← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ فِيمَا نَرَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الرَّهْنَ عِنْدَ الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ، وَفِي الرَّهْنِ فَضْلُ عَمَّا رُهِنَ فِيهِ فَيَقُولُ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ إنْ جِئْتُك بِحَقِّك إلَى أَجَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَك بِمَا رُهِنَ فِيهِ قَالَ فَهَذَا لَا يَصْلُحُ، وَلَا يَحِلُّ، وَهَذَا الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ، وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ بِاَلَّذِي رَهَنَ بِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ فَهُوَ لَهُ، وَأَرَى هَذَا الشَّرْطَ مَفْسُوخًا) . ــ [المنتقى] عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُحَلِّفُهُ الْإِمَامُ مَا بَاعَ، وَلَا وَهَبَ، وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِشَيْءٍ فَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ وَيَسْتَحِقُّهُ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: لَيْسَ عَلَيْهِ يَمِينٌ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الَّذِي فِي يَدِهِ ذَلِكَ أَمْرًا يَظُنُّ أَنَّ صَاحِبَهُ فَعَلَهُ فَيَحْلِفُ مَا فَعَلَهُ، وَيَأْخُذُ حَقَّهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا يَمِينٌ لِلْحُكْمِ لَا يَصِحُّ لَهُ الْقَضَاءُ إلَّا بَعْدَ اسْتِيفَائِهَا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا شَهِدَتْ لَهُ بِالْمِلْكِ عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ وَشَهِدَتْ فِي بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ عَلَى الْعِلْمِ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِحْلَافِهِ عَلَى الْبَتِّ فِيمَا بَقِيَ وَمَا عَسَى أَنْ يُزِيلَ مِلْكَهُ عَنْهُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقْضَى لَهُ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ حَكَمَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمُسْتَحِقُّ أَسْبَابَ الِاسْتِحْقَاقِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَطْلُوبَ إذَا لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِاسْتِحْلَافِ الطَّالِبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ الْمِلْكُ، وَلَا يَدَّعِي خُرُوجَهُ عَنْ مِلْكِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [مَا لَا يَجُوزُ مِنْ غَلْقِ الرَّهْنِ] ِ غَلْقُ الرَّهْنِ مَعْنَاهُ أَنْ لَا يُفَكَّ يُقَالُ غَلِقَ الرَّهْنُ إذَا لَمْ يُفَكَّ فَمَعْنَى التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْقَدَ الرَّهْنُ عَلَى وَجْهٍ يَئُولُ إلَى الْمَنْعِ مِنْ فَكِّهِ، وَأَنْشَدَ الرَّبَعِيُّ ، وَفَارَقْتُك بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ ... يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَمْسَى رَهْنُهَا غَلَقَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ فِيمَا نَرَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الرَّهْنَ عِنْدَ الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ، وَفِي الرَّهْنِ فَضْلُ عَمَّا رُهِنَ فِيهِ فَيَقُولُ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ إنْ جِئْتُك بِحَقِّك إلَى أَجَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَك بِمَا رُهِنَ فِيهِ قَالَ فَهَذَا لَا يَصْلُحُ، وَلَا يَحِلُّ، وَهَذَا الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ، وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ بِاَلَّذِي رَهَنَ بِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ فَهُوَ لَهُ، وَأَرَى هَذَا الشَّرْطَ مَفْسُوخًا) . (ش) : قَوْلُهُ لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لَا يُمْنَعُ مِنْ فَكِّهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ عَقْدٍ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ وَعَنْ اسْتِدَامَتِهِ إنْ عَقَدَ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ، فَإِنْ وَقَعَ فَقَدْ قَالَ يُرْهَنُ الرَّهْنُ فِي دَيْنِهِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ لَا يَصْلُحُ، وَلَا يَحِلُّ يُرِيدُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ، وَهُوَ فِي دَيْنٍ ثَابِتٍ وَمِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَهُ ثَوْبًا بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَرْهَنَهُ بِهِ رَهْنًا عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَهُ بِالثَّمَنِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالرَّهْنُ فَاسِدٌ، وَلَهُ إنْ قَبَضَهُ الْبَائِعُ حُكْمُ الرَّهْنِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ سَلَمٌ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ، وَالرَّهْنُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُنْقَضُ مِنْ قَرْضٍ كَانَ أَوْ مِنْ بَيْعٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ النَّهْيِ عَنْهُ وَالنَّهْيُ عَنْهُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ فِي الْقَرْضِ تَارَةً يَكُونُ بَيْعًا وَتَارَةً يَكُونُ قَرْضًا، وَهُوَ إذَا كَانَ الدَّيْنُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ بِمَعْنَى فَسْخِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ مَا عَمِلَا عَلَيْهِ مِنْ غَلْقِ الرَّهْنِ، وَهُوَ بَيْعُهُ بِالدَّيْنِ الَّذِي رَهَنَ بِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَيْعٍ انْعَقَدَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ بِأَنْ يَبِيعَهُ ثَوْبًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى أَجَلٍ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ بِهِ دَابَّةً عَلَى أَنْ جَاءَهُ بِالثَّمَنِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، وَإِلَّا فَالدَّابَّةُ لَهُ عِوَضًا مِنْ الثَّوَابِ فَإِنَّ هَذَا الْبَيْعَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَدْرِي بِمَا بَاعَ ثَوْبَهُ بِالْمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ بِالدَّابَّةِ فَيُنْقَضُ الْبَيْعُ، وَالرَّهْنُ مَا لَمْ يَفُتْ الثَّوْبُ فَيَمْضِي الثَّوْبُ بِالْقِيمَةِ، وَيَبْطُلُ الْأَجَلُ وَشَرْطُ الرَّهْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ، وَلَمْ يُفْسَخْ الرَّهْنُ إلَى رَبِّهِ، وَأَخَذَ الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ سَوَاءٌ تَغَيَّرَ قَبْلَ الْأَجَلِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ حَوَالَةِ أَسْوَاقٍ أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَهُ بِحَقِّهِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ أَخَذَهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ إنَّهُ يُفْسَخُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ مُؤَجَّلًا إلَى سَنَةٍ أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ السَّنَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُفْسَخَ غِلَاقُهُ، وَأَمَّا أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَيَبْقَى دَيْنُهُ دُونَ رَهْنٍ فَلَا

стр. 1577

الْقَضَاءُ فِي رَهْنِ الثَّمَرِ وَالْحَيَوَانِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِيمَنْ رَهَنَ حَائِطًا لَهُ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَيَكُونُ ثَمَرُ ذَلِكَ الْحَائِطِ قَبْلَ ذَلِكَ الْأَجَلِ أَنَّ الثَّمَرَ لَيْسَ بِرَهْنٍ مِنْ الْأَصْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فِي رَهْنِهِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ إذَا ارْتَهَنَ جَارِيَةً، وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ حَمَلَتْ بَعْدَ ارْتِهَانِهِ إيَّاهَا أَنَّ وَلَدَهَا مَعَهَا قَالَ مَالِكٌ: وَفَرَّقَ بَيْنَ الثَّمَرِ، وَبَيْنَ وَلَدِ الْجَارِيَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» قَالَ: وَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ بَاعَ وَلِيدَةً أَوْ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ، وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ أَنَّ ذَلِكَ الْجَنِينَ لِلْمُشْتَرِي اشْتَرَطَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فَلَيْسَتْ النَّخْلُ مِثْلَ الْحَيَوَانِ، وَلَيْسَ الثَّمَرُ مِثْلَ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ قَالَ مَالِكٌ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ ثَمَرَ النَّخْلِ، وَلَا يَرْهَنُ النَّخْلَ، وَلَيْسَ يَرْهَنُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ مِنْ الرَّقِيقِ، وَلَا مِنْ الدَّوَابِّ) ــ [المنتقى] (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ لَمْ يُرَدَّ بَعْدَ الْأَجَلِ وَمَا يَقْرُبُ مِنْهُ حَتَّى تَغَيَّرَتْ أَسْوَاقُهُ أَوْ تَغَيَّرَ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ لَزِمَهُ بِقِيمَتِهِ، وَيُقَاصُّ بِثَمَنِهِ مِنْ دَيْنِهِ، وَيَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا وَقَعَ فِيهِ يَوْمَ حَلَّ الْأَجَلُ فَإِنْ فَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ فَاتَ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَهَذَا فِي السِّلَعِ وَالْحَيَوَانِ، وَأَمَّا فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ فَإِنَّ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ، وَطُولَ الزَّمَانِ لَا يُفِيتُهَا وَتُرَدُّ إلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ مُحَرَّمٌ، وَإِنَّمَا يُفِيتُهَا الْهَدْمُ وَالْبُنْيَانُ وَالْغَرْسُ سَوَاءٌ تَهَدَّمَتْ بِفِعْلِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ فَاتَ الرَّهْنُ بَعْدَ الْأَجَلِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ عَلَى وَجْهٍ يَلْزَمُهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْهُ: عَلَيْهِ قِيمَتُهُ قِيلَ يَوْمَ فَاتَ وَقِيلَ يَوْمَ حَلَّ الْأَجَلُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَحَبُّ إلَيَّ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَبَضَ الرَّهْنَ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ فَلِذَلِكَ رُوعِيَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْفَوَاتِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ وَقَبْلَ الْفَوَاتِ، وَإِلَيْهِ كَانَ يُرَدُّ لَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ يَوْمَ الْأَجَلِ مَقْبُوضٌ لِلْبَيْعِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا لِلْبَيْعِ لَمَا فَاتَ بِتَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ، وَلَا زِيَادَةَ، وَلَا نُقْصَانَ، وَلِذَلِكَ يَضْمَنُ بَعْدَ الْأَجَلِ ضَمَانَ مَا بِيعَ بَيْعًا فَاسِدًا دُونَ ضَمَانِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الرَّهْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونَ عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ وَزَادَ فِيهِ هُوَ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ وَمَعْنَاهُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ لَهُ غَلَّتُهُ وَخَرَاجُ ظَهْرِهِ وَأُجْرَةُ عَمَلِهِ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ أَيْ نَفَقَتُهُ، وَلَيْسَ يُرِيدُ بِهِ الْهَلَاكَ وَالْمُصِيبَةَ؛ لِأَنَّ الْغُنْمَ إنْ كَانَ الْخَرَاجُ وَالْغَلَّةُ كَانَ الْغُرْمُ مَا قَابَلَ ذَلِكَ مِنْ النَّفَقَةِ، وَهُوَ نَحْوُ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ الرَّهْنُ مَحْلُوبٌ وَمَرْكُوبٌ أَيْ غَلَّتُهُ لِرَبِّهِ وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُهُ كَوْنُهُ رَهْنًا مِنْ صَرْفِ هَذِهِ الْمَنَافِعِ إلَى مَالِكِهِ الرَّاهِنِ أَوْ غَيْرِهِ. وَقَدْ رَأَيْت لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ نَحْوَ هَذَا التَّفْسِيرِ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الْقَرْضِ وَعِوَضٌ مَجْهُولٌ فِي الْمُبَايَعَةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مَعْنَى قَوْلِهِ لَهُ غُنْمُهُ أَيْ مَنْفَعَتُهُ، وَلَمْ يُرَدَّ مِلْكُهُ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَزُلْ عَنْ الرَّاهِنِ وَغُرْمُهُ أَيْ نَفَقَتُهُ وَتَلَفُهُ إذَا ثَبَتَ تَلَفُهُ مِنْ الرَّاهِنِ وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيِّينَ: مَعْنَى قَوْلِهِ لَهُ غُنْمُهُ أَيْ رُجُوعُهُ إلَيْهِ، وَيَرْجِعُ رَبُّ الْحَقِّ عَلَيْهِ بِحَقِّهِ وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ إنَّ غُرْمَهُ عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّ الْغُرْمَ الَّذِي رَهَنَ مِنْ أَجْلِهِ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ رُجُوعُ الرَّهْنِ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [الْقَضَاءُ فِي رَهْنِ الثَّمَرِ وَالْحَيَوَانِ] (ش) : قَوْلُهُ مَنْ رَهَنَ حَائِطًا إلَى أَجَلٍ فَأَثْمَرَ الْحَائِطُ قَبْلَ الْأَجَلِ فَإِنَّ ذَلِكَ الثَّمَرَ لَا يَكُونُ رَهْنًا مَعَ الْحَائِطِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: مَعْنَاهُ لَا يَكُونُ لِلثَّمَرَةِ حُكْمُ الرَّهْنِ، وَلَا يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّمَاءَ مِنْ الرَّهْنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَوَّلِ كَثَمَرَةِ النَّخْلِ وَعَسَلِ النَّحْلِ

стр. 1578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَغَلَّةِ الزَّرْعِ وَالرِّبَاعِ وَغَلَّةِ الْعَبِيدِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ، فَهَذَا كُلُّهُ لَا يَكُونُ رَهْنًا مَعَ الْأَصْلِ مَا حَدَثَ مِنْهُ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ فَأَمَّا الثَّمَرَةُ فَسَوَاءٌ حَدَثَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ أَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً حِينَ الرَّهْنِ مُزْهِيَةً أَوْ غَيْرَ مُزْهِيَةٍ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: إنَّ اللَّبَنَ وَالصُّوفَ وَثَمَرَ النَّحْلِ وَالشَّجَرَ مَا حَدَثَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الرَّهْنِ فَهُوَ فِي الرَّهْنِ وَكَذَلِكَ الْغَلَّةُ وَالْخَرَاجُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ نَمَاءٌ حَادِثٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَصْلِ فَلَمْ يَتْبَعْهُ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ أَصْلُ ذَلِكَ مَالُ الْعَبْدِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا أَصْوَافُ الْغَنَمِ، وَأَلْبَانُهَا فَلَا تُتَّبَعُ أَيْضًا إذَا حَدَثَتْ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ أَوْ كَانَتْ غَيْرَ كَامِلَةٍ فَأَمَّا إنْ كَانَتْ كَامِلَةً يَوْمَ عَقْدِ الرَّهْنِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَلْحَقُهَا حُكْمُ الرَّهْنِ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَكُونُ رَهْنًا إلَّا بِالشَّرْطِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ قَدْ كَمُلَ، وَيُتَّبَعُ فِي الْبَيْعِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ فِي الرَّهْنِ كَأَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ فِي النَّخْلِ تُرْهَنُ، وَفِيهَا ثَمَرَةٌ يَابِسَةٌ: يَجِبُ أَنْ تَكُونَ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَالصُّوفِ التَّامِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الثَّمَرَةَ الْيَابِسَةَ لَا تُتَّبَعُ فِي الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُتَّبَعُ فِي الْبَيْعِ بِخِلَافِ الصُّوفِ؛ لِأَنَّ الصُّوفَ لَا يَخْلُو مِنْهُ الْحَيَوَانُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِصْلَاحِ لَهُ فَأَشْبَهَ جَرِيدَ النَّخْلِ، وَأَمَّا الثَّمَرَةُ فَمِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَصْلِ وَمَقْصُودَةٌ بِالْغَلَّةِ تَخْلُو مِنْهَا الشَّجَرَةُ فِي بَعْضِ أَوْقَاتِهَا وَذَلِكَ حُكْمُ رَطْبِهَا، وَيَابِسِهَا وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ غَلَّةٌ فَلَمْ تَتْبَعْ الْأَصْلَ فِي الرَّهْنِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَاللَّبَنِ فِي ضُرُوعِ الْغَنَمِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا غَلَّةُ الدُّورِ الْمُكْتَرَاةِ وَغَلَّةُ الْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ رَهْنًا مَعَ الرِّقَابِ، وَكَذَلِكَ مَالُ الْعَبْدِ لَا يَتْبَعُهُ فِي الرَّهْنِ إلَّا بِالشَّرْطِ قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ شَرَطَهُ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا كَمَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ فَإِنْ شَرَطَهُ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا يَكُونُ لَهُ أَفَادَ بَعْدَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ غَلَّةٌ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ عَبْدُوسٍ: وَلَا مَا وُهِبَ لَهُ قَالَ فِي الْكِتَابَيْنِ إلَّا أَنْ يَرْبَحَ فِي الْمَالِ الَّذِي شَرَطَهُ فَهُوَ كَمَالِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَيَجُوزُ ارْتِهَانُ مَالِ الْعَبْدِ دُونَهُ فَيَكُونُ لَهُ مَعْلُومُهُ وَمَجْهُولُهُ يَوْمَ الرَّهْنِ إنْ قَبَضَهُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْغَرَرَ وَالْمَجْهُولَ يَصِحُّ ارْتِهَانُهُ كَمَا يَصِحُّ إفْرَادُ الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تُؤَبَّرْ بِالِارْتِهَانِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَمَنْ ارْتَهَنَ جَارِيَةً، وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ حَمَلَتْ بَعْدَ الرَّهْنِ فَإِنَّ وَلَدَهَا مَعَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّمَاءَ عَلَى ضَرْبَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَصْلِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ النَّمَاءِ مِنْ جِنْسِ الْأَصْلِ كَالْوَلَدِ زَادَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: وَفِرَاخُ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا تَلِدُهُ الْأَمَةُ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ يَكُونُ رَهْنًا مَعَهَا دُونَ شَرْطٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأَصْلِ فَأَشْبَهَ سِمَنَهَا وَمَنْ ارْتَهَنَ عَبْدًا فَوُلِدَ لِلْعَبْدِ مِنْ أَمَتِهِ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: الْوَلَدُ رَهْنٌ مَعَ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ أُمَّهُ مَالٌ لِلْعَبْدِ فَلَا تَكُونُ رَهْنًا مَعَهُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَالْوَلَدُ نَمَاءٌ مِنْ جِنْسِ الْأَصْلِ فَكَانَ تَبَعًا لَهُ فِي الرَّهْنِ. (فَرْعٌ) وَلَوْ شُرِطَ فِي الْأَمَةِ أَنَّهَا رَهْنٌ دُونَ مَا تَلِدُهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَا يُرْتَهَنُ الْجَنِينُ دُونَ الْأُمِّ، وَلَيْسَ الْوَلَدُ كَالثَّمَرَةِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ جُزْءٌ مُعَيَّنٌ مِنْ الْجَارِيَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالرَّهْنِ كَيَدِهَا أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُيَسَّرٍ: يَجُوزُ أَنْ يَرْتَهِنَ مَا تَلِدُهُ هَذِهِ الْجَارِيَةُ أَوْ هَذِهِ الْبَقَرَةُ أَوْ هَذِهِ الْغَنَمُ كَمَا يُرْتَهَنُ الْعَبْدُ الْآبِقُ وَالْجَمَلُ الشَّارِدُ، وَيَصِحُّ ذَلِكَ بِالْبَعْضِ فَإِذَا وَلَدَتْ الْغَنَمُ كَانَ الْوَلَدُ رَهْنًا وَقَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا وَلَدَتْهُ قَبْلَ الرَّهْنِ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَجُوزُ أَنْ يُرْتَهَنَ وَلَدُهَا وَتُبَاعَ مَعَ وَلَدِهَا فَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَيُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ فِي حِصَّةِ الْآبِقِ، وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي وَصِيفٍ يُوضَعُ رَهْنًا قَالَ أَمَةٌ تَكُونُ مَعَهُ فِي الرَّهْنِ يُرِيدُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَكَانِ، وَإِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا

стр. 1579

الْقَضَاءُ فِي الرَّهْنِ مِنْ الْحَيَوَانِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا فِي الرَّهْنِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ يُعْرَفُ هَلَاكُهُ مِنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ أَوْ حَيَوَانٍ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَعُلِمَ هَلَاكُهُ فَهُوَ مِنْ الرَّاهِنِ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنْقِصُ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ شَيْئًا) . ــ [المنتقى] حُكْمُ الرَّهْنِ فَلَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يُرْهَنُ الصَّبِيُّ حَتَّى يُثْغِرَ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يُثْغِرَ إلَّا أَنْ يُرْهَنَ مَعَ أُمِّهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَفَرَّقَ مَا بَيْنَ الثَّمَرَةِ وَوَلَدِ الْجَارِيَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ» قَالَ: وَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ مِمَّنْ بَاعَ جَارِيَةً أَوْ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ، وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ أَنَّ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فَهَذَا عَلَى مَا قَالَ فَرَّقَ بَيْنَ الثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ وَالْجَنِينِ وَحُجَّةُ مَنْ أَرَادَ إلْحَاقَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَأَنْ يَجْعَلَ الثَّمَرَةَ الْمَأْبُورَةَ تَتْبَعُ فِي الرَّهْنِ كَمَا يَتْبَعُ الْجَنِينُ وَأَمَّا الثَّمَرَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُؤَبَّرَةٍ فَخَارِجَةٌ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَتْبَعُ النَّخْلَ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا الْمُبْتَاعُ فَهِيَ فِي الْبَيْعِ بِمَنْزِلَةِ الْجَنِينِ، وَفِي الرَّهْنِ مُخَالِفَةٌ لِلْجَنِينِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّهْنِ وَالْبَيْعِ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْقُلُ الْمَبِيعَ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ فَكَانَتْ غَلَّتُهُ لِلْمُبْتَاعِ، وَالرَّهْنُ لَا يَنْقُلُ الرَّهْنَ عَنْ مَالِكِ الرَّاهِنِ فَبَقِيَتْ غَلَّتُهُ لَهُ، وَالْجَنِينُ لَمَّا كَانَ مِنْ جِنْسِ أُمِّهِ تَبِعَهَا فِي الرَّهْنِ وَالْبَيْعِ كَسِمَنِهَا لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهَا فِي بَيْعٍ، وَلَا رَهْنٍ قَالَ مَالِكٌ فِي جُرْحِ الْعَبْدِ الْمُرْتَهَنِ: يُؤْخَذُ لَهُ الْأَرْشُ أَنَّهُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي رَهْنِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ ثَمَرَ النَّخْلِ دُونَ الْأَصْلِ، وَلَا يَرْهَنُ أَحَدٌ جَنِينًا دُونَ أُمِّهِ، وَهَذَا أَيْضًا فَرْقٌ بَيْنَ الثَّمَرَةِ الْمَأْبُورَةِ، وَبَيْنَ الْجَنِينِ إذَا سُلِّمَ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَصِحُّ إفْرَادُ الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تُؤَبَّرْ بِالرَّهْنِ أَوْ ثَمَرَةٍ نَبَتَتْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي نَخْلِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ ارْتِهَانُهَا سِنِينَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَ الثَّمَرَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ طَلْعًا. وَقَالَ أَشْهَبُ: يَجُوزُ ارْتِهَانُ غَلَّةِ الدَّارِ فَهَذَا فَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنَ الثَّمَرَةِ وَالْجَنِينِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ مَا ادَّعَاهُ فِي الْجَنِينِ فَلَا يَصِحُّ هَذَا الْفَرْقُ إلَّا عَلَى أَصْلِهِ وَمَذْهَبِهِ دُونَ مَذْهَبِ مَنْ خَالَفَهُ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي أَنْ يَتَّبِعَا الْأَصَلَ فِي الرَّهْنِ أَوْ لَا يَتَّبِعَانِهِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَا قَالَهُ مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ. (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَجُوزُ ارْتِهَانُ الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا دُونَ الْأُصُولِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ الْحِرْزُ فِيهَا إلَّا بِقَبْضِ الْأُصُولِ وَمَنْ ارْتَهَنَ زَرْعًا فِي أَرْضٍ دُونَ الْأَرْضِ فَإِنَّ حِيَازَتَهُ بِقَبْضِ الْأُصُولِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ: فَإِنْ فَلِسَ فَالثَّمَرَةُ وَالزَّرْعُ لِلْمُرْتَهِنِ دُونَ الشَّجَرِ وَالْأَرْضِ فَإِنَّ ذَلِكَ لِلْغُرَمَاءِ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ قَبْضُ الثَّمَرَةِ إلَّا بِقَبْضِ الْأَصْلِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَبْضَ الرَّهْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنْعِ الرَّهْنِ مِنْهُ جُمْلَةً فَلَا يَبْقَى لَهُ فِي الرَّهْنِ تَصَرُّفٌ بِوَجْهٍ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّهْنَ يَبْطُلُ بِتَعَذُّرِ الْحِيَازَةِ، وَيَبْطُلُ بَعْدَ صِحَّةِ الْحِيَازَةِ بِعَدَمِ الْحِيَازَةِ فَكَانَ الْقَبْضُ فِيهِ مُخَالِفًا لِلْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ إذْ لَمْ يَبْطُلْ بِعَدَمِ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا يَبْطُلُ بِعَدَمِ إمْكَانِهِ فَحُكْمُ الْقَبْضِ فِي الرَّهْنِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ إذَا صَحَّتْ بِالْحِيَازَةِ لَا تَبْطُلُ بِرُجُوعِهَا إلَى يَدِ الْوَاهِبِ، وَالرَّهْنُ يَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ إلَى يَدِ الرَّاهِنِ فَلَمْ يَصِحَّ حِيَازَتُهُ إلَّا بِمَنْعِ الرَّاهِنِ مِنْهُ بِكُلِّ وَجْهٍ. [الْقَضَاءُ فِي الرَّهْنِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَفِيهِ أَبْوَاب] (ش) : قَوْلُهُ: مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ يُعْرَفُ هَلَاكُهُ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ غَالِبَ أَمْرِهِ أَنَّ ضَيَاعَهُ يُعْرَفُ وَيُشْتَهَرُ، وَلَا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالْأَرْضِ وَالدُّورِ وَالْحَيَوَانِ فَإِنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ بِالْمَغِيبِ عَلَيْهِ وَالسَّتْرِ لَهُ قَالَ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ وَالثَّمَرَةُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ، وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ، وَأَمَّا الْأَرْضُ وَالرِّبَاعُ كُلُّهَا وَأُصُولُ الشَّجَرِ مِمَّا لَا يُنْقَلُ، وَلَا يُحَوَّلُ فَأَمْرُهَا ظَاهِرٌ يُعْلَمُ صِدْقُ مُدَّعِي

стр. 1580

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَمَا كَانَ مِنْ رَهْنٍ يَهْلِكُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَلَا يُعْلَمُ هَلَاكُهُ إلَّا بِقَوْلِهِ فَهُوَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ لِقِيمَتِهِ ضَامِنٌ يُقَالُ لَهُ صِفْهُ فَإِذَا وَصَفَهُ أُحْلِفَ عَلَى صِفَتِهِ وَتَسْمِيَةِ مَالِهِ فِيهِ ثُمَّ يُقَوِّمُهُ أَهْلُ الْبَصَرِ بِذَاكَ فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَمَّا ــ [المنتقى] ضَيَاعَهَا مِنْ كَذِبِهِ. وَأَمَّا الْحَيَوَانُ فَإِنَّ ادِّعَاءَ إبَاقِ الْعَبْدِ، وَهُرُوبِ الْحَيَوَانِ أَمْرٌ لَا يَكَادُ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُقِيمَ بِهِ بَيِّنَةً؛ لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ كَثِيرًا فِي وَقْتِ الْغَفْلَةِ، وَفِي حِينٍ لَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِهِ قَالَ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَا أَخَذَهُ عَلَيْهِ عَلَى غَيْرِ الضَّمَانِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ وَذَلِكَ مِثْلُ مَا قَالَ أَشْهَبُ إذَا زَعَمَ أَنَّ الدَّابَّةَ انْفَلَتَتْ مِنْهُ أَوْ الْعَبْدَ كَابَرَهُ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ النَّاسِ فَيُنْكِرُونَ ذَلِكَ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ اُدُّعِيَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ عُدُولٍ فَلَا يُصَدَّقُونَ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا غَيْرَ عُدُولٍ لَمْ يَثْبُتْ كَذِبُهُ وَكَانَ عَلَى أَصْلِهِ فِي التَّصْدِيقِ وَانْتِفَاءِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ أَخَذَهُ فَوُجُودُ غَيْرِ الْعُدُولِ كَعَدَمِهِمْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِ لَهُ وَعَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا فِي الْمَوْتِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ بِدَعْوَاهُ ذَلِكَ بِمَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ أَهْلُهُ ذَلِكَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُصَدَّقُ إذَا ادَّعَى مَوْتَهُ فِي الْفَيَافِي وَالْقَفْرِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بِهِ مَنْ يُعْرَفُ بِهِ صِدْقُهُ أَوْ كَذِبُهُ فَإِنْ كَانَ فِي الْقُرَى وَحَيْثُ يَكُونُ النَّاسُ فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ فِيهِ أَهْلُ الْعَدْلِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَوْتَ ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَالَ مَاتَتْ دَابَّةٌ لَا نَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ فَوَصَفُوهَا إنْ عَرَفُوا الصِّفَةَ أَوْ لَمْ يَصِفُوهَا قَبْلَ قَوْلِهِ إنَّهَا هِيَ، وَيَحْلِفُ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ مِنْ الْعِلْمِ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ أَهْلُ الْجِهَةِ الَّتِي مَاتَتْ الدَّابَّةُ بِهَا فَإِذَا عَدِمَ ذَلِكَ عُلِمَ كَذِبُهُ فِيمَا زَعَمَهُ مِنْ مَوْتِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ رَأَى دَابَّةً مَيِّتَةً سَأَلَ عَمَّنْ مَلَكَهَا، وَلَا يَتَبَيَّنُ صِفَتَهَا بَلْ يَصْرِفُ بَصَرَهُ عَنْهَا، وَيُسْرِعُ الْمَشْيَ فِي الْبُعْدِ عَنْهَا فَلَا يَتَبَيَّنُ كَذِبُ مُدَّعِي ذَلِكَ فِي عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى مِنْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنْقِصُ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ شَيْئًا يُرِيدُ أَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ بِكَمَالِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ لِأَجْلِ مَا ذَهَبَ مِنْ الرَّهْنِ بِيَدِهِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ إذَا رَهَنَ مِنْ رَاهِنِهِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: الرَّهْنُ كُلُّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ. وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ ارْتَهَنَ نِصْفَ عَبْدٍ وَقَبَضَهُ كُلَّهُ وَتَلِفَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا بِصِفَةٍ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ لِمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَضْمُونٌ بِقَدْرِ الدَّيْنِ دُونَ قِيمَتِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَا لَا يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ لَا يُضْمَنُ بِقِيمَةِ غَيْرِهِ كَالْوَدِيعَةِ. وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: قُلْت فَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ إنْ ضَاعَ فَقَالَ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْلَمُ لَهُ قِيمَةٌ، وَلَا صِفَةٌ لِقَوْلِ الرَّاهِنِ، وَلَا الْمُرْتَهِنِ، وَلَا غَيْرِهِمَا فَهَذَا لَا طَلَبَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَقَدْ كَانَ الْقِيَاسُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَجْعَلَ قِيمَتَهُ مِنْ أَدْنَى الرَّهْنِ. وَقَدْ ذُكِرَ لِي ذَلِكَ عَنْ أَشْهَبَ وَمَا قُلْت لَك أَوَّلًا هُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ، وَأَحَقُّهُ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ، وَفِي الْحَدِيثِ إذَا عَمِيَتْ قِيمَتُهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَا لَهُ أَصْلٌ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الرَّهْنَ يُضْمَنُ مِنْهُ قَدْرُ الدَّيْنِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِيمَتِهِ فَهُوَ أَمَانَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَمَا رُوِيَ فَوْقَ هَذَا مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ هُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا جُهِلَتْ صِفَاتُهُ، وَلَمْ يَدَّعِ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ رَاهِنٌ، وَلَا مُرْتَهِنٌ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَبَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ إذَا ضَاعَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَكَانَتْ قِيمَتُهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .

стр. 1581

سَمَّى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ أَخَذَهُ الرَّاهِنُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا سَمَّى أَحْلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى مَا سَمَّى الْمُرْتَهِنُ، وَبَطَلَ عَنْهُ الْفَضْلُ الَّذِي سَمَّى الْمُرْتَهِنُ فَوْقَ قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَإِنْ أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يَحْلِفَ أَعْطَى الْمُرْتَهِنَ مَا فَضَلَ بَعْدَ قِيمَةِ الرَّهْنِ فَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: لَا عِلْمَ لِي بِقِيمَةِ الرَّهْنِ حَلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى صِفَةِ الرَّهْنِ وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ إذَا جَاءَ بِالْأَمْرِ الَّذِي لَا يُسْتَنْكَرُ قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ إذَا قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ، وَلَمْ يَضَعْهُ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِ) ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ: وَمَا كَانَ مِنْ رَهْنٍ يَهْلِكُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ فَلَا يُعْلَمُ هَلَاكُهُ إلَّا بِقَوْلِهِ فَهُوَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ يُرِيدُ أَنَّهُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَلَا يَكَادُ أَنْ يُعْلَمَ هَلَاكُ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ إلَّا بِقَوْلِ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ كَالثِّيَابِ وَالْعُرُوضِ وَالْعَنْبَرِ وَالْحُلِيِّ وَالطَّعَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ يُوصَفُ بِأَنَّهُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْجِنْسُ مِنْ الرُّهُونِ إذَا ضَاعَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَقُومَ بِضَيَاعِهِ بَيِّنَةٌ أَوْ لَا تَقُومُ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ فَإِنْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ فَعَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، وَبِهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَأَصْبَغُ وَاخْتَارَهَا ابْنُ الْمَوَّازِ وَالثَّانِيَةُ: يَضْمَنُ فِي الرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ فِي الرَّهْنِ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الرُّهُونِ لَا يُضْمَنُ، وَإِنَّمَا يُضْمَنُ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى الرُّهُونِ وَالْإِقْرَاضِ وَالشِّرَاءِ بِالدَّيْنِ وَمَا يُغَابُ عَلَيْهِ يَدَّعِي فِيهِ الضَّيَاعَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُعْلَمُ فِيهِ كَذِبُ مُدَّعِيهِ غَالِبًا فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى ضَيَاعِ أَمْوَالِ النَّاسِ. وَالْمُرْتَهِنُ يَأْخُذُهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، وَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَضَعَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ فَيَبْرَأُ مِنْ ضَمَانِهِ فَإِذَا لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِهَلَاكِهِ كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ كَمَا أُلْزِمَ الْمُكْرِي ضَمَانَ مَا يَنْفَرِدُ بِحَمْلِهِ مِنْ الطَّعَامِ لِمَا خِيفَ مِنْ تَسَرُّعِ أَمْثَالِهِ إلَى أَكْلِهِ حِفْظًا لِلْأَمْوَالِ، وَلِذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الْحَيَوَانِ، وَإِذَا كَانَ يَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ فِي الْحَيَوَانِ، وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لِمَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ أَمْرِهِ ظُهُورُهُ فَبِأَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ الضَّمَانُ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْلَى وَأَحْرَى وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الرُّهُونِ حُكْمُهَا الضَّمَانُ، وَعَلَى ذَلِكَ أُخِذَتْ فَاسْتَوَى فِيهَا ثُبُوتُ إتْلَافِهَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ خَفَاءِ ذَلِكَ كَالرَّهْنِ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ لَمَّا قُبِضَ عَلَى غَيْرِ الضَّمَانِ اسْتَوَى فِيهِ ثُبُوتُ ذَلِكَ أَوْ خَفَاءُ ذَلِكَ. (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِهَلَاكِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الرُّهُونِ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيعٍ مِنْ الْمُرْتَهِنِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَضْمَنُ وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ رَهْنًا فِي الْبَحْرِ فِي الْمَرْكَبِ فَيَغْرَقُ الْمَرْكَبُ أَوْ يَحْتَرِقُ مَنْزِلُهُ أَوْ يَأْخُذُهُ لُصُوصٌ مِنْهُ بِمُعَايَنَةٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. ١ - (فَرْعٌ) وَإِذَا جَاءَ الْمُرْتَهِنُ بِالرَّهْنِ وَقَدْ احْتَرَقَ وَقَالَ وَقَعَتْ عَلَيْهِ نَارٌ فَلَا يُصَدَّقُ، وَهُوَ ضَامِنٌ إلَّا أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْ يَكُونَ الِاحْتِرَاقُ أَمْرًا مَعْرُوفًا مَشْهُورًا مِنْ احْتِرَاقِ مَنْزِلِهِ أَوْ حَانُوتِهِ فَيَأْتِي بِبَعْضِ ذَلِكَ مُحْتَرِقًا فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَدَّعِي احْتِرَاقَ الثَّوْبِ يَكُونُ عِنْدَهُ بِمَا لَا يُعْلَمُ سَبَبُهُ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ وَقَعَ فِي نَارٍ أَوْ جَاوَرَتْهُ نَارٌ لَمْ تَتَعَدَّ إلَى غَيْرِهِ أَوْ تَعَدَّتْ إلَى يَسِيرٍ يَخْفَى مِثْلُهُ أَوْ يَدَّعِي احْتِرَاقَ ذَلِكَ بِمَا يُعْلَمُ سَبَبُهُ كَاحْتِرَاقِ الْمَنْزِلِ أَوْ الْحَانُوتِ فَإِذَا كَانَ مِمَّا لَا يُعْلَمُ سَبَبُهُ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ جَاءَ بِهِ مَحْرُوقًا إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِمَا يَدَّعِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا قَدْ عُلِمَ سَبَبُهُ كَاحْتِرَاقِ مَنْزِلِهِ أَوْ حَانُوتِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ ذَلِكَ الثَّوْبَ كَانَ فِيمَا احْتَرَقَ مِنْ حَانُوتِهِ أَوْ مَنْزِلِهِ أَوْ لَا يُثْبِتُ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ فَلَا خِلَافَ فِي تَصْدِيقِهِ سَوَاءٌ أَتَى بِبَعْضِ ذَلِكَ مَحْرُوقًا أَوْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ أَتَى بِبَعْضِ ذَلِكَ مَحْرُوقًا صُدِّقَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ حَانُوتِهِ الَّذِي احْتَرَقَ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَادَّعَى احْتِرَاقَ جَمِيعِهِ فَظَاهِرُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ إذَا كَانَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِرَفْعِهِ مِنْ الرَّهْنِ فِي الْحَوَانِيتِ حَتَّى يَكُونَ مُتَعَدِّيًا بِنَقْلِهِ عَنْهُ كَأَهْلِ الْحَوَانِيتِ مِنْ التُّجَّارِ الَّذِينَ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِارْتِهَانِ الثِّيَابِ وَرَفْعِهَا فِي

стр. 1582

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] حَوَانِيتِهِمْ لَا يَكَادُونَ يَنْقُلُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَنْهَا فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُصَدَّقُوا فِيمَا يَدَّعُونَ مِنْ احْتِرَاقِ ذَلِكَ فِيمَا عُرِفَ وَشُوهِدَ مِنْ احْتِرَاقِ حَانُوتِهِ، وَقَدْ أَفْتَيْتُ بِذَلِكَ فِي طَرْطُوشَةَ عِنْدَ احْتِرَاقِ أَسْوَاقِهَا وَكَثُرَتْ الْخُصُومَةُ فِي مِثْلِ هَذَا، وَأَنَا مَعَهُمْ بِهَا وَغَالِبُ ظَنِّي أَنَّ بَعْضَ مَنْ كَانَ هُنَاكَ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ أَظْهَرَ إلَيَّ رِوَايَةً عَنْ ابْنِ أَيْمَنَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ إنَّمَا قَبَضَ الرَّهْنَ عَلَى الضَّمَانِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خَوْفُ ضَمَانِ التَّعَدِّي، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ ضَيَاعِهِ لَا بِضَمَانٍ أَثْبَتَهُ الشَّرْعُ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى الرَّهْنِ فَإِذَا كَانَتْ لَهُ شُبْهَةٌ مِنْ احْتِرَاقِ حَانُوتِهِ وَكَانَ هَذَا الرَّهْنُ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِحِفْظِهِ فِي حَانُوتِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ كَوْنِهِ فِيهِ حِينَ احْتِرَاقِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا أَتَى الْمُرْتَهِنُ بِالرَّهْنِ، وَهُوَ سَاجٌ قَدْ تَأْكُلُهُ السُّوسُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَيَحْلِفُ مَا ضَيَّعَهُ، وَلَا أَرَادَ فِيهِ فَسَادًا، وَإِنْ كَانَ أَضَاعَهُ، وَلَمْ يَنْظُرْ فِي أَمْرِهِ حَتَّى أَصَابَهُ بِسَبَبِهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ رَوَاهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: إذَا تَآكَلَتْ الثِّيَابُ عِنْدَ مُرْتَهِنِهَا أَوْ قَرَضَهَا الْفَأْرُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ أَضَاعَهَا ضَمِنَ، وَإِلَّا لَمْ يَضْمَنْ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَضْمَنُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ تَلِفَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي أَنَّهُ مَضْمُونٌ خِلَافًا لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالزُّهْرِيِّ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّ الرَّهْنَ كُلَّهُ أَمَانَةٌ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ قَبْضَ مَا يُمْلَكُ فَمَنْفَعَتُهُ لِلْقَابِضِ مُؤَثِّرَةٌ فِي الضَّمَانِ كَالشِّرَاءِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالرَّهْنُ مَضْمُونٌ عَلَى حُكْمِ الِارْتِهَانِ فِي الضَّمَانِ مِنْ حِينِ يَقْبِضُهُ الْمُرْتَهِنُ إلَى أَنْ يَرُدَّهُ إلَى رَاهِنِهِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى فِيمَنْ سَأَلَكَ سَلَفًا فَأَعْطَاك بِهِ رَهْنًا فَتَلِفَ الرَّهْنُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ السَّلَفُ إلَى الرَّاهِنِ فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُ إلَّا بِمَعْنَى الِاسْتِيثَاقِ، وَلَوْ دَفَعَ الرَّاهِنُ إلَى الْمُرْتَهِنِ مَا عَلَى الرَّهْنِ مِنْ الدَّيْنِ ثُمَّ تَلِفَ الرَّهْنُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ فَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ ارْتَهَنَ رَهْنًا بِدَيْنٍ فَاسْتَوْفَاهُ ثُمَّ ضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَقْبُوضٌ عَلَى حُكْمِ الرَّهْنِ فَلَا تَأْثِيرَ فِيهِ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ مِائَةٌ فَأَدَّاهَا كُلَّهَا إلَّا دِرْهَمًا وَاحِدًا ثُمَّ ضَاعَ الرَّهْنُ لَمْ يُنْقِصْهُ مَا أَدَّى مِنْ ضَمَانِ الرَّهْنِ شَيْئًا، وَلَوْ كَانَ لَهُ فِيهِ تَأْثِيرٌ لَوَجَبَ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ ضَمَانِ الرَّهْنِ بِقَدْرِ مَا أَدَّى مِنْ دَيْنِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ بِضَمَانِهِ تَعَلُّقٌ لَكَانَ مَضْمُونًا بِدَيْنِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ كَانَ لَك عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَهُ بِيَدِك رَهْنٌ فَوَهَبْته الدَّيْنَ ثُمَّ ضَاعَ عِنْدَك الرَّهْنُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ أَنَّك تَضْمَنُهُ، وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ مَقْبُوضٌ عَلَى حُكْمِ الرَّهْنِ فَبَرَاءَةُ الرَّاهِنِ مِمَّا رَهَنَ بِهِ لَا تُغَيِّرُ حُكْمِهِ فِي الضَّمَانِ كَمَا لَوْ قَضَاهُ ذَلِكَ. (فَرْعٌ) وَهَلْ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ قَالَ أَشْهَبُ يَرْجِعُ الْوَاهِبُ فِيمَا وَضَعَ مِنْ حَقِّهِ لِيُقَاصَّهُ بِهِ فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ فَإِنْ بَقِيَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ، وَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَةِ الثَّوْبِ شَيْءٌ أَدَّاهُ قَالَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُضَيِّعْ حَقَّهُ لِيُتْبَعَ بِقِيمَتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَيُّ وَقْتٍ يُرَاعَى فِي قِيمَتِهِ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَضْمَنُ قِيمَةَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الرَّهْنِ مِنْ حُلِيٍّ وَثِيَابٍ وَغَيْرِهِ يَوْمَ الضَّيَاعِ لَا يَوْمَ الرَّهْنِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ ارْتَهَنَهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِ الرَّهْنِ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لَمْ يَضْمَنْهُ فَلِذَلِكَ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ ضَاعَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ ضَمِنَهُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُ بِالْقِيمَةِ فَلِذَلِكَ رُوعِيَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا يَوْمَ الرَّهْنِ وَقَالَ أَصْبَغُ فِي الْوَاضِحَةِ مَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُرَاعَى قِيمَتُهُ يَوْمَ الضَّيَاعِ فَإِنْ جُهِلَتْ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ الرَّهْنِ. (فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا لَمْ يُقَوَّمْ الرَّهْنُ يَوْمَ الِارْتِهَانِ، وَأَمَّا لَوْ قُوِّمَ الرَّهْنُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَضَاعَ فَتِلْكَ الْقِيمَةُ تَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَا قَدْ زَادَا فِي قِيمَتِهِ أَوْ نَقَصَا فَيُرَدُّ إلَى قِيمَتِهِ إذَا عُلِمَ بِذَلِكَ قَالَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَقْوِيمَهُمَا لِلرَّهْنِ عِنْدَ الرَّاهِنِ اتِّفَاقٌ مِنْهُمَا عَلَى قِيمَتِهِ، وَإِقْرَارٌ بِذَلِكَ

стр. 1583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فَيُحْمَلَانِ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَثْبُتَ الزِّيَادَةُ فِي ذَلِكَ أَوْ النُّقْصَانُ فَيُحْمَلَانِ عَلَيْهِ بَعْدَ الضَّيَاعِ، وَيُمْنَعَانِ مِنْ إقْرَارِهِ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الضَّيَاعِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ رَهَنَ عِنْدَ رَجُلٍ رَهْنًا ثُمَّ رَهَنَ فَضْلَهُ الْآخَرَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَضْمَنُ الْأَوَّلُ مِنْهُ إلَّا قَدْرَ مَبْلَغِ حَقِّهِ مِنْ قِيمَتِهِ، وَهُوَ فِي بَاقِيهِ أَمِينٌ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الثَّانِي. وَقَالَ أَشْهَبُ ضَمَانُهُ كُلُّهُ مِنْ الْأَوَّلِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ رِضَا الْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ بِارْتِهَانِ الثَّانِي الْفَضْلَةَ نَقْلٌ لَهَا إلَى حُكْمِ الْأَمَانَةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ الثَّانِي فِيهَا؛ لِأَنَّهُ رَهْنٌ عَلَى يَدِ أَمِينٍ فَلَا يَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ: أَنَّهُ قَدْ قَبَضَهُ عَلَى وَجْهِ الرَّهْنِ فَلَا يَنْتَقِلُ مِنْهُ بِرَهْنِ غَيْرِهِ إلَّا بِقَبْضِهِ مِنْهُ كَمَا لَوْ قَضَاهُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى حُكْمِ الْأَمَانَةِ الْوَدِيعَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى رَأْيِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إذَا قَبَضَ مَا عَلَى الرَّهْنِ مِنْ الدَّيْنِ، وَطَلَبِ صَاحِبُهُ قَبْضَهُ فَهُوَ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ حَتَّى يَقْتَضِيَهُ أَوْ يُوَافِقَهُ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ عَلَى حُكْمِ الْوَدِيعَةِ فَيُقِرُّهُ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ فَيَنْتَقِلُ إلَى حُكْمِ الْوَدِيعَةِ أَوْ يَبِيعُهُ مِنْهُ فَيَنْتَقِلُ إلَى حُكْمِ الْمَبِيعِ، وَاَلَّذِي أَبَاحَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ غَيْرُهُ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ عِنْدَهُ عَلَى حُكْمِ الْأَمَانَةِ، وَلَمْ يُبْقِهِ عِنْدَهُ عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقْبِضَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ، وَيَقُولَ لَهُ هَذَا رَهْنُك فَاقْبِضْهُ فَيَقُولُ اُتْرُكْهُ لِي عِنْدَك وَدِيعَةً فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي انْتِقَالِهِ إلَى حُكْمِ الْوَدِيعَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ شَرَطَ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَضْمَنَهُ، وَأَنْ يَقْبَلَ قَوْلَهُ فِيهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ شَرْطُهُ بَاطِلٌ، وَهُوَ ضَامِنٌ. وَقَالَ ابْنُ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَشْهَبَ: شَرْطُهُ جَائِزٌ، وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي الرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الشَّرْطَ إذَا انْعَقَدَ عَلَى نَقْلِ ضَمَانِهِ مِنْ مَحَلِّهِ لَمْ يَنْقُلْهُ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فِي هَذَا أَقْوَى مِنْ الشَّرْطِ، وَهَذَا حُكْمُ الضَّمَانِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِقَبْضِهَا، وَلَا تَأْثِيرَ لِلشَّرْطِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيمَا اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فِي مَحَلِّ الضَّمَانِ كَالْمَبِيعِ الْغَائِبِ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ لِتَرَدُّدِ الضَّمَانِ عِنْدَهُ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فَلِذَلِكَ كَانَ لِلشَّرْطِ فِيهِ تَأْثِيرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: يُقَالُ لَهُ صِفْهُ ثُمَّ يَحْلِفُ عَلَى صِفَتِهِ، وَيُسَمِّي مَا لَهُ فِيهِ إلَى آخِرِ الْفَصْلِ مَعْنَاهُ إنْ لَمْ يَخْتَلِفْ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي صِفَةِ الرَّهْنِ الَّذِي تَلِفَ، وَلَزِمَ الْمُرْتَهِنَ ضَمَانُهُ إمَّا لِتَعَدِّيهِ أَوْ لِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ضَيَاعِهِ أَوْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الرُّهُونِ عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى صِفَةِ الرَّهْنِ حُكِمَ بِقِيمَةِ تِلْكَ الصِّفَةِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ وَقِيمَتِهِ؛ وَصَفَهُ الْمُرْتَهِنُ وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى مَا لَهُ فِيهِ يُرِيدُ إنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الدَّيْنِ قَالَ ثُمَّ: يُقَوَّمُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَإِنْ كَانَ فِي الْقِيمَةِ فَضْلٌ أَخَذَهُ الرَّاهِنُ، وَإِنْ كَانَ نَقْصٌ حَلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى مَا سَمَّى، وَبَطَلَ عَنْهُ مَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ فَإِنْ نَكَلَ أَدَّى مَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُرْتَهِنَ غَارِمٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يُنْكِرُهُ مِمَّا يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ الرَّاهِنُ مِنْ صِفَةِ الرَّهْنِ، وَيَحْلِفُ مَعَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَابَلَهُ فِيهِ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ إلَى مُنْتَهَى قِيمَةِ تِلْكَ الصِّفَةِ فَلِذَلِكَ جَمَعَتْ لَهُ يَمِينُهُ مَا يَسْتَحِقُّهُ بِيَمِينِهِ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ فَإِنْ حَلَفَ فَكَانَ فِي الْقِيمَةِ فَضْلٌ عَلَى الدَّيْنِ أَدَّى الْفَضْلَ إلَى الرَّاهِنِ، وَإِنْ كَانَ فِي الدَّيْنِ فَضْلٌ عَلَى الْقِيمَةِ حَلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى مَا سَمَّاهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ دَيْنِهِ لِيُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ مَا فَضَلَ مِنْهُ عَلَى قِيمَةِ رَهْنِهِ إنْ كَانَ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الدَّيْنِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ السِّلْعَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ وَصِفَتِهِ، وَاتَّفَقَا فِي قَدْرِ الدَّيْنِ فَقَالَ الرَّاهِنُ: قِيمَةُ الرَّهْنِ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قِيمَتُهُ ثَلَاثُونَ دِينَارًا وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ عَشَرَةٌ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: يَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ مَا قِيمَتُهُ إلَّا ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ، وَيَسْقُطُ مِنْ الْحَقِّ بِقَدْرِهَا. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَرْجِعَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِبَقِيَّةِ قَدْرِ الدَّيْنِ وَذَلِكَ سَبْعَةُ دَنَانِيرَ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ قَدْ أَقَرَّ أَنَّ الدَّيْنَ عَشَرَةٌ فَإِنْ أَثْبَتَ أَنَّ قِيمَةَ الرَّهْنِ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ بِيَمِينِ الْمُرْتَهِنِ أَدَّى بَاقِيَ الدَّيْنِ سَبْعَةَ دَنَانِيرَ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَشْهَدُ لِقِيمَةِ

стр. 1584

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الرَّهْنِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّهْنَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَاعَى قِيمَتُهُ يَوْمَ الرَّهْنِ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى يَوْمَ يَحْتَاجُ إلَى بَيْعِهِ، وَلِذَلِكَ يَرْتَهِنُ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ يَوْمَ الرَّهْنِ كَالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تُؤَبَّرْ وَتَلِفَ الرَّهْنُ قَبْلَ وَقْتِ بَيْعِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُشْهَدْ الدَّيْنُ بِقِيمَتِهِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو زَيْدٍ فِي سَمَاعِهِ عَنْ أَصْبَغَ فِيمَنْ رَهَنَ رَهْنًا بِأَلْفِ دِينَارٍ فَقَضَاهَا ثُمَّ أَخْرَجَ إلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ ثَوْبًا قِيمَتُهُ دِينَارٌ وَاحِدٌ وَقَالَ الرَّاهِنُ: رَهَنْتُك ثَوْبًا وَشَيْئًا وَوَصَفَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ أَلْفُ دِينَارٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاهِنِ إذَا تَفَاوَتَ الْأَمْرُ هَكَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ مِنْ بَابِ شَهَادَةِ الرَّهْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ أَنْ يَدَّعِيَ مَا لَا يُشْبِهُ، وَيَدَّعِي صَاحِبُهُ مَا يُشْبِهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي مَا يُشْبِهُ إلَّا أَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ شَهَادَةِ الدَّيْنِ لِلرَّهْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ نَكَلَ الْمُرْتَهِنُ عَنْ الْيَمِينِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ يَحْلِفُ الرَّاهِنُ أَنَّ قِيمَةَ رَهْنِهِ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَيَحُطُّ عَنْهُ لِلدَّيْنِ عَشَرَةً، وَيَأْخُذُ عَشَرَةً بَقِيَّةَ قِيمَةِ رَهْنِهِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ مِثْلَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يَحْلِفَ أَعْطَى الْمُرْتَهِنَ مَا فَضَلَ بَعْدَ قِيمَةِ الرَّهْنِ يُرِيدُ أَنَّ الرَّاهِنَ لَمَّا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ بَعْدَ مَا رُدَّتْ عَلَيْهِ بِقَدْرِ الرَّهْنِ مِنْ الْقِيمَةِ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُرْتَهِنُ فَيُعْطِي الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ مَا فَضَلَ مِنْ دَيْنِهِ عَنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ لَا عِلْمَ لِي بِقِيمَةِ الرَّهْنِ حَلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى صِفَتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ إذَا جَاءَ بِالْأَمْرِ الَّذِي لَا يُسْتَنْكَرُ يُرِيدُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يُشْبِهُ مِنْ صِفَةِ مَا يُرْهَنُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الدَّيْنِ وَمَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الْقِيمَةِ فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهُ عَلَى مَا جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ فِي الرُّهُونِ، وَإِنَّمَا رَاعَى فِي ذَلِكَ الْأَمْرَ الَّذِي لَا يُسْتَنْكَرُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَمْ يَنْكُلَ عَنْ الْيَمِينِ، وَلَا ادَّعَى الْجَهْلَ بِصِفَةِ الرَّهْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا ادَّعَى الْجَهْلَ بِتَحْقِيقِ الصِّفَةِ عَلَى وَجْهٍ يَحْلِفُ عَلَيْهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ صِفَتَهَا عَلَى حَقِيقَتِهَا فَإِذَا أَتَى الرَّاهِنُ بِصِفَةٍ تَبْعُدُ عَنْ مِقْدَارِهَا عِنْدَهُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى أَنْ يَصِفَهَا بِصِفَةٍ لَا شَكَّ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ صِفَةِ الرَّهْنِ، وَهِيَ دُونَ الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهَا بِهَا الرَّاهِنُ بِكَثِيرٍ فَيُسْقِطُ عَنْ نَفْسِهِ مَا يَسْتَنْكِرُهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَوْ سَمِعَ وَصْفَ الرَّاهِنِ ثُمَّ نَكَلَ هُوَ عَنْ الْيَمِينِ وَرُدَّ الْيَمِينُ عَلَيْهِ لَكَانَ لِلرَّاهِنِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَا يُسْتَنْكَرُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ قَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ حِينَ رُدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ وَذَلِكَ إذَا قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ، وَلَمْ يَضَعْهُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ يُرِيدُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إنَّمَا يَضْمَنُ الرَّهْنَ الَّذِي يُغَابُ عَلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إذَا كَانَ هُوَ الْحَائِزَ لَهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَوْضُوعًا عَلَى يَدِ غَيْرِهِ بِحُكْمِ حَاكِمٍ أَوْ بِاتِّفَاقِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي ضَيَاعِهِ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ وَأَمَّا سَائِرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي شَهَادَةِ قِيمَةِ الرَّهْنِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ هَذَا الشَّرْطُ عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. وَفِي ذَلِكَ سِتَّةُ أَبْوَابٍ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي وُجُوبِ الْحِيَازَةِ لِلرَّهْنِ وَكَوْنِهَا شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ أَوْ إتْمَامِهِ وَالْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْحِيَازَةِ وَتَمْيِيزِهَا مِمَّا لَيْسَ بِحِيَازَةٍ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَنْ يَكُونُ وَضْعُ الرَّهْنِ عَلَى يَدِهِ حِيَازَةً وَتَمْيِيزُهُ مِنْ غَيْرِهِ وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَنْ يُوضَعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُتَرَاهِنَيْنِ وَالْبَابُ الْخَامِسُ فِيمَنْ يَقُومُ بِالرَّهْنِ، وَيَلِي الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْلَالَ لَهُ وَالْبَابُ السَّادِسُ فِي حُكْمِ الْعَدْلِ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى يَدِهِ الرَّهْنُ. [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي وُجُوبِ الْحِيَازَةِ لِلرَّهْنِ] ١ (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي وُجُوبِ الْحِيَازَةِ لِلرَّهْنِ وَكَوْنِهَا شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ أَوْ إتْمَامِهِ) لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الرَّهْنِ السَّفَرُ خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ إلَّا فِي السَّفَرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ وَثِيقَةٍ صَحَّتْ فِي السَّفَرِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ فِي الْحَضَرِ كَالْكَفَالَةِ، وَلَا يَتِمُّ لَهُ حُكْمُ الرَّهْنِ إلَّا بِالْحِيَازَةِ لَهُ

стр. 1585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الرَّهْنِ اللَّازِمَةِ لَهُ وَذَلِكَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ فِيهِ فَصَارَ حُكْمُ الرَّهْنِ مُتَعَلِّقًا بِالرَّهْنِ الْمَقْبُوضِ وَإِذَا أَقَرَّ الرَّهْنَ بِيَدِ الرَّاهِنِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ، وَلَا يَهَبَهُ، وَلَمْ يَطْلُبْهُ، وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ فَلَيْسَ بِرَهْنٍ حَتَّى يَقْبِضَهُ مِنْهُ الْمُرْتَهِنُ أَوْ وَكِيلُهُ أَوْ مَنْ تَرَاضَيَا بِهِ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - وَصَفَ الرِّهَانَ بِأَنَّهَا رِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ، وَلَا يَقَعُ اسْمُ الْقَبْضِ عَلَى مَا يَبْقَى بِيَدِ الرَّاهِنِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا جُعِلَتْ الْحِيَازَةُ شَرْطًا فِيهِ لَمْ يَكُنْ إلَّا بِمَعْنَى الْقَبْضِ كَالْهِبَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَكْفِي مِنْ حِيَازَتِهِ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عَلَى مُعَايَنَةِ ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَذَلِكَ أَنَّ حَقَّ الْغَيْرِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ حِينَ الْحَاجَةِ إلَى الْحُكْمِ بِكَوْنِهِ رَهْنًا بَعْدَ مَوْتِ الرَّاهِنِ أَوْ فَلَسِهِ وَقْتَ تَعَلُّقِ الْغُرَمَاءِ بِهِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ لَهُمَا إلَى ذَلِكَ، وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمَا بِصِحَّتِهِ بِكُلِّ وَجْهٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ أَوْ أَفْلَسَ وَوُجِدَ الرَّهْنُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ بِيَدِ الْأَمِينِ الْمَوْضُوعِ عَلَى يَدِهِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا يَنْفَعُ ذَلِكَ حَتَّى تَعْلَمَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ حَازَهُ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ الْفَلَسِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ صَوَابٌ لَا يَنْفَعُهُ إلَّا مُعَايَنَةُ الْحَوْزِ لَهَا حِينَ الِارْتِهَانِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ بِيَدِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ الْفَلَسِ، وَلَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِ ثُبُوتِ حُكْمِ الرَّهْنِ لَهُ قَبْضُهُ وَحِيَازَتُهُ قَبْلَ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الشَّرْطِ فِي وَقْتِهِ وَقَبْلَ فَوْتِهِ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَعِنْدِي لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ وُجِدَ بِيَدِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ ثُمَّ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ لَوَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِحُكْمِ الرَّهْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يَنْفَعُهُ إلَّا بِمُعَايَنَةِ الْحَوْزِ بِمَعْنَى كَوْنِ الرَّهْنِ بِيَدِهِ فِي وَقْتٍ يَصِحُّ فِيهِ الْحَوْزُ وَظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَنْفَعَ هَذَا حَتَّى يُعَايِنَ تَسْلِيمَ الرَّاهِنِ لَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ سَنُورِدُهَا وَنُنَبِّهُ عَلَيْهَا فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. [الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْحِيَازَةِ وَتَمْيِيزِهَا مِمَّا لَيْسَ بِحِيَازَةٍ] ١ (الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْحِيَازَةِ وَتَمْيِيزِهَا مِمَّا لَيْسَ بِحِيَازَةٍ) فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّهْنَ يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] قَالَ: فَلَنَا مِنْ الْآيَةِ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فَأَثْبَتَهَا رِهَانًا قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْآخَرُ أَنَّ قَوْلَهُ ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] أَمْرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خَبَرًا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُوجَدَ رَهْنٌ غَيْرُ مَقْبُوضٍ وَمِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ الرَّاهِنَ لَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَسَلَّمَ فَصَحَّ فَيَثْبُتُ أَنَّهُ آمِرٌ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ عَقَدَ وَثِيقَةً كَالْكَفَالَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يَكُونُ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْحِيَازَةِ لِلرَّهْنِ أَنْ يَقْبِضَهُ الْحَائِزُ لِذَلِكَ أَمْ لَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ اكْتَرَى دَارًا أَوْ عَبْدًا سَنَةً أَوْ أَخَذَ حَائِطًا مُسَاقَاةً ثُمَّ ارْتَهَنَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ فَلَا يَكُونُ مُحَوِّزًا لِلرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَفِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ سَحْنُونٌ: وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرْتَهِنَ الرَّجُلُ مَا فِي يَدِهِ بِإِجَارَةٍ أَوْ مُسَاقَاةٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ حِيَازَةً لِلْمُرْتَهِنِ كَاَلَّذِي يُخْدِمُ الْعَبْدَ ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى آخَرَ فَحَوْزُ الْمُخْدَمِ حَوْزٌ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنْ رَهَنَ عَيْنًا كَانَ غَصَبَهَا قَبْلَ ذَلِكَ صَحَّ وَسَقَطَ ضَمَانُ الْغَصْبِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا رَهْنٌ بَقِيَ بِيَدِ مَنْ اسْتَحَقَّ قَبْضَهُ قَبْلَ الرَّهْنِ فَلَمْ يَكُنْ مَحُوزًا كَمَا لَوْ بَقِيَ بِيَدِ الرَّاهِنِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ احْتِجَاجِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ رَهَنَ بَيْتًا مِنْ دَارٍ بِمَا يَلِيهِ مِنْ الدَّارِ فَحَازَ الْمُرْتَهِنُ بِغَلْقٍ أَوْ كِرَاءٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ إنْ حَدَّ لَهُ نِصْفَ الدَّارِ فَهُوَ أَحْسَنُ، وَإِنْ لَمْ يَحُدَّهُ، وَلَكِنَّهُ رَهَنَهُ الْبَيْتَ بِعَيْنِهِ، وَنِصْفُ الدَّارَ شَائِعًا فَحِيَازَتُهُ لِلْبَيْتِ تَكْفِيهِ، وَهِيَ

стр. 1586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] حِيَازَةٌ لِلْجَمِيعِ وَكَذَلِكَ فِي الصَّدَقَةِ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ فَحِيَازَةُ الْمُرْتَهِنِ بِغَلْقِ الْبَيْتِ أَنَّ غَلْقَهُ لِلْبَيْتِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ حِيَازَةٌ لَهُ، وَسَائِرُ مَا ارْتَهَنَ مِنْ الدَّارِ، وَأَمَّا الْكِرَاءُ فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْجَمِيعِ وَاخْتَارَ أَصْبَغُ أَنْ يَحُدَّ لَهُ مَا احْتَازَهُ مِنْ الدَّارِ بِحُدُودٍ تُضْرَبُ فِيهِ بِمَعْنَى الْقِسْمَةِ لَهُ حَتَّى يَتَمَيَّزَ الرَّهْنُ مِنْ غَيْرِهِ لَكِنَّهُ إنْ حَازَ الْبَيْتَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَيْتَ هُوَ مُعْظَمُ الرَّهْنِ وَالْبَاقِيَ تَبَعٌ لَهُ وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلَى جَوَازِ حِيَازَةِ الْمُشَاعِ مَعَ غَيْرِ الرَّهْنِ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ بَقِيَّةُ الدَّارِ لِغَيْرِ الرَّاهِنِ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ ارْتَهَنَ الدَّارَ، وَفِيهَا طَرِيقٌ لِلْمُسْلِمِينَ يَسْلُكُهَا الرَّاهِنُ وَغَيْرُهُ قَالَ: إذَا حَازَ الْبُيُوتَ لَمْ يَضُرَّهُ الطَّرِيقُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ فَرَاعَى فِي الْحِيَازَةِ الْبُيُوتَ دُونَ السَّاحَةِ، وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ تَبَعٌ لِلْبُيُوتِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ رَهْنُ الْمُشَاعِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ مَا صَحَّ قَبْضُهُ بِالْبَيْعِ صَحَّ ارْتِهَانُهُ كَالْمَقْسُومِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَجُوزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ فَلَا يَخْلُو مِنْ رَهْنِ نِصْفِ شَيْءٍ أَنْ يَكُونَ بَاقِيهِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لِأَشْهَبَ مَنْ كَانَ لَهُ نِصْفُ عَبْدٍ أَوْ نِصْفُ دَابَّةٍ أَوْ مَا يُنْقَلُ، وَيُحَوَّلُ كَالثَّوْبِ وَالسَّيْفِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ حِصَّتَهُ إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَا يَنْقَسِمُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ بَيْعَ نَصِيبَهُ فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ اُنْتُقِضَ الرَّهْنُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ جَازَ ذَلِكَ ثُمَّ لَا رُجُوعَ لَهُ فِيهِ، وَلَا لَهُ بَيْعُهُ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى جَمِيعُهُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ إلَى الْأَجَلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ جَمِيعُهُ عَلَى يَدِ الشَّرِيكِ، فَأَرَادَ الشَّرِيكُ بَيْعَ نَصِيبِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ بِيَدِهِ إلَى الْأَجَلِ جَازَ، وَلَا يُفْسِدُ ذَلِكَ الْبَيْعَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِقُرْبِ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَالثَّوْبِ فِي الْغَائِبِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَهَذَا عِنْدِي لَا يَمْنَعُ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ رَهْنَ نَصِيبٍ مِنْهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ بَيْعِ نَصِيبِهِ إنْ شَاءَ بِأَنْ يُفْرِدَهُ بِالْبَيْعِ أَوْ بِأَنْ يَدْعُوَ الرَّاهِنُ إلَى بَيْعِ حِصَّتِهِ مَعَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الرَّهْنِ فَإِنْ بَاعَهُ بِغَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ كَانَ الثَّمَنُ رَهْنًا فَإِنْ كَانَ بِجِنْسِ الدَّيْنِ قَضَى مِنْهُ دَيْنَهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِرَهْنٍ بَدَلٍ مِنْهُ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ إلَّا أَنْ يَحْتَمِلَ ذَلِكَ الْقِسْمَةَ فَيُقْسَمُ وَتَصِيرُ حِصَّةُ الرَّاهِنِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ بِيَدِ أَمِينٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ ذَلِكَ بِإِذْنِ الشَّرِيكِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّ الْحَوْزَ فِيهِ يَكُونُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنْ يَحِلَّ الْمُرْتَهِنُ فِيهِ مَحَلَّ الرَّاهِنِ. وَقَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ: لَا يَتِمُّ فِيهِ الْحَوْزُ إلَّا بِأَنْ يَجْعَلَ جَمِيعَهُ عَلَى يَدَيْ الشَّرِيكِ قَالَ أَشْهَبُ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا رَهْنٌ لِجُزْءٍ مُشَاعٍ فَجَازَ أَنْ يُحَازَ بِأَنْ يَحِلَّ الْمُرْتَهِنُ فِيهِ مَحَلَّ الرَّاهِنِ مَعَ شَرِيكِهِ كَالدَّارِ وَالْحَمَّامِ وَقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ فِي الدَّارِ وَالْحَمَّامِ وَذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمَا ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ عَبْدُوسٍ وَقَالَا، وَهَذِهِ حِيَازَةُ مَا لَا يُزَالُ بِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ رَهَنَهُ عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا فَإِنَّ حِيَازَتَهُ قَبْضُ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْعَدْلِ لِجَمِيعِهِ فَإِنْ اسْتَحَقَّ نِصْفَهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ عَنْ أَشْهَبَ هُوَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إنْ شَاءَ الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ وَاحِدًا لَا يَنْقَسِمُ بِيعَ فَأَخَذَ الْمُرْتَهِنُ ثُمُنَ مَا لِلرَّاهِنِ يَتَعَجَّلُهُ مِنْ دَيْنِهِ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ دَيْنُهُ دَرَاهِمَ فَيُبَاعُ بِدَنَانِيرَ أَوْ يَكُونَ دَيْنُهُ دَنَانِيرَ فَيُبَاعُ بِدَرَاهِمَ وُقِفَ رَهْنًا إلَى الْأَجَلِ قَالَ: وَلَوْ رَهَنَك النِّصْفَ ثُمَّ أَرَادَ بَيْعَ النِّصْفِ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى الرَّهْنُ إلَى أَجَلِهِ، وَيَحُوزُ الْمُرْتَهِنُ مِنْهُ النِّصْفَ الثَّانِيَ مَعَ الْمُسْتَحِقِّ لِنِصْفِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. (فَصْلٌ) : فَإِنْ كَانَ جَمِيعُ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ فَرَهَنَ نِصْفَهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ مَعَ بَقَاءِ شَيْءٍ مِنْ الْعَبْدِ بِيَدِ الرَّاهِنِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يُسَلِّمَ جَمِيعَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ أَوْ إلَى الْعَدْلِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا لَا يُنْقَلُ، وَلَا يُحَوَّلُ

стр. 1587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] كَالدُّورِ وَالْأَرْضِينَ وَالرِّبَاعِ فَإِنَّهُ إنْ رَهَنَهُ نِصْفَ دَارٍ لَهُ جَمِيعًا جَازَ ذَلِكَ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: فَيَقُومُ بِذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ مَعَ الرَّاهِنِ يُكْرِيَانِهِ جَمِيعًا أَوْ يَحُوزَانِهِ أَوْ يَضَعَانِهِ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِمَا، وَفِي الْمَجْمُوعَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ قَبْضَهُ أَنْ يَحُوزَهُ دُونَ صَاحِبِهِ، وَهَذَا إنْ أَشَارَ بِهِ إلَى الْجُزْءِ الَّذِي ارْتَهَنَ فَمُوَافِقٌ لِمَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَإِنْ أَشَارَ بِهِ إلَى جَمِيعِ مَا رَهَنَ بَعْضَهُ فَمُخَالِفٌ لَهُ. وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَا حِيَازَةَ فِيهِ إلَّا بِقَبْضِهِ كُلِّهِ عَلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ يَدِ عَدْلٍ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ مَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ حِيَازَةً فِي الْهِبَةِ صَحَّ أَنْ يَكُونَ حِيَازَةً فِي الرَّهْنِ كَقَبْضِ الْكُلِّ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ الْهِبَةَ لَمَّا كَانَتْ لَا يَطْرَأُ عَلَيْهَا الْفَسَادُ بَعْدَ تَمَامِهَا بِالْحِيَازَةِ جَازَ أَنْ يَكْفِيَ فِيهَا مِنْ الْحِيَازَةِ قَبْضُ الْحِصَّةِ الْمَوْهُوبَةِ، وَالرَّهْنُ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَطْرَأُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ بَعْدَ تَمَامِهِ بِالْحِيَازَةِ فَلَمْ تَصِحَّ حِيَازَتُهُ إلَّا بِمَنْعِ الرَّاهِنِ مِنْهُ جُمْلَةً. (فَرْعٌ) وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ حِصَّةً مِنْ دَارٍ ثُمَّ اكْتَرَى مِنْ شَرِيكِهِ حِصَّتَهُ لَمْ يُبْطِلْ ذَلِكَ الرَّهْنَ فِي الْحِصَّةِ الَّتِي رَهَنَ، وَلِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ مِنْ سُكْنَى الْحِصَّةِ الَّتِي اكْتَرَى حَتَّى يُقَاسِمَهُ فَيَحُوزُ حِصَّةَ الرَّهْنِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَزَادَ أَشْهَبُ وَيَمْنَعُهُ الْقِيَامُ بِالْحِصَّةِ الَّتِي اكْتَرَى حَتَّى يَجْعَلَ مَا اكْتَرَى مِنْ ذَلِكَ عَلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ بِيَدِهِ لِيَتِمَّ الْحَوْزُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مِلْكَهُ لِمَنَافِعِ حِصَّتِهِ مِنْ الدَّارِ لَا يَمْنَعُ مِنْ حِصَّةِ حِيَازَةِ الرَّهْنِ كَمَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مِلْكُهُ لِمَنَافِعِ الرَّهْنِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ سُكْنَاهُ إيَّاهُ وَتَصَرُّفُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَوْ فَعَلَهُ فِي حِصَّةِ الرَّهْنِ لَأَبْطَلَ حِيَازَتَهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ صِحَّةِ حِيَازَةِ الرَّهْنِ أَنْ تَتَّصِلَ حِيَازَتُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَإِنْ أَحْدَثَ الرَّاهِنُ فِيهِ حَدَثًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ فَكُلُّ مَا فَعَلَ فِيهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ وَطْءٍ أَوْ عِتْقٍ، أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ نَافِذٌ إنْ كَانَ مَلِيًّا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَنْفُذْ مِنْهُ إلَّا أَنْ تَحْمِلَ الْأَمَةُ أَوْ يَبِيعُهَا رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ، وَلَوْ قَامَ الْمُرْتَهِنُ بِطَلَبِ حِيَازَةِ الرَّهْنِ قَبْلَ أَنْ يُفْلِسَ الرَّاهِنُ أَوْ يُحْدِثَ مَا ذَكَرْنَاهُ قُضِيَ لَهُ بِذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَنْفُذُ عِتْقُهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّانِي مِثْلُ قَوْلِنَا فَإِنْ حَازَهُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى يَدِهِ أَوْ يَدِ عَدْلٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الرَّاهِنِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ بِإِجَارَةٍ أَوْ مُسَاقَاةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا: قَدْ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي سُكْنَى الدَّارِ لَخَرَجَتْ عَنْ الرَّهْنِ قَالَ هُوَ وَأَشْهَبُ: وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي زِرَاعَةِ الْأَرْضِ فَزَرَعَهَا، وَهِيَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ فَقَدْ خَرَجَتْ عَنْ الرَّهْنِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ عُدِمَتْ الصِّفَةُ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ كَوْنِهِ رَهْنًا، وَهِيَ الْحِيَازَةُ. ١ - (فَرْعٌ) وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ فَأَكْرَى الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ بَعْدَ أَنْ حَازَهُ فِي حَيَاتِهِ مِنْ بَعْضِ وَرَثَتِهِ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ الرَّهْنِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى ذِمَمِ الْوَرَثَةِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُبْطِلُ الْحِيَازَةَ ثُمَّ قَامَ الْمُرْتَهِنُ يُرِيدُ رَدَّ ذَلِكَ لِيَصِحَّ رَهْنُهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ أَشْهَبَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَفُوتَ بِتَحْبِيسٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ قِيَامِ غُرَمَائِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا فِي الْعَارِيَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعَارَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي الْعَارِيَّةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: إنَّمَا فَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَتْ الْعَارِيَّةُ مُؤَجَّلَةً فَلَيْسَ لَهُ ارْتِجَاعُ الرَّهْنِ بَعْدَ أَنْ يُعِيرَهُ إلَّا أَنْ يُعِيرَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَتْ الْعَارِيَّةُ غَيْرَ مُؤَجَّلَةٍ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الرَّهْنَ بَعْدَ الْأَجَلِ كَالْإِجَارَةِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَنْ جُعِلَ عَلَى يَدَيْهِ إذَا أَكْرَاهُ مِنْ الرَّاهِنِ بِعِلْمِ الْمُرْتَهِنِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ سَكَتَ حِينَ عَلِمَ بِذَلِكَ خَرَجَ عَنْ الرَّهْنِ، وَلَوْ أَكْرَاهُ بِإِذْنِهِ أَوْ تَرَكَ الْفَسْخَ حِينَ أُعْلِمَ بِذَلِكَ، وَقَدْ أَكْرَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَفْسَخَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ إنْ تَأَخَّرَ قَبْضُ

стр. 1588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الرَّهْنِ لَا يَمْنَعُ تَلَافِيَهُ قَبْلَ فَوْتِهِ كَمَا لَوْ تَرَكَ قَبْضَهُ وَقْتَ الرَّهْنِ ثُمَّ قَامَ يُرِيدُ قَبْضَهُ قَبْلَ فَوْتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ الْقَبْضَ الْوَاجِبَ لِحَقِّ الرَّهْنِ قَدْ وَجَبَ أَوَّلًا فَإِذَا رَدَّهُ فَقَدْ تَرَكَ حَقَّهُ وَرَدَّهُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ فَاتَ قَبْلَ الِارْتِجَاعِ بِعِتْقٍ أَوْ تَحْبِيسٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَالرَّاهِنُ عَدِيمٌ رُدَّ لِعُدْمِهِ، وَلَا يُرَدُّ الْبَيْعُ، وَلَا يُعَجَّلُ مِنْ ثَمَنِهِ الدَّيْنُ، وَلَا يُوضَعُ لَهُ الثَّمَنُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَدَّهُ كَمَا لَوْ بَاعَهُ قَبْلَ حِيَازَةِ الْمُرْتَهِنِ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ. (فَصْلٌ) : وَهَذَا فِي حِيَازَةِ الْأَعْيَانِ، وَأَمَّا الدُّيُونُ فَارْتِهَانُهَا جَائِزٌ قَالَهُ مَالِكٌ، وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ دَيْنٌ لَهُ ذِكْرُ حَقٍّ أَوْ دَيْنٌ لَا ذِكْرَ لَهُ فَإِنْ كَانَ دَيْنٌ لَهُ ذِكْرُ حَقٍّ فَحِيَازَتُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ ذِكْرَ الْحَقِّ، وَيَشْهَدَ لَهُ بِهِ فَهَذَا جُوِّزَ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ مِنْ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا غَايَةُ مَا يُمْكِنُ فِي حِيَازَتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلدَّيْنِ ذِكْرُ حَقٍّ فَهَلْ يُجْزِئُ فِيهِ الْإِشْهَادُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذِكْرُ حَقٍّ فَأَشْهَدَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَنَحْوِهِ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا: إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذِكْرُ حَقٍّ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا كَانَ فِيهِ ذِكْرُ حَقٍّ جَازَ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْإِشْهَادَ أَقْوَى مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ غَايَةُ مَا يُتَوَثَّقُ بِهِ، وَيُصْرَفُ بِهِ الْمَالُ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ إعْلَامِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَلَا اعْتِبَارَ بِرِضَاهُ فِي ذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِإِعْلَامِهِ عَلَى مَعْنَى الْإِشْهَادِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ لِلرَّاهِنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَإِنْ كَانَ أَجَلُ الدَّيْنِ إلَى مِثْلِ أَجَلِ الَّذِي رُهِنَ بِهِ أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أَجَلُ الدَّيْنِ الَّذِي رُهِنَ بِهِ أَقْرَبَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الرَّهْنِ بَعْدَ مَحَلِّهِ رَهْنًا كَالسَّلَفِ فَصَارَ فِي الْبَيْعِ بَيْعًا وَسَلَفًا إلَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ بِيَدِ عَدْلٍ إلَى مَحِلِّ أَجَلِ الدَّيْنِ الَّذِي رُهِنَ بِهِ، وَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي هُوَ الرَّهْنُ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ وَكَانَ الْأَجَلُ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَى سِلْعَةً يُرِيدُ إلَى شَهْرَيْنِ عَلَى أَنْ يُؤَخَّرَ بِدَيْنِهِ الْحَالِّ أَوْ الْمُؤَجَّلِ إلَى شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ فَهُوَ بَيْعٌ وَسَلَفٌ، وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ إلَى شَهْرَيْنِ فَاشْتَرَى سِلْعَةً إلَى شَهْرٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لَا يَقْضِي دَيْنَهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِهِ، وَيَبْقَى الدَّيْنُ الَّذِي هُوَ الرَّهْنُ إلَى أَجَلِهِ، وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى بَيْعِهِ بِيعَ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ أَجَلِهِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْفَسَادِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ تَسَلَّفَ مِنْ امْرَأَتِهِ دَرَاهِمَ وَرَهَنَهَا بِهَا خَادِمًا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ: أَحَبُّ إلَيَّ لَوْ جَعَلَاهَا بِيَدِ غَيْرِهِمَا، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ رَهْنًا. وَقَالَ أَصْبَغُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: ذَلِكَ حَوْزٌ لَهَا وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا فِي الْبَيْتِ إلَّا رَقَبَةَ الْبَيْتِ فَلَا يَكُونُ سُكْنَاهَا فِيهَا حَوْزًا، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا مَبْنِيًّا عَلَى صِحَّةِ اخْتِيَارِ الزَّوْجَةِ مَا رَهَنَهُ الزَّوْجُ أَوْ مَنْعُ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ خِدْمَةَ الزَّوْجَةِ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَى الزَّوْجِ، وَالْمَنْزِلَ مَنْزِلُ الزَّوْجِ فَلَا يُحَازُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ مَا كَانَ فِيهِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ لِأَصْبَغَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَنْ يَصِحُّ وَضْعُ الرَّهْنِ عَلَى يَدِهِ] ١ (الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَنْ يَصِحُّ وَضْعُ الرَّهْنِ عَلَى يَدِهِ) فَإِذَا كَانَ يَتِيمٌ لَهُ وَلِيَّانِ فَإِنْ رَهَنَ مِنْهُمَا رَهْنًا بِدَيْنٍ عَلَى الْيَتِيمِ فَوُضِعَ عَلَى يَدِ أَحَدِهِمَا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا يَتِمُّ فِيهِ الْحَوْزُ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُمَا، وَلَا يَحُوزُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ ارْتَهَنَ حَائِطًا فَجُعِلَ عَلَى يَدِ الْمُسَاقِي فِيهِ أَوْ الْأَجِيرِ فَلَيْسَ بِرَهْنٍ حَتَّى يُجْعَلَ عَلَى يَدِ غَيْرِ مَنْ فِي الْحَائِطِ، وَلْيَجْعَلْ الْمُرْتَهِنُ مَعَ الْمُسَاقِي رَجُلًا يَسْتَخْلِفُهُ أَوْ يَجْعَلُهُ عَلَى يَدِ مَنْ يَرْضَيَانِ بِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إنْ كَانَ رَهَنَ نِصْفَهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الْأَجِيرِ وَالْقَيِّمِ، وَإِنْ كَانَ رَهَنَ جَمِيعَهُ فَهُوَ جَائِزٌ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْمُسَاقِيَ وَالْأَجِيرَ لَمَّا كَانَا عَامِلَيْنِ لِلرَّاهِنِ كَانَتْ أَيْدِيهِمَا لَهُ فَلَا

стр. 1589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] تَصِحُّ الْحِيَازَةُ مَعَ بَقَاءِ الرَّهْنِ بِيَدِ الرَّاهِنِ أَوْ بِيَدِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ كَمَا لَوْ رَهَنَ نِصْفَ الْحَائِطِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ يَدَ الْأَجِيرِ إنَّمَا نَابَتْ عَنْ يَدِ الرَّاهِنِ بِأَمْرِهِ فَإِذَا بَقِيَ لَهُ أَمْرٌ فِي بَقَائِهِ بِيَدِهِ لِبَقَاءِ بَعْضِهِ غَيْرَ مَرْهُونٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ حَائِزًا مَحُوزًا مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ فَقَدْ زَالَتْ يَدُ الْأَجِيرِ عَنْ جَمِيعِ الرَّهْنِ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَصَارَ الرَّهْنُ بِيَدِهِ لِمَعْنًى آخَرَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُوضَعَ الرَّهْنُ عَلَى يَدِ غَيْرِ الرَّاهِنِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ إذَا وُضِعَ الرَّهْنُ عَلَى يَدِ قَيِّمِ رَبِّهِ مِنْ عَبْدِهِ أَوْ أَجِيرِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ فَإِنْ كَانَ شَيْئًا يُرْهَنُ بَعْضُهُ فَلَيْسَ بِحَوْزٍ، وَإِنْ رُهِنَ جَمِيعُهُ فَذَلِكَ حِيَازَةٌ إلَّا فِي عَبْدِهِ قَالَ: وَحَوْزُ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ الرَّهْنَ لَيْسَ بِحَوْزٍ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ يَدَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ مَحُوزًا مَعَ بَقَائِهِ بِيَدِ الرَّاهِنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا وَضْعُ الرَّهْنِ بِيَدِ زَوْجَةِ الرَّاهِنِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ: أَنَّهُ إنْ حِيزَ الرَّهْنُ بِذَلِكَ عَنْ رَاهِنِهِ حَتَّى لَا يَلِيَ عَلَيْهِ، وَلَا يُقْضَى فِيهِ فَهُوَ رَهْنٌ ثَابِتٌ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: يُفْسَخُ ذَلِكَ وَنَحْوُهُ عَنْهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ: أَنَّ الزَّوْجَةَ تَحُوزُ لِنَفْسِهَا عَنْهُ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ تَحُوزَ لِغَيْرِهَا وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا نَوْعٌ مِنْ الْحَجْرِ، وَلِذَلِكَ هِيَ مَمْنُوعَةٌ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَلَمْ تَحُزْ الرَّهْنَ عَلَى الزَّوْجِ كَعَبْدِهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا وَضْعُ الرَّهْنِ بِيَدِ أَخِي الرَّاهِنِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُوضَعَ الرَّهْنُ عَلَى يَدِ أَخِي الرَّاهِنِ وَذَلِكَ لِضَعْفِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: أَمَّا فِي الْأَخِ فَذَلِكَ رَهْنٌ تَامٌّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الرَّهْنَ مَبْنِيٌّ عَلَى مُنَافَاةِ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ وَالْمُعْتَادُ مِنْ حَالِ الْأَخِ أَنْ لَا يَمْنَعَ أَخَاهُ مِنْ مِثْلِ هَذَا فَلِذَلِكَ ضَعُفَتْ حِيَازَتُهُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَالِكٌ لِنَفْسِهِ بَائِنٌ عَنْهُ بِمِلْكِهِ فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا وَضْعُ الرَّهْنِ عَلَى يَدِ ابْنِ الرَّاهِنِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الِابْنُ فِي حِجْرِهِ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَأَمَّا الِابْنُ الْمَالِكُ لِأَمْرِ نَفْسِهِ الْبَائِنُ عَنْ أَبِيهِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُوضَعَ عَلَى يَدِ ابْنِهِ. وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إنْ وُضِعَ عَلَى يَدِهِ فُسِخَ وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ هَذَا فِي الصَّغِيرِ، وَأَمَّا الْكَبِيرُ الْبَائِنُ عَنْهُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ فِي الِابْنِ وَالْبِنْتِ وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَنْ يُوضَعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُتَرَاهِنَيْنِ] ١ (الْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَنْ يُوضَعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُتَرَاهِنَيْنِ) فَإِنَّهُ إذَا شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ كَوْنَ الرَّهْنِ عَلَى يَدَيْهِ جَازَ ذَلِكَ إنْ كَانَ مِمَّا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَالدُّورِ وَالْعَقَارِ وَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُكَالُ، وَلَا يُوزَنُ، فَأَمَّا الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا؛ لِجَوَازِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا فَيَرُدَّ مِثْلَهَا. وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَا أُحِبُّ ارْتِهَانَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْفُلُوسِ إلَّا مَطْبُوعَةً لِلتُّهْمَةِ فِي سَلَفِهَا فَإِنْ لَمْ تُطْبَعْ لَمْ يَفْسُدْ الرَّهْنُ، وَلَا الْبَيْعُ، وَيُسْتَقْبَلُ طَبْعُهَا مَتَى عُثِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا إذَا كَانَ عَلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ دُونَ الْأَمِينِ وَمَا أَرَى ذَلِكَ فِي الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ وَمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْفَى التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَيَخْفَى فِي الْعَيْنِ فَالتُّهْمَةُ فِيهِ أَبْيَنُ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْفُلُوسِ أَنَّهُ يَجُوزُ ارْتِهَانُهَا إذَا طُبِعَ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَلَا قَالَ: وَكَذَلِكَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَجَمِيعُ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ إذَا طُبِعَ عَلَيْهَا وَحِيلَ بَيْنَ الْمُرْتَهِنِ، وَبَيْنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ قَالَ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ يُؤْكَلُ وَالْعَيْنَ تُنْفَقُ، وَيُؤْتَى بِمِثْلِهَا وَالثِّيَابُ وَالْحُلِيُّ لَا يُؤْتَى بِمِثْلِهَا؛ لِأَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ شَرَطَ كَوْنَهَا عَلَى يَدِ أَمِينٍ لَزِمَهُمَا ذَلِكَ أَيْضًا، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَطْبَعَ مِنْهَا عَلَى مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطَا شَيْئًا فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إنَّهُمَا إذَا اخْتَصَمَا فِي ذَلِكَ قِيلَ لَهُمَا اجْعَلَاهُ عَلَى يَدِ مَنْ رَضِيتُمَا فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعَا عَلَى الرِّضَى بِأَحَدٍ جَعَلَهُ الْقَاضِي عِنْدَ مَنْ يَرْضَاهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا إذَا شَرَطَا مَنْ يُوضَعُ عَلَى يَدِهِ لَزِمَهُمَا ذَلِكَ

стр. 1590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَإِذَا لَمْ يَشْتَرِطَاهُ وَرَضِيَا بِهِ جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُمَا، وَلَزِمَهُمَا مَنْ رَضِيَا بِهِ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ كَمَا لَزِمَهُمَا عِنْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ الِاخْتِلَافِ عَائِدٌ إلَى الْحُكْمِ كَمَالٍ لِلْيَتِيمِ لَا وَلِيَّ لَهُ أَوْ مَالٍ لِلْغَائِبِ لَا وَكِيلَ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ أَنْ يُوضَعَ ذَلِكَ عَلَى يَدِهِ إذَا أَبَاهُ قَالَ: لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُزِيلَ عَنْ نَفْسِهِ ضَمَانَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ مَاتَ الْأَمِينُ فَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ عَلَى يَدِهِ، وَلَكِنْ عَلَى يَدِ مَنْ يَرْضَى الْمُتَرَاهِنَانِ بِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَعَلَى الْوَصِيِّ أَنْ يُعْلِمَهُمَا بِمُؤَنِهِ ثُمَّ إنْ شَاءَ إقْرَارَهُ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِ، وَفِي غَيْرِهِ جُعِلَ بِيَدِ أَفْضَلِ الرَّجُلَيْنِ. [الْبَابُ الْخَامِسُ فِيمَنْ يَلِي الرَّهْنَ وَيَقُومُ بِهِ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْلَالِ لَهُ] (الْبَابُ الْخَامِسُ فِيمَنْ يَلِي الرَّهْنَ وَيَقُومُ بِهِ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْلَالِ لَهُ) رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَلِي كِرَاءَ الرَّهْنِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَسْتَأْمِرَ الرَّاهِنَ إنْ حَضَرَ فَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ مَضَى ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُكْرِيَ الرَّهْنَ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إنْ لَمْ يَأْمُرْهُ الرَّاهِنُ بِالْكِرَاءِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَلِي كِرَاءَ الرَّهْنِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، وَكَذَلِكَ مَنْ وُضِعَ عَلَى يَدِهِ يَلِي ذَلِكَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ وَوَضْعَهُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ يَقْتَضِي أَنْ يَلِيَ كِرَاءَهُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَوَلِّيَهُ يُخْرِجُهُ عَنْ الرَّهْنِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ الرَّهْنُ عَلَى تَضْيِيعِ الْغَلَّةِ فَاقْتَضَى عَقْدُ الرَّهْنِ أَنْ يَلِيَ كِرَاءَهُ مَنْ وُضِعَ عَلَى يَدِهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ عَقْدَ الرَّاهِنِ لَا يَقْتَضِي حِفْظَ الْمُرْتَهِنِ لِلْعَيْنِ الَّتِي رَهَنَهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْمُرْتَهِنِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي حِفْظِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَيْضًا أَنْ يَلِيَ كِرَاءَهُ وَاسْتِغْلَالَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَإِنَّمَا لَهُ بِعَقْدِ الرَّهْنِ مَنْعُ الرَّاهِنِ مِنْ الْقِيَامِ بِذَلِكَ كَمَا لَهُ بِعَقْدِ الرَّهْنِ مَنْعُ الرَّاهِنِ مِنْ الْقِيَامِ بِحِفْظِ الرَّهْنِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُحَابِيَ فِي كِرَاءِ الرَّهْنِ فَإِنْ حَابَى ضَمِنَ الْمُحَابَاةَ وَقَضَى الْكِرَاءَ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ إلَيْهِ فَإِذَا عَقَدَهُ لَزِمَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْكِرَاءَ فَإِنْ حَابَى بِشَيْءٍ مِنْهُ فَهُوَ هِبَةٌ مِنْهُ لِلْمُكْتَرِي فَعَلَيْهِ ضَمَانُ ذَلِكَ الْقَدْرِ الَّذِي حَابَى بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ صَارَ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي كِرَاءِ الرَّهْنِ يَلْزَمُهُ فِعْلُ مَنْ وُضِعَ عَلَى يَدِهِ فِيهِ مِنْ الْعَقْدِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا حَابَى فِيهِ مِنْ قِيمَةِ مَنْفَعَتِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يُعَجِّلَ الدَّيْنَ، وَيَفْسَخَ الْكِرَاءَ فَإِنْ كَانَ الْكِرَاءُ بِلَا وَجِيبَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخُهُ، وَإِنْ كَانَ بِوَجِيبَةٍ فَلِلرَّاهِنِ فَسْخُهُ، وَإِنْ كَانَ أَجَلُهُ دُونَ أَجَلِ الدَّيْنِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ. وَقَالَ أَصْبَغُ: إنْ كَانَتْ وَجِيبَةً إلَى أَجَلِ الدَّيْنِ، وَأَدْوَنَ فَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ فَسْخُهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَبْعَدَ مِنْ أَجَلِ الدَّيْنِ فَلَهُ فَسْخُ مَا زَادَ عَلَيْهِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ بَيْنَ الْوَجِيبَةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ إذَا انْعَقَدَ عَلَى مُعَيَّنٍ يَتَقَدَّرُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَنْفَسِخْ بِفَوَاتِ زَمَانٍ، وَإِنْ أُغْلِقَ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ وَقُدِّرَ بِزَمَانٍ انْفَسَخَ بِفَوَاتِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ: أَنَّ الْكِرَاءَ عَلَى اللُّزُومِ فَإِذَا لَزِمَ مَا تَقَدَّرَ مِنْهُ بِالْعَمَلِ فِيمَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ عَلَى الرَّاهِنِ أَوْ اسْتَدَامَ بَقَاءَ الدَّيْنِ إلَى أَجَلِهِ فَكَذَلِكَ مَا تَقَدَّرَ مِنْهُ بِالزَّمَانِ قَالَ أَصْبَغُ: وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا لَمْ أَرَ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا بِوَجِيبَةٍ طَوِيلَةٍ جِدًّا فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَلْزَمْ الرَّاهِنَ إذَا عَجَّلَ الدَّيْنَ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا تَرَكَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُكْرِيَ الدَّارَ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الدُّورِ الَّتِي لَهَا قَدْرٌ كَدُورِ مَكَّةَ وَمِصْرَ أَوْ كَانَ الْعَبْدُ نَبِيلًا ارْتَفَعَ ثَمَنُهُ لِخَرَاجِهِ فَيَدَعُهُ لَا يُكْرِيهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِأَجْرِ مِثْلِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ كَبِيرُ كِرَاءٍ، وَمِثْلُهُ قَدْ يُكْرِي، وَلَا يُكْرِي لَمْ يَضْمَنْهُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ قَالَ أَصْبَغُ: لَا يَضْمَنُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ عَلَى الْكِرَاءِ يَتْرُكُ ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونَ أَنَّ الرَّاهِنَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي كِرَاءِ دَارِهِ

стр. 1591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَرُبُعِهِ الَّذِي رَهَنَهُ وَذَلِكَ لِلْمُرْتَهِنِ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ فَإِذَا ضَيَّعَهُ لَزِمَهُ مَا ضَيَّعَ وَتَعَدَّى بِتَرْكِهِ وَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّهُ كَالْوَكِيلِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ إلَّا بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَكْرَى الرَّاهِنُ الدَّارَ بِأَمْرِ الْمُرْتَهِنِ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ، وَلَكِنْ يُكْرِيهِ الْمُرْتَهِنُ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ أَعَارَهُ الْمُرْتَهِنُ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَلِيَهُ الْمُكْتَرِي، وَيَدْخُلَ مَعَهُ فِيهِ حَتَّى يَصِيرَ فِي حُكْمِ مَا هُوَ فِي يَدِهِ. وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّمَا قُلْتُ: إنَّ بَيْعَ الرَّهْنِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ لَا يُبْطِلُ الرَّهْنَ إذَا بَاعَهُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَلَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ يَبِيعُهُ لِنَقْضِ رَهْنِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَقَالَ يَجُوزُ إنْ ارْتَهَنَ حِصَّةَ الْمُرْتَهِنِ مِنْ جُمْلَةِ هَذَا الطَّعَامِ فَإِنْ أَرَادَ شَرِيكُهُ قِسْمَتَهُ فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ حَاضِرًا أُمِرَ أَنْ يَحْضُرَ فَيُقَاسِمَ شَرِيكَهُ وَالرَّهْنُ كَمَا هُوَ بِيَدِهِ، فَهَذَا وَجْهُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. وَيَحْتَمِلُ الْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ فَعَلَى هَذَا إنَّمَا يَكُونُ بَيْعُهُ وَمُقَاسَمَتُهُ بِمَعْنَى الْإِذْنِ فِيهِ وَمُبَاشَرَةِ الْمُرْتَهِنِ، وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ يَدُهُ يَدُ مَنْ أَكْرَاهُ مِنْهُ فَإِذَا بَاشَرَ الرَّاهِنُ الْكِرَاءَ فَقَبَضَهُ الْمُكْتَرِي انْتَقَصَ بِذَلِكَ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَبَضَهُ الرَّاهِنُ، وَإِذَا بَاشَرَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فَانْتَقَلَ بِكِرَائِهِ إلَى الْمُكْتَرِي فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ يَدِهِ فَبَقِيَ عَلَى حُكْمِ الرَّهْنِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ إنْ أَعَارَهُ الْمُرْتَهِنُ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ يَدَ الْمُسْتَعِيرِ يَدُ الْمُعِيرِ، وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ فَإِنْ بَاعَهُ الرَّاهِنُ، وَهُوَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ انْتَقَلَ إلَى يَدِ الْمُشْتَرِي وَقَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الثَّمَنَ فَلَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ حُكْمِ الرَّهْنِ وَكَذَلِكَ قِسْمَةُ الطَّعَامِ لَا تَنْقُلُ الرَّهْنَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَى يَدِ الرَّاهِنِ، وَلَا إلَى مَنْ يَدُهُ فِي حُكْمِ يَدِ الرَّاهِنِ، وَإِنَّمَا يَبْقَى بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ فَلِذَلِكَ جَازَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا كَانَ الْكَرْمُ رَهْنًا بِيَدِ عَدْلٍ فَأَتَى رَبُّهُ بِحَفَّارٍ يَحْفِرُهُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ سَحْنُونٌ: وَلَا يَحْضُرُ حَفْرَهُ، وَلَا يَأْتِي بِحَفَّارٍ، وَإِنَّمَا يَأْتِي بِهِ الْمُرْتَهِنُ، وَهُوَ يَأْمُرُ بِالْحَفْرِ وَمِنْ حَيْثُ يَبْدَأُ وَكَذَلِكَ حَرْثُ الْأَرْضِ، فَهَذَا وَجْهُ مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَعَمَلُ الْحَائِطِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَمَرَمَّةُ الدَّارِ وَنَفَقَةُ الْعَبْدِ وَكِسْوَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمِلْكَ لِلرَّاهِنِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الرَّهْنَ يَخْرُبُ، وَيَفْسُدُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا تَهَوَّرَتْ الْبِئْرُ الْمُرْتَهَنَةُ فَعَلَى الرَّاهِنِ إصْلَاحُهَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَمَعْنَاهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِذَا غَرِمَ الْمُرْتَهِنُ خَرَاجَ الْأَرْضِ الْمُرْتَهَنَةِ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ رَجَعَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا مَظْلَمَةٌ، وَكَذَا اخْتِزَانُ الرَّهْنِ إنْ كَانَ مِمَّا يُخْتَزَنُ عَلَى الرَّاهِنِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُخْتَزَنُ عَلَى الرَّاهِنِ مِثْلُهُ فِي الْعَادَةِ كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ فَلَا كِرَاءَ فِيهِ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَأَمَّا الرَّهْنُ يَحِلُّ بَيْعُهُ بِحَيْثُ لَا سُلْطَانَ بِهِ، وَلَا يُوجَدُ مَنْ يَبِيعُهُ إلَّا بِجُعْلٍ فَقَدْ رَوَى عِيسَى، وَأَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْجُعْلَ عَلَى مَنْ طَلَبَ الْبَيْعَ قَالَ عِيسَى: وَمَا أَرَى الْجُعْلَ إلَّا عَلَى الرَّاهِنِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَلَى الرَّاهِنِ صَرْفَ الرَّهْنِ إلَى صِفَةٍ يَقْتَضِي مِنْهَا الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَعْلُ صَرْفِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَإِذَا مَاتَ الْعَبْدُ الْمُرْتَهَنُ فَكَفَنُهُ وَدَفْنُهُ عَلَى رَاهِنِهِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مِنْ مُؤْنَتِهِ وَذَلِكَ لَازِمٌ لِمَالِكِهِ دُونَ مُرْتَهِنِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا أَنْفَقَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّهْنِ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ فَهُوَ سَلَفٌ، وَلَا يَكُونُ فِي الرَّهْنِ إلَّا بِشَرْطٍ سَوَاءٌ أَنْفَقَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَيْسَ كَالضَّالَّةِ يُنْفِقُ عَلَيْهَا فَيَكُونُ عِنْدَ مَالِكٍ أَوْلَى بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ نَفَقَتَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ يَطْلُبُ الرَّاهِنَ أَنْ يَرْفَعَ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ فِي غَيْبَتِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ أَشْهَبُ هُوَ مِثْلُ الضَّالَّةِ وَالرَّهْنُ بِهَا رَهْنٌ، وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ مَنْعُهُ

стр. 1592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَهْلَكُ إنْ كَانَ حَيَوَانًا، وَيَخْرُبُ إنْ كَانَ رَبْعًا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يَلْزَمُ الرَّاهِنَ الْإِنْفَاقُ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ ارْتَهَنَ زَرْعًا أَوْ ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا فَانْهَارَتْ بِئْرُهَا، وَأَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا فَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا وَيَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ يَكُونُ مَا أَنْفَقَ فِي رِقَابِ النَّخْلِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ، وَيَبْدَأَ بِمَا أَنْفَقَ قَبْلَ الدَّيْنِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُخْتَصَرِ مِنْ غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الرَّاهِنَ يُجْبَرُ عَلَى الْإِصْلَاحِ إنْ كَانَ مَلِيًّا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْعَيْنَ الَّتِي ارْتَهَنَهَا قَدْ تَغَيَّرَتْ فَلَيْسَ عَلَى الرَّاهِنِ بَدَلُهَا كَمَا لَوْ مَاتَ الْحَيَوَانُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِبَدَلِهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ نَفَقَةٌ يَحْيَا بِهَا الرَّهْنُ فَلَزِمَتْ الرَّاهِنَ كَنَفَقَةِ الرَّقِيقِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ، وَلَمْ يَقْضِ الرَّاهِنُ الدَّيْنَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَرَا الرَّهْنَ عَنْ شَرْطٍ أَوْ يَكُونَ جَعَلَ الرَّاهِنُ بَيْعَهُ لِمَنْ هُوَ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ شَرْطٌ فَلَيْسَ لِمَنْ هُوَ بِيَدِهِ بَيْعُهُ، وَيُرْفَعُ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ بَاعَهُ رَدَّ بَيْعَهُ قَالَ، وَلَا يَبِيعُهُ إلَّا رَبُّهُ أَوْ السُّلْطَانُ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فَلَا يَلِي أَحَدٌ بَيْعَ مَالِهِ إلَّا أَنْ يَأْبَى مِنْ الْحَقِّ فَيَبِيعُهُ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ شُرِطَ لَهُ بَيْعُهُ عِنْدَ الْأَجَلِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الرَّاهِنُ قَدْ شَرَطَ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالدَّيْنِ إلَى الْأَجَلِ وَاَلَّذِي هُوَ بِيَدِهِ مُسَلَّطٌ عَلَى بَيْعِهِ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ لَا يَبِيعُهُ إلَّا بِأَمْرِ السُّلْطَانِ زَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا كَانَ عَلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ يَدِ غَيْرِهِ، وَشَرَطَ ذَلِكَ فَلَا يَفْعَلُ وَشَدَّدَ فِيهِ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ مَا أَرَى بَيْعَهُ جَائِزًا إلَّا بِأَمْرِ السُّلْطَانِ، وَإِنْ شُرِطَ ذَلِكَ. وَقَالَ عِيسَى: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِثْلَهُ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّهُ لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ عَلَى بَيْعِهِ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَيَصِحُّ كَالْوَكَالَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فَإِنْ بَاعَهُ نَفَذَ الْبَيْعُ، وَلَمْ يُرَدَّ فَاتَ أَوْ لَمْ يَفُتْ كَانَ لَهُ بَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ إذَا أَصَابَ وَجْهَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ بِيعَ بِإِذْنِ رَبِّهِ. وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ: يَمْضِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَهُ بَالٌ كَالدُّورِ وَالْأَرْضِينَ وَالرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ وَمَا لَهُ بَالٌ فِي الْقَدْرِ أَيْضًا فَلْيُرَدَّ إنْ لَمْ يَفُتْ فَإِنْ فَاتَ أَمْضَى إلَّا أَنْ يُعْلَمَ لَهُ صِفَةٌ تُسَاوِي أَكْثَرَ مِمَّا بِيعَ بِهِ فَيُضْمَنُ الْفَضْلُ قَالَ: وَبَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ: أَمَّا الْقَصَبُ وَالْقِثَّاءُ، وَمَا يُبَاعُ مِنْ الثَّمَرِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَلْيُبَعْ بِمَحْضَرِ قَوْمٍ كَمَا شُرِطَ وَأَمَّا الرَّقِيقُ وَالدُّورُ وَالثِّمَارُ فَلَا بُدَّ مِنْ السُّلْطَانِ وَقَالَ أَشْهَبُ: وَهَذَا بِمَوْضِعِ السُّلْطَانِ، وَأَمَّا بَلَدٌ لَا سُلْطَانَ بِهِ فِيهِ أَوْ سُلْطَانٌ يَعْسُرُ تَنَاوُلُهُ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ إذَا صَحَّ وَأُمِنَ الْغَرَرُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَحَكَى عَنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا كَانَ اشْتِرَاءَ الْقَصَبِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَبْقَى مِثْلُهُ أَوْ يَنْقُصُ بِبَقَائِهِ فَلِلْمُرْتَهِنِ الْمُوَكَّلِ عَلَى الْبَيْعِ يَبِيعُهُ، وَإِنْ كَانَ عَرَضًا أَوْ رَبْعًا تَكْثُرُ قِيمَتُهُ، وَلَا يَضُرُّ بَقَاؤُهُ فَقَدْ كُرِهَ لَهُ بَيْعُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ إذَا غَابَ رَبُّهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الرَّبْعِ وَغَيْرِهِ وَجْهُ الْقَوْلِ بِمَنْعِ الْبَيْعِ أَنَّهُ بَائِعٌ بِسَبَبِ نَفْسِهِ فَتَقْوَى فِيهِ التُّهْمَةُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ كُلَّ مَنْ يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ عَلَى بَيْعِ غَيْرِ الرَّهْنِ صَحَّ تَوْكِيلُهُ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ كَالْأَجْنَبِيِّ. ١ - (فَرْعٌ) وَإِذَا أَرَادَ الرَّاهِنُ فَسْخَ وَكَالَةِ الْوَكِيلِ فَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: لَهُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ هَذِهِ وَكَالَةٌ إذَا شُرِطَتْ فِي الْعَقْدِ صَارَتْ مِنْ مُوجِبَاتِهِ فَلَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ فَسْخُهَا كَإِمْسَاكِ الرَّهْنِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ عَقْدُ وَكَالَةٍ فَلَمْ يَلْزَمْ بِالْعَقْدِ كَسَائِرِ الْوَكَالَاتِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَبَيْعُ الرَّهْنِ مُخْتَلِفٌ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: إذَا أَمَرَ الْإِمَامُ بِبَيْعِ الرَّهْنِ فَأَمَّا الْيَسِيرُ الثَّمَنِ فَيُبَاعُ فِي مَجْلِسٍ وَمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ فَفِي الْأَيَّامِ وَمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ فَفِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْجَارِيَةُ الْفَارِهَةُ وَالدَّارُ وَالْمَنْزِلُ وَالثَّوْبُ الرَّفِيعُ فَبِقَدْرِ ذَلِكَ حَتَّى

стр. 1593

(الْقَضَاءُ فِي الرَّهْنِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ) (ص) : (قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلَيْنِ يَكُونُ لَهُمَا رَهْنٌ بَيْنَهُمَا فَيَقُومُ أَحَدُهُمَا بِبَيْعِ رَهْنِهِ وَقَدْ كَانَ الْآخَرُ أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ سَنَةً قَالَ: إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَقْسِمَ الرَّهْنَ فَلَا يَنْقُصُ حَقُّ الَّذِي أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ بِيعَ لَهُ نِصْفُ الرَّهْنِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا فَأَوْفَى حَقَّهُ، وَإِنْ خِيفَ أَنْ يَنْقُصَ حَقُّهُ بِيعَ الرَّهْنُ كُلُّهُ فَأَعْطَى الَّذِي قَامَ بِبَيْعِ رَهْنِهِ حِصَّتَهُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ طَابَتْ نَفْسُ الَّذِي أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ لَمْ يَدْفَعْ نِصْفَ الثَّمَنِ إلَى الرَّاهِنِ، وَإِلَّا حَلَفَ الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ مَا أَنْظَرَهُ إلَّا لِيُوقِفَ لِي رَهْنِي عَلَى هَيْئَتِهِ ثُمَّ أُعْطِيَ حَقَّهُ) ــ [المنتقى] يُشْتَهَرَ، وَيُسَعَّرَ بِهِ وَرُبَّمَا نُودَى عَلَى السِّلْعَةِ الشَّهْرَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَكُلُّ شَيْءٍ بِقَدْرِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا أَمَرَ الْإِمَامُ بِبَيْعِ الرَّهْنِ بِغَيْرِ الْعَيْنِ مِنْ عَرَضٍ أَوْ طَعَامٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ بَاعَهُ بِمِثْلِ مَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ تِلْكَ الْفَضْلَةِ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِيمَا بَقِيَ إنْ شَاءَ تَمَسَّكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّرِكَةِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِغَيْرِ مَا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ. [الْقَضَاءُ فِي الرَّهْنِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ] (ش) : وَهَذَا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ: إنَّ الرَّجُلَيْنِ يَصِحُّ أَنْ يَرْتَهِنَا رَهْنًا مِنْ رَجُلٍ فَإِنْ رَضِيَ الرَّاهِنُ أَنْ يَكُونَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَيَضْمَنُ حِصَّتَهُ مِنْهُ، وَهُوَ فِي بَاقِيهِ أَمِينٌ يَضْمَنُهُ الرَّاهِنُ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ زَادَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: فَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا بِكَوْنِهِ بِيَدِ أَحَدِهِمَا جُعِلَ بِيَدِ أَمِينٍ، وَلَا يَضْمَنَانِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: وَإِنْ قَبَضَاهُ مِنْ الرَّاهِنِ، وَلَمْ يَجْعَلَاهُ بِيَدِ أَحَدِهِمَا ضَمِنَاهُ، وَإِنْ جَعَلَاهُ بِيَدِ أَمِينٍ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا أَسْلَمَهُ إلَيْهِمَا فَإِنْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ بِقَبْضِهِ أَوْ اتَّفَقَا عَلَى وَضْعِهِ عِنْدَ مَنْ شَاءَا فَقَدْ تَعَدَّيَا فِيهِ وَجَعَلَاهُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمَا فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فِي الرَّجُلَيْنِ إذَا ارْتَهَنَا رَهْنًا بِحَقٍّ لَهُمَا ذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْتَهِنَاهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَالثَّانِي أَنْ يَرْتَهِنَ أَحَدُهُمَا فَضْلَ الْآخَرِ وَمَسْأَلَةُ الْكِتَابِ تَقْتَضِي أَنَّهُمَا ارْتَهَنَاهُ مَعًا وَلَوْ ارْتَهَنَا رَهْنًا بِدَيْنٍ لَهُمَا عَلَى رَجُلٍ فَأَنْظَرَهُ أَحَدُهُمَا بِحَقِّهِ سَنَةً وَقَامَ الْآخَرُ يَطْلُبُ تَعْجِيلَ حَقِّهِ فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ لَا تَنْقُصُ قِيمَتُهُ بِالْقِسْمَةِ قَالَ فِي الْأَصْلِ: إنْ لَمْ تُنْقِصْ قِسْمَتُهُ حَقَّ الَّذِي أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ بِيعَ، وَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى، وَأَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ قَدَرَ عَلَى قَسْمِ الرَّهْنِ بِمَا لَا يَنْقُصُ بِهِ حَقُّ الْقَائِمِ بِحَقِّهِ قُسِمَ فَبِيعَ لِهَذَا نِصْفُهُ فِي حَقِّهِ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَعِنْدِي إنَّمَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ إدْخَالُ الْقِسْمَةِ النَّقْصَ فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَإِذَا دَخَلَ النَّقْصُ فِي أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْآخَرِ فَتَارَةً أَظْهَرَ مُرَاعَاةَ حَقِّ الْقَائِمِ وَتَارَةً أَظْهَرَ مُرَاعَاةَ حَقِّ الْآخَرِ وَالْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ لَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرَّهْنَ بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْنِ وَقَدْ زَادَ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ أَنَّ دَيْنَهُمَا سَوَاءٌ فَإِذَا بِيعَ نِصْفُ الرَّهْنِ فَكَانَ ثَمَنُهُ قَدْرَ الدَّيْنِ قَبَضَهُ الْقَائِمُ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ قَصَّرَ عَنْ الدَّيْنِ طَلَبَهُ بِبَقِيَّةِ دَيْنِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُبَاعَ شَيْءٌ مِنْ بَقِيَّةِ الرَّهْنِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ صَاحِبِهِ بِهِ، وَبَقِيَ إلَى الْأَجَلِ الَّذِي أَنْظَرَهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ دَيْنِ الَّذِي أَنْظَرَهُ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ دَيْنِهِ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ رَهَنَ عَبْدًا أَوْ دَارًا فِي دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فَقَامَ عَلَيْهِ غَرِيمٌ آخَرُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَإِنْ كَانَ فِي الرَّهْنِ فَضْلٌ عَمَّا رُهِنَ بِهِ بِيعَ فَقَضَى الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ مُعَجَّلًا وَقَضَى الْغَرِيمُ الْآخَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ لَمْ يُبَعْ حَتَّى يَحِلَّ أَجَلُ الْمُرْتَهِنِ فَعَلَى هَذَا لَا تُبَاعُ حِصَّةُ الَّذِي تَأَجَّلَ دَيْنُهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ دَيْنِ الَّذِي تَعَجَّلَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ دَيْنِ صَاحِبِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي حِصَّةِ الَّذِي تَعَجَّلَ فَقْدٌ عَنْ دَيْنِهِ فَإِنَّمَا يُبَاعُ مِنْهُ عِنْدِي بِقَدْرِ الدَّيْنِ الْمُعَجَّلِ، وَلَا يَكُونُ مَا فَضَلَ عَنْ الدَّيْنِ رَهْنًا، وَيُدْفَعُ

стр. 1594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] إلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَهَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ ذَلِكَ الرَّهْنِ فَلَا دُخُولَ لِلْآخَرِ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنْ خِيفَ أَنْ يَنْقُصَ حَقُّهُ بِيعَ الرَّهْنُ كُلُّهُ فَأُعْطِيَ الَّذِي قَامَ بِبَيْعِ رَهْنِهِ مِنْ ذَلِكَ أَضَافَ الرَّهْنَ إلَى الْمُرْتَهِنِ لِمَا كَانَ لَهُ ثَمَنُهُ، وَكَانَ بِيَدِهِ وَقَالَ: إنَّ الرَّهْنَ كُلَّهُ يُبَاعُ، وَيُعْطَى مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَ مَا يُعْطَى، وَلَا يُبَيِّنُ أَيَّ قَدْرٍ يُعْطَى، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّ الْقَائِمَ يَأْخُذُ مِنْ نِصْفِهِ حَقَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى النِّصْفِ الَّذِي هُوَ حِصَّةُ الَّذِي أَنْظَرَهُ مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ دَيْنَهُ مِنْ النِّصْفِ الَّذِي ارْتَهَنَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنْ طَابَتْ نَفْسُ الَّذِي أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ دَفَعَ نِصْفَ الثَّمَنِ إلَى الرَّاهِنِ، وَإِلَّا حَلَفَ مَا أَنْظَرْته إلَّا لِيُوقِفَ لِي رَهْنِي يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الرَّاهِنِ ثَمَنَ نِصْفِ الرَّهْنِ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ ارْتَهَنَهُ الْمُؤَجَّلُ بِالدَّيْنِ جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رَهْنٌ قَدْ طَابَتْ نَفْسُهُ بِرَدِّهِ إلَى الرَّاهِنِ، وَيُنْظِرُهُ مَعَ ذَلِكَ بِدَيْنِهِ، وَإِنْ أَبَى مِنْ ذَلِكَ حَلَفَ يُرِيدُ أَنَّهُ مَا أَخَّرَهُ إلَّا لِيَبْقَى الرَّهْنُ وَثِيقَةً بِحَقِّهِ ثُمَّ يَقْتَضِي مِنْ ثَمَنِ حِصَّتِهِ مِنْ الرَّهْنِ دَيْنَهُ، وَهَذَا إذَا بِيعَ الرَّهْنُ بِمِثْلِ مَا لَهُ مِنْ الدَّيْنِ، وَكَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا فَإِنْ بِيعَ بِعَيْنٍ مُخَالِفٍ لِلْعَيْنِ الَّذِي لَهُ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ فِي الرَّهْنِ يَسْتَحِقُّ نِصْفَهُ، وَلَا يَنْقَسِمُ، وَلَا يَرْضَى الْمُسْتَحِقُّ بِبَقَائِهِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ: إنَّهُ يُبَاعُ، وَيُعَجَّلُ لِلْمُرْتَهِنِ حَقُّهُ إنْ بِيعَ بِمِثْلِ دَيْنِهِ فَإِنْ بِيعَ بِدَنَانِيرَ وَدَيْنُهُ دَرَاهِمُ أَوْ بِيعَ بِدَرَاهِمَ وَدَيْنُهُ دَنَانِيرُ وَقَفَ لِلْمُرْتَهِنِ ذَلِكَ رَهْنًا إلَى الْأَجَلِ فَيُبَاعُ حِينَئِذٍ فِي حَقِّهِ لِمَا يُرْجَى مِنْ غَلَاءِ ذَلِكَ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ الَّتِي يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْبِضَهَا، وَيَرْجُو مِنْ الرِّبْحِ فِي نَقْلِهَا إلَى الصِّفَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا عِنْدَ حُلُولِ أَجَلِ دَيْنِهِ مَا لَا يَرْجُوهُ الْآنَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُبَاعَ فَيُعَجِّلَ مِنْ ثَمَنِهِ دَيْنَهُ كَمَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الرَّهْنِ. (فَصْلٌ) : وَإِنْ بِيعَ بِقَمْحٍ وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ قَمْحٌ مِثْلُهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُبَاعَ بِدَنَانِيرَ وَدِينُهُ دَنَانِيرُ أَوْ يُبَاعَ بِدَرَاهِمَ وَدَيْنُهُ دَرَاهِمُ. وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إنَّهُ إنْ بِيعَ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ الْإِدَامِ أَوْ الشَّرَابِ، وَهُوَ مِثْلُ الَّذِي لَهُ صِفَةً وَجِنْسًا وَجَوْدَةً فَإِنِّي أَسْتَحْسِنُ أَنَّ لَهُ تَعْجِيلَهُ، وَإِنْ أَبَى صَاحِبُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْطِيهِ مِثْلَهُ إذَا لَمْ يُعْطِهِ إيَّاهُ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هَذَا حُكْمُ كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ وَمَا فِي حُكْمِهِمَا وَكَذَلِكَ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إنْ بِيعَ بِمِثْلِ حَقِّهِ فَلْيُعَجِّلْ لَهُ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ طَعَامًا بِيعَ فَيَأْبَى أَنْ يَتَعَجَّلَهُ فَذَلِكَ لَهُ فَاعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ ﵁ رِضَا الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا مُؤَجَّلًا لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ تَعْجِيلُهُ قَبْلَ وَقْتِهِ بِخِلَافِ الْعَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ بِيعَ بِطَعَامٍ مُخَالِفٍ لِمَالِهِ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ: يُوضَعُ رَهْنًا بِيَدِهِ إلَى حُلُولِ حَقِّهِ وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَكَذَلِكَ إنْ بَيْع بِعَرَضٍ بِمِثْلِ حَقِّهِ أَوْ مُخَالِفٍ لَهُ وُضِعَ لَهُ رَهْنًا، وَلَيْسَ لَهُ تَعْجِيلُهُ بِغَيْرِ رِضَا الرَّاهِنِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا لَا مِثْلَ لَهُ لَا تَكَادُ تَصِحُّ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ فَقَدْ يَجِدُ عِنْدَ الْأَجَلِ مَا هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْمُمَاثَلَةِ، وَأَيْسَرُ عَلَيْهِ فِيمَا يُجْزِئُ عَنْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ يُعْطَى حَقَّهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَدْ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي مَسْأَلَةِ الْأَصْلِ يَحْلِفُ، وَيُعْطَى حَقَّهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الرَّاهِنُ بِرَهْنٍ فِيهِ وَفَاءُ حَقِّ الَّذِي أَنْظَرَهُ، فَيَكُونُ لَهُ أَخْذُ الثَّمَنِ فَبَيَّنَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْأَصْلِ إنَّمَا هِيَ فِي الْمُعْسِرِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ كَانَ أَصْلُ دَيْنِهِمَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ قَرْضٍ وَالْآخَرُ مِنْ بَيْعٍ جَازَ ذَلِكَ مَا لَمْ يُقْرِضْهُ أَحَدُهُمَا عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ الْآخَرُ فَلَا يَجُوزُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ جَازَ ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أَقْرَضَاهُ وَارْتَهَنَا مِنْهُ دَارًا أَوْ ثَوْبًا وَقَضَى أَحَدُهُمَا خَرَجَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الرَّهْنِ فَإِنْ كَانَ دَيْنُهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَكَتَبَاهُ فِي ذِكْرٍ وَاحِدٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ لِأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ، وَلِلْآخَرِ شَعِيرٌ جَازَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَقْضِيَ دُونَ الْآخَرِ، وَلَوْ كَتَبَاهُ بِغَيْرِ ذِكْرٍ وَاحِدٍ، أَوْ يَكُونُ الرَّهْنُ لَهُمَا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ

стр. 1595

(ص) : (قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْعَبْدِ يَرْهَنُهُ سَيِّدُهُ، وَلِلْعَبْدِ مَالٌ: أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لَيْسَ بِرَهْنٍ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُرْتَهِنُ) . ــ [المنتقى] دَنَانِيرَ كُلَّهَا أَوْ قَمْحًا كُلَّهُ أَوْ شَيْئًا وَاحِدًا أَوْ نَوْعًا وَاحِدًا، وَإِنْ لَمْ يَكْتُبَا بِهِ كِتَابًا فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَقْتَضِيَ دُونَ الْآخَرِ وَذَلِكَ أَنَّ ذِكْرَ الْحَقِّ إذَا جَمَعَهُمَا أَوْ الرَّهْنَ فَقَدْ جَعَلَهُمَا مَعَ اتِّفَاقِ جِنْسِ الدَّيْنِ كَالشَّرِيكَيْنِ فَلَا يَقْبِضُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَإِنْ كَانَ دَيْنُهُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ انْتَفَتْ الشَّرِكَةُ وَتَبَايَنَتْ الْحُقُوقُ فَلَمْ يُمْنَعُ أَحَدُهُمَا مِنْ قَبْضِ حَقِّهِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَضْمَنَا مَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِذِكْرِ حَقٍّ، وَلَا رَهْنٍ وَكَتَبَا حَقَّهُمَا مُفَرَّقًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ إفْرَادَ ذِكْرِ الْحَقِّ يُمَيِّزُ الْحَقَّ كَمَا يُمَيِّزُهُ إفْرَادُ نَفْسِ الْحَقِّ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا إذَا ارْتَهَنَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ فَهُوَ أَيْضًا عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْتَهِنَ أَحَدُهُمَا جُزْءًا مِنْ الرَّهْنِ ثُمَّ يَرْهَنُ رَجُلًا آخَرُ بَاقِيَهُ فَإِنْ كَانَ أَجَلُ الدَّيْنَيْنِ وَاحِدًا فَحُكْمُهُ مَا رَهَنَا جَمِيعَهُ مَعًا، وَإِنْ كَانَ أَجَلُهُمَا مُخْتَلِفًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ فِي الرَّجُلَيْنِ يُنْظِرُ أَحَدُهُمَا، وَيَتَعَجَّلُ الثَّانِي. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا رَهَنَ رَجُلٌ رَهْنًا بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَدَانَ مِنْ آخَرَ وَرَهَنَهُ فَضْلَةَ ذَلِكَ الرَّهْنِ الْأَوَّلِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ ذَلِكَ جَائِزٌ إنْ رَضِيَ الْمُرْتَهِنُ الْأَوَّلُ فَإِنْ لَمْ يَرْضَ لَمْ يَجُزْ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ قَالَ لِي أَشْهَبُ: لَهُ ذَلِكَ رَضِيَ الْأَوَّلُ أَوْ سَخِطَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إذْ هُوَ الْمَبْدَأُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّمَا أَرَادَ مَالِكٌ رِضَا الْأَوَّلِ إنْ لَمْ يَتِمَّ الْحَوْزُ لِلثَّانِي، وَإِذَا لَمْ يَرْضَ لَمْ يَتِمَّ، وَلَا تَكُونُ الْفَضْلَةُ لَهُ رَهْنًا بَلْ هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيهَا، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ رَهَنَ رَهْنًا وَجَعَلَهُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ ثُمَّ رَهَنَ فَضْلَهُ الْآخَرُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَحُوزَهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إنَّمَا حَازَهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ رَهْنًا لِلثَّانِي قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَرْضَى الْأَوَّلُ فَيَحُوزُ، وَيَبْدَأُ الْأَوَّلُ، وَيَكُونُ لِلثَّانِي مَا فَضَلَ. وَقَالَ أَصْبَغُ: إذَا جَعَلَ الرَّهْنَ بِيَدِ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ جَازَ أَنْ يَرْهَنَ فَضْلَهُ الْآخَرُ، وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ الْأَوَّلُ إذَا عَلِمَ مَنْ هُوَ عَلَى يَدِهِ لِتَتِمَّ الْحِيَازَةُ لَهُمَا وَقِيلَ عَنْ مَالِكٍ: حَتَّى يَرْضَى الْأَوَّلُ وَالْقِيَاسُ مَا قُلْتُ لَك. وَقَدْ رَوَى الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ رِوَايَةً أُخْرَى فِي رَهْنِ فَضْلَةِ الرَّهْنِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ الْمُرْتَهِنُ الْأَوَّلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا حَلَّ أَجَلُ دَيْنِ الثَّانِي قَبْلَ الْأَوَّلِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لِأَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْأَوَّلُ أَنَّ دَيْنَ الثَّانِي يَحِلُّ قَبْلَ دَيْنِهِ بِيعَ الرَّهْنُ، وَيُعْطَى الْأَوَّلُ حَقَّهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَيُعْطَى الثَّانِي مَا فَضَلَ عَنْ دَيْنِهِ ثُمَّ إنْ بِيعَ بِمِثْلِ حَقِّهِ أَوْ بِخِلَافِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ. وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إنَّمَا تَفْسِيرُ قَوْلِ أَشْهَبَ فِي الرَّهْنِ يَسْتَحِقُّ نِصْفَهُ فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الرَّهْنِ يَرْهَنُ فَضْلَتَهُ فَيَحِلُّ حَقُّ الثَّانِي فَيُبَاعُ لَهُ فَإِنَّهُ إذَا وَقَفَ الْأَوَّلُ مِقْدَارَ حَقِّهِ فَقَدْ يَتَغَيَّرُ مَا يُوقَفُ لَهُ حَتَّى يُنْقِصَ عِنْدَ الْأَجَلِ مِنْ حَقِّهِ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: وَكَأَنَّهُ يَرَى فِيمَا رَأَيْتُ أَنَّهُ إنْ كَانَ إنَّمَا يُبَاعُ بِخِلَافِ حَقِّ الْأَوَّلِ أَنْ لَا يُبَاعَ إلَى أَجَلِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا بِيعَ بِخِلَافِهِ وَقَفَ الرَّهْنُ كُلُّهُ، وَلَمْ يَقْضِ الثَّانِي شَيْئًا فَلَا فَائِدَةَ فِي بَيْعِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الثَّانِيَ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ الْأَوَّلِ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا إذَا بِيعَ بِمِثْلِ مَالِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ إنَّ مَنْ ارْتَهَنَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَإِنَّ مَالَ الْعَبْدِ لَا يَبِيعُهُ فِي حُكْمِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكٍ لِلرَّاهِنِ، وَالرَّاهِنُ إنَّمَا يَرْهَنُهُ مَا يَمْلِكُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُرْتَهِنُ يُرِيدُ فَيَكُونُ رَهْنًا مَعَ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ رَهْنًا مَعَ الْعَبْدِ مَالُهُ الَّذِي كَانَ لَهُ يَوْمَ اشْتِرَاطِهِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ أَوْ نَمَاءُ ذَلِكَ الْمَالِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَصْلِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ نَمَاءَ كُلِّ مَالٍ تَبَعٌ لِأَصْلِهِ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ، وَلِذَلِكَ تَبِعَهُ فِي الزَّكَاةِ، وَأَمَّا مَا أَفَادَ بَعْدَ الِارْتِهَانِ فَلَا يَكُونُ رَهْنًا مَعَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

стр. 1596

الْقَضَاءُ فِي جَامِعِ الرُّهُونِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِيمَنْ ارْتَهَنَ مَتَاعًا فَيَهْلِكُ الْمَتَاعُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، وَأَقَرَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ بِتَسْمِيَةِ الْحَقِّ وَاجْتَمَعَا عَلَى التَّسْمِيَةِ وَتَدَاعَيَا فِي الرَّهْنِ فَقَالَ الرَّاهِنُ: قِيمَتُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا. وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ وَالْحَقُّ الَّذِي لِلرَّجُلِ فِيهِ عِشْرُونَ دِينَارًا قَالَ مَالِكٌ: يُقَالُ لِلَّذِي بِيَدِهِ الرَّهْنُ صِفْهُ فَإِذَا وَصَفَهُ أُحْلِفَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقَامَ تِلْكَ الصِّفَةَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِهَا فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِمَّا رَهَنَ بِهِ قِيلَ لِلْمُرْتَهِنِ اُرْدُدْ إلَى الرَّاهِنِ بَقِيَّةَ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِمَّا رَهَنَ بِهِ أَخَذَ الْمُرْتَهِنُ بَقِيَّةَ حَقِّهِ مِنْ الرَّاهِنِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ بِقَدْرِ حَقِّهِ فَالرَّهْنُ بِمَا فِيهِ) . (ص) : (قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي الرَّهْنِ يَرْهَنُهُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيَقُولُ الرَّاهِنُ أَرْهَنْتُكَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَيَقُولُ الْمُرْتَهِنُ ارْتَهَنْتُهُ مِنْك بِعِشْرِينَ دِينَارًا وَالرَّهْنُ ظَاهِرٌ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ قَالَ يَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ حِينَ يُحِيطُ بِقِيمَةِ الرَّهْنِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ عَمَّا حَلَفَ أَنَّ لَهُ فِيهِ، أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ بِحَقِّهِ، وَكَانَ أَوْلَى بِالتَّبْدِئَةِ بِالْيَمِينِ لِقَبْضِهِ الرَّهْنَ وَحِيَازَتِهِ إيَّاهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الرَّهْنِ أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ وَيَأْخُذَ رَهْنَهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ ثَمَنُ الرَّهْنِ أَقَلَّ مِنْ الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّى أُحْلِفَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّى ثُمَّ يُقَالُ لِلرَّاهِنِ إمَّا أَنْ تُعْطِيَهُ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ وَتَأْخُذَ رَهْنَك، وَإِمَّا أَنْ تَحْلِفَ عَلَى الَّذِي قُلْتَ أَنَّك رَهَنْتُهُ بِهِ وَيَبْطُلُ عَنْك مَا زَادَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ فَإِنْ حَلَفَ الرَّاهِنُ بَطَلَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ غُرْمُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ــ [المنتقى] [الْقَضَاءُ فِي جَامِعِ الرُّهُونِ] (ش) : أَكْثَرُ مَا فِي هَذَا الْفَصْلِ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الرَّهْنَ إذَا ضَاعَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، وَكَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً بِضَيَاعِهِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ يَحْكُمُ بِضَمَانِهِ لَهُ، وَإِنْ قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا رَوَاهُ أَشْهَبُ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ، وَادَّعَى الرَّاهِنُ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ الْمُرْتَهِنُ قِيلَ لِلْمُرْتَهِنِ صِفْهُ قَالَ فَإِذَا وَصَفَهُ حَلَفَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ يُرِيدُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ خَالَفَهُ فِيهَا، وَادَّعَى أَفْضَلَ مِنْهَا، وَلَوْ جَهِلَ الرَّاهِنُ الصِّفَةَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ: إذَا وَصَفَهُ الْمُرْتَهِنُ حَلَفَ، وَإِنْ نَكَلَ بَطَلَ حَقُّهُ، وَكَانَ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الرَّاهِنُ مَعْرِفَةَ الصِّفَةِ وَنَكَلَ الْمُرْتَهِنُ حَلَفَ الرَّاهِنُ وَقُوِّمَتْ الصِّفَةُ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا حَلَفَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا قَوَّمَهَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ فَرُبَّمَا قَوَّمُوهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْقِيمَةِ فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ أَنْ يَكُونَ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ الْأَكْثَرِ مِنْ قَدْرِ الدَّيْنِ أَوْ يَكُونَ زَعَمَ أَوَّلًا أَنَّ قِيمَتَهَا أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ الدَّيْنِ أَوْ بِمِثْلِ قَدْرِ الدَّيْنِ لَكِنَّهُ وَصَفَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ قُوِّمَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ فَهَذَا يَقْطَعُ دَيْنَهُ مِمَّا لَزِمَهُ مِنْ الْقِيمَةِ، وَقِيلَ لَهُ رُدَّ الْفَضْلَ عَلَى الرَّاهِنِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ كَانَ عَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يُوَفِّيَ بَقِيَّةَ الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ فَقَدْ قَالَ: إنَّ الرَّهْنَ بِمَا فِيهِ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي قَالَ فِيهَا مَنْ تَقَدَّمَ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ أَوْ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا، وَلَوْ أَقَرَّ أَوَّلًا بِقِيمَةِ الرَّهْنِ فَلَمَّا خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ الرَّاهِنُ وَصَفَهُ بِصِفَةٍ قُوِّمَتْ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا أَوَّلًا فَإِنَّ عِنْدِي أَنَّهُ تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ الْأُولَى الَّتِي أَقَرَّ بِهَا، وَيُحْمَلُ مَا وَصَفْنَا بِهِ الرَّهْنَ مِمَّا قَصُرَ عَنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ جَحْدُ الْبَعْضِ الْقِيمَةَ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأُحْكَمُ.

стр. 1597

الْمُرْتَهِنُ) ــ [المنتقى] (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الدَّيْنِ فَقَالَ الرَّاهِنُ: عَشَرَةً، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: عِشْرُونَ وَالرَّهْنُ قَائِمٌ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ يَحْلِفُ حَتَّى يُحِيطُ بِقِيمَةِ الرَّهْنِ قَالَ: وَكَانَ مُبْدَأٌ بِالْيَمِينِ؛ لِقَبْضِهِ الرَّهْنَ وَحِيَازَتِهِ لَهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَسَوَاءٌ عِنْدِي كَانَ بِيَدِهِ أَوْ وُضِعَ لَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ؛ لِأَنَّ يَدَ الْعَدْلِ حَائِزَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَبْدَأُ الْمُرْتَهِنُ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ شَاهِدٌ لَهُ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ عِشْرِينَ دِينَارًا فَهُوَ لِلْمُرْتَهِنِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الرَّاهِنُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَيَأْخُذَ رَهْنَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْأَصْلِ. (فَصْلٌ) : وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَقَلَّ مِنْ الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّاهَا أُحْلِفَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّى يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْعِشْرِينَ الَّتِي ادَّعَى قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ لَا أَحْلِفُ إلَّا عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ لَكَانَ لَهُ ذَلِكَ وَحَكَى عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّهُ إنَّمَا يَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ كَمَا لَوْ ادَّعَى عِشْرِينَ وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي شَهِدَ لَهُ بِهَا شَاهِدُهُ دُونَ الْعِشْرِينَ الَّتِي ادَّعَاهَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْمَذْهَبِ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي الْأَصْلِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ﵀ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ أَصْحَابِنَا إلَّا مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنَّ الْمُرْتَهِنَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْعِشْرِينَ أَوْ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّهْنِ وَالشَّاهِدِ أَنَّ الرَّهْنَ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ وَالشَّاهِدُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا لَمْ يَشْهَدْ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّاهِنَ لَوْ أَقَرَّ بِالْعِشْرِينِ فَإِنَّ الرَّهْنَ يَكُونُ رَهْنًا بِجَمِيعِهَا، وَلَا يَخْتَصُّ بِقَدْرِ قِيمَتِهَا مِنْهَا وَلَوْ أَقَرَّ بِتَصْدِيقِ الشَّاهِدِ لَمْ يَكُنْ لِشَهَادَتِهِ تَعَلُّقٌ بِغَيْرِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي شَهِدَ بِهَا فَجَازَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ وَيَحْلِفُ مَعَ الرَّهْنِ عَلَى الْعِشْرِينَ الَّتِي ادَّعَى. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالتَّخْيِيرِ فَحَلَفَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْعِشْرِينَ قِيلَ لِلرَّاهِنِ إمَّا أَنْ تَحْلِفَ وَتُسْقِطُ عَنْ نَفْسِك الْخَمْسَةَ الزَّائِدَةَ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَإِمَّا أَنْ تَنْكُلَ فَيَدْفَعُ إلَيْهِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ حَلَفَ الْمُرْتَهِنُ أَوَّلًا عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَحْلِفُ الرَّاهِنُ؛ لِيُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ بَقِيَّةَ دَعْوَى الْمُرْتَهِنِ، وَهِيَ مَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ فَإِنْ نَكَلَ الرَّاهِنُ لَمْ يُقْضَ لِلْمُرْتَهِنِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نُكُولِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْيَمِينَ وَجَبَتْ فِي الْخَمْسَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ أَوَّلًا عَلَى الرَّاهِنِ، وَكَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُضِيفَ الْيَمِينَ فِيهِمَا إلَى يَمِينِهِ الَّتِي لَهُ أَنْ يَحْلِفَ بِهَا فِي الْخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي شَهِدَ لَهُ بِهَا الرَّهْنُ فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَحَلَفَ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ فَلَا مَعْنَى لِيَمِينِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ قَدْ اسْتَحَقَّ جَمِيعَهَا بِيَمِينِهِ وَشَهَادَةِ قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَلَوْ نَكَلَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْيَمِينِ جُمْلَةً حَلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ حَقِّهِ عَشَرَةٌ فَيَكُونُ يَمِينُهُ فِي الْخَمْسَةِ الَّتِي شَهِدَ بِهَا الرَّهْنُ مَرْدُودَةً عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ لِلْمُرْتَهِنِ ابْتِدَاءً بِشَهَادَةِ قِيمَةِ الرَّهْنِ فَلَمَّا نَكَلَ عَنْهَا رُدَّتْ عَلَى الرَّاهِنِ وَتَكُونُ يَمِينُهُ فِي الْخَمْسَةِ الْأُخْرَى يَمِينًا غَيْرَ مَرْدُودَةٍ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْمُرْتَهِنِ فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَتْ عَنْهُ الْعَشَرَةُ بِالْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورِينَ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَتْهُ الْخَمْسَةُ الَّتِي رُدَّتْ عَلَيْهِ فِيهَا الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمُ كُلِّ مَنْ نَكَلَ عَنْ يَمِينٍ رُدَّتْ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْخَمْسَةُ الْأُخْرَى فَإِنْ قُلْنَا إنَّ امْتِنَاعَ الْمُرْتَهِنِ أَوَّلًا مِنْ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهَا نُكُولٌ مُؤَثِّرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَ نُكُولِ الْمُدَّعِي وَيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ نُكُولِهِ فَقَدْ سَقَطَتْ عَنْ الرَّاهِنِ؛ لِوُجُودِ نُكُولِ الْمُرْتَهِنِ عَنْ الْيَمِينِ الَّتِي حُكْمُهَا أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ وَلَيْسَ لَهُ حُكْمُ النُّكُولِ إلَّا بَعْدَ نُكُولِ الرَّاهِنِ لِمَا يَلْزَمُ بَيْنَهُمَا مِنْ التَّرْتِيبِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ فَيَسْتَحِقَّهَا أَوْ يَنْكُلَ فَتَبْطُلَ دَعْوَاهُ بِهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا فَقَدْ رَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ قَالَ الرَّاهِنُ أَنَا أَدْفَعُ إلَيْك خَمْسَةَ عَشَرَ وَآخُذُ رَهْنِي فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ عِشْرِينَ

стр. 1598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] دِينَارًا قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: إذَا دَفَعَ الرَّاهِنُ إلَى الْمُرْتَهِنِ قِيمَةَ الرَّهْنِ كَانَ أَوْلَى بِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ: وَهُوَ تَفْسِيرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ قَدْ تَعَلَّقَ بِجَمِيعِ قِيمَةِ الرَّهْنِ عَلَى نَحْوِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَمَّا تَعَلَّقَتْ بِالْعِشْرِينِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مَحَلٌّ مِنْ ذِمَّةِ الرَّاهِنِ كَانَ مَحَلُّهَا الرَّهْنَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا لَوْ زَادَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ بَعْدَ الْيَمِينِ، وَقَبْلَ الْبَيْعِ لَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُرْتَهِنِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِالْعَيْنِ حَتَّى يُعْطَى مَا اسْتَوْجَبَ بِيَمِينِهِ وَذَلِكَ الْعِشْرُونَ دِينَارًا وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ: أَنَّ الْحَقَّ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِقِيمَةِ الرَّهْنِ دُونَ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ دُونَ عَيْنِ الرَّهْنِ فَإِذَا أَعْطَاهُ الرَّاهِنُ الْقِيمَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ كَانَ لَهُ أَخْذُ رَهْنِهِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ عَبْدُوسٍ إنْ شَاءَ الرَّاهِنُ أَنْ يُعْطَى مَا قَالَ الْمُرْتَهِنُ، وَإِلَّا بِعْت الرَّهْنَ وَدَفَعْتُ إلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهِ مَا ذَكَرَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَتَى تُرَاعَى قِيمَةُ الرَّهْنِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي النَّوَادِرِ إنْ كَانَ الرَّهْنُ قَائِمًا فَقِيمَتُهُ يَوْمَ الْحُكْمِ، وَإِنْ هَلَكَ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ قَبْضِهِ وَرَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الرَّهْنَ يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الضَّيَاعِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يَوْمَ الرَّهْنِ فَعَلَى قَوْلِنَا بِاعْتِبَارِ تَضْمِينِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الضَّيَاعِ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ فِي مَبْلَغِ الدَّيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ: أَنَّ الرَّهْنَ إذَا وُجِدَ بِعَيْنِهِ شَهِدَ بِقَدْرِ الدَّيْنِ لِوُجُودِهِ يَوْمَ الْحُكْمِ، وَإِذَا عَدِمَ ضَمِنَ لَقِيمَتِهِ فَكَانَتْ الْقِيمَةُ فِي ذَلِكَ تَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ عِنْدَ وُجُودِهَا. (فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا كَانَ مِمَّا يَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ لِكَوْنِهِ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ إمَّا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ عَلَى يَدِ أَمِينٍ أَوْ قَامَتْ بِضَيَاعِهِ بَيِّنَةٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَا كَانَ الرَّهْنُ قَائِمًا. وَقَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الرَّهْنِ يَكُونُ عَلَى يَدِ أَمِينٍ ثُمَّ يَخْتَلِفُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضَعْ الرَّهْنَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ رَهْنٌ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ الرَّهْنِ يَسْتَوْفِي مِنْهُ الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ فَكَانَ شَاهِدًا بِقَدْرِ الدَّيْنِ كَاَلَّذِي يَضْمَنُ بِالْيَدِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ إلَيْهِ وَلَا مُؤْتَمَنٍ عَلَيْهِ فَلَمْ يَشْهَدْ لِدَيْنِهِ وَهَذَا التَّعْلِيلُ لَا يَمْنَعُ شَهَادَةَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مَعَ بَقَائِهِ وَتَسْلِيمِهِ إلَى الْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ عَلَّلْنَا بِأَنَّ مَا لَا يُضْمَنُ مِنْ الرُّهُونِ وَلَا يُشْهَدُ قِيمَتُهُ عِنْدَ ضَيَاعِهِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ فَإِنَّ عَيْنَهُ لَا تَشْهَدُ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ كَالْوَدِيعَةِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ تَلِفَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِضَيَاعِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَأَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ عَلَى الرَّاهِنِ إلَّا مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ بِقِيمَةِ الرَّهْنِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّهْنَ قَدْ بَطَلَ وَحَلَّ مِنْهُ الرَّهْنُ فَأَشْبَهَ الْمُدَايَنَةَ دُونَ رَهْنٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ يُقَالُ لِلرَّاهِنِ إمَّا أَنْ تُعْطِيَهُ الْعِشْرِينَ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا وَتَأْخُذَ رَهْنَك، وَإِمَّا أَنْ تَحْلِفَ عَلَى الَّذِي زَعَمْتَ أَنَّك رَهَنْته بِهِ وَبَطَلَ عَنْك مَا زَادَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ كَانَ الرَّهْنُ يُسَاوِي مَا قَالَ الْمُرْتَهِنُ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ تَكُنْ الْيَمِينُ إلَّا عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُسَاوِي إلَّا مَا قَالَ الرَّاهِنُ فَأَقَلَّ لَمْ يَحْلِفْ إلَّا الرَّاهِنُ وَحْدُهُ؛ لِأَنَّ يَمِينَ الْمُرْتَهِنِ لَا تَنْفَعُهُ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ الرَّاهِنُ أَوْ أَقَلَّ مِمَّا ادَّعَاهُ الْمُرْتَهِنُ فَهَاهُنَا يَحْلِفَانِ وَيَبْدَأُ الْمُرْتَهِنُ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ شَاهِدٌ لَهُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِ مِنْ الدَّيْنِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الدَّيْنِ فَقَالَ الرَّاهِنُ هُوَ بِمِائَةِ إرْدَبِّ حِنْطَةً وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ إنَّمَا ارْتَهَنْته بِمِائَةِ دِينَارٍ وَقِيمَةُ الرَّهْنِ مِائَةُ دِينَارٍ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ كَانَ قِيمَةُ الْمِائَةِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا الرَّاهِنُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ مِائَةِ دِينَارٍ فَالرَّاهِنُ مُصَدَّقٌ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ فَتُبَاعُ بِهَا الْحِنْطَةُ فَيُوَفَّى، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ فَالْمُرْتَهِنُ مُصَدَّقٌ كَمَا لَوْ صَدَّقَهُ فِي كَثْرَةِ النَّوْعِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ يُقَالُ لِلرَّاهِنِ إمَّا أَنْ تُعْطِيَهُ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ تَأْخُذَ رَهْنَك، وَإِمَّا أَنْ تَحْلِفَ عَلَى

стр. 1599

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ وَتَنَاكَلَا الْحَقَّ فَقَالَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ كَانَتْ لِي فِيهِ عِشْرُونَ دِينَارًا وَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ لَمْ يَكُنْ لَك فِيهِ إلَّا عَشَرَةُ دَنَانِيرَ وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ قِيمَةُ الرَّهْنِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ وَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ قِيمَتُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا قِيلَ لِلَّذِي لَهُ الْحَقُّ صِفْهُ فَإِذَا وَصَفَهُ أُحْلِفَ عَلَى صِفَتِهِ ثُمَّ أَقَامَ تِلْكَ الصِّفَةَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِهَا فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ أُحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَى ثُمَّ يُعْطَى الرَّاهِنُ مَا فَضَلَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِمَّا يَدَّعِي فِيهِ الْمُرْتَهِنُ أُحْلِفَ عَلَى الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ لَهُ فِيهِ ثُمَّ قَاصُّوهُ بِمَا بَلَغَ الرَّهْنُ ثُمَّ أُحْلِفَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَى الْفَضْلِ الَّذِي بَقِيَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ مَبْلَغِ ثَمَنِ الرَّهْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ الرَّهْنُ صَارَ مُدَّعِيًا عَلَى الرَّاهِنِ فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَ عَنْهُ بَقِيَّةُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ مِمَّا ادَّعَى فَوْقَ قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ مَا بَقِيَ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ قِيمَةِ الرَّهْنِ) ــ [المنتقى] الَّذِي قُلْت وَيَبْطُلُ عَنْك مَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ يُرِيدُ أَنَّ يَمِينَهُ تُسْقِطُ عَنْهُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إنْ نَكَلَ لَزِمَ جَمِيعُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ، وَإِنْ كَانَ أَضْعَافُ قِيمَةِ الرَّهْنِ. وَلَوْ نَكَلَ الْمُرْتَهِنُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَحْلِفُ الرَّاهِنُ وَلَا يَغْرَمُ إلَّا مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمُرْتَهِنُ مُضَعِّفًا لِدَعْوَاهُ وَمَا شَهِدَ لَهُ بِهِ الرَّهْنُ وَغَيْرُهُ فَلَمَّا حَلَفَ الرَّاهِنُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غَيْرُ مَا أَقَرَّ بِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الرَّاهِنُ غَرِمَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ وَاضِحٌ فِي أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إنَّمَا يَحْلِفُ أَوَّلًا عَلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، وَلِذَلِكَ إذَا نَكَلَ وَلَمْ تُرَدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينُ بِنُكُولِ الرَّاهِنِ عَنْهَا وَقَدْ جَعَلَ هَذَا الْقَائِلُ مِنْ حُجَّتِهِ مَا قَالَهُ أَنَّ الْيَمِينَ تُرَدُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ سَلِمَ لَهُ قَالَ وَمِنْ عَيْبِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى عِشْرِينَ فَوَجَبَ لَهُ أَخْذُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَيَمِينُ الْمَطْلُوبِ عَلَى الْخَمْسَةِ الزَّائِدَةِ فَنَكَلَ الْمَطْلُوبَ أَلَيْسَ تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الرَّاهِنِ فَيَصِيرُ يَحْلِفُ مَرَّتَيْنِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَحْتَمِلُ قَوْلَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا أَنَّ يَمِينَ الْمُرْتَهِنِ أَوَّلًا قُدِّمَتْ عَلَى مَوْضِعِهَا لِيَسْلَمَ مِنْ تَكْرِيرِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ فَيَسْتَحِقُّ بِهَا وَبِنُكُولِ الرَّاهِنِ بَعْدَهَا مَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ اجْتَمَعَ فِيهِ يَمِينُ الْمُدَّعِي وَنُكُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى بِهِ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ نُكُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ تِلْكَ الْيَمِينَ فِيمَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ لَيْسَتْ لِاسْتِحْقَاقِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِيُحِقَّ الْمُرْتَهِنُ بِهَا دَعْوَاهُ دُونَ أَنْ يَلْزَمَهُ أَوْ يَقْتَضِيَ مِنْهُ فَإِنَّ نُكُولَ الرَّاهِنِ عَنْ الْيَمِينِ فِيمَا يَدَّعِي عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ يَقْتَضِي رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي، وَهُوَ الْمُرْتَهِنُ فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا وَهُوَ يَدَّعِي عِشْرِينَ فَحَلَفَ مَعَ الْعِشْرِينَ مَعَ شَاهِدِهِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْخَمْسَةِ فَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فَيَحْلِفُ فِي الْخَمْسَةِ يَمِينًا ثَانِيَةً يَسْتَحِقُّهَا بِهَا. (فَرْعٌ) وَإِذَا نَكَلَ الْمُرْتَهِنُ أَوَّلًا ثُمَّ نَكَلَ الرَّاهِنُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: حُكْمُهُمَا إذَا نَكَلَا مِثْلُ حُكْمِهِمَا إذَا حَلَفَا لَا يَلْزَمُ الرَّاهِنَ إلَّا قِيمَةُ الرَّهْنِ قَالَ: وَلَا أُلْزِمُ الرَّاهِنَ إذَا نَكَلَ غُرْمَ مَا أَعَادَهُ الْمُرْتَهِنُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَكَلَ لَمْ يَلْزَمْ غُرْمُ مَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ حَتَّى يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى مُدَّعِيهَا فَلَمَّا تَقَدَّمَ نُكُولُهُ عَنْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَيَتَخَرَّجُ مِنْ هَذَا صِحَّةُ مَا تَقَدَّمَ نُكُولُ الْمُدَّعِي قَبْلَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ يَمِينِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَلَا يَبْعُدُ هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ نُكُولِ الْمُرْتَهِنِ وَيَمِينِ الرَّاهِنِ فَلَا يَكُونُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بَيْنَ نُكُولِ الْمُدَّعِي وَنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ يَمِينِهِ تَرْتِيبٌ وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يَكُونُ بَيْنَهُمَا تَرْتِيبٌ وَلِهَذَا تَأْثِيرٌ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، وَأَمَّا إذَا تَلِفَ الرَّهْنُ بَعْدَ نُكُولِ الْمُرْتَهِنِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ: إنَّ الْمُتَرَاهِنَيْنِ إذَا تَنَاكَلَا وَقَدْ ضَاعَ الرَّهْنُ، وَكَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قِيمَةُ الرَّهْنِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ وَدَيْنِي فِيهِ عِشْرُونَ دِينَارًا وَقَالَ الرَّاهِنُ

стр. 1600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] قِيمَةُ الرَّهْنِ عِشْرُونَ دِينَارًا وَدَيْنُك فِيهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْمُرْتَهِنِ صِفْهُ؛ لِأَنَّهُ الْغَارِمُ فَإِذَا وَصَفَهُ حَلَفَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ إذَا كَانَتْ أَدْوَنَ مِنْ الَّذِي ادَّعَاهَا الرَّاهِنُ ثُمَّ قَوَّمَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ تِلْكَ الصِّفَةَ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا الْمُرْتَهِنُ ثُمَّ إنْ كَانَتْ تِلْكَ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ الْعِشْرِينَ الَّتِي ادَّعَاهَا الْمُرْتَهِنُ مِنْ الدَّيْنِ أُحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَى ثُمَّ يُعْطَى الرَّاهِنُ مَا فَضَلَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ عَنْ دَيْنِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا ثَبَتَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ بِإِقْرَارِ الْمُرْتَهِنِ وَيَمِينِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ فَكَانَا سَوَاءً فِي الشَّهَادَةِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أُحْلِفَ الْمُرْتَهِنُ؛ لِيَسْقُطَ عَنْهُ مَا ادَّعَاهُ الرَّاهِنُ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ زَائِدًا عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِمَّا يَدَّعِي فِيهِ الْمُرْتَهِنُ أُحْلِفَ عَلَى الَّذِي يَدَّعِيهِ ثُمَّ قَاصُّوهُ بِذَلِكَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ يُرِيدُ إذَا كَانَ الدَّيْنُ مِنْ جِنْسِ قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ لَا يُعْلَمُ ضَيَاعُهُ إلَّا بِقَوْلِ الْمُرْتَهِنِ، وَكَانَ أَصْلُ الدَّيْنِ مِنْ سَلَمٍ رُوعِيَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ يَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِ الْمُسَلِّمِ وَيَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْ الْمُسَلَّمِ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْأَمْرَانِ جَائِزَيْنِ صَحَّتْ الْمُقَاصَّةُ، وَإِنْ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا امْتَنَعَتْ الْمُقَاصَّةُ مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ دَنَانِيرَ وَرَأْسُ مَالِ الْمُسَلِّمِ دَرَاهِمَ فَلَا يَجُوزُ الْمُقَاصَّةُ؛ لِأَنَّ مَا أَظْهَرَاهُ مِنْ السَّلَمِ مُلْغَى وَمَا آلَ أَمْرُهُمَا إلَى سَلَمِ دَرَاهِمَ فِي دَنَانِيرَ فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ وَرَأْسُ مَالِ السَّلَمِ دَنَانِيرَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ الرَّهْنُ أَكْثَرَ لَمْ تَجُزْ الْمُقَاصَّةُ؛ لِأَنَّ مَآلَ أَمْرِهِمَا إلَى سَلَمِ دَنَانِيرَ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ دَنَانِيرُ الرَّهْنِ مِثْلَ دَنَانِيرَ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ أَوْ أَقَلَّ صَحَّتْ الْمُقَاصَّةُ لِتَبْعُدَ التُّهْمَةُ. (فَرْعٌ) وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ عَرَضًا مِنْ جِنْسِ مَا سَلَّمَ فِيهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ أَجْوَدَ أَوْ أَرْدَأَ لَمْ تَجُزْ الْمُقَاصَّةُ قَبْلَ الْأَجَلِ؛ لِمَا يَدْخُلُهُ مِنْ ضَعْ وَتَعَجَّلْ أَوْ الزِّيَادَةُ لِحَطِّ الضَّمَانِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ عَدَدًا وَجَوْدَةً فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ عَرَضًا مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ لَمْ يَجُزْ أَفْضَلُ جُودَةً وَلَا عَدَدًا وَلَا أَقَلُّ جُودَةً وَعَدَدًا، وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. (فَرْعٌ) وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَرَضًا، وَالرَّهْنُ عَرَضًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ مُيَسَّرٍ: يَجُوزُ أَنْ يَتَقَاصَّا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِقِيمَةِ الرَّهْنِ وَهَذَا أَصْلٌ مُتَنَازَعٌ فِيهِ، وَهَلْ يُرَاعَى فِي ذَلِكَ قِيمَةُ الرَّهْنِ إنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَيْنًا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُيَسَّرٍ: إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ لَمْ يَجُزْ وَيَجُوزُ إنْ كَانَتْ مِثْلَهُ فَأَقَلَّ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِيمَةَ عَيْنٌ مِنْ جِنْسٍ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ فَيَدْخُلُهُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا وَقَدْ أَنْكَرَ هَذَا غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الرَّهْنُ بَاقِيًا فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ سَلَفِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُهُ قَدْ تَلِفَتْ وَلَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ بَعُدَتْ التُّهْمَةُ بَلْ اسْتَحَالَتْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ أُحْلِفَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِيمَا فَضَلَ مِنْ الدَّيْنِ عَنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ الرَّهْنُ مُدَّعٍ فِيمَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ فَإِذَا حَلَفَ سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ ذَلِكَ مَعَ قِيمَةِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَلَفَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ لَمَّا لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ فِي إثْبَاتِ مَا يُقَابِلُ مِنْ دَيْنِهِ قِيمَةَ الرَّهْنِ فَأُضِيفَ إلَيْهَا الْيَمِينُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ زِيَادَةً مِنْ الرَّهْنِ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ وَجُعِلَتْ يَمِينًا وَاحِدَةً لِئَلَّا يَكُونَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي حَقٍّ وَاحِدٍ مَعَ إمْكَانِ إفْرَادِهَا وَجَمْعِهَا لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مَا يُقَوِّي دَعْوَاهُ فِي الزِّيَادَةِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِهَا فَإِنْ حَلَفَ الرَّاهِنُ أَسْقَطَ عَنْ نَفْسِهِ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فَإِنْ نَكَلَ قَوَّى نُكُولُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ يَمِينِ الْمُرْتَهِنِ بِهَا فَحُكِمَ لَهُ بِذَلِكَ وَتَقَدَّمَتْ يَمِينُ الْمُرْتَهِنِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى نُكُولِ الرَّاهِنِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَذَكَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَمِينَيْنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ إحْدَاهُمَا عَلَى الصِّفَةِ وَالثَّانِيَةَ عَلَى إثْبَاتِ الدَّيْنِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُمَا يَلْزَمَانِهِ مُنْفَصِلَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَمِينَ الْأَوَّلَ تَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَجِبَ الثَّانِيَةُ وَلَا يُمْكِنُ النَّظَرُ فِي أَسْبَابِ الثَّانِيَةِ إلَّا بَعْدَ إنْفَاذِ الْيَمِينِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْأُولَى تَجِبُ لِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَلَا تَجِبُ الثَّانِيَةُ

стр. 1601

الْقَضَاءُ فِي كِرَاءِ الدَّابَّةِ وَالتَّعَدِّي بِهَا (ص) : (قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَسْتَكْرِي الدَّابَّةَ إلَى الْمَكَانِ الْمُسَمَّى ثُمَّ يَتَعَدَّى ذَلِكَ الْمَكَانَ وَيَتَقَدَّمُ أَنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ يُخَيَّرُ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ دَابَّتِهِ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَعَدَّى بِهَا إلَيْهِ أُعْطَى ذَلِكَ وَيَقْبِضُ دَابَّتَهُ وَلَهُ الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ أَحَبَّ رَبُّ الدَّابَّةِ فَلَهُ قِيمَةُ دَابَّتِهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي تَعَدَّى مِنْهُ الْمُسْتَكْرِي وَلَهُ الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ إنْ كَانَ اسْتَكْرَى الدَّابَّةَ الْبَدْأَةَ فَإِنْ كَانَ اسْتَكْرَاهَا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا ثُمَّ تَعَدَّى حِينَ بَلَغَ الْبَلَدَ الَّذِي اسْتَكْرَى إلَيْهِ فَإِنَّمَا لِرَبِّ الدَّابَّةِ نِصْفُ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكِرَاءَ نِصْفُهُ فِي الْبَدْأَةِ وَنِصْفُهُ فِي الرَّجْعَةِ فَتَعَدَّى الْمُتَعَدِّي بِالدَّابَّةِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا نِصْفُ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ أَنَّ الدَّابَّةَ هَلَكَتْ حِينَ بَلَغَ بِهَا الْبَلَدَ الَّذِي اسْتَكْرَى إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُسْتَكْرِي ضَمَانٌ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُكْرَى إلَّا نِصْفُ الْكِرَاءِ قَالَ: وَعَلَى ذَلِكَ أَمْرُ أَهْلِ التَّعَدِّي، وَالْخِلَافُ لِمَا أُخِذَ وَالدَّابَّةُ عَلَيْهِ قَالَ: وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَنْ أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا مِنْ صَاحِبِهِ فَقَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ لَا تَشْتَرِ بِهِ حَيَوَانًا وَلَا سِلَعًا كَذَا، وَكَذَا لِسِلَعٍ يُسَمِّيهَا وَيَنْهَاهُ عَنْهَا وَيُكْرَهُ أَنْ يَضَعَ مَالَهُ فِيهَا فَيَشْتَرِي الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَضْمَنَ الْمَالَ وَيَذْهَبَ بِرِيحِ صَاحِبِهِ فَإِذَا صَنَعَ ذَلِكَ فَرَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ إنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِي السِّلْعَةِ عَلَى مَا شَرَطَا بَيْنَهُمَا مِنْ الرِّبْحِ فَعَلَ، وَإِنْ أَحَبَّ لَهُ رَأْسُ مَالِهِ ضَامِنًا عَلَى الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ وَتَعَدَّى قَالَ: وَكَذَلِكَ أَيْضًا الرَّجُلُ يُبْضِعُ مَعَهُ الرَّجُلُ الْبِضَاعَةَ فَيَأْمُرُهُ صَاحِبُ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً بِاسْمِهَا فَيُخَالِفُ فَيَشْتَرِي بِبِضَاعَتِهِ غَيْرَ مَا أَمَرَهُ بِهِ وَيَتَعَدَّى ذَلِكَ فَإِنَّ صَاحِبَ الْبِضَاعَةِ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ إنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ مَا اشْتَرَى بِمَالِهِ أَخَذَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ الْمُبْضِعُ مَعَهُ ضَامِنًا لِرَأْسِ مَالِهِ فَذَلِكَ لَهُ) ــ [المنتقى] بَعْدُ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الرَّهْنِ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ الرَّاهِنُ فَلَا مَعْنَى لِيَمِينِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَلِبُ بِهَا مَنْفَعَةً، وَلَا يُقْضَى لَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يُنْظَرُ فِي الْقِيمَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ يَمِينِ الْمُرْتَهِنِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ صِفَةِ الرَّهْنِ بِيَمِينِ الْمُرْتَهِنِ الَّذِي هُوَ الْغَارِمُ فَإِذَا ثَبَتَتْ الصِّفَاتُ بِيَمِينِهِ قُوِّمَتْ تِلْكَ الصِّفَاتُ فَإِذَا ثَبَتَتْ قِيمَتُهَا، وَكَانَتْ أَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ الرَّاهِنُ اُسْتُحْلِفَ الْمُرْتَهِنُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ ذِكْرَ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْيَمِينُ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورِينَ، وَلَكِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُفَرِّقَهُمَا بَلْ لَهُ أَنْ يَجْمَعَهُمَا فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ لَكِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تُقَوَّمَ الصِّفَةُ الَّتِي يُقِرُّ بِهَا الْمُرْتَهِنُ فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهَا أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ حَلَفَ الْمُرْتَهِنُ يَمِينًا وَاحِدَةً يَنْفِي بِهَا مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ مَا زَادَ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ الرَّاهِنُ وَتَقَدَّمَهَا لِنُكُولِ الرَّاهِنِ فِيمَا ادَّعَاهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الدَّيْنِ زِيَادَةٌ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلُ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ عِنْدِيّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْقَضَاءُ فِي كِرَاءِ الدَّابَّةِ وَالتَّعَدِّي بِهَا] (ش) : قَوْلُهُ فِيمَنْ يَكْتَرِي الدَّابَّةَ إلَى مَكَان مُسَمًّى ثُمَّ يَتَعَدَّاهُ بِالتَّقَدُّمِ أَمَامَهُ فَإِنَّ لِرَبِّ الدَّابَّةِ أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ دَابَّتِهِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تَعَدَّى إلَيْهِ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ وَيَأْخُذُ دَابَّتَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ كَانَتْ لَهُ قِيمَةُ دَابَّتِهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي تَعَدَّى مِنْهُ الْمُكْتَرِي، وَلَهُ الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا تَعَدَّى بِالدَّابَّةِ، وَزَادَ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي اكْتَرَى إلَيْهِ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ التَّعَدِّي، وَلَحِقَهُ الضَّمَانُ، وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرُدَّ

стр. 1602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الدَّابَّةَ الْمُكْتَرِي عَلَى حَالِهَا وَالثَّانِي: أَنْ يَرُدَّهَا وَقَدْ تَغَيَّرَتْ فَإِنْ رَدَّهَا عَلَى حَالِهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ أَمْسَكَهَا فِي تَعَدِّيهِ إمْسَاكًا يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا فَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَمْسَكَهَا يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا يَسِيرَةً فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْيَوْمُ وَشِبْهُهُ قَالَ وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْبَرِيدِ وَالْبَرِيدَيْنِ، وَإِنْ كَانَ اكْتَرَاهَا بِالْأَيَّامِ ثُمَّ أَمْسَكَهَا أَيَّامًا زَائِدَةً عَلَى أَيَّامِ الْكِرَاءِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَهُ الْكِرَاءُ فِي أَيَّامِ التَّعَدِّي مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ قَالَهُ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّابَّةَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا التَّعَدِّي فِي عَيْنٍ وَلَا قِيمَةٍ وَلَا فَوَاتِ أَسْوَاقٍ فَلَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهَا وَعَلَيْهِ قِيمَةُ كِرَائِهَا فِي الْأَيَّامِ الزَّائِدَةِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ حَبَسَهَا الْأَيَّامَ الْكَثِيرَةَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: الشَّهْرُ. وَقَالَ فِي الْوَاضِحَةِ مِثْلُ شَهْرٍ وَنَحْوِهِ. وَقَالَ أَصْبَغُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَيَّامًا كَثِيرَةً كَحَوْلٍ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فَصَاحِبُهَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، وَكِرَاءِ مَا تَعَدَّى بِحَبْسِهَا فِيهِ وَبَيْنَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ وَيُضَمِّنُهُ قِيمَةَ دَابَّتِهِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ غَصَبَهُ مَنَافِعَ الدَّابَّةِ دُونَ الرَّقَبَةِ، وَمِنْ مَنَافِعِهَا بَيْعُهَا فِي أَسْوَاقِهَا، وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ فِيهَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِهَا. (فَرْعٌ) وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَوْ غَصَبَهُ رَقَبَتَهَا وَحَبَسَهَا شَهْرًا أَوْ أَشْهُرًا ثُمَّ رَدَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ تَتَغَيَّرْ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ أَنْ يُلْزِمَهُ قِيمَتَهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ: أَنَّهُ لَمَّا غَصَبَهُ رَقَبَتَهَا سَقَطَتْ عَنْهُ مَنَافِعُهَا لِضَمَانِهِ رَقَبَتِهَا فَإِذَا لَمْ يَغْصِبْهُ رَقَبَتَهَا وَاسْتَخْدَمَهَا جَوْرًا وَظُلْمًا لَزِمَهُ الْكِرَاءُ فِيمَا رَكِبَهَا فِيهِ وَاسْتَخْدَمَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ كِرَائِهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: عَلَيْهِ كِرَاؤُهَا فِيمَا حَبَسَهَا فِيهِ مِنْ عَمَلٍ أَوْ حَبْسٍ بِغَيْرِ عَمَلٍ وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي هَذَا فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ كَانَ مَعَهُ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا فَكَأَنَّهُ رَاضٍ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّهَا، وَكِرَاءِ الْمُدَّةِ الْأُولَى، وَلَهُ فِي بَاقِي الْأَيَّامِ الْأَكْثَرُ مِنْ حِسَابِ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ قِيمَةِ كِرَائِهَا فِيمَا حَبَسَهَا فِيهِ مِنْ عَمَلٍ أَوْ حَبْسٍ بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ عَلَى هَذَا فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ كِرَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقِيمَتَهَا يَوْمَ حَبْسِهَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ إمْسَاكَهَا لَمَّا كَانَ بِغَيْرِ عَقْدِ كِرَاءٍ لَزِمَهُ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِي مِثْلِ مَا حَبَسَهَا فِيهِ كَمَا لَوْ تَعَدَّى بِاسْتِخْدَامِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْجَارٍ وَوَجْهُ قَوْلِ الْغَيْرِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ قَدْ تَغَابَنَ فِيهِ، فَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ فِيهِ غَبْنٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَإِنْ كَانَ الْكِرَاءُ الثَّانِي بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ فَالْمُتَعَدِّي قَدْ رَضِيَ بِهِ حِينَ اسْتَدَامَ الْعَمَلَ بَعْدَهُ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ وَبِنَحْوِ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِرَاءِ الْمِثْلِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا كِرَاءَ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ قَدْ غَصَبَ الْمَنَافِعَ فَكَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا كَالْأَعْيَانِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَهُ الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ إنْ كَانَ اسْتَكْرَى الدَّابَّةَ الْبَدْأَةَ، وَإِنْ كَانَ اسْتَكْرَاهَا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا ثُمَّ تَعَدَّى حِينَ بَلَغَ الْبَلَدَ الَّذِي اسْتَكْرَى إلَيْهِ الدَّابَّةَ مِنْ مِصْرَ إلَى بُرْقَةَ فَلَمَّا بَلَغَ بُرْقَةَ تَعَدَّى عَلَيْهَا فَإِنَّ صَاحِبَ الدَّابَّةِ لَهُ الْكِرَاءُ كُلُّهُ إلَى بُرْقَةَ ثُمَّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْخِيَارُ فِي أَخْذِ قِيمَةِ الدَّابَّةِ مَعَ الْكِرَاءِ إلَى بُرْقَةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نِصْفُهَا لِلْبَدْأَةِ وَنِصْفُهَا لِلْعَوْدَةِ ثُمَّ يَكُونُ الْخِيَارُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا جَعَلَ لَهُ النِّصْفَ فِي الْبَدْأَةِ وَالنِّصْفَ فِي الْعَوْدَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قِيمَتَهُمَا سَوَاءٌ؛ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْمَسَافَةِ، وَهُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِ الْمَسَافَةِ، وَلَوْ اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الْكِرَاءِ عِنْدَ النَّاسِ فِي الْبَدْأَةِ أَوْ الْعَوْدَةِ لَلَزِمَ التَّقْوِيمُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ رَدَّهَا وَقَدْ تَغَيَّرَتْ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ تَغَيَّرَتْ تَغَيُّرًا كَثِيرًا أَوْ هَلَكَتْ فَإِنْ تَغَيَّرَتْ تَغَيُّرًا شَدِيدًا فَفِي الْوَاضِحَةِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ رَدَّ الدَّابَّةَ، وَلَمْ يُمْسِكْهَا إلَّا أَيَّامًا يَسِيرَةً فَلَا شَيْءَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ غَيْرَ كِرَائِهَا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ كِرَائِهَا وَبَيْنَ قِيمَتِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ عَطِبَتْ فِي مُدَّةِ التَّعَدِّي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَالتَّعَدِّي يَكُونُ فِي حَبْسِهَا بِقَدْرٍ مِنْ الْكِرَاءِ، وَيَكُونُ فِي أَنْ يَتَعَدَّى بِهَا مَكَانَ الْكِرَاءِ، وَيَكُونُ

стр. 1603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فِي أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهَا مَا لَمْ تُكْتَرَ لَهُ فَأَمَّا التَّعَدِّي بِتَجَاوُزٍ مِنْ الْكِرَاءِ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَأَمَّا التَّعَدِّي بِتَجَاوُزِ مَسَافَةِ الْكِرَاءِ فَمِثْلُ أَنْ يَكْتَرِيَ دَابَّةً لِلرُّكُوبِ مِنْ مِصْرَ إلَى بُرْقَةَ فَيَرْكَبُهَا إلَى إفْرِيقِيَةَ فَهَذَا حُكْمُهُ فِي طُولِ الْإِمْسَاكِ، وَقَرَّبَهُ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى زَمَنِ الْكِرَاءِ إنْ رَدَّهَا سَالِمَةً فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُجَاوِزْ الْأَمَدَ إلَّا بِالْيَسِيرِ الَّذِي لَا خِيَارَ لِصَاحِبِهَا فِيهِ إذَا سَلِمَتْ فَلَيْسَ لِصَاحِبِهَا إلَّا كِرَاءُ مَا زَادَ وَلَوْ زَادَ كَثِيرًا فِيهِ الْأَيَّامُ الَّتِي تَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِهَا سُوقُهَا مِنْ رَبِّهَا إنْ رَدَّهَا الْمُتَعَدِّي سَالِمَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ عَطِبَتْ فِي الْقَلِيلِ أَوْ الْكَثِيرِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا. (فَرْعٌ) وَلَوْ عَدَلَ عَنْ طَرِيقِهِ الْمِيلَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ وَصَاحِبُ الدَّابَّةِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ قِيمَةِ الدَّابَّةِ وَبَيْنَ كِرَائِهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي زِيَادَةِ الْمِيلِ وَالْمِيلَيْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقِيلَ إنَّهُ ضَامِنٌ وَلَوْ زَادَ خُطْوَةً، وَأَمَّا مَا يَعْدِلُ النَّاسُ إلَيْهِ مِنْ الرَّاحِلَةِ فَلَا يَضْمَنُ فِيهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْعُدُولَ مُعْتَادٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ الْعُدُولِ عَنْ الطَّرِيقِ لِلنُّزُولِ لِرَاحَةٍ وَغِذَاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَيْسَ هَذَا الْعُدُولُ بِتَعَدٍّ. (فَرْعٌ) وَلَوْ لَمْ يَعْطَبْ الْبَعِيرُ إلَّا بَعْدَ أَنْ رَجَعَ إلَى الْمَسَافَةِ الَّتِي اكْتَرَى لَهَا وَخَرَجَ سَالِمًا عَنْ مَسَافَةِ التَّعَدِّي فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَمْ يُجَاوِزْ الْمَسَافَةَ إلَّا بِالْيَسِيرِ مِمَّا لَا خِيَارَ فِيهِ لِصَاحِبِهَا مَعَ السَّلَامَةِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا كِرَاءُ الزِّيَادَةِ، وَأَمَّا إنْ زَادَ زِيَادَةً كَثِيرَةً أَيَّامًا تَتَغَيَّرُ فِيهَا أَسْوَاقُهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا كَمَا لَوْ مَاتَتْ فِي مَسَافَةِ الزِّيَادَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَضْمَنُهَا، وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ يَسِيرَةً. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَهُوَ عِنْدَنَا غَلَطٌ مِنْ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ تَعَدَّى فَتَسَلَّفَ مِنْ وَدِيعَةٍ عِنْدَهُ ثُمَّ رَدَّ فِيهَا مَا تَسَلَّفَهُ ثُمَّ تَلِفَتْ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ فَهَذَا مِثْلُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنَّمَا لَهُ كِرَاءُ مَسَافَةِ التَّعَدِّي عَلَى قِيمَةِ كِرَاءِ مَا تَعَدَّى، وَلَيْسَ عَلَى قَدْرِ مَا تَكَارَى قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَوَجْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ عَمِلَ بِدَابَّتِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ وَلَا عَقْدٍ بِقَدْرِ أُجْرَةِ الْعَمَلِ فَلَزِمَهُ كِرَاءُ مِثْلِهِ، أَصْلُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ بَيْنَهُمَا عَقْدُ كِرَاءٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا التَّعَدِّي فِي الْحَمْلِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الزِّيَادَةُ فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ وَالثَّانِي: حَمْلُ غَيْرِ ذَلِكَ الْجِنْسِ فَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ اكْتَرَى بَعِيرًا لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَحَدَ عَشَرَ قَفِيزًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي عَطَبِ الْبَعِيرِ إذَا كَانَ الْقَفِيزُ يَسِيرًا لَا تَعْطَبُ مِنْهُ الدَّابَّةُ. وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا أَرْطَالًا مُسَمَّاةً فَيَحْمِلَ أَكْثَرَ مِنْهَا فَعَطِبَتْ: إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ يُعْطَبُ مِنْ مِثْلِهَا فَلِصَاحِبِ الدَّابَّةِ الْكِرَاءُ، وَكِرَاءُ الزِّيَادَةِ أَوْ قِيمَةُ الدَّابَّةِ يَوْمَ التَّعَدِّي دُونَ الْكِرَاءِ فَخُيِّرَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يُعْطَبُ مِنْ مِثْلِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ، وَكِرَاءُ مَا تَعَدَّى فِيهِ وَقَالَ سَحْنُونٌ: إنْ زَادَ فِي الْحَمْلِ وَلَوْ رَطْلًا وَاحِدًا ضَمِنَ. (فَرْقٌ) قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الزِّيَادَةِ فِي الْمَسَافَةِ أَنَّ مُجَاوَزَةَ الْمَسَافَةِ تَعَدٍّ كُلُّهُ فَلِذَلِكَ ضَمِنَهَا فِي قَلِيلِهِ، وَكَثِيرِهِ، وَزِيَادَةُ الْحَمْلِ إذَا اجْتَمَعَ فِيهِ تَعَدٍّ، وَإِذْنٌ فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ يُعْطَبُ مِنْ مِثْلِهَا ضَمِنَ، وَإِلَّا لَمْ يَضْمَنْ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا أَنَّ لَهُ كِرَاءَ الزِّيَادَةِ إنْ شَاءَ فَفِي قَوْلِ مَالِكٍ لَهُ أَجْرُ مِثْلِ الْقَفِيزِ الزَّائِدِ مَا بَلَغَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلُ قَفِيزٍ مِنْ الْعَشَرَةِ الَّتِي اكْتَرَى عَلَيْهَا يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْقَفِيزُ الزَّائِدُ مِنْ سِعْرِهِ مَا أَكْرَى مِنْهُ الْعَشَرَةَ الْأَقْفِزَةَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا غَبَنَ صَاحِبَهُ فِي عَقْدِ الْكِرَاءِ، وَإِنَّمَا لَهُ قِيمَةُ كِرَاءِ مِثْلِهِ مَا بَلَغَتْ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ عَقْدٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ مُرَاعَاةَ أُجْرَةِ حَمْلِهِ زَائِدًا عَلَى حَمْلِ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَضَرَّ مِنْ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ حَمَلَ غَيْرَ الْجِنْسِ الَّذِي اتَّفَقَ مَعَهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ مَضَرَّتُهُ كَمَضَرَّةِ مَا تَكَارَى عَلَيْهِ أَوْ أَشَدَّ فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ مَضَرَّتِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَتَعَيَّنُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا بِجِنْسِ الْمَضَرَّةِ، وَلَوْ اكْتَرَى رَجُلٌ مِنْ حَمَّالٍ عَلَى حَمْلٍ بِعَيْنِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُبْدِلَهُ بِمِثْلِهِ مِمَّا مَضَرَّتُهُ مِثْلُ مَضَرَّتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ بَدَلُهُ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ ضَرَرًا

стр. 1604

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مِنْهُ فَالْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ مَا يَضْغَطُ بِثِقَلِهِ جَانِبَيْ الدَّابَّةِ وَيَضُرُّ بِهَا أَوْ الْجَفَاءُ وَعِظَمُ الْحَمْلِ الَّذِي يَجْفُو عَلَى الدَّابَّةِ وَيَضُرُّ بِهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَإِنْ كَانَ اكْتَرَى عَلَى حَمْلٍ وَحَمَلَ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ فِي الْمَضَرَّةِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فِيمَنْ اكْتَرَى بَعِيرًا لِحَمْلِ خَمْسِمِائَةِ رَطْلِ بُرٍّ فَحَمَلَ عَلَيْهِ بِوَزْنِهِ ذَهَبًا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَضَرَّ بِالْبَعِيرِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَهُ أَنْ يُكْرِيَهُ مِمَّنْ يَحْمِلُ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ خِلَافَ مَا سَمَّى فَيَحْمِلُ الْقُطْنَ بِوَزْنِ مَا سَمَّى مِنْ الْبُرِّ، وَلَا يَحْمِلُ بِوَزْنِهِ مَا هُوَ أَضُرُّ مِنْهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْأَحْمَالِ وَأَمَّا الرَّاكِبُ فَقَدْ يَخْتَلِفُ حَالُهُ بِاخْتِلَافِ أَخْلَاقِ النَّاسِ مَعَ تَسَاوِي أَجْسَامِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ فِيهِ رِفْقٌ وَمِنْهُمْ مَنْ فِيهِ عُنْفٌ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُكْرِيَ الرَّجُلُ دَابَّةً فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا غَيْرَهُ فَقَدْ يَكُونُ الرَّاكِبُ أَخَفَّ مِنْ الْمُكْتَرِي وَلَعَلَّهُ أَخْرَقَ فِي الرُّكُوبِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا مَنْ هُوَ فِي مِثْلِهِ فِي الثِّقَلِ وَالْحَالِ وَالرُّكُوبِ لَمْ يَضْمَنْ وَلَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يَقِفُ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا وَقَوْلُهُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا مِنْ مِثْلِهِ فِي حَالِهِ وَخِفَّتِهِ فَإِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا مَنْ هُوَ أَثْقَلُ مِنْهُ أَوْ غَيْرُ مَأْمُونٍ فَهُوَ ضَامِنٌ وَالْخِلَافُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ إنَّمَا هُوَ عِنْدِي فِي ابْتِدَاءِ الْكِرَاءِ فَقَدْ اسْتَثْقَلَ مَالِكٌ لِمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِرُكُوبِهِ أَنْ يُكْرِيَهَا مِنْ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَمُوتَ أَوْ يُقِيمَ فَقَدْ جَوَّزَهُ مَالِكٌ أَيْضًا، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي الْأَحْمَالِ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ مَعَهَا صَاحِبُهَا يَتَوَلَّى سَوْقَهَا وَالْحَمْلَ عَلَيْهَا وَالْحَطَّ عَنْهَا فَأَمَّا إنْ كَانَ يُسَلِّمُهَا إلَى الْمُكْتَرِي فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ الْكِرَاءِ مِنْ غَيْرِهِ لِاخْتِلَافِ سَوْقِ النَّاسِ وَرِفْقِهِمْ وَحِيَاطَتِهِمْ وَتَضْيِيعِهِمْ لَهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَرَادَ مَنْ اكْتَرَى شَقَّ مَحْمَلٍ أَنْ يُعَقِّبَ آخَرَ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ لِلْجَمَّالِ مَنْعُهُ قَالَ أَصْبَغُ إنْ أَعْقَبَ رَاكِبًا مُرِيحًا فَذَلِكَ، وَإِنْ أَعْقَبَ مَاشِيًا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ أَضَرَّ وَأَثْقَلَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ مَنْ أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا فَقَالَ إنَّ رَبَّ الْمَالِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِي السِّلْعَةِ عَلَى مَا شَرَطَا أَوْ يَكُونَ لَهُ رَأْسُ مَالِهِ يَضْمَنُهُ الْمُتَعَدِّي، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَظْهَرَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَ مَا اشْتَرَى أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ ظَهَرَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الْبَيْعِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ: يُبَاعُ عَلَيْهِ مَا نَهَى عَنْ شِرَائِهِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ فَهُوَ عَلَى الْقِرَاضِ، وَإِنْ كَانَ نُقْصَانٌ ضَمِنَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَبُّ الْمَالِ ضَمَّنَهُ جَمِيعَ الثَّمَنِ وَتَرَكَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَمْضَى ذَلِكَ لَهُ عَلَى الْقِرَاضِ فَجَعَلَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعَجِّلَ بَيْعَ السِّلْعَةِ فَيَكُونُ رِبْحُهَا عَلَى الْقِرَاضِ وَخَسَارَتُهَا عَلَى الْعَامِلِ الْمُتَعَدِّي وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُعَجِّلَ تَضْمِينَهُ إيَّاهَا وَيَأْخُذَ مِنْهُ الْمَالَ الَّذِي سَلَّمَهُ إلَيْهِ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَبْقَى ذَلِكَ عَلَى الْقِرَاضِ وَذَكَرَ فِي أَصْلِ الْمُوَطَّأِ وَجْهَيْنِ التَّضْمِينَ أَوْ الْإِبْقَاءَ عَلَى حُكْمِ الْقِرَاضِ الَّذِي كَانَا عَقَدَاهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إنَّمَا هُوَ فِي تَعْجِيلِ الْبَيْعِ، وَأَنَّهُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ لِمَا ظَهَرَ مِنْ تَعَدِّي الْعَامِلِ، وَلَوْ اشْتَرَى مَا أُمِرَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَيْهِ تَعْجِيلُ بَيْعٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: إنَّ رَبَّ الْمَالِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِي السِّلْعَةِ عَلَى مَا شَرَطَا بَيْنَهُمَا مِنْ الرِّبْحِ يُرِيدُ إنْ كَانَا شَرَطَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا الرِّبْحُ بِنِصْفَيْنِ فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَا الْأَقَلَّ لِأَحَدِهِمَا وَالْأَكْثَرَ لِلْآخَرِ كَالثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْزَاءِ فَإِنْ أَحَبَّ صَاحِبُ الْمَالِ أَنْ يُقِرَّ السِّلْعَةَ عَلَى الْقِرَاضِ فَإِنَّمَا يُقِرُّهَا عَلَى الْأَجْزَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ حَتَّى بَاعَ السِّلْعَةَ فَفِي الْوَاضِحَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمَالَ عَلَى الْقِرَاضِ فَإِنْ بِيعَتْ بِنَقْصٍ ضَمِنَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ رِبْحٌ فَهُوَ عَلَى شَرْطِهِمَا فِي الْقِرَاضِ، وَإِنْ كَانَتْ وَضِيعَةً ضَمِنَهُ الْعَامِلُ الْمُتَعَدِّي؛ لِأَنَّهَا لَمَّا بِيعَتْ بِمِثْلِ الْعَيْنِ الَّذِي

стр. 1605

الْقَضَاءُ فِي الْمُسْتَكْرَهَةِ مِنْ النِّسَاءِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَضَى فِي امْرَأَةٍ أُصِيبَتْ مُسْتَكْرَهَةً بِصَدَاقِهَا عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهَا قَالَ يَحْيَى: سَمِعَتْ مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَغْتَصِبُ الْمَرْأَةَ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا أَنَّهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً فَعَلَيْهِ صَدَاقُ مِثْلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا وَالْعُقُوبَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُغْتَصِبِ وَلَا عُقُوبَةَ عَلَى الْمُغْتَصَبَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُغْتَصِبُ عَبْدًا فَذَلِكَ عَلَى سَيِّدِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُسْلِمَهُ) ــ [المنتقى] هُوَ رَأْسُ مَالِ الْقِرَاضِ ظَهَرَ الرِّبْحُ فِيهِ وَالْوَضِيعَةُ، فَلِرَبِّ الْمَالِ حِصَّتُهُ مِنْ الرِّبْحِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ وَعَلَى الْعَامِلِ جَمِيعُ الْوَضِيعَةِ؛ لِأَنَّهَا بِسَبَبِ تَعَدِّيهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ نَهَاهُ عَنْ الْعَمَلِ بِالْمَالِ وَهُوَ عَيْنٌ بَعْدُ فَعَمِلَ بِهِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الرِّبْحَ لِلْعَامِلِ وَالْوَضِيعَةَ عَلَيْهِ كَالْوَدِيعَةِ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ مَا لَمْ يُقِرَّ أَنَّهُ اشْتَرَى السِّلْعَةَ بِاسْمِ الْقِرَاضِ فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا فَالرِّبْحُ عَلَى شَرْطِ الْقِرَاضِ، وَلَا يُخْرِجُهُ مَا لَمْ يُفَوِّتْ بِذَلِكَ غَرَضًا فَإِنْ فَوَّتَ غَرَضًا كَانَ لِصَاحِبِهِ فِيهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يُبْضِعُ مَعَهُ لِيَشْتَرِيَ سِلْعَةً مُسَمَّاةً فَيَشْتَرِيَ غَيْرَهَا فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْبِضَاعَةِ أَنْ يَأْخُذَ مَا اشْتَرَى بِمَالِهِ أَوْ يُضَمِّنَهُ إيَّاهُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُبْضِعَ مَعَهُ قَدْ تَعَدَّى عَلَى الْبِضَاعَةِ وَمَنَعَ صَاحِبَهَا غَرَضَهُ مِنْهَا وَأَرَادَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالِانْتِفَاعِ بِهَا دُونَ صَاحِبِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَعْلَمَ بِتَعَدِّيهِ قَبْلَ بَيْعِ مَا اشْتَرَى بِهِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ فَإِنَّهُ عَلَى مَا قَالَ يُخَيَّرُ رَبُّ الْبِضَاعَةِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ السِّلْعَةَ الَّتِي ابْتَاعَ الْمُبْضِعُ مَعَهُ بِمَالٍ وَبَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ ثَمَنَهَا، وَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ بَعْدَمَا بَاعَ الْمُبْضِعُ مَعَهُ السِّلْعَةَ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الرِّبْحَ لِلْمُبْضِعِ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ الْبِضَاعَةَ قَالَ عِيسَى أَمَرَنِي ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ أَضْرِبَ عَلَيْهَا وَأُوقِفَهَا وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي ثَمَنِهَا رِبْحٌ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْبِضَاعَةِ، وَإِنْ كَانَ نَقْصٌ فَعَلَى الْمُبْضِعِ مَعَهُ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ جِنْسٍ مَخْصُوصٍ فَإِذَا فَاتَ ذَلِكَ بِشِرَائِهِ مَا اشْتَرَى لِنَفْسِهِ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمُبْضِعِ مَعَهُ إلَّا الِاسْتِبْدَادُ بِتِلْكَ الْمَنْفَعَةِ كَالْوَدِيعَةِ وَبِهَذَا خَالَفَ الْعَامِلَ فِي الْقِرَاضِ فَإِنْ قَصَدَ رَبُّ الْمَالِ الرِّبْحَ فَلَمَّا خَالَفَهُ الْعَامِلُ أَرَادَ الِاسْتِبْدَادَ بِالرِّبْحِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ رَبَّ الْبِضَاعَةِ قَدْ أَمَرَهُ بِتَصْرِيفِهَا فِي وَجْهٍ مَخْصُوصٍ فَإِذَا تَعَدَّى عَلَى الْبِضَاعَةِ وَأَرَادَ الِانْفِرَادَ بِالِانْتِفَاعِ بِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ كَمَالِ الْقِرَاضِ وَبِهَذَا يُخَالِفُ الْوَدِيعَةَ فَإِنَّ الْوَدِيعَةَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِتَصْرِيفِهَا لَهُ فِي مَعْنَى مِنْ الْمَعَانِي، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا وَهَذَا الْغَرَضُ لَا يَفُوتُهُ بِتَصْرِيفِهَا فِيمَا اشْتَرَى بِهِ لِنَفْسِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْوَدِيعَةِ أَخْذُ مَا اشْتَرَى بِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ بَاعَ الْمُبْضِعُ مَعَهُ مَا اشْتَرَى بِالْبِضَاعَةِ ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَكَانِهَا أَوْ اشْتَرَى بِهَا مَا أَمَرَهُ بِهِ فَتَلِفَ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِرَدِّهَا. وَقَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَيْسَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَى الْمُبْضِعُ مَعَ سِلَعِهِ لِنَفْسِهِ بِالْبِضَاعَةِ مَا بَاعَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أُمِرَ بِالشِّرَاءِ فِيهِ وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَلَمْ يَفُتْ الشِّرَاءُ فَكَانَ لِهَذِهِ الْبِضَاعَةِ حُكْمُ الْوَدِيعَةِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَسَلَّفَهَا وَصَيَّرَهَا فِي ضَمَانِهِ فَلَمَّا رَدَّهَا قَبْلَ فَوَاتِ مَا أُمِرَ بِهِ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي حَاجَتِهِ إلَى الْبَيِّنَةِ فِي رَدِّ ذَلِكَ إلَى حَالِ الْوَدِيعَةِ وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي الْوَدِيعَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. [الْقَضَاءُ فِي الْمُسْتَكْرَهَةِ مِنْ النِّسَاءِ] (ش) : الْمُسْتَكْرَهَةُ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَلَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا عَلَى مَنْ اسْتَكْرَهَهَا وَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ مَذْهَبُ اللَّيْثِ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ -

стр. 1606

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: عَلَيْهِ الْحَدُّ دُونَ الصَّدَاقِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْحَدَّ وَالصَّدَاقَ حَقَّانِ أَحَدُهُمَا لِلَّهِ وَالثَّانِي لِلْمَخْلُوقِ فَجَازَ أَنْ يَجْتَمِعَا كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَرَدِّهَا قَالَ مَالِكٌ: وَسَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً أَوْ صَغِيرَةً افْتَضَّهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ افْتَضَّهَا بِأُصْبُعِهِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ افْتَضَّ بِكْرًا بِأُصْبُعِهِ وَهِيَ صَغِيرَةٌ أَوْ كَبِيرَةٌ أَنَّهَا كَالْجَائِفَةِ وَفِي ذَلِكَ ثُلُثُ دِيَتِهَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحَبُّ مَا فِيهِ إلَيَّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى قَدْرِ مَا نَقَصَهَا ذَلِكَ عِنْدَ الْأَزْوَاجِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مَهْرُ مِثْلِهَا بِكْرًا مِائَةً وَمَهْرُ مِثْلِهَا ثَيِّبًا خَمْسُونَ فَيُؤَدِّي مَا نَقَصَ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ؛ لِأَنَّهُ جُرْحٌ وَلَيْسَ بِوَطْءٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ الَّذِي افْتَضَّهَا صَبِيًّا فَافْتَضَّ صَغِيرَةً بِذَكَرِهِ أَوْ أُصْبُعِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: فِيهِ فِي قَوْلِنَا الِاجْتِهَادُ بَعْدَ رَأْيِ الْإِمَامِ وَرَأْيِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَقَدْ حَكَمَ فِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بِأَرْبَعِينَ دِينَارًا وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ جُرْحٌ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَشِينُ وَيُزَهِّدُ فِي الْمَرْأَةِ، وَإِنْ لَمْ يَشِنْ الْجَسَدَ فَلِذَلِكَ صُرِفَ الْأَمْرُ فِيهِ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ النِّسَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ لَا تُمَيِّزُ وَصَغِيرَةٍ تُمَيِّزُ فَأَمَّا الْكَبِيرَةُ فَهَذَا حُكْمُهَا إنْ أُكْرِهَتْ وَأَمَّا إنْ أَمْكَنَتْ مِنْ نَفْسِهَا فَعَلَيْهَا الْحَدُّ وَلَا شَيْءَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا أَبَاحَتْ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهَا، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ الَّتِي تُمَيِّزُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْ أَشْهَبَ فِي الصَّبِيَّةِ تُمَكِّنُ مِنْ نَفْسِهَا رَجُلًا فَيَطَؤُهَا فَإِنْ كَانَ مِثْلُهَا يُخْدَعُ فَلَهَا الصَّدَاقُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهَا لَا يُخْدَعُ فَلَا صَدَاقَ لَهَا، وَإِنْ لَمْ تَحِضْ. (مَسْأَلَةٌ) : وَبِمَاذَا يَثْبُتُ الْإِكْرَاهُ إنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً بِهِ فَهُوَ أَقْوَى مَا فِيهِ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَا يَثْبُتُ هَذَا إلَّا بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ أَنَّهُ زَنَا بِهَا مُكْرَهَةً فَهَذَا الَّذِي يَلْزَمُهُ الصَّدَاقُ لَهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِمْ، وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَوْ دُونَ أَرْبَعَةٍ لَحُدُّوا بِالْقَذْفِ قَالَ أَصْبَغُ: لِأَنَّهُمَا قَطَعَا عَلَيْهِ بِالْوَطْءِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَلَكِنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ أَدْخَلَهَا مَنْزِلَهُ غَصْبًا فَغَابَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ أَصَابَنِي فَقَالَ قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَهَا الصَّدَاقُ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهَا وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى الشَّاهِدِينَ وَوَجْهُ ذَلِكَ قُوَّةُ الْأَمْرِ بِالْبَيِّنَةِ تَشْهَدُ بِاحْتِمَالِهَا مُكْرَهَةً وَالْمَغِيبُ عَلَيْهَا ثُمَّ مَا بَلَّغَتْهُ مِنْ فَضِيحَتِهَا فَقَوَّى ذَلِكَ دَعْوَاهَا وَاسْتَحَقَّتْ بَيِّنَتُهَا صَدَاقَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) فَإِنْ نَظَرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ فَأَلْفَيْنَهَا بِكْرًا فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ قَالَ أَمَّا أَشْهَبُ فَلَمْ يَرَ لَهَا شَيْئًا قَالَ أَصْبَغُ وَقَدْ قِيلَ لَهَا ذَلِكَ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ بِالْبَكَارَةِ تَبْطُلُ مَا ادَّعَتْهُ مِنْ إصَابَتِهِ إيَّاهَا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ النِّسَاءَ فِيمَا فِي أَرْحَامِهِنَّ مُؤْتَمَنَاتٌ وَالْحَرَائِرُ لَا يُنْظَرُ إلَيْهِنَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : فَإِنْ لَمْ يَشْهَدَا لَهَا بِالْإِكْرَاهِ، وَلَا بِاحْتِمَالِهَا وَالْمَغِيبِ عَلَيْهَا وَلَكِنْ جَاءَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهِ وَهِيَ تَدْمَى إنْ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ لَا تَدْمَى إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا وَقَدْ فَضَحَتْ نَفْسَهَا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَغَيْرِهِ لَا تُحَدُّ هِيَ لِمَا رَمَتْهُ بِهِ وَلَمْ يُفَصِّلْ وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثُ مَسَائِلَ إحْدَاهَا أَنْ لَا تَدْمَى وَيَكُونَ الْمَقْذُوفُ صَالِحًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: عَلَيْهَا حَدُّ الْقَذْفِ قَوْلًا وَاحِدًا وَالثَّانِيَةَ: أَنْ تَكُونَ تَدْمَى فَهَذِهِ فِيهَا رِوَايَتَانِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ تُحَدُّ وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ مَالِكٍ لَا حَدَّ عَلَيْهَا وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَدَّعِيَ عَلَى رَجُلٍ صَالِحٍ فَهَذَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ رَوَاهَا ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ. فَوَجْهُ صَرْفِ الْحَدِّ عَنْهَا أَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ إلَى أَنْ تُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهَا بِمَا جَنَى عَلَيْهَا مَخَافَةَ أَنْ يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ وَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْهَا إلَّا بِالتَّعَلُّقِ بِهِ أَوْ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَلِيقُ ذَلِكَ بِهِ فَلَمَّا كَانَتْ مُضْطَرَّةً إلَى صَرْفِ الرَّجْمِ وَالْجَلْدِ عَنْ نَفْسِهَا كَانَتْ كَالرَّجُلِ يَقْذِفُ زَوْجَتَهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ لَمَّا كَانَ مُضْطَرًّا إلَى ذَلِكَ لِحِمَايَةِ نَسَبِهِ، وَكَانَ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ اللِّعَانِ يُقَوِّي دَعْوَاهُ وَيَصْرِفُ الْحَدَّ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَا تُبَلِّغُهُ

стр. 1607

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْمَرْأَةُ مِنْ فَضِيحَةِ نَفْسِهَا يُقَوِّي دَعْوَاهَا وَيَصْرِفُ الْحَدَّ عَنْهَا وَلَهَا مَعَ ذَلِكَ مَعْنَيَانِ يُقَوِّيَانِ دَعْوَاهَا أَحَدُهُمَا التَّعَلُّقُ بِهِ، وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ دَامِيَةً فَإِنْ اجْتَمَعَ لَهَا ذَلِكَ فَقَدْ أَتَتْ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مِنْ جِهَتِهَا فِي تَقْوِيَةِ دَعْوَاهَا فَإِنْ قَامَ ذَلِكَ مَعَ صَلَاحِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثَبَتَ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَجْهُ إثْبَاتِ الْحَدِّ عَلَيْهَا: أَنَّ صَلَاحَهُ الْمَشْهُورَ يَشْهَدُ لَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ خُلُوِّهِ بِهَا عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي مِنْهُ مَا يَشْهَدُ لَهَا، وَكُلُّ مَوْضِعٍ تَشْهَدُ فِيهِ الْخَلْوَةُ بِالْوَطْءِ فَإِنَّهُ لَا تَقُومُ مَقَامَهُ الدَّعْوَى كَخَلْوَةِ الزَّوْجِ بِالزَّوْجَةِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي بِنَفْيِ الْحَدِّ عَنْهَا مَا يَظْهَرُ بِهَا مِنْ الدَّمِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِ مَا حَلَّ بِهَا مَعَ تَعَلُّقِهَا بِهِ وَهَذِهِ مَعَانٍ ظَاهِرَةٌ فِيمَا تَدْعِيهِ مِنْ الظُّلْمِ لَهَا مَعَ أَنَّ هَذَا غَايَةُ مَا يُمْكِنُهَا وَضَرُورَةُ صَرْفِهَا إلَى حَدِّ الزِّنَا عَنْهَا إنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَهَذَا عِنْدِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الثَّيِّبِ الَّتِي لَا تَدْمَى؛ لِأَنَّهَا مُحْتَاجَةٌ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي صَرْفِ حَدِّ الزِّنَا عَنْهَا بِمَا تَتَوَقَّعُهُ مِنْ ظُهُورِ الْحَمْلِ بِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَرْعٌ) وَإِذَا كَانَ مُتَّهَمًا فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ، وَلَا تُحَدُّ هِيَ إذَا كَانَتْ بِكْرًا تَدْمَى سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ أَوْ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ ابْتِدَاءَهَا بِالتَّشَكِّي مَعَ مَا يَصْدُقُ مِنْ ظُهُورِ دَمِهَا يُقَوِّي دَعْوَاهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا لِإِقْرَارِهَا بِمُجَامَعَةِ الرَّجُلِ لَهَا، وَلَوْ ظَهَرَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ حَمْلٌ؛ لِأَنَّ مَا بَلَغَتْهُ مِنْ فَضِيحَةِ نَفْسِهَا بِالِاسْتِغَاثَةِ وَالتَّشَكِّي مِمَّا جَنَى عَلَيْهَا شُبْهَةٌ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْهَا فِي الْقَذْفِ فَبِأَنْ يَسْقُطَ عَنْهَا فِي حُقُوقِ الْبَارِي - تَعَالَى - أَوْلَى. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ حَلَفَتْ حَدُّ الزِّنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الْبَارِي فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَعَلَيْهِ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا الْأَدَبُ، رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ يُعْرَفْ بِسَفَهٍ وَلَا حِلْمٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ كَانَ مُتَّهَمًا أُدِّبَ أَدَبًا وَجِيعًا كَانَتْ تَدْمَى أَوْ لَا تَدْمَى قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا أَدَبَ وَلَا عِقَابَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا أَوْ لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونَ وَأَشْهَبُ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِهِ فَلَا صَدَاقَ لَهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا صَدَاقَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الدَّعَارَةِ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ أَنَّهُ احْتَمَلَهَا وَخَلَا بِهَا فَيَكُونُ لَهَا الصَّدَاقُ إذَا حَلَفَتْ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ وُجُوبَ الصَّدَاقِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعْوَاهَا مَعَ مَا بَلَّغَتْهُ مِنْ فَضِيحَةِ نَفْسِهَا، وَأَمَّا الْخُلُوُّ بِهَا فَغَيْرُ مُوجِبٍ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَلَا بِهَا وَلَمْ تَدَّعِ إصَابَةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ صَدَاقٌ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مَا يُقَوِّي دَعْوَاهَا، وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْهَا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى فَلَا تَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ صَدَاقًا كَمَا لَوْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الزَّوْجِ الْإِصَابَةَ دُونَ ثُبُوتِ الْخَلْوَةِ فَلَا يَجِبُ لَهَا صَدَاقٌ وَلَوْ ادَّعَتْهُ مَعَ ثُبُوتِ الْخَلْوَةِ لَوَجَبَ لَهَا الصَّدَاقُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يُشْتَرَطُ يَمِينُهَا فِي اسْتِحْقَاقِهَا الصَّدَاقَ؟ أَصْحَابُ مَالِكٍ يَقُولُونَ لَا يَجِبُ لَهَا الصَّدَاقُ إلَّا بِيَمِينِهَا وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ إذَا أَتَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهِ فَلَهَا الصَّدَاقُ بِلَا يَمِينٍ سَوَاءٌ كَانَتْ بِكْرًا تَدْمَى أَوْ ثَيِّبًا لَا تَدْمَى وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ دَعْوَاهَا قَوِيَتْ بِمَا قَارَنَهَا فَلَا تَسْتَحِقُّ بِهَا شَيْئًا إلَّا بِيَمِينِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ دَعْوَاهَا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ مَا بَلَّغَتْ بِنَفْسِهَا لَمَّا أَسْقَطَ عَنْهَا حَدَّ الْقَذْفِ وَحَدَّ الزِّنَى أَوْجَبَ لَهَا الصَّدَاقَ كَالْبَيِّنَةِ بِمَا قَارَنَهَا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ حُرَّةً فَلَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْحُرَّةِ وَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي الْأَمَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ فَإِنْ أَكْرَهَهَا فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا وَيُرِيدُ بِالثَّمَنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْقِيمَةَ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْأَمَةِ الْفَارِهَةِ تَتَعَلَّقُ بِرَجُلٍ تَدَّعِي أَنَّهُ غَصَبَهَا نَفْسَهَا قَالَ الصَّدَاقُ عَلَيْهِ لِمَا بَلَّغَتْ مِنْ فَضِيحَةِ نَفْسِهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ عَلَيْهَا كَانَتْ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا قَالَ يُرِيدُ فِي عَدَمِ مَا نَقَصَهَا فِي الْحَدِّ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي إلْزَامِهِ نَقَصَ الْأَمَةِ

стр. 1608

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَصَدَاقَ الْحُرَّةِ بِهَذَا. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ طَاوَعَتْهُ الْأَمَةُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الصَّدَاقَ حَقٌّ لِلسَّيِّدِ فَلَا يَسْقُطُ بِإِبَاحَةِ الْأَمَةِ كَمَا لَوْ أَبَاحَتْ لَهُ قَطْعَ يَدِهَا وَوَجْهُ قَوْلِ الْغَيْرِ أَنَّهَا مَحْجُورٌ عَلَيْهَا فَبِإِبَاحَتِهَا الْوَطْءَ سَقَطَ الْمَهْرُ كَالْبِكْرِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَالْعُقُوبَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُغْتَصِبِ، وَلَا عُقُوبَةَ عَلَى الْمُغْتَصَبَةِ يُرِيدُ عَلَى الْمُغْتَصِبِ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَرْأَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَا عُقُوبَةَ عَلَى الْمُغْتَصَبَةِ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَةَ فِي الزِّنَى لَا حَدَّ عَلَيْهَا وَأَمَّا الْمُكْرَهُ عَلَى أَنْ يَزْنِيَ فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَسَحْنُونٌ: لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ هُدِّدَ بِالْقَتْلِ فَإِنْ فَعَلَ حُدَّ قَالَ سَحْنُونٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَشِرُ لِذَلِكَ إلَّا بِلَذَّةٍ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَالظَّاهِرُ عِنْدِي خِلَافُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَهِي الْإِنْسَانُ الْخَمْرَ وَأَخْذَ مَالِ غَيْرِهِ وَيَمْتَنِعُ مِنْهُ لِلَّهِ - تَعَالَى - فَإِذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ لَمْ يَفْعَلْهُ لِالْتِذَاذِهِ بِهِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ لِلْإِكْرَاهِ وَلَا يَمْلِكُ الْإِنْسَانُ أَنْ لَا يَنْتَشِرَ، وَلَوْ مَلَكَهُ وَفَعَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ تَجَرُّعِهِ الْخَمْرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَهِيهِ وَيَمْتَنِعُ مِنْهُ لِلَّهِ - تَعَالَى - فَإِذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ فِعْلُهُ وَلَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ الْتِذَاذُهُ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ مَا يُوجِبُ الْقَتْلَ مِنْ الْأَفْعَالِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ يُوجِبُهُ مَعَ الْإِكْرَاهِ كَقَتْلِ الْمُسْلِمِ وَلَا يَلْزَمُهُ عَلَى هَذَا الْكُفْرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَمَّا فِي نَفْسِهِ فَإِذَا كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ فَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ كَذِبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْمُغْتَصِبُ عَبْدًا فَذَلِكَ عَلَى سَيِّدِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُسْلِمَهُ يُرِيدُ أَنَّ الْعَبْدَ إنْ أَكْرَهَ حُرَّةً فَصَدَاقٌ، وَمَا نَقَصَ الْأَمَةَ يَغْرَمُهُ السَّيِّدُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ جِنَايَتَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِرَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَفْتِكَهُ بِالْجِنَايَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ أَوْ يُسْلِمَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مِلْكًا لِمَنْ جَنَى عَلَيْهِ وَهَذَا إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَمَا لَزِمَهُ مِنْ صَدَاقِ الْحُرَّةِ وَنَقْصِ الْأَمَةِ فَفِي رَقَبَتِهِ وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْعَبْدِ فِيهِ بِفَوْرِ مَا فَعَلَ ذَلِكَ وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ تَدْمَى فَأَمَّا مَا فَعَلَ ذَلِكَ وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ تَدْمَى بَعْدُ مِنْ فِعْلِهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا يُلْحَقُ بِرَقَبَتِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ تَسْتَحِقُّ فِيهِ الْحُرَّةُ الصَّدَاقَ بِيَمِينِهَا فَإِنَّهَا مُسْتَحِقَّةٌ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَلَا تَأْثِيرَ لِقَوْلِ الْعَبْدِ عِنْدِي وَذَلِكَ أَنَّ إقْرَارَ الْعَبْدِ إنَّمَا يُقْبَلُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ مِنْ الْحُدُودِ بِجَسَدِهِ فَأَمَّا فِيمَا يُخْرِجُهُ عَنْ مِلْكِ سَيِّدِهِ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ ذِمِّيًّا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: إنْ أَكْرَهَهَا قُتِلَ كَنَقْضِ الْعَهْدِ فِي الْمُحْصَنَاتِ الْمُسْلِمَاتِ وَقَالَهُ اللَّيْثُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَقَدْ قَتَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذِمِّيًّا اسْتَكْرَهَ مُسْلِمَةً. وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا اغْتَصَبَ النَّصْرَانِيُّ حُرَّةً مُسْلِمَةً قُتِلَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ إنْ اغْتَصَبَهَا صُلِبَ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اغْتِصَابَهُ الْمُسْلِمَةَ وَتَغَلُّبَهُ عَلَيْهَا نَقْضٌ لِلْعَهْدِ وَتَغْلِيظٌ لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ. (فَرْعٌ) وَبِمَاذَا يَثْبُتُ اغْتِصَابُهُ قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ وَقَدْ كَانَ يَقُولُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى هَذَا وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ وَجْهُ اعْتِبَارِ الْأَرْبَعَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ سَحْنُونٌ مِنْ أَنَّ الْقَتْلَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْوَطْءِ وَلَا يَثْبُتُ الْوَطْءُ إلَّا بِأَرْبَعَةٍ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْإِكْرَاهِ وَلِذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْإِكْرَاهُ لَمْ يَجِبْ الْقَتْلُ وَالْإِكْرَاهُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ طَاوَعَتْهُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ تُحَدُّ هِيَ وَيُنَكَّلُ هُوَ وَالنَّكَالُ فِي هَذَا مِثْلُ ضِعْفَيْ الْحَدِّ وَأَكْثَرَ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يُجْلَدُ جَلْدًا يَمُوتُ مِنْهُ، وَإِنْ اسْتَكْرَهَ أَمَةً مُسْلِمَةً قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهَا لَمْ أَقْتُلْهُ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ لِمَا جَاءَ لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: وَعَلَيْهِ فِي الْأَمَةِ مَا نَقَصَهَا فِي الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْحَدِّ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يُرَدُّ إلَى أَهْلِ ذِمَّتِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا عُقِدَتْ لَهُمْ الذِّمَّةُ لِتُنَفَّذَ بَيْنَهُمْ أَحْكَامَهُمْ

стр. 1609

الْقَضَاءُ فِي اسْتِهْلَاكِ الْحَيَوَانِ وَالطَّعَامِ وَغَيْرِهِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعَتْ مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ يَوْمَ اسْتَهْلَكَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْخَذَ بِمِثْلِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبَهُ فِيمَا اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ اسْتِهْلَاكِهِ الْقِيمَةَ أَعْدَلَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ) ــ [المنتقى] وَشَرَائِعَهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَتَقَرَّرَ هَذَا فِي الْحُدُودِ مُسْتَوْعَبًا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. [الْقَضَاءُ فِي اسْتِهْلَاكِ الْحَيَوَانِ وَالطَّعَامِ وَغَيْرِهِ] (ش) : وَهَذَا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ: إنَّ مَنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ إنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ، وَكَذَلِكَ الْعُرُوض، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ وَلَا مَعْدُودٍ وَمَعْنَى قَوْلِنَا مَعْدُودٍ أَنْ تَسْتَوِيَ آحَادُ جُمْلَتِهِ فِي الصِّفَةِ غَالِبًا كَالْبَيْضِ وَالْجَوْزِ كَمَا تَسْتَوِي حُبُوبُ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ مِنْ الْمَكِيلِ وَآحَادِ الْعِنَبِ الْمَوْزُونِ، وَأَمَّا جُمْلَةُ الْحَيَوَانِ مِنْ الرَّقِيقِ وَالْخَيْلِ، وَإِنْ اسْتَوَى عَدَدًا فَإِنَّ آحَادَ جُمْلَتِهِ لَا تَسْتَوِي بَلْ تَتَبَايَنُ، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ عَدَدًا مِنْ جُمْلَةِ الْبَيْضِ وَالْجَوْزِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ تَعْيِينُهَا دُونَ خِيَارٍ يَثْبُتُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَرْطٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ بِالْقِسْمَةِ وَالتَّعْيِينِ غَيْرُ ذَلِكَ الْعَدَدِ، وَأَمَّا الرَّقِيقُ وَالثِّيَابُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا عَدَدًا مِنْ الْجُمْلَةِ إلَّا بِالتَّعْيِينِ أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ بِمَعْنَى الْجُزْءِ الشَّائِعِ فَيَحْصُلُ لِلْمُشْتَرِي بِالْقِسْمَةِ عَلَى الْقِيمَةِ ذَلِكَ الْعَدَدِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَلَا يُعْتَدُّ لَهُ فِي الْقِسْمَةِ مِنْ جِهَةِ أَعْيَانِهِ، وَإِنَّمَا يُعْتَدُّ لَهُ مِنْ جِهَةِ قِيمَتِهِ وَالْمَكِيلُ وَالْمَعْدُودُ وَالْمَوْزُونُ إنَّمَا يُقْسَمُ بِمَا يُعْتَبَرُ بِهِ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهِ دُونَ قِيمَتِهِ فَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا لَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ وَلَا مَعْدُودٍ مَنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنْهُ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَتُهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ مِثْلَهُ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عَنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ شُيُوخِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْقِيمَةَ أَعْدَلُ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ صِفَاتِهِ، وَلَا يَكَادُ يَجِدُ مِثْلَ مَا أَتْلَفَ عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَيْضًا أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ الْجُزَافُ فِي عَدَدِ مَبِيعِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِإِتْلَافِهِ الْمِثْلُ كَالدُّورِ، وَقَدْ احْتَجَّ فِي ذَلِكَ مَنْ لَمْ يُمْعِنْ النَّظَرَ بِحَدِيثِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا فَكَسَرَتْ الْقَصْعَةَ» وَقَدْ كَانَ احْتَجَّ بِهِ عَلَى بَعْضِ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا ثُمَّ رَأَيْت غَيْرَهُ قَدْ أَدْخَلَهُ فِي تَأْلِيفِهِ فَخِفْت أَنْ يَكُونَ قَدْ ذَهَبَ عَلَيْهِ وَجْهُ تَأْوِيلِهِ فَلِذَلِكَ أَوْرَدْتُهُ وَأَوْرَدْتُ بَعْضَ مَا كُنْتُ جَاوَبْتُ بِهِ عَنْهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْبَيْتَ الَّذِي كَانَ فِيهِ ﷺ بَيْتُهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِيهِ لَهُ لَا سِيَّمَا مِمَّا يُسْتَخْدَمُ وَيُسْتَعْمَلُ، وَكَذَلِكَ الْبَيْتُ الَّذِي وَرَدَتْ مِنْهُ الْهَدِيَّةُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْقَصْعَتَانِ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّهُ أَرْسَلَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ إلَى بَيْتِ الَّتِي أَرْسَلَتْ بِقَصْعَتِهَا صَحِيحَةً وَأَبْقَى الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْهَا تُشَعِّبُهَا وَتَنْتَفِعُ بِهَا بَدَلًا مِنْ الصَّحْفَةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهَا وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْقَصْعَتَيْنِ لِلْمَرْأَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ إذَا اتَّفَقَ الْجَانِي وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَلَى الرِّضَا بِهَا، وَإِنَّمَا يَجِبُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ الْقِيمَةِ إذَا أَبَيَا ذَلِكَ أَوْ أَبَاهُ أَحَدُهُمَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ رَأَى ذَلِكَ سَدَادًا فِي الْأَمْرِ فَرَضِيَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، وَانْتَقَلَ إلَى الْأُخْرَى فَرَضِيَتْهُ، وَلَيْسَ فِي الْأَمْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إحْدَاهُمَا أَبَتْ ذَلِكَ فَحَكَمَ بِهِ فَالْحَدِيثُ لَا يَتَنَاوَلُ مَوْضِعَ الْخِلَافِ بِوَجْهٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَاسْتِهْلَاكُ الْحَيَوَانِ

стр. 1610

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَالْعُرُوضِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْتَهْلِكَ الْجُمْلَةَ وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَهْلِكَ الْبَعْضَ وَاسْتِهْلَاكُ الْكُلِّ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الِاسْتِهْلَاكِ غَصْبٌ أَوْ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ غَصْبٌ فَإِذَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ غَصْبٌ فَإِنَّ الضَّمَانَ يَتَعَلَّقُ بِالْغَصْبِ دُونَ الِاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ الْغَصْبُ لَضَمِنَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِيمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَمَاتَ مِنْ وَقْتِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ بِتَعَدِّيهِ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ غَصَبَ دَارًا فَلَمْ يَسْكُنْهَا حَتَّى انْهَدَمَتْ أَنَّهُ ضَامِنٌ لَقِيمَتِهَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: إنَّ مَا لَا يَصِحُّ نَقْلُهُ كَالْأَرْضِينَ وَالْعَقَارِ فَإِنَّهُ لَا يُضْمَنُ بِالْغَصْبِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مَعْنَى يُضْمَنُ بِهِ مَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ فَضُمِنَ بِهِ مَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ كَالْإِتْلَافِ وَالِاسْتِهْلَاكِ. وَقَالَهُ أَشْهَبُ، وَإِنْ هَلَكَ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْغَصْبَ تَعَدٍّ يَضْمَنُ بِهِ الْغَاصِبُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مَا غَصَبَ وَيُسَلِّمَهُ إلَى صَاحِبِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَفَاتَهُ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ إنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ غَصَبَ أُمَّ وَلَدِ رَجُلٍ فَمَاتَتْ عِنْدَهُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا عَلَى أَنَّهَا أَمَةٌ لَا عِتْقٌ فِيهَا،. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يَضْمَنُ وَيَضْمَنُ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ وَجْهُ الْقَوْلِ أَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ بِالرِّقِّ فَضُمِنَتْ بِالْغَصْبِ كَالْأَمَةِ؛ وَلِأَنَّ ابْنَهَا لَهُ حُكْمُهَا وَقَدْ جَمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ يُضْمَنُ بِالْغَصْبِ فَكَذَلِكَ الْأُمُّ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا بِوَجْهٍ وَلَا تُسَلَّمُ فِي جِنَايَةٍ فَلَمْ يَضْمَنْهَا بِالْغَصْبِ كَالْحُرَّةِ وَفَرَّقَ بَيْنَ أُمِّ الْوَلَدِ وَبَيْنَ وَلَدِهَا بِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا تُسَلَّمُ فِي الْجِنَايَةِ وَلَا تُسْتَخْدَمُ وَوَلَدُهَا يُسْتَخْدَمُ وَيُسَلَّمُ فِي الْجِنَايَةِ، فَالْغَاصِبُ لَهُ قَدْ حَبَسَ مَنَافِعَهُ فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَإِنْ أَدْرَكَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَيْنَ مَالِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ لَا يَدْخُلَهُ تَغْيِيرٌ أَوْ يَدْخُلَهُ تَغْيِيرٌ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهُ تَغْيِيرٌ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا عَيْنُ مَالِهِ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي ضَمَانِهِ تَغْيِيرُ الْأَسْوَاقِ بِزِيَادَةٍ أَوْ بِنُقْصَانٍ وَلَا طُولِ مُدَّةٍ، وَإِنْ كَانَتْ سِنِينَ كَثِيرَةً رَوَاهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَإِنَّ تَغَيُّرَ الْأَسْوَاقِ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَيَوَانٍ وَلَا غَيْرِهِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي عَيْنِ مَا غَصَبَهُ الْغَاصِبُ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي ضَمَانِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي بَلَدٍ فَوَجَدَهُ صَاحِبُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبِيدَ وَالدَّوَابَّ حَيْثُ وَجَدَهُمْ لَيْسَ لَهُ إلَّا ذَلِكَ. وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ: إنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ حَيْثُ وَجَدَهُ أَوْ يَأْخُذَ قِيمَتَهُ مِنْهُ حَيْثُ غَصَبَهُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَنْتَقِلُ غَالِبًا بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ عَلَى النَّاقِلِ فَلَا مَضَرَّةَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَمَوَّنْ فِي نَقْلِهِ إلَّا مَا كَانَ يُتَمَوَّنُ فِي مَقَامِهِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُهُ لَا مَضَرَّةَ عَلَيْهِ فِي رَدِّهِ وَلَا مُؤْنَتِهِ بِخِلَافِ الْعُرُوضِ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ مَغْصُوبٌ نُقِلَ فَثَبَتَ فِيهِ الْخِيَارُ لِصَاحِبِهِ كَالْعُرُوضِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْبَزُّ وَالْعُرُوضُ فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ بِعَيْنِهِ أَوْ قِيمَتِهِ حَيْثُ غَصَبَهُ وَقَالَهُ أَشْهَبُ قَالَ سَحْنُونٌ: الْبَزُّ وَالرَّقِيقُ سَوَاءٌ إنَّمَا لَهُ أَخْذُهُ حَيْثُ وَجَدَهُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي يَدَيْهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ قَدْ يَنْقُصُهُ نَقْلُهُ مِنْ بَلَدِ الْغَصْبِ إلَى غَيْرِهِ وَذَلِكَ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ فَكَانَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْقِيمَةِ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ نَقْصٌ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْبَدَنِ فَلَمْ يُوجِبْ الْخِيَارَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ كَحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ. ١ - (فَرْعٌ) فَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ بِلَادِ الْغَصْبِ فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ، وَلَا نَفَقَةَ وَلَا عَلَى الْغَاصِبِ رَدُّهُ قَالَهُ أَصْبَغُ وَلِأَشْهَبَ نَحْوُهُ. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِيمَنْ تَعَدَّى عَلَى خَشَبِ رَجُلٍ فَحَمَلَهُ مِنْ عَدْنٍ إلَى جَدَّةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ: فَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا فَلِرَبِّ السِّلْعَةِ أَنْ يُكَلِّفَهُ رَدَّهُ إلَى عَدْنٍ أَوْ يَأْخُذَهُ حَيْثُ وَجَدَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عَلَى صِفَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَخْذُهُ وَلَمَّا نَقَلَهُ عَنْ مَكَانِهِ الْغَاصِبُ كَانَ عَلَيْهِ رَدُّهُ كَمَا لَوْ نَقَلَهُ إلَى مَكَان قَرِيبٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا تَغَيُّرُ الْبَدَنِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْأَمَةِ تَتَغَيَّرُ عِنْدَ

стр. 1611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْغَاصِبِ تَغَيُّرًا يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا فَإِنَّ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَهَا أَوْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَرَمُ الْجَارِيَةِ عِنْدَ الْغَاصِبِ فَوْتٌ قَالَ أَشْهَبُ: سَوَاءٌ كَانَ مَا أَصَابَهَا مِنْ الْهَرَمِ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا مِثْلَ انْكِسَارِ الْيَدَيْنِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ لِصَاحِبِهَا أَنْ يُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ إنْ شَاءَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا إذَا كَانَ مَا دَخَلَهَا مِنْ النَّقْصِ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - لَا بِفِعْلِ الْغَاصِبِ، وَلَيْسَ لِلْمَغْصُوبِ إلَّا أَخْذُهَا بِغَيْرِ أَرْشٍ أَوْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا وَمَا نَقَصَ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ لَمْ يَضْمَنْ مَا حَدَثَ بِانْفِرَادِهِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ بِضَمَانِ الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَا نَقَصَ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ فَهَلْ لَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ فِيهِ خِلَافٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ ذَلِكَ. وَقَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ الْمَوَّازِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَهُ أَخْذُهَا نَاقِصَةً بِغَيْرِ أَرْشٍ أَوْ إسْلَامُهَا وَأَخْذُ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْغَصْبِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ كَالْمُبْتَدَأَةِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْغَصْبِ وَلِذَلِكَ لَا يَضْمَنُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْجِنَايَةِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْغَصْبِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَقَدْ وَجَدْت لِسَحْنُونٍ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْجِنَايَةِ فِي الْعَمْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ اغْتَصَبَ وَدْيًا مِنْ النَّخْلِ أَوْ شَجَرًا صِغَارًا فَغَرَسَهَا فِي أَرْضِهِ فَكَبُرَتْ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لِرَبِّهَا أَخْذُهَا، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ أَوْ الرَّقِيقُ يَكْبَرُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ إنَّمَا يَحْكُمُ بِقَلْعِ النَّخْلِ إذَا كَانَ مِمَّا يُعَلَّقُ إنْ قُلِعَتْ وَغُرِسَتْ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ فِي الرَّقِيقِ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ حَيَوَانِهِ وَرَقِيقِهِ كَمَا لَوْ سَمُنَتْ وَأَمَّا النَّخْلُ وَالشَّجَرُ فَعِنْدِي أَنَّ الْغَاصِبَ إنْ كَانَ قَلَعَهَا وَقَدْ عَلِقَتْ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَجَرَهُ أَوْ يُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى ثِقَةٍ أَنْ تَعْلَقَ إنْ قَلَعَهَا وَغَرَسَهَا، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَخَذَهَا مَقْلُوعَةً فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَيَوَانِ لَا خِيَارَ لَهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ لَهُ الْخِيَارُ فِي مَوْضِعِ النَّقْصِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِيمَنْ غَصَبَ خَمْرًا فَخَلَّلَهَا: فَلَيْسَ لِصَاحِبِهَا إلَّا أَخْذُهَا. وَقَالَ أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا ذِمِّيًّا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا أَوْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا خَمْرًا يَوْمَ الْغَصْبِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْخَمْرُ لِمُسْلِمٍ فَقَدْ زَادَتْ بِالتَّخَلُّلِ وَلَمْ تَنْقُصْ فِي حَقِّهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا عَيْنُ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لِذِمِّيٍّ فَقَدْ نَقَصَتْ فِي حَقِّهِ بِالتَّخْلِيلِ فَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا غَابَ الْغَاصِبُ عَنْ الْجَارِيَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَطِئَهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ أَنَّ صَاحِبَهَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهَا أَوْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا قَالَهُ مَالِكٌ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَسْنَا نَقُولُ ذَلِكَ فِي الرَّقِيقِ الْمَذْكُورِ، وَلَا فِي الدَّوَابِّ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَى الْغَاصِبِ أَنْ يُصِيبَهَا، وَذَلِكَ يُنْقِصُ ثَمَنَهَا، وَقَالَ أَصْبَغُ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْجَارِيَةِ الرَّائِعَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقِيمَةَ الْوَاجِبَةَ فِي الْغَصْبِ هِيَ قِيمَةُ السِّلْعَةِ يَوْمَ الْغَصْبِ سَوَاءٌ زَادَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ الْغَاصِبِ أَوْ نَقَصَتْ قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَقَدْ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ غَصَبَ جَارِيَةً صَغِيرَةً تُسَاوِي مِائَةً فَلَمَّا كَبُرَتْ وَصَارَتْ قِيمَتُهَا أَلْفًا مَاتَتْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْغَصْبِ قَالَ أَشْهَبُ فِيمَنْ جَرَحَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ فَمَاتَ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ: فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْجُرْحِ، وَهَذَا إذَا مَاتَتْ بِغَيْرِ فِعْلِ الْغَاصِبِ فَإِنَّهَا إنْ مَاتَتْ بِسَبَبِهِ مِثْلَ أَنْ يَقْتُلَهَا وَقَدْ زَالَتْ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: لَا يَضْمَنُ إلَّا قِيمَتَهَا يَوْمَ الْغَصْبِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: الْقَتْلُ فِعْلٌ ثَانٍ، وَقَالَ إنَّ لَهُ أَخْذَهُ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَتْلِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: وَلَوْ بَاعَهَا وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ الْغَصْبِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ فَقَأَ الْغَاصِبُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً عَيْنَ الْجَارِيَةِ أَوْ قَطَعَ يَدَهَا فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ الْغَصْبِ أَوْ يَأْخُذُهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ. وَقَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ وَغَيْرِ مَوْضِعٍ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَمَا نَقَصَهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ يَوْمَ الْجِنَايَةِ قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذَا خِلَافُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْقَتْلِ أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْغَصْبِ فَيَأْخُذُهَا وَمِثْلَ قِيمَتِهَا أَوْ أَكْثَرَ فَيَأْخُذُ فِي الْيَدِ مَا لَا يَأْخُذُ فِي النَّفْسِ، وَإِنَّمَا لَهُ

стр. 1612

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَخْذُهَا نَاقِصَةً فَقَطْ أَوْ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْغَصْبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْقَتْلِ لِسَحْنُونٍ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي قَطْعِ الْيَدِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا إنَّ عَرَا الِاسْتِهْلَاكُ وَالتَّعَدِّي مِنْ الْغَصْبِ فَإِنَّمَا لَهُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الِاسْتِهْلَاكِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِيمَنْ تَعَدَّى فَوَطِئَ أَمَةَ رَجُلٍ وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ فَحَمَلَتْ أَوْ لَمْ تَحْمِلْ ثُمَّ قَامَ صَاحِبُهَا وَقِيمَتُهَا خَمْسُونَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْوَطْءِ وَهِيَ فِي ضَمَانِهِ مِنْ يَوْمِئِذٍ وَعَلَيْهِ فِي الْغَصْبِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْغَصْبِ لَا يَنْظُرُ إلَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْغَصْبَ مَعْنًى تُضْمَنُ بِهِ فَلَا يُنْظَرُ إلَى مَا حَدَثَ بَعْدَهُ، وَأَمَّا التَّعَدِّي فَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ مَا يُوجِبُ الضَّمَانَ فَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى حَالَيْ الضَّمَانِ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ اسْتَهْلَكَ بَعْضَ الْعَيْنِ أَوْ أَدْخَلَ عَلَيْهَا نَقْصًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَإِنَّ لِصَاحِبِهَا أَخْذَهَا وَقِيمَةَ مَا نَقَصَتْ الْجِنَايَةُ مِنْهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ كَانَتْ جِنَايَتُهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا وَيُخَالِفُ ذَلِكَ الْغَاصِبُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ بِالْفَسَادِ الْيَسِيرِ لِتَقَدُّمِ الْغَصْبِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَأَشْهَبُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: فِيمَنْ كَسَرَ قَصْعَةً أَوْ قُمْقُمًا أَوْ شَقَّ ثَوْبًا أَوْ كَسَرَ سَرْجًا فَإِنَّ فِي النَّقْصِ الْكَثِيرِ قِيمَتَهُ وَفِي الْيَسِيرِ مَا نَقَصَهُ قَالَ أَشْهَبُ: بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: بَعْدَ رَفْوِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي مَا يَلِيقُ بِالثَّوْبِ مِنْ خِيَاطَتِهِ أَوْ رَفْوِهِ وَهَذَا عِنْدِي إذَا كَانَ الْيَسِيرُ لَا يَبْطُلُ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ الْحَيَوَانِ فَإِذَا بَطَلَتْ الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ لَزِمَ الْجَانِيَ جَمِيعُ قِيمَتِهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ وَأَصْبَغَ فِي الَّذِي يَقْطَعُ ذَنَبَ فَرَسٍ أَوْ حِمَارٍ فَارِهٍ أَوْ بَغْلٍ مِمَّا يَرْكَبُ مِثْلَهُ ذَوُو الْهَيْئَاتِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ جَمِيعَ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ الْغَرَضَ فِيهِ بِخِلَافِ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ وَسَوَّى بَيْنَ الْأُذُنِ وَالذَّنَبِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِمَا: إنَّمَا فِي ذَلِكَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ أَتْلَفَ بِهَذِهِ الْجِنَايَةِ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْعَيْنِ فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا كَمَا لَوْ أَتْلَفَ جَمِيعَهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ تَعَدَّى عَلَى شَاةٍ فَقَلَّ لَبَنُهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ إنْ كَانَ عَظُمَ مَا يُرَادُ إلَيْهِ اللَّبَنُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا إنْ شَاءَ رَبُّهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَزِيرَةَ اللَّبَنِ فَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَا نَقَصَهَا، وَأَمَّا الْبَقَرَةُ وَالنَّاقَةُ فَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَا نَقَصَهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَزِيرَةَ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَنَافِعَ غَيْرَ اللَّبَنِ وَقَالَهُ أَصْبَغُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدِ غَيْرِهِ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ: إنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ فَجَعَلَ قَطْعَ الْيَدِ أَوْ فَقْءَ الْعَيْنِ فِي حَيِّزِ الْيَسِيرِ. وَقَالَ: وَأَمَّا قَطْعُ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ فِي الْبَهَائِمِ فَيَبْطُلُ جَعْلُ مَنَافِعِهَا أَوْ جَمِيعِهَا أَنَّ عَلَيْهِ الْقِيمَةَ، وَأَمَّا فَقْءُ الْعَيْنِ وَقَطْعُ الْأُذُنِ أَوْ الذَّنَبِ أَوْ كَسْرُهَا كَسْرًا يَنْجَبِرُ فِيهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا وَقَالَهُ مَالِكٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبُو الزِّنَادِ وَرَوَى فِي الْمَجْمُوعَةِ أَشْهَبُ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ فِي قَطْعِ يَدِ الْعَبْدِ وَفَقْءِ الْعَيْنِ: أَنَّ رَبَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ مَا نَقَصَهُ أَوْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ فَجَعَلَهُ فِي حَيِّزِ الْكَثِيرِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَّرِفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ فِيمَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فَإِنْ كَانَ صَانِعًا وَعَظُمَ قَدْرُهُ لِصَنْعَتِهِ ضَمِنَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَانِعًا فَقِيمَةُ مَا نَقَصَهُ، وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا نَبِيلًا، وَأَمَّا فَقْءُ الْعَيْنِ فَفِيهِ مَا نَقَصَهُ، وَإِنْ كَانَ صَانِعًا. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا إذَا كَانَ الْفَسَادُ كَثِيرًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ كَسَرَ قَصْعَةً أَوْ سَرْجًا أَوْ قُمْقُمًا أَوْ شَقَّ ثَوْبًا أَنَّ فِي النَّقْصِ الْكَثِيرِ قِيمَتَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ أَوْ رِجْلَيْهِ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ. وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ قَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إلَّا أَنْ يَرَى أَنَّهُ بَعْدَ الْعَمَى وَقَطْعِ

стр. 1613

(ص) : (قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ فَإِنَّمَا يَرُدُّ عَلَى صَاحِبِهِ مِثْلَ طَعَامِهِ بِمَكِيلَتِهِ مِنْ صِنْفِهِ، وَإِنَّمَا الطَّعَامُ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا يَرُدُّ مِنْ الذَّهَبِ الذَّهَبَ وَمِنْ الْفِضَّةِ الْفِضَّةَ وَلَيْسَ الْحَيَوَانُ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ فِي ذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ السُّنَّةُ وَالْعَمَلُ الْمَعْمُولُ بِهِ) ــ [المنتقى] الْيَدَيْنِ لَمْ تَذْهَبْ أَكْثَرُ مَنَافِعِهِ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ عَمْدًا أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ عَمْدًا خُيِّرَ رَبُّهُ بَيْنَ أَخْذِ مَا نَقَصَهُ أَوْ يُضَمِّنَهُ جَمِيعَهُ. قَالَ أَشْهَبُ إذَا أَذْهَبَ قَطْعُ يَدِهِ الْوَاحِدَةِ أَكْثَرَ مَنَافِعِهِ فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ إلَّا قِيمَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُذْهِبْ أَكْثَرَ مَنَافِعِهِ فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ كَمَا قَالَ مَالِكٌ فَعَلَى هَذَا يَتَنَوَّعُ الْفَسَادُ عِنْدَ مَالِكٍ نَوْعَيْنِ يَسِيرٌ يَجِبُ بِهِ مَا نَقَصَ وَلَيْسَ لَهُ تَضْمِينُهُ، وَكَثِيرٌ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ فَمَرَّةٌ قَالَ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْقِيمَةُ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ فِيمَنْ قَطَعَ رِجْلَيْ عَبْدٍ أَوْ يَدَيْهِ أَوْ فَقَأَ عَيْنَيْهِ فَقَدْ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ كُلُّهَا وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَخْتَارَ إمْسَاكَهُ وَيَأْخُذَ مَا نَقَصَهُ، وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْعَبْدِ مِنْ عَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَمَرَّةً قَالَ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ وَمَا نَقَصَ أَوْ أَخْذِ قِيمَتِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِلَى هَذَا رَجَعَ مَالِكٌ فِي الْفَسَادِ الْكَثِيرِ وَيَتَنَوَّعُ الْفَسَادُ عَنْ أَشْهَبَ إلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ أَحَدُهَا يَسِيرٌ لَيْسَ إلَّا مَا نَقَصَ وَالثَّانِي أَنْ يَنْقُصَ الْكَثِيرُ وَلَا يَذْهَبُ أَكْثَرُ الْمَنَافِعِ فَهَذَا يَكُونُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ مُخَيَّرًا عَلَى مَا ذُكِرَ، وَأَمَّا إذَا أَتْلَفَ أَكْثَرَ الْمَنَافِعِ فَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ إلَّا الْقِيمَةُ. وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الثَّوْبِ وَالْعَبْدِ إذَا كَانَ لَهُ تَضْمِينُهُ الْقِيمَةَ بِكَثْرَةِ الْفَسَادِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَأْخُذَ مَا نَقَصَهُ، وَإِنَّمَا لَهُ أَخْذُهُ بِحَالِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ أَوْ يَلْزَمُهُ قِيمَةُ جَمِيعِهِ وَكَذَلِكَ ذَابِحُ الشَّاةِ فَلَيْسَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَهَا لَحْمًا وَيَأْخُذَ مَا نَقَصَهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْقِيمَةَ عَنْ غَيْرِ الْعَيْنِ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ سِلْعَتَهُ وَبَعْضَ الْقِيمَةِ وَلَا يَأْخُذَ غَيْرَ الْقِيمَةِ إلَّا بِاجْتِمَاعٍ مِنْهُمَا عَلَى أَمْرٍ جَائِزٍ إلَّا أَنْ يَرْضَى صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَنْ يَأْخُذَهَا نَاقِصَةً دُونَ شَيْءٍ فَذَلِكَ لَهُ، وَاحْتَجَّ أَشْهَبُ أَنَّهُ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ فِي الْيَسِيرِ كَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ فِي الْكَثِيرِ أَنْ يَأْخُذَ سِلْعَتَهُ وَمَا نَقَصَهُ. (ش) : وَهَذَا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ: إنَّ مَنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ تَعَدِّيًا فَإِنَّ عَلَيْهِ مِثْلَهُ فِي الْكَيْلِ وَالصِّفَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مَعْلُومَ الْكَيْلِ، وَكَذَلِكَ مَا يُوزَنُ وَيُعَدُّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْلُومِ الْقَدْرِ فَإِنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ لِحَوْزِ صُبْرَتِهِ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مِثْلَ مَا حُوِّزَ فِيهَا لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ عَنْ صُبْرَتِهِ حِنْطَةَ أَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ أَقَلَّ فَيُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ فِي الطَّعَامِ. (فَرْعٌ) وَهَذَا قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ فَأَمَّا إذَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ فَقَدْ رَوَى سَحْنُونٌ عَنْ أَشْهَبَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ غَصَبَ صُبْرَةَ قَمْحٍ فَأَرَادَ الْغَاصِبُ أَنْ يُصَالِحَ مِنْهَا عَلَى كَيْلٍ مِنْ الْقَمْحِ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَلْزَمَ الْغَاصِبَ الْقِيمَةَ بِحُكْمٍ أَوْ صُلْحٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ كَيْلًا مِنْ الْقَمْحِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلِرَبِّهَا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا عِشْرُونَ إرْدَبًّا وَيَأْخُذَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُصَالِحَهُ مِنْ الْمَكِيلِ عَلَى مَا لَا شَكَّ فِيهِ يُرِيدُ لَا شَكَّ أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ حَقِّهِ قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ غَصَبَ خَلْخَالًا فِضَّةً وَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا مِنْ الذَّهَبِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ خَلَطَ قَمْحًا لِرَجُلٍ بِشَعِيرٍ لِغَيْرِهِ ضَمِنَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلَ طَعَامِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أَتْلَفَ عَيْنَ طَعَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَمَنَعَهُ الْوُصُولَ إلَى قَبْضِهِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْجَانِي مَالٌ بِيعَ الطَّعَامُ الْمَخْلُوطُ وَاشْتَرَى مِنْ ثَمَنِهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلَ طَعَامِهِ قَالَهُ أَشْهَبُ قَالَ: فَإِنْ فَضُلَ شَيْءٌ فَلِلْجَانِي، وَإِنْ نَقَصَ شَيْءٌ فَعَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ صَاحِبَا الطَّعَامِ أَنْ يَتْرُكَا طَلَبَ الْجَانِي وَيَأْخُذَا الطَّعَامَ وَيَقْتَسِمَانِهِ بَيْنَهُمَا. وَقَدْ جَوَّزَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَاخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الِاشْتِرَاكِ فِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَشْتَرِكَانِ فِي الطَّعَامِ الْمُخْتَلَطِ أَحَدُهُمَا بِقِيمَةِ قَمْحِهِ وَالْآخَرُ بِقِيمَةِ شَعِيرِهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَا فِيهِ إلَّا عَلَى السَّوَاءِ إنْ كَانَتْ مَكِيلَةَ طَعَامِهِمَا سَوَاءٌ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى التَّفَاضُلِ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ

стр. 1614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] يُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ بَيْنَ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَتْرُكَاهُ لِلْغَاصِبِ وَيَأْخُذَا الطَّعَامَ الْمُخْتَلَطَ عَلَى التَّسَاوِي وَلَا عَلَى الْقِيمَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ خَلَطَ زَيْتًا بِسَمْنٍ أَوْ سَمْنَ بَقَرٍ بِسَمْنِ غَنَمٍ يَضْمَنُ مَا ضَاعَ مِنْهُ وَمَا بَقِيَ وَلَوْ خَلَطَ نَوْعًا وَاحِدًا كَزَيْتٍ بِزَيْتٍ أَوْ سَمْنًا بِعَسَلٍ أَوْ بِزَيْتٍ أَوْ سَمْنًا بِسَمْنٍ فَضَاعَ بَعْضُهُ ضَمِنَ مَا ضَاعَ وَمَا بَقِيَ وَلِصَاحِبَيْ ذَلِكَ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ بِشَطْرَيْنِ أَوْ يَدَعَاهُ وَمَا كَانَ مِنْ جِنْسَيْنِ كَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَلَهُمَا أَنْ يَصْطَلِحَا فِيهِ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ كَانَ أَحَدُهُمَا بَاعَ ثُلُثَ سَمْنِهِ بِثُلُثَيْ عَسَلِ صَاحِبِهِ قَالَ ذَلِكَ أَشْهَبُ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ خَلْطَ النَّوْعِ الْوَاحِدِ جِنَايَةٌ عَلَى مَنْ خَلَطَ مَالَهُ بِمَالِ غَيْرِهِ لَا سِيَّمَا أَنَّ التَّسَاوِيَ الْمُحَقَّقَ فِي الْأَغْلَبِ غَيْرُ مَوْجُودٍ فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ فَإِذَا كَانَ مِمَّا لَا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا التَّفَاضُلُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ عِنْدَ أَشْهَبَ إلَّا عَلَى التَّسَاوِي؛ لِأَنَّ التَّفَاضُلَ يَحْرُمُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَا مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالْعَسَلِ وَالسَّمْنِ جَازَ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ عَلَى مَا يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّفَاضُلَ فِيهِمَا غَيْرُ مَمْنُوعٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ فِي مِثْلِ هَذَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا فِيمَا لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَمَّا مَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِيمَنْ خَلَطَ جَوْزَ رَجُلٍ بِحِنْطَةِ آخَرَ: إنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِ ذَلِكَ بِلَا مَضَرَّةٍ عَلَى الْقَمْحِ وَالْجَوْزِ قَالَ: وَكَذَلِكَ خَلْطُ الْجَوْزِ بِالرُّمَّانِ وَالرُّمَّانِ بِالْأُتْرُجِّ وَالتُّفَّاحِ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَلْطُهُمَا يُفْسِدُ أَحَدَهُمَا فَيَضْمَنُ الَّذِي يَفْسُدُ بِالْخَلْطِ، وَإِنْ كَانَ يَفْسُدَانِ بِذَلِكَ ضَمِنَهُمَا، وَلَوْ تَلِفَا قَبْلَ الْفَسَادِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: كَيْفَ يَضْمَنُهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْسُدَا، وَالْخَلْطُ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلضَّمَانِ، وَإِنَّمَا يُوجِبُهُ الْفَسَادُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ غَصَبَ قَمْحًا فَطَحَنَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: عَلَيْهِ مِثْلُهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ فِي غَيْرِهَا: يَأْخُذُ صَاحِبُ الْقَمْحِ دَقِيقَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي طَحِينِهِ وَأَصْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا مُخَالِفٌ لِأَصْلِ أَشْهَبَ وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: إنَّ الْغَاصِبَ إذَا صَنَعَ فِيمَا غَصَبَ صِنَاعَةً لَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَدْفَعَ إلَى الْغَاصِبِ قِيمَةَ تِلْكَ الصِّنَاعَةِ، وَإِلَّا ضَمَّنَهُ مَا غَصَبَهُ إيَّاهُ فَإِنْ كَانَ ثَوْبًا صَبَغَهُ الْغَاصِبُ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ صَبْغِهِ أَوْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ فَكَذَلِكَ يَدْفَعُ إلَيْهِ قِيمَةَ صِنَاعَتِهِ أَوْ يَأْخُذُ مِنْهُ مِثْلَ مَا لَهُ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّهَا حِنْطَةٌ وَدَرَاهِمُ بِدَقِيقٍ وَلَا يَجُوزُ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ وَأَشْهَبُ يَقُولُ: إنَّ مَا يَصْنَعَهُ الْغَاصِبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَبْطُلُ وَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ وَلَا يُعْطِيهِ قِيمَةَ الصَّبْغِ وَيَأْخُذَ الْحِنْطَةَ وَلَا يُعْطِيهِ قِيمَةَ الطَّحْنِ. وَاتَّفَقَا فِي الْمَجْمُوعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا سَوِيقًا وَلَتَّهُ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا أَخْذُ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ مَالٌ بِيعَ السَّوِيقُ فَاشْتَرَى مِنْ ثَمَنِهِ مِثْلَ الْحِنْطَةِ فَمَا فَضَلَ فَلِلْغَاصِبِ وَمَا نَقَصَ اتَّبَعَ بِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّوْبُ يُصْبَغُ وَالثَّوْبُ يُقْطَعُ وَالْعَمُودُ يَدْخُلُ فِي الْبُنْيَانِ؛ لِأَنَّ اسْمَ ذَلِكَ قَائِمٌ بَعْدُ، وَاسْمُ الْقَمْحِ قَدْ زَالَ وَانْتَقَلَ إلَى اسْمِ السَّوِيقِ قَالَ سَحْنُونٌ: كُلُّ مَا غُيِّرَ حَتَّى يَصِيرَ لَهُ اسْمٌ غَيْرَ اسْمِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ وَهُوَ فَوْتٌ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ أَنَّ لِرَبِّ الْحِنْطَةِ أَنْ يَأْخُذَهَا إذَا طَحَنَهَا الْغَاصِبُ سَوِيقًا أَوْ يُضَمِّنَهُ مِثْلَهَا وَلَا حُجَّةَ لِلْغَاصِبِ فِي الصَّنْعَةِ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» وَاتَّفَقَ أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَجَعَلَهُ ظِهَارَةً أَوْ بِطَانَةً لِجُبَّةٍ أَوْ جَعَلَهُ قَلَانِسَ فَإِنَّ لِرَبِّهِ فَتْقَهُ وَأَخْذَهُ أَوْ أَخْذَ قِيمَتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عِنْدَ أَشْهَبَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ اسْمِهِ وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ صِنَاعَةٍ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ قِيمَتُهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ غَصَبَ عَمُودًا أَوْ خَشَبَةً فَأَدْخَلَهَا فِي بُنْيَانِهِ فَإِنَّ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَهَا، وَإِنْ خَرِبَ الْبُنْيَانُ قَالَهُ مَالِكٌ وَأَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ عَمِلَ الْخَشَبَةَ بَابًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُعِيدَهُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ قَدْ انْتَقَلَ عَنْ اسْمِ الْخَشَبَةِ إلَى اسْمِ الْبَابِ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْبَابِ دُونَ غُرْمِ قِيمَةِ الصَّنْعَةِ وَلَا أَنْ يَأْخُذَهُ، وَيَدْفَعَ قِيمَةَ الصَّنْعَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَالَ إلَى غَيْرِ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَالَ: وَكَذَلِكَ

стр. 1615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْحِنْطَةُ تُتَّخَذُ خُبْزًا وَالْجِلْدُ خِفَافًا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ غَصَبَ فِضَّةً فَصَاغَهَا حُلِيًّا أَوْ ضَرَبَهَا دَرَاهِمَ أَوْ غَصَبَ دَرَاهِمَ فَصَاغَهَا حُلِيًّا أَوْ غَصَبَ حُلِيًّا فَكَسَرَهُ وَصَاغَ مِنْهُ حُلِيًّا آخَرَ يُخَالِفُهُ أَوْ نُحَاسًا فَصَنَعَ مِنْهُ آنِيَةً أَوْ حَدِيدًا فَصَنَعَ مِنْهُ سُيُوفًا أَوْ آنِيَةً فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ هَذَا أَخْذُ ذَلِكَ وَلَهُ مِثْلُ وَزْنِ فِضَّتِهِ وَنُحَاسِهِ وَحَدِيدِهِ وَمِثْلُ دَرَاهِمِهِ وَقِيمَةُ الْحُلِيِّ قَالَ أَشْهَبُ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ الصَّنْعَةِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الْفِضَّتَيْنِ وَلَا أَنْ يَذْهَبَ بِصَنْعَتِهِ بَاطِلًا وَلَيْسَ كَالْحِنْطَةِ يَطْحَنُهَا سَوِيقًا؛ لِأَنَّ التَّفَاضُلَ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَالسَّوِيقِ، وَإِنْ لَمْ يُلَتَّ جَائِزٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَمِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي السَّوِيقِ مَا يَجِبُ أَنْ يَتَفَاضَلَ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ فِيمَنْ غَصَبَ فِضَّةً فَصَاغَهَا حُلِيًّا أَنَّ لِرَبِّهَا أَخْذَهَا أَوْ يُضَمِّنَهُ مِثْلَ فِضَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِعَمَلِ ظَالِمٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُمْكِنُ رَدُّهَا إلَى مَا كَانَتْ مَعَهُ عَلَيْهِ كَالْجِذْعِ وَالْحَجَرِ يَدْخُلُ فِي الْبُنْيَانِ وَهَذَا يُخَالِفُ صَبْغَ الثَّوْبِ وَطَحْنَ الْقَمْحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَهْلِكُ مِنْ أَحَدِهِمَا مَجْهُولَ الْعَدَدِ لَزِمَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْمِثْلِ مَعَ الْجَهْلِ بِالْوَزْنِ لَا يَكَادُ يُسْلَمُ فِيهِ مِنْ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ وَالْوَرِقَيْنِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ بِاتِّفَاقٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ غَصَبَ كَتَّانًا مَغْزُولًا أَوْ مَنْقُوشًا فَغَزَلَهُ ثُمَّ نَسَجَهُ ثَوْبًا فَعَلَيْهِ مِثْلُ الْكَتَّانِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ اسْتِهْلَاكِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَيْهِ قِيمَةُ الْغَزْلِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عِنْدَ أَشْهَبَ قَدْ انْتَقَلَ إلَى اسْمٍ آخَرَ وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ قَدْ انْتَقَلَ إلَى جِنْسٍ آخَرَ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا غَصَبَهُ مَعَ النَّسَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ وَجَدَ طَعَامَهُ بِغَيْرِ بِلَادِ الْغَصْبِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ وَأَخْذِ مِثْلِهِ فِي مَوْضِعِ الْغَصْبِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا أَعْرِفُ قَوْلَ أَشْهَبَ هَذَا، وَإِنَّمَا لَهُ أَخْذُهُ بِمِثْلِهِ فِي مَوْضِعِ الْغَصْبِ، وَكَذَلِكَ رَوَى أَصْبَغُ عَنْ أَشْهَبَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ، وَكُلُّ مَا يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ قَالَ أَصْبَغُ: إنْ كَانَ الْبَلَدُ الْبَعِيدُ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا كَبَعْضِ الْأَرْيَافِ وَالْقُرَى وَيَحْمِلُ عَلَى الظَّالِمِ بَعْضَ الْحَمْلِ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ نَقْلَهُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ إمَّا أَنْ يَكُونَ زِيَادَةٌ لَا غِبْنَ لَهَا فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صَاحِبَ الْحَقِّ مِنْ أَخْذِهِ حَقِّهِ، وَقَدْ وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ يَكُونُ نَقْصًا فِي الصِّفَةِ فَقَدْ رَضِيَ بِهَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْحَمْلَ زِيَادَةٌ فِي الطَّعَامِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطَى عَنْهَا عِوَضًا لِمَا يَدْخُلُ ذَلِكَ مِنْ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الطَّعَامَيْنِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ بِالنَّقْلِ وَاَلَّذِي نَقَلَ وَلِذَلِكَ يُجْبَرُ صَاحِبُ الطَّعَامِ فِيهِمَا وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا الْمُسَامَحَةُ بِقَدْرِ الْحَمْلِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْقِيمَةُ، وَإِذَا اخْتَارَهَا صَاحِبُ الطَّعَامِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فَلَا يَرْفَعُ الطَّعَامَ الْمَنْقُولَ إلَى الْغَاصِبِ حَتَّى يَتَوَثَّقَ مِنْهُ قَالَ أَشْهَبُ: يُحَالُ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَبَيْنَ الطَّعَامِ حَتَّى يُوَفَّى الْمَغْصُوبُ مِنْهُ حَقَّهُ وَقَالَ أَصْبَغُ: يَتَوَثَّقُ لَهُ بِحَقِّهِ قَبْلَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَتْلَفَ عَسَلًا أَوْ سَمْنًا بِبَلَدٍ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ مِثْلَهُ فَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِمِثْلِهِ، وَلَهُ أَنْ لَا يَأْخُذَ قِيمَتَهُ إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى أَمْرٍ يَجُوزُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: رَبُّ الطَّعَامِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ صَبَرَ وَأَلْزَمَهُ الْمِثْلَ يَأْتِي بِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَلْزَمَهُ الْقِيمَةَ الْآنَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: اُخْتُلِفَ فِي هَذَا كَمَا اُخْتُلِفَ فِي الْفَاكِهَةِ يُسْلَمُ فِيهَا فَيَنْقَضِي إبَّانُهَا وَقَدْ بَقِيَ بَعْضُهَا فَالصَّبْرُ حَتَّى يُؤْتِيَ بِالطَّعَامِ مِنْ هَذَا خَيْرٌ كَالصَّبْرِ حَتَّى يَأْتِيَ إبَّانُ الثَّمَرَةِ إلَى قَابِلٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَلْزَمُ الطَّالِبَ التَّأْخِيرُ فِيهِمَا. وَقَالَ أَشْهَبُ يَرُدُّ إلَيْهِ رَأْسَ مَالِهِ فِي السَّلَمِ وَلَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ، وَقَالَ فِي الطَّعَامِ: يَأْخُذُ قِيمَةَ الطَّعَامِ إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُؤَخِّرَ وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ عَلَى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ الْأَمْرُ الْقَرِيبُ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا مِثْلُ طَعَامِهِ يَأْتِيهِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ فِي تَأْخِيرِهِ
следующие страницы →