَنْ قَذَفَهُ حُدَّ لِقَذْفِهِ مَعَ الْعِفَّةِ وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ وَوَقَعَتْ الْحُدُودُ عَلَيْهِ وَتَتِمُّ لَهُ حُدُودُ الْحُرِّ فِي الْقَذْفِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَرَجْمٍ فِي الزِّنَا مَعَ الْإِحْصَانِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مَعَانٍ تَثْبُتُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ أَحْكَامِ الْحُرِّيَّةِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ، وَلِذَلِكَ اسْتَدَلَّ شُيُوخُنَا بِالْحُرِّيَّةِ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ لَا يُحْكَمُ بِهَا فِي الْعَتَاقَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَجَاءَ مَنْ يَطْلُبُهُ بِدَيْنٍ شَهِدَ لَهُ بِهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ثَبَتَ
стр. 1556
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْحَقُّ عَلَى السَّيِّدِ إنْ كَانَ مُعْسِرًا وَرَدَّ عِتْقَ الْعَبْدِ مُحْتَجًّا بِذَلِكَ لِإِجَازَةِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي الْعِتْقِ فَلَيْسَ عَلَى مَا قَالَ، وَقَدْ رَدَّ الْعِتْقُ هَذَا الْوَجْهَ بِالشَّاهِدِ عَلَى السَّيِّدِ بِدَيْنٍ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ أَوْ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي وَنُكُولِ السَّيِّدِ هَذَا كُلُّهُ غَلَطٌ قَالَهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الرَّجُلِ عَبْدَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ وَالْعَبْدُ غَيْرُ جَائِزٍ سَوَاءٌ كَانَ عِتْقُهُ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إتْلَافُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِأَدَاءِ الْكَفَّارَةِ مِنْهَا أَوْ عِتْقِ تَطَوُّعٍ، وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُرَدَّ الْعِتْقُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَبِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينِ الطَّالِبِ أَوْ شَهَادَةِ رَجُلٍ وَيَمِينِ الطَّالِبِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُبَاشِرُ رَدَّ الْعِتْقِ وَلَا تَتَنَاوَلُهُ، وَإِنَّمَا تَتَنَاوَلُ إثْبَاتَ الدَّيْنِ فَإِذَا ثَبَتَ الدَّيْنُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ مَعَ مَا يَقْتَرِنُ بِهَا رَدُّ الْعِتْقِ بِثُبُوتِ الدَّيْنِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ الْمَانِعِ مِنْهُ وَهَذَا كَمَا يَقُولُ إنَّهُ تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْوِلَادَةِ وَثَبَتَ النَّسَبُ بِهَا، وَلَوْ شَهِدَتْ بِهِ النِّسَاءُ لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَتِهِنَّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الْعِتْقَ يُرَدُّ بِنُكُولِ السَّيِّدِ عَنْ الْيَمِينِ فَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيْنٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تُرَدُّ بِذَلِكَ عَتَاقَةُ الْعَبْدِ زَادَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي رِوَايَتِهِ وَلَا بِإِقْرَارِهِ إنْ أَقَرَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النُّكُولَ مِنْ فِعْلِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرِقَّ بِهِ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ فِي عِتْقِهِ كَإِقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَكَذَلِكَ أَيْضًا الرَّجُلُ تَكُونُ تَحْتَهُ أَمَةُ غَيْرِهِ فَيَأْتِي سَيِّدُهَا بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ يَشْهَدُونَ أَنَّ الزَّوْجَ اشْتَرَاهَا مِنْ السَّيِّدِ فَيَثْبُتُ الشِّرَاءُ وَتَحْرُمُ الْأَمَةُ عَلَى زَوْجِهَا، وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ لَا تَجُوزُ فِي الطَّلَاقِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَالنِّسَاءُ فِي هَذَا لَمْ يَشْهَدْنَ فِي نَفْسِ الْفِرَاقِ، وَإِنَّمَا يَشْهَدْنَ فِي مَالٍ جَرَّ إلَى مَا ذَكَرْت قَالَ سَحْنُونٌ، وَكَذَلِكَ شَهَادَتُهُنَّ فِيمَنْ غَرَّ مِنْ نَفْسِهِ بِالْحُرِّيَّةِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِفُلَانٍ جَازَتْ فَيَحْلِفُ بَعْضُهُنَّ وَيَرِقُّ لَهُ وَيَبْطُلُ الْحَدُّ عَمَّنْ قَذَفَهُ وَتَصِيرُ حُدُودُهُ حُدُودَ عَبْدٍ، وَلَوْ كَانَ قَذَفَ أَوْ قُذِفَ فَشَهِدَ امْرَأَتَانِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِغَائِبٍ أَوْ صَغِيرٍ فَالْحَدُّ قَائِمٌ لَهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَمَتَى قَدِمَ الْغَائِبُ أَوْ كَبِرَ الصَّغِيرُ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ رَقَبَتَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْحُكْمُ بِرِقِّهِ الْآنَ لِعَدَمِ مَنْ يَدَّعِيهِ وَيَحْلِفُ مَعَ شَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ فَيَبْقَى عَلَى حُكْمِ الرِّقِّ إلَى أَنْ يَدَّعِيَهُ مُدَّعٍ وَيَحْلِفَ مَعَ شَهَادَتِهِمَا قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَلَوْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ عَلَى أَدَاءِ كِتَابَةِ مُكَاتَبٍ لَحَلَفَ وَتَمَّ عِتْقُهُ وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ مِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ تَشْهَدَانِ عَلَى اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ فَيَجِبُ بِذَلِكَ مِيرَاثُهُ حَتَّى يَرِثَ وَيُورَثَ دُونَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا شَاهِدٌ أَوْ يَمِينٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ الْعِظَامِ، وَلَوْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ عَلَى دِرْهَمٍ وَاحِدٍ أَوْ أَقَلَّ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا شَاهِدٌ أَوْ يَمِينٌ يُرِيدُ أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ تُقْبَلُ وَيُحْكَمُ بِهَا دُونَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا شَيْءٌ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ كَالِاسْتِهْلَالِ وَالْوِلَادَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إلَّا الرَّضَاعَ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ أَنَّ فُلَانَةَ أُسْقِطَتْ حَلَّتْ مِنْ عِدَّتِهَا لِلْأَزْوَاجِ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَجُوزُ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ مِمَّا تَحْتَ الثِّيَابِ مِنْ الْعُيُوبِ وَالْحَيْضِ وَالْوِلَادَةِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ النَّظَرُ إلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُمْ فِيهِ وَهُوَ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ النِّسَاءُ فَتَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَى تَجْوِيزِ شَهَادَتِهِنَّ وَفِيهِ قَدْ نَصَّ اللَّهُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِنَّ حَيْثُ تَجُوزُ شَهَادَةُ الرِّجَالِ فَبِأَنْ تَجُوزَ حَيْثُ لَا تَصِحُّ شَهَادَةُ الرِّجَالِ وَلَا يُمْكِنُ اطِّلَاعُهُمْ عَلَيْهِ أَوْلَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّ زَوْجَتَهُ رَتْقَاءُ أَوْ بِهَا دَاءُ الْفَرْجِ قَالَ سَحْنُونٌ أَصْحَابُنَا يَرَوْنَ أَنَّهَا مُصَدَّقَةٌ وَأَنَا أَرَى أَنْ يَنْظُرَ النِّسَاءُ إلَى عُيُوبِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الَّتِي فِي الْفَرْجِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي النِّكَاحِ وَأَمَرَ سَحْنُونٌ فِي صَبِيَّةٍ أَرَادَ أَوْلِيَاؤُهَا
стр. 1557
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ لَا يَكُونُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَيَحْتَجُّ بِقَوْلِ اللَّهِ ﵎ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
ــ
[المنتقى]
تَزْوِيجَهَا فَأَمَرَ امْرَأَتَيْنِ عَادِلَتَيْنِ أَنْ تَنْظُرَا هَلْ أَنْبَتَتْ فَأَخْبَرَتَاهُ أَنْ قَدْ أَنْبَتَتْ فَأَذِنَ لَهُمْ فِي إنْكَاحِهَا، وَأَمَّا مَا كَانَ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ فَإِنَّهُ يَبْعُدُ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَنْظُرَ إلَيْهِ الشُّهُودُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابَتْهَا عِلَّةٌ فِي مَوْضِعٍ يَحْتَاجُ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ الطَّبِيبُ بَعُدَ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيَنْظُرُ إلَيْهِ الْأَطِبَّاءُ قَالَ سَحْنُونٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُغَلَّظٍ كَنَفْسِ الْعَوْرَةِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ بِكُلِّ حَالٍ فِي حَقِّ الرَّجُلِ إلَى نَفْسِ الْعَوْرَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ عَلَى الرَّضَاعِ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَفْشُوَ عِنْدَ الْجِيرَانِ وَيَظْهَرَ وَيَنْتَشِرَ، وَالْأُخْرَى أَنَّ شَهَادَتَهُمَا مَقْبُولَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْشُ قَالَ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الرَّضَاعَ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْفَرِدُ بِهِ النِّسَاءُ فَتَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ وَلَا يَكَادُ يَخْفَى أَمْرُهُ غَالِبًا بَلْ يَفْشُو فَإِذَا عَرَا مِنْ الظُّهُورِ وَالِانْتِشَارِ ضَعُفَتْ الشَّهَادَةُ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الشَّهَادَاتِ قَالَ وَهَذَا أَصَحُّ.
وَقَدْ ذَكَرَ شُيُوخُنَا الْمُتَقَدِّمُونَ فِي ذَلِكَ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ أَيْضًا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ فِي الرَّضَاعِ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ لَا تَجُوزُ إلَّا بِالسَّمَاعِ الْفَاشِي الْقَوِيِّ الَّذِي يَأْتِي مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَلَا وَجْهَيْنِ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مِثْلُهُ وَزَادَ وَلَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ مِنْهُ إلَّا بِالْأَمْرِ الْقَوِيِّ الْمُنْتَشِرِ قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ التَّزْوِيجِ، وَإِنْ ضَعُفَ فَحَقِيقٌ عَلَى الْمَرْءِ فِيهِ التَّوَقِّي وَالْحَيْطَةُ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ إنَّمَا هُوَ فَسْخُ النِّكَاحِ الْمُنْعَقِدِ قَبْلَ الشَّهَادَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ فِي الرَّضَاعِ فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ فِيهَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَأَمَّا شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ بِالرَّضَاعِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُعْمَلُ بِهَا إلَّا أَنْ يَفْشُوَ فِي الصِّغَرِ عِنْدَ الْمَعَارِفِ.
وَقَالَ أَيْضًا لَا يُقْضَى بِقَوْلِهَا وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُصَدِّقَهُ الزَّوْجُ قَالَ مُحَمَّدٌ يُرِيدُ إنْ كَانَتْ عَادِلَةً فَإِنَّمَا يَقَعُ الْخِلَافُ مِنْهُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا التَّوَقِّي مِنْهُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ مُحَمَّدٌ إلَّا أَنْ يَطُولَ مُقَامُهُ مَعَهَا بِعِلْمِ الْمَرْأَتَيْنِ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا يُرِيدُ وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا الْخَبَرُ فَاشِيًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) فَإِذَا قُلْنَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بِانْفِرَادِهِنَّ فِيمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ دُونَ يَمِينِ الطَّالِبِ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ عَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَجُوزُ الْجِنْسُ مِنْهُ بِانْفِرَادِهِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ مِنْهُ الِاثْنَانِ كَالرِّجَالِ وَلَا تُجْزِئُ الْوَاحِدَةُ خِلَافًا لِلَّيْثِ وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَاحِدَةِ فِي الْعَوْرَةِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْبَةِ إلَى السُّرَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي حَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ شَهَادَةُ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَلِذَلِكَ جُعِلَ الرَّجُلُ فِي مُقَابَلَةِ امْرَأَتَيْنِ ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ دُونَ أَنْ يُقَارِنَهُ شَيْءٌ فَبِأَنْ لَا يُحْكَمَ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْلَى وَأَحْرَى.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا قَوْلُهُ لِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ عَلَى الْوِلَادَةِ وَالِاسْتِهْلَالِ تُثْبِتُ الْمِيرَاثَ وَتَمْلِكُ بِذَلِكَ الْأَمْوَالَ الْعِظَامَ مِنْ الْعَيْنِ وَالرِّبَاعِ وَغَيْرِهَا وَلَا يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِمَا فِي دِرْهَمٍ فَلِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا تَجُوزُ فِي الْمَوَاضِعِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ فَيُحْكَمُ بِذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَيَئُولُ ذَلِكَ إلَى الْحُكْمِ بِأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ جَسِيمَةٍ عَلَى وَجْهِ الْمَآلِ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُبَاشَرَةِ فَلَوْ بَاشَرَتْ شَهَادَتُهُنَّ دِرْهَمًا وَاحِدًا لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا فِي دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ مِنْهُنَّ حَيْثُ يَجُوزُ الرِّجَالُ إنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ فَكَذَلِكَ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِي الْعِتْقِ وَتَجُوزُ فِيمَا يُفْضِي إلَى الْعِتْقِ وَيَئُولُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 1558
يَقُولُ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ قَالَ مَالِكٌ فَمِنْ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مَالًا أَلَيْسَ يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ مَا ذَلِكَ الْحَقُّ عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ وَثَبَتَ حَقُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ وَلَا بِبَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَخَذَ هَذَا أَوْ فِي أَيِّ كِتَابِ اللَّهِ وَجَدَهُ فَإِنْ أَقَرَّ بِهَذَا فَلْيُقْرِرْ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَإِنَّهُ لَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مَا مَضَى مِنْ السُّنَّةِ وَلَكِنَّ الْمَرْءَ قَدْ يُحِبُّ أَنْ يَعْرِفَ وَجْهَ الصَّوَابِ وَمَوْقِعَ الْحُجَّةِ فَفِي هَذَا بَيَانُ مَا أَشْكَلَ مِنْ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ إنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ عَلَى مَنْ يُجِيزُ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قَالَ وَهَذَا يَقْتَضِي إنْ عُدِمَ الرَّجُلَانِ لَا يُجْزِئُ إلَّا رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وَالزِّيَادَةُ فِي النَّصِّ عِنْدَهُمْ نَسْخٌ وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْقِيَاسِ وَلَا بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ بِهِ أَنَّ مَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مَالًا فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ يَحْلِفُ مَا ذَلِكَ الْحَقُّ عَلَيْهِ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ وَلَيْسَ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَيَلْزَمُ أَبَا حَنِيفَةَ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمٌ بِحَدِيثٍ صَحِيحٍ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِمَا يَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ لِلْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ زِيَادَةٌ فِي نَصِّ الْقُرْآنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا زِيَادَةً فِي نَصِّ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي النَّصَّ فَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي النَّصَّ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ فَرَجُلٌ وَيَمِينُ الطَّالِبِ لَصَحَّ ذَلِكَ.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي النَّصِّ لَيْسَتْ بِنَسْخٍ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ إزَالَةُ الْحُكْمِ الثَّابِت بِشَرْعٍ مُتَأَخِّرٍ عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا وَالزِّيَادَةُ فِي النَّصِّ لَا تُزِيلُ حُكْمَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ بَلْ تُبَيِّنُهُ وَتُضِيفُ إلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ، وَلِذَلِكَ إذَا فُرِضَتْ الصَّلَاةُ ثُمَّ فُرِضَ الصِّيَامُ لَمْ يَكُنْ فَرْضُ الصِّيَامِ نَسْخًا لِفَرْضِ الصَّلَاةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إنَّ الزِّيَادَةَ فِي النَّصِّ إذَا غَيَّرَتْ حُكْمَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ فَهُوَ نَسْخٌ، وَإِذَا لَمْ تُغَيِّرْهُ فَلَيْسَ بِنَسْخٍ وَمَعْنَى تَغْيِيرِهِ لَهُ أَنْ يُؤْمَرَ بِالصَّلَاةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُؤْمَرَ بِهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَهَذَا نَسْخٌ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لَيْسَتَا بِشَرْعِيَّةٍ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْأَرْبَعِ، وَلَوْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَأَتَمَّهَا عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يُصَلِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَسَلَّمَ مِنْهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِمَا رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ يُتِمُّ بِهِمَا ظُهْرَهُ أَوْ عَصْرَهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فَهَذَا نَسْخٌ، وَأَمَّا الَّذِي لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الْمَزِيدِ فَمِثْلُ أَنْ يَأْمُرَ بِالْحَدِّ أَرْبَعِينَ ثُمَّ يُؤْمَرَ بِهِ ثَمَانِينَ فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَا تُغَيِّرُ حُكْمَ الْمَزِيدِ، وَلَوْ ابْتَدَأَ ضَرْبَهُ عَلَى أَرْبَعِينَ وَأَتَمَّهَا عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَأْتِي بِهَا قَبْلَ الْأَمْرِ بِالثَّمَانِينَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ الثَّمَانِينَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَفِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي يَزْعُمُهَا بِالْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لَمْ تُغَيِّرْ حُكْمَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ بَلْ يُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ وَشَهَادَةُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يُقْبَلُ ذَلِكَ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَلَفَ صَاحِبُ الْحَقِّ لَيْسَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَكْثَرَ الْكُوفِيِّينَ لَا يَرَوْنَ رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يَثْبُتُ عِنْدَهُمْ فِي جَنْبَةِ مُدَّعِي الْمَالِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ أَنَّهُ مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ فِي بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ وَلَا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ إيجَابُ الْيَمِينِ عَلَى الْمُنْكِرِ دُونَ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي بِنُكُولِ الْمُنْكِرِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ خِلَافِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنَّهُ لَيَكْفِي فِي هَذَا مَا مَضَى مِنْ السُّنَّةِ لَعَلَّهُ يُرِيدُ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدَهُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَسَائِرَ النَّاسِ كَانُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ يَقُولُونَ بِالْمَرَاسِيلِ، وَقَوْلُهُ وَلَكِنَّ الْمَرْءَ يُحِبُّ أَنْ يَعْرِفَ وَجْهَ الصَّوَابِ وَمَوْقِعَ الْحُجَّةِ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ وَجْهَ الصَّوَابِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَالْقِيَاسِ وَقَطْعِ اعْتِرَاضِ
стр. 1559
الْقَضَاءُ فِيمَنْ هَلَكَ وَلَهُ دَيْنٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَهُ فِيهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ (ص) : (قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَهْلِكُ وَلَهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ لَهُمْ فِيهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَيَأْبَى وَرَثَتُهُ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى حُقُوقِهِمْ مَعَ شَاهِدِهِمْ قَالَ فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يَحْلِفُونَ وَيَأْخُذُونَ حُقُوقَهُمْ فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَيْمَانَ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ قَبْلُ فَتَرَكُوهَا إلَّا أَنْ يَقُولُوا لَمْ نَعْلَمْ لِصَاحِبِنَا فَضْلًا وَيَعْلَمُ أَنَّهُمْ إنَّمَا تَرَكُوا الْأَيْمَانَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَحْلِفُوا وَيَأْخُذُوا مَا بَقِيَ بَعْدَ دَيْنِهِ)
ــ
[المنتقى]
الْمُعْتَرِضِ عَلَيْهِ بِتَأْوِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْوَى لِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَأَبْيَنُ لِوَجْهِ تَعَلُّقِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَمَا هُوَ مِثْلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْقَضَاءُ فِيمَنْ هَلَكَ وَلَهُ دَيْنٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَهُ فِيهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ]
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ الْمُتَوَفَّى إذَا كَانَ عَلَيْهِ دُيُونٌ، وَلَهُ دَيْنٌ فَشَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ أَنَّ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَ الشَّاهِدِ، وَيَبْدَأُ الْغُرَمَاءُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمِيرَاثِ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كَانَ لَهُمْ بِالْمِيرَاثِ فَإِنْ نَكَلَ الْوَرَثَةُ حَلَفَ الْغُرَمَاءُ، وَهَذَا الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوَرَثَةَ يَبْدَؤُنَ بِالْيَمِينِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ قَالَ سَحْنُونٌ: إنَّمَا كَانَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَحْلِفُوا أَوَّلًا فِي مَسْأَلَةِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ لَوْ نَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْبِضُوا دَيْنَهُمْ كَانَ لِلْوَرَثَةِ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ أَوَّلًا إذَا لَمْ يَقُمْ الْغُرَمَاءُ، فَإِنْ قَامُوا وَثَبَتَتْ حُقُوقُهُمْ، وَطَلَبُوا أَنْ يَحْلِفُوا فَهُمْ الْمُبْدِئُونَ بِهَا؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِتَرِكَتِهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوَرَثَةَ أَوْلَى بِالتَّرِكَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَدْفَعُوا إلَى الْغُرَمَاءِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَخْتَصُّونَ بِالتَّرِكَةِ دُونَ الْغُرَمَاءِ، وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ حَيًّا لَمَا كَانَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا فَكَذَلِكَ مَعَ وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ مَا أَرَادُوا التَّرِكَةَ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فَلَمَّا كَانَ أَصْحَابُ الدَّيْنِ مُبْدَئِينَ قَبْلَ الْوَرَثَةِ فِي الْأَخْذِ فَكَذَلِكَ فِي الْأَيْمَانِ إذَا حُكِمَ لَهُمْ بِصِحَّةِ دَيْنِهِمْ.
(فَرْعٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالِاخْتِلَافُ بَيْنَ مَالِكٍ وَسَحْنُونٍ فِي تَبْدِئَةِ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ بِالْأَيْمَانِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَالْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْوَرَثَةَ مُبْدِئُونَ بِالْأَيْمَانِ إنْ كَانَ فِي الْمَالِ فَضْلٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ حَلَفَ الْغُرَمَاءُ فَإِنْ نَكَلُوا حَلَفَ الْغَرِيمُ وَبَرِئَ وَاَلَّذِي رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ خِلَافُ هَذَا، وَخِلَافُ قَوْلِ سَحْنُونٍ، وَهُوَ أَشْبَهَ بِمَا فِي الْمُوَطَّأِ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ إذَا قَامَ لِلْغُرَمَاءِ شَاهِدٌ لِلْمَيِّتِ بِدَيْنٍ أَنَّ الْوَرَثَةَ يَحْلِفُونَ مَعَهُ فَإِنْ نَكَلُوا حَلَفَ غُرَمَاؤُهُ وَاسْتَحَقُّوا قَدْرَ دَيْنِهِمْ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ لَمْ يَأْخُذْهُ الْوَرَثَةُ إلَّا بِيَمِينٍ فَدَلَّ قَوْلُهُ أَنَّ الْغُرَمَاءَ إذَا قَامُوا بِالشَّاهِدِ أَنَّهُمْ إنَّمَا قَامُوا بِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ حُقُوقِهِمْ وَاسْتِحْلَافِهِمْ أَنَّهُمْ قَبَضُوا دَيْنَهُمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ لَهُمْ الْقِيَامُ بِالشَّاهِدِ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْوَرَثَةُ مُبْدَءُونَ بِالْأَيْمَانِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَدَلَّ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ لَمْ يَأْخُذْهُ الْوَرَثَةُ إلَّا بِيَمِينٍ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُفْضَلْ شَيْءٌ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ.
(فَرْعٌ) : وَإِذَا امْتَنَعَ الْوَرَثَةُ مِنْ الْيَمِينِ أَوَّلًا فَحَلَفَ الْغُرَمَاءُ، وَبَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ فَهَلْ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَحْلِفُوا، وَيَأْخُذُوهُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ لَيْسَ لِلْوَرَثَةِ مُعَاوَدَةُ الْيَمِينِ؛ لِنُكُولِهِمْ عَنْهَا أَوَّلًا إلَّا أَنْ يَقُولُوا لَمْ نَعْلَمْ أَنَّ فِي دَيْنِ الْمَيِّتِ فَضْلًا عَنْ الدُّيُونِ الَّتِي عَلَيْهِ، وَنَعْلَمُ ذَلِكَ الْآنَ فَيَحْلِفُونَ، وَيَأْخُذُونَ الْفَضْلَ، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ نُكُولَهُمْ أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ نُكُولًا عَنْ الْيَمِينِ وَتَسْلِيمِ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا كَانَ امْتِنَاعًا مِنْ يَمِينٍ يَصِيرُ مَا اسْتَحَقَّ بِهَا إلَى غَيْرِهِمْ، وَلَوْ كَانَ نُكُولًا لَهُ حُكْمُ النُّكُولِ لَمَا انْتَقَلَتْ الْيَمِينُ إلَى الْغُرَمَاءِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تَنْتَقِلُ إلَى الْمَطْلُوبِ، وَهَذِهِ الْيَمِينُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هِيَ يَمِينٌ يَنُوبُ فِيهَا الْوَرَثَةُ عَنْ الْغُرَمَاءِ فَإِذَا اسْتَوْفَى الْغُرَمَاءُ أَيْمَانَ الْوَرَثَةِ حِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّونَ بِهَا مَا يَحْلِفُونَ عَلَيْهِ فَإِنْ نَكَلُوا حِينَئِذٍ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ
стр. 1560
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مُعَاوَدَتُهَا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ الْوَرَثَةَ إذَا حَلَفُوا فَإِنَّمَا يَحْلِفُونَ عَلَى جَمِيعِ الدَّيْنِ فَإِذَا نَكَلُوا فَقَدْ بَطَلَ حَقُّهُمْ مِنْهُ كَالشُّرَكَاءِ فِي الْمِيرَاثِ مَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ فَإِنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى إثْبَاتِ جَمِيعِ الدَّيْنِ مَنْ نَكَلَ بَطَلَ حَقُّهُ، وَثَبَتَتْ الْيَمِينُ لِغَيْرِهِ فِي حِصَّتِهِ فَإِذَا عَلِمَ الْوَرَثَةُ بِالْفَضْلِ فَنَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ فَقَدْ أَبْطَلُوا حَقَّهُمْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ ثَبَتَ لَهُمْ الْيَمِينُ عِنْدَ ظُهُورِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ حَلَفَ الْغُرَمَاءُ، وَطَرَأَ مَالٌ آخَرُ لِلْمَيِّتِ فَلَهُمْ الْأَخْذُ مِنْهُ، وَلَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ أَخْذُ الدَّيْنِ الَّذِي فِيهِ الشَّاهِدُ إلَّا بِأَيْمَانِهِمْ قَالَهُ أَصْبَغُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَزَادَ إذَا كَانَ الْغُرَمَاءُ لَمْ يَأْخُذُوا حُقُوقَهُمْ مِنْ الدَّيْنِ حَلَفُوا مَعَ الشَّاهِدِ فِيهِ، وَأَرَاهُ مَعْنَى قَوْلِ أَصْبَغَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ، وَلَا لِلْوَرَثَةِ أَخْذُ الدَّيْنِ إلَّا بِيَمِينِ الْوَرَثَةِ، وَلَا يُغْنِي يَمِينُ الْغُرَمَاءِ الَّتِي حَلَفُوا؛ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمَّا حَلَفَ الْغُرَمَاءُ كَانَ لَهُمْ أَخْذُ دَيْنِهِمْ بِمَا حَلَفُوا عَلَيْهِ فَأَمَّا إذَا أَخَذُوا مِنْ غَيْرِهِ وَتَرَكُوا ذَلِكَ الدَّيْنَ فَقَدْ صَارَ حَقًّا لِلْوَرَثَةِ فَلَا يَصِحُّ يَمِينُ الْغُرَمَاءِ فِيهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُقْرَنَ بِالشَّاهِدِ يَمِينُ الْوَرَثَةِ الَّذِينَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ الدَّيْنُ بِالْمِيرَاثِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ الْمَالُ لِلْمَيِّتِ تَبَيَّنَ أَنَّ أَيْمَانَ الْغُرَمَاءِ كَانَتْ لَغْوًا لَا يُسْتَحَقُّ بِهَا حَقٌّ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُمْ فِي الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِحْقَاقِهِ إلَى يَمِينٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَ ظُهُورِ الْمَالِ، وَيَخْتَارُوا الْحَلِفَ وَالْأَخْذَ مِنْ الدَّيْنِ دُونَ الْمَالِ الظَّاهِرِ.
وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يَحْلِفُ هَاهُنَا إلَّا الْوَرَثَةُ، وَإِنَّمَا يَحْلِفُ الْغُرَمَاءُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ ظَاهِرٌ يُقْتَضَى مِنْهُ الدَّيْنُ غَيْرَ الْمَالِ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَرَى ذَلِكَ فِي الْمَالِ الْمَعْلُومِ دُونَ الْمَالِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ بِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي الْوَجْهَيْنِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ جَمِيعَهُ حَقٌّ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْوِ بِهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ فِي الْمُفْلِسِ يَحْلِفُ غُرَمَاؤُهُ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى دَيْنِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَهَذَا عِنْدِي مِثْلُهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حَقَّ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ شَائِعٌ فِي جَمِيعِ الدَّيْنِ فَإِنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى إثْبَاتِ جَمِيعِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ نَكَلَ مِنْهُمْ فَلَا مُحَاصَّةَ لَهُ مَعَ مَنْ حَلَفَ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُفْلِسِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ بِنُكُولِهِ قَدْ أَبْطَلَ حَقَّهُ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ كَمَا لَوْ نَكَلَ جَمِيعُهُمْ.
(فَرْعٌ) وَمَنْ حَلَفَ أَخَذَ جَمِيعَ حَقِّهِ مِنْ هَذَا الدَّيْنِ لَا مِقْدَارَ مَا يَقَعُ لَهُ مِنْهُ لَوْ حَلَفَ أَصْحَابُهُ أَوْ قَامَ بِهِ شَاهِدَانِ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ نَكَلَ يُعْطِي الْغُرَمَاءُ لِمَنْ حَلَفَ بِقَدْرِ حَقِّهِ، وَبَعْدَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَنْ نَكَلَ مِنْهُمْ عَنْ الْيَمِينِ فَقَدْ بَطَلَ حَقُّهُ مِنْ الدَّيْنِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ فَلَا تَأْثِيرَ لِمَا ادَّعَاهُ فِيهِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَالِ الْمَيِّتِ إلَّا دَيْنُ مَنْ حَلَفَ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْمُحَاصَّةُ عَلَى ذَلِكَ وَوَجْهُ رِوَايَةِ عِيسَى أَنَّ الْغُرَمَاءَ لَمْ يُنَاكِرْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَمَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ اسْتَحَقَّ حَقَّهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ وَمَنْ نَكَلَ بَطَلَ حَقُّهُ فَلَمْ يَرْجِعْ ذَلِكَ إلَى أَصْحَابِهِ، وَلِذَلِكَ لَا تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا رَجَعَ نَصِيبُهُ إلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ مَالَ الْمَيِّتِ مِمَّنْ يُنَاكِرُ هَذَا الْمُدَّعَى، وَعَلَيْهِ تُرَدُّ الْيَمِينُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ رَجَعَ أَحَدٌ مِنْ الْغُرَمَاءِ بَعْدَ نُكُولِهِ إلَى أَنْ يَحْلِفَ، وَيَأْخُذَ حِصَّتَهُ قَالَ مُطَرِّفٌ فِي مَسْأَلَةِ الْمُفْلِسِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ: لَهُ ذَلِكَ فَوَجْهُ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ أَنَّ النُّكُولَ يُبْطِلُ حَقَّ النَّاكِلِ، وَيَمْنَعُهُ مُعَاوَدَةَ مَا نَكَلَ عَنْهُ كَمَا لَوْ نَكَلَ صَاحِبُ الدَّيْنِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ يَقُولُ لَمْ أَكُنْ تَحَقَّقْتُ الْأَمْرَ فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ، وَأَبْحَثَ وَقَدْ تَحَقَّقْتُهُ الْآنَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ يَحْلِفُ الْغُرَمَاءُ مَعَ الشَّاهِدِ بِإِبْرَاءِ الْمَيِّتِ مِنْ دَيْنٍ يَثْبُتُ عَلَيْهِ بِشَاهِدَيْنِ، وَقَامَ لَهُ شَاهِدٌ بِالْإِبْرَاءِ مِنْهُ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَحْلِفُ الْغُرَمَاءُ عَلَى إبْرَائِهِ، وَيَنْفَرِدُونَ بِالتَّرِكَةِ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ لَا يَحْلِفُ الْغُرَمَاءُ فِي إبْرَاءِ الْمَيِّتِ، وَإِنَّمَا يَحْلِفُونَ فِي دَيْنٍ لَهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ هَذِهِ يَمِينٌ يَصِلُ بِهَا الْغَرِيمُ إلَى اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ فَوَجَبَ أَنْ
стр. 1561
الْقَضَاءُ فِي الدَّعْوَى (ص) : (قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُؤَذِّنِ أَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ فَإِذَا جَاءَهُ الرَّجُلُ يَدَّعِي عَلَى الرَّجُلِ حَقًّا نَظَرَ فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ أَوْ مُلَابَسَةٌ أَحْلَفَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُحَلِّفْهُ قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ مَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِدَعْوَى نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ أَوْ مُلَابَسَةٌ أَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَ ذَلِكَ الْحَقُّ عَنْهُ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي فَحَلَفَ طَالِبُ الْحَقِّ أَخَذَ حَقَّهُ)
ــ
[المنتقى]
يُسْتَوْفَى فِيهَا الْإِبْرَاءُ، وَإِثْبَاتُ الدَّيْنِ كَيَمِينِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ يَمِينَ الْغَرِيمِ عَلَى إبْرَاءِ الْمَيِّتِ رَجْمٌ بِالْغَيْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَيْسَ هَذَا رَجْمًا بِالْغَيْبِ، وَإِنَّمَا حَلِفٌ بِخَبَرِ مُخْبِرٍ كَحَلِفِهِ عَلَى إثْبَاتِ دَيْنٍ لَهُ.
[الْقَضَاءُ فِي الدَّعْوَى وَفِيهِ أَبْوَاب]
(ش) : قَوْلُهُ فِي الَّذِي يَدَّعِي عَلَى رَجُلٍ حَقًّا إنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ أَوْ مُلَابَسَةٌ أَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُحَلِّفْهُ هَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ بِالْمَدِينَةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: يُسْتَحْلَفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِ خُلْطَةٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الدَّعْوَى لَا يُوجِبُ حُكْمًا إلَّا لِوَجْهِ ضَرُورَةٍ وَاسْتِحْلَافُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ تَلْحَقُهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْذَى بِالْيَمِينِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ ضَرُورَةٌ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَقَعُ عَلَيْهِ كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ مُخَالَطَةٍ، وَلِذَلِكَ تَأْثِيرٌ فِي الشَّرْعِ، وَبِذَلِكَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِي الْقِتَالِ لَمَّا كَانَ يَتَعَذَّرُ إثْبَاتُ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِي ذَلِكَ أَبْوَابٌ ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ فِي الدَّعَاوَى الَّتِي يُعْتَبَرُ فِيهَا الْخُلْطَةُ وَتَمْيِيزُهَا مِنْ غَيْرِهَا وَالثَّانِي فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى الْخُلْطَةِ وَتَمْيِيزِهَا مِنْ غَيْرِهَا وَالثَّالِثُ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الْخُلْطَةُ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِ مَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْخُلْطَةُ] ١
ُ مَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْخُلْطَةُ هُوَ الْمُدَايَنَةُ وَادِّعَاءُ دَيْنٍ مِنْ مُعَاوَضَةٍ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَكَذَلِكَ إنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ كَفَالَةٌ بِحَقٍّ فَلَا يَلْزَمُهُ، وَيَلْحَقُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَفَالَةَ نَوْعٌ مِنْ الْمُعَاوَضَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُشَاحَّةِ بَيْنَ الْكَفِيلِ وَمَنْ تَكَفَّلَ لَهُ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ أَوْصَى أَنَّ لِي عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِ خُلْطَةٍ رَوَاهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ وَقَالَ: إنَّ الْمَيِّتَ عِنْدَ مَوْتِهِ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ إلَى الصِّدْقِ فَيُوجِبُ مِنْ ذَلِكَ مَا تُوجِبُهُ الْمُخَالَطَةُ، وَمَا قَالَهُ لَهُ وَجْهٌ؛ لِأَنَّ لِقَوْلِ الْمُدَّعِي عِنْدَ مَوْتِهِ تَأْثِيرًا فِي تَحْقِيقِ الدَّعَاوَى الْمُوجِبَةِ لِلْأَيْمَانِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي قَوْلِ الْمُدَّعِي دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ ادَّعَى ثَوْبًا بِيَدِ إنْسَانٍ أَنَّهُ لَهُ فَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ لَهُ ثَوْبٌ أَوْ عَرَضٌ يُمْكِنُهُ إثْبَاتُهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَوْ اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ لَتَعَذَّرَ حِفْظُ الشُّهُودِ لَهُ وَضَبْطُهُمْ لِذَلِكَ مَعَ كَثْرَتِهِ، وَلَزِمَهُمْ مِنْ مُرَاعَاتِهِ مَا يَشُقُّ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى إبْطَالِ الْحُقُوقِ فَلِذَلِكَ يَثْبُتُ فِي مِثْلِهِ الْيَمِينُ بِغَيْرِ خُلْطَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالصُّنَّاعُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ لِمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِمْ فِي صِنَاعَتِهِمْ دُونَ إثْبَاتِ خُلْطَةٍ قَالَهُ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ وَقَالَ؛ لِأَنَّهُمْ نَصَّبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلنَّاسِ، وَهَذَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ تُجَّارُ السُّوقِ فَإِنَّهُمْ نَصَّبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلشِّرَاءِ مِنْ النَّاسِ وَالْبَيْعِ مِنْهُمْ غَيْرَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الصُّنَّاعَ نَصَّبُوا أَنْفُسَهُمْ لِمَا يُوجِبُ عَلَيْهِمْ الْمُطَالَبَةَ بِالْعَمَلِ وَالْمَعْمُولِ خَاصَّةً دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عَلَى أَحَدٍ مُطَالَبَةٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ فِي التِّجَارَةِ يَبِيعُ مَتَاعًا فَيَقْتَضِي الثَّمَنَ هُوَ وَسَيِّدُهُ فَيَدَّعِي الْمُتَبَايِعُونَ قَضَاءَ السَّيِّدِ بَعْضَ الثَّمَنِ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ وَابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ مَالِكٍ: عَلَيْهِ الْيَمِينُ إنْ أَنْكَرَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْيَمِينَ الَّتِي تُعْتَبَرُ فِيهَا الْمُخَالَطَةُ
стр. 1562
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
إنَّمَا هِيَ مَا حَقَّقَتْ دَعْوَى تَنَاوَلَتْ مُعَاوَضَةً؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرٌ لِسَبَبِهَا، وَأَمَّا مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ قَضَاءُ دَيْنِهِ فَلَا اعْتِبَارَ فِيهَا بِالْخُلْطَةِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِهَا بِالثَّمَنِ قَدْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْيَمِينَ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَعْنَى وَمَنْ أَوْصَى أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ دَيْنًا فَطَلَبَ الْوَرَثَةُ يَمِينَ الْمُقَرِّ لَهُ أَنَّ حَقَّهُ لِحَقٍّ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: لَا يَأْخُذُهَا حَتَّى يَحْلِفَ وَقَدْ قُضِيَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي مِثْلِ هَذَا مَرَّةً بِالْيَمِينِ وَمَرَّةً بِلَا يَمِينٍ وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَنَّ حَقَّهُ لِحَقٍّ يُرِيدُ لَبَاقٍ لَمْ يَقْبِضْهُ وَأَمَّا أَنْ يَحْلِفَ عَلَى تَحْقِيقِ مَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ فَلَا مَعْنَى لِذَلِكَ وَجْهُ إثْبَاتِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ لِجَوَازِ أَنْ يَقْبِضَهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَوَجْهُ نَفْيِ الْيَمِينِ أَنَّ الْمُوصِيَ قَدْ صَدَّقَهُ فِي حَيَاتِهِ وَمَاتَ عَلَى تَصْدِيقِهِ، وَلَمْ يَقْضِهِ أَحَدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ فِعْلِ الْوَارِثِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ فَلَا مَعْنَى لِاسْتِحْلَافِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنَّمَا تَجِبُ الْيَمِينُ فِي الدَّعَاوَى مَعَ تَحْقِيقِهَا وَتَحْقِيقِ الْإِنْكَارِ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ أَنَا أَحْلِفُ أَنَّ لِي عَلَيْك كَذَا لَمْ يَلْزَمْهُ يَمِينٌ حَتَّى يُحَقِّقَ يَمِينَهُ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا لَمْ تَكُنْ خُلْطَةٌ وَكَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُتَّهَمًا فَهَلْ تَجِبُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ يُسْتَحْلَفُ وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ سَحْنُونٌ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا بِأَنَّ لِلتُّهْمَةِ تَأْثِيرًا فِي الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمَرْأَةِ تَدَّعِي أَنَّ رَجُلًا مِمَّنْ يُشَارُ إلَيْهِ بِالْخَيْرِ اسْتَكْرَهَهَا أَنَّهَا تُحَدُّ، وَإِنْ كَانَ يُشَارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ نَظَرَ الْإِمَامُ فِيهِ، فَالتُّهْمَةُ تُوجِبُ مَا تُوجِبُهُ الْخُلْطَةُ مِنْ الْيَمِينِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ حُكْمَ الْعَدْلِ وَالْفَاجِرِ فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي تُحَقَّقُ فِيهَا الدَّعَاوَى سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا يُخْتَلَفُ فِي يَمِينِ التُّهْمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى الْخُلْطَةِ وَتَمْيِيزِهَا مِنْ غَيْرِهَا] ١
إذَا ثَبَتَ اعْتِبَارُ الْخُلْطَةِ فَالْخُلْطَةُ الْمُعْتَبَرَةُ رَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ هِيَ: أَنْ يُسَالِفَهُ مُبَايَعَةً، وَيَشْتَرِي مِنْهُ مِرَارًا، وَإِنْ تَقَابَضَا فِي ذَلِكَ السِّلْعَةَ وَالثَّمَنَ وَتَفَاصَلَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ.
وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا تَكُونُ الْخُلْطَةُ إلَّا بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مِنْ الرَّجُلَيْنِ يُرِيدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْمُسَالَفَةَ وَاتِّصَالَهَا مِنْ الْمُتَدَاعِيَيْنِ تَقْتَضِي التَّعَامُلَ، وَيَشْهَدُ لِلْبَائِعِ أَنَّهُ إذَا كَانَ يُسَلِّفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ جَازَ أَنْ يُبَايِعَهُ، وَرُبَّمَا كَانَتْ الدَّعْوَى مِنْ جِهَةِ السَّلَفِ فَيَثْبُتُ بَيْنَهَا بِذَلِكَ مَا يُوجِبُ الْيَمِينَ وَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ الْخُلْطَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي دُيُونِ الْمُبَايَعَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ بِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا تَثْبُتُ بَيْنَ أَهْلِ السُّوقِ مُخَالَطَةٌ بِكَوْنِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ مِنْ أَهْلِ السُّوقِ حَتَّى يَثْبُتَ التَّبَايُعُ بَيْنَهُمَا قَالَهُ الْمُغِيرَةُ وَسَحْنُونٌ قَالَ سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ الْقَوْمُ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ وَالْأُنْسِ وَالْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ خُلْطَةٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ التَّدَاعِيَ مِنْ جِهَةِ الْبَيْعِ فَيَجِبُ أَنْ تَثْبُتَ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ بِسَبَبِ الْبَيْعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا كَانَتْ الْخُلْطَةُ بِتَارِيخٍ قَدِيمٍ وَانْقَطَعَتْ بَقِيَ حُكْمُ الْمُخَالَطَةِ بَيْنَهُمَا قَالَهُ أَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ كَانَتْ بَيْنَنَا خُلْطَةٌ وَانْقَطَعَتْ فَإِنْ ثَبَتَ انْقِطَاعُهَا لَمْ يَحْلِفْ إلَّا بِخُلْطَةٍ ثَانِيَةٍ مُجَدَّدَةٍ تَثْبُتُ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ قُضِيَ لَهُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ بِمِائَةِ دِينَارٍ أَقَامَ فِيهَا بَيِّنَةً ثُمَّ جَاءَ مِنْ الْغَدِ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا آخَرَ فَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ تِلْكَ الْخُلْطَةِ لِانْقِطَاعِهَا حَتَّى يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى خُلْطَةٍ لَمْ يَنْقَطِعْ أَمْرُهَا، وَإِلَى نَحْوِ هَذَا ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَالَ: إنَّ مَنْ قَبَضَ حَقَّهُ مِنْ مُخَالَطَةٍ قَدِيمَةٍ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ ادَّعَى حَقًّا غَيْرَهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ فَلَا يُحَلِّفُهُ بِالْخُلْطَةِ الْأُولَى فَقَوْلُ أَصْبَغَ وَسَحْنُونٍ يَقْتَضِي أَنَّ مَعْرِفَةَ الْخُلْطَةِ بَيْنَهُمَا تُوجِبُ الْيَمِينَ فِي دَعَاوِيهِمَا دُونَ أَنْ يَعْرِفَ سَبَبَ تِلْكَ الدَّعَاوَى، وَإِنْ عَرَفَ انْقِطَاعَ الدَّعَاوَى وَقَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ حَبِيبٍ تَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مُعَامَلَةٍ تَجْرِي بَيْنَهُمَا يَلْزَمُ مَعْرِفَتُهَا وَمَعْرِفَةُ التَّعَامُلِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَقْتِهَا، وَإِلَّا لَمْ تَلْزَمْ الْيَمِينُ.
стр. 1563
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الْخُلْطَةُ]
ُ أَمَّا مَا تَثْبُتُ بِهِ الْخُلْطَةُ فَإِقْرَارُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَا، وَالْبَيِّنَةُ تَشْهَدُ بِهَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَأَمَّا مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا بِالْخُلْطَةِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ أَنَّ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ تُوجِبُ الْيَمِينَ أَنَّهُ خَلِيطُهُ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ فِي الشَّاهِدِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا أَقَامَ بِالْخُلْطَةِ شَاهِدًا وَاحِدًا حَلَفَ الْمُدَّعِي مَعَهُ وَتَثْبُتُ الْخُلْطَةُ ثُمَّ يَحْلِفُ حِينَئِذٍ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ ابْنُ كِنَانَةَ بِقَوْلِهِ إنَّمَا هُوَ أَمْرٌ لَا يَجِبُ بِهِ عَلَيْهِ غَيْرُ الْيَمِينِ فَتَثْبُتُ بِسَبَبٍ أَوْ بِشَيْءٍ يُرِيدُ مِمَّا تَقْوَى بِهِ دَعْوَى الْمُدَّعِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ مَعْنًى يَثْبُتُ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُقُوقُ، وَلَمَّا اخْتَصَّ بِالْمَالِ ثَبَتَ بِمَا ثَبَتَ بِهِ الْمَالُ مِنْ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَثْبَتَ حَقَّهُ بِبَيِّنَةٍ فَدَفَعَهَا الْمَطْلُوبُ بِعَدَاوَةٍ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ هُوَ كَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَقَدْ قِيلَ يَحْلِفُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْبَيِّنَةَ الْمَرْدُودَةَ لَمَّا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيمَا شَهِدَتْ بِهِ مِنْ الْحَقِّ فَبِأَنْ لَا تُؤَثِّرَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُشْهَدْ بِهِ مِنْ الْخُلْطَةِ أَوْلَى، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ رُدَّتْ بَعْدَ الْقَبُولِ فَإِنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْإِرْثِ فِي إيجَابِ الْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ فِي الدِّمَاءِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ فَإِذَا جَاءَهُ الرَّجُلُ يَدَّعِي عَلَى الرَّجُلِ حَقًّا يَقْتَضِي أَنَّ الدَّعَاوَى إنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْحَاكِمِ وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ كَانَ خَلِيفَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَقْضِي فِي الْحَالَتَيْنِ أَوْ فِي إحْدَاهُمَا فَأَمَّا الْخَلِيفَةُ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ حُكْمِهِ وَقَدْ حَكَمَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَإِنَّمَا اسْتَقْضَى الْقُضَاةُ حِينَ اتَّسَعَ الْأَمْرُ وَشُغِلَ الْخُلَفَاءُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا أَمِيرٌ غَيْرُ مُؤَمَّرٍ يُرِيدُ أَنَّهُ غَالِبٌ مَالِكٌ لِلْأَمْرِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ وَمُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ فِي الْوَاضِحَةِ: هُوَ كَالْخَلِيفَةِ يَنْفُذُ حُكْمُهُ إلَّا فِي جَوْرٍ أَوْ خَطَأٍ بَيِّنٍ، يُرِيدُ فَلَا يَجُوزُ حُكْمُهُ قَالَ، وَإِنْ كَانَ مُؤَمَّرًا يُرِيدُ وَلَّاهُ غَيْرُهُ يُفَوِّضُ إلَيْهِ حُكُومَةً فَلَا يَجُوزُ حُكْمُهُ، وَلَا أَنْ يَسْتَقْضِيَ غَيْرَهُ، وَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَنْفُذْ حَتَّى يُفَوِّضَ إلَيْهِ نَصًّا فَيَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَسْتَقْضِيَ قَاضِيًا، وَيَجُوزُ حُكْمُهُ وَحُكْمُ قَاضِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إذَا كَانَ مِثْلُ وَالِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة أَوْ وَالِي الْفُسْطَاطِ أَمِيرَ الصَّلَاةِ فَإِنَّ قَضَاءَهُ مَاضٍ وَقَضَاءَ قَاضِيهِ إلَّا فِي جَوْرٍ بَيِّنٍ.
وَنَحْوُهُ رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ وَزَادَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَمِيرُ عَدْلًا لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونَ أَنَّ الْوِلَايَةَ إذَا كَانَتْ بِغَلَبَةٍ وَمَلَكَةٍ لِلْأَمْرِ فَهِيَ عَامَّةٌ، وَإِذَا وَلَّاهُ غَيْرُهُ فَهِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَا وَلَّاهُ إيَّاهُ دُونَ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِذَا لَمْ يُوَلِّ عَلَى الْقَضَاءِ وَالْأَحْكَامِ وَتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ وِلَايَةَ الْإِمَارَةِ عَامَّةٌ فَتَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى الْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا قَضَى صَاحِبُ السُّوقِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَرْضِينَ، وَلِلنَّاسِ قَاضٍ أَوْ مَاتَ قَاضِيهِمْ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ وَالْمَجْمُوعَةِ: إنْ جَعَلَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمِيرُ الَّذِي يُوَلِّي الْقُضَاةَ كَأَمِيرِ مِصْرَ، وَإِفْرِيقِيَةَ وَالْأَنْدَلُسِ جَازَ قَضَاؤُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا فَقِيهًا، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ إلَّا فِيمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَوَالِي الْمِيَاهِ إذَا جَعَلَ إلَيْهِ الْأَمِيرُ الْقَضَاءَ وَكَانَ عَدْلًا وَحَكَمَ بِصَوَابٍ جَازَ حُكْمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ قَالَهُ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ وَكِتَابِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ فَإِذَا قُدِّمَ لِلْقَضَاءِ وَالِي الْمِيَاهِ أَوْ غَيْرُهُ، وَوَجَدْنَا فِيهِ شُرُوطَ الْقَضَاءِ مِنْ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا صَحَّتْ أَحْكَامُهُ، وَإِنْ عُدِمَتْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ مِنْهُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ حَكَّمَ رَجُلَانِ بَيْنَهُمَا رَجُلًا فَقَضَى بَيْنَهُمَا فَقَضَاؤُهُ جَائِزٌ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ قَضَى بِمَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، وَيَرَى الْقَاضِي خِلَافَهُ فَحُكْمُهُ مَاضٍ إلَّا فِي جَوْرٍ بَيِّنٍ.
وَقَالَهُ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا قَدَّمَاهُ لِلْحُكْمِ بَيْنَهُمَا بِمَا يَرَاهُ وَالْتَزَمَا ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُمَا ذَلِكَ إلَّا بِمُوَافَقَتِهِمَا
стр. 1564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَلَيْهِ وَمُوَافَقَتِهِ هُوَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ.
(فَرْعٌ) وَمَتَى يَلْزَمُهُمَا ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إذَا حَكَّمَاهُ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عِنْدَهُ ثُمَّ بَدَا لِأَحَدِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ قَالَ أَرَى أَنْ يُقْضَى بَيْنَهُمَا، وَيَجُوزُ حُكْمُهُ وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ لِمُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ قَالَ مُطَرِّفٌ: لَهُ النُّزُوعُ قَبْلَ نَظَرِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا فِي شَيْءٍ فَأَمَّا بَعْدَ أَنْ يَنْشَبَا فِي الْخُصُومَةِ عِنْدَهُ وَنَظَرِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِمَا فَلَا نُزُوعَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيَلْزَمُهُمَا التَّمَادِي قَالَ أَصْبَغُ: كَمَا لَيْسَ لَهُ إذَا تَوَاضَعَا الْخُصُومَةَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا أَوْ يَعْزِلَ وَكِيلًا لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ: لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَبْدُوَ لَهُ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُفَاتِحَهُ صَاحِبُهُ أَوْ بَعْدَ مَا نَاشَبَهُ الْخُصُومَةَ وَحُكْمُهُ لَازِمٌ لَهُمَا كَحُكْمِ السُّلْطَانِ لِمَنْ أَحَبَّ مِنْهُمَا أَوْ كَرِهَ نَظَرَ لِصَاحِبِهِ كَمَا يَنْظُرُ السُّلْطَانُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابِ ابْنِهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَمْضِ الْحُكْمُ فِيهِ فَإِذَا أَمْضَاهُ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِالتَّحْكِيمِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَنْ تَابَعَهُ أَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْوَكَالَةِ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حَاكِمٌ خَاصٌّ وَالْوِلَايَةُ عَامَّةٌ وَالثَّانِي: أَنَّ حُكْمَهُ إنَّمَا يَكُونُ بِإِذْنِ مَنْ يُحْكَمُ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَعْنَى الْوَكَالَةِ، وَأَمَّا الْوِلَايَةُ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ تَحْكِيمُ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، وَهِيَ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ لِاخْتِصَاصِهَا بِالْحُكْمِ عَلَى الْمُتَخَاصِمَيْنِ بِخِلَافِ مَا يَرْضَيَانِ بِهِ، وَالْوَكَالَةُ لَا تَكُونُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ إلَّا بِمَا يَرْضَاهُ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَلْزَمُ بِشُرُوعِهِ فِي النَّظَرِ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَلْزَمُ بِالْقَوْلِ مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْبَغُ مِنْهُمَا مِنْ أَنَّهَا كَالْوَكَالَةِ لَا يَصِحُّ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ وَكِيلَهُ بَعْدَ مَا شَرَعَ فِي الْخُصُومَةِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَلَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِيهَا وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونَ أَنَّهُ يَلْزَمُ بِالتَّحْكِيمِ وَرِضَاهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَ آدَمِيَّيْنِ فَلَزِمَ بِالْقَوْلِ كَالتَّحْكِيمِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ الْخُصُومَةَ عِنْدَ الْقَاضِي يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ التَّنْفِيذِ لِلْقَاضِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ، وَهَذَا الْوَكِيلُ لَا يَشْرَعُ عِنْدَ غَيْرِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ عَلَى النَّظَرِ لِلْمُوَكَّلِ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ مَتَى شَاءَ عَمَّا يَسْتَقْبِلُ مِنْ عَمَلِهِ دُونَ الْقَاضِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَلَوْ حَكَّمَ الْمُتَخَاصِمَانِ رَجُلَيْنِ فَحَكَمَ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يَحْكُمْ الْآخَرُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ قَالَهُ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ، وَلَوْ حَكَّمَ جَمَاعَةً فَاتَّفَقُوا عَلَى حُكْمٍ نَفَّذُوهُ وَقَضَوْا بِهِ جَازَ قَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا إذَا رَضِيَا بِحُكْمِ رَجُلَيْنِ أَوْ رِجَالٍ فَلَا يَلْزَمُهُمَا حُكْمُ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ كَمَا لَوْ وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلَيْنِ يَشْتَرِيَانِ لَهُ ثَوْبًا أَوْ يُطَلِّقَانِ امْرَأَتَهُ فَفَعَلَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وُجِدَ الْحُكْمُ مِنْ جَمِيعِ مَنْ تَرَاضَيَا بِحُكْمِهِ كَمَا لَوْ كَانَ وَاحِدٌ فَانْفَرَدَ حُكْمُهُ عَلَى الصَّوَابِ، وَهَذَا كَمَا نَقُولُهُ فِي الْحَكَمَيْنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَفِي جَزَاءِ الصَّيْدِ أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ اثْنَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ رَجُلَيْنِ الْقَضَاءَ عَلَى أَنْ يَحْكُمَا جَمِيعًا فِي حُكُومَةٍ وَاحِدَةٍ يَشْهَدُ بِهَا الشُّهُودُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَنْفُذُ أَنَّهَا إلَّا بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمَا، وَلَا أَنْ يَتَّفِقَ قَاضِيَانِ عَلَى أَنْ يَنْظُرَا فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَنْفُذُ إلَّا بِإِنْفَاذِهَا، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ مَا اتَّصَلَ بِهِ الْعَمَلُ مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ وَالْبِلَادِ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ جَرَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَى أَنْ ظَهَرَتْ هَذِهِ الْبِدْعَةُ بِأُنْدَةَ مِنْ كُوَرِ الْأَنْدَلُسِ فَتَوَلَّى التَّقْدِيمَ فِيهَا لِلْقُضَاةِ رَجُلٌ مُسْرِفٌ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ فَرْطِ جَهْلِهِ فَقَدَّمَ ثَلَاثَةً لَا يُنَفِّذُ أَحَدُهُمْ فِيهَا قَضِيَّةً إلَّا بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمْ، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الشُّهُودَ كَانُوا يَشْهَدُونَ عِنْدَ الْأَوَّلِ فَيَكْتُبُ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدِ شَهِدَ ثُمَّ يَشْهَدُ ذَلِكَ الشَّاهِدُ عِنْدَ الثَّانِي فَيَكْتُبُ عَلَى شَهَادَتِهِ عِنْدَنَا ثُمَّ يَشْهَدُ عِنْدَ الثَّالِثِ فَيَكْتُبُ عَلَى شَهَادَتِهِ فَيَحْصُلُ بِمَا كَتَبُوهُ شَهِدَ عِنْدَنَا فَأَمَّا أَحَدُهُمْ فَنُزِعَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا أَرَاهُ إلَّا بَلَغَهُ إنْكَارِي لِلْأَمْرِ، وَأَمَّا الْآخَرَانِ فَأَصَرَّا وَتَمَادَيَا عَلَى ضَلَالَتِهِمَا وَسَوَّغَ لَهُمْ حُكَّامُ الْجَزِيرَةِ، وَفُقَهَاؤُهُمْ ذَلِكَ لِقِلَّةِ مُرَاعَاتِهِمْ لِهَذَا الْمَعْنَى وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاضِي الْمُوَلَّى لِلْقَضَاءِ، وَبَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يُحَكِّمَانِهِمَا الْخَصْمَانِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَضَاءَ وِلَايَةٌ كَالْإِمَارَةِ وَالْإِمَامَةِ
стр. 1565
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فَلَا تَصِحُّ مِنْ اثْنَيْنِ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ مَا قَامَ بِهِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ وَقَالُوا لِلْمُهَاجِرِينَ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ فَقَالَ عُمَرُ لَسَيْفَانِ فِي غِمْدٍ لَا يَصْطَلِحَانِ أَبَدًا وَرَجَعَ النَّاسُ إلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَالْمُهَاجِرِينَ، وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ.
وَوَجْهٌ ثَانٍ: أَنَّ إمَامَةَ الْخِلَافَةِ تَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْأَحْكَامِ، وَهِيَ أَصْلُ التَّقْدِيمِ فِيهِمَا فَكَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلَانِ يُصَلِّيَانِ بِالنَّاسِ صَلَاةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّمَ لِلنَّاسِ حَاكِمَانِ يَحْكُمَانِ جَمِيعًا فِي كُلِّ حُكْمٍ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا قَدَّمَ لِلْأَحْكَامِ مَنْ يَرْضَى دِينَهُ، وَأَمَانَتَهُ وَعِلْمَهُ وَمَنْ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَهَذَا يُنَافِي مُقَارَنَةَ آخَرَ لَهُ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ إلَّا بِمُوَافَقَتِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةُ مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ الضَّلَالُ؛ لِكَثْرَتِهِ مِنْهُ وَتَقْصِيرِهِ عَنْ الْقِيَامِ بِالْحَقِّ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلَا خِلَافَ أَنَّ حُكْمَ الْوَاحِدِ هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْلُومُ الظَّاهِرُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ غَيْرُهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ سِوَاهُ كَمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ يَقُومُ مَقَامَ شَاهِدٍ كَامِلِ الْعَدَالَةِ.
فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ حَاجَةِ النَّاسِ إلَى الشَّهَادَاتِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُوَلَّ أَحَدٌ هَذَا فَيُعَوَّلُ فِيهِ عَلَيْهِ فَالْمَرْأَتَانِ لِنُقْصَانِ دِينِهِمَا يَقُومَانِ مَقَامَ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ، وَلَا يُقَامُ رَجُلَانِ مِنْ الشُّهَدَاءِ مَقَامَ رَجُلٍ فَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَامَ حَاكِمَانِ مَقَامَ حَاكِمٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ تَقْدِيمُ النِّسَاءِ وَتَوْلِيَتِهِنَّ الْحُكُومَةَ فَتَقُومُ امْرَأَتَانِ مَقَامَ رَجُلٍ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ وَمِمَّا يَجْرِي مَجْرَى هَذَا مَا جَرَى بِبَلَدِنَا بِجِهَةِ الرَّقَّةِ فَإِنَّهُمْ قَدَّمُوا لِلْقَضَاءِ ابْنَ عُمَرَ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَنْعِ وَالتَّحْرِيمِ لَهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَبَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَقَدْ أَنْكَرْتُ هَذَا حِينَ وُقُوعِهِ.
[مَسْأَلَةِ التَّحْكِيمِ وَفِيهَا بَابَانِ]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ مَنْ يَجُوزُ تَحْكِيمُهُ]
وَفِيمَا بَقِيَ مِنْ مَسْأَلَةِ التَّحْكِيمِ بَابَانِ أَحَدُهُمَا فِي صِفَةِ مَنْ يَجُوزُ تَحْكِيمُهُ وَالثَّانِي فِي تَبْيِينِ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهَا (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ مَنْ يَجُوزُ تَحْكِيمُهُ) فَأَمَّا صِفَةُ مَنْ يَحْكُمُ فَأَنْ يَكُونَ رَجُلًا حُرًّا مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا عَدْلًا رَشِيدًا قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابِ ابْنِهِ لَوْ حَكَّمَا مَسْخُوطًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا فَحُكْمُهُ بَاطِلٌ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَكَذَلِكَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي الْوَاضِحَةِ وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْمَسْخُوطُ وَالنَّصْرَانِيُّ قَالَ أَشْهَبُ: وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ وَالْمُوَسْوِسُ، وَإِنْ أَصَابُوا الْحُكْمَ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُمْ.
وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ فِي الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَقَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ إنْ حَكَّمَا بَيْنَهُمَا امْرَأَةً فَحُكْمُهَا مَاضٍ إذَا كَانَ مِمَّا يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْحُرُّ الْمَسْخُوطُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ إنْ كَانَ الْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ بَصِيرَيْنِ عَارِفَيْنِ مَأْمُونَيْنِ فَإِنَّ تَحْكِيمَهُمَا وَحُكْمَهُمَا جَائِزٌ إلَّا فِي خَطَأٍ بَيِّنٍ وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَأَشْهَبُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَبِهِ آخُذُ.
وَقَدْ وَلَّى عُمَرُ الشِّفَاءَ، وَهِيَ أُمُّ سُلَيْمَانَ بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ سُوقَ الْمَدِينَةِ، وَلَا بُدَّ لِوَالِي السُّوقِ مِنْ الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَوْ فِي صِغَارِ الْأُمُورِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: إنْ حَكَّمَا مَسْخُوطًا فَحَكَمَ فَأَصَابَ جَازَ، وَكَذَلِكَ الْمَحْدُودُ وَالصَّبِيُّ إذَا كَانَ قَدْ عَقَلَ وَعَرَفَ وَعَلِمَ فَرُبَّ غُلَامٍ لَمْ يَبْلُغْ لَهُ عِلْمٌ بِالسُّنَّةِ وَالْقَضَاءِ، وَأَصْلُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْوَكَالَةِ لَمْ يُرَاعِ فِيهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَاهِبَ الْعَقْلِ، وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ فِي حُكْمٍ خَاصٍّ لَمْ يُجِزْ فِيهِ إلَّا مَنْ قَدَّمْنَا وَصْفَهُ قَبْلَ هَذَا مِمَّنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ صِفَاتُ الْحُكْمِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي تَبْيِينِ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهَا] ١
(الْبَابُ الثَّانِي فِي تَبْيِينِ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهَا) ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ حُكْمُهُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ يُحَكِّمَانِهِ فِي الْأَمْوَالِ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقِيمَ حَدًّا، وَلَا يُلَاعِنَ قَالَهُ سَحْنُونٌ.
وَقَالَ أَصْبَغُ لَا يُقْضَى بَيْنَهُمَا فِي قِصَاصٍ، وَلَا حَدِّ قَذْفٍ، وَلَا عِتْقٍ، وَلَا طَلَاقٍ، وَلَا نَسَبٍ، وَلَا وَلَاءٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَشْيَاءُ لَا يَقْطَعُهَا إلَّا الْإِمَامُ قَالَ أَصْبَغُ فَإِنْ حَكَّمَاهُ فَحَكَمَ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ فِيهِ نَفَذَ حُكْمُهُ، وَيَنْهَاهُ
стр. 1566
الْقَضَاءُ فِي شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَقْضِي بِشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ الْجِرَاحِ قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ تَجُوزُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ الْجِرَاحِ، وَلَا تَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ الْجِرَاحِ وَحْدَهَا لَا تَجُوزُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ إذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا أَوْ يُخَبِّبُوا أَوْ يَعْلَمُوا فَإِنْ افْتَرَقُوا فَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَشْهَدُوا الْعُدُولَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقُوا)
ــ
[المنتقى]
السُّلْطَانُ عَنْ الْعَوْدَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ لَهَا قَدْرٌ فَيُحْتَاطُ لَهَا بِأَنْ لَا يَحْكُمُ فِيهَا إلَّا مَنْ قَامَ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْإِمَامِ بِأَحْوَالِهِ الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِكَ لَهُ أَوْ يُؤْمَنُ فِي الْأَغْلَبِ أَمْرُهُ أَوْ مَنْ قَدَّمَهُ الْإِمَامُ أَوْ الْحَاكِمُ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ فِي ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْقَضَاءُ فِي شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ وَفِيهِ أَبْوَاب]
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَقْضِي بِشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ الْجِرَاحِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاوِيَةُ وَمِنْ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ مَعْنَاهُ عِنْدَنَا فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْكِبَارِ وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ مَا رَأَيْتُ الْقُضَاةَ أَخَذَتْ إلَّا بِقَوْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَلِيٌّ وَمَنْ تَابَعَهُ مَا احْتَجَّ بِهِ شُيُوخُنَا مِنْ أَنَّ الدِّمَاءَ يَجِبُ الِاحْتِيَاطُ لَهَا وَالصِّبْيَانُ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِمْ يَنْفَرِدُونَ فِي مَلَاعِبِهِمْ حَتَّى لَا يَكَادَ أَنْ يُخَالِطَهُمْ غَيْرُهُمْ، وَيَجْرِي بَيْنَهُمْ مِنْ اللَّعِبِ وَالتَّرَامِي مَا رُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِلْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ بَيْنَهُمْ إلَّا الْكِبَارُ، وَأَهْلُ الْعَدْلِ لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى هَدْرِ دِمَائِهِمْ وَجِرَاحِهِمْ فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ بَيْنَهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقَعُ عَلَى الصِّحَّةِ فِي غَالِبِ الْحَالِ وَسَنُبَيِّنُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي ذِكْرِ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ مِنْهُمْ وَالْبَابُ الثَّانِي فِي تَبْيِينِ الْحَالَةِ الَّتِي تَجُوزُ عَلَيْهَا شَهَادَتُهُمْ.
وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي ذِكْرِ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ مِنْ الصِّبْيَانِ] ١
ِ اتَّفَقَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى أَنَّهَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِيمَا دُونَ الْقَتْلِ مِنْ الْجِرَاحِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي الْحُقُوقِ قَالَ سَحْنُونٌ: إنَّمَا أَجَزْتُهَا فِي الْجِرَاحِ، وَلَمْ أُجِزْهَا فِي الْحُقُوقِ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ يَحْضُرُهَا الْكِبَارُ، وَلَا يَحْضُرُونَ فِي جِرَاحِ الصِّغَارِ فِي الْأَغْلَبِ، وَلَوْ حَضَرَهَا كَبِيرٌ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ قِيلَ لَهُ فَيَلْزَمُك عَلَى هَذَا الْغَصْبُ أَنْ يَغْصِبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ثَوْبًا قَالَ غَيْرُهُ قَدْ يُقْبَلُ فِي الدِّمَاءِ مَا لَا يُقْبَلُ فِي الْأَمْوَالِ
احْتِيَاطًا لِلدِّمَاءِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِهَا فِي الْقَتْلِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ أَنَّهَا تَجُوزُ بَيْنَهُمْ فِي الْقَتْلِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَشْهَبُ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ إنَّمَا أُجِيزَتْ لِلِاحْتِيَاطِ لِلدِّمَاءِ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَجُزْ فِي الْحُقُوقِ،
وَالِاحْتِيَاطُ لِلنُّفُوسِ أَعْظَمُ مِنْ الِاحْتِيَاطِ لِلْجِرَاحِ
فَإِذَا لَمْ تَتَكَرَّرْ لِكَثْرَةِ لَعِبِهِمْ وَتَرَامِيهِمْ بِالْحِجَارَةِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّمَا جُوِّزَ لِلضَّرُورَةِ فِيمَا يَكْثُرُ بَيْنَهُمْ مِمَّا انْفَرَدُوا بِهِ دُونَ مَا يَقِلُّ، وَيَنْدُرُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِي الْحُقُوقِ وَالْغَصْبِ فَإِنَّهُ يَقِلُّ بَيْنَهُمْ، وَيَنْدُرُ حَالَ انْفِرَادِهِمْ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا جُوِّزَتْ فِي الْقَتْلِ فَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: لَا يَجُوزُ فِيهِ حَتَّى يَشْهَدَ الْعُدُولُ عَلَى رُؤْيَةِ الْبَدَنِ مَقْتُولًا وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا شَهَادَةٌ أُجِيزَتْ لِلضَّرُورَةِ فَلَا تَثْبُتُ إلَّا بِثُبُوتِ أَصْلِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ فِيهِ شَهَادَةُ الْعُدُولِ كَشَهَادَةِ النِّسَاءِ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ وَالْقَتْلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ ذَا الَّذِي تَجُوزُ شَهَادَتُهُ مِنْ الصِّبْيَانِ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْإِنَاثِ
стр. 1567
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَقَالَ سَحْنُونٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَهَادَةِ إنَاثِهِمْ فِي الْجِرَاحِ فَلَمْ يُجِزْهَا فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، وَأَجَازَهَا فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ.
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: تَجُوزُ شَهَادَةُ إنَاثِهِمْ وَذُكُورِهِمْ فِي الْقَتْلِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ إنَاثِهِمْ قَالَ سَحْنُونٌ: وَاَلَّذِي آخُذُ بِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ صِغَارًا حَيْثُ تَجُوزُ كِبَارًا وَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ أَنَّ الضَّرُورَةَ إنَّمَا تَدْعُو إلَى مَا يَكْثُرُ، وَيَتَكَرَّرُ دُونَ مَا يَقِلُّ وَيَنْدُرُ، وَحُضُورُ الْإِنَاثِ مَعَ الذُّكُورِ مِنْهُمْ يَقِلُّ لَا سِيَّمَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَقِلُّ مِنْهُمْ مِثْلُ هَذَا فَلِذَلِكَ لَمْ تَدْعُ الضَّرُورَةُ إلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِنَّ وَوَجْهُ الْإِجَازَةِ أَنَّ الصِّغَارَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِيمَا انْفَرَدُوا بِحُضُورِهِ كَالذُّكُورِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْإِنَاثِ فَقَدْ رَوَى مَعْنُ بْنُ عِيسَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُمْ غُلَامٌ وَجَارِيَتَانِ وَرَوَاهُ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنْ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ غُلَامَانِ أَوْ غُلَامٌ وَجَارِيَتَانِ، وَلَا يَجُوزُ غُلَامٌ وَجَارِيَةٌ، وَلَا جَوَارٍ، وَإِنْ كَثُرْنَ؛ لِأَنَّهُنَّ وَإِنْ كَثُرْنَ مَقَامُ اثْنَتَيْنِ وَاثْنَتَانِ مَقَامُ غُلَامٍ، وَلَا يُحْكَمُ بِشَهَادَةِ الْغُلَامِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يَكُونُ مَعَهُ قَسَامَةٌ.
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: وَلَا يَحْلِفُ مَعَهُ فِي الْجِرَاحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ مَعَهُ كَبِيرٌ عَدْلٌ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ فَيَمِينُ الْوَلِيِّ مَعَهُ كَشَاهِدٍ مَعَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ مِنْهُمْ زَادَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ، وَلَا شَهَادَةُ مَنْ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ كِبَارِهِمْ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ صِغَارِهِمْ كَالْمَجَانِينِ وَالْمَخْبُولِينَ، وَإِنْ شَهِدَ أَحْرَارُهُمْ لِعَبِيدِهِمْ جَازَ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يُنْظَرُ فِي الصِّبْيَانِ إلَى عَدَالَةٍ، وَلَا عَدَاوَةٍ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ إلَى عَدَالَةٍ، وَلَا جُرْحَةٍ فِيهِمْ قَالَ سَحْنُونٌ؛ لِأَنَّ عَدَاوَتَهُمْ لَا عَوْدَ لَهَا، وَلَا نَفْعَ فِي مَوْضِعِ الْعَدَاوَةِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ الْحَالِ مَا يَقْصِدُونَ بِهِ إلَى أَذَى مَنْ يُعَادِيهِمْ بِمِثْلِ هَذَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: إذَا ثَبَتَتْ الْعَدَاوَةُ لَمْ يَجُزْ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ فَأَثَّرَ فِي إبْطَالِهَا الْعَدَاوَةُ كَشَهَادَةِ الْكِبَارِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ يَجُوزُ لِذَوِي الْقَرَابَةِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يُنْظَرُ فِي شَهَادَتِهِمْ إلَى جُرْحَةٍ، وَلَا قَرَابَةٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ تَسْقُطُ فِي الْقَرَابَةِ.
وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: يَجْرِي مَجْرَى الْكَبِيرِ فِي الْأَبَوَيْنِ وَالْجُدُودِ وَالزَّوْجَةِ فَتُرَدُّ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ، وَقَالَهُ سَحْنُونٌ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ بِعَدَاوَتِهِ، وَلَا عَدَالَتِهِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ بِقَرَابَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ بِكُلِّ وَجْهٍ وَالْقَرَابَةَ لَا تَمْنَعُهَا إلَّا عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَكَانَتْ الْعَدَاوَةُ أَبْلَغَ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ مِنْ الْقَرَابَةِ فَإِذَا لَمْ تَمْنَعْ الْعَدَاوَةُ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ فَبِأَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْهَا الْقَرَابَةُ أَوْلَى، وَأَحْرَى وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ اعْتِبَارُهَا بِشَهَادَةِ الْكِبَارِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي تَبْيِينِ الْحَالَةِ الَّتِي تَجُوزُ عَلَيْهَا شَهَادَتُهُمْ] ١
(الْبَابُ الثَّانِي فِي تَبْيِينِ الْحَالَةِ الَّتِي تَجُوزُ عَلَيْهَا شَهَادَتُهُمْ) هِيَ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ وَتُقَيَّدُ شَهَادَتُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا فَأَمَّا الْكَبِيرُ يَكُونُ مَعَهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَتِهِمْ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ إذَا انْفَرَدُوا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ إنَّمَا أُجِيزَتْ بَيْنَهُمْ لِلضَّرُورَةِ وَالضَّرُورَةُ إنَّمَا تَكُونُ إذَا انْفَرَدَ، وَإِذَا كَانَ مَعَهُمْ كَبِيرٌ فَقَدْ زَالَتْ الضَّرُورَةُ وَصَارُوا عَلَى حَالَةٍ يُمْكِنُ إثْبَاتُ أَحْكَامِهِمْ مَعَهَا فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ.
وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَوْ شَهِدَ صَبِيَّانِ أَنَّ صَبِيًّا قَتَلَ صَبِيًّا مُبَاغَتَةً وَشَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَأَنَّهُمَا حَاضِرَانِ حَتَّى سَقَطَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ دُونَ أَنْ يَضْرِبَهُ أَحَدٌ أَوْ يَقْتُلَهُ فَشَهَادَةُ الصِّبْيَانِ تَامَّةٌ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى قَوْلِ الْكَبِيرَيْنِ كَمَا لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّهُ قَتَلَهُ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى الْأَعْدَلِ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ أَنْكَرَ سَحْنُونٌ قَوْلَ أَصْبَغَ هَذَا وَقَالَ: قَوْلُ أَصْحَابِنَا أَنَّ شَهَادَةَ الْكَبِيرَيْنِ أَحَقُّ، وَأَنَّهَا كَالْجُرْحَةِ لِلصِّغَارِ، وَغَيْرُ هَذَا خَطَأٌ غَيْرُ مُشْكِلٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَسَوَاءٌ كَانَ الْكِبَارُ رِجَالًا أَوْ نِسَاءً؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ يَجُزْنَ فِي الْخَطَأِ وَعَمْدُ الصَّبِيِّ كَالْخَطَأِ قَالَهُ كُلَّهُ
стр. 1568
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
سَحْنُونٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا كَانَ مَعَهُمْ كَبِيرٌ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ شَاهِدٌ أَوْ مَشْهُودٌ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَةُ الصِّغَارِ إلَّا كَبِيرٍ مَقْتُولٍ لَمْ يَبْقَ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ بِعَصَا لَا يَبْقَى لَهُ بَعْدَ سَبَبِهِ حَيَاةٌ يُعْلِمُهُمْ، وَيُلَقِّنُهُمْ الشَّهَادَةَ مِثْلَ أَنْ يُلْقِيَهُ أَحَدُ الصِّبْيَانِ مِنْ عُلُوٍّ عَظِيمٍ لَا يَصِحُّ أَنْ يَعِيشَ مَنْ سَقَطَ مِنْهُ أَوْ يُلْقِيَهُ مِنْ عُلُوٍّ فِي بَحْرٍ فَيَغْرَقُ أَوْ يَضْرِبَهُ بِسَيْفٍ ضَرْبَةً يُبِينُ بِهَا رَأْسَهُ أَوْ مَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ تُرَاعَى الْعَدَالَةُ فِي الْكَبِيرِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُمْ قَالَ مَالِكٌ إذَا شَهِدَ صَبِيَّانِ مَعَ كَبِيرٍ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ قَالَ مُطَرِّفٌ: إذَا كَانَ الْكَبِيرُ عَدْلًا فَأَمَّا إذَا كَانَ مَسْخُوطًا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَوْ عَبْدًا لَمْ تَضُرَّ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونَ وَأَصْبَغُ وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ إنْ كَانَ مَعَهُمْ كَبِيرٌ غَيْرُ عَدْلٍ وَكَانَ ظَاهِرَ السَّفَهِ وَالْجُرْحَةِ جَازَتْ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ ثُمَّ وَقَفَ عَلَى إجَازَتِهَا.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ إذَا كَانَ الَّذِي حَضَرَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فَبِأَنْ لَا تُؤَثِّرَ فِي رَدِّ شَهَادَةِ غَيْرِهِ أَوْلَى وَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ الْآخَرِ فِي تَوَقُّفِهِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ صَلُحَتْ حَالُهُمْ بِحُضُورِ الْفَاسِقِ مَعَهُمْ عَنْ حَالِ الضَّرُورَةِ وَالْحَالِ الْمُتَكَرِّرَةِ إلَى حَالٍ يَنْدُرُ، وَيَقِلُّ مِنْ جَرَيَانِ مِثْلِ هَذَا بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا مُخْتَصٌّ بِمَوْضِعٍ يَحْضُرُهُ الْكِبَارُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلِذَلِكَ لَوْ شَهِدَ الْكَبِيرُ بِمِثْلِ مَا شَهِدَ بِهِ الصِّبْيَانُ بَطَلَتْ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يُقْبَلُ صَبِيٌّ أَوْ صَبِيَّانِ وَرَجُلٌ عَلَى صَبِيٍّ، وَيُكَلَّفُ شَهَادَةَ رَجُلٍ آخَرَ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فَثَبَتَ أَنَّ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي مَنْعِ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ حُضُورُ الْكَبِيرِ دُونَ اعْتِبَارِ حَالِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا افْتِرَاقُهُمْ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ إنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ مَا لَمْ يَفْتَرِقُوا أَوْ يُخَبِّبُوا فَلَا تَجُوزُ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا إنَّمَا أُجِيزَتْ شَهَادَتُهُمْ لِلضَّرُورَةِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا مِنْ أَنَّهُمْ يَنْفَرِدُونَ بِاللَّعِبِ بِمَا تَكْثُرُ بِهِ الْجِرَاحُ، وَرُبَّمَا أَدَّتْ إلَى الْقَتْلِ، وَالشَّرْعُ قَدْ وَرَدَ بِحِفْظِ الدِّمَاءِ وَالِاحْتِيَاطِ لَهَا بِأَنْ تَثْبُتَ بِمَا لَا يَثْبُتُ بِهَا غَيْرُهَا، وَمِمَّا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْمَالِ، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ الضَّبْطِ وَالثَّبَاتِ مَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ الِانْتِقَالِ مِنْ قَوْلٍ إلَى قَوْلٍ وَمِنْ رَأْيٍ إلَى رَأْيٍ، وَلَا عُلِمَتْ لَهُمْ عَدَالَةٌ يُؤْمَنُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُحْكَمُ بِأَوَّلِ قَوْلِهِمْ وَمَا ضُبِطَ مِنْهُ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ وَأَمَّا تَفَرُّقُهُمْ مَا لَمْ تُقَيَّدْ شَهَادَتُهُمْ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُمْ فَإِنْ أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي شَهَادَتِهِمْ تَفَرُّقُهُمْ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَنْ يُخَبِّبُوا أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ أَوْ كِبَارٌ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُلَقِّنُوهُمْ الشَّهَادَةَ، وَيَصْرِفُوهُمْ عَنْ وَجْهِهَا أَوْ يُزَيِّنُوا لَهُمْ الزِّيَادَةَ فِيهَا أَوْ النُّقْصَانَ مِنْهَا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ، وَبَطَلَتْ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي الشَّهَادَةِ فَقَالَ اثْنَانِ مِنْهُمْ فُلَانٌ شَجَّ فُلَانًا وَقَالَ آخَرَانِ مِنْهُمْ بَلْ شَجَّهُ فُلَانٌ فَفِي النَّوَادِرِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي كُتُبٍ قَدَّمَ ذِكْرَهَا إلَّا كِتَابَ ابْنِ حَبِيبٍ: تَبْطُلُ شَهَادَتُهُمْ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ إنَّمَا تُقْبَلُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَهَاتُرٌ، وَلَوْ اخْتَلَفَتْ اخْتِلَافًا يَقْتَضِي فِي الْكِبَارِ الْأَخْذَ بِشَهَادَةِ أَحَدِهِمَا لَمْ تَبْطُلْ بِذَلِكَ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ: لَوْ شَهِدَ صَبِيَّانِ أَنَّ صَبِيًّا قَتَلَ صَبِيًّا وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَإِنَّمَا أَصَابَتْهُ دَابَّةٌ قُضِيَ بِشَهَادَةِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالْقَتْلِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا كِبَارًا عُدُولًا لَحُكِمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الْقَتْلِ فَكَذَلِكَ هَذَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا رُجُوعُهُمْ عَنْ الشَّهَادَةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يُبَالِي بِرُجُوعِهِمْ إذَا أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ إلَّا أَنْ يَرْجِعُوا قَبْلَ الْحُكْمِ، وَبَعْدَ أَنْ صَارُوا رِجَالًا فَيَكُونُ ذَلِكَ مُبْطِلًا لِشَهَادَتِهِمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ الصِّبْيَانِ بَاطِلٌ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونَ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
стр. 1569
(ص) : (مَا جَاءَ فِي الْحِنْثِ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ -) (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِسْطَاسٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي آثِمًا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» مَالِكٌ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ السُّلَمِيِّ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ قَالُوا وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» ) .
ــ
[المنتقى]
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ]
(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ) فَإِنَّهُمْ إنْ شَهِدُوا بِقَتْلِ صَبِيٍّ لِصَبِيٍّ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ تَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ الدِّيَةُ بِلَا قَسَامَةٍ وَقَالَهُ أَصْبَغُ قَالَ سَحْنُونٌ: وَعَمْدُ الصَّبِيِّ كَالْخَطَأِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا شَهَادَةٌ كَامِلَةٌ فَاسْتَغْنَتْ عَنْ الْقَسَامَةِ وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَتْلِ الْخَطَأِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي سِتَّةِ صِبْيَانٍ لَعِبُوا فِي الْبَحْرِ فَغَرِقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ أَنَّهُمَا غَرَّقَاهُ وَشَهِدَ الِاثْنَانِ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَنَّهُمْ غَرَّقُوهُ قَالَ الْقَتْلُ عَلَى الْخَمْسَةِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: هَذَا غَلَطٌ؛ لِاخْتِلَافِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: وَلَوْ كَانُوا كِبَارًا فَاخْتَلَفُوا هَكَذَا كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُ صَارَتْ شَهَادَتُهُمْ إقْرَارًا وَقَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّلُ يَقْتَضِي أَنَّ اخْتِلَافَ شَهَادَتِهِمْ لَا يَمْنَعُ قَبُولَهَا لَا سِيَّمَا إذَا لَمْ يَكُنْ يَقْتَضِي التَّهَاتُرَ، وَإِبْطَالَ بَعْضِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي الْحِنْثِ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ ]
(ش) : قَوْلُهُ مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي إنَّمَا يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - حَانِثًا عَلَى وَجْهٍ يَأْثَمُ بِهِ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - قَعَدَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ مِنْبَرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لَهُ، وَالْإِعْلَامِ بِتَغْلِيظِ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ حَلَفَ عَلَيْهِ آثِمًا.
وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي حَدِيثَ أَبِي أُمَامَةَ الْحَارِثِيِّ أَنَّهُ مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْبَرَهُ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي وَائِلٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقَى اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ٧٧] الْآيَةَ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ ذِكْرَ الْمِنْبَرِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَلَى مَعْنَى التَّغْلِيظِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْيَمِينُ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي قَضِيبٍ مِنْ أَرَاكٍ لِقِلَّتِهِ وَتَفَاهَتِهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ فِيمَا لَهُ بَالٌ لَكِنَّهُ إنْ وَقَعَ مِنْ أَحَدٍ الْيَمِينُ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَضِيبٍ مِنْ أَرَاكٍ أَوْ شَيْءٍ تَافِهٍ فَهَذَا حُكْمُهُ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْيَمِينِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ، وَإِنَّمَا تَضَمَّنَ الْحَدِيثُ حُكْمَ مَنْ حَلَفَ عِنْدَهُ آثِمًا، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ ﷺ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْبَتِّ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِهِ أَوْ حَلَفَ فَاقْتَطَعَ بِيَمِينِهِ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ فَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ فَإِنَّ لِشُيُوخِنَا فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوَعِيدَ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ فَلَا يُقَالُ لِمَنْ رَجَعَ عَنْهُ كَاذِبٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّاعِرُ
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
يَمْدَحُ نَفْسَهُ بِإِخْلَافِ الْوَعِيدِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذِبًا لِمَا مَدَحَ نَفْسَهُ بِهَا فَعَلَى هَذَا الْوَعِيدُ مُتَوَجِّهٌ إلَى كُلِّ عَاصٍ وَقِيلَ: إنَّ الْوَعِيدَ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، وَإِنَّ الْخُلْفَ فِيهِ ضَرْبٌ مِنْ الْكَذِبِ وَذَلِكَ مُحَالٌ فِي صِفَةِ الْبَارِي - تَعَالَى - فَعَلَى هَذَا الْوَعِيدُ مُتَوَجِّهٌ إلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ الْبَارِي - تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعَاقِبَهُ
стр. 1570
جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْمِنْبَرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا غَطَفَانَ بْنَ طَرِيفٍ الْمُرِّيَّ يَقُولُ اخْتَصَمَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ مُطِيعٍ فِي دَارٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا إلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَضَى مَرْوَانُ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِالْيَمِينِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَحْلِفْ لَهُ مَكَانِي قَالَ فَقَالَ مَرْوَانُ لَا وَاَللَّهِ إلَّا عِنْدَ مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ قَالَ فَجَعَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَحْلِفُ أَنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ، وَيَأْبَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ فَجَعَلَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ يَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يَحْلِفَ أَحَدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ)
ــ
[المنتقى]
دُونَ مَنْ أَرَادَ الْعَفْوَ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ فِي إسْمَاعِيلَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] فَوَصَفَ الْوَعْدَ بِالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ.
[جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْمِنْبَرِ]
(ش) : قَضَاءُ مَرْوَانَ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِالْيَمِينِ عَلَى الْمِنْبَرِ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ زَيْدٌ يَقُولُ إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ يَمْتَنِعُ مِنْهُ إعْظَامًا لَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، وَيَقُولُ أَخْشَى أَنْ يُوَافِقَ قَدَرًا فَيُقَالُ إنَّ ذَلِكَ لَيَمِينُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْيَمِينُ تُغَلَّظُ بِالْمَكَانِ فِي الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْحُقُوقِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي آثِمًا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ تَأْثِيرًا فِي الْأَيْمَانِ وَتَعَلُّقِهَا بِهَا، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدٌ فِي الْغَالِبِ مُخْتَارًا فَثَبَتَ أَنَّهُ إنَّمَا تَوَجَّهَ إلَى الْحُكْمِ بِهِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ التَّغْلِيظَ يَتَعَلَّقُ بِالْكَثِيرِ مِنْ الْأَمْوَالِ لِلرَّدْعِ عَنْهَا كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ تُغَلَّظُ بِالزَّمَانِ أَمْ لَا رَوَى ابْنُ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ يَتَحَرَّى بِأَيْمَانِهِمْ فِي الْمَالِ الْعَظِيمِ، وَفِي الدِّمَاءِ وَاللِّعَانِ السَّاعَاتِ الَّتِي يَحْضُرُ النَّاسُ فِيهَا الْمَسَاجِدَ، وَيَجْتَمِعُونَ لِلصَّلَاةِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ مَالٍ وَحَقٍّ فَفِي كُلِّ حِينٍ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ لَا يَحْلِفُ حِينَ الصَّلَوَاتِ إلَّا فِي الدِّمَاءِ وَاللِّعَانِ فَأَمَّا فِي الْحُقُوقِ فَفِي أَيِّ وَقْتٍ حَضَرَ الْإِمَامُ اسْتَحْلَفَهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: قَوْله تَعَالَى ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ [المائدة: ١٠٦] ، وَهَذِهِ يَمِينٌ فِي مَالٍ فَجَازَ أَنْ يُغَلَّظَ بِالزَّمَانِ كَاللِّعَانِ وَالْقَسَامَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
هَلْ تُغَلَّظُ الْأَيْمَانُ بِتَكَرُّرِ الصِّفَاتِ رَوَى ابْنُ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ يَحْلِفُونَ فِيمَا يَبْلُغُ مِنْ الْحُقُوقِ رُبُعَ دِينَارٍ، وَفِي الْقَسَامَةِ وَاللِّعَانِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَا كَانَتْ فِيهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ حَلَفَ هَكَذَا وَمَا رُدِّدَتْ رُدِّدَتْ هَكَذَا، وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ أَنَّ الْأَيْمَانَ فِي الْحُقُوقِ وَالدِّمَاءِ وَاللِّعَانِ، وَفِي كُلِّ مَا فِيهِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ زَادَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ سَوَاءٌ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ هَذَا مَعْنًى تُغَلَّظُ بِهِ الْأَيْمَانُ فَجَازَ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ كَثِيرَةٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُسْتَوْعَبَ، وَلَيْسَ مَا نُورِدُ مِنْهَا بِأَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا وَمَا يُغَلَّظُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا فَلَهُ غَايَةٌ لَا تَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ بِبُلُوغِهَا وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَعْنَى يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فَلَمْ تُغَلَّظْ بِهِ الْأَيْمَانُ فِي الْأَمْوَالِ كَتَكْرَارِ الْيَمِينِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الَّذِي يُجْزِئُ مِنْ التَّغْلِيظِ بِالْيَمِينِ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَإِنْ قَالَ وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ فَقَطْ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَمِينُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ
стр. 1571
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَالنَّصْرَانِيِّ فِي الْحُقُوقِ سَوَاءٌ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ، وَيَحْلِفُ النَّصْرَانِيُّ بِاَللَّهِ فَقَطْ، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى وَالْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ عِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْمَجُوسُ يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِالْمَكَانِ فَهُوَ بِالْجَامِعِ، وَهُوَ الْمَسْجِدُ الْأَعْظَمُ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَهَلْ يَكُونُ تَغْلِيظُهَا بِسَائِرِ الْمَسَاجِدِ فِي النَّوَادِرِ، وَلَا يَحْلِفُ فِي مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ فِي قَلِيلٍ، وَلَا كَثِيرٍ، وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ مَالِكٍ مَا عَلِمْت أَنَّهُ يَحْلِفُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ كَالْأَمْصَارِ رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ يَحْلِفُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ فِيمَا لَهُ بَالٌ، وَلَا أَشُكُّ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِيهَا فِي رُبُعِ دِينَارٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: فَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ فَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَحْلِفُ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: يُرِيدُ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ تَخْرُجُ إلَيْهِ بِاللَّيْلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ فِي امْرَأَتَيْنِ اُدُّعِيَ عَلَيْهِمَا فِي أَرْضٍ وَدُورٍ، وَهُمَا مِمَّنْ لَا تَخْرُجَانِ فَأَرَى أَنْ تَخْرُجَا مِنْ اللَّيْلِ إلَى الْجَامِعِ قَالَ فَسُئِلَ أَنْ يُحَلِّفَهُمَا فِي أَقْرَبِ الْمَسَاجِدِ إلَيْهِمَا وَشَقَّ عَلَيْهِمَا الْخُرُوجُ إلَى الْجَامِعِ فَأَجَابَ إلَى ذَلِكَ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَصٌّ فِي أَنَّ الْيَمِينَ كَانَتْ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ سَحْنُونًا هُوَ الَّذِي أَسْعَفَ سُؤَالَ السَّائِلِ فِي ذَلِكَ؛ لِمَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ حَقٌّ لِلْحُكْمِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُعَظَّمٌ مِنْ الْمَسَاجِدِ، فَجَازَ أَنْ تُغَلَّظَ بِهِ الْأَيْمَانُ مَعَ إرَادَةِ السِّتْرِ لِمَنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ كَالْجَامِعِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ التَّغْلِيظَ إنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِأَعْظَمِ الْمَسَاجِدِ حَالًا، وَلِذَلِكَ يَخْتَصُّ بِأَرْفَعَ الْمَسَاجِدِ مَكَانًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: لَا يُحْلَفُ عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ، وَيُحْلَفُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا قُلْنَا إنَّ الْيَمِينَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ الْمِنْبَرِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أَعْرِفُ الْمِنْبَرَ فِي سَائِرِ الْآفَاقِ، وَإِنَّمَا أَعْرِفُ مِنْبَرَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَكِنْ لِلْمَسَاجِدِ مَوَاضِعُ هِيَ أَعْظَمُ زَادَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ مَالِكٍ، وَلَكِنْ يَحْلِفُ حَيْثُ يُعَظَّمُ فِيهِ فَيَحْتَمِلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ لَا أَعْرِفُ الْمِنْبَرَ فِي الْمَسَاجِدِ الْمَنْعَ مِنْ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ فِي مَسَاجِدِ الْآفَاقِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ عَلَى اتِّخَاذِهَا فِي كُلِّ بَلَدٍ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِهَا فَمُحَالٌ أَنْ يُرِيدَ هَذَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّ حُكْمَ سَائِرِ الْمَنَابِرِ فِي الْبِلَادِ حُكْمُهَا فِي ذَلِكَ حُكْمُ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنَّمَا هَذَا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِمِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يُحْلَفُ عِنْدَ مِنْبَرٍ مِنْ الْمَنَابِرِ إلَّا عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ يُسْتَحْلَفُونَ فِيمَا لَهُ بَالٌ أَوْ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَبِغَيْرِهَا فِي مَسْجِدِهِمْ الْأَعْظَمِ حَيْثُ يُعَظِّمُونَ مِنْهُ عِنْدَ مِنْبَرِهِمْ أَوْ تِلْقَاءَ قِبْلَتِهِمْ وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مِنْبَرَ النَّبِيِّ ﷺ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ الْقِبْلَةِ وَالْمِحْرَابِ الَّذِي أُحْدِثَ حِينَ زِيدَ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ حَائِطَ الْقِبْلَةِ نُقِلَ مِنْ قُرْبِ الْمِنْبَرِ حِينَ زِيدَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَارَ الْمِنْبَرُ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ فَكَانَتْ الْيَمِينُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ مُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَ مِنْبَرِهِ وَأَمَّا الْقِبْلَةُ وَالْمِحْرَابُ فَشَيْءٌ بُنِيَ بَعْدَهُ، وَأَمَّا مَنَابِرُ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ فَعِنْدَ الْمِحْرَابِ فَمَنْ حَلَفَ فَإِنَّمَا يَحْلِفُ عِنْدَ الْمِحْرَابِ بِقُرْبِ الْمِنْبَرِ، وَأَعْظَمُ شَيْءٍ فِي الْمَسَاجِدِ الْمَحَارِيبُ، وَلَوْ اُتُّفِقَ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ الْمِنْبَرُ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ لَكَانَتْ الْيَمِينُ عِنْدَ الْمِحْرَابِ دُونَ الْمِنْبَرِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ لَا يُحْلَفُ عِنْدَ مِنْبَرٍ مِنْ الْمَنَابِرِ إلَّا عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ .
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهَذَا حُكْمُ الرِّجَالِ
стр. 1572
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَالنِّسَاءِ فَمَنْ كَانَتْ مِنْ النِّسَاءِ تَخْرُجُ وَتَتَصَرَّفُ فَحُكْمُهَا فِي ذَلِكَ حُكْمُ الرِّجَالِ وَمَنْ كَانَتْ مِنْهُنَّ لَا تَخْرُجُ نَهَارًا خَرَجَتْ لَيْلًا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأُمُّ الْوَلَدِ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ مَنْ كَانَتْ مِنْهُنَّ تَخْرُجُ وَمَنْ كَانَتْ لَا تَخْرُجُ قَالَ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ وَالْمُدَبَّرُ سَوَاءٌ، وَأَمَّا الْيَهُودُ فَيَحْلِفُونَ فِي كَنَائِسِهِمْ وَالنَّصَارَى فِي بِيَعِهِمْ وَالْمَجُوسُ حَيْثُ يُعَظِّمُونَ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ فِي الْوَاضِحَةِ وَوَجْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ التَّغْلِيظِ بِالْمَكَانِ فَيُغَلَّظُ عَلَى حُكْمِ أَهْلِ كُلِّ شَرِيعَةٍ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي يُعَظِّمُونَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَالْمِقْدَارُ الَّذِي يَلْزَمُ فِيهِ الْيَمِينُ فِي الْجَامِعِ، وَفِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُعَظَّمُ مِنْهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَمَنْ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُسْتَحْلَفُ فِي الْمَدِينَةِ عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ أَوْ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَهُوَ كَانَ رُبُعَ دِينَارٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُغَلَّظُ الْأَيْمَانُ إلَّا فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا وَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الرُّبُعَ دِينَارٍ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ كَالْعِشْرِينِ دِينَارًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا تُغَلَّظُ الْأَيْمَانُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ: إنَّ الْأَيْمَانَ لَا تَكُونُ إلَّا عِنْدَ الْمِنْبَرِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ الرَّدْعِ عَنْ الْمَالِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْقَلِيلِ مِنْهُ كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ هَذَا ابْتِذَالٌ لِلْمَوْضِعِ مَعَ مَا يَلْزَمُ مِنْ تَعْظِيمِهِ وَتَوْقِيرِهِ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَحْلِفُ عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَعَلَى دَمٍ قَالُوا لَا قَالَ أَفَعَلَى عَظِيمٍ مِنْ الْمَالِ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَتَهَاوَنَ النَّاسُ بِهَذَا الْمَكَانِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَقَدْ احْتَجَّ بِهَا الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَنْ لَا تَخْرُجُ مِنْ النِّسَاءِ نَهَارًا أَوْ تَخْرُجُ لَيْلًا فَتَحْلِفُ فِي الْجَامِعِ فَفِي كَمْ تَخْرُجُ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ تَخْرُجُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ لَا تَخْرُجُ فِيهِ، وَلَا تَخْرُجُ إلَّا فِي الْمَالِ الْكَثِيرِ الَّذِي لَهُ بَالٌ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ هَذَا شَخْصٌ تُغَلَّظُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي الْمَالِ فَغُلِّظَتْ فِي رُبُعِ دِينَارٍ كَالرَّجُلِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي لَهَا الْقَدْرُ يَلْزَمُهَا مِنْ التَّصَاوُنِ مَا لَا يَلْزَمُ الرِّجَالَ فَلَا تَبْتَذِلُ بِالْأَيْمَانِ فِي الْجَوَامِعِ إلَّا فِي الْقَدْرِ الْكَثِيرِ الَّذِي يَحْتَاجُ رَدْعَ مِثْلِهَا عَنْ مِثْلِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ بَاعَ ثَوْبًا فَوَجَدَ بِهِ الْمُبْتَاعُ عَيْبًا فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ أَعْلَمَهُ بِهِ وَتَبَرَّأَ إلَيْهِ مِنْهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ: إنْ كَانَ نُقْصَانُ الْعَيْبِ رُبُعَ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ لَمْ يَحْلِفْ إلَّا فِي الْجَامِعِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ مَا تَدَاعَيَا فِيهِ، وَهُوَ قَدْرُ الْعَيْبِ، وَفِيهِ تَجِبُ الْيَمِينُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلَيْنِ أَوْ رِجَالٍ رُبُعَ دِينَارٍ فَقَدْ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُسْتَحْلَفُونَ إلَّا فِي الْجَامِعِ قِيلَ لَهُ أَيُسْتَحْلَفُونَ عِنْدَ الْمُصْحَفِ فَقَالَ بَلْ يُسْتَحْلَفُونَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ وَوَجْهُ الْمَنْعِ مِنْ اسْتِحْلَافِهِمْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إنَّمَا يُسْتَحْلَفُ فِي أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ، وَلَوْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا قَدْرُ حِصَّتِهِ مِنْهُ وَقَوْلُهُ بَلْ يَحْلِفُ فِي الْمَسْجِدِ مَنْعٌ مِنْ أَنْ يَقْصِدَ إلَى التَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ بِجَامِعٍ أَوْ عِنْدَ الْمُصْحَفِ وَقَالَ بَلْ يَحْلِفُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْحَاكِمَ الَّذِي يَقْضِي بِذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى أَصْلِهِ وَمَذْهَبِهِ فَيُحَلَّفُ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَا يُقَامُ مِنْهُ إلَى مَوْضِعٍ تُغَلَّظُ عَلَيْهِ فِيهِ الْيَمِينُ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: لَا يَحْلِفُونَ فِي الْجَامِعِ، وَلَا عِنْدَ الْمِنْبَرِ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ لَا يَحْلِفُونَ إلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ فِي طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي عَبْدٍ حَنِثَ فِي يَمِينٍ بِطَلَاقٍ فَقَالَ حَلَفْتُ بِوَاحِدَةٍ وَسَيِّدُ الزَّوْجَةِ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَحْلِفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مَا حَلَفَ إلَّا بِطَلْقَةٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ صَدَاقَ الزَّوْجَةِ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ فَلَا يَحْلِفُ فِي عِوَضِهِ إلَّا عِنْدَ الْمِنْبَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ
стр. 1573
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يَكُونَ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا صِفَةُ الْحَالِفِ حَالَ يَمِينِهِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَحْلِفُ الرَّجُلُ قَائِمًا إلَّا مَنْ بِهِ عِلَّةٌ وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِيمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِمْ لَوْ اقْتَطَعُوهُ بِأَيْمَانِهِمْ فِي رُبُعِ دِينَارٍ وَمَا لَمْ يَبْلُغْهُ فَإِنَّمَا يَحْلِفُونَ جُلُوسًا إنْ شَاءُوا وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ يَحْلِفُ جَالِسًا، وَلَا يَحْلِفُ قَائِمًا وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ مَا شُرِعَ فِيهِ التَّغْلِيظُ عَلَيْهِ، وَإِلْزَامُهُ الْقِيَامَ مِنْ مَعْنَى التَّغْلِيظِ فَيَجِبُ أَنْ يَلْزَمَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَحْلِفُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ فِيمَا لَهُ بَالٌ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا سَمِعْت أَنَّهُ يُسْتَقْبَلُ بِالْحَالِفِ الْقِبْلَةَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ تَغْلِيظٌ عَلَيْهِمْ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ تَعْظِيمِ الْجِهَةِ فَغُلِّظَ بِاسْتِقْبَالِهَا كَمَا غُلِّظَ عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ عِنْدَ الْمَوْضِعِ الْمُوَجَّهِ لَهَا الْمُعَظَّمِ مِنْهَا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ حَالَةٌ لَا يَلْزَمُهُ فِيهَا الطَّهَارَةُ فَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَحْلِفُ مَكَانِي يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ عِنْدَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَغِّبَ فِي أَنْ يُقْنَعَ بِذَلِكَ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الْحَاكِمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِ سَحْنُونٍ أَوْ مِنْ حُقُوقِ الطَّالِبِ بِالْيَمِينِ، وَقَوْلُ مَرْوَانَ، وَهُوَ الْحَاكِمُ فِي قَضِيَّةِ لَا وَاَللَّهِ إلَّا عِنْدَ مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ زَيْدٌ، وَلَا غَيْرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ لِلْحُقُوقِ مَقَاطِعَ مُعَيَّنَةً، وَأَنَّهُ لَا يَقْنَعُ مِنْهُ إنْ كَانَ الْحَقُّ لَهُ بِالْيَمِينِ فِيهَا أَوْ لَا يُفْتِي عَلَيْهِ إنْ كَانَ حَقًّا لِلطَّالِبِ إلَّا بِذَلِكَ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْمَوَاضِعِ، فَقَالَ: أَنَا أَحْلِفُ مَكَانِي فَهُوَ كَنُكُولِهِ عَنْ الْيَمِينِ إنْ لَمْ يَحْلِفْ فِي مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ وَغُرِّمَ إنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ أَوْ بَطَلَ حَقُّهُ إنْ كَانَ مُدَّعِيًا، وَبِذَلِكَ قَضَى مَرْوَانُ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يَحْلِفُ إنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ، وَيَأْبَى أَنْ يَحْلِفَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ يُرِيدُ تَحْقِيقَ مَا قَالَهُ مِنْ دَعْوَى أَوْ إنْكَارٍ، وَأَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْيَمِينِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مَا يَعْتَقِدُونَ إبْطَالَ مَا يَقُولُ، وَيُخَاصِمُ بِهِ، وَلَكِنْ لِتَعْظِيمِ حُرْمَةِ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْيَمِينُ مَا يَسْتَحِقُّ بِهَا حَقًّا، وَلَا يَدْفَعُ بِهَا غُرْمًا؛ لِأَنَّ مُسْتَحِقَّ الْيَمِينِ لَمْ يَقْبِضْهَا مِنْهُ هُنَاكَ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ مَالِكٍ مَنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَحَلَفَ فِي مَقَامِهِ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ عِنْدِي لَوْ حَلَفَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ دُونَ أَنْ يَقْتَضِيَهُ صَاحِبُ الْيَمِينِ لَمْ يَبَرَّ بِهَا حَتَّى يَحْلِفَ وَصَاحِبُ الْحَقِّ مُقْتَضِيًا لِيَمِينِهِ، وَلَوْ اقْتَضَاهُ يَمِينُهُ فِي صَحْنِ الْجَامِعِ، وَرَضِيَ بِهَا أَوْ فِي مَنْزِلِهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ أَجْزَأَتْهُ يَمِينُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ يَمِينٌ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا اقْتَضَى مِنْهُ مَا رَضِيَ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ رِضَاهُ وَاسْتِيفَائِهِ لَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَاخْتِصَامُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ مُطِيعٍ فِي دَارٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا إلَى مَرْوَانَ لَا نَدْرِي مَنْ الطَّالِبُ مِنْ الْمَطْلُوبِ، وَلَا هَلْ كَانَتْ لِلطَّالِبِ بَيِّنَةٌ أَوْ كَيْفَ كَانَ حُكْمُهَا غَيْرَ أَنَّهُ إنْ وَقَفَ الطَّالِبُ الْمَطْلُوبَ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ مَا هُوَ وَكَمْ هُوَ لَمْ يَسْأَلْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنَا أَطْلُبُ مِنْك هَذِهِ الدَّارَ فَبَيِّنْ مِنْ أَيْنَ هِيَ لَك فَلَا يُسْأَلُ الْمَطْلُوبُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي حَتَّى يَقُولَ: إنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِي فَهَلْ صَارَتْ إلَيْك مِنْ جِهَتِي أَوْ مِنْ جِهَةِ أَحَدٍ بِسَبَبِي فَيَلْزَمُ الْمَطْلُوبَ الْجَوَابُ أَنَّهَا لَمْ تَصِرْ إلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ أَحَدٍ بِسَبَبِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ حَقَّقَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ، وَبَيَّنَهُ لَزِمَ الْمَطْلُوبَ جَوَابُهُ بِإِقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ.
وَقَدْ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ ابْنَ كِنَانَةَ سَأَلَ مَالِكًا عَمَّنْ فِي يَدِهِ دَارٌ فَيَدَّعِي رَجُلٌ أَنَّهَا لِجَدِّهِ فَقَالَ الْمَطْلُوبُ لَا أُقِرُّ، وَلَا أُنْكِرُ، وَلَكِنْ أَقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاك قَالَ مَالِكٌ يُجْبَرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَذَلِكَ صَوَابٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَيْهِ بِسِتِّينَ دِينَارًا فَأَقَرَّ بِخَمْسِينَ وَتَأَبَّى
стр. 1574
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِي الْعَشَرَةِ أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ بِالْحَبْسِ حَتَّى يُقِرَّ بِهَا أَوْ يُنْكِرَ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ الْمُدَّعِي كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ.
وَقَالَ: أَسْتَحْسِنُ إذَا تَمَادَى عَلَى شَكٍّ فَأَنَا أُحَلِّفُهُ أَنَّهُ مَا وَقَفَ عَنْ الْإِقْرَارِ أَوْ الْإِنْكَارِ إلَّا أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ فَإِذَا حَلَفَ عَلَى هَذَا أَوْ رَدَّ الْعَشَرَةَ، وَيُحْبَسُ بِهَا فَالْحُكْمُ بِلَا يَمِينٍ عَلَى الْمُدَّعِي أَنَّ كُلَّ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ لَا يُدْفَعُ مَعَ الدَّعْوَى فَإِنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دُورٌ فِي يَدِهِ لَا يُقِرُّ، وَلَا يُنْكِرُ فَأَنَا أُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ فَتَمَادَى حَكَمْت عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي بِلَا يَمِينٍ، وَهُوَ مَعْنَى مَسْأَلَةِ مَالِكٍ عِنْدِي فِي الَّذِي يُصِرُّ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، وَلَا يَدَّعِي شَكًّا وَمَسْأَلَةُ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي الْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فِي الَّذِي يَقُولُ لَا أَعْلَمُ، وَيَدَّعِي الشَّكَّ وَكَانَ الصَّوَابُ عِنْدَهُ أَنْ لَا يَحْلِفَ فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِيَمِينِهِ فَإِنَّ الْحُكْمَ الْمُتَوَجِّهَ إلَى النَّاكِلِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى يَمِينٍ فِي النُّكُولِ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَكَلَ عَنْ هَذِهِ الْيَمِينِ الَّتِي أَلْزَمَهُ إيَّاهَا لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلَّا إلَى الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَقْتَضِي قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ أَنَّهُ إنْ تَمَادَى عَلَيْهِ أُكْرِهَ بِالسَّجْنِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ وَعَنْ أَبِيهِ فَإِنْ تَمَادَى أُدِّبَ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ غَيْرُهُ، وَيَقْتَضِي قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ إذَا أَصَرَّ وَقَدْ أَعْذَرَ إلَيْهِ بِالْجَبْرِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ، وَيَغْرَمَ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نُكُولٌ لَا يُوجِبُ رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى حِصَّتِهِ فَأَوْجَبَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ كَنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُرَدُّ عَلَيْهِ الْيَمِينُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ قَالَ الْمَطْلُوبُ: قَدْ تَقَدَّمَتْ بَيْنِي، وَبَيْنَ الطَّالِبِ مُخَالَطَةٌ فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَدَّعِي هَذَا أُلْزِمَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ الطَّالِبَ فَإِنْ بَيَّنَ وَجْهَ طَلَبِهِ وَقَفَ الْمَطْلُوبُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَزِمَهُ أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، وَإِنْ أَبَى الطَّالِبُ أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبَ دَعْوَاهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقُولَ لَا أَذْكُرُ ذَلِكَ السَّبَبَ أَوْ لَا يَقُولُ ذَلِكَ، وَيُمْنَعُ مِنْ وَجْهِ طَلَبِهِ فَإِنْ قَالَ أُنْسِيته قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَلَزِمَ الْمَطْلُوبَ أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، وَإِنْ أَبَى مِنْ تَبْيِينِهِ مَعَ ذِكْرِهِ لَهُ لَمْ يُسْأَلْ الْمَطْلُوبُ عَنْ شَيْءٍ.
قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَكَانَ الْقِيَاسُ عِنْدِي أَنْ لَا يُوقَفَ الْمَطْلُوبُ حَتَّى يَحْلِفَ الطَّالِبُ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ سَبَبَ مَا يَدَّعِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَوْ ذَكَرَ السَّبَبَ وَجَدَ مِنْهُ مَخْرَجًا، وَإِذَا كَتَمَهُ لَمْ يُمْكِنْهُ الْمَخْرَجُ مِنْهُ فَيُرِيدُ كِتْمَانَهُ لِتَلْزَمَهُ الْيَمِينُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ بَيَّنَ الْمُدَّعِي السَّبَبَ فَأَنْكَرَ الْمَطْلُوبُ وَقَالَ أَنَا أَحْلِفُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عِنْدِي مِنْ هَذَا السَّبَبِ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ وَاَللَّهِ لَا أَعْلَمُ لَهُ عَلَيَّ شَيْئًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَشْهَبُ وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ تُجْزِئَهُ يَمِينُهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عِنْدَهُ مِنْ وَجْهٍ يَطْلُبُهُ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ لَمْ يَطْلُبْهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ لَا يَحْلِفُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ الطَّالِبُ هَذَا آخِرُ حُقُوقِي عِنْدَك فَلَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يُسْتَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَالطَّالِبُ قَدْ بَرِئَ مِنْهُ، وَلَكِنْ ذَهَبَ أَشْهَبُ إلَى ذَلِكَ مَخَافَةَ الْإِلْغَاءِ وَالتَّأْوِيلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ أَسْلَفَهُ أَوْ بَاعَ مِنْهُ لَمْ يُجْزِهِ مِنْ الْجَوَابِ أَنْ يَقُولَ لَا حَقَّ لَك عِنْدِي حَتَّى يَقُولَ لَمْ تُسْلِفْنِي مَا تَدَّعِيهِ أَوْ لَمْ تَبِعْ مِنِّي شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْت رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: فَإِنْ تَمَادَى عَلَى اللَّدَدِ سَجَنَهُ فَإِنْ تَمَادَى أَدَّبَهُ قَالَ وَكَانَ رُبَّمَا قُبِلَ مِنْهُ فِي الْجَوَابِ قَوْلُهُ مَا لَهُ عَلَيَّ حَقٌّ، وَإِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ رَجَعَ آخِرًا مَالِكٌ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِإِجْزَاءِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ مَا لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ فَقَدْ ادَّعَى بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ، وَهَذَا يُجْزِئُ مِنْ الْجَوَابِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ إنِّي اشْتَرَيْت مِنْك؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا قَدْ اشْتَرَى مِنْهُ وَقَضَاهُ، وَلَا تَقُومُ لَهُ بَيِّنَةٌ وَالْمُدَّعِي مِمَّنْ يَغْتَنِمُ إقْرَارَهُ بِالْبَيْعِ، وَيَرْضَى بِالْيَمِينِ الْغَمُوسِ أَنَّهُ مَا قَبَضَ مِنْهُ الثَّمَنَ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ ادَّعَى عَلَيْهِ دَعْوَى حَقٍّ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ عَلَى مُوَافَقَةِ قَوْلِهِ كَمَا لَوْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ قَضَاهُ الثَّمَنَ لَمْ يَجُزْ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقُولَ لِي عَلَيْك حَقٌّ حَتَّى يَقُولَ لَمْ أَقْبِضْ مِنْك مَا تَدَّعِيهِ مِنْ الثَّمَنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا أَنْكَرَ الْمَطْلُوبُ الْمُعَامَلَةَ كُلِّفَ الطَّالِبُ الْبَيِّنَةَ فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً فَمَا ادَّعَاهُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ سَلَفٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ
стр. 1575
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدَيْهِ أَنَّهُمَا شَهِدَا بِحَقٍّ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَرَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ قَالَا عَنْهُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ قَضَاهُ فَيَحْلِفُ عَلَى الْقَضَاءِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ قَدْ أَحَقَّتْ لَهُ دِينَهُ فَلَا مَعْنَى لِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ فِي تَحْقِيقِ دَعْوَاهُ أَقْوَى مِنْ يَمِينِهِ، وَلِذَلِكَ بَرِئَ بِهَا عَنْ يَمِينِ الْمَطْلُوبِ، وَيَمِينِ الطَّالِبِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلطَّالِبِ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ، وَمَا الَّذِي يَلْزَمُهُ مِنْ الْيَمِينِ فِي إنْكَارِهِ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْبَائِعِ يَجْحَدُ قَبْضَ الثَّمَنِ فَيُنْكِرُهُ الْمُبْتَاعُ، وَيُرِيدُ أَنْ يَحْلِفَ مَا لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ قَالَ بَلْ يَحْلِفُ مَا اشْتَرَى مِنْهُ سِلْعَةَ كَذَا فَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ إذَا حَلَفَ مَا لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْ كُلِّ مَا يَدَّعِيهِ فَقَدْ بَرِئَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْقَوْلَانِ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ إنْكَارِهِ وَمَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَحْلِفُ الْمُنْكِرُ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَوْ ادَّعَاهُ مِنْ حُقُوقِ نَفْسِهِ عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ، وَمَا وَرِثَهُ عَنْ أَبِيهِ حَلَفَ عَلَى الْعِلْمِ مِثْلَ أَنْ يَدَّعِيَ رَجُلٌ قَضَاءَ أَبِيهِ الْمَيِّتِ دِينَهُ فَيَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ قَبَضَهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ أَوْ يَدَّعِي قِبَلَ مُوَرِّثِهِ حَقًّا فَيَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ لَهُ قِبَلَهُ شَيْئًا.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عِلْمَ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَدَّعِهِ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ وَعَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ يَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقِيمَ شَاهِدُ الْمَوْرُوثَةِ بِحَقٍّ فَيَحْلِفُ مَعَهُ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي مَعْرِفَةَ ذَلِكَ وَتَحْقِيقَهُ فَيَحْلِفُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْمَعْرِفَةِ فِي الْإِثْبَاتِ، وَأَمَّا فِي النَّفْيِ فَلَا طَرِيقَ لَهُ إلَى ذَلِكَ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ بَرِئَ فَإِنْ نَكَلَ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ: لَا يَجِبُ الْحَقُّ بِنُكُولِ الْمَطْلُوبِ عَنْ الْيَمِينِ حَتَّى يُرَدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَحْلِفَ قَالَ مَالِكٌ، وَإِذَا جَهِلَ ذَلِكَ الطَّالِبُ فَلْيَذْكُرْ لَهُ الْقَاضِي حَتَّى يَحْلِفَ الطَّالِبُ إذْ لَا يَتِمُّ الْحُكْمُ إلَّا بِذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ بِنَفْسِ النُّكُولِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا حَقٌّ يَثْبُتُ بِالْيَمِينِ فَإِذَا نَكَلَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ جَازَ أَنْ تَنْتَقِلَ الْيَمِينُ إلَى الْجَنْبَةِ الْأُخْرَى كَالْقَسَامَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ رَدَّ الْمَطْلُوبُ الْيَمِينَ عَلَى الطَّالِبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ، وَلَزِمَهُ رَدُّهَا رَوَاهُ عِيسَى، وَأَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي، وَيَأْخُذُ حَقَّهُ كَانَ رَدُّهُ لِلْيَمِينِ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ وَذَلِكَ أَنَّ رَدَّهُ الْيَمِينَ عَلَى الطَّالِبِ رِضًا بِيَمِينِهِ وَتَصْدِيقٌ لِقَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ فَلَمَّا تَعَلَّقَ بِذَلِكَ حَقُّ الطَّالِبِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَطْلُوبِ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَلَا إبْطَالُ حَقٍّ يَثْبُتُ لِلطَّالِبِ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَتْ مِنْ الْأَيْمَانِ الَّتِي تُرَدُّ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُرَدُّ مِثْلَ أَيْمَانِ التُّهْمَةِ مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ بِالْبَرَاءَةِ ثُمَّ يَظْهَرَ الْمُبْتَاعُ فِيهِ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِهِ فَإِنْ نَكَلَ رُدَّ عَلَيْهِ الْعَبْدُ دُونَ يَمِينِ الْمُبْتَاعِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُبْتَاعَ لَا طَرِيقَةَ لَهُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فَلَا يُكَلَّفُ تَفَحُّمَ الْيَمِينِ عَلَى مَا لَا سَبِيلَ لَهُ، وَلَا لِغَيْرِهِ إلَى مَعْرِفَتِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ادَّعَى الْمُودَعُ ضَيَاعَ الْوَدِيعَةِ وَادَّعَى الْمُودِعُ تَعَدِّيهِ عَلَيْهَا فَالْمُودَعُ مُصَدَّقٌ إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ فَيَحْلِفَ قَالَهُ أَصْحَابُنَا فِي النَّوَادِرِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ، وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ هَاهُنَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا يَمِينُ تُهْمَةٍ دُونَ تَحْقِيقٍ، وَلِذَلِكَ اخْتَصَّتْ بِمَنْ يُتَّهَمُ دُونَ مَنْ لَا يُتَّهَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ فَقَالَ لِلْحَاكِمِ اضْرِبْ لِي أَجَلًا حَتَّى أَنْظُرَ فِي يَمِينِي، وَفِي حِسَابِي، وَأَتَثَبَّتُ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُرِيدُ التَّثَبُّتَ فِيمَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ فَيَجِبُ أَنْ يُجَابَ إلَيْهِ فَقَدْ يَكُونُ الْحِسَابُ يَكْثُرُ، وَيَطُولُ أَمْرُهُ، وَيَتَسَامَحُ فِي الدَّعْوَى أَوْ الْإِنْكَارِ، وَيُتَحَرَّزُ فِي الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي عَقْدٍ كَبَيْعٍ أَوْ سَلَفٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَأَمَّا مَنْ أَثْبَتَ بِبَيِّنَةٍ بِعَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ أَنَّهُ مِلْكُهُ لَا يَعْلَمُونَهُ بَاعَ، وَلَا وَهَبَ، وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ
стр. 1576
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ فِيمَا نَرَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الرَّهْنَ عِنْدَ الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ، وَفِي الرَّهْنِ فَضْلُ عَمَّا رُهِنَ فِيهِ فَيَقُولُ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ إنْ جِئْتُك بِحَقِّك إلَى أَجَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَك بِمَا رُهِنَ فِيهِ قَالَ فَهَذَا لَا يَصْلُحُ، وَلَا يَحِلُّ، وَهَذَا الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ، وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ بِاَلَّذِي رَهَنَ بِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ فَهُوَ لَهُ، وَأَرَى هَذَا الشَّرْطَ مَفْسُوخًا) .
ــ
[المنتقى]
عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُحَلِّفُهُ الْإِمَامُ مَا بَاعَ، وَلَا وَهَبَ، وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِشَيْءٍ فَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ وَيَسْتَحِقُّهُ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: لَيْسَ عَلَيْهِ يَمِينٌ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الَّذِي فِي يَدِهِ ذَلِكَ أَمْرًا يَظُنُّ أَنَّ صَاحِبَهُ فَعَلَهُ فَيَحْلِفُ مَا فَعَلَهُ، وَيَأْخُذُ حَقَّهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا يَمِينٌ لِلْحُكْمِ لَا يَصِحُّ لَهُ الْقَضَاءُ إلَّا بَعْدَ اسْتِيفَائِهَا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا شَهِدَتْ لَهُ بِالْمِلْكِ عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ وَشَهِدَتْ فِي بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ عَلَى الْعِلْمِ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِحْلَافِهِ عَلَى الْبَتِّ فِيمَا بَقِيَ وَمَا عَسَى أَنْ يُزِيلَ مِلْكَهُ عَنْهُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقْضَى لَهُ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ حَكَمَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمُسْتَحِقُّ أَسْبَابَ الِاسْتِحْقَاقِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَطْلُوبَ إذَا لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِاسْتِحْلَافِ الطَّالِبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ الْمِلْكُ، وَلَا يَدَّعِي خُرُوجَهُ عَنْ مِلْكِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا لَا يَجُوزُ مِنْ غَلْقِ الرَّهْنِ]
ِ غَلْقُ الرَّهْنِ مَعْنَاهُ أَنْ لَا يُفَكَّ يُقَالُ غَلِقَ الرَّهْنُ إذَا لَمْ يُفَكَّ فَمَعْنَى التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْقَدَ الرَّهْنُ عَلَى وَجْهٍ يَئُولُ إلَى الْمَنْعِ مِنْ فَكِّهِ، وَأَنْشَدَ الرَّبَعِيُّ
، وَفَارَقْتُك بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ ... يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَمْسَى رَهْنُهَا غَلَقَا
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ فِيمَا نَرَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الرَّهْنَ عِنْدَ الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ، وَفِي الرَّهْنِ فَضْلُ عَمَّا رُهِنَ فِيهِ فَيَقُولُ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ إنْ جِئْتُك بِحَقِّك إلَى أَجَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَك بِمَا رُهِنَ فِيهِ قَالَ فَهَذَا لَا يَصْلُحُ، وَلَا يَحِلُّ، وَهَذَا الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ، وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ بِاَلَّذِي رَهَنَ بِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ فَهُوَ لَهُ، وَأَرَى هَذَا الشَّرْطَ مَفْسُوخًا) .
(ش) : قَوْلُهُ لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لَا يُمْنَعُ مِنْ فَكِّهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ عَقْدٍ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ وَعَنْ اسْتِدَامَتِهِ إنْ عَقَدَ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ، فَإِنْ وَقَعَ فَقَدْ قَالَ يُرْهَنُ الرَّهْنُ فِي دَيْنِهِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ لَا يَصْلُحُ، وَلَا يَحِلُّ يُرِيدُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ، وَهُوَ فِي دَيْنٍ ثَابِتٍ وَمِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَهُ ثَوْبًا بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَرْهَنَهُ بِهِ رَهْنًا عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَهُ بِالثَّمَنِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالرَّهْنُ فَاسِدٌ، وَلَهُ إنْ قَبَضَهُ الْبَائِعُ حُكْمُ الرَّهْنِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ سَلَمٌ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ، وَالرَّهْنُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُنْقَضُ مِنْ قَرْضٍ كَانَ أَوْ مِنْ بَيْعٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ النَّهْيِ عَنْهُ وَالنَّهْيُ عَنْهُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ فِي الْقَرْضِ تَارَةً يَكُونُ بَيْعًا وَتَارَةً يَكُونُ قَرْضًا، وَهُوَ إذَا كَانَ الدَّيْنُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ بِمَعْنَى فَسْخِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ مَا عَمِلَا عَلَيْهِ مِنْ غَلْقِ الرَّهْنِ، وَهُوَ بَيْعُهُ بِالدَّيْنِ الَّذِي رَهَنَ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَيْعٍ انْعَقَدَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ بِأَنْ يَبِيعَهُ ثَوْبًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى أَجَلٍ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ بِهِ دَابَّةً عَلَى أَنْ جَاءَهُ بِالثَّمَنِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، وَإِلَّا فَالدَّابَّةُ لَهُ عِوَضًا مِنْ الثَّوَابِ فَإِنَّ هَذَا الْبَيْعَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَدْرِي بِمَا بَاعَ ثَوْبَهُ بِالْمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ بِالدَّابَّةِ فَيُنْقَضُ الْبَيْعُ، وَالرَّهْنُ مَا لَمْ يَفُتْ الثَّوْبُ فَيَمْضِي الثَّوْبُ بِالْقِيمَةِ، وَيَبْطُلُ الْأَجَلُ وَشَرْطُ الرَّهْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ، وَلَمْ يُفْسَخْ الرَّهْنُ إلَى رَبِّهِ، وَأَخَذَ الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ سَوَاءٌ تَغَيَّرَ قَبْلَ الْأَجَلِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ حَوَالَةِ أَسْوَاقٍ أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَهُ بِحَقِّهِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ أَخَذَهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ إنَّهُ يُفْسَخُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ مُؤَجَّلًا إلَى سَنَةٍ أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ السَّنَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُفْسَخَ غِلَاقُهُ، وَأَمَّا أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَيَبْقَى دَيْنُهُ دُونَ رَهْنٍ فَلَا
стр. 1577
الْقَضَاءُ فِي رَهْنِ الثَّمَرِ وَالْحَيَوَانِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِيمَنْ رَهَنَ حَائِطًا لَهُ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَيَكُونُ ثَمَرُ ذَلِكَ الْحَائِطِ قَبْلَ ذَلِكَ الْأَجَلِ أَنَّ الثَّمَرَ لَيْسَ بِرَهْنٍ مِنْ الْأَصْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فِي رَهْنِهِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ إذَا ارْتَهَنَ جَارِيَةً، وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ حَمَلَتْ بَعْدَ ارْتِهَانِهِ إيَّاهَا أَنَّ وَلَدَهَا مَعَهَا قَالَ مَالِكٌ: وَفَرَّقَ بَيْنَ الثَّمَرِ، وَبَيْنَ وَلَدِ الْجَارِيَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» قَالَ: وَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ بَاعَ وَلِيدَةً أَوْ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ، وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ أَنَّ ذَلِكَ الْجَنِينَ لِلْمُشْتَرِي اشْتَرَطَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فَلَيْسَتْ النَّخْلُ مِثْلَ الْحَيَوَانِ، وَلَيْسَ الثَّمَرُ مِثْلَ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ قَالَ مَالِكٌ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ ثَمَرَ النَّخْلِ، وَلَا يَرْهَنُ النَّخْلَ، وَلَيْسَ يَرْهَنُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ مِنْ الرَّقِيقِ، وَلَا مِنْ الدَّوَابِّ)
ــ
[المنتقى]
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ لَمْ يُرَدَّ بَعْدَ الْأَجَلِ وَمَا يَقْرُبُ مِنْهُ حَتَّى تَغَيَّرَتْ أَسْوَاقُهُ أَوْ تَغَيَّرَ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ لَزِمَهُ بِقِيمَتِهِ، وَيُقَاصُّ بِثَمَنِهِ مِنْ دَيْنِهِ، وَيَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا وَقَعَ فِيهِ يَوْمَ حَلَّ الْأَجَلُ فَإِنْ فَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ فَاتَ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَهَذَا فِي السِّلَعِ وَالْحَيَوَانِ، وَأَمَّا فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ فَإِنَّ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ، وَطُولَ الزَّمَانِ لَا يُفِيتُهَا وَتُرَدُّ إلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ مُحَرَّمٌ، وَإِنَّمَا يُفِيتُهَا الْهَدْمُ وَالْبُنْيَانُ وَالْغَرْسُ سَوَاءٌ تَهَدَّمَتْ بِفِعْلِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ فَاتَ الرَّهْنُ بَعْدَ الْأَجَلِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ عَلَى وَجْهٍ يَلْزَمُهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْهُ: عَلَيْهِ قِيمَتُهُ قِيلَ يَوْمَ فَاتَ وَقِيلَ يَوْمَ حَلَّ الْأَجَلُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَحَبُّ إلَيَّ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَبَضَ الرَّهْنَ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ فَلِذَلِكَ رُوعِيَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْفَوَاتِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ وَقَبْلَ الْفَوَاتِ، وَإِلَيْهِ كَانَ يُرَدُّ لَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ يَوْمَ الْأَجَلِ مَقْبُوضٌ لِلْبَيْعِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا لِلْبَيْعِ لَمَا فَاتَ بِتَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ، وَلَا زِيَادَةَ، وَلَا نُقْصَانَ، وَلِذَلِكَ يَضْمَنُ بَعْدَ الْأَجَلِ ضَمَانَ مَا بِيعَ بَيْعًا فَاسِدًا دُونَ ضَمَانِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الرَّهْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونَ عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ وَزَادَ فِيهِ هُوَ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ وَمَعْنَاهُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ لَهُ غَلَّتُهُ وَخَرَاجُ ظَهْرِهِ وَأُجْرَةُ عَمَلِهِ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ أَيْ نَفَقَتُهُ، وَلَيْسَ يُرِيدُ بِهِ الْهَلَاكَ وَالْمُصِيبَةَ؛ لِأَنَّ الْغُنْمَ إنْ كَانَ الْخَرَاجُ وَالْغَلَّةُ كَانَ الْغُرْمُ مَا قَابَلَ ذَلِكَ مِنْ النَّفَقَةِ، وَهُوَ نَحْوُ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ الرَّهْنُ مَحْلُوبٌ وَمَرْكُوبٌ أَيْ غَلَّتُهُ لِرَبِّهِ وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُهُ كَوْنُهُ رَهْنًا مِنْ صَرْفِ هَذِهِ الْمَنَافِعِ إلَى مَالِكِهِ الرَّاهِنِ أَوْ غَيْرِهِ.
وَقَدْ رَأَيْت لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ نَحْوَ هَذَا التَّفْسِيرِ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الْقَرْضِ وَعِوَضٌ مَجْهُولٌ فِي الْمُبَايَعَةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مَعْنَى قَوْلِهِ لَهُ غُنْمُهُ أَيْ مَنْفَعَتُهُ، وَلَمْ يُرَدَّ مِلْكُهُ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَزُلْ عَنْ الرَّاهِنِ وَغُرْمُهُ أَيْ نَفَقَتُهُ وَتَلَفُهُ إذَا ثَبَتَ تَلَفُهُ مِنْ الرَّاهِنِ وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيِّينَ: مَعْنَى قَوْلِهِ لَهُ غُنْمُهُ أَيْ رُجُوعُهُ إلَيْهِ، وَيَرْجِعُ رَبُّ الْحَقِّ عَلَيْهِ بِحَقِّهِ وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ إنَّ غُرْمَهُ عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّ الْغُرْمَ الَّذِي رَهَنَ مِنْ أَجْلِهِ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ رُجُوعُ الرَّهْنِ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[الْقَضَاءُ فِي رَهْنِ الثَّمَرِ وَالْحَيَوَانِ]
(ش) : قَوْلُهُ مَنْ رَهَنَ حَائِطًا إلَى أَجَلٍ فَأَثْمَرَ الْحَائِطُ قَبْلَ الْأَجَلِ فَإِنَّ ذَلِكَ الثَّمَرَ لَا يَكُونُ رَهْنًا مَعَ الْحَائِطِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: مَعْنَاهُ لَا يَكُونُ لِلثَّمَرَةِ حُكْمُ الرَّهْنِ، وَلَا يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّمَاءَ مِنْ الرَّهْنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَوَّلِ كَثَمَرَةِ النَّخْلِ وَعَسَلِ النَّحْلِ
стр. 1578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَغَلَّةِ الزَّرْعِ وَالرِّبَاعِ وَغَلَّةِ الْعَبِيدِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ، فَهَذَا كُلُّهُ لَا يَكُونُ رَهْنًا مَعَ الْأَصْلِ مَا حَدَثَ مِنْهُ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ فَأَمَّا الثَّمَرَةُ فَسَوَاءٌ حَدَثَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ أَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً حِينَ الرَّهْنِ مُزْهِيَةً أَوْ غَيْرَ مُزْهِيَةٍ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: إنَّ اللَّبَنَ وَالصُّوفَ وَثَمَرَ النَّحْلِ وَالشَّجَرَ مَا حَدَثَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الرَّهْنِ فَهُوَ فِي الرَّهْنِ وَكَذَلِكَ الْغَلَّةُ وَالْخَرَاجُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ نَمَاءٌ حَادِثٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَصْلِ فَلَمْ يَتْبَعْهُ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ أَصْلُ ذَلِكَ مَالُ الْعَبْدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا أَصْوَافُ الْغَنَمِ، وَأَلْبَانُهَا فَلَا تُتَّبَعُ أَيْضًا إذَا حَدَثَتْ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ أَوْ كَانَتْ غَيْرَ كَامِلَةٍ فَأَمَّا إنْ كَانَتْ كَامِلَةً يَوْمَ عَقْدِ الرَّهْنِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَلْحَقُهَا حُكْمُ الرَّهْنِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَكُونُ رَهْنًا إلَّا بِالشَّرْطِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ قَدْ كَمُلَ، وَيُتَّبَعُ فِي الْبَيْعِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ فِي الرَّهْنِ كَأَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ فِي النَّخْلِ تُرْهَنُ، وَفِيهَا ثَمَرَةٌ يَابِسَةٌ: يَجِبُ أَنْ تَكُونَ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَالصُّوفِ التَّامِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الثَّمَرَةَ الْيَابِسَةَ لَا تُتَّبَعُ فِي الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُتَّبَعُ فِي الْبَيْعِ بِخِلَافِ الصُّوفِ؛ لِأَنَّ الصُّوفَ لَا يَخْلُو مِنْهُ الْحَيَوَانُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِصْلَاحِ لَهُ فَأَشْبَهَ جَرِيدَ النَّخْلِ، وَأَمَّا الثَّمَرَةُ فَمِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَصْلِ وَمَقْصُودَةٌ بِالْغَلَّةِ تَخْلُو مِنْهَا الشَّجَرَةُ فِي بَعْضِ أَوْقَاتِهَا وَذَلِكَ حُكْمُ رَطْبِهَا، وَيَابِسِهَا وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ غَلَّةٌ فَلَمْ تَتْبَعْ الْأَصْلَ فِي الرَّهْنِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَاللَّبَنِ فِي ضُرُوعِ الْغَنَمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا غَلَّةُ الدُّورِ الْمُكْتَرَاةِ وَغَلَّةُ الْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ رَهْنًا مَعَ الرِّقَابِ، وَكَذَلِكَ مَالُ الْعَبْدِ لَا يَتْبَعُهُ فِي الرَّهْنِ إلَّا بِالشَّرْطِ قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ شَرَطَهُ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا كَمَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ فَإِنْ شَرَطَهُ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا يَكُونُ لَهُ أَفَادَ بَعْدَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ غَلَّةٌ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ عَبْدُوسٍ: وَلَا مَا وُهِبَ لَهُ قَالَ فِي الْكِتَابَيْنِ إلَّا أَنْ يَرْبَحَ فِي الْمَالِ الَّذِي شَرَطَهُ فَهُوَ كَمَالِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجُوزُ ارْتِهَانُ مَالِ الْعَبْدِ دُونَهُ فَيَكُونُ لَهُ مَعْلُومُهُ وَمَجْهُولُهُ يَوْمَ الرَّهْنِ إنْ قَبَضَهُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْغَرَرَ وَالْمَجْهُولَ يَصِحُّ ارْتِهَانُهُ كَمَا يَصِحُّ إفْرَادُ الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تُؤَبَّرْ بِالِارْتِهَانِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: وَمَنْ ارْتَهَنَ جَارِيَةً، وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ حَمَلَتْ بَعْدَ الرَّهْنِ فَإِنَّ وَلَدَهَا مَعَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّمَاءَ عَلَى ضَرْبَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَصْلِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ النَّمَاءِ مِنْ جِنْسِ الْأَصْلِ كَالْوَلَدِ زَادَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: وَفِرَاخُ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا تَلِدُهُ الْأَمَةُ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ يَكُونُ رَهْنًا مَعَهَا دُونَ شَرْطٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأَصْلِ فَأَشْبَهَ سِمَنَهَا وَمَنْ ارْتَهَنَ عَبْدًا فَوُلِدَ لِلْعَبْدِ مِنْ أَمَتِهِ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: الْوَلَدُ رَهْنٌ مَعَ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ أُمَّهُ مَالٌ لِلْعَبْدِ فَلَا تَكُونُ رَهْنًا مَعَهُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَالْوَلَدُ نَمَاءٌ مِنْ جِنْسِ الْأَصْلِ فَكَانَ تَبَعًا لَهُ فِي الرَّهْنِ.
(فَرْعٌ) وَلَوْ شُرِطَ فِي الْأَمَةِ أَنَّهَا رَهْنٌ دُونَ مَا تَلِدُهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَا يُرْتَهَنُ الْجَنِينُ دُونَ الْأُمِّ، وَلَيْسَ الْوَلَدُ كَالثَّمَرَةِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ جُزْءٌ مُعَيَّنٌ مِنْ الْجَارِيَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالرَّهْنِ كَيَدِهَا أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُيَسَّرٍ: يَجُوزُ أَنْ يَرْتَهِنَ مَا تَلِدُهُ هَذِهِ الْجَارِيَةُ أَوْ هَذِهِ الْبَقَرَةُ أَوْ هَذِهِ الْغَنَمُ كَمَا يُرْتَهَنُ الْعَبْدُ الْآبِقُ وَالْجَمَلُ الشَّارِدُ، وَيَصِحُّ ذَلِكَ بِالْبَعْضِ فَإِذَا وَلَدَتْ الْغَنَمُ كَانَ الْوَلَدُ رَهْنًا وَقَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا وَلَدَتْهُ قَبْلَ الرَّهْنِ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَجُوزُ أَنْ يُرْتَهَنَ وَلَدُهَا وَتُبَاعَ مَعَ وَلَدِهَا فَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَيُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ فِي حِصَّةِ الْآبِقِ، وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي وَصِيفٍ يُوضَعُ رَهْنًا قَالَ أَمَةٌ تَكُونُ مَعَهُ فِي الرَّهْنِ يُرِيدُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَكَانِ، وَإِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا
стр. 1579
الْقَضَاءُ فِي الرَّهْنِ مِنْ الْحَيَوَانِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا فِي الرَّهْنِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ يُعْرَفُ هَلَاكُهُ مِنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ أَوْ حَيَوَانٍ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَعُلِمَ هَلَاكُهُ فَهُوَ مِنْ الرَّاهِنِ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنْقِصُ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ شَيْئًا) .
ــ
[المنتقى]
حُكْمُ الرَّهْنِ فَلَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يُرْهَنُ الصَّبِيُّ حَتَّى يُثْغِرَ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يُثْغِرَ إلَّا أَنْ يُرْهَنَ مَعَ أُمِّهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: وَفَرَّقَ مَا بَيْنَ الثَّمَرَةِ وَوَلَدِ الْجَارِيَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ» قَالَ: وَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ مِمَّنْ بَاعَ جَارِيَةً أَوْ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ، وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ أَنَّ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فَهَذَا عَلَى مَا قَالَ فَرَّقَ بَيْنَ الثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ وَالْجَنِينِ وَحُجَّةُ مَنْ أَرَادَ إلْحَاقَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَأَنْ يَجْعَلَ الثَّمَرَةَ الْمَأْبُورَةَ تَتْبَعُ فِي الرَّهْنِ كَمَا يَتْبَعُ الْجَنِينُ وَأَمَّا الثَّمَرَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُؤَبَّرَةٍ فَخَارِجَةٌ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَتْبَعُ النَّخْلَ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا الْمُبْتَاعُ فَهِيَ فِي الْبَيْعِ بِمَنْزِلَةِ الْجَنِينِ، وَفِي الرَّهْنِ مُخَالِفَةٌ لِلْجَنِينِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّهْنِ وَالْبَيْعِ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْقُلُ الْمَبِيعَ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ فَكَانَتْ غَلَّتُهُ لِلْمُبْتَاعِ، وَالرَّهْنُ لَا يَنْقُلُ الرَّهْنَ عَنْ مَالِكِ الرَّاهِنِ فَبَقِيَتْ غَلَّتُهُ لَهُ، وَالْجَنِينُ لَمَّا كَانَ مِنْ جِنْسِ أُمِّهِ تَبِعَهَا فِي الرَّهْنِ وَالْبَيْعِ كَسِمَنِهَا لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهَا فِي بَيْعٍ، وَلَا رَهْنٍ قَالَ مَالِكٌ فِي جُرْحِ الْعَبْدِ الْمُرْتَهَنِ: يُؤْخَذُ لَهُ الْأَرْشُ أَنَّهُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي رَهْنِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ ثَمَرَ النَّخْلِ دُونَ الْأَصْلِ، وَلَا يَرْهَنُ أَحَدٌ جَنِينًا دُونَ أُمِّهِ، وَهَذَا أَيْضًا فَرْقٌ بَيْنَ الثَّمَرَةِ الْمَأْبُورَةِ، وَبَيْنَ الْجَنِينِ إذَا سُلِّمَ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَصِحُّ إفْرَادُ الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تُؤَبَّرْ بِالرَّهْنِ أَوْ ثَمَرَةٍ نَبَتَتْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي نَخْلِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ ارْتِهَانُهَا سِنِينَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَ الثَّمَرَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ طَلْعًا.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يَجُوزُ ارْتِهَانُ غَلَّةِ الدَّارِ فَهَذَا فَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنَ الثَّمَرَةِ وَالْجَنِينِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ مَا ادَّعَاهُ فِي الْجَنِينِ فَلَا يَصِحُّ هَذَا الْفَرْقُ إلَّا عَلَى أَصْلِهِ وَمَذْهَبِهِ دُونَ مَذْهَبِ مَنْ خَالَفَهُ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي أَنْ يَتَّبِعَا الْأَصَلَ فِي الرَّهْنِ أَوْ لَا يَتَّبِعَانِهِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَا قَالَهُ مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَجُوزُ ارْتِهَانُ الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا دُونَ الْأُصُولِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ الْحِرْزُ فِيهَا إلَّا بِقَبْضِ الْأُصُولِ وَمَنْ ارْتَهَنَ زَرْعًا فِي أَرْضٍ دُونَ الْأَرْضِ فَإِنَّ حِيَازَتَهُ بِقَبْضِ الْأُصُولِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ: فَإِنْ فَلِسَ فَالثَّمَرَةُ وَالزَّرْعُ لِلْمُرْتَهِنِ دُونَ الشَّجَرِ وَالْأَرْضِ فَإِنَّ ذَلِكَ لِلْغُرَمَاءِ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ قَبْضُ الثَّمَرَةِ إلَّا بِقَبْضِ الْأَصْلِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَبْضَ الرَّهْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنْعِ الرَّهْنِ مِنْهُ جُمْلَةً فَلَا يَبْقَى لَهُ فِي الرَّهْنِ تَصَرُّفٌ بِوَجْهٍ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّهْنَ يَبْطُلُ بِتَعَذُّرِ الْحِيَازَةِ، وَيَبْطُلُ بَعْدَ صِحَّةِ الْحِيَازَةِ بِعَدَمِ الْحِيَازَةِ فَكَانَ الْقَبْضُ فِيهِ مُخَالِفًا لِلْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ إذْ لَمْ يَبْطُلْ بِعَدَمِ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا يَبْطُلُ بِعَدَمِ إمْكَانِهِ فَحُكْمُ الْقَبْضِ فِي الرَّهْنِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ إذَا صَحَّتْ بِالْحِيَازَةِ لَا تَبْطُلُ بِرُجُوعِهَا إلَى يَدِ الْوَاهِبِ، وَالرَّهْنُ يَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ إلَى يَدِ الرَّاهِنِ فَلَمْ يَصِحَّ حِيَازَتُهُ إلَّا بِمَنْعِ الرَّاهِنِ مِنْهُ بِكُلِّ وَجْهٍ.
[الْقَضَاءُ فِي الرَّهْنِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَفِيهِ أَبْوَاب]
(ش) : قَوْلُهُ: مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ يُعْرَفُ هَلَاكُهُ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ غَالِبَ أَمْرِهِ أَنَّ ضَيَاعَهُ يُعْرَفُ وَيُشْتَهَرُ، وَلَا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالْأَرْضِ وَالدُّورِ وَالْحَيَوَانِ فَإِنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ بِالْمَغِيبِ عَلَيْهِ وَالسَّتْرِ لَهُ قَالَ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ وَالثَّمَرَةُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ، وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ، وَأَمَّا الْأَرْضُ وَالرِّبَاعُ كُلُّهَا وَأُصُولُ الشَّجَرِ مِمَّا لَا يُنْقَلُ، وَلَا يُحَوَّلُ فَأَمْرُهَا ظَاهِرٌ يُعْلَمُ صِدْقُ مُدَّعِي
стр. 1580
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَمَا كَانَ مِنْ رَهْنٍ يَهْلِكُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَلَا يُعْلَمُ هَلَاكُهُ إلَّا بِقَوْلِهِ فَهُوَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ لِقِيمَتِهِ ضَامِنٌ يُقَالُ لَهُ صِفْهُ فَإِذَا وَصَفَهُ أُحْلِفَ عَلَى صِفَتِهِ وَتَسْمِيَةِ مَالِهِ فِيهِ ثُمَّ يُقَوِّمُهُ أَهْلُ الْبَصَرِ بِذَاكَ فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَمَّا
ــ
[المنتقى]
ضَيَاعَهَا مِنْ كَذِبِهِ.
وَأَمَّا الْحَيَوَانُ فَإِنَّ ادِّعَاءَ إبَاقِ الْعَبْدِ، وَهُرُوبِ الْحَيَوَانِ أَمْرٌ لَا يَكَادُ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُقِيمَ بِهِ بَيِّنَةً؛ لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ كَثِيرًا فِي وَقْتِ الْغَفْلَةِ، وَفِي حِينٍ لَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِهِ قَالَ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَا أَخَذَهُ عَلَيْهِ عَلَى غَيْرِ الضَّمَانِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ وَذَلِكَ مِثْلُ مَا قَالَ أَشْهَبُ إذَا زَعَمَ أَنَّ الدَّابَّةَ انْفَلَتَتْ مِنْهُ أَوْ الْعَبْدَ كَابَرَهُ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ النَّاسِ فَيُنْكِرُونَ ذَلِكَ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ اُدُّعِيَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ عُدُولٍ فَلَا يُصَدَّقُونَ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا غَيْرَ عُدُولٍ لَمْ يَثْبُتْ كَذِبُهُ وَكَانَ عَلَى أَصْلِهِ فِي التَّصْدِيقِ وَانْتِفَاءِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ أَخَذَهُ فَوُجُودُ غَيْرِ الْعُدُولِ كَعَدَمِهِمْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِ لَهُ وَعَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا فِي الْمَوْتِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ بِدَعْوَاهُ ذَلِكَ بِمَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ أَهْلُهُ ذَلِكَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُصَدَّقُ إذَا ادَّعَى مَوْتَهُ فِي الْفَيَافِي وَالْقَفْرِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بِهِ مَنْ يُعْرَفُ بِهِ صِدْقُهُ أَوْ كَذِبُهُ فَإِنْ كَانَ فِي الْقُرَى وَحَيْثُ يَكُونُ النَّاسُ فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ فِيهِ أَهْلُ الْعَدْلِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَوْتَ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ قَالَ مَاتَتْ دَابَّةٌ لَا نَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ فَوَصَفُوهَا إنْ عَرَفُوا الصِّفَةَ أَوْ لَمْ يَصِفُوهَا قَبْلَ قَوْلِهِ إنَّهَا هِيَ، وَيَحْلِفُ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ مِنْ الْعِلْمِ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ أَهْلُ الْجِهَةِ الَّتِي مَاتَتْ الدَّابَّةُ بِهَا فَإِذَا عَدِمَ ذَلِكَ عُلِمَ كَذِبُهُ فِيمَا زَعَمَهُ مِنْ مَوْتِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ رَأَى دَابَّةً مَيِّتَةً سَأَلَ عَمَّنْ مَلَكَهَا، وَلَا يَتَبَيَّنُ صِفَتَهَا بَلْ يَصْرِفُ بَصَرَهُ عَنْهَا، وَيُسْرِعُ الْمَشْيَ فِي الْبُعْدِ عَنْهَا فَلَا يَتَبَيَّنُ كَذِبُ مُدَّعِي ذَلِكَ فِي عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى مِنْهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: وَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنْقِصُ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ شَيْئًا يُرِيدُ أَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ بِكَمَالِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ لِأَجْلِ مَا ذَهَبَ مِنْ الرَّهْنِ بِيَدِهِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ إذَا رَهَنَ مِنْ رَاهِنِهِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: الرَّهْنُ كُلُّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ.
وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ ارْتَهَنَ نِصْفَ عَبْدٍ وَقَبَضَهُ كُلَّهُ وَتَلِفَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا بِصِفَةٍ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ لِمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَضْمُونٌ بِقَدْرِ الدَّيْنِ دُونَ قِيمَتِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَا لَا يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ لَا يُضْمَنُ بِقِيمَةِ غَيْرِهِ كَالْوَدِيعَةِ.
وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: قُلْت فَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ إنْ ضَاعَ فَقَالَ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْلَمُ لَهُ قِيمَةٌ، وَلَا صِفَةٌ لِقَوْلِ الرَّاهِنِ، وَلَا الْمُرْتَهِنِ، وَلَا غَيْرِهِمَا فَهَذَا لَا طَلَبَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَقَدْ كَانَ الْقِيَاسُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَجْعَلَ قِيمَتَهُ مِنْ أَدْنَى الرَّهْنِ.
وَقَدْ ذُكِرَ لِي ذَلِكَ عَنْ أَشْهَبَ وَمَا قُلْت لَك أَوَّلًا هُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ، وَأَحَقُّهُ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ، وَفِي الْحَدِيثِ إذَا عَمِيَتْ قِيمَتُهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَا لَهُ أَصْلٌ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الرَّهْنَ يُضْمَنُ مِنْهُ قَدْرُ الدَّيْنِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِيمَتِهِ فَهُوَ أَمَانَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَمَا رُوِيَ فَوْقَ هَذَا مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ هُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا جُهِلَتْ صِفَاتُهُ، وَلَمْ يَدَّعِ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ رَاهِنٌ، وَلَا مُرْتَهِنٌ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَبَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ إذَا ضَاعَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَكَانَتْ قِيمَتُهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
следующие страницы →