← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] ذَلِكَ الْمِلْكِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ تَمْلِيكِهَا غَيْرَهُ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ لِلسَّيِّدِ اسْتِخْدَامَ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ وَحُكْمُهُمْ حُكْمُهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لَهُ اسْتِخْدَامُ الْأُمِّ، وَوَجْهُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي نَفْيِ اسْتِخْدَامِهَا أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ بَيْعِهِ لَهَا وَلَا تُعْتَقُ فِي ثُلُثِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِخْدَامُهَا كَالْحُرَّةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ لَهُ أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى النِّكَاحِ أَمْ لَا كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ أُمَّ وَلَدِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ إنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ أُمَّ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِيهَا إلَّا الِاسْتِمْتَاعُ دُونَ سَائِرِ الْمَنَافِعِ فَكَرِهَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَإِنْ رَضِيَتْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِالزَّوْجَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهُ فِيهَا إلَّا الِاسْتِمْتَاعُ وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ مَعَ بَقَاءِ ذَلِكَ السَّبَبِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهَا وَبِهَذَا أَخَذَ جَمِيعُ أَصْحَابِ مَالِكٍ. (فَرْعٌ) فَإِنْ زَوَّجَهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا أَفْسَخُهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ وَلِيٌّ لَهَا فَجَازَ إنْكَاحُهُ لَهَا كَمَا لَوْ نَفَذَ عِتْقُهَا وَكَمُلَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إجْبَارِهَا عَلَى النِّكَاحِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ لَهُ أَنْ يُكْرِهَ أُمَّ وَلَدِهِ عَلَى النِّكَاحِ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَثَبَتَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا بِرِضَاهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا أَمَةٌ يَمْلِكُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَمَلَكَ إجْبَارَهَا عَلَى النِّكَاحِ كَالْأَمَةِ الْقِنِّ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا ثَبَتَ لَهَا سَبَبُ حُرِّيَّةٍ يَمْنَعُهُ رَهْنَهَا وَإِجَارَتَهَا فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَهُ إجْبَارَهَا عَلَى النِّكَاحِ كَالْمُكَاتَبَةِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ بِالْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَعَلَى السَّيِّدِ الْإِنْفَاقُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ فَإِنْ أَعْسَرَ فَهَلْ تُعْتَقُ عَلَيْهِ لِلْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ أَمْ لَا وَفِي كِتَابِ الرِّقِّ لَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ اللَّبَّادِ: سَأَلْت عَنْهَا يَحْيَى بْنَ عُمَرَ وَقُلْت لَهُ: تَعْمَلُ وَتُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهَا، قَالَ لِي: إنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفَقَتِهَا مَا يَكْفِيهَا قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ أَرَى أَنْ تُعْتَقَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَذَا قَالَ أَشْهَبُ وَرَوَاهُ عَنْهُ الْأَنْدَلُسِيُّونَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: تُعْتَقُ عَلَيْهِ إذَا أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ، أَوْ غَابَ وَلَمْ يَتْرُكْ مَا لَا يُنْفِقُ لَهُ عَلَيْهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَرَوِيُّونَ أَنَّهَا تَتَوَصَّلُ إلَى تَحْصِيلِ نَفَقَتِهَا مَعَ إبْقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ بِأَنْ تُزَوَّجَ مِمَّنْ يُنْفِقُ عَلَيْهَا وَبِهَذَا فَارَقَتْ الزَّوْجَةُ فَإِنَّهَا لَا تَتَوَصَّلُ إلَى تَحْصِيلِ النَّفَقَةِ بِالنِّكَاحِ مَعَ بَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا بَقِيَتْ عَلَى الرِّقِّ فَجَازَ أَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَنْهَا بِالْإِعْسَارِ كَالْأَمَةِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِيهَا غَيْرُ الِاسْتِمْتَاعِ كَالزَّوْجَةِ. (فَرْعٌ) وَلَوْ غَابَ عَنْهَا سَيِّدُهَا فَلَمْ يَتْرُكْ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا فَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ تُعْتَقُ عَلَيْهِ وَلَا يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّ زَوَاجَهَا مَكْرُوهٌ وَلَا يُؤْمَرُ بِهِ السَّيِّدُ فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِهِ الْحَاكِمُ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ تُزَوَّجُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ غَائِبًا وَيُزَوِّجُهَا هُوَ إنْ كَانَ حَاضِرًا وَعَجَزَ عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِي حُكْمِ مَالِهَا فِي حَيَاتِهِ] (الْبَابُ الرَّابِعُ فِي حُكْمِ مَالِهَا فِي حَيَاتِهِ) فَإِنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهَا مَا لَمْ يَمْرَضْ؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ بَقَاءً تَسْتَحِقُّ بِهِ النَّفَقَةَ، وَيُبِيحُ لَهُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا فَكَانَ لَهُ انْتِزَاعُ مَالِهَا أَصْلُ ذَلِكَ الْأَمَةُ حَالَ الرِّقِّ وَلَيْسَ لَهُ انْتِزَاعُ مَالِهَا إذَا مَرِضَ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: إذَا اشْتَدَّ مَرَضُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ انْتِزَاعُهُ كَمَا لَيْسَ لَهُ إخْرَاجُ مَالِهِ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ إبْقَاءً عَلَى وَرَثَتِهِ لِقُرْبِ وَقْتِ اسْتِحْقَاقِهِمْ لَهُ كَالْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَنْتَزِعَ مَالَهُ مَا لَمْ يَقْرُبْ الْأَجَلُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ مَنْ تَقَرَّرَ مِلْكُهُ عَلَى مَالٍ بِمَوْتِ إنْسَانٍ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ انْتِزَاعَهُ مِنْهُ فِي مَرَضِهِ كَالْوَارِثِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ أَفْلَسَ السَّيِّدُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَيْسَ لِغُرَمَائِهِ أَخْذُ مَالِ أُمِّ وَلَدِهِ وَلَا أَنْ يُجْبِرُوا السَّيِّدَ عَلَى ذَلِكَ وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ انْتِزَاعَ مَالِ أُمِّ الْوَلَدِ بِمِلْكٍ لِمَا يَمْلِكُهُ بِاخْتِيَارِهِ لِيَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ السَّيِّدُ كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ. [الْبَابُ الْخَامِسُ فِي حُكْمِهَا وَحُكْمِ مَالِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ] ١

стр. 1647

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَاذَا تَصِيرُ الْأَمَةُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ] ــ [المنتقى] الْبَابُ الْخَامِسُ فِي حُكْمِهَا وَحُكْمِ مَالِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ) أَمَّا حُكْمُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّهَا تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ فَإِنَّهَا حُرَّةٌ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ وِلَادَتُهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ فَأَمَّا إذَا تُوُفِّيَ وَهِيَ حَامِلٌ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ وَفِي الْوَاضِحَةِ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْحَمْلُ بَيِّنًا فَقَدْ تَمَّتْ حُرْمَتُهَا فِي الشَّهَادَةِ وَالْمُوَارَثَةِ وَالْقِصَاصِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ قَدْ يَظْهَرُ الْبَطْنُ وَيَقُولُ النِّسَاءُ هُوَ حَمْلٌ ثُمَّ يَنْفُشُ فَقَالَ إذَا ظَهَرَ وَاسْتَوْفَى تَمَّتْ حُرِّيَّتُهَا قَبْلَ أَنْ تَضَعَ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَقِيلَ عَنْ الْمُغِيرَةِ تُوقَفُ أَحْكَامُهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُوجِبَ إكْمَالُ حُرِّيَّتِهَا بِتَيَقُّنِ الْحَمْلِ بِهَا مَعَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَقَدْ وُجِدَا فَوَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ بِكَمَالِ حُرْمَتِهَا وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجُوزُ مِنْ انْفِشَاشِهِ كَالْحَيْضِ يُحْكَمُ بِظُهُورِهِ عَلَى وَجْهِ الْعِدَّةِ، أَوْ الِاسْتِبْرَاءِ بِانْتِفَاءِ الْحَمْلِ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ وُجُودُ الْحَمْلِ مَعَ وُجُودِ الْحَيْضِ وَتَكَرُّرِهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ أَنَّ الْحَمْلَ قَدْ يَظْهَرُ ثُمَّ يَنْفُشُ فَلَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْحَمْلِ إلَّا بِالْوِلَادَةِ، أَوْ الْإِسْقَاطِ فَيَجِبُ أَنْ تُوقَفَ أَحْكَامُهَا حَتَّى يُوجَدَ أَحَدُهُمَا، أَوْ يُعْدَمَ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا تُوُفِّيَ السَّيِّدُ فَمَالُ أُمِّ الْوَلَدِ تَبَعٌ لَهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ مُعْتَقٍ يَتْبَعُهُ مَالُهُ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مِلْكٍ إلَى غَيْرِ مِلْكٍ فَيَتْبَعُهُ مَالُهُ كَالْعَبْدِ يَعْتِقُهُ سَيِّدُهُ، وَأَمَّا مَا كَانَ لَهَا مِنْ حُلِيٍّ، أَوْ مَتَاعٍ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَهَا الْأَمْرُ الْمُسْتَنْكَرُ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ لَهَا مِنْ ثِيَابٍ إذَا عَرَفَ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُهَا وَتَسْتَمْتِعُ بِهَا فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَيِّنَةٌ عَلَى أَصْلِ الْعَطِيَّةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ مَا كَانَ فِي ابْتِذَالِهَا وَلُبْسِهَا فَهُوَ الَّذِي يَكُونُ لَهَا مِنْهُ مَا لَا يَسْتَنْكِرُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ لُبْسِهَا لَهُ وَابْتِذَالِهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عَنْ مِلْكٍ، وَأَمَّا مَا يُسْتَنْكَرُ مِثْلُهُ مِمَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الْهِبَةَ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ أَنْ تَلْبَسَهُ وَتَتَجَمَّلَ لَهُ فَإِنْ عَرَفَ أَنَّ السَّيِّدَ قَدْ وَهَبَهُ، أَوْ غَيْرَهُ، أَوْ مَلَكَتْهُ بِأَيِّ وَجْهٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهَا مَا كَانَ. وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَا أَعْطَاهَا سَيِّدُهَا مِنْ حُلِيٍّ وَثِيَابٍ فَذَلِكَ لَهَا إذَا مَاتَ وَمَا أَوْدَعَهَا مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ كُلِّفَتْ الْبَيِّنَةَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعِ النِّسَاءِ بِخِلَافِ الْحُرَّةِ، وَأَمَّا الْفِرَاشُ وَالْحُلِيُّ وَاللِّحَافُ وَالثِّيَابُ الَّتِي عَلَى ظَهْرِهَا فَذَلِكَ لَهَا يُرِيدُ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ فِي لِبَاسِهَا وَابْتِذَالِهَا فَذَلِكَ لَهَا دُونَ بَيِّنَةٍ وَلَا يَكُونُ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إذَا جَنَتْ ضَمِنَ سَيِّدُهَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ قِيمَتِهَا الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بَيْنَهَا رَاجِعٌ إلَى الْجِنَايَةِ، وَفِي قَوْلِهِ قِيمَتِهَا رَاجِعٌ إلَى الْوَلَدِ الْجَانِيَةُ يُرِيدُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَفْتَدِيَهَا بِالْأَقَلِّ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهَا، أَوْ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْلِكَهَا غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَهَا، وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً لَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْتَدِيَهَا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ يُسَلِّمُهَا بِقِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ إسْلَامِهَا. (فَرْعٌ) وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي تَقْوِيمِهَا فَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمُوَازَنَةِ خَالَفَنِي ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْمُغِيرَةُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ جَنَتْ فَرَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَتَمَادَى الْمُغِيرَةُ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْحُكْمِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهَا تُقَوَّمُ فَهَلْ تُقَوَّمُ بِمَالِهَا، أَوْ بِغَيْرِ مَالِهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ تُقَوَّمُ بِغَيْرِ مَالِهَا وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى الْبَرْقِيُّ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ تُقَوَّمُ بِغَيْرِ مَالِهَا، وَأَنَا أَرَى أَنْ تُقَوَّمَ بِمَالِهَا وَبِهِ قَالَ الْمُغِيرَةُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْأَمَةَ الْجَانِيَةَ إذَا لَمْ تُسَلَّمْ لِيَمْلِكَهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِلْجِنَايَةِ بِهَا تَعَلُّقٌ بِمَالِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قُتِلَ عَبْدٌ فَاقْتُصَّ مِنْهُ فَإِنَّ مَالَهُ يَبْقَى لِسَيِّدِهِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا، وَلَوْ عَفَا عَنْ قَتْلِهِ وَأَسْلَمَهُ لِيُمْلَكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فَمَرَّةً قَالَ يَتْبَعُهُ مَالُهُ وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَشْهَبُ وَمَرَّةً قَالَ لَا يَكُونُ مَالُهُ تَبَعًا لَهُ فَلَمَّا كَانَتْ أُمُّ الْوَلَدِ إذَا جَنَتْ لَمْ تُسَلَّمْ لَمْ تَتَعَلَّقْ الْجِنَايَةُ بِمَالِهَا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ الْمُغِيرَةُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً لَقُوِّمَتْ أَمَةً فَأُسْلِمَتْ لَأُسْلِمَتْ بِمَالِهَا فَكَذَلِكَ إذَا قُوِّمَتْ وَجَبَ أَنْ تُقَوَّمَ بِمَالِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ مَاتَتْ أُمُّ الْوَلَدِ بَعْدَ أَنْ جَنَتْ فَتَرَكَتْ مَالًا

стр. 1648

(الْقَضَاءُ فِي عِمَارَةِ الْمَوَاتِ) (ص) : (يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» قَالَ مَالِكٌ وَالْعِرْقُ الظَّالِمُ كُلُّ مَا اُحْتُفِرَ، أَوْ أُخِذَ، أَوْ غُرِسَ بِغَيْرِ حَقٍّ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) ــ [المنتقى] فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا شَيْءَ لِلْمَجْرُوحِ مِنْ مَالِهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً لَقُوِّمَتْ بِغَيْرِ مَالِهَا. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إنْ كَانَ مَالُهَا عَبْدًا أَدَّى مِنْهُ الْأَرْشَ فَإِنْ لَمْ يَفِ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ عَرَضًا خُيِّرَ سَيِّدُهَا فِي فِدَائِهِ، أَوْ إسْلَامِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُبْنَى عَلَى أَصْلِهِ فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ تُقَوَّمُ بِغَيْرِ مَالِهَا فَلَا تَتَعَلَّقُ عِنْدَهُ الْجِنَايَةُ بِمَالِهَا وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يَقُولُ تُقَوَّمُ بِمَالِهَا فَإِنَّ الْجِنَايَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَالِهَا فَإِنْ عُدِمَتْ أُمُّ الْوَلَدِ فَقَدْ بَقِيَ مَالُهَا وَالْجِنَايَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَهَا يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ فِدَائِهَا وَيَرْضَى بِإِسْلَامِهَا كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْأَمَةِ بَلْ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَفْتَدِيَهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّ فِي إسْلَامِهَا تَمْلِيكًا لَهَا وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَمَّلَ مِنْ جِنَايَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا يُرِيدُ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ جِنَايَةِ أُمِّ الْوَلَدِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا لَمْ يَلْزَمْ إلَّا قِيمَةُ أُمِّ الْوَلَدِ دُونَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِيمَةِ الْجِنَايَةِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ جِنَايَةً وَاحِدَةً فَإِنْ تَكَرَّرَتْ جِنَايَاتُهَا فَإِنَّ تَعَقُّبَ كُلِّ جِنَايَةِ الْحُكْمِ فِيهَا بِحُكْمِ الثَّانِيَةِ، وَمَا بَعْدَهَا حُكْمُ الْأُولَى عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ جَنَتْ جِنَايَاتٍ قَبْلَ الْقِيَامِ عَلَيْهَا ثُمَّ قَامَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِمْ فَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قِيمَتُهَا لِجَمِيعِ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ كَانَ أَرْشُهَا مِثْلَ قِيمَةِ أُمِّ الْوَلَدِ عَشْرَ مَرَّاتٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا لَمَّا كَانَ حُكْمًا وَاحِدًا كَانَ حُكْمُ جِنَايَاتِهَا حُكْمَ جِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمَةَ لَوْ جَنَتْ جِنَايَاتٍ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهَا إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهَا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ جِنَايَةٍ تَجْنِيهَا إلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِنْ جَنَتْ جِنَايَةً أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا أَدَّى الْقِيمَةَ ثُمَّ إنْ جَنَتْ أُخْرَى تَشَارَكَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فِي الْقِيمَةِ الْأُولَى فَرَجَعَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فِي حِصَّتِهِ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ مَا جَنَتْ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَا قَالَهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ لَا يَمْلِكُ الْأَرْشَ أَبَدًا؛ لِأَنَّهَا كُلَّمَا جَنَتْ رَجَعَ عَلَيْهِ فِيمَا أَخَذَ وَهِيَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَالْعَبْدُ إذَا جَنَى جِنَايَةً ثَانِيَةً لَمْ يَتَحَمَّلْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوَّلًا جِنَايَةً كَالْعَبْدِ الْقِنِّ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ عَلَى الْعَاقِلَةِ شَيْءٌ مِنْ جِنَايَةِ أُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا أَمَةٌ وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ إلَّا جِنَايَةَ الْأَحْرَارِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ لَمْ يَفْتَدِهَا السَّيِّدُ أَعْتَقْنَاهَا عَلَيْهِ وَجُعِلَتْ دِيَةُ قَتِيلِهَا عَلَى عَاقِلَتِهَا وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ تَحَمُّلُ الْعَاقِلَةِ عَنْهَا بِحَالِهَا يَوْمَ جِنَايَتِهَا وَهِيَ يَوْمَ جِنَايَتِهَا أَمَةٌ. وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ لَوْ قُتِلَتْ خَطَأً ثُمَّ أُعْتِقَتْ لَمْ تَتَحَمَّلْ الْعَاقِلَةُ دِيَتَهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ إذَا أُعْتِقَتْ بِشَيْءٍ مِنْ جِنَايَتِهَا وَذَلِكَ إذَا أُقِيمَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ فَحُكِمَ عَلَى السَّيِّدِ بِالْقِيمَةِ وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ ثُمَّ عَتَقَتْ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهَا إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِعَيْنِهَا دُونَ ذِمَّتِهَا، وَأَمَّا إذَا جَنَتْ جِنَايَةً فَقَبْلَ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ تُوُفِّيَ سَيِّدُهَا فَعَتَقَتْ بِمَوْتِهِ وَلَهَا مَالٌ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمُزَنِيَّة، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَالٌ وَلَا مَالَ لِلسَّيِّدِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا شَيْءٌ قَدْ وَجَبَ عَلَى السَّيِّدِ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ قِيَم عَلَى السَّيِّدِ أَمْ لَا. [الْقَضَاءُ فِي عِمَارَةِ الْمَوَاتِ وَفِيهِ أَبْوَاب] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الْأَرْضِ الَّتِي تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ] (ش) : مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» إحْيَاءُ الْأَرْضِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عِمَارَتُهَا وَمَوْتُهَا تَبَوُّرُهَا وَعَدَمُ

стр. 1649

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الِانْتِفَاعِ بِهَا عَلَى وَجْهِ الزِّرَاعَةِ وَالْحَرْثِ وَالْبُنْيَانِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ مَوْتُ الْأَرْضِ بِمَعْنَى عَدَمِ سَقْيِهَا وَتَعَذُّرِ نَبَاتِهَا وَحَيَاتُهَا سَقْيُهَا وَظُهُورُ نَبَاتِهَا قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠] . وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كُلُّ مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ فَلَيْسَ بِمَوَاتٍ وَمَا بَعُدَ مِنْهُ وَلَمْ يُمْلَكْ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ مَوَاتٌ وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ لَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِيثِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فِيمَنْ أَحْيَا مَا بَعُدَ وَقَرُبَ فَخَصَّ مِنْهُ مَنْ أَحْيَا مَا قَرُبَ بِدَلِيلٍ ظَهَرَ إلَيْهِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا بَعُدَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ لَفْظَ الْأَرْضِ لَمَّا وَرَدَ مُنْكَرًا لَمْ يَقْتَضِ الْعُمُومَ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ مَا بَعُدَ دُونَ مَا قَرُبَ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْوَجْهَيْنِ وَأَنْكَرَ سَحْنُونٌ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا. وَقَالَ: الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَعِنْدِي أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا يَحْتَمِلُ مَا رَوَى عَنْهُ سَحْنُونٌ مِنْ قَوْلِهِ الْمَعْرُوفِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَالِكٌ مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي فَيَافِي الْأَرْضِ وَمَا بَعُدَ مِنْ الْعُمْرَانِ، وَهَذَا الْقَوْلُ يَحْتَمِلُ مِنْ التَّأْوِيلِ مَا يَحْتَمِلُهُ قَوْلُ سَحْنُونٍ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِي أَنْكَرَهُ سَحْنُونٌ حَمْلُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِحْيَاءُ فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ بِالْإِحْيَاءِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَمْلِكَهُ الْإِمَامُ عَلَى وَجْهِ الْإِقْطَاعِ. وَقَدْ رَوَى سَحْنُونٌ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ لَا يُحْيِيه إلَّا بِقَطِيعَةٍ وَنَحْوِهَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا عَمُرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عِمَارَةً وُرِثَتْ فِي الْإِسْلَامِ فَذَلِكَ الْمَوَاتُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ ﷺ «مَنْ أَحْيَاهَا فَهِيَ لَهُ» يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ مِلْكَهُ لَهُ، وَفِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ:. الْأَوَّلُ: فِي صِفَةِ الْأَرْضِ الَّتِي تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ. وَالْبَابُ الثَّانِي: فِي صِفَةِ الْمُحْيِي لَهَا وَحُكْمِهِ. وَالْبَابُ الثَّالِثُ: فِي صِفَةِ الْإِحْيَاءِ. وَالْبَابُ الرَّابِعُ: فِي حُكْمِ مَا أُحْيِيَ مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ مَاتَ. وَالْبَابُ الْخَامِسُ: فِي حُكْمِ الْأَرْضِ الْمَوَاتِ وَالْإِبْرَازِ فِي الْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الْأَرْضِ الَّتِي تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ) . قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ الْأَرْضُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: عَنْوَةٍ، أَوْ صُلْحٍ، أَوْ مِمَّا أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، فَأَمَّا الْعَنْوَةُ فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ مَوَاتٍ وَشِعَارٍ لَمْ تَعْتَمِلْ وَلَا جَرَى فِيهَا مِلْكٌ لِأَحَدٍ فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا كَذَلِكَ أَرْضُ الصُّلْحِ مَا كَانَ مِنْهَا مَوَاتًا لَمْ يُعْمَلْ وَلَا حِيزَ بِعِمَارَةٍ فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا، وَأَمَّا مَا أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا وَمَلَكُوهَا فَإِنَّهَا عَلَى مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ وَهِيَ تُمْلَكُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ مَحْدُودَةً وَلَهَا مَالِكٌ مَعْرُوفٌ مَخْصُوصٌ وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ مِنْ الْأَوْدِيَةِ وَالْمَرَاعِي لَيْسَتْ بِمَحْدُودَةٍ وَلَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهَا لَا تُمْلَكُ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلْمَرَافِقِ وَالْمَنَافِعِ فَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ الْأَعْرَابِ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إلَّا لِمَعْنَى التَّفْسِيرِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا فِيمَا ذَكَرَهُ وَاحِدٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَجْهٍ مُلِكَتْ بِهِ الْأَرْضُ مِنْ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّمَا يُمْلَكُ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمِلْكِ لَهُ إمَّا بِمِلْكِ الرِّقَابِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، أَوْ الْعُمُومِ، أَوْ مِلْكِ الْمَنَافِعِ عَلَى الْوَجْهِ الْعَامِّ وَبِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنْهَا يَتَعَلَّقُ الْمِلْكُ وَالْحُقُوقُ دُونَ الْفَيَافِي وَالْقِفَارِ فَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ لِأَحَدٍ فَهِيَ لَهُ بِالْإِحْيَاءِ دُونَ غَيْرِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَا كَانَ مِنْ بِئْرِ مَاشِيَةٍ فَلَا يَغْرِسُ أَحَدٌ عَلَيْهِ غَرْسًا وَلَا يُحْيِي عَلَيْهِ حَقًّا قَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ بِئْرَ الْمَاشِيَةِ مِمَّا يَمْلِكُ أَهْلُهُ الِانْتِفَاعَ بِهِ وَمَا مَلَكَ قَوْمٌ الِانْتِفَاعَ بِهِ عَلَى وَجْهِ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُبْطِلَ حَقَّهُمْ مِنْهُ بِالْإِحْيَاءِ كَالْمَرَاعِي الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَاهَا. (مَسْأَلَةُ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْمَوَاتُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ يَبْعُدُ مِنْ الْعُمْرَانِ وَضَرْبٌ يَقْرُبُ فَأَمَّا مَا بَعُدَ مِنْ

стр. 1650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْعُمْرَانِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُحْيِيه بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْيِيَ مَوَاتًا مِنْ الْأَرْضِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ. وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» وَهَذَا عَامٌّ فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ أَرْضٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لِغَيْرِ الْمُحْيِي فَلَمْ يَحْتَجْ فِي إحْيَائِهَا إلَى إذْنِ الْإِمَامِ كَمَا لَوْ مَلَكهَا الْمُحْيِي. (فَرْعٌ) فَإِنْ عَمَّرَهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ مَالِكٍ مَا عَلِمْت اخْتِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً بَعِيدَةً مِنْ الْعِمَارَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيْنٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ إنْ عَمَّرَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَهُوَ لَهُ. وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَقْتَطِعُ الْمَوَاتَ الْبَعِيدَ فَيُحْيِيه بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ فَإِنْ رَأَى أَنْ يُقِرَّهُ أَقَرَّهُ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُخْرِجَهُ أَخْرَجَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الَّتِي تَقْرُبُ مِنْ الْعُمْرَانِ فَلَا يُحْيِيهَا أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ رَوَاهُ سَحْنُونٌ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَشْهَبَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ يُحْيِيهَا مَنْ شَاءَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ أَشْهَبَ قَالَ سَحْنُونٌ وَبِهِ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» وَاَلَّذِي يُحْيِي بِقُرْبِ الْعُمْرَانِ قَدْ يَظْلِمُ فِي إحْيَائِهِ وَيَسْتَضِرُّ النَّاسُ بِذَلِكَ لِتَضْيِيقِهِ عَلَيْهِمْ فِي مَسَارِحِهِمْ وَعِمَارَتِهِمْ وَمَوَاضِعِ مَوَاشِيهِمْ وَمَرْعَى أَغْنَامِهِمْ فَاحْتَاجَ إلَى نَظَرِ الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ فِي ذَلِكَ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ. وَقَدْ أَقْطَعَ عُمَرُ الْعَقِيقَ وَهُوَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ وَاحْتَجَّ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ لِقَوْلِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ» وَذَلِكَ عَامٌّ فِيمَا قَرُبَ، أَوْ بَعُدَ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ لَا فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى أَحَدٍ. (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا أَنَّهُ لَا يُحْيِي إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَأَحْيَا رَجُلٌ أَرْضًا قَرِيبَةً مِنْ الْعُمْرَانِ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ الْإِمَامِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ نَظَرَ الْإِمَامُ فَإِنْ رَأَى إبْقَاءَهُ لَهُ فَعَلَ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُزِيلَهُ وَيُعْطِيَهُ غَيْرَهُ، أَوْ يَبِيعَهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَعَلَ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ أَصْبَغُ: إنْ أَحْيَاهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أَمْضَيْته لَهُ وَلَمْ يُنْقَضْ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ وَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ عَمَّرَهُ لَا يَكُونُ لَهُ بِغَيْرِ قَطِيعَةٍ مِنْ الْإِمَامِ. وَقَدْ رَوَى سَحْنُونٌ عَنْ مَالِكٍ لَا يُحْيِيهِ أَحَدٌ إلَّا بِقَطِيعَةٍ مِنْ الْإِمَامِ فَيَحْتَمِلُ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ هَذَا الْمَعْنَى مَنْ يَمْلِكُهُ بِالْإِحْيَاءِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ قَالَ مَا بَعُدَ عَنْ الْإِمَامِ فَلَا يُعَمَّرُ إلَّا بِأَمْرِ الْإِمَامِ وَمَا قَرُبَ مِنْ الْإِمَامِ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ بِغَيْرِ قَطِيعَةٍ مِنْ الْإِمَامِ فَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالْإِقْطَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْإِمَامِ مَنْعُهُ بِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إلَّا إذَا أَبَاحَهُ لَهُ لِكَوْنِهِ أَصْلًا لَهُ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ إذَا تَعَدَّى وَعَمَّرَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لِكَوْنِ النَّظَرِ فِيهِ لِلْإِمَامِ بَاقِيًا وَلَا يُخْرِجُهُ بِتَعَدِّيهِ فِيهِ وَسَبْقِهِ إلَيْهِ عَنْ نَظَرِ الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ يَقْتَضِي مَذْهَبَ أَشْهَبَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مُشَاوَرَةُ الْإِمَامِ وَاسْتِئْذَانُهُ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ تَمَلُّكِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْعُمْرَانِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي إحْيَائِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ لَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِيثِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُزِيلَهُ عَنْهُ فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يُعْطِيه قِيمَةَ عَمَلِهِ مَنْقُوضًا أَوْ يُعْطِيه إيَّاهُ بَعْدَ أَمْرِهِ بِقَلْعِهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْعَمَلِ فِيهِ وَأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَيُعْطِيه قِيمَةَ نَقْضِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ يَصْرِفَهُ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيُعْطِي قِيمَةَ النَّقْضِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يُعْطِيه ذَلِكَ مِنْ صَرْفِ الْمَالِكِ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ لَا مَضَرَّةَ فِي إحْيَائِهِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمُحْيِي لَا يَسْتَضِرُّ أَهْلُ الْعِمَارَةِ

стр. 1651

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بِهِ، أَوْ يَكُونُ هُوَ أَصْلَحَ لَهُمْ مِنْ غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ كَانَ لِلْإِمَامِ إذَا أَحْيَا بِغَيْرِ إذْنِهِ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَسْتَضِرُّ بِمُجَاوَرَتِهِ، أَوْ مِمَّنْ يَكُونُ أَحْسَنَ مُجَاوَرَةً مِنْهُ. (فَرْعٌ) وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا فِي الْفَيَافِي فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُحْيِي بِالْقُرْبِ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ قَالَهُ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِالْإِحْيَاءِ عُمْرَانًا فَلَا يُعَمِّرُ بِقُرْبِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَا حَدُّ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ الْمَذْكُورَيْنِ قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: مَا رَأَيْت مَنْ وَقَّتَ فِيهِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمَا كَانَ مِنْ الْعِمَارَةِ عَلَى يَوْمٍ وَمَا لَا تُدْرِكُهُ الْمَوَاشِي فِي غُدُوِّهَا وَرَوَاحِهَا فَأَرَاهُ مِنْ الْبَعِيدِ، وَأَمَّا مَا تُدْرِكُهُ الْمَوَاشِي فِي غُدُوِّهَا وَرَوَاحِهَا، أَوْ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلًا مِمَّا فِيهِ الرِّفْقُ لِأَهْلِ الْعِمَارَةِ فَهُوَ الْقَرِيبُ يَدْخُلُهُ نَظَرُ السُّلْطَانِ فَلَا يَحْيَا إلَّا بِإِذْنِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الْحَدُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يَصِيحَ الصَّائِحُ مِنْ طَرَفِ الْعُمْرَانِ فَلَا يَسْمَعُ مَنْ بِالْمَوْضِعِ الْآخَرِ صَوْتَهُ، وَمَا قَالَهُ سَحْنُونٌ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِارْتِفَاقِ أَهْلِ الْعُمْرَانِ بِالْمَسْرَحِ وَالْمِحْطَبِ دُونَ سَمْعِ الصَّوْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا الْقَوْلُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ. (فَرْعٌ) وَبِمَاذَا يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ يَجْتَهِدُ فِيهِ الْإِمَامُ وَيُشَاوِرُ فِيهِ أَهْلَ الْقُرَى. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَنْظُرُ الْإِمَامُ مِمَّا كَانَ قُرْبَ الْعُمْرَانِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى ضَرَرٌ فِي مَسْرَحٍ، أَوْ مَرْعًى أَوْ مِحْطَبٍ وَنَحْوِهِ مُنِعَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ أَمْضَاهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا: إنَّهُ يَنْظُرُ مَعَ ذَلِكَ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ مُجَاوَرَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَفِي الْمُزَنِيَّة فِي غَنِيٍّ اقْتَطَعَ مَوَاتًا بَعِيدًا فَأَحْيَاهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْإِمَامِ يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ، وَإِنْ أَحْيَا فِيمَا يَقْرُبُ مِنْ الْعُمْرَانِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَكَانَ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنْهُ مَنَعَهُ إيَّاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ إلَيْهِ أَقَرَّهُ فِي يَدَيْهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقْطِعَ الْإِمَامُ الْأَغْنِيَاءَ إذَا كَانَ قَدْ أَقْطَعَ الْفُقَرَاءَ مَا يَكْفِيهِمْ فَاعْتُبِرَ بِالْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَلَعَلَّ هَذَا الِاعْتِبَارَ مَقْصُورٌ عَلَى الْإِقْطَاعِ دُونَ الْإِحْيَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ لَا يَمْلِكُ بِهِ الْأَرْضَ إلَّا بِالِارْتِفَاقِ وَالْعَمَلِ فَالْغَنِيُّ أَقْدَرُ عَلَيْهِ وَالْإِقْطَاعُ يُمَلِّكُ الْأَرْضَ دُونَ عَمَلٍ وَلَا نَفَقَةٍ فَالْفَقِيرُ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنْ الْغَنِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْمُحْيِي لِلْأَرْضِ وَحُكْمِهِ] ١ (الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْمُحْيِي لِلْأَرْضِ وَحُكْمِهِ) وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحْيِيَ لِلْأَرْضِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَحُكْمُهُ مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ هِيَ لَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ» . (فَرْعٌ) فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الذِّمِّيَّ يُحْيِي فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ ذَلِكَ فِيمَا بَعُدَ مِنْ الْعُمْرَانِ فَأَمَّا فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُ وَيُعْطِي قِيمَةَ مَا عَمَّرَ؛ لِأَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ بِمَنْزِلَةِ الْفَيْءِ وَالذِّمِّيُّ لَاحِقٌ لَهُ فِي الْفَيْءِ، وَكَذَلِكَ إنْ عَمَّرَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ كُلِّهِ وَالنَّجُودِ وَالْيَمَنِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا وَيُعْطَى قِيمَةَ عِمَارَتِهِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَفِي هَذَا الْقَوْلِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْفَيْءِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَمَلُّكُهُ وَاقْتِسَامُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمُ الْفَيْءِ مِنْ الْأَرْضِ عِنْدَ مَالِكٍ وَيَلْزَمُهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ لَا يَصِحَّ إحْيَاؤُهُ مِنْ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ وَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ لَمْ يَفْتَتِحْ ذَلِكَ الْبَلَدَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْفَيْءِ. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ حُكْمَهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَبْعُدْ كَمَا أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي إحْيَاءِ مَا بَعُدَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي عَلَى قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ اسْتَأْذَنَهُ فِي ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا نَظَرَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِيهِ لِلْمُحْيِي وَلِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ مَضَرَّةٌ فَمِنْ حَقِّ الْمُسْتَأْذِنِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مَضَرَّةٌ فَمِنْ حَقِّهِمْ

стр. 1652

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَنْ يَمْنَعَهُ وَفِي إحْيَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مَا قَرُبَ مِنْ مَوَاطِنِهِمْ وَعِمَارَتِهِمْ مَضَرَّةٌ فَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فَإِنْ تَعَدَّى وَعَمَّرَ بِغَيْرِ إذْنٍ نَظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ بِإِخْرَاجِهِ مِنْهُ بِأَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ نَقْضِهِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ مَالِ مَنْ يُصْرَفُ إلَيْهِ أَوْ يُؤْمَرُ بِفِعْلِهِ وَلَا تَسُوغُ الْمُشَارَكَةُ إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ لِأَحَدٍ وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي مَنْعِ إحْيَائِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ إحْيَاءِ الْأَرْضِ] ١ (الْبَابُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ إحْيَاءِ الْأَرْضِ) قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابُ ابْنِ سَحْنُونٍ إحْيَاءُ الْأَرْضِ أَنْ يَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا أَوْ يُجْرِيَ عَيْنًا، وَمِنْ الْإِحْيَاءِ غَرْسُ الشَّجَرِ وَالْبُنْيَانُ وَالْحَرْثُ فَمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ إحْيَاءٌ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: إنَّ الْإِحْيَاءَ حَفْرُ الْآبَارِ وَشَقُّ الْعُيُونِ وَغَرْسُ الشَّجَرِ وَبِنَاءُ الْبُنْيَانِ وَتَسْيِيلُ مَاءِ الرَّدْغَةِ مِنْ الْأَرْضِ وَقَطْعُ الْحِيَاضِ وَالْفَحْصُ عَنْ الْأَرْضِ بِمَا تَعْظُمُ مُؤْنَتُهُ وَتَبْقَى مَنْفَعَتُهُ حَتَّى يَصِيرَ مَالًا يُعْتَدُّ بِهِ، فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ إحْيَاءٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الرَّعْيُ فَلَا يَكُونُ إحْيَاءً قَالَهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا. وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ: مَنْ نَزَلَ أَرْضًا فَرَعَى مَا حَوْلَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ وَذَلِكَ إحْيَاءٌ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَثَرٌ بَاقٍ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حَالُ سَائِرِ الْأَرَضِينَ الْمَبُورَةِ فَلَا يَكُونُ إحْيَاءً كَالْمُبْتَنَى فِيهَا، وَاحْتَجَّ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ بِأَنَّهُمْ قَدْ رَعَوْا وَيَنْتَظِرُونَ أَنْ يَرْعُوا وَاحْتَجَّ فِي الْمَجْمُوعِ بِالْمَعْدِنِ يَحُوزُهُ رَجُلٌ بِالْعَمَلِ فِيهِ فَإِنَّهُ لَهُ مَا أَقَامَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هَذَا، وَإِنْ لَمْ يُعْجِبْ سَحْنُونًا قَوْلُ أَشْهَبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ حَفْرُ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ إحْيَاءٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا لَا يُعْمَلُ لِمَعْنَى إحْيَاءِ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا يُعْمَلُ لِمَنَافِعِ الْمَاشِيَةِ كَالرَّاعِي. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ التَّحْجِيرُ إحْيَاءً قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَغَيْرِهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّحْجِيرَ لَيْسَ فِيهِ إحْيَاءٌ لِلْأَرْضِ وَلَا مَنْفَعَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْعٌ لِغَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا وَإِلَّا فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى صِفَتِهَا قَبْلَ التَّحْجِيرِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ يُحَجِّرُ أَرْضًا لِغَيْرِهِ مِنْ الْعُمْرَانِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ لَا يَكُونُ أَوْلَى بِهَا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ يُحَجِّرُهَا لِيَعْمَلَ فِيهَا إلَى أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ لِيُمْكِنَهُ الْعَمَلُ لِيُبْسِ الْأَرْضِ، أَوْ لِغَلَاءِ الْأَجْرِ وَنَحْوِ هَذَا مِنْ الْعُذْرِ الَّذِي يُؤَخِّرُ لَهُ النَّاسُ فَذَلِكَ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ يُحَجِّرُ مَا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ فَلَهُ مِنْهُ مَا عَمَّرَ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِيمَنْ حَجَّرَ أَرْضًا وَلَمْ يُعْمِرْهَا أَنَّهُ يَنْتَظِرُ بِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَأَرَاهُ حَسَنًا. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِي حُكْمِ مَنْ أَحْيَا مِنْ الْأَرَضِينَ ثُمَّ مَاتَ وَعَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ] (الْبَابُ الرَّابِعُ فِي حُكْمِ مَنْ أَحْيَا مِنْ الْأَرَضِينَ ثُمَّ مَاتَ وَعَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ) الْأَرَضُونَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ يُفْتَتَحُ مِلْكُهُ وَضَرْبٌ يُتَمَلَّكُ عَنْ مَالِكٍ، فَأَمَّا مَا اُفْتُتِحَ مِلْكُهُ فَعَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إقْطَاعُ الْإِمَامِ، وَالثَّانِي: الْإِحْيَاءُ فَأَمَّا مَا مُلِكَ بِإِقْطَاعٍ مِنْ الْإِمَامِ الْعُتْبِيَّةُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ أَرْضًا بِقُرْبِ الْعُمْرَانِ كَانَتْ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْمُرْهَا، وَيَبِيعُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ وَيُورَثُ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الَّذِي يُقْطِعُهُ الْإِمَامُ أَرْضًا فَلَمْ يَقْوَ عَلَى عِمَارَتِهَا لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَتَصَدَّقَ بِهَا مَا لَمْ يُنْظَرْ فِي عَجْزِهِ عَنْهَا فَيُقْطِعُهَا غَيْرَهُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْإِقْطَاعَ عِنْدَهُ مَعْنَى التَّمْلِيكِ الثَّانِي لَا يَفْتَقِرُ إلَى عِمَارَةٍ كَالْبَيْعِ وَالْمِيرَاثِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْإِقْطَاعَ إنَّمَا هُوَ إذْنٌ فِي الْإِحْيَاءِ وَمِنْ شَرْطِ ذَلِكَ الْعِمَارَةُ فَأَمَّا مَا افْتَتَحَ مِلْكَهَا بِالْإِحْيَاءِ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى عَفَتْ آثَارُهَا وَهَلَكَتْ أَشْجَارُهَا وَطَالَ زَمَانُهَا ثُمَّ أَحْيَاهَا غَيْرُهُ أَنَّهَا لِلثَّانِي. وَقَالَ سَحْنُونٌ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَقَدْ مَلَكَهَا وَلَا تَخْرُجُ مِنْ يَدِهِ لِتَعْطِيلِهِ لَهَا، وَإِنْ عَمَرَهَا غَيْرُهُ فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ

стр. 1653

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مِنْ أَنَّ مَنْ مَلَكَ الْمُبَاحَ خَرَجَ عَنْ يَدِهِ حَتَّى عَادَ إلَى أَصْلِهِ فَإِنَّهُ لِمَنْ يَمْلِكُهُ بَعْدَهُ كَالصَّيْدِ يَخْرُجُ مِنْ يَدِ صَائِدِهِ فَيَلْحَقُ بِالْوَحْشِ فَهُوَ لِمَنْ صَادَهُ بَعْدَهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ مَا لَا يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِهِ بِالتَّغْيِيرِ إذَا مُلِكَ بِالِابْتِيَاعِ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِالتَّغَيُّرِ إذَا تَمَلَّكَهُ عَنْ إبَاحَةٍ كَالثِّيَابِ وَذَلِكَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالصَّيْدِ أَنَّ الصَّيْدَ لَوْ ابْتَاعَهُ ثُمَّ نَفَرَ وَلَحِقَ بِالْوَحْشِ لَكَانَ لِمَنْ صَادَهُ بَعْدَهُ وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا ثُمَّ تَبَوَّرَتْ فَأَحْيَاهَا غَيْرُهُ بَعْدَهُ فَإِنَّهَا لِمَنْ اشْتَرَاهَا دُونَ مَنْ أَحْيَاهَا. (فَرْعٌ) وَسَوَاءٌ أَحْيَاهَا الْأَوَّلُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْإِذْنُ لَيْسَ بِمَعْنَى الْإِقْطَاعِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْإِقْطَاعِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا مُلِكَ مِنْ الْأَرْضِ بِشِرَاءٍ، أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ هِبَةٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، أَوْ خُطَّةٍ فَإِنَّهَا لِمَنْ مَلَكَهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْمُرْهَا وَيَبِيعُ ذَلِكَ وَيُورَثُ عَنْهُ فَإِنْ أَحْيَاهَا غَيْرُهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُحْيِيَ الثَّانِي مَا لَيْسَ لِلْأَوَّلِ مَنْعُهُ أَوْ مَا لِلْأَوَّلِ مَنْعُهُ، وَإِنْ أَحْيَا مَا لَيْسَ لِلْأَوَّلِ مَنْعُهُ فَهُوَ لِلثَّانِي، وَإِنْ أَحْيَا مَا لِلْأَوَّلِ مَنْعُهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمُحْيِي يَعْلَمُ ذَلِكَ، أَوْ لَا يَعْلَمُهُ فَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُقَالُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَعْطِهِ قِيمَةَ عِمَارَتِهِ إنْ أَبَى قِيلَ لِلْعَامِرِ أَعْطِهِ قِيمَةَ أَرْضِهِ فَإِنْ أَبَى كَانَا شَرِيكَيْنِ هَذَا بِقِيمَةِ أَرْضِهِ، وَهَذَا بِقِيمَةِ عِمَارَتِهِ وَذَكَرَ الْمُطَرِّفُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ وَالْمُغِيرَةِ وَابْنِ دِينَارٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ لَيْسَ لِلَّذِي عَمَرَ أَنْ يُعْطِيَ رَبَّ الْأَرْضِ قِيمَةَ أَرْضِهِ، وَلَكِنْ إذَا أَبَى رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ عِمَارَتِهِ كَانَتْ الْأَرْضُ بَيْنَهُمَا هَذَا بِقِيمَةِ أَرْضِهِ بَرَاحًا وَالْآخَرُ بِقِيمَةِ عِمَارَتِهِ قَائِمَةً وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ تُقَوَّمَ الْأَرْضُ مَبُورَةً ثُمَّ تُقَوَّمَ عَامِرَةً فَمَا زَادَتْ قِيمَتُهَا بِالْعِمَارَةِ فَالْعَامِلُ بِهِ شَرِيكٌ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ لِلثَّانِي حَقًّا ثَابِتًا فَكَانَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْآخَرُ قِيمَةَ حَقِّهِ كَصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْأَرْضَ أَصْلٌ ثَابِتٌ قَدِيمٌ وَعَمَلُ الثَّانِي وَارِدٌ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [الْبَابُ الْخَامِسُ فِي حُكْمِ الْأَرْضِ الْمَوَاتِ وَالْأَبْوَارِ فِي الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ] ١ (الْبَابُ الْخَامِسُ فِي حُكْمِ الْأَرْضِ الْمَوَاتِ وَالْأَبْوَارِ فِي الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ) الْأَبْوَارِ وَالشَّعَارَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ضَرْبٌ لَا تُحِيطُ بِهِ الْعِمَارَةُ وَضَرْبٌ تُحِيطُ بِهِ الْعِمَارَةُ وَضَرْبٌ يَكُونُ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَأَمَّا مَا لَا تُحِيطُ بِهِ الْعِمَارَةُ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ وَأَصْبَغُ لَا تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى قِسْمَتِهِ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الشَّعْرَاءَ الَّتِي تَقْرُبُ مِنْ الْقُرَى تَلْحَقُهَا الْمَاشِيَةُ فِي غُدُوِّهَا وَرَوَاحِهَا وَهِيَ لَهُمْ مَرَاعٍ وَمُحْتَطَبٌ فَلَا تَكُونُ لِمَنْ أَحْيَاهَا وَلِأَهْلِ تِلْكَ الْقُرَى قِسْمَتُهَا بَيْنَهُمْ وَأَنْكَرَ سَحْنُونٌ هَذَا. وَقَالَ الْمَعْرُوفُ لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ غَيْرُ هَذَا الْوَجْهِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيمَا بَعُدَ مِنْ الْعُمْرَانِ أَنْ يَحْيَا بِقَطِيعَةٍ مِنْ الْإِمَامِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا قَرُبَ فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُحْيِيَهُ دُونَ الْإِمَامِ. وَقَالَ آخَرُونَ لَا يُحْيِيه إلَّا بِقَطِيعَةِ الْإِمَامِ فَهَذَا خَارِجٌ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَجْهُ الْمَنْعِ مِنْ الْقِسْمَةِ مَا تَقَدَّمَ، وَوَجْهُ إبَاحَةِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ مُخْتَصُّونَ بِاسْتِحْقَاقِهَا وَمُعْظَمِ مَنَافِعِهَا، وَإِنَّمَا لِغَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ مَا فَضَلَ عَنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا أَحَاطَتْ بِهِ الْعِمَارَةُ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ وَدَاوُد بْنُ سَعِيدٍ يُقْسَمُ وَبِهِ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ. وَقَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ لَا يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ أَوْ أَبَاهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ الْبُورَ وَالْمُتَّسَعَ لَيْسَ بِمَالٍ لَهُمْ وَفِيهِ حَقٌّ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمَارَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِي مَنَاخِ إبِلِهِمْ وَمَرْعَى دَوَابِّهِمْ. وَقَدْ قَالَ ﷺ «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ» وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ هَذِهِ الْأَبْوَارَ أَفْنِيَةُ أَهْلِ الْقُرَى وَمُحْتَطَبُهُمْ وَمَرَاعِيهِمْ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقْطِعَ أَحَدًا شَيْئًا مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لَهُمْ كَأَفْنِيَةِ الدُّورِ فَمَنْ دَعَا إلَى الْقِسْمَةِ مِنْهُمْ فَذَلِكَ لَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا كَانَ بَيْنَ الْقُرَى فَقَدْ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي قُرَى قَدْ أَحَاطَتْ بِفَحْصٍ

стр. 1654

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] لِكَثْرَةِ بُورٍ تُرْعَى فِيهِ غَنَمُهُمْ وَيَحْتَطِبُونَ فِيهِ لَيْسَ لَهُمْ قِسْمَتُهُ وَيَبْقَى مَرْعًى لَهُمْ وَلِلْمَارَّةِ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ سَحْنُونٍ أَنَّهُمْ إذَا أَرَادُوا قِسْمَتَهُ قَسَمَ بَيْنَهُمْ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ فَإِنَّمَا يَقْسِمُ عَلَى عَدَدِ الْقُرَى وَيُعْطِي كُلَّ قَرْيَةٍ مِمَّا يَلِيهَا يُسَوِّي بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ بِالسَّوَاءِ الْكَرِيمُ بِقِيمَتِهِ وَاللَّئِيمُ بِقِيمَتِهِ رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْقُرَى مُتَّصِلَةً بِالشَّعْرَاءِ وَالْأَبْوَارِ فَإِنْ حَالَ بَيْنَهُمَا جَبَلٌ، أَوْ صَخْرَةٌ، أَوْ نَهْرٌ عَظِيمٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِيهِ حَظٌّ إلَّا أَنْ يَقُومُوا بِبَيِّنَةٍ بِالْمِلْكِ رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ وَابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ الَّتِي حَالَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، أَوْ جَبَلٌ أَوْ صَخْرَةٌ، أَوْ خَرْبٌ لَا تُحْرَثُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ سَحْنُونٌ فَلَوْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنَّ السُّلْطَانَ يُقْطِعُهُمْ إيَّاهُ بَيْنَهُمْ لِئَلَّا يَضُرَّ بِهِمْ مَنْ يُحْيِيهِ مِنْ غَيْرِهِمْ لَكَانَ وَجْهًا وَقَدْ خَلَطَ فِي بَعْضِ قَوْلِهِ فَقَالَ فَادَّعَى أَهْلُ الْقَرْيَةِ الَّتِي خَلْفَ النَّهْرِ وَالصَّخْرَةِ أَنَّ لَهُمْ فِي الشَّعْرَاءِ حَقًّا مَعَهُمْ. وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْقُرَى: إنَّ الَّذِينَ تَصِيرُ لَهُمْ مِنْ نَاحِيَةِ مَنْزِلِهِمْ صَادَفَ كَرْمًا، أَوْ دَنَاءَةً قَالَ سَحْنُونٌ فَصَارَ هَذَا كَإِقْرَارٍ مِنْهُمْ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا كَانَتْ الشَّعْرَاءُ تَلِي الْقَرْيَةَ وَيَقْطَعُ بَيْنَ الشَّعْرَاءِ وَبَيْنَ قُرًى أُخْرَى تُرْعَى فِيهَا مَوَاشِيهِمْ فَأَهْلُ الْقَرْيَةِ الَّتِي تَلِيهَا أَحَقُّ بِهَا رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ وَيَقْتَسِمُهُ أَهْلُ تِلْكَ الْقَرْيَةِ عَلَى قَدْرِ أَمْلَاكِهِمْ فِي الْقَرْيَةِ يَقْتَسِمُونَهَا بِالْقِسْمَةِ، أَوْ السَّهْمِ وَهَكَذَا ذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يَقْتَسِمُهُ أَهْلُ الْقَرْيَةِ فِي الشَّعْرَاءِ أَنَّهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا عَلَى قَدْرِ أَمْلَاكِهِمْ فِيهَا وَمَا يَقْتَسِمُهُ أَهْلُ الْقُرَى فَإِنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ صَغُرَتْ الْقَرْيَةُ، أَوْ عَظُمَتْ. (فَرْقٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى إنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ الْأَبْوَارَ وَالشَّعَارَى وَيَتَشَارَكُونَ فِيهَا عَلَى وَجْهِ الْمَسَارِحِ وَالْمَفَارِقِ بِنِسْبَةِ الْجِهَاتِ وَإِلَى ذَلِكَ يَرْجِعُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَذَلِكَ بِمَعْنَى تَتَسَاوَى فِيهِ الْقُرَى قَدْ يَكُونُ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ الصُّغْرَى مِنْ الْمَاشِيَةِ أَمْثَالُ مَا لِلْقَرْيَةِ الْكُبْرَى فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ الصُّغْرَى لِصِغَرِ قَرْيَتِهِمْ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ الْكُبْرَى بِشَيْءٍ لِعِظَمِ قَرْيَتِهِمْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ أَوْبَارَهَا وَشَعَارَهَا بِسَبَبِ أَمْلَاكِهِمْ وَيَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحَقِّهِ مِنْهَا بِالْقِسْمَةِ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِأَيِّ وَجْهٍ شَاءَ مِنْ عِمَارَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ مِلْكِهِ فَلِذَلِكَ رُوعِيَ فِيهِ قَدْرُ حَقِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ» حَقٌّ فَسَّرَهُ مَالِكٌ فَقَالَ إنَّ الْعِرْقَ الظَّالِمَ مَا اُحْتُفِرَ، أَوْ اُتُّخِذَ، أَوْ غُرِسَ بِغَيْرِ حَقٍّ قَالَ عُرْوَةُ وَرَبِيعَةُ الْعُرُوقُ أَرْبَعَةٌ: عِرْقَانِ فَوْقَ الْأَرْضِ وَهُمَا الْغَرْسُ وَالْبِنَاءُ، وَعِرْقَانِ فِي جَوْفِهَا الْمِيَاهُ وَالْمَعَادِنُ. وَقَالَ عُرْوَةُ: وَالْبَاطِنَانِ الْبِئْرُ وَالْعَيْنُ قَالَا فَكُلُّ مَنْ عَمِلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَهُوَ مِنْ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «لَيْسَ لَهُ حَقٌّ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ ﷺ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْبَقَاءِ فَمَنْ غَرَسَ، أَوْ بَنَى ظَالِمًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْقِيه وَكَانَ لِصَاحِبِ الْمِلْكِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ أَوْ يُخْرِجَهُ مِنْهُ بِأَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ غَرْسِهِ مَقْلُوعًا وَقِيمَةَ بُنْيَانِهِ مَنْقُوضًا فِيمَا لَهُ قِيمَةٌ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ كَانَ لِصَاحِبِ الْمِلْكِ أَنْ يُبْقِيَهُ عَلَى مِلْكِهِ دُونَ عِوَضٍ يُعَوِّضُهُ مِنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ ﷺ لَيْسَ لَهُ حَقٌّ بِمِلْكٍ وَلَا انْتِفَاعٍ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ فِي الْعُيُونِ وَالْآبَارِ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ أَنْبَطَ عَيْنًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْلِكَهُ وَيَنْتَفِعَ بِهِ وَلِصَاحِبِ الْمِلْكِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى إعَادَتِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْ يَتَمَلَّكَهُ وَيُعْطِيه قِيمَةَ مَالِهِ قِيمَةً بَعْدَ إزَالَتِهِ وَإِذَا كَانَ لَفْظُ الْحَقِّ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ جَازَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا عَلَى مَا قَالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

стр. 1655

الْقَضَاءُ فِي الْمِيَاهِ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي سَيْلِ مَهْزُورٍ وَمُذَيْنَبٍ يُمْسَكُ حَتَّى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ» ) ــ [المنتقى] [الْقَضَاءُ فِي الْمِيَاهِ] (ش) : قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَسَحْنُونٌ: مَهْزُورٌ وَمُذَيْنَبٍ وَادِيَانِ بِالْمَدِينَةِ، زَادَ سَحْنُونٌ وَلَيْسَ مِلْكُهُمَا لِأَحَدٍ كَانَا يُسْقَيَانِ بِالسَّيْلِ فَإِذَا أَتَى السَّيْلُ سَقَى الْأَعْلَى حَائِطَهُ ثُمَّ الَّذِي يَلِيه وَذَلِكَ أَنَّ الْمِيَاهَ الَّتِي تَسْقِي عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ لَا يُمْلَكُ أَصْلُهُ كَالسُّيُولِ وَمِيَاهِ الْأَمْطَارِ، وَضَرْبٌ يُمْلَكُ أَصْلُهُ كَالْعُيُونِ وَالْآبَارِ فَأَمَّا مَا يُمْلَكُ أَصْلُهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ طَرِيقُهُ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ، أَوْ فِي أَرْضٍ يَمْلِكُهَا رَجُلٌ مُعَيَّنٌ، أَوْ فِي أَرْضٍ يَمْلِكُهَا رِجَالٌ مُعَيَّنُونَ فَأَمَّا مَا كَانَ طَرِيقُهُ فِي أَرْضٍ لَا تُمْلَكُ مِثْلُ الْمِيَاهِ الَّتِي تَسِيلُ مِنْ شِعَابِ الْجِبَالِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ كَمَهْزُورٍ وَمُذَيْنَبٍ فَتَسِيلُ مِيَاهُهُمَا فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ غَيْرِ مُتَمَلَّكَةٍ إلَى أَرْضِ مَنْ يَسْقِي بِهَا ثُمَّ يَتَّصِلُ جَرْيُهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَيُحَاذِي مَجْرَى الْمَاءِ فِي إحْدَى جَانِبَيْهِ، أَوْ فِي جَانِبَيْهِ جَمِيعًا مَزَارِعُ وَحَدَائِقُ لِلنَّاسِ وَيَسْقُونَ بِهِ فَهَذَا حُكْمُهُ أَنْ يُسْقَى بِهِ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، وَذَلِكَ إذَا كَانَ إحْيَاؤُهُمْ مَعًا، أَوْ إحْيَاءُ الْأَعْلَى قَبْلَ الْأَسْفَلِ وَهُوَ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: وَهَذَا حُكْمُ النِّيلِ أَيْضًا فَإِنْ أَحْيَا رَجُلٌ مَاءَ سَيْلٍ ثُمَّ أَتَى غَيْرُهُ فَأَحْيَا فَوْقَهُ مَا هُوَ أَقْرَبُ إلَى أَعْلَى سَيْلٍ مِنْهُ وَأَرَادَ أَنْ يَنْفَرِدَ وَيَسْقِي بِهِ قَبْلَ الْأَسْفَلِ الَّذِي أَحْيَا قَبْلَهُ، وَذَلِكَ يُبْطِلُ عَمَلَ الثَّانِي وَيُتْلِفُ غَرْسَهُ وَزَرْعَهُ، فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ إذَا كَانَ بَعْضُ الْأَجِنَّةِ أَقْدَمَ مِنْ بَعْضٍ فَالْقَدِيمُ أَحَقُّ بِالْمَاءِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لِلْمَاءِ قَدْ تَقَدَّمَ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُبْطِلَ حَقَّهُ مِنْهُ بِمَا يُحْدِثُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. (فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَتْ الْجَنَّتَانِ مُتَقَابِلَتَيْنِ فَمَا حُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ الْأَعْلَى بِالْأَعْلَى فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا الْمَاءُ وَجْهُ ذَلِكَ تَسَاوِيهِمَا فِي وَجْهِ الِاسْتِحْقَاقِ فَإِنْ كَانَ الْأَسْفَلُ مُقَابِلًا لِبَعْضِ الْأَعْلَى حُكِمَ لِمَا كَانَ أَعْلَى بِحُكْمِ الْأَعْلَى وَلِمَا كَانَ مِنْهُ مُقَابَلًا بِحُكْمِ الْمُقَابِلِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ جَرْيُ الْمَاءِ فِي أَرْضِ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ: مَا كَانَ مِنْ سُيُولِ الْمَطَرِ فِي أَرْضِ النَّاسِ الْمَعْرُوفَةِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَمْنَعَ مَاءَهُ وَيَحْبِسَهُ فِي أَرْضِهِ قَلَّ، أَوْ كَثُرَ وَلَا يُرْسِلُ مِنْهُ شَيْئًا إلَى مَنْ تَحْتَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ بِدُخُولِهِ فِي أَرْضِهِ قَدْ صَارَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَتَنَازَعُ فِيهِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي أَرْضِ أَحَدٍ فَأَمَّا مَا سَالَ فِي أَرْضِهِ فَهُوَ حَقٌّ لَهُ فَلَهُ مَنْعُهُ إنْ شَاءَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا كَانَ سَيْلُهُ فِي أَرْضٍ يَمْلِكُهَا قَوْمٌ مُعَيَّنُونَ مِثْلَ أَهْلِ النَّهْرِ يَجْتَمِعُونَ عَلَى إخْرَاجِ مَاءٍ مِنْهُ فَيَحْمِلُونَهُ فِي أَرْضِهِمْ، أَوْ فِي أَرْضِ مَبُورَةٍ مَلَكُوهَا لِشَقِّ سَاقِيَتِهِمْ فِيهَا وَذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْإِحْيَاءِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَحَقُّ بِمَائِهِمْ وَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ فِي حُكْمِ التَّقْوِيمِ لَا يُقَدَّمُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ وَإِنَّمَا يَقْتَسِمُونَهَا بِمَا يُقْتَسَمُ بِهِ الْمَاءُ الَّذِي يُمْلَكُ أَصْلُهُ وَسَنُبَيِّنُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا مَا يُمْلَكُ أَصْلُهُ كَالْعُيُونِ وَالْآبَارِ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ: إنَّ هَؤُلَاءِ يَقْتَسِمُونَ مَاءَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ بِالْقَلْدِ وَلَا يُقَدَّمُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَكِنْ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مَاءَهُ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ رَقَبَةَ الْعَيْنِ وَالْبِئْرِ مِلْكٌ وَلِكُلِّ ذِي حَظٍّ فِيهَا الِانْتِفَاعُ بِحَظِّهِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا بِمَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي أَرْضٍ هِيَ مَقْسُومَةٌ بَيْنَ قَوْمٍ وَلَهُمْ شِرْبٌ فَأَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَصْرِفَ حِصَّتَهُ مِنْ الشِّرْبِ إلَى أَرْضٍ لَهُ أُخْرَى أَنَّ لَهُ ذَلِكَ عَطَّلَ حِصَّتَهُ مِنْ الْأَرْضِ، أَوْ لَمْ يُعَطِّلْهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ وَالْأَرْضُ مَقْسُومَةٌ قَالَ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ حَيْثُ شَاءَ مَا لَمْ يَمُرَّ بِهِ فِي حِصَّةِ غَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمْ عَلَى الْإِشَاعَةِ

стр. 1656

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَصْرِفَ حِصَّتَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ عَنْهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِحَظِّهِمْ مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْقِلْدُ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْهَا أَنْ يُؤْخَذَ قَدْرٌ وَيُثْقَبَ فِي أَسْفَلِهَا ثُقْبٌ وَيَمْلَأُ مِنْ الْمَاءِ وَيَكُونُ قَدْرُ أَقَلِّهِمْ نَصِيبًا مِقْدَارَ مَا يَجْرِي مَاؤُهُ عَلَى ثُقْبِهِ تِلْكَ فَتُمْلَأُ وَلَا يَزَالُ صَاحِبُ الْحِصَّةِ مِنْ الْمَاءِ يَأْخُذُ مَاءَ الْعَيْنِ كُلَّهُ وَيَصْرِفُهُ فِيمَا شَاءَ إلَى أَنْ يَفْنَى مَاءُ الْقِدْرِ ثُمَّ يُمْلَأُ لِلَّذِي يَلِيه مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً بِحَسَبِ حِصَّتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ تَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ الْإِمَامُ رَجُلَيْنِ مَأْمُونَيْنِ، أَوْ يَتَرَاضَى الشُّرَكَاءُ عَمَّنْ شَاءُوا، أَوْ يُؤْخَذُ قِدْرٌ فَخَّارٌ، أَوْ غَيْرُهُ يُثْقَبُ فِي أَسْفَلِهِ بِمِثْقَبٍ ثُمَّ يُرْفَعُ الْمِثْقَبُ ثُمَّ يُعَلَّقُ الْقِدْرُ وَيُجْعَلُ تَحْتَهُ قَصْرِيَّةٌ وَيُعَدُّ مَاءٌ فِي جِرَارٍ فَإِذَا انْصَدَعَ الْفَجْرُ صُبَّ الْمَاءُ فِي الْقِدْرِ فَسَالَ الْمَاءُ مِنْ الثُّقْبِ فَكُلَّمَا هَمَّ الْمَاءُ أَنْ يَنْصَبَّ صُبَّ حَتَّى يَكُونَ سَيْلُ الْمَاءِ مِنْ الثُّقْبِ مُعْتَدِلًا النَّهَارَ كُلَّهُ وَاللَّيْلَ كُلَّهُ إلَى انْصِدَاعِ الْفَجْرِ ثُمَّ يُنَحَّى الْقِدْرُ وَيُقْسَمُ مَا اجْتَمَعَ مِنْ الْمَاءِ عَلَى أَقَلِّهِمْ سَهْمًا كَيْلًا، أَوْ وَزْنًا ثُمَّ يُجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قِدْرٌ يَحْمِلُ سَهْمَهُ مِنْ الْمَاءِ وَيُثْقَبُ كُلَّ قِدْرٍ مِنْهَا بِالْمِثْقَبِ الَّذِي ثَقَبَ بِهِ الْقِدْرَ الْأَوَّلَ فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ السَّقْيَ عَلَّقَ قِدْرَهُ بِمَائِهِ وَصَرَفَ الْمَاءَ كُلَّهُ إلَى أَرْضِهِ فَيَسْقِي مَا سَالَ الْمَاءُ مِنْ قِدْرِهِ ثُمَّ كَذَلِكَ يَقْسِمُ فَإِنْ تَشَاحُّوا فِي التَّبْدِئَةِ اسْتَهَمُّوا عَلَى ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «يُمْسَكُ حَتَّى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ» اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ يُرْسِلُ صَاحِبُ الْحَائِطِ الْأَعْلَى جَمِيعَ الْمَاءِ فِي حَائِطِهِ وَيُسْقِي بِهِ حَتَّى إذَا بَلَغَ الْمَاءُ مِنْ قَاعَةِ الْحَائِطِ إلَى كَعْبَيْ مَنْ يَقُومُ فِيهِ أَغْلَقَ مَدْخَلَ الْمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ بَلَغَنَا أَنَّهُ إذَا سَقَى بِالسَّيْلِ الزَّرْعَ أَمْسَكَ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ شِرَاكَ نَعْلَيْهِ، وَإِذَا سَقَى النَّخِيلَ وَالشَّجَرَ وَمَا لَهُ أَصْلٌ أَمْسَكَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يَحْبِسَ فِي الزَّرْعِ وَالنَّخْلِ وَمَا لَهُ أَصْلٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الرَّيِّ وَفِي الْمُزَنِيَّة عَنْ عِيسَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْأَوَّلَ يَسْقِي حَتَّى يُرْوَى حَائِطُهُ ثُمَّ يُمْسِكُ بَعْدَ رَيِّ حَائِطِهِ فِيمَا كَانَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ إلَى أَسْفَلَ ثُمَّ يُرْسِلُ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: تَفْسِيرُهُ أَنْ يَجْرِيَ الْأَوَّلُ مِنْ الْمَاءِ فِي سَاقِيَتِهِ إلَى حَائِطِهِ قَدْرَ مَا يَكُونُ الْمَاءُ فِي السَّاقِيَةِ إلَى كَعْبَيْهِ حَتَّى يُرْوَى حَائِطُهُ، أَوْ يَبْقَى الْمَاءُ فَإِذَا رُوِيَ حَائِطُهُ أَرْسَلَهُ كُلَّهُ قَالَ يَحْيَى بْنُ مُزَيْنٍ رِوَايَةُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَحْسَنُ مَا فِيهِ وَاَلَّذِي رُوِيَ مُسْنَدًا فِي هَذَا الْبَابِ مَا رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنْ الْحِرَّةِ يَسْقِي بِهِ النَّخْلَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْقِ يَا زُبَيْرُ فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ ثُمَّ أَرْسِلْ إلَى جَارِك قَالَ الْأَنْصَارِيُّ: إنْ كَانَ ابْنُ عَمَّتِك فَتَلَوَّنَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَرْجِعَ الْمَاءُ إلَى الْجِدْرِ، وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء: ٦٥] الْآيَةَ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَقَدَّرَتْ الْأَنْصَارُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْجِدْرِ فَكَانَ ذَلِكَ إلَى الْكَعْبَيْنِ» . (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْحَائِطِ أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ يُؤْمَرُ أَنْ يَعْدِلَ أَرْضَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ عَلَى أَرْضِهِ كُلِّهَا إلَى الْكَعْبَيْنِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عُلُوُّ بَعْضِ أَرْضِهِ مَا لَا يَبْلُغُ إلَى الْكَعْبَيْنِ إلَّا بِأَنْ يَعْلُوَ فِي بَعْضِهِ قَامَتَيْنِ وَلَكِنْ إنْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ سَقَى كُلَّ مَكَان مُسْتَوٍ عَلَى حِدَتِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ» . (ش) : قَوْلُهُ «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ» قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْوَاضِحَةِ مَعْنَى ذَلِكَ فِي آبَارِ الْمَاشِيَةِ الَّتِي فِي الْفَلَوَاتِ؛ لِأَنَّهُ إذَا مُنِعَ فَضْلُ الْمَاءِ لَمْ يُرْعَ ذَلِكَ الْكَلَأُ الَّذِي بِذَلِكَ الْوَادِي لِعَدَمِ الْمَاءِ فَصَارَ مَنْعًا لِلْكَلَأِ. وَقَالَ

стр. 1657

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ إنَّ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ يَنْزِلُهَا لِلرَّعْيِ لَا لِلْعِمَارَةِ فَهُمْ وَالنَّاسُ فِي الرَّعْيِ سَوَاءٌ وَلَكِنْ يَبْدَئُونَ بِمَائِهِمْ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ بِئْرَ الْمَاشِيَةِ هِيَ مَا حَفَرَهُ الرَّجُلُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ عَلَى مَا عَهِدَهُ مِمَّا يَحْفِرُهُ الرَّجُلُ لِمَاشِيَتِهِ فِي الْبَرَارِي وَفَيَافِي الْقِفَارِ فَهَذِهِ الْبِئْرُ إذَا حُفِرَتْ فَإِنَّمَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يُحْفَرَ لِشُرْبِ مَاشِيَتِهِ وَيَتَصَدَّقَ بِمَا فَضَلَ مِنْ مَائِهَا وَيُسَيِّحَهُ لِلنَّاسِ، فَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مَا فَضَلَ عَنْهُ مِنْ مَائِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُبَاعُ بِئْرُ الْمَاشِيَةِ مَا حُفِرَ مِنْهَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ، وَإِنْ حُفِرَتْ فِي قُرْبٍ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُرِيدُ قُرْبَ الْمَنَازِلِ إذَا كَانَ إنَّمَا اُحْتُفِرَ لِلصَّدَقَةِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ بَيْعَ مَاءِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ وَبَيْعَ أَصْلِهَا وَأَهْلُهَا أَحَقُّ بِمَائِهَا، فَإِذَا فَضَلَ عَنْهُمْ فَضْلٌ فَالنَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ قَالُوا، وَأَمَّا مَنْ احْتَفَرَ بِئْرًا فِي أَرْضِهِ لِبَيْعِ مَائِهَا، أَوْ لِسَقْيِ مَاشِيَتِهِ وَلَمْ يَحْتَفِرْهَا لِلصَّدَقَةِ فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهَا فَتَقَرَّرَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا احْتَفَرَهُ فِي أَرْضِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عَلَى الْمِلْكِ وَإِبَاحَةِ الْبَيْعِ حَتَّى يُبَيِّنَ أَنَّهَا لِلصَّدَقَةِ وَمَا اُحْتُفِرَ فِي غَيْرِ أَرْضِهِ لِلْمَاشِيَةِ، أَوْ لِلشُّرْبِ فَقَطْ وَلَمْ يَحْفِرْهَا لِإِحْيَاءِ زَرْعٍ، أَوْ غَرْسٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ احْتَفَرَهَا لِيَكُونَ الْمُقَدَّمُ فِي مَنْفَعَتِهَا وَلِلنَّاسِ فَضْلُهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْفِرُهَا بِحَيْثُ لَا يُبَاعُ مَاؤُهَا وَلَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ إلَّا بِبَذْلِهَا فَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ عَمَلُهَا دُونَ شَرْطٍ إلَى الْمُعْتَادِ مِنْ حَالِهَا وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ وَبِهَذَا الْحُكْمُ يُحْكَمُ لَهَا. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ بَيَّنَ وَأَشْهَدَ أَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ التَّمْلِيكَ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ عَلَى شَرْطِهِ وَبِهَذَا تَتَعَلَّقُ الْكَرَاهِيَةُ عِنْدِي وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا فَإِنْ كَانَ بِالْبُعْدِ وَحَيْثُ لَا يَضُرُّ بِأَحَدٍ فَلَا اعْتِرَاضَ فِيهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِالْقُرْبِ وَحَيْثُ يَخْشَى الِاسْتِضْرَارَ نَظَرَ فِيهِ الْإِمَامُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا حُكْمُ الْآبَارِ فَأَمَّا فِي الْمَوَاجِلِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَا عُمِلَ مِنْهَا فِي الصَّحَارِي وَالْفَيَافِي كَمَوَاجِلِ طَرِيقِ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهَا كَالْآبَارِ الَّتِي تُحْتَفَرُ لِلْمَاشِيَةِ، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي جِبَابِ الْبَادِيَةِ الَّتِي تَكُونُ لِلْمَاشِيَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ فَضْلُ مَائِهَا لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ، قِيلَ لَهُ: فَالْجِبَابُ الَّتِي تُجْعَلُ لِمَاءِ السَّمَاءِ قَالَ ذَلِكَ أَبْعَدُ. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ مَنْ حَفَرَ جُبًّا فَلَهُ مَنْعُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ غَيْرُهُ فَلَيْسَ كَالْبِئْرِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا عَمَلٌ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى رَعْيِ الْكَلَأِ بِالْمَاءِ فَأَشْبَهَ الْبِئْرَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَوَاجِلَ لَيْسَتْ مِمَّا يُتَّخَذُ غَالِبًا لِلْمَوَاشِي لِمَا فِيهَا مِنْ النَّفَقَاتِ وَالْمُؤَنِ وَغَالِبُ عَمَلِهَا لِلتَّمْلِيكِ إلَّا مَنْ أَعْلَنَ بِالصَّدَقَةِ إذَا قُلْنَا أَنَّهُ لَا تُبَاعُ بِئْرُ الْمَاشِيَةِ وَلَا يُبَاعُ مَاؤُهَا فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُورَثُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُبَاعُ، وَإِنْ احْتَاجَ وَلَا يُرِيدُ بِقَوْلِهِ لَا يُورَثُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَرَثَةُ مُحْتَفِرِهَا أَحَقَّ بِمَائِهَا. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ: " إنَّهَا لَا تُبَاعُ وَلَا تُورَثُ وَصَاحِبُهَا الَّذِي احْتَفَرَهَا أَوْ وَرَثَتُهُ أَحَقُّ بِحَاجَتِهِمْ مِنْ مَائِهَا " قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا، وَرِوَايَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ قَالَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ: لَا تَقَعُ فِي بِئْرِ الْمَاشِيَةِ الْمَوَارِيثُ بِمَعْنَى الْمِلْكِ وَلَا حَظَّ فِيهِ لِزَوْجِهِ وَلَا زَوْجٍ مِنْ بَطْنٍ عَلَى بَطْنٍ، قَالَ: وَمَنْ اسْتَغْنَى مِنْهُمْ عَنْ حَظِّهِ مِنْ الشُّرْبِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ حَظَّهُ أَحَدًا وَسَائِرُ أَهْلِ الْبِئْرِ أَوْلَى مِنْهُ، وَمَنْ غَابَ وَأَوْصَى بِثُلُثِ بِئْرِ مَاشِيَتِهِ لِإِنْسَانٍ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: إنَّ الْبِئْرَ لَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ يَعْنِي أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَنْفُذُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ وَجْهٌ مِنْ الْعَطِيَّةِ كَالْهِبَةِ، قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يُبَاعُ بِئْرُ الْمَاشِيَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فَضْلُهَا لِغَيْرِهِ فَقَدْ اشْتَرَى مِنْ مَائِهَا مَا يَرْوِيه وَذَلِكَ مَجْهُولٌ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ فَظَاهِرُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ مَوَاجِلِ الطَّرِيقِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَعْتَمِدُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ وَهِيَ كَالْآبَارِ الَّتِي تُحْفَرُ لِلْمَاشِيَةِ، وَقَالَ فِي الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ وَلَا أَرَى بَيْعَ ذَلِكَ حَرَامًا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَظَاهِرُ مَا فِي الْمَجْمُوعَةِ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ:. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ، وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ، وَأَمَّا بِئْرُ الْمَاشِيَةِ فَمَنْعُ فَضْلِ مَائِهَا لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ مِنْ

стр. 1658

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بَيْعِ الْكَلَإِ الْمُبَاحِ. وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلِلنَّاسِ مَا فَضَلَ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ لِأَشْهَبَ بِأَنَّ مَا يَشْتَرِيه مَجْهُولٌ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُبَاعُ؛ لِأَنَّ لِلنَّاسِ فِيهِ حَوَائِجَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ نَهْيُهُ ﷺ عَنْ مَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ، وَظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ وَعَلَى ذَلِكَ مُنِعَ مِنْ أَنْ يُورَثَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا قَالَ أَشْهَبُ لَجَازَ أَنْ تُورَثَ وَتُوهَبَ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ لَا تَمْنَعُ ذَلِكَ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ إنَّمَا تَنْصَرِفُ الْكَرَاهِيَةُ إلَى أَنْ يَحْفِرَ أَوَّلًا بِمَعْنَى الِانْفِرَادِ بِهِ، وَأَمَّا إذَا حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الْإِبَاحَةِ لِفَضِيلَةٍ فَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّحْرِيمِ مِنْ مَنْعِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَمُقْتَضَى مَنْعِ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ مِنْ الْمُشَارَكَةِ فِيهِ وَمَنْعِ هِبَتِهِ. ١ - (فَرْعٌ) وَمَنْ يَبْدَأُ بِالشُّرْبِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَتْ لَهُمْ سُنَّةٌ مِنْ تَقْدِيمِ ذِي الْمَالِ الْكَثِيرِ لَوْ قُدِّمَ عَلَى قَوْمٍ أَوْ كَبِيرٍ عَلَى صَغِيرٍ حَمَلُوا عَلَيْهِ وَإِلَّا اسْتَهَمُوا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ اسْتَحَقَّ التَّقْدِيمَ لِسَنَةٍ اسْتَمَرَّتْ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ أُسْهِمَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُ السَّبِيلُ إلَى تَقْدِيمِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّقْدِيمَ بِغَيْرِ هَذَا السَّبَبِ وَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلِأَهْلِ الْبِئْرِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَاجِلُ حَاجَتُهُمْ مِنْ الْمَاءِ لَا يُشْرِكُهُمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا نَهَى أَنْ يُمْنَعَ فَضْلُ الْمَاءِ، وَأَمَّا قَدْرُ الْحَاجَةِ مِنْهُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَنْعٌ فَكَانَ لَهُمْ بِحَقِّ الْيَدِ وَاجِبًا، وَأَمَّا مَا فَضَلَ مِنْهُ فَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا ابْنُ السَّبِيلِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يُمْنَعُ ابْنُ السَّبِيلِ مِنْ مَاءِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ، وَقَدْ كَانَ يَكْتُبُ عَلَى مَنْ احْتَفَرَ أَنَّ أَوَّلَ مَا يَشْرَبُ بِهَذِهِ الْآبَارِ الْمُحْدَثَةِ أَبْنَاءُ السَّبِيلِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كُلُّ بِئْرٍ كَانَتْ مِنْ آبَارِ الصَّدَقَةِ كَبِئْرِ الْمَاشِيَةِ وَبِئْرِ السُّقْيَا أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَرْوِيَ أَهْلُهَا فَإِنْ مَنَعَهُمْ أَهْلُ الْمَاءِ بَعْدَ رَيِّهِمْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ دِيَةُ قُرَاهُمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا يُمْنَعُ نَقْعُ بِئْرٍ» قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَوْ مَنَعُوهُمْ حَتَّى مَاتَ الْمُسَافِرُونَ عَطَشًا كَانَتْ لَهُمْ دِيَاتُهُمْ عَلَى عَاقِلَةِ أَهْلِ الْمَاءِ وَالْكَفَّارَةُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ الْأَدَبِ الْمُوجِعِ مِنْ الْإِمَامِ. وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ لِابْنِ السَّبِيلِ أَنْ يَشْرَبَ وَيَسْقِيَ دَوَابَّهُ مِنْ فَضْلِ مَاءِ الْآبَارِ وَالْمَوَاجِلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ فَضْلٌ، وَقَدْ اضْطَرَّتْ دَوَابُّهُمْ إلَيْهِ وَالْمَسَافَةُ إلَى مَاءٍ آخَرَ بَعِيدَةٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ أُسْوَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ تِلْكَ الْمِيَاهِ غَوْثٌ أَقْرَبُ مِنْ غَوْثِ السَّفَرِ فَيَكُونُ السَّفَرُ أَوْلَى بِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ، وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْآبَارِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ابْنُ السَّبِيلِ أَوْلَى مَنْ شَرِبَ بِهَا وَهُوَ حَسَنٌ لِاضْطِرَارِهِ إلَى ذَلِكَ وَيَتَزَوَّدُ مِنْهُ وَلَيْسَ بِأَهْلِ الْقَرْيَةِ مِثْلُ تِلْكَ الضَّرُورَةِ لِقُرْبِ غَوْثِهِمْ وَمَحَارِمِ بِئْرِهِمْ وَهُمْ مُقِيمُونَ وَالسَّفْرُ رَاحِلُونَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمَاءُ الَّذِي لِأَهْلِهِ بَيْعُهُ كَالْبِئْرِ يَحْتَفِرُهَا الرَّجُلُ فِي دَارِهِ وَأَرْضِهِ لِيَبِيعَ مَاءَهَا فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ مِنْ مَائِهَا إلَّا بِالثَّمَنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ابْنُ السَّبِيلِ لَا ثَمَنَ مَعَهُ، وَإِنْ مُنِعَ خِيفَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبْلُغَ الْمَاءَ فَلَا يُمْنَعُ فَإِنْ مُنِعَ جَاهَدَهُمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ كَانَ لَهُمْ مَنْعُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا مَا يَحْدُثُ فِي الْمِيَاهِ مِنْ الْحِيتَانِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْبِرْكَةِ وَالْغَدْرِ وَالْبُحَيْرَةِ فِيهَا الْحِيتَانُ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَبِيعَهَا أَهْلُهَا وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعُوا تَصَيُّدَهَا وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ سَوَّى بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا كَانَ فِي مِلْكِهِمْ، أَوْ فِي غَيْرِ مِلْكِهِمْ كَالْكَلَأِ. وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَنْ كَانَتْ لَهُ عَيْنٌ، أَوْ غَدِيرٌ فِيهَا سَمَكٌ فَإِنْ كَانَ طَرَحَ فِيهَا سَمَكًا فَتَوَالَدَتْ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَاءَ مَعَ الطِّينِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يَصِيدُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَضُرَّ بِهِ الصَّيَّادُونَ. وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ سَحْنُونٌ: لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَرَاعِيَ أَرْضِهِ وَحِيتَانَ غَدِيرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ وَحَوْزِهِ وَذَلِكَ سَوَاءٌ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مِلْكًا لَهُ، وَفِي حَوْزِهِ فَلَهُ مَنْعُ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا

стр. 1659

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] كَانَ فِي الْأَنْهَارِ وَالْخُلْجِ الَّتِي لَا تُمْلَكُ فَلَيْسَ لِمَنْ دَنَا إلَيْهِ بِسُكْنَاهُ وَحَقِّهِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ طَارِئًا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ» قِيلَ إنَّهُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ الذَّرَائِعِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ لِيَتَسَبَّبَ بِهِ إلَى مَنْعِ الْكَلَأِ الْمُبَاحِ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَعْيِهِ مِنْ مَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ وَالْمَانِعُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ يَقْصِد غَالِبًا الِانْفِرَادَ بِالْكَلَأِ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَوَجَبَ عَلَى هَذَا عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الذَّرَائِعِ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ مَنْ قَصَدَ الْكَلَأَ وَمَنْ لَمْ يَقْصِدْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْكَلَأُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ فِي فَيَافِي الْأَرْضِ وَضَرْبٌ فِي الْعِمَارَةِ قَالَ مُطَرِّفٌ: فَمَا كَانَ فِي فَيَافِي الْأَرْضِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَهُ غَيْرَهُ، وَلِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ مَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ لَيُمْنَعَ بِذَلِكَ الْكَلَأُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْفَيَافِي وَالْقِفَارِ فَتَقَرَّرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَحْمِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْكَلَأِ، وَلَوْ جَازَتْ مُبَاشَرَتُهُ بِالْمَنْعِ لَمَا احْتَاجَ الْمَانِعُ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى مَنْعِ الْكَلَأِ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا تَوَجَّهَ إلَى مَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ وَأَنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى مَنْعِ الْكَلَأِ وَلَمْ يَتَوَجَّهْ بِهِ إلَى الْمَنْعِ مِنْ فَضْلِ الْمَاءِ وَإِنَّمَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ الْمَنْعَ مِنْ الْكَلَأِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ حَمَى الْبَقِيعَ لِخَيْلِهِ» وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَمَى الرَّبَذَةَ وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى سَرِفًا وَالرَّبَذَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ أَنْ يَحْمِيَ مَوْضِعًا لَا يَقَعُ بِهِ التَّضْيِيقُ عَلَى النَّاسِ لِلْحَاجَةِ الْعَامَّةِ إلَى ذَلِكَ لِمَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا وَالْخَيْلُ الَّتِي يَحْمِلُ عَلَيْهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْت عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا أَنَّهَا لَبِلَادُهُمْ قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ النَّاسُ مِنْهَا إلَّا لِمَا كَانَ لِلَّهِ ﵎ كَإِبِلِ الصَّدَقَةِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ فَيَافِي الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ حُقُوقِ قَوْمٍ مِنْ الْعَرَبِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُمْنَعُوا مِنْهَا إلَّا بِهَذَا الْوَجْهِ، وَأَمَّا مَنْعُهُمْ إيَّاهَا مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَمَنْ عُرِفَ مِنْهُمْ بِمَرْعًى لِطُولِ مُقَامِهِ بِهِ، أَوْ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ وَإِسْلَامِهِ عَلَيْهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: مَا أَسْلَمَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ مِنْ أَرْضِ الْأَعْرَابِ وَفَيَافِيهمْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ رَعْيِ مَاشِيَتِهِمْ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَالنَّاسِ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِيهَا، وَلَهُمْ مَنْعُهُمْ مِنْهَا، وَلَيْسَ لَهُمْ بَيْعُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ بِئْرِ مَاشِيَتِهِمْ هُمْ مُبْدِئُونَ بِمَائِهَا وَبِرَعْيِ كَلَئِهَا وَلَهُمْ مَنْعُ فَضْلِهَا، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي بِئْرِ الْمَاشِيَةِ يَمُوتُ صَاحِبُهَا أَنَّهَا لِوَرَثَتِهِ لَا حَقَّ فِيهَا لِزَوْجٍ وَلَا زَوْجَةٍ إذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ ذَلِكَ الْبَطْنِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ سَمْعَانَ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إحْيَاءِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَنْزِلُ بِهِمْ قَوْمٌ يُرِيدُونَ الْمُقَامَ مَعَهُمْ لَهُمْ مِيلٌ فِي مِيلٍ لِمَرْعَى غَنَمِهِمْ وَلِقَاحِهِمْ وَمَرَابِطِ خَيْلِهِمْ وَمَخْرَجِ نِسَائِهِمْ، وَكَانَ سَحْنُونٌ يُعْجِبُهُ حَدِيثُ ابْنِ سَمْعَانَ هَذَا وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ مِائَتَا ذِرَاعٍ بِحَيْثُ لَا تَبِينُ الْمَرْأَةُ وَلَا يُسْمَعُ الصَّوْتُ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ ذَلِكَ مِلْكًا غَيْرَ تَامٍّ أَوْ يَمْلِكُونَ الِانْتِفَاعَ بِهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً لِحَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ فَإِنَّهَا حَقُّهُمْ فَلَهُمْ مَنْعُهَا وَمِلْكُهُمْ كَالْعُمْرِيِّ وَهُوَ بِخِلَافِ حَقِّ مَنْ شَرَى، أَوْ أَحْيَا، أَوْ وَرِثَ، أَوْ وَهَبَ لَهُ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ لَيْسَ مِلْكُهُمْ لَهَا بِالتَّامِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِالْمُجَاوَرَةِ قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فَهَذِهِ الْأَحْمِيَةُ إنَّمَا كَانَتْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَرَاضِي بِالْبَقِيعِ قَدْرَ مِيلٍ فِي سِتَّةِ أَمْيَالٍ مَا بَيْنَ مِيلٍ إلَى مِيلَيْنِ وَاسْتَعْمَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى حِمَايَةِ الرَّبَذَةِ قَرَظَةَ بْنَ مَالِكٍ وَكَانَ مَا حَمَى مِنْهَا قَرِيبًا مِنْ خَمْسَةِ أَمْيَالٍ فِي مِثْلِهَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ سَلَامَةَ وَحَمَى بِسَرِفٍ نَحْوًا مِمَّا حَمَى بِالرَّبَذَةِ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ هنبا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهُ فِي الْقُرَى وَمَوَاضِعِ الْعِمَارَةِ فَلَا

стр. 1660

(ص) : (عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يُمْنَعُ نَقْعُ بِئْرٍ» ــ [المنتقى] يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَمَسَارِح الْقُرَى، أَوْ لِمُعَيَّنٍ كَأَرْضِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَأَمَّا مَا كَانَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وَهُوَ مِنْ مَسَارِحِ الْقُرَى فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَوَازِ قِسْمَتِهَا، أَوْ مَنَعَ ذَلِكَ فَمَنْ جَوَّزَ قِسْمَتَهَا أَجْرَاهَا مَجْرَى الْمِلْكِ الْمُعَيَّنِ، وَمَنْ مَنَعَ اقْتِسَامَهَا أَجْرَاهَا مَجْرَى مَسَارِحِ الْفَيَافِي لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ أَهْلَهَا الَّذِينَ أَسْلَمُوا عَلَيْهَا أَحَقُّ بِهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَأَمَّا الْقُرَى وَالْأَرَضُونَ الَّتِي عَرَفَهَا أَهْلُهَا فَلَهُمْ مَنْعُ كَلَئِهَا عِنْدَ مَالِكٍ إنْ احْتَاجُوا إلَيْهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا كَانَ فِي أَرْضِ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُحْظَرًا عَلَيْهِ، أَوْ غَيْرَ مُحْظَرٍ عَلَيْهِ أَمَّا مَا كَانَ مُحْظَرًا عَلَيْهِ فَقَدْ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزَنِيَّة لَهُ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ وَمَا لَمْ يُحْظَرْ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ مَنْعُهُ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ لِمَاشِيَتِهِ وَدَابَّتِهِ، وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ لَهُ أَرْضٌ فِيهَا الْعُشْبُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ إنْ كَانَ لَهُ بِهِ حَاجَةٌ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيُخَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ وَلَهُ بَيْعُ مَرَاعِي أَرْضِهِ سَنَةً بَعْدَ أَنْ يَطِيبَ وَيَبْلُغَ أَنْ يَرْعَى وَلَا يَبِيعُهُ عَامَيْنِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ: سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ سَأَلْت مُطَرِّفًا عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلَهُ مَنْعُ كَلَئِهَا إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلْيُخَلَّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ، وَمِنْ قَوْلِهِ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ خِصْبِ أَرْضِهِ عَامَهُ ذَلِكَ إذَا بَلَغَ أَنْ يَرْعَى فَأَيُّ خِصْبٍ يُبِيحُهُ لِلنَّاسِ وَأَيُّ خِصْبِ يَبِيعُهُ، فَقَالَ: الْخِصْبُ الَّذِي يَبِيعُهُ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ مَاءٌ مَرَجَهُ وَحَمَاهُ، وَأَمَّا الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ وَلَا لَهُ بَيْعُهُ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ فَمَا كَانَ مِنْ خِصْبِ فَدَادِينِهِ وَفُحُوصِ أَرْضِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَسَأَلْت ابْنَ الْمَاجِشُونِ عَنْ ذَلِكَ فَسَاوَى بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ: هُوَ أَحَقُّ بِخِصْبِ أَرْضِهِ الْبَيْضَاءِ كُلِّهَا الَّتِي يَزْدَرِعُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ حِمًى وَلَا مَرَجٌ إنْ شَاءَ بَاعَ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَ، أَوْ رَعَى، وَإِنَّمَا لَا يَحِلُّ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا مَنْعُهُ إنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى رِعَايَتِهِ خِصْبُ الْقَنَاءِ مِنْ مَنْزِلِهِ، قَالَ أَصْبَغُ وَرَأَيْت أَشْهَبَ يُنْكِرُ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لِلرَّجُلِ مَنْعَ خِصْبِ أَرْضِهِ، وَكَانَ لَا يُجِيزُ بَيْعَ الْكَلَأِ بِحَالٍ، وَإِنْ كَانَ فِي أَرْضِهِ وَحِمَاهُ وَمَرْجِهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَأُ كَالْمَاءِ الَّذِي يُجْرِيه اللَّهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلَا يُمْلَكُ وَلَا يُبَاعُ وَهُوَ لِمَنْ أَنْبَتَهُ اللَّهُ فِي أَرْضِهِ لَهُ أَنْ يَحْمِيَهُ لِمَنَافِعِهِ، فَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ مِمَّنْ احْتَاجَ إلَيْهِ وَلَا يَبِيعُهُ إلَّا أَنْ يَجْتَزَّهُ وَيَحْتَمِلَهُ كَمَا يَفْعَلُ النَّاسُ فِي بَيْعِهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا لِمَنْ هُوَ فِي أَرْضِهِ كَانَ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ. وَفَرَّقَ عِيسَى بَيْنَ مَا حُظِرَ عَلَيْهِ وَبَيْنَ مَا لَمْ يُحْظَرْ عَلَيْهِ مِنْ أَرْضِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَا حُظِرَ عَلَيْهِ يَلْحَقُهُ الْمَضَرَّةُ بِرَعْيِ عُشْبِهِ وَالتَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِإِفْسَادِ حِظَارِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فِيهَا عُشْبٌ لَهُ وَحَوَالَيْهَا أَرْضٌ مَزْرُوعَةٌ لَهُ يَضُرُّ بِهِ الدُّخُولُ إلَى رَعْيِهَا مِنْ مَزَارِعِهِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ ذَلِكَ، وَهَذَا إنَّمَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ الرَّعْيِ لَا مِنْ الِاحْتِشَاشِ، وَأَمَّا الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَإِنَّمَا هُوَ؛ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالْحَظْرِ عَلَيْهِ كَمَا يَتَمَلَّكُهُ بِالِاحْتِشَاشِ لِكَوْنِهِ فِي مِلْكِهِ وَيَدِهِ، وَفَرَّقَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ بَيْنَ مَرَاعِي أَرْضِهِ وَبَيْنَ عُشْبِ مَزَارِعِهِ أَنَّ مَرَاعِي أَرْضِهِ لِذَلِكَ اُتُّخِذَتْ، وَأَمَّا عُشْبُ مَزَارِعِهِ فَلَمْ تُتَّخَذْ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا اُتُّخِذَتْ عِنْدَهُ لِلزَّرْعِ، وَأَمَّا الْعُشْبُ فَعَلَى حُكْمِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ فِي مَنْعِ الْعُشْبِ جُمْلَةً أَنَّ أَصْلَهُ الْإِبَاحَةُ كَالْمِيَاهِ الَّتِي هِيَ فِي أَصْلٍ مُبَاحٍ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمِيَاهِ فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ وَالْكَلَأِ فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ أَنَّ الْكَلَأَ فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ لَيْسَ مِنْ مَنَافِعِهَا الْمَقْصُودَةِ فَصَارَتْ كَظِلَالِ الثِّمَارِ الَّتِي لَيْسَ لِأَرْبَابِ الثِّمَارِ مَنْعُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : قَوْلُهُ «لَا يُمْنَعُ نَقْعُ بِئْرٍ» قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يُمْنَعُ رَهْوُ بِئْرٍ قَالَ الْقَاضِي ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي مَنْعُ فَضْلِ الْمَاءِ. وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي الْوَاضِحَةِ قَالَ مَالِكٌ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا يُمْنَعُ نَقْعُ بِئْرٍ» ، وَفِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ «وَلَا رَهْوُهَا» قَالَ أَبُو الرِّجَالِ النَّقْعُ وَالرَّهْوُ الْمَاءُ الْوَاقِفُ الَّذِي لَا يُسْقَى عَلَيْهِ

стр. 1661

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَوْ يُسْقَى عَلَيْهِ وَفِيهِ فَضْلٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ فِي تَفْسِيرِ نَقْعِ بِئْرٍ، أَوْ رَهْوِهَا الْبِئْرُ يَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ يَسْقِي هَذَا يَوْمًا، وَهَذَا يَوْمًا وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ فَيَسْقِي أَحَدُهُمَا فَيَرْوِي نَخْلَهُ وَزَرْعَهُ فِي بَعْضِ يَوْمِهِ، أَوْ يَسْتَغْنِي يَوْمَهُ ذَلِكَ عَنْ السَّقْيِ فَيُرِيدُ صَاحِبُهُ أَنْ يَسْقِيَ بِمَائِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِمَّا لَا يَنْفَعُهُ حَبْسُهُ وَلَا يَضُرُّهُ بَذْلُهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الْبِئْرُ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ فِي حَائِطِهِ فَيَحْتَاجُ الَّذِي لَا شِرْكَ لَهُ فِي الْبِئْرِ إلَى أَنْ يَسْقِيَ حَائِطَهُ بِفَضْلِ مَائِهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا لِكَوْنِ بِئْرِهِ تَهَوَّرَتْ فَيُقْضَى لَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِفَضْلِ مَاءِ جَارِهِ إلَى أَنْ يُصْلِحَ بِئْرَهُ وَيَدْخُلَ حِينَئِذٍ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ «لَا يُمْنَعُ نَقْعُ بِئْرٍ» وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ إصْلَاحَ بِئْرِهِ اتِّكَالًا عَلَى فَضْلِ مَاءِ جَارِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ. وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَقَالَ لِي ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ هُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ هَذَا وَجْهُ اسْتِحْقَاقِهِمْ لِلْمَاءِ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي لَا يُمْلَكُ أَصْلُهُ، وَلَا مَجْرَاهُ فَيُسْقَى بِهِ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى فَمَنْ اسْتَغْنَى مِنْهُمْ عَنْ السَّقْيِ بِمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ ذَلِكَ كَانَ لِلْآخَرِ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ أَوْ يَكُونَ لَا مَنْفَعَةَ فِي ذَلِكَ الْمَاءِ إلَّا لِسَقْيِهَا خَاصَّةً فَإِذَا اسْتَغْنَى أَحَدُهُمَا عَنْ حِصَّتِهِ كَانَ الْآخَرُ أَوْلَى بِالِانْتِفَاعِ بِهَا مِنْ تَضْيِيعِهَا وَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَقُولَ أَنَا أُوثِرُ ضَيَاعَهَا عَلَى انْتِفَاعِك عِنْدِي وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ يُرِيدُ بِذَلِكَ مَنْعَ فَضْلِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا فَضَلَ مِنْ مَاءِ رَجُلٍ عَنْ زَرْعِهِ أَوْ حَائِطِهِ فَيَسْقِي جَارُهُ بِذَلِكَ الْفَضْلِ بِشُرُوطٍ:. أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ زَرَعَ، أَوْ غَرَسَ عَلَى أَصْلِ مَاءٍ فَانْهَارَتْ الْبِئْرُ، أَوْ غَارَتْ الْعَيْنُ فَأَمَّا أَنْ يَغْرِسَ، أَوْ يَزْرَعَ عَلَى غَيْرِ أَصْلِ مَاءٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِفَضْلِ جَارِهِ إلَى أَنْ يُصْلِحَ بِئْرَهُ رَوَاهُ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَرِوَايَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا يُمْنَعُ نَقْعُ بِئْرٍ» ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ أَبِي الرِّجَالِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ فَضْلُ الْمَاءِ،. وَقَدْ رُوِيَ لَا يُمْنَعُ رَهْوُ مَاءٍ وَالرَّهْوُ الزَّائِدُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمِيَاهَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُوَاسَاةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ فَضْلُ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ مُبَاحًا، وَلِذَلِكَ أَمَرَ الْأَعْلَى أَنْ يُرْسِلَ إلَى الْأَسْفَلِ مَا فَضَلَ عَنْ قَدْرِ حَاجَتِهِ مِنْ الْمَاءِ وَلَا يُؤْمَرُ بِإِرْسَالِ مَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِئْثَارُ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْمُتَمَلَّكَاتِ فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَ مَنْ دَعَتْهُ ضَرُورَةٌ إلَى فَضْلِ مَاءِ جَارِهِ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ تَضْيِيعِهِ، أَوْ بَذْلِهِ لِغَيْرِهِ وَإِذَا كَانَتْ الشُّفْعَةُ ثَابِتَةً فِي الْأَمْلَاكِ لَرُفِعَ الضَّرَرُ بِسَبَبِهَا وَكَانَ أَصْلُهَا الْمُشَاحَّةَ فَبِأَنْ تَثْبُتَ الْمُوَاسَاةُ فِي الْمِيَاهِ لِلضَّرُورَةِ الشَّائِعَةِ فِيهَا مَعَ كَوْنِهَا مَبْنِيَّةً عَلَى الْمُوَاسَاةِ أَوْلَى وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ غَرْسٍ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَمْنَعُ الْجَارُ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَضَرَّةٌ بَيِّنَةٌ وَيَقْضِي بِذَلِكَ عَلَيْهِ فَالْقَضَاءُ عَلَيْهِ فِي الْمَاءِ أَبْيَنُ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ فِيهَا عَامًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَخَافَ عَلَى زَرْعِهِ، أَوْ نَخْلِهِ مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ فَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَى زَرْعِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي فَضْلِ مَاءِ جَارِهِ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ فَإِذَا لَمْ يَخَفْ عَلَى زَرْعِهِ فَلَيْسَ بِمُضْطَرٍّ كَاَلَّذِي يَضْطَرُّ إلَى الطَّعَامِ وَيَجِدُ مَالَ غَيْرِهِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ مَا يَصْرِفُ عَنْهُ الضَّرُورَةَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَفْضُلَ مَاءَ صَاحِبِ الْبِئْرِ عَنْ حَاجَتِهِ وَيَسْتَغْنِي عَنْهُ فَإِنْ يَفْضُلُ عَنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَاءَهُ وَهُوَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ نَافِعٍ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا إذَا تَسَاوَيَا فِي الْحَاجَةِ فَصَاحِبُ الْمَاءِ أَحَقُّ بِهِ كَحَالَةِ الْغَنِيِّ عَنْهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ إذَا تَسَاوَيَا فِي الْمَاءِ فَصَاحِبُ الْمَاءِ أَحَقُّ أَنْ يَشْرَعَ مَنْ انْهَارَتْ بِئْرُهُ، أَوْ غَارَتْ عَيْنُهُ فِي إصْلَاحِهَا عَلَى حَسَبِ الْمَعْرُوفِ وَالْإِمْكَانِ فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ وَاعْتَمَدَ عَلَى السَّقْيِ مِنْ مَاءِ جَارِهِ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ لَهُ

стр. 1662

(الْقَضَاءُ فِي الْمَرَافِقِ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» ــ [المنتقى] أَنْ يَسْقِيَهَا إنْ كَانَتْ رَوَتْ حَتَّى يَبْلُغَ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِي هَذَا الْمَاءِ إلَى قَدْرِ مَا نَزَلَ بِهِ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ فِي الْوَاضِحَةِ سَقَى بِذَلِكَ إلَى أَنْ يُصْلِحَ بِئْرَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ مَعَ الضَّرُورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَاَلَّذِي يَتْرُكُ إصْلَاحَ بِئْرِهِ وَاسْتِرْجَاعَ مَائِهِ غَيْرَ مُضْطَرٍّ وَذَلِكَ مِثْلُ الَّذِي يَضْطَرُّ إلَى أَكْلِ مَالِ غَيْرِهِ لِضَرُورَةِ عَدَمِ مَا يَشْتَرِيه لَا يُبَاحُ أَنْ يُقِيمَ وَيَأْكُلَ مِنْ مَاءِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَبْلُغُ بِهِ إلَى مَوْضِعِ الْوُجُودِ مَعَ شُرُوعِهِ فِي ذَلِكَ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهَلْ يُقْضَى عَلَى صَاحِبِ فَضْلِ الْمَاءِ أَنْ لَا يَمْنَعَهُ فِي الْمُزَنِيَّةِ عَنْ عِيسَى لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهِ، وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ لِجَارِهِ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ وَجْهُ قَوْلِ عِيسَى أَنَّ هَذَا مِلْكُهُ فَكَانَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ جَارِهِ لِيُصْلِحَ بِهِ كَدَنَانِيرِهِ وَدَرَاهِمِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ قَوْلُهُ ﷺ «لَا يُمْنَعُ نَقْعُ بِئْرٍ» وَمَعْنَاهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَضْلُ مَائِهِ. (فَصْلٌ) : فَإِذَا قُلْنَا أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَهَلْ يَقْضِي لَهُ بِثَمَنِهِ قَالَ فِي الْمُزَنِيَّة رَوَى عَنْهُ أَصْبَغُ وَذَلِكَ عِنْدِي إذَا أَتَى بِالثَّمَنِ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ بِلَا ثَمَنٍ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى فِي إثْبَاتِ الثَّمَنِ أَنَّهُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ وَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ لِدَفْعِ ضَرُورَةٍ فَكَانَ ذَلِكَ بِالْعِوَضِ كَالشُّفْعَةِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فِي نَفْيِهِ أَنَّهُ لَمَّا حُكِمَ عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِ الْمَاءِ دُونَ انْتِقَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ وَلَا انْتِقَالِهِ إلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالِاسْتِحْقَاقِ وَلِأَنَّهُ فَضْلُ مَا يُقْضَى بِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَنٌ كَبِئْرِ الْمَاشِيَةِ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنْ كَانَ عِنْدَهُ ثَمَنٌ فَلَهُ فَضْلُ مَا يَكُونُ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ثَمَنٌ سَقَيْت لَهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ. (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ فَقَدْ قَالَ فِي الْمُزَنِيَّة إنْ بَاعَهُ كَانَ جَارُهُ الَّذِي انْقَطَعَ مَاؤُهُ أَوْلَى بِهِ بِالثَّمَنِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ انْتِقَالَ الْمِلْكِ مُؤَثِّرٌ فِي أَنْ يَكُونَ مَنْ يَدْفَعُ بِهِ الضَّرُورَةَ أَوْلَى بِهِ كَالشُّفْعَةِ فِي الشِّرْكِ مِنْ الْأَرَضِينَ وَالرِّبَاعِ. [الْقَضَاءُ فِي الْمَرَافِقِ] (ش) : قَوْلُهُ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ التَّأْكِيدَ فَيَكُونَ مَعْنَى الضَّرَرِ وَالضِّرَارِ وَاحِدًا، وَاخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ هَذَا الْقَوْلَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ لَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ إضْرَارُهُ بِغَيْرِهِ، وَقَالَ الْخُشَنِيُّ: الضَّرَرُ هُوَ مَا لَكَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَعَلَى جَارِك فِيهِ مَضَرَّةٌ، وَالضِّرَارُ مَا لَيْسَ لَك فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَعَلَى جَارِك فِيهِ مَضَرَّةٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الضَّرَرَ مَا قَصَدَ الْإِنْسَانُ بِهِ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ وَكَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى غَيْرِهِ وَأَنَّ الضِّرَارَ مَا قَصَدَ بِهِ الْإِضْرَارَ لِغَيْرِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧] وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الضَّرَرِ أَنْ يَضُرَّ أَحَدُ الْجَارَيْنِ بِجَارِهِ وَالضِّرَارُ أَنْ يَضُرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْبِنَاءَ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا بِمَعْنَى الْمُفَاعَلَةِ كَالْقِتَالِ وَالضِّرَابِ وَالسِّبَابِ وَالْجِلَادِ وَالزِّحَامِ، وَكَذَلِكَ الضِّرَارُ فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَنْ يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمَا وَغَيْرُهُ بِالْإِضْرَارِ بِجَارِهِ عَنْ أَنْ يَقْصِدَا ذَلِكَ جَمِيعًا وَلَيْسَ اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ فِي الْقِصَاصِ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ، أَوْ رَدْعٌ عَنْ اسْتِدَامَةِ ظُلْمٍ، وَإِنَّمَا الضِّرَارُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ إلَّا مُجَرَّدُ الْإِضْرَارِ بِصَاحِبِهِ فَأَمَّا الضَّرَرُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فَمِثْلُ مَا يُحْدِثُهُ الرَّجُلُ فِي عَرَصَتِهِ مِمَّا يَضُرُّ بِجِيرَانِهِ مِنْ بِنَاءِ حَمَّامٍ، أَوْ فُرْنٍ لِلْخُبْزِ أَوْ لِسَبْكِ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ كِيرٍ لِعَمَلِ الْحَدِيدِ أَوْ رَحَى مِمَّا يَضُرُّ بِالْجِيرَانِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ لَهُمْ مَنْعَهُ، وَقَالَهُ فِي الدُّخَانِ قَالَ وَأَرَى التَّنُّورَ خَفِيفًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ ضَرَرَ الْفُرْنِ وَالْحَمَّامِ بِالْجِيرَانِ بِالدُّخَانِ الَّذِي يَدْخُلُ فِي دُورِهِمْ

стр. 1663

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَيَضُرُّ بِهِمْ وَهُوَ مِنْ الضَّرَرِ الْكَثِيرِ الْمُسْتَدَامِ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مُنِعَ إحْدَاثُهُ عَلَى مَنْ يَسْتَضِرُّ بِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا الرَّحَا فَإِنَّ الَّذِي يَنَالُ مِنْهَا الْجِيرَانُ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا إفْسَادُ الْجُدْرَانِ وَالثَّانِي صَوْتُهَا فَأَمَّا إفْسَادُ الْجُدْرَانِ فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا يَضُرُّ بِالْجُدْرَانِ يَهْدِمُهَا فَإِنَّهُ مِنْ الضَّرَرِ الَّذِي يَمْنَعُ، وَأَمَّا صَوْتُهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْغَسَّالِ وَالضَّرَّابِ يُؤْذِي جَارَهُ وَقْعُ صَوْتِهِمَا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُمَا مِنْ ذَلِكَ فَيَحْتَمِلُ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الضَّرَرِ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عِنْدِي إنَّمَا ذَلِكَ فِي الصَّوْتِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ مَضَرَّةٍ، أَوْ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَلَا يُسْتَدَامُ، وَأَمَّا مَا كَانَ صَوْتًا شَدِيدًا أَوْ يُسْتَدَامُ كَحَوَانِيتِ الْكَمَّادِينَ تُتَّخَذُ عِنْدَ دَارِ الرَّجُلِ، أَوْ حَوَانِيتِ الصَّفَّارِينَ، أَوْ الرَّحَا الَّتِي لَهَا الصَّوْتُ الشَّدِيدُ فَإِنَّهُ ضَرَرٌ يُمْنَعُ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ ضَرَرٌ يَصِلُ إلَيْهِ فِي مَنْزِلِهِ فَتَعَلَّقَ الْمَنْعُ بِهِ كَضَرَرِ الرَّائِحَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الدَّبَّاغُ يُؤْذِي جِيرَانَهُ بِنَتِنِ دِبَاغِهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ يُمْنَعُ مِنْهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّوْتِ عَلَى أَصْلِهِمَا أَنَّ هَذَا ضَرَرٌ دَائِمٌ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ كَسَائِرِ مَا يَحْدُثُ مِنْ الضَّرَرِ الْمَمْنُوعِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ ذَلِكَ الْكَنِيفُ يُحْدِثُهُ الرَّجُلُ فَيَضُرُّ بِجِدَارِ جَارِهِ بِمَا يَدْخُلُ مِنْ الرُّطُوبَةِ وَالْبَلَلِ فِي مِلْكِ جَارِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَحْدَثَ عَلَى جَارِهِ فَسَادًا فِي مَالِهِ فَمُنِعَ مِنْهُ كَالْهَدْمِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ كَانَ لَهُ أَنْدَرُ إلَى جَانِبِ جِنَانِ رَجُلٍ يَضُرُّ بِهِ تِبْنُهُ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إذَا كَانَ الْأَنْدَرُ قَبْلَ بُنْيَانِ الْجَنَّةِ لَمْ يُغَيِّرْ وَجْهَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْبُنْيَانَ وَإِنْ كَانَ مُحْدَثًا فَإِنَّ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَمْنَعَ صَاحِبَ الْأَنْدَرِ، وَإِنْ كَانَ قَدِيمًا يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ تِبْنِهِ فِي أَرْضِهِ كَمَا يَمْنَعُ مَاشِيَةً قَدِيمَةً مِنْ الدُّخُولِ إلَى أَرْضِهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهَا مَنْفَعَةٌ اسْتَحَقَّهَا بِالْقِدَمِ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ رَفَعَ جِدَارَهُ فَمَنَعَ جَارَهُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ وَمَهَبِّ الرِّيحِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ إلَّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِيَضُرَّ بِجَارِهِ دُونَ مَنْفَعَةٍ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ فِي مِلْكِهِ لَمْ يُوجِبْ إدْخَالَ شَيْءٍ مِمَّا لَمْ يَسْتَثْبِتْ مِنْهُ فِي مِلْكِ جَارِهِ وَلَا يَمْنَعُهُ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ دَارِهِ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ عَمَلِهِ فِي أَرْضِهِ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَبَطَلَ الْبُنْيَانُ؛ لِأَنَّ مَا مِنْ أَحَدٍ يَبْنِي حَائِطًا فِي آخِرِ مِلْكِهِ إلَّا وَلَا بُدَّ أَنْ يَمْنَعَ الشَّمْسَ مِنْ جَارِهِ وَيَمْنَعَ الرِّيحَ وَلَمَّا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْبُنْيَانِ، وَإِنْ مُنِعَ هَذَا فَكَانَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ مُلَاصِقَةٌ أَنْدَرًا لِغَيْرِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا مَا يَمْنَعُ الرِّيحَ عَنْ الْأَنْدَرِ وَيَقْطَعُ مَنْفَعَتَهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُمْنَعُ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ فِي قَطْعِ مَرَافِقِ الْأَنْدَرِ الَّتِي تَقَادَمَ. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْدِثَ بِقُرْبِ الْأَنْدَرِ مَا يَضُرُّ بِصَاحِبِ الْأَنْدَرِ وَإِنْ احْتَاجَ إلَى الْبُنْيَانِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَقَالَهُ سَحْنُونٌ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ لِلْبَانِي أَنْ يَبْنِيَ فَإِنْ مَنَعَ هُبُوبَ الرِّيحِ مُنِعَ كَمَا لَوْ مَنَعَ هُبُوبَ الرِّيحِ وَضَوْءَ الشَّمْسِ مِنْ دَارِ جَارِهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَنْدَرِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْصِدَ مِنْهَا مَا يَمْنَعُ مِنْهَا كَسُكْنَى الدَّارِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ اتَّخَذَ كُوًى وَأَبْوَابًا يَشْرُفُ مِنْهَا عَلَى دَارِ جَارِهِ وَعِيَالِهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ إذَا كَانَ يَنَالُ بِالنَّظَرِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْبُنْيَانِ إذَا كَانَتْ مِنْ كُوًى لَاحِقَةٍ بِالسَّقْفِ، أَوْ مُقَارِبَةٍ لَا يَطَّلِعُ مِنْهَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا يَطَّلِعُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ نَحْوَهُ وَزَادَ لَا يُكَلَّفُ الْأَسْفَلُ أَنْ يُعَلِّي بُنْيَانَهُ حَتَّى لَا يَرَاهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ

стр. 1664

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مَضَرَّةٌ أَحْدَثَهَا عَلَى جَارِهِ فِي مَسْكَنِهِ فَلَزِمَهُ إزَالَتُهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا عَلَى ظَهْرِ حَوَانِيتَ لَهُ وَجَعَلَ لَهُ سَطْحًا يَطَّلِعُ مِنْهُ عَلَى دَارِ رَجُلٍ فَإِنَّ بَانِيَ الْمَسْجِدِ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَسْتُرَ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَيَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ حَتَّى يُتِمَّ السِّتْرَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَسْجِدَ قَدْ أَحْدَثَهُ الْبَانِي وَلَا يُمْكِنُ هَدْمُهُ وَلَا يُمْكِنُ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالرَّجُلِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ الضَّرَرَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَحْدَثَهُ فِي دَارِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ بَنَى غُرْفَةً وَفَتَحَ فِيهَا أَبْوَابًا وَكُوًى يَطَّلِعُ مِنْهَا عَلَى قَاعَةٍ لِغَيْرِهِ فَأَرَادَ صَاحِبُ الْقَاعَةِ مَنْعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ هَذَا يَضُرُّ بِي إذَا بَنَيْت فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ لَهُ مَنْعُهُ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ وَبَعْدَ أَنْ يَبْنِيَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا مَضَرَّةَ عَلَى صَاحِبِ الْقَاعَةِ فِيهِ حِينَ بِنَائِهِ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى الضَّرَرُ حَالَ حُدُوثِهِ لَا مَا يَئُولُ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَوَجْهُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ أَنَّ مِنْ مَنَافِعِ صَاحِبِ الْقَاعَةِ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا دَارًا فَلَيْسَ لِمَنْ بَنَى الْغُرْفَةَ أَنْ يُحْدِثَ عَلَيْهِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ وَلَا مَا يَضُرُّهُ فِيهَا. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ عِنْدَ إحْدَاثِ الِاطِّلَاعِ أَنَّهُ يَطَّلِعُ مِنْهُ عَلَى مَوْضِعٍ لَا يَسْتَضِرُّ بِالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَنَى فِي الْقَاعَةِ دَارًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَيْضًا أَنْ يَمْنَعَهُ الِاطِّلَاعَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ لِقِدَمِ اطِّلَاعِهِ قَبْلَ بِنَاءِ دَارِهِ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَأَذْكُرُ أَنِّي رَأَيْت لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَهُ مَنْعُهُ إذَا بَنَى وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مَا تَقَدَّمَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي الَّذِي أَوْرَدْته لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُ بِذَلِكَ مَنْفَعَةَ أَرْضِهِ وَلَا أَدْخَلَ عَلَيْهِ ضَرَرًا بِاطِّلَاعِهِ فَإِذَا بَنَى الثَّانِي دَارًا يَضُرُّ بِهِ الِاطِّلَاعُ كَانَ لَهُ مَنْعُهُ بِتَقَدُّمِ مِلْكِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الضَّرَرُ فِيمَا لَا يَتَزَايَدُ أَوْ فِيمَا يَتَزَايَدُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَزَايَدُ فَقَدْ رَوَى يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ مُزَيْنٍ مَا كَانَ مِنْ الضَّرَرِ بَاقٍ عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ لَا يَتَزَايَدُ كَفَتْحِ الْأَبْوَابِ وَالْكُوَى وَشِبْهِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَفْتِحُهُ مَنْ أَحْدَثَهُ بِطُولِ الزَّمَانِ وَمَا يُحْدِثُهُ الرَّجُلُ فَيُمْسِكُ عَنْهُ جَارُهُ لِمَا يَقُومُ عَلَيْهِ بَعْدَ زَمَانٍ فَمَا كَانَ يَتَزَايَدُ ضَرَرُهُ كَالْكَنِيفِ يُحْدِثُهُ فَإِنْ شَكَا جَارُهُ الضَّرَرَ بَعْدَ طُولِ زَمَانٍ فَلَهُ أَنْ يُغَيِّرَهُ، وَكَذَلِكَ مَا يَفْتَحُهُ كَمُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ، وَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ إنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ يَتَزَايَدُ فَعَلَى هَذَا الضَّرَرِ الَّذِي هُوَ أَقْدَمُ مِمَّا يَضُرُّ بِهِ لَا بِغَيْرٍ قَوْلًا وَاحِدًا وَمَا أُحْدِثَ بَعْدَمَا يَضُرُّ بِهِ فَعَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَتْرُكَ الْقِيَامَ عَلَيْهِ وَالْمَنْعَ مِنْهُ حَتَّى يَطُولَ زَمَانُهُ وَيَسْتَحِقَّ فَمَا كَانَ مِنْهُ لَا يَتَزَايَدُ أَوْ يَتَزَايَدُ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يُقَامَ بِمَنْعِهِ عِنْدَ إحْدَاثِهِ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ وَإِزَالَةِ الضَّرَرِ بِهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ فَتَحَ مَطْلَعًا عَلَى دَارِ غَيْرِهِ فَلَمَّا قَامَ عَلَيْهِ سَدَّ ذَلِكَ فَطَلَبَ أَنْ يَسُدَّهَا مِنْ خَلْفِ بَابِهَا فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلْيَقْلَعْ الْبَابَ وَيَسُدَّهُ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْبَابِ يُوجِبُ الْحِيَازَةَ بَعْدَ الْيَوْمِ يَشْهَدُونَ لَهُ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ هَذَا الْبَابَ مُنْذُ سِنِينَ كَثِيرَةٍ فَيَصِيرُ حِيَازَةً. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ بَاعَ دَارًا، وَقَدْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ جَارُهُ مَطْلَعًا، أَوْ مَجْرَى مَاءٍ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ وُجُوهِ الضَّرَرِ فِيمَا لَهُ فِيهِ الْقِيَامُ فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنْ كَانَ الْمَانِعُ لَمْ يَقُمْ فِي ذَلِكَ حَتَّى بَاعَهَا فَلَا قِيَامَ لِلْمُشْتَرِي فَلَوْ كَانَ قَدْ قَامَ فَخَاصَمَ فَلَمْ يَتِمَّ لَهُ الْحُكْمُ حَتَّى بَاعَ بَعْدَ الْقِيَامِ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقُومَ وَيَحِلَّ مَحَلَّهُ. وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَرْكَ مَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ الضَّرَرَ الْقِيَامُ فِي ذَلِكَ حَتَّى بَاعَ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ وَأَنَّهُ بَاعَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ قَدْ تَخَلَّى عَنْهُ لِمُحْدِثِهِ وَإِذَا بَاعَ بَعْدَ الْقِيَامِ فِيهِ فَقَدْ أَظْهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُبِحْ لَهُ ذَلِكَ وَلَا أَقَرَّهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَاعَ الدَّارَ بِجَمِيعِ مَنَافِعِهَا وَإِزَالَةُ الضَّرَرِ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ كَانَتْ فِي دَارِهِ شَجَرَةٌ إذَا صَعِدَ فِيهَا لِيَجْنِيَهَا اطَّلَعَ عَلَى دَارِ جَارِهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَانَتْ قَدِيمَةً، أَوْ حَدِيثَةً بِخِلَافِ الْغُرْفَةِ وَلَكِنْ يُؤْذِنُ جَارَهُ وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ نَحْوَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ هَذَا الِاطِّلَاعُ مِمَّا يُسْتَدَامُ، وَإِنَّمَا يُفْعَلُ فِي النُّدْرَةِ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِنَاءِ

стр. 1665

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ خَشَبَةً يَغْرِزُهَا فِي جِدَارِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ» ) ــ [المنتقى] وَتَحْصِيلُ الْمَنَافِعِ لَا عَلَى وَجْهِ الِاطِّلَاعِ وَالنَّظَرِ كَمَا لَوْ اطَّلَعَ عَلَى سَقْفِهِ لِإِصْلَاحِهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَهَذَا كُلُّهُ فِي الضَّرُورَةِ، وَأَمَّا الْعَامُّ فَمِثْلُ تَضْيِيقِ الطَّرِيقِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ فَهَذَا يُمْنَعُ مِنْهُ، وَأَمَّا إخْرَاجُ الْعَسَاكِرِ وَالْأَجْنِحَةِ عَلَى الْحِيطَانِ إلَى طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاشْتَرَى مَالِكٌ دَارًا لَهَا عَسْكَرٌ فَقَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَنَاحًا بِأَسْفَلِ الْجِدَارِ حَيْثُ يَضُرُّ بِأَهْلِ الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُمْنَعُ مِنْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ يَحْتَازُهَا لَا مَضَرَّةَ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ وَلَا تَضْيِيقَ لِفِنَائِهِ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ كَضَوْءِ السِّرَاجِ وَظِلِّ الْحَائِطِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ بَنَى بُنْيَانًا يُطِلُّ مِنْهُ عَلَى غَيْرِهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مَنْ بَنَى عَلَى شَرَفٍ يُطِلُّ مِنْهُ عَلَى مَوْرِدَةِ الْقَرْيَةِ عَلَى قَدْرِ غَلْوَةٍ، أَوْ غَلْوَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ لِإِشْرَافِ مَكَانِهِ فَقَطْ لَمْ يُمْنَعْ، وَإِنْ وَجَدَ عَنْهُ مَنْدُوحَةً، وَكَذَلِكَ إنْ أَطَلَّ مِنْ ذَلِكَ الشَّرَفِ عَلَى دُورِ جِيرَانِهِ أَنَّهُ لَمْ يُمْنَعْ إذَا كَانَ ذَلِكَ حَالَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَإِنْ كَانَ اطِّلَاعُهُ عَلَى الْمَوْرِدَةِ يُعْلِيه فَتْحُ بَابِهَا إلَى الْمَوْرِدَةِ، أَوْ كُوًى مُنِعَ ذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ خَلْقِ الْبَارِي تَعَالَى وَحَالَ بُقْعَةِ الْأَرْضِ لَمْ يُمْنَعْ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ تَقَادَمَ وَاسْتَحَقَّ، وَإِنَّمَا يُغَيَّرُ الْمُحْدَثُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالضَّرَرُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُحْدَثٌ وَقَدِيمٌ فَأَمَّا الْمُحْدَثُ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ، وَأَمَّا الْقَدِيمُ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي قَنَاةٍ قَدِيمَةٍ فِي حَائِطِ رَجُلٍ لَا يُغَيِّرُ الْقَدِيمَ وَإِنْ أَضَرَّ بِجَارِهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْأَفْرَانِ تُوقَدُ لَلْفُخَّارِينَ بَيْنَ دُورِ قَوْمٍ رُبَّمَا شَكَا جِيرَانُهَا دُخَانَهَا أَنَّ الْقَدِيمَ مِنْهَا لَا يَعْرِضُ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَنْ كَانَتْ لَهُ كُوَّةٌ قَدِيمَةٌ يَضُرُّ بِجَارِهِ لَا أَمْنَعُهُ مِنْ الْقَدِيمِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى نَصٍّ غَيْرِ مَا ذُكِرَ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي تِبْنِ الْأَنْدَرِ فَإِنَّهُمَا مُنِعَا مِنْهُ وَيَلْزَمُهُمَا مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْقَنَاةِ الْقَدِيمَةِ فِي الْحَائِطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : «نَهْيُهُ ﷺ عَنْ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ» رَوَى فِي الْمَجْمُوعَةِ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَالتَّرْغِيبِ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْجَارِ وَلَا يُقْضَى بِهِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو الْمُطَّلِبِ يَقْضِي بِهِ عِنْدَنَا وَمَا أَرَاهُ إلَّا دَلَالَةً عَلَى الْمَعْرُوفِ وَإِنَّنِي مِنْهُ فِي شَكٍّ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ هُوَ أَمْرٌ رَغَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ وَلَا يَقْضِي بِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ الْوُجُوبُ وَلَكِنَّهُ يَعْدِلُ عَنْهُ بِالدَّلِيلِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ عَلَى الْوُجُوبِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَضَرَّةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى صَاحِبِ الْجِدَارِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْجِدَارَ مِلْكٌ مَوْضُوعُهُ الْمُشَاحَّةُ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنَافِعَهُ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ كَرُكُوبِ دَابَّتِهِ وَلِبَاسِ ثَوْبِهِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَصِلُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى النَّدْبِ لَكِنَّهُ كَانَ يُوَبِّخُ مَنْ كَانَ يَتْرُكُ إبَاحَةَ ذَلِكَ لِجَارِهِ وَيَشُحُّ بِحَقِّهِ فَكَانَ يَجْرِي إلَى تَوْبِيخِهِ عَلَى تَرْكِ الْأَخْذِ بِمَا نَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إعْرَاضُ مَنْ كَانَ يُعْرِضُ عَنْهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَحْمِلُونَهُ عَلَى النَّدْبِ وَيَعْرِضُونَ عَنْ حَمْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَهُ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ مِنْ الْوُجُوبِ، وَإِنْ أَخَذُوا بِهِ بِخَاصَّةِ أَنْفُسِهِمْ وَأَبَاحُوا ذَلِكَ لِمَنْ جَاوَرَهُمْ رَغْبَةً فِيمَا رَغَّبَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمُبَادَرَةً إلَى مَا نَدَبَ إلَيْهِ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ عَلِمُوا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى النَّدْبِ وَالتَّرْغِيبِ وَيَعِيبُ مَنْ يَتْرُكُهُ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ فَيُعْرِضُونَ عَمَّا يَدْعُوهُمْ

стр. 1666

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] إلَيْهِ وَيُؤْثِرُونَ التَّمَسُّكَ بِمَا لَهُمْ التَّمَسُّكُ بِهِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَرَى إلْزَامَهُمْ ذَلِكَ لَحَكَمَ بِهِ وَوَبَّخَ الْحُكَّامَ عَلَى تَرْكِ الْحُكْمِ بِهِ وَلَمْ يُوَبِّخْ النَّاسَ عَلَى تَرْكِ الْإِبَاحَةِ لِمَا يَلْزَمُهُمْ إبَاحَتُهُ؛ لِأَنَّ الْحُكَّامَ لَهُمْ إجْبَارُهُمْ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي عَلَى رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الْقَضَاءِ بِالْمَمَرِّ فِي أَرْضِ الرَّجُلِ لِجَارِهِ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ أَنْ يَكُونَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَرْعٌ) قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَكُلُّ مَا طَلَبَهُ جَارُهُ مِنْ فَتْحِ بَابٍ وَإِرْفَاقٍ بِمَاءٍ أَوْ مُخْتَلَفٍ فِي طَرِيقٍ، أَوْ فَتْحِ طَرِيقٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَشِبْهِ ذَلِكَ فَهُوَ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي فِي التَّرْغِيبِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِمَّا لَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ وَلَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ أَبَاحَ لِجَارِهِ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يَنْزِعُهُ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى جِدَارِهِ لِأَمْرٍ لَا يُرِيدُ بِهِ الضَّرَرَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْزِعَهَا طَالَ الزَّمَانُ أَمْ قَصُرَ احْتَاجَ إلَى جِدَارِهِ، أَوْ اسْتَغْنَى عَنْهُ مَاتَ، أَوْ عَاشَ بَاعَ، أَوْ وَرِثَ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ صَاحِبَ الْجِدَارِ أَمْلَكُ بِجِدَارِهِ، وَقَدْ أَبَاحَ لِجَارِهِ مَنْفَعَةً كَلَّفَهُ بِهَا مُؤْنَةً وَنَفَقَةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْطِلَ عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ وَمَا يَمُونُ بِمُجَرَّدِ الْإِضْرَارِ بِهِ فَإِذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ كَانَ أَحَقَّ بِمَالِهِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ أَنْ لَا يَمْنَعَهُ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ عَلَى الْحَضِّ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا رُوِيَ وَإِذَا أَذِنَ لَهُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهَا عَطِيَّةٌ يَتَكَلَّفُ مِنْ أَجْلِهَا مُؤْنَةٌ وَعَمَلٌ كَمَا لَوْ وَعَدَهُ أَنْ يُعِيرَهُ شَيْئًا أَوْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ شَيْئًا. (فَرْعٌ) وَهَلْ يَلْزَمُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْإِذْنِ الظَّاهِرِ مِنْ قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ فَقَدْ لَزِمَهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَقَالَا: إنَّ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيمَا أَذِنَ فِيهِ مِمَّا يَقَعُ فِيهِ الْعَمَلُ وَالِارْتِفَاقُ مِنْ غَرْزِ الْخَشَبِ وَبِنَاءِ أَسَاسِ جِدَارٍ وَالْإِرْفَاقِ بِمَاءِ الْعُيُونِ وَالْآبَارِ لِمَنْ يُنْشِئُ عَلَيْهَا غَرْسًا وَيَبْتَدِئُ عَمَلًا مِمَّا قَلَعَهُ وَرَدَّهُ كَمَا كَانَ فَسَادًا، أَوْ ضَرَرًا صَغُرَتْ الْمُؤْنَةُ، أَوْ عَظُمَتْ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَاشَ، أَوْ مَاتَ بَاعَ، أَوْ وَرِثَ احْتَاجَ أَوْ اسْتَغْنَى وَهُوَ كَالْعَطِيَّةِ وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّفُ فِيهِ كَبِيرُ عَمَلٍ وَلَا إنْفَاقٌ مِنْ فَتْحِ بَابٍ، أَوْ فَتْحِ طَرِيقٍ إلَى مَالِ الْآذِنِ، أَوْ أَرْضِهِ، أَوْ إرْفَاقٍ بِالشُّفْعَةِ، أَوْ لِسَقْيِ شَجَرَةٍ قَدْ سُقِيَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ نَضَبَ مَاؤُهَا فَهَذَا لَهُ الرُّجُوعُ إذَا شَاءَ وَيَقْطَعُ مَا أَذِنَ فِيهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ فِي فَتْحِ الْبَابِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا فَتْحٌ يَدْخُلُ مِنْهُ وَيَخْرُجُ فَصَحِيحٌ جَارٍ عَلَى أَصْلِهِمَا، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ مِثْلَ قَوْلِهَا. وَقَالَ أَصْبَغُ ذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ عِنْدِي مَا فِيهِ عَمَلٌ وَإِنْفَاقٌ وَمَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إذَا أَبَاحَهُ وَأَتَى عَلَيْهِ مِنْ الزَّمَانِ مَا يُعَارُ مِثْلُهُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ فَلَهُ مَنْعُهُ إلَّا فِي الْغَرْسِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. (فَرْعٌ آخَرُ) فَإِذَا قُلْنَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا فِيهِ إنْفَاقٌ وَعَمَلٌ مَعَ إطْلَاقِ الْإِذْنِ فَإِنْ شَرَطَ الرُّجُوعَ فِي ذَلِكَ مَتَى شَاءَ فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ الشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ شَرْطِ الضَّرَرِ وَالتَّغْرِيرِ بِالْعَامِلِ وَالْإِذْنُ نَافِذٌ بَعْدَ الْعَمَلِ وَهُوَ قَبْلَ الْعَمَلِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ غَيْرُ نَافِذٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ فَاتَ بِالْعَمَلِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ عِوَضٌ فَيَرُدُّوا مَا قَبْلَ الْعَمَلِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ لِمَا قُرِنَ بِهِ مِنْ الشَّرْطِ الَّذِي لَا يَجُوزُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَرْعٌ) وَمَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ لِعَدَمِ الْإِنْفَاقِ فِيهِ مَعَ إطْلَاقِ الْإِذْنِ فَإِذَا قَيَّدَهُ بِأَجَلٍ فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ قَبْلَ بُلُوغِ الْأَجَلِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَهَبَ لَهُ مَنْفَعَةً مُقَدَّرَةً بِزَمَنٍ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ فَأَبَاحَ لَهُ وَضْعَ الْخَشَبِ إبَاحَةً مُطْلَقَةً مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِأَجَلٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ عَنْهُ فِيمَنْ أَبَاحَ لِرَجُلٍ الْبِنَاءَ فِي عَرَصَتِهِ ثُمَّ أَرَادَ مَنْعَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ فَلَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهُ، وَقَدْ لَزِمَهُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْإِذْنِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ

стр. 1667

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الضَّحَّاكِ بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ خَلِيجًا لَهُ مِنْ الْعَرِيضِ فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَأَبَى مُحَمَّدٌ فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ لِمَ تَمْنَعُنِي وَهُوَ لَك مَنْفَعَةٌ تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَلَا يَضُرُّك؟ فَأَبَى مُحَمَّدٌ فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا، فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ تَمْنَعُ أَخَاك مَا يَنْفَعُهُ وَهُوَ لَك نَافِعٌ تَسْقِي بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَهُوَ لَا يَضُرُّك؟ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا وَاَللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ ــ [المنتقى] أَذِنَ فِيمَا لَهُ مَنْعُهُ فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّقَ حَقُّ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهِ بِالْعَمَلِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي عَمَلٍ يَلْزَمُهُ بِهِ التَّمَوُّنُ وَالنَّفَقَةُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا قَالَ اشْتَرِ هَذِهِ الدَّابَّةَ وَأَنَا أُسَلِّفُك ثَمَنَهَا. (فَرْعٌ) وَأَمَّا إذَا بَنَى ثُمَّ أَرَادَ إخْرَاجَهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَّا إنْ أَعْطَاهُ قِيمَةَ مَا أَنْفَقَ وَرَوَى الدِّمْيَاطِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ وَإِنْ أَعْطَاهُ مَا أَنْفَقَ. وَقَالَ أَصْبَغُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ، وَإِنْ أَعْطَاهُ قِيمَتَهُ قَائِمًا وَاخْتَارَهُ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ. وَقَالَ أَشْهَبُ فِي كُتُبِهِ لَهُ إخْرَاجُهُ وَيَأْمُرُهُ بِقَلْعِ بُنْيَانِهِ، أَوْ يُعْطِيه قِيمَتَهُ مَنْقُوضًا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ إذْنٌ فِي مَنْفَعَةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَكِنَّهُ لَمَّا تَمَوَّنَ وَأَنْفَقَ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَّا أَنْ يُجْبَرَ عَلَيْهِ مَا كَانَ إذْنُهُ سَبَبًا لِإِتْلَافِهِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ لِمَا اقْتَرَنَ بِالْوَعْدِ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْمُؤْنَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ أَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ فَلِلْآذِنِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ مَتَى شَاءَ وَالْمُعَارُ مُفَرِّطٌ حَيْثُ لَمْ يَتَوَثَّقْ بِضَرْبِ الْأَجَلِ وَبِهَذَا احْتَجَّ أَشْهَبُ. (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا إخْرَاجُهُ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ حَقُّهُ فَفِي نَوَادِرِ أَبِي مُحَمَّدٍ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَدْفَعُ إلَيْهِ مَا أَنْفَقَ قَالَ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إذَا دَفَعَ مَا أَنْفَقَ، وَهَذَا الَّذِي ثَبَتَ فِي كِتَابِي فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ عَنْ الْمُغِيرَةِ وَابْنِ كِنَانَةَ يَدْفَعُ إلَيْهِ قِيمَةَ بُنْيَانِهِ قَائِمًا وَنَحْوَهُ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ وَجْهُ قَوْلِهِ يَدْفَعُ إلَيْهِ مَا أَنْفَقَ أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي يُمَوِّنُهُ لِسَبَبِ إذْنِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ إذَا أَرَادَ إخْرَاجَهُ عَدَمُ ذَلِكَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِ قِيمَةَ نَفَقَتِهِ، وَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ تَبْذِيرًا وَخَطَأً فَلَمْ يَجِدْهُ عَلَيْهِ إذْنُهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ أَنَّ الْبُنْيَانَ قَدْ مَلَكَهُ بِتَمَامِهِ بِالنَّفَقَةِ وَالتَّمَوُّنِ وَهُوَ الَّذِي أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ بِإِخْرَاجِهِ بَعْدَ الْإِذْنِ فَعَلَيْهِ غُرْمُ قِيمَتِهِ ذَلِكَ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا لَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهُ بِقُرْبِ تَمَامِ بُنْيَانِهِ فَمَتَى يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا اسْتَكْمَلَ مَا يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ بُنِيَ لِيَسْكُنَ مِثْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ لِطُولِهَا وَرَوَى عَنْهُ الدِّمْيَاطِيُّ إذَا مَضَى مِنْ الْمُدَّةِ مِقْدَارُ مَا يُعَارُ إلَى مِثْلِهِ فَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ وَرَوَى مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ كُلَّ بَانٍ وَغَارِسٍ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِإِذْنِهِمْ، أَوْ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَمْنَعُوهُ فَلَهُ قِيمَةُ ذَلِكَ قَائِمًا كَالْبَانِي بِشُبْهَةٍ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تَقْتَضِي تَمْلِيكَ الرَّقَبَةِ وَإِنَّمَا تَقْتَضِي الْإِرْفَاقَ بِالْمَنَافِعِ مُدَّةً فَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمُدَّةُ مُقَدَّرَةً بِالْأَجَلِ رَجَعَ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُمَا مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهُمَا بِإِبْطَالِ مَا بَنَيَاهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُمَا قِيمَتَهُ قَائِمًا كَالْبَانِي بِشُبْهَةٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ ضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ وَقَبْلَ الْبِنَاءِ وَلَا بَعْدَهُ قَالَ؛ لِأَنَّك قَدْ أَوْجَبْت ذَلِكَ لَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَقْدٌ لَزِمَ لِمَا تَقَرَّرَ بِالْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ يَقُولُ لِرَجُلٍ أُسَلِّفُك، أَوْ أَرْهَنُك وَلَمْ يُقَرِّرْ السَّلَفَ وَلَا الْهِبَةَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَلَوْ قَدَّرَهَا لَلَزِمَهُ ذَلِكَ إذَا عَلَّقَ ذَلِكَ بِعَقْدٍ، أَوْ عَمَلٍ فِيهِ نَفَقَةٌ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ هَكَذَا تَقَيَّدَ فِي كِتَابِي فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَفِي كِتَابِ أَبِي الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي اخْتِلَافِ الْمُوَطِّئَاتِ، وَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيُّ سَأَلْت أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ الْغَنِيِّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِي: كُلُّ النَّاسِ يَقُولُونَ خَشَبُهُ عَلَى الْجَمْعِ غَيْرَ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ خَشَبَةٌ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

стр. 1668

لَيَمُرُّنَّ بِهِ، وَلَوْ عَلَى بَطْنِك فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ إنَّ الضَّحَّاكَ سَاقَ خَلِيجًا لَهُ وَهُوَ الْمَاءُ يَخْتَلِجُ مِنْ شَقِّ النَّهْرِ وَالْعَرِيضُ مَوْضِعٌ، أَوْ نَهْرٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ بَيْنَ الْخَلِيجِ وَأَرْضِ الضَّحَّاكِ أَرْضٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَأَرَادَ أَنْ يُمِرَّهُ فِيهِ فَمَنَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَاحْتَجَّ عَلَيْهِ الضَّحَّاكُ بِأَنْ قَالَ لَهُ لِمَ تَمْنَعُنِي وَلَك مَنْفَعَةٌ تَشْرَبُ مِنْهُ أَوَّلًا وَآخِرًا وَلَا يَضُرُّك يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الضَّحَّاكُ أَنْ يُمِرَّهُ فِي أَرْضِهِ بِهَذَا الشَّرْطِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ بِهِ مَتَى شَاءَ وَمِثْلُ هَذَا عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ شُرْبِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا مَجْهُولٌ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ فِيمَنْ أَعْطَى رَجُلًا أَرْضَ حَائِطٍ لَهُ وَتُرَابَهُ عَلَى أَنْ يَبْنِيَهُ الرَّجُلُ بِطُوبِهِ وَنَفَقَتِهِ فَإِذَا تَمَّ الْجِدَارُ حَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ مَا شَاءَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَيْسَ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَلَا مَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْلُومٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ مَا يَمُرُّ فِي أَرْضِك مِنْ الْمِيَاهِ إنْ كَانَ مَجْرَى الْمَاءِ مُتَّصِلًا بِأَرْضِهِ فَيَصِلُ فِي أَرْضِهِ وَهُوَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ مَجْرًى عَلَى غَيْرِ أَرْضِ مُحَمَّدٍ فَأَرَادَ الضَّحَّاكُ أَنْ يَجْعَلَ مَجْرَاهُ عَلَى أَرْضِ مُحَمَّدٍ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى سَقْيِ أَرْضِهِ فَيَكُونَ مُحَمَّدٌ أَحَقَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْأَعْلَى. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ لَهُ مَاءٌ وَرَاءَ أَرْضٍ وَلَهُ أَرْضٌ دُونَ أَرْضٍ فَأَرَادَ أَنْ يُجْرِيَ مَاءَهُ فِي أَرْضٍ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ وَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ. وَقَالَ عَنْهُ أَشْهَبُ كَانَ يُقَالُ يُحْدِثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةً بِقَدْرِ مَا يُحْدِثُونَ مِنْ الْفُجُورِ قَالَ مَالِكٌ وَأَخَذَ بِهَا مَنْ يُوثَقُ بِهِ فَلَوْ كَانَ مُعْتَدِلًا فِي زَمَانِنَا هَذَا كَاعْتِدَالِهِ فِي زَمَانِ عُمَرَ رَأَيْت أَنْ يُقْضَى لَهُ بِإِجْرَاءِ مَائِهِ فِي أَرْضِك؛ لِأَنَّك تَشْرَبُ مِنْهُ أَوَّلًا وَآخِرًا وَلَا يَضُرُّك وَلَكِنْ فَسَدَ النَّاسُ وَاسْتَحَقُّوا التُّهَمَ فَأَخَافُ أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ وَيَنْسَى مَا كَانَ عَلَيْهِ جَرْيُ هَذَا الْمَاءِ، وَقَدْ يَدَّعِي جَارُك عَلَيْك بِهِ دَعْوَى فِي أَرْضِك. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ نَحْوَهُ وَرَوَى زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِهِ فَلْيَقْضِ عَلَيْهِ بِمُرُورِهِ فِي أَرْضِهِ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ كَانَتْ أَرْضُك أُحْيِيَتْ بَعْدَ إحْيَاءِ عَيْنِهِ وَأَرْضِهِ كَانَ لَهُ الْمَمَرُّ فِي أَرْضِك وَأَنْ يُجْرِيَ مَاءَهُ فِيهَا إلَى أَرْضِهِ بِالْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَتْ أَرْضُك قَبْلَ عَيْنِهِ وَقَبْلَ أَرْضِهِ فَلَيْسَ فِي أَرْضِك مَمَرٌّ إلَى عَيْنِهِ وَلَا لِعَيْنِهِ مَمَرٌّ فِي أَرْضِك إلَى أَرْضِهِ. فَعَلَى هَذَا يَحْتَمِلُ فِعْلُ عُمَرَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلِمَالِكٍ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: الْمُخَالَفَةُ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاخْتَارَهَا عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا يَحْلِبَنَّ أَحَدُكُمْ مَاشِيَةَ أَخِيهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» وَاللَّبَنُ يَتَجَدَّدُ وَيَخْلُفُهُ غَيْرُهُ وَالْأَرْضُ الَّتِي يَمُرُّ فِيهَا بِالسَّاقِيَةِ لَا يُعْتَاضُ مِنْهَا. وَالثَّانِي الْمُوَافَقَةُ لَهُ عَلَى وَجْهٍ وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مُخَالَفَةَ أَهْلِ زَمَنِ مَالِكٍ لِأَهْلِ زَمَنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحُكْمِ إنَّمَا كَانَ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَأَنَّ أَهْلَ زَمَنِهِ قَوِيَتْ فِيهِمْ التُّهْمَةُ بِاسْتِحْلَالِ مَا لَمْ يَكُنْ يَسْتَحِلُّهُ أَهْلُ زَمَنِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَأَنَّ حُكْمَ ابْنِ الْخَطَّابِ تَمَثَّلَ فِي الْأَزْمِنَةِ الَّتِي يَعُمُّ أَهْلُهَا وَيَغْلِبُ عَلَيْهِمْ الصَّلَاحُ وَالدِّينُ وَالتَّحَرُّجُ عَمَّا لَا يَحِلُّ وَأَنَّ الزَّمَنَ الَّذِي يَعُمُّ أَهْلُهُ أَوْ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ اسْتِحْلَالُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ لَوَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ فِيهِمْ بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَطُولُ الْأَمْرُ فَيَدَّعِي صَاحِبُ الْمَاءِ الْمَمَرَّ فِي أَرْضِ مَنْ قُضِيَ لَهُ بِإِمْرَارِهِ فِي أَرْضِهِ فَيَدَّعِي مِلْكَ رَقَبَةِ الْمَمَرِّ وَيَدَّعِي فِيهَا حُقُوقًا فَيَشْهَدُ لَهُ مَا قَضَى لَهُ بِهِ وَهَذِهِ رِوَايَةُ أَشْهَبَ وَاخْتَارَهَا ابْنُ كِنَانَةَ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَرْضُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ إنَّمَا صَارَتْ إلَيْهِ بِأَنْ أَحْيَاهَا بَعْدَ أَنْ أَحْيَا الضَّحَّاكُ بْنُ خَلِيفَةَ أَرْضَهُ وَمَلَكَ مَاءَهُ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: الْأَخْذُ بِقَوْلِ عُمَرَ وَحَمْلُهُ عَلَى إطْلَاقِ لَفْظِهِ وَهِيَ رِوَايَةُ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْدَلُسِيِّ حَكَاهَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ وَأَصْلُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَالضِّرَارُ إدْخَالُ الضَّرَرِ عَلَى الْجَارِ دُونَ مَنْفَعَةٍ

стр. 1669

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ فِي حَائِطِ جَدِّهِ رَبِيعٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنْ يُحَوِّلَهُ إلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْحَائِطِ هِيَ أَقْرَبُ إلَى أَرْضِهِ فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ فَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ فَقَضَى لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِتَحْوِيلِهِ) . ــ [المنتقى] لِمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ الضَّرَرَ وَأَنْكَرَ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَالِكٍ أَنَّهُ رَوَى حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ وَلَيْسَ كَمَا أَنْكَرَ فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ مِمَّنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ عَلَى مَنْعِهِ ذَلِكَ، وَلَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الضَّحَّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ لَمَا أَقْسَمَ عَلَى مَنْعِهِ بِحَضْرَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّنَا ذَكَرْنَا وُجُوهًا مِنْ مُوَافَقَةِ مَالِكٍ لِعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمْ يَقْضِ بِذَلِكَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَإِنَّمَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ لَمَّا أَقْسَمَ تَحَكُّمًا عَلَيْهِ فِي الرُّجُوعِ إلَى الْأَفْضَلِ فَقَدْ يُقْسِمُ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ فِي مَالِهِ تَحَكُّمًا عَلَيْهِ وَثِقَةً بِأَنَّهُ لَا يُحْنِثُهُ فَيَبِرُّ بِقَسَمِهِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ قَدْ أَقْسَمَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَفَّرَ هُوَ عَنْ يَمِينِهِ إكْرَامًا لَهُ وَإِيجَابًا لَا سِيَّمَا إذَا دَعَاهُ إلَى أَمْرٍ هُوَ أَفْضَلُ مِمَّا ذَهَبَ هُوَ إلَيْهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُمَرَ لِابْنِ مَسْلَمَةَ وَاَللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ، وَلَوْ عَلَى بَطْنِك دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ دُونَ الْأَلْفَاظِ فِي الْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ عُمَرَ لَا يَسْتَجِيزُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ عَلَى بَطْنِ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ كَانَ يَمِينُهُ عَلَى مَعْنَى التَّحَكُّمِ عَلَيْهِ فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ لَا يَسْمَحُ بِمِثْلِ هَذَا وَلَا يُتَحَكَّمُ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ، وَلَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يُخَالِفُ حُكْمِي عَلَيْك بِمَا أَرَى أَنَّهُ الْحَقُّ وَحَارَبْتَ وَأَدَّتْ الْمُحَارَبَةُ إلَى مَالِكٍ وَإِجْرَائِهِ عَلَى بَطْنِك لَفَعَلْتُ ذَلِكَ فِي نُصْرَةِ الْحُكْمِ بِالْحَقِّ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : قَوْلُهُ كَانَ فِي حَائِطِ جَدِّهِ رَبِيعٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ يَحْيَى الرَّبِيعُ السَّاقِيَةُ الظَّاهِرَةُ وَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنْ يُحَوِّلَهُ عَنْ مَكَانِهِ مِنْ الْحَائِطِ إلَى مَكَان هُوَ أَقْرَبُ إلَى حَائِطِهِ لِيَقْرُبَ تَنَاوُلُهُ وَتَقِلَّ مَسَافَتُهُ لِمَا يَحْتَاجُ مِنْ إصْلَاحِهِ فَقَضَى عُمَرُ بِذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمَّا مَنَعَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَرَوَى عِيسَى فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَرَى لَهُ تَحْوِيلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَرَوَى زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَالِكٍ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِهِ فَلْيَقْضِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَهَذَا فِيمَا يُرَادُ تَحْوِيلُهُ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَرَوَاهُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ، وَوَجْهُ الْقَوْلَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَدْ يُرِيدُ صَاحِبُ الْحَائِطِ تَحْوِيلَ سَاقِيَتِهِ، أَوْ طَرِيقٍ لِغَيْرِهِ فِي أَرْضِهِ إلَى مَوْضِعٍ هُوَ أَرْفَقُ بِهِ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي أَرْضَيْنِ لِرَجُلٍ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ فَأَرَدْت دَفْعَ الطَّرِيقِ إلَى أَرْضِي إذْ هُوَ أَرْفَقُ بِي وَبِأَهْلِ الطَّرِيقِ فَقَالَ لَيْسَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءَ الْقَرِيبَ كَقَدْرِ عَظْمِ الذِّرَاعِ وَلَا مَضَرَّةَ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُجْرِيَ طَرِيقًا، وَإِنْ كَانَتْ أَسْهَلَ مِنْ الْأُولَى وَإِنْ أَذِنَ بِذَلِكَ مَنْ جَاوَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى؛ لِأَنَّهَا طَرِيقٌ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَأْذَنُ فِيهَا بَعْضُهُمْ إلَّا أَنْ تَكُونَ الطَّرِيقُ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ فَيَأْذَنُونَ فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَنْظُرُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ رَأَى تَحْوِيلَهَا مَنْفَعَةً لِلْعَامَّةِ فِي سُهُولَتِهَا وَقُرْبِهَا، أَوْ أَقْرَبَ وَأَسْهَلَ فَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى أَحَدٍ مَنَعَ مِنْهُ، وَإِنْ حَوَّلَهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ نَظَرَ فِيهِ فَإِنْ رَأَى ذَلِكَ صَوَابًا أَمْضَاهُ وَإِلَّا رَدَّهُ.

стр. 1670

الْقَضَاءُ فِي قَسْمِ الْأَمْوَالِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلِيِّ أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَيُّمَا دَارٍ أَوْ أَرْضٍ قُسِمَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهِيَ عَلَى قَسْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَيُّمَا دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَدْرَكَهَا الْإِسْلَامُ وَلَمْ تُقْسَمْ فَهِيَ عَلَى قَسْمِ الْإِسْلَامِ» ) ــ [المنتقى] [الْقَضَاءُ فِي قَسْمِ الْأَمْوَالِ] (ش) : قَوْلُهُ أَيُّمَا دَارٍ، أَوْ أَرْضٍ قُسِمَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ نَفَذَتْ قِسْمَتُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ التَّأْوِيلُ الظَّاهِرُ مِنْ تَأْوِيلِ ابْنِ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا اُسْتُحِقَّتْ سِهَامُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِأَنْ مَاتَ مَيِّتٌ فَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا فَصَارَ اسْتِحْقَاقُهُمْ لِسِهَامِهِمْ عَلَى أَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْقِسْمَةِ بِهَا يُرِيدُ ﷺ تَرْكَ الرَّدِّ لِمَا سَلَفَ مِنْ عُقُودِهِمْ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ وَإِمْضَائِهَا عَلَى مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ لَا يُرَدُّ شَيْءٌ مِنْ بُيُوعِهِمْ وَلَا أَنْكِحَتِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً بَلْ يُصَحِّحُ الْإِسْلَامُ الْمِلْكَ الْوَاقِعَ بِهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَأَيُّمَا دَارٍ، أَوْ أَرْضٍ أَدْرَكَهَا الْإِسْلَامُ وَلَمْ تُقْسَمْ فَهِيَ عَلَى قَسْمِ الْإِسْلَامِ يَحْتَمِلُ مِنْ التَّأْوِيلِ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَالظَّاهِرُ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ مَالِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ مُشْتَرَكًا فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامُ وَلَمْ تُقْسَمْ فَهِيَ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ دُونَ مَا كَانُوا يَعْتَقِرُونَهُ وَيَقْتَسِمُونَ عَلَيْهِ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ مِثْلُ أَنْ يَرِثُوا دَارًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَا يَقْتَسِمُونَهَا حَتَّى يَدْخُلَ عَلَى جَمِيعِهِمْ الْإِسْلَامُ فَإِنَّهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا عَلَى مَوَارِيثِ الْإِسْلَامِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَجُوسِ وَالْفُرْسِ وَالْفِرَازِيَّةِ وَكُلِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ كِتَابٌ فَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ أَنْ وَرِثُوا دَارًا فَإِنَّهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا عَلَى مُقْتَضَى شَرْعِهِمْ يَوْمَ وَرِثُوهَا وَرَوَى مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْكُفَّارِ كُلِّهِمْ أَهْلَ كِتَابٍ كَانُوا، أَوْ غَيْرَ أَهْلِ كِتَابٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ كَانَتْ شَرِيعَتُهُمْ أَحْكَامُهَا ثَابِتَةٌ مَشْرُوعَةٌ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَدْرِي مَا غَيَّرُوا مِنْهَا، وَقَدْ طَرَأَ عَلَيْهَا النَّسْخُ وَلِذَلِكَ كَانَتْ أَحْكَامُ نِسَائِهِمْ فِي جَوَازِ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ غَيْرَ أَحْكَامِ نِسَاءِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلِذَلِكَ جَازَ لَنَا أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ دُونَ ذَبَائِحِ غَيْرِهِمْ وَالْمَوَارِيثُ إنَّمَا يُرَاعَى اسْتِحْقَاقُهَا يَوْمَ التَّوَارُثِ لَا يَوْمَ الْقِسْمَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّصْرَانِيَّ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَرِثْهُ أَحَدٌ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ؟ ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ وَرَثَتِهِ يَوْمَ وَفَاتِهِ وَهُوَ يَوْمُ انْتِقَالِ الْمَالِ، وَنَتَأَوَّلُ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ لَفْظَهُ عَامٌّ، وَقَدْ خُصَّ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَإِنَّمَا يَنْطَلِقُ ظَاهِرُهَا عَلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَنَحْمِلُهُ أَيْضًا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ أَدْرَكَ الْإِسْلَامُ قِسْمَتَهَا بِالِاسْتِحْقَاقِ دُونَ ضَرْبِ الْحُدُودِ وَتَمْيِيزِ مَوَاضِعِ الْحُقُوقِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ التَّعَلُّقُ بِعُمُومِ الْخَبَرِ وَلَمْ يَخُصَّ أَهْلَ كِتَابٍ مِنْ غَيْرِهِمْ. (فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا أَسْلَمَ جَمِيعُهُمْ فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ فَقَدْ اتَّفَقَ مَالِكٌ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَسْلَمَ جَمِيعُهُمْ إلَّا وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَإِنَّ الْقِسْمَةَ تَكُونُ عَلَى أَصْلِ حُظُوظِهِمْ وَرَوَاهُ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ. وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: إنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ يَغْلِبُ عَلَى حُكْمِ الْكُفْرِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَفِي هَذَا الْقَوْلِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُمَا يَوْمَ الْقِسْمَةِ كَانَا كَافِرَيْنِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْفُقَهَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَسَاغَ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إنَّهُ لَا يُقَسَّمُ إلَّا عَلَى مُقْتَضَى شَرْعِهِمْ وَإِنْ أَسْلَمَ جَمِيعُهُمْ وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى قَسْمِ الْإِسْلَامِ عَلَى صِفَتِهِ مِنْ الصِّحَّةِ وَسَلَامَتِهِ مِمَّا يُفْسِدُ الْبُيُوعَ عِنْدَ مَنْ جَعَلَهَا بَيْعًا وَسَلَامَتِهِ مِمَّا يُفْسِدُ الْقِسْمَةَ عِنْدَ مَنْ جَعَلَهَا تَمْيِيزَ حَقٍّ وَأَنْ تَكُونَ مَقَادِيرُ سِهَامِهِمْ وَاسْتِحْقَاقِهِمْ لَهَا عَلَى مَا أَوْجَبَهُ شَرْعُهُمْ يَوْمَ التَّوَارُثِ، وَإِنَّمَا عَدَلْنَا عَنْ هَذَا الْوَجْهِ مَعَ احْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهُ بَلْ مَعَ كَوْنِهِ الْأَظْهَرَ مِنْ

стр. 1671

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] اللَّفْظِ لِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقِسْمَةِ هَلْ هِيَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ أَوْ تَمْيِيزُ حَقٍّ؟ وَلِأَصْحَابِنَا مَسَائِلُ تَقْتَضِي كِلَا الْقَوْلَيْنِ وَنَحْنُ نُنَبِّهُ عَلَيْهَا عِنْدَ ذِكْرِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَقَاسِمَيْنِ يَبِيعُ حِصَّتَهُ مِمَّا خَرَجَ عَنْهُ بِحِصَّةِ شَرِيكِهِ مِمَّا صَارَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ حِصَّةِ صَاحِبِهِ مِنْ الْجُزْءِ الَّذِي صَارَ إلَيْهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْجُزْءِ الَّذِي أَخَذَهُ صَاحِبُهُ وَهَذِهِ مُعَاوَضَةٌ وَمُبَايَعَةٌ مَحْضَةٌ، وَوَجْهُ قَوْلِنَا إنَّهَا تَمْيِيزُ حَقٍّ: أَنَّهُ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى اخْتِيَارِ الْمُتَقَاسِمَيْنِ بَلْ قَدْ يَجُوزُ فِيهِ الْمُخَاطَرَةُ بِالْقُرْعَةِ وَذَلِكَ يُنَافِي الْبَيْعَ فَثَبَتَ أَنَّهَا تَمْيِيزُ حَقٍّ. وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ فِي ثَلَاثَةِ إخْوَةٍ وَرِثُوا ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ فَاقْتَسَمُوهُمْ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ عَبْدًا فَمَاتَ عَبْدُ أَحَدِهِمْ وَاعْتَرَفَ عَبْدُ الْآخَرِ فَمَنْ مَاتَ بِيَدِهِ الْعَبْدُ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ وَلَا يُرْجَعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَيَرْجِعُ الَّذِي اسْتَحَقَّ فِي يَدِهِ الْعَبْدُ عَلَى أَخِيهِ الَّذِي بَقِيَ عِنْدَهُ الْعَبْدُ فَيَكُونُ لَهُ ثُلُثُهُ وَلِلَّذِي هُوَ بِيَدِهِ ثُلُثَاهُ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ فَلَوْ كَانَتْ الْقِسْمَةُ كَالْبَيْعِ لَرَجَعَ مَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْ يَدَيْهِ الْعَبْدُ عَلَى أَخِيهِ الَّذِي مَاتَ عِنْدَهُ الْعَبْدُ بِثُلُثِ قِيمَتِهِ وَلَكِنْ لَيْسَ كَالْبَيْعِ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ الْقَسْمُ لَيْسَ كَالْبَيْعِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْأَصْلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: قِسْمَةُ مُهَايَأَةٍ وَهِيَ أَنْ يَتَهَايَأَ الشَّرِيكَانِ فَيَأْخُذَ هَذَا دَارًا يَسْكُنُهَا، وَهَذَا دَارًا يَسْكُنُهَا، وَهَذَا أَرْضًا يَزْرَعُهَا، وَهَذَا أَرْضًا يَزْرَعُهَا فَيَجُوزُ ذَلِكَ بِالتَّرَاضِي وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ يُجْبَرُ عَلَيْهَا مَنْ أَبَاهَا؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْمَنَافِعِ لَيْسَتْ بِقِسْمَةِ بَيْعٍ وَقِسْمَةَ الرِّقَابِ قِسْمَةُ بَيْعٍ يَأْخُذُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ دَارًا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الْآخَرُ دَارًا أُخْرَى فَهَذِهِ قِسْمَةٌ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ وَمَحْصُولُهَا إنْ بَاعَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ مِنْ إحْدَى الدَّارَيْنِ بِحِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْ الدَّارِ الْأُخْرَى وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ قِسْمَةُ قِيمَةٍ وَتَعْدِيلٍ وَذَلِكَ إذَا كَانَتْ الدَّارَانِ مُخْتَلِفَتَيْ الْبِنَاءِ وَالْبُسْتَانُ الْمُخْتَلِفُ الْغِرَاسِ تَخْتَلِفُ قِيمَةُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ مِنْ نَخْلٍ وَشَجَرٍ فَإِنَّهَا تُعَدَّلُ بِالْقِيمَةِ وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا بِالسِّهَامِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ كُلُّهُ فِيهِ نَظَرٌ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ شُيُوخُنَا الْمَغَارِبَةُ أَنَّ الْقِسْمَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:. قِسْمَةُ قُرْعَةٍ بَعْدَ تَعْدِيلٍ وَهِيَ الَّتِي يُجْبَرُ عَلَيْهَا مَنْ أَبَى الْقِسْمَةَ فِيمَا يَنْقَسِمُ، وَقِسْمَةُ مُرَاضَاةٍ وَمُهَايَأَةٍ بَعْدَ تَقْوِيمٍ وَتَعْدِيلٍ، وَقِسْمَةُ مُرَاضَاةٍ مِنْ غَيْرِ تَقْوِيمٍ وَلَا تَعْدِيلٍ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَضْرُبِ أَحْكَامٌ يَخْتَصُّ بِهَا. (فَرْعٌ) فَأَمَّا قِسْمَةُ الْقُرْعَةِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ فِي الْمُتَمَاثِلِ، أَوْ الْمُتَجَانِسِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ وَشَرْحُهُ بَعْدَ هَذَا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَجْمَعَ فِيهَا أَيْضًا الثَّمَنَ لِغَيْرِ عِلَّةٍ بَلْ يُقَدَّرُ نَصِيبُ كُلِّ إنْسَانٍ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا عَلَى نِهَايَةِ الْمُشَاحَّةِ وَاسْتِقْصَاءِ الْحُقُوقِ وَاخْتِيَارُ أَحَدِهِمَا أَنْ يَكُونَ سَهْمُهُ إلَى جَانِبِ سَهْمٍ آخَرَ مُعَيَّنٍ يُنَافِي اسْتِقْصَاءِ الْحُقُوقِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَصِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يُقَسِّمَ الْعَرْصَةَ وَتُحَقَّقَ عَلَى أَقَلِّ سِهَامِ الْفَرِيضَةِ فَمَا كَانَ مُتَسَاوِيًا قُسِمَ بِالذَّرْعِ وَمَا اخْتَلَفَ أَجْزَاؤُهُ قُسِمَ بِالْقِيمَةِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ، وَقَالَ هُوَ قَوْلُ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فَرُبَّمَا كَانَ الْحَدُّ الْوَاحِدُ مِنْ أَحَدِ طَرَفَيْ الْعَرْصَةِ يَعْدِلُ حَدَّ شِقٍّ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، وَحَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ سَحْنُونٍ فِي الشَّجَرِ يُقَوِّمُ الْقَاسِمُ كُلَّ شَجَرَةٍ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ وَإِلَّا سَأَلَ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِالْقِيمَةِ، وَمَنْ يَحْبِسُ حَمْلَ كُلِّ شَجَرَةٍ فَرُبَّ شَجَرَةٍ لَهَا مَنْظَرٌ وَلَا فَائِدَةَ لَهَا وَأُخْرَى يَكْثُرُ حَمْلُهَا وَلَا مَنْظَرَ لَهَا وَإِذَا قُوِّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ جَمَعَ الْقِيمَةَ فَقَسَمَهَا عَلَى قَدْرِ السِّهَامِ ثُمَّ يَكْتُبُ أَسْمَاءَ الشُّرَكَاءِ فِي رِقَاعٍ وَيُجْعَلُ فِي طِينٍ أَوْ شَمْعٍ ثُمَّ يَرْمِي كُلَّ بُنْدُقَةٍ فِي حَقِّهِ فَمَنْ حَصَلَ اسْمُهُ فِي جِهَةٍ أَخَذَ حَقَّهُ مُتَّصِلًا فِي تِلْكَ الْجِهَةِ. وَقِيلَ تُكْتَبُ الْجِهَاتُ ثُمَّ يُخْرِجُ أَوَّلَ بُنْدُقَةٍ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَأَوَّلَ بُنْدُقَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ فَيُعْطَى مَنْ خَرَجَ اسْمُهُ نَصِيبَهُ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ

стр. 1672

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا يَقْتَضِيه قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنْ تُكْتَبَ الْأَسْمَاءُ فِي رِقَاعٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ السِّهَامُ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ أَخَوَانِ وَأُخْتٌ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فَهَذِهِ تُقَسَّمُ الْأَرْضُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ وَتُضْرَبُ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ يُرِيدُ يَكْتُبُ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي رُقْعَةٍ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ قَالَ وَقِيلَ يَضْرِبُ بِخَمْسَةِ أَسْهُمٍ يُرِيدُ وَيَكْتُبُ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي رُقْعَتَيْنِ وَاسْمَ الْبِنْتِ فِي رُقْعَةٍ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ إنَّمَا يُخْرِجُك إلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ وَالضَّرْبُ بِهَا يَكُونُ ضَرْبَيْنِ لَا أَكْثَرَ قَالَ وَيَسْتُرُ ثُمَّ يَتَّفِقُ عَلَى أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَخْذِ مِنْهَا بِأَيِّ جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ فَإِنْ اخْتَلَفُوا أَقْرَعَ عَلَى أَيِّ الْجِهَاتِ يَبْدَأُ بِالْأَخْذِ مِنْهَا فَأَيُّ جِهَةٍ خَرَجَتْ عَمِلَ عَلَى الْبُدَاءَةِ بِهَا، ثُمَّ يُؤَخِّرُ رُقْعَةً مِنْ تِلْكَ الرِّقَاعِ فَمَنْ وُجِدَ فِيهَا اسْمُهُ أُعْطِيَ أَوَّلَ نَصِيبٍ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ بِقَدْرِ سَهْمِهِ فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ أُضِيفَ إلَيْهِ حَقُّهُ وَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مُتَّصِلًا بِالسَّهْمِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ هَذَا حَقَّهُ لِئَلَّا تَدْخُلَ عَلَيْهِ مَضَرَّةُ تَفْرِيقِ حِصَّتِهِ. فَإِذَا اسْتَوْفَى حَقَّهُ هَذَا تَمَيَّزَ حَقُّهُ وَبَقِيَ بَاقِي الْأَرْضِ بَيْنَ بَاقِي الْأَشْرَاكِ فَيَعْمَلُ لَهُمْ فِي بَاقِي الْأَرْضِ مِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يَتَمَيَّزَ حَقُّ كُلِّ ذِي حَقٍّ مِنْهُمْ، وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَقَدْ قِيلَ إنَّ صَاحِبَ السُّدُسِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيَّ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّمَا هَذَا إذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ بَيْنَ ابْنٍ وَزَوْجَةٍ، وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْجَمَاعَةِ أَيْضًا إذَا كَانُوا أَهْلَ سَهْمٍ كَالْعَصَبَةِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي قَسْمِ الْأَرْضِ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالْعَصَبَةِ يُضْرَبُ لَهَا فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَانَ الْعَصَبَةُ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ؛ لِأَنَّ الْعَصَبَةَ كَأَهْلِ سَهْمٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ فِي الزَّوْجَةِ مَعَ الْعَصَبَةِ أَنَّهَا تُعْطَى حَقَّهَا حَيْثُ خَرَجَ فِي طَرَفٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَبِهَذَا أَقُولُ، فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الِاخْتِلَافَ الَّذِي أَنْكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ هُوَ اخْتِلَافٌ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا حَيْثُ يُتَصَوَّرُ الْخِلَافُ فَإِنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْخِلَافُ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْخِلَافُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ لِاخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي الْعَصَبَةِ هَلْ هُمْ أَهْلُ سَهْمٍ، أَمْ لَيْسُوا أَهْلَ سَهْمٍ؟ وَقَدْ ذَكَرْته فِي الشُّفْعَةِ فَمَنْ جَعَلَهُمْ أَهْلَ سَهْمٍ جَمَعَ سِهَامَهُمْ فِي الْقُرْعَةِ وَأَفْرَدَ عَنْهُمْ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُمْ أَهْلَ سَهْمٍ لَمْ يَجْعَلْ سِهَامَهُمْ إلَّا بِحَسَبِ مَا تَجْمَعُهُ الْقُرْعَةُ أَوْ تُفَرِّقُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ إنْ ثَبَتَ فِيهَا بَعْدَ هَذَا غَبْنٌ فِي قِيمَةٍ أَوْ ذَرْعٍ كَانَ لِمَنْ وُجِدَتْ فِي حِصَّتِهِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى قِيمَةٍ مُقَدَّرَةٍ أَوْ ذَرْعٍ مُقَدَّرٍ فَإِنْ وَجَدَ فِي ذَلِكَ نَقْصًا كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا قِسْمَةُ الْمُرَاضَاةِ بَعْدَ التَّقْوِيمِ وَالتَّعْدِيلِ فَهُوَ أَنْ يَعْدِلَ الْأَرْضَ بِقَدْرِ السِّهَامِ عَلَى اخْتِلَافِهَا مَنْ كَانَ لَهُ نِصْفٌ مَيَّزَ لَهُ النِّصْفَ، وَمَنْ كَانَ لَهُ ثُلُثٌ مَيَّزَ لَهُ الثُّلُثَ، وَمَنْ لَهُ السُّدُسُ مَيَّزَ لَهُ السُّدُسَ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُتَسَاوِيَةً فَبِالذَّرْعِ، وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فَبِالتَّقْوِيمِ أَوْ بِهِمَا ثُمَّ يَتَرَاضَوْنَ عَلَى مَا خَرَجَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَيَرَوْنَ أَنَّهُمْ قَدْ تَسَاوَوْا وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَبَايِنَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جَائِزٌ وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ أَيْضًا مَتَى ظَهَرَ فِيهَا عَلَى غَبْنٍ فِي ذَرْعٍ أَوْ قِيمَةٍ كَانَ لِلْمَغْبُونِ الْمُطَالَبَةُ بِذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا قِسْمَةُ الْمُرَاضَاةِ بِغَيْرِ تَقْوِيمٍ وَلَا تَعْدِيلٍ فَهُوَ أَنْ يَتَرَاضَى الشُّرَكَاءُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا عُيِّنَ لَهُ وَيَتَرَاضَوْا بِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْوِيمٍ وَلَا تَعْدِيلٍ فَهَذِهِ الْقِسْمَةُ أَيْضًا تَجُوزُ فِي الْمُخْتَلِفِ مِنْ الْأَجْنَاسِ، وَلَا قِيَامَ فِيهَا لِمَغْبُونٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مَا صَارَ إلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ عَلَى قِيمَةٍ مُقَدَّرَةٍ وَلَا ذَرْعٍ مُقَدَّرٍ وَلَا عَلَى أَنَّهُ مُمَاثِلٌ لِجَمِيعِ مَا كَانَ لَهُ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ بِذَلِكَ عَنْ جَمِيعِ حَقِّهِ سَوَاءٌ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُ، أَوْ أَكْثَرَ فَالضَّرْبَانِ الْأَوَّلَانِ مِنْ الْقِسْمَةِ أَقْرَبُ إلَى تَمَيُّزِ الْحَقِّ، وَهَذَا الضَّرْبُ أَقْرَبُ إلَى أَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ وَاَللَّهُ

стр. 1673

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : أُجْرَةُ الْقَسَّامِ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَقَالَ أَصْبَغُ عَلَى قَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَقَادِيرِ لَا يُوجِبُ زِيَادَةً فِي فِعْلِ الْقَاسِمِ بَلْ رُبَّمَا أَثَّرَ قَلِيلُ الْأَنْصِبَاءِ زِيَادَةً فِي الْعَمَلِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِثَلَاثَةِ أَشْرَاكٍ أَرْضٌ لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا وَلِلْآخَرِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهَا وَلِلثَّالِثِ ثُمُنُهَا لَأَثَّرَ الثُّمُنُ لِصِغَرِهِ زِيَادَةً فِي الْعَمَلِ وَلَاحْتَاجَ بِسَبَبِهِ أَنْ يُقَسِّمَ الْأَرْضَ كُلَّهَا أَثْمَانًا، وَلَوْ انْقَسَمَتْ عَلَى النِّصْفِ بِأَنْ تَكُونَ لِاثْنَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهَا لَكَانَ الْعَمَلُ وَالْقِسْمَةُ فِيهَا أَقَلَّ فَإِذَا كَانَ قَلِيلُ الْجُزْءِ يُؤَثِّرُ فِي الْعَمَلِ مَا لَا يُؤَثِّرُهُ كَبِيرُهُ بَطَلَ أَنْ يَجِبَ عَلَى صَاحِبِ الْجُزْءِ الْكَبِيرِ وَلَمْ يُؤَثِّرْ إلَّا عَمَلًا يَسِيرًا أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْجُزْءِ الْيَسِيرِ وَقَدْ أَثَّرَ عَمَلًا كَثِيرًا فَوَجَبَ اطِّرَاحُ ذَلِكَ وَالِاعْتِبَارُ بِعَدَدِ الرُّءُوسِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْعَمَلَ لِصَاحِبِ الْجُزْءِ الْكَثِيرِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ يُقَسِّمُ أَثْمَانًا أَرْبَعَةً وَصَاحِبُ الثُّمُنِ لَا يُقَسَّمُ لَهُ إلَّا جُزْءٌ وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ الْجُزْءُ الْكَبِيرُ يَحْتَاجُ مِنْ الْعَمَلِ وَالذَّرْعِ إلَى أَكْثَرِ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْجُزْءُ الصَّغِيرُ وَبِحَسَبِ ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ؛ لِأَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ الْعَمَلِ، وَقَوْلُ أَصْبَغَ أَظْهَرُ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِالْقُرْعَةِ وَالسِّهَامِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ قِسْمَةَ مُرَاضَاةٍ دُونَ تَقْوِيمٍ وَلَا تَعْدِيلٍ فَالْعَمَلُ مُتَقَارَبٌ فِيهِ إلَى أَنْ يَكُونَ إلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ أَقْرَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَلَوْ طَلَبَ جَمِيعُهُمْ الْقِسْمَةَ إلَّا وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَبَى ذَلِكَ أُجْبِرَ عَلَيْهَا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ عَلَى الْآبِي وَالطَّالِبِ أُجْرَةُ الْقَسَّامِ عَلَى السَّوَاءِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا شَهِدَ الْقَاسِمُ فِي الْقِسْمَةِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ سَوَاءٌ قَسَمَ بِأَمْرِ قَاضٍ، أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ شَهِدَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَ الْقَاضِي أَمَرَهُ بِالْقِسْمَةِ وَأَنْفَذَهُ فِيهَا فَشَهَادَتُهُ وَحْدَهُ فِي ذَلِكَ جَائِزَةٌ إذَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْيَوْمَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْعَامِلُ وَالْمُحَلِّفُ وَالْكَاتِبُ وَالنَّاظِرُ إلَى الْعَيْبِ وَكُلُّ مَا لَا يُبَاشِرُهُ الْقَاضِي قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَاضِي هُوَ أَمَرَ الْقَاسِمَ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ مَنْ قَدْ دَرَجَ مِنْ الْحُكَّامِ، أَوْ قَوْمٌ تَرَاضَوْا بِهِ فِي الْقِسْمَةِ فَلَا تَجُوزُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ الْقَاسِمِ أَصْلًا وَلَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ اثْنَيْنِ سِوَاهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ فِي ذَلِكَ كَفِعْلِ الْآمِرِ مُرْتَزِقًا، أَوْ غَيْرَ مُرْتَزِقٍ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هُوَ تَفْسِيرُ قَوْلِ مَالِكٍ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَيْسَ بِمَعْنَى الشَّهَادَةِ بَلْ هُوَ بِمَعْنَى الْمَعُونَةِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْقَاضِي، وَإِنَّمَا يَسْتَنِيبُ الْقَاضِي فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ كَالْإِعْذَارِ إلَى مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ وَنَحْوَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَعَادَ الْكَلَامُ إلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فَأَوَّلُ قَوْلِهِ أَنَّ أَحَدَ أَنْوَاعِ الْقِسْمَةِ قِسْمَةُ الْمُهَايَأَةِ وَهُوَ أَنْ يَسْكُنَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ دَارًا وَالْآخَرُ دَارًا أُخْرَى أَوْ يَزْرَعُ أَحَدُهُمَا أَرْضًا وَيَزْرَعُ الْآخَرُ أَرْضًا أُخْرَى، وَهَذَا غَيْرُ دَاخِلٍ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قِسْمَةِ الرِّقَابِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قِسْمَةِ الْمَنَافِعِ، وَقَدْ ذَكَرَ قِسْمَةَ الرِّقَابِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ، فَأَمَّا قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ فَإِنَّهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَهَايَآ بِالْأَزْمَانِ، وَالثَّانِي: أَنْ يَتَهَايَآ بِالْأَعْيَانِ، فَأَمَّا التَّهَايُؤُ بِالْأَزْمَانِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَا يَسْتَخْدِمُ أَحَدُنَا الْعَبْدَ يَوْمًا وَيَسْتَخْدِمُهُ الْآخَرُ يَوْمًا وَيَزْرَعُ أَحَدُنَا الْأَرْضَ عَامًا وَيَزْرَعُهَا الْآخَرُ عَامًا، وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ لَك غَلَّتُهُ يَوْمٌ وَلِي غَلَّتُهُ يَوْمٌ آخَرُ فَأَمَّا التَّهَايُؤُ عَلَى أَنْ تَكُونَ غَلَّتُهُ يَوْمًا لِأَحَدِهِمَا وَيَوْمًا لِلْآخَرِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ وَالْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَوْمًا وَاحِدًا قَالَ مُحَمَّدٌ. وَقَدْ سَهَّلَ مَالِكٌ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ وَكَرِهَهُ فِي أَكْثَرِ مِنْهُ وَأَجَازَهُ فِي الْخِدْمَةِ. فَوَجْهُ الْمَنْعِ مَا فِيهِ مِنْ الْمُخَاطَرَةِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ غَلَّتُهُ فِي يَوْمِ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْهَا فِي يَوْمِ الْآخَرِ مَعَ مَا يَدْخُلُ ذَلِكَ مِنْ التَّفَاضُلِ فِيمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَوَجْهُ الْإِبَاحَةِ أَنَّ الْغَرَرَ فِي ذَلِكَ قَلِيلٌ لِقِصَرِ الْمُدَّةِ وَتَقَارُبِهَا وَتَسَاوِي غَلَّتِهَا فِي ذَلِكَ فِي غَالِبِ الْحَالِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ

стр. 1674

(ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِيمَنْ هَلَكَ وَتَرَكَ أَمْوَالًا بِالْعَالِيَةِ وَالسَّافِلَةِ أَنَّ الْبَعْلَ لَا يُقَسَّمُ مَعَ النَّضْحِ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَهْلُهُ بِذَلِكَ وَأَنَّ الْبَعْلَ يُقَسَّمُ مَعَ الْعَيْنِ إذَا كَانَ يُشْبِهُهَا وَأَنَّ الْأَمْوَالَ إذَا كَانَتْ بِأَرْضٍ وَاحِدَةٍ الَّذِي بَيْنَهُمَا مُتَقَارِبٌ فَإِنَّهُ يُقَامُ كُلُّ مَالٍ مِنْهَا ثُمَّ يُقَسِّمُ بَيْنَهُمْ وَالْمَسَاكِنُ وَالدُّورُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ) ــ [المنتقى] رِوَايَةُ الْمَنْعِ عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ وَرِوَايَةُ الْإِبَاحَةِ عَلَى أَنَّهَا تَمْيِيزُ حَقٍّ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا فِي الْخِدْمَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ يَخْدُمُنِي الْيَوْمَ وَيَخْدُمُك غَدًا فَاتَّفَقُوا عَلَى تَجْوِيزِهِ فِي الْأَيَّامِ الْيَسِيرَةِ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنَّمَا يَجُوزُ فِي مِثْلِ خَمْسَةِ أَيَّامٍ فَأَقَلَّ، وَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ فِي الشَّهْرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَكْثَرُ مِنْ الشَّهْرِ قَلِيلًا. (فَرْقٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخِدْمَةِ وَالْغَلَّةِ أَنَّ الْخِدْمَةَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي مِثْلِ مَا يَسْتَعْمِلُهُ فِيهِ الْآخَرُ فِي مُدَّتِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَمْرٌ مَعْلُومٌ يُمْكِنُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْتِيفَاؤُهُ، وَأَمَّا الْغَلَّةُ فَمَجْهُولَةٌ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَى أَحَدِهِمَا اسْتِيفَاءُ مِثْلِ مَا اسْتَوْفَاهُ صَاحِبُهُ فَإِذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ كَثُرَتْ الْمُخَاطَرَةُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الدُّورُ وَالْأَرَضُونَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنَّ التَّهَايُؤَ يُجَوِّزُ فِيهَا السِّنِينَ الْمَعْلُومَةَ وَالْأَجَلَ الْبَعِيدَ كَكِرَائِهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا مَأْمُونَةٌ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ التَّهَايُؤُ فِي أَرْضِ الْمُزَارَعَةِ فَلَا يَجُوزُ عِنْدِي إلَّا أَنْ تَكُونَ مَأْمُونَةً. (فَصْلٌ) : فَأَمَّا التَّهَايُؤُ بِالْأَعْيَانِ فَأَنْ يَسْتَخْدِمَ هَذَا عَبْدًا وَيَسْتَخْدِمَ هَذَا آخَرَ وَيَزْرَعَ هَذَا أَرْضًا وَيَزْرَعَ صَاحِبُهُ أُخْرَى فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَجُوزُ هَذَا فِي سُكْنَى الدُّورِ وَزِرَاعَةِ الْأَرَضِينَ وَلَا يَجُوزُ فِي الْغَلَّةِ وَالْكِرَاءِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْمَنَافِعِ لَيْسَتْ بِقِسْمَةِ بَيْعٍ وَقِسْمَةُ الرِّقَابِ قِسْمَةُ بَيْعٍ أَيْضًا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ إلَّا وَلِغَيْرِهِ أَنْ يَعْكِسَ عَلَيْهِ الْقَضِيَّةَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَإِذْ قَدْ أَخْرَجَتْهُ قِسْمَتُهُ إلَى أَنْ جَعَلَ قِسْمَةَ الْمُرَاضَاةِ قِسْمَةَ بَيْعٍ وَكَانَتْ قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ مُرَاضَاةً كَانَ يَلْزَمُهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَتَضَمَّنَ قَوْلُهُ إسْقَاطُ قِسْمَةِ الْمُرَاضَاةِ بِالتَّقْوِيمِ وَالتَّعْدِيلِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ التَّقْوِيمَ فِي قِسْمَةِ الْقُرْعَةِ وَقِسْمَةُ الْمُرَاضَاةِ عَلَى التَّقْوِيمِ وَالتَّعْدِيلِ قِسْمَةٌ جَائِزَةٌ وَأَكْثَرُ مَا يُقَسِّمُ بِهِ النَّاسُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَيْسَتْ قِسْمَةُ الْمُهَايَأَةِ فِي الْمَنَافِعِ وَاجِبَةً يُجْبَرُ عَلَيْهَا مَنْ أَبَاهَا قَوْلٌ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ قِسْمَةَ الرِّقَابِ بِالْمُرَاضَاةِ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا أَيْضًا أَحَدٌ، وَإِنَّمَا يُجْبَرُ عَلَى قِسْمَةِ الْقُرْعَةِ خَاصَّةً إذَا وَجَبَتْ. وَقَدْ أَشَارَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ إلَى أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ فِي حَقِّ الصِّغَارِ فَقَالَا إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُسْتَوِيَةً فِي كَرَمِهَا أَوْ لُؤْمِهَا قُسِّمَتْ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ تَرَاضَوْا وَهُمْ أَكَابِرُ عَلَى قِسْمَتِهَا بِالتَّحَرِّي وَالْمُرَاضَاةِ عَلَى السَّوَاءِ أَوْ التَّفَاضُلِ عَلَى غَيْرِ قَيْسٍ وَلَا قِيمَةٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ قَالَهُ أَصْبَغُ فَشَرَطُوا فِي جَوَازِ هَذِهِ الْقِسْمَةِ كَوْنَ الْمُتَقَاسِمَيْنِ أَكَابِرَ، وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَصَاغِرِ إلَّا قِسْمَةُ الْقُرْعَةِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه النَّظَرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي قِسْمَةِ الْمُرَاضَاةِ، وَجْهٌ بَيِّنٌ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لِلْأَيْتَامِ فَذَلِكَ جَائِزٌ كَالْبَيْعِ عَلَيْهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : وَهَذَا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ أَمْوَالًا بِالْعَالِيَةِ وَالسَّافِلَةِ وَهُمَا جِهَتَانِ بِالْمَدِينَةِ وَأَشَارَ بِالْأَمْوَالِ إلَى الْأَرَضِينَ وَمَا فِيهَا مِنْ الشَّجَرِ، وَإِنْ كَانَ اسْمُ الْمَالِ وَاقِعًا عَلَى كُلِّ مَا يُتَمَوَّلُ مِنْ حَيَوَانٍ وَعُرُوضٍ وَعَيْنٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّ عُرْفَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إطْلَاقُ اسْمِ الْأَمْوَالِ عَلَى الْأَرْضِ وَمَا فِيهَا مِنْ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ. وَقَالَ إنَّ الْبَعْلَ لَا يُقْسَمُ مَعَ النَّضْحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْبَعْلِ وَالنَّضْحِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ فَجَعَلَ النَّضْحَ وَالْبَعْلَ جِنْسَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الْقِسْمَةِ يُرِيدُ قِسْمَةَ الْقُرْعَةِ الَّتِي تَكُونُ بِالْجَبْرِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ إلَّا أَنْ يَرْضَى

стр. 1675

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَهْلُهُ بِذَلِكَ، وَهَذَا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إلَّا بِرِضَا أَهْلِهِ بِذَلِكَ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا بِالْقُرْعَةِ، وَإِنَّمَا يَنْفِي مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ الْقِسْمَةَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ إذَا أَبَى ذَلِكَ أَحَدُهُمَا وَيَثْبُتُ الْجَوَازُ إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْمُرَاضَاةِ بِذَلِكَ، وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي زَيْتُونَةٍ وَنَخْلَةٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ لَا يَقْسِمَانِهِمَا بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا وَيَعْتَدِلَا فِي الْقَسْمِ يُرِيدُ بِالْقِيمَةِ قَالَ سَحْنُونٌ تَرَكَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلَهُ وَهُوَ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ صِنْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَإِنْ تَرَاضَيَا فَقَوْلُهُمَا إلَّا أَنْ يَعْتَدِلَا بِالْقِيمَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْقِسْمَةَ بِالْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ لَهُمَا أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا النَّخْلَةَ وَالْآخَرُ الزَّيْتُونَةَ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِتَجْوِيزِ جَمْعِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي قَسْمِ الْقُرْعَةِ إذَا تَرَاضَى بِذَلِكَ الْمُتَقَاسِمَانِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْهُ إذَا أَبَاهُ أَحَدُهُمَا وَذَكَرَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ قَوْلَهُ الْمَعْرُوفَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ تَرَاضَيَا. وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الشُّرَكَاءَ إذَا رَضَوْا بِقَسْمِ الصِّنْفَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ جَازَ وَخَالَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا فَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ، وَمَنْ وَافَقَهُ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَهْلُهُ بِذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ رَضِيَ أَهْلُهُ بِذَلِكَ جَازَتْ فِيهِ قِسْمَةُ الْقُرْعَةِ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَشْهُورِ يَكُونُ مَعْنَاهُ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَهْلُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ هَذِهِ الْقِسْمَةُ بِالْقُرْعَةِ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَهْلُهُ بِذَلِكَ فَيَقْتَسِمُونَهُ مُرَاضَاةً دُونَ قُرْعَةٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنَعَ فِي قَوْلِهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْبَعْلِ وَالنَّضْحِ وَجَوَّزَ أَنْ يُقْسَمَ الْبَعْلُ مَعَ الْعَيْنِ يُرِيدُ مَا يُسْقَى بِالْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ نَضْحٍ وَهُوَ السَّيْحُ؛ لِأَنَّهُمَا مِمَّا يُزَكَّى بِالْعُشْرِ وَالنَّضْحُ مُخَالِفٌ لَهُمَا فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِمَّا يُزَكَّى بِنِصْفِ الْعُشْرِ. وَقَدْ رَوَى فِي الْمَجْمُوعَةِ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ نَحْوَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَنَّهُ يَجْمَعُ فِي الْقَسْمِ الْأَمْوَالَ الَّتِي بِأَرْضٍ وَاحِدَةٍ يُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مُتَقَارِبَةَ الْأَمَاكِنِ دُونَ مَا تَبَاعَدَ مِنْهَا قَالَ وَالْمَسَاكِنُ وَالدُّورُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ يُرِيدُ أَنَّهُ يُرَاعَى فِيهَا تَقَارُبُ الْأَمَاكِنِ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا يُقْسَمُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَصْلٌ ثَابِتٌ كَالْأَرَضِينَ وَالدُّورِ وَالْحَمَّامَاتِ وَالْأَرْحَى وَالْأَشْجَارِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا وَمَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَالْعُرُوضِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، فَأَمَّا الْأُصُولُ الثَّابِتَةُ، فَإِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً ذَاتَ أَنْوَاعٍ وَكَانَ كُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ فَأَرَادَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ حِصَّتَهُ مِنْ جَمِيعِهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَأَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُعْطَى حِصَّتَهُ مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنْ يَجْمَعَ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ فِي مَوْضِعٍ مِنْهَا بِشُرُوطٍ تَفْسِيرُهَا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: يُقْسَمُ لِكُلِّ إنْسَانٍ نَصِيبُهُ مِنْ كُلِّ دَارٍ أَوْ مِنْ كُلِّ أَرْضٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْقِسْمَةَ عَلَى الْعَدَدِ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَنَافِعِ وَالْأَمَاكِنِ أَعْوَدُ بِالْمَنْفَعَةِ وَأَبْعَدُ مِنْ الْمَضَرَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَسَمَ كُلَّ دَارٍ وَكُلَّ أَرْضٍ قَلَّتْ قِيمَتُهَا وَفَسَدَ كَثِيرٌ مِنْ مَنَافِعِهَا وَلِذَلِكَ أُثْبِتَتْ الشُّفْعَةُ فِي الْأَمْلَاكِ وَذَلِكَ مِمَّا يُنَمِّي قِيمَتَهَا، وَمِنْ الْأَمْرِ الْبَيِّنِ مَنْ حَصَلَتْ لَهُ دَارٌ بِكَمَالِهَا أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مِنْ أَرْبَعِ دُورٍ مِنْ كُلِّ دَارٍ رُبْعُهَا فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ أَوْلَى. (فَصْلٌ) : وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ أَشْهَبَ فِي أَمْرِجَةٍ بَيْنَ قَوْمٍ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُعْطَى حَقَّهُ مِنْ كُلِّ أَرْضٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجْمَعُ لِي نَصِيبِي إنْ كَانَتْ فِي نَمَطٍ وَاحِدٍ وَبَعْضُهَا أَكْرَمُ مِنْ بَعْضٍ جَمَعَ لِمَنْ طَلَبَ الْجَمْعَ حِصَّتَهُ فِي مَكَان، وَإِنْ زَادَ حَظُّهُ عَلَى أَرْضٍ وَاحِدَةٍ أَخَذَ مِنْ أُخْرَى تَمَامَ حَقِّهِ فَإِذَا اُسْتُوْفِيَتْ أَنْصِبَاءُ الَّذِينَ أَرَادُوا الْجَمْعَ قَسَمَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا التَّفْرِيقَ عَلَى مَا تَرَاضَوْا بِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ تُجْعَلُ سِهَامُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا وَاحِدًا وَسِهَامُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ يُقْرِعُ فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ مَنْ يُرِيدُ التَّفْرِقَةَ جَمَعَ إلَيْهِ بَاقِيَ حُقُوقِهِمْ وَصَارَ كَحَقِّ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَحَيْثُمَا خَرَجَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مِمَّنْ يُرِيدُ الْجَمْعَ أَخَذَهُ ثُمَّ يُقَسِّمُ الَّذِينَ أَرَادُوا التَّفْرِقَةَ كُلَّ أَرْضٍ عَلَى حِدَتِهَا. وَقَالَ أَشْهَبُ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ الْأَرْضُ لَيْسَتْ فِي نَمَطِ قَسَّمَ الَّذِينَ أَرَادُوا التَّفْرِقَةَ

стр. 1676

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَنْصِبَاءَهُمْ فِي كُلِّ أَرْضٍ ثُمَّ يَقْسِمُ الَّذِينَ أَرَادُوا الْجَمْعَ عَلَى مَا تَرَاضَوْا عَلَيْهِ مِنْ الْجَمْعِ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ يُجْعَلُ سَهْمُ مَنْ أَرَادَ الْجَمْعَ هَاهُنَا بَيْنَهُمَا شَيْئًا وَاحِدًا يُسْهَمُ لَهُمْ فِي كُلِّ أَرْضٍ وَيَجْمَعُ سِهَامَهُمْ فِيهَا وَأُعْطِيَ مَنْ أَرَادَ التَّفْرِقَةَ نَصِيبَهُ مِنْ كُلِّ أَرْضٍ حَيْثُ وَقَعَ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ وَلَيْسَ هَذَا أَصْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْمَعُ عِنْدَهُمْ حَظُّ اثْنَيْنِ فِي الْقَسْمِ، وَهَذَا أَيْضًا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَشْهَبُ أَنَّ الشُّرَكَاءَ إذَا رَضَوْا بِقَسْمِ الصِّنْفَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِالْقُرْعَةِ جَازَ ذَلِكَ وَخَالَفَ فِيهِ أَصْحَابَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْمُرَاعَى فِيمَا يَلْزَمُ بِهِ الْجَمْعُ شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا تَقَارُبُ الْمَنَافِعِ وَتَجَانُسِهَا، وَالثَّانِي تَقَارُبُ الْمَوَاضِعِ فَإِنْ انْخَرَمَ مِنْ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَمْ يَلْزَمْ الْجَمْعُ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْأَرَضِينَ إذَا تَقَارَبَتْ وَبَعْضُهَا بِعَيْنٍ وَبَعْضُهَا بِنَضْحٍ لَمْ تُجْمَعْ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ وَكَانَتْ كُلُّهَا تُسْقَى بِعَيْنٍ أَوْ بِنَضْحٍ لَمْ تُجْمَعْ، وَإِنْ تَقَارَبَ سَقْيُهَا كُلِّهَا بِنَضْحٍ أَوْ بِعَيْنٍ جُمِعَتْ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ مُرَاعَاةُ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فَقَدْ قَالَ فِي الْأَصْلِ: إنَّ الْبَعْلَ يُقْسَمُ مَعَ الْعَيْنِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَرَوَى أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يُقْسَمُ مَعَ السَّقْيِ، وَإِنْ تَقَارَبَتْ الْحَوَائِطُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُضَمُّ مَا يُسْقَى بِعَيْنٍ أَوْ بِنَضْحٍ مَعَ الْبَعْلِ فِي الْقَسْمِ وَلَا النَّضْحِ مَعَ السَّيْحِ لِاخْتِلَافِ الْمُؤَنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْأَرْضُ الْكَرِيمَةُ وَاللَّئِيمَةُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا تَدَانَتْ الْأَرْضُ فِي كَرَمِهَا وَاشْتَبَهَتْ الْحَوَائِطُ جُمِعَتْ فِي الْقَسْمِ إنْ تَقَارَبَتْ مَوَاضِعُهَا. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اخْتَلَفَتْ الْعُيُونُ فِي سَقْيِهَا الْأَرْضَ وَاخْتَلَفَتْ الْأَرْضُ فِي كَرَمِهَا قُسِمَتْ كُلُّ أَرْضٍ مَعَ عُيُونِهَا عَلَى حِدَةٍ قَالَ سَحْنُونٌ أَيْضًا فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَأَمَّا الْأَرَضُونَ فِي نَمَطٍ فَتُجْمَعُ وَإِنْ تَقَارَبَتْ فِي الْكَرَمِ قَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجْمَعُهَا. وَقَالَ عِيسَى: إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ الْكَرِيمَةُ تَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَالْأَرْضُ اللَّئِيمَةُ تَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ قُسِمَتْ الْكَرِيمَةُ عَلَى حِدَةٍ وَاللَّئِيمَةُ عَلَى حِدَةٍ وَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَنَافِعِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَتَبَايُنَهَا يَقْتَضِي اخْتِلَافَهَا فِي الْجِنْسِ كَرَقِيقِ الثِّيَابِ وَغَلِيظِهَا فِي الْبَيْعِ إلَى أَجَلٍ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الدُّورِ خِلَافُ قَوْلِهِ فِي الثِّيَابِ وَلَعَلَّهُ قَدْ قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّ الْمُرَاعَى فِي الْقِسْمَةِ جِنْسُ الْمَنَافِعِ دُونَ تَفَاضُلِهَا وَلِذَلِكَ تُجْمَعُ ثِيَابُ الْحَرِيرِ غَلِيظُهَا وَرَقِيقُهَا مَعَ الْفِرَاءِ وَثِيَابِ الْكَتَّانِ غَلِيظِهَا وَرَقِيقِهَا وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ الْمَنْعِ مُطَّرِدَةً عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فِي الثِّيَابِ وَرِوَايَةُ الْإِجَازَةِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْأَشْجَارُ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحَائِطَيْنِ الْمُتَقَارِبَيْنِ الْمُشْتَبِهَيْنِ فِي السَّقْيِ أَحَدُهُمَا عَجْوَةٌ وَالْآخَرُ صَيْحَانِيٌّ يُجْمَعَانِ فِي الْقَسْمِ وَلَمْ يُرَاعَ فِيهِ جَوْدَةُ الثَّمَرِ وَلَا رَدَاءَتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ حِينَ الْقِسْمَةِ وَلَا ثَابِتٍ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُرَاعِيَ جَوْدَةَ الشَّجَرِ فِي أَنْفَسِهَا وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي النَّخْلِ تَخْتَلِفُ أَلْوَانُهُ فِي الْحَائِطِ كَالْبَرْنِيِّ وَالصَّيْحَانِيِّ وَاللَّوْنِ وَالْجُعْرُورِ أَنَّهُ يُقْسَمُ عَلَى الْقِيمَةِ وَيُجْمَعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَظُّهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْحَائِطِ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى مَا صَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ التَّمْرِ، وَهَذَا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لِتَقَارُبِ مَنَافِعِهِ، وَأَمَّا الْأَجْنَاسُ الْمُخْتَلِفَةُ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَجَرِ تُفَّاحٍ وَرُمَّانٍ وَخَوْخٍ وَأُتْرُنْجٍ وَغَيْرِهَا مِنْ الْفَوَاكِهِ مُخْتَلِطَةٌ فِي جِنَانٍ وَاحِدٍ يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الْقَسْمِ بِالْقِيمَةِ وَالسَّهْمِ، قَالَ سَحْنُونٌ: هُوَ اسْتِحْسَانُ الرِّفْقِ بِاجْتِمَاعِ السَّهْمِ وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ يُقَسِّمَ هَذَا قِسْمَةً وَاحِدَةً وَزَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَثَرِ هَذَا قَالَ فِي الْفَوَاكِهِ فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى حِدَةٍ يَحْتَمِلُ قَسْمَ كُلِّ جِنَانٍ عَلَى حِدَةٍ قُسِمَ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَمَا تَقَدَّمَ لَهُ قَبْلُ أَنَّ مَا يُقْسَمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ يُجْمَعُ بَيْنَهُ فِي الْقِسْمَةِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ نَوْعٍ مِنْهُ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ بِانْفِرَادِهِ كَالنَّخْلِ مِنْهَا الْبَرْنِيُّ وَالصَّيْحَانِيُّ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ التَّمْرِ وَضَرْبٌ يَجْمَعُ بَيْنَهُ إذَا لَمْ يَحْتَمِلْ أَنْوَاعَهُ فِي الْقِسْمَةِ وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُ إذَا حَمَلْته كَالْفَوَاكِهِ وَالْجَيِّدِ مَعَ الرَّدِيءِ، وَهَذَا

стр. 1677

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْقِسْمُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ سَحْنُونٌ لَمَّا أَوْرَدَهُ مُطْلَقًا مِنْ هَذَا التَّقْيِيدِ أَنَّهُ اسْتِحْسَانٌ وَهُوَ مُطَّرِدٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي جَمْعِهِ غَلِيظَ الثِّيَابِ وَرَقِيقَهَا وَالْفِرَاءَ مَعَ الْقُمُصِ، وَضَرْبٌ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ بِوَجْهٍ كَالْحُلِيِّ مَعَ الثِّيَابِ وَالْبَعْلِ مَعَ النَّضْحِ وَأَمَّا تَفَاضُلُ الْأَشْجَارِ فِي أَنْفَسِهَا فَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ سَحْنُونٍ فِي الشَّجَرِ إنْ كَانَ بَعْضُهَا أَقَلَّ مِنْ بَعْضٍ وَالْأَرْضُ بَعْضُهَا أَكْرَمُ مِنْ بَعْضٍ جُمِعَتْ فِي الْقَسْمِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ يَتَبَايَنُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِثْلَهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الدُّورُ فَإِنَّمَا تَتَفَاضَلُ بِالْبُنْيَانِ أَوْ بِرَغْبَةِ النَّاسِ فِي الْمَوَاضِعِ وَالزُّهْدِ فِيهَا فَأَمَّا الْبُنْيَانُ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ إنْ كَانَتْ إحْدَى الدَّارَيْنِ قَاعَةً لَمْ يَجْمَعْهَا فِي الْقِسْمَةِ، وَإِنْ كَانَ بِنَاءُ إحْدَى الدَّارَيْنِ أَجَدَّ مِنْ بِنَاءِ الْأُخْرَى جُمِعَ فِي الْقَسْمِ إذَا كَانَتْ فِي نَمَطٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا اشْتَبَهَتْ الدُّورُ فِي بِنَائِهَا وَتَقَارَبَتْ جُمِعْنَ فِي الْقَسْمِ فَيَجِيءُ مِنْ مَجْمُوعِ قَوْلِهِمَا مُرَاعَاةُ فَصْلَيْنِ: أَحَدِهِمَا إنْ كَانَتْ إحْدَى الدَّارَيْنِ عَارِيَّةً مِنْ الْبُنْيَانِ أَوْ خَرِبَةً فِي حُكْمِ الْعَارِيَّةِ لَمْ تُجْمَعْ مَعَ الْمَبْنِيَّةِ، وَالْفَصْلُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ بُنْيَانُهَا مُتَبَايِنًا فَيَقْتَضِي قَوْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ عَلَى مَا عُهِدَ مِنْ مَقَاصِدِهِ أَنَّهُمَا لَا يُجْمَعَانِ وَهُوَ عِنْدِي طَرْدُ قَوْلِ أَشْهَبَ فِي أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الثِّيَابِ فِي الْبَيْعِ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ فِي الْقَسْمِ وَمَا كَانَ فِي الْبَيْعِ جِنْسًا وَاحِدًا فَإِنَّهُ يُجْمَعُ فِي الْقَسْمِ. وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ سَحْنُونٍ فِي الشَّجَرِ وَالْأَرْضِ تُجْمَعُ فِي الْقَسْمِ وَبَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ إلَّا أَنْ تَتَبَايَنَ فَيَجِبَ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يُجْمَعَ الْمُتَفَاضِلُ فِي الْبُنْيَانِ فِي الْقَسْمِ إلَّا أَنْ يَتَبَايَنَ فَلَا يُجْمَعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْأَمَاكِنُ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي نَمَطٍ وَاحِدٍ جُمِعَتْ فِي الْقَسْمِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَعْمَرَ مِنْ بَعْضٍ كَالْأَرَضِينَ فِي نَمَطٍ وَاحِدٍ وَبَعْضُهَا أَكْرَمُ مِنْ بَعْضٍ قَالَ سَحْنُونٌ وَلَيْسَتْ الدُّورُ كَالْأَرَضِينَ فَقَدْ تَكُونُ الدُّورُ فِي نَمَطٍ وَنَفَاقُهَا مُخْتَلِفٌ وَمِنْ دَارِي إلَى الْجَامِعِ نَمَطٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مُتَبَايِنُ الِاخْتِلَافِ فَثَبَتَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ فِي النَّمَطِ الْوَاحِدِ وَيَجِبُ أَنْ يُحَقِّقَ مَعَ النَّمَطِ مَعْنَى النَّمَطِ ثُمَّ يُبَيِّنُ وَجْهَ الِاخْتِلَافِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّمَطَ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا بِمَعْنَى التَّقَارُبِ فِي الصِّفَةِ فَيُقَالُ هَذِهِ الثِّيَابُ نَمَطٌ وَاحِدٌ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ مِنْ نَمَطٍ بِمَعْنَى التَّقَارُبِ فِي الصِّفَاتِ وَالْأَحْوَالِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِلتَّقَارُبِ فِي الصِّفَةِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ سِيَاقُ كَلَامِهِمَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالنَّمَطِ الْمَحَلَّةَ الْوَاحِدَةَ وَالرَّبَضُ الْوَاحِدُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَا بِهِ التَّقَارُبَ فِي الْمَكَانِ فَقَدْ جَعَلَ أَشْهَبُ ذَلِكَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْجَمْعِ وَمَنَعَ مِنْهُ سَحْنُونٌ إلَّا بِأَنْ يَضُمَّ إلَى ذَلِكَ صِفَةً أُخْرَى وَهِيَ التَّقَارُبُ فِي رَغْبَةِ النَّاسِ فَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ طَرَفَيْ الْمَحَلَّةِ أَوْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقْرُبُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ أَغْبَطَ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ الْآخَرِ لِقُرْبِهِ مِنْ مِرْفَقٍ مِنْ الْمَرَافِقِ جَامِعٍ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ أَشْهَبَ جَوَّزَ الْجَمْعَ بَيْنَ مَا تَقَارَبَتْ مَوَاضِعُهُ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَمَاكِنِهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ كَمَا جَوَّزَ جَمْعَ الْأَرْضِ الْمُتَقَارِبَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَكْرَمَ مِنْ بَعْضٍ فَكَانَ يَجِبُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الثِّيَابِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا فِي التَّفَاضُلِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَنَافِعُ اخْتِلَافًا بَيِّنًا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَدْ تَكُونُ بَعْضُ الدُّورِ قُرْبَ السُّوقِ وَالْمِرْفَقِ، أَوْ قُرْبَ الْمَسْجِدِ وَالْأُخْرَى بَعِيدَةً مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِتَرَاضٍ بِغَيْرِ سَهْمٍ فَبَيَّنَ بَعْضَ وُجُوهِ الْمُرَاضَاةِ فِي تَفْضِيلِ الْأَمَاكِنِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ ذَلِكَ فِي نَمَطٍ وَاحِدٍ وَأَنْمَاطٍ مُتَبَاعِدَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَا كَانَ حَوْلَ الْمَسْجِدِ مِنْ الدُّورِ فَهُوَ الَّذِي تَشَاحَّ النَّاسُ فِيهِ وَيُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، وَفِي الْمَجْمُوعَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ إذَا كَانَتْ إحْدَى الدَّارَيْنِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَالدَّارُ الْأُخْرَى فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى بَعِيدَةٍ مِنْ الْأُولَى إلَّا أَنَّ رَغْبَةَ النَّاسِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ سَوَاءٌ فَإِنَّهُمَا يُجْمَعَانِ فِي الْقَسْمِ؛ لِأَنَّ الدَّارَيْنِ سَوَاءٌ

стр. 1678

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فِي الْمَوْضِعِ وَالنَّفَاقِ فَلَا يَلْتَفِتُ إلَى افْتِرَاقِهِمَا فَذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمُرَاعَى فِي الْأَمَاكِنِ تَسَاوِيهِمَا فِي رَغْبَةِ النَّاسِ وَإِنْ تَبَاعَدَتْ وَفَرَّقَ بَيْنَ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ أَنَّ الْبَلَدَ الْوَاحِدَ لَا تَخْتَلِفُ أَغْرَاضُ النَّاسِ فِيهِ مَعَ تَسَاوِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي النَّفَاقِ وَالْمَرَافِقِ وَتَخْتَلِفُ فِي الْبَلَدَيْنِ فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ أَشْهَبَ يُرَاعِي فِي الْأَمَاكِنِ تَقَارُبَ الدُّورِ فِي النَّمَطِ وَيُرَاعِي سَحْنُونٌ الْقُرْبَ وَالتَّسَاوِي فِي النَّفَاقِ وَيُرَاعِي ابْنُ الْقَاسِمِ التَّسَاوِي فِي النَّفَاقِ خَاصَّةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ فِي مُرَاعَاةِ الْقُرْبِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا تَبَاعَدَ مَا بَيْنَ الدَّارَيْنِ مِثْلَ مَنْزِلِي هَذَا وَمَنْزِلٍ آخَرَ بِالثَّنِيَّةِ لَمْ يُجْمَعْ فِي الْقَسْمِ بِخِلَافِ النَّخِيلِ وَالْحَوَائِطِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْبُعْدُ فِي الْأَرَضِينَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَتْ الْقُرَى مُتَبَاعِدَةً الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ قُسِمَتْ كُلُّ قَرْيَةٍ مُفْرَدَةً وَإِنْ تَسَاوَتْ رَغْبَةُ النَّاسِ فِيهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدِي بِقَدْرِ مَا يُرَى مِنْ الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ وَيُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا مَا ذَكَرْنَا مِنْهُ لِيَتَقَوَّى بِهِ الْمُجْتَهِدُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ مِنْ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَيْسَ لِلْقُرْبِ حَدٌّ إلَّا بِقَدْرِ مَا يُرَى يَوْمَ يَقَعُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْأَشْجَارُ فَإِنَّ ابْنَ حَبِيبٍ يَجْمَعُ الْبَعْلَ كُلَّهُ إذَا تَجَاوَرَ فِي الْمَوْضِعِ كَالْمِيلِ وَالْمِيلَيْنِ. وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ فِي أَمْلَاكٍ بَيْنَ وَرَثَةٍ مِنْهَا بِوَادِي الْقُرَى وَبِخَيْبَرِ وَبِالْفَرْعِ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهَا بِوَادِي الْقُرَى وَبِخَيْبَرِ جُمِعَ فِي الْقَسْمِ وَيُجْمَعُ مَا كَانَ بِالْفَرْعِ إلَى مَا كَانَ بِنَاحِيَتِهَا قَالَ عَنْهُ أَشْهَبُ بِخِلَافِ الدُّورِ، وَقَدْ قَالَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْحَوَائِطِ الْمُتَبَاعِدَةِ بَيْنَهَا الْيَوْمُ وَالْيَوْمَانِ إنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يُقَدَّرُ بِالْقِسْمَةِ قَالَ عَنْهُ أَشْهَبُ وَلَا يَقْسِمُ حَوَائِطَ الْمَدِينَةِ مَعَ حَوَائِطِ خَيْبَرَ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ بَيْنَهُمَا ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْمَاجِلُ وَالْحَمَّامُ وَالْبَيْتُ الصَّغِيرُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يُقَسَّمُ الْحَمَّامُ وَغَيْرُهُ مِمَّا فِي قِسْمَتِهِ ضَرَرٌ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا وَافَقَ مَالِكًا عَلَى قِسْمَةِ الْحَمَّامِ وَلَا سَمِعْت مَنْ يَسْتَجِيزُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ شَاذٌّ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إلَّا ابْنَ كِنَانَةَ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ وَهْبٍ سَوَاءٌ ضَاقَ الْقَسْمُ عَنْ جَمِيعِهِمْ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَإِنْ كَانَ أَصْغَرُهُمْ حَظًّا لَهُ انْتِفَاعٌ فِي وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْمَنَافِعِ وَإِنْ قَلَّ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ فَالْقَسْمُ قَائِمٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَرَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ مُطَرِّفٌ وَاَلَّذِي آخُذُ بِهِ إنْ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ لِسِعَةِ سَهْمِهِ وَبَعْضُهُمْ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ لِضِيقِ سَهْمِهِ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَ مَالِكٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَبَيْعُهُ وَقِسْمَةُ ثَمَنِهِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ وَاحْتَجَّ مَالِكٌ لِقَوْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] . وَقَالَ مَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَعْنَى الْآيَةِ ثُبُوتُ حَقِّهِ ثُمَّ يُقْسَمُ عَلَى السُّنَّةِ كَالْعَبْدِ الْوَاجِبِ فِيهِ نَصِيبُ كُلِّ وَارِثٍ وَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ دُونَ عَيْنِهِ وَاحْتَجَّ ابْنُ الْقَاسِمِ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» ، وَهَذَا أَيْضًا يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ قَدْ ذَكَرْته فِي الِاسْتِيفَاءِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُقْسَمُ الْحَمَّامُ وَلَا الْفُرْنُ وَلَا الرَّحَا وَلَا الْبِئْرُ وَلَا الْعَيْنُ وَلَا السَّاقِيَةُ وَلَا الدُّكَّانُ وَلَا الْجِدَارُ وَلَا الطَّرِيقُ وَلَا الشَّجَرَةُ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ يُقْسَمُ الْجِدَارُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافٍ وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَمَعْنَى الضَّرَرِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ لَا يَبْقَى فِيهِ الْمَنْفَعَةُ الثَّابِتَةُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مِثْلُ الدَّارِ الَّتِي تُقْسَمُ فَيَكُونُ مَا يَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَسْكُنُ، وَأَمَّا الْحَمَّامُ فَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمَّامًا فِي الْأَغْلَبِ، وَلِذَلِكَ لَا يُقْسَمُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيُرَاعَى مَعَ ذَلِكَ أَنْ لَا تُذْهِبَ الْقِسْمَةُ مُعْظَمَ مَنَافِعِهِ، وَإِنْ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ مَنْفَعَتِهِ، وَأَمَّا مَا يُرَاعِيه ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

стр. 1679

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) وَأَمَّا مَا لَيْسَ مِنْ الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ كَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ فَإِنَّ مِنْهُ مَا يُقْسَمُ دُونَ ضَرَرٍ وَمِنْهُ مَا لَا يُقْسَمُ إلَّا بِضَرَرٍ فَأَمَّا مَا يُقْسَمُ دُونَ ضَرَرٍ فَكَجَمَاعَةِ الْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ فَأَمَّا الْعَبِيدُ فَإِنَّهُ يُجْمَعُ فِي الْقَسْمِ ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ صِغَارُهُمْ وَكِبَارُهُمْ وَأَعْجَمِيُّهُمْ وَفَصِيحُهُمْ وَحَسَنُهُمْ وَقَبِيحُهُمْ زَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْهَدِيمُ وَإِنْ تَقَارَبَتْ أَثْمَانُهُمْ إذَا اعْتَدَلَتْ فِي الْقِيمَةِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّقِيقِ الْمُشْتَرَكِ لِجَمَاعَةٍ فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ قَسْمَهُ إنْ اُسْتُطِيعَ أَنْ يُقْسَمَ قُسِمَ وَإِلَّا بِيعَ فَإِنْ كَانَ مِنْ جَمَاعَةِ الرَّقِيقِ مَا لَا يَنْقَسِمُ كَالْخَمْسَةِ بَيْنَ الْعَشَرَةِ لَمْ تُقْسَمْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا يُجْمَعُ فِي الْقَسْمِ الْخَيْلُ مَعَ الْبِغَالِ وَلَا الْبِغَالُ مَعَ الْحُمُرِ وَلَا الْإِبِلُ مَعَ الْبَقَرِ وَلَا الْبَقَرُ مَعَ الْغَنَمِ وَإِنْ اعْتَدَلَتْ الْغَنَمُ وَلَكِنْ يُقْسَمُ كُلُّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْبَرَاذِينِ صِنْفٌ عَلَى حِدَةٍ وَيُقْسَمُ بِالتَّرَاضِي، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي الْعُتْبِيَّةِ بَلَغَنِي عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ شَيْءٌ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ بِالْقِيمَةِ وَلَكِنْ يُبَاعُ ذَلِكَ وَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَاَلَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ حَبِيبٍ خِلَافُ هَذَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مِمَّا تَصِحُّ فِيهِ الْقِسْمَةُ وَالْمُسَاوَاةُ بِالْقِسْمَةِ كَالْأَرَضِينَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ مَا لَا تَنْقَسِمُ آحَادُهُ فَلَا تَنْقَسِمُ جَمَاعَتُهُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الثِّيَابُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّ الْبَزَّ كُلَّهُ مِنْ الْخَزِّ وَالْحَرِيرِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالدِّيبَاجِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْهُ فِي الْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالْكَتَّانِ وَالْمَرْعَزِ وَالْفِرَاءِ كُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الْقِسْمَةِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا كَانَ كُلُّ صِنْفٍ لَا يَتَحَمَّلُ أَنْ يُفْرَدَ بِالْقِسْمَةِ، وَأَمَّا الْبُسُطُ وَالْوَسَائِدُ فَلَا تُجْمَعُ مَعَ الْبَزِّ وَالثِّيَابِ وَعِنْدِي أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا أَنَّ الْفِرَاءَ مِنْ جُمْلَةِ الْبَزِّ وَأَنَّ هَذَا الِاسْمَ يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَا يُلْبَسُ مِنْ مَخِيطٍ أَوْ غَيْرِهِ اللِّبَاسُ الْمَرْئِيُّ بِمَعْنَى التَّجَمُّلِ عَلَى الْجَسَدِ وَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْبَزِّ الْأَكْسِيَةُ وَالْمَلَاحِفُ؛ لِأَنَّهَا تُلْبَسُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَبِذَلِكَ يَتَمَيَّزُ الْبَزُّ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَجْنَاسِ وَهِيَ عِنْدَهُ عِلَّةُ الْجَمْعِ فِي الْقَسْمِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَخَالَفَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يُقْسَمُ ثِيَابُ الْخَزِّ وَالْحَرِيرِ مَعَ ثِيَابِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَلَا مَعَ الْفِرَاءِ وَلَا يُقْسَمُ الصُّوفُ وَالْمِرْعِزَّى مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَثِيَابُ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ صِنْفٌ وَاحِدٌ فِي الْقِسْمَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا قُمُصٌ وَأَرْدِيَةٌ وَعَمَائِمُ زَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَسَرَاوِيلَاتٌ، وَثِيَابُ الْخَزِّ وَالْحَرِيرُ مِنْ الْوَشْيِ وَغَيْرِهِ صِنْفٌ وَاحِدٌ إلَّا مَا كَانَ مِنْ وَشْيٍ يُرِيدُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَشْيَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ فَلَا يُقْسَمُ مَعَ وَشْيِ الْخَزِّ وَالْحَرِيرِ وَلْيُقْسَمْ وَحْدَهُ قَالَ وَثِيَابُ الدِّيبَاجِ صِنْفٌ لَا تُقْسَمُ مَعَ ثِيَابِ الْخَزِّ وَالْحَرِيرِ وَثِيَابُ الصُّوفِ وَالْمِرْعِزَّى صِنْفٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْهَا جُبَبٌ وَتِيجَانٌ وَفِرَاءُ الْخَزِّ فَإِنْ صِنْفٌ لَا يُضَمُّ إلَى فِرَاءِ الْفَنِلِّيَاتِ. وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ كُلُّ مَا يَجُوزُ مِنْ هَذَا أَنْ يُبَاعَ وَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ إلَى أَجَلٍ فَلَا يُضَمُّ لَهُ فِي الْقَسْمِ؛ لِأَنَّهُمَا صِنْفَانِ وَكُلُّ مَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ فَهُوَ صِنْفٌ وَاحِدٌ يُجْمَعُ فِي الْقَسْمِ قَالَ أَشْهَبُ لَوْ جُمِعَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ بَزٍّ لَوَجَبَ أَنْ يُجْمَعَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ دَابَّةٍ فَيُقْسَمُ الرَّقِيقُ مَعَ الدَّوَابِّ وَالْخَيْلُ مَعَ الْحَمِيرِ وَالْإِبِلُ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ وَمَذْهَبُ أَشْهَبَ فِي هَذَا أَصَحُّ عِنْدَ سَحْنُونٍ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ عَلَى هَذَا قِسْمَةُ الزَّيْتُونَةِ وَالنَّخْلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ رَأْسًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يُجْمَعُ فِي الْقَسْمِ اللُّؤْلُؤُ مَعَ الْيَاقُوتِ وَلَا الزَّبَرْجَدُ مَعَ الْيَاقُوتِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الطَّعَامِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا، أَوْ مِمَّا لَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُون جُزَافًا أَوْ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَإِنْ كَانَ جُزَافًا وَكَانَ مِمَّا تَدْعُو إلَى قِسْمَتِهِ فِي رُءُوسِ شَجَرِهِ حَاجَةٌ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَشْهَبَ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ إجَازَةَ ذَلِكَ بِشُرُوطٍ اُتُّفِقَ عَلَى بَعْضِهَا فَمِمَّا اتَّفَقَا أَنْ تَخْتَلِفَ حَاجَتُهُمْ إلَى ذَلِكَ بِأَنْ يُرِيدَ بَعْضُهُمْ

стр. 1680

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بَيْعًا وَبَعْضُهُمْ أَنْ يَأْكُلَ رُطَبًا وَبَعْضُهُمْ أَنْ يُيَبِّسَ، وَأَمَّا إنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا بَيْعَهُ وَالْآخَرُ أَكْلَهُ فَقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْبَلَحِ الْكَبِيرِ وَأَنْكَرَهُ سَحْنُونٌ وَلَمْ يَرَهُ اخْتِلَافَ حَاجَةٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَبِيعُ يَجِدُ، وَقَدْ اجْتَمَعَا عَلَى الْجَدَادِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ يُبْطِلُ الْقَسْمَ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ سَحْنُونٌ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا جَوَّزَ قِسْمَتَهُ مِنْ غَيْرِ جَدٍّ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعَجِّلَ الْجَدَّ عَجَّلَ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ أَخَّرَ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْجَدِّ لَمَا قُسِمَ إلَّا بِالْكَيْلِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ لَا تَجُوزُ قِسْمَتُهُ إذَا أَثْمَرَ. وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ اقْتَسَمَاهُ بَعْدَ مَا أَزْهَى حِينَ اخْتَلَفَتْ حَاجَتُهُمَا فَتَرَكَاهُ حَتَّى أَثْمَرَ لَمْ تُنْتَقَضْ الْقِسْمَةُ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ ذَلِكَ بِالْخَرْصِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْحَاجَةِ قَبْضٌ وَالْخَرْصُ هُوَ الْكَيْلُ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ يَجُدُّ وَيُبَاشِرُ بَيْعَهُ بَلْ يَبِيعُ حِصَّتَهُ مِنْ حَائِطِهِ أَوْ جَمِيعِهِ مِمَّنْ يُبَاشِرُ ذَلِكَ وَيُحَاوِلُهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ لَا يُمْكِنُهُ جَدُّهُ إلَّا حَسَبِ حَاجَتِهِ إلَى أَكْلِهِ وَذَلِكَ لَا يَتَقَدَّرُ إلَّا بِحَسَبِ مَا يَبْدُو إلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ. (فَرْعٌ) وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا طَابَ وَحَلَّ بَيْعُهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ لَمْ يَطِبْ النَّخْلُ وَالْعِنَبُ لَمْ يُقْسَمْ بَيْنَهُمْ بِالْخَرْصِ قَالَ وَلَا يُقْسَمُ النَّخْلُ عَلَى حَالٍ إلَّا أَنْ يَجُدَّاهُ أَوْ يُتْرَكَ حَتَّى يَطِيبَ فَيَقْتَسِمَانِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَهُ هُوَ وَأَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَلَهُمْ قَسْمُ بَلَحِ الْأَرْضِ الْكَثِيرِ عَلَى الْخَرْصِ، وَإِنْ لَمْ يَجُدَّ أَحَدُهُمَا إلَّا بَعْدَ يَوْمٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مَا لَمْ يُتْرَكْ الْبَلَحُ حَتَّى يَزْهَى فَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ مَنْعَهُ قِسْمَةَ الْبَلَحِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُبْقِيه حَتَّى يَزْهَى. (فَرْعٌ) وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُخْرَصُ وَهُوَ النَّخْلُ وَالْعِنَبُ فَلَمْ يُجَوِّزْ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِمَا، وَقَالَ لَا تُقْسَمُ الْفَاكِهَةُ بِالْخَرْصِ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهَا أَهْلُهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ. وَقَدْ ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَالِكًا رَخَّصَ فِيهِ فَسَأَلْته عَنْهُ فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا بَأْسَ بِهِ فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ وَالتِّينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَعْنَى شُرِعَ فِيهِ الْخَرْصُ فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِالنَّخْلِ وَالْعِنَبِ كَالزَّكَاةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْحَاجَةَ فِي الزَّكَاةِ إلَى الْخَرْصِ إنَّمَا هِيَ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ رُطَبًا فَخَرَصَ عَلَيْهِمْ لِيَتَقَرَّرَ مِقْدَارُ الزَّكَاةِ فِي الثَّمَرَةِ وَتُطْلَقُ أَيْدِيهِمْ عَلَيْهَا وَهَذَا مَعْنَى يَخْتَصُّ بِالنَّخْلِ وَالْعِنَبِ مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَأَمَّا الْقِسْمَةُ فَالْحَاجَةُ إلَيْهَا فِي سَائِرِ الثِّمَارِ كَالْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ فَإِبَاحَةُ الْخَرْصِ لِلْقِسْمَةِ فِي جَمِيعِهَا إذْ لَا سَبِيلَ إلَيْهَا بِغَيْرِهِ. (فَرْعٌ) وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ، وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِي الثِّمَارِ الْكَثِيرَةِ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُنَالُ بِعَجَلَةٍ وَلَا يَخْتَلِفُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَّا فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ. (فَرْعٌ) وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ فَيَأْخُذَ أَحَدُهُمَا بُسْرًا وَالْآخَرُ رُطَبًا، وَإِنْ كَانَ بِالْخَرْصِ وَلَكِنْ لَا يَقْتَسِمَانِ الرُّطَبَ وَيَقْتَسِمَانِ الْبُسْرَ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَجْهُ الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَالْبُسْرِ بِالرُّطَبِ لِاخْتِلَافِ صِفَتِهِمَا وَتَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ تَسَاوِيهِمَا حَالَ الِادِّخَارِ وَذَلِكَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ. (فَرْعٌ) وَالشَّرْطُ السَّادِسُ أَنْ يَتَحَرَّى تَسَاوِي الْكَيْلِ فِي الْمَكِيلِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْكَيْلِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ كَالْبَرْنِيِّ وَالصَّيْحَانِيِّ وَالْعَجْوَةِ وَالْعِنَبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ فَإِنَّهُ يُجْمَعُ فِي الْقَسْمِ عَلَى تَسَاوِي الْكَيْلِ فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ أَحَدُهُمْ قُسِمَ كُلُّ نَوْعٍ مُفْرَدًا قَالَهُ مَالِكٌ قَالَ، وَإِنْ أَحَبَّا الْمُقَاوَمَةَ جَازَ ذَلِكَ، وَمَنْ طَلَبَ مِنْهُمَا الْقِسْمَةَ فَذَلِكَ لَهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِالْقُرْعَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهَا تَمْيِيزٌ لِلْحَقِّ، وَأَمَّا لِلْمُرَاضَاةِ فَإِنَّهُ بَيْعٌ مَحْضٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ فِي الْمَطْعُومِ إلَّا بِقَبْضٍ نَاجِزٍ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ اُقْتُسِمَتْ الْأُصُولُ وَفِيهَا ثَمَرٌ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُزْهِيًا، أَوْ غَيْرَ مُزْهٍ فَإِنْ كَانَتْ

стр. 1681

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الثَّمَرَةُ بَلَحًا أَوْ طَلْعًا فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقْسَمَ ذَلِكَ مَعَ النَّخْلِ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَكُونَ طَلْعًا أَوْ يَكُونَ بَلَحًا حُلْوًا فَلَا يَجُوزُ لِامْتِنَاعِ التَّفَاضُلِ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيد وَعِنْدِي أَنَّ مَنْعَهُ قِسْمَتَهَا مَعَ الطَّلْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِسْمَتُهَا دُونَ الطَّلْعِ؛ لِأَنَّهَا ثَمَرَةٌ لَمْ تُؤَبَّرْ وَلَا يَجُوزُ قِسْمَتُهَا مَعَ الطَّلْعِ؛ لِأَنَّهُ مَأْكُولٌ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تُقْسَمُ الرِّقَابُ وَيُتْرَكُ الْبَلَحُ وَالطَّلْعُ وَأَنْكَرَ سَحْنُونٌ ذِكْرَهُ لِلطَّلْعِ، وَقَالَ إذَا لَمْ يُؤَبَّرْ لَمْ تَجُزْ قِسْمَتُهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ كَالزَّرْعِ وَالْبُقُولِ فَإِنَّهُ لَا يُقْسَمُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالْخَرْصِ حَتَّى يُجَذَّ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ كُلُّ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ مِنْ الطَّعَامِ فَلَا يُقْسَمُ بِالتَّحَرِّي لَا زَرْعًا وَلَا حَصِيدًا وَلَا مَدْرُوسًا وَلَا مُصَبَّرًا إلَّا كَيْلًا فِيمَا يُكَالُ، أَوْ وَزْنًا فِيمَا يُوزَنُ، أَوْ عَدَدًا فِيمَا يُعَدُّ مَا خَلَا الثِّمَارَ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا وَقَالَهُ مَالِكٌ وَمِنْ أَصْحَابِهِ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَذَلِكَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُعَلَّلَ بِعِلَّتَيْنِ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ الْخَرْصُ فَلَا يَصِحُّ التَّسَاوِي فِيهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُقْبَضُ فِي الْوَقْتِ وَعَدَمُ التَّقَابُضِ فِيهِ يُفْسِدُ قِسْمَتَهُ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ كَرِهَ قِسْمَةَ الْبُقُولِ بِالْخَرْصِ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبِضُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا صَارَ إلَيْهِ، وَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ قَالَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُجِيزُ قِسْمَتَهُ بِالتَّحَرِّي بَعْدَ الْجَدِّ وَهُوَ يُجِيزُ التَّحَرِّي فِي الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ فَكَيْفَ بِمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ قَدْ أَزْهَتْ أُفْرِدَتْ الرِّقَابُ بِالْقِسْمَةِ ثُمَّ إنْ قُسِمَتْ الثَّمَرَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْحَاجَةِ فَيَسْقِي كُلُّ وَاحِدٍ نَخْلَهُ، وَإِنْ كَانَتْ ثَمَرَتُهَا لِغَيْرِهِ كَبَائِعِ ثَمَرَةِ نَخْلِهِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ. وَقَالَ: الْقَسْمُ تَمْيِيزُ حَقٍّ وَالسَّقْيُ عَلَى مَنْ لَهُ الثَّمَرَةُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَلَوْ كَانَ كَالْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ عَلَى صَاحِبِ الْأَصْلِ إلَّا أَنْ يَسْقِيَ نِصْفَ مَا لَهُ فِي أَصْلِهِ وَنِصْفَ مَا فِي نَخْلِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ قَدْ تَخْتَلِفُ فِي الْخَرْصِ فَتَعْدِلُ ثَمَرَةُ نَخْلَةٍ ثَمَرَةَ نَخَلَاتٍ فَيَخْتَلِفُ السَّقْيُ وَالْخَرْصُ سَوَاءٌ وَفَرَّقَ آخَرُ أَنَّ الْجَائِحَةَ فِي الْبَيْعِ دُونَ الْقِسْمَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ قَسَّمَهُ صُبُرًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يُقْسَمَ بِمَقَادِيرِهِ أَوْ يُقْسَمَ بِالتَّحَرِّي فَإِنْ قُسِمَ بِمَقَادِيرِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي قَسْمِ الرُّطَبِ وَالثَّمَرِ وَالْعِنَبِ: إنَّهُ يُقَسِّمُ عَلَى الْأَكْثَرِ مَنْ شَأْنُهُ فِي الْبَلَدِ مِنْ الْوَزْنِ، أَوْ الْكَيْلِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُقَسِّمَ الْقَاضِي الزَّيْتَ كَيْلًا، أَوْ وَزْنًا أَيُّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ. وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: بَيْعُ الزَّيْتِ بِالْكَيْلِ فَأَمَّا بِالْوَزْنِ فَأَيٌّ عَرَفَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْكَيْلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ فَجَعَلَ الْأَصْلَ فِيهِ الْكَيْلَ، وَإِنْ قَسَمَ عَلَى التَّحَرِّي فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، أَوْ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا فَقَدْ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ لَا تَجُوزُ قِسْمَتُهُ مُصَبَّرًا بِالتَّحَرِّي إلَّا كَيْلًا فِي الْمَكِيلِ، أَوْ وَزْنًا فِي الْمَوْزُونِ، أَوْ عَدَدًا فِي الْمَعْدُودِ وَحَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ قِسْمَةُ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالْحِيتَانِ بِالتَّحَرِّي. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا وَيَلْزَمُ فِيهِ التَّسَاوِي وَلَا يُوصَلُ إلَى حَقِيقَةِ ذَلِكَ بِالتَّحَرِّي؛ لِأَنَّ التَّحَرِّي لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ فِي نَفْسِهِ فَيُعْرَفُ بِهِ التَّسَاوِي، وَإِنَّمَا يَتَحَرَّى بِهِ الْمَوْزُونُ، أَوْ الْمَكِيلُ وَلَا يُدْرِكُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ بِالتَّحَرِّي، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ التَّحَرِّي طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَةِ التَّسَاوِي وَالتَّفَاضُلِ كَالْوَزْنِ وَالْكَيْلِ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّسَاوِي فِي أَحَدِ الْمِقْدَارَيْنِ لَا يَمْنَعُ التَّفَاضُلَ بِالْمِقْدَارِ الثَّانِي. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَكِيلِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي الْمَوْزُونِ كَاللَّحْمِ وَالْخُبْزِ وَالْحِيتَانِ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ بِأَنَّ التَّحَرِّيَ إنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ مَا يُقَدَّرُ بِهِ وَالْكَيْلُ لَا يُعْدَمُ، وَلَوْ بِالْحَفْنَةِ، وَإِنَّمَا يَعْدَمُ الْمَوَازِينُ وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْخُبْزِ بِالتَّحَرِّي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ الْمَوَازِينِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ إنَّمَا يُسْلَمُ إلَيْهِ فِي أَمَدٍ يُمْكِنُ تَحْصِيلُ الْمَوَازِينِ فِيهِ وَكُلُّ مَوْضِعٍ يَكُونُ فِيهِ اسْتِيفَاءُ مَا يُوزَنُ

стр. 1682

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] غَالِبًا يُوجَدُ فِيهِ الْمَوَازِينُ فَإِنْ قَالَ بِهَذَا أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِهِ بِالتَّحَرِّي. (فَرْعٌ) وَالشَّرْطُ الثَّانِي رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الشَّيْءِ الْقَلِيلِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَثِيرَ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ التَّسَاوِي بِالتَّحَرِّي، وَإِنَّمَا يُوصَلُ إلَى مَا يَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْيَسِيرِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ مِمَّا لَا يُعْتَبَرُ وَلَا يُقْصَدُ، وَأَمَّا الْكَثِيرُ فَرُبَّمَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاضُلِ مَا يَمْنَعُ الْإِبَاحَةَ وَيُنَافِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالْحِنَّاءِ وَالْقُطْنِ وَالْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يَجُوزُ اقْتِسَامُهُ تَحَرِّيًا عَلَى التَّعْدِيلِ وَالتَّفْضِيلِ وَلَا يَجُوزُ عَلَى الشَّكِّ فِي التَّعْدِيلِ كَالتَّبَادُلِ فِيهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْسِمَ الْحِنَّاءَ وَالْكَتَّانَ وَالْمِسْكَ وَالْعَنْبَرَ وَغَيْرَهُ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ بِالتَّحَرِّي، وَقَدْ قِيلَ لَا يَجُوزُ وَإِجَازَتُهُ أَحَبُّ إلَيْنَا وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَسْمُ الْحِنَّاءِ وَالتِّبْنِ وَالنَّوَى وَالْكَتَّانِ وَالْمِسْكِ إلَّا كَيْلًا فِي الْمَكِيلِ، أَوْ وَزْنًا فِي الْمَوْزُونِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ التَّفَاضُلُ الْبَيِّنُ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَبْعَدُ فِي الْأَصْلِ وَأَحَبُّ إلَيَّ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي الْبُقُولِ: قَدْ أَخْطَأَ مَنْ قَالَ فِي الْبُقُولِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يُجَوِّزُ قِسْمَتَهَا بَعْدَ الْجَدِّ عَلَى التَّحَرِّي وَهُوَ غَيْرُ التَّحَرِّي فِي الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ فَكَيْفَ بِمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَهَذَا خِلَافُ مَا اخْتَارَهُ فِي قِسْمَةِ الْحِنَّاءِ وَالْكَتَّانِ وَالْمِسْكِ وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرٌ فِي الْمَذْهَبِ. وَجْهُ رِوَايَةِ الْجَوَازِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَإِذَا تَحَرَّى الْمُسَاوَاةَ فَهُوَ أَجْوَزُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ يَجُوزُ فِيهِ التَّسَاوِي، وَقَدْ يَجُوزُ التَّسَاوِي فِيمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ أَنَّ التَّحَرِّيَ مَعَ عَدَمِ التَّفَاضُلِ يُبَيِّنُ أَنَّ الْقَصْدَ الْمُخَاطَرَةُ وَالْمُغَابَنَةُ وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْجَوَازَ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي التَّسَاوِي وَالْقِيَاسُ عِنْدِي جَوَازُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَصْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ الْآخَرِ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ كَمَا لَوْ كَانَتْ مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مَطْعُومٍ وَغَيْرِ مَطْعُومٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِيمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ: لَا يَكُونُ فِيهِ السَّهْمُ يُرِيدُ لَا يُقْسَمُ بِالْقُرْعَةِ، وَكَذَلِكَ عِنْدِي مَا قُسِمَ بِالتَّحَرِّي؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ بَدَلٌ مِنْ الْوَزْنِ وَذَلِكَ إذَا تَسَاوَتْ السِّهَامُ فِي الْجَوْدَةِ وَالْجِنْسِ وَالْقَدْرِ لَمْ يَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إلَى سِهَامٍ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ بِخِلَافِ مَا يَحْتَاجُ إلَى النُّقُودِ فَإِنَّهُ لَا يَبْلُغُ حَقِيقَةَ التَّمَاثُلِ فِيهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا مَا لَا يَنْقَسِمُ إلَّا بِضَرَرٍ فَمِنْهُ مَا لَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِيهِ كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَمِنْهُ مَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِ وَلَكِنْ يَدْخُلُ فِيهِ الضَّرَرُ كَالشِّقَّةِ مِنْ الْقُطْنِ، أَوْ الْكَتَّانِ أَوْ الصُّوفِ، أَوْ الْحَرِيرِ، أَوْ الْخَزِّ، أَوْ الْحُلِّ أَوْ الْجِذْعِ مِنْ الْخَشَبِ. وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا تُقْسَمُ الْخَشَبَةُ فَإِنْ قِيلَ: مِنْ الْخَشَبِ مَا يَصْلُحُ بِالْقَطْعِ، وَكَذَلِكَ مِنْ الثِّيَابِ مَا يَكُونُ قَطْعُهُ صَلَاحًا وَلَا يُكَلَّفُ ذَلِكَ مَنْ أَبَاهُ، وَإِنَّمَا الْقِسْمَةُ فِي غَيْرِ الرِّبَاعِ مِنْ الْأَرَضِينَ فِيمَا لَا يُحَالُ عَنْ حَالٍ وَلَا يَحْدُثُ بِالْقِسْمَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ قَطْعٍ وَلَا زِيَادَةِ دَرَاهِمَ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَيْضًا لَا تُقْسَمُ الْخَشَبَةُ وَلَا الثَّوْبُ الْوَاحِدُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَا كَانَ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ الْوَاحِدِ كَاللِّبَاسِ وَالْخُفَّيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ وَحُكْمُهُ فِي مَنْعِ الْقِسْمَةِ إذَا أَبَى ذَلِكَ أَحَدُهُمَا حُكْمَ الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَاخْتَلَفُوا فِي الْغِرَارَتَيْنِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ فَسَادُ قِسْمَتِهِمَا بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا فَسَادٌ لَمْ أَقْسِمْهُمَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا تُقْسَمُ وَجَعَلَهُمَا كَالْخُرْجِ وَجَوَّزَ أَشْهَبَ قِسْمَتَهُمَا فِي الْمَجْمُوعَةِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِهِمَا اسْتِعْمَالُهُمَا جَمِيعًا فِي الْحَمْلِ عَلَى الدَّابَّةِ فَلَا يُقْسَمَانِ كَالْخَرْجِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ تُسْتَعْمَلُ الْوَاحِدَةُ مِنْهُمَا غَالِبًا عَلَى الدَّوَابِّ وَعَلَى ظُهُورِ الرِّجَالِ فَثَبَتَ لَهُمَا حُكْمُ الْقِسْمَةِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْسَمُ فَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى بَقَاءِ ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ الشَّرِكَةِ جَازَ ذَلِكَ وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَتَهَاوَنُوا فِي ذَلِكَ جَازَ وَلَا يُجْبَرُ أَحَدٌ

стр. 1683

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةُ «أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتْ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا» ) ــ [المنتقى] عَلَى ذَلِكَ، وَمَنْ دَعَا إلَى الْبَيْعِ أُجْبِرَ إشْرَاكُهُ عَلَى التَّسْوِيقِ مَعَهُ فَإِنْ أَرَادَ الْبَيْعَ مَنْ دَعَا إلَيْهِ قِيلَ لِمَنْ أَبَاهُ مِنْ إشْرَاكِهِ إمَّا أَنْ تَأْخُذَ حِصَّتَهُ بِمَا أَعْطَى فِيهَا وَإِمَّا أَنْ تَبِيعَ مَعَهُ. [الْقَضَاءُ فِي الضَّوَارِي وَالْحَرِيسَةِ] (الْقَضَاءُ فِي الضَّوَارِي وَالْحَرِيسَةِ) قَوْلُهُ الضَّوَارِي يُرِيدُ مَا ضَرِيَتْ أَكْلَ زُرُوعِ النَّاسِ مِنْ الْبَهَائِمِ، وَالْحَرِيسَةُ: الْمَاشِيَةُ الْمَحْرُوسَةُ وَالضَّوَارِي: هِيَ الَّتِي تُسَمَّى الْعَوَادِي. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالرَّمَكِ الَّتِي تَعْدُو فِي زَرْعِ النَّاسِ قَدْ ضَرِيَتْ ذَلِكَ: أَرَى أَنْ تُغَرَّبَ وَتُبَاعَ فِي بِلَادٍ لَا زَرْعَ فِيهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَرَى الْغَنَمَ وَالدَّوَابَّ بِحَسَبِهَا تُبَاعُ إلَّا أَنْ يَحْبِسَهَا أَهْلُهَا عَنْ النَّاسِ يُرِيدُ إنْ اسْتَطَاعَ أَهْلُهَا أَنْ يَحْبِسُوهَا لِكَوْنِ الدَّوَابِّ مُسْتَخْدَمَةً غَيْرَ مُهْمَلَةٍ وَالْغَنَمُ يَجِبُ حِفْظُ رَعْيِهَا فَذَلِكَ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ وَوَصَلَ ضَرَرُهَا إلَى الزَّرْعِ بِيعَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ مَالِكٌ يَأْمُرُ الْإِمَامُ بِبَيْعِهَا، وَإِنْ أُكْرِهَ رَبُّهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْإِضْرَارُ بِجِيرَانِهِ يَرْعَى زُرُوعَهُمْ وَإِفْسَادَ حَوَائِطِهِمْ وَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ حِفْظَ مَاشِيَتِهِ لَمَا عُهِدَ مِنْ عُدْوَانِهَا عَلَى الزَّرْعِ وَتَعَذَّرَتْ الْقُدْرَةُ عَلَى حِفْظِهَا لَمْ يُمْكِنْ إزَالَةُ ضَرَرِهَا إلَّا بِبَيْعِهَا مِمَّنْ يُكَفُّ أَذَاهَا بِذَبْحٍ أَوْ تَغْرِيبٍ إلَى بَلَدٍ لَا زَرْعَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ صَاحِبُهَا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِهَا فَلَهُ ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْحَيَوَانِ مِمَّا لَا يُسْتَطَاعُ حِرَاسَتُهُ وَمَنْعُهُ مِنْ الْأَذَى كَالنَّحْلِ يَتَّخِذُهَا الرَّجُلُ فِي الْقَرْيَةِ يَضُرُّ بِشَجَرِ الْقَوْمِ، أَوْ يَتَّخِذُ فِيهَا بُرْجًا يَأْوِي إلَيْهِ الْعَصَافِيرُ وَالْحَمَامُ فَيُصِيبُ مِنْ فَرْخِهَا فَتَضُرُّ بِالزَّرْعِ قَالَهُ مُطَرِّفٌ أَرَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْ اتِّخَاذِهَا مَا يَضُرُّ بِالنَّاسِ فِي زُرُوعِهِمْ وَشَجَرِهِمْ؛ لِأَنَّ هَذَا طَائِرٌ وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَاسُ مِنْهُ كَمَا يُسْتَطَاعُ ذَلِكَ فِي الْمَاشِيَةِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الدَّابَّةِ الَّتِي ضَرِيَتْ بِإِفْسَادِ الزَّرْعِ وَلَا يَحْرُسُ مِنْهَا تُبَاعُ وَتُغَرَّبُ فَالنَّحْلُ وَالْحَمَامُ أَشَدُّ، وَكَذَلِكَ الدَّجَاجُ الطَّائِرَةُ وَالْأَوُزُّ وَشَبَهُهَا مِمَّا لَا يُسْتَطَاعُ الِاحْتِرَاسُ مِنْهُ، وَأَمَّا مَا يُسْتَطَاعُ الِاحْتِرَاسُ مِنْهُ فَلَا يُؤْمَرُ صَاحِبُهُ بِإِخْرَاجِهِ وَاخْتَارَهُ ابْن حَبِيبٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَاشِيَةَ وَمَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَاسُ مِنْهُ بِالْحِفْظِ الْمَعْهُودِ لَا يُؤْمَرُ أَهْلُهُ بِبَيْعِهِ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِذَلِكَ فِيمَا تَعَذَّرَ وَلَا يُمْنَعُ بِالْحِفْظِ الْمُعْتَادِ لِمُثَابَرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّحْلِ وَالطَّيْرِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِإِزَالَتِهِ ابْتِدَاءً، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَلَى عَادَةِ جِنْسِهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنْهَا وَلَا دَفْعُ أَذَاهَا، وَقَالَ أَصْبَغُ النَّحْلُ وَالْحَمَامُ وَالدَّجَاجُ وَالْأَوُزُّ كَالْمَاشِيَةِ لَا يُمْنَعُ صَاحِبُهَا مِنْ اتِّخَاذِهَا، وَإِنْ ضَرَبَتْ وَعَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ حِفْظُ زُرُوعِهِمْ وَشَجَرِهِمْ، وَكَذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَزَادَ وَمَا أُحِبُّ أَنْ يُؤْذَى أَحَدٌ، وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ هَذَا مَعَانٍ لَا تَضْرِي إلَّا بِالنَّهَارِ وَلَا يَجِدُ النَّاسُ بُدًّا مِنْ اتِّخَاذِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَنَافِعِهِمْ وَمُعْظَمُ فَوَائِدِهِمْ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ اتِّخَاذِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَا أَصَابَتْ الْمَاشِيَةُ الَّتِي ضَرِيَتْ بِإِفْسَادِ الزُّرُوعِ وَالْحَوَائِطِ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْن الْقَاسِم مَا أَصَابَتْهُ قَبْلَ التَّقْدِيمِ إلَى أَرْبَابِهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ وَمَا أَصَابَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ضَمِنُوهُ لَيْلًا أَصَابَتْهُ، أَوْ نَهَارًا كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ قَالَ: وَإِذَا أَخَذَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ فَهُوَ ضَامِنٌ مَنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مَا أَفْسَدَتْهُ الْمَوَاشِي حَيْثُ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ مَسْرَحٍ وَلَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِرْسَالِ الْمَوَاشِي فِيهِ فَإِنَّ عَلَى أَهْلِهَا ضَمَانُ مَا أَفْسَدَتْهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا قَبْلَ التَّقَدُّمِ وَبَعْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : مَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَحَدَ مَعْنَيَيْنِ إمَّا أَنَّ

стр. 1684

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ بِالشَّرْعِ لِمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ إفْسَادِ الْأَمْوَالِ وَتَضْيِيعِهَا فَلَمَّا وَجَبَ لِذَلِكَ حِفْظُ الزُّرُوعِ الَّتِي هِيَ مُعْظَمُ الْأَقْوَاتِ وَسَبَبُ الْمَعَاشِ كَانَ حِفْظُهَا بِالنَّهَارِ يَلْزَمُ أَرْبَابَ الزُّرُوعِ وَلَا يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ بِاللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتَ رَاحَتِهِمْ وَنَوْمِهِمْ وَسُكُونِهِمْ وَلَيْسَ بِوَقْتِ رَعْيٍ لِلْمَاشِيَةِ فِي غَالِبِ الْحَالِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ أَهْلَ الزَّرْعِ إنْ أَرَادُوا حِفْظَ زُرُوعِهِمْ وَدَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهَا فَإِنَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِالنَّهَارِ لِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ رَعْيِ الْمَوَاشِي بِالنَّهَارِ وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَالِ وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ لَهُ مَنْ يَرْعَى نَاقَتَهُ وَدَابَّتَهُ فَإِنْ مَنَعَهَا الرَّعْيَ أَضَرَّ بِهَا، وَإِنْ أَرَادَ الْحِفْظَ لَهَا لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ لِعَدَمِ مَنْ يَحْفَظُ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفَائِدَةُ الْكَلَامِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى أَصْحَابِ الْمَاشِيَةِ فِيمَا أَصَابَتْ بِالنَّهَارِ لِمَا ذَكَرْنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ اللَّيْثُ يَضْمَنُ أَرْبَابُ الْمَوَاشِي مَا أَفْسَدَتْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ مَنْ احْتَجَّ لَمَّا ذَكَّرْته بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] قَالُوا وَالنَّفْشُ لَا يَكُونُ إلَّا بِاللَّيْلِ، وَقَدْ ذُكِرَ مِثْلُ هَذَا عَنْ شُرَيْحٍ، وَهَذَا لَيْسَ بِبَيِّنٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْآيَةِ التَّصْرِيحُ بِالْحُكْمِ أَنَّهُ ضَمِنَ أَهْلَ الْمَاشِيَةِ الَّتِي نَفَشَتْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفْيُ الْحُكْمِ ذَلِكَ فِي الرَّاعِيَةِ بِالنَّهَارِ إلَّا مِنْ جِهَةِ دَلِيلِ الْخِطَابِ وَلَيْسَ عِنْدِي بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ فَكَيْفَ وَالْآيَةُ لَمْ تَتَضَمَّنْ تَفْسِيرَ الْحُكْمِ وَلَا بَيَانَهُ، وَإِنَّمَا فِي ذَلِكَ قَوْلُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَسَوَاءٌ كَانَ مُحْظِرًا، أَوْ غَيْرَ مُحْظَرٍ عَلَيْهِ رَوَاهُ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ وَزَادَ فِي الْمُزَنِيَّةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجَمِيعُ الْأَشْيَاءِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. ١ - (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ وَمَا أَفْسَدَتْ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا بِمَعْنَى مَضْمُونٍ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَرَى أَنْ يَقْضِيَ فِيمَا أَفْسَدَتْ الْمَوَاشِي بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَالزُّرُوعِ مِثْلَ الْحَوَائِطِ فِيمَا أَفْسَدَتْ الْبَهَائِمُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: لَا ضَمَانَ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي فِيمَا أَفْسَدَتْ فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ وَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ مَا أَفْسَدَتْ بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ إهْمَالَهَا بِاللَّيْلِ مِنْ بَابِ التَّعَدِّي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتِ رَعْيٍ مُعْتَادٍ فَوَجَبَ أَنْ يَضْمَنَ مَا أَفْسَدَتْ فِيهِ كَالْقَائِدِ وَالسَّائِقِ فِيمَا أَفْسَدَتْ الدَّابَّةُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي ضَمَانُ مَا أَفْسَدَتْهُ بِاللَّيْلِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عَلَيْهِمْ قِيمَةَ مَا أَفْسَدَتْ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ أَنْ يُتِمَّ، أَوْ لَا يُتِمَّ زَادَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَزَادَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قِيمَتَهُ لَوْ حَلَّ بَيْعُهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ وَلَا يَسْتَأْنِي بِالزَّرْعِ أَنْ يُنْبِتَ، أَوْ لَا يُنْبِتُ كَمَا يَصْنَعُ بِسِنِّ الصَّغِيرِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ حَقِيقَةُ مَا أَفْسَدَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَائِمًا عَلَى أَصْلِهِ بَيْنَ رَجَاءٍ وَخَوْفٍ أَنْ يَعُوقَهُ عَائِقٌ مِنْ كَثْرَةِ مَاءٍ، أَوْ قِلَّتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَعَلَى ذَلِكَ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ وَلَمَّا كَانَ قِيمَةُ هَذَا الزَّرْعِ يُعْتَبَرُ فِيهِ حَالُهُ وَلَا يُحْكَمُ لِصَغِيرِهِ بِحُكْمِ كَبِيرِهِ لَزِمَ غُرْمُ قِيمَتِهِ عَلَى صِفَتِهِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ بِأَنْ يَخْلُفَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ لَا يَخْلُفَ بِخِلَافِ السِّنِّ الَّذِي إنَّمَا يُرَاعِي الْجَمَالَ وَالْمَنْفَعَةَ بِهَا فَإِذَا نَبَتَتْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهَا أَخَفَّ وَلَمْ يَلْزَمْ ضَمَانُهَا جُمْلَةً وَإِذَا يَئِسَ مِنْ نَبَاتِهَا لَزِمَتْ فِيهَا دِيَتُهَا دُونَ قِيمَتِهَا وَالدِّيَاتُ مُخْتَصَّةٌ بِمَا يَتْلَفُ وَلَا يَعُودُ فَلِذَلِكَ اُسْتُؤْنِيَ لِيَعْلَمَ مِنْ نَبَاتِهَا، أَوْ عَدَمِهِ مَا يَجِبُ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ دِيَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي قِيمَةَ مَا أَفْسَدَتْ فَيَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ اللَّيْثُ إنَّمَا عَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهَا، أَوْ قِيمَةِ مَا أَفْسَدَتْ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَمَنْ تَابَعَهُ أَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْمَوَاشِي، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ أَرْبَابِهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ تَسْلِيمُهَا وَلَا يَقْصُرُ الْأَرْشُ عَلَى قِيمَتِهَا كَمَا لَوْ أَصَابَتْهُ مَعَ الْقَائِدِ، أَوْ السَّائِقِ. ١ - (فَرْعٌ) وَلَوْ نَبَتَ الزَّرْعُ قَبْلَ الْحُكْمِ فِيهِ بِالْقِيمَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ الَّذِي أَفْسَدَتْهُ مِمَّا كَانَتْ فِيهِ

стр. 1685

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ أَنَّ رَقِيقًا ــ [المنتقى] مَنْفَعَةٌ حِينَ الرَّعْيِ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ لَا تَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ حِينَ رَعْيِهِ فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ حِينَ الرَّعْيِ لَا يُرَاعَى فِيهِ رَجَاءٌ وَلَا خَوْفٌ مَعَ الْأَدَبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَعَلَيْهِ الْأَدَبُ بِقَدْرِ سَفَهِهِ وَإِفْسَادِهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ. وَقَالَ أَصْبَغُ، وَإِنْ عَادَ لِهَيْئَتِهِ فَإِنَّهُ يَقُومُ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ نَبَتَ، أَوْ لَمْ يَنْبُتْ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الزَّرْعَ لَهُ قِيمَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِهِ يَنْتَفِعُ بِهِ وَيُرْجَى تَزَايُدُ مَنْفَعَتِهِ، وَالثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ فِي عَيْنِهِ مَنْفَعَةٌ إلَّا مَا يُرْجَى مِنْ انْتِهَائِهِ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِنَفْسِهِ لَزِمَهُ إنْ حُكِمَ عَلَيْهِ قَبْلَ نَبَاتِهِ قِيمَةُ الْمَنْفَعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ قِيمَةَ مِثْلِ ذَلِكَ الزَّرْعِ عَلَى قُوَّةِ الرَّجَاءِ فِيهِ، وَإِنْ نَبَتَ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَصَارَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَقَدْ عَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَعَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْهُ عَلَيْهِ وَلَزِمَتْهُ قِيمَةُ الْبَقْلِ الَّذِي هُوَ مِنْ نَبَاتِ أَصْلِ زَرْعِهِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ حِينَ رَعْيِهِ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ ثُمَّ عَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْحُكْمِ فَلَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا لَهُ فِيهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ مَا أُتْلِفَ عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ فِيهِ قِيمَةُ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ وَمَا تَلِفَ فَإِنَّمَا هُوَ فَائِدَةُ الْأَصْلِ الَّذِي فِي الْأَرْضِ فَهُوَ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَةَ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ قِيمَةَ مَا أَبْطَلَ مِنْ الْفَرْعِ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَبْطَلَتْ الْقِيمَةُ بِنَبَاتِهِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يُحْكَمَ بِقِيمَتِهِ حَتَّى يَعْلَمَ هَلْ يَعُودُ بِالنَّبَاتِ فَتَبْطُلُ الْقِيمَةُ، أَوْ لَا يَعُودُ فَيَثْبُتُ وُجُوبُهَا كَسِنِّ الصَّبِيِّ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا حُكْمُ مَا أَفْسَدَتْ مِنْ الزَّرْعِ وَالْحَوَائِطِ وَالْحَرْثِ، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَتْ لَيْلًا فَوَطِئَتْ رَجُلًا قَائِمًا فَقَطَعَتْ رِجْلَهُ فَإِنَّهُ هَدَرٌ قَالَ ذَلِكَ كُلُّهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَقْصِدُهُ الْمَوَاشِي غَالِبًا فَلَا تُحْرَسُ مِنْهُ. (فَصْلٌ) : وَهَذَا نَصٌّ ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ عِنْدِي فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الزَّرْعُ، أَوْ الْحَوَائِطُ مَعَ الْمَسَارِحِ وَالْمَوَاضِعِ عِنْدِي ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: مَوْضِعٌ تَتَدَاخَلُ فِيهِ الْمَسَارِحُ وَالْمَرَاعِي، وَالثَّانِي: أَنْ تَنْفَرِدَ الْمَرَاعِي، أَوْ الْحَوَائِطُ وَلَيْسَ بِمَكَانِ مَسْرَحٍ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ مَسْرَحٍ وَلَيْسَ بِمَوْضِعِ زَرْعٍ فَيَحْدُثُ فِيهِ إنْسَانٌ زَرْعًا فَإِنْ كَانَ مَوْضِعَ زَرْعٍ وَمَسَارِحَ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ حُكْمِهِ وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الْحُكْمُ عِنْدِي وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْحَائِطِ وَالْمَوَاشِي الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْحَدِيثِ لِلْعَهْدِ لِاجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْمَوَاشِي إرْسَالُهَا بِالنَّهَارِ فِيهَا لَخَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَسْرَحًا، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ هَذَا بِالْحَدِيثِ وَأُرِيدَ بِهِ الشَّاذَّةَ مِنْ الْمَوَاشِي لِمَا قَضَى عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ بِحِفْظِهَا بِالنَّهَارِ؛ لِأَنَّ مَا يَشِذُّ وَيَنْدُرُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْحِفْظِ وَكَانَ حُكْمُ مَا أَصَابَتْ بِالنَّهَارِ حُكْمَ مَا أَصَابَتْ بِاللَّيْلِ، وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ زَرْعٍ دُونَ سَرْحٍ فَهَذِهِ عِنْدِي لَا يَجُوزُ إرْسَالُ الْمَوَاشِي فِيهَا وَمَا أَفْسَدَتْ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا فَعَلَى أَصْحَابِ الْمَوَاشِي ضَمَانُهُ. وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْمُزَنِيَّة: لَيْسَ لِأَهْلِ الْمَوَاشِي أَنْ يُخْرِجُوهَا إلَى قُرَى الزَّرْعِ بِغَيْرِ ذُوَّادٍ وَلَكِنْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَذُودُوهَا عَنْ الزَّرْعِ فَإِذَا بَلَغُوا الْمَرَاعِيَ وَالْمَسَارِحَ سَرَّحُوهَا هُنَالِكَ فَمَا شَذَّ مِنْهَا إلَى الزُّرُوعِ وَالْجَنَّاتِ فَعَلَى أَصْحَابِ الزَّرْعِ وَالْجَنَّاتِ دَفْعُهَا، وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَوْضِعُ سَرْحٍ جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِإِرْسَالِ مَوَاشِيهِمْ فِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا فَأَحْدَثَ رَجُلٌ فِيهِ زَرْعًا مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فِي الْإِحْيَاءِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي الِامْتِنَاعُ مِنْ إرْعَاءِ مَوَاشِيهِمْ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا وَمَا أَفْسَدَتْهُ مِنْ زَرْعِهِ بِاللَّيْلِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ جَرّ الْجِنَايَةَ إلَى نَفْسِهِ حَيْثُ زَرَعَ بِمَوْضِعِ الْمَسْرَحِ وَأَرَادَ مَنْعَ النَّاسِ مِنْ مَنَافِعِهِمْ الَّتِي قَدْ ثَبَتَتْ لَهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّوَابُّ تَعْبُرُ فِي الزَّرْعِ فَتُفْسِدُهُ فَحَفَرَ رَبُّ الزَّرْعِ حَوْلَ الزَّرْعِ حَفِيرًا لِمَكَانِ الدَّوَابِّ فَوَقَعَ بَعْضُهَا فِي ذَلِكَ فَمَاتَ فَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يُنْذِرْهُمْ قَالَ أَصْبَغُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ فِيمَنْ يَحْفِرُ لِلسَّارِقِ زُبْيَةً فَوَقَعَ السَّارِقُ، أَوْ غَيْرُهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ.
следующие страницы →