← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْغَاصِبِ تَغَيُّرًا يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا فَإِنَّ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَهَا أَوْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَرَمُ الْجَارِيَةِ عِنْدَ الْغَاصِبِ فَوْتٌ قَالَ أَشْهَبُ: سَوَاءٌ كَانَ مَا أَصَابَهَا مِنْ الْهَرَمِ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا مِثْلَ انْكِسَارِ الْيَدَيْنِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ لِصَاحِبِهَا أَنْ يُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ إنْ شَاءَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا إذَا كَانَ مَا دَخَلَهَا مِنْ النَّقْصِ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - لَا بِفِعْلِ الْغَاصِبِ، وَلَيْسَ لِلْمَغْصُوبِ إلَّا أَخْذُهَا بِغَيْرِ أَرْشٍ أَوْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا وَمَا نَقَصَ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ لَمْ يَضْمَنْ مَا حَدَثَ بِانْفِرَادِهِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ بِضَمَانِ الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَا نَقَصَ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ فَهَلْ لَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ فِيهِ خِلَافٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ ذَلِكَ. وَقَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ الْمَوَّازِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَهُ أَخْذُهَا نَاقِصَةً بِغَيْرِ أَرْشٍ أَوْ إسْلَامُهَا وَأَخْذُ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْغَصْبِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ كَالْمُبْتَدَأَةِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْغَصْبِ وَلِذَلِكَ لَا يَضْمَنُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْجِنَايَةِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْغَصْبِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَقَدْ وَجَدْت لِسَحْنُونٍ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْجِنَايَةِ فِي الْعَمْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ اغْتَصَبَ وَدْيًا مِنْ النَّخْلِ أَوْ شَجَرًا صِغَارًا فَغَرَسَهَا فِي أَرْضِهِ فَكَبُرَتْ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لِرَبِّهَا أَخْذُهَا، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ أَوْ الرَّقِيقُ يَكْبَرُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ إنَّمَا يَحْكُمُ بِقَلْعِ النَّخْلِ إذَا كَانَ مِمَّا يُعَلَّقُ إنْ قُلِعَتْ وَغُرِسَتْ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ فِي الرَّقِيقِ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ حَيَوَانِهِ وَرَقِيقِهِ كَمَا لَوْ سَمُنَتْ وَأَمَّا النَّخْلُ وَالشَّجَرُ فَعِنْدِي أَنَّ الْغَاصِبَ إنْ كَانَ قَلَعَهَا وَقَدْ عَلِقَتْ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَجَرَهُ أَوْ يُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى ثِقَةٍ أَنْ تَعْلَقَ إنْ قَلَعَهَا وَغَرَسَهَا، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَخَذَهَا مَقْلُوعَةً فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَيَوَانِ لَا خِيَارَ لَهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ لَهُ الْخِيَارُ فِي مَوْضِعِ النَّقْصِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِيمَنْ غَصَبَ خَمْرًا فَخَلَّلَهَا: فَلَيْسَ لِصَاحِبِهَا إلَّا أَخْذُهَا. وَقَالَ أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا ذِمِّيًّا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا أَوْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا خَمْرًا يَوْمَ الْغَصْبِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْخَمْرُ لِمُسْلِمٍ فَقَدْ زَادَتْ بِالتَّخَلُّلِ وَلَمْ تَنْقُصْ فِي حَقِّهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا عَيْنُ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لِذِمِّيٍّ فَقَدْ نَقَصَتْ فِي حَقِّهِ بِالتَّخْلِيلِ فَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا غَابَ الْغَاصِبُ عَنْ الْجَارِيَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَطِئَهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ أَنَّ صَاحِبَهَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهَا أَوْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا قَالَهُ مَالِكٌ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَسْنَا نَقُولُ ذَلِكَ فِي الرَّقِيقِ الْمَذْكُورِ، وَلَا فِي الدَّوَابِّ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَى الْغَاصِبِ أَنْ يُصِيبَهَا، وَذَلِكَ يُنْقِصُ ثَمَنَهَا، وَقَالَ أَصْبَغُ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْجَارِيَةِ الرَّائِعَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقِيمَةَ الْوَاجِبَةَ فِي الْغَصْبِ هِيَ قِيمَةُ السِّلْعَةِ يَوْمَ الْغَصْبِ سَوَاءٌ زَادَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ الْغَاصِبِ أَوْ نَقَصَتْ قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَقَدْ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ غَصَبَ جَارِيَةً صَغِيرَةً تُسَاوِي مِائَةً فَلَمَّا كَبُرَتْ وَصَارَتْ قِيمَتُهَا أَلْفًا مَاتَتْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْغَصْبِ قَالَ أَشْهَبُ فِيمَنْ جَرَحَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ فَمَاتَ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ: فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْجُرْحِ، وَهَذَا إذَا مَاتَتْ بِغَيْرِ فِعْلِ الْغَاصِبِ فَإِنَّهَا إنْ مَاتَتْ بِسَبَبِهِ مِثْلَ أَنْ يَقْتُلَهَا وَقَدْ زَالَتْ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: لَا يَضْمَنُ إلَّا قِيمَتَهَا يَوْمَ الْغَصْبِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: الْقَتْلُ فِعْلٌ ثَانٍ، وَقَالَ إنَّ لَهُ أَخْذَهُ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَتْلِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: وَلَوْ بَاعَهَا وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ الْغَصْبِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ فَقَأَ الْغَاصِبُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً عَيْنَ الْجَارِيَةِ أَوْ قَطَعَ يَدَهَا فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ الْغَصْبِ أَوْ يَأْخُذُهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ. وَقَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ وَغَيْرِ مَوْضِعٍ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَمَا نَقَصَهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ يَوْمَ الْجِنَايَةِ قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذَا خِلَافُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْقَتْلِ أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْغَصْبِ فَيَأْخُذُهَا وَمِثْلَ قِيمَتِهَا أَوْ أَكْثَرَ فَيَأْخُذُ فِي الْيَدِ مَا لَا يَأْخُذُ فِي النَّفْسِ، وَإِنَّمَا لَهُ

стр. 1612

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَخْذُهَا نَاقِصَةً فَقَطْ أَوْ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْغَصْبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْقَتْلِ لِسَحْنُونٍ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي قَطْعِ الْيَدِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا إنَّ عَرَا الِاسْتِهْلَاكُ وَالتَّعَدِّي مِنْ الْغَصْبِ فَإِنَّمَا لَهُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الِاسْتِهْلَاكِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِيمَنْ تَعَدَّى فَوَطِئَ أَمَةَ رَجُلٍ وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ فَحَمَلَتْ أَوْ لَمْ تَحْمِلْ ثُمَّ قَامَ صَاحِبُهَا وَقِيمَتُهَا خَمْسُونَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْوَطْءِ وَهِيَ فِي ضَمَانِهِ مِنْ يَوْمِئِذٍ وَعَلَيْهِ فِي الْغَصْبِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْغَصْبِ لَا يَنْظُرُ إلَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْغَصْبَ مَعْنًى تُضْمَنُ بِهِ فَلَا يُنْظَرُ إلَى مَا حَدَثَ بَعْدَهُ، وَأَمَّا التَّعَدِّي فَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ مَا يُوجِبُ الضَّمَانَ فَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى حَالَيْ الضَّمَانِ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ اسْتَهْلَكَ بَعْضَ الْعَيْنِ أَوْ أَدْخَلَ عَلَيْهَا نَقْصًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَإِنَّ لِصَاحِبِهَا أَخْذَهَا وَقِيمَةَ مَا نَقَصَتْ الْجِنَايَةُ مِنْهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ كَانَتْ جِنَايَتُهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا وَيُخَالِفُ ذَلِكَ الْغَاصِبُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ بِالْفَسَادِ الْيَسِيرِ لِتَقَدُّمِ الْغَصْبِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَأَشْهَبُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: فِيمَنْ كَسَرَ قَصْعَةً أَوْ قُمْقُمًا أَوْ شَقَّ ثَوْبًا أَوْ كَسَرَ سَرْجًا فَإِنَّ فِي النَّقْصِ الْكَثِيرِ قِيمَتَهُ وَفِي الْيَسِيرِ مَا نَقَصَهُ قَالَ أَشْهَبُ: بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: بَعْدَ رَفْوِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي مَا يَلِيقُ بِالثَّوْبِ مِنْ خِيَاطَتِهِ أَوْ رَفْوِهِ وَهَذَا عِنْدِي إذَا كَانَ الْيَسِيرُ لَا يَبْطُلُ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ الْحَيَوَانِ فَإِذَا بَطَلَتْ الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ لَزِمَ الْجَانِيَ جَمِيعُ قِيمَتِهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ وَأَصْبَغَ فِي الَّذِي يَقْطَعُ ذَنَبَ فَرَسٍ أَوْ حِمَارٍ فَارِهٍ أَوْ بَغْلٍ مِمَّا يَرْكَبُ مِثْلَهُ ذَوُو الْهَيْئَاتِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ جَمِيعَ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ الْغَرَضَ فِيهِ بِخِلَافِ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ وَسَوَّى بَيْنَ الْأُذُنِ وَالذَّنَبِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِمَا: إنَّمَا فِي ذَلِكَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ أَتْلَفَ بِهَذِهِ الْجِنَايَةِ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْعَيْنِ فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا كَمَا لَوْ أَتْلَفَ جَمِيعَهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ تَعَدَّى عَلَى شَاةٍ فَقَلَّ لَبَنُهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ إنْ كَانَ عَظُمَ مَا يُرَادُ إلَيْهِ اللَّبَنُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا إنْ شَاءَ رَبُّهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَزِيرَةَ اللَّبَنِ فَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَا نَقَصَهَا، وَأَمَّا الْبَقَرَةُ وَالنَّاقَةُ فَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَا نَقَصَهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَزِيرَةَ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَنَافِعَ غَيْرَ اللَّبَنِ وَقَالَهُ أَصْبَغُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدِ غَيْرِهِ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ: إنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ فَجَعَلَ قَطْعَ الْيَدِ أَوْ فَقْءَ الْعَيْنِ فِي حَيِّزِ الْيَسِيرِ. وَقَالَ: وَأَمَّا قَطْعُ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ فِي الْبَهَائِمِ فَيَبْطُلُ جَعْلُ مَنَافِعِهَا أَوْ جَمِيعِهَا أَنَّ عَلَيْهِ الْقِيمَةَ، وَأَمَّا فَقْءُ الْعَيْنِ وَقَطْعُ الْأُذُنِ أَوْ الذَّنَبِ أَوْ كَسْرُهَا كَسْرًا يَنْجَبِرُ فِيهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا وَقَالَهُ مَالِكٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبُو الزِّنَادِ وَرَوَى فِي الْمَجْمُوعَةِ أَشْهَبُ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ فِي قَطْعِ يَدِ الْعَبْدِ وَفَقْءِ الْعَيْنِ: أَنَّ رَبَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ مَا نَقَصَهُ أَوْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ فَجَعَلَهُ فِي حَيِّزِ الْكَثِيرِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَّرِفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ فِيمَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فَإِنْ كَانَ صَانِعًا وَعَظُمَ قَدْرُهُ لِصَنْعَتِهِ ضَمِنَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَانِعًا فَقِيمَةُ مَا نَقَصَهُ، وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا نَبِيلًا، وَأَمَّا فَقْءُ الْعَيْنِ فَفِيهِ مَا نَقَصَهُ، وَإِنْ كَانَ صَانِعًا. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا إذَا كَانَ الْفَسَادُ كَثِيرًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ كَسَرَ قَصْعَةً أَوْ سَرْجًا أَوْ قُمْقُمًا أَوْ شَقَّ ثَوْبًا أَنَّ فِي النَّقْصِ الْكَثِيرِ قِيمَتَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ أَوْ رِجْلَيْهِ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ. وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ قَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إلَّا أَنْ يَرَى أَنَّهُ بَعْدَ الْعَمَى وَقَطْعِ

стр. 1613

(ص) : (قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ فَإِنَّمَا يَرُدُّ عَلَى صَاحِبِهِ مِثْلَ طَعَامِهِ بِمَكِيلَتِهِ مِنْ صِنْفِهِ، وَإِنَّمَا الطَّعَامُ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا يَرُدُّ مِنْ الذَّهَبِ الذَّهَبَ وَمِنْ الْفِضَّةِ الْفِضَّةَ وَلَيْسَ الْحَيَوَانُ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ فِي ذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ السُّنَّةُ وَالْعَمَلُ الْمَعْمُولُ بِهِ) ــ [المنتقى] الْيَدَيْنِ لَمْ تَذْهَبْ أَكْثَرُ مَنَافِعِهِ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ عَمْدًا أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ عَمْدًا خُيِّرَ رَبُّهُ بَيْنَ أَخْذِ مَا نَقَصَهُ أَوْ يُضَمِّنَهُ جَمِيعَهُ. قَالَ أَشْهَبُ إذَا أَذْهَبَ قَطْعُ يَدِهِ الْوَاحِدَةِ أَكْثَرَ مَنَافِعِهِ فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ إلَّا قِيمَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُذْهِبْ أَكْثَرَ مَنَافِعِهِ فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ كَمَا قَالَ مَالِكٌ فَعَلَى هَذَا يَتَنَوَّعُ الْفَسَادُ عِنْدَ مَالِكٍ نَوْعَيْنِ يَسِيرٌ يَجِبُ بِهِ مَا نَقَصَ وَلَيْسَ لَهُ تَضْمِينُهُ، وَكَثِيرٌ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ فَمَرَّةٌ قَالَ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْقِيمَةُ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ فِيمَنْ قَطَعَ رِجْلَيْ عَبْدٍ أَوْ يَدَيْهِ أَوْ فَقَأَ عَيْنَيْهِ فَقَدْ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ كُلُّهَا وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَخْتَارَ إمْسَاكَهُ وَيَأْخُذَ مَا نَقَصَهُ، وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْعَبْدِ مِنْ عَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَمَرَّةً قَالَ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ وَمَا نَقَصَ أَوْ أَخْذِ قِيمَتِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِلَى هَذَا رَجَعَ مَالِكٌ فِي الْفَسَادِ الْكَثِيرِ وَيَتَنَوَّعُ الْفَسَادُ عَنْ أَشْهَبَ إلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ أَحَدُهَا يَسِيرٌ لَيْسَ إلَّا مَا نَقَصَ وَالثَّانِي أَنْ يَنْقُصَ الْكَثِيرُ وَلَا يَذْهَبُ أَكْثَرُ الْمَنَافِعِ فَهَذَا يَكُونُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ مُخَيَّرًا عَلَى مَا ذُكِرَ، وَأَمَّا إذَا أَتْلَفَ أَكْثَرَ الْمَنَافِعِ فَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ إلَّا الْقِيمَةُ. وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الثَّوْبِ وَالْعَبْدِ إذَا كَانَ لَهُ تَضْمِينُهُ الْقِيمَةَ بِكَثْرَةِ الْفَسَادِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَأْخُذَ مَا نَقَصَهُ، وَإِنَّمَا لَهُ أَخْذُهُ بِحَالِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ أَوْ يَلْزَمُهُ قِيمَةُ جَمِيعِهِ وَكَذَلِكَ ذَابِحُ الشَّاةِ فَلَيْسَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَهَا لَحْمًا وَيَأْخُذَ مَا نَقَصَهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْقِيمَةَ عَنْ غَيْرِ الْعَيْنِ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ سِلْعَتَهُ وَبَعْضَ الْقِيمَةِ وَلَا يَأْخُذَ غَيْرَ الْقِيمَةِ إلَّا بِاجْتِمَاعٍ مِنْهُمَا عَلَى أَمْرٍ جَائِزٍ إلَّا أَنْ يَرْضَى صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَنْ يَأْخُذَهَا نَاقِصَةً دُونَ شَيْءٍ فَذَلِكَ لَهُ، وَاحْتَجَّ أَشْهَبُ أَنَّهُ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ فِي الْيَسِيرِ كَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ فِي الْكَثِيرِ أَنْ يَأْخُذَ سِلْعَتَهُ وَمَا نَقَصَهُ. (ش) : وَهَذَا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ: إنَّ مَنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ تَعَدِّيًا فَإِنَّ عَلَيْهِ مِثْلَهُ فِي الْكَيْلِ وَالصِّفَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مَعْلُومَ الْكَيْلِ، وَكَذَلِكَ مَا يُوزَنُ وَيُعَدُّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْلُومِ الْقَدْرِ فَإِنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ لِحَوْزِ صُبْرَتِهِ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مِثْلَ مَا حُوِّزَ فِيهَا لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ عَنْ صُبْرَتِهِ حِنْطَةَ أَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ أَقَلَّ فَيُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ فِي الطَّعَامِ. (فَرْعٌ) وَهَذَا قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ فَأَمَّا إذَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ فَقَدْ رَوَى سَحْنُونٌ عَنْ أَشْهَبَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ غَصَبَ صُبْرَةَ قَمْحٍ فَأَرَادَ الْغَاصِبُ أَنْ يُصَالِحَ مِنْهَا عَلَى كَيْلٍ مِنْ الْقَمْحِ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَلْزَمَ الْغَاصِبَ الْقِيمَةَ بِحُكْمٍ أَوْ صُلْحٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ كَيْلًا مِنْ الْقَمْحِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلِرَبِّهَا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا عِشْرُونَ إرْدَبًّا وَيَأْخُذَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُصَالِحَهُ مِنْ الْمَكِيلِ عَلَى مَا لَا شَكَّ فِيهِ يُرِيدُ لَا شَكَّ أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ حَقِّهِ قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ غَصَبَ خَلْخَالًا فِضَّةً وَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا مِنْ الذَّهَبِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ خَلَطَ قَمْحًا لِرَجُلٍ بِشَعِيرٍ لِغَيْرِهِ ضَمِنَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلَ طَعَامِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أَتْلَفَ عَيْنَ طَعَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَمَنَعَهُ الْوُصُولَ إلَى قَبْضِهِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْجَانِي مَالٌ بِيعَ الطَّعَامُ الْمَخْلُوطُ وَاشْتَرَى مِنْ ثَمَنِهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلَ طَعَامِهِ قَالَهُ أَشْهَبُ قَالَ: فَإِنْ فَضُلَ شَيْءٌ فَلِلْجَانِي، وَإِنْ نَقَصَ شَيْءٌ فَعَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ صَاحِبَا الطَّعَامِ أَنْ يَتْرُكَا طَلَبَ الْجَانِي وَيَأْخُذَا الطَّعَامَ وَيَقْتَسِمَانِهِ بَيْنَهُمَا. وَقَدْ جَوَّزَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَاخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الِاشْتِرَاكِ فِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَشْتَرِكَانِ فِي الطَّعَامِ الْمُخْتَلَطِ أَحَدُهُمَا بِقِيمَةِ قَمْحِهِ وَالْآخَرُ بِقِيمَةِ شَعِيرِهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَا فِيهِ إلَّا عَلَى السَّوَاءِ إنْ كَانَتْ مَكِيلَةَ طَعَامِهِمَا سَوَاءٌ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى التَّفَاضُلِ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ

стр. 1614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] يُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ بَيْنَ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَتْرُكَاهُ لِلْغَاصِبِ وَيَأْخُذَا الطَّعَامَ الْمُخْتَلَطَ عَلَى التَّسَاوِي وَلَا عَلَى الْقِيمَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ خَلَطَ زَيْتًا بِسَمْنٍ أَوْ سَمْنَ بَقَرٍ بِسَمْنِ غَنَمٍ يَضْمَنُ مَا ضَاعَ مِنْهُ وَمَا بَقِيَ وَلَوْ خَلَطَ نَوْعًا وَاحِدًا كَزَيْتٍ بِزَيْتٍ أَوْ سَمْنًا بِعَسَلٍ أَوْ بِزَيْتٍ أَوْ سَمْنًا بِسَمْنٍ فَضَاعَ بَعْضُهُ ضَمِنَ مَا ضَاعَ وَمَا بَقِيَ وَلِصَاحِبَيْ ذَلِكَ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ بِشَطْرَيْنِ أَوْ يَدَعَاهُ وَمَا كَانَ مِنْ جِنْسَيْنِ كَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَلَهُمَا أَنْ يَصْطَلِحَا فِيهِ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ كَانَ أَحَدُهُمَا بَاعَ ثُلُثَ سَمْنِهِ بِثُلُثَيْ عَسَلِ صَاحِبِهِ قَالَ ذَلِكَ أَشْهَبُ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ خَلْطَ النَّوْعِ الْوَاحِدِ جِنَايَةٌ عَلَى مَنْ خَلَطَ مَالَهُ بِمَالِ غَيْرِهِ لَا سِيَّمَا أَنَّ التَّسَاوِيَ الْمُحَقَّقَ فِي الْأَغْلَبِ غَيْرُ مَوْجُودٍ فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ فَإِذَا كَانَ مِمَّا لَا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا التَّفَاضُلُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ عِنْدَ أَشْهَبَ إلَّا عَلَى التَّسَاوِي؛ لِأَنَّ التَّفَاضُلَ يَحْرُمُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَا مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالْعَسَلِ وَالسَّمْنِ جَازَ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ عَلَى مَا يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّفَاضُلَ فِيهِمَا غَيْرُ مَمْنُوعٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ فِي مِثْلِ هَذَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا فِيمَا لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَمَّا مَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِيمَنْ خَلَطَ جَوْزَ رَجُلٍ بِحِنْطَةِ آخَرَ: إنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِ ذَلِكَ بِلَا مَضَرَّةٍ عَلَى الْقَمْحِ وَالْجَوْزِ قَالَ: وَكَذَلِكَ خَلْطُ الْجَوْزِ بِالرُّمَّانِ وَالرُّمَّانِ بِالْأُتْرُجِّ وَالتُّفَّاحِ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَلْطُهُمَا يُفْسِدُ أَحَدَهُمَا فَيَضْمَنُ الَّذِي يَفْسُدُ بِالْخَلْطِ، وَإِنْ كَانَ يَفْسُدَانِ بِذَلِكَ ضَمِنَهُمَا، وَلَوْ تَلِفَا قَبْلَ الْفَسَادِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: كَيْفَ يَضْمَنُهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْسُدَا، وَالْخَلْطُ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلضَّمَانِ، وَإِنَّمَا يُوجِبُهُ الْفَسَادُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ غَصَبَ قَمْحًا فَطَحَنَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: عَلَيْهِ مِثْلُهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ فِي غَيْرِهَا: يَأْخُذُ صَاحِبُ الْقَمْحِ دَقِيقَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي طَحِينِهِ وَأَصْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا مُخَالِفٌ لِأَصْلِ أَشْهَبَ وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: إنَّ الْغَاصِبَ إذَا صَنَعَ فِيمَا غَصَبَ صِنَاعَةً لَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَدْفَعَ إلَى الْغَاصِبِ قِيمَةَ تِلْكَ الصِّنَاعَةِ، وَإِلَّا ضَمَّنَهُ مَا غَصَبَهُ إيَّاهُ فَإِنْ كَانَ ثَوْبًا صَبَغَهُ الْغَاصِبُ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ صَبْغِهِ أَوْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ فَكَذَلِكَ يَدْفَعُ إلَيْهِ قِيمَةَ صِنَاعَتِهِ أَوْ يَأْخُذُ مِنْهُ مِثْلَ مَا لَهُ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّهَا حِنْطَةٌ وَدَرَاهِمُ بِدَقِيقٍ وَلَا يَجُوزُ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ وَأَشْهَبُ يَقُولُ: إنَّ مَا يَصْنَعَهُ الْغَاصِبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَبْطُلُ وَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ وَلَا يُعْطِيهِ قِيمَةَ الصَّبْغِ وَيَأْخُذَ الْحِنْطَةَ وَلَا يُعْطِيهِ قِيمَةَ الطَّحْنِ. وَاتَّفَقَا فِي الْمَجْمُوعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا سَوِيقًا وَلَتَّهُ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا أَخْذُ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ مَالٌ بِيعَ السَّوِيقُ فَاشْتَرَى مِنْ ثَمَنِهِ مِثْلَ الْحِنْطَةِ فَمَا فَضَلَ فَلِلْغَاصِبِ وَمَا نَقَصَ اتَّبَعَ بِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّوْبُ يُصْبَغُ وَالثَّوْبُ يُقْطَعُ وَالْعَمُودُ يَدْخُلُ فِي الْبُنْيَانِ؛ لِأَنَّ اسْمَ ذَلِكَ قَائِمٌ بَعْدُ، وَاسْمُ الْقَمْحِ قَدْ زَالَ وَانْتَقَلَ إلَى اسْمِ السَّوِيقِ قَالَ سَحْنُونٌ: كُلُّ مَا غُيِّرَ حَتَّى يَصِيرَ لَهُ اسْمٌ غَيْرَ اسْمِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ وَهُوَ فَوْتٌ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ أَنَّ لِرَبِّ الْحِنْطَةِ أَنْ يَأْخُذَهَا إذَا طَحَنَهَا الْغَاصِبُ سَوِيقًا أَوْ يُضَمِّنَهُ مِثْلَهَا وَلَا حُجَّةَ لِلْغَاصِبِ فِي الصَّنْعَةِ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» وَاتَّفَقَ أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَجَعَلَهُ ظِهَارَةً أَوْ بِطَانَةً لِجُبَّةٍ أَوْ جَعَلَهُ قَلَانِسَ فَإِنَّ لِرَبِّهِ فَتْقَهُ وَأَخْذَهُ أَوْ أَخْذَ قِيمَتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عِنْدَ أَشْهَبَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ اسْمِهِ وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ صِنَاعَةٍ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ قِيمَتُهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ غَصَبَ عَمُودًا أَوْ خَشَبَةً فَأَدْخَلَهَا فِي بُنْيَانِهِ فَإِنَّ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَهَا، وَإِنْ خَرِبَ الْبُنْيَانُ قَالَهُ مَالِكٌ وَأَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ عَمِلَ الْخَشَبَةَ بَابًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُعِيدَهُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ قَدْ انْتَقَلَ عَنْ اسْمِ الْخَشَبَةِ إلَى اسْمِ الْبَابِ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْبَابِ دُونَ غُرْمِ قِيمَةِ الصَّنْعَةِ وَلَا أَنْ يَأْخُذَهُ، وَيَدْفَعَ قِيمَةَ الصَّنْعَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَالَ إلَى غَيْرِ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَالَ: وَكَذَلِكَ

стр. 1615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْحِنْطَةُ تُتَّخَذُ خُبْزًا وَالْجِلْدُ خِفَافًا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ غَصَبَ فِضَّةً فَصَاغَهَا حُلِيًّا أَوْ ضَرَبَهَا دَرَاهِمَ أَوْ غَصَبَ دَرَاهِمَ فَصَاغَهَا حُلِيًّا أَوْ غَصَبَ حُلِيًّا فَكَسَرَهُ وَصَاغَ مِنْهُ حُلِيًّا آخَرَ يُخَالِفُهُ أَوْ نُحَاسًا فَصَنَعَ مِنْهُ آنِيَةً أَوْ حَدِيدًا فَصَنَعَ مِنْهُ سُيُوفًا أَوْ آنِيَةً فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ هَذَا أَخْذُ ذَلِكَ وَلَهُ مِثْلُ وَزْنِ فِضَّتِهِ وَنُحَاسِهِ وَحَدِيدِهِ وَمِثْلُ دَرَاهِمِهِ وَقِيمَةُ الْحُلِيِّ قَالَ أَشْهَبُ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ الصَّنْعَةِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الْفِضَّتَيْنِ وَلَا أَنْ يَذْهَبَ بِصَنْعَتِهِ بَاطِلًا وَلَيْسَ كَالْحِنْطَةِ يَطْحَنُهَا سَوِيقًا؛ لِأَنَّ التَّفَاضُلَ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَالسَّوِيقِ، وَإِنْ لَمْ يُلَتَّ جَائِزٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَمِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي السَّوِيقِ مَا يَجِبُ أَنْ يَتَفَاضَلَ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ فِيمَنْ غَصَبَ فِضَّةً فَصَاغَهَا حُلِيًّا أَنَّ لِرَبِّهَا أَخْذَهَا أَوْ يُضَمِّنَهُ مِثْلَ فِضَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِعَمَلِ ظَالِمٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُمْكِنُ رَدُّهَا إلَى مَا كَانَتْ مَعَهُ عَلَيْهِ كَالْجِذْعِ وَالْحَجَرِ يَدْخُلُ فِي الْبُنْيَانِ وَهَذَا يُخَالِفُ صَبْغَ الثَّوْبِ وَطَحْنَ الْقَمْحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَهْلِكُ مِنْ أَحَدِهِمَا مَجْهُولَ الْعَدَدِ لَزِمَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْمِثْلِ مَعَ الْجَهْلِ بِالْوَزْنِ لَا يَكَادُ يُسْلَمُ فِيهِ مِنْ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ وَالْوَرِقَيْنِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ بِاتِّفَاقٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ غَصَبَ كَتَّانًا مَغْزُولًا أَوْ مَنْقُوشًا فَغَزَلَهُ ثُمَّ نَسَجَهُ ثَوْبًا فَعَلَيْهِ مِثْلُ الْكَتَّانِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ اسْتِهْلَاكِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَيْهِ قِيمَةُ الْغَزْلِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عِنْدَ أَشْهَبَ قَدْ انْتَقَلَ إلَى اسْمٍ آخَرَ وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ قَدْ انْتَقَلَ إلَى جِنْسٍ آخَرَ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا غَصَبَهُ مَعَ النَّسَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ وَجَدَ طَعَامَهُ بِغَيْرِ بِلَادِ الْغَصْبِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ وَأَخْذِ مِثْلِهِ فِي مَوْضِعِ الْغَصْبِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا أَعْرِفُ قَوْلَ أَشْهَبَ هَذَا، وَإِنَّمَا لَهُ أَخْذُهُ بِمِثْلِهِ فِي مَوْضِعِ الْغَصْبِ، وَكَذَلِكَ رَوَى أَصْبَغُ عَنْ أَشْهَبَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ، وَكُلُّ مَا يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ قَالَ أَصْبَغُ: إنْ كَانَ الْبَلَدُ الْبَعِيدُ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا كَبَعْضِ الْأَرْيَافِ وَالْقُرَى وَيَحْمِلُ عَلَى الظَّالِمِ بَعْضَ الْحَمْلِ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ نَقْلَهُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ إمَّا أَنْ يَكُونَ زِيَادَةٌ لَا غِبْنَ لَهَا فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صَاحِبَ الْحَقِّ مِنْ أَخْذِهِ حَقِّهِ، وَقَدْ وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ يَكُونُ نَقْصًا فِي الصِّفَةِ فَقَدْ رَضِيَ بِهَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْحَمْلَ زِيَادَةٌ فِي الطَّعَامِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطَى عَنْهَا عِوَضًا لِمَا يَدْخُلُ ذَلِكَ مِنْ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الطَّعَامَيْنِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ بِالنَّقْلِ وَاَلَّذِي نَقَلَ وَلِذَلِكَ يُجْبَرُ صَاحِبُ الطَّعَامِ فِيهِمَا وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا الْمُسَامَحَةُ بِقَدْرِ الْحَمْلِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْقِيمَةُ، وَإِذَا اخْتَارَهَا صَاحِبُ الطَّعَامِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فَلَا يَرْفَعُ الطَّعَامَ الْمَنْقُولَ إلَى الْغَاصِبِ حَتَّى يَتَوَثَّقَ مِنْهُ قَالَ أَشْهَبُ: يُحَالُ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَبَيْنَ الطَّعَامِ حَتَّى يُوَفَّى الْمَغْصُوبُ مِنْهُ حَقَّهُ وَقَالَ أَصْبَغُ: يَتَوَثَّقُ لَهُ بِحَقِّهِ قَبْلَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَتْلَفَ عَسَلًا أَوْ سَمْنًا بِبَلَدٍ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ مِثْلَهُ فَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِمِثْلِهِ، وَلَهُ أَنْ لَا يَأْخُذَ قِيمَتَهُ إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى أَمْرٍ يَجُوزُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: رَبُّ الطَّعَامِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ صَبَرَ وَأَلْزَمَهُ الْمِثْلَ يَأْتِي بِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَلْزَمَهُ الْقِيمَةَ الْآنَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: اُخْتُلِفَ فِي هَذَا كَمَا اُخْتُلِفَ فِي الْفَاكِهَةِ يُسْلَمُ فِيهَا فَيَنْقَضِي إبَّانُهَا وَقَدْ بَقِيَ بَعْضُهَا فَالصَّبْرُ حَتَّى يُؤْتِيَ بِالطَّعَامِ مِنْ هَذَا خَيْرٌ كَالصَّبْرِ حَتَّى يَأْتِيَ إبَّانُ الثَّمَرَةِ إلَى قَابِلٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَلْزَمُ الطَّالِبَ التَّأْخِيرُ فِيهِمَا. وَقَالَ أَشْهَبُ يَرُدُّ إلَيْهِ رَأْسَ مَالِهِ فِي السَّلَمِ وَلَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ، وَقَالَ فِي الطَّعَامِ: يَأْخُذُ قِيمَةَ الطَّعَامِ إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُؤَخِّرَ وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ عَلَى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ الْأَمْرُ الْقَرِيبُ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا مِثْلُ طَعَامِهِ يَأْتِيهِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ فِي تَأْخِيرِهِ

стр. 1616

(ص) : (قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ إذَا اسْتَوْدَعَ الرَّجُلُ مَالًا فَابْتَاعَ بِهِ لِنَفْسِهِ وَرَبِحَ فِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ الرِّبْحَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لِلْمَالِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ إلَى صَاحِبِهِ) ــ [المنتقى] ضَرَرٌ أَوْ كَانَ اسْتَهْلَكَهُ فِي لُجِّ بَحْرٍ أَوْ سَفَرٍ بَعِيدٍ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ حَيْثُ اسْتَهْلَكَهُ يَأْخُذُهُ بِهِ حَيْثُ لَقِيَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا الطَّعَامُ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَرُدُّ مِنْ الذَّهَبِ الذَّهَبَ وَمِنْ الْفِضَّةِ الْفِضَّةَ وَذَلِكَ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ لَا يَخْلُوَانِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَا مَعْلُومَيْ الْقَدْرِ أَوْ غَيْرَ مَعْلُومَيْ الْقَدْرِ فَإِنْ كَانَتَا مَعْلُومَيْ الْقَدْرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَصُوغٍ أَوْ مَصُوغًا فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَصُوغٍ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ تِبْرًا أَوْ مَضْرُوبًا فَإِنَّ هَذَا فِيهِ الْمِثْلَ يَرُدُّ مِنْ الذَّهَبِ ذَهَبًا، وَمِنْ الْفِضَّةِ فِضَّةً فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ؛ لِأَنَّ التَّمَاثُلَ فِيهَا مَوْجُودٌ غَيْرُ مَعْدُومٍ، وَإِنَّمَا يَعْدِلُ إلَى الْقِيمَةِ إذَا عُدِمَ التَّمَاثُلُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ الذَّهَبُ أَوْ الْفِضَّةُ مَصُوغَيْنِ فَإِنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الصِّيَاغَةِ إنْ كَانَ الْمُسْتَهْلَكُ ذَهَبًا فَقِيمَتُهُ مِنْ الْفِضَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِضَّةً فَقِيمَتُهُ مِنْ الذَّهَبِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الصِّيَاغَةَ مِنْ جُمْلَةِ مَا اُسْتُهْلِكَ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَالتَّمَاثُلَ مُتَعَذِّرٌ فِيهَا لَا سِيَّمَا مُرَاعَاةُ جِنْسِ فِضَّتِهَا؛ لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تُضْرَبُ إلَّا بَعْدَ رَدِّهَا إلَى التَّمَاثُلِ فِي الْجِنْسِ، وَالتَّمَاثُلُ فِي السِّكَّةِ غَيْرُ مَعْدُومٍ، وَأَمَّا الصَّائِغُ فَلَا يَعْتَبِرُ فِي وُجُودِ مَا يَصُوغُهُ شَيْئًا بَلْ يَتَفَاوَتُ جَوْدَةُ مَا يُصَاغُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ فِيهَا التَّمَاثُلُ، وَكَذَلِكَ جِنْسُ مَا يُصَاغُ مِنْهُ يَبْعُدُ فِيهِ التَّمَاثُلُ فَلِذَلِكَ لَزِمَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ تَعَدَّى عَلَى سِوَارَيْنِ لِغَيْرِهِ فَهَشَّمَهُمَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ: عَلَيْهِ قِيمَةُ الصِّيَاغَةِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَلَيْسَ كَالْفَسَادِ الْفَاحِشِ فِي الْعُرُوضِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ الصَّنْعَةَ. وَقَالَ أَشْهَبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصُوغَهُمَا لَهُ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيهِمَا وَفِي الْجِدَارِ يَهْدِمُهُ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَصُوغَهُمَا فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِمَا مَصُوغَيْنِ وَمَكْسُورَيْنِ وَلَا أُبَالِي قُوِّمَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا نَقَصَتْهُمَا الصَّنْعَةُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ عَلَى الذَّهَبِ، وَإِنَّمَا تَعَدَّى عَلَى الصِّيَاغَةِ فَكَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّهَا مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ. وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَصُوغَهُمَا لَهُ؛ لِأَنَّ الصِّيَاغَةَ عِنْدَهُ مِمَّا لَهَا مِثْلٌ وَلِذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ اسْتَهْلَكَهُمَا لَا أُلْزِمُهُ مِثْلَهُمَا؛ لِأَنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ ذَهَبِهِ أَوْ أَقَلُّ وَفِي الْكَثِيرِ إنَّمَا يَصُوغُ ذَهَبَهُمَا نَفْسَهُ وَهَذَا الَّذِي قَالَ غَيْرُ مُتَخَلِّصٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِذَهَبٍ مِثْلِهِ وَيَصُوغَ مِثْلَ تِلْكَ الصِّنَاعَةِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَلَيْهِ مَا نَقَصَتْهُمَا الصِّيَاغَةُ أَنَّهُ نَقْصٌ طَرَأَ عَلَى الْحُلِيِّ لَا يُتَصَوَّرُ انْفِرَادُهُ دُونَهُ وَهُوَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ فَكَانَ عَلَيْهِ مَا نَقَصَ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى ثَوْبٍ بِتَخْرِيقٍ. (ش) : وَهَذَا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ إنَّ مَنْ تَجَرَ بِمَالٍ اُسْتُوْدِعَهُ فَرَبِحَ فِيهِ فَإِنَّ الرِّبْحَ لَهُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي جَوَازِ السَّلَفِ مِنْ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُودِعِ فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ. وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ قَالَ تَرْكُ ذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ وَقَدْ أَجَازَهُ بَعْضُ النَّاسِ فَرُوجِعَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فِيهِ وَفَاءٌ وَأَشْهَدَ فَأَرْجُو أَنْ لَا بَأْسَ بِهِ وَوَجْهُ الْكَرَاهِيَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا إنَّمَا دَفَعَهَا إلَيْهِ؛ لِيَحْفَظَهَا لَا لِيَنْتَفِعَ بِهَا وَلَا لِيَصْرِفَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا عَمَّا قَبَضَهَا عَلَيْهِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ مَنْ اسْتَوْدَعَ مَالًا أَوْ بَعَثَ بِهِ مَعَهُ فَلَا أَرَى أَنْ يَتَّجِرَ بِهِ وَلَا أَنْ يُسَلِّفَهُ أَحَدًا وَلَا يُحَرِّكَهُ عَنْ حَالِهِ؛ لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يُفْلِسَ أَوْ يَمُوتَ فَيُتْلِفَ الْمَالُ وَيُضَيِّعَ أَمَانَتَهُ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ؛ فَإِنَّهُ لَا مَضَرَّةَ فِي انْتِفَاعِ الْمُودَعِ بِهَا إذَا رَدَّ مِثْلَهَا، وَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهَا وَيَتَمَسَّكَ بِهَا مَعَ بَقَاءِ أَعْيَانِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا فِيمَا لَا يَتَعَيَّنُ فَأَمَّا مَا يَتَعَيَّنُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ مَا لَهُ مِثْلٌ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ، وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ كَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ فَأَمَّا مَا لَهُ مِثْلٌ فَالْأَظْهَرُ عِنْدِي الْمَنْعُ مِنْهُ وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَرَى بِرَدِّ مِثْلِهِ إبَاحَةَ ذَلِكَ وَسَيَجِيءُ ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَأَمَّا مَا لَا مِثْلَ لَهُ فَلَا شُبْهَةَ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ١ - (فَرْعٌ)

стр. 1617

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَإِنْ تَلِفَتْ الْوَدِيعَةُ بَعْدَ مَا تَسَلَّفَ مِنْهَا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا يَضْمَنُ إلَّا مَا تَسَلَّفَ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ إنْ اسْتَوْدَعَهَا مَصْرُورَةً فَحَلَّ صِرَارَهَا ثُمَّ تَسَلَّفَ مِنْهَا شَيْئًا ضَمِنَ جَمِيعَهَا تَلِفَتْ بَعْدَ أَنْ رَدَّ فِيهَا مَا تَسَلَّفَ أَوْ قَبْلَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَّهَا وَلَمْ يَتَسَلَّفْ مِنْهَا وَلَوْ أَوْدَعَهَا مَنْثُورَةً لَمْ يَضْمَنْ غَيْرَ مَا تَسَلَّفَ مِنْهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ اسْتَسْلَفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَرَدَّهُ فَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُنْفِقُ مِنْ وَدِيعَةٍ عِنْدَهُ ثُمَّ يَرُدُّ مَا أَنْفَقَ فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: سَوَاءٌ كَانَتْ مَنْثُورَةً أَوْ مَصْرُورَةً وَقَالَ مَالِكٌ أَيْضًا لَا يَبْرَأُ، وَإِنْ رَدَّهُ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ وَبِهَذَا أَخَذَ الْمَدَنِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَرَوَاهُ الْمِصْرِيُّونَ وَلَمْ يَأْخُذُوا بِهِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ إذَا اسْتَوْدَعَهَا مَصْرُورَةً فَحَلَّ صِرَارَهَا ثُمَّ تَلِفَ مِنْهَا شَيْءٌ بَعْدَ الرَّدِّ ضَمِنَهُ، وَإِنْ اسْتَوْدَعَهَا مَنْثُورَةً ثُمَّ رَدَّ مَا تَسَلَّفَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، وَحَكَى ابْنُ الْمَاجِشُونَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَاحْتَجَّ لِقَوْلِ مَالِكٍ بِأَنَّ الَّذِي أَوْجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ تَعَدِّيهِ بِالْأَخْذِ فَإِذَا رَدَّ مَا أَخَذَ فَقَدْ زَالَ التَّعَدِّي وَسَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ قَالَ؛ وَلِأَنَّهُ حَافِظٌ لَهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانٌ كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ وَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ الْأَمَانَةِ بِأَخْذِهَا عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي فَرَدُّهُ إيَّاهَا لَا يُزِيلُ عَنْهُ الضَّمَانَ كَمَا لَوْ جَحَدَهَا ثُمَّ اعْتَرَفَ بِهَا. (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا: إنَّهُ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ بِالرَّدِّ فَإِنَّ ذَلِكَ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحِنْطَةِ وَالْعَسَلِ، وَكُلِّ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ، وَأَمَّا فِيمَا يَلْزَمُ فِيهِ الْقِيمَةُ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ حَكَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَهُوَ مَعْنَى مَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ إنْ رَدَّ مِثْلَ الثِّيَابِ فِي الصِّفَةِ وَالطُّولِ وَالْعَرْضِ لَمْ يُبْرِئْهُ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ مَنْ اسْتَهْلَكَ لِرَجُلٍ ثَوْبًا فَقَدْ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مَكَانَهَا ثَوْبًا. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يَبْرَأُ بِرَدِّ الْمِثْلِ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِرَدِّ الْمِثْلِ بَرِئَ، وَإِنْ ادَّعَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَى أَمَانَتِهِ كَادِّعَائِهِ التَّلَفَ وَالثَّانِيَةُ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ مَا تَسَلَّفَ قَدْ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ فَلَا يَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَشَارَ إلَى مَا رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة أَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ إنْ رَدَّهُ بِبَيِّنَةٍ بَرِئَ، وَإِلَّا لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ وَهْبٍ وَرَوَاهُ مُحَمَّدٌ بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ إنْ تَسَلَّفَهَا بِبَيِّنَةٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ تَسَلَّفَهَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا قُلْنَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّ ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ يَمِينًا وَقَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ هُوَ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ وَقَالَهُ أَشْهَبُ فِي كِتَابِهِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ تَلِفَتْ وَلَمْ آخُذْ مِنْهَا شَيْئًا لَصُدِّقَ وَجْهُ الرِّوَايَةِ بِنَفْيِ الْيَمِينِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا يَمِينُ تُهْمَةٍ فَلَا يَلْزَمُ الْمُؤْتَمَنُ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْحَقَّ قَدْ تَعَلَّقَ فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يُصَدَّقْ فِي بَرَاءَتِهِ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا تَسَلَّفَ مِنْهَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا، وَأَمَّا مَنْ أَوْدَعَ وَدِيعَةً فَقِيلَ لَهُ تَسَلَّفْ مِنْهَا إنْ شِئْت فَتَسَلَّفَ مِنْهَا وَقَالَ رَدَدْتهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: لَا يُبْرِئُهُ رَدُّهُ إيَّاهَا إلَّا إلَى رَبِّهَا وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ صَارَ هُوَ الْمُسَلِّفُ فَلَا يَبْرَأُ الْمُتَسَلِّفُ إلَّا بِرَدِّ ذَلِكَ إلَيْهِ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَبْرَأُ بِرَدِّهَا إلَى الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ كَانَتْ عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَسَلَّفَهَا فَإِذَا رَدَّهَا إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُنَا: إنَّهُ إنْ ابْتَاعَ بِهِ لِنَفْسِهِ فَرَبِحَ فَالرِّبْحُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ يُرِيدُ إنْ كَانَ الْمَالُ عَيْنًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ عَيْنًا أَوْ غَيْرَ عَيْنٍ فَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا فَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ مَا ابْتَاعَ بِهِ لَهُ وَأَنَّ الرِّبْحَ فِي ذَلِكَ لَهُ وَالْخَسَارَةَ عَلَيْهِ، وَهَذَا عِنْدِي مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالْغَصْبِ وَلِذَلِكَ قَالَ

стр. 1618

الْقَضَاءُ فِيمَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ (ص) : (يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا نَرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» أَنَّهُ مِنْ خَرَجَ مِنْ الْإِسْلَامِ إلَى غَيْرِهِ مِثْلَ الزَّنَادِقَةِ وَأَشْبَاهِهِمْ فَإِنَّ أُولَئِكَ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ قُتِلُوا وَلَمْ يُسْتَتَابُوا؛ لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُمْ، وَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسُرُّونَ الْكُفْرَ وَيُعْلِنُونَ الْإِسْلَامَ فَلَا أَرَى أَنْ يُسْتَتَابَ هَؤُلَاءِ، وَلَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ قَوْلُهُمْ وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ مِنْ الْإِسْلَامِ إلَى غَيْرِهِ وَأَظْهَرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ وَذَلِكَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا عَلَى ذَلِكَ رَأَيْتُ أَنْ يُدْعَوْا إلَى الْإِسْلَامِ وَيُسْتَتَابُوا فَإِنْ تَابُوا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا قُتِلُوا وَلَمْ يَعْنِ بِذَلِكَ فِيمَا نَرَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَنْ خَرَجَ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ وَلَا مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ إلَى الْيَهُودِيَّةِ وَلَا مَنْ يُغَيِّرُ دِينَهُ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا إلَى الْإِسْلَامِ فَمَنْ خَرَجَ مِنْ الْإِسْلَامِ إلَى غَيْرِهِ، وَأَظْهَرَ ذَلِكَ فَذَلِكَ الَّذِي عُنِيَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) ــ [المنتقى] إنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ طَعَامًا فَبَاعَهُ بِثَمَنٍ فَإِنَّ صَاحِبَهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إمْضَاءِ الْبَيْعِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ أَوْ تَضْمِينِهِ مِثْلَ طَعَامِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَتَعَيَّنُ بِالصِّفَةِ وَيَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مَعْنًى آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْمُودَعَ لَمْ يُبْطِلْ عَلَى الْمُودِعِ غَرَضَهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا وَلَوْ كَانَتْ بِضَاعَةً أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا سِلْعَةً مُعَيَّنَةً أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ فَاشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً لِنَفْسِهِ فَإِنَّ صَاحِبَ الْبِضَاعَةِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ مِثْلَ بِضَاعَتِهِ أَوْ يَأْخُذَ مَا اشْتَرَى بِهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ رَامَ أَنْ يُبْطِلَ عَلَيْهِ غَرَضَهُ مِنْ بِضَاعَتِهِ وَيَسْتَبِدَّ بِرِبْحِهَا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) وَابْتِيَاعُهُ لِنَفْسِهِ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الْعُقُودِ الَّتِي مِنْ شَرْطِهَا التَّنَاجُزُ فِي الْمَجْلِسِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَوْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ دَرَاهِمَ فَصَرَفَهَا بِدَنَانِيرَ أَوْ دَنَانِيرُ فَصَرَفَهَا بِدَرَاهِمَ لِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إلَّا مَا كَانَ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا صَرَفَهَا بِهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُودِعُ، فَإِنْ صَرَفَهَا لِرَبِّهَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا صَرَفَهَا بِهِ، وَإِنْ رَضِيَ بِذَلِكَ وَلَكِنْ يَصْرِفُ هَذِهِ إنْ كَانَتْ دَرَاهِمَ بِمِثْلِ دَنَانِيرِهِ فَمَا كَانَ مِنْ فَضْلٍ فَلِرَبِّهَا وَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ ضَمِنَهُ الْمُتَعَدِّي بِخِلَافِ التَّعَدِّي فِي الْعُرُوضِ الَّتِي يَكُونُ رَبُّهَا مُخَيَّرًا فِي التَّعَدِّي عَلَيْهِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا صَرَفَ الدَّرَاهِمَ لِنَفْسِهِ صَحَّ الصَّرْفُ فِيهَا، وَإِذَا صَرَفَهَا لِصَاحِبِهَا كَانَ بِالْخِيَارِ فَمَنَعَ ذَلِكَ صِحَّةَ الصَّرْفِ فَإِنْ فَاتَ بِإِنْكَارٍ مِنْ صَارِفِهِ أَوْ مَغِيبِهِ لَمْ يَحُلَّ لِصَاحِبِ الدَّرَاهِمِ أَخْذُ عِوَضِهَا مِنْ الذَّهَبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إمْضَاءٌ مِنْهُ لِصَرْفِ الْخِيَارِ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي أَنَّ رِبْحَ الْوَدِيعَةِ لِلْمُودِعِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَرَبِيعَةُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ لِلْمُودِعِ وَلَا لِلْمُودَعِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ اشْتَرَى بِذَلِكَ الْمَالِ بِعَيْنِهِ فَالرِّبْحُ لِصَاحِبِهِ، وَإِنْ اشْتَرَى بِمَالٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَقَضَى مِنْ الْوَدِيعَةِ فَالرِّبْحُ لِلْمُودِعِ وَجْهُ ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ اغْتَصَبَ عَدَدًا مَا فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِهِ ثَوْبًا يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ فَلَبِسَهُ أَوْ وَهَبَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لِلْمَالِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ إلَى صَاحِبِهِ يُرِيدُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ أَوْ إلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامُهُ فِي الْقَبْضِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا رَدَّهُ إلَى الْوَدِيعَةِ فَقَدْ رَدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُودَعِ تَنُوبُ عَنْ يَدِ صَاحِبِهِ فَإِذَا نَوَى رَدَّهُ وَوَجَدَ مِنْهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا يُتِمُّ بِهِ ذَلِكَ فَقَدْ رَدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْمَاجِشُونَ فِي الْمَصْرُوفِ لَا يَبْدَأُ إلَّا بِرَدِّهِ إلَى صَاحِبِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْهُ أَوْ عَلَى رِوَايَةِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْهُ فِي إطْلَاقِ ذَلِكَ وَالْأَمْرُ أَبْيَنُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأُحْكَمُ. [الْقَضَاءُ فِيمَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ] (ش) : قَوْلُهُ ﵇ «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنَّ مَعْنَاهُ فِيمَنْ خَرَجَ عَنْ الْإِسْلَامِ إلَى غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُسْتَتَابُ فِيهِ كَالزَّنَادِقَةِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ

стр. 1619

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] ﷺ «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» يَعْنِي بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ فَإِنْ تَابَ تُرِكَ فَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى الْمُرْتَدِّ الْمُظْهِرِ لِارْتِدَادِهِ. وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ انْتَقَلَ إلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ لَا يَخْلُو أَنْ يُسِرَّ كُفْرَهُ أَوْ يُظْهِرَهُ، فَإِنْ أَسَرَّهُ فَهُوَ زِنْدِيقٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى: مَنْ أَسَرَّ مِنْ الْكُفْرِ دِينًا خِلَافَ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ مِنْ يَهُودِيَّةٍ أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ أَوْ مَنَانِيَّةً أَوْ غَيْرِهَا مِنْ صُنُوفِ الْكُفْرِ أَوْ عِبَادَةِ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ أَوْ نُجُومٍ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَيْهِ فَلْيُقْتَلْ وَلَا تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَمَنْ أَظْهَرَ كُفْرَهُ مِنْ زَنْدَقَةٍ أَوْ كُفْرٍ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ. وَرَوَى سَحْنُونٌ وَابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ يُقْتَلُ الزِّنْدِيقُ وَلَا يُسْتَتَابُ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ قَالَ سَحْنُونٌ إنْ تَابَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤] ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْبَأْسُ هَاهُنَا السَّيْفُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَاحْتَجَّ مَالِكٌ لِذَلِكَ بِأَنَّ تَوْبَتَهُ لَا تُعْرَفُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَمَّا كَانَ الزِّنْدِيقُ يُقْتَلُ عَلَى مَا أَسَرَّ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ؛ لِأَنَّ مَا يُظْهِرُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا يُسِرُّ؛ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ كَانَ فَلَا عَلَامَةَ لَنَا عَلَى تَوْبَتِهِ، وَالْمُرْتَدُّ يُقْتَلُ عَلَى مَا أَظْهَرَ فَإِذَا أَظْهَرَ تَوْبَتَهُ أَبْطَلَ بِهَا مَا أَظْهَرَ مِنْ الْكُفْرِ. قَالَ: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ جَاهَرَ بِالْفَسَادِ وَالسَّفَهِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَصَارَ إلَى الْعَدَالَةِ وَمَنْ شَهِدَ بِالْعَدَالَةِ وَشَهِدَ بِالزُّورِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ أَظْهَرَ الرُّجُوعَ عَمَّا ثَبَتَ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا أَقَرَّ الزِّنْدِيقُ بِكُفْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُظْهَرَ عَلَيْهِ فَهَلْ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ أَمْ لَا قَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَسَى أَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ ذَلِكَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ تَزَنْدَقَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبِ عَنْ مَالِكٍ وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ دِينٌ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَلَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا أَعْلَمُ مَنْ قَالَهُ غَيْرُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالزَّنْدَقَةِ هَاهُنَا الْخُرُوجَ إلَى غَيْرِ شَرِيعَةٍ مِثْلَ التَّعْطِيلِ وَمَذَاهِبِ الدَّهْرِيَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الِاسْتِسْرَارَ بِمَا خَرَجَ إلَيْهِ، وَالْإِظْهَارَ لِمَا خَرَجَ عَنْهُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. ١ - (فَرْعٌ) وَإِذَا أَسْلَمَ الْيَهُودِيُّ الَّذِي تَزَنْدَقَ فَقَدْ رَوَى أَبُو زَيْدٍ الْأَنْدَلُسِيُّ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ أَنَّهُ يُقْتَلُ كَالْمُسْلِمِ يَتَزَنْدَقُ ثُمَّ يَتُوبُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ مِنْ الْإِسْلَامِ إلَى غَيْرِهِ فَأَظْهَرَ غَيْرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ لَا بُدَّ أَنْ يُقْتَلَ، وَإِنْ تَابَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَدٌّ وَلَا حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ كَسَائِرِ الْمَعَاصِي. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا عُقُوبَةَ عَلَى الْمُرْتَدِّ إذَا تَابَ رَوَاهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا مُنْتَقِلٌ مِنْ كُفْرٍ إلَى إيمَانٍ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكُفْرِ كَالنَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَيُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ تَابَ فِيهَا، وَإِلَّا قُتِلَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ ثَانٍ يُسْتَتَابُ فِي الْحَالِ فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ وَقَدْ رَوَاهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَنْ مَالِكٍ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يُسْتَتَابُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثَ جُمَعٍ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ

стр. 1620

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَسَأَلَهُ عَنْ النَّاسِ فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مُغْرِبَةِ خَبَرٍ فَقَالَ نَعَمْ رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ قَالَ فَمَا فَعَلْتُمْ بِهِ قَالَ قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ فَقَالَ عُمَرُ أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ وَلَمْ أَرْضَ إذْ بَلَغَنِي) . ــ [المنتقى] مَنْ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ تَخْوِيفٌ وَلَا تَعْطِيشٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. وَقَالَ أَصْبَغُ: يُخَوَّفُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ بِالْقَتْلِ وَيُذَكَّرُ الْإِسْلَامَ وَيُعْرَضُ عَلَيْهِ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا إكْرَاهٌ بِنَوْعٍ مِنْ الْعَذَابِ فَلَمْ يُؤْخَذْ بِهِ فِي مُدَّةِ الِاسْتِتَابَةِ كَالضَّرْبِ وَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَالْعَبْدُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَهَذَا عَامٌّ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ سَبَبٌ يُقْتَلُ بِهِ الرَّجُلُ فَجَازَ أَنْ تُقْتَلَ بِهِ الْمَرْأَةُ كَالْقَتْلِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُرْتَدُّ مِمَّنْ وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ أَوْ لَمْ يُولَدْ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ هُمْ سَوَاءٌ يُسْتَتَابُونَ كُلُّهُمْ فَإِنْ تَابُوا، وَإِلَّا قُتِلُوا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ إلَى غَيْرِهِ فَكَانَ حُكْمُهُ مَا تَقَدَّمَ كَاَلَّذِي بَدَّلَهُ وَهُوَ عَلَى الْإِسْلَامِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ كَانَ إسْلَامُهُ عَنْ ضِيقٍ أَوْ غُرْمٍ أَوْ خَوْفٍ ثُمَّ ارْتَدَّ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ فِي ذَلِكَ عُذْرٌ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا عُذْرَ لَهُ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ عَنْ ضِيقٍ وَقَالَ أَصْبَغُ قَوْلُ مَالِكٍ أَحَبُّ إلَيَّ إلَّا أَنْ يُقِيمَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ ذَهَابِ الْخَوْفِ فَهَذَا يُقْبَلُ وَأَنْكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ عَنْ ضِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ وَيُقْتَلُ إنْ رَجَعَ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ عَنْ مَالِكٍ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ لَا حُكْمَ لَهُ وَهَذَا لَمَّا دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ كُرْهًا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُهُ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ قَوْلُ الرَّبِّ - تَعَالَى - ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] إلَى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، وَإِنْ دَخَلُوا الْإِسْلَامَ عَلَى ذَلِكَ ثَبَتَ لَهُمْ حُكْمُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا قُلْنَا لَا يُقْتَلُ عَلَى الرِّدَّةِ مَنْ أَسْلَمَ عَنْ ضِيقِ خَرَاجٍ أَوْ جِزْيَةٍ أَوْ مَخَافَةٍ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ: يُؤْمَرُ بِالرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَامِ وَيُحْبَسُ وَيُضْرَبُ فَإِنْ رَجَعَ، وَإِلَّا تُرِكَ، وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّا لَا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْإِسْلَامَ فَلِذَلِكَ نَدْعُوهُ إلَيْهِ وَنُشَدِّدُ عَلَيْهِ فِي مُرَاجَعَتِهِ وَلَا يَبْلُغُ الْقَتْلَ لِمَا ثَبَتَ مِنْ ظَاهِرِ أَمْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : قَوْلُهُ: إنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى فَسَأَلَهُ عَنْ النَّاسِ فَأَخْبَرَهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ مِنْ السُّؤَالِ عَمَّنْ غَابَ عَنْهُ مِنْ رَعِيَّتِهِ؛ لِيَعْرِفَ أَحْوَالَهُمْ وَيَسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ الْوَارِدِ وَالصَّادِرِ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ أَحْوَالُهُمْ لَمْ يُمْكِنْهُ تَلَافِيَ مَا ضَاعَ مِنْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ هَلْ فِيكُمْ مِنْ مُغْرِبَةِ خَبَرٍ سَأَلَهُ أَوَّلًا عَنْ الْمَعْهُودِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ وَمَا يَعُمُّهُمْ ثُمَّ سَأَلَهُ عَمَّا عَسَى أَنْ يَطْرَأَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تُسْتَغْرَبُ وَلَيْسَتْ بِمُعْتَادَةٍ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ نَادِرًا عِنْدَهُمْ مِمَّا يُسْتَغْرَبُ وَلَا يَكَادُ يَسْمَعُ بِهِ وَلِذَلِكَ حَكَمَ فِيهِ أَبُو مُوسَى بِحُكْمٍ مُخَالِفٍ لِمَا يَرَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَلَوْ كَانَ أَمْرًا يَكْثُرُ وَيَتَكَرَّرُ لَكَانَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ مِنْ الْأُمَرَاءِ مَا يَعْتَقِدُهُ فِي ذَلِكَ عُمَرُ؛ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ مُوَافَقَةُ أَصْحَابِهِ فَيَشِيعُ ذَلِكَ أَوْ يَظْهَرُ مُخَالِفَةُ مَنْ أَخْطَأَ فَيَشِيعُ ذَلِكَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَمَا فَعَلْتُمْ بِهِ بَحْثٌ عَنْ حُكْمِهِمْ فِيهِ وَتَعَرُّفٌ لَهُ؛ لِيَأْمُرَ بِاسْتِدَامَةِ الصَّوَابِ وَالْإِقْلَاعِ عَنْ الْخَطَأِ فَقَالَ قَدَّمْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ اسْتِتَابَةً وَلَا غَيْرَهَا وَقَدْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقْتَلَ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ

стр. 1621

الْقَضَاءُ فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ السِّمَانِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرَأَيْتَ إنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ» ) ــ [المنتقى] وَإِبَايَتِهِ مِنْ الْمُرَاجَعَةِ لَكِنَّ عُمَرَ ﵁ فَهِمَ مِنْهُ تَرْكَ الِاسْتِتَابَةِ وَالْمُسَارَعَةِ إلَى قَتْلِهِ بِنَفْسِ كُفْرِهِ. وَقَدْ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَى وُجُوبِ اسْتِتَابَتِهِ قَوْلُ عُمَرَ هَذَا، وَأَنْ لَا مُخَالِفَ لَهُ وَهَذَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَحْمِلَ فِعْلَ أَبِي مُوسَى عَلَى أَنَّهُ قَتَلَ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ وَلَعَلَّ النَّاقِلَ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا، وَإِنْ ثَبَتَ بَعْدَ ذَلِكَ رُجُوعُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ مِمَّنْ وَافَقَهُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ عُمَرَ ﵁، وَإِلَّا فَأَبُو مُوسَى وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَأْخُذَ الثَّلَاثَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] ؛ وَلِأَنَّ الثَّلَاثَ قَدْ جُعِلَتْ أَصْلًا فِي الشَّرْعِ فِي اعْتِبَارِ مَعَانٍ وَاخْتِيَارُهَا فِي الْمُصَرَّاةِ وَفِي اسْتِظْهَارِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَعَهْدَةِ الرَّقِيقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي، وَإِطْعَامُهُ الرَّغِيفَ كُلَّ يَوْمٍ مَعْنَاهُ أَنْ لَا يُوَسِّعَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِنْفَاقِ تَوْسِعَةً يَكُونُ فِيهَا إحْسَانٌ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُعْطَى مَا يَبْقَى بِهِ رَمَقُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَضِرُّ بِهِ وَلَا يَكُونُ مِنْهُ تَعْذِيبٌ لَهُ. وَقَدْ رُوِيَ فِي الْمُزَنِيَّة عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ فِي أَنْ يُطْعَمَ الْمُرْتَدُّ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَلَكِنْ يُطْعَمُ مَا يَكْفِيهِ وَيَقُوتُهُ وَلَا يَجُوعُ، وَإِنَّمَا يُطْعَمُ مِنْ مَالِهِ قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ: يَعْنِي فِي غَيْرِ تَوَسُّعٍ وَلَا تَفَكُّهٍ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: يَقُوتُ مِنْ الطَّعَامِ بِمَا لَا يَضُرُّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِقَوْلِهِ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ يُطْعَمُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا بِمَعْنَى أَنْ لَا يَجْعَلَ ذَلِكَ حَدًّا وَلَمْ يُرِدْ عُمَرُ أَنْ يَجْعَلَهُ حَدًّا، وَإِنَّمَا أَشَارَ إلَى قِلَّةِ مُؤْنَتِهِ وَيَسَارَةِ وِرَاثَتِهِ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمَرَ اللَّهِ - تَعَالَى - يُرِيدُ بِهِ الرُّجُوعَ إلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ لَا يُسْتَتَابُ وَلَا يُعْرَضُ لَهُ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» يُرِيدُ الدِّينَ الَّذِي رَضِيَهُ اللَّهُ وَدَعَا إلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ مِنْ مِلَّةِ الْكُفْرِ إلَى غَيْرِهِ فَلَمْ يُغَيِّرْ بِذَلِكَ دِينَهُ الَّذِي شُرِعَ لَهُ قَالَ مَالِكٌ: سَوَاءٌ خَرَجَ إلَى دِينِ مَجُوسٍ أَوْ كِتَابٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ وَلَمْ أَرْضَ إذَا بَلَغَنِي تَبَرُّؤٌ مِنْ الْأَمْرِ وَتَصْرِيحٌ بِخَطَأِ فَاعِلِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِنَصٍّ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ إجْمَاعٍ بَعْدَهُ. وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ: إنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَتَابَ أَهْلَ الرِّدَّةِ. وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الصِّدِّيقَ اسْتَتَابَ أُمَّ قِرْفَةَ إذْ ارْتَدَّتْ فَقَتَلَهَا فَلَعَلَّهُ قَدْ عَلِمَ بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَفَعَلَ أَبُو مُوسَى غَيْرَ ذَلِكَ فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ عُمَرُ، وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ أَبُو مُوسَى مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَحَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ لِغَيْرِ مَا يَرَاهُ عُمَرُ لَمْ يَبْلُغْ عُمَرُ مِنْ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدَّ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لِأَبِي مُوسَى ذَلِكَ لِمَا جَازَ أَنْ يُوَلِّيَهُ الْحُكْمَ حَتَّى يُطَالِعَهُ عَلَى قَضِيَّتِهِ، وَفِي هَذَا مِنْ فَسَادِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَتَوَقُّفِ الْأَحْكَامِ مَا لَا خَفَاءَ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [الْقَضَاءُ فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا] (ش) : قَوْلُهُ «أَرَأَيْتَ إنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ» عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْلَامِ مِنْ قِبَلِهِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُبَادَةَ كَانَ يَقُولُ إنْ وَجَدَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ

стр. 1622

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ خَيْبَرَى وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ أَوْ قَتَلَهُمَا فَأَشْكَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْقَضَاءُ فِيهِ فَكَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ يَسْأَلُ لَهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ ذَلِكَ فَسَأَلَ أَبُو مُوسَى عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إنَّ هَذَا الشَّيْءَ مَا هُوَ بِأَرْضِي عَزَمْت عَلَيْك لَتُخْبِرُنِي فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى كَتَبَ إلَيَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَسْأَلُك عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ عَلِيٌّ أَنَا أَبُو حَسَنٍ إنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ) . ــ [المنتقى] وَيَضْرِبُهُ بِسَيْفٍ غَيْرِ مُصَفَّحٍ فَأَتَى هَذَا الْقَوْلُ عَلَى سَبِيلِ الْحُجَّةِ لِيُخْبِرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ شِدَّةِ غِيرَتِهِ وَالْإِظْهَارِ لِعُذْرِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ نَعَمْ عَلَى مَعْنَى الْمَنْعِ لَهُ مِنْ قَتْلِهِ وَأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ فِي قَوْلِهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ وَيَصْرِفَهُ عَنْ مَنْزِلِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَخْلِيَتُهُ مَعَهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمَنْعِ لَهُ مِنْ قَتْلِهِ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ فِعْلِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ خَيْبَرَى وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ أَوْ قَتَلَهُمَا فَأَشْكَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْقَضَاءُ فِيهِ فَكَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ يَسْأَلُ لَهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ ذَلِكَ فَسَأَلَ أَبُو مُوسَى عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إنَّ هَذَا الشَّيْءَ مَا هُوَ بِأَرْضِي عَزَمْت عَلَيْك لَتُخْبِرُنِي فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى كَتَبَ إلَيَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَسْأَلُك عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ عَلِيٌّ أَنَا أَبُو حَسَنٍ إنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ) . (ش) : قَوْلُهُ: إنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ أَوْ قَتَلَهُمَا ثُمَّ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ أَوْ اعْتَرَفَ بِهِ فَأَشْكَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ الْقَضَاءُ فِي ذَلِكَ، وَكَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ يَسْأَلُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ وَتَوَقُّفِهِ فِيمَا لَا يَعْلَمُهُ وَسُؤَالُهُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ يَثِقُ بِعِلْمِهِ وَيَتَسَبَّبُ إلَيْهِ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَسْئُولُ مُنَابِذًا لَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ إنَّ هَذَا الشَّيْءَ مَا هُوَ بِأَرْضِي يُرِيدُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَبَلَغَهُ خَبَرُهُ وَتَقَدَّمَ الِاسْتِعْدَاءُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ لَا سِيَّمَا، وَهُوَ مِمَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ حُكْمُ شَهِيرٌ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْ أَرَادَ الْحُكْمَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ لِأَبِي مُوسَى: عَزَمْت عَلَيْك لَتُخْبِرُنِي عَلَى مَعْنَى تَبْيِينِ الْقِصَّةِ وَالْبَحْثِ عَنْهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا يُمْكِنُ وَرُبَّمَا احْتَاجَ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ إلَى أَنْ يُشَخِّصَ الْخُصُومَ فِي ذَلِكَ لِيُبَالِغَ فِي تَتْمِيمِ الْقَضِيَّةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَنَا أَبُو حَسَنٍ مِمَّا تَسْتَعْمِلُهُ الْعَرَبُ عِنْدَ إصَابَةِ ظَنِّهِ كَمَا أَصَابَ ظَنُّهُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِهِ وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى ثُمَّ قَالَ: إنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ يَشْهَدُونَ عَلَى الزِّنَى بَيْنَ الْمَقْتُولَيْنِ أُعْطِيَ بِرُمَّتِهِ يُرِيدُ سُلِّمَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولَيْنِ يَقْتَصُّونَ مِنْهُ إنْ شَاءُوا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَطَعَ رِجْلَهُ أَوْ جَرَحَهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ إنْ قَاتَلَهُ فَكَسَرَ رِجْلَهُ أَوْ جَرَحَهُ أَنَّ ذَلِكَ جُبَارٌ، وَإِنْ قَتَلَهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ يَشْهَدُونَ عَلَى الزِّنَى بَيْنَهُمَا وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ وُجُودَهُ فِي دَارِهِ أَوْجَبَ لَهُ أَنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ وَالْأَذَى وَالْإِبْعَادِ فَإِنْ قَاتَلَهُ وَمَنَعَهُ مِنْ خُرُوجِهِ كَانَ لَهُ مُدَافَعَتُهُ عَنْ ذَلِكَ بِمَا يُؤَدِّي إلَى الْجِرَاحِ وَمَا أَشْبَهِهَا وَأَمَّا الْقَتْلُ فَلَا يُسْتَبَاحُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ مِنْ حَقْنِ الدِّمَاءِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلُ عَلِيٍّ عِنْدِي ذَلِكَ فِي الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَاءَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ أَنَّهُ وَطِئَهَا لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ وَهُوَ عِنْدِي مَعْنَى قَوْلِ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِ الثَّيِّبِ وَلَا الْبِكْرِ إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِمَا زَعَمَ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَلَّ بِهِ مِثْلَ هَذَا يَخْرُجُ عَنْ عَقْلِهِ وَلَا يَكَادُ يَمْلِكُ نَفْسَهُ، وَالْجَانِي أَحَقُّ مَنْ حُمِلَ عَلَيْهِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهَا، وَإِنْ كَانَا بِكْرَيْنِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة: عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي الْبِكْرِ وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِكْرًا إذَا كَانَ قَدْ كَثُرَ التَّشَكِّي مِنْهُ قَالَهُ ابْنُ مُزَيْنٍ. وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ: دَمُهُ هَدَرٌ فِي الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ وَقَدْ أَهْدَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ غَيْرَ دَمٍ فِي شَبَهِ هَذَا مِنْ التَّعَدِّي. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ: يُؤَدَّبُ مَنْ قَتَلَ مِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ دُونَ الْإِمَامِ وَهَذَا فِي الثَّيِّبِ وَيُقْتَلُ فِي الْبِكْرِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ فَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ لَزِمَتْ الدِّيَةُ وَجْهُ قَوْلِ مَنْ أَهْدَرَ دَمَهُ أَنَّهُ عَمْدٌ

стр. 1623

(الْقَضَاءُ فِي الْمَنْبُوذِ) ــ [المنتقى] لَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ فَلَمْ تَجِبْ بِهِ الدِّيَةُ وَأَصِلُ ذَلِكَ مَنْ قَتَلَهُ قِصَاصًا وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونَ أَنَّ الثَّيِّبَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْقَتْلُ بِالزِّنَى وَالْإِحْصَانِ فَلَيْسَ عَلَى قَاتِلِهِ قَتْلٌ، وَإِنَّمَا عَلَى قَاتِلِهِ فِي ذَلِكَ الْعُقُوبَةُ لِافْتِيَاتِهِ فِي ذَلِكَ دُونَ الْإِمَامِ وَأَمَّا الْبِكْرُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِالزِّنَى فَمَنْ قَتَلَهُ قُتِلَ بِهِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا: تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْمُغِيرَةُ وَابْنُ كِنَانَةَ: دِيَةُ الْخَطَأِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَاتِلَ لَمَّا فَجَأَهُ مِنْ الْغَضَبِ الَّذِي سَبَبُهُ مِنْ الزَّانِي يَصِيرُ فِي حُكْمِ الْمَغْلُوبِ الَّذِي لَا عَقْلَ لَهُ فَكَانَتْ جِنَايَتُهُ خَطَأً وَحَكَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ الدِّيَةَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ خَطَأٌ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ لَيْسَتْ شُبْهَتُهُ بِالْقَوِيَّةِ فَأَشْبَهَ إقْرَارَ الْقَاتِلِ بِالْخَطَأِ أَنَّهُ فِي مَالِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

стр. 1624

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سِنِينَ أَبِي جَمِيلَةَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: فَجِئْت بِهِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: مَا حَمَلَك عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ فَقَالَ: وَجَدْتهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتهَا فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ وَلَك وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ) ــ [المنتقى] [الْقَضَاءُ فِي الْمَنْبُوذِ] (ش) : قَوْلُهُ: مَنْبُوذًا فَجِئْت بِهِ عُمَرَ، الْمَنْبُوذُ: هُوَ الْمَطْرُوحُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَجِيءُ بِهِ إلَى عُمَرَ لِيُعْلِمَهُ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِيءَ بِهِ لِيَسْتَفْتِيَهُ فِي أَمْرِهِ وَلِيَسْأَلَهُ الْحُكْمَ لَهُ بِوَلَائِهِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ مَا حَمَلَك عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: اتَّهَمَهُ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ أَتَى بِهِ لِكَيْ يَفْرِضَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ أَخْذِهِ لَهُ وَخَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْحِرْصُ عَلَى أَنْ يَفْرِضَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَيَلِي هُوَ أَمْرَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَخَافَ التَّسَرُّعَ إلَى أَخْذِ الْأَطْفَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْبَذُوا حِرْصًا عَلَى أَخْذِ النَّفَقَةِ لَهُمْ وَرَغْبَةً فِي مُوَالَاتِهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَهُ لِئَلَّا يَلْتَقِطَهُ مِنْ عِيَالِهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إذَا ادَّعَى اللَّقِيطُ مُلْتَقَطَهُ فَلَا قَوْلَ لَهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَقَالَ أَشْهَبُ يُقْبَلُ قَوْلُ مَنْ ادَّعَاهُ مُلْتَقَطِهِ أَوْ غَيْرُهُ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَيْسَتْ هُنَاكَ شُبْهَةً تُصَدِّقُ دَعْوَاهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعَلَّقَ بِهِ نَسَبٌ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةَ الِالْتِقَاطِ

стр. 1625

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَلَيْسَ لَهُ نَسَبٌ ثَابِتٌ بِغَيْرِهِ كَمَا لَوْ مَلَكَ أُمَّهُ. ١ - (فَصْلٌ) وَقَوْلُ سِنِينَ وَجَدْتهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتهَا يُرِيدُ أَنَّهُ أَخَذَهُ لِهَذَا الْوَجْهِ لَا لِغَيْرِهِ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي يُحْتَمَلُ أَخْذُهُ لَهُ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا مَكْرُوهًا وَبَعْضُهَا مُبَاحًا وَإِنَّهُ إنَّمَا أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَهُ فِي مَوْضِعٍ يَضِيعُ فِيهِ إنْ تَرَكَ فَأَخَذَهُ لِذَلِكَ وَمِنْ وُجِدَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَزِمَهُ أَخْذُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ تَرْكُهُ لِلْهَلَاكِ وَأَخْذُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْخُذَهُ مُلْتَقِطًا لِيُرَبِّيَهُ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ: لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ وَأَمَّا إنْ أَخَذَهُ لِيَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ السُّلْطَانُ فَلَا ضِيقَ عَلَيْهِ فِي رَدِّهِ إلَى مَوْضِعِ أَخْذِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَوْضِعًا لَا يُخَافُ عَلَيْهِ فِيهِ الْهَلَاكُ لِكَثْرَةِ النَّاسِ فِيهِ وَيُوقِنُ أَنَّهُ سَيُسَارِعُ النَّاسُ إلَى أَخْذِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ عَرِيفُهُ الْعُرَفَاءُ رُؤَسَاءُ الْأَجْنَادِ وَقُوَّادُهُمْ وَلَعَلَّهُمْ سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ بِهِمْ يُتَعَرَّفُ أَحْوَالُ الْجَيْشِ. وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ لَمَّا رَأَى أَنْ يَرُدَّ السَّبِيَّ إلَى هَوَازِنَ فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ: إنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ» . وَقَالَ عَلِيٌّ: إنَّ عُمَرَ دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ وَجَعَلَ فِيهَا أَرْبَاعًا وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ عُرَفَاءَ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُزَيْنٍ الْأَرْبَاعُ فِي جُنْدِ الشَّامِ وَالْأَسْبَاعُ فِي جُنْدِ الْكُوفَةِ وَالْأَخْمَاسُ فِي جُنْدِ الْبَصْرَةِ قَالَ عِيسَى: فَكَانَ الَّذِي وَجَدَ الْمَنْبُوذَ مِنْ عَرَافَةِ هَذَا الرَّجُلِ الْجَالِسِ عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ لِعُمَرَ: إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ عَلَى مَعْنَى أَنْ يُصَدِّقَهُ عُمَرُ فِي قَوْلِهِ وَلَا يَرْتَابَ بِهِ أَوْ عَلَى مَعْنَى التَّبْرِئَةِ لَهُ مِمَّا عَسَى أَنْ يَتَوَقَّعَ عُمَرُ مِنْ جِهَتِهِ أَنْ يَظُنَّ الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ مَا يُرْضِيه مِنْ أَنْ يَأْخُذَهُ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ظَنَّهَا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا الْتَقَطَهُ لِيَفْرِضَ لَهُ نَفَقَتَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَيَبْقَى عِنْدَهُ فَيَرَاهُ عَرِيفُهُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ مِمَّا عَلِمَهُ مِنْهُ مِنْ الصَّلَاحِ وَالدِّينِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ التَّزْكِيَةِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا قَبُولُ الشَّهَادَةِ وَلَيْسَ كُلُّ رَجُلٍ صَالِحٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَتَثْبُتُ عَدَالَتُهُ وَإِنَّمَا يَنْتَفِي بِهَذَا عَنْهُ مَا يُنَافِي الصَّلَاحَ مِمَّا خَافَ عُمَرُ أَنْ يَكُونَ الْتَقَطَ الْمَنْبُوذَ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُمَرَ أَكَذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ وَالِاسْتِثْبَاتِ وَقَوْلُهُ هُوَ حُرٌّ عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ لَهُ بِحُكْمِهِ وَأَنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ وَإِنْ الْتَقَطَهُ عَبْدٌ أَوْ نَصْرَانِيٌّ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ فِيهِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الِاسْتِرْقَاقِ. (مَسْأَلَةٌ) وَاللَّقِيطُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يُلْتَقَطَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي بِلَادِ الشِّرْكِ أَوْ فِي بِلَادٍ فِيهَا الصِّنْفَانِ فَإِنْ اُلْتُقِطَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُسْلِمٌ وَإِنْ الْتَقَطَهُ نَصْرَانِيٌّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِحُكْمِ الدَّارِ وَإِنْ كَانَ بِبَلَدِ الشِّرْكِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ مُشْرِكٌ. وَقَالَ أَشْهَبُ هُوَ مُسْلِمٌ إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الدَّارِ وَالدَّارُ لِلشِّرْكِ فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ كَانَ فِيهَا حُكْمُهُ حُكْمُهُمْ فِي الدِّينِ كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ حُكْمُهُ حُكْمُهُمْ فِي النَّسَبِ وَالْحَرْبِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ لِلدَّارِ تَأْثِيرًا وَلِلْمُلْتَقِطِ فِي ذَلِكَ تَأْثِيرٌ فَوَجَبَ أَنْ يَغْلِبَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ لَوْ الْتَقَطَهُ فِي كَنِيسَةٍ الْحُكْمُ لَهُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ كَمَا يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْحُرِّيَّةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ اُلْتُقِطَ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الذِّمَّةِ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمٌ إلَّا اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ فَهُوَ مُسْلِمٌ وَإِنْ الْتَقَطَهُ نَصْرَانِيٌّ فَهُوَ نَصْرَانِيٌّ. وَقَالَ أَشْهَبُ: هُوَ مُسْلِمٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ حُكْمَ الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ قَدْ اسْتَوَى فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الدَّارِ لِلْإِسْلَامِ وَغَالِبُ مَنْ فِيهَا الْكُفْرُ فَغَلَبَ حُكْمُ الْمُلْتَقِطِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الدَّارَ دَارُ الْإِسْلَامِ وَلِذَلِكَ لَا يُسْتَرَقُّ وَإِنَّمَا يَسْكُنُهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ بِالْجِزْيَةِ. ١ - (فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ وَلَك وَلَاؤُهُ يُرِيدُ تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَلَى دِينِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ قَالَ فِي الْمَنْبُوذِ مَا ذُكِرَ مَا خُولِفَ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَجْعَلَ الْوَلَاءَ لِمُلْتَقِطِهِ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَرْوِيه عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سِنِينَ أَبِي جَمِيلَةَ وَهُوَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَكِنَّهُ

стр. 1626

(ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَنْبُوذِ أَنَّهُ حُرٌّ وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ هُمْ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ) . الْقَضَاءُ بِإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمَعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ إلَيْك قَالَتْ فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ. وَقَالَ ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ فَقَامَ إلَيْهِ عَبْدُ بْنُ زَمَعَةَ ــ [المنتقى] لَفْظٌ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ ذَلِكَ أَنْ لَوْ عَلِمَ أَنَّ عُمَرَ أَرَادَ مَا يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَيْهِ لَمْ أُخَالِفْهُ لِتَقَارُبِ الْأَدِلَّةِ فِي ذَلِكَ وَتَرَجُّحِهَا وَلَوْ أَنَّ مَالِكًا قَدْ تَأَوَّلَ قَوْلَ عُمَرَ لَك وَلَاؤُهُ أَيْ قَدْ جَعَلْت لَك أَنْ تَتَوَلَّى تَرْبِيَتَهُ وَالْقِيَامَ بِأَمْرِهِ وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِك وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ نَزَعَهُ مِنْهُ غَيْرُهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ مُلْتَقِطُهُ قَوِيًّا عَلَى مُؤْنَتِهِ وَإِمْسَاكِهِ رُدَّ إلَيْهِ قَالَ أَشْهَبُ إنْ كَانَا سَوَاءً أَوْ مُتَقَارِبِينَ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى، فَإِنْ خِيفَ أَنْ يَضِيعَ عِنْدَ الْأَوَّلِ فَالثَّانِي أَوْلَى بِهِ إلَّا أَنْ يَطُولَ مُكْثُهُ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ اللَّقِيطُ فِي ضَرَرٍ فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهِ، وَهَذَا إنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَإِنْ كَانَ مُلْتَقِطُهُ نَصْرَانِيًّا فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ: يُنْزَعُ مِنْهُ لِئَلَّا يُنَصِّرَهُ أَوْ يَدْرُسَ أَمْرَهُ فَيَسْتَرِقَّهُ وَهَذِهِ وِلَايَةُ الْإِسْلَامِ لَا وِلَايَةُ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ اللَّقِيطَ مَجْهُولُ النَّسَبِ فَوَلَاؤُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ اللَّقِيطُ حُرٌّ وَلَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ أَحَبَّ الَّذِي الْتَقَطَهُ أَوْ غَيْرُهُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَعَطَاءٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: مِيرَاثُ اللَّقِيطِ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْكُوفِيِّينَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مِيرَاثُهُ لِمَنْ الْتَقَطَهُ إلَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُ حَيْثُ شَاءَ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ مَنْ وَالَاهُ فَإِنْ عَقَلَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُ بِوَلَائِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ يُرِيدُ مُؤْنَتُهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فُقَرَائِهِمْ مَعَ عَجْزِهِ عَنْ التَّكَسُّبِ وَخَوْفِ الضَّيَاعِ عَلَيْهِ وَإِنْ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ حَتَّى يَبْلُغَ وَيَسْتَغْنِيَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطْرُدَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَخَذَهُ مُلْتَقِطًا لَهُ فَقَدْ لَزِمَهُ أَمْرُهُ وَحِفْظُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ وَإِنْ اسْتَأْذَنَ فِي ذَلِكَ الْإِمَامَ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَا يَعْلَمُ بِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْغَلَ ذِمَّتَهُ بِدَيْنِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْفُقَرَاءِ. ١ - (فَرْعٌ) فَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ أَحَدٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ اسْتَلْحَقَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ إنْ كَانَ تَعَمَّدَ طَرْحَهُ وَهُوَ مَلِيءٌ وَإِنْ لَمْ يَطْرَحْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَبِ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا شَيْءَ عَلَى الْأَبِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ هَذَا أَنْفَقَ عَلَى وَجْهِ التَّطَوُّعِ. (ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَنْبُوذِ أَنَّهُ حُرٌّ وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ هُمْ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ) . (ش) : وَهَذَا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ أَنَّ الْمَنْبُوذَ وَهُوَ الْمَطْرُوحُ مِنْ قَوْلِهِمْ نَبَذْت الشَّيْءَ إذَا طَرَحْته قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] إلَّا أَنَّهُ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَنْ طُرِحَ مِنْ الْأَطْفَالِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِسْرَارِ بِهِ فَيَلْتَقِطُهُ مَنْ يَخَافُ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ فَقَالَ مَالِكٌ أَنَّهُ حُرٌّ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَرَا مِنْ أَسْبَابِ الِاسْتِرْقَاقِ فَهُوَ لَاحِقٌ بِالْأَحْرَارِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ وَجَدْنَاهُ مِنْ الْكِبَارِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ إنَّمَا نَحْمِلُهُمْ عَلَى الْحُرِّيَّةِ لِعَدَمِ مَعَانِي الِاسْتِرْقَاقِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ أَنَّ وَلَاءَهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ كَسَائِرِ مَنْ لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ وَقَوْلُهُ وَهُمْ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ عَلَى مَعْنَى تَفْسِيرِ الْمَوْلَى الَّذِي أَثْبَتَهُ فِي حُكْمِ الْمَنْبُوذِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1627

وَقَالَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَتَسَاوَقَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمَعَةَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمَعَةَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةِ بِنْتِ زَمَعَةَ: احْتَجِبِي مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَتْ فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ» ــ [المنتقى] [الْقَضَاءُ بِإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ] (ش) : قَوْلُهَا: إنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمَعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ إلَيْك عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النِّكَاحَ كَانَ عِنْدَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:. أَحَدُهَا: الِاسْتِبْضَاعُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ يُعْجِبُهُ نَجَابَةُ الرَّجُلِ وَنُبْلُهُ وَتَقَدُّمُهُ فَيَأْمُرُ مَنْ تَكُونُ لَهُ مِنْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ أَنْ تُبِيحَ نَفْسَهَا لَهُ فَإِذَا حَمَلَتْ مِنْهُ رَجَعَ هُوَ إلَى وَطْئِهَا حِرْصًا عَلَى نَجَابَةِ الْوَلَدِ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ لَا زَوْجَ لَهَا يَغْشَاهَا الْجَمَاعَةُ مِنْ الرِّجَالِ مُنْفَرِدِينَ أَوْ مُجْتَمَعِينَ فَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا حَمْلٌ دَعَتْهُمْ وَقَالَتْ لِأَحَدِهِمْ هَذَا مِنْك فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَيَلْحَقُ بِهِ وَلَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ. وَالثَّالِثُ: الْبَغَايَا كُنَّ يَجْعَلْنَ الرَّايَاتِ عَلَى مَوَاضِعِهِنَّ فَمَنْ رَأَى تِلْكَ الرَّايَةَ عَلِمَ أَنَّهُ مَوْضِعُ بَغْيٍ فَيَتَكَرَّرُ عَلَيْهَا بِذَلِكَ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ النَّاسِ حَتَّى إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا حَمْلُهَا قَالَتْ لِبَعْضِهِمْ: هُوَ مِنْك، فَيَلْحَقُ بِهِ. وَالرَّابِعُ: النِّكَاحُ الصَّحِيحُ فَأَبْطَلَ الْإِسْلَامُ الثَّلَاثَةَ الْأَنْوَاعِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَأَثْبَتَ النِّكَاحَ فَلَعَلَّ مَا قَالَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: ابْنُ وَلِيدَةِ زَمَعَةَ مِنِّي إنَّمَا أَرَادَ اسْتِلْحَاقَهُ مِنْ أَحَدِ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي أَبْطَلَهَا الْإِسْلَامُ فَلَمَّا أَرَادَ عُتْبَةُ اسْتِلْحَاقَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَمْ يُقِمْ لَهُ بَيِّنَةً مِنْ إقْرَارِهَا لَمْ يَلْحَقْ بِهِ، وَأَمَّا مَنْ اسْتَلْحَقَ وَلَدًا فَلَا يَخْلُو أَنْ لَا يَكُونَ عَرَفَ لَهُ مِلْكَ أَمَةٍ وَلَا نِكَاحَهَا أَوْ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ ذَلِكَ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ لَهُ مِلْكَ أَمَةٍ بِنِكَاحٍ وَلَا بِمِلْكِ يَمِينٍ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ مَرَّةً يَلْحَقُ ذَلِكَ بِهِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ كَذِبُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا لَا يَلْحَقُ بِهِ حَتَّى يَتَقَدَّمَ لَهُ عَلَى أُمِّهِ نِكَاحٌ أَوْ مِلْكٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ، وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّل أَنَّ الْأَسْبَابَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الِاسْتِلْحَاقِ وَأَكْثَرُهَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ الْأَبِ بِالْوَطْءِ أَوْ بِأَنَّهُ وَلَدُهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَسَبٌ مَانِعٌ لَحِقَ بِمَنْ اسْتَلْحَقَهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ النَّسَبَ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الِاسْتِلْحَاقُ إذَا كَانَ ثَمَّ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ مِنْ مِلْكِ يَمِينٍ أَوْ نِكَاحٍ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ سَبَبٌ يُقَوِّي الدَّعْوَى وَجَبَ أَنْ تَبْطُلَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ بِمُجَرَّدِ الدَّعَاوَى لَكَثُرَ تَعَرُّضُ الدَّعَاوَى فِي ذَلِكَ وَفَسَدَتْ الْأَنْسَابُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا إنْ مَلَكَ أُمَّهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنْ ادَّعَاهُمْ مَعَ بَقَائِهِمْ فِي مِلْكِهِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُمْ يَلْحَقُونَ بِهِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ بِيَدِهِ أَمَةٌ لَهَا وَلَدٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِمَالِهِ فَاسْتَلْحَقَ الْوَلَدُ لَحِقَ بِهِ وَتَكُونُ الْأَمَةُ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ النَّسَبِ مَوْجُودٌ مَعَ عَدَمِ مُسْتَلْحِقِهِ فَيَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَمْنَعْ الدَّيْنُ الِاسْتِلْحَاقَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِلْحَاقَ مَعْنًى يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ مَعَ عَدَمِ الدَّيْنِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ النَّسَبُ مَعَ الدَّيْنِ كَالْإِقْرَارِ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ ثُمَّ ظُهُورِ الْحَمْلِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ كَانَ قَدْ بَاعَهُ مَعَ أُمِّهِ ثُمَّ ادَّعَى وَهُوَ مُعْدَمٌ أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْهَا فَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ رَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِيهِ وَفِيهَا وَيُرَدُّ إلَيْهِ وَيُتْبَعُ بِالثَّمَنِ دَيْنًا وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَيْضًا أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي الْوَلَدِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي أُمِّهِ وَيُرَدُّ إلَيْهِ الْوَلَدُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ حَالَةٌ تَصْدُقُ فِي الْوَلَدِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ فِي أُمِّهِ كَحَالَةِ السِّرِّ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ عَدَمَهُ بِالثَّمَنِ تُهْمَةٌ فِي إرَادَتِهِ اسْتِرْجَاعَ الْأَمَةِ دُونَ ثَمَنٍ وَاسْتِلْحَاقُهُ الْوَلَدَ لَا يَقْتَضِي ارْتِجَاعَهُ الْأُمَّ، أَلَا تَرَى أَنَّ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ يَسْتَلْحِقُهُ الْمُلَاعِنُ وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ ارْتِجَاعَ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ اسْتِلْحَاقَ الْوَلَدِ عَرَا مِنْ التُّهْمَةِ

стр. 1628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ نَفْيِ مَا يُشَكُّ فِيهِ مِنْ النَّسَبِ فَكَيْفَ بِمَا يُتَيَقَّنُ انْتِفَاؤُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ مَلِيًّا وَقَدْ بَاعَهَا ثُمَّ ادَّعَاهُ فَإِنَّهُمَا يُرَدَّانِ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ فِيهَا بِصَبَابَةٍ إلَيْهَا فَيُصَدَّقُ فِي الْوَلَدِ وَلَا يُصَدَّقُ فِيهَا حَتَّى يَسْلَمَ مِنْ الْعَدَمِ وَالصَّبَابَةِ بِهَا، قَالَ أَصْبَغُ: لَا يُتَّهَمُ فِي غِنَاهُ سَوَاءٌ بَاعَهَا بِالْوَلَدِ أَوْ وَلَدَتْ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ لِمَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ كَلَفَهُ بِهَا تُهْمَةٌ يَمْنَعُهُ رَدَّهَا فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَصَحَّ اسْتِلْحَاقُهُ لِلْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ لَهُ لِحَقِّ النَّسَبِ مَعَ تَعَرِّيه مِنْ التُّهْمَةِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّهُ إذَا صَحَّ اسْتِلْحَاقُهُ لِلْوَلَدِ لِسَبَبِ مِلْكِ الْيَمِينِ يَضْمَنُ ذَلِكَ كَوْنُ الْأُمِّ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَلَا تُهْمَةَ مَعَ الْغَنِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ عِوَضَهَا، وَلَوْ قِيلَ فِي هَذَا يَرُدُّ الْأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ يَوْمَ الِاسْتِلْحَاقِ لِمَا بَعْدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا مَا لَمْ يُعْتِقْهُمَا الْمُبْتَاعُ فَإِنْ أَعْتَقَهُمَا ثُمَّ اسْتَلْحَقَ الْوَلَدَ الْبَائِعُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُصَدَّقُ الْبَائِعُ فِيهِمَا ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْوَلَدِ وَحْدَهُ وَيَثْبُتُ نَسَبُهُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوَلَاءَ نَسَبٌ ثَابِتٌ فَلَا يُرَدُّ بِالِاسْتِلْحَاقِ كَمَا لَا يُرَدُّ نَسَبٌ ثَابِتٌ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ النَّسَبَ أَقْوَى مِنْ الْوَلَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ مُشَبَّهٌ بِهِ فَالنَّسَبُ يُبْطِلُ الْوَلَاءَ وَلَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهَا الْوَلَاءُ فِي الْوَجْهَيْنِ لَمْ يُبْطِلْ الثَّانِي الْأَوَّلَ وَكَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا قُلْنَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْأَمَةِ فَإِنَّ عِتْقَهَا يَثْبُتُ لِلْمُبْتَاعِ وَيَرْجِعُ بِالْيَمِينِ عَلَى الْبَائِعِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُقِرٌّ لَهَا بِثَمَنِهَا فَكَانَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ وَلَا يُقْبَلَانِ عَلَى نَقْلِ الْوَلَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَدَّعِهِ الْمُشْتَرِي وَلَدًا فَإِنْ ادَّعَاهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْيَدَ لَهُ وَقَدْ ضَعُفَتْ دَعْوَى الْبَائِعِ بِتَكْذِيبِ نَفْسِهِ بِبَيْعِهِ إيَّاهُ فَإِنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَا لَمْ يَدَّعِهِ مَنْ هُوَ أَقْوَى دَعْوَى مِنْهُ مِمَّنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ تَكْذِيبُ دَعْوَاهُ. (فَصْلٌ) : وَعُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ إنَّمَا ادَّعَى هَذَا الْوَلَدَ مِنْ جِهَةِ زِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمِثْلُ هَذَا كَانَ يَلْحَقُ بِهِ لَوْ ادَّعَاهُ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ فِي الْإِسْلَامِ مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبَبٌ هُوَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَاهُ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَفِي مَسْأَلَةِ وَلَدِ زَمَعَةَ قَدْ كَانَ هُنَاكَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْ الزِّنَا وَهُوَ ادِّعَاءُ الْفِرَاشِ لَهُ فَإِنَّ أَمَةَ زَمَعَةَ ادَّعَى ابْنُ زَمَعَةَ لَهَا الْفِرَاشَ وَمَعْنَاهُ وَطْءُ أَبِيهِ لَهَا؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ تَصِيرُ عِنْدَنَا فِرَاشًا بِالْوَطْءِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ بِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِوَطْءِ أَمَتِهِ ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا أُلْحِقَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ وَمَاتَ قَبْلَ وَضْعِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا ادَّعَاهُ عُتْبَةُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ وَإِنَّمَا كَانَ فِي ذَلِكَ مُجَرَّدَ دَعْوَى سَعْدِ أَخِيهِ لَهُ وَلَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُ الْعَمِّ ابْنَ أَخٍ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَتَسَاوَقَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » يُرِيدُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَاقَ صَاحِبَهُ لِمُنَازَعَتِهِ لَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا فِي دَعْوَاهُمَا فَأَدْلَى سَعْدُ بِحُجَّتِهِ فَقَالَ: ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ وَلَمْ يَدَّعِ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا ادَّعَى أَنَّهُ عَهِدَ إلَيْهِ فِيهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ عَبْدُ بْنُ زَمَعَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ بَلْ الظَّاهِرُ صِدْقُ سَعْدٍ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا أَدْلَى بِحُجَّتِهِ أَيْضًا فَقَالَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَادَّعَاهُ أَخًا وَلَمْ يَدَّعِ بَيِّنَةً عَلَى اسْتِلْحَاقِ أَبِيهِ لَهُ وَإِنَّمَا احْتَجَّ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ كَمَا احْتَجَّ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، فَلَمَّا اسْتَوْعَبَ النَّبِيُّ ﷺ حُجَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَكَمَ بَيْنَهُمَا بِالْحَقِّ فَقَالَ: هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمَعَةَ وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِأَبِيهِ زَمَعَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُضِفْهُ إلَيْهِ وَلَا قَالَ: هُوَ ابْنٌ لِزَمْعَةَ وَإِنَّمَا أَضَافَهُ إلَى عَبْدِ بْنِ زَمَعَةَ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ أَمَةِ أَبِيهِ وَلَوْ لَمْ يَدَّعِهِ أَخًا لَقَضَى لَهُ بِهِ عَبْدًا وَلَكِنَّهُ قَدْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ وَأُخُوَّتِهِ فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا تَدَّعِيهِ فِيمَا يَخُصُّك وَلَا يَصْلُحُ اسْتِلْحَاقُ الرَّجُلِ أَخًا قَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَمَنْ اسْتَلْحَقَ أَخًا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُوَارِثْهُ وَلَا يُسْتَلْحَقُ الْأَخُ. وَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ فِيمَنْ شَهِدَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ مُقِرًّا بِوَطْءِ جَارِيَةٍ فَهَلَكَ عَنْهَا أَبُوهُ وَهِيَ حَامِلٌ قَالَ

стр. 1629

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] لَا يُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَحْدَهُ وَلَا يَرِثُ مَعَهُ فِي حَظِّهِ وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدٌ لِلْوَرَثَةِ، وَلَوْ شَهِدَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ أَقَرَّ بِوَلَدٍ مِنْ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ وَرِثَ مَعَهُ فِي حَظِّهِ خَاصَّةً مَا لَمْ يَكُنْ سَفِيهًا مَوْلَى عَلَيْهِ قَالَ عِيسَى وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِحَمْلِ جَارِيَةٍ فَالْوَلَدُ عَبْدٌ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ فَلَا يَرِثُ شَيْئًا مِنْ حَظِّهِ وَلَا حَظِّ غَيْرِهِ وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ مِنْ حُرَّةٍ فَهُوَ حُرٌّ فَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ حَقٌّ فِي حَظِّهِ، وَعَبْدُ بْنُ زَمَعَةَ انْفَرَدَ بِمِيرَاثِ أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ وَسَوْدَةُ أُخْتُهُ مُسْلِمَةٌ فَلَمْ يَرِثْهُ وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَرَّثَهُ وَإِنَّمَا أَضَافَهُ إلَى عَبْدٍ إذْ قَدْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَخُوهُ وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ بِمِيرَاثِ أَبِيهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ إنَّمَا يَلْحَقُ الْأَبَ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِقَوْلِ عَبْدٍ إلَّا عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ إذَا كَمُلَتْ الشَّهَادَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمَعَةَ أَنَّهُ مِلْكُك لَكِنَّك قَدْ أَقْرَرْت لَهُ بِالْحُرِّيَّةِ فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِقَوْلِك فِي ذَلِكَ فِيمَا يَخُصُّك، وَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ لَصَحَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ: إنَّهُ لَك بِمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ لَك مَنْعُهُ فَإِذَا أَقْرَرْت بِهِ لِغَيْرِك فَأَنْتَ وَذَاكَ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ هُوَ لَك أَنَّهُ بِيَدِك لَا أَنَّك تَمْلِكُهُ وَلَكِنْ يُمْنَعُ مِنْهُ غَيْرُك. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ هُوَ لَك عَبْدٌ وَهَذَا أَيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ إنْ كَانَ يُرِيدُ بِهِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِهِ قَبْلَ الْإِقْرَارِ فَهُوَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَعْنَاهُ هُوَ لَك أَخٌ وَأَنَّهُ ﷺ حَكَمَ بِهِ لِزَمْعَةَ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْجَدُّ فَهَلْ يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا مِنْ الْأَبِ قَالَ سَحْنُونٌ وَمَا عَلِمْت بَيْنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا. وَقَالَ أَشْهَبُ يَسْتَلْحِقُ الْأَبُ وَالْجَدُّ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ فِي حَيَاةِ الْأَبِ لَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ كَالْأَخِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ النَّسَبَ يَلْحَقُ بِهِ فَجَازَ اسْتِلْحَاقُهُ لَهُ كَالْأَبِ فَالْجَدُّ مُخْتَلَفٌ فِي اسْتِلْحَاقِهِ وَالْأَبُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّةِ اسْتِلْحَاقِهِ وَسَائِرُ الْأَقَارِبِ مُتَّفَقٌ عَلَى نَفْيِ اسْتِلْحَاقِهِمْ فَلَا يُسْتَلْحَقُ عَمٌّ وَلَا ابْنُ عَمٍّ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْقَرَابَةِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَا قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَسْتَلْحِقُ إلَّا الْأَبُ فَمَنْ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا أَخُوهُ أَوْ عَمُّهُ أَوْ ابْنُ عَمِّهِ أَوْ مَوْلَاهُ فَإِنَّهُ يُشَارِكُ فِي مِيرَاثِ مَنْ قَدْ تُوُفِّيَ مِمَّنْ يُوجِبُ لَهُمَا ذَلِكَ الْإِقْرَارُ مِيرَاثَهُ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ وَيَتْرُكَ وَلَدًا فَيُقِرُّ ذَلِكَ الْوَلَدُ بِآخَرَ فَإِنَّهُ يَرِثُ مَعَهُ أَبَاهُ فَيَأْخُذُ نِصْفَ مَا تَرَكَ مِنْ الْمَالِ وَلَكِنْ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِذَلِكَ، وَلَوْ تَرَكَ الْمَيِّتُ وَلَدَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِثَالِثٍ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ إلَيْهِ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ مِمَّا بِيَدِهِ لَوْ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَلَا يَدْفَعُ الْآخَرُ إلَيْهِ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ لَهُ عَدْلًا فَيَحْلِفَ مَعَ شَهَادَتِهِ وَيَأْخُذُ مِمَّا بِيَدِ الْآخَرِ حِصَّتَهُ أَيْضًا وَلَكِنْ لَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ نَسَبُهُ مِنْ الْمَيِّتِ، وَلَوْ أَقَرَّا لَهُ جَمِيعًا بِأَنَّهُ أَخٌ لَهُمَا وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ لَثَبَتَ نَسَبُهُ بِشَهَادَتِهِمَا وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ أَقَرَّ لَهُ بِالْأُخُوَّةِ فَهُوَ مُقِرٌّ لَهُ بِمَالٍ فِي يَدِهِ فَيُقْضَى عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَيُقَالُ لَهُ أَنْتَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ وَلَا يُقْضَى عَلَى الْمَيِّتِ بِإِلْحَاقِ نَسَبِهِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا لَحْقَ بِهِ إلَّا بِشَهَادَةٍ كَامِلَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَنْ قَالَ: فُلَانٌ أَخِي أَوْ عَمِّي أَوْ ابْنُ عَمِّي أَوْ وَارِثِي فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ثَمَّ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ يُخَالِفُ مَا أَقَرَّ بِهِ فَمَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْلَى مِنْ دَعْوَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَسَبٌ فَمَاتَ الْمُقِرُّ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقِرِّ وَارِثٌ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ فَإِنَّ الْمُقَرَّ لَهُ يَرِثُهُ مِنْ بَابِ الْإِقْرَارِ وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِذَلِكَ. وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ ثُمَّ قَالَ لَا مِيرَاثَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَهُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمَعَةَ» وَهَذَا يَقْتَضِي إضَافَتَهُ إلَيْهِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَقَدْ قُلْنَا أَنَّ نَسَبَهُ لَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ أَنْ يُضِيفَهُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ادَّعَاهُ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ تَوَارُثٌ عَلَى وَجْهٍ مَا وَهُوَ مَا فَضَلَ عَنْ مِيرَاثِ مَنْ يَثْبُتُ نَسَبُهُ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي لِسَحْنُونٍ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا

стр. 1630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَأَهْلُ الْعِرَاقِ فِي مِثْلِ هَذَا لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مَعْرُوفٌ جَازَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِجَمِيعِ مَالِهِ لِمَنْ أَحَبَّ فَلِذَلِكَ جَوَّزُوا إقْرَارَهُ لِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الْقَرَابَةِ وَأَصْحَابُنَا لَا يُجِيزُونَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُجِيزُونَ لَهُ الثُّلُثَ فَقَطْ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ سَحْنُونٍ غَيْرُ بَيِّنٍ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْوَارِثِ لَيْسَ طَرِيقُهُ طَرِيقَ الْوَصِيَّةِ وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ طَرِيقُ الْإِقْرَارِ بِالْوَارِثِ وَلَيْسَ طَرِيقُهُ بِالْمَالِ عَلَى وَجْهٍ مَا فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ مَانِعٌ وَهُوَ أَقْوَى مِنْهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ مَالِهِ ثُمَّ يَمُوتُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ مَالِهِ بِدَيْنِهِ ذَلِكَ، وَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ مَالِهِ لَأَخَذَ جَمِيعَ مَالِهِ وَبَطَلَ إقْرَارُهُ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ فِي مَرَضِهِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ طَرِيقُهُ طَرِيقَ الْوَصِيَّةِ أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَهُمْ كُلُّهُمْ غَيْرَ ابْنِ سَحْنُونٍ وَأَشْهَبَ يَجْعَلُونَ الْمَالَ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِالنَّسَبِ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ سَحْنُونًا وَسَائِرَ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ: مَنْ أَقَرَّ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ بِأَخٍ قَاسَمَهُ مَالَ أَبِيهِ وَلَا يَثْبُتُ لَهُ بِذَلِكَ نَسَبٌ، وَلَوْ كَانَ هَذَا عَلَى وَجْهِ الْوَصِيَّةِ لَمَا أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ عَلَى وَجْهِ الْوَصِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» الْفِرَاشُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا هِيَ الْأَمَةُ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ فِرَاشًا بِإِقْرَارِ السَّيِّدِ بِالْوَطْءِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْوَلَدَ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْفِرَاشِ مَا يُفْتَرَشُ وَذَلِكَ أَنَّ الْوَطْءَ غَالِبًا إنَّمَا يَكُونُ عَلَى شَيْءٍ يُفْتَرَشُ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا وَطِئَ أَمَتَهُ فَقَدْ اتَّخَذَ لَهَا فِرَاشًا، وَأَنَّ الْوَلَدَ مَنْسُوبٌ إلَى صَاحِبِ الْفِرَاشِ وَهُوَ سَيِّدُ الْأَمَةِ الَّتِي جَعَلَ لَهَا فِرَاشًا وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: مَعْنَى الْفِرَاشِ الزَّوْجُ وَمَا قَالُوهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي اللُّغَةِ وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي كِتَابِ السِّرَاجِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا أَقَرَّ بِوَطْءِ أَمَةٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِمِثْلِ مَا يُولَدُ مِنْهُ بَعْدَ وَقْتِ الْإِقْرَارِ لَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَوْلُهُ ﷺ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» عَامٌّ فِي الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ حُرْمَةٌ تَثْبُتُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَثَبَتَتْ بِالْوَطْءِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ أَصْلُ ذَلِكَ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» فَمَعْنَاهُ إذَا ادَّعَى وَلَدُ صَاحِبِ الْفِرَاشِ مِنْ أَمَةٍ أَوْ حُرَّةٍ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَدَّعِهِ فَفِي الْمُزَنِيَّة أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عِيسَى سَأَلَ ابْنَ كِنَانَةَ عَنْ قَوْمٍ أَسْلَمُوا بِجَمَاعَتِهِمْ وَتَحَمَّلُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَادَّعَى بَعْضُهُمْ وَلَدَ زِنْيَةٍ أَيَلْحَقُ بِهِ قَالَ نَعَمْ مِنْ حُرَّةٍ كَانَ الْوَلَدُ أَوْ مِنْ أَمَةٍ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ مَعَهُ سَيِّدُ الْأَمَةِ أَوْ زَوْجُ الْحُرَّةِ فَيَكُونَ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» . وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» الْعَاهِرُ هُوَ الزَّانِي. وَقَالَ عِيسَى: سُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ كَانَ الْعَهَرُ فِي أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ظَاهِرًا وَهُوَ الزِّنَا، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ الزِّنَا مَا ظَهَرَ مِنْهُ فَهُوَ آثِمٌ وَمَا كَانَ خَفِيًّا أَوْ مُتَّخِذَةً خِدْنًا فَلَا بَأْسَ بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وَأَنْزَلَ ﴿وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥] فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَانَ مَنْ عَهَرَ بِأَمَةٍ يَمْلِكُهَا غَيْرُهُ أَوْ حُرَّةٍ تَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ فَاَلَّذِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ أَحَقُّ بِهِ «وَقَضَى ﷺ بِالْحَجَرِ لِلْعَاهِرِ» عَلَى مَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يَسْتَحِقُّ بِفِعْلِهِ الرَّجْمَ لَا الْوَلَدَ وَإِنْ كَانَ لَا يُرْجَمُ زَانِيَ الْمُشْرِكِينَ لَكِنَّهُ ﷺ لَمْ يَخْرُجْ قَوْلُهُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى الِاخْتِصَاصِ بِأَحْكَامِ الْمُشْرِكِينَ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ فَلَمَّا قَصَدَ أَنْ يُثْبِتَ الزِّنَا وَالْعَهَارَةَ أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَشَدِّ أَحْكَامِهِ فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ حُكْمُهُ جَلْدُ مِائَةٍ أَوْ جَلْدُ خَمْسِينَ وَعَلَى حَسَبِ

стр. 1631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مَا تَتَنَوَّعُ إلَيْهِ الْأَحْكَامُ فِي ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْوَلَدِ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الزِّنَا غَيْرُ طَرْدِهِ بِالْحِجَارَةِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ «قَالَ لِسَوْدَةِ احْتَجِبِي مِنْهُ» مَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ وَإِنَّمَا أَقَرَّ لَهُ عَبْدٌ بِالْأُخُوَّةِ وَلَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ أَخًا لِسَوْدَةِ وَلَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ نَسَبٌ وَلَا تَوَارُثٌ وَلَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْأُخُوَّةِ فَيَكُونُ بِذَلِكَ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهَا، وَذَلِكَ لَوْ تُوُفِّيَ رَجُلٌ وَتَرَكَ ابْنًا وَبِنْتًا فَأَقَرَّ الِابْنُ بِأَخٍ مِنْ أَبِيهِ لَأَخَذَ مِنْ تَرِكَةِ الْأَبِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ حِصَّةِ الِابْنِ الْمُقِرِّ وَلَمْ يَأْخُذْ مِمَّا بِيَدِ الْأُخْتِ شَيْئًا وَلَا كَانَ لَهَا بِذَلِكَ أَخًا وَلَا ذَا مَحْرَمٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْهَا حِينَ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْ أَبِيهَا فَعَلَى هَذَا جَرَى حُكْمُ سَوْدَةَ مَعَ الَّذِي ادَّعَاهُ أَخُوهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ لِلزِّنَا حُكْمًا تَحْرُمُ بِهِ رُؤْيَةُ الْمُسْتَلْحِقِ لِأُخْتِهِ سَوْدَةَ فَقَالَ لَهَا احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ فَمَنَعَهَا مِنْ أَخِيهَا فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَخِيهَا فِي غَيْرِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِنَا فِي الْبَاطِنِ إذْ كَانَ شَبِيهًا بِعُتْبَةَ فَجَعَلَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ لَا يَرَاهَا بِحُكْمِ الزِّنَى وَجَعَلَهُ أَخًا لَهَا بِحُكْمِ الْفِرَاشِ قَالُوا وَمَا حَرَّمَهُ الْحَلَالُ فَالزِّنَى أَشَدُّ تَحْرِيمًا لَهُ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَهُوَ عَائِدٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْحَلَالَ يُؤَيِّدُ التَّحْرِيمَ فِي الْأُخُوَّةِ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُؤَيِّدَهُ الزِّنَا أَكْثَرُ وَيَحْرُمُ النِّكَاحُ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِي إبْطَالِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رُؤْيَةُ ابْنِ زَمَعَةَ لِسَوْدَةِ مُبَاحٌ فِي الْحُكْمِ، وَلَكِنَّهُ كَرِهَهُ وَأَمَرَ بِالتَّنَزُّهِ عَنْهُ اخْتِيَارًا قَالَ أَصْحَابُهُ: لَمَّا كَانَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ رُؤْيَةِ أَخِيهَا وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُبَاحًا لَمَا نَهَاهَا عَنْهُ وَأَمَرَهَا بِقَطْعِ رَحِمِهِ «، وَقَدْ أَمَرَ ﷺ عَائِشَةَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا عَمُّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَقَالَ لَهَا: هُوَ عَمُّك فَلْيَلِجْ عَلَيْك» مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ غَيْرَتِهِ ﷺ ، وَقَالَ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَغْيَرُ مِنَّا» «، وَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا رَجُلٌ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَتْ: أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ، فَقَالَ اُنْظُرْنَ مِنْ إخْوَانِكُنَّ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَمَرَهَا أَنْ يَلِجَ عَلَيْهَا عَمُّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ وَالشَّبَهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْأَنْسَابِ. وَقَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أَجَابَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَأَعْلَمَهُمْ بِالْحُكْمِ أَنَّهُ كَذَلِكَ يَكُونُ إذَا ادَّعَى صَاحِبُ الْفِرَاشِ الْوَلَدَ وَصَاحِبُ زِنَى لَا عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عُتْبَةَ دَعْوَى أَخِيهِ سَعْدٍ وَلَا يَلْزَمُ زَمَعَةَ دَعْوَى ابْنِهِ عَبْدٍ وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لِسَوْدَةِ «احْتَجِبِي مِنْهُ» وَهَذَا أَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَهُوَ نَحْوُ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَائِشَةَ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ تَأَوُّلٌ مِنْهَا وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذَا سَعْدٌ. وَقَالَ ابْنُ أَخِي عُتْبَةُ نَظَرَ إلَى شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ فَلَمْ يَحْكُمْ لَهُ بِذَلِكَ وَلَا رَآهُ مَعْنَى مُوجِبًا لِمَا ادَّعَاهُ وَقَدْ يَتَشَابَهُ النَّاسُ وَلَا تَنْتَقِلُ بِذَلِكَ أَنْسَابُهُمْ عَمَّا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ مِنْ الِانْتِسَابِ إلَى نَسَبٍ مَعْرُوفٍ أَوْ الْجَهَالَةُ بِالنَّسَبِ وَالْعَدَمُ لِمَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ الِاعْتِبَارُ بِالشَّبَهِ فِي إلْحَاقِ النَّسَبِ وَاجِبٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَوْضِعَ الْحُكْمِ بِذَلِكَ وَاحْتَجَّ فِيمَا ادَّعَاهُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَهُوَ عِنْدِي دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمْته وَاحْتَجَّ «بِقَوْلِهِ ﷺ فِي قَضِيَّةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ إنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا فَهُوَ لِشَرِيكٍ فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ فَقَالَ: ﷺ لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» وَهَذَا أَيْضًا عِنْدِي حُجَّةٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِالشَّبَهِ بَلْ أَمْضَى الْأَمْرَ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْوِلَادَةِ مِنْ حُكْمِ اللِّعَانِ الثَّابِتِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ أَكَّدَ مَعْنَى احْتِجَابِ سَوْدَةَ مِنْهُ فَأَمَّا أَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ فَلَا كَمَا لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ التَّشَابُهَ إلَى عُتْبَةَ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ عَائِشَةُ عَلَى وَجْهِ التَّرْجِيحِ وَتَقْوِيَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلِذَلِكَ تَرَجَّحَ

стр. 1632

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ أَنَّ امْرَأَةً هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَاعْتَدَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ حِينَ حَلَّتْ فَمَكَثَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفَ شَهْرٍ ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا تَامًّا، فَجَاءَ زَوْجُهَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَدَعَا عُمَرُ نِسْوَةً مِنْ نِسَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ قُدَمَاءَ فَسَأَلَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَنَا أُخْبِرُك عَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا حِينَ حَمَلَتْ فَأُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ فَحُشَّ وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا فَلَمَّا أَصَابَهَا زَوْجُهَا الَّذِي نَكَحَهَا وَأَصَابَ الْوَلَدَ الْمَاءُ تَحَرَّكَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا وَكَبُرَ فَصَدَّقَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ عُمَرُ: أَمَا إنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنِي عَنْكُمَا الْأَخِيرَ وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْأَوَّلِ) ــ [المنتقى] بِهِ عِنْدَ تَسَاوِي الْأَسْبَابِ الْمُثْبِتَةِ لِلنَّسَبِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ مِنْ عِلْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ الْقَافَةُ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ شَبَهٍ يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ لَمَا اخْتَصَّ بِعِلْمِ ذَلِكَ الْقَافَةُ وَلَوَجَبَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى إثْبَاتِ الْأَنْسَابِ وَلَا يَقْصُرَ عَلَى التَّرْجِيحِ دُونَ الِاسْتِدْلَالِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّ هَذَا مِنْ الْحُكْمِ بِالذَّرَائِعِ لِمَا تَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَنَّهُ حَكَمَ بِالنَّسَبِ لِعَبْدٍ وَرَاعَى التَّحْرِيمَ فِي جَنَبَةِ سَوْدَةَ فَمَنَعَهُ الدُّخُولَ عَلَيْهَا وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ هَذَا أَوْلَى لَيْسَ مِنْ مَعْنَى الذَّرَائِعِ، وَقَدْ فَسَّرْنَا مَعْنَى الذَّرَائِعِ فِي الْبُيُوعِ وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ لَوْ صَحَّ مَا تَأَوَّلَهُ مِنْ بَابِ تَغْلِيبِ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَهُوَ وَجْهٌ قَدْ قَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَقَالُوا: إنَّ ذَلِكَ كَالْأَمَةِ تَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَطْؤُهَا تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَمَا قُلْنَاهُ أَوَّلًا أَبْيَنُ. وَلَوْ حَكَمَ بِثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنْ زَمَعَةَ لَحَكَمَ بِإِبَاحَةِ دُخُولِهِ عَلَى سَوْدَةَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَنْفِي وَلَدَهُ وَيُلَاعِنُ فَيَنْتَفِي عَنْهُ وَيَحْرُمُ بِذَلِكَ دُخُولُهُ عَلَى بَنَاتِهِ ثُمَّ يَسْتَلْحِقُهُ فَيُلْحَقُ بِهِ وَيُبَاحُ بِذَلِكَ الدُّخُولُ عَلَى بَنَاتِهِ؟ . ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ» امْتِثَالًا لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَانْتِهَاءً إلَى حَدِّهِ وَامْتِنَاعًا مِمَّا مَنَعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ بَيْنَهُمَا أُخُوَّةً، وَلَوْ مَاتَتْ سَوْدَةُ لَمْ يَرِثْهَا لِمَا حَكَمَ بِهِ فِي أَمْرِهِمَا إلَّا أَنْ يَثْبُتَ نَسَبُهُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ أَنَّ امْرَأَةً هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَاعْتَدَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ حِينَ حَلَّتْ فَمَكَثَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفَ شَهْرٍ ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا تَامًّا، فَجَاءَ زَوْجُهَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَدَعَا عُمَرُ نِسْوَةً مِنْ نِسَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ قُدَمَاءَ فَسَأَلَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَنَا أُخْبِرُك عَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا حِينَ حَمَلَتْ فَأُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ فَحُشَّ وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا فَلَمَّا أَصَابَهَا زَوْجُهَا الَّذِي نَكَحَهَا وَأَصَابَ الْوَلَدَ الْمَاءُ تَحَرَّكَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا وَكَبُرَ فَصَدَّقَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ عُمَرُ: أَمَا إنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنِي عَنْكُمَا الْأَخِيرَ وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْأَوَّلِ) . (ش) : قَوْلُهُ: أَنَّ امْرَأَةً هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَاعْتَدَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا يُرِيدُ كَمَّلَتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ فَذَكَرَ أَيَّامَ الْعِدَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَيْضَ غَيْرَ أَنَّ قَوْلَ الْمَرْأَةِ آخِرَ الْحَدِيثِ فَأُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشَرَ حَيْضَةٌ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ حِينَ حَلَّتْ فَمَكَثَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفَ شَهْرٍ ثُمَّ وَلَدَتْ يُرِيدُ أَنَّهَا مَكَثَتْ عِنْدَ الزَّوْجِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفَ شَهْرٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ تَامٍّ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِسْقَاطِ؛ لِأَنَّ السِّقْطَ لَا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ فَلَوْ كَانَ سِقْطًا لَمْ يُنْكِرْهُ، وَأَمَّا الْوِلَادَةُ فَلَهَا وَقْتٌ لَا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ وَلَا تَتَأَخَّرُ عَنْهُ فَأَقَلُّ الْحَمْلِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ الْوِلَادَةُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْحَمْلَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا الَّذِي يُرَاعَى فِي الْأَشْهُرِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: سِتَّةُ أَشْهُرٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَمِقْدَارُ انْفِصَالِهَا بِالْأَهِلَّةِ فَصَاعِدًا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ أَشْهُرُ مُدَّةِ الْحَمْلِ عَلَى الْأَهِلَّةِ بَعْضُهَا مِنْ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ أَنْ تَكُونَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ كَامِلَةً. وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ: إنْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ الثَّانِي فَهُوَ لِلْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ وَطْئِهِمَا إلَّا يَوْمٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ السِّتَّةُ أَشْهُرٍ كَمُلَتْ لِوَطْءِ الْأَوَّلِ بِذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهَذَا يَقْتَضِي مُرَاعَاةَ الْيَوْمِ الْوَاحِدِ فِي تَمَامِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ نَقْصِهَا فَعَلَى هَذَا يَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ تُعْتَبَرَ أَيَّامُهَا بِوَقْتِ الْوَطْءِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ اعْتَدَّتْ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْفَجْرِ لَمْ تَعْتَدَّ بِهِ وَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ يُعْتَبَرُ بِهِ وَيَكُونُ تَمَامُ السِّتَّةِ الْأَشْهُرِ ذَلِكَ الْوَقْتُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَرْعٌ) وَالسِّتَّةُ الْأَشْهُرُ

стр. 1633

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنْ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَأَتَى رَجُلَانِ كِلَاهُمَا يَدَّعِي وَلَدَ امْرَأَةٍ فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَائِفًا فَنَظَرَ إلَيْهِمَا فَقَالَ الْقَائِفُ: لَقَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ ثُمَّ دَعَا الْمَرْأَةَ فَقَالَ: أَخْبِرِينِي خَبَرَكِ، فَقَالَتْ: كَانَ هَذَا لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ يَأْتِينِي، وَهِيَ فِي إبِلٍ لِأَهْلِهَا فَلَا يُفَارِقُهَا حَتَّى يَظُنَّ وَتَظُنَّ أَنَّهُ قَدْ اسْتَمَرَّ بِهَا حَبَلٌ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا فَأُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاءٌ ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا هَذَا تَعْنِي الْآخَرَ فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ قَالَ: فَكَبَّرَ الْقَائِفُ، فَقَالَ عُمَرُ لِلْغُلَامِ: وَالِ أَيَّهُمَا شِئْت) ــ [المنتقى] يُخْتَبَرُ آخِرُهَا بِالسِّقْطِ وَالْوِلَادَةِ وَأَمَّا أَوَّلُهَا فَوَقْتُ دُخُولِ الزَّوْجِ الثَّانِي أَوْ السَّيِّدِ الثَّانِي بِهَا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَتَى زَوْجُهَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَنْكَرَ الْحَمْلَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ فَذَكَرَ لَهُ مَا أَنْكَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْهَدْهُ فَدَعَا عُمَرُ نِسْوَةً مِنْ نِسَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ قُدَمَاءَ لِمَا اعْتَقَدَ مِنْ مَعْرِفَتِهِنَّ بِمِثْلِ هَذَا لِمَا قَدْ عَهِدْنَ مِنْ الْوِلَادَاتِ وَتَكَرَّرَ عَلَيْهِنَّ مِنْ ذَلِكَ فِي طُولِ الْعُمُرِ مِنْ الْمُعْتَادِ وَغَيْرِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَسْتَنْبِطْ مُدَّةَ الْحَمْلِ مِنْ الْآيَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ وَلِذَلِكَ احْتَاجَ إلَى سُؤَالِ النِّسَاءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَلِمَ هَذَا الْحُكْمَ مِنْ الْآيَتَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَلَكِنَّهُ سَأَلَ النِّسَاءَ لِيَعْلَمَ هَلْ يَصِحُّ خَفَاءُ الْحَمْلِ عَلَى الْمَرْأَةِ مَعَ اسْتِيفَائِهَا انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرَ مَعَ صِدْقِهَا فِيمَا ادَّعَتْهُ مِنْ الْحَيْضِ؟ فَقَالَتْ لَهُ مِنْهُنَّ مَنْ ادَّعَتْ الْعِلْمَ أَنَا أُخْبِرُك عَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ أَنَّ زَوْجَهَا هَلَكَ عَنْهَا حِينَ حَمَلَتْ تُرِيدُ أَوَّلَ الْحَمْلِ وَقَبْلَ أَنْ يَقْوَى فَأُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ تُرِيدُ أَنَّهَا حَاضَتْ الْحَيْضَةَ الَّتِي كَمُلَتْ بِهَا عِدَّتُهَا مَعَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ فَحُشَّ وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا قَالَ عِيسَى: مَعْنَاهُ ضَعُفَ وَرَقَّ، قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى: انْحَشَّ قَالَ وَذَلِكَ مِثْلُ الْبِضْعَةِ تُلْقَى عَلَى الْجَمْرَةِ فَتَنْقَبِضُ وَذَلِكَ الِانْقِبَاضُ هُوَ الِانْحِيَاشُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ: حُشَّ الْوَلَدُ فِي الْبَطْنِ إذَا يَبِسَ وَالْمَرْأَةُ مِحَشٌّ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَلَمَّا أَصَابَهَا الَّذِي نَكَحَهَا وَأَصَابَ الْوَلَدَ الْمَاءُ تَحَرَّكَ فِي بَطْنِهَا فَكَبُرَ يُرِيدُ أَنَّ الْوَلَدَ يَضْعُفُ بِعَدَمِ الْمَاءِ وَيَكْبُرُ وَيَقْوَى إذَا أَصَابَهُ مَاءُ الرَّجُلِ وَأُمُّ وَلَدِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ إنَّمَا كَانَ ضَعُفَ عَنْ الْحَرَكَةِ وَصَغُرَ لِعَدَمِ الْمَاءِ فَلَمَّا أَصَابَهُ مَاءُ الرَّجُلِ الَّذِي تَزَوَّجَ أُمَّهُ قَوِيَ عَلَى الْحَرَكَةِ وَكَبُرَ فَصَدَّقَهَا عُمَرُ بِذَلِكَ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَوْلُهَا وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَدًا لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَأَنَّ سَبَبَ مَا ظَهَرَ مِنْ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَمَا ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَمُلَ مِنْ الْوِلَادَةِ مَا قَالَتْهُ الْمَرْأَةُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنِي عَنْكُمَا الْأَخِيرُ يُرِيدُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَ فِي عِدَّةٍ وَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ فِي عِدَّةٍ وَيُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَقَوْلُهُ: لَمْ يَبْلُغْنِي عَنْكُمَا الْأَخِيرُ إظْهَارًا لِقَبُولِهِ عُذْرَهُمَا وَأَنَّهُ لَا يَظُنُّ بِهِمَا إلَّا الْخَيْرَ الَّذِي بَلَغَهُ عَنْهُمَا وَأَنَّهُ لَوْ ظَنَّ بِهِمَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ تَعَدٍّ بِجَهْلٍ أَوْ عِلْمٍ لَمَا سَلِمَا مِنْ الْعُقُوبَةِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْأَوَّلِ يُرِيدُ أَلْحَقَ نَسَبَهُ بِهِ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ الثَّانِي وَصَحَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْضِ مِنْ الْمُدَّةِ مِقْدَارُ أَقَلِّ الْحَمْلِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنْ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَأَتَى رَجُلَانِ كِلَاهُمَا يَدَّعِي وَلَدَ امْرَأَةٍ فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَائِفًا فَنَظَرَ إلَيْهِمَا فَقَالَ الْقَائِفُ: لَقَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ ثُمَّ دَعَا الْمَرْأَةَ فَقَالَ: أَخْبِرِينِي خَبَرَكِ، فَقَالَتْ: كَانَ هَذَا لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ يَأْتِينِي، وَهِيَ فِي إبِلٍ لِأَهْلِهَا فَلَا يُفَارِقُهَا حَتَّى يَظُنَّ وَتَظُنَّ أَنَّهُ قَدْ اسْتَمَرَّ بِهَا حَبَلٌ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا فَأُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاءٌ ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا هَذَا تَعْنِي الْآخَرَ فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ قَالَ: فَكَبَّرَ الْقَائِفُ، فَقَالَ عُمَرُ لِلْغُلَامِ: وَالِ أَيَّهُمَا شِئْت) . (ش) : قَوْلُهُ: أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنْ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يُلْحِقُهُمْ بِهِمْ وَيَنْسُبُهُمْ إلَيْهِمْ وَإِنْ كَانُوا لِزِنْيَةٍ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي جَمَاعَةٍ يُسْلِمُونَ فَيَسْتَلْحِقُونَ أَوْلَادًا مِنْ زِنًى فَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا وَلَمْ يَدَّعِهِمْ أَحَدٌ لِفِرَاشٍ فَهُمْ أَوْلَادُهُمْ وَقَدْ أَلَاطَ عُمَرُ مِنْ وَلَدٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنْ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ مَعَهُمْ سَيِّدُ الْأَمَةِ أَوْ زَوْجُ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» فَفِرَاشُ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ أَحَقُّ وَالْإِلَاطَةُ هِيَ الْإِلْحَاقُ قَالَ وَمَنْ ادَّعَى مِنْ النَّصَارَى الَّذِينَ أَسْلَمُوا أَوْلَادًا مِنْ الزِّنَا فَلْيُلَاطُوا بِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ الزِّنَا فِي دِينِهِمْ فَجُعِلَ ذَلِكَ بِاسْتِحْلَالِهِمْ الزِّنَا، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ مَنْ أَسْلَمَ الْيَوْمَ فَاسْتَلَاطَ وَلَدًا بِزِنًا فِي شِرْكِهِ فَهُوَ مِثْلُ حُكْمِ مَنْ أَسْلَمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ

стр. 1634

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] لَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِمْ فِيمَنْ كَانَ مِنْ وِلَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنَّمَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الْقَافَةِ فِيمَا يَلْحَقُ مِنْ الْوَلَدِ وَأَمَّا فِي بَغَايَا أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَلَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَمَنْ اسْتَلْحَقَ مِنْهُمْ وَلَدَ أَمَةِ مُسْلِمًا أَوْ نَصْرَانِيًّا لَحِقَ بِهِ فَإِنْ عَتَقَ يَوْمًا كَانَ وَلَدَهُ وَوَرِثَهُ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ: إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ زَوْجُ الْحُرَّةِ أَوْ سَيِّدُ الْأَمَةِ فَيَكُونَ أَحَقَّ بِهِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ إذَا اسْتَحَلُّوا الزِّنَا وَأَثْبَتُوا بِهِ الْأَنْسَابَ لَمْ يُبْطِلْ تِلْكَ الْأَنْسَابَ الْإِسْلَامُ كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ، فَإِذَا ادَّعَى ذَلِكَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ حُكِمَ لَهُ بِمَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَإِنَّمَا يَلْحَقُ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُدَّعٍ ثَمَّ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي لِلْوَلَدِ مِنْ قَوْمٍ بَقُوا فِي بِلَادِهِمْ إمَّا بِأَنْ أَسْلَمُوا فَبَقُوا فِي بِلَادِهِمْ أَوْ أَقَرُّوا فِيهَا بِصُلْحٍ تَصَالَحُوا عَلَيْهِ ثُمَّ أَسْلَمُوا أَوْ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ أَوْ اُفْتُتِحَتْ بِلَادُهُمْ عَنْوَةً فَأَقَرُّوا فِيهَا ثُمَّ أَسْلَمُوا أَوْ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ أَوْ يَكُونُوا مُتَحَمِّلِينَ عَنْ مَوَاطِنِهِمْ إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانُوا أَقَرُّوا فِي بِلَادِهِمْ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ كُلَّ قَرْيَةٍ اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً فَسَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ فَلْيَتَوَارَثُوا بِقَرَابَتِهِمْ بِالنَّسَبِ، وَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَهْلِ الْعَنْوَةِ يَتَوَارَثُونَ كَأَهْلِ الصُّلْحِ. وَقَالَهُ أَشْهَبُ قَالَ وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِأَهْلِ مِصْرَ وَأَهْلِ الشَّامِ غُلِبُوا عَنْوَةً أَيَّامَ عُمَرَ فَمَا زَالُوا يَتَوَارَثُونَ إلَى الْيَوْمِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانُوا مُتَحَمِّلِينَ عَنْ أَوْطَانِهِمْ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونُوا عَدَدًا كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا فَإِنْ كَانُوا كَثِيرًا يَبْعُدُ عَنْهُمْ التَّوَاطُؤ عَلَى الْكِتْمَانِ كَأَهْلِ مِصْرَ أَسْلَمُوا أَوْ جَمَاعَةٍ لَهُمْ عَدَدٌ فَتَحَمَّلُوا إلَيْنَا فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِأَنْسَابِهِمْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانُوا عِشْرِينَ فَأَمَّا النَّفَرُ مِثْلُ سَبْعَةٍ وَثَمَانِيَةٍ فَلَا يَتَوَارَثُونَ قَالَ سَحْنُونٌ لَا أَرَى الْعِشْرِينَ عَدَدًا يَتَوَارَثُونَ فَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ يَتَوَارَثُونَ بِأَنْسَابِهِمْ دُونَ الْعَدَدِ الْيَسِيرِ وَاخْتَلَفَا فِي تَقْدِيرِهِ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعِشْرِينَ فِي حَيِّزِ الْكَثِيرِ وَعِنْدَ سَحْنُونٍ فِي حَيِّزِ الْيَسِيرِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَتَى رَجُلَانِ كِلَاهُمَا يَدَّعِي وَلَدَ امْرَأَةٍ أَنَّهُ وَلَدُهُ يُرِيدُ أَنَّهُ أَتَى رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي وَلَدَ امْرَأَةٍ أَنَّهُ وَلَدُهُ لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ مَعَ أُمِّهِ مِنْ الْحَالِ الَّتِي كَانَ يُلَاطُ وَلَدُهَا بِهِ، وَلَعَلَّ عُمَرَ قَدْ فَهِمَ مِنْهَا وَجْهَ ادِّعَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ أَنَّهُ وَجْهٌ أَشْكَلَ بِهِ عَلَيْهِ الْحُكْمَ فِي إفْرَادِ أَحَدِهِمَا بِهِ وَقَدْ وُجِدَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَطْؤُهَا بَعْدَ الْآخَرِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:. أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَطِئَ بِنِكَاحٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَطِئَ بِزِنًا يَلْحَقُ فِيهِ النَّسَبُ، فَأَمَّا إذَا كَانَ وَطْؤُهُمَا جَمِيعًا بِنِكَاحٍ، فَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ الثَّانِي فَهُوَ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْئِهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ وَطِئَهَا الثَّانِي قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ وَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ حَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ فِي عِدَّةِ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ فَهُوَ لِلثَّانِي. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا كَانَ وَطْءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَوَطِئَ الْأَوَّلُ ثُمَّ وَطِئَ الثَّانِي بَعْدَ اسْتِبْرَاءٍ مِنْ الْأَوَّلِ فَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ حَمْلٌ مِنْ أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَإِنْ أَتَتْ بِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ وَطْءِ الْأَوَّلِ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَطْءِ الثَّانِي. ١ - (مَسْأَلَةٌ) وَإِنْ وَطِئَ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ دُونَ اسْتِبْرَاءٍ مِنْ وَطْءٍ الْأَوَّلِ فَأَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ رَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَزَادَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ سَوَاءٌ كَانَ سِقْطًا أَوْ تَامًّا حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ وَطْئِهِمَا إلَّا يَوْمٌ فَأَمَّا الْحَمْلُ فَلَا خِلَافَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي اعْتِبَارِ الْأَشْهُرِ السِّتَّةِ بَيْنَ الوطئين وَأَمَّا الْإِسْقَاطُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ فِي وَطْءِ الْأَمَةَ الشَّرِيكَيْنِ أَوْ الْمُتَبَايِعَيْنِ: إنْ أَسْقَطَتْ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ بَعْدَهَا أَنَّهَا تُعْتَقُ عَلَيْهِمَا وَيَضْمَنُ الْمُشْتَرِي الْأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا يَوْمَ وَطْئِهَا وَنِصْفَ الثَّمَنِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مَا حَمَلُوا عَلَيْهِ الْأَمَةَ مِنْ أَنَّهَا فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ قَبْلَ السِّتَّةِ

стр. 1635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْأَشْهُرِ فَكُلَّمَا أَصَابَهَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ مَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ أَوْ بَعْدَهُ مَا لَمْ تَحِضْ فَهِيَ مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لَمْ يَتِمَّ وَالْمُدَّةُ مُخْتَصَّةٌ بِالْحَمْلِ فَكُلُّ سِقْطٍ أَوْ وَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ فَهُوَ لَهُ فَإِنْ أَكْمَلَتْ السِّتَّةَ الْأَشْهُرَ فَضَمَانُهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ وَكَذَلِكَ إذَا وَلَدَتْهُ مَيِّتًا كَانَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ النَّظَرُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُولَدُ مَيِّتًا لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَعَلَّهُ قَدْ كَانَ مِمَّا يُولَدُ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَكِنَّهُ بَقِيَ مَيِّتًا فَلَمَّا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ وِلَادَتِهِ لَمْ يُدْعَ لَهُ الْقَافَةُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُدْعَى الْقَافَةُ لِمَا وُلِدَ الْوِلَادَةَ الْمُعْتَادَةَ الَّتِي يُعْتَبَرُ بِهَا فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ، فَأَمَّا الْوِلَادَةُ الَّتِي لَا يُعْتَبَرُ بِهَا فِي ذَلِكَ فَلَا مَدْخَلَ لِلْقَافَةِ فِيهِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ بِالْوَقْتِ خَاصَّةً فَمَا كَانَ قَبْلَ السِّتَّةِ الْأَشْهُرِ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ وَمَا كَانَ بَعْدَهَا فَهُوَ لِلثَّانِي. وَوَجْهُ مَا قَالَهُ سَحْنُونٌ أَنَّ السِّقْطَ لَا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَهْرٍ وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ فَلَمَّا اشْتَرَكَا فِيهِ وَتَعَذَّرَ تَمَيُّزُهُ وَإِلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا مِنْ جِهَةِ الْوَقْتِ أَوْ الْقَافَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا فَيَضْمَنَانِ الْأُمَّ إذْ لَيْسَ الْتِزَامُ ذَلِكَ أَحَدَهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَلَمَّا كَانَ السِّقْطُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا وَلَا يَتَمَيَّزُ أَمْرُهُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ السِّقْطُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَاتَ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ تَقَارَبَ الوطئان أَوْ تَبَاعَدَا وَالْوَلَدُ حَيٌّ فَهُوَ الَّذِي يُدْعَى لَهُ الْقَافَةُ. وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَنَعَ مِنْهُ الْكُوفِيُّونَ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَالُوا: إذَا ادَّعَى رَجُلَانِ وَلَدًا فَهُوَ لَهُمَا وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدِهِمَا، فَإِنْ ادَّعَاهُ ثَلَاثَةٌ لَمْ يَكُنْ وَلَدًا لَهُمْ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُحَرِّزًا الْمُدْلِجِيَّ قَالَ فِي أَقْدَامِ زَيْدٍ وَأُسَامَةَ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» وَلَوْلَا أَنَّ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ صَادِرٌ عَنْ عِلْمٍ يَلْزَمُ التَّعَلُّقُ بِهِ لَمَا سُرَّ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ وَضَعَتْهُ مَيِّتًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ سِقْطًا أَوْ تَامًّا فَإِنْ كَانَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ وَالْوَلَدُ لَهُ وَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ وَلَا قَافَةَ فِي الْأَمْوَاتِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي السِّقْطِ أَنَّهُ مِنْهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا قَافَةَ فِي الْأَمْوَاتِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَنْ وُلِدَ مَيِّتًا. وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ إنْ مَاتَ بَعْدَ وَضْعِهِ حَيًّا دُعِيَ لَهُ الْقَافَةُ إذْ لَا يُغَيِّرُ الْمَوْتُ شَخْصَهُ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ الَّذِي يُولَدُ مَيِّتًا لَا يُدْرَى مَتَى مَاتَ. (فَرْعٌ) وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَرَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ يَنْظُرُ الْقَافَةُ إلَى الْوَلَدِ وَالْبَاقِي مِنْ الْأَبَوَيْنِ فَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِهِ لَحِقَ وَإِنْ لَمْ يُلْحِقُوهُ بِهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَا بِالْمَيِّتِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ يَلْحَقُ بِالْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ أَقَرَّ بِالْوَطْءِ فَلَوْلَا وَطْءُ الْآخَرِ لَلَحِقَ بِهِ مِنْ غَيْرِ قَافَةٍ، فَإِذَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَطْءِ الْحَيِّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ وَالْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْقَافَةَ لَا تَنْظُرُ إلَى ابْنِ مَيِّتٍ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ أَنَّ الْقَافَةَ لَا تُلْحِقُ بِأَبٍ مَيِّتٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ سَحْنُونٍ: إنَّهُ يُنْظَرُ إلَى الِابْنِ بَعْدَ أَنْ يَمُوتَ إذَا وُلِدَ حَيًّا، وَقَالَ: إنَّ الْمَوْتَ لَا يُغَيِّرُ شَخْصَهُ. فَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الْأَبَ مِنْ شَرْطِ إلْحَاقِ الِابْنِ بِهِ أَنْ يَدَّعِيَهُ فَيَجِبَ أَنْ يَكُونَ حِينَ الْإِلْحَاقِ بِهِ مُدَّعِيًا لَهُ، فَإِذَا مَاتَ فَقَدْ عُدِمَ ذَلِكَ فَلَمْ يَصِحَّ الْإِلْحَاقُ بِهِ وَالِابْنُ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ إقْرَارٍ وَلَا إنْكَارٍ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ حِينَ الْإِلْحَاقِ بِهِ حَالَ مَوْتِهِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَتَعْلِيلِهِ أَنَّ الْمَيِّتَ مِنْ الْأَبَوَيْنِ لَوْ كَانَ حَيًّا لَجَازَ أَنْ يَنْفِيَهُ عَنْهُ الْقَافَةُ، فَيَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ الْأَبَ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ الْإِلْحَاقُ بِهِ بِالْقَافَةِ دُونَ دَعْوَاهُ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُنْفَى عَنْهُ بِالْقَافَةِ، وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ وَاَلَّذِي يَتَحَقَّقُ مِنْهُ أَنَّ ادِّعَاءَ الْأَبِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لِإِلْحَاقِ الْقَافَةِ الِابْنَ بِهِ، وَعَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ يَجُوزُ أَنْ يُلْحِقَهُ الْقَافَةُ بِهِ بِدَعْوَى مُتَقَدِّمَةٍ وَيَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ

стр. 1636

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بِذَلِكَ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُنْظَرُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ يَلْحَقُهُ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْظَرَ إلَى الِابْنِ إذَا مَاتَ وَإِنْ كَانَ قَدْ وُلِدَ حَيًّا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَدَعَا عُمَرُ قَائِفًا فَنَظَرَ إلَيْهِمَا يُرِيدُ أَنَّهُ نَظَرَ إلَيْهِمَا وَإِلَى الْوَلَدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ اقْتَصَرَ عَلَى الْقَائِفِ الْوَاحِدِ لَمَّا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِتَحَقُّقِ جَوَازِ الْحُكْمِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُجْزِئُ الْقَائِفُ الْوَاحِدُ إنْ كَانَ عَدْلًا وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِنَا إلَّا مَا رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا قَائِفَانِ وَبِهِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ الْخَبَرِ عَنْ عِلْمٍ يَخْتَصُّ بِهِ الْقَلِيلُ مِنْ النَّاسِ كَالطَّبِيبِ وَالْمُفْتِي، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِسَمَاعِهِ وَالْحُكْمِ بِهِ الْحُكَّامُ فَلَمْ يَجُزْ فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ كَالشَّهَادَاتِ. وَقَدْ قَالَ عِيسَى لَا يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَهْلُ الْعَدْلِ لَمَّا كَانَ طَرِيقُ ذَلِكَ عِنْدَهُ طَرِيقَ الشَّهَادَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْقَوْلِ بِالْقَافَةِ فِي أَوْلَادِ الْإِمَاءِ، وَأَمَّا أَوْلَادُ الْحَرَائِرِ فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُدْعَى لَهُمْ الْقَافَةُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ السَّيِّدَانِ فِي مِلْكِهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا الرَّجُلُ وَلَمْ تُسْتَبْرَأْ مِنْ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ فِي الْحُرَّةِ فَلَمَّا كَثُرَتْ أَسْبَابُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْإِمَاءِ دُونَ الْحَرَائِرِ اخْتَصَّ أَوْلَادُهُنَّ بِحُكْمِ الْقَافَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَلْحَقُ وَلَدَهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ الْقَائِفِ لَقَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ يُرِيدُ أَنَّهُ مِنْ وَاطِئَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ نَصِيبٌ وَتَأْثِيرٌ وَلَعَلَّهُ كَانَ ذَلِكَ لِمَا رَأَى فِيهِ مِنْ شَبَهِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ لِمَا رَأَى فِيهِ مِنْ الْعَجَلَةِ وَاعْتَقَدَ فِيهِ مِنْ التَّقْصِيرِ عَنْ النَّظَرِ الَّذِي يُلْحِقُهُ بِأَحَدِهِمَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَدَعَا عُمَرُ الْمَرْأَةَ فَقَالَ أَخْبِرِينِي خَبَرَك عَلَى مَعْنَى الِاجْتِهَادِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ لَعَلَّهُ أَنْ يَجِدَ فِي قَوْلِهَا مَا يُقَوِّي الْحَقَّ عِنْدَهُ، أَوْ مَا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَمِثْلُ هَذَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ فَإِنَّهُ مِنْ وُجُوهِ الِاجْتِهَادِ إنْ سُئِلَ عَنْ الْحُكْمِ قَبْلَ إنْفَاذِهِ وَيَتَسَبَّبُ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ أَوْ غَلَبَةِ الظَّنِّ مِنْ وَكُلِّ وَجْهٍ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فِيهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ الْمَرْأَةِ أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ يَأْتِيهَا وَلَا يُفَارِقُهَا حَتَّى يَظُنَّا أَنَّهُ قَدْ اسْتَمَرَّ بِهَا حَمْلٌ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا فَأُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاءٌ ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا الْآخَرُ فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ تُرِيدُ أَنَّهُ أَشْكَلَ عَلَيْهَا أَيْضًا الْأَمْرُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يُفَارِقْهَا إلَّا وَقَدْ ظَنَّتْ أَنَّهَا حَامِلٌ مِنْهُ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ الْأَمْرَ ثُمَّ أُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاءٌ ثُمَّ وَاقَعَهَا الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَشْكَلَ عَلَيْهَا الْأَمْرُ؛ لِأَنَّهَا لَعَلَّهَا لَمْ تَرَ الدَّمَ مُدَّةَ حَيْضَةٍ كَامِلَةٍ يَقَعُ بِهَا الِاسْتِبْرَاءُ وَإِنَّمَا رَأَتْهُ دَفْعَةً، وَلِذَلِكَ لَمْ تَقُلْ أَنَّهَا حَاضَتْ، وَإِنَّمَا قَالَتْ أَنَّهَا رَأَتْ الدَّمَ الَّذِي يَكُونُ بِهِ اسْتِبْرَاءٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ بَغَايَا الْجَاهِلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَبْرَأْ الْوَطْءُ الْأَوَّلُ وَلَا الثَّانِي إلَى نِكَاحٍ وَلَا مِلْكِ يَمِينٍ وَأَمَّا فِي الْإِسْلَامِ فَإِذَا وَطِئَ الثَّانِي بَعْدَ حَيْضَةٍ كَامِلَةٍ وَأَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ لَهُ دُونَ الْأَوَّلِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ مُسْنَدٌ إلَى مِلْكِ الْيَمِينِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَكَبَّرَ الْقَائِفُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ مِنْ خَبَرِ الْمَرْأَةِ مَا يُصَدِّقُ قَوْلَهُ كَبَّرَ كَفِعْلِ الْغَالِبِ الَّذِي صَحَّ قَوْلُهُ وَتَبَيَّنَ فِعْلُهُ فَقَالَ عُمَرُ لِلْغُلَامِ وَالِ أَيَّهمَا شِئْت يَقْتَضِي أَنَّ الْغُلَامَ مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يَخْتَارَ وَيُمَيِّزَ وَيَكُونُ لَهُ قَصْدٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْأَمَةِ تَأْتِي بِوَلَدٍ مِنْ وَطْءِ الشَّرِيكَيْنِ فَيَقُولُ الْقَائِفُ لَهُ لَقَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ فَلْيُوَالِ أَيَّهمَا شَاءَ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ بَلْ يُقَالُ لِلْقَافَةِ أَلْحِقُوهُ بِأَصَحِّهِمَا بِهِ شَبَهًا فَقَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ وَلَا يُتْرَكُ وَمُوَالَاةَ مَنْ أَحَبَّ. وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَالَ لِي غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُوَالَاةُ أَحَدِهِمَا إذَا بَلَغَ وَيَبْقَى ابْنًا لَهُمَا. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ وَالِ مَنْ شِئْت مِنْهُمَا وَمِثْلُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ مِمَّا يَشِيعُ وَيَنْتَشِرُ وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاشْتِرَاكُ فِي النَّسَبِ، وَلِذَلِكَ لَمْ

стр. 1637

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، أَوْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَضَى أَحَدُهُمَا فِي امْرَأَةٍ غَرَّتْ رَجُلًا بِنَفْسِهَا وَذَكَرَتْ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَتَزَوَّجَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا فَقَضَى أَنْ يَفْدِيَ وَلَدَهُ بِمِثْلِهِمْ، قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ وَالْقِيمَةُ أَعْدَلُ فِي هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) . ــ [المنتقى] يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ رَجُلَانِ امْرَأَةً لِمَا كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ الشِّرْكِ فِي النَّسَبِ وَيَصِحُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَتَيْنِ لِمَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى ذَلِكَ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ وَجْهٌ يَخْتَصُّ مِنْهُ بِأَحَدِهِمَا رُدَّ ذَلِكَ إلَى اخْتِيَارِ الْوَلَدِ فَوَالَى أَحَدَهُمَا وَكَانَ ابْنًا لَهُ دُونَ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُمْكِنْ إلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا، وَوَجْهُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ قَدْ اشْتَرَكَ فِيهِ الرَّجُلَانِ وَلَكِنْ يَلْحَقُ بِأَقْوَاهُمَا شَبَهًا بِهِ فِي الْمَعَانِي الَّتِي تُوجِبُ الْإِلْحَاقَ فَيَغْلِبُ ذَلِكَ، وَأَمَّا التَّخْيِيرُ فَإِنَّ الْأَنْسَابَ لَا تَثْبُتُ بِهِ وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِيهَا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ أَنَّ النَّسَبَ أَصْلَهُ وَحَقِيقَتَهُ يَكُونُ مَخْلُوقًا مِنْ مَائِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُخْلَقُ بِهِ فَلَمَّا ظَهَرَ إلَيْنَا أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِمَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ابْنًا لَهُمَا قَالَ وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فَإِذَا قُلْنَا أَنَّهُ يُوَالِي مَنْ شَاءَ فَمَتَى يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ إذَا بَلَغَ. وَقَالَ أَصْبَغُ وَرَوَى ابْنُ يَزِيدَ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ إذَا عَقَلَ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ ذَلِكَ وَقْتٌ تَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا طَرِيقُهُ الِاخْتِيَارُ فَإِذَا عَقَلَ صَحَّ اخْتِيَارُهُ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ. ١ - (فَرْعٌ) وَمَنْ الَّذِي يُنْفِقُ عَلَيْهِ إلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُنْفِقَانِ عَلَيْهِ جَمِيعًا. وَقَالَ أَصْبَغُ النَّفَقَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي حَتَّى يَبْلُغَ حَدَّ الْمُوَالَاةِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَوْقُوفًا لَهُمَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَحَقَّ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ دُونَ الْآخَرِ فَلَزِمَهُمَا الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْيَدَ فَكَانَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ. (فَرْعٌ) فَإِذَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فَوَالَى أَحَدَهُمَا، قَالَ عِيسَى: لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْآخَرُ بِمَا أَنْفَقَ. وَقَالَ أَصْبَغُ مَا أَنْفَقَ الَّذِي لَمْ يُوَالِهِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الَّذِي وَالَاهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ السَّلَفِ وَلَمْ يَعْتَقِدْ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ وَالِدٌ يُوَالِيه وَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ إنَّمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ لِيَرْجِعَ بِهِ عَلَى مُسْتَحِقِّ وِلَايَتِهِ كَالْعَبْدِ يُوقَفُ فَيُنْفِقُ عَلَيْهِ الْمُتَدَاعِيَانِ ثُمَّ يَسْتَحِقُّهُ أَحَدُهُمَا. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ بَلَغَ وَقَالَ: لَا أُوَالِي وَاحِدًا مِنْهُمَا فَقَالَ سَحْنُونٌ: ذَلِكَ لَهُ وَيَكُونُ ابْنًا لَهُمَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ حَالٌ لَمْ يُجْبَرْ فِيهَا فَلَمْ يَخْتَصَّ بِوَلَاءِ أَحَدِهِمَا، أَصْلُ ذَلِكَ حَالَ الصِّغَرِ وَهُمَا أَحَقُّ بِوِلَايَتِهِ مِنْ غَيْرِهِمَا فَكَانَ ذَلِكَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَاوَى بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ وَالَاهُمَا. (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، أَوْ عُثْمَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّكِّ مِنْهُ، أَوْ مِمَّنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ مِنْهُ قَضَى فِي أَمَةٍ غَرَّتْ رَجُلًا بِنَفْسِهَا وَذَكَرَتْ أَنَّهَا حُرَّةٌ يُرِيدُ أَنَّ الْأَمَةَ قَدْ تَغُرُّ مَنْ لَا يَعْرِفُ أَنَّهَا أَمَةٌ بِنَفْسِهَا وَتَزْعُمُ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَيَتَزَوَّجُهَا فَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ وَالزَّوْجُ مِمَّنْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْأَرِقَّاءِ كَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ وَالْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ فَإِنَّ وَلَدَهَا رَقِيقٌ لِسَيِّدِهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ بِيعَ الْأَبُ فَحُكْمُ الرِّقِّ يَلْحَقُهُ فَكَانَ تَبَعًا لِلْإِمَامِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا وَقَالَ: تَزَوَّجْتهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ، وَقَالَ سَيِّدُهَا: بَلْ عَلَى أَنَّهَا أَمَةٌ، فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ الزَّوْجُ مُصَدَّقٌ وَيَأْخُذُهَا سَيِّدُهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا يَوْمَ الْحُكْمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ الْأَصْلُ وَأَحْكَامُهَا ثَابِتَةٌ دُونَ إثْبَاتٍ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مُدَّعِي ذَلِكَ دُونَ مُدَّعِي اشْتِرَاطِ الرِّقِّ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ طَارِئٌ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْإِقْرَارِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى الْحُرِّيَّةِ فَاسْتَحَقَّتْ بِالرِّقِّ فَلِسَيِّدِهَا أَخْذُهَا وَقِيمَةِ وَلَدِهَا وَهُوَ مَعْنَى مَا قَضَى بِهِ عُمَرُ، أَوْ عُثْمَانُ إذْ قَالَ: قَضَى أَنْ يَفْدِيَ وَلَدَهُ بِمِثْلِهِمْ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الْوَلَدُ رَقِيقٌ وَلَا قِيمَةَ فِيهِمْ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْوَلَدَ تَبَعٌ لِلْأُمِّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ فَمَنْ مَلَكَ الْأُمَّ مَلَكَ وَلَدَهَا غَيْرَ أَنَّ الْأَبَ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا عَلَى حُرَّةٍ فَقَدْ تَزَوَّجَ عَلَى حُرِّيَّةِ وَلَدِهِ فَكَانَ لَهُ شَرْطُهُ وَكَانَ لِلسَّيِّدِ مِثْلُهُمْ عِوَضُ الْمِثْلِ مِنْ مَالِ مَنْ اسْتَحَقَّ حُرِّيَّتَهُمْ وَمَالِ مَنْ اشْتَرَطَهُمْ لَهُمْ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ عَلَى الْأَبِ وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قِيمَتَهُمْ

стр. 1638

الْقَضَاءُ فِي مِيرَاثِ الْوَلَدِ الْمُسْتَلْحَقِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَهْلَكُ وَلَهُ بَنُونَ فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ قَدْ أَقَرَّ أَبِي أَنَّ فُلَانًا ابْنُهُ أَنَّ ذَلِكَ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ إنْسَانٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ الَّذِي أَقَرَّ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ فِي حِصَّتِهِ مِنْ مَالِ أَبِيهِ يُعْطِي الَّذِي شَهِدَ لَهُ قَدْرَ مَا يُصِيبُهُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي بِيَدِهِ، قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَهْلَكَ الرَّجُلُ وَيَتْرُكَ ابْنَيْنِ لَهُ وَيَتْرُكَ سِتَّمِائَةِ دِينَارٍ فَيَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ ثُمَّ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَبَاهُ الْهَالِكَ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا ابْنُهُ فَيَكُونَ عَلَى الَّذِي شَهِدَ لِلَّذِي اُسْتُلْحِقَ مِائَةُ دِينَارٍ وَذَلِكَ نِصْفُ مِيرَاثِ الْمُسْتَلْحَقِ لَوْ لَحِقَ، وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ الْآخَرُ أَخَذَ الْمِائَةَ الْأُخْرَى فَاسْتَكْمَلَ حَقَّهُ وَثَبَتَ نَسَبُهُ) ــ [المنتقى] يَوْمَ الْحُكْمِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ قِيمَتُهُمْ يَوْمَ وُلِدُوا. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّهُ إنَّمَا اعْتَبَرَ فِي قِيمَتِهِمْ صِفَتَهُمْ يَوْمَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِي ضَمَانِ الْأَبِ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْحُكْمُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ حَاكِمٍ فَلَمَّا احْتَاجَ إلَى حَاكِمٍ اُعْتُبِرَتْ صِفَةُ الْمَحْكُومِ فِيهِ يَوْمَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَدْ أَخْطَأَ مَنْ قَالَ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ. (فَرْعٌ) وَإِنْ كَانَ لِلْوَلَدِ مَالٌ حِينَ التَّقْوِيمِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يُقَوَّمُ بِغَيْرِ مَالِهِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَ الْأَوْلَادُ أَحْيَاءً فَإِنْ كَانُوا قَدْ مَاتُوا فَلَا شَيْءَ لِلْمُسْتَحِقِّ مِنْ قِيمَتِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونُوا قُتِلُوا فَأَخَذَ الْأَبُ الدِّيَةَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِلْمُسْتَحِقِّ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِمْ، أَوْ مَا أَخَذَهُ السَّيِّدُ مِنْ دِيَتِهِمْ وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ الْأُمِّ فَأَلْقَتْ جَنِينًا فَأَخَذَ الْأَبُ فِيهِ غُرَّةً. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا شَيْءَ عَلَى الْأَبِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا الْعِوَضَ إنَّمَا أَخَذَهُ الْأَبُ بَدَلًا مِنْ وَلَدِ الْجَارِيَةِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ السَّيِّدُ قِيمَتَهُمْ فَكَانَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَنْتَزِعَ مِنْ الْأَبِ مَا أَخَذَ مِنْ قِيمَتِهِمْ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِمْ فَلَا يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا الْقِيمَةَ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْقِيمَةَ إنَّمَا تَكُونُ لِلْأَبِ بِالْحُكْمِ وَالْحُكْمُ لَمْ يُدْرِكْ الْوَلَدُ فَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ حَقٌّ فِيهِمْ قَالَ مُحَمَّدٌ وَقَوْلُ أَشْهَبَ صَوَابٌ وَذَهَبَ إلَى هَذَا وَلِابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْحُكْمَ قَدْ أَدْرَكَ الدِّيَةَ وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا كَمَا كَانَ يَحْكُمُ فِي الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَنْ يَفْدِيَ وَلَدَهُ بِمِثْلِهِمْ قَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ أَوْ الْعُرُوضِ الَّتِي لَا تُكَالُ وَلَا تُوزَنُ فَقَالَ مَرَّةً فِي ذَلِكَ الْمِثْلُ وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ فِيمَنْ بَاعَ بَعِيرًا وَاسْتَثْنَى جِلْدَهُ حَيْثُ يَجُوزُ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَثْنَى الْمُشْتَرِي الْبَعِيرَ، فَإِنَّ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ شَيْءٌ فِي جِلْدِهِ يُرِيدُ مِثْلَهُ ثُمَّ قَالَ: أَوْ قِيمَتَهُ وَالْقِيمَةُ أَعْدَلُ وَالْقَوْلُ الَّذِي عَلَيْهِ يُعْتَمَدُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْقِيمَةَ، وَإِنَّمَا الْمِثْلُ فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْوَلَدُ مِنْ الْحَيَوَانِ كَانَتْ الْقِيمَةُ عِنْدَهُ فِيهِ أَعْدَلَ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْمُمَاثَلَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَارِّ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَرْجِعُ عَلَى الْغَارِّ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَغُرَّهُ مِنْ الْوَلَدِ، وَإِنَّمَا غَرَّهُ بِالنِّكَاحِ الَّذِي أَخَذَ عِوَضَهُ الْمَهْرَ. (فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا كَانَ الْغَارُّ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَمَةٌ فَزَوَّجَهُ مِنْهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ وَادَّعَى أَنَّهُ وَلِيُّهَا، وَلَوْ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَلِيٍّ لَهَا ثُمَّ زَوَّجَهُ مِنْهَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاقِدٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا غَرَّتْ الْأَمَةُ مِنْ نَفْسِهَا فَتَزَوَّجَتْ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَدَخَلَ بِهَا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا الْمَهْرُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا مَا فَضَلَ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْمَهْرَ لَمْ يَدْخُلْهُ فَسَادٌ فَلِذَلِكَ ثَبَتَ فِيهِ الْمُسَمَّى، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ النَّقْصَ بِالرِّقِّ قَدْ وُجِدَ فِي الْعِوَضِ فَكَانَ لِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ بِمَا فَضَلَ عَنْهُ عَلَى عِوَضِهِ مَعِيبًا بِعَيْبِ الرِّقِّ.

стр. 1639

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] [الْقَضَاءُ فِي مِيرَاثِ الْوَلَدِ الْمُسْتَلْحَقِ] ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا السَّلَامُ فِي الَّذِي يُتَوَفَّى وَيَتْرُكُ وَلَدَيْنِ وَيَتْرُكُ سِتَّمِائَةِ دِينَارٍ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَبَاهُ أَقَرَّ لِرَجُلٍ أَنَّهُ ابْنُهُ قِيلَ لَهُ: قَدْ أَقْرَرْت لَهُ بِمَالٍ فَيُنْظَرُ إلَى مَا فِي يَدَيْك مِمَّا كَانَ يَصِيرُ لَهُ لَوْ ثَبَتَ نَسَبُهُ فَتَدْفَعُهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّك مُقِرٌّ لَهُ بِهِ، وَلَوْ ثَبَتَ نَسَبُهُ لَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةُ دِينَارٍ وَقَدْ أَخَذَهَا ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ فَالْمِائَةُ الزَّائِدَةُ قَدْ أَقَرَّ بِهَا لِلْمُقَرِّ بِهِ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِشَيْءٍ لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِإِقْرَارِ أَخِيهِ وَحْدِهِ إذَا كَانَ ثَمَّ مَنْ الْوَرَثَةِ مَنْ يَرْفَعُهُ عَنْهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ إقْرَارَهُ يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا النَّسَبُ وَهَذَا إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وَالثَّانِي إقْرَارٌ بِمَالٍ فِي يَدِهِ فَلَزِمَهُ فِيهِ كَمَا لَوْ تُوُفِّيَ رَجُلٌ وَتَرَكَ وَلَدًا وَاحِدًا فَأَقَرَّ بِأَخٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَقَاسَمَهُ الْمَالَ بِاتِّفَاقٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُ الْمُقِرَّ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نِصْفَ مَا بِيَدِهِ دُونَ الْمُنْكِرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى أَخِيهِ، فَإِنَّ الْمُقِرَّ يَسْتَحِقُّ مِثْلَ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِمَّا بِأَيْدِيهِمَا وَاَلَّذِي كَانَ يَجِبُ لَهُ بِذَلِكَ مِنْ السِّتِّمِائَةِ مِائَتَانِ فَقَدْ أَقَرَّ لَهُ مِمَّا بِيَدِهِ بِمِائَةٍ وَشَهِدَ لَهُ عَلَى أَخِيهِ بِمِائَةٍ أُخْرَى مِمَّا بِيَدِهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ آخَرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْ يَدِ الْمُقَرِّ لَهُ غَيْرَ مِائَةٍ وَمِنْ يَدِ الْمُنْكِرِ مِائَةً أُخْرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِهِ الْأَخَوَانِ لَأَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَخْلُو هَذَا الْإِقْرَارُ أَنْ تَكُونَ التَّرِكَةُ عَيْنًا، أَوْ عَرَضًا فَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَتْ عَرَضًا مِثْلَ أَنْ يَتْرُكَ الْمُتَوَفَّى عَبْدًا أَوْ أَمَةً فَأَخَذَ الْمُقِرُّ الْعَبْدَ وَأَخَذَ أَخُوهُ الْأَمَةَ ثُمَّ أَقَرَّ أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ بِأَخٍ قَالَ ابْنُ مُيَسَّرٍ فَهَذَا قَدْ أَقَرَّ بِثُلُثِ الْعَبْدِ وَثُلُثِ الْأَمَةِ وَقَدْ كَانَ لِلْمُقِرِّ قَبْلَ الْإِقْرَارِ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْإِنْكَارِ فَأَقَرَّ فِي كُلِّ نِصْفٍ وَجَبَ لَهُ بِثُلُثِ ذَلِكَ النِّصْفِ وَهُوَ سُدُسُ الْعَبْدِ فَلَمَّا بَاعَ نِصْفَهُ فِي الْأَمَةِ بِنِصْفِ أَخِيهِ فِي الْعَبْدِ ضَمِنَ لِأَخِيهِ سُدُسَ قِيمَةِ الْأَمَةِ، وَأَمَّا ثُلُثُ الْعَبْدِ فَوَاجِبٌ لَهُ؛ لِأَنَّ سُدُسَهُ كَانَ بِيَدِهِ وَسُدُسَ آخِرٍ عَاوَضَ فِيهِ أَخَاهُ فَابْتَاعَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ لِآخَرَ فَلْيُسَلِّمْهُ إلَيْهِ فَقَدْ وَجَبَ لَهُ ثُلُثُ الْعَبْدِ بِكُلِّ حَالٍ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي سُدُسِ الْأَمَةِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قِيمَتَهُ، أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ سُدُسَ الْعَبْدِ الَّذِي بَاعَهُ فَيَصِيرُ لَهُ نِصْفُ الْعَبْدِ وَلِلْمُقِرِّ نِصْفُ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ مَيْسَرَةَ. وَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْبَصْرِيُّ: إنَّ قَوْلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ يُعْطِيه ثُلُثَ الْعَبْدِ الَّذِي صَارَ لَهُ وَيَضْمَنُ لَهُ سُدُسَ قِيمَةِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ ذَلِكَ بِسُدُسٍ مِنْ الْعَبْدِ وَهُوَ مُقِرٌّ أَنَّهُ لِأَخِيهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو أَيُّوبَ هُوَ الصَّوَابُ وَلَيْسَ فِيهِ تَخْيِيرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ مِنْ الْعَبْدِ اشْتَرَى نِصْفَهُ بِسُدُسِ الْأَمَةِ الَّذِي كَانَ بِيَدِ أَخِيهِ مِنْ الْعَبْدِ الَّذِي كَانَ بِيَدِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ مَاتَ الْمُقِرُّ لَمْ يَرِثْهُ، وَإِنَّمَا يَرِثُهُ أَخُوهُ الثَّابِتُ النَّسَبِ قَالَهُ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يُورَثُ بِهِ إلَّا مَعَ عَدَمِ وَارِثٍ ثَابِتِ النَّسَبِ وَلِهَذَا الْمُقِرِّ أَخٌ ثَابِتُ النَّسَبِ فَلَا يَرِثُهُ الْمُقَرُّ لَهُ، قَالَ سَحْنُونٌ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْمُقَرِّ لَهُ لَوَرِثَهُ، وَلَوْ مَاتَ الْمُقَرُّ لَهُ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ يَرِثُهُ الْمُقِرُّ بِهِ وَالْمُنْكِرُ لَهُ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ الْمُقِرُّ مِنْ تَرِكَتِهِ بَدْءًا مِثْلَ مَا كَانَ أَعْطَاهُ ثُمَّ يَكُونُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُنْكِرَ جَحَدَهُ إيَّاهُ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَكَانَ عِنْدِي يَجِبُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ بِمَا أَخَذَهُ الْمُنْكِرُ مِنْ مَالِ أَبِيهِ لَوْ ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ لَهُ فَإِنْ كَانَتْ مِائَةَ دِينَارٍ أُضِيفَتْ إلَى مَالِ الْمُقَرِّ لَهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ أَخَذَ مِنْهَا الْمُقَرُّ لَهُ مِائَةً وَخَمْسِينَ وَبَقِيَتْ خَمْسُونَ مِنْ مَالِ الْمُقَرِّ لَهُ فَوُقِفَتْ فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْمُنْكِرُ دُفِعَتْ إلَيْهِ وَكَمُلَ بِذَلِكَ وَبِالْمِائَةِ الَّتِي كَانَ يَأْخُذُهَا مِنْهُ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ تَمَامُ نَصِيبِهِ مِنْ مِيرَاثِهِ، وَذَلِكَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ فَإِنَّمَا الْمِائَةُ الدِّينَارِ الَّتِي بَقِيَتْ بِيَدِهِ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ لِلْمُقَرِّ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَقَرَّ لَهُ الْآخَرُ اسْتَكْمَلَ حَقَّهُ وَثَبَتَ نَسَبُهُ يُرِيدُ؛ لِأَنَّ الْأَخَوَيْنِ قَدْ شَهِدَا لَهُ بِالنَّسَبِ وَهُمَا

стр. 1640

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ تُقِرُّ بِالدَّيْنِ عَلَى أَبِيهَا، أَوْ عَلَى زَوْجِهَا وَيُنْكِرُ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ فَعَلَيْهَا أَنْ تَدْفَعَ إلَى الَّذِي أَقَرَّتْ لَهُ بِالدَّيْنِ قَدْرَ الَّذِي يُصِيبُهَا مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ لَوْ ثَبَتَ عَلَى الْوَرَثَةِ كُلِّهِمْ إنْ كَانَتْ امْرَأَةً وَرِثَتْ الثَّمَنَ دَفَعَتْ إلَى الْغَرِيمِ ثَمَنَ دَيْنِهِ وَإِنْ كَانَتْ ابْنَةً وَرِثَتْ النِّصْفَ دَفَعَتْ إلَى الْغَرِيمِ نِصْفَ دَيْنِهِ عَلَى حِسَابِ هَذَا يَدْفَعُ إلَيْهِ مَنْ أَقَرَّ لَهُ مِنْ النِّسَاء) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى مِثْلِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى أَبِيهِ دَيْنًا أُحْلِفَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ وَأُعْطَى الْغَرِيمُ حَقَّهُ كُلَّهُ وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَيَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ أَنْ يَحْلِفَ وَيَأْخُذَ حَقَّهُ كُلَّهُ فَإِنْ لَمْ ــ [المنتقى] مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَيَجِبُ عَلَى هَذَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا شَاهِدًا لَهُ أَنْ لَا يُثْبِتَ لَهُ بِذَلِكَ نَسَبُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَلَا يَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ الْمَالَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّهُ الثَّابِتُ النَّسَبِ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَارِثٌ مَعْرُوفٌ فَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَقْضِي لَهُ بِالْمَالِ لِوَجْهِ الْمِيرَاثِ ثُمَّ لَا يَثْبُتُ لَهُ بِذَلِكَ نَسَبٌ، وَرَوَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَالَ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ النَّسَبُ بِمَا تَثْبُتُ بِهِ الْأَنْسَابُ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَتَوَفَّى رَجُلٌ وَيَتْرُكَ مَالًا وَيَأْتِي مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ ابْنُهُ فَيُقِيمُ شَاهِدًا وَاحِدًا فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ الْمَالَ دُونَ النَّسَبِ، وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَدْ يَنْفَصِلُ الْمَالُ مِنْ النَّسَبِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ أَحَدُ الْوَرَثَةِ بِوَلَدٍ وَاسْتَحَقَّ مَا يَتَضَمَّنُهُ إقْرَارُهُ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ وَلَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ نَسَبُهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذَا الْمَالَ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ جِهَتِهِ كَسَائِرِ أَسْبَابِ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَيْسَ هَاهُنَا مُقِرٌّ بِحَقٍّ يَنْفَرِدُ بِهِ فَلَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ، وَإِنَّمَا يَدَّعِي حَقًّا ثَابِتًا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ إثْبَاتِ النَّسَبِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ تُقِرُّ بِالدَّيْنِ عَلَى أَبِيهَا، أَوْ عَلَى زَوْجِهَا وَيُنْكِرُ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ فَعَلَيْهَا أَنْ تَدْفَعَ إلَى الَّذِي أَقَرَّتْ لَهُ بِالدَّيْنِ قَدْرَ الَّذِي يُصِيبُهَا مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ لَوْ ثَبَتَ عَلَى الْوَرَثَةِ كُلِّهِمْ إنْ كَانَتْ امْرَأَةً وَرِثَتْ الثَّمَنَ دَفَعَتْ إلَى الْغَرِيمِ ثَمَنَ دَيْنِهِ وَإِنْ كَانَتْ ابْنَةً وَرِثَتْ النِّصْفَ دَفَعَتْ إلَى الْغَرِيمِ نِصْفَ دَيْنِهِ عَلَى حِسَابِ هَذَا يَدْفَعُ إلَيْهِ مَنْ أَقَرَّ لَهُ مِنْ النِّسَاء) . (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَهُ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ تَجْرِي مَجْرَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَرْأَةِ تُقِرُّ بِدَيْنٍ عَلَى مَوْرُوثِهَا وَيُنْكِرُ ذَلِكَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ فَإِنْ كَانَتْ بِنْتًا تَرِثُ النِّصْفَ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهَا مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَهُوَ نِصْفُهُ وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً تَرِثُ الثُّمُنَ؛ لِأَنَّ لِلْمَيِّتِ وَلَدًا، أَوْ وَلَدَ ابْنٍ إنَّمَا عَلَيْهِمَا مِنْ الدَّيْنِ ثَمَنُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ فَوَرِثَ الرُّبُعَ لَكَانَ عَلَيْهَا مِنْ الدَّيْنِ رُبُعُهُ، وَكَذَلِكَ الْوَارِثُ إذَا كَانَتْ أُنْثَى تَرِثُ مَعَ الْمُقَرِّ لَهُ الثُّلُثَ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا صَارَ إلَيْهِ زَائِدًا عَلَى الثُّلُثِ، وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَةً لَهَا الثُّمُنُ فَأَقَرَّتْ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا أَنْ تُعْطِيَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ مَوْرُوثَهَا دُونَهُ وَمَعَهُ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ فَلَا يُؤَثِّرُ إقْرَارُهَا فِيمَا بِيَدِهَا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَصْحَابُ مَالِكٍ كُلُّهُمْ يَرَوْنَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ مَالِك وَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لِوَارِثٍ إلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَيَجِبُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُقِرِّ بِالدَّيْنِ دَيْنَهُ، وَأَمَّا الْوَارِثُ فَإِنَّهُ وَارِثٌ مَعَ الْمُقِرِّ وَلَيْسَ بِوَارِثٍ قَبْلَهُ فَلِذَلِكَ أَخَذَ مِنْهُ مَا يَنُوبُهُ، وَرَوَى هَذَا ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقَدْ أَنْكَرَهُ أَصْحَابُنَا عَلَى ابْنِ حَبِيبٍ وَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتَارَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ مِنْ الْوَرَثَةِ بِالدَّيْنِ بِمَنْزِلَةِ شَهَادَةِ الشُّهُودِ بِهِ، وَلَوْ شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ لَأَخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْرَ حِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرُّوا بِهِ. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الدَّيْنُ كَالْمِيرَاثِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مُحِيطًا بِالْمِيرَاثِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ الْمُقِرِّ جَمِيعُ مَا بِيَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الدَّيْنُ بِشَهَادَتِهِ لَأُخِذَ مِنْهُ جَمِيعُ مَا بِيَدِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالدَّيْنِ فَلَمْ يَجِدْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا شَيْئًا لَأَخَذَ مِمَّا بِيَدِ الْآخَرِ جَمِيعَ حَقِّهِ، وَإِنَّمَا اسْتَغْرَقَ مَا بِيَدِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ ذَلِكَ عَلَى أَخِيهِ بِمَا يَنُوبُهُ مِنْ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهِ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ أَخَذَ مِنْ الْمُقِرِّ جَمِيعَ حَقِّهِ وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ الْإِنْكَارَ مَعْنًى يَمْنَعُ الْمُقَرَّ لَهُ مِنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ سَائِرِ الْوَرَثَةِ فَأَوْجَبَ لَهُ اسْتِيفَاءَ جَمِيعِ حَقِّهِ مِمَّنْ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ مِنْهُ مَانِعُ أَصْلِ ذَلِكَ الْعَدَمِ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى مِثْلِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى أَبِيهِ دَيْنًا أُحْلِفَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ وَأُعْطَى الْغَرِيمُ حَقَّهُ كُلَّهُ وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَيَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ أَنْ يَحْلِفَ وَيَأْخُذَ حَقَّهُ كُلَّهُ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ أُخِذَ مِنْ مِيرَاثِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ قَدْرُ مَا يُصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقِّهِ وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ وَجَازَ عَلَيْهِ إقْرَارُهُ) .

стр. 1641

يَحْلِفْ أُخِذَ مِنْ مِيرَاثِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ قَدْرُ مَا يُصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقِّهِ وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ وَجَازَ عَلَيْهِ إقْرَارُهُ) . الْقَضَاءُ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَئُونَ وَلَائِدَهُمْ ثُمَّ يَعْزِلُونَهُنَّ لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا إلَّا أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا فَاعْزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ اُتْرُكُوا) . ــ [المنتقى] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ إنْ شَهِدَ رَجُلٌ مِنْ الْوَرَثَةِ بِمِثْلِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ أَنَّ لِهَذَا الْغَرِيمِ عَلَى ابْنِهِ دَيْنًا وَكَانَ الشَّاهِدُ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَإِنَّ الْغَرِيمَ يَحْلِفُ مَعَ شَهَادَتِهِ، وَيَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الدَّيْنِ الَّذِي شَهِدَ لَهُ بِهِ شَاهِدُهُ، وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ إنَّمَا أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي الشَّهَادَاتِ وَيُخَالِفُ ذَلِكَ الْمَرْأَةَ فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي مَعَ شَهَادَتِهَا حَتَّى يَكُونَ الِاثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَيَحْلِفُ مَعَ شَهَادَتِهِمَا فَإِنْ أَبَى الْغَرِيمُ أَنْ يَحْلِفَ اسْتَحَقَّ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ مِنْ دَيْنِهِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ وَلَمْ يَحْتَجْ فِي اسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ إلَى يَمِينٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُقِرُّ غَيْرَ عَدْلٍ لَاسْتَحَقَّ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِهِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ وَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْعِلْمَ مِنْ الْوَرَثَةِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ إذَا لَمْ يُرِدْ الْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْقَضَاءُ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَفِيهِ أَبْوَاب] (ش) : قَوْلُهُ مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَئُونَ وَلَائِدَهُمْ ثُمَّ يَعْزِلُونَهُنَّ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ يَعْزِلُونَهُنَّ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْعَزْلُ عَنْهُنَّ وَهُوَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحَرَّمٍ فِي الْإِمَاءِ فَإِنَّ غَيْرَهُ أَفْضَلُ مِنْهُ لَا سِيَّمَا لِمَنْ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ مَا أَتَتْ بِهِ مِنْ وَلَدٍ. وَقَدْ رَوَى مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ يَطَأُ جَارِيَتَهُ وَيَعْزِلُ فَإِنَّ الْوَلَدَ يَلْزَمُهُ إنْ لَمْ يَدَّعِ اسْتِبْرَاءً، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ حَقِيقَةَ الْعَزْلِ وَقَدْ يَغْلِبُهُ أَوَّلُ الْمَاءِ، أَوْ الْيَسِيرُ مِنْهُ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَوْ قَالَ: كُنْت أَطَأُ وَلَا أُنْزِلُ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَلَدُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَدَمَ الْإِنْزَالِ مُتَيَقَّنٌ وَلَا يَصِحُّ مَعَهُ وَلَدٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَالَ كُنْت أَطَأُ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ فَأُنْزِلُ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ يَلْزَمُهُ الْوَلَدُ فِي الْأَمَةِ وَلَا يَلْتَعِنُ فِي الْحُرَّةِ وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ قُرْبَ الْفَخِذَيْنِ مِنْ الْفَرْجِ فَإِنَّ الْمَاءَ يَصِلُ إلَيْهِ قَبْلَ التَّغَيُّرِ وَالِاسْتِحَالَةِ فَيَلْحَقُ مِنْهَا الْوَلَدُ وَهَذَا يَبْعُدُ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِخَلْقِ وَلَدٍ مِنْ مَنِيٍّ لَمْ يَنْزِلْ فِي الرَّحِمِ لَمَا لَزِمَ مَنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ حَدٌّ؛ لِأَنَّ مَنْ وَطِئَ امْرَأَةً بَيْنَ الْفَخْذَيْنِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا حَدٌّ فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَكْثُرُ فِيهِ الْوَهْمُ وَالْغَلَطُ وَلَا يَكَادُ يَتَحَقَّقُهُ الْوَاطِئُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ. (فَصْلٌ) : وَالْمَعْنَى الثَّانِي الَّذِي يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ يَعْزِلُونَهُنَّ أَنْ يُرِيدَ بِاعْتِزَالِهِنَّ فِي الْوَطْءِ الْإِزَالَةَ لَهُنَّ عَنْ حُكْمِ التَّسَرِّي عَلَى وَجْهِ الِانْتِفَاءِ مِنْ وَلَدِ الْأَمَةِ دُونَ اسْتِبْرَاءٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ وُجُودِ مَعْنًى يَصْرِفُ الْحَمْلَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَبِمَاذَا يَكُونُ ذَلِكَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ بِالْحَيْضِ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ لَا تَبْرَأُ مِنْهُ إلَى خَمْسِ سِنِينَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ يُبْطِلُ حُكْمَ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ وَطْءٌ لِغَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهَا، أَوْ وَهَبَهَا لِامْرَأَةٍ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْوَطْءَ الْمُبَاحَ الَّذِي يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ لَا يُبْطِلُ حُكْمَهُ الْحَيْضُ دُونَ وَطْءٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ الْحَمْلُ أَصْلُ ذَلِكَ الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ. ١ - (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ الِاسْتِبْرَاءَ يُبْطِلُ حُكْمَ الْوَطْءِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ سَحْنُونٌ وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَنَا عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ مَالِكٍ ثَلَاثٌ حِيَضٍ وَإِلَيْهِ رَجَعَ الْمُغِيرَةُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا اسْتِبْرَاءٌ فِي وَطْءٍ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَأَجْزَأَ فِي ذَلِكَ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ كَالِاسْتِبْرَاءِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْحَيْضَ إذَا

стр. 1642

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ــ [المنتقى] لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ انْتِقَالٌ مِنْ الْمِلْكِ لَضَعُفَ فَلَا يَقَعُ لِلْمَرْأَةِ مِنْهُ إلَّا بِثَلَاثِ حِيَضٍ، وَأَمَّا الْحَيْضَةُ الْوَاحِدَةُ فَإِنَّمَا يَقَعُ الْبَرَاءَةُ بِهَا مَعَ الِانْتِقَالِ إلَى مِلْكٍ، وَلِذَلِكَ تَأْثِيرٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّوْجَ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَتَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ وَتَتَزَوَّجُ بَعْدَهُ فَتَأْتِي بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ نِكَاحِ الثَّانِي فَلَا يَلْحَقُ بِالْأَوَّلِ، وَلَوْ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى مِلْكِ زَوْجٍ آخَرَ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِتِلْكَ الْمُدَّةِ وَأَبْعَدَ مِنْهَا أُلْحِقَ بِالْأَوَّلِ. (فَرْعٌ) وَهَلْ يَلْزَمُهُ مَعَ ادِّعَاءِ الِاسْتِبْرَاءِ يَمِينٌ قَالَ سَحْنُونٌ وَاَلَّذِي ثَبَتَ عِنْدَنَا عَنْ مَالِكٍ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ ادِّعَائِهِ الِاسْتِبْرَاءَ بِثَلَاثِ حِيَضٍ. وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ مَا انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ الْيَمِينِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ الْيَمِينُ إذَا ادَّعَى الِاسْتِبْرَاءَ، وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ مَعْنًى يُثْبِتُ لِلسَّيِّدِ حُكْمَ الِانْتِفَاءِ مِنْ الْوَلَدِ فَلَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ إثْبَاتُهُ بِالْيَمِينِ، وَكَانَ قَوْلُهُ فِيهِ مَقْبُولًا لِنَفْيِ الْوَاطِئِ أَوَّلًا، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ إقْرَارَهُ بِالْوَطْءِ مَعْنًى يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدَ فَلَمْ يُنْفَ عَنْهُ إلَّا بِيَمِينٍ فِي الزَّوْجِيَّةِ فِي الْأَحْرَارِ لَمَّا كَانَ عَقْدُ النِّكَاحِ يُلْحِقُ الْوَلَدَ بِالزَّوْجِ لَمْ يَنْفِهِ إلَّا بِيَمِينٍ وَهُوَ اللِّعَانُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ وَلَدُهَا بِكَوْنِهَا فِي مِلْكِهِ وَلَكِنْ بِاعْتِرَافِهِ أَنَّهُ قَدْ وَطِئَهَا وَهُوَ مَعْنَى إلْمَامِهِ بِهَا فَإِذَا اعْتَرَفَ السَّيِّدُ بِوَطْءِ الْأَمَةِ وَثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ اعْتِرَافِهِ صَارَتْ الْأَمَةُ فِرَاشًا وَلَزِمَهُ كُلُّ وَلَدٍ أَتَتْ بِهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ قَدْ اُسْتُبْرِئَتْ بَعْدَ الْوَطْءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ بِالْوَطْءِ، أَوْ بِالْوَلَدِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ الْوَاحِدُ حَيًّا، أَوْ مَيِّتًا، أَوْ سِقْطًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَيْمَانَ فِي نَفْيِ النَّسَبِ لَا تَتَعَلَّقُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَكَذَلِكَ كُلُّ يَمِينٍ يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ فِي جِنْسَيْنِ فَلَا يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ شَهِدَ إقْرَارَهُ بِالْوَطْءِ شَاهِدٌ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ، وَفِي غَيْرِهِ إذَا قَامَ شَاهِدٌ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْوَطْءِ وَشَهَادَةُ امْرَأَةٍ بِالْوِلَادَةِ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَقَدْ قِيلَ يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ قَالَ وَإِنَّمَا تَجِبُ الْيَمِينُ إذَا شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ بِالْوِلَادَةِ وَشَاهِدٌ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْوَطْءِ، أَوْ امْرَأَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ وَشَاهِدَانِ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْوَطْءِ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يَقْتَضِي نَفْيَ الِاسْتِرْقَاقِ فَإِذَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدٌ لَزِمَتْ السَّيِّدَ الْيَمِينُ عَلَى نَفْيِهِ كَالْعِتْقِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَاهُنَا فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْإِقْرَارُ بِالْوَطْءِ، وَالثَّانِي الْوِلَادَةُ وَلَمْ يَثْبُتْ أَحَدُهُمَا، وَلَوْ أَقَرَّ بِأَحَدِهِمَا وَنَفَى الْآخَرَ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ النَّسَبُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ الْيَمِينُ لِضَعْفِ الْبَيِّنَتَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ لَمْ يُنْكِرْ الْوَطْءَ وَلَكِنَّهُ أَنْكَرَ الْوَلَدَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ وَجَدْت مَعَهَا رَجُلًا وَصَدَّقَتْهُ، أَوْ ثَبَتَ الزِّنَا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَلَا يَنْفِي الْوَلَدَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا حَتَّى يَدَّعِيَ الِاسْتِبْرَاءَ حَكَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ وَطْءَ الزِّنَا لَا يَلْحَقُ بِهِ نَسَبٌ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمُ الْوَطْءِ وَكَانَ الْوَطْءُ الَّذِي يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ وَهُوَ وَطْءُ السَّيِّدِ أَوْلَى بِالْوَلَدِ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا إلَّا أَلْحَقْت بِهِ وَلَدَهَا يُرِيدُ ﵁ أَلْحَقْتُ بِالسَّيِّدِ الْمُقِرِّ بِالْوَطْءِ وَمَعْنَى ذَلِكَ إنْ أَتَتْ بِهِ لِمُدَّةِ الْحَمْلِ مِنْ وَقْتِ الْوَطْءِ إلَى وَقْتِ الِاسْتِبْرَاءِ قَالَ سَحْنُونٌ: أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِوَطْءِ أَمَةٍ لَزِمَهُ مَا أَتَتْ بِهِ، وَلَوْ إلَى أَقْصَى حَمْلِ النِّسَاءِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ اسْتِبْرَاءً لَمْ يَمَسَّ بَعْدَهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ مَا أَتَتْ بِهِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اسْتِبْرَاءَ السَّيِّدِ مَنَعَ إلْحَاقَ النَّسَبِ بِهِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ بَعْدَهُ إلَّا وَلَدٌ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ وَذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَاعْتَزِلُوا بَعْدُ أَوْ اُتْرُكُوا، إعْلَامًا لَهُمْ بِأَنَّ مَا يَأْتُونَ بِهِ بَعْدُ مِنْ الْعَزْلِ لَا مَنْفَعَةَ لَهُمْ فِيهِ وَلَا يَنْتَفِي بِذَلِكَ وَلَدٌ عَنْهُمْ وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ التَّخْيِيرَ لَهُمْ بَيْنَ الْفِعْلِ، أَوْ التَّرْكِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَئُونَ وَلَائِدَهُمْ ثُمَّ يَدَعُونَهُنَّ يَخْرُجْنَ لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا إلَّا قَدْ أَلْحَقْت بِهِ وَلَدَهَا فَأَرْسِلُوهُنَّ بَعْدُ أَوْ أَمْسِكُوهُنَّ) .

стр. 1643

نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَئُونَ وَلَائِدَهُمْ ثُمَّ يَدَعُونَهُنَّ يَخْرُجْنَ لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا إلَّا قَدْ أَلْحَقْت بِهِ وَلَدَهَا فَأَرْسِلُوهُنَّ بَعْدُ أَوْ أَمْسِكُوهُنَّ) . (ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا جَنَتْ جِنَايَةً ضَمِنَ سَيِّدُهَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ قِيمَتِهَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ مِنْ جِنَايَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا) ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَئُونَ وَلَائِدَهُمْ ثُمَّ يَدَعُونَهُنَّ بَعْدُ يَخْرُجْنَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْخُرُوجَ وَالتَّصَرُّفَ فِي الْخِدْمَةِ الَّتِي لَا تَتَصَرَّفُ فِي مِثْلِهَا السَّرَارِي تَحَفُّظًا بِهِنَّ فَإِنَّ مَنْ تَسَرَّى بِأَمَةٍ مَنَعَهَا الْخُرُوجَ جُمْلَةً، أَوْ مَنَعَهَا مِنْهُ مِمَّا يُتَّقَى عَلَيْهَا فِيهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَوَاضِعِ الْمَخُوفَةِ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا فِيهَا، وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ يَطَأُ الْجَارِيَةَ ثُمَّ يُرْسِلُهَا إلَى السُّوقِ فِي حَوَائِجِهِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَالْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ تَخْرُجُ لِحَاجَتِهَا، وَمَعْنَى ذَلِكَ الْخُرُوجُ الْمُعْتَادُ إلَى السُّوقِ وَالْمَوَاضِعِ الْمَأْمُونَةِ الَّتِي فِيهَا جَمَاعَةُ النَّاسِ فَلَا يُمْكِنُ الِانْفِرَادُ بِهَا وَلَا مُخَادَعَتُهَا، وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا وَطِئَ أَمَةً جَعَلَهَا عِنْدَ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ حَتَّى يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ، أَوْ تَحِيضَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَمَةُ قَبْلَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا تُسَاكِنُ أَهْلَهُ بَلْ تَتَصَرَّفُ بِالتَّكَسُّبِ لِصَنَائِعَ وَالْعَمَلِ، أَوْ تَكُونَ مَعَ جُمْلَةِ إمَائِهِ فِي غَيْرِ دَارِ سُكْنَاهُ مَعَ زَوْجِهِ صَفِيَّةَ فَإِذَا وَطِئَهَا ضَمَّهَا إلَى دَارِ زَوْجِهِ صَفِيَّةَ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهَا أَحْصَنُ لَهُنَّ وَأَمْكَنُ مِنْ التَّحَفُّظِ بِهِنَّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ مِمَّنْ تَدْخُلُ وَتَخْرُجُ فَإِذَا وَطِئَهَا مَنَعَهَا ذَلِكَ وَلَزِمَتْ هَذِهِ الدَّارَ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا مَنْعُهَا مِنْ التَّصَرُّفِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ حَمْلٍ أَوْ بَرَاءَةِ رَحِمٍ بِحَيْضٍ فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الثَّانِي يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ عُمَرُ ثُمَّ يَدْعُونَهُنَّ يَخْرُجْنَ الْمَنْعَ مِنْ الْخُرُوجِ جُمْلَةً. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا جَنَتْ ضَمِنَ سَيِّدُهَا الْجِنَايَةَ ولَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْ مِلْكِهِ بِتَسْلِيمٍ فِي جِنَايَةٍ وَلَا بَيْعٍ وَلَا مُعَاوَضَةٍ وَلَا هِبَةٍ وَلَا غَيْرِهَا إلَّا بِالْعِتْقِ الَّذِي يُسْقِطُ مَا بَقِيَ لَهُ فِيهَا مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَالْمَنْفَعَةِ دُونَ التَّصَرُّفِ فِي رَقَبَتِهَا، وَفِي هَذَا خَمْسَةُ أَبْوَابٍ:. أَحَدُهَا فِي مَاذَا تَصِيرُ الْأَمَةُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ. وَالثَّانِي فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَهَا غَيْرُهُ. وَالثَّالِثُ فِي حُكْمِ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا، وَفِي وَلَدِهَا. وَالرَّابِعُ فِي حُكْمِ مَا لَهَا فِي جِنَايَةٍ. وَالْبَابُ الْخَامِسُ فِي حُكْمِهَا وَحُكْمِ وَلَدِهَا وَحُكْمِ مَالِهَا إذَا تُوُفِّيَ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَاذَا تَصِيرُ الْأَمَةُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ) فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ بِكُلِّ مَا أَسْقَطَتْهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مُخَلَّقٌ وَفِيهِ تَجِبُ الْغُرَّةُ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَشْهَبُ إذَا طَرَحَتْ دَمًا مُجْتَمِعًا، أَوْ غَيْرَ مُجْتَمِعٍ فَلَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ فَإِذَا صَارَ عَلَقَةً خَرَجَ مِنْ حَدِّ النُّطْفَةِ وَالدَّمِ الْمُجْتَمِعِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ اتَّفَقَ النِّسَاءُ أَنَّهُ وَلَدٌ مُضْغَةً كَانَ أَوْ عَلَقَةً، أَوْ دَمًا، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِمَا يُرْخِيه الرَّحِمُ بِأَنَّهُ وَلَدٌ إلَّا إذَا ظَهَرَ خَلْقُهُ وَصُورَتُهُ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى مُخَلَّقَةٍ مُصَوَّرَةٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَأَمَّا الدِّمَاءُ فَقَدْ تُرْخِهَا حَيْضًا وَغَيْرَهُ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى الْوَلَدِ وَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] فَيَكُونُ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ مِنْ نَعْتِ الصُّورَةِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمُصَدَّقُ «يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيَقُولُ اُكْتُبْ عَمَلَهُ وَأَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَشَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ» . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إذَا وَقَعَتْ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا فَيَقُولُ يَا رَبِّ مُخَلَّقَةٌ، أَوْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ، فَإِنْ قَالَ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ مَجَّتْهَا الْأَرْحَامُ دَمًا، وَإِنْ قَالَ مُخَلَّقَةٌ قَالَ يَا رَبِّ

стр. 1644

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مَا صِفَةُ هَذِهِ النُّطْفَةِ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى مَا رِزْقُهَا وَمَا أَجَلُهَا فَعَلَى هَذَا الْمُخَلَّقَةُ مِنْ صِفَةِ النُّطْفَةِ فَمَا كَانَ مِمَّا تُرْخِيه الْأَرْحَامُ مِمَّا لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ وَلَيْسَ بِوَلَدٍ فَلَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الدِّمَاءَ قَدْ تُرْخِيهَا الْأَرْحَامُ وَلَا يَكُونُ وَلَدًا كَالْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَدًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْوَلَدُ الْمُضْغَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْلُغُ هَذَا الْحَدَّ إلَّا بِمَا يَكُونُ وَلَدًا، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَدْ يَعْرِفُهُ النِّسَاءُ بِكَثْرَتِهِ وَأَحْوَالِهِ فَإِذَا كَانَ يُعْرَفُ تَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ أُمِّ الْوَلَدِ كَالْمُضْغَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَقَرَّ بِالْوَطْءِ السَّيِّدُ، وَقَالَ لَهَا لَمْ تَلِدِي هَذَا الْوَلَدَ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى الْجِيرَانِ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى وَهِيَ مُصَدَّقَةٌ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ هُوَ بِهَا لَاحِقٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْجِيرَانُ مِنْهَا حَمْلًا وَلَا وِلَادَةً وَلَا طَلْقًا إذَا كَانَ مَعَهَا الْوَلَدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ فَقَالَتْ أَسْقَطْت، أَوْ وَلَدْت فَلَا تُصَدَّقُ إلَّا بِامْرَأَتَيْنِ عَادِلَتَيْنِ عَلَى الْوِلَادَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ بِوَاحِدَةٍ إلَّا الْيَمِينُ عِنْدَ أَشْهَبَ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَهَا غَيْرُهُ بِبَيْعٍ وَلَا هِبَةٍ وَلَا غَيْرِهَا] ١ (الْبَابُ الثَّانِي فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَهَا غَيْرُهُ بِبَيْعٍ وَلَا هِبَةٍ وَلَا غَيْرِهَا) هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَ خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ رَأَى أَبُو بَكْرٍ رَأْيًا وَرَأَى عُمَرُ رَأْيًا عَتَقَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ حَتَّى مَضَيَا لِسَبِيلِهِمَا ثُمَّ رَأَى عُثْمَانُ ذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْت أَنَا بَعْدَ بَيْعِهِنَّ فِي الدَّيْنِ فَقَالَ عُبَيْدَةُ فَقُلْت لِعَلِيٍّ رَأْيك وَرَأْيُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأْيك بِانْفِرَادِك فِي الْفُرْقَةِ فَقَبِلَ مِنِّي وَصَدَّقَنِي. فَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَأْيَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ بِالْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِنَّ كَانَ فِي وَقْتِ جَمَاعَةٍ وَلَمْ يُخَالِفُوا فِيهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ قَالَ رَأْيِي فِي بَيْعِهِنَّ فِي الدَّيْنِ خَاصَّةً فَهَذَا يَقْتَضِي انْفِرَادَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ ثُمَّ صَدَّقَهُ وَقَبِلَ مِنْهُ فِي إثْبَاتِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَتَجَدَّدَ بِذَلِكَ الْإِجْمَاعُ أَيْضًا فِي زَمَنِ عَلِيٍّ ﵁، وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ وَلَمَّا كَشَفَ عَنْ أَمْرِهِنَّ عَبْدُ الْمَلِكِ أَخْبَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ الْمِسْوَرَ قَالَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا يُبَعْنَ فِي دَيْنٍ وَلَا يُعْتَقْنَ فِي ثُلُثٍ» وَفِيهِ غَضِبَ سَعِيدٌ عَلَى الزُّهْرِيِّ حِينَ حَدَّثَ بِحَدِيثِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ. وَقَالَ مَالِكٌ إنَّهُ حَدَّثَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَ: إنَّ عُمَرَ أَعْتَقَهُنَّ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْأَمَةَ إذَا حَمَلَتْ حَرُمَ بَيْعُهَا لِأَجْلِ الْجَنِينِ الَّذِي هُوَ فِي حُكْمِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرَدَ بِالْبَيْعِ دُونَهَا وَلَا تُفْرَدَ بِالْبَيْعِ دُونَهُ فَسَرَى إلَيْهَا حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ كَمَا كَانَ يَسْرِي مِنْ تَعْلِيقِ الْعِتْقِ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا وَدَلِيلٌ آخَرُ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهَا حَمَلَتْ بِحُرٍّ فَمَنَعَ ذَلِكَ بَيْعَهَا أَصْلُهُ إذَا أَرَادَ بَيْعَهَا وَهِيَ حَامِلٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ، أَوْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ فِي ثُبُوتِ هَذَا الْحُكْمِ لَهَا وَهَذَا إذَا كَانَ السَّيِّدُ حُرًّا مُسْلِمًا فَإِنْ كَانَ غَيْرَ حُرٍّ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحَبُّ إلَيَّ فِي ذَلِكَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ إنْ عَتَقَ وَهِيَ فِي مِلْكِهِ أَنْ تَكُونَ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا الْآنَ وَلَدٌ كَانَ مَا تَقَدَّمَ لَهَا سِقْطٌ أَوْ وَلَدٌ وَذَكَرَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبِ دُونَ الْمُدَبَّرِ، قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعَ أُمِّ وَلَدِ الْمُدَبَّرِ عِنْدَ مَالِكٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا يُرِيدُونَ الْمُدَبَّرَ وَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ فِي الْمُكَاتَبِ وَأَيْضًا فَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ بَيْعُهَا بِإِذْنِ السَّيِّدِ إلَّا أَنْ يَخَافَ الْعَجْزَ وَلِلْمُدَبَّرِ بَيْعُهَا بِإِذْنِ السَّيِّدِ. وَقَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ بِمَا وَلَدَتْ بَعْدَ عَقْدِ التَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ وَالْعِتْقِ الْمُؤَجَّلِ وَإِنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ تَمَامِ الْحُرِّيَّةِ فِي الْأَبِ إلَّا أَنَّ لِلْوَلَدِ حُكْمَ الْأَبِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي أُمِّ الْوَلَدِ الْمُكَاتَبِ خِلَافٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَجَازَ لِلْمُكَاتَبِ بَيْعَهَا مِنْ غَيْرِ دَيْنٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا حُرِّيَّةَ لَهَا بِالِاسْتِيلَادِ وَقَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهَا إلَّا أَنْ يُرْهِقَهُ دَيْنٌ قَالَ

стр. 1645

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ حُرْمَتَهَا ضَعِيفَةٌ لِضَعْفِ حُرْمَةِ سَيِّدِهَا؛ لِأَنَّهُ يُعْتِقُ بِالْأَدَاءِ وَيَرِقُّ بِالْعَجْزِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُرْمَةُ الِاسْتِيلَادِ وَجَازَ لَهُ بَيْعُهَا، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لِسَيِّدِهَا حُرْمَةُ الْعِتْقِ بِالْكِتَابَةِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى عِنْدِي أَنَّ مِلْكَ سَيِّدِهَا لَمْ يَكْمُلْ فَلَمْ تَحْصُلْ أُمُّ وَلَدٍ بِاسْتِيلَادِهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ كَالْأَمَةِ لِلْعَبْدِ الْقِنِّ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ سَيِّدَ الْمُكَاتَبِ مَمْنُوعٌ مِنْ مَالِهِ لِعَقْدِ عِتْقِهِ فَيَثْبُتُ لِأُمِّ وَلَدِهِ حُرْمَةُ الِاسْتِيلَادِ كَالْعِتْقِ الْمُبَتَّلِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ الْمُدَبَّرِ فَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِيهَا. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِيهَا عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ لَهَا وَالثَّانِيَةُ نَفْيُهَا عَنْهَا، وَوَجْهُ ثُبُوتِهَا أَنَّهُ بَيْعٌ لِابْنِهِ فِي عَقْدِ الْعِتْقِ الَّذِي يَثْبُتُ لَهُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ لِأُمِّهِ بِهِ الْحُرْمَةُ كَوَلَدِ الْمُكَاتَبِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ مِنْ الْعِتْقِ مَا يَمْنَعُ بِهِ سَيِّدُهُ مِنْ مَالِهِ فَلَمْ يَثْبُتْ لِأُمِّهِ بِهِ حُرْمَةُ الِاسْتِيلَادِ كَذَلِكَ الْعَبْدُ الْقِنُّ. (فَرْعٌ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فَإِذَا قُلْنَا تَثْبُتُ لَهَا حُرْمَةُ الِاسْتِيلَادِ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ انْتِزَاعُهَا مِنْهُ حَامِلًا كَانَتْ، أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ فَإِذَا نَفْينَا عَنْهَا حُرْمَةَ الِاسْتِيلَادِ فَإِنَّ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعَهَا قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ دَاخِلٌ فِي تَدْبِيرِ أَبِيهِ وَمِثْلُ هَذَا يَتَوَجَّهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي أُمِّ وَلَدِ الْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ إنَّ قَوْلَ مَالِكٍ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي انْتِزَاعِ أُمِّ وَلَدِهِ مِنْهُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ بِمَا تَلِدُهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ عَقْدِ التَّدْبِيرِ، أَوْ الْكِتَابَةِ، أَوْ الْعِتْقِ الْمُؤَجَّلِ فَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إلَّا أَنْ يَمْلِكَ الْمُكَاتَبُ مَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ الْحَامِلِ فِي الْكِتَابَةِ فَإِنَّهَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ. وَقَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ إنَّمَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ بِمَا تَلِدُهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ عِتْقِ أُمِّهِ وَلَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ بِمَا تَلِدُهُ لِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ قَالَا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَمْ يَمْلِكْهُ الْأَبُ وَقَدْ جَرَى مِنْهُ فِيهِ لِغَيْرِهِ حُرِّيَّةٌ فَلَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ بَلْ تُعْتَقُ عَلَى غَيْرِ الْأَبِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنَّمَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ إذَا حَمَلَتْ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَإِذَا حَمَلَتْ بِنِكَاحٍ، أَوْ وَلَدَتْ بِنِكَاحٍ فَلَا تَكُونُ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ اشْتَرَاهَا الزَّوْجُ بَعْدَ أَنْ وَلَدَتْ فَإِنَّهَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ سَبَبُ عِتْقٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا بِالْوِلَادَةِ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهَا بِالشِّرَاءِ كَعَقْدِ الْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا حَمَلَتْ بِنِكَاحٍ وَوَلَدَتْ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ كَالرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ فَتَحْمِلُ مِنْهُ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا وَهِيَ حَامِلٌ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ لِأَبِيهِ أَوْ لِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَتْ لِأَبِيهِ لَمْ تَكُنْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُعْتِقَ عَلَى جَدِّهِ وَلَمْ يَمْلِكْهُ أَبُوهُ. وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ فِيمَنْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ بَعْدَ أَنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ مَا فِي بَطْنِهَا أَنَّ شِرَاءَهُ جَائِزٌ وَتَكُونُ بِمَا تَضَعُ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْتَقَ ابْنَهُ بِالشِّرَاءِ وَلَمْ يُصِبْهُ عِتْقُ السَّيِّدِ إذْ لَا يَتِمُّ عِتْقُهُ إلَّا بِالْوَضْعِ؛ لِأَنَّهُ يُبَاعُ عَلَيْهِ فِي فَلَسِهِ وَيَبِيعُهُ وَرَثَتُهُ قَبْلَ الْوَضْعِ إنْ شَاءُوا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَالثُّلُثُ يَحْمِلُهَا، وَلَوْ ضَرَبَهَا رَجُلٌ فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا فَإِنَّمَا فِيهِ مَا فِي جَنِينِ أَمَةٍ، وَلَوْ كَانَ بَعْدَ أَنْ اشْتَرَاهَا الزَّوْجُ فَإِنَّمَا فِيهِ جَنِينُ حُرَّةٍ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ أَبِيهِ فَإِنَّهَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ ابْنَهُ فَعَتَقَ عَلَيْهِ فَهَذَا قَدْ حَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ فِي النِّكَاحِ وَوَضَعَتْهُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا وَضَعَتْهُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فَكَانَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ كَمَا لَوْ حَمَلَتْ بِهِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالْمَنْفَعَةِ فِيهَا وَفِي وَلَدِهَا] (الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالْمَنْفَعَةِ فِيهَا، وَفِي وَلَدِهَا) وَذَلِكَ أَنَّ السَّيِّدَ بَقِيَ لَهُ فِي أُمِّ وَلَدِهِ الِاسْتِمْتَاعُ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ لِلرَّجُلِ فِي أُمِّ وَلَدِهِ أَنْ يُعَنِّتَهَا فِي الْخِدْمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ دَنِيئَةً، وَتُبْتَذَلُ الدَّنِيئَةُ فِي الْحَوَائِجِ الْخَفِيفَةِ مِمَّا لَا تُبْتَذَلُ فِيهِ الرَّفِيعَةُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: اسْتِخْدَامُهَا فِيمَا يَقْرُبُ وَلَا يَشُقُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَهُ فِيهَا الْخِدْمَةُ وَالِاسْتِمْتَاعُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْ مِلْكِهَا وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى حُكْمِ

стр. 1646

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] ذَلِكَ الْمِلْكِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ تَمْلِيكِهَا غَيْرَهُ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ لِلسَّيِّدِ اسْتِخْدَامَ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ وَحُكْمُهُمْ حُكْمُهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لَهُ اسْتِخْدَامُ الْأُمِّ، وَوَجْهُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي نَفْيِ اسْتِخْدَامِهَا أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ بَيْعِهِ لَهَا وَلَا تُعْتَقُ فِي ثُلُثِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِخْدَامُهَا كَالْحُرَّةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ لَهُ أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى النِّكَاحِ أَمْ لَا كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ أُمَّ وَلَدِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ إنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ أُمَّ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِيهَا إلَّا الِاسْتِمْتَاعُ دُونَ سَائِرِ الْمَنَافِعِ فَكَرِهَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَإِنْ رَضِيَتْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِالزَّوْجَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهُ فِيهَا إلَّا الِاسْتِمْتَاعُ وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ مَعَ بَقَاءِ ذَلِكَ السَّبَبِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهَا وَبِهَذَا أَخَذَ جَمِيعُ أَصْحَابِ مَالِكٍ. (فَرْعٌ) فَإِنْ زَوَّجَهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا أَفْسَخُهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ وَلِيٌّ لَهَا فَجَازَ إنْكَاحُهُ لَهَا كَمَا لَوْ نَفَذَ عِتْقُهَا وَكَمُلَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إجْبَارِهَا عَلَى النِّكَاحِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ لَهُ أَنْ يُكْرِهَ أُمَّ وَلَدِهِ عَلَى النِّكَاحِ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَثَبَتَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا بِرِضَاهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا أَمَةٌ يَمْلِكُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَمَلَكَ إجْبَارَهَا عَلَى النِّكَاحِ كَالْأَمَةِ الْقِنِّ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا ثَبَتَ لَهَا سَبَبُ حُرِّيَّةٍ يَمْنَعُهُ رَهْنَهَا وَإِجَارَتَهَا فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَهُ إجْبَارَهَا عَلَى النِّكَاحِ كَالْمُكَاتَبَةِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ بِالْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَعَلَى السَّيِّدِ الْإِنْفَاقُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ فَإِنْ أَعْسَرَ فَهَلْ تُعْتَقُ عَلَيْهِ لِلْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ أَمْ لَا وَفِي كِتَابِ الرِّقِّ لَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ اللَّبَّادِ: سَأَلْت عَنْهَا يَحْيَى بْنَ عُمَرَ وَقُلْت لَهُ: تَعْمَلُ وَتُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهَا، قَالَ لِي: إنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفَقَتِهَا مَا يَكْفِيهَا قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ أَرَى أَنْ تُعْتَقَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَذَا قَالَ أَشْهَبُ وَرَوَاهُ عَنْهُ الْأَنْدَلُسِيُّونَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: تُعْتَقُ عَلَيْهِ إذَا أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ، أَوْ غَابَ وَلَمْ يَتْرُكْ مَا لَا يُنْفِقُ لَهُ عَلَيْهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَرَوِيُّونَ أَنَّهَا تَتَوَصَّلُ إلَى تَحْصِيلِ نَفَقَتِهَا مَعَ إبْقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ بِأَنْ تُزَوَّجَ مِمَّنْ يُنْفِقُ عَلَيْهَا وَبِهَذَا فَارَقَتْ الزَّوْجَةُ فَإِنَّهَا لَا تَتَوَصَّلُ إلَى تَحْصِيلِ النَّفَقَةِ بِالنِّكَاحِ مَعَ بَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا بَقِيَتْ عَلَى الرِّقِّ فَجَازَ أَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَنْهَا بِالْإِعْسَارِ كَالْأَمَةِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِيهَا غَيْرُ الِاسْتِمْتَاعِ كَالزَّوْجَةِ. (فَرْعٌ) وَلَوْ غَابَ عَنْهَا سَيِّدُهَا فَلَمْ يَتْرُكْ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا فَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ تُعْتَقُ عَلَيْهِ وَلَا يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّ زَوَاجَهَا مَكْرُوهٌ وَلَا يُؤْمَرُ بِهِ السَّيِّدُ فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِهِ الْحَاكِمُ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ تُزَوَّجُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ غَائِبًا وَيُزَوِّجُهَا هُوَ إنْ كَانَ حَاضِرًا وَعَجَزَ عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِي حُكْمِ مَالِهَا فِي حَيَاتِهِ] (الْبَابُ الرَّابِعُ فِي حُكْمِ مَالِهَا فِي حَيَاتِهِ) فَإِنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهَا مَا لَمْ يَمْرَضْ؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ بَقَاءً تَسْتَحِقُّ بِهِ النَّفَقَةَ، وَيُبِيحُ لَهُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا فَكَانَ لَهُ انْتِزَاعُ مَالِهَا أَصْلُ ذَلِكَ الْأَمَةُ حَالَ الرِّقِّ وَلَيْسَ لَهُ انْتِزَاعُ مَالِهَا إذَا مَرِضَ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: إذَا اشْتَدَّ مَرَضُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ انْتِزَاعُهُ كَمَا لَيْسَ لَهُ إخْرَاجُ مَالِهِ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ إبْقَاءً عَلَى وَرَثَتِهِ لِقُرْبِ وَقْتِ اسْتِحْقَاقِهِمْ لَهُ كَالْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَنْتَزِعَ مَالَهُ مَا لَمْ يَقْرُبْ الْأَجَلُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ مَنْ تَقَرَّرَ مِلْكُهُ عَلَى مَالٍ بِمَوْتِ إنْسَانٍ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ انْتِزَاعَهُ مِنْهُ فِي مَرَضِهِ كَالْوَارِثِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ أَفْلَسَ السَّيِّدُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَيْسَ لِغُرَمَائِهِ أَخْذُ مَالِ أُمِّ وَلَدِهِ وَلَا أَنْ يُجْبِرُوا السَّيِّدَ عَلَى ذَلِكَ وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ انْتِزَاعَ مَالِ أُمِّ الْوَلَدِ بِمِلْكٍ لِمَا يَمْلِكُهُ بِاخْتِيَارِهِ لِيَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ السَّيِّدُ كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ. [الْبَابُ الْخَامِسُ فِي حُكْمِهَا وَحُكْمِ مَالِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ] ١

стр. 1647

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَاذَا تَصِيرُ الْأَمَةُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ] ــ [المنتقى] الْبَابُ الْخَامِسُ فِي حُكْمِهَا وَحُكْمِ مَالِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ) أَمَّا حُكْمُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّهَا تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ فَإِنَّهَا حُرَّةٌ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ وِلَادَتُهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ فَأَمَّا إذَا تُوُفِّيَ وَهِيَ حَامِلٌ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ وَفِي الْوَاضِحَةِ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْحَمْلُ بَيِّنًا فَقَدْ تَمَّتْ حُرْمَتُهَا فِي الشَّهَادَةِ وَالْمُوَارَثَةِ وَالْقِصَاصِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ قَدْ يَظْهَرُ الْبَطْنُ وَيَقُولُ النِّسَاءُ هُوَ حَمْلٌ ثُمَّ يَنْفُشُ فَقَالَ إذَا ظَهَرَ وَاسْتَوْفَى تَمَّتْ حُرِّيَّتُهَا قَبْلَ أَنْ تَضَعَ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَقِيلَ عَنْ الْمُغِيرَةِ تُوقَفُ أَحْكَامُهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُوجِبَ إكْمَالُ حُرِّيَّتِهَا بِتَيَقُّنِ الْحَمْلِ بِهَا مَعَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَقَدْ وُجِدَا فَوَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ بِكَمَالِ حُرْمَتِهَا وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجُوزُ مِنْ انْفِشَاشِهِ كَالْحَيْضِ يُحْكَمُ بِظُهُورِهِ عَلَى وَجْهِ الْعِدَّةِ، أَوْ الِاسْتِبْرَاءِ بِانْتِفَاءِ الْحَمْلِ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ وُجُودُ الْحَمْلِ مَعَ وُجُودِ الْحَيْضِ وَتَكَرُّرِهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ أَنَّ الْحَمْلَ قَدْ يَظْهَرُ ثُمَّ يَنْفُشُ فَلَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْحَمْلِ إلَّا بِالْوِلَادَةِ، أَوْ الْإِسْقَاطِ فَيَجِبُ أَنْ تُوقَفَ أَحْكَامُهَا حَتَّى يُوجَدَ أَحَدُهُمَا، أَوْ يُعْدَمَ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا تُوُفِّيَ السَّيِّدُ فَمَالُ أُمِّ الْوَلَدِ تَبَعٌ لَهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ مُعْتَقٍ يَتْبَعُهُ مَالُهُ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مِلْكٍ إلَى غَيْرِ مِلْكٍ فَيَتْبَعُهُ مَالُهُ كَالْعَبْدِ يَعْتِقُهُ سَيِّدُهُ، وَأَمَّا مَا كَانَ لَهَا مِنْ حُلِيٍّ، أَوْ مَتَاعٍ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَهَا الْأَمْرُ الْمُسْتَنْكَرُ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ لَهَا مِنْ ثِيَابٍ إذَا عَرَفَ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُهَا وَتَسْتَمْتِعُ بِهَا فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَيِّنَةٌ عَلَى أَصْلِ الْعَطِيَّةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ مَا كَانَ فِي ابْتِذَالِهَا وَلُبْسِهَا فَهُوَ الَّذِي يَكُونُ لَهَا مِنْهُ مَا لَا يَسْتَنْكِرُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ لُبْسِهَا لَهُ وَابْتِذَالِهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عَنْ مِلْكٍ، وَأَمَّا مَا يُسْتَنْكَرُ مِثْلُهُ مِمَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الْهِبَةَ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ أَنْ تَلْبَسَهُ وَتَتَجَمَّلَ لَهُ فَإِنْ عَرَفَ أَنَّ السَّيِّدَ قَدْ وَهَبَهُ، أَوْ غَيْرَهُ، أَوْ مَلَكَتْهُ بِأَيِّ وَجْهٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهَا مَا كَانَ. وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَا أَعْطَاهَا سَيِّدُهَا مِنْ حُلِيٍّ وَثِيَابٍ فَذَلِكَ لَهَا إذَا مَاتَ وَمَا أَوْدَعَهَا مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ كُلِّفَتْ الْبَيِّنَةَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعِ النِّسَاءِ بِخِلَافِ الْحُرَّةِ، وَأَمَّا الْفِرَاشُ وَالْحُلِيُّ وَاللِّحَافُ وَالثِّيَابُ الَّتِي عَلَى ظَهْرِهَا فَذَلِكَ لَهَا يُرِيدُ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ فِي لِبَاسِهَا وَابْتِذَالِهَا فَذَلِكَ لَهَا دُونَ بَيِّنَةٍ وَلَا يَكُونُ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إذَا جَنَتْ ضَمِنَ سَيِّدُهَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ قِيمَتِهَا الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بَيْنَهَا رَاجِعٌ إلَى الْجِنَايَةِ، وَفِي قَوْلِهِ قِيمَتِهَا رَاجِعٌ إلَى الْوَلَدِ الْجَانِيَةُ يُرِيدُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَفْتَدِيَهَا بِالْأَقَلِّ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهَا، أَوْ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْلِكَهَا غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَهَا، وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً لَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْتَدِيَهَا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ يُسَلِّمُهَا بِقِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ إسْلَامِهَا. (فَرْعٌ) وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي تَقْوِيمِهَا فَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمُوَازَنَةِ خَالَفَنِي ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْمُغِيرَةُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ جَنَتْ فَرَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَتَمَادَى الْمُغِيرَةُ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْحُكْمِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهَا تُقَوَّمُ فَهَلْ تُقَوَّمُ بِمَالِهَا، أَوْ بِغَيْرِ مَالِهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ تُقَوَّمُ بِغَيْرِ مَالِهَا وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى الْبَرْقِيُّ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ تُقَوَّمُ بِغَيْرِ مَالِهَا، وَأَنَا أَرَى أَنْ تُقَوَّمَ بِمَالِهَا وَبِهِ قَالَ الْمُغِيرَةُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْأَمَةَ الْجَانِيَةَ إذَا لَمْ تُسَلَّمْ لِيَمْلِكَهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِلْجِنَايَةِ بِهَا تَعَلُّقٌ بِمَالِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قُتِلَ عَبْدٌ فَاقْتُصَّ مِنْهُ فَإِنَّ مَالَهُ يَبْقَى لِسَيِّدِهِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا، وَلَوْ عَفَا عَنْ قَتْلِهِ وَأَسْلَمَهُ لِيُمْلَكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فَمَرَّةً قَالَ يَتْبَعُهُ مَالُهُ وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَشْهَبُ وَمَرَّةً قَالَ لَا يَكُونُ مَالُهُ تَبَعًا لَهُ فَلَمَّا كَانَتْ أُمُّ الْوَلَدِ إذَا جَنَتْ لَمْ تُسَلَّمْ لَمْ تَتَعَلَّقْ الْجِنَايَةُ بِمَالِهَا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ الْمُغِيرَةُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً لَقُوِّمَتْ أَمَةً فَأُسْلِمَتْ لَأُسْلِمَتْ بِمَالِهَا فَكَذَلِكَ إذَا قُوِّمَتْ وَجَبَ أَنْ تُقَوَّمَ بِمَالِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ مَاتَتْ أُمُّ الْوَلَدِ بَعْدَ أَنْ جَنَتْ فَتَرَكَتْ مَالًا

стр. 1648

(الْقَضَاءُ فِي عِمَارَةِ الْمَوَاتِ) (ص) : (يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» قَالَ مَالِكٌ وَالْعِرْقُ الظَّالِمُ كُلُّ مَا اُحْتُفِرَ، أَوْ أُخِذَ، أَوْ غُرِسَ بِغَيْرِ حَقٍّ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) ــ [المنتقى] فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا شَيْءَ لِلْمَجْرُوحِ مِنْ مَالِهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً لَقُوِّمَتْ بِغَيْرِ مَالِهَا. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إنْ كَانَ مَالُهَا عَبْدًا أَدَّى مِنْهُ الْأَرْشَ فَإِنْ لَمْ يَفِ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ عَرَضًا خُيِّرَ سَيِّدُهَا فِي فِدَائِهِ، أَوْ إسْلَامِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُبْنَى عَلَى أَصْلِهِ فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ تُقَوَّمُ بِغَيْرِ مَالِهَا فَلَا تَتَعَلَّقُ عِنْدَهُ الْجِنَايَةُ بِمَالِهَا وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يَقُولُ تُقَوَّمُ بِمَالِهَا فَإِنَّ الْجِنَايَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَالِهَا فَإِنْ عُدِمَتْ أُمُّ الْوَلَدِ فَقَدْ بَقِيَ مَالُهَا وَالْجِنَايَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَهَا يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ فِدَائِهَا وَيَرْضَى بِإِسْلَامِهَا كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْأَمَةِ بَلْ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَفْتَدِيَهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّ فِي إسْلَامِهَا تَمْلِيكًا لَهَا وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَمَّلَ مِنْ جِنَايَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا يُرِيدُ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ جِنَايَةِ أُمِّ الْوَلَدِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا لَمْ يَلْزَمْ إلَّا قِيمَةُ أُمِّ الْوَلَدِ دُونَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِيمَةِ الْجِنَايَةِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ جِنَايَةً وَاحِدَةً فَإِنْ تَكَرَّرَتْ جِنَايَاتُهَا فَإِنَّ تَعَقُّبَ كُلِّ جِنَايَةِ الْحُكْمِ فِيهَا بِحُكْمِ الثَّانِيَةِ، وَمَا بَعْدَهَا حُكْمُ الْأُولَى عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ جَنَتْ جِنَايَاتٍ قَبْلَ الْقِيَامِ عَلَيْهَا ثُمَّ قَامَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِمْ فَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قِيمَتُهَا لِجَمِيعِ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ كَانَ أَرْشُهَا مِثْلَ قِيمَةِ أُمِّ الْوَلَدِ عَشْرَ مَرَّاتٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا لَمَّا كَانَ حُكْمًا وَاحِدًا كَانَ حُكْمُ جِنَايَاتِهَا حُكْمَ جِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمَةَ لَوْ جَنَتْ جِنَايَاتٍ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهَا إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهَا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ جِنَايَةٍ تَجْنِيهَا إلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِنْ جَنَتْ جِنَايَةً أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا أَدَّى الْقِيمَةَ ثُمَّ إنْ جَنَتْ أُخْرَى تَشَارَكَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فِي الْقِيمَةِ الْأُولَى فَرَجَعَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فِي حِصَّتِهِ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ مَا جَنَتْ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَا قَالَهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ لَا يَمْلِكُ الْأَرْشَ أَبَدًا؛ لِأَنَّهَا كُلَّمَا جَنَتْ رَجَعَ عَلَيْهِ فِيمَا أَخَذَ وَهِيَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَالْعَبْدُ إذَا جَنَى جِنَايَةً ثَانِيَةً لَمْ يَتَحَمَّلْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوَّلًا جِنَايَةً كَالْعَبْدِ الْقِنِّ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ عَلَى الْعَاقِلَةِ شَيْءٌ مِنْ جِنَايَةِ أُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا أَمَةٌ وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ إلَّا جِنَايَةَ الْأَحْرَارِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ لَمْ يَفْتَدِهَا السَّيِّدُ أَعْتَقْنَاهَا عَلَيْهِ وَجُعِلَتْ دِيَةُ قَتِيلِهَا عَلَى عَاقِلَتِهَا وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ تَحَمُّلُ الْعَاقِلَةِ عَنْهَا بِحَالِهَا يَوْمَ جِنَايَتِهَا وَهِيَ يَوْمَ جِنَايَتِهَا أَمَةٌ. وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ لَوْ قُتِلَتْ خَطَأً ثُمَّ أُعْتِقَتْ لَمْ تَتَحَمَّلْ الْعَاقِلَةُ دِيَتَهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ إذَا أُعْتِقَتْ بِشَيْءٍ مِنْ جِنَايَتِهَا وَذَلِكَ إذَا أُقِيمَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ فَحُكِمَ عَلَى السَّيِّدِ بِالْقِيمَةِ وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ ثُمَّ عَتَقَتْ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهَا إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِعَيْنِهَا دُونَ ذِمَّتِهَا، وَأَمَّا إذَا جَنَتْ جِنَايَةً فَقَبْلَ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ تُوُفِّيَ سَيِّدُهَا فَعَتَقَتْ بِمَوْتِهِ وَلَهَا مَالٌ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمُزَنِيَّة، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَالٌ وَلَا مَالَ لِلسَّيِّدِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا شَيْءٌ قَدْ وَجَبَ عَلَى السَّيِّدِ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ قِيَم عَلَى السَّيِّدِ أَمْ لَا. [الْقَضَاءُ فِي عِمَارَةِ الْمَوَاتِ وَفِيهِ أَبْوَاب] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الْأَرْضِ الَّتِي تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ] (ش) : مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» إحْيَاءُ الْأَرْضِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عِمَارَتُهَا وَمَوْتُهَا تَبَوُّرُهَا وَعَدَمُ

стр. 1649

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الِانْتِفَاعِ بِهَا عَلَى وَجْهِ الزِّرَاعَةِ وَالْحَرْثِ وَالْبُنْيَانِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ مَوْتُ الْأَرْضِ بِمَعْنَى عَدَمِ سَقْيِهَا وَتَعَذُّرِ نَبَاتِهَا وَحَيَاتُهَا سَقْيُهَا وَظُهُورُ نَبَاتِهَا قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠] . وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كُلُّ مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ فَلَيْسَ بِمَوَاتٍ وَمَا بَعُدَ مِنْهُ وَلَمْ يُمْلَكْ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ مَوَاتٌ وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ لَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِيثِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فِيمَنْ أَحْيَا مَا بَعُدَ وَقَرُبَ فَخَصَّ مِنْهُ مَنْ أَحْيَا مَا قَرُبَ بِدَلِيلٍ ظَهَرَ إلَيْهِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا بَعُدَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ لَفْظَ الْأَرْضِ لَمَّا وَرَدَ مُنْكَرًا لَمْ يَقْتَضِ الْعُمُومَ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ مَا بَعُدَ دُونَ مَا قَرُبَ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْوَجْهَيْنِ وَأَنْكَرَ سَحْنُونٌ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا. وَقَالَ: الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَعِنْدِي أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا يَحْتَمِلُ مَا رَوَى عَنْهُ سَحْنُونٌ مِنْ قَوْلِهِ الْمَعْرُوفِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَالِكٌ مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي فَيَافِي الْأَرْضِ وَمَا بَعُدَ مِنْ الْعُمْرَانِ، وَهَذَا الْقَوْلُ يَحْتَمِلُ مِنْ التَّأْوِيلِ مَا يَحْتَمِلُهُ قَوْلُ سَحْنُونٍ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِي أَنْكَرَهُ سَحْنُونٌ حَمْلُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِحْيَاءُ فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ بِالْإِحْيَاءِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَمْلِكَهُ الْإِمَامُ عَلَى وَجْهِ الْإِقْطَاعِ. وَقَدْ رَوَى سَحْنُونٌ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ لَا يُحْيِيه إلَّا بِقَطِيعَةٍ وَنَحْوِهَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا عَمُرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عِمَارَةً وُرِثَتْ فِي الْإِسْلَامِ فَذَلِكَ الْمَوَاتُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ ﷺ «مَنْ أَحْيَاهَا فَهِيَ لَهُ» يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ مِلْكَهُ لَهُ، وَفِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ:. الْأَوَّلُ: فِي صِفَةِ الْأَرْضِ الَّتِي تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ. وَالْبَابُ الثَّانِي: فِي صِفَةِ الْمُحْيِي لَهَا وَحُكْمِهِ. وَالْبَابُ الثَّالِثُ: فِي صِفَةِ الْإِحْيَاءِ. وَالْبَابُ الرَّابِعُ: فِي حُكْمِ مَا أُحْيِيَ مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ مَاتَ. وَالْبَابُ الْخَامِسُ: فِي حُكْمِ الْأَرْضِ الْمَوَاتِ وَالْإِبْرَازِ فِي الْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الْأَرْضِ الَّتِي تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ) . قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ الْأَرْضُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: عَنْوَةٍ، أَوْ صُلْحٍ، أَوْ مِمَّا أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، فَأَمَّا الْعَنْوَةُ فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ مَوَاتٍ وَشِعَارٍ لَمْ تَعْتَمِلْ وَلَا جَرَى فِيهَا مِلْكٌ لِأَحَدٍ فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا كَذَلِكَ أَرْضُ الصُّلْحِ مَا كَانَ مِنْهَا مَوَاتًا لَمْ يُعْمَلْ وَلَا حِيزَ بِعِمَارَةٍ فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا، وَأَمَّا مَا أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا وَمَلَكُوهَا فَإِنَّهَا عَلَى مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ وَهِيَ تُمْلَكُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ مَحْدُودَةً وَلَهَا مَالِكٌ مَعْرُوفٌ مَخْصُوصٌ وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ مِنْ الْأَوْدِيَةِ وَالْمَرَاعِي لَيْسَتْ بِمَحْدُودَةٍ وَلَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهَا لَا تُمْلَكُ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلْمَرَافِقِ وَالْمَنَافِعِ فَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ الْأَعْرَابِ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إلَّا لِمَعْنَى التَّفْسِيرِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا فِيمَا ذَكَرَهُ وَاحِدٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَجْهٍ مُلِكَتْ بِهِ الْأَرْضُ مِنْ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّمَا يُمْلَكُ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمِلْكِ لَهُ إمَّا بِمِلْكِ الرِّقَابِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، أَوْ الْعُمُومِ، أَوْ مِلْكِ الْمَنَافِعِ عَلَى الْوَجْهِ الْعَامِّ وَبِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنْهَا يَتَعَلَّقُ الْمِلْكُ وَالْحُقُوقُ دُونَ الْفَيَافِي وَالْقِفَارِ فَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ لِأَحَدٍ فَهِيَ لَهُ بِالْإِحْيَاءِ دُونَ غَيْرِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَا كَانَ مِنْ بِئْرِ مَاشِيَةٍ فَلَا يَغْرِسُ أَحَدٌ عَلَيْهِ غَرْسًا وَلَا يُحْيِي عَلَيْهِ حَقًّا قَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ بِئْرَ الْمَاشِيَةِ مِمَّا يَمْلِكُ أَهْلُهُ الِانْتِفَاعَ بِهِ وَمَا مَلَكَ قَوْمٌ الِانْتِفَاعَ بِهِ عَلَى وَجْهِ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُبْطِلَ حَقَّهُمْ مِنْهُ بِالْإِحْيَاءِ كَالْمَرَاعِي الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَاهَا. (مَسْأَلَةُ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْمَوَاتُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ يَبْعُدُ مِنْ الْعُمْرَانِ وَضَرْبٌ يَقْرُبُ فَأَمَّا مَا بَعُدَ مِنْ

стр. 1650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْعُمْرَانِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُحْيِيه بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْيِيَ مَوَاتًا مِنْ الْأَرْضِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ. وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» وَهَذَا عَامٌّ فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ أَرْضٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لِغَيْرِ الْمُحْيِي فَلَمْ يَحْتَجْ فِي إحْيَائِهَا إلَى إذْنِ الْإِمَامِ كَمَا لَوْ مَلَكهَا الْمُحْيِي. (فَرْعٌ) فَإِنْ عَمَّرَهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ مَالِكٍ مَا عَلِمْت اخْتِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً بَعِيدَةً مِنْ الْعِمَارَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيْنٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ إنْ عَمَّرَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَهُوَ لَهُ. وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَقْتَطِعُ الْمَوَاتَ الْبَعِيدَ فَيُحْيِيه بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ فَإِنْ رَأَى أَنْ يُقِرَّهُ أَقَرَّهُ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُخْرِجَهُ أَخْرَجَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الَّتِي تَقْرُبُ مِنْ الْعُمْرَانِ فَلَا يُحْيِيهَا أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ رَوَاهُ سَحْنُونٌ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَشْهَبَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ يُحْيِيهَا مَنْ شَاءَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ أَشْهَبَ قَالَ سَحْنُونٌ وَبِهِ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» وَاَلَّذِي يُحْيِي بِقُرْبِ الْعُمْرَانِ قَدْ يَظْلِمُ فِي إحْيَائِهِ وَيَسْتَضِرُّ النَّاسُ بِذَلِكَ لِتَضْيِيقِهِ عَلَيْهِمْ فِي مَسَارِحِهِمْ وَعِمَارَتِهِمْ وَمَوَاضِعِ مَوَاشِيهِمْ وَمَرْعَى أَغْنَامِهِمْ فَاحْتَاجَ إلَى نَظَرِ الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ فِي ذَلِكَ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ. وَقَدْ أَقْطَعَ عُمَرُ الْعَقِيقَ وَهُوَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ وَاحْتَجَّ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ لِقَوْلِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ» وَذَلِكَ عَامٌّ فِيمَا قَرُبَ، أَوْ بَعُدَ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ لَا فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى أَحَدٍ. (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا أَنَّهُ لَا يُحْيِي إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَأَحْيَا رَجُلٌ أَرْضًا قَرِيبَةً مِنْ الْعُمْرَانِ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ الْإِمَامِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ نَظَرَ الْإِمَامُ فَإِنْ رَأَى إبْقَاءَهُ لَهُ فَعَلَ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُزِيلَهُ وَيُعْطِيَهُ غَيْرَهُ، أَوْ يَبِيعَهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَعَلَ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ أَصْبَغُ: إنْ أَحْيَاهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أَمْضَيْته لَهُ وَلَمْ يُنْقَضْ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ وَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ عَمَّرَهُ لَا يَكُونُ لَهُ بِغَيْرِ قَطِيعَةٍ مِنْ الْإِمَامِ. وَقَدْ رَوَى سَحْنُونٌ عَنْ مَالِكٍ لَا يُحْيِيهِ أَحَدٌ إلَّا بِقَطِيعَةٍ مِنْ الْإِمَامِ فَيَحْتَمِلُ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ هَذَا الْمَعْنَى مَنْ يَمْلِكُهُ بِالْإِحْيَاءِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ قَالَ مَا بَعُدَ عَنْ الْإِمَامِ فَلَا يُعَمَّرُ إلَّا بِأَمْرِ الْإِمَامِ وَمَا قَرُبَ مِنْ الْإِمَامِ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ بِغَيْرِ قَطِيعَةٍ مِنْ الْإِمَامِ فَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالْإِقْطَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْإِمَامِ مَنْعُهُ بِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إلَّا إذَا أَبَاحَهُ لَهُ لِكَوْنِهِ أَصْلًا لَهُ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ إذَا تَعَدَّى وَعَمَّرَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لِكَوْنِ النَّظَرِ فِيهِ لِلْإِمَامِ بَاقِيًا وَلَا يُخْرِجُهُ بِتَعَدِّيهِ فِيهِ وَسَبْقِهِ إلَيْهِ عَنْ نَظَرِ الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ يَقْتَضِي مَذْهَبَ أَشْهَبَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مُشَاوَرَةُ الْإِمَامِ وَاسْتِئْذَانُهُ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ تَمَلُّكِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْعُمْرَانِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي إحْيَائِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ لَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِيثِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُزِيلَهُ عَنْهُ فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يُعْطِيه قِيمَةَ عَمَلِهِ مَنْقُوضًا أَوْ يُعْطِيه إيَّاهُ بَعْدَ أَمْرِهِ بِقَلْعِهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْعَمَلِ فِيهِ وَأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَيُعْطِيه قِيمَةَ نَقْضِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ يَصْرِفَهُ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيُعْطِي قِيمَةَ النَّقْضِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يُعْطِيه ذَلِكَ مِنْ صَرْفِ الْمَالِكِ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ لَا مَضَرَّةَ فِي إحْيَائِهِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمُحْيِي لَا يَسْتَضِرُّ أَهْلُ الْعِمَارَةِ
следующие страницы →