← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الثَّمَرَةُ بَلَحًا أَوْ طَلْعًا فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقْسَمَ ذَلِكَ مَعَ النَّخْلِ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَكُونَ طَلْعًا أَوْ يَكُونَ بَلَحًا حُلْوًا فَلَا يَجُوزُ لِامْتِنَاعِ التَّفَاضُلِ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيد وَعِنْدِي أَنَّ مَنْعَهُ قِسْمَتَهَا مَعَ الطَّلْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِسْمَتُهَا دُونَ الطَّلْعِ؛ لِأَنَّهَا ثَمَرَةٌ لَمْ تُؤَبَّرْ وَلَا يَجُوزُ قِسْمَتُهَا مَعَ الطَّلْعِ؛ لِأَنَّهُ مَأْكُولٌ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تُقْسَمُ الرِّقَابُ وَيُتْرَكُ الْبَلَحُ وَالطَّلْعُ وَأَنْكَرَ سَحْنُونٌ ذِكْرَهُ لِلطَّلْعِ، وَقَالَ إذَا لَمْ يُؤَبَّرْ لَمْ تَجُزْ قِسْمَتُهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ كَالزَّرْعِ وَالْبُقُولِ فَإِنَّهُ لَا يُقْسَمُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالْخَرْصِ حَتَّى يُجَذَّ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ كُلُّ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ مِنْ الطَّعَامِ فَلَا يُقْسَمُ بِالتَّحَرِّي لَا زَرْعًا وَلَا حَصِيدًا وَلَا مَدْرُوسًا وَلَا مُصَبَّرًا إلَّا كَيْلًا فِيمَا يُكَالُ، أَوْ وَزْنًا فِيمَا يُوزَنُ، أَوْ عَدَدًا فِيمَا يُعَدُّ مَا خَلَا الثِّمَارَ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا وَقَالَهُ مَالِكٌ وَمِنْ أَصْحَابِهِ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَذَلِكَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُعَلَّلَ بِعِلَّتَيْنِ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ الْخَرْصُ فَلَا يَصِحُّ التَّسَاوِي فِيهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُقْبَضُ فِي الْوَقْتِ وَعَدَمُ التَّقَابُضِ فِيهِ يُفْسِدُ قِسْمَتَهُ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ كَرِهَ قِسْمَةَ الْبُقُولِ بِالْخَرْصِ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبِضُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا صَارَ إلَيْهِ، وَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ قَالَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُجِيزُ قِسْمَتَهُ بِالتَّحَرِّي بَعْدَ الْجَدِّ وَهُوَ يُجِيزُ التَّحَرِّي فِي الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ فَكَيْفَ بِمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ قَدْ أَزْهَتْ أُفْرِدَتْ الرِّقَابُ بِالْقِسْمَةِ ثُمَّ إنْ قُسِمَتْ الثَّمَرَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْحَاجَةِ فَيَسْقِي كُلُّ وَاحِدٍ نَخْلَهُ، وَإِنْ كَانَتْ ثَمَرَتُهَا لِغَيْرِهِ كَبَائِعِ ثَمَرَةِ نَخْلِهِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ. وَقَالَ: الْقَسْمُ تَمْيِيزُ حَقٍّ وَالسَّقْيُ عَلَى مَنْ لَهُ الثَّمَرَةُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَلَوْ كَانَ كَالْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ عَلَى صَاحِبِ الْأَصْلِ إلَّا أَنْ يَسْقِيَ نِصْفَ مَا لَهُ فِي أَصْلِهِ وَنِصْفَ مَا فِي نَخْلِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ قَدْ تَخْتَلِفُ فِي الْخَرْصِ فَتَعْدِلُ ثَمَرَةُ نَخْلَةٍ ثَمَرَةَ نَخَلَاتٍ فَيَخْتَلِفُ السَّقْيُ وَالْخَرْصُ سَوَاءٌ وَفَرَّقَ آخَرُ أَنَّ الْجَائِحَةَ فِي الْبَيْعِ دُونَ الْقِسْمَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ قَسَّمَهُ صُبُرًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يُقْسَمَ بِمَقَادِيرِهِ أَوْ يُقْسَمَ بِالتَّحَرِّي فَإِنْ قُسِمَ بِمَقَادِيرِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي قَسْمِ الرُّطَبِ وَالثَّمَرِ وَالْعِنَبِ: إنَّهُ يُقَسِّمُ عَلَى الْأَكْثَرِ مَنْ شَأْنُهُ فِي الْبَلَدِ مِنْ الْوَزْنِ، أَوْ الْكَيْلِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُقَسِّمَ الْقَاضِي الزَّيْتَ كَيْلًا، أَوْ وَزْنًا أَيُّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ. وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: بَيْعُ الزَّيْتِ بِالْكَيْلِ فَأَمَّا بِالْوَزْنِ فَأَيٌّ عَرَفَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْكَيْلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ فَجَعَلَ الْأَصْلَ فِيهِ الْكَيْلَ، وَإِنْ قَسَمَ عَلَى التَّحَرِّي فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، أَوْ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا فَقَدْ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ لَا تَجُوزُ قِسْمَتُهُ مُصَبَّرًا بِالتَّحَرِّي إلَّا كَيْلًا فِي الْمَكِيلِ، أَوْ وَزْنًا فِي الْمَوْزُونِ، أَوْ عَدَدًا فِي الْمَعْدُودِ وَحَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ قِسْمَةُ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالْحِيتَانِ بِالتَّحَرِّي. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا وَيَلْزَمُ فِيهِ التَّسَاوِي وَلَا يُوصَلُ إلَى حَقِيقَةِ ذَلِكَ بِالتَّحَرِّي؛ لِأَنَّ التَّحَرِّي لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ فِي نَفْسِهِ فَيُعْرَفُ بِهِ التَّسَاوِي، وَإِنَّمَا يَتَحَرَّى بِهِ الْمَوْزُونُ، أَوْ الْمَكِيلُ وَلَا يُدْرِكُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ بِالتَّحَرِّي، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ التَّحَرِّي طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَةِ التَّسَاوِي وَالتَّفَاضُلِ كَالْوَزْنِ وَالْكَيْلِ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّسَاوِي فِي أَحَدِ الْمِقْدَارَيْنِ لَا يَمْنَعُ التَّفَاضُلَ بِالْمِقْدَارِ الثَّانِي. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَكِيلِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي الْمَوْزُونِ كَاللَّحْمِ وَالْخُبْزِ وَالْحِيتَانِ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ بِأَنَّ التَّحَرِّيَ إنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ مَا يُقَدَّرُ بِهِ وَالْكَيْلُ لَا يُعْدَمُ، وَلَوْ بِالْحَفْنَةِ، وَإِنَّمَا يَعْدَمُ الْمَوَازِينُ وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْخُبْزِ بِالتَّحَرِّي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ الْمَوَازِينِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ إنَّمَا يُسْلَمُ إلَيْهِ فِي أَمَدٍ يُمْكِنُ تَحْصِيلُ الْمَوَازِينِ فِيهِ وَكُلُّ مَوْضِعٍ يَكُونُ فِيهِ اسْتِيفَاءُ مَا يُوزَنُ

стр. 1682

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] غَالِبًا يُوجَدُ فِيهِ الْمَوَازِينُ فَإِنْ قَالَ بِهَذَا أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِهِ بِالتَّحَرِّي. (فَرْعٌ) وَالشَّرْطُ الثَّانِي رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الشَّيْءِ الْقَلِيلِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَثِيرَ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ التَّسَاوِي بِالتَّحَرِّي، وَإِنَّمَا يُوصَلُ إلَى مَا يَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْيَسِيرِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ مِمَّا لَا يُعْتَبَرُ وَلَا يُقْصَدُ، وَأَمَّا الْكَثِيرُ فَرُبَّمَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاضُلِ مَا يَمْنَعُ الْإِبَاحَةَ وَيُنَافِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالْحِنَّاءِ وَالْقُطْنِ وَالْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يَجُوزُ اقْتِسَامُهُ تَحَرِّيًا عَلَى التَّعْدِيلِ وَالتَّفْضِيلِ وَلَا يَجُوزُ عَلَى الشَّكِّ فِي التَّعْدِيلِ كَالتَّبَادُلِ فِيهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْسِمَ الْحِنَّاءَ وَالْكَتَّانَ وَالْمِسْكَ وَالْعَنْبَرَ وَغَيْرَهُ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ بِالتَّحَرِّي، وَقَدْ قِيلَ لَا يَجُوزُ وَإِجَازَتُهُ أَحَبُّ إلَيْنَا وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَسْمُ الْحِنَّاءِ وَالتِّبْنِ وَالنَّوَى وَالْكَتَّانِ وَالْمِسْكِ إلَّا كَيْلًا فِي الْمَكِيلِ، أَوْ وَزْنًا فِي الْمَوْزُونِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ التَّفَاضُلُ الْبَيِّنُ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَبْعَدُ فِي الْأَصْلِ وَأَحَبُّ إلَيَّ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي الْبُقُولِ: قَدْ أَخْطَأَ مَنْ قَالَ فِي الْبُقُولِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يُجَوِّزُ قِسْمَتَهَا بَعْدَ الْجَدِّ عَلَى التَّحَرِّي وَهُوَ غَيْرُ التَّحَرِّي فِي الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ فَكَيْفَ بِمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَهَذَا خِلَافُ مَا اخْتَارَهُ فِي قِسْمَةِ الْحِنَّاءِ وَالْكَتَّانِ وَالْمِسْكِ وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرٌ فِي الْمَذْهَبِ. وَجْهُ رِوَايَةِ الْجَوَازِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَإِذَا تَحَرَّى الْمُسَاوَاةَ فَهُوَ أَجْوَزُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ يَجُوزُ فِيهِ التَّسَاوِي، وَقَدْ يَجُوزُ التَّسَاوِي فِيمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ أَنَّ التَّحَرِّيَ مَعَ عَدَمِ التَّفَاضُلِ يُبَيِّنُ أَنَّ الْقَصْدَ الْمُخَاطَرَةُ وَالْمُغَابَنَةُ وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْجَوَازَ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي التَّسَاوِي وَالْقِيَاسُ عِنْدِي جَوَازُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَصْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ الْآخَرِ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ كَمَا لَوْ كَانَتْ مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مَطْعُومٍ وَغَيْرِ مَطْعُومٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِيمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ: لَا يَكُونُ فِيهِ السَّهْمُ يُرِيدُ لَا يُقْسَمُ بِالْقُرْعَةِ، وَكَذَلِكَ عِنْدِي مَا قُسِمَ بِالتَّحَرِّي؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ بَدَلٌ مِنْ الْوَزْنِ وَذَلِكَ إذَا تَسَاوَتْ السِّهَامُ فِي الْجَوْدَةِ وَالْجِنْسِ وَالْقَدْرِ لَمْ يَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إلَى سِهَامٍ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ بِخِلَافِ مَا يَحْتَاجُ إلَى النُّقُودِ فَإِنَّهُ لَا يَبْلُغُ حَقِيقَةَ التَّمَاثُلِ فِيهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا مَا لَا يَنْقَسِمُ إلَّا بِضَرَرٍ فَمِنْهُ مَا لَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِيهِ كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَمِنْهُ مَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِ وَلَكِنْ يَدْخُلُ فِيهِ الضَّرَرُ كَالشِّقَّةِ مِنْ الْقُطْنِ، أَوْ الْكَتَّانِ أَوْ الصُّوفِ، أَوْ الْحَرِيرِ، أَوْ الْخَزِّ، أَوْ الْحُلِّ أَوْ الْجِذْعِ مِنْ الْخَشَبِ. وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا تُقْسَمُ الْخَشَبَةُ فَإِنْ قِيلَ: مِنْ الْخَشَبِ مَا يَصْلُحُ بِالْقَطْعِ، وَكَذَلِكَ مِنْ الثِّيَابِ مَا يَكُونُ قَطْعُهُ صَلَاحًا وَلَا يُكَلَّفُ ذَلِكَ مَنْ أَبَاهُ، وَإِنَّمَا الْقِسْمَةُ فِي غَيْرِ الرِّبَاعِ مِنْ الْأَرَضِينَ فِيمَا لَا يُحَالُ عَنْ حَالٍ وَلَا يَحْدُثُ بِالْقِسْمَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ قَطْعٍ وَلَا زِيَادَةِ دَرَاهِمَ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَيْضًا لَا تُقْسَمُ الْخَشَبَةُ وَلَا الثَّوْبُ الْوَاحِدُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَا كَانَ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ الْوَاحِدِ كَاللِّبَاسِ وَالْخُفَّيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ وَحُكْمُهُ فِي مَنْعِ الْقِسْمَةِ إذَا أَبَى ذَلِكَ أَحَدُهُمَا حُكْمَ الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَاخْتَلَفُوا فِي الْغِرَارَتَيْنِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ فَسَادُ قِسْمَتِهِمَا بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا فَسَادٌ لَمْ أَقْسِمْهُمَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا تُقْسَمُ وَجَعَلَهُمَا كَالْخُرْجِ وَجَوَّزَ أَشْهَبَ قِسْمَتَهُمَا فِي الْمَجْمُوعَةِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِهِمَا اسْتِعْمَالُهُمَا جَمِيعًا فِي الْحَمْلِ عَلَى الدَّابَّةِ فَلَا يُقْسَمَانِ كَالْخَرْجِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ تُسْتَعْمَلُ الْوَاحِدَةُ مِنْهُمَا غَالِبًا عَلَى الدَّوَابِّ وَعَلَى ظُهُورِ الرِّجَالِ فَثَبَتَ لَهُمَا حُكْمُ الْقِسْمَةِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْسَمُ فَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى بَقَاءِ ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ الشَّرِكَةِ جَازَ ذَلِكَ وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَتَهَاوَنُوا فِي ذَلِكَ جَازَ وَلَا يُجْبَرُ أَحَدٌ

стр. 1683

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةُ «أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتْ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا» ) ــ [المنتقى] عَلَى ذَلِكَ، وَمَنْ دَعَا إلَى الْبَيْعِ أُجْبِرَ إشْرَاكُهُ عَلَى التَّسْوِيقِ مَعَهُ فَإِنْ أَرَادَ الْبَيْعَ مَنْ دَعَا إلَيْهِ قِيلَ لِمَنْ أَبَاهُ مِنْ إشْرَاكِهِ إمَّا أَنْ تَأْخُذَ حِصَّتَهُ بِمَا أَعْطَى فِيهَا وَإِمَّا أَنْ تَبِيعَ مَعَهُ. [الْقَضَاءُ فِي الضَّوَارِي وَالْحَرِيسَةِ] (الْقَضَاءُ فِي الضَّوَارِي وَالْحَرِيسَةِ) قَوْلُهُ الضَّوَارِي يُرِيدُ مَا ضَرِيَتْ أَكْلَ زُرُوعِ النَّاسِ مِنْ الْبَهَائِمِ، وَالْحَرِيسَةُ: الْمَاشِيَةُ الْمَحْرُوسَةُ وَالضَّوَارِي: هِيَ الَّتِي تُسَمَّى الْعَوَادِي. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالرَّمَكِ الَّتِي تَعْدُو فِي زَرْعِ النَّاسِ قَدْ ضَرِيَتْ ذَلِكَ: أَرَى أَنْ تُغَرَّبَ وَتُبَاعَ فِي بِلَادٍ لَا زَرْعَ فِيهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَرَى الْغَنَمَ وَالدَّوَابَّ بِحَسَبِهَا تُبَاعُ إلَّا أَنْ يَحْبِسَهَا أَهْلُهَا عَنْ النَّاسِ يُرِيدُ إنْ اسْتَطَاعَ أَهْلُهَا أَنْ يَحْبِسُوهَا لِكَوْنِ الدَّوَابِّ مُسْتَخْدَمَةً غَيْرَ مُهْمَلَةٍ وَالْغَنَمُ يَجِبُ حِفْظُ رَعْيِهَا فَذَلِكَ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ وَوَصَلَ ضَرَرُهَا إلَى الزَّرْعِ بِيعَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ مَالِكٌ يَأْمُرُ الْإِمَامُ بِبَيْعِهَا، وَإِنْ أُكْرِهَ رَبُّهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْإِضْرَارُ بِجِيرَانِهِ يَرْعَى زُرُوعَهُمْ وَإِفْسَادَ حَوَائِطِهِمْ وَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ حِفْظَ مَاشِيَتِهِ لَمَا عُهِدَ مِنْ عُدْوَانِهَا عَلَى الزَّرْعِ وَتَعَذَّرَتْ الْقُدْرَةُ عَلَى حِفْظِهَا لَمْ يُمْكِنْ إزَالَةُ ضَرَرِهَا إلَّا بِبَيْعِهَا مِمَّنْ يُكَفُّ أَذَاهَا بِذَبْحٍ أَوْ تَغْرِيبٍ إلَى بَلَدٍ لَا زَرْعَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ صَاحِبُهَا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِهَا فَلَهُ ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْحَيَوَانِ مِمَّا لَا يُسْتَطَاعُ حِرَاسَتُهُ وَمَنْعُهُ مِنْ الْأَذَى كَالنَّحْلِ يَتَّخِذُهَا الرَّجُلُ فِي الْقَرْيَةِ يَضُرُّ بِشَجَرِ الْقَوْمِ، أَوْ يَتَّخِذُ فِيهَا بُرْجًا يَأْوِي إلَيْهِ الْعَصَافِيرُ وَالْحَمَامُ فَيُصِيبُ مِنْ فَرْخِهَا فَتَضُرُّ بِالزَّرْعِ قَالَهُ مُطَرِّفٌ أَرَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْ اتِّخَاذِهَا مَا يَضُرُّ بِالنَّاسِ فِي زُرُوعِهِمْ وَشَجَرِهِمْ؛ لِأَنَّ هَذَا طَائِرٌ وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَاسُ مِنْهُ كَمَا يُسْتَطَاعُ ذَلِكَ فِي الْمَاشِيَةِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الدَّابَّةِ الَّتِي ضَرِيَتْ بِإِفْسَادِ الزَّرْعِ وَلَا يَحْرُسُ مِنْهَا تُبَاعُ وَتُغَرَّبُ فَالنَّحْلُ وَالْحَمَامُ أَشَدُّ، وَكَذَلِكَ الدَّجَاجُ الطَّائِرَةُ وَالْأَوُزُّ وَشَبَهُهَا مِمَّا لَا يُسْتَطَاعُ الِاحْتِرَاسُ مِنْهُ، وَأَمَّا مَا يُسْتَطَاعُ الِاحْتِرَاسُ مِنْهُ فَلَا يُؤْمَرُ صَاحِبُهُ بِإِخْرَاجِهِ وَاخْتَارَهُ ابْن حَبِيبٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَاشِيَةَ وَمَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَاسُ مِنْهُ بِالْحِفْظِ الْمَعْهُودِ لَا يُؤْمَرُ أَهْلُهُ بِبَيْعِهِ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِذَلِكَ فِيمَا تَعَذَّرَ وَلَا يُمْنَعُ بِالْحِفْظِ الْمُعْتَادِ لِمُثَابَرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّحْلِ وَالطَّيْرِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِإِزَالَتِهِ ابْتِدَاءً، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَلَى عَادَةِ جِنْسِهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنْهَا وَلَا دَفْعُ أَذَاهَا، وَقَالَ أَصْبَغُ النَّحْلُ وَالْحَمَامُ وَالدَّجَاجُ وَالْأَوُزُّ كَالْمَاشِيَةِ لَا يُمْنَعُ صَاحِبُهَا مِنْ اتِّخَاذِهَا، وَإِنْ ضَرَبَتْ وَعَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ حِفْظُ زُرُوعِهِمْ وَشَجَرِهِمْ، وَكَذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَزَادَ وَمَا أُحِبُّ أَنْ يُؤْذَى أَحَدٌ، وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ هَذَا مَعَانٍ لَا تَضْرِي إلَّا بِالنَّهَارِ وَلَا يَجِدُ النَّاسُ بُدًّا مِنْ اتِّخَاذِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَنَافِعِهِمْ وَمُعْظَمُ فَوَائِدِهِمْ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ اتِّخَاذِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَا أَصَابَتْ الْمَاشِيَةُ الَّتِي ضَرِيَتْ بِإِفْسَادِ الزُّرُوعِ وَالْحَوَائِطِ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْن الْقَاسِم مَا أَصَابَتْهُ قَبْلَ التَّقْدِيمِ إلَى أَرْبَابِهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ وَمَا أَصَابَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ضَمِنُوهُ لَيْلًا أَصَابَتْهُ، أَوْ نَهَارًا كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ قَالَ: وَإِذَا أَخَذَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ فَهُوَ ضَامِنٌ مَنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مَا أَفْسَدَتْهُ الْمَوَاشِي حَيْثُ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ مَسْرَحٍ وَلَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِرْسَالِ الْمَوَاشِي فِيهِ فَإِنَّ عَلَى أَهْلِهَا ضَمَانُ مَا أَفْسَدَتْهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا قَبْلَ التَّقَدُّمِ وَبَعْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : مَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَحَدَ مَعْنَيَيْنِ إمَّا أَنَّ

стр. 1684

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ بِالشَّرْعِ لِمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ إفْسَادِ الْأَمْوَالِ وَتَضْيِيعِهَا فَلَمَّا وَجَبَ لِذَلِكَ حِفْظُ الزُّرُوعِ الَّتِي هِيَ مُعْظَمُ الْأَقْوَاتِ وَسَبَبُ الْمَعَاشِ كَانَ حِفْظُهَا بِالنَّهَارِ يَلْزَمُ أَرْبَابَ الزُّرُوعِ وَلَا يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ بِاللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتَ رَاحَتِهِمْ وَنَوْمِهِمْ وَسُكُونِهِمْ وَلَيْسَ بِوَقْتِ رَعْيٍ لِلْمَاشِيَةِ فِي غَالِبِ الْحَالِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ أَهْلَ الزَّرْعِ إنْ أَرَادُوا حِفْظَ زُرُوعِهِمْ وَدَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهَا فَإِنَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِالنَّهَارِ لِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ رَعْيِ الْمَوَاشِي بِالنَّهَارِ وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَالِ وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ لَهُ مَنْ يَرْعَى نَاقَتَهُ وَدَابَّتَهُ فَإِنْ مَنَعَهَا الرَّعْيَ أَضَرَّ بِهَا، وَإِنْ أَرَادَ الْحِفْظَ لَهَا لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ لِعَدَمِ مَنْ يَحْفَظُ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفَائِدَةُ الْكَلَامِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى أَصْحَابِ الْمَاشِيَةِ فِيمَا أَصَابَتْ بِالنَّهَارِ لِمَا ذَكَرْنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ اللَّيْثُ يَضْمَنُ أَرْبَابُ الْمَوَاشِي مَا أَفْسَدَتْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ مَنْ احْتَجَّ لَمَّا ذَكَّرْته بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] قَالُوا وَالنَّفْشُ لَا يَكُونُ إلَّا بِاللَّيْلِ، وَقَدْ ذُكِرَ مِثْلُ هَذَا عَنْ شُرَيْحٍ، وَهَذَا لَيْسَ بِبَيِّنٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْآيَةِ التَّصْرِيحُ بِالْحُكْمِ أَنَّهُ ضَمِنَ أَهْلَ الْمَاشِيَةِ الَّتِي نَفَشَتْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفْيُ الْحُكْمِ ذَلِكَ فِي الرَّاعِيَةِ بِالنَّهَارِ إلَّا مِنْ جِهَةِ دَلِيلِ الْخِطَابِ وَلَيْسَ عِنْدِي بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ فَكَيْفَ وَالْآيَةُ لَمْ تَتَضَمَّنْ تَفْسِيرَ الْحُكْمِ وَلَا بَيَانَهُ، وَإِنَّمَا فِي ذَلِكَ قَوْلُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَسَوَاءٌ كَانَ مُحْظِرًا، أَوْ غَيْرَ مُحْظَرٍ عَلَيْهِ رَوَاهُ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ وَزَادَ فِي الْمُزَنِيَّةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجَمِيعُ الْأَشْيَاءِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. ١ - (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ وَمَا أَفْسَدَتْ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا بِمَعْنَى مَضْمُونٍ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَرَى أَنْ يَقْضِيَ فِيمَا أَفْسَدَتْ الْمَوَاشِي بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَالزُّرُوعِ مِثْلَ الْحَوَائِطِ فِيمَا أَفْسَدَتْ الْبَهَائِمُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: لَا ضَمَانَ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي فِيمَا أَفْسَدَتْ فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ وَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ مَا أَفْسَدَتْ بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ إهْمَالَهَا بِاللَّيْلِ مِنْ بَابِ التَّعَدِّي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتِ رَعْيٍ مُعْتَادٍ فَوَجَبَ أَنْ يَضْمَنَ مَا أَفْسَدَتْ فِيهِ كَالْقَائِدِ وَالسَّائِقِ فِيمَا أَفْسَدَتْ الدَّابَّةُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي ضَمَانُ مَا أَفْسَدَتْهُ بِاللَّيْلِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عَلَيْهِمْ قِيمَةَ مَا أَفْسَدَتْ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ أَنْ يُتِمَّ، أَوْ لَا يُتِمَّ زَادَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَزَادَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قِيمَتَهُ لَوْ حَلَّ بَيْعُهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ وَلَا يَسْتَأْنِي بِالزَّرْعِ أَنْ يُنْبِتَ، أَوْ لَا يُنْبِتُ كَمَا يَصْنَعُ بِسِنِّ الصَّغِيرِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ حَقِيقَةُ مَا أَفْسَدَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَائِمًا عَلَى أَصْلِهِ بَيْنَ رَجَاءٍ وَخَوْفٍ أَنْ يَعُوقَهُ عَائِقٌ مِنْ كَثْرَةِ مَاءٍ، أَوْ قِلَّتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَعَلَى ذَلِكَ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ وَلَمَّا كَانَ قِيمَةُ هَذَا الزَّرْعِ يُعْتَبَرُ فِيهِ حَالُهُ وَلَا يُحْكَمُ لِصَغِيرِهِ بِحُكْمِ كَبِيرِهِ لَزِمَ غُرْمُ قِيمَتِهِ عَلَى صِفَتِهِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ بِأَنْ يَخْلُفَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ لَا يَخْلُفَ بِخِلَافِ السِّنِّ الَّذِي إنَّمَا يُرَاعِي الْجَمَالَ وَالْمَنْفَعَةَ بِهَا فَإِذَا نَبَتَتْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهَا أَخَفَّ وَلَمْ يَلْزَمْ ضَمَانُهَا جُمْلَةً وَإِذَا يَئِسَ مِنْ نَبَاتِهَا لَزِمَتْ فِيهَا دِيَتُهَا دُونَ قِيمَتِهَا وَالدِّيَاتُ مُخْتَصَّةٌ بِمَا يَتْلَفُ وَلَا يَعُودُ فَلِذَلِكَ اُسْتُؤْنِيَ لِيَعْلَمَ مِنْ نَبَاتِهَا، أَوْ عَدَمِهِ مَا يَجِبُ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ دِيَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي قِيمَةَ مَا أَفْسَدَتْ فَيَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ اللَّيْثُ إنَّمَا عَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهَا، أَوْ قِيمَةِ مَا أَفْسَدَتْ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَمَنْ تَابَعَهُ أَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْمَوَاشِي، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ أَرْبَابِهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ تَسْلِيمُهَا وَلَا يَقْصُرُ الْأَرْشُ عَلَى قِيمَتِهَا كَمَا لَوْ أَصَابَتْهُ مَعَ الْقَائِدِ، أَوْ السَّائِقِ. ١ - (فَرْعٌ) وَلَوْ نَبَتَ الزَّرْعُ قَبْلَ الْحُكْمِ فِيهِ بِالْقِيمَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ الَّذِي أَفْسَدَتْهُ مِمَّا كَانَتْ فِيهِ

стр. 1685

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ أَنَّ رَقِيقًا ــ [المنتقى] مَنْفَعَةٌ حِينَ الرَّعْيِ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ لَا تَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ حِينَ رَعْيِهِ فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ حِينَ الرَّعْيِ لَا يُرَاعَى فِيهِ رَجَاءٌ وَلَا خَوْفٌ مَعَ الْأَدَبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَعَلَيْهِ الْأَدَبُ بِقَدْرِ سَفَهِهِ وَإِفْسَادِهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ. وَقَالَ أَصْبَغُ، وَإِنْ عَادَ لِهَيْئَتِهِ فَإِنَّهُ يَقُومُ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ نَبَتَ، أَوْ لَمْ يَنْبُتْ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الزَّرْعَ لَهُ قِيمَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِهِ يَنْتَفِعُ بِهِ وَيُرْجَى تَزَايُدُ مَنْفَعَتِهِ، وَالثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ فِي عَيْنِهِ مَنْفَعَةٌ إلَّا مَا يُرْجَى مِنْ انْتِهَائِهِ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِنَفْسِهِ لَزِمَهُ إنْ حُكِمَ عَلَيْهِ قَبْلَ نَبَاتِهِ قِيمَةُ الْمَنْفَعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ قِيمَةَ مِثْلِ ذَلِكَ الزَّرْعِ عَلَى قُوَّةِ الرَّجَاءِ فِيهِ، وَإِنْ نَبَتَ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَصَارَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَقَدْ عَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَعَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْهُ عَلَيْهِ وَلَزِمَتْهُ قِيمَةُ الْبَقْلِ الَّذِي هُوَ مِنْ نَبَاتِ أَصْلِ زَرْعِهِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ حِينَ رَعْيِهِ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ ثُمَّ عَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْحُكْمِ فَلَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا لَهُ فِيهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ مَا أُتْلِفَ عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ فِيهِ قِيمَةُ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ وَمَا تَلِفَ فَإِنَّمَا هُوَ فَائِدَةُ الْأَصْلِ الَّذِي فِي الْأَرْضِ فَهُوَ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَةَ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ قِيمَةَ مَا أَبْطَلَ مِنْ الْفَرْعِ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَبْطَلَتْ الْقِيمَةُ بِنَبَاتِهِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يُحْكَمَ بِقِيمَتِهِ حَتَّى يَعْلَمَ هَلْ يَعُودُ بِالنَّبَاتِ فَتَبْطُلُ الْقِيمَةُ، أَوْ لَا يَعُودُ فَيَثْبُتُ وُجُوبُهَا كَسِنِّ الصَّبِيِّ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا حُكْمُ مَا أَفْسَدَتْ مِنْ الزَّرْعِ وَالْحَوَائِطِ وَالْحَرْثِ، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَتْ لَيْلًا فَوَطِئَتْ رَجُلًا قَائِمًا فَقَطَعَتْ رِجْلَهُ فَإِنَّهُ هَدَرٌ قَالَ ذَلِكَ كُلُّهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَقْصِدُهُ الْمَوَاشِي غَالِبًا فَلَا تُحْرَسُ مِنْهُ. (فَصْلٌ) : وَهَذَا نَصٌّ ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ عِنْدِي فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الزَّرْعُ، أَوْ الْحَوَائِطُ مَعَ الْمَسَارِحِ وَالْمَوَاضِعِ عِنْدِي ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: مَوْضِعٌ تَتَدَاخَلُ فِيهِ الْمَسَارِحُ وَالْمَرَاعِي، وَالثَّانِي: أَنْ تَنْفَرِدَ الْمَرَاعِي، أَوْ الْحَوَائِطُ وَلَيْسَ بِمَكَانِ مَسْرَحٍ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ مَسْرَحٍ وَلَيْسَ بِمَوْضِعِ زَرْعٍ فَيَحْدُثُ فِيهِ إنْسَانٌ زَرْعًا فَإِنْ كَانَ مَوْضِعَ زَرْعٍ وَمَسَارِحَ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ حُكْمِهِ وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الْحُكْمُ عِنْدِي وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْحَائِطِ وَالْمَوَاشِي الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْحَدِيثِ لِلْعَهْدِ لِاجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْمَوَاشِي إرْسَالُهَا بِالنَّهَارِ فِيهَا لَخَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَسْرَحًا، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ هَذَا بِالْحَدِيثِ وَأُرِيدَ بِهِ الشَّاذَّةَ مِنْ الْمَوَاشِي لِمَا قَضَى عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ بِحِفْظِهَا بِالنَّهَارِ؛ لِأَنَّ مَا يَشِذُّ وَيَنْدُرُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْحِفْظِ وَكَانَ حُكْمُ مَا أَصَابَتْ بِالنَّهَارِ حُكْمَ مَا أَصَابَتْ بِاللَّيْلِ، وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ زَرْعٍ دُونَ سَرْحٍ فَهَذِهِ عِنْدِي لَا يَجُوزُ إرْسَالُ الْمَوَاشِي فِيهَا وَمَا أَفْسَدَتْ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا فَعَلَى أَصْحَابِ الْمَوَاشِي ضَمَانُهُ. وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْمُزَنِيَّة: لَيْسَ لِأَهْلِ الْمَوَاشِي أَنْ يُخْرِجُوهَا إلَى قُرَى الزَّرْعِ بِغَيْرِ ذُوَّادٍ وَلَكِنْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَذُودُوهَا عَنْ الزَّرْعِ فَإِذَا بَلَغُوا الْمَرَاعِيَ وَالْمَسَارِحَ سَرَّحُوهَا هُنَالِكَ فَمَا شَذَّ مِنْهَا إلَى الزُّرُوعِ وَالْجَنَّاتِ فَعَلَى أَصْحَابِ الزَّرْعِ وَالْجَنَّاتِ دَفْعُهَا، وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَوْضِعُ سَرْحٍ جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِإِرْسَالِ مَوَاشِيهِمْ فِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا فَأَحْدَثَ رَجُلٌ فِيهِ زَرْعًا مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فِي الْإِحْيَاءِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي الِامْتِنَاعُ مِنْ إرْعَاءِ مَوَاشِيهِمْ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا وَمَا أَفْسَدَتْهُ مِنْ زَرْعِهِ بِاللَّيْلِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ جَرّ الْجِنَايَةَ إلَى نَفْسِهِ حَيْثُ زَرَعَ بِمَوْضِعِ الْمَسْرَحِ وَأَرَادَ مَنْعَ النَّاسِ مِنْ مَنَافِعِهِمْ الَّتِي قَدْ ثَبَتَتْ لَهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا كَانَتْ الدَّوَابُّ تَعْبُرُ فِي الزَّرْعِ فَتُفْسِدُهُ فَحَفَرَ رَبُّ الزَّرْعِ حَوْلَ الزَّرْعِ حَفِيرًا لِمَكَانِ الدَّوَابِّ فَوَقَعَ بَعْضُهَا فِي ذَلِكَ فَمَاتَ فَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يُنْذِرْهُمْ قَالَ أَصْبَغُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ فِيمَنْ يَحْفِرُ لِلسَّارِقِ زُبْيَةً فَوَقَعَ السَّارِقُ، أَوْ غَيْرُهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ.

стр. 1686

لِحَاطِبٍ سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَانْتَحَرُوهَا فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَمَرَ عُمَرُ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ أَرَاك تُجِيعُهُمْ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ وَاَللَّهِ لَأُغَرِّمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْك ثُمَّ قَالَ لِلْمُزَنِيِّ كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِك فَقَالَ الْمُزَنِيّ كُنْت وَاَللَّهِ أَمْنَعُهَا مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَالَ عُمَرُ أَعْطِهِ ثَمَانَمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ وَلَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَنَا فِي تَضْعِيفِ الْقِيمَةِ وَلَكِنْ مَضَى أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَغْرَمُ الرَّجُلُ قِيمَةَ الْبَعِيرِ، أَوْ الدَّابَّةَ يَوْمَ يَأْخُذُهَا) ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبٍ سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَانْتَحَرُوهَا لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِإِقْرَارِ الْعَبِيدِ مَعَ دَعْوَى الْمُزَنِيّ، أَوْ بِدَعْوَى الْمُزَنِيّ فِي ذَلِكَ مَعْرِفَةُ حَاطِبٍ وَطَلَبِهِ يَمِينَهُ عَلَى ذَلِكَ فَنَكَلَ حَاطِبٌ وَحَلَفَ الْمُزَنِيّ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ نُكُولِ حَاطِبٍ وَحَلَفَ الْمُزَنِيّ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي عَبْدٍ انْتَحَرَ حِمَارًا، وَقَالَ خِفْت أَنْ أَمُوتَ جُوعًا لَا يُقْطَعُ وَيُغَرَّمُ سَيِّدُهُ ثَمَنَ الْحِمَارِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَذَلِكَ إذَا ثَبَتَ أَنَّ السَّيِّدَ كَانَ يُجِيعُهُ فَيَغْرَمُ، أَوْ يُسَلِّمُهُ، وَإِنَّمَا غَرَّمَ عُمَرُ حَاطِبًا وَتَرَكَ قَطْعَ عَبِيدِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُجِيعُهُمْ فَعَلَى هَذَا أَيْضًا لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْقِيمَةِ. وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَمَرَ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ بِقَطْعِ أَيْدِيهِمْ فَعَلَى رَأْيِ ابْنِ الْمَوَّازِ انْصَرَفَ عَنْهُ إلَى التَّقْوِيمِ لَمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهُ كَانَ يُجِيعُهُمْ وَعَلَى رَأْيِ أَصْبَغَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَلَعَلَّهُ كَانَ لِلْعَبِيدِ مَالٌ فَوَقَعَ الْغُرْمُ مِنْهُ، وَقَالَ لِحَاطِبٍ لَأُغَرِّمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْك يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْ مَالِ عَبِيدِهِ الَّذِي كَانَ لَهُ أَخْذُهُ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْخَذَ جَمِيعُهُ أَوْ الْكَثِيرُ مِنْهُ فَبِهِ كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى السَّعْيِ وَالتَّكَسُّبِ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِ الْعَبِيدِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْبَلُ مِنْ إقْرَارِ الْعَبِيدِ إلَّا مَا يَنْصَرِفُ إلَى جَسَدِهِ فَأَمَّا مَا يَلْزَمُ سَيِّدَهُ بِهِ أَمْرٌ فَلَا، فَهَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَيُعَرَّى فِي الْقَضِيَّةِ مِمَّا يُقَوِّيهَا، وَأَمَّا إذَا اُقْتُرِنَ بِالْقَضِيَّةِ مَا يَشْهَدُ لَهَا مِنْ شَاهِدِ الْحَالِ فَإِنَّ إقْرَارَهُ مَقْبُولٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِ سَيِّدِهِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي عَبْدٍ أَصَابَ صَبِيًّا بِمُوضِحَةٍ فَأَتَى مُتَعَلِّقًا بِهِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ فَأَقَرَّ الْعَبْدُ بِمَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ فِعْلِهِ وَيَأْتِي مَكَانَهُ مُتَعَلِّقًا بِهِ فَلْيُقْبَلْ مِنْهُ فَأَمَّا بَعْدُ، وَإِنَّمَا يَقُولُ كُنْت فَعَلْته فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي عَبِيدٍ دَخَلَ عَلَيْهِمْ وَعِنْدَهُمْ شَاتَانِ مَذْبُوحَتَانِ يَعْرِفَانِ لِجَارِهِمْ فَأَقَرَّ اثْنَانِ مِنْهُمْ، وَجَحَدَ الثَّالِثُ إنَّ غُرْمَ ذَلِكَ عَلَى سَادَتِهِمْ فَعَلَى هَذَا أَيْضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أُغْرِمَ حَاطِبًا لَمَّا وُجِدَتْ النَّاقَةُ بَيْنَ أَيْدِي الْعَبِيدِ وَعُرِفَ أَنَّهَا كَانَتْ لِلْمُزَنِيِّ الطَّالِبِ لَهَا وَثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَمَرَ عُمَرُ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ قَالَ عِيسَى فِي الْمُدَوَّنَةِ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمْ سَرَقُوهَا مِنْ حِرْزِهَا وَلَمْ يَسْرِقُوهَا مِنْ الْمَرْعَى وَسَيَأْتِي مَعْنَى الْحِرْزِ مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَرَاك تُجِيعُهُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْعَبِيدُ قَدْ شَكَوْا ذَلِكَ إلَيْهِ وَاعْتَذَرُوا بِهِ لِسَرِقَتِهِمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِبَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَأَى فِيهِمْ مِنْ الضَّعْفِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ إجَاعَتَهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ السَّيِّدَ أَنْ لَا يُجِيعَ رَقِيقَهُ بَلْ يُشْبِعَهُمْ الْوَسَطَ أَوْ يَبِيعَهُمْ لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَاَللَّهِ لَأُغَرِّمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْك يُرِيدُ بِهِ الْغُرْمَ الْكَثِيرَ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ حَاطِبًا يَتَوَجَّعُ لَهُ مَعَ كَثْرَةِ مَالِهِ وَلَعَلَّهُ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ وَالتَّعْزِيرِ لِحَاطِبٍ عَلَى إجَاعَتِهِ لِرَقِيقِهِ وَإِحْوَاجِهِ لَهُمْ إلَى السَّرِقَةِ الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ قَطْعِ أَيْدِيهِمْ وَسَبَبَ إتْلَافِ نَاقَةِ الْمُزَنِيّ فَرَأَى أَنْ يُغَرِّمَهُ إيَّاهَا وَلَعَلَّهُ قَدْ كَانَ كَرَّرَ نَهْيَهُ إيَّاهُ عَنْ ذَلِكَ وَحَدَّ لَهُ فِي قُوتِهِمْ حَدًّا لَمْ يَمْتَثِلْهُ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ اتَّخَذَ

стр. 1687

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فِي مَاشِيَتِهِ كَلْبًا عَقُورًا فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ الْإِمَامُ فِي إزَالَتِهِ فَلَمْ يُزِلْهُ وَقَتَلَ أَحَدًا أَنَّ عَلَى صَاحِبِهِ دِيَتَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَبْدًا لَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ غَشَّ لَبَنًا أَوْ زَعْفَرَانًا، أَوْ مِسْكًا لَا يُهْرَاقُ وَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ وَلَمْ يَخُصَّ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْيَسِيرِ فَأَمَّا الْكَثِيرُ فَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ وَيُوجَعُ أَدَبًا هَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْغَرِيمَ لِمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَةِ النَّاقَةِ لِمَا اعْتَقَدَهُ مِنْ كَثْرَةِ قِيمَتِهَا وَإِنَّ حَاطِبًا شَقَّ عَلَيْهِ غُرْمُ مِثْلِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ سَأَلَ ابْنُ مُزَيْنٍ أَصْبَغَ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ لَيْسَ الْعَمَلُ عِنْدَنَا عَلَى تَضْعِيفِ الْقِيمَةِ إنْ كَانَ مَالِكٌ يَرْعَى عَلَى السَّيِّدِ الْغُرْمَ مِنْ غَيْرِ تَضْعِيفٍ. قَالَ أَصْبَغُ: لَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا أَقَلُّ وَلَا أَكْثَرُ لَا فِي مَالِهِ وَلَا فِي رِقَابِ الْعَبِيدِ الْقَطْعُ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِمْ قَالَ الدَّاوُدِيُّ: غَلِطَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْقَطْعَ نَفَذَ، وَإِنَّمَا كَانَ عُمَرُ أَمَرَ بِقَطْعِهِمْ ثُمَّ قَالَ أَرَاك تُجِيعُهُمْ ثُمَّ أَمَرَ بِصَرْفِهِمْ وَلَمْ يَقْطَعْهُمْ وَعَذَرَهُمْ بِالْجُوعِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ سِيرَةِ عُمَرَ فِي عَامِ الرَّمَادَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ سَارِقًا. وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ هَذَا مُفَسَّرًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَاطِبٍ قَالَ تُوُفِّيَ حَاطِبٌ وَتَرَكَ أَعْبُدًا مِنْهُمْ مَنْ يَمْنَعُهُ مِنْ سِتَّةِ آلَافٍ يَعْمَلُونَ فِي مَالٍ لِحَاطِبٍ بِسَوَانٍ فَأَرْسَلَ عُمَرُ فَقَالَ هَؤُلَاءِ عَبِيدُك قَدْ سَرَقُوا وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ مَا وَجَبَ عَلَى السَّارِقِ فَانْتَحَرُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ وَاعْتَرَفُوا بِهَا وَمَعَهُمْ الْمُزَنِيّ فَأَمَرَ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ ثُمَّ أَرْسَلَ وَرَاءَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِمْ فَجَاءَ بِهِمْ فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ أَمَا لَوْلَا أَنِّي أَظُنُّكُمْ تَسْتَعْمِلُونَهُمْ وَتُجِيعُونَهُمْ حَتَّى لَوْ وَجَدُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ لَأَكَلُوهُ لَقَطَعْتهمْ وَلَكِنْ وَاَللَّهِ إذَا تَرَكْتهمْ لَأُغَرِّمَنَّكَ غَرَامَةً تُوجِعُك. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ لِلْعَبِيدِ أَمْوَالٌ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ إنَّمَا كَانَ يَكُونُ غُرْمُهَا فِي أَمْوَالِ الْعَبِيدِ لَوْ كَانَتْ لَهُمْ أَمْوَالٌ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي رِقَابِهِمْ مَا كَانَ مِنْ سَرِقَةٍ لَا قَطْعَ فِيهَا فَيُخَيَّرُ السَّيِّدُ بَيْنَ إسْلَامِهِمْ، أَوْ افْتِكَاكِهِمْ بِقِيمَتِهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يُتْبَعُ فِي السَّرِقَةِ الَّتِي تُقْطَعُ فِي رَقَبَتِهِ وَلَا فِيمَا فِي يَدِهِ، وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ إذَا لَمْ تُوجَدْ بِعَيْنِهَا؛ لِأَنَّ مَالَهُ إنَّمَا صَارَ لَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لِلْمُزَنِيِّ كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِك يُرِيدُ قِيمَتَهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَمَّا انْتَفَى حَاطِبٌ مِنْ مَعْرِفَةِ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْغَارِمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَأَ بِالْمُزَنِيِّ لِيَعْرِفَ مُنْتَهَى مَا يَدَّعِيه ثُمَّ تَوَقَّفَ حَاطِبٌ عَنْ الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ وَالْإِنْكَارُ لَهُ وَهَكَذَا وَجْهُ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ مُدَّعًى عَلَيْهِ حَتَّى يُعْلَمَ مُنْتَهَى دَعْوَى الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ تِلْكَ فِي قَدْرِهَا وَجِنْسِهَا فَيَصِحُّ تَوْقِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى ذَلِكَ لِيُقِرَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ يُنْكِرَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ الْمُزَنِيّ كُنْت وَاَللَّهِ أَمْنَعُهَا مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى مَعْنَى الْإِخْبَارِ بِقِيمَتِهَا عَلَى التَّحَرِّي بِذَلِكَ، وَإِنْ ذَكَرَ أَقَلَّ مَا يُمْكِنُ مِنْ قِيمَتِهَا وَمَا كَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ بَيْعِهَا بِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَسَمَهُ عَلَى مَعْنَى تَحْقِيقِ دَعْوَاهُ وَالْإِخْبَارِ عَنْ تَيَقُّنِهِ كَمَا قَالَ وَمَا أَدْعَى مِنْ الْقِيمَةِ لَا عَلَى مَعْنَى الِاسْتِحْقَاقِ لِلْقِيمَةِ بِيَمِينِهِ، وَلَمْ يَحْتَجَّ عُمَرُ أَنْ يُحَلِّفَهُ إمَّا؛ لِأَنَّ حَاطِبًا صَدَقَ؛ لِأَنَّ قَوْمًا شَهِدُوا لَهُ بِذَلِكَ، أَوْ لِأَنَّهُ بَنَى أَنْ يَأْخُذَ لَهُ مِنْ حَاطِبٍ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ عَلَى مَعْنَى التَّأْدِيبِ لَهُ لِمَا جَنَاهُ بِإِجَاعَةِ رَقِيقِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مَا ادَّعَاهُ الْمُزَنِيّ مِنْ قِيمَةِ نَاقَتِهِ حَتَّى أَضْعَفَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَرَأْيُ الْمُزَنِيّ أَحَقُّ النَّاسِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جُنِيَ عَلَيْهِ بِتَفْوِيتِ نَاقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَخَذَ قِيمَتَهَا أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَدْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي عَيْنِهَا فَفَوَّتَهُ عَيْنَهَا بِسَرِقَتِهَا وَنَحْرِهَا، وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ وَجْهًا لِاجْتِهَادِ عُمَرَ فَالْقُضَاةُ الْيَوْمَ لَا يَرَوْنَ ذَلِكَ وَيَرَوْنَ عَلَى مَنْ جَنَى بِتَعَدٍّ، أَوْ غَيْرِهِ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ هَذَا إذَا حَمَلْنَا قَوْلَ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ تَضْعِيفَ الْقِيمَةِ عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ وَقَصَدَ وَجْهًا مِنْ وُجُوهٍ سَنَذْكُرُ بَعْضَهَا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَعْطِهِ ثَمَانَمِائَةِ دِرْهَمٍ ظَاهِرُهُ تَضْعِيفُ الْقِيمَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا الْمُزَنِيّ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ بِإِثْرِ

стр. 1688

الْقَضَاءُ فِيمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ الْبَهَائِمِ (ص) : (الْقَضَاءُ فِيمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ الْبَهَائِمِ) (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ الْبَهَائِمِ أَنَّ عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا قَدْرَ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا) . (ص) : (قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الْجَمَلِ يَصُولُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يَعْقِرُهُ فَإِنَّهُ إنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَهُ وَصَالَ عَلَيْهِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ إلَّا مَقَالَتُهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْجَمَلِ) ــ [المنتقى] الْحَدِيثِ لَيْسَ الْعَمَلُ عِنْدَنَا عَلَى تَضْعِيفِ الْقِيمَةِ، وَإِنَّمَا الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنْ يَغْرَمَ الرَّجُلُ قِيمَةَ الْبَعِيرِ يَوْمَ يَأْخُذُهُ ظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى ظَاهِرَ حَدِيثِ عُمَرَ فِي تَضْعِيفِ الْقِيمَةِ عَلَى الْجَانِي قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ عُمَرُ إنَّمَا أَضْعَفَ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ الْمُزَنِيّ ادَّعَى لِنَفْسِهِ قِيمَةَ نَاقَةٍ فِي بَلَدٍ، أَوْ زَمَنٍ غَيْرِ الْبَلَدِ وَالزَّمَنِ الَّتِي سُرِقَتْ بِهِ وَالْقِيمَةُ تَتَضَاعَفُ فِيهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ قِيمَةُ الْبَعِيرِ يَوْمَ أَخْذِهِ يُرِيدُ أَنَّ قِيمَتَهُ إنْ زَادَتْ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ صَاحِبُهَا قِيمَتَهُ بِتَغْيِيرِ الْأَسْوَاقِ بِانْتِقَالِ زَمَنٍ، أَوْ بِنَقْلِهِ إلَى مَكَان فَإِنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لَهُ، وَلَوْ نَقَصَتْ لَكَانَ النُّقْصَانُ عَلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ رَأَيْت لِابْنِ كِنَانَةَ أَنَّهُ إنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ ثَمَنِ نَاقَتِهِ فَأَضْعَفَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُصَادِفَ تَضْعِيفَ الْقِيمَةِ قِيمَتُهَا الْيَوْمَ قَالَ غَيْرُهُ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَحَدٌ بَعْدَهُ لَمْ يَجِبْ الْقَوْلُ بِهِ، وَلَوْ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ لَتَرَكَ وَعُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْمَعُوا إلَّا لِأَمْرٍ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ غَيْرَ أَنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا يَغْرَمُ الرَّجُلُ قِيمَةَ الْبَعِيرِ يَوْمَ أَخْذِهِ يُرِيدُ أَنَّ مَا لَحِقَهُ مِنْ نَقْصٍ فِي ضَمَانِ مَنْ أَخَذَهُ فَإِنْ أَدْرَكَهُ نَقْصٌ ثُمَّ هَلَكَ ضَمِنَهُ الْآخِذُ سَالِمًا مِنْ النَّقْصِ، وَإِنْ وَجَدَهُ نَاقِصًا فَعَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ هَذَا مِنْ مُرَاعَاةِ النَّقْصِ إنْ كَانَ مِنْ فِعْلِ الْآخِذِ، أَوْ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ، وَإِنْ زَادَ عِنْدَ الْمُعْتَدِي فَوَجَدَهُ صَاحِبُهُ كَانَ لَهُ أَخْذُهُ بِزِيَادَتِهِ، وَإِنْ هَلَكَ بَعْدَ الزِّيَادَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا قِيمَتُهُ يَوْمَ الْأَخْذِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. [الْقَضَاءُ فِيمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ الْبَهَائِمِ] (ش) : وَهَذَا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ: إنَّ مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ الْبَهَائِمِ فَنَقَصَتْهَا جِنَايَتُهُ نَقْصًا لَمْ يَمْنَعْ مَنْفَعَتَهَا الْمَقْصُودَةَ مِنْهَا كَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا، وَذَلِكَ أَنْ تَسَاوِيَ سَالِمَةً عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَتَسَاوِيَ بِالْجِنَايَةِ ثَمَانِيَةً فَإِنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْهَا وَذَلِكَ خُمُسُ قِيمَتِهَا، وَذَلِكَ مَا لَمْ تَتْلَفْ مَنْفَعَتُهَا الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا فَإِنْ أَتْلَفَتْ مَنْفَعَتُهَا الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا مَنْ عَمِلَ بِهَا، أَوْ غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا مَا نَقَصَ مِنْهَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ وَالْبَقَرَةِ رُبْعُ ثَمَنِهَا وَفِي شَاةِ الْقَصَّابِ مَا نَقَصَهَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا فِي بَابِ الْقَضَاءِ فِي اسْتِهْلَاكِ الْحَيَوَانِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَهُ أَنَّ مَنْ صَالَ عَلَيْهِ جَمَلٌ أَوْ دَابَّةٌ فَقَتَلَهَا، أَوْ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ قَدْ خَافَهَا عَلَى نَفْسِهِ أَنْ تَقْتُلَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ هُوَ ضَامِنٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَنْ قَتَلَ مَخُوفًا عَلَى نَفْسِهِ دَفْعًا لَهُ عَنْهَا فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ كَالْعَبْدِ يُرِيدُ قَتْلَ الْحُرِّ فَيَقْتُلُهُ الْحُرُّ دَفْعًا لَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا حُكْمُ الْجَمَلِ إذَا صَالَ فَقَتَلَ، أَوْ عَضَّ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لَمْ يَشْتَهِرْ بِذَلِكَ عِنْدَ صَاحِبِهِ وَالنَّاسِ وَلَمْ يَتَكَرَّرْ ذَلِكَ مِنْهُ، أَوْ يَكُونَ قَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى شُهِرَ بِذَلِكَ وَخِيفَ مِنْ أَجْلِهِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْتَهِرْ بِذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ السُّلْطَانُ فِيهِ فَإِذَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ فِيهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إذَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ فِي الْبَعِيرِ أَوْ الدَّابَّةِ ضَمِنَ مَا أَفْسَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا. وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ: لَا يَضْمَنُ رَبُّ الدَّابَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ تَقَدَّمَ إلَيْهِ السُّلْطَانُ فِي إزَالَتِهِ، أَوْ جِيرَانِهِ فَهُوَ حُكْمٌ عَلَيْهِ بِضَمَانِ مَا يُتْلِفُهُ فَلَزِمَهُ بِذَلِكَ كَالْحَائِطِ الْمَائِلِ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ قَوْلُهُ ﷺ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ اتِّخَاذَهُ مُبَاحٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ اتِّخَاذُهُ مُبَاحًا عَلَى

стр. 1689

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْإِطْلَاقِ لَضَمِنَ جِنَايَتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِ. ١ - (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا يَضْمَنُ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ، أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْجَمَلِ الصَّئُولِ قَدْ عُرِفَ بِذَلِكَ يُدْخِلُهُ صَاحِبُهُ الْمَدِينَةَ أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَصَابَ وَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مَا بَلَغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ، وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ تَكُونُ فِي مَالِ صَاحِبِ الْجَمَلِ الصَّئُولِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا جِنَايَةٌ مُضَافٌ خَطَؤُهَا إلَى صَاحِبِ الدَّابَّةِ فَإِذَا بَلَغَتْ الثُّلُثَ فَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا لَوْ بَاشَرَهَا، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا جِنَايَةٌ مِنْ مَمْلُوكٍ فَلَمْ تَتَجَاوَزْ مَالَ صَاحِبِهِ إلَى الْعَاقِلَةِ أَصْلُ ذَلِكَ جِنَايَةُ الْعَبْدِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْكَلْبُ الْعَقُورُ فَإِنَّ الْمَعَانِيَ الْمُؤَثِّرَةَ فِي ضَمَانِ صَاحِبِهِ أَنْ يَتَّخِذَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْقِرُ، وَالثَّانِي: أَنْ يَتَّخِذَهُ لِمَا لَا يَجُوزُ لَهُ اتِّخَاذُهُ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَتَّخِذَهُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ اتِّخَاذُهُ، وَالرَّابِعُ: أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ فِيهِ فَأَمَّا عِلْمُهُ بِعَقْرِهِ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ وَشُهِرَ بِهِ وَخِيفَ مِنْ أَجْلِهِ فَهُوَ أَشَدُّ مِنْ الْحَائِطِ الْمَائِلِ. وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي الْحَائِطِ الْمَائِلِ الْمَخُوفِ الَّذِي بَلَغَ شِدَّةَ الْغَرَرِ فَلَمْ يَهْدِمْهُ، وَقَدْ أَمْكَنَهُ هَدْمُهُ يَضْمَنُ مَا سَقَطَ عَلَيْهِ أَشْهَدَ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ كَمَنْ أَوْقَفَ دَابَّتَهُ بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يُشْهِدْ وَيَضْمَنُ إذَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ السُّلْطَانُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْكَلْبُ إنَّمَا جَرَى ذَلِكَ لَهُ مَرَّةً، أَوْ فِي النُّدْرَةِ وَلَمْ يَشْتَهِرْ فَهَذَا لَا يَضْمَنُ حَتَّى لَا يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ السُّلْطَانُ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَتَّخِذَهُ لِمَا لَا يَجُوزُ لَهُ اتِّخَاذُهُ مِثْلُ أَنْ يَتَّخِذَ كَلْبًا لِدَفْعِ السُّرَّاقِ عَنْ مَاشِيَتِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا عَقَرَ، وَلَوْ اتَّخَذَهُ لِدَفْعِ السِّبَاعِ عَنْهَا لَمْ يَضْمَنْ، وَأَمَّا الْمَعْنَى الثَّالِثُ بِأَنْ يَتَّخِذَهُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ اتِّخَاذُهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا فِي دَارِهِ لِمَاشِيَتِهِ أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا عَقَرَ قَالَ مُحَمَّدٌ؛ لِأَنَّهُ لِلنَّاسِ اتَّخَذَهُ؛ لِأَنَّ الْمَاشِيَةَ إنَّمَا يَخَافُ عَلَيْهَا فِي الدَّارِ مِنْ النَّاسِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ اتِّخَاذُ الْكَلْبِ لِلزَّرْعِ وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ فِي مَوَاضِعِ رَعْيِهَا وَحَيْثُ يَدْفَعُ الذِّئَابَ عَنْهَا قَالَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّةِ إنْ اتَّخَذَهُ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ اتِّخَاذُهُ لَمْ يَضْمَنْ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ فِيهِ، وَإِنْ اتَّخَذَهُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ ضَمِنَ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْجَمَلِ الصَّئُولُ قَدْ عُرِفَ بِذَلِكَ يُدْخِلُهُ صَاحِبُهُ الْمَدِينَةَ يَضْمَنُ مَا أَصَابَ فَعَلَى هَذَا إنْ عَرَا مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلِّهَا لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ وُجِدَتْ فِيهِ كُلُّهَا ضَمِنَ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِ، وَإِنْ وُجِدَ فِيهِ بَعْضُهَا فَعَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ. (فَرْعٌ) وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي الدَّابَّةِ تَصُولُ تَعْدُو عَلَى الصَّبِيِّ فَتَقْتُلُهُ مَرْبُوطَةً، أَوْ تَنْفَلِتُ مِنْ رِبَاطِهَا، وَقَدْ أَعْذَرَ إلَيْهِ الْجِيرَانُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ السُّلْطَانُ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَبَطَهُ فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ لَهُ رَبْطُهُ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ يُؤْمِنُ غَالِبًا حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ مُبِيحًا لِاِتِّخَاذِهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ وَإِنَّمَا الْكَلْبُ الْعَقُورُ الَّذِي شُهِرَ بِذَلِكَ يَتَّخِذُهُ الرَّجُلُ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ اتِّخَاذُهُ لِعَقْرِ السِّبَاعِ فَهَذَا أَيْضًا إذَا عَقَرَ النَّاسَ وَآذَاهُمْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ السُّلْطَانُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يَجُوزُ لَهُ اتِّخَاذُهُ. وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يَضْمَنُ رَبُّ الدَّابَّةِ عَلَى حَالٍ تَقَدَّمَ إلَيْهِ السُّلْطَانُ، أَوْ جِيرَانُهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ دَابَّةً خِيفَ ذَلِكَ مِنْهَا وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا عُقْرٌ وَلَا شَهَرَتْ بِهِ فَيَكُونُ وِفَاقَا لِمَا تَقَدَّمَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الَّذِي تَقَدَّمَ لَهَا الصَّوْلُ وَالْأَذَى فَيَكُونُ خِلَافًا لِقَوْلِ مَالِكٍ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلْبِ بِأَنَّ الْكَلْبَ مَنْهِيٌّ عَنْ اتِّخَاذِهِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ اتِّخَاذُهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَلَى وَجْهٍ مَا وَالْحِمَى مُبَاحٌ اتِّخَاذُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ صَاحِبُهُ بِكَفِّ ضَرَرِهِ إذَا ثَبَتَ ضَرَرُهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَالتَّقَدُّمُ إلَى صَاحِبِ الْكَلْبِ وَالْجَمَلِ إنَّمَا يَكُونُ إذَا ثَبَتَ ضَرَرُهُ وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ فِيهِ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ عَلَى حَالٍ كَانَ يَتَّقِي ضَرَرَهُ وَلَا يُؤْمِنُ عُقْرَهُ كَالْحَائِطِ الْمَائِلِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ لَا يَكُونُ التَّقَدُّمُ إلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ إذَا كَانَ بِمَوْضِعٍ فِيهِ سُلْطَانٌ فَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا سُلْطَانَ فِيهِ أَشْهَدَ عَلَيْهِ الْعُدُولَ بِالتَّقَدُّمِ إلَيْهِ فَقَطْ، وَوَجْهُ ذَلِكَ

стр. 1690

(ص) : (الْقَضَاءُ فِيمَا يُعْطَى الْعُمَّالُ) (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِيمَنْ دَفَعَ إلَى الْغَسَّالِ ثَوْبًا يَصْبُغُهُ فَصَبَغَهُ فَقَالَ صَاحِبُ الثَّوْبِ: لَمْ آمُرْك بِهَذَا الصَّبْغِ، وَقَالَ الْغَسَّالُ: بَلْ أَنْتَ أَمَرْتنِي بِذَلِكَ فَإِنَّ الْغَسَّالَ مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ وَالْخَيَّاطُ مِثْلُ ذَلِكَ وَالصَّائِغُ مِثْلُ ذَلِكَ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَأْتُوا بِأَمْرٍ لَا يَسْتَعْمِلُونَ فِي مِثْلِهِ فَلَا يَجُوزُ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ وَلْيَحْلِفْ صَاحِبُ الثَّوْبِ فَإِنْ رَدَّهَا وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ حَلَفَ الصَّبَّاغُ) ــ [المنتقى] أَنَّ هَذَا حُكْمٌ وَلَا يَثْبُتُ حَيْثُ يَكُونُ حَاكِمٌ إلَّا بِحُكْمِهِ، وَأَمَّا مَوْضِعٌ لَا حَاكِمَ فِيهِ فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ تَقُومُ مَقَامَ الْحَاكِمِ فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَضْطَرُّ النَّاسُ إلَيْهَا، وَهَذَا حُكْمُ مَنْ يَكُونُ التَّقَدُّمُ مِنْهُ، وَأَمَّا مَنْ يَكُونُ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ فَهُوَ الْمَالِكُ وَالنَّاظِرُ لَهُ مِنْ أَبٍ، أَوْ وَصِيٍّ دُونَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي الْحَائِطِ الْمَائِلِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ اتِّخَاذُ كَلْبِ الصَّيْدِ فِي دَارِهِ رَوَى مَعْنَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَيْسَ لَهُ اتِّخَاذُهُ فِي دَارِهِ لِحِرَاسَةِ النَّاسِ وَلَا مِمَّنْ يَسْرِقُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَةِ اتِّخَاذِهِ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ عَقْرُ السَّارِقِ وَلَا قَتْلُهُ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ طَرْدُهُ وَعَقْرُ السِّبَاعِ الْمُؤْذِيَةِ فِي الزَّرْعِ وَالْمَاشِيَةِ مُبَاحٌ وَكَذَلِكَ الصَّيْدُ لِلْمَأْكَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ إلَّا قَوْلُهُ ضَمِنَ وَلَمْ يَذْكُرْ إنْ كَانَ يُثْبِتُ ذَلِكَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ أَمْ لَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْخِلَافُ عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا، وَأَمَّا إذَا صَالَ الْجَمَلُ فَقَتَلَ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّةِ فِي الْكَلْبِ الْعَقُورِ، أَوْ الْجَمَلِ الصَّئُولِ وَالثَّوْرِ إنْ أَصَابُوا رَجُلًا بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلَى أَرْبَابِهَا وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ أَنَّ وَرَثَتَهُ يَحْلِفُونَ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَسْتَحِقُّونَ دِيَةَ صَاحِبِهِمْ، وَقَالَ أَصْبَغُ لَا يَثْبُتُ مِنْ هَذَا إلَّا مَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ وَأَنْكَرَ رِوَايَةَ عِيسَى فِي ذَلِكَ إنْكَارًا شَدِيدًا، وَقَالَ دِيَةُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ لَا تَثْبُتُ بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ لَا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهَا غَيْرَ الْمَالِ بِوَجْهٍ فَثَبَتَتْ بِشَهَادَةِ يَمِينٍ كَالْقَرْضِ وَالْقِرَاضِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَصْبَغَ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ فِي الْجَسَدِ عَلَى حُرٍّ فَلَمْ تَثْبُتْ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ كَمَا لَوْ جَنَاهَا إنْسَانٌ. [الْقَضَاءُ فِيمَا يُعْطَى الْعُمَّالُ] (ش) : وَهَذَا عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ أَنَّ الصَّانِعَ إذَا دُفِعَ إلَيْهِ ثَوْبٌ فَصَبَغَهُ وَأَنْكَرَ صَاحِبُ الثَّوْبِ أَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ بِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَسَّالِ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَهَذَا ظَاهِرُ لَفْظِ الْكِتَابِ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الثَّوْبِ قَدْ يُنْكِرُ وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ أَمَرْتُك أَنْ تَصْبُغَهُ، وَالثَّانِي أَنْ يَقُولَ لَمْ آمُرْك بِصَبْغِهِ فَإِذَا قَالَ أَمَرْتُك أَنْ تَصْبُغَهُ فَإِنَّهُ أَيْضًا عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ لَهُ أَمَرْتُك بِغَيْرِ هَذَا الصَّبْغِ وَالثَّانِي أَنْ يَقُولَ لَهُ أَمَرْتُك بِهَذَا الصَّبْغِ وَيَخْتَلِفَانِ فِي الْقَدْرِ فَإِنْ قَالَ أَمَرْتُك بِغَيْرِ هَذَا الصَّبْغِ وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْعَمَلِ، أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْعَمَلِ فَقَدْ قَالَ يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُفْتِ بِالْعَمَلِ، وَقَدْ تَحَالَفَا فِي صِفَةِ مَا وَقَعَ التَّبَايُعُ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَحَالَفَا وَيَتَفَاسَخَا كَبَيْعِ الْأَعْيَانِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ تَحَالَفَا بَعْدَ الْعَمَلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّبَّاغِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الصُّنَّاعِ فِيمَا يَجُوزُهُ الصَّانِعُ بِالْفَوْتِ وَلِمَا لَهُ فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ بِوَجْهِ حَقٍّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ الْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الثَّوْبِ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الصَّانِعَ حَائِزٌ فَلَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَهُ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ أَدَاءِ مَا لَهُ فِيهِ وَصَاحِبُ الثَّوْبِ مُدَّعٍ لِأَخْذِ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الثَّوْبِ وَالصَّبْغِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي يُقِرُّ بِهِ الصَّبَّاغُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الصَّبَّاغِ. وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحَائِكِ يَقُولُ أَمَرْتنِي أَنْ أَنْسِجَ لَك سَبْعًا فِي ثَلَاثٍ، وَقَالَ صَاحِبُهُ بَلْ سَبْعًا فِي أَرْبَعٍ أَنَّ الْحَائِكَ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَوْ قَالَ الْبَنَّاءُ أَمَرْتنِي أَنْ أَبْنِي بَيْتًا

стр. 1691

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] خَمْسًا فِي خَمْسٍ، وَقَالَ رَبُّ الْعَرْصَةِ بَلْ عَشَرَةً فِي عَشَرَةٍ تَحَالَفَا فَإِنْ حَلَفَا فُسِخَ ذَلِكَ وَيَقْلَعُ الْبَنَّاءُ نَقْضَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الْعَرْصَةِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا، وَإِنْ نَكَلَ الْبَنَّاءُ وَحَلَفَ صَاحِبُ الْعَرْصَةِ لَزِمَهُ مَا قَالَ الْبَنَّاءُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَائِكَ حَائِزٌ لِمَا صَارَ فِي يَدَيْهِ وَالْبَنَّاءُ لَمْ يَحُزْ الْعَرْصَةَ وَلَا مَا بَنَى فِيهَا بَلْ صَاحِبُ الْعَرْصَةِ حَائِزٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْعَمَلِ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْأُجْرَةِ فَيَقُول الصَّانِعُ عَلَّمْته بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، وَيَقُولُ صَاحِبُهُ اسْتَأْجَرْتُك بِدِرْهَمَيْنِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يُفْتِ بِالْعَمَلِ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا، وَإِنْ فَاتَ بِالْعَمَلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّانِعِ بِخِلَافِ الْبَنَّاءِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْعَرْصَةِ بَعْدَ الْبِنَاءِ ذَكَرَهُ ابْنُ نَافِعٍ فِي النَّوَادِرِ عَنْ مَالِكٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّانِعَ لَهُ يَدٌ عَلَى مَا صَنَعَ فِيهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا بِيَدِهِ وَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُخْرِجَ عَمَلَهُ مِنْ يَدِهِ بِمَا يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ صَاحِبُ الثَّوْبِ وَالْبَنَّاءُ عَلَيْهِ يَدُ صَاحِبِ الْعَرْصَةِ فَالْبَنَّاءُ يَدَّعِي عَلَيْهِ زِيَادَةً فِي ثَمَنِ عَمَلٍ قَدْ فَاتَ وَقُبِضَ مِنْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْعَرْصَةِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ مُدَّعًى عَلَيْهِ فِيمَا بِيَدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَالَ الصَّانِعُ لَمْ تَأْمُرْنِي بِشَيْءٍ، وَقَالَ صَاحِبُهُ أَمَرْتُك بِكَذَا فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِي الْخَائِطِ يَقْطَعُ الثَّوْبَ قَمِيصًا فِي قَوْلِ صَاحِبِهِ أَمَرْتُك بِقَطْعِهِ فَرَمْلًا أَنَّ الْخَيَّاطَ مُصَدَّقٌ وَلَا يَضْمَنُ إذَا حَلَفَ إلَّا أَنْ يَقْطَعَهُ قَطْعًا لَا يَلْبَسُهُ الْآمِرُ، وَقَالَ ابْنُ مُيَسَّرٍ إذَا أَقَرَّ الصَّانِعُ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِشَيْءٍ فَهُوَ مُعْتَدٍ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْجَوَابُ إذَا قَالَ لَهُ صَاحِبُ الثَّوْبِ اقْطَعْهُ عَلَى مَا تَرَى، وَقَدْ عَرَفَ مَا يَقْطَعُ لِلرَّجُلِ. فَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَامِلَ لَمَّا كَانَ مُصَدَّقًا مَعَ يَمِينِهِ فِي الْعَمَلِ لِمَكَانِ الْيَدِ صُدِّقَ فِي إنْكَارِ الصِّفَةِ وَكَانَ سُكُوتُ رَبِّ الثَّوْبِ عَنْ الصَّانِعِ بِمَعْنَى اصْنَعْ مَا تَرَاهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إذَا افْتَرَقَا عَنْ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْعَمَلِ دُونَ وَصْفٍ، وَأَمَّا إذَا افْتَرَقَا عَنْ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ فَيَصِفُ لَهُ مَا يُرِيدُ فَهُوَ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ مُيَسَّرٍ وَلَا يَكَادُ أَنْ يَتَحَقَّقَ مِنْ الْقِسْمَيْنِ قِسْمٌ ثَالِثٌ إلَّا بِأَنْ يُفَارِقَهُ صَاحِبُ الثَّوْبِ عَلَى أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ لِلْوَصْفِ وَيَعْتَقِدَ الصَّانِعُ أَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي الْعَمَلِ فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمُ مَا يَتْرُكُ عِنْدَهُ غَالِبًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ مُيَسَّرٍ أَنَّهُ أَقَرَّ الصَّانِعُ أَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِشَيْءٍ فَهُوَ مُتَعَدٍّ لِإِقْدَامِهِ عَلَى الْعَمَلِ دُونَ صِفَةٍ وَدُونَ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ الْعُرْفِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِفْ لَهُ شَيْئًا فَيَقُولُ لَهُ صَاحِبُهُ أَرَدْت كَذَا وَيَقُولُ الصَّانِعُ رَأَيْت هَذَا مِمَّا يَصْلُحُ لَك فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ دَفَعَ إلَى صَانِعٍ جِلْدًا لِيَعْمَلَ لَهُ خُفَّيْنِ إذَا عَمِلَ مَا يُشْبِهُ لِبَاسَ النَّاسِ وَلِبَاسَ الرَّجُلِ لَمْ يَضْمَنْ وَلِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ قَالَ، وَكَذَلِكَ الْخَيَّاطُ فِي الثَّوْبِ وَعَامِلُ الْقَلَانِسِ فِي الظِّهَارَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: اُصْبُغْ ثَوْبِي هَذَا لَوْنًا فَإِنَّ أَمْرَهُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ لَوْنٍ فَأَيُّ لَوْنٍ صَبَغَهُ الصَّبَّاغُ كَانَ بِهِ مُمْتَثِلًا لِأَمْرِ الْآمِرِ، وَهَذَا إذَا كَانَ اللَّفْظُ يَقْتَضِي التَّفْوِيضَ لِصَنْعَتِهِ، أَوْ اُقْتُرِنَ بِهِ مَا يَقْتَضِي التَّفْوِيضَ، وَلَوْ اُقْتُرِنَ بِهِ مَا يَقْتَضِي لَوْنًا يَكُونُ إلَى رَبِّ الثَّوْبِ تَعْيِينُهُ لَكِنَّهُ أَخَّرَ ذَلِكَ لِوَجْهٍ رَآهُ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا الصَّبَّاغُ يَصْبُغُ الثَّوْبَ لَوْنًا بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ فَهُوَ ضَامِنٌ كَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِشِرَاءِ خَادِمٍ، أَوْ جَارِيَةٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ صَاحِبِ الثَّوْبِ مَا يَقْتَضِي التَّفْوِيضَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إذْنٌ لَهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْخُفَّيْنِ وَإِذَا تَقَدَّمَ هَذَانِ الْقِسْمَانِ فَإِنَّ قَوْلَ رَبِّ الثَّوْبِ اُصْبُغْ هَذَا الثَّوْبَ لَوْنًا يَقْتَضِي بِإِطْلَاقِهِ التَّفْوِيضَ إلَى الصَّبَّاغِ وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى الْفَوْرِ، وَذَلِكَ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَأْمُورِ امْتِثَالُ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْفَوْرِ إلَّا أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يَمْنَعُ التَّفْوِيضَ، وَهَذَا أَيْضًا مَعْنَى قَوْلِهِ اشْتَرِ لِي خَادِمًا وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَأْمُرُ الرَّجُلَ يَشْتَرِي لَهُ خَادِمَةً وَلَا يَصِفُهَا لَهُ أَنَّهُ إنْ اشْتَرَى لَهُ مَنْ يَكُونُ مِثْلُهَا مِنْ خَدَمِهِ لَزِمَتْ الْآمِرَ، وَهَذَا التَّخْصِيصُ بِالْعُرْفِ

стр. 1692

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَلَوْلَا الْعُرْفُ لَلَزِمَهُ أَيُّ خَادِمٍ اشْتَرَى لَهُ إذَا اقْتَضَى اللَّفْظُ ذَلِكَ وَتَعَدَّى عَمَّا يَصْرِفُهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا قَالَ: أَمَرْتُك بِهَذَا الصَّبْغِ وَاخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الصَّبَّاغِ يَصْبُغُ الثَّوْبَ فَيَقُولُ صَبَغْتُهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَيَقُولُ صَاحِبُ الثَّوْبِ أَمَرْتُك بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ الْقَوْلُ قَوْلُ الصَّبَّاغِ إذَا كَانَ مَا فِي الثَّوْبِ مِنْ الصَّبْغِ يُشْبِهُ ذَلِكَ فَإِنْ أَتَى مِنْ ذَلِكَ بِمَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى كَذِبِهِ وَيُشْبِهُ قَوْلَ صَاحِبِ الثَّوْبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الثَّوْبِ، وَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ رُدَّ إلَى إجَارَةِ الْمِثْلِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الصَّبَّاغِ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَحَدُهَا مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَا فِيهِ مِنْ الصَّبْغِ يُشْبِهُ مَا قَالَ، وَالشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَتَّفِقَا، أَوْ يَقُولُ الصَّبَّاغُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ صَبْغٌ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِ صَبْغٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الثَّوْبِ فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَا زَادَ مِنْ الصَّبْغِ يُشْبِهُ مَا قَالَ، وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْمَلَهُ الصَّبَّاغُ عِنْدَهُ وَيُغَيِّبُ عَلَيْهِ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ الثَّوْبَ وَلَمْ يُغِبْ عَلَيْهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ الثِّيَابِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ صَاحِبِ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا قَالَ رَبُّ الثَّوْبِ عَمِلْتَهُ لِي بِغَيْرِ أَجْرٍ وَلَا عِوَضٍ وَقَالَ الصَّبَّاغُ بَلْ بِأَجْرِ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ أَجْرَ مِثْلِهِ وَإِلَّا رَدَّ أَجْرَ مِثْلِهِ قَالَ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ رَبَّ الثَّوْبِ مُقِرٌّ أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ لِيَصْبُغَهُ لَهُ وَيَدَّعِي عَلَيْهِ هَذِهِ الْأُجْرَةَ وَهَا هُنَا إنْ كَانَ ادَّعَى الصَّبَّاغُ أَجْرَ مِثْلِهِ فَلَا يَمِينَ عَلَى رَبِّ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ بِهِ شَيْئًا وَإِنْ ادَّعَى الصَّبَّاغُ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهِ حَلَفَ رَبُّ الْمَتَاعِ لِيُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ مَا زَادَ مِنْ الْقِيمَةِ عَلَى أَجْرِ الْمِثْلِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا إذَا قَالَ لَمْ آمُرْكَ بِصَبْغِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقُولَ: دَفَعْتُهُ إلَيْك وَلَمْ آمُرْكَ بِصَبْغِهِ، أَوْ يَقُولَ: لَمْ أَدْفَعْهُ إلَيْك، فَإِنْ قَالَ: دَفَعْتُهُ إلَيْكَ وَدِيعَةً لَمْ آمُرْكَ فِيهِ بِعَمَلٍ، وَقَالَ الصَّانِعُ بَلْ أَمَرْتَنِي بِالْعَمَلِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ إذَا صَبَغَهُ مَا يُشْبِهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْعَامِلُ مُدَّعٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْيَدَ لِلْعَامِلِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَقَرَّ صَاحِبُهُ بِتَسْلِيمِهِ إلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَامِلِ فِي صِفَةِ الْقَبْضِ وَلَا يَكُونُ لِلدَّافِعِ قَبْضُهُ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، أَوْ اتِّفَاقٍ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ إقْرَارَ رَبِّ الثَّوْبِ إنَّمَا هُوَ فِي تَسْلِيمِهِ إلَيْهِ، وَأَمَّا الْإِذْنُ فِيمَا فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ فَقَدْ ادَّعَاهُ الْعَامِلُ وَأَنْكَرَ رَبُّ الثَّوْبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَامِلِ بَيِّنَةٌ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ فِيمَا يُشْبِهُ مِنْ الْأُجْرَةِ وَإِلَّا رُدَّ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَهُ الْأَقَلُّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، أَوْ مَا ادَّعَاهُ. وَقَدْ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ أَنَّ الْعَامِلَ إذَا ادَّعَى مَا يُشْبِهُ أُجْرَتَهُ فَلَا يَمِينَ عَلَى رَبِّ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحُطُّ عَنْ نَفْسِهِ بِهَا شَيْئًا، وَإِنْ ادَّعَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ لِيَحُطَّ عَنْ نَفْسِهِ مَا زَادَ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا قَالَ رَبُّ الثَّوْبِ سُرِقَ مِنِّي وَلَمْ أَدْفَعْهُ إلَيْك، وَقَالَ بَلْ اسْتَعْمَلْتَنِيهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَتَحَالَفَانِ، وَيُقَالُ لِصَاحِبِ الْمَتَاعِ خُذْهُ مَعْمُولًا وَادْفَعْ أُجْرَةَ مِثْلِهِ فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلْعَامِلِ خُذْهُ وَادْفَعْ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ فَإِنْ أَبَى كَانَا شَرِيكَيْنِ هَذَا بِقِيمَةِ عَمَلِهِ، وَهَذَا بِقِيمَةِ مَتَاعِهِ غَيْرَ مَعْمُولٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ عَلَى صَاحِبِهِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ الصَّبْغِ، أَوْ يَلْزَمُهُ قِيمَةُ الثَّوْبِ غَيْرَ مَصْبُوغٍ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الصَّبَّاغُ أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ الثَّوْبَ مَصْبُوغًا بِغَيْرِ شَيْءٍ فَإِنْ أَبَى كَانَا شَرِيكَيْنِ صَاحِبِ الثَّوْبِ بِقِيمَتِهِ أَبْيَضَ وَالصَّبَّاغُ بِمَا زَادَتْ قِيمَتُهُ بِالصَّبْغِ رَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ الْغَيْرُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ وَالْعَامِلُ مُدَّعٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شُبْهَةٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِتَعَدِّي الْعَامِلِ أَدَّتْهُمَا الْإِبَايَةُ إلَى الشَّرِكَةِ كَاَلَّذِي يَبْنِي فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِشُبْهَةٍ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْغَيْرِ أَنَّ

стр. 1693

(ص) : (قَالَ وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الصَّبَّاغِ يَدْفَعُ إلَيْهِ الثَّوْبَ فَيُخْطِئُ بِهِ فَيَدْفَعُهُ إلَى رَجُلٍ آخَرَ حَتَّى يَلْبَسَهُ الَّذِي أَعْطَاهُ إيَّاهُ أَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَى الَّذِي لَبِسَهُ وَيَغْرَمُ الْغَسَّالُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ، وَذَلِكَ إذَا لَبِسَ الثَّوْبَ الَّذِي دُفِعَ إلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فَإِنْ لَبِسَهُ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَيْسَ ثَوْبَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ) ــ [المنتقى] الصَّانِعَ مُدَّعٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ ضَرَرَ الشَّرِكَةِ عَلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ وَيُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ قِيمَةَ الثَّوْبِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَوَجْهُ الْعَمَلِ فِي التَّحَالُفِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ إنْ اخْتَارَ رَبُّ الثَّوْبِ أَنْ يَأْخُذَ ثَوْبَهُ وَيُعْطِيَهُ قِيمَةَ الصَّبْغِ وَكَانَتْ قِيمَةُ الصَّبْغِ أَقَلَّ مِمَّا ادَّعَى الصَّانِعُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَدَّى ذَلِكَ رَبُّ الثَّوْبِ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الصَّبْغِ مِثْلَ مَا ادَّعَى الصَّانِعُ حَلَفَ رَبُّ الثَّوْبِ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ وَيُؤَدِّي قِيمَةَ الصَّبْغِ فَإِنْ قَالَ أُرِيدُ أَنْ أَضْمَنَهُ فَإِنْ طَاعَ الصَّبَّاغُ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ ثَوْبِهِ أَبْيَضَ فَلَا يَمِينَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ أَبَى تَحَالَفَا وَكَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الثَّوْبِ هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْغَيْرِ أَنَّ الصَّانِعَ مُدَّعٍ فَيَحْلِفُ رَبُّ الثَّوْبِ أَنَّهُ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ ثُمَّ يُجْبَرُ الصَّانِعُ عَلَى دَفْعِ قِيمَةِ الثَّوْبِ هَذَا قَوْلُ الصَّقَلِّيِّينَ وَالْقَرَوِيِّينَ مِنْ شُيُوخِنَا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ لَفْظِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ لَفْظِ الْكِتَابِ يَقْتَضِي التَّحَالُفَ قَبْلَ التَّخْيِيرِ وَعَلَى مَا تَأَوَّلُوهُ يَثْبُتُ التَّخْيِيرُ قَبْلَ التَّحَالُفِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْلَى وَهُوَ أَنْ يُبْدَأَ بِأَيْمَانِهِمَا قَبْلَ التَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بَعْدَ الْأَيْمَانِ فَحَلَفَ أَوَّلًا رَبُّ الثَّوْبِ لِيُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الْإِذْنِ فِي الصَّبْغِ وَيَحْلِفُ الصَّانِعُ لِيُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ مِنْ التَّعَدِّي فَإِذَا كَمُلَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا بُدِئَ بِتَخْيِيرِ رَبِّ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُ، وَقَدْ بَسَطْت الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ الصَّبَّاغَ يَضْمَنُ مَا أَخْطَأَ بِهِ مِنْ الثِّيَابِ الَّتِي بَعْضُهَا لِلْقَابِضِ لَهَا يَقْتَضِي ضَمَانَ الصُّنَّاعِ مِمَّا ضَاعَ عِنْدَهُمْ مِمَّا قَبَضُوهُ عَلَى مَا نُفَسِّرُهُ بَعْدَ هَذَا وَضَمَانُهُمْ فِي الْجُمْلَةِ مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إلَّا ذَلِكَ. قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا: وَذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ وَإِذْ لَا غِنَى بِالنَّاسِ عَنْهُمْ كَمَا نُهِيَ عَنْ تَلَقِّي السِّلَعِ وَبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي لِلْمَصْلَحَةِ وَبِمِثْلِ ذَلِكَ ضَمِنَ الْأَكْرِيَاءُ الطَّعَامَ خَاصَّةً لِلْمَصْلَحَةِ وَمَا أَدْرَكْتُ الْعُلَمَاءَ إلَّا وَهُمْ يُضَمِّنُونَ الصُّنَّاعَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ وَنَظَرٌ لِلصُّنَّاعِ وَأَرْبَابِ السِّلَعِ وَفِي تَرْكِهِ ذَرِيعَةٌ إلَى إتْلَافِ الْأَمْوَالِ، وَذَلِكَ أَنَّ بِالنَّاسِ ضَرُورَةً إلَى الصُّنَّاعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يُحْسِنُ أَنْ يَخِيطَ ثَوْبَهُ أَوْ يُقَصِّرَهُ، أَوْ يُطَرِّزَهُ، أَوْ يَصْبُغَهُ فَلَوْ قُلْنَا الْقَوْلُ قَوْلُ الصُّنَّاعِ فِي ضَيَاعِ الْأَمْوَالِ لَتَسَرَّعُوا إلَى دَعْوَى ذَلِكَ وَلَلَحِقَ أَرْبَابَ السِّلَعِ ضَرَرٌ؛ لِأَنَّهُمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِمْ الْمَتَاعَ فَلَا يُؤْمِنُ مِنْهُمْ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَوْ لَا يَدْفَعُوهُ فَيَضْرِبُهُمْ فَكَانَ تَضْمِينُهُمْ خِلَافًا لِلْفَرِيقَيْنِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ قَبَضَ الْعَيْنَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ لِلْأَخْذِ بِعَقْدٍ مُتَقَدِّمٍ فَلَمْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي تَلَفِهَا كَالرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ شَرَطَ الصَّانِعُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لَمْ يَنْفَعْهُ الشَّرْطُ. وَرُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَحَلٌّ لِلضَّمَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالشَّرْطِ كَشَرْطِهِ فِي الْقَرْضِ وَالْبَيْعِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ شَرَطَ الضَّمَانَ فِيمَا يُسْقِطُ عَنْهُ الضَّمَانَ بِالْبَيِّنَةِ عَنْ تَلَفِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ فَوَجَبَ أَنْ يَنْفَعَهُ ذَلِكَ وَيَسْقُطُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ تَصْدِيقُهُ فِي الضَّيَاعِ وَمِنْ شَرْطِ التَّصْدِيقِ نَفْعُهُ كَمَنْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الِاقْتِضَاءِ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ ضَامِنٌ مَعَ الْبَيِّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَعْطَى ثَوْبَهُ لِصَانِعٍ يَعْمَلُ فِيهِ فَقَالَ يَكُونُ عِنْدِي حَتَّى آتِي فَأُعَامِلَك فِيهِ فَيَضِيعَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ عِنْدَهُ عَلَى الْعَمَلِ لَا عَلَى الْأَمَانَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّانِعُ

стр. 1694

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] خَاصًّا أَوْ مُشْتَرَكًا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: يَضْمَنُ الْمُشْتَرَكَ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي قَبْضِ الْمُشْتَرَكِ قَوْلَانِ هَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَضْمَنُ الصَّانِعُ الْخَاصَّ وَهُوَ الَّذِي يَحْمِلُهُ إلَى مَكَانِهِ يَصْنَعُ فِيهِ وَاَلَّذِي يَعْمَلُ فِي حَانُوتِهِ هُوَ الْمُشْتَرَكُ قَالَ وَقَالَهُ كُلَّهُ أَصْبَغُ وَإِذَا كَانَ مَعْنَى الْخَاصِّ الَّذِي يَعْمَلُ عِنْدَك فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ غَيْرُ ضَامِنٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الْخَاصِّ الَّذِي لَمْ يَنْصِبْ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ، وَإِنَّمَا عَمِلَ بِهَذَا خَاصَّةً فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ عِيسَى مَنْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى رَجُلٍ يُقَصِّرُهُ، أَوْ يَخِيطُهُ، أَوْ يُرَقِّعُهُ فَضَاعَ عِنْدَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ إذَا لَمْ يَنْصِبْ نَفْسَهُ صَانِعًا وَهُوَ كَالْأَمِينِ حَتَّى يَنْصِبَ نَفْسَهُ لِذَلِكَ فَيَضْمَنَ فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ الْخَاصَّ هُوَ مَنْ عَمِلَ فِي مَنْزِلِ صَاحِبِ الْمَتَاعِ وَأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْ حَرْقٍ، أَوْ فَسَادٍ إلَّا أَنْ يَغِرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَيَضْمَنَ وَجْهَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ صَانِعٌ فَكَانَ مَا يَأْخُذُهُ عَلَى حُكْمِ ضَمَانِ الصُّنَّاعِ كَالْمُشْتَرَكِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ غَيْرُ قَابِضٍ لِمَا يَصْنَعُ فِيهِ فَلَمْ يَضْمَنْهُ بِالْيَدِ كَمَا لَوْ تَلِفَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الصَّانِعُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَسَوَاءٌ عَمِلُوهُ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ فَإِنَّهُمْ ضَامِنُونَ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ لَا يَضْمَنُ مِنْ عَمَلٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ صَانِعٌ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِ مَا قَبَضَهُ لِلْعَمَلِ فَكَانَ ضَامِنًا كَمَا لَوْ عَمِلَهُ بِأَجْرٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيَضْمَنُ الصَّانِعُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ صَاحِبُ الْمَتَاعِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَمَرَ الثَّوْبَ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ فَقَطَّهُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا تَعَدٍّ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الصَّانِعَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِمَّا لَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ وَإِذَا أَصَابَهُ أَمْرٌ مِنْ قِبَلِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَصْدَهُ. (فَرْعٌ) وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الثَّوْبِ يَعْمَلُ مَعَهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ مَا أَصَابَهُ مِنْ عَمَلِ صَاحِبِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّانِعِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عَمَلِ الصَّانِعِ فَهُوَ مِنْهُ، وَإِنْ جُهِلَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْهُمَا يَلْزَمُ الصَّانِعَ نِصْفُ مَا نَقَصَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ فِعْلِهِمَا لَكَانَ مِنْهُمَا فَإِذَا تَرَدَّدَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَخَصَّ بِهِ مِنْ الْآخَرِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَكُونَ مِنْ فِعْلِهِمَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَيَضْمَنُ الصَّانِعُ مَا أَصْلَحَ فِيهِ الْيَسِيرُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَجْرٍ مِثْلِ فَصِّ خَاتَمٍ وَرُقْعَةِ ثَوْبٍ، أَوْ زِرِّهِ، أَوْ سَيْرٍ فِي قِلَادَةٍ بِقِيمَتِهِ إذَا أَسْلَمَ ذَلِكَ إلَيْهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا ضَمِنُوا مَا أَسْلَمَ إلَيْهِمْ لِلضَّرُورَةِ الْعَامَّةِ فَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَتِنَا وَإِذَا أَفْسَدَ الْخَيَّاطُ، أَوْ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ فَسَادًا يَسِيرًا، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمُخْتَصَرِ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ بَعْدَ أَنْ يَرْفَأَهُ يُقَالُ مَا قِيمَتُهُ يَوْمَ دَفَعَهُ إلَيْهِ صَحِيحًا وَمَا قِيمَتُهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ مَرْفُوًّا فَيَغْرَمُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَثُرَا ضَمِنَ قِيمَتَهُ كُلَّهُ يَوْمَ دَفَعَهُ إلَيْهِ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إذَا أَفْسَدَهُ بِخِيَاطَةٍ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ يَوْمَهُ صَحِيحًا، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَلَا يَضْمَنُ مَنْ دُفِعَتْ إلَيْهِ لُؤْلُؤَةٌ لِثَقْبِهَا إذَا كُسِرَتْ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَوْ يَخْرِمُ مَوْضِعَ الثَّقْبِ، وَلَوْ تَعَدَّى الثُّقْبَ لَضَمِنَ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ، وَكَذَلِكَ الْقَوْسُ تُدْفَعُ لِمَنْ يَعْمُرُهَا وَالرُّمْحُ لِمَنْ يُقَوِّمُهُ وَالْفَصُّ لِمَنْ يَنْقُشُهُ وَالدَّابَّةُ يُسْرِجُهَا الْبَيْطَارُ وَالسَّيْفُ يُقَوِّمُهُ الصَّقَّالُ فَيَنْكَسِرُ ذَلِكَ كُلُّهُ، أَوْ الْمَرِيضُ يُسْقَى الدَّوَاءَ، أَوْ يَكْوِيهِ الطَّبِيبُ فَيَمُوتُ مِنْ كيه، أَوْ الْخَاتِنُ يَخْتِنُ الصَّبِيَّ فَيَمُوتُ مِنْ خِتَانَتِهِ، أَوْ الْحَجَّامُ يَقْلَعُ الضِّرْسَ فَيَمُوتُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ أَحَدٌ مِنْهُمْ. (فَرْقٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ الْغَالِبَ فِي هَذَا كُلِّهِ الْغَرَرُ فَصَاحِبُهُ إذَا أَذِنَ فِي الْعَمَلِ وَعَمِلَ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الْعَمَلِ فَقَدْ عَرَضَهُ لِمَا حَدَثَ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّانِعِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ بِالتَّعَدِّي أَوْ بِتَلَفٍ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَعَدٍّ وَلَا تَلَفٍ مَجْهُولٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمُدَوَّنَةِ فِي الْفَرَّانِ لَا يَضْمَنُ مَا أَحْرَقَ مِنْ الْخُبْزِ وَالْغَزْلِ؛ لِأَنَّ احْتِرَاقَهُ لَيْسَ مِنْ سَبَبِهِ وَهُوَ مِنْ غَلَبَةِ النَّارِ إلَّا أَنْ يَغُرَّ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ

стр. 1695

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] يُفَرِّطَ فَيَضْمَنَ، وَذَلِكَ إذَا غَرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَقَدْ تَعَدَّى مَنْ تَنَاوَلَ مَا لَا يُحْسِنُ، وَقَدْ فَسَدَ بِسَبَبِهِ وَعَمَلُهُ فَكَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ وَالْفَرَّانُ إذَا غَرَّ مِنْ نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يُحْسِنُ الْخُبْزَ وَفَرَّطَ فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ التَّعَدِّي الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ، وَأَمَّا الْخَيَّاطُ تُفْسِدُ الثَّوْبَ خِيَاطَتُهُ وَالطَّاحِنُ يُفْسِدُ الْقَمْحَ طَحِينُهُ فَإِنَّ الْفَسَادَ مِنْ سَبَبِهِ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ غَالِبًا فَكَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ، وَكَذَلِكَ فِي الْخُبْزِ لَوْ كَانَ احْتِرَاقُهُ بِسَبَبِهِ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ لَضَمِنَ،. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ لَوْ احْتَرَقَ بِتَضْيِيعٍ مِنْهُ، أَوْ عَبَثٍ فِي وَقِيدٍ لَضَمِنَ، وَكَذَلِكَ فِي اللُّؤْلُؤَةِ إذَا تَنَاوَلَ ثُقْبَهَا مَوْضِعَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ انْخَرَمَتْ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَالِبٌ، وَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْبَصَرِ بِذَلِكَ أَنَّهُ تَنَاوَلَهُ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ. (فَرْعٌ) إذَا كَمُلَ ذَلِكَ فَنَرْجِعُ إلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ فَعَلَى الصَّانِعِ فِي ضَمَانِ الثَّوْبِ قِيمَتُهُ يَوْمَ قَبْضِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حِينَئِذٍ ضَمِنَهُ كَالْغَاصِبِ وَالْمُشْتَرِي، وَلَوْ تَلِفَ بَعْدَ كَمَالِ الصَّنْعَةِ وَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِتَمَامِ الصَّنْعَةِ فِيهِ ثُمَّ تَلِفَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ وَنَحْوُهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِضَيَاعِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ هُوَ مِنْ صَاحِبِهِ وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ الْعَمَلَ إلَى صَاحِبِهِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ الْعَمَلَ لَمَّا صَارَ فِي الثَّوْبِ كَانَ ذَلِكَ قَبْضًا مِنْ صَاحِبِهِ لِلْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِيمَا يَمْلِكُهُ فَكَانَ عَلَيْهِ عِوَضُ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ حُصُولَ الصَّنْعَةِ فِي الثَّوْبِ لَيْسَ بِقَبْضٍ لَهَا، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْقَبْضُ لَهَا بِرُجُوعِ الثَّوْبِ إلَى يَدِ صَاحِبِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ الثَّوْبُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَقَدْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِتَمَامِ الصَّنْعَةِ لَمْ يَلْزَمْ صَاحِبُ الثَّوْبِ الْعِوَضُ مِنْهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا ادَّعَى الْفَرَّانُ احْتِرَاقَ الْخُبْزِ بِغَلَبَةِ النَّارِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ إنَّمَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْ الْفَرَّانِ إذَا بَقِيَ مِنْ الْخُبْزِ، أَوْ الْغَزْلِ مَا يَعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ خُبْزُ ذَلِكَ الرَّجُلِ، أَوْ غَزْلُهُ فَأَمَّا لَوْ ذَهَبَ أَصْلًا وَلَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِقَوْلِهِ أَنَّهُ احْتَرَقَ لَضَمِنَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى ضَيَاعًا وَتَلَفًا غَيْرَ مَعْلُومٍ فَهُوَ عِنْدِي عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ وَلَا يُصَدَّقُ فِيهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخُبْزُ بَاقِيًا فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي قَوْلِهِ أَنَّهُ غَلَبَتْهُ النَّارُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَصَاحِبُهُ مُدَّعٍ التَّعَدِّيَ قَالَ ذَلِكَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي ثُقْبِ اللُّؤْلُؤَةِ ثُمَّ قَالَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ صَاحِبِ صَنْعَةٍ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي قَرْضِ الْفَأْرِ وَلَحْسِ السُّوسِ إذَا ادَّعَى صَاحِبُ الثَّوْبِ تَضْيِيعَ الْقَصَّارِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ فِي ذَلِكَ وَالْقَصَّارُ مُصَدَّقٌ؛ لِأَنَّ التَّعَدِّيَ لَا يُلْزَمُ بِالدَّعْوَى. (فَرْعٌ) وَلَوْ تَلِفَ الْخُبْزُ عِنْدَ الْفَرَّانِ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا هُوَ لَهُ ضَامِنٌ وَقَدْ أَسْلَمَهُ إلَيْهِ صَاحِبُهُ. وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ لَوْ تَرَكَهُ صَاحِبُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْفَرَّانُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِتَسْلِيمِهَا إلَيْهِ فَفِي سَمَاعِ ابْنِ وَهْبٍ وَالْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُعْطِيَهُ غَيْرَ خُبْزَتِهِ وَلْيُعْطِهِ مِثْلَهَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ أَصْغَرَ مِنْ خُبْزَتِهِ وَلَا يَأْخُذُ أَكْبَرَ مِنْهَا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يَأْخُذُ غَيْرَ خُبْزَتِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ أَنَّ الْفَرَّانَ ضَامِنٌ لِلرَّجُلَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْخَاتِنُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي مَوْتِ الصَّغِيرِ إلَّا أَنْ يُخْطِئَ بِقَطْعِ الْحَشَفَةِ، أَوْ بَعْضِهَا فَعَلَى عَاقِلَتِهِ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ فَأَكْثَرُ وَمَا قَصُرَ عَنْ الثُّلُثِ فَفِي مَالِهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُحْسِنُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُحْسِنُ وَغَرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَذَلِكَ كُلُّهُ فِي مَالِهِ، وَكَذَلِكَ الطَّبِيبُ وَقَالِعُ الضِّرْسِ وَالْبَيْطَارُ وَيُعَاقَبُونَ مَعَ ذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا ادَّعَى الصَّانِعُ بَعْدَ ذَهَابِ الْمَتَاعِ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ سُرِقَ لَمْ يُصَدَّقْ فِي ذَهَابِ الْمَتَاعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ احْتَرَقَ بَيْتُهُ وَرَأَى ثَوْبَ الرَّجُلِ يَحْتَرِقُ فِيهِ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ هُوَ ضَامِنٌ، وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ قَالَ مُحَمَّدٌ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ النَّارَ مِنْ غَيْرِ سَبَبِهِ، أَوْ سَيْلٌ يَأْتِي، أَوْ يَنْهَدِمُ الْبَيْتُ فَهَذَا وَشَبَهُهُ يَسْقُطُ فِيهِ الضَّمَانُ، وَهَذَا الَّذِي رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي قَرْضِ الْفَأْرِ، وَادَّعَى صَاحِبُ الثَّوْبِ بِتَعَدِّي الصَّانِعِ وَتَضْيِيعِهِ وَقَوْلُ مَالِكٍ الصَّانِعُ مُصَدَّقٌ وَالتَّعَدِّي لَا يَلْزَمُ بِدَعْوَى صَاحِبِ الْمَتَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، فَعَلَى هَذَا فَفِيمَا أَشْكَلَ وَجْهُ سَبَبِهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنَّ

стр. 1696

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الصَّانِعَ ضَامِنٌ وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ التَّعَدِّيَ سَبَبٌ لِلضَّمَانِ فَوَجَبَ أَنْ يُثْبِتَ حُكْمُهُ بِالتُّهْمَةِ فِي حَقِّ الصَّانِعِ أَصْلُ ذَلِكَ الْمَغِيبِ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ التَّعَدِّيَ لَا يَثْبُتُ بِالدَّعْوَى وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ التَّلَفَ ظَاهِرٌ وَهُوَ تَبَرُّؤٌ مِنْ سَبَبِ الضَّمَانِ الَّذِي هُوَ الْمَغِيبُ عَلَى الْمَصْنُوعِ، وَهَذَا فِيمَا أَشْكَلَ وَجْهُ سَبَبِهِ، وَتَيَقُّنُ السَّبَبِ كَالْحَرْقِ وَقَرْضِ الْفَأْرِ، وَأَمَّا إذَا أَشْكَلَ السَّبَبُ نَفْسُهُ فَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ هُوَ قَرْضُ فَأْرٍ أَوْ غَيْرُهُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْفَأْرِ يَقْرِضُ الثَّوْبَ عِنْدَ الْقَصَّارِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ يَعْلَمُ فِي مَسْأَلَتِك أَنَّ الْفَأْرَ قَرَضَهُ يَضْمَنُ الْقَصَّارُ حَتَّى يَقُومَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّ الْفَأْرَ قَرَضَهُ، وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ لِلنَّاظِرِ إلَيْهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيعٍ فَلَا يَضْمَنُ، وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِي قَرْضِ الْفَأْرِ وَلَحْسِ السُّوسِ، وَإِنْ أَشْكَلَ ذَلِكَ فَالصَّانِعُ ضَامِنٌ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ قَرْضُ فَأْرٍ، أَوْ لَحْسُ سُوسٍ وَلَمْ يَكُنْ ضَيَّعَ فَفِي هَذَا الْوَجْهِ قَوْلَ مَالِكٍ وَهُوَ الضَّمَانُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا جَعَلَ الْخَيَّاطُ وَجْهَ الثَّوْبِ إلَى دَاخِلٍ فَإِنَّهُ يَفْتُقُهُ وَيُعِيدُهُ فَإِنْ كَانَ الْفَتْقُ يَنْقُصُهُ خُيِّرَ رَبُّهُ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ قَبْضِهِ، أَوْ يَأْمُرُهُ بِفَتْقِهِ وَإِعَادَةِ خِيَاطَتِهِ قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا عَمَلٌ يَنْقُصُهُ وَيُمْنَعُ لِبَاسُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ مِنْ مَقْصُودِ الْجَمَالِ وَهُوَ مِمَّا يُسْتَطَاعُ تَغْيِيرُهُ وَاسْتِدْرَاكُهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يُنْقِصُ الثَّوْبَ لَزِمَهُ اسْتِدْرَاكُهُ وَإِزَالَةُ مَا دَخَلَ مِنْ الْفَسَادِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَنْقُصُهُ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الثَّوْبِ دَفَعَ النَّقْصَ عَنْ نَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا أَخْرَجَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ أَسْوَدَ رَدِيئًا فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُ حَتَّى يُجَوِّدَهُ فَإِنْ كَانَ رَدُّهُ يُفْسِدُهُ بِأَنْ يَسْتَرْخِيَ وَيُنَكَّسَ وَجْهُهُ وَخِيفَ أَنْ يَحْتَرِقَ فَلَا يَرُدُّهُ وَيَنْظُرُ فَإِنْ أَفْسَدَهُ بِذَلِكَ فَسَادًا بَيِّنًا ضَمِنَ قِيمَتَهُ أَسْمَرَ يُرِيدُ عِنْدِي يَوْمَ قَبْضِهِ خَامًا، وَإِنْ كَانَ الْفَسَادُ يَسِيرًا أَعْطَاهُ رَبُّهُ قِيمَةَ الْعَمَلِ الرَّدِيءِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مَا لَمْ يُجَاوِزْ شَرْطَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اسْتِدْرَاكَ تَبْيِيضِهِ إذَا أَمْكَنَ مِنْ غَيْرِ إفْسَادِ الثَّوْبِ لَزِمَهُ عَمَلُهُ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ الْأَوَّلَ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ لَمْ يُتِمَّهُ بَعْدُ فَعَلَيْهِ إتْمَامُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِإِفْسَادِ الثَّوْبِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ، أَوْ يَأْخُذَهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الْفَسَادِ الْكَثِيرِ يُضَمِّنُهُ قِيمَتَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي إنْ شَاءَ أَنْ يُضَمِّنَهُ، وَقَالَ فِي الْفَسَادِ الْيَسِيرِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ الْعَمَلِ الرَّدِيءِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ خِيَارًا فِي تَضْمِينِهِ الْقِيمَةَ وَهُوَ الصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا كِيلَ الْقَمْحُ عَلَى الطَّحَّانِ وَأَسْلَمَ إلَيْهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ ضَامِنٌ لَهُ قَالَ مَالِكٌ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ تَضْمِينُهُ خَفِيفًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الصُّنَّاعِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلطَّعَامِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْحَمَّالِينَ فَهُوَ ضَامِنٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَمَّالَ الْمُنْفَرِدَ لِحَمْلِ الطَّعَامِ هُوَ ضَامِنٌ لَهُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ ضَامِنٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُعْطَى قَدْرَ مَا نَقَصَ دَقِيقًا عَلَى مَا يَعْرِفُ النَّاسُ يُرِيدُ أَنَّهُ أَخَذَهُ بِالْكَيْلِ فَيُعْطَى مِنْ كَيْلِ الدَّقِيقِ مَا يَعْلَمُ النَّاسُ أَنَّهُ يَنْتَهِي إلَيْهِ بِالطَّحْنِ مَا نَقَصَ مِنْ الْقَمْحِ وَلِلطَّحَّانِ الْأُجْرَةُ كَامِلَةً، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَلَيْهِ قَمْحُ مِثْلِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ قَدْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى طَحْنِ الْقَمْحِ وَلَا يَتَعَيَّنُ بِالْإِجَارَةِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِقَمْحِ مِثْلِهِ وَيَطْحَنُهُ وَتَكُونُ لَهُ الْأُجْرَةُ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ يَضْمَنُ قَمْحًا مِثْلَهُ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ طَحْنُهُ وَسَقَطَ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِهِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ اُخْتُصَّتْ بِتِلْكَ الْعَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْقَمْحِ فِي الطَّحْنِ، أَوْ لِأَنَّ الضَّيَاعَ جَاءَ مِنْ قِبَلِ الطَّحَّانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) وَإِذَا طَحَنَ الطَّحَّانُ الْقَمْحَ عَلَى النَّقْشِ فَأَفْسَدَهُ بِالْحِجَارَةِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْ أَشْهَبَ عَلَيْهِ قَمْحُ مِثْلِهِ، وَقَالَ بِهِ أَصْبَغُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا أَفْسَدَ الْحَائِكُ الثَّوْبَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَضْمَنُ الْغَزْلَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ وَجَدَ مِثْلَ الْغَزْلِ الْحَائِكُ أَتَاهُ بِهِ وَعَلَيْهِ عَمَلُهُ وَإِنْ تَعَذَّرَ مِثْلُهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ

стр. 1697

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] يَوْمَ يَقْبِضُهُ وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بَيْنَهُمَا هَذَا الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَضْمَنُ الْحَائِكُ؛ لِأَنَّهُ نَسَجَهُ لَهُ عَلَى أَقَلِّ مِنْ الْعَرْضِ وَالطُّولِ الَّذِي شَرَطَهُ لَهُ قِيمَةُ غَزْلِهِ وَلَيْسَ لَهُ مِثْلُهُ، وَمَنْ اسْتَهْلَكَ غَزْلَ رَجُلٍ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لَا مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ ثَوْبًا عَلَيْهِ قِيمَتُهُ فَكَذَلِكَ الْغَزْلُ وَقَالَ غَيْرُهُ أَصْلُ الْغَزْلِ الْوَزْنُ فَعَلَى مَنْ تَعَدَّى فِيهِ مِثْلُهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ لَيْسَ لَهُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ غَالِبًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ لَيْسَ لَهُ مِثْلُهُ، وَإِنْ وُجِدَ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ الثَّوْبِ الَّذِي تَلْزَمُ فِيهِ الْقِيمَةُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْغَزْلَ يَتَعَذَّرُ فِيهِ التَّمَاثُلُ لِاخْتِلَافِ أَصْلِهِ وَلِاخْتِلَافِ الصَّنْعَةِ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ يَتَقَارَبُ فَلِذَلِكَ عَدَلَ فِيهِ الْقِسْمَةُ، وَإِنْ كَانَ مَوْزُونًا كَمَا عَدَلَ فِي الثَّوْبِ إلَى الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ مَذْرُوعًا لَكِنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَ جِنْسُ أَصْلِهِ فِي الْجَوْدَةِ وَكَانَتْ صِنَاعَتُهُ مُخْتَلِفَةً مُتَفَاوِتَةً وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى تَمَاثُلِهِ مِنْ جِهَةِ الذَّرْعِ عُدِلَ إلَى الْقِيمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَجْهُ الْقَوْلِ بِالْمِثْلِ مَا احْتَجَّ بِهِ الْغَيْرُ مِنْ أَنَّ أَصْلَهُ الْوَزْنُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ عَلَيْهِ الْقِيمَةَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بَيْنَهُمَا وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ الْإِجَارَةَ قَائِمَةٌ بِأَخْذِ الْقِيمَةِ وَيَأْتِي بِغَزْلِ مِثْلِهِ فَيَنْسِجُهُ لَهُ وَاخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّهُ غَزْلٌ مُعَيَّنٌ فَإِذَا ذَهَبَتْ الْعَيْنُ وَعَدِمَتْ بَطَلَ الْعَمَلُ الْمُخْتَصُّ بِهَا وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ ذَلِكَ مَا بَنَى عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ عَدَمِ التَّمَاثُلِ فِيهِ وَتَفَاوُتِهِ فِي الرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَإِذَا اُخْتُلِفَ مَا يَعْمَلُ فِيهِ وَتَفَاوَتَ وَعَدِمَتْ الْعَيْنُ الْمُخْتَصَّةُ بِالْعَقْدِ وَجَبَ نَسْجُهُ كَرَضَاعِ الصَّبِيِّ وَتَعْلِيمِ الْأَعْمَالِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْغَرَضُ نَفْسَ الْغَزْلِ، وَلَوْ شَرَطَ ذَلِكَ لَمْ تَجُزْ الْإِجَارَةُ. (فَرْعٌ) وَلَوْ أَعْطَاهُ الْغَزْلَ لِيَنْسِجَهُ سَبْعًا فِي ثَمَانٍ فَنَسَجَهُ سِتًّا فِي سَبْعٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْحَائِكَ قِيمَةَ غَزْلِهِ، أَوْ يَأْخُذَهُ وَعَلَيْهِ جَمِيعُ أَجْرِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِحِسَابِ عَمَلِهِ. فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا قَالَهُ الْفَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَّ النَّقْصَ إنَّمَا هُوَ فِي هَذَا الثَّوْبِ عَيْبٌ مِنْ الْعُيُوبِ فِي الْعَمَلِ فَإِذَا رَضِيَ بِهِ كَانَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْعِوَضِ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْغَيْرِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّقْصِ مِنْ جُمْلَةِ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ عِوَضِهِ كَالطَّعَامِ يَنْقُصُ بَعْضَ مَا اشْتَرَى مِنْ مَكِيلِهِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ الْغَيْرِ فَمَعْنَاهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى أَجْرِ مِثْلِهِ فِيمَا شُرِطَ وَأَجْرِ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ فَيَسْقُطُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُسَمَّى قَالَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ. (فَرْعٌ) فَلَوْ زَادَ عَلَى الْأَذْرُعِ الْمَشْرُوطَةِ فَقَدْ قَالَ الْفَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ لَا أُجْرَةَ لَهُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ عَيْبٌ وَلَهُ الْأَجْرُ عَلَى قَوْلِ الْغَيْرِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَهَذَا حُكْمُ مَا يُعْمَلُ فِيهِ فَأَمَّا ضَيَاعُ مَا لَا يُعْمَلُ فِيهِ عِنْدَ الصُّنَّاعِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ظَرْفٌ، أَوْ مِثَالٌ فَأَمَّا الظَّرْفُ فَعَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ يُسْتَغْنَى عَنْهُ مَا يَعْمَلُهُ وَقِسْمٌ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ مَا يَعْمَلُهُ فَأَمَّا مَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ الصَّانِعُ. وَقَدْ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ أَصْبَغُ عَنْ أَشْهَبَ فِي الثَّوْبِ يُدْفَعُ إلَى الصَّانِعِ فِي مِنْدِيلٍ إنْ كَانَ الثَّوْبُ رَفِيعًا يَحْتَاجُ إلَى وِقَايَةٍ ضَمِنَهُ الصَّانِعُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا لَمْ يَضْمَنْهُ قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مِنْدِيلَ الثَّوْبِ إذَا ضَاعَ، وَقَدْ ضَاعَ مَلْفُوفًا بِهِ، أَوْ قَدْ زَايَلَهُ إذْ لَا ضَرُورَةَ بِالثَّوْبِ إلَيْهِ وَلَا يَضْمَنُ الْفَرَّانُ مَا ضَاعَ مِنْ صِحَافِ الْخُبْزِ فَارِغَةً، وَلَوْ ضَاعَتْ بِمَا فِيهَا لَضَمِنَهَا مَعَ الْخُبْزِ إذْ لَا غِنَى بِالْخُبْزِ عَنْهَا فَإِنَّمَا يَكُونُ الْخِلَافُ بَيْنَ أَشْهَبَ وَابْنِ حَبِيبٍ فِي صِفَةِ الْحَاجَةِ لَا فِي مُرَاعَاةِ الْحَاجَةِ فَعِنْدَ أَشْهَبَ أَنَّ ضَمَانَهُ مَا يَحْتَاجُ إلَى صِيَانَةٍ عَنْ الْحَاجَةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الضَّمَانِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ بِمُؤَثِّرٍ وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ الْمُؤَثِّرَةُ أَنْ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَتَى بِخُفَّيْنِ إلَى خَرَّازٍ يُصْلِحُ أَحَدَهُمَا فَضَاعَا فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ أَصْبَغَ لَا يَضْمَنُ إلَّا الَّذِي فِيهِ الْعَمَلُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِعَمَلِهِ بِهِ كَالظَّرْفِ الَّذِي يُسْتَغْنَى عَنْهُ

стр. 1698

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ مِنْ الظُّرُوفِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ حَبِيبٍ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ إذَا ضَاعَ الْقَمْحُ بِقُفَّتِهِ عِنْدَ الطَّحَّانِ، أَوْ ضَاعَ عِنْدَ الْفَرَّانِ لَوْحُ الْخَبَّازِ، أَوْ قَصْعَتُهُ، أَوْ ضَاعَ عِنْدَ الصَّيْقَلِ غِمْدُ السَّيْفِ، أَوْ عِنْدَ الْخَيَّاطِ مِنْدِيلُ الثَّوْبِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَيَضْمَنُ الْمِثَالَ لِيَعْمَلَ عَلَيْهِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ ضَمَانُ الْمِثْلِ. وَقَدْ رَوَى سَحْنُونٌ لَا يَضْمَنُ الْوَرَّاقُ الْأُمَّ الَّتِي يَكْتُبُ مِنْهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْمِثَالَ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي نَفْيِ ضَمَانِ الظَّرْفِ وَإِثْبَاتِهِ فِي الْمِثَالِ أَنَّ الظُّرُوفَ لَا يَتَعَلَّقُ عَمَلُهُ بِهَا فَلَمْ يَضْمَنْهَا وَالْمِثَالُ عَمَلُهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ قَالَ مَالِكٌ لَا غِنَى بِهِ عَنْهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ فَكَانَ الْمِثَالُ كَالظُّرُوفِ. ١ - (فَصْلٌ) : فَهَذَا حُكْمُ الصُّنَّاعِ وَأَمَّا الْأُجَرَاءُ فَهُمْ عَلَى ضَرْبَيْنِ أُجَرَاءُ لِلصُّنَّاعِ وَأُجَرَاءُ لِلْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ فَأَمَّا أُجَرَاءُ الصُّنَّاعِ فَاَلَّذِي رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَجِيرَ الْقَصَّارِ لَا يَضْمَنُ وَالْقَصَّارُ ضَامِنٌ لِمَا أَفْسَدَهُ أَجِيرُهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا يَضْمَنُ الْأَجِيرُ لِلْقَصَّارِ وَالصَّبَّاغِ شَيْئًا، وَهَذَا فِي الْأَجِيرِ الْمُتَصَرِّفِ بَيْنَ يَدَيْ الْقَصَّارِ بِحَسَبِ اخْتِيَارِهِ وَلَيْسَ بِحَائِزٍ لِمَا يَعْمَلُهُ فَأَمَّا إنْ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِي الْعَمَلِ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ وَيَحُوزُ مَا يَعْمَلُ فِيهِ فَقَدْ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ أَشْهَبَ إنْ كَثُرَ عَلَى الْغَسَّالِ الثِّيَابُ فَآجَرَ أُجَرَاءَ فَبَعَثَهُمْ إلَى الْبَحْرِ بِالثِّيَابِ فَيَدَّعُونَ تَلَفَهَا أَنَّهُمْ ضَامِنُونَ، وَكَذَلِكَ أُجَرَاءُ الْخَيَّاطِ يَتَصَرَّفُونَ فِي الثِّيَابِ فَتَتْلَفُ فَهُمْ ضَامِنُونَ، وَقَالَ ابْنُ مَيْسَرَةَ، وَذَلِكَ إذَا آجَرَهُمْ عَلَى عَمَلِ أَثْوَابٍ مُقَاطَعَةٍ فَهَذَا مَعْنَى مَا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُوطِعَ عَلَى عَمَلِهَا فَقَدْ صَارَ لَهُ حُكْمُ الصَّانِعِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يَعْمَلُ مُيَاوَمَةً، أَوْ مُشَاهَرَةً فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأُجَرَاءِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْأُجَرَاءُ لِلْحِفْظِ فَعَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ لَهُمْ تَعَلُّقٌ بِالْعَمَلِ، وَقِسْمٌ لَا تَعَلُّقَ لَهُمْ بِالْعَمَلِ فَأَمَّا مَنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْعَمَلِ فَكَصَاحِبِ الْحَمَّامِ يُوضَعُ عِنْدَهُ ثِيَابُ النَّاسِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ قَدْ أَمَرْت صَاحِبَ السُّوقِ أَنْ يُضَمِّنَ أَصْحَابَ الْحَمَّامَاتِ ثِيَابَ النَّاسِ فَيَضْمَنُونَهَا، أَوْ يَأْتُونَ بِمَنْ يَحْرُسُهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ بِإِثْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقَدْ قَالَ أَيْضًا فِي كِتَابٍ آخَرَ لَا يَضْمَنُونَ، وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ قَدْ أَشَارَ إلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ شُيُوخِنَا وَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُمْ يُشِيرُونَ إلَّا إلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: لَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ يَجْلِسُ لِحِفْظِ ثِيَابِ مَنْ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ مَا ضَاعَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ، وَهَذَا الَّذِي أَشَارُوا إلَيْهِ لَيْسَ عِنْدِي مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بِسَبِيلٍ؛ لِأَنَّ أُجَرَاءَ الصُّنَّاعِ لَا يَضْمَنُونَ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الصَّانِعُ، أَوْ مَنْ هُوَ فِي حُكْمِ الصَّانِعِ وَصَاحِبُ الْحَمَّامِ لَيْسَ بِأَجِيرٍ مَحْضِ الْإِجَارَةِ بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْعَمَلُ وَالصِّنَاعَةُ مِنْ التَّنْظِيفِ وَالِاغْتِسَالِ فَيَضْمَنُ مَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ مِنْ عَمَلِهِ فِيهِ مِنْ ثِيَابِهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى عَلَى الصَّانِعِ ضَمَانَ مَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ مَا اسْتَعْمَلَ فِيهِ وَلَا يَضْمَنُ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى عَلَيْهِ ضَمَانًا فِي ذَلِكَ، أَوْ يَكُونُ أَجِيرًا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْعَمَلِ فَيَكُونُ كَالْحَمَّالِ يَسْتَأْجِرُ عَلَى الْحَمْلِ فَيَضْمَنُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَسَرُّعِهِ إلَيْهِ كَالطَّعَامِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا جَرَتْ عَادَةُ الْحَمَّالِينَ بِالْخِيَانَةِ فِيهِ وَالتَّسَرُّعِ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْحَمَّامِ وَهُوَ الْمَالِكُ لِأَمْرِهِ وَالْمُسْتَعْمِلُ لَهُ بِالْعَمَلِ يَجِبُ أَنْ يَضْمَنَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِخِيَانَتِهِ فِيهِ وَالتَّسَرُّعُ إلَيْهِ وَهِيَ ثِيَابُ النَّاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَغِيبُهُ عَنْ ثِيَابِهِ إلَى دَاخِلِ الْحَمَّامِ مَغِيبٌ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى مَنْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِمَغِيبِ صَاحِبِ الثِّيَابِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ فِي الطَّحَّانِ يَطْحَنُ الْقَمْحَ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ لَا يَضْمَنُ ظَرْفًا وَلَا قَمْحًا إلَّا أَنْ يَخْرُجَ النَّاسُ عَنْ الرَّحَى لِلزَّحْمَةِ فَيَضْمَنُ الْقَمْحَ وَظَرْفَهُ، وَكَذَلِكَ الْفَرَّانُ فَجَعَلَ الْخُرُوجَ عَنْ الرَّحَى وَالْفُرْنِ مَغِيبًا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْحَافِظِ الَّذِي لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْعَمَلِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْحَافِظُ الَّذِي لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْعَمَلِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ، وَإِنَّمَا الضَّمَانُ عَلَيْهِ فِي التَّعَدِّي. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُسْتَأْجَرِ لِيَحْرُسَ بَيْتًا، أَوْ خَيْلًا، أَوْ غَنَمًا

стр. 1699

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فَيَنَامُ فَيُسْرَقُ مَا فِي الْبَيْتِ، أَوْ يُذْهَبُ بِالْخَيْلِ، أَوْ الْغَنَمِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَهُ أَجْرُهُ كَامِلًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَضْمَنُ الْأَجِيرُ إلَّا مَا ضَيَّعَ أَوْ فَرَّطَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَضْمَنُ جَمِيعَ الْحُرَّاسِ إلَّا بِالتَّعَدِّي كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ طَعَامٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْعَمَلِ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ كَالْمُودَعِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ الرَّاعِيَ الْخَاصَّ لَا يَضْمَنُ وَالْمُشْتَرَكُ يَضْمَنُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَمَنْ أَخَذَ بِهِ فَهُوَ حَسَنٌ فَحَمَلَ هَذَا عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ مَعْنَى الْمُشْتَرَكِ هَاهُنَا أَنْ يَأْخُذَ مَا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْأَجِيرُ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ فَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ ضَاعَ الْمَبِيعُ، أَوْ ضَاعَ ثَمَنُهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ مُسْتَحْفِظٌ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْعَمَلِ فَلَمْ يَضْمَنْ مَا ضَاعَ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ كَالْمُودَعِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا ضَمِنَ بِالتَّضْيِيعِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ التَّضْيِيعِ أَنْ يَتْرُكَ مَا وُكِّلَ بِهِ وَيَذْهَبُ إلَى غَيْرِهِ فَلَيْسَ النَّوْمُ وَالْغَفْلَةُ مِنْ التَّضْيِيعِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْهُ وَلَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَأَمَّا مَنْ تَرَكَ حِفْظَ مَا وُكِّلَ بِحِفْظِهِ وَالِاسْتِعْمَالِ لِغَيْرِهِ فَمَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَلَا يُمْكِنُ الْحِفْظُ مَعَهُ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا الْحَارِسُ الَّذِي لَا تَعَلُّقَ لِحِرَاسَتِهِ بِعَمَلِهِ فَلَهُ الْأَجْرُ كَامِلًا، وَإِنْ ضَاعَ مَا اُسْتُحْفِظَ، وَأَمَّا حَامِلُ الْمَتَاعِ أَوْ الطَّعَامِ يَهْلَكُ فِي الطَّرِيقِ بِفِعْلِهِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، وَكَذَلِكَ مَا يَعْطَبُ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَبَبِ السَّفِينَةِ يَهْلَكُ، وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ لِلْبَيْعِ، أَوْ الشِّرَاءِ يُتْلِفُ السِّلْعَةَ، أَوْ يُتْلِفُ ثَمَنَهَا أَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لَهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْجُعْلِ فَلَا جُعْلَ لَهُ بِتَمَامِ الْعَمَلِ وَهُوَ أَنْ يُوَصِّلَ إلَيْهِ مَا ابْتَاعَ لَهُ، أَوْ ثَمَنَ مَا بَاعَ لَهُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ بَعَثَ مَعَهُ بِخَادِمٍ يَبْلُغُهَا بِجُعْلٍ فَنَامَ فِي الطَّرِيقِ فَذَهَبَتْ أَنَّ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ مَا بَلَغَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ أَنَّهَا إجَارَةٌ لَيْسَتْ بِجُعْلٍ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إنْ مَاتَتْ الْجَارِيَةُ فِي الطَّرِيقِ فَلَهُ الْأُجْرَةُ كَامِلَةً وَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ لَهُ بَقِيَّةَ سَفَرِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا عَلَى وَجْهِ الْجُعْلِ فَلَا أَجْرَ لَهُ إلَّا بِتَمَامِهِ وَمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ فَهَاهُنَا اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فَمَرَّةً فَسَخَ الْإِجَارَةَ بِفَوَاتِ الْعَيْنِ وَجَعَلَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ وَمَرَّةً أَبْقَاهَا وَجَعَلَ لَهُ الْأَجْرَ كَامِلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِيُخْبِرَ بِعَمَلِهِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ عَمَلٌ، أَوْ لَا يَكُونُ لَهُ عَمَلٌ فَأَمَّا الَّذِي لَهُ مَعَ عَمَلِهِ عَمَلٌ فَكَالْوَكِيلِ يُخْطِئُ الطَّرِيقَ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالْكِرَاءُ لَهُ، وَأَمَّا الْجَاهِلُ بِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا شَيْءَ لَهُمَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا بَلَغَهُمْ الْبَصِيرُ بِالدَّلَالَةِ، وَقَدْ أَخْطَأَ فَلَهُ الْأَجْرُ كَامِلًا، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا بَلَغَهُمْ إلَى أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْهُ لِمَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ خَطَئِهِ، وَإِنْ غَرَّهُمْ وَهُوَ جَاهِلٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَعَلَيْهِ الْأَدَبُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ قَالَ لِخَيَّاطٍ إنْ كَسَانِي هَذَا الثَّوْبُ اشْتَرَيْتُهُ فَقَالَ يَكْسُوكِ فَلَمْ يَكْسُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ الشِّرَاءُ لَهُ لَازِمٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْخَيَّاطِ وَلَهُ الْأَجْرُ كَامِلًا إنْ كَانَ بَصِيرًا وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي تَخْمِينِهِ إذَا غَرَّ بِجَهْلِهِ فَقَالَ يَضْمَنُ، وَقَالَ لَا يَضْمَنُ وَلَا أَجْرَ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ الْمَدَنِيُّ فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَنْقُدُ مَالًا فَوَجَدَ فِيهِ رَدِيئًا إنْ كَانَ بَصِيرًا، وَهَذَا الرَّدِيءُ مِمَّا يُخْتَلَفُ فِيهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ لِبَيَانِ فَسَادِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ قَصَّرَ فِيمَا كَانَ يُدْرِكُهُ لَوْ اجْتَهَدَ فَلَوْ كَانَ جَاهِلًا غُرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ الرَّدِيءُ بَيِّنًا لَا يَخْتَلِفُ فِي مِثْلِهِ ضَمِنَ وَعُوقِبَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُخْتَلَفُ فِي مِثْلِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُجْرَتُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لَا غُرْمَ عَلَى اللَّابِسِ وَيَغْرَمُ الْغَسَّالُ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَذَلِكَ إذَا لَبِسَهُ أَيَّامًا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبْلَاهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِي النَّوَادِرِ، وَإِنْ دَفَعَ الصَّبَّاغُ ثَوْبَ هَذَا إلَى هَذَا وَثَوْبَ هَذَا إلَى هَذَا فَإِنْ لَبِسَاهُمَا

стр. 1700

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] حَتَّى خَلِقَا ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ قِيمَةَ الثَّوْبِ الَّذِي لَبِسَ، وَإِنْ لَمْ يَخْلُقَا غَرِمَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ الثَّوْبُ الَّذِي لَبِسَ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْغَسَّالِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ صَاحِبُ الثَّوْبِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُغَرِّمَ اللَّابِسَ، أَوْ الْغَسَّالَ فَإِنْ أَغْرَمَ اللَّابِسَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَسَّالِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ أَغْرَمَ الْغَسَّالَ رَجَعَ عَلَى اللَّابِسِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا احْتَجَّ بِهِ عَلَى الْغَسَّالِ مِنْ أَنَّ اللَّابِسَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ إنْ تَلِفَ سَلَّطَهُ عَلَى لُبْسِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا صَبَغَهُ لِيَلْبَسَهُ فَإِذَا رَدَّهُ إلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ ثَوْبُهُ فَقَدْ سَلَّطَهُ عَلَى لُبْسِهِ وَالثَّوْبُ يَتَغَيَّرُ بِالْعَمَلِ فَلَمْ يُمَيِّزْهُ صَاحِبُهُ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ وَلَوْ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ لَلَحِقَ النَّاسَ الْمَشَقَّةُ وَالِامْتِنَاعُ مِنْ لُبْسِ ثِيَابِهِمْ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ أَكْثَرُ مَا فِي حَالِ اللَّابِسِ أَنَّهُ مُخْطِئٌ بِإِتْلَافِ مَالِ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَالْإِتْلَافُ إنَّمَا وُجِدَ مِنْ اللَّابِسِ فَوَجَبَ أَنْ يَبْدَأَ بِالضَّمَانِ فَلَوْ تَعَذَّرَ وُجُودُهُ، أَوْ أَفْلَسَ لَكَانَ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْغَسَّالِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ إتْلَافِ ثَوْبِهِ بِدَفْعِهِ إلَى مَنْ أَتْلَفَهُ وَتَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ جِهَتِهِ. (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا لَا يَضْمَنُ اللَّابِسُ مَا أَتْلَفَ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ الْمَلْبُوسِ دِينَارَيْنِ وَقِيمَةُ الْآخَرِ دِينَارًا نَظَرَ كَمْ يَنْقُصُ ثَوْبُهُ عَنْ الثَّانِي إنْ لَوْ لَبِسَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَإِنْ كَانَ يَنْقُصُ نِصْفَ دِينَارٍ، وَقَدْ نَقَصَ مِنْ الْمَلْبُوسِ دِينَارٌ كَانَ عَلَى اللَّابِسِ الَّذِي لَمْ يَلْبَسْ ثَوْبَهُ نِصْفُ دِينَارٍ وَنِصْفٌ آخَرُ عَلَى الْغَسَّالِ، وَإِنْ كَانَ الْمَلْبُوسُ نَقَصَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ دِينَارٍ فَلَيْسَ عَلَى اللَّابِسِ إلَّا ذَلِكَ الْأَقَلَّ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْغَسَّالِ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمَلْبُوسِ دِينَارًا وَقِيمَةُ الَّذِي لَمْ يَلْبَسْ دِينَارَيْنِ وَكَانَ ثَوْبُ اللَّابِسِ لَوْ لَبِسَهُ ذَلِكَ نَقَصَ نِصْفَ دِينَارٍ، وَقَدْ نَقَصَ الْمَلْبُوسُ رُبْعُ دِينَارٍ غَرِمَ اللَّابِسُ رُبْعَ دِينَارٍ إلَى مَا فَوْقَ ذَلِكَ مِنْ الْقِيمَةِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ نِصْفَ دِينَارٍ فَلَا يَغْرَمُ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَلَوْ لَبِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ يَرْجِعُ مَنْ لَهُ فَضْلٌ عَلَى الْغَسَّالِ وَحَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فَرَجَعَ هَذَا التَّفْسِيرُ إلَى أَنَّ اللَّابِسَ إنَّمَا عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا كَانَ عَلَيْهِ بِتَلَفِ لِبَاسِهِ مِنْ ثَوْبِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَبِسَ هَذَا الثَّوْبَ فَيُقَالُ لَهُ هَبْكَ أَنَّك لَبِسْت ثَوْبَك عَلَيْك عِوَضَ مَا كَانَ يَنْقُصُهُ لُبْسُك؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ يُسَلَّمُ إلَيْك لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ مِنْ ثَوْبِك فَعَلَيْك ذَلِكَ الْمِقْدَارُ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَى الْغَسَّالِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَتْلَفَهُ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا أَتْلَفَ مِنْ مَالِ صَاحِبِ الثَّوْبِ الَّذِي لَبِسَ، وَأَمَّا قَدْرُ مَا كَانَ يُتْلِفُهُ مِنْ ثَوْبِهِ لَوْ لَبِسَهُ فَلَيْسَ بِمَعْنَى الْغُرْمِ الَّذِي وَقَعَ التَّنَازُعُ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ لِمَا بَقِيَ مِنْ ثَوْبِهِ لَمْ يَذْهَبْ بِلُبْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَمَعْنَاهُ عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّهُ فِي الْيَسِيرِ دُونَ الْكَثِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا لَبِسَهُ مَنْ دَفَعَ إلَيْهِ فَأَمَّا لَوْ قَطَعَهُ فَإِنَّ لِي أَنْ آخُذَ ثَوْبِي وَأُضَمِّنَهُ الْقَصَّارَ دُونَ الَّذِي قَطَعَهُ، أَوْ نَقَصَهُ الْقَطْعُ أَوْ الْخِيَاطَةُ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ آخُذَ ثَوْبِي وَمَا نَقَصَهُ الْقَطْعُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا نَقَصَتْهُ الْخِيَاطَةُ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ لِلْخِيَاطَةِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَضَمِنَ الْقَصَّارُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ الثَّوْبَ مِمَّنْ قَطَعَهُ يُجْبَرُ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَلِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ مَا نَقَصَتْهُ الْخِيَاطَةُ وَالْغَاصِبُ يَرُدُّ مَا قَطَعَ وَمَا يَنْقُصُ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وَمَنْ وَجَدَ بِثَوْبٍ عَيْبًا بَعْدَ أَنْ قَطَعَهُ رَدَّهُ وَمَا نَقَصَهُ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى رَدِّهِ بَلْ لَهُ إمْسَاكُهُ وَأَخْذُ مَا نَقَصَهُ الْعَيْبُ. (فَرْعٌ) وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخَذَهُ قَدْ قَطَعَهُ وَخَاطَهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ أَنْ يُضَمِّنَ الْقَصَّارَ ثَوْبَهُ غَيْرَ مَقْصُورٍ أَوْ يَأْخُذَهُ وَيَغْرَمُ خِيَاطَتَهُ وَيُعْطِي الْقَصَّارَ أَجْرَهُ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِأَجْرِ الْخِيَاطَةِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ أَبَى صَاحِبُ الثَّوْبِ أَنْ يَدْفَعَ أُجْرَةَ الْخِيَاطَةِ فَلِلَّذِي خَاطَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهُ صَحِيحًا، أَوْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ مَخِيطًا فَإِنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ، أَوْ يُضَمِّنَ الْقَصَّارَ قِيمَتَهُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ إذَا أَبَى صَاحِبُ الثَّوْبِ مِنْ دَفْعِ أُجْرَةِ الْخِيَاطَةِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يُضَمِّنَ الْقَصَّارَ فَإِنْ ضَمِنَهُ قِيلَ

стр. 1701

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] لِلْقَصَّارِ ادْفَعْ أُجْرَةَ الْخِيَاطَةِ لِلَّذِي خَاطَهُ وَخُذْهُ فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلْآخَرِ ادْفَعْ إلَيْهِ قِيمَةَ الثَّوْبِ فَإِنْ أَبَى كَانَا شَرِيكَيْنِ هَذَا بِقِيمَةِ الثَّوْبِ، وَهَذَا بِقِيمَةِ الْخِيَاطَةِ. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ فَإِنْ لَبِسَهُ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَيْسَ ثَوْبَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ يُرِيدُ أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا نَقَصَهُ لُبْسُهُ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ قَالَهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْغَسَّالِ إلَّا أَنْ يُعْدِمَ اللَّابِسُ فَيَغْرَمُ الْغَسَّالُ وَيَتْبَعُهُ بِهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَوْ لَبِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الثَّوْبَ الَّذِي دُفِعَ إلَيْهِ عَالَمِينَ وَاخْتَلَفَتْ قِيمَةُ اللُّبْسِ وَرَجَعَ مَنْ لَهُ فَضْلٌ عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنْ اسْتَوَتْ لَمْ يَرْجِعْ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ فِيهِ عَمَلًا فَفِي الْعُتْبِيَّةِ لِعِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ كُلَّ مَا يُعْرَفُ صِفَةُ خُرُوجِهِ بَعْدَ الْعَمَلِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَيَشْتَرِطَ عَلَى الْبَائِعِ عَمَلَهُ كَالنَّعْلِ عَلَى أَنْ يَخْرِزَ وَالْقَمِيصِ عَلَى أَنْ يُخَاطَ وَالْقَلَنْسُوَةِ عَلَى أَنْ تُعْمَلَ وَالْقَمْحِ عَلَى أَنْ يُطْحَنَ، وَقَدْ فَرَضَ مَالِكٌ الْقَمْحَ فِي بَعْضِ قَوْلِهِ وَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَجَازَ النُّحَاسَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَهُ تَوْرًا وَقِيلَ لِسَحْنُونٍ قَدْ أَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ شِرَاءِ الثَّوْبِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَهُ قَمِيصًا وَالظِّهَارَةَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَهَا جُبَّةً وَالْحَدِيدَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَهُ قِدْرًا، أَوْ عُودًا يَنْحِتُهُ سَرْجًا وَهُوَ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ، وَقَدْ جَرَى فِي مَسَائِلِ مَالِكٍ فِي الْغَزْلِ عَلَى أَنْ يَنْسِجَهُ وَالزَّيْتُونِ عَلَى أَنْ يَعْصِرَهُ أَنَّهُ كَرِهَهُ، قَالَ إنَّمَا خَفَّفَهُ مَالِكٌ فِي الطَّحِينِ وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ وَقَدْ عَمَّرَهُ أَيْضًا مَالِكٌ فِي الْغَزْلِ عَلَى أَنْ يَنْسِجَهُ وَالزَّيْتُونِ عَلَى عَصْرِهِ إلَّا مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ خَفَّفَهُ وَكُلُّ بَيْعٍ مَعَ إجَارَةٍ فِي الشَّيْءِ الْمَبِيعِ فَإِنَّهُ مَنَعَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِهِ فَإِجَارَة وَكُلُّ بَيْعٍ وَشَرِكَةٍ دَاخِلَةٍ فِي الْمَبِيعِ فَأَجِزْهَا، وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْهُ فَلَا تُجِزْهَا فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا يُجْهَلُ صِفَةُ الْخَارِجِ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا وَفِيمَا تُعْرَفُ صِفَةُ الْخَارِجِ مِنْهُ الْقَوْلَانِ الْمَنْعُ وَالْإِجَازَةُ الْمَعْرُوفَةُ، وَجْهُ الْإِجَازَةِ بِصِفَتِهِ كَمَا لَوْ كَانَ الْعَمَلُ فِي غَيْرِهِ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ مَبِيعٌ مُعَيَّنٌ لَا يَقْبِضُ إلَى مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ يَخَافُ ضَيَاعَهُ فِيهَا فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِيهِ. (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَتَلِفَ الثَّوْبُ بِيَدِ الْخَيَّاطِ، فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ لَا يَضْمَنُ الْخَيَّاطُ وَيُحَطُّ عَنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ خِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَطَحْنِ الْقَمْحِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ مِمَّنْ يَعْمَلُ تِلْكَ الصَّنْعَةَ فَيَضْمَنُ كَالصُّنَّاعِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ هُوَ الصَّانِعُ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ إلَى ضَمَانِ الصَّانِعِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ الصَّانِعُ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى صَانِعٍ غَيْرِهِ وَكَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا أَنَّ مَنْ يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ وَالْتَزَمَ إتْمَامَ الصِّنَاعَاتِ فِيمَا دُونَ أَنْ يَتَوَلَّى عَمَلَهَا، وَإِنَّمَا يَدْفَعُهَا إلَى الصُّنَّاعِ، وَقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعَمَلِ وَلَا مَعْرُوفًا بِتَنَاوُلِهِ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَهَذَا الَّذِي بَاعَ الثَّوْبَ عَلَى أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى الْخَيَّاطِ قَدْ الْتَزَمَ خِيَاطَتَهُ بِأُجْرَةٍ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ قَالَ لِلْخَيَّاطِ إذَا خِطْتَهُ فَادْفَعْهُ إلَى غَسَّالٍ فَزَعَمَ أَنَّهُ ضَاعَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ خِيَاطَتَهُ، أَوْ بَعْدَ تَمَامِهَا قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى الْغَسَّالِ فَهُوَ ضَامِنٌ وَإِذَا قَالَ ضَاعَ عِنْدَ الْغَسَّالِ صُدِّقَ كَمَا يُصَدَّقُ فِي قَوْلِهِ رَدَدْته عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ قَالَ وَيُضَمِّنُهُ الْغَسَّالُ إنْ أَقَرَّ بِقَبْضِهِ. وَيَجِيءُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنْ لَا يُصَدَّقَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ عِنْدَهُ فِي قَوْلِهِ رَدَدْته إلَيْك كَانَ يَجِبُ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنْ لَا يُصَدَّقَ فِي قَوْلِهِ دَفَعْته إلَى الْغَسَّالِ إذَا أَنْكَرَ الْغَسَّالُ، وَقَدْ صَدَقَ فِي قَوْلِهِ إذَا قَالَ رَدَدْته إلَيْك كَالْوَكِيلِ يُصَدَّقُ فِي قَوْلِهِ رَدَدْته إلَيْك وَلَا يُصَدَّقُ فِي قَوْلِهِ دَفَعْته إلَى الصَّانِعِ إذَا أَكْذَبَهُ الصَّانِعُ وَعَلَى أَنَّ مَسْأَلَةَ ابْنِ حَبِيبٍ هَذِهِ إنْ كَانَ الْتَزَمَ الْخَيَّاطُ الْغَسْلَ فِي ذِمَّتِهِ بِأُجْرَةٍ أَخَذَهَا مَعَ أُجْرَةِ خِيَاطَتِهِ فَهِيَ تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ سَحْنُونٍ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا نَابَ فِي تَسْلِيمِهِ إلَى الْغَسَّالِ عَنْ الْمُشْتَرِي إمَّا بِأَنْ وَكَّلَهُ عَلَى اسْتِئْجَارِ الْغَسَّالِ عَلَى ذَلِكَ وَإِمَّا بِأَنْ اسْتَأْجَرَ هُوَ الْغَسَّالَ وَأَذِنَ لِلْخَيَّاطِ فِي تَسْلِيمِهِ إلَيْهِ فَحُكْمُهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ حُكْمُ الْوَكِيلِ وَحُكْمُهُ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ حُكْمُ مَنْ يَدْفَعُ إلَى

стр. 1702

(ص) : (الْقَضَاءُ فِي الْحَمَالَةِ وَالْحَوْلِ) (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يُحِيلُ الرَّجُلَ عَلَى الرَّجُلِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ أَفْلَسَ الَّذِي اُحْتِيلَ عَلَيْهِ، أَوْ مَاتَ فَلَمْ يَدَّعِ وَفَاءً فَلَيْسَ لِلْمُحْتَالِ عَلَى الَّذِي أَحَالَهُ شَيْءٌ وَأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ الْأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ، وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا الرَّجُلُ يَتَحَمَّلُ لَهُ الرَّجُلُ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ ثُمَّ يَهْلَكُ الْمُتَحَمِّلُ، أَوْ يُفَلِّسُ فَإِنَّ الَّذِي تَحَمَّلَ لَهُ يَرْجِعُ عَلَى غَرِيمِهِ الْأَوَّلِ) ــ [المنتقى] الْوَكِيلِ وَكَانَ الْأَظْهَرُ مِنْ مَسْأَلَةِ سَحْنُونٍ أَنْ يَضْمَنَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَخَذَ ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ عَمَلًا لَزِمَهُ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ فِي عَمَلِهِ بِيَدِهِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الصُّنَّاعِ وَهُمْ يَتَسَاوُونَ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [الْقَضَاءُ فِي الْحَمَالَةِ وَالْحَوْلِ وَفِيهِ أَبْوَاب] (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ عَقْدَ الْحَوَالَةِ عَقْدٌ لَازِمٌ يَقْتَضِي إبْرَاءَ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ مِنْ دَيْنِ الْمُحَالِ فَمَا طَرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مِنْ تَلَفٍ بِمَوْتِهِ، أَوْ تَشَغَّبَ بِفَلْسِهِ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُحَالِ بِذَلِكَ عَلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ طَرَأَ عَلَى مَا قَدْ صَارَ إلَيْهِ حَالَ سَلَامَتِهِ وَرَضِيَ بِهِ فَلَا انْتِقَالَ لَهُ عَنْهُ بِمَا يَحْدُثُ فِيهِ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَلَوْ كَانَ الْعَدَمُ مَوْجُودًا قَبْلَ الْحَوَالَةِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُحِيلُ فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ بِهِ وَكَتَمَهُ وَغُرَّ مِنْهُ فَالرُّجُوعُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ: إنَّ مَنْ تَحَمَّلَ لِرَجُلٍ بِمَالٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ حَقُّهُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُتَحَمَّلِ عَنْهُ إلَى ذِمَّةِ الْمُتَحَمِّلِ وَإِنَّمَا الْحَمِيلُ وَثِيقَةٌ مِنْ حَقِّهِ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ فَإِنْ أَفْلَسَ الْمُحِيلُ، أَوْ مَاتَ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ بَلْ هُوَ ثَابِتٌ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ عَلَى غَرِيمِهِ، وَإِنَّمَا الْحَمَالَةُ مَعْنَاهَا أَنْ يَلْزَمَ الْمُتَحَمِّلَ إحْضَارُ مَا تَحَمَّلَ بِهِ وَهِيَ الْكَفَالَةُ وَالزَّعَامَةُ وَالضَّمَانُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا قَالَ أَنَا لَك ضَامِنٌ، أَوْ كَفِيلٌ، أَوْ حَمِيلٌ، أَوْ زَعِيمٌ، أَوْ هُوَ لَك عِنْدِي، أَوْ عَلَيَّ، أَوْ قِبَلِي فَهُوَ كُلُّهُ ضَمَانٌ لَازِمٌ فِي الْحَقِّ وَالْوَجْهِ قَالَ وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وَهَذَا إنْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى ثُبُوتِ هَذَا الِاسْمِ لَهَا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ فَبَيَّنَ، وَأَمَّا إنْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْحَمَالَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ حَمَالَةٌ بِالْوَجْهِ وَحَمَالَةٌ بِالْمَالِ فَأَمَّا الْحَمَالَةُ بِالْوَجْهِ فَهِيَ جَائِزَةٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي مَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ حَمِيلٌ بِوَجْهِ الْغَرِيمِ لِيُطَالِبَ بِالْمَالِ فَنَقُولُ أَنَّهُ وَثِيقَةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْمُطَالَبَةِ بِالْمَالِ فَصَحَّ تَعَلُّقُهَا بِالْوَجْهِ كَالشَّهَادَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْحَمَالَةُ بِالْوَجْهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْحَمَالَةُ بِالْوَجْهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَإِنْ جَاءَ الْكَفِيلُ بِالْمُتَكَفَّلِ بِهِ بَرِئَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ وَفَّاهُ مَا تَحَمَّلَ لَهُ مِنْ إحْضَارِ وَجْهِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ لِمَجِيئِهِ بِهِ وَقْتًا فَمَتَى جَاءَ بِهِ بَرِئَ، وَإِنْ ضَرَبَ لِمَجِيئِهِ بِهِ أَجَلًا فَجَاءَهُ بِهِ عِنْدَ الْأَجَلِ بَرِئَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهِ عَلَى مَا شَرَطَ فَوَجَبَ أَنْ يَبْرَأَ، وَلَوْ تَحَمَّلَ بِوَجْهِهِ عَلَى أَنْ يُحْضِرَهُ بَعْدَ شَهْرٍ فَأَحْضَرَهُ مِنْ الْغَدِ فَإِنَّهُ لَا يَبْرَأُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ عِنْدَ الْأَجَلِ رَوَاهُ أَبُو زَيْدٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ شَرْطَ إحْضَارِهِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ فَلَا يَبْرَأُ بِحُضُورِهِ قَبْلَهُ أَصْلُ ذَلِكَ حُضُورُهُ يَوْمَ الْحَمَالَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْإِحْضَارِ أَنْ يُحْضِرَهُ الْحَمِيلُ، أَوْ وَكِيلُهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ أَحْضَرَهُ أَجْنَبِيٌّ وَسَلَّمَهُ إلَى الطَّالِبِ لَمْ يَبْرَأْ بِذَلِكَ الْحَمِيلُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَتَى الْغَرِيمُ الطَّالِبَ وَأَشْهَدَ أَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ نَفْسَهُ إلَيْهِ عَنْ الْحَمِيلِ لَمْ يَبْرَأْ الْحَمِيلُ بِذَلِكَ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ زَادَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْحَمِيلُ بِذَلِكَ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَدَفْعِ الْحَمِيلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَكَّلَهُ عَلَى النِّيَابَةِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ فَإِذَا أَشْهَدَ بِذَلِكَ لَزِمَ الطَّالِبَ وَإِنْ أَبَاهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ -

стр. 1703

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَهَذَا عِنْدِي إذَا لَمْ يُرِدْ الطَّالِبُ قَبُولَهُ إلَّا بِتَسْلِيمِ الْحَمِيلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَ فَلِلطَّالِبِ أَنْ لَا يَقْبَلَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ فَيَبْرَأَ الْحَمِيلُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَدَفَعَهُ عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ فَإِنَّ لِلطَّالِبِ أَنْ لَا يَقْبَلَهُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ إلَّا بِتَوْكِيلِ الْغَرِيمِ وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ فَيَبْرَأَ بِذَلِكَ الْغَرِيمُ. (فَرْعٌ) وَهَذَا عَلَى إطْلَاقِ الْحَمَالَةِ، وَلَوْ شَرْط الْحَمِيلُ عَلَى الطَّالِبِ إذَا لَقِيت غَرِيمَك فَتِلْكَ بَرَاءَتِي فَقَدْ رَوَى حُصَيْنُ بْنُ عَاصِمٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ إنْ لَقِيَهُ بِمَوْضِعٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَقَدْ بَرِئَ وَلَهُ شَرْطُهُ، وَلَوْ لَقِيَهُ بِمَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَمْ يَبْرَأْ الْحَمِيلُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْإِحْضَارِ أَنْ يُحْضِرَهُ وَيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ حَيْثُ تُنَفَّذُ الْأَحْكَامُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ بَلَدِهِ، وَأَمَّا إنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ حَبْسَهُ، أَوْ لَا سُلْطَانَ فِيهِ وَلَا حَاكِمَ، أَوْ حَالَ فِتْنَةٍ أَوْ مَفَازَةٍ، أَوْ مَوْضِعٍ يَقْدِرُ الْغَرِيمُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِذَلِكَ قَالَهُ كُلُّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَلَوْ أَسْلَمَهُ إلَيْهِ وَهُوَ مَحْبُوسٌ فِي دَمٍ، أَوْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ بَرِئَ وَيَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ قَدْ بَرِئْت إلَيْك مِنْهُ وَهُوَ فِي السِّجْنِ فَشَأْنَك بِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا تَكُونُ الْبَرَاءَةُ بِتَسْلِيمٍ مُتَمَكَّنٍ بِهِ مِنْ طَلَبِ حَقِّهِ، وَأَمَّا بِتَسْلِيمٍ لَا يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ طَلَبِ حَقِّهِ وَاسْتِيفَائِهِ مِنْهُ فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي شَرَطَ عَلَيْهِ وَلَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْغَرَضِ مِنْ الْحَمَالَةِ فَلَا يَبْرَأُ بِهِ الْحَمِيلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ مَاتَ الْغَرِيمُ لَسَقَطَتْ الْحَمَالَةُ عَنْ الْحَمِيلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَحَمَّلَ لِلطَّالِبِ بِإِحْضَارِ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً وَنَفْسُهُ قَدْ ذَهَبَتْ لِمَوْتِهِ وَعُدِمَ بِذَلِكَ شَرْطُ التَّمَكُّنِ مِنْ إحْضَارِهَا. (فَرْعٌ) وَهَذَا إنْ مَاتَ بِبَلَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَلْزَمَ الْحَمِيلَ إحْضَارُهُ، أَوْ بَعْدَهُ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ: لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ حَانَ الْأَجَلُ فَلَمْ يُطْلَبْ بِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ بِغَيْرِ الْبَلَدِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ لَا أُبَالِي مَاتَ غَائِبًا، أَوْ فِي الْبَلَدِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ لَا يَغْرَمُ الْحَمِيلُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ يَغْرَمُ فِي مَوْتِ الْغَائِبِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا قَرُبَتْ الْغَيْبَةُ، أَوْ بَعُدَتْ فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا فَمَاتَ قَبْلَهُ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ لَوْ خَرَجَ إلَيْهِ لَجَاءَ بِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَجِيءَ بِهِ إلَّا بَعْدَ الْأَجَلِ فَهُوَ ضَامِنٌ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُ الْمَالِ بِمَغِيبِ الْغَرِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ لَهُ يَتَسَبَّبُ بِهِ إلَى اسْتِيفَاءِ مَالِهِ فَلَمَّا لَمْ يَفِ بِذَلِكَ لَزِمَهُ الْمَقْصُودُ الَّذِي اُتُّفِقَ عَلَيْهِ بِمَا تَعَذَّرَ مِنْ إحْضَارِهِ وَهُوَ الْمَالُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا حَانَ الْأَجَلُ فَطَلَبَ الْحَمِيلُ بِالْغُرْمِ، وَقَدْ غَابَ فَسَأَلَ أَنْ يُؤَجِّلَ الثَّانِيَ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْيَوْمَ وَنَحْوَهُ مِمَّا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ عَلَى الطَّالِبِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلْيَغْرَمْ مَكَانَهُ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا غَابَ الْغَرِيمُ قُضِيَ عَلَى الْحَمِيلِ بِالْغُرْمِ وَلَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ لِيَطْلُبَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ ابْنُ وَهْبٍ مَنْعَ التَّأْجِيلِ الْبَعِيدِ الْغَيْبَةِ وَلَا يُمْنَعُ التَّأْجِيلُ الْخَفِيفُ الْقَرِيبُ الْغَيْبَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ إنْ ضُرِبَ لَهُ أَجَلٌ قَرِيبٌ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ فِي الظَّاهِرِ، وَإِنْ ضُرِبَ لَهُ أَجَلٌ بَعِيدٌ دَخَلَتْ مَضَرَّةٌ عَلَى الطَّالِبِ وَفِي الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ يُضْرَبُ لَهُ الْأَجَلُ الْقَرِيبُ رَجَاءَ أَنْ يُحْضِرَهُ فِي مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ لَا مَضَرَّةَ فِيهَا عَلَى الطَّالِبِ فَيَبْرَأُ الْحَمِيلُ وَلَا يُسْتَضَرُّ الطَّالِبُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ كَانَ لِلْغَرِيمِ مَالٌ حَاضِرٌ فَسَأَلَ الْحَمِيلُ أَنْ يُبَاعَ لَهُ فَفِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَهُوَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ إنْ كَانَ عَلَى مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ بِيعَ مَالُهُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عَلَى يَوْمَيْنِ فَلَا وَلْيُكَاتِبْ حَتَّى يَبْعَثَ، أَوْ يَيْأَسَ مِنْهُ فَيُبَاعُ عَلَيْهِ وَلَا يُؤَخَّرُ حَمِيلُ الْمَالِ وَهُوَ كَالْغَرِيمِ نَفْسِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُبَاعُ لَهُ الرِّبَاعُ وَغَيْرُهَا، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ اخْتَلَفَ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ فِي الرِّبَاعِ. وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي عَشْرَتِهِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ فِيهَا، وَأَمَّا بَيْعُهَا فِي الدَّيْنِ فَقَوْلُهُ أَنَّهَا تُبَاعُ فِي الدَّيْنِ وَوَفَائِهِ، مُخَالَفَةُ الْعُتْبِيَّةِ لِرِوَايَةِ يَحْيَى فِي عَشْرَتِهِ وَمُتَضَمَّنُهُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي بَيْعِهَا فِي الدَّيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ غَابَ الْغَرِيمُ فَتَلَوَّمَ عَلَى الْحَمِيلِ ثُمَّ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْغُرْمِ

стр. 1704

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] ثُمَّ حَضَرَ الْغَرِيمُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَدْ مَضَى عَلَيْهِ الْحُكْمُ وَلَزِمَهُ الْمَالُ، وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بَعْدَ الْغُرْمِ إنَّ الْغَرِيمَ كَانَ مَيِّتًا قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ لَارْتَجَعَ مَالَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ بِمَوْتِ الْغَرِيمِ يَبْرَأُ مِنْ الْحَمَالَةِ فَإِذَا ظَهَرَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا يَوْمَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حُكِمَ عَلَيْهِ بِمَا لَا يَلْزَمُهُ فَلِذَلِكَ وَجَبَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ فِي الْحَمِيلِ بِالْمَالِ أَنَّ الطَّالِبَ إذَا حَكَمَ لَهُ عَلَى الْحَمِيلِ بِحَقِّهِ وَبِمَا عَجَزَ عَنْهُ الْغَرِيمُ ثُمَّ أَيْسَرَ الْغَرِيمُ رَجَعَ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ حَمَالَةِ الْوَجْهِ وَهِيَ الْحَمَالَةُ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ إنَّ شَرْطَ حَمَالَةِ الْوَجْهِ لَيْسَتْ مِنْ الْمَالِ فِي شَيْءٍ، قَالَ مُحَمَّدٌ، أَوْ يَقُولُ لَا أَضْمَنُ لَك إلَّا الْوَجْهَ فَهَذَا لَا يَضْمَنُ إلَّا الْوَجْهَ غَابَ الْغَرِيمُ، أَوْ حَضَرَ، أَوْ مَاتَ، أَوْ أَفْلَسَ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا إحْضَارُهُ وَفَائِدَةُ هَذِهِ الْحَمَالَةِ يَضْمَنُ الْإِحْضَارَ خَاصَّةً وَأَنْ يَكْفِيَهُ مُؤْنَةَ طَلَبِهِ وَيُؤْمِنَّهُ مِنْ مَغِيبِهِ فَإِذَا قَيَّدَ الْحَمَالَةَ بِأَنَّهُ لَا تَتَعَلَّقُ حَمَالَتُهُ بِالْمَالِ لَمْ يَلْزَمُهُ غَيْرُ مَا الْتَزَمَ مِنْ الْإِحْضَارِ وَجَازَتْ هَذِهِ الْحَمَالَةُ لِتَعَلُّقِهَا فِي الْجُمْلَةِ بِالْمَالِ الْمُتَعَلِّقِ بِالذِّمَّةِ وَلَوْلَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا طَلَبُ الذِّمَّةِ لَمَا جَازَتْ هَذِهِ الْحَمَالَةُ؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا يَصِحُّ تَعَلُّقُ الضَّمَانِ بِهَا كَمَنْ ضَمِنَ لِرَجُلٍ دَابَّةً مُعَيَّنَةً يُحْضِرُهَا، أَوْ عَبْدًا يُحْضِرُهُ لَهُ، أَوْ ضَمِنَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ، أَوْ تَعْزِيرٌ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالذِّمَّةِ وَلَا مَالِ إنْ طَلَبَهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أَحْضَرَ الْحَمِيلُ بِالْوَجْهِ عَلَى شَرْطِ الْغُرْمِ بَرِئَ، وَإِنْ جَاءَ الْأَجَلُ فَلَمْ يُحْضِرْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا إحْضَارُهُ لَا يُكَلَّفُ غَيْرُهُ مَالٌ وَلَا غَيْرُهُ، وَرَوَى حُسَيْنُ بْنِ عَاصِمٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ أَجَّلَ فِي طَلَبِهِ آجَالًا كَثِيرَةً فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرَ طَلَبِهِ، وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ فَعَلَى مَا شَرَطَ. (فَرْعٌ) وَإِنْ قَالَ لَهُ الطَّالِبُ هُوَ بِمَوْضِعِ كَذَا فَاخْرُجْ إلَيْهِ فَقَدْ رَوَى حُسَيْنُ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِم إنْ كَانَ مِثْلُهُ يَقْدِرُ عَلَى الْمَسِيرِ إلَيْهِ أُمِرَ بِذَلِكَ، وَإِنْ ضَعُفَ عَنْهُ لَمْ يُكَلِّفْهُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ جَهِلَ مَكَانَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ طَلَبُهُ وَلَا الْغُرْمُ عَنْهُ وَإِنْ عَرَفَ مَكَانَهُ لَزِمَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ فِيمَا قَرُبَ أَوْ بَعُدَ عَلَى مَسِيرَةِ الْأَيَّامِ الَّتِي تَكُونُ مِنْ أَسْفَارِ النَّاسِ فَيَخْرُجُ، أَوْ يُرْسِلُ إلَيْهِ، أَوْ يُغَرَّمُ إلَّا فِي الْبَعِيدِ الْمُتَفَاحِشِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مُرَاعَاةُ حَالِ الْحَمِيلِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْفَارِ أَوْ يَضْعُفُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى مَا يُطِيقُهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مُرَاعَاةُ مَا يَتَكَلَّفُ مِنْ الْأَسْفَارِ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُبَاشَرَةِ الْمَسِيرِ إلَيْهِ اسْتَنَابَ غَيْرَهُ. (فَرْعٌ) وَلَا يَضْمَنُ الْمَالَ إلَّا أَنْ يَلْقَاهُ فَيَتْرُكَهُ، أَوْ يُغَيِّبَهُ فِي بَيْتِهِ فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ ضَمِنَ وَرَوَى حُسَيْنٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ،. وَقَالَ أَشْهَبُ إذَا لَقِيَهُ فَتَرَكَهُ ضَمِنَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَضْمَنُ إحْضَارَهُ دُونَ إحْضَارِ الْمَالِ، وَإِنْ غَابَ عَنْهُ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ إحْضَارُهُ فَهُوَ عَلَى شَرْطِهِ، وَإِنْ تَرَكَ إحْضَارَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ أَتْلَفَ عَلَى الرَّجُلِ مَالَهُ حِينَ تَرَكَهُ الْحَمِيلُ بِمَا يَضْمَنُ مِنْ إحْضَارِهِ ثُمَّ قَصَدَ إلَى تَرْكِهِ، أَوْ يَسْتُرُهُ فِي بَيْتِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْحَمَالَةُ بِالْمَالِ فَمَعْنَاهَا: الْتِزَامُ إيصَالِ الْمَالِ إلَى مَنْ تَحَمَّلَ لَهُ بِهِ وَلَا تَبْرَأُ بِذَلِكَ ذِمَّةُ الْمُتَحَمِّلِ عَنْهُ خِلَافًا لِابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي قَوْلِهِ إنَّ ذَلِكَ يُبَرِّئُ ذِمَّةَ الْمُتَحَمِّلِ عَنْهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ فَلَمْ يَبْرَأْ بِهَا مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ كَالرَّهْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِي الْحَمَالَةِ بِالْمَالِ سِتَّةُ أَبْوَابٍ الْبَابُ الْأَوَّلِ فِيمَا تَصِحّ بِهِ الْحَمَالَةُ وَتَمْيِيزُهَا مِمَّا لَا تَصِحُّ بِهِ الْحَمَالَةُ وَالْبَابُ الثَّانِي فِيمَنْ تَصِحُّ الْحَمَالَةُ مِنْهُ وَتَمْيِيزُهُ مِمَّنْ لَا تَصِحُّ الْحَمَالَةُ مِنْهُ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَنْ تَصِحُّ الْحَمَالَةُ عَنْهُ وَتَمْيِيزُهُ مِمَّنْ لَا تَصِحُّ الْحَمَالَةُ عَنْهُ وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا لِلطَّالِبِ مِنْ مُطَالَبَةِ الْحَمِيلِ وَالْبَابُ الْخَامِسِ فِي رِفْقِ الطَّالِبِ بِالْحَمِيلِ، أَوْ الْغَرِيمِ وَالْبَابُ السَّادِسُ فِي قَضَاءِ الْحَمِيلِ عَنْ الْغَرِيمِ.

стр. 1705

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِيمَا تَصِحُّ الْحَمَالَةُ بِهِ] ِ) الْحَمَالَةُ تَصِحُّ فِي الْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي مَنْعِهَا مِنْ الْمَجْهُولِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ فَصَحَّتْ فِي الْمَجْهُولِ كَالشَّهَادَةِ بِالْوَصِيَّةِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ أَوْصَى وَلَدَهُ أَوْ غَيْرَهُمْ أَنْ يَضْمَنُوا عَنْهُ دَيْنَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ سَمَّى الدَّيْنَ، أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ وَالْغُرَمَاءُ حُضُورٌ، أَوْ غُيَّبٌ فِي الصِّحَّةِ، أَوْ فِي الْمَرَضِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مَا لَا يَدْرِي كَمْ هُوَ وَتَرَكَ مَالًا مِنْ عَيْنٍ وَعَرْضَ لَمْ يُحْصَرْ وَلَا يَدْرِي كَمْ هُوَ فَتَحَمَّلَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ بِدَيْنِهِ إلَى أَجَلٍ عَلَى أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ نُقْصَانٌ فَعَلَيْهِ وَحْدَهُ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ كَانَ الَّذِي تَحَمَّلَ بِهِ نَقْدًا، أَوْ مُؤَجَّلًا؛ لِأَنَّهُ صَانَهُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى أَنَّ لَهُ الْفَضْلَ وَعَلَيْهِ النَّقْصَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ طَرَأَ غَرِيمٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْوَارِثُ لَزِمَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ وَلَا يَنْفَعُهُ قَوْلُهُ لَمْ أَعْلَمْ بِهِ قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ الْتَزَمَ أَدَاءَ دُيُونِهِ عَلَى الْعُمُومِ وَلَمْ يَخُصَّ مَا يَعْلَمُهُ دُونَ مَا لَا يَعْلَمُهُ وَالْتِزَامُ ذَلِكَ عَنْ الْمَيِّتِ، أَوْ الْمُفْلِسِ جَائِزٌ لَازِمٌ وَالْتِزَامُ الْمَجْهُولِ لَازِمٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ قَالَ أَنَا ضَامِنٌ لِمَا قَضَى بِهِ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ وَهُمَا غَائِبَانِ، أَوْ حَاضِرَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ مَنْ أَوْجَبَ الْمَعْرُوفَ عَلَى نَفْسِهِ لَزِمَهُ وَالْكَفَالَةُ مَعْرُوفٌ فَلَزِمَتْ لُزُومَ الدَّيْنِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ بَايِعْ فُلَانًا وَأَنَا ضَامِنٌ لِمَا بِعْته بِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ إذَا ثَبَتَ مَا بَاعَهُ بِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يُشْبِهُ أَنْ يُعَامَلَ بِهِ الْمُتَحَمِّلُ عَنْهُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيُرَاعَى فِيهِ أَيْضًا حَالُ الْمُتَحَمَّلِ لَهُ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أُصُولٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ ضَمَانَ الْمَجْهُولِ جَائِزٌ وَالثَّانِي: أَنَّ ضَمَانَ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ جَائِزٌ كَقَوْلِهِ أَلْقِ مَالَك فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ إطْلَاقَ مِثْلِ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَالَ لِبَائِعِ فَاكِهَةٍ يُرِيدُ مُبَايَعَةَ رَجُلٍ بِالدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ أَنَا ضَامِنٌ لِمَا بَايَعْت بِهِ فُلَانًا فَعَامِلْهُ بِثِيَابٍ فُرْقُبِيَّةٍ بَاعَهَا مِنْهُ، أَوْ يَوَاقِيتَ وَجَوَاهِرَ لَهَا الثَّمَنُ الْكَثِيرُ مِنْ آلَافِ الدَّنَانِيرِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ وَلَا ضَمَانَ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ الْأَثْمَانِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي مِثْلِهِ مِنْ مُبَايَعَةِ مِثْلِهِ فِيمَا يَبْتَاعُهُ عَلَى وَجْهِ التَّفَكُّهِ الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَرْعٌ) وَلَوْ رَجَعَ الْحَمِيلُ قَبْلَ أَنْ يُعَامِلَهُ الْمُتَحَمِّلُ مِنْهُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهُ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَنْ قَالَ لِمَنْ يُخَاصِمُ أَخَاهُ احْلِفْ عَلَى مَا تَدَّعِيه قَبْلَ أَخِي وَأَنَا ضَامِنٌ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَمِيلَ لَمَّا لَمْ يُعَامِلْ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَمْ يَتَحَمَّلْ شَيْئًا مَاضِيًا وَلَاحِقًا ثَابِتًا، وَإِنَّمَا وَعَدَ بِالْحَمَالَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إذَا وَجَدَ الدَّيْنَ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ أَنْ يَلْزَمَ الْحَمَالَةَ بِوُجُودِ الدَّيْنِ، وَاَلَّذِي قَالَ لَهُ: احْلِفْ بِمَا تَدَّعِيه وَأَنَا لَهُ ضَامِنٌ يَضْمَنُ أَمْرًا قَدْ تَقَدَّمَ وُجُودُهُ فَكَانَ لِلطَّالِبِ أَنْ يُحَقِّقَ وُجُودَهُ فِي الْمَاضِي بِيَمِينِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَضَمَّنَ دَيْنًا مَاضِيًا عَلَى صِفَةٍ وَهِيَ وُجُودُ الْيَمِينِ الْمُثْبِتَةُ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَتَكَفَّلَتْ لَهُ بِمَا أَدْرَكَهُ فِيهَا مِنْ دَرْكٍ لَزِمَهُ ضَمَانُ ذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ صِحَّةِ الْكَفَالَةِ بِالْمَجْهُولِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِهَا حَمِيلًا وَلَا تَجُوزُ الْحَمَالَةُ بِكِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ الْعِتْقَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إنْ عَجَّلَ عِتْقَهُ عَلَى مَالٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ الْمَالُ فِي ذِمَّتِهِ فَلِذَلِكَ صَحَّتْ الْحَمَالَةُ بِهِ وَمَا عَلَى الْمُكَاتَبِ مِنْ غُرْمِ كِتَابَتِهِ فَغَيْرُ مُعَلَّقٍ بِصِفَةٍ وَلَا هُوَ دَيْنٌ ثَابِتٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْهُ فَلِذَلِكَ لَا تَصِحُّ الْحَمَالَةُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ حَمِيلًا لِمُعَيَّنٍ اشْتَرَيْتُهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ: لِأَنَّ

стр. 1706

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مَالِكًا قَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ حَمِيلًا بِسِلْعَةٍ غَائِبَةٍ اشْتَرَيْتُهَا بَعِيدَةً كَانَتْ، أَوْ قَرِيبَةً يَجُوزُ فِيهَا النَّقْدُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَيْنَ الْمُعَيَّنِ لَا يَقْدِرُ الْحَمِيلُ عَلَى إحْضَارِهَا وَلَا تَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ وَمَعْنَى الْحَمَالَةِ تَعَلُّقُ الْحَقِّ الْمُتَحَمِّلِ بِهِ بِذِمَّةِ الْحَمِيلِ وَالْأَعْيَانُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَمِ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ التَّحَمُّلُ بِهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ فِي الْحُدُودِ وَلَا التَّعْزِيرُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمُعَيَّنَيْنِ وَلَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالذِّمَمِ فَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ فِيهَا، وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا أَوْ صَانِعًا مُعَيَّنًا لَمْ تَصِحَّ فِيهِ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقُومَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي الْعَمَلِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ الْعَمَلُ بِتِلْكَ الْعَيْنِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأَعْيَانِ وَالذِّمَمِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَوْ كَانَتْ خِدْمَةً فِي الذِّمَّةِ مُقَدَّرَةً بِزَمَنٍ، أَوْ عَمَلٍ لَصَحَّتْ الْحَمَالَةُ بِهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَالْحَمَالَةُ بِالْجُعْلِ حَرَامٌ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تُعْطِيَ الْمُتَحَمِّلَ جُعْلًا عَلَى حَمَالَتِهِ، قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَالِمًا بِذَلِكَ سَقَطَتْ الْحَمَالَةُ وَرَدَّ الْجُعُلَ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فَالْحَمَالَةُ لَازِمَةٌ وَالْجُعْلُ مَرْدُودٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَقْدٌ يَخْتَصُّ بِالْمَعْرُوفِ فَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ الْعِوَضُ كَالْقَرْضِ. وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: كُلُّ حَمَالَةٍ وَقَعَ حَرَامُهَا بِعَقْدٍ بَيْنَ الْحَمِيلِ وَالْمَطْلُوبِ بِغَيْرِ عِلْمِ الطَّالِبِ فَالْحَمَالَةُ لَهُ ثَابِتَةٌ وَإِنَّمَا يُفْسِدُهَا عِلْمُ الطَّالِبِ، قَالَ مُحَمَّدٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ سَبَبِهِ وَمُعَامَلَتِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سَبَبِهِ وَلَا عَلِمَ بِهِ فِي الْحَمَالَةِ فَالْحَمَالَةُ ثَابِتَةٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَكُلُّ حَمَالَةٍ وَقَعَتْ عَلَى حَرَامٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمَا، أَوْ بَعْدَهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَلْزَمُ الْحَمِيلَ عَلِمَ الْمُتَبَايِعَانِ حَرَامٌ ذَلِكَ، أَوْ جَهِلَاهُ عَلِمَهُ الْحَمِيلُ، أَوْ جَهِلَهُ، وَقَدْ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي دَافِعِ دِينَارٍ فِي دِينَارَيْنِ إلَى أَجَلٍ وَأَخَذَ بِهِمَا حَمِيلًا الْحَمَالَةُ سَاقِطَةٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ حَمَالَةٍ بِأَمْرٍ فَاسِدٍ قَالَ مُحَمَّدٌ وَمِنْ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْ اتِّبَاعٍ مِنْهُمْ لِمَالِكٍ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ دَفَعَ دِينَارًا فِي دِينَارَيْنِ أَنَّ الْحَمَالَةَ فِي ذَلِكَ سَاقِطَةٌ، وَكَذَلِكَ فِي فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ الْحَمِيلُ بِذَلِكَ فَالْحَمَالَةُ سَاقِطَةٌ، وَإِنْ عَلِمَ لَزِمَتْهُ فِي دِينَارٍ مِنْ الدِّينَارَيْنِ وَبَطَلَ الرِّبَا. فَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي إبْطَالِ ذَلِكَ أَنَّ الْحَمَالَةَ إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِأَحَدِ عِوَضَيْ عَقْدِ الْبَيْعِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ فَإِذَا بَطَلَ الْعَقْدُ لِفَسَادِهِ بَطَلَ الْعِوَضُ مِنْهُ وَوَجَبَ أَنْ تَبْطُلَ الْحَمَالَةُ لِمَا بَطَلَ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ عِيسَى أَنَّ الْحَمِيلَ إذَا عَلِمَ بِذَلِكَ فَإِنَّمَا تَضَمَّنَتْ حَمَالَته رَدَّ مَا صَارَ إلَى الْمُتَحَمَّلِ عَنْهُ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ بِالشَّرْعِ وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فَإِنَّمَا الْتَزَمَ الْمُتَحَمِّلُ الْعِوَضَ فِي عَقْدٍ، وَذَلِكَ يَعْدَمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى إبْطَالِ عَقْدِ الْبَيْعِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ بَاعَ طَعَامًا مِنْ مَبِيعٍ قَبْلَ قَبْضِهِ وَأَخَذَ بِهِ حَمِيلًا فَقَدْ رَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ أَنَّ الْحَمَالَةَ سَاقِطَةٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَا تَحَمَّلَ بِهِ لَا يَنْفُذُ عَلَى حَسَبِ مَا تَحَمَّلَ بِهِ فَبَطَلَتْ الْحَمَالَةُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ حَمِيلًا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ: وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَهُ إلَّا الْحَسَنَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَثِيقَةٌ تَجُوزُ فِي الْبَيْعِ فَجَازَتْ فِي الْقَرْضِ كَالشَّهَادَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَالْحَمَالَةُ بِمَا عَلَى الْمَيِّتِ جَائِزَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا نَعَمْ قَالَ هَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ دَيْنٍ صَحَّتْ الْحَمَالَةُ بِهِ مَعَ الْيَسَارِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ بِهِ مَعَ الْإِعْسَارِ كَدَيْنِ الْحَيِّ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي ذِكْرِ مَا تَصِحُّ الْحَمَالَةُ مِنْهُ] (الْبَابُ الثَّانِي فِي ذِكْرِ مَا تَصِحُّ الْحَمَالَةُ مِنْهُ وَتَمْيِيزُهُ مِمَّنْ لَا تَصِحُّ حَمَالَتُهُ) . الَّذِي تَصِحُّ حَمَالَتُهُ كُلُّ مَالِكٍ لِأَمْرِهِ لَا حَجْرَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى النُّطْقِ، أَوْ كَانَ أَخْرَسَ إذَا فَهِمَ مُرَادَهُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَجُوزُ كَفَالَتُهُ إذَا فَهِمَ عَنْهُ، وَأَمَّا مَنْ عَلَيْهِ حَجْرٌ لَحِقَهُ وَلَحِقَ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ

стр. 1707

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَمْرُهُ فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لَحِقَ نَفْسَهُ كَالصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ وَالْمَوْلَى عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَمَالَةُ، وَأَمَّا الْبِكْرُ الَّتِي لَمْ تَعْنَسْ فَهِيَ كَالصَّغِيرِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الَّتِي عَنَسَتْ وَأُونِسَ رُشْدُهَا فِي بَيْتِ وَالِدِهَا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ حَمَالَتُهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَوَجَدْته فِي كِتَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ مَالِكٌ لَا تَجُوزُ هِبَتُهَا، وَكَذَلِكَ كَفَالَتُهَا؛ لِأَنَّ بُضْعَهَا بِيَدِ أَبِيهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُسْقِطْ التَّعْنِيسُ وِلَايَةَ الْأَبِ فِي الْبُضْعِ لَمْ يُسْقِطْ فِي الْمَالِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوِلَايَةَ فِي الْبُضْعِ لَا تَزُولُ بِالرُّشْدِ وَالْوِلَايَةُ فِي الْمَالِ تَزُولُ بِالرُّشْدِ؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِحِفْظِ الْمَالِ فَإِذَا حَفِظَ الْمَالَ بِالرُّشْدِ زَالَتْ وِلَايَةُ الْمَالِ وَبَقِيَتْ وِلَايَةُ الْبُضْعِ؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِحِفْظِ الْبُضْعِ مِمَّا يَغِيبُ فَمَعْنَاهَا بَاقِيَةٌ مَا بَقِيَتْ الْمَرْأَةُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِحَقِّ غَيْرِهِ كَالْعَبْدِ وَالْمُسْتَغْرَقِ فِي الدَّيْنِ وَالْمَرِيضِ وَالْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ فَإِنَّ الْعَبْدَ وَالْمُكَاتَبَ وَالْمُدَبَّرَ وَأُمَّ الْوَلَدِ حَمَالَتُهُمْ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ تَجُوزُ حَمَالَةُ الْعَبْدِ، وَحَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْعَبْدِ وَجْهَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ مَعْنًى يُدْخِلُ فِي ذِمَّتِهِ نَقْصًا وَعَيْبًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ كَالْمُدَايَنَةِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ وَجْهٌ مِنْ الْمَعْرُوفِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ كَهِبَةِ مَالِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَتَجُوزُ حَمَالَةُ الْعَبْدِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ إلَّا أَنْ يَسْتَغْرِقَهُ الدَّيْنُ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ الْحَجْرَ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ جَازَتْ لَهُ حَمَالَتُهُ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَفْتَرِقُ مَالُهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ فَلَا تَصِحُّ حَمَالَتُهُ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ أَمْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِلْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فِي الْحَمَالَةِ جَازَتْ حَمَالَتُهُمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ مَعْرُوفُ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ إلَى رَقِّهِ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلَا لِسَيِّدِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الرِّقِّ فَجَازَ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ ذَلِكَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ أَصْلُ ذَلِكَ الْعَبْدُ الْقِنُّ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْغَيْرِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرِقَّ نَفْسَهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْ كُلِّ مَا يَكُونُ سَبَبًا لَهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ لِلسَّيِّدِ إكْرَاهُ الْعَبْدِ عَلَى الْحَمَالَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي النَّوَادِرِ لَهُ ذَلِكَ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ السَّيِّدَ لَيْسَ لَهُ إدْخَالُ نَقْصٍ فِي ذِمَّةِ عَبْدِهِ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُثْبِتَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ لَهُ انْتِزَاعُ مَالِهِ وَهُوَ بِمَعْنَى ذِمَّتِهِ فَكَانَ لَهُ شَغْلُ ذِمَّتِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمُسْتَغْرَقُ فِي الدَّيْنِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ حَمَالَةُ مَنْ أَحَاطَ بِهِ الدَّيْنُ كَصَدَقَتِهِ وَتُفْسَخُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ لِلْغُرَمَاءِ رَدُّ عِتْقِهِ كَانَ لَهُمْ رَدُّ كَفَالَتِهِ وَهِبَتِهِ كَالْمَضْرُوبِ عَلَى يَدَيْهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمَرِيضُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَجُوزُ كَفَالَةُ الْمَرِيضِ فِي ثُلُثِهِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ إنْ كَانَ الْمَحْمُولُ بِهِ مَلِيًّا لَزِمَتْهُ، وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا بَطَلَتْ وَلَمْ يَكُنْ فِي الثُّلُثِ إذَا لَمْ يُرِدْ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةَ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَعْرُوفٌ يَفْعَلُهُ الْمَرِيضُ فَكَانَ فِي ثُلُثِهِ كَهِبَتِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَا احْتَجَّ بِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا كَفَالَةُ ذَاتِ الزَّوْجِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ فِي ثُلُثِ مَالِهَا فَإِنْ زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ فِي كَفَالَتِهَا فَلِلزَّوْجِ إبْطَالُ جَمِيعِهَا إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثِ الدِّينَارُ وَالشَّيْءُ الْيَسِيرُ فَيُمْضِي الثُّلُثَ وَالزِّيَادَةَ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ إذَا حَازَتْ الْمَرْأَةُ الثُّلُثَ لَمْ يَبْطُلْ كَالْمَرِيضِ يُوصِي بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا تَكَفَّلَتْ الْمَرْأَةُ بِزَوْجِهَا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ عَطِيَّةُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا جَمِيعَ مَالِهَا جَائِزٌ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ كَفَالَتُهَا عَنْهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ كَفَالَتَهَا عَنْهُ بِإِذْنِهِ وَرِضَاهُ فَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ فَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ تَبْطُلُ إلَّا أَنْ تَكُونَ بِثُلُثِ مَالِهَا فَأَدْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

стр. 1708

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] [الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَنْ تَصِحُّ الْحَمَالَةُ عَنْهُ] ُ وَتَمْيِيزُهُ مِمَّنْ لَا تَصِحُّ عَنْهُ) وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّهَا تَجُوزُ عَنْ كُلِّ مَالِكٍ لِأَمْرِهِ، أَوْ غَيْرِ مَالِكٍ لِأَمْرِهِ فِيمَا يَلْزَمُ أَدَاؤُهُ مِنْ مَالِهِ، وَأَمَّا الْمَوْلَى عَلَيْهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ تَحَمَّلَ عَنْهُ حَمِيلٌ بِمَا تَقَدَّمَتْ الْمُعَامَلَةُ فِيهِ، أَوْ بِمَا تُسْتَقْبَلُ الْمُعَامَلَةُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ تَحَمَّلَ عَنْهُ بِثَمَنِ مَا قَدْ ابْتَاعَهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ: إنْ كَانَ مَا تَحَمَّلَ بِهِ مِمَّا يَلْزَمُ الْيَتِيمَ لَزِمَ الْحَمِيلَ وَيَرْجِعُ بِهِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يَلْزَمُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا تَحَمَّلَ بِهِ فَإِنْ كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ قَبْلَ الْحَمَالَةِ لَمْ يَلْزَمْ الْحَمِيلَ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَمَّلْ عَنْهُ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ وَلَا عَامَلَهُ الْمُتَحَمِّلُ لَهُ بِسَبَبِهِ فَلَا يَلْزَمُ الْحَمِيلَ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَ الْحَمِيلَ الْغُرْمُ وَلَمْ يَرْجِعْ هُوَ وَلَا الطَّالِبُ عَلَى الْيَتِيمِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلْزَمُ الْيَتِيمَ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الدَّارُ وَالْحَائِطُ فَيُسَلِّفُهُ النَّفَقَةَ فِيهَا فَهَذَا يَلْزَمُ الْحَمِيلَ فَعَلَى هَذَا فَمَا يَتَحَمَّلُ بِهِ عَنْ الْيَتِيمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَلْزَمُ الْحَمِيلَ وَيَرْجِعُ بِهِ وَهُوَ مَا يَلْزَمُ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقِسْمٌ يَلْزَمُ الْحَمِيلَ وَلَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ وَهُوَ عَلَى مَا عُومِلَ بِهِ بِسَبَبِ الْحَمَالَةِ وَلَا يَلْزَمُ مَالَ الْيَتِيمِ. وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ اشْتَرَى مِنْ سَفِيهٍ وَأَخَذَ حَمِيلًا بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ قِبَلِهِ فَأَبْطَلَ الْبَيْعَ وَالثَّمَنُ عَلَى السَّفِيهِ فَإِنَّ الْحَمِيلَ يَغْرَمُ الثَّمَنَ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، وَقِسْمٌ لَا يَلْزَمُ الْحَمِيلَ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ كَالْمُتَحَمِّلِ عَنْهُ عَنْ مُعَامَلَةٍ قَدِيمَةٍ لَا يَلْزَمُ مَالَهُ. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا لِلطَّالِبِ مِنْ مُطَالَبَةِ الْحَمِيلِ] ١ (الْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا لِلطَّالِبِ مِنْ مُطَالَبَةِ الْحَمِيلِ) لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْحَمِيلُ وَاحِدًا، أَوْ جَمَاعَةً فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَهَلْ لِلطَّالِبِ أَخْذُهُ بِجَمِيعِ الْحَقِّ مَعَ حُضُورِ الْغَرِيمِ وَغِنَاهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْحَمِيلِ بِالْمَالِ لِلطَّالِبِ طَلَبُهُ فِي مَالِ الْغَرِيمِ وَحُضُورِهِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ فَقَالَ لَا يَبِيعُهُ إلَّا فِي عَدَمِهِ، أَوْ غَيْبَتِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَقَّ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ فِي حَالِ عَدَمِ الْغَرِيمِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِذِمَّتِهِ فِي حَالِ يَسَارِهِ كَالْغَرِيمِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي عِنْدِي أَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ فَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ إلَّا مَعَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِنْ مَحَلِّهِ كَالرَّهْنِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ لِلطَّالِبِ أَنْ يُكَلِّفَ الْحَمِيلَ مُلَازَمَةَ الْغَرِيمِ حَتَّى يَدْفَعَ مَا عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُوسِرًا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ مِنْ الْغَرِيمِ، وَإِنَّمَا لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِدَفْعِ الْحَقِّ يَرْجِعُ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ وَلَيْسَ بِوَكِيلٍ عَلَى الْمُطَالَبَةِ بِالدَّيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ لِلْحَمِيلِ أَخْذُ الْحَقِّ إلَى الطَّالِبِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَمِيلَ لَيْسَ بِوَكِيلٍ عَلَى الْقَبْضِ وَلَا مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْغَرِيمَ بِمَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِهِ وَهُوَ إيصَالُ الدَّيْنِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ وَالْغَرِيمُ غَائِبٌ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ، أَوْ قَرِيبَهَا فَإِنْ كَانَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْغَرِيمِ مَالٌ حَاضِرٌ أُغْرِمَ الْحَمِيلُ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْبَعِيدِ الْغَيْبَةِ وَاَلَّذِي لَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ فَلَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقْرَبَ تَنَاوُلُهُ كَالنَّاظِرِ، أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِهِ، أَوْ يَبْعُدَ تَنَاوُلُهُ كَالدَّارِ تُبَاعُ وَمَا يَطُولُ أَمَدُهُ وَيَكُونُ فِيهِ التَّرَبُّصُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَقْرُبُ أَمَدُهُ قَضَى مِنْهُ الطَّالِبُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَبْعُدُ تَنَاوُلُهُ أَخَذَ الدَّيْنَ مِنْ الْحَمِيلِ ثُمَّ لِلْحَمِيلِ أَنْ يُبَاعَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ أَجَّلَ الْحَمِيلَ أَجَلًا قَرِيبًا وَكَرَّرَ فَإِنْ أَبَى وَإِلَّا فَعَلَ بِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ قَالَهُ كُلَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ وَالْغَرِيمُ مُعْسِرٌ كَانَ لِلطَّالِبِ أَخْذُ مَالِهِ مِنْ الْحَمِيلِ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ قَالَ الطَّالِبُ: إنَّ الْغَرِيمَ عَدِيمٌ، وَقَالَ الْحَمِيلُ: هُوَ مَلِيءٌ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ غَرِمَ الْحَمِيلُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ ذِمَّةَ الْحَمِيلِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهَا الْحَقُّ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِالْأَدَاءِ، وَإِنَّمَا يَبْرَأُ الْغَرِيمُ بِالْمُطَالَبَةِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ فَعَلَى الْحَمِيلِ الَّذِي يَدَّعِي يُسْرَهُ إظْهَارُ ذَلِكَ الْمَالِ فَيَبْرَأُ وَإِلَّا لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الدَّيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا فِيمَا يَثْبُتُ مِنْ دَيْنِ الْغَرِيمِ بِالْبَيِّنَةِ فَأَمَّا مَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ

стр. 1709

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْغَرِيمِ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْحَمِيلَ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ بَعْدَ الْحَمَالَةِ، وَأَمَّا إذَا أَقَرَّ بِهِ الْغَرِيمُ قَبْلَ الْحَمَالَةِ فَشَهِدَ بِذَلِكَ عَلَى إقْرَارِهِ شَاهِدَا عَدْلٍ فَإِنَّ الَّذِي يُرِيدُ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ أَنَّهُ مِمَّا تَقُومُ بِهِ الْبَيِّنَةُ وَيَلْزَمُ ذَلِكَ الْحَمِيلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَمَنْ قَامَ عَلَى مُنْكَرٍ بِدَيْنٍ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ إنْ لَمْ آتِك بِهِ غَدًا فَالْمَالُ عَلَيَّ، وَقَدْ سَمَّاهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْمَالُ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ حَتَّى يُبَيِّنَهُ الطَّالِبُ بِبَيِّنَةٍ وَلَوْ أَقَرَّ الْمَطْلُوبُ بَعْدَ الْحَمَالَةِ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ الْحَمِيلَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَتَكَفَّلَ بِهِ رَجُلٌ فَقَدِمَ الْغَائِبُ فَأَنْكَرَ، أَوْ أَقَرَّ لَمْ يَلْزَمُ الْحَمِيلَ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَصْلِ الدَّيْنِ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ عَلَى إقْرَارِ الْغَرِيمِ قَبْلَ الْحَمَالَةِ قَالَهُ كُلَّهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَنَحْوُهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَنْكَرَ الْغَرِيمُ الدَّيْنَ وَأَقَرَّ بِهِ الْحَمِيلُ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ يَغْرَمُ الْحَمِيلُ ثُمَّ إنْ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ رَجَعَ عَلَى الْغَرِيمِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ، وَرَوَاهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَمِيلِ بَيِّنَةٌ لَمْ يَرْجِعْ الْغَرِيمُ بِمَا أَدَّاهُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَإِنْ كَانَ الْحُمَلَاءُ جَمَاعَةً تَكَفَّلُوا لَهُ بِمَالٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُطْلَقَ لَفْظُ الْكَفَالَةِ، أَوْ يَقُولَ: وَبَعْضُهُمْ كُفَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ، أَوْ لَهُ أَخْذُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِجَمِيعِ حَقِّهِ فَإِنْ أَطْلَقَ لَفْظَ الْكَفَالَةِ فَأَعْسَرَ الْغَرِيمُ عِنْدَ الْأَجَلِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ وَجَدَ مِنْ الْكُفَلَاءِ بِجَمِيعِ الْمَالِ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحِصَّتِهِ مِنْهُ فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً أَخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَ الْمَالِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ إذَا تَكَفَّلُوا بِمِائَةٍ فَإِنَّمَا تَكَفَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِثُلُثِ الْمِائَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ سِوَاهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ وَبَعْضُهُمْ كُفَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَهُمْ بِجَمِيعِ حَقِّهِ وَإِنْ كَانُوا مُوسِرِينَ فَإِنْ أَعْسَرَ بَعْضُهُمْ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ حَقِّهِ مِنْ الْمُوسِرِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ حُمَلَاءَ عَنْ بَعْضٍ كَانَ لَهُمْ حُكْمُ الْحَمَالَةِ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ إلَّا بِمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ بِهِ عَنْ الْغَرِيمِ إلَى الْحَمِيلِ مِنْ الْإِعْسَارِ، أَوْ الْغَيْبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَرْعٌ) وَلَوْ غَابَ الْحُمَلَاءُ إلَّا وَاحِدًا مِنْهُمْ فَغَرِمَ الْحَاضِرُ الْمَالَ ثُمَّ قَدِمَ الْحَمِيلَانِ وَالْغَرِيمُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِلْحَاضِرِ الَّذِي غَرِمَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبَيْهِ بِثُلُثَيْ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ مَلِيئًا وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْغَرِيمِ بِخِلَافِ طَالِبِ الْحَقِّ لَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْحَمِيلِ إذَا كَانَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا حَاضِرًا، وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَمِيلَ إنَّمَا أَخَذَ وَثِيقَةً مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْغَرِيمِ فَلَا يُطْلَبُ مَعَ تَمَكُّنِ الِاقْتِضَاءِ مِنْ الْغَرِيمِ وَالْحَمِيلِ الَّذِي غَرِمَ فِي غَيْبَةِ الْحُمَلَاءِ وَالْغَرِيمِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمِيلٌ بِجَمِيعِ الْمَالِ فَإِنَّمَا غَرِمَ عَنْ الْحَمِيلِ كَمَا غَرِمَ عَنْ الْغَرِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَضَرَ صَاحِبُهُ فِي الْحَمَالَةِ لَزِمَهُ الْغُرْمُ مَعَهُ فَلَمَّا كَانَ أَدَّاهُ عَنْهُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ دُونَ اعْتِبَارِ حَالِ الْغَرِيمِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ اشْتَرَطَ أَنَّ لَهُ أَخْذَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِجَمِيعِ الْحَقِّ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِحَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ شُرَكَاؤُهُ فِي الْحَمَالَةِ حُضُورًا مُوسِرِينَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَرَطَ ذَلِكَ وَإِذَا أَخَذَ أَحَدُهُمْ بِجَمِيعِ الْمَالِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى أَصْحَابِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَدَّاهُ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ قَدْ شَرَطَ فِي الْحَمَالَةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُعَلِّقَ حَقَّهُ بِذِمَّةِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ فَإِذَا عَيَّنَ حَقَّهُ عِنْدَ أَحَدِهِمْ فَإِنَّمَا ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنْ أَصْحَابِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِمَّا أَدَّاهُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ كِنَانَةَ وَأَشْهَبَ أَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ وَلَيْسَ لَهُ اتِّبَاعُ أَحَدِهِمْ بِأَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ إلَّا فِي عَدَمِ أَصْحَابِهِ، أَوْ غَيْبَتِهِمْ. (فَرْعٌ) فَإِنْ شَرَطَ مَعَ شَرْطِهِ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِجَمِيعِ حَقِّهِ أَنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ فَأَخَذَ حَقَّهُ مِنْ أَحَدِهِمْ كَانَ لِمَنْ أَدَّى الْحَقَّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى أَصْحَابِهِ بِمَا أَدَّى عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ شَرَطُوا أَنَّهُ إنْ عَيَّنَ حَقَّهُ عِنْدَ أَحَدِهِمْ فَعَلَى وَجْهِ أَنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ

стр. 1710

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بَعْضٍ فَقَدْ تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِحَمَالَةِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ لِلطَّالِبِ أَنْ يَخْتَارَ مُطَالَبَةَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَمْ يَتَعَلَّقْ الدَّيْنُ بِحَمَالَةِ جَمِيعِهِمْ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِحَمَالَةِ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَلِلطَّالِبِ أَنْ يُعَيِّنَهُ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ تَحَمَّلَ لَهُ بِدَيْنِهِ رَجُلٌ ثُمَّ لَقِيَ الْغَرِيمَ فَأَعْطَاهُ حَمِيلًا آخَرَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ أَيَّ الْحَمِيلَيْنِ شَاءَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَحَمَّلَ بِجَمِيعِ الْمَالِ عَلَى غَيْرِ رُتْبَةٍ تَقْتَضِي تَقَدُّمَ أَحَدِهِمَا فَاقْتَضَى ذَلِكَ التَّخْيِيرُ فِي أَنْ يَطْلُبَهُمَا، أَوْ يَطْلُبَ أَيَّهُمَا شَاءَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ تَحَمَّلَ لِرَجُلٍ بِمَالٍ عَلَى غَرِيمٍ ثُمَّ تَحَمَّلَ لَهُ رَجُلٌ آخَرُ بِالْحَمِيلِ فَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَطْلُبَ الْغَرِيمَ فَإِنْ غَابَ، أَوْ أَعْسَرَ انْتَقَلَ إلَى طَلَبِ الْحَمِيلِ الْأَوَّلِ فَإِنْ غَابَ، أَوْ أَعْسَرَ انْتَقَلَ إلَى الْحَمِيلِ الثَّانِي قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَعَ الْحَمِيلِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي كَحَالِهِ مَعَ الْحَمِيلِ الْأَوَّلِ وَالْغَرِيمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [الْبَابُ الْخَامِسُ فِي رِفْقِ الطَّالِبِ بِالْغَرِيمِ أَوْ الْحَمِيلِ] (الْبَابُ الْخَامِسُ فِي رِفْقِ الطَّالِبِ بِالْغَرِيمِ، أَوْ الْحَمِيلِ) وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّالِبَ قَدْ يَهَبُ حَقَّهُ الْغَرِيمَ، أَوْ الْحَمِيلَ أَوْ يُؤَخِّرُ أَحَدَهُمَا فَأَمَّا الْهِبَةُ فَإِنْ وَهَبَ الْغَرِيمُ فَقَدْ بَرِئَ الْحَمِيلُ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ كَالِاقْتِضَاءِ وَلَوْ اقْتَضَى حَقُّهُ لَبَرِئَ الْحَمِيلُ فَكَذَلِكَ إذَا وَهَبَهُ، وَلَوْ وَهَبَ الْحَقَّ الْحَمِيلَ لَمْ يَرَ الْغَرِيمُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الْمُتَحَمَّلِ لَهُ. (فَرْعٌ) وَمَنْ أَخَذَ حَمِيلًا بِثَمَنِ سِلْعَةٍ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهمَا شَاءَ بِحَقِّهِ فَمَاتَ الْغَرِيمُ فَأَحَالَهُ الطَّالِبُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُطَالِبَ الْحَمِيلَ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ لِأَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ يَحْلِفُ مَا وُضِعَ إلَّا لِلْمَيِّتِ وَهُوَ عَلَى حَقِّهِ قَالَ مُحَمَّدٌ فِيهَا شَيْءٌ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِيهَا نَظَرٌ وَرَوَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ أَخَّرَ بَعْضَ الْحَقِّ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ كَانَ مَا أَخَذَ بِالْحِصَصِ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ وَيَحْلِفُ مَا وُضِعَ إلَّا لِلْمَيِّتِ وَيَكُونُ عَلَى الْحَمِيلِ حِصَّتُهُ بِمَا بَقِيَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ أَخَذَ الْغَرِيمُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ لِأَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ إنْ أَخَذَ الْغَرِيمُ سَنَةً فَالْحَمَالَةُ ثَابِتَةٌ إلَّا أَنَّ لِلْحَمِيلِ أَنْ يَمْنَعَ التَّأَخُّرَ وَيَقُولَ: أَخَافُ أَنْ يُفْلِسَ فَلَيْسَ لَهُ التَّأْخِيرُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إلَّا أَنْ يُسْقِطَ الْحَمَالَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا أَخَّرَ الْغَرِيمُ وَهُوَ مُوسِرٌ تَأَخُّرًا بَيِّنًا فَقَدْ سَقَطَتْ الْحَمَالَةُ عَنْ الْحَمِيلِ، وَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ مُعْسِرًا فَلَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى الْكَفِيلِ وَأَنْ يَقِفَ عَنْهُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ تَأَخُّرَ الْغَرِيمِ لَا يُنَافِي حَمَالَةَ الْحَمِيلِ فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إبْرَاءِ الْحَمِيلِ وَلَا يَكُونُ تَأْثِيرُهُ فِي إسْقَاطِ الْحَقِّ عَنْ الْحَمِيلِ أَكْثَرَ مِنْ تَأْثِيرِهِ فِي إسْقَاطِهِ عَنْ الْغَرِيمِ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِذِمَّتِهِمَا، وَوَجْهُ قَوْلِ الْغَيْرِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَلْزَمْ الْحَمِيلَ تَأْخِيرُ الْغَرِيمِ كَانَ الظَّاهِرُ مِنْ تَأْخِيرِهِ إبْرَاءَ الْحَمِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) وَلَوْ عَلِمَ الْحَمِيلُ بِتَأْخِيرِهِ فَسَكَتَ لَزِمَتْهُ الْحَمَالَةُ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ حَلَفَ الطَّالِبُ مَا أَخَّرَهُ لَيُبَرِّئَ الْحَمِيلَ وَتَثْبُتَ لَهُ الْحَمَالَةُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَرْكَ الِاعْتِرَاضِ مِنْ الْحَمِيلِ فِي تَأْخِيرِهِ رِضًا بِهِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ وَاحْتُمِلَ تَأْخِيرُ الطَّالِبِ لِلْغَرِيمِ الَّذِي لَا يَلْزَمُ الْحَمِيلَ تَجْوِيزُهُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ إبْرَاءَ الْحَمِيلِ كَانَ عَلَى الطَّالِبِ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ إبْرَاءَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الرِّفْقَ بِالْغَرِيمِ مَعَ بَقَاءِ الْحَقِّ مُتَعَلِّقًا بِحَمَالَةِ الْحَمِيلِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَخَّرَ الطَّالِبُ الْحَمِيلَ فَذَلِكَ تَأْخِيرٌ لِلْغَرِيمِ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ مَا كَانَ ذَلِكَ تَأْخِيرًا فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ التَّأْخِيرُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَضَعَ عَنْ الْحَمِيلِ الْحَمَالَةَ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ الْغَرِيمَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُ مَا لَزِمَهُ مِنْ الْيَمِينِ أَنَّ تَأْخِيرَهُ الْحَمِيلَ مُحْتَمَلٌ لِتَأْخِيرِ الْغَرِيمِ لَهُ فَلَزِمَتْهُ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ ذَلِكَ وَلَا قَصَدَهُ. [الْبَابُ السَّادِسُ فِي قَضَاءِ الْحَقِّ] ١ (الْبَابُ السَّادِسُ فِي قَضَاءِ الْحَقِّ) فَإِنْ دَفَعَهُ الْغَرِيمُ بَرِئَ وَبَرِئَ الْحَمِيلُ، وَإِنْ دَفَعَهُ الْحَمِيلُ بَرِئَ مِنْ مُطَالَبَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَكَانَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْغَرِيمِ فَإِنْ كَانَ أَدَّى عَنْهُ مِثْلَ مَا عَلَيْهِ رَجَعَ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ أَدَّى عَنْهُ غَيْرَ مَا عَلَيْهِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ

стр. 1711

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الدَّيْنُ دَنَانِيرَ فَيَدْفَعُ عَنْهُ الْحَمِيلُ دَرَاهِمَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْأَجَلِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ أَحَدِ عِوَضَيْ الصَّرْفِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْأَجَلِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَفِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَإِلَيْهِ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَأَصْحَابُهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْغَرِيمِ قَدْ صَحَّ بِاِتِّخَاذِ الْمُصَارَفَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ كَاَلَّذِي كَانَ لَهُ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي بِالْمَنْعِ مَا احْتَجَّ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنْ أَنَّ الْغَرِيمَ يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ، أَوْ مَا دَفَعَ عَنْهُ فَيَدْخُلُهُ الْخِيَارُ فِي الصَّرْفِ وَفَسْخِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُؤْخَذُ مِنْ الْغَرِيمِ الدَّنَانِيرُ وَلَكِنْ يُخْرِجُ الْغَرِيمُ الدَّنَانِيرَ ثُمَّ يَشْتَرِي بِهَا دَرَاهِمَ فَإِنْ نَقَصَتْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَمِيلِ غَيْرُهَا، وَإِنْ زَادَتْ فَلَيْسَ لَهُ الْفَضْلُ، وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ: الْغَرِيمُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ دَفَعَ الدَّنَانِيرَ أَوْ الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: هَذَا حَرَامٌ بَيْنَ الْحَمِيلِ وَالْغَرِيمِ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ عَمَلَ الْكَفِيلِ مَعَ صَاحِبِ الْحَقِّ إذَا حَكَمْنَا بِصِحَّتِهِ وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ مَا بَيْنَ الْحَمِيلِ وَالْغَرِيمِ لِلدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّهُ تَأْخِيرٌ فِي الصَّرْفِ فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ بِأَنْ يُخْرِجَ الْغَرِيمُ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَلَا يَفْسُدُ مِنْ جِهَتِهِ شَيْءٌ ثُمَّ يَشْتَرِي لِلْحَمِيلِ مِنْ جِنْسِ مَا أَدَّى فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْصٌ فَهُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّ مَا دَفَعَ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ سَلَفٌ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ فَلَا يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِالتَّخْيِيرِ أَنَّ هَذَا تَخْيِيرٌ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ فَلَا يَبْطُلُ الصَّرْفُ كَخِيَارِ مَنْ وُجِدَ فِي عِوَضِ الصَّرْفِ زَائِفًا فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَ، أَوْ يُمْسِكَ وَلَا يَمْنَعُ صِحَّةُ ذَلِكَ الصَّرْفَ. (فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْمَنْعِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَ الْكَفِيلَ طَالِبُ الْحَقِّ إذَا كَانَ الدَّيْنُ دَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ وَلَا شَيْءَ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ إلَّا بِالْجُزَافِ مِنْهُ أَوْ بِمَا يَرْجِعُ إلَى الْقِيمَةِ مِنْ حَيَوَانٍ، أَوْ عَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ يَرْجِعُ إلَى أَنْ يَكُونَ الْغَرِيمُ مُخَيَّرًا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَدْخُلُهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الدَّيْنِ فِي دَيْنِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إلَى الْقِيمَةِ فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ بِجِنْسِ الدَّيْنِ فَلَا يَدْخُلُهُ تَخْيِيرٌ وَلَا فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ تَحَمَّلَ بِمَالٍ لِرَجُلٍ إلَى أَجَلٍ فَمَاتَ الْحَمِيلُ قَبْلَ الْأَجَلِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِرَبِّ الْحَقِّ أَنْ يَتَعَجَّلَ حَقَّهُ مِنْ مَالِهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ مَلِيًّا حَاضِرًا فَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذُوهُ مِنْ مَالِ الْغَرِيمِ قَبْلَ الْأَجَلِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يَحِلُّ الْحَقُّ بِمَوْتِهِ وَلَكِنْ يُوقَفُ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الدَّيْنَ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَحِلَّ بِمَوْتِهِ وَيَتَعَجَّلُ طَلَبَهُ مِنْهُ كَالْغَرِيمِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ حَمِيلٌ فَلَا تُطْلَبُ تَرِكَتُهُ بِالدَّيْنِ لِمَوْتِهِ إذَا كَانَ الْغَرِيمُ حَاضِرًا مَلِيًّا أَصْلُ ذَلِكَ إذَا مَاتَ بَعْدَ الْأَجَلِ. (فَرْعٌ) وَلَوْ مَاتَ الْحَمِيلُ مُفْلِسًا فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يُحَاصَّ الْغُرَمَاءَ فِي مَالِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَحِلُّ الدَّيْنَ بِمَوْتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُحَاصَّ الْغُرَمَاءَ فِي مَالِهِ كَالْغَرِيمِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ مَاتَ الْحَمِيلُ عِنْدَ الْأَجَلِ، أَوْ بَعْدَهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ هَاهُنَا يَبْدَأُ بِالْغَرِيمِ فَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ عَدِيمًا أَخَذَ مِنْ مَالِ الْحَمِيلِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْغَرِيمَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْحَمِيلَ، وَإِنَّمَا لَهُ مُطَالَبَةُ الْحَمِيلِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةُ الْغَرِيمِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ مَاتَ الْغَرِيمُ قَبْلَ الْأَجَلِ فَلِلطَّالِبِ أَنْ يَتَعَجَّلَ حَقَّهُ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ بِهِ الْحَمِيلُ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ بِمَوْتِ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ فَإِنْ طَلَبَ مِنْ الْغَرِيمِ رُوعِيَتْ حَالُهُ فِي أَخْذِهِ مِنْهُ بِمَوْتِهِ، وَإِنْ طَلَبَ مِنْ الْحَمِيلِ رُوعِيَتْ حَالُهُ فَلَا يَحِلُّ بِمَوْتِ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ مَاتَ الْحَمِيلُ قَبْلَ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِمُطَالَبَةِ الْغَرِيمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَنَرْجِعُ إلَى تَقْسِيمِ لَفْظِ مَسْأَلَةِ الْأَصْلِ وَهُوَ قَوْلُهُ فَإِنْ هَلَكَ الْحَمِيلُ أَوْ أَفْلَسَ فَإِنَّ الَّذِي تَحَمَّلَ لَهُ يَرْجِعُ عَلَى غَرِيمِهِ الْأَوَّلِ يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ مَاتَ مُفْلِسًا، أَوْ أَفْلَسَ مَعَ بَقَاءِ حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ

стр. 1712

الْقَضَاءُ فِيمَنْ ابْتَاعَ ثَوْبًا وَبِهِ عَيْبٌ (ص) : (قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: إذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ ثَوْبًا وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ حَرْقٍ، أَوْ غَيْرِهِ قَدْ عَلِمَهُ الْبَائِعُ فَشَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، أَوْ أَقَرَّ بِهِ فَأَحْدَثَ فِيهِ الَّذِي ابْتَاعَهُ حَدَثًا مِنْ تَقْطِيعٍ يُنْقِصُ ثَمَنَ الثَّوْبِ ثُمَّ عَلِمَ الْمُبْتَاعُ بِالْعَيْبِ فَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْبَائِعِ وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي ابْتَاعَهُ غُرْمٌ فِي تَقْطِيعِهِ إيَّاهُ) . ــ [المنتقى] عَنْ ذِمَّةِ الْغَرِيمِ بِالْحَمَالَةِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ الْحَمِيلُ وَثِيقَةً لِحَقِّهِ كَالرَّهْنِ فَفَلَسُ الْحَمِيلِ بِمَنْزِلَةِ ضَيَاعِ الرَّهْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَوْتَ الْحَمِيلِ مَعَ كَوْنِهِ عَيْبًا لَا يُوجِبُ رُجُوعَ الطَّالِبِ عَلَى الْغَرِيمِ بَلْ لَهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يَتَعَجَّلَ مِنْ مَالِهِ دَيْنًا وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ يُوقِفُ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ فَحُكْمُ الْحَمَالَةِ بَاقٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يَرْجِعُ عَلَى غَرِيمِهِ الْأَوَّلِ لَفْظُ الرُّجُوعِ يَقْتَضِي ظَاهِرَهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ تَعَلَّقَ بِمُطَالَبَةِ الْحَمِيلِ أَوَّلًا وَأَنَّهُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ يَكُونُ عَلَى وُجُوهٍ مِنْهَا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِمُطَالَبَةِ الْحَمِيلِ إنْ شَاءَ فَإِنْ مَاتَ الْكَفِيلُ، أَوْ أَفْلَسَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى مِنْهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مُطَالَبَةِ الْغَرِيمِ وَمِنْهَا إذَا بَاعَ مِنْ الْغَرِيمِ سِلْعَةً أَوْ أَسَلَفَهُ مَالًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مُطَالَبَةِ الْغَرِيمِ وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا بَاعَ مِنْ الْغَرِيمِ وَأَخَذَ مِنْهُ حَمِيلًا وَشَرَطَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهمَا شَاءَ فَظَاهِرُ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ فَعَلَى هَذَا أَيْضًا إنْ مَاتَ الْحَمِيلُ، أَوْ أَفْلَسَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى مُطَالَبَةِ الْغَرِيمِ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ الْغَرِيمَ كَانَ مُفْلِسًا فَآثَرَ مُطَالَبَةَ الْحَمِيلِ فَلَمَّا تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ جِهَتِهِ رَجَعَ إلَى اتِّبَاعِ الْغَرِيمِ فِي ذِمَّتِهِ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ يَرْجِعُ عَلَى غَرِيمِهِ مَعْنَاهُ يَبْقَى حَقُّهُ ثَابِتًا عَلَى غَرِيمِهِ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْحَمِيلِ بِخِلَافِ الْحَوَالَةِ الَّتِي تُبْطِلُ حَقَّهُ بِمَوْتِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُحِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ أَرَادَهُ. [الْقَضَاءُ فِيمَنْ ابْتَاعَ ثَوْبًا وَبِهِ عَيْبٌ] (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّهُ إنْ أَحْدَثَ الْمُبْتَاعُ بِالثَّوْبِ حَدَثًا مِنْ تَقْطِيعٍ، أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ دَلَّسَ الْبَائِعُ بِالْعَيْبِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ، أَوْ لَمْ يُدَلِّسْ بِهِ فَإِنْ كَانَ دَلَّسَ بِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَا أَحْدَثَهُ فِيهِ الْمُبْتَاعُ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ وَمِمَّا يُشْتَرَى غَالِبًا لَهُ، أَوْ يَحْدُثُ فِيهِ مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي تَقْطِيعِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي مِثْلِهِ مِنْ الثِّيَابِ فَمَا أَحْدَثَ الْمُبْتَاعُ مِنْ هَذَا مِمَّا يَنْقُصُ الْمَبِيعَ فَلِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَرْجِعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَلَا يَرُدُّ مَا نَقَصَ ذَلِكَ الْمَبِيعَ، وَلَوْ قَطَعَهُ عَلَى غَيْرِ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ مِثْلِ ذَلِكَ الثَّوْبِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُ وَشْيٍ رَفِيعٍ فَيَقْطَعُهُ جَوَارِبَ، أَوْ رِقَاعًا فَهَذَا لَا يَرُدُّهُ عَلَى الْمُدَلِّسِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ بِذَلِكَ مِنْ الْفِعْلِ وَيَرْجِعُ بِمَا نَقَصَهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الْمُبْتَاعَ يَتَصَرَّفُ فِي الْمَبِيعِ التَّصَرُّفَ الْمُعْتَادَ فَإِذَا أَسْلَمَهُ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ مَعَ مَا دَلَّسَ لَهُ بِهِ مِنْ الْعَيْبِ فَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا يُنْقِصُ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعْتَادٍ فَلِذَلِكَ يَلْزَمُ مَنْ فَعَلَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ أَقَرَّ الْمُبْتَاعُ بِالتَّدْلِيسِ، أَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِالْعَيْبِ عِنْدَ الْمَبِيعِ فَلِلْمُبْتَاعِ رَدُّهُ وَأَخْذُ جَمِيعِ الثَّمَنِ وَهَلْ لَهُ إمْسَاكُهُ وَالرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَهُ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مِمَّا نَقَصَهُ غَيْرَ صِنَاعَةٍ كَالْقَطْعِ فَإِنْ كَانَ صِنَاعَةً كَالصَّبْغِ وَالْخِيَاطَةِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ صِنَاعَتِهِ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَصْبَغَ، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعَيْبَ الْمُفْسِدَ لَمَّا حَدَثَ أَثْبَتَ لَهُ الْخِيَارَ كَالصَّنْعَةِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّدْلِيس يَسْقُطُ عَنْهُ قِيمَةُ الْعَيْبِ الْحَادِثِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ لِلْمُبْتَاعِ رَدُّ الْمَبِيعِ دُونَ غُرْمٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إمْسَاكُهُ وَالرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ إذَا لَمْ يَكُنْ

стр. 1713

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ ابْتَاعَ رَجُلٌ ثَوْبًا وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ حَرْقٍ، أَوْ عَوَارٍ فَزَعَمَ الَّذِي بَاعَهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، وَقَدْ قَطَعَ الثَّوْبَ الَّذِي ابْتَاعَهُ، أَوْ صَبَغَهُ فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ قَدْرُ مَا نَقَصَ الْحَرْقُ أَوْ الْعَوَارُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ وَيُمْسِكُ الثَّوْبَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَغْرَمَ مَا نَقَصَ التَّقْطِيعُ أَوْ الصَّبْغُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ وَيَرُدَّهُ فَعَلَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ، فَإِنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ قَدْ صَبَغَ الثَّوْبَ صَبْغًا يَزِيدُ فِي ثَمَنِهِ فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ قَدْرَ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِلَّذِي بَاعَهُ الثَّوْبُ فَعَلَ وَيَنْظُرُ كَمْ الثَّوْبَ وَفِيهِ الْخَرْقُ، أَوْ الْعَوَارُ فَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَثَمَنُ مَا زَادَ فِيهِ الصَّبْغُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الثَّوْبِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ فَعَلَى حِسَابِ هَذَا يَكُونُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِي ثَمَنِ الثَّوْبِ) . ــ [المنتقى] فِيهِ غَبْنٌ فَوَّتَهُ أَصْلَ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُحْدِثْ عِنْدَهُ عَيْبًا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ ادَّعَى الْمُبْتَاعُ عَلَى الْبَائِعِ التَّدْلِيسَ وَأَنْكَرَهُ الْبَائِعُ وَادَّعَى النِّسْيَانَ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ الْبَائِعُ عَلَى مَا قَالَ وَيُخَيَّرُ الْمُبْتَاعُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ وَقِيمَةَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ، أَوْ يُمْسِكُ الْمَبِيعَ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَحْلِفُ الْبَائِعُ حَتَّى يُخَيَّرَ الْمُبْتَاعُ فَإِنْ اخْتَارَ الرُّجُوعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ لَمْ يَحْلِفْ الْبَائِعُ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي اسْتِحْلَافِهِ؛ لِأَنَّ فِي الرُّجُوعِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ فِي التَّدْلِيسِ وَغَيْرِهِ حَالَةً وَاحِدَةً عِنْدَ مَنْ يَرَى التَّخْيِيرَ ثَابِتًا فِي التَّدْلِيسِ وَإِنْ أَرَادَ الرَّدَّ اسْتَحْلَفَ الْبَائِعَ فَإِنْ حَلَفَ رَدَّ الْمُبْتَاعُ مَعَ الْمَبِيعِ قِيمَةَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِتَقْدِيمِ الْيَمِينِ أَنَّ التَّخْيِيرَ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِهِ إلَّا بَعْدَ الْيَمِينِ، وَأَمَّا قَبْلَ الْيَمِينِ فَحُكْمُ التَّدْلِيسِ يُمْنَعُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا التَّخْيِيرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَإِذَا حَلَفَ بَطَلَ حُكْمُ التَّدْلِيسِ وَلَزِمَ الْحُكْمُ بِالتَّخْيِيرِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ التَّخْيِيرَ ثَابِتٌ بِحُدُوثِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ وَلَا مَعْنَى لِلْيَمِينِ إلَّا إثْبَاتُ قِيمَةِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الرَّدِّ فَإِذَا لَمْ يَخْتَرْ الرَّدَّ فَلَا مَعْنَى لِهَذِهِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي الْإِمْسَاكِ وَالرُّجُوعِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ وَهَذَا الْقَوْلُ أُجْرِيَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي إثْبَاتِ التَّخْيِيرِ مَعَ التَّدْلِيسِ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أُجْرِيَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَأَصْبَغَ فِي إسْقَاطِ حُكْمِ التَّخْيِيرِ مَعَ التَّدْلِيسِ، وَإِنَّمَا أَلْزَمَ الْمُدَّعِي النِّسْيَانَ الْيَمِينَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْعَيْبِ عِنْدَ الْبَيْعِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ تُثْبِتُ عَلَيْهِ مَا يُنْكِرُهُ لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ الْمُبْتَاعَ إذَا وَجَدَ بِالثَّوْبِ عَيْبًا دَلَّسَ بِهِ الْبَائِعُ بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ فِيهِ الْمُبْتَاعُ صَبْغًا زَادَ فِي ثَمَنِهِ فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَهُ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ حُكْمِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ تَقْوِيمِهِ، أَوْ رَدِّهِ وَتَقْوِيمُهُ مَعِيبًا غَيْرَ مَصْبُوغٍ ثُمَّ يُقَوِّمُهُ تَقْوِيمًا ثَانِيًا مَصْبُوغًا فَيَكُونُ الْمُبْتَاعُ شَرِيكًا بِمَا زَادَ الصَّبْغُ فِي قِيمَتِهِ وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرَوَاهُ دَاوُد بْنُ سَعِيدِ بْنِ زُبَيْدٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُزَنِيَّة وَزَادَ فِيهَا أَنَّهُ شَرِيكٌ بِمَا زَادَ الصَّبْغُ وَالْبَائِعُ شَرِيكٌ بِثَمَنِ ثَوْبِهِ مَعِيبًا يُرِيدُ قِيمَتَهُ وَحُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ يُعْتَبَرُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْحُكْمِ. (فَرْقٌ) قَالَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَكُونُ شَرِيكًا بِمَا زَادَ الصَّبْغُ فِي قِيمَةِ الثَّوْبِ، وَقَالَ فِيمَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَصَبَغَهُ وَاسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ وَأَبَى الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ صَبْغِهِ وَأَبَى هُوَ أَنْ يُعْطِيَ الْمُسْتَحِقَّ قِيمَةَ ثَوْبِهِ أَنَّهُ يَكُونُ شَرِيكًا بِقِيمَةِ الصَّبْغِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ هَذَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ، أَوْ يَرُدَّ فَيُشَارِكُ وَالْمُسْتَحَقُّ مِنْ يَدِهِ الثَّوْبُ مَجْبُورٌ عَلَى الْمُشَارَكَةِ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ بِالْبَيِّنِ؛ لِأَنَّ مَنْ بِيَدِهِ الثَّوْبُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْمُشَارَكَةِ إذَا رَضِيَ بِدَفْعِ ثَمَنِ الثَّوْبِ كَاَلَّذِي يَجِدُ الْعَيْبَ إذَا رَضِيَ بِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْمُشَارَكَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ لَهُ قِيمَةٌ فِي الشَّرِكَةِ مَا كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ الْآخَرُ بِدَفْعِ قِيمَتِهِ إلَيْهِ

стр. 1714

(مَا لَا يَجُوزُ مِنْ النَّحْلِ) (ص) : (يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ «عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ أَبَاهُ بَشِيرًا أَتَى بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إنِّي نَحَلْت ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَكُلَّ وَلَدِك نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَارْتَجِعْهُ» ) . ــ [المنتقى] فَثَبَتَتْ لَهُ تِلْكَ الْقِيمَةُ فِي الشَّرِكَةِ فَلَمَّا كَانَ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْآخَرِ قِيمَةَ مَالِهِ وَيُخْرِجَهُ تَشَارُكًا عِنْدَ الْإِبَانَةِ بِقِيمَةِ الصَّبْغِ وَقِيمَةِ الثَّوْبِ وَلَمَّا كَانَ فِي مَسْأَلَةِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لَيْسَ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةَ صَبْغِهِ وَيُخْرِجَهُ عَنْهُ لَمْ تَثْبُتْ لِلصَّبْغِ قِيمَةُ بِانْفِرَادِهِ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ لَهُ قِيمَتُهُ مَعَ الثَّوْبِ وَيَكُونُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ قِيمَةُ ثَوْبِهِ؛ لِأَنَّ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ عِوَضَهُ وَيُخْرِجَهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الثَّوْبَ بِالْعَيْبِ نَاقِصًا عَمَّا اشْتَرَاهُ فَلَوْ شَارَكَهُ بِقِيمَةِ الصَّبْغِ وَكَانَ أَكْثَرُ مِمَّا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ لَكَانَ قَدْ رَدَّ إلَيْهِ ثَوْبَهُ نَاقِصًا بِالنَّقْصِ الَّذِي أَحْدَثَ فِيهِ بِالصَّبْغِ وَلَمْ يَرُدَّ إلَيْهِ ذَلِكَ النَّقْصَ فَلِذَلِكَ جَبَرَهُ بِالصَّبْغِ وَشَارَكَ بِمَا زَادَ الصَّبْغَ عَلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [مَا لَا يَجُوزُ مِنْ النَّحْلِ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ أَبَاهُ بَشِيرًا أَتَى بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إنِّي نَحَلْت ابْنِي هَذَا غُلَامًا، النَّحْلُ: الْعَطِيَّةُ وَمَعْنَى نَحَلْتُ أَعْطَيْتُ وَيُحْتَمَلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ أَتَى بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَسْتَفْتِيَهُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَتَى بِهِ لِيُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ وَرَدَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ «عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَك يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَعْطَيْتُ سَائِرَ وَلَدِك مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ قَالَ فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَكُلَّ وَلَدِك نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟ اسْتِفْهَامٌ عَنْ صِفَةِ هَذَا النَّحْلِ إذْ كَانَ مِنْهُ مَا يَمْنَعُهُ الشَّرْعُ وَمِنْهُ مَا يُبِيحُهُ فَاسْتَوْصَفَهُ عَنْ صِفَتِهِ لِيَعْلَمَ أَمِنَ الْمُبَاحِ هَذَا، أَوْ مِنْ الْمَمْنُوعِ لِيُبَيِّنَ لَهُ حُكْمَ الْقِسْمَيْنِ، أَوْ لِيَأْمُرَهُ بِارْتِجَاعِ الْمَمْنُوعِ، أَوْ إمْضَاءِ الْمُبَاحِ فَلَمَّا قَالَ لَهُ بَشِيرٌ لَا، وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُنْحِلْ سَائِرَ بَنِيهِ عَلَى مِثْلِ مَا نَحَلَ هَذَا، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَحَلَ سَائِرَ بَنِيهِ أَقَلَّ مِمَّا نَحَلَ هَذَا، أَوْ لَمْ يَنْحَلْهُمْ شَيْئًا، أَوْ نَحَلَ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَارْتَجِعْهُ يُرِيدُ إبْطَالَ النَّحْلِ وَارْتِجَاعَهُ مِنْ ابْنِهِ الْمَنْحُولِ إلَى مِلْكِ النَّاحِلِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا جَوَّزَ ذَلِكَ ﷺ لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْهِبَةَ كَانَتْ هِبَةً يَجُوزُ لِلْوَاهِبِ اعْتِصَارُهَا فَلَمَّا كَانَتْ مَكْرُوهَةً غَيْرَ شَرْعِيَّةٍ وَكَانَتْ عَلَى وَجْهٍ يَجُوزُ رَدُّهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُفْتِ بِمَا تَفُوتُ بِهِ الْهِبَاتُ وَيَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ لَهَا أَمْرُهُ بِاسْتِدْرَاكِ ذَلِكَ بِرَدِّهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تَمْنَعُهُ الشَّرِيعَةُ يُرَدُّ مَا لَمْ يَفُتْ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مُزَيْنٍ عَنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَا تَصَدَّقَ بِهِ بَشِيرٌ عَلَى ابْنِهِ كَانَ جَمِيعَ مَالِهِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ فِي الَّذِي نَحَلَ ابْنَهُ عَبْدًا لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَكُلَّ وَلَدِك نَحَلْته مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْتَجِعْهُ، قَالَ مَالِكٌ: إنَّ ذَلِكَ فِيمَا أَرَى لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَقُلْت لَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ أَيَرُدُّهُ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ لَيُقَالُ وَقَدْ قَضَى بِهِ

стр. 1715

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: إنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: وَاَللَّهِ يَا بُنَيَّةُ مَا مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْك وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْك، وَإِنِّي كُنْت نَحَلْتُك جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا فَلَوْ كُنْت جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَك، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاك وَأُخْتَاك فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْت يَا أَبَتِ وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْته إنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ فَمَنْ الْأُخْرَى فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ أُرَاهَا جَارِيَةً) ــ [المنتقى] فِي الْمُزَنِيَّة. وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَنْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ عَلَى بَعْضِ وَلَدِهِ لَا أَرَاهُ جَائِزًا، وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا تَصَدَّقَ بِكُلِّ مَالِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا أَبْقَى مِنْهُ مَا يَكْفِيه رُدَّتْ صَدَقَتُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ بَقِيَ مَا يَكْفِيهِ لَمْ يُرَدَّ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ فِي صِحَّتِهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ عَلَى بَعْضِ وَلَدِهِ أَكْرَهَهُ فَإِنْ فَعَلَ وَحِيزَتْ عَلَيْهِ لَمْ تُرَدَّ بَعْدُ. وَقَالَ أَصْبَغُ وَابْنُ الْمَوَّازِ لَا يُرَدُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ نَحَلَ بَعْضَ وَلَدِهِ فَأَمَرَهُ بِرَدِّهِ، وَقَدْ حَمَلَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ذَلِكَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ مُزَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاسْتِرْجَاعِهِ كَرَاهِيَةً لِتَفْضِيلِ بَعْضِ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: ارْتَجِعْهُ وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَرَوْنَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَفْسَخْهُ، وَإِنَّمَا نَدَبَهُ إلَى ذَلِكَ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُعْطِيَ بَعْضَ وَلَدِهِ جَمِيعَ مَالِهِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَجَوَّزَ أَنْ يُعْطِيَهُ بَعْضَ مَالِهِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ إذْ قَالَ لِابْنَتِهِ عَائِشَةَ: إنِّي كُنْت نَحَلْتُك جَادٌّ عِشْرِينَ وِسْقَا قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا وَهَبَ الْبَعْضَ لَمْ يُوَلِّدْ ذَلِكَ عَدَاوَةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مَا يُعْطِي الْبَاقِينَ وَإِذَا أَعْطَى الْكُلَّ لَمْ يَبْقَ مَا يُعْطِي الْبَاقِينَ فَثَبَتَتْ الْأَثَرَةُ وَأَدَّى ذَلِكَ إلَى الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، قَالَ فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ وَوَهَبَ أَحَدُهُمَا الْكُلَّ نَفَذَ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَعِنْدِي أَنَّهُ إذَا أَعْطَى الْبَعْضَ عَلَى سَبِيلِ الْإِيثَارِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَيُعَرَّى مِنْ الْكَرَاهِيَةِ إذَا أَعْطَى الْبَعْضَ لِوَجْهٍ مَا مِنْ جِهَةٍ يُخْتَصُّ بِهَا أَحَدُهُمْ، أَوْ غَرَامَةٌ تَلْزَمُهُ، أَوْ خَيْرٌ يَظْهَرُ مِنْهُ فَيُخَصُّ بِذَلِكَ خَيْرُهُمْ عَلَى مِثْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِذَا قُلْنَا بِالرَّدِّ فَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ ظَاهِرٌ وَهُوَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، قَالَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ الْإِنْسَانَ مَمْنُوعٌ مِنْ مَالِهِ لِحَقِّ نَفْسِهِ كَمَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحَقِّ غَيْرِهِ فَمُنِعَ مِنْ إتْلَافِهِ لِحَقِّ الْوَارِثِ وَالزَّوْجِ فَبِأَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ لِحَقِّ نَفْسِهِ أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا بِإِمْضَاءِ ذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْحَدِيثِ رَدَّ عَطِيَّتِهِ إلَى الْعَدْلِ بَيْنَ وَلَدِهِ بِأَنْ يُعْطِيَهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَاهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ انْعَقَدَتْ الْعَطِيَّةُ بَعْدُ، وَإِنَّمَا أَرَادَهَا فَلَمَّا عَلِمَ بِمَا فِيهَا رَجَعَ عَنْ إمْضَائِهَا وَرَدَّ الْعَطِيَّةَ إلَى بَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ أَعْطَاهَا ابْنَهُ عَلَى حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَأَمَرَهُ بِنَقْضِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ أَعْطَاهَا إيَّاهُ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ مِمَّا كَانَ يَلْزَمُهُ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ لِمُدَّةٍ مَا وَلَمْ يُعْطِ سَائِرَ وَلَدِهِ مِثْلَ ذَلِكَ لِذَلِكَ الْوَجْهِ وَلَا لِغَيْرِهِ إيثَارًا لَهُ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ رَدَّ ذَلِكَ الْبَيْعَ وَرَأَى فِي رَدِّهِ السَّدَادَ لِابْنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْهِبَةُ لَمْ تَبْقَ بِيَدِهِ مَا يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى وَلَدِهِ وَلَعَلَّهُ بَعْدُ كَانَتْ عَلَيْهِ نَفَقَاتٌ تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ فَيَمْنَعُ ذَلِكَ الْعَدْلَ بَيْنَهُمْ. (ش) : قَوْلُهَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّهُ خَصَّهَا بِالنِّحْلَةِ دُونَ سَائِرِ أَخَوَاتِهَا وَرَأَى ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ قَالَ لِبَشِيرٍ فِي مَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ النُّعْمَانِ أَكُلَّ وَلَدِك نَحَلْته مِثْلَ هَذَا قَالَ لَا قَالَ أَرْجِعْهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ تَأَوَّلَ

стр. 1716

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ بَعْضَ الْوُجُوهِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي تَفْسِيرِهِ، وَأَنَّ نِحْلَتَهُ لِعَائِشَةَ ﵂ لَمْ تَكُنْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ لِفَضْلِ عَائِشَةَ عَلَى سَائِرِ إخْوَتِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهَا لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبُّ إلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْك وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الْوَلَدُ فَيَبَرُّهُ بَعْضُهُمْ فَيُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَهُ عَطِيَّةً مِنْ مَالِهِ دُونَ غَيْرِهِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ الْغَابَةُ مَوْضِعٌ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي صِحَّةَ الْهِبَةِ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا قَبْضٌ، وَإِنَّمَا تَنْعَقِدُ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ بِقَوْلِ الْوَاهِبِ قَدْ وَهَبْته لَك وَفِي الصَّدَقَةِ قَدْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْك وَقَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَوْ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ قَدْ قَبِلْت وَأَنْ يُؤَخِّرَ الْقَبْضَ فَيَلْزَمُ وَيُجْبَرُ الْوَاهِبُ وَالْمُتَصَدِّقُ عَلَى التَّسْلِيمِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا لَا تَنْعَقِدُ الْهِبَةُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَقْدٌ مِنْ الْعُقُودِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ انْعِقَادُهُ إلَى الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ يَا بُنَيَّةُ وَاَللَّهِ مَا مِنْ النَّاسِ أَحَبُّ إلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْك يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ مِنْهُ وَأَحَسَّ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ مَا تَيَقَّنَ بِهِ الْوَفَاةَ قَالَ لَهَا الْقَوْلَ الْمُتَقَدِّمَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ لَهَا وَالْإِعْلَامِ لَهَا بِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ إمْضَاءِ هِبَتِهِ لَهَا عَدَمُ إشْفَاقِهِ عَلَيْهَا وَمَحَبَّتِهِ لَهَا وَإِنَّمَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا وَقَوْلُهُ أَحَبُّ غِنًى بَعْدِي مِنْك يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ " بَعْدِي " مِمَّنْ يَخْلُفُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ فِي حَيَاتِهِ وَيَكُونُ مَعْنًى " بَعْدِي " غَيْرِي. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ جِدَادُ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرِ نَخْلِهِ إذَا جُدَّ، وَقَالَ ثَابِتٌ قَوْلُهُ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ يَجِدُّ مِنْهَا وَيَصْرُمُ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ يُقَالُ هَذِهِ أَرْضُ جَادِّ مِائَةِ وَسْقٍ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ يُجَدُّ مِنْهَا فَعَلَى تَفْسِيرِ عِيسَى قَوْلُهُ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا صِفَةٌ لِلثَّمَرَةِ الْمَوْهُوبَةِ فَتَقْدِيرُهُ وَهَبَهَا عِشْرِينَ وَسْقًا مَجْدُودَةً وَعَلَى تَفْسِيرِ ثَابِتٍ قَوْلُهُ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا صِفَةٌ لِلنَّخْلِ الَّتِي وَهَبَ ثَمَرَتَهَا فَمَعْنَاهُ وَهَبَهَا ثَمَرَةَ نَخْلٍ يَجِدُّ مِنْهَا عِشْرُونَ وَسْقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَوْ كُنْت جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ لَكَانَ لَك، يَقْتَضِي أَنَّ الْحِيَازَةَ وَالْقَبْضَ شَرْطٌ فِي تَمَامِ الْهِبَةِ وَأَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَحُزْ مَا وَهَبَهَا فِي صِحَّتِهِ لَمْ تَتِمَّ الْهِبَةُ فَإِنْ كَانَتْ هِبَةُ الثَّمَرَةِ عَلَى الْكَيْلِ فَإِنَّ الْحِيَازَةَ لَا تَكُونُ فِيهَا إلَّا بِالْكَيْلِ بَعْدَ الْجَدِّ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهَا لَوْ كُنْت جَدَدْتِيهِ وَحُزْتِيهِ، وَإِنْ كَانَ وَهَبَهَا ثَمَرَةَ نَخْلٍ مُعَيَّنَةٍ فَالْحِيَازَةُ فِيهَا عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ مَرِضَ فَقَامَ الْمُعْطِي يَطْلُبُهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِيهِ اخْتِلَافٌ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ قَبْضَهُ الْآنَ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يُعْطِ ذَلِكَ عَائِشَةَ لَمَّا مَرِضَ، وَقَالَ أَشْهَبُ يُقْضَى لَهُ الْآنَ بِثُلُثِهَا، وَإِنْ صَحَّ لَهُ بِبَاقِيهَا وَلَا أَرَى قَوْلَ مَنْ قَالَ تَجُوزُ كُلُّهَا مِنْ الثُّلُثِ وَلَا قَوْلَ مَنْ أَبْطَلَ جَمِيعَهَا. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَرَضَ يَمْنَعُ الْحِيَازَةَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ وَيَمْنَعُ الْمَوْتُ الْحِيَازَةَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْوَرَثَةِ فَيَتَصَدَّقُ الرَّجُلُ بِمَالِهِ وَيَبْقَى بِيَدِهِ إذَا تُوُفِّيَ أَخَذَ جَمِيعَهُ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ فَمَنَعَ ذَلِكَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ مِنْ الْمَوَارِيثِ فَوَجَبَ أَنْ يُبْطِلَ وَلَمَّا كَانَ الْمَرَضُ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ وَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ الْحِيَازَةَ كَمَا يَمْنَعُهَا الْمَوْتُ، وَفِي ذَلِكَ بَابَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَكُونُ حِيَازَةً، وَالثَّانِي: مَا يَمْنَعُ الْحِيَازَةَ، فَأَمَّا الْحِيَازَةُ فَلَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْهِبَةُ حَاضِرَةً مَعَ الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَوْ غَائِبَةً عَنْهُ فَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ كَالْأَرَضِينَ وَالْأُصُولِ الثَّابِتَةِ، أَوْ يَكُونُ مِمَّا يُنْقَلُ كَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ كَالْأَرَضِينَ فَإِنَّهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي لَا عَمَلَ فِيهَا

стр. 1717

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ مِنْ أَرْضِ الْمُزَارَعَةِ وَالْعَمَلِ فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ الْإِشْهَادُ فِيمَا لَا يَعْمَلُ فِيهِ حِيَازَةً فَكَالدَّيْنِ وَالشَّيْءِ الْمُهْمَلِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا عَطِيَّةٌ كَمُلَ فِيهَا الْعَقْدُ اللَّازِمُ وَلَيْسَتْ فِي يَدِ الْمُعْطِي وَلَا فِيمَا يَنُوبُ عَنْ يَدِهِ فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى مُبَاشَرَةِ الْقَبْضِ كَالدَّيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْهِبَةُ فِي غَيْرِ إبَّانِ الْعَمَلِ، أَوْ فِي إبَّانِ الْعَمَلِ فَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ إبَّانِ الْعَمَلِ أَجْزَأَ مِنْهَا أَنْ تَكُونَ مَحْدُودَةً وَفِي كِتَابِ الْهِبَةِ وَيَشْهَدُ بِتَسْلِيمِهَا إلَيْهِ وَأَتَمُّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقِفَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى حُدُودِهَا وَيُشْهِدُ مَعَ ذَلِكَ عَلَى قَبْضِهَا قَالَ ذَلِكَ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ. وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى امْرَأَتِهِ بِمَزْرَعَةٍ فِي آخِرِ أَيَّامِ الْحَرْثِ وَأَشْهَدَ عَلَى الْحِيَازَةِ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِنَحْوِ شَهْرٍ وَلَمْ تُحْدِثْ الْمَرْأَةُ فِيهَا حَدَثًا وَلَا غَيْرَهُ إنْ كَانَ لَهَا عُذْرٌ بَيِّنٌ مِثْلَ أَنْ يَفْجَأَ مَوْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُمْكِنَهَا عَمَلٌ، أَوْ إجْنَاءُ شَجَرٍ، أَوْ إحْيَاءٌ، أَوْ غَرْسٌ، أَوْ إصْلَاحٌ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَالصَّدَقَةُ مَاضِيَةٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهَا غَيْرَ هَذَا مِنْ الْحِيَازَةِ فَأَشْبَهَتْ مَا لَا يَعْمُرُ مِنْ الْأَرْضِ. (فَرْعٌ) وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ حِيَازَةً فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَرْضِ إذَا فَاتَتْ حِيَازَتُهَا الْمُخْتَصَّةُ بِهَا بِمَوْتِ الْوَارِثِ، أَوْ مَرَضِهِ مَرَضَ الْمَوْتِ فَأَمَّا إنْ بَقِيَ الْوَاهِبُ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ عَمَلِهَا فَلَمْ يَعْمَلْهَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَا تَعَرَّضَ لِعَمَلِهَا حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَإِنَّ الْهِبَةَ تَبْطُلُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ فَإِنَّ الْحِيَازَةَ لَهُ بِالْعَمَلِ فِيهِ إذَا أَمْكَنَ بِالْحِيَازَةِ فِي أَرْضِ الْعَمَلِ فِيهَا فِي إبَّانِهَا فَإِذَا جَاءَ إبَّانَ عَمَلِهَا وَتَرَكَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْعَمَلَ فِيهَا فَقَدْ تَرَكَ حِيَازَتَهَا. (فَرْعٌ) فَإِنْ تَعَرَّضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ لِلْعَمَلِ فَمَنَعَهُ الْوَاهِبُ لَمْ يُبْطِلْ ذَلِكَ الْحِيَازَةَ قَالَهُ أَصْبَغُ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَمْكَنَهُ مِنْ الْحِيَازَةِ التَّعَرُّضُ لِلْعَمَلِ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ فَإِذَا مَنَعَ مِنْ الْعَمَلِ مَانِعٌ بِيَدٍ غَالِبَةٍ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الطَّلَبِ وَالسَّعْيِ فِي التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ عَلَى حَالَةٍ يُعْلَمُ بِهَا أَنَّهُ غَيْرُ تَارِكٍ لِلْعَمَلِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْ الْعَمَلِ ضَعْفٌ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا عَنْ الْبَقَرِ وَالْآلَةِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَنْ يُكْرِيَ، أَوْ يُسَاقِيَ أَوْ يُرْفِقُ غَيْرَهُ، أَوْ يَكُونَ عَجَزَ عَنْ وُجُوهِ الْعَمَلِ كُلِّهَا فَإِنْ كَانَ لِضَعْفٍ فِي الْآلَةِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ بِالْكِرَاءِ وَالِاكْتِرَاءِ، أَوْ الْمُسَاقَاةِ، أَوْ الْإِرْفَاقِ وَإِحْيَاءِ الشَّجَرِ فَالصَّدَقَةُ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَأَمَّا إنْ عَجَزَ عَنْ الْعِمَارَةِ بِكُلِّ وَجْهٍ وَتَعَرَّضَ لَهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ فَلَمْ يَصِلْ إلَيْهَا فَإِنَّ الصَّدَقَةَ مَاضِيَةٌ وَالْإِشْهَادُ يُجْزِي فِي هَذَا الْحَوْزِ، وَلَوْ أَقَامَتْ أَعْوَامًا وَالْمَوْهُوبُ لَهُ يَعْرِضُهَا عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ فَلَا يَجِدُ مَعَ الِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ فَالْحِيَازَةُ بِالْإِشْهَادِ تَامَّةٌ رَوَى مَعْنَى ذَلِكَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَزَادَ مَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا الْمُتَصَدِّقُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ وَهَبَهُ نَخْلًا هِبَةً مُطْلَقَةً وَفِيهَا ثَمَرٌ قَدْ أُبِّرَ فَالثَّمَرَةُ لِلْوَاهِبِ كَالْبَيْعِ وَجَوَّزَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْضَ النَّخْلِ وَالسَّقْيِ فِي مَالِ الْوَاهِبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَثْنَى ثَمَرَتَهَا عَشْرَ سِنِينَ، وَلَوْ كَانَتْ بِيَدِ الْوَاهِبِ يَسْقِيهَا الْعَشْرَ سِنِينَ فَقَدْ وَهَبَهَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ لَحِقَهُ دَيْنٌ بَطَلَتْ الْهِبَةُ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي تَمَامِ الْهِبَةِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَتْ الْهِبَةُ، وَإِنْ أَسْلَمَ إلَيْهِ النَّخْلَ يَعْمُرُهَا الْمُعْطِي وَتَكُونُ الثَّمَرَةُ لِلْمُعْطَى صَحَّ الْقَبْضُ وَكَمُلَتْ الْهِبَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ وَهَبَ مَا فِي بُطُونِ غَنَمِهِ، أَوْ أَمَتِهِ فَحَازَ الْمُعْطَى الْأُمَّهَاتِ حَتَّى تَضَعَ فَتِلْكَ حِيَازَةٌ تَامَّةٌ كَالنَّخْلِ يَهَبُهُ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَيَحُوزُ الرِّقَابَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ صُوفُ الْغَنَمِ وَلَبَنُهَا، قَالَ أَصْبَغُ: وَإِنْ حَازَهَا الْمُعْطَى فَذَلِكَ نَافِذٌ وَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْطَى، أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ بَيْعُهَا فِي دَيْنِ الْمَيِّتِ وَلَا إدْخَالُهَا فِي الْقِسْمِ حَتَّى تَضَعَ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ فِي الصُّوفِ وَاللَّبَنِ وَالثَّمَرَةِ، قَالَ: وَأَمَّا الْأَجِنَّةُ فَلَا تَتِمُّ الْحِيَازَةُ فِيهَا إلَّا بَعْدَ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِيهِ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ، وَقَدْ تُبَاعُ أَمَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الدَّيْنِ الْمُسْتَحْدَثِ بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ فَإِنَّ الثَّمَرَ يُرْهَنُ وَلَا يُرْهَنُ

стр. 1718

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْجَنِينُ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ نَمَاءٌ حَادِثٌ فِي الْعَيْنِ يَنْفَصِلُ مِنْهُ فَكَمُلَتْ الْعَطِيَّةُ فِيهِ بِقَبْضِ الْأَصْلِ كَالصُّوفِ وَالثَّمَرَةِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْعِتْقَ أَقْوَى مِنْ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى السِّرَايَةِ فَإِذَا لَمْ يَتَعَجَّلْ الْعِتْقَ فِي الْجَنِينِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ فَبِأَنْ لَا تَتَعَجَّلَ فِيهِ الْهِبَةُ أَوْلَى وَأَحْرَى وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَهَبُ لِلرَّجُلِ مَا تَلِدُ جَارِيَتُهُ عِشْرِينَ سَنَةً أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا قَبَضَ الْجَارِيَةَ، أَوْ وَضَعَتْ لَهُ عَلَى يَدِ حَائِزٍ لَهُ كَالنَّخْلِ يَهَبُ ثَمَرَتَهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا هِبَةُ ثَمَرِ النَّخْلِ فَتَجُوزُ قَبْلَ الْإِبَارِ وَبَعْدَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هِبَةَ الثَّمَرَةِ تَجُوزُ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الثَّمَرَةِ بَعْدَ وُجُودِهَا وَقَبْلَهُ وَكَذَلِكَ الْحِيَازَةُ إذَا أَسْلَمَ الرَّقَبَةَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَهَبُ ثَمَرَةَ نَخْلِهِ عِشْرِينَ سَنَةً أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إنْ حَازَ الْمَوْهُوبُ لَهُ النَّخْلَ، أَوْ جُعِلَتْ عَلَى يَدِ مَنْ يَحُوزُهَا لَهُ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَجُوزُ أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ ثَمَرَ نَخْلِهِ عِشْرِينَ سَنَةً إذَا حَازَ الْمَوْهُوبُ لَهُ النَّخْلَ، أَوْ حِيزَتْ لَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَبْضَ النَّخْلِ أَكْثَرَ مَا يُمْكِنُ مِنْ حِيَازَتِهَا وَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِهَا. (فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَتْ الْعَطِيَّةُ عَلَى وَجْهِ الْعَرِيَّةِ لَا يُحَاوَلُ الْمُعَرَّى عَمَلَهَا وَلَا الِانْفِرَادُ بِهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْعَرِيَّةِ لَا يَصِحُّ حِيَازَتُهَا إلَّا بِاجْتِمَاعِ أَمْرَيْنِ أَنْ يَطْلُعَ فِيهَا ثَمَرُهُ وَيَقْبِضُهَا الْمُعَرَّى فَإِنْ عَدِمَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُعَرَّى بَطَلَ الْإِعْرَاءِ. وَقَالَ أَشْهَبُ تَجُوزُ الْحِيَازَةُ بِوُجُودِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: الْإِبَارُ أَوْ تَسْلِيمُ الْعَطِيَّةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُعَرَّى إنَّمَا أَعْطَى الثَّمَرَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَطَاءً مُؤَجَّلًا لَا يَقْتَضِي إخْرَاجَ الْأَصْلِ عَنْ يَدِهِ وَلَا قَبْضِ الثَّمَرَةِ إلَّا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْعَمَلُ عَلَى الْمُعَرَّى وَلَا يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الرِّقَابِ لِتَصِحَّ الْحِيَازَةُ؛ لِأَنَّ عَطِيَّتَهُ لَمْ تَكُنْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَإِنْ سَلَّمَهَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ إلَى الْمُعَرَّى صَحَّتْ الْحِيَازَةُ بَعْدَ أَنْ تَظْهَرَ الثَّمَرَةُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَضَمَّنْ عَطِيَّةً قَبْلَ وُجُودِهَا فَإِذَا وُجِدَتْ وَتَبَرَّعَ بِالتَّسْلِيمِ صَحَّتْ الْحِيَازَةُ، وَكَمُلَتْ الْعَطِيَّةُ وَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ الْإِبَارُ؛ لِأَنَّهُ بِهِ تَظْهَرُ الثَّمَرَةُ وَدُخُولُهُ وَخُرُوجُهُ عِنْدِي حِيَازَةٌ فَالْخِلَافُ بَيْنَ أَشْهَبَ وَابْنِ حَبِيبٍ فِي فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَدَمَ التَّأْبِيرِ عِنْدَ أَشْهَبَ يَمْنَعُ الْحِيَازَةَ وَعِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْحِيَازَةَ مَعَ ظُهُورِ الطَّلْعِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ نَفْسِ الثَّمَرَةِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ حَالَةٌ مِنْ أَحْوَالِهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ يُرَاعِي مَعَ كَوْنِ الثَّمَرَةِ عَلَى صِفَةٍ يَصِحُّ حِيَازَتُهَا أَنْ يُوجَدَ قَبْضُهَا لِقَبْضِ الْأَصْلِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ أَشْهَبُ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ احْتَجَّ لِصِحَّةِ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ إنَّ دُخُولَ الْمُعْطَى وَخُرُوجَهُ حِيَازَةٌ فَرَجَعَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ هُنَالِكَ نَوْعًا مِنْ الْقَبْضِ بِهِ تَكُونُ الْحِيَازَةُ وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَيْضًا أَنَّهَا تَقْتَضِي حِيَازَةً فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجْتَزِئَ فِي ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ أَشْهَبُ مِنْ الْحِيَازَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُنَفِّذَ ذَلِكَ لِلْمُعَرَّى إلَّا بِقَبْضِ الثَّمَرَةِ مَعَ الْأَصْلِ فِي حِيَازَةِ الْمُعَرَّى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ مِنْ الدُّورِ فَلَا تَخْلُو الدَّارُ أَنْ يَكُونَ الْوَاهِبُ يَسْكُنُهَا، أَوْ لَا يَسْكُنُهَا فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَسْكُنُهَا فَلَا تَصِحُّ فِيهَا حِيَازَةٌ إلَّا بِإِخْلَاءِ الْوَاهِبِ لَهَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ سُكْنَاهُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ ذَاتَ مَنَازِلَ يُسْكَنُ فِي بَعْضِهَا حِيزَتْ كُلُّهَا قَالَ، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَزَيْدًا صَاحِبَيْ النَّبِيِّ ﷺ حَبَسَا دَارَيْنِ لَهُمَا فَسَكَنَا فِيهَا حَتَّى مَاتَا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جُلَّهُمَا فَحَازَا مَا سَكَنَا وَمَا لَمْ يَسْكُنَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَوْ كَانَتْ دُورًا فَسَكَنَ وَاحِدَةً مِنْهَا لَيْسَتْ جُلَّهُمَا وَهِيَ تَبَعٌ حَازَ مِنْهَا مَا سُكِنَ وَمَا لَمْ يُسْكَنْ سَوَاءٌ كَانَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ صَغِيرًا فِي حِجْرِهِ، أَوْ كَبِيرًا حَائِزًا لِنَفْسِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ بَقِيَ فِيهَا بِاكْتِرَاءٍ، أَوْ إرْفَاقٍ، أَوْ إعْمَارٍ، أَوْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ فَإِنَّ عِيسَى رَوَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ ذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْحِيَازَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهَا قَبْضٌ وَلَا حِيَازَةٌ مَعَ سُكْنَى الْوَاهِبِ لَهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْوَاهِبَةُ زَوْجَةَ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَيَتَمَادَى عَلَى السُّكْنَى مَعَهَا فِيهَا رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْحِيَازَةِ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ الْوَاهِبُ لِلزَّوْجَةِ فَيَتَمَادَى عَلَى السُّكْنَى مَعَهَا فِيهَا لَمَنَعَ ذَلِكَ صِحَّةُ الْحِيَازَةِ؛ لِأَنَّ سُكْنَاهَا عَلَى الزَّوْجِ

стр. 1719

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] دُونَ الزَّوْجَةِ فَسُكْنَى الزَّوْجَةِ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِ لَيْسَ بِيَدٍ لَهَا، وَإِنَّمَا الْيَدُ لِلزَّوْجِ فِي الْمَسْكَنِ فَلِذَلِكَ صَحَّ أَنْ يَحُوزَهَا الزَّوْجُ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجَةِ فِيهَا وَلَمْ يَصِحَّ أَنْ تَحُوزَهَا الزَّوْجَةُ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِ فِيهَا وَمِثْلُ هَذَا أَنْ يَخَافَ الْوَاهِبُ فَيَخْتَفِي عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي تِلْكَ الدَّارِ، أَوْ يُضَيِّفُهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَيَمْرَضُ فِيهَا وَيَمُوتُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الْحِيَازَةَ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ حِيَازَةِ الْمُعْطَى بِيَوْمٍ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِسُكْنَى فِي الْحَقِيقَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهَا عَلَى وَجْهِ السُّكْنَى بِاكْتِرَاءٍ، أَوْ إرْفَاقٍ فَإِنْ كَانَ رَجَعَ إلَيْهَا بَعْدَ الْمُدَّةِ الْقَرِيبَةِ مِمَّا يَرَى أَنَّهُ قَصَدَ إلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهُ مِنْهَا فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى إبْطَالِ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ فَاَلَّذِي رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ إذَا سَكَنَهَا بَعْدَ أَنْ حَازَهَا الْمُعْطَى السَّنَةَ فَأَكْثَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الْهِبَةَ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَيْهَا الْمُعْطَى بِاكْتِرَاءٍ، أَوْ إسْكَانٍ بَعْدَ حِيَازَةِ الْمُعْطَى الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ وَمَاتَ فِيهَا فَإِنَّ الصَّدَقَةَ تَبْطُلُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُعْطَى إذَا كَانَ مَالِكٌ أَمَرَهُ وَحَازَ لِنَفْسِهِ حِيَازَةً بَيِّنَةً تَبْعُدُ فِيهِ التُّهْمَةُ فَقَدْ صَحَّتْ الْهِبَةُ وَكَمُلَتْ فَلَا يَضُرُّهَا مَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ سُكْنَى الْمُعْطَى، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ رُجُوعَ الْوَاهِبِ فِيمَا وَهَبَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ السُّكْنَى وَمَوْتُهُ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ يُبْطِلُ الْحِيَازَةَ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ صَغِيرًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا فَحَازَ عَلَيْهِ الْأَبُ، أَوْ غَيْرُهُ ثُمَّ رَجَعَ الْأَبُ إلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَكْبُرُوا وَيَحُوزُونَ لِأَنْفُسِهِمْ سَنَةً فَهِيَ بَاطِلَةٌ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَبِيرَ الْحَائِزَ لِنَفْسِهِ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِ الْأَبِ الْوَاهِبِ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُعَدُّ رُجُوعُهُ إلَيْهَا رُجُوعًا فِي هِبَتِهِ وَالصَّغِيرُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَتْ حِيَازَةُ الْأَبِ حِيَازَةً تَامَّةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَطْرَأُ الْفَسَادُ فَلِذَلِكَ تَبْطُلُ الْهِبَةُ بِرُجُوعِ الْأَبِ إلَيْهَا. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَسْكُنُهَا الْوَاهِبُ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأَرَضِينَ غَيْرَ أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْغَلْقِ وَالْقَفْلِ عَلَيْهَا فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْحَائِزُ فِيهَا فَهُوَ تَمَامُ الْحِيَازَةِ لَهَا. وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِدَارٍ فَدَفَعَ مِفْتَاحَهَا إلَيْهِ وَبَرِئَ مِنْهَا أَنَّ تِلْكَ حِيَازَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا الْمُعْطَى وَلَا أَسْكَنَهَا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ حِيَازَةَ الْأَبِ الْوَاهِبِ ابْنَهُ الصَّغِيرَ فِيهَا بِالْإِشْهَادِ خَاصَّةً، وَذَلِكَ عِنْدِي بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ السُّكْنَى بِالِاكْتِرَاءِ أَوْ الِانْتِفَاعِ الدَّائِمِ بِهَا، وَلَوْ كَانَتْ مُهْمَلَةً غَيْرَ مُغْلَقَةٍ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا فِي كِرَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ لَرَأَيْت أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْأَرْضِ الَّتِي لَمْ تُزْرَعْ فِي إبَّانِ زِرَاعَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْحَيَوَانُ وَكُلُّ مَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ فَإِنَّ الْحِيَازَةَ فِيهِ بِأَنْ يَقْبِضَهُ الْمُعْطَى وَيُخْرِجَهُ عَنْ يَدِ الْمُعْطِي وَانْتِفَاعِهِ بِهِ فَإِنْ كَانَ ثَوْبًا مُنِعَ الْمُعْطِي مِنْ لُبْسِهِ وَانْفَرَدَ الْمُعْطَى بِلُبْسِهِ وَإِمْسَاكِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَتَاعِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ وَالرَّقِيقِ الَّذِي يُسْتَخْدَمُ فَقَبْضُهُ أَنْ يُمْنَعَ الْمُعْطِي مِنْ اسْتِعْمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ يَنْفَرِدُ بِهِ، وَلَوْ وَهَبَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ خَادِمًا، أَوْ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى امْرَأَتِهِ بِخَادِمٍ وَهِيَ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ تَخْدُمُهَا بِحَالِ مَا كَانَتْ فَذَلِكَ جَائِزٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ مَتَاعُ الْبَيْتِ وَبِهِ أَقُولُ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْكِتَابَيْنِ إذَا أَشْهَدَ لَهَا بِهَذِهِ الْخَادِمِ فَتَكُونُ عِنْدَهَا كَمَا كَانَتْ فِي خِدْمَتِهَا فَهَذَا إلَى الضَّعْفِ وَمَا هُوَ بِالْبَيِّنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَتْهُ هِيَ خَادِمَهَا وَمَتَاعًا فِي الْبَيْتِ فَأَقَامَ ذَلِكَ عَلَى حَالِهِ بِأَيْدِيهِمَا فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُعْطَى يَصِحُّ مِنْهُ الْقَبْضُ لِلْخَادِمِ وَالْمَتَاعِ وَالْحِيَازَةُ لِمَا كَانَ لَهُ حَظٌّ مِنْ الْيَدِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَتَصَرُّفُهُ فِيمَا لَا يَلْزَمُ الْمُعْطَى بِخِلَافِ الدَّارِ إنْ سَكَنَتْ الزَّوْجَةُ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلْزَمُ الزَّوْجَ إسْكَانُهَا عَلَيْهِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ الْهِبَةَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا قَبْلَ الْعَطِيَّةِ فَلَا يَصِحُّ فِيهَا حِيَازَةٌ إلَّا بِتَغَيُّرِهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ بِالنَّقْلِ إلَى مَا يَنْفَرِدُ بِهِ الْمُعْطَى

стр. 1720

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَخُرُوجِهَا عَنْ يَدِ الْمُعْطِي. (فَرْعٌ) وَهَذَا فِيمَا يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا عَلَى الْوَجْهِ مِنْ الِاسْتِخْدَامِ وَالِاسْتِعْمَالِ، وَأَمَّا مَا يُسْتَعْمَلُ مُنْفَرِدًا كَالْعَبْدِ يُخَارَجُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي امْرَأَةٍ نَحَلَتْ ابْنًا لَهَا صَغِيرًا عَبْدَهَا، وَلَهُ مَالٌ فَلَمْ يَحُزْهُ الْأَبُ وَلَا الْوَلَدُ حَتَّى مَاتَتْ الْأُمُّ إنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، فَأَمَّا الْغُلَامُ الَّذِي هُوَ لِلْخَرَاجِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ يَجُوزُ لِلصَّبِيِّ، وَأَمَّا الْغُلَامُ الَّذِي إنَّمَا هُوَ لِلْخِدْمَةِ فَيَخْدُمُهُ يَخْتَلِفُ مَعَهُ وَيَقُومُ فِي حَوَائِجِهِ فَإِنَّهُ حَوْزٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَلَّ أَبُوهُ الْغُلَامَ وَهُوَ مَعَ أَبِيهِ لَكَانَ اخْتِلَافُهُ مَعَهُ وَخِدْمَتُهُ لَهُ حَوْزًا قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَإِنْ خَدَمَ الْأَبَ مَعَ الْغُلَامِ إلَى أَنْ مَاتَ الْأَبُ فَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى أُمِّ وَلَدِهِ بِخَادِمٍ وَابْنُهُ مِمَّا يَكُونُ مَعَهَا فِي الْبَيْتِ فَالْإِشْهَادُ فِي كُلِّ ذَلِكَ حَوْزٌ، وَأَمَّا الْعَبْدُ يُخَارَجُ وَالدَّارُ تُسْكَنُ وَالشَّجَرُ وَمَا هُوَ بَائِنٌ عَنْهُمَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَحُوزَهُ فَيَأْخُذَ الْخَرَاجَ مِنْ الْعَبْدِ وَيَخْرُجَ السَّيِّدُ مِنْ الدَّارِ وَيُجْنَى الشَّجَرُ وَنَحْوُ هَذَا وَأَمَّا الْعُرُوض فَبِالْقَبْضِ وَاللِّبَاسِ وَالْعَارِيَّةِ وَنَحْوِ هَذَا حَوْزُهَا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَقَالَ أَصْبَغُ الْإِشْهَادُ حَوْزٌ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي يَدِهَا، وَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ اللِّبَاسَ وَلَا الْعَارِيَّةَ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا مَا وَهَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ أَصْبَغَ إنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِبَقَرٍ وَغَنَمٍ وَعَبِيدٍ فَاحْتَلَبَ الْغَنَمَ وَاعْتَمَلَ الْبَقَرَ وَاسْتَخْدَمَ الْعَبِيدَ أَمْرًا خَفِيفًا، أَوْ أَمْرًا مَمْزُوجًا مَرَّةً لِلضَّيْفِ وَمَرَّةً لِلِابْنِ وَمَرَّةً لَهُمَا فَذَلِكَ جَائِزٌ وَيَكُونُ حِيَازَةً وَصَدَقَةً تَامَّةً. ١ - (فَصْلٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ حَاضِرَةً بِيَدِهِ وَالْمُعْطَى حَاضِرًا فَإِنْ كَانَ الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى غَائِبَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا غَائِبًا فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْهِبَةُ بِيَدِ الْمُعْطَى، أَوْ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ وَكَانَ الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى غَائِبَيْنِ عَنْ الْهِبَةِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الْحَاضِرِ بِدَارٍ بِبَلْدَةٍ أُخْرَى فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى مَاتَ الِابْنُ إنْ كَانَ صَغِيرًا فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ فِي الْخُرُوجِ، وَكَذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ أَشْهَدَ وَلَمْ يُفَرِّطْ فِي الْقَبْضِ وَلَعَلَّهُ تَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ، أَوْ وَكَّلَ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَاتَ الْأَبُ فَهِيَ جَائِزَةٌ، وَإِنْ فَرَّطَ فَذَلِكَ بَاطِلٌ وَرَوَاهُ أَيْضًا ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ لِلْمُعْطِي قَبْلَ الْقَبْضِ أَنْ يُبْطِلَ الْهِبَةَ كَالْحَاضِرِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْهِبَةَ قَدْ وُجِدَ طَرَفَاهَا مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَلَمْ يُوجَدْ تَفْرِيطُهُمَا فِي قَبْضِهَا يَبْطُلُ حُكْمُهَا فَوَجَبَ أَنْ تَصِحَّ كَمَا لَوْ أَنْفَذَهَا الْمُعْطِي إلَى الْمُعْطَى. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهَا تَصِحُّ مَعَ الِاجْتِهَادِ وَتَبْطُلُ بِالتَّفْرِيطِ فَجُهِلَ الْأَمْرُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ كِنَانَةَ أَنَّهَا عَلَى التَّفْرِيطِ حَتَّى يَثْبُتَ الِاجْتِهَادُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَدَمَ الْقَبْضِ يَقْتَضِي إبْطَالَ الْعَطِيَّةِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ صُورَةُ تَرْكِ الْقَبْضِ فَلَا يُعْدَلُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ الِاجْتِهَادَ الَّذِي يُخْرِجُهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ وَظَاهِرُهُ إلَى مَا يَقُومُ مَقَامَ الْقَبْضِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ الْمُعْطَى غَائِبًا فَقَدْ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الْكَبِيرِ الْغَائِبِ بِعَبْدٍ، أَوْ دَارٍ فَمَاتَ الْأَبُ قَبْلَ الْحِيَازَةِ فَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ فَمَاتَ الْأَبُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَنَحْوِهِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ فِي سَفَرِهِ عَلَى امْرَأَتِهِ، أَوْ ابْنَتِهِ وَلَيْسَتَا مَعَهُ بَعْدُ فَمَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ وَالْعَبْدُ يَخْدُمُهُ أَنَّهُ إنْ أَشْهَد عَلَى الْإِنْفَاذِ مَنْ يَعْرِفُ الْمَرْأَةَ، أَوْ الِابْنَةَ فَذَلِكَ نَافِذٌ، وَإِنْ أَشْهَدَ هَكَذَا مَنْ لَا يَعْرِفُهُمَا فَلَا أَدْرِي مَا هَذَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ مَوْتَ الْوَاهِبِ قَبْلَ الْقَبْضِ مُبْطِلٌ الْهِبَةَ أَصْلُ ذَلِكَ الْحَاضِرُ وَيُقَوِّي ذَلِكَ عَدَمُ الْقَبُولِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْإِشْهَادَ بِإِنْفَاذِهَا أَكْثَرُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مِنْ حِيَازَةِ الْهِبَةِ (فَرْعٌ) وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا يَشْتَرِيهِ الرَّجُلُ فِي الْحَجِّ مِنْ الْهَدَايَا وَيَحْمِلُهُ مَعَهُ أَوْ يَبْعَثُ لَهُ مِنْ صِلَةٍ، أَوْ هَدِيَّةٍ إلَى غَائِبٍ فَيَمُوتُ الْمُعْطِي، أَوْ الْمُعْطَى قَبْلَ وُصُولِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إنْ أَشْهَدَ بِذَلِكَ فَهِيَ لِلْمُعْطَى
следующие страницы →