Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ بَعْضَ الْوُجُوهِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي تَفْسِيرِهِ، وَأَنَّ نِحْلَتَهُ لِعَائِشَةَ ﵂ لَمْ تَكُنْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ لِفَضْلِ عَائِشَةَ عَلَى سَائِرِ إخْوَتِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهَا لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبُّ إلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْك وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الْوَلَدُ فَيَبَرُّهُ بَعْضُهُمْ فَيُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَهُ عَطِيَّةً مِنْ مَالِهِ دُونَ غَيْرِهِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ الْغَابَةُ مَوْضِعٌ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي صِحَّةَ الْهِبَةِ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا قَبْضٌ، وَإِنَّمَا تَنْعَقِدُ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ بِقَوْلِ الْوَاهِبِ قَدْ وَهَبْته لَك وَفِي الصَّدَقَةِ قَدْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْك وَقَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَوْ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ قَدْ قَبِلْت وَأَنْ يُؤَخِّرَ الْقَبْضَ فَيَلْزَمُ وَيُجْبَرُ الْوَاهِبُ وَالْمُتَصَدِّقُ عَلَى التَّسْلِيمِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا لَا تَنْعَقِدُ الْهِبَةُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَقْدٌ مِنْ الْعُقُودِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ انْعِقَادُهُ إلَى الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ يَا بُنَيَّةُ وَاَللَّهِ مَا مِنْ النَّاسِ أَحَبُّ إلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْك يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ مِنْهُ وَأَحَسَّ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ مَا تَيَقَّنَ بِهِ الْوَفَاةَ قَالَ لَهَا الْقَوْلَ الْمُتَقَدِّمَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ لَهَا وَالْإِعْلَامِ لَهَا بِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ إمْضَاءِ هِبَتِهِ لَهَا عَدَمُ إشْفَاقِهِ عَلَيْهَا وَمَحَبَّتِهِ لَهَا وَإِنَّمَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا وَقَوْلُهُ أَحَبُّ غِنًى بَعْدِي مِنْك يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ " بَعْدِي " مِمَّنْ يَخْلُفُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ فِي حَيَاتِهِ وَيَكُونُ مَعْنًى " بَعْدِي " غَيْرِي.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ جِدَادُ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرِ نَخْلِهِ إذَا جُدَّ، وَقَالَ ثَابِتٌ قَوْلُهُ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ يَجِدُّ مِنْهَا وَيَصْرُمُ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ يُقَالُ هَذِهِ أَرْضُ جَادِّ مِائَةِ وَسْقٍ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ يُجَدُّ مِنْهَا فَعَلَى تَفْسِيرِ عِيسَى قَوْلُهُ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا صِفَةٌ لِلثَّمَرَةِ الْمَوْهُوبَةِ فَتَقْدِيرُهُ وَهَبَهَا عِشْرِينَ وَسْقًا مَجْدُودَةً وَعَلَى تَفْسِيرِ ثَابِتٍ قَوْلُهُ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا صِفَةٌ لِلنَّخْلِ الَّتِي وَهَبَ ثَمَرَتَهَا فَمَعْنَاهُ وَهَبَهَا ثَمَرَةَ نَخْلٍ يَجِدُّ مِنْهَا عِشْرُونَ وَسْقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَوْ كُنْت جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ لَكَانَ لَك، يَقْتَضِي أَنَّ الْحِيَازَةَ وَالْقَبْضَ شَرْطٌ فِي تَمَامِ الْهِبَةِ وَأَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَحُزْ مَا وَهَبَهَا فِي صِحَّتِهِ لَمْ تَتِمَّ الْهِبَةُ فَإِنْ كَانَتْ هِبَةُ الثَّمَرَةِ عَلَى الْكَيْلِ فَإِنَّ الْحِيَازَةَ لَا تَكُونُ فِيهَا إلَّا بِالْكَيْلِ بَعْدَ الْجَدِّ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهَا لَوْ كُنْت جَدَدْتِيهِ وَحُزْتِيهِ، وَإِنْ كَانَ وَهَبَهَا ثَمَرَةَ نَخْلٍ مُعَيَّنَةٍ فَالْحِيَازَةُ فِيهَا عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ مَرِضَ فَقَامَ الْمُعْطِي يَطْلُبُهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِيهِ اخْتِلَافٌ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ قَبْضَهُ الْآنَ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يُعْطِ ذَلِكَ عَائِشَةَ لَمَّا مَرِضَ، وَقَالَ أَشْهَبُ يُقْضَى لَهُ الْآنَ بِثُلُثِهَا، وَإِنْ صَحَّ لَهُ بِبَاقِيهَا وَلَا أَرَى قَوْلَ مَنْ قَالَ تَجُوزُ كُلُّهَا مِنْ الثُّلُثِ وَلَا قَوْلَ مَنْ أَبْطَلَ جَمِيعَهَا.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَرَضَ يَمْنَعُ الْحِيَازَةَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ وَيَمْنَعُ الْمَوْتُ الْحِيَازَةَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْوَرَثَةِ فَيَتَصَدَّقُ الرَّجُلُ بِمَالِهِ وَيَبْقَى بِيَدِهِ إذَا تُوُفِّيَ أَخَذَ جَمِيعَهُ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ فَمَنَعَ ذَلِكَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ مِنْ الْمَوَارِيثِ فَوَجَبَ أَنْ يُبْطِلَ وَلَمَّا كَانَ الْمَرَضُ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ وَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ الْحِيَازَةَ كَمَا يَمْنَعُهَا الْمَوْتُ، وَفِي ذَلِكَ بَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يَكُونُ حِيَازَةً، وَالثَّانِي: مَا يَمْنَعُ الْحِيَازَةَ، فَأَمَّا الْحِيَازَةُ فَلَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْهِبَةُ حَاضِرَةً مَعَ الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَوْ غَائِبَةً عَنْهُ فَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ كَالْأَرَضِينَ وَالْأُصُولِ الثَّابِتَةِ، أَوْ يَكُونُ مِمَّا يُنْقَلُ كَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ كَالْأَرَضِينَ فَإِنَّهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي لَا عَمَلَ فِيهَا
стр. 1717
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ مِنْ أَرْضِ الْمُزَارَعَةِ وَالْعَمَلِ فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ الْإِشْهَادُ فِيمَا لَا يَعْمَلُ فِيهِ حِيَازَةً فَكَالدَّيْنِ وَالشَّيْءِ الْمُهْمَلِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا عَطِيَّةٌ كَمُلَ فِيهَا الْعَقْدُ اللَّازِمُ وَلَيْسَتْ فِي يَدِ الْمُعْطِي وَلَا فِيمَا يَنُوبُ عَنْ يَدِهِ فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى مُبَاشَرَةِ الْقَبْضِ كَالدَّيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْهِبَةُ فِي غَيْرِ إبَّانِ الْعَمَلِ، أَوْ فِي إبَّانِ الْعَمَلِ فَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ إبَّانِ الْعَمَلِ أَجْزَأَ مِنْهَا أَنْ تَكُونَ مَحْدُودَةً وَفِي كِتَابِ الْهِبَةِ وَيَشْهَدُ بِتَسْلِيمِهَا إلَيْهِ وَأَتَمُّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقِفَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى حُدُودِهَا وَيُشْهِدُ مَعَ ذَلِكَ عَلَى قَبْضِهَا قَالَ ذَلِكَ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ.
وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى امْرَأَتِهِ بِمَزْرَعَةٍ فِي آخِرِ أَيَّامِ الْحَرْثِ وَأَشْهَدَ عَلَى الْحِيَازَةِ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِنَحْوِ شَهْرٍ وَلَمْ تُحْدِثْ الْمَرْأَةُ فِيهَا حَدَثًا وَلَا غَيْرَهُ إنْ كَانَ لَهَا عُذْرٌ بَيِّنٌ مِثْلَ أَنْ يَفْجَأَ مَوْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُمْكِنَهَا عَمَلٌ، أَوْ إجْنَاءُ شَجَرٍ، أَوْ إحْيَاءٌ، أَوْ غَرْسٌ، أَوْ إصْلَاحٌ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَالصَّدَقَةُ مَاضِيَةٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهَا غَيْرَ هَذَا مِنْ الْحِيَازَةِ فَأَشْبَهَتْ مَا لَا يَعْمُرُ مِنْ الْأَرْضِ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ حِيَازَةً فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَرْضِ إذَا فَاتَتْ حِيَازَتُهَا الْمُخْتَصَّةُ بِهَا بِمَوْتِ الْوَارِثِ، أَوْ مَرَضِهِ مَرَضَ الْمَوْتِ فَأَمَّا إنْ بَقِيَ الْوَاهِبُ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ عَمَلِهَا فَلَمْ يَعْمَلْهَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَا تَعَرَّضَ لِعَمَلِهَا حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَإِنَّ الْهِبَةَ تَبْطُلُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ فَإِنَّ الْحِيَازَةَ لَهُ بِالْعَمَلِ فِيهِ إذَا أَمْكَنَ بِالْحِيَازَةِ فِي أَرْضِ الْعَمَلِ فِيهَا فِي إبَّانِهَا فَإِذَا جَاءَ إبَّانَ عَمَلِهَا وَتَرَكَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْعَمَلَ فِيهَا فَقَدْ تَرَكَ حِيَازَتَهَا.
(فَرْعٌ) فَإِنْ تَعَرَّضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ لِلْعَمَلِ فَمَنَعَهُ الْوَاهِبُ لَمْ يُبْطِلْ ذَلِكَ الْحِيَازَةَ قَالَهُ أَصْبَغُ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَمْكَنَهُ مِنْ الْحِيَازَةِ التَّعَرُّضُ لِلْعَمَلِ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ فَإِذَا مَنَعَ مِنْ الْعَمَلِ مَانِعٌ بِيَدٍ غَالِبَةٍ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الطَّلَبِ وَالسَّعْيِ فِي التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ عَلَى حَالَةٍ يُعْلَمُ بِهَا أَنَّهُ غَيْرُ تَارِكٍ لِلْعَمَلِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْ الْعَمَلِ ضَعْفٌ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا عَنْ الْبَقَرِ وَالْآلَةِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَنْ يُكْرِيَ، أَوْ يُسَاقِيَ أَوْ يُرْفِقُ غَيْرَهُ، أَوْ يَكُونَ عَجَزَ عَنْ وُجُوهِ الْعَمَلِ كُلِّهَا فَإِنْ كَانَ لِضَعْفٍ فِي الْآلَةِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ بِالْكِرَاءِ وَالِاكْتِرَاءِ، أَوْ الْمُسَاقَاةِ، أَوْ الْإِرْفَاقِ وَإِحْيَاءِ الشَّجَرِ فَالصَّدَقَةُ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَأَمَّا إنْ عَجَزَ عَنْ الْعِمَارَةِ بِكُلِّ وَجْهٍ وَتَعَرَّضَ لَهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ فَلَمْ يَصِلْ إلَيْهَا فَإِنَّ الصَّدَقَةَ مَاضِيَةٌ وَالْإِشْهَادُ يُجْزِي فِي هَذَا الْحَوْزِ، وَلَوْ أَقَامَتْ أَعْوَامًا وَالْمَوْهُوبُ لَهُ يَعْرِضُهَا عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ فَلَا يَجِدُ مَعَ الِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ فَالْحِيَازَةُ بِالْإِشْهَادِ تَامَّةٌ رَوَى مَعْنَى ذَلِكَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَزَادَ مَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا الْمُتَصَدِّقُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ وَهَبَهُ نَخْلًا هِبَةً مُطْلَقَةً وَفِيهَا ثَمَرٌ قَدْ أُبِّرَ فَالثَّمَرَةُ لِلْوَاهِبِ كَالْبَيْعِ وَجَوَّزَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْضَ النَّخْلِ وَالسَّقْيِ فِي مَالِ الْوَاهِبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَثْنَى ثَمَرَتَهَا عَشْرَ سِنِينَ، وَلَوْ كَانَتْ بِيَدِ الْوَاهِبِ يَسْقِيهَا الْعَشْرَ سِنِينَ فَقَدْ وَهَبَهَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ لَحِقَهُ دَيْنٌ بَطَلَتْ الْهِبَةُ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي تَمَامِ الْهِبَةِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَتْ الْهِبَةُ، وَإِنْ أَسْلَمَ إلَيْهِ النَّخْلَ يَعْمُرُهَا الْمُعْطِي وَتَكُونُ الثَّمَرَةُ لِلْمُعْطَى صَحَّ الْقَبْضُ وَكَمُلَتْ الْهِبَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ وَهَبَ مَا فِي بُطُونِ غَنَمِهِ، أَوْ أَمَتِهِ فَحَازَ الْمُعْطَى الْأُمَّهَاتِ حَتَّى تَضَعَ فَتِلْكَ حِيَازَةٌ تَامَّةٌ كَالنَّخْلِ يَهَبُهُ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَيَحُوزُ الرِّقَابَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ صُوفُ الْغَنَمِ وَلَبَنُهَا، قَالَ أَصْبَغُ: وَإِنْ حَازَهَا الْمُعْطَى فَذَلِكَ نَافِذٌ وَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْطَى، أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ بَيْعُهَا فِي دَيْنِ الْمَيِّتِ وَلَا إدْخَالُهَا فِي الْقِسْمِ حَتَّى تَضَعَ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ فِي الصُّوفِ وَاللَّبَنِ وَالثَّمَرَةِ، قَالَ: وَأَمَّا الْأَجِنَّةُ فَلَا تَتِمُّ الْحِيَازَةُ فِيهَا إلَّا بَعْدَ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِيهِ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ، وَقَدْ تُبَاعُ أَمَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الدَّيْنِ الْمُسْتَحْدَثِ بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ فَإِنَّ الثَّمَرَ يُرْهَنُ وَلَا يُرْهَنُ
стр. 1718
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْجَنِينُ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ نَمَاءٌ حَادِثٌ فِي الْعَيْنِ يَنْفَصِلُ مِنْهُ فَكَمُلَتْ الْعَطِيَّةُ فِيهِ بِقَبْضِ الْأَصْلِ كَالصُّوفِ وَالثَّمَرَةِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْعِتْقَ أَقْوَى مِنْ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى السِّرَايَةِ فَإِذَا لَمْ يَتَعَجَّلْ الْعِتْقَ فِي الْجَنِينِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ فَبِأَنْ لَا تَتَعَجَّلَ فِيهِ الْهِبَةُ أَوْلَى وَأَحْرَى وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَهَبُ لِلرَّجُلِ مَا تَلِدُ جَارِيَتُهُ عِشْرِينَ سَنَةً أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا قَبَضَ الْجَارِيَةَ، أَوْ وَضَعَتْ لَهُ عَلَى يَدِ حَائِزٍ لَهُ كَالنَّخْلِ يَهَبُ ثَمَرَتَهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا هِبَةُ ثَمَرِ النَّخْلِ فَتَجُوزُ قَبْلَ الْإِبَارِ وَبَعْدَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هِبَةَ الثَّمَرَةِ تَجُوزُ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الثَّمَرَةِ بَعْدَ وُجُودِهَا وَقَبْلَهُ وَكَذَلِكَ الْحِيَازَةُ إذَا أَسْلَمَ الرَّقَبَةَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَهَبُ ثَمَرَةَ نَخْلِهِ عِشْرِينَ سَنَةً أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إنْ حَازَ الْمَوْهُوبُ لَهُ النَّخْلَ، أَوْ جُعِلَتْ عَلَى يَدِ مَنْ يَحُوزُهَا لَهُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَجُوزُ أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ ثَمَرَ نَخْلِهِ عِشْرِينَ سَنَةً إذَا حَازَ الْمَوْهُوبُ لَهُ النَّخْلَ، أَوْ حِيزَتْ لَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَبْضَ النَّخْلِ أَكْثَرَ مَا يُمْكِنُ مِنْ حِيَازَتِهَا وَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِهَا.
(فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَتْ الْعَطِيَّةُ عَلَى وَجْهِ الْعَرِيَّةِ لَا يُحَاوَلُ الْمُعَرَّى عَمَلَهَا وَلَا الِانْفِرَادُ بِهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْعَرِيَّةِ لَا يَصِحُّ حِيَازَتُهَا إلَّا بِاجْتِمَاعِ أَمْرَيْنِ أَنْ يَطْلُعَ فِيهَا ثَمَرُهُ وَيَقْبِضُهَا الْمُعَرَّى فَإِنْ عَدِمَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُعَرَّى بَطَلَ الْإِعْرَاءِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ تَجُوزُ الْحِيَازَةُ بِوُجُودِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: الْإِبَارُ أَوْ تَسْلِيمُ الْعَطِيَّةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُعَرَّى إنَّمَا أَعْطَى الثَّمَرَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَطَاءً مُؤَجَّلًا لَا يَقْتَضِي إخْرَاجَ الْأَصْلِ عَنْ يَدِهِ وَلَا قَبْضِ الثَّمَرَةِ إلَّا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْعَمَلُ عَلَى الْمُعَرَّى وَلَا يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الرِّقَابِ لِتَصِحَّ الْحِيَازَةُ؛ لِأَنَّ عَطِيَّتَهُ لَمْ تَكُنْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَإِنْ سَلَّمَهَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ إلَى الْمُعَرَّى صَحَّتْ الْحِيَازَةُ بَعْدَ أَنْ تَظْهَرَ الثَّمَرَةُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَضَمَّنْ عَطِيَّةً قَبْلَ وُجُودِهَا فَإِذَا وُجِدَتْ وَتَبَرَّعَ بِالتَّسْلِيمِ صَحَّتْ الْحِيَازَةُ، وَكَمُلَتْ الْعَطِيَّةُ وَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ الْإِبَارُ؛ لِأَنَّهُ بِهِ تَظْهَرُ الثَّمَرَةُ وَدُخُولُهُ وَخُرُوجُهُ عِنْدِي حِيَازَةٌ فَالْخِلَافُ بَيْنَ أَشْهَبَ وَابْنِ حَبِيبٍ فِي فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَدَمَ التَّأْبِيرِ عِنْدَ أَشْهَبَ يَمْنَعُ الْحِيَازَةَ وَعِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْحِيَازَةَ مَعَ ظُهُورِ الطَّلْعِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ نَفْسِ الثَّمَرَةِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ حَالَةٌ مِنْ أَحْوَالِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ يُرَاعِي مَعَ كَوْنِ الثَّمَرَةِ عَلَى صِفَةٍ يَصِحُّ حِيَازَتُهَا أَنْ يُوجَدَ قَبْضُهَا لِقَبْضِ الْأَصْلِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ أَشْهَبُ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ احْتَجَّ لِصِحَّةِ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ إنَّ دُخُولَ الْمُعْطَى وَخُرُوجَهُ حِيَازَةٌ فَرَجَعَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ هُنَالِكَ نَوْعًا مِنْ الْقَبْضِ بِهِ تَكُونُ الْحِيَازَةُ وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَيْضًا أَنَّهَا تَقْتَضِي حِيَازَةً فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجْتَزِئَ فِي ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ أَشْهَبُ مِنْ الْحِيَازَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُنَفِّذَ ذَلِكَ لِلْمُعَرَّى إلَّا بِقَبْضِ الثَّمَرَةِ مَعَ الْأَصْلِ فِي حِيَازَةِ الْمُعَرَّى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ مِنْ الدُّورِ فَلَا تَخْلُو الدَّارُ أَنْ يَكُونَ الْوَاهِبُ يَسْكُنُهَا، أَوْ لَا يَسْكُنُهَا فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَسْكُنُهَا فَلَا تَصِحُّ فِيهَا حِيَازَةٌ إلَّا بِإِخْلَاءِ الْوَاهِبِ لَهَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ سُكْنَاهُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ ذَاتَ مَنَازِلَ يُسْكَنُ فِي بَعْضِهَا حِيزَتْ كُلُّهَا قَالَ، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَزَيْدًا صَاحِبَيْ النَّبِيِّ ﷺ حَبَسَا دَارَيْنِ لَهُمَا فَسَكَنَا فِيهَا حَتَّى مَاتَا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جُلَّهُمَا فَحَازَا مَا سَكَنَا وَمَا لَمْ يَسْكُنَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَوْ كَانَتْ دُورًا فَسَكَنَ وَاحِدَةً مِنْهَا لَيْسَتْ جُلَّهُمَا وَهِيَ تَبَعٌ حَازَ مِنْهَا مَا سُكِنَ وَمَا لَمْ يُسْكَنْ سَوَاءٌ كَانَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ صَغِيرًا فِي حِجْرِهِ، أَوْ كَبِيرًا حَائِزًا لِنَفْسِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ بَقِيَ فِيهَا بِاكْتِرَاءٍ، أَوْ إرْفَاقٍ، أَوْ إعْمَارٍ، أَوْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ فَإِنَّ عِيسَى رَوَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ ذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْحِيَازَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهَا قَبْضٌ وَلَا حِيَازَةٌ مَعَ سُكْنَى الْوَاهِبِ لَهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْوَاهِبَةُ زَوْجَةَ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَيَتَمَادَى عَلَى السُّكْنَى مَعَهَا فِيهَا رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْحِيَازَةِ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ الْوَاهِبُ لِلزَّوْجَةِ فَيَتَمَادَى عَلَى السُّكْنَى مَعَهَا فِيهَا لَمَنَعَ ذَلِكَ صِحَّةُ الْحِيَازَةِ؛ لِأَنَّ سُكْنَاهَا عَلَى الزَّوْجِ
стр. 1719
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
دُونَ الزَّوْجَةِ فَسُكْنَى الزَّوْجَةِ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِ لَيْسَ بِيَدٍ لَهَا، وَإِنَّمَا الْيَدُ لِلزَّوْجِ فِي الْمَسْكَنِ فَلِذَلِكَ صَحَّ أَنْ يَحُوزَهَا الزَّوْجُ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجَةِ فِيهَا وَلَمْ يَصِحَّ أَنْ تَحُوزَهَا الزَّوْجَةُ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِ فِيهَا وَمِثْلُ هَذَا أَنْ يَخَافَ الْوَاهِبُ فَيَخْتَفِي عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي تِلْكَ الدَّارِ، أَوْ يُضَيِّفُهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَيَمْرَضُ فِيهَا وَيَمُوتُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الْحِيَازَةَ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ حِيَازَةِ الْمُعْطَى بِيَوْمٍ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِسُكْنَى فِي الْحَقِيقَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهَا عَلَى وَجْهِ السُّكْنَى بِاكْتِرَاءٍ، أَوْ إرْفَاقٍ فَإِنْ كَانَ رَجَعَ إلَيْهَا بَعْدَ الْمُدَّةِ الْقَرِيبَةِ مِمَّا يَرَى أَنَّهُ قَصَدَ إلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهُ مِنْهَا فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى إبْطَالِ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ فَاَلَّذِي رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ إذَا سَكَنَهَا بَعْدَ أَنْ حَازَهَا الْمُعْطَى السَّنَةَ فَأَكْثَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الْهِبَةَ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَيْهَا الْمُعْطَى بِاكْتِرَاءٍ، أَوْ إسْكَانٍ بَعْدَ حِيَازَةِ الْمُعْطَى الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ وَمَاتَ فِيهَا فَإِنَّ الصَّدَقَةَ تَبْطُلُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُعْطَى إذَا كَانَ مَالِكٌ أَمَرَهُ وَحَازَ لِنَفْسِهِ حِيَازَةً بَيِّنَةً تَبْعُدُ فِيهِ التُّهْمَةُ فَقَدْ صَحَّتْ الْهِبَةُ وَكَمُلَتْ فَلَا يَضُرُّهَا مَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ سُكْنَى الْمُعْطَى، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ رُجُوعَ الْوَاهِبِ فِيمَا وَهَبَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ السُّكْنَى وَمَوْتُهُ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ يُبْطِلُ الْحِيَازَةَ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ صَغِيرًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا فَحَازَ عَلَيْهِ الْأَبُ، أَوْ غَيْرُهُ ثُمَّ رَجَعَ الْأَبُ إلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَكْبُرُوا وَيَحُوزُونَ لِأَنْفُسِهِمْ سَنَةً فَهِيَ بَاطِلَةٌ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَبِيرَ الْحَائِزَ لِنَفْسِهِ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِ الْأَبِ الْوَاهِبِ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُعَدُّ رُجُوعُهُ إلَيْهَا رُجُوعًا فِي هِبَتِهِ وَالصَّغِيرُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَتْ حِيَازَةُ الْأَبِ حِيَازَةً تَامَّةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَطْرَأُ الْفَسَادُ فَلِذَلِكَ تَبْطُلُ الْهِبَةُ بِرُجُوعِ الْأَبِ إلَيْهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَسْكُنُهَا الْوَاهِبُ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأَرَضِينَ غَيْرَ أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْغَلْقِ وَالْقَفْلِ عَلَيْهَا فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْحَائِزُ فِيهَا فَهُوَ تَمَامُ الْحِيَازَةِ لَهَا.
وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِدَارٍ فَدَفَعَ مِفْتَاحَهَا إلَيْهِ وَبَرِئَ مِنْهَا أَنَّ تِلْكَ حِيَازَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا الْمُعْطَى وَلَا أَسْكَنَهَا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ حِيَازَةَ الْأَبِ الْوَاهِبِ ابْنَهُ الصَّغِيرَ فِيهَا بِالْإِشْهَادِ خَاصَّةً، وَذَلِكَ عِنْدِي بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ السُّكْنَى بِالِاكْتِرَاءِ أَوْ الِانْتِفَاعِ الدَّائِمِ بِهَا، وَلَوْ كَانَتْ مُهْمَلَةً غَيْرَ مُغْلَقَةٍ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا فِي كِرَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ لَرَأَيْت أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْأَرْضِ الَّتِي لَمْ تُزْرَعْ فِي إبَّانِ زِرَاعَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْحَيَوَانُ وَكُلُّ مَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ فَإِنَّ الْحِيَازَةَ فِيهِ بِأَنْ يَقْبِضَهُ الْمُعْطَى وَيُخْرِجَهُ عَنْ يَدِ الْمُعْطِي وَانْتِفَاعِهِ بِهِ فَإِنْ كَانَ ثَوْبًا مُنِعَ الْمُعْطِي مِنْ لُبْسِهِ وَانْفَرَدَ الْمُعْطَى بِلُبْسِهِ وَإِمْسَاكِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَتَاعِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ وَالرَّقِيقِ الَّذِي يُسْتَخْدَمُ فَقَبْضُهُ أَنْ يُمْنَعَ الْمُعْطِي مِنْ اسْتِعْمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ يَنْفَرِدُ بِهِ، وَلَوْ وَهَبَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ خَادِمًا، أَوْ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى امْرَأَتِهِ بِخَادِمٍ وَهِيَ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ تَخْدُمُهَا بِحَالِ مَا كَانَتْ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ مَتَاعُ الْبَيْتِ وَبِهِ أَقُولُ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْكِتَابَيْنِ إذَا أَشْهَدَ لَهَا بِهَذِهِ الْخَادِمِ فَتَكُونُ عِنْدَهَا كَمَا كَانَتْ فِي خِدْمَتِهَا فَهَذَا إلَى الضَّعْفِ وَمَا هُوَ بِالْبَيِّنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَتْهُ هِيَ خَادِمَهَا وَمَتَاعًا فِي الْبَيْتِ فَأَقَامَ ذَلِكَ عَلَى حَالِهِ بِأَيْدِيهِمَا فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُعْطَى يَصِحُّ مِنْهُ الْقَبْضُ لِلْخَادِمِ وَالْمَتَاعِ وَالْحِيَازَةُ لِمَا كَانَ لَهُ حَظٌّ مِنْ الْيَدِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَتَصَرُّفُهُ فِيمَا لَا يَلْزَمُ الْمُعْطَى بِخِلَافِ الدَّارِ إنْ سَكَنَتْ الزَّوْجَةُ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلْزَمُ الزَّوْجَ إسْكَانُهَا عَلَيْهِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ الْهِبَةَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا قَبْلَ الْعَطِيَّةِ فَلَا يَصِحُّ فِيهَا حِيَازَةٌ إلَّا بِتَغَيُّرِهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ بِالنَّقْلِ إلَى مَا يَنْفَرِدُ بِهِ الْمُعْطَى
стр. 1720
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَخُرُوجِهَا عَنْ يَدِ الْمُعْطِي.
(فَرْعٌ) وَهَذَا فِيمَا يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا عَلَى الْوَجْهِ مِنْ الِاسْتِخْدَامِ وَالِاسْتِعْمَالِ، وَأَمَّا مَا يُسْتَعْمَلُ مُنْفَرِدًا كَالْعَبْدِ يُخَارَجُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي امْرَأَةٍ نَحَلَتْ ابْنًا لَهَا صَغِيرًا عَبْدَهَا، وَلَهُ مَالٌ فَلَمْ يَحُزْهُ الْأَبُ وَلَا الْوَلَدُ حَتَّى مَاتَتْ الْأُمُّ إنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، فَأَمَّا الْغُلَامُ الَّذِي هُوَ لِلْخَرَاجِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ يَجُوزُ لِلصَّبِيِّ، وَأَمَّا الْغُلَامُ الَّذِي إنَّمَا هُوَ لِلْخِدْمَةِ فَيَخْدُمُهُ يَخْتَلِفُ مَعَهُ وَيَقُومُ فِي حَوَائِجِهِ فَإِنَّهُ حَوْزٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَلَّ أَبُوهُ الْغُلَامَ وَهُوَ مَعَ أَبِيهِ لَكَانَ اخْتِلَافُهُ مَعَهُ وَخِدْمَتُهُ لَهُ حَوْزًا قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَإِنْ خَدَمَ الْأَبَ مَعَ الْغُلَامِ إلَى أَنْ مَاتَ الْأَبُ فَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى أُمِّ وَلَدِهِ بِخَادِمٍ وَابْنُهُ مِمَّا يَكُونُ مَعَهَا فِي الْبَيْتِ فَالْإِشْهَادُ فِي كُلِّ ذَلِكَ حَوْزٌ، وَأَمَّا الْعَبْدُ يُخَارَجُ وَالدَّارُ تُسْكَنُ وَالشَّجَرُ وَمَا هُوَ بَائِنٌ عَنْهُمَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَحُوزَهُ فَيَأْخُذَ الْخَرَاجَ مِنْ الْعَبْدِ وَيَخْرُجَ السَّيِّدُ مِنْ الدَّارِ وَيُجْنَى الشَّجَرُ وَنَحْوُ هَذَا وَأَمَّا الْعُرُوض فَبِالْقَبْضِ وَاللِّبَاسِ وَالْعَارِيَّةِ وَنَحْوِ هَذَا حَوْزُهَا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَقَالَ أَصْبَغُ الْإِشْهَادُ حَوْزٌ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي يَدِهَا، وَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ اللِّبَاسَ وَلَا الْعَارِيَّةَ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا مَا وَهَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ أَصْبَغَ إنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِبَقَرٍ وَغَنَمٍ وَعَبِيدٍ فَاحْتَلَبَ الْغَنَمَ وَاعْتَمَلَ الْبَقَرَ وَاسْتَخْدَمَ الْعَبِيدَ أَمْرًا خَفِيفًا، أَوْ أَمْرًا مَمْزُوجًا مَرَّةً لِلضَّيْفِ وَمَرَّةً لِلِابْنِ وَمَرَّةً لَهُمَا فَذَلِكَ جَائِزٌ وَيَكُونُ حِيَازَةً وَصَدَقَةً تَامَّةً.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ حَاضِرَةً بِيَدِهِ وَالْمُعْطَى حَاضِرًا فَإِنْ كَانَ الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى غَائِبَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا غَائِبًا فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْهِبَةُ بِيَدِ الْمُعْطَى، أَوْ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ وَكَانَ الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى غَائِبَيْنِ عَنْ الْهِبَةِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الْحَاضِرِ بِدَارٍ بِبَلْدَةٍ أُخْرَى فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى مَاتَ الِابْنُ إنْ كَانَ صَغِيرًا فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ فِي الْخُرُوجِ، وَكَذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ أَشْهَدَ وَلَمْ يُفَرِّطْ فِي الْقَبْضِ وَلَعَلَّهُ تَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ، أَوْ وَكَّلَ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَاتَ الْأَبُ فَهِيَ جَائِزَةٌ، وَإِنْ فَرَّطَ فَذَلِكَ بَاطِلٌ وَرَوَاهُ أَيْضًا ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ لِلْمُعْطِي قَبْلَ الْقَبْضِ أَنْ يُبْطِلَ الْهِبَةَ كَالْحَاضِرِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْهِبَةَ قَدْ وُجِدَ طَرَفَاهَا مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَلَمْ يُوجَدْ تَفْرِيطُهُمَا فِي قَبْضِهَا يَبْطُلُ حُكْمُهَا فَوَجَبَ أَنْ تَصِحَّ كَمَا لَوْ أَنْفَذَهَا الْمُعْطِي إلَى الْمُعْطَى.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهَا تَصِحُّ مَعَ الِاجْتِهَادِ وَتَبْطُلُ بِالتَّفْرِيطِ فَجُهِلَ الْأَمْرُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ كِنَانَةَ أَنَّهَا عَلَى التَّفْرِيطِ حَتَّى يَثْبُتَ الِاجْتِهَادُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَدَمَ الْقَبْضِ يَقْتَضِي إبْطَالَ الْعَطِيَّةِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ صُورَةُ تَرْكِ الْقَبْضِ فَلَا يُعْدَلُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ الِاجْتِهَادَ الَّذِي يُخْرِجُهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ وَظَاهِرُهُ إلَى مَا يَقُومُ مَقَامَ الْقَبْضِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الْمُعْطَى غَائِبًا فَقَدْ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الْكَبِيرِ الْغَائِبِ بِعَبْدٍ، أَوْ دَارٍ فَمَاتَ الْأَبُ قَبْلَ الْحِيَازَةِ فَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ فَمَاتَ الْأَبُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَنَحْوِهِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ فِي سَفَرِهِ عَلَى امْرَأَتِهِ، أَوْ ابْنَتِهِ وَلَيْسَتَا مَعَهُ بَعْدُ فَمَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ وَالْعَبْدُ يَخْدُمُهُ أَنَّهُ إنْ أَشْهَد عَلَى الْإِنْفَاذِ مَنْ يَعْرِفُ الْمَرْأَةَ، أَوْ الِابْنَةَ فَذَلِكَ نَافِذٌ، وَإِنْ أَشْهَدَ هَكَذَا مَنْ لَا يَعْرِفُهُمَا فَلَا أَدْرِي مَا هَذَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ مَوْتَ الْوَاهِبِ قَبْلَ الْقَبْضِ مُبْطِلٌ الْهِبَةَ أَصْلُ ذَلِكَ الْحَاضِرُ وَيُقَوِّي ذَلِكَ عَدَمُ الْقَبُولِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْإِشْهَادَ بِإِنْفَاذِهَا أَكْثَرُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مِنْ حِيَازَةِ الْهِبَةِ (فَرْعٌ) وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا يَشْتَرِيهِ الرَّجُلُ فِي الْحَجِّ مِنْ الْهَدَايَا وَيَحْمِلُهُ مَعَهُ أَوْ يَبْعَثُ لَهُ مِنْ صِلَةٍ، أَوْ هَدِيَّةٍ إلَى غَائِبٍ فَيَمُوتُ الْمُعْطِي، أَوْ الْمُعْطَى قَبْلَ وُصُولِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إنْ أَشْهَدَ بِذَلِكَ فَهِيَ لِلْمُعْطَى
стр. 1721
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِذَلِكَ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا رَجَعَتْ إلَى وَرَثَةِ الْمُعْطِي وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا رَجَعَتْ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ فَمَعْنَى مَا فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ إنْ مَاتَ الْمُعْطِي بَطَلَتْ الْهَدِيَّةُ فَرَجَعَتْ إلَى وَرَثَتِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُعْطَى صَحَّتْ الْهَدِيَّةُ فَكَانَتْ لِوَرَثَتِهِ وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مِثْلُهُ مُفَسَّرًا أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا فَلَا حَقَّ فِيهَا لِلْمُعْطَى وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ يُفْسِدُ الْهَدِيَّةَ، وَإِنْ كَانَ الْمُهْدَى حَيًّا.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ الْإِشْهَادَ يَقُومُ مَقَامَ الْحِيَازَةِ، فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنْ يُذْكَرَ ذَلِكَ لِلْعُدُولِ حِينَ الشِّرَاءِ، أَوْ غَيْرِهِمْ حَتَّى يُشْهِدَهُمْ وَاَلَّذِي يُجْزِئُ مِنْ الْإِشْهَادِ قَالَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ أَشْهِدُوا عَلَيَّ فَهَذَا إشْهَادٌ تَامٌّ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ قَالَ لِرَسُولَيْنِ: ادْفَعَا ذَلِكَ إلَى فُلَانٍ فَإِنِّي وَهَبْته ذَلِكَ فَهِيَ شَهَادَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ فَإِنِّي وَهَبْته فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتِمُّ، وَإِنْ شَهِدَا بِذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ قَدْ أَشْهَدَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إشْهَادًا، أَوْ يَصِلَ ذَلِكَ إلَى الْمُعْطَى فِي حَيَاةِ الْمُعْطِي.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إذَا سَمِعَا مِنْهُ مَا يَقْتَضِي تَبْتِيلَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْإِشْهَادِ بِهَا فِي الْإِتْيَانِ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُمْكِنُ مِنْ تَبْتِيلِهَا، فَقَوْلُهُ إنِّي قَدْ وَهَبْته إيَّاهَا مَعَ أَمْرِ الْحَامِلِينَ بِإِيصَالِهَا إلَى الْمُعْطَى يَقُومُ مَقَامَ الْإِشْهَادِ بِهَا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يُجْزِي إلَّا الْقَصْدُ إلَى الْإِشْهَادِ بِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَكْثَرُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُفْعَلَ فِي أَمْرِهَا فَأَمَّا إذَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الْعُدُولَ حِينَ الشِّرَاءِ، أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْصِدْ الْإِشْهَادَ فَإِنْ وَصَلَتْ إلَيْهِ فِي حَيَاةِ الْمُعْطِي فَهِيَ لَهُ، وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ حِيَازَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْقَصْدُ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْمُعْطِي وَلَا قُبِضَتْ فِي حَيَاتِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ بِغَيْرِ يَدِ الْمُعْطَى فَحِيَازَةُ الْمُعْطِي بِالطَّلَبِ لَهَا أَقْوَى.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ بِعَبْدِهِ الْآبِقِ عَلَى رَجُلٍ فَطَلَبَهُ الْمُعْطِي وَاجْتَهَدَ فَلَمْ يَجِدْهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْطَى قَالَ هُوَ نَافِذٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِيَدِ الْمُعْطَى فَالْإِشْهَادُ فِيهِ وَطَلَبُ الْمُعْطِي لَهُ حَوْزٌ كَالدَّيْنِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ وَدِيعَةٌ فَقَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْت بِهَا عَلَى فُلَانٍ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِقَبْضِهَا ثُمَّ مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنْ عَلِمَ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ فَتِلْكَ حِيَازَةٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بَطَلَتْ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ صَارَ حَائِزًا لِلْمُعْطَى فَلَوْ دَفَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْمُعْطِي ضَمِنَهَا رَوَاهُ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةُ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَكَتَبَ إلَى وَكِيلِهِ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ فَأَعْطَاهُ الْوَكِيلُ خَمْسِينَ وَمَاتَ الْمُعْطَى قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ لَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَ مَا قَبَضَ؛ لِأَنَّ وَكِيلَهُ بِمَنْزِلَتِهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُودَعِ أَنَّ الْوَكِيلَ مَأْمُورٌ بِالدَّفْعِ فَهُوَ فِيهِ نَائِبٌ عَنْ الْمُعْطِي وَالْمُودَعُ لَيْسَ بِمَأْمُورٍ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِحِفْظِ الْوَدِيعَةِ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهَا قَدْ صَارَتْ لِلْمُعْطَى صَارَ حَافِظًا لَهَا وَصَارَتْ يَدُهُ يَدَهُ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي الْوَدِيعَةِ إذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَأَشْهَدَ صَحَّتْ قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ الْمُعْطِي دَعْهَا لِي بِيَدِك وَمَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ تَعُودَ يَدُ الْمُودَعِ لِلْمُعْطِي فَيَكُونُ قَابِضًا لَهُ وَحَافِظًا لِمَا أَعْطَى بِأَمْرِهِ فَتَصِحُّ بِذَلِكَ الْحِيَازَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَعْطَى رَجُلًا غَلَّةَ كَرْمِهِ سِنِينَ، أَوْ أَسْكَنَهُ دَارِهِ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِالرَّقَبَةِ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ، قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: ذَلِكَ جَائِزٌ وَالصَّدَقَةُ لِلِابْنِ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ بِأَنَّهُ جَعَلَ لِلسَّاكِنِ الْحِيَازَةَ لِابْنِهِ، وَلَوْ أَشْهَدَ بِذَلِكَ لَكَانَ حَسَنًا، قَالَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِيهَا وَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْهُمْ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ فَهُوَ حِيَازَةٌ لِمَنْ أَعْطَى الرَّقَبَةَ، وَإِنْ كَانَ أَسْكَنَ ثُمَّ أَعْطَى الرَّقَبَةَ فَإِنْ رَجَعَتْ الرَّقَبَةُ وَالْمُعْطِي حَيٌّ فَهِيَ لِلْمُعْطَى وَإِنْ مَاتَ الْمُعْطِي، أَوْ أَفْلَسَ، أَوْ مَرِضَ قَبْلَ أَنْ يُرْجِعَ الرَّقَبَةَ فَلَا شَيْءَ لِلْمُعْطَى قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ أَخْدَمَ رَجُلًا عَبْدًا ثُمَّ
стр. 1722
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
بَتَلَ رَقَبَتَهُ لِلْآخَرِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ يَدَ السَّاكِنِ لَيْسَتْ بِيَدِ الْمُعْطِي فَجَازَ أَنْ يَجُوزَ لِلْمُعْطَى كَمَا لَوْ كَانَ الْإِسْكَانُ وَالْعَطِيَّةُ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ السَّاكِنَ لَمَّا انْفَرَدَتْ عَطِيَّتُهُ وَتَقَدَّمَتْ وَحَازَ لِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ حَائِزًا لِغَيْرِهِ كَالْمُعْطِي.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ وَهَبَ مَا عِنْدَ الْمُعْطَى بِعَارِيَّةٍ، أَوْ وَدِيعَةٍ، أَوْ إجَارَةٍ فَقَوْلُ الْمُعْطَى قَبِلْت حِيَازَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ بِبَلَدِ غَيْرِ الْمُعْطَى بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ ذَلِكَ نَافِذٌ إذَا شَهِدَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَتْ بِيَدِ رَجُلٍ يُحْسِنُ يُرِيدُ حَيَاتَهُ، أَوْ عَارِيَّةً فَيَجُوزُ لِلْمُعْطَى وَإِنْ مَاتَ الْمُعْطِي، وَأَمَّا فِي الْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ فَلَا يَكُونُ حَوْزًا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَهُ مَعَ الرَّقَبَةِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصْوَبُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ قَابِضٌ لِنَفْسِهِ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ الْحِيَازَةِ لِلْمُعْطَى كَالْمُعَارِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ الْمُعْطَى يَأْخُذُ عِوَضَ الْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَةِ فَصَارَتْ يَدُ الْمُسْتَأْجِرِ يَدَهُ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْحِيَازَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ وَهَبَهُ مَا بِيَدِ غَاصِبِهِ لَمْ تَكُنْ حِيَازَةُ الْغَاصِبِ لَهُ حِيَازَةً رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ ذَلِكَ قَبْضٌ وَحِيَازَةٌ لِلْمُعْطَى قَالَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ ضَامِنٌ فَهُوَ كَدَيْنٍ عَلَيْهِ يَجُوزُ بِالْإِشْهَادِ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ يَدَ الْغَاصِبِ يَدٌ مَانِعَةٌ لِلْمُعْطَى فَلَمْ تَصِحَّ بِهَا الْحِيَازَةُ كَيَدِ الْمُعْطِي، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِيَدٍ لِلْمُعْطِي وَإِذَا اسْتَوَتْ يَدُ الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى صَحَّتْ حِيَازَةُ الْمُعْطَى كَالْأَرْضِ الْمَبُورَةِ وَالدَّيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ وَهَبْته دَيْنًا لَك عَلَى غَرِيمٍ لَك غَائِبٌ فَدَفَعْت إلَيْهِ ذَلِكَ الْحَقَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذِكْرُ حَقٍّ فَأَشْهَدْت وَقَبِلَ الْمُعْطَى جَازَ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ هَكَذَا يُقْبَضُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ؛ لِأَنَّ الْغَرِيمَ لَوْ حَضَرَ لَمْ يَكُنْ الْحَوْزُ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَلَوْ قَالَ لَا أَرْضَى لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ وُهِبَ الْمُسْتَوْدَعُ مَا عِنْدَهُ فَلَمْ يَقُلْ قَبِلْت حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ بَلْ هِيَ حِيَازَةٌ جَائِرَةٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَا أَقْبَلُ قَالَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَطِيَّةَ بِيَدِ الْمُعْطَى فَتَأَخُّرُ الْقَبُولِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا قَالَ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَهَبْته هِبَةً فَلَمْ يَقُلْ قَبِلْت وَقَبَضَهَا لِيَنْظُرَ رَأْيَهُ فَمَاتَ الْمُعْطِي فَهِيَ مَاضِيَةٌ إنْ رَضِيَهَا وَلَهُ رَدُّهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَعَثَ بِهِبَةٍ إلَى رَجُلٍ فَأَشْهَدَ فَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ حَتَّى مَاتَ الْمُعْطِي فَلَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا فَتَكُونَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَلَهُ رَدُّهَا، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْهِبَةَ يَمْنَعُ صِحَّتُهَا عَدَمُ الْقَبْضِ فَبِأَنْ يَمْنَعَ صِحَّتَهَا عَدَمُ الْقَبُولِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
(فَصْلٌ) :
وَمَعْنَى الْقَبْضِ أَنْ يَقْبِضَ الْمُعْطِي الْعَطِيَّةَ وَتَصِيرَ فِي يَدِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمِ الْمُعْطِي وَلَا إذْنِهِ فَمَاتَ الْمُعْطِي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ وَيَرْضَى فَذَلِكَ حَوْزٌ عِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَهُ قَضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَبْضَ حَوْزٌ لِلْمُعْطَى لَيْسَ لِلْمُعْطِي مَنْعُهُ مِنْهُ فَصَحَّ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَمَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فَقُضِيَ بِهِ عَلَيْهِ.
(فَرْعٌ) وَلَوْ مَاتَ الْمُعْطِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَامَ غَرِيمُهُ فَحَازَهُ وَالْمُعْطَى غَائِبٌ فَبَقِيَتْ بِيَدِهِ حَتَّى مَاتَ الْمُعْطَى فَتِلْكَ حِيَازَةٌ تَامَّةٌ حَازَهَا بِسُلْطَانٍ، أَوْ بِغَيْرِهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ تَصِحُّ الْحِيَازَةُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُعْطِي رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنَتِهِ وَهِيَ ذَاتُ زَوْجٍ بِمَسْكَنٍ فَخَزَّنَ فِيهِ الزَّوْجُ طَعَامًا حَتَّى مَاتَ الْأَبُ إنَّ ذَلِكَ حِيَازَةٌ لِابْنَتِهِ مَعَ أَنَّ الْأَبَ إنَّمَا سَلَّمَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِيَحُوزَ لِابْنَتِهِ قَالَ أَصْبَغُ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ حِيَازَةً لَهَا إلَّا أَنْ تُوَكِّلَهُ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْهِبَةَ لَمْ تَبْقَ بِيَدِ الْوَاهِبِ بَلْ هِيَ عَلَى حَالَةٍ يَتَسَاوَى فِيهَا الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى فَلَمْ تَمْنَعْ صِحَّةُ الْحِيَازَةِ كَالدَّيْنِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّهَا هِبَةٌ لَمْ يَقْبِضْهَا الْمُعْطَى وَلَا مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فَلَمْ تَتِمَّ حِيَازَتُهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ بِيَدِ الْمُعْطِي، وَهَذَا الْأَصْلُ قَدْ أَوْجَبَ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ وَاَللَّهُ
стр. 1723
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ تَصَدَّقَ بِدَارٍ ثُمَّ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَخَاصَمَهُ الْمُعْطَى وَأَثْبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَحُكِمَ لَهُ بِهَا فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى مَاتَ الْمُعْطِي فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ الْحُكْمُ بِحَوْزٍ كَمَا لَوْ أَخَذَ الْمُعْطِي وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُعْطَى.
وَقَالَ أَصْبَغُ وَمُطَرِّفٌ هُوَ حَوْزٌ كَمَا لَوْ أَقَامَ الْبَائِعُ بِطَلَبِ سِلْعَتِهِ فِي التَّفْلِيسِ وَتَقُومُ بَيِّنَةٌ فَيَمُوتُ الْمُفْلِسُ قَبْلَ الْحُكْمِ أَنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِهَا، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَنَّ الْمُفْلِسَ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ لِخَصْمِهِ، وَأَمَّا بَيِّنَةُ الْمُعْطَى فَإِنَّهَا بَيَّنَتْ إقْرَارَ الْمُعْطِي، وَوَجْهُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ أَنَّ مَنْعَ الْمُعْطِي الْعَطِيَّةَ مَعَ طَلَبِ الْمُعْطَى لَهَا لَيْسَ بِأَثْبَتَ مِنْ إنْفَاذِهِ لَهَا فَيَمُوتُ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَى الْمُعْطَى، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْحِيَازَةَ فَمَنْعُهُ إيَّاهَا عُذْرٌ يَصِحُّ مَعَهُ الْحِيَازَةُ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْ الْمُعْطَى الْقَبُولُ وَالطَّالِبُ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ الْقَبْضِ وَاَلَّذِي بَعَثَ إلَيْهِ بِالْهَدِيَّةِ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ قَبُولٌ وَلَا طَلَبٌ، وَقَدْ قَضَى بِحِيَازَتِهِ لِعُذْرِ الْمَسَافَةِ فَفِي مَسْأَلَتِنَا أَوْلَى.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا وَقَفَ الْإِمَامُ الْعَطِيَّةَ حَتَّى يَنْظُرَ فِي حُجَّتِهَا فَإِنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِهَا كَمَا لَوْ قَامَ فِي الْفَلْسِ فِي سِلْعَتِهِ فَلَمْ يَقْضِ لَهُ بِهَا حَتَّى مَاتَ الْمُفْلِسُ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ الْبَائِعُ أَحَقُّ بِهَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ أَمَّا إدْخَالُ الْقَاضِي بَيْنَ الْوَاهِبِ وَبَيْنَهَا حَتَّى لَا يَجُوزَ حُكْمُهُ فِيهَا فَيَقْضِي بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فِيهَا كَمَا كَانَ يَقْضِي فِي حَيَاتِهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ الْوَاهِبُ مَنَعَ مِنْهَا الْمُعْطَى فَلَمْ يَطْلُبْهَا فَهِيَ بَاطِلٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ بَاعَ الْمُعْطِي الْهِبَةَ فَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُشْتَرِي حَتَّى مَاتَ الْمُعْطِي قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ الْبَيْعُ حِيَازَةٌ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَصْبَغُ لَيْسَ الْبَيْعُ بِحِيَازَةٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ إلَّا الْعِتْقُ وَحْدَهُ وَجْهُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْبَيْعَ إخْرَاجٌ عَنْ الْمِلْكِ فَأَغْنَى عَنْ الْحِيَازَةِ كَالْعِتْقِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ الْعِتْقَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ وَيُؤَثِّرُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، وَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَ حِصَّةً مِنْ عَبْدٍ فَإِنَّهُ يُعْتِقُ عَلَيْهِ سَائِرَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبَيْعُ فَإِنَّهُ لَا يَسْرِي إلَى غَيْرِ مِلْكِهِ فَلَمْ يُغْنِ عَنْ الْحِيَازَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ وَهَبَهُ الْمُعْطِي ثُمَّ مَاتَ الْمُعْطِي فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْهِبَةَ حَوْزٌ، وَبِهِ قَالَ مُطَرِّفٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَكُونُ حِيَازَةً؛ لِأَنَّهَا مُحْتَاجَةٌ إلَى حِيَازَةٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ خُرُوجَ الْعَطِيَّةِ عَنْ الْمِلْكِ حِيَازَةٌ كَالْبَيْعِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا لَا تَسْتَغْنِي عَنْ الْحِيَازَةِ فِي نَفْسِهَا فَلَمْ يُغْنِ عَنْهَا غَيْرُهَا مِنْ الْهِبَاتِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ إذَا وَهَبَهُ الْمُعْطِي لِآخَرَ فَمَاتَ الْمُعْطِي قَبْلَ أَنْ يَحُوزَهُ فَهُوَ لَهُ إذَا وَجَدَهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، أَوْ الْوَاهِبِ الْأَوَّلِ وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَلَمْ يَقْبِضْهُ الْآخَرُ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ الْأَوَّلُ فَلَا شَيْءَ لَهُ.
[بَابٌ فِيمَا يَمْنَعُ الْحِيَازَةَ وَيُبْطِلُ الْعَطِيَّةَ] ١
(بَابٌ فِيمَا يَمْنَعُ الْحِيَازَةَ وَيُبْطِلُ الْعَطِيَّةَ) وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحِيَازَةِ، أَوْ يُفْلِسَ، أَوْ يَمْرَضَ مَرَضَ مَوْتِهِ فَإِذَا مَرِضَ تَوَقَّفَ عَنْ إنْفَاذِ الْهِبَةِ فَإِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ قُضِيَ لَهُ بِإِبْطَالِهَا، وَإِنْ صَحَّ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ لَمْ يَمْرَضْ فِي صِحَّةِ عَطِيَّتِهِ وَإِبْطَالِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَقَدْ بَلَغَ مِنْ مَرَضِهِ مَبْلَغًا تَيَقَّنَ الْمَوْتَ مِنْهُ فَلَوْ كُنْت جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهَذَا حُكْمُ الْهِبَةِ لِلْوَاحِدِ يَبْطُلُ جَمِيعُهَا، أَوْ يَصِحُّ جَمِيعُهَا فَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَوَلَدِهِ الْكَبِيرِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ فَلَمْ يَقْبِضْ الْأَجْنَبِيُّ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ تَبْطُلُ حِصَّةُ الصِّغَارِ وَحِصَّةُ الْكِبَارِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُعْرَفُ إنْفَاذُ الْحَبْسِ لِلصِّغَارِ إلَّا بِحِيَازَةِ الْكِبَارِ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ وَعَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ نَصِيبُ الصَّغِيرِ جَائِزٌ وَيَبْطُلُ نَصِيبُ الْكَبِيرِ بِخِلَافِ الْحَبْسِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الْجَمِيعَ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي هِبَةِ الْجُزْءِ الْمُشَاعِ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ عَطِيَّةٌ فَإِذَا بَطَلَ بَعْضُهَا لِعَدَمِ الْحِيَازَةِ بَطَلَ جَمِيعُهَا كَالْحَبْسِ، وَوَجْهُ
стр. 1724
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالْحَبْسِ أَنَّ الصَّدَقَةَ لِجَمَاعَةٍ مُقْتَضَاهَا الْقِسْمَةُ فَجَازَ أَنْ يَبْطُلُ بَعْضُهَا وَيَصِحُّ بَعْضُهَا وَالْحَبْسُ يُنَافِي الْقِسْمَةَ؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْمُحْبِسِ، وَإِنَّمَا تُقَسَّمُ الْغَلَّةُ فَإِذَا بَطَلَ بَعْضُ الْحَبْسِ لِعَدَمِ الْحِيَازَةِ بَطَلَ جَمِيعُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا ذَهَابُ الْعَقْلِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي امْرَأَةٍ تَصَدَّقَتْ بِعَبْدٍ، أَوْ بِدَنَانِيرَ فِي صِحَّتِهَا فَلَمْ يَجُزْ عَنْهَا حَتَّى ذَهَبَ عَقْلُهَا إنَّهَا بَاطِلَةٌ كَالْمَوْتِ وَالتَّفْلِيسِ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مَوْقُوفَةً فَإِنْ بَرِئَتْ مِنْ ذَلِكَ فَهِيَ عَلَى صَدَقَتِهَا، وَإِنْ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِمَوْتِهَا بَطَلَتْ الصَّدَقَةُ بِمَوْتِهَا، وَقَدْ يُرْوَى هَذَا اللَّفْظُ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ مَعْنَى الْحِيَازَةِ، وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ إذَا مَرِضَ الْمُتَصَدِّقُ قَبْلَ الْحَوْزِ فَقَدْ بَطَلَتْ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَتَّصِلَ مَرَضُهُ بِالْمَوْتِ، وَلَوْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ لَكَانَ عَلَى صَدَقَتِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمُفْلِسُ فَإِذَا حُجِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ حِيَازَةِ الْعَطِيَّةِ بَطَلَتْ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ إنْ بِيعَ جَمِيعُهُ، وَإِنْ بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ قَصُرَ بَعْضُهُ عَنْ مَبْلَغِ الدَّيْنِ لِلتَّبْعِيضِ يُبَاعُ جَمِيعُهُ فَيُقْضَى مِنْهُ الدَّيْنُ وَيُعْطَى مَا بَقِيَ لِلْمُتَصَدِّقِ وَلَا شَيْءَ فِيهِ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ لَمَّا اسْتَحَقُّوهُ مِنْ يَدِهِ فَبِيعَ لَهُمْ فِي دَيْنِهِمْ بَطَلَتْ الصَّدَقَةُ كَمَا لَوْ اسْتَحَقَّهُ مُسْتَحِقٌّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا حُكْمُ عَدَمِ الْحِيَازَةِ فَأَمَّا إذَا حَازَ الْعَبْدُ، وَقَدْ كَانَ تَدَايَنَ دَيْنًا يُحِيطُ بِمَالِهِ قَبْلَ الْعَطِيَّةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الْعَطِيَّةَ قُبِضَتْ، أَوْ لَمْ تُقْبَضْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَالَ غَيْرِهِ، وَأَمَّا إنْ أَدَانَ بَعْدَ الْعَطِيَّةِ وَقَبْلَ الْحِيَازَةِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ الدَّيْنَ أَوْلَى وَتَبْطُلُ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ قَالَ أَصْبَغُ الصَّدَقَةُ أَوْلَى مِنْ الدَّيْنِ الْمُسْتَحْدَثِ بَعْدَهَا، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ يَوْمُ الصَّدَقَةِ لَا يَوْمُ الْحِيَازَةِ وَإِنَّمَا يُرَاعِي فِي ذَلِكَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يَوْمَ الْحِيَازَةِ لَا يَوْمَ الْعَطِيَّةِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِمُرَاعَاةِ الصَّدَقَةِ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ إذَا تَقَدَّمَ لَهُ الدَّيْنُ، وَقَدْ كَانَ لَهُ وَفَاءً يَوْمَ الصَّدَقَةِ، أَوْ لَمْ يَدْرِ الدَّيْنَ قَبْلَ الصَّدَقَةِ، أَوْ بَعْدَهَا فَالصَّدَقَةُ الْمَقْبُوضَةُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ حَازَهَا لِوَلَدِهِ الصِّغَارِ حَتَّى يَعْرِفَ خِلَافَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَغَلَّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَدْرِ اسْتَغَلَّ لِنَفْسِهِ، أَوْ لَهُمْ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ مَاضِيَةٌ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَسْتَغِلُّهَا لِنَفْسِهِ دُونَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ عَنْهُ فِي الصَّدَقَةِ الْمَقْبُوضَةِ عَنْهُ لَا يَدْرِي الدَّيْنَ قَبْلَهَا، أَوْ بَعْدَهَا الصَّدَقَةُ أَوْلَى حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ الدَّيْنَ كَانَ قَبْلَ الصَّدَقَةِ، وَلَوْ كَانَ الْأَبُ حَازَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ لَكَانَ الدَّيْنُ أَوْلَى حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ الصَّدَقَةَ قَبْلَهُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ، أَوْ وَهَبَهُ فَلَمْ يَحُزْ عَنْهُ حَتَّى بَاعَهُ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ أَنَّ الْبَيْعَ أَوْلَى وَتَبْطُلُ الصَّدَقَةُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ اضْطَرَبَ فِيهَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَرَوَى عَنْهُ أَبُو زَيْدٍ يَرُدُّ الْبَيْعَ وَيَأْخُذُ الْمُعْطَى صَدَقَتَهُ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إذَا عَلِمَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بِالصَّدَقَةِ فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى بَاعَهَا الْمُتَصَدِّقُ نَفَذَ الْبَيْعُ وَالثَّمَنُ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بِالصَّدَقَةِ فَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ مَا دَامَ الْمُتَصَدِّقُ حَيًّا فَإِنْ مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَالْبَيْعُ مَاضٍ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ أَنَّ الْبَيْعَ أَقْوَى؛ لِأَنَّ عَقْدَهُ حِيَازَةٌ يَضْمَنُ بِهِ الْمَبِيعَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ كِلَا الْعَقْدَيْنِ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ فَكَانَ أَسْبَقُهُمَا أَوْلَى كَالْبَيْعَتَيْنِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَ الْعَطَاءُ لِمُعَيَّنٍ يُقْضَى لَهُ بِهِ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِثْلِ أَنْ يَجْعَلَ دَارِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ يَبِيعُهَا لَمْ أَفْسَخْ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهَا، وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْبَيْعَ يَنْفُذُ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ تَبْطُلُ الصَّدَقَةُ وَلَا شَيْءَ لِلْمُعْطَى مِنْ الثَّمَنِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ لَا شَكَّ فِيهِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ إنْ كَانَ الْمُعْطَى حَاضِرًا فَلَمْ يَقُمْ حِينَ عَلِمَ بِالْبَيْعِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى رَدِّهِ وَلَهُ الثَّمَنُ عَلَى الْمُعْطِي فَإِنْ مَاتَ الْمُعْطِي
стр. 1725
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الثَّمَنَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَشْهَبُ مِنْ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَبْطُلُ وَأَنَّ الْبَيْعَ الْحَادِثَ قَدْ مَنَعَ مِنْ الْحِيَازَةِ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ صَحِيحَةٌ فَإِنْ قَامَ الْمُعْطَى عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ وَلَمْ يُقِرَّ بِإِبْطَالِ الْبَيْعِ لِكَوْنِ الْعَطِيَّةِ مِلْكًا لَهُ، وَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ كَانَ كَمَنْ بِيعَ مِلْكُهُ وَهُوَ عَالِمٌ فَلَمْ يُنْكِرْ فَلَهُ الثَّمَنُ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَصْلُهُ الْهِبَةَ وَالْعَطِيَّةَ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ حِيَازَةٌ فَإِنْ قَبَضَهُ قَبْلَ فَوَاتِ الْحِيَازَةِ بِمَوْتِ الْمُعْطِي كَمُلَتْ الْعَطِيَّةُ وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَلِذَلِكَ قَالَ مُطَرِّفٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُعْطَى غَائِبًا فَقَدِمَ فِي حَيَاةِ الْمُعْطِي كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ رَدِّ الْبَيْعِ أَوْ أَخْذِ الثَّمَنِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وَالْعُتْبِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَعْطَاهَا الْوَاهِبُ لِرَجُلٍ آخَرَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْأَوَّلُ فَإِنْ حَازَهَا الثَّانِي فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْأَوَّلُ أَوْلَى وَتُنْزَعُ مِنْ الثَّانِي، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ وَالْحَائِزُ أَوْلَى وَهُوَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَالِكَ الْأَوَّلَ أَحَقُّ بِهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْهِبَةَ الثَّانِيَةَ لَمَّا قَوِيَتْ بِالْحِيَازَةِ صَارَتْ كَالْبَيْعِ فَمَتَى قُدِّمَ الْبَيْعُ عَلَى الْهِبَةِ لَزِمَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْهِبَةِ الثَّانِيَةِ إذَا قَارَنَتْهَا الْحِيَازَةُ وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ كَانَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ عَلِمَ بِالصَّدَقَةِ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ، أَوْ عَلِمَ وَلَمْ يُفَرِّطْ وَنَدِمَ الْمُتَصَدِّقُ فَفَاجَأَهُ بِأَنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهَا إنْ أَدْرَكَهَا قَائِمَةً وَإِنْ فَاتَتْ كَانَ لَهُ قِيمَتُهَا عَلَى الْمُتَصَدِّقِ بِهَا وَإِنْ فَاتَتْ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ عَبْدًا، أَوْ أَمَةً فَأَعْتَقَهُ الْوَاهِبُ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ اسْتَوْلَدَ الْأَمَةَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَنْفُذُ الْعِتْقُ وَالِاسْتِيلَادُ وَلَا شَيْءَ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ يَرُدُّ الْعِتْقَ وَإِذَا حَمَلَتْ مِنْهُ الْأَمَةُ فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا بُنِيَ عَلَيْهِ الْعِتْقُ مِنْ التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْهِبَةَ تَقْتَضِي التَّمْلِيكَ فَلَا يَصِحُّ فِيهَا عِتْقُ الْمُمَلَّكِ كَالْبَيْعِ وَعَلَيْهِ فِي الْأَمَةِ الْقِيمَةُ لِشُبْهَةِ عَدَمِ الْقَبْضِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَكَاتَبَ الْوَاهِبُ الْعَبْدَ، أَوْ دَبَّرَهُ، أَوْ أَعْتَقَهُ إلَى أَجَلٍ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ لَا يُرَدُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ لِلْمُعْطَى فِي خِدْمَةِ الْمُدَبَّرِ وَلَا كِتَابَةَ الْمُكَاتَبِ وَلَا رَقَبَتَهُ، وَإِنْ عَجَزَ قَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَوْ قَتَلَهَا رَجُلٌ فَالْقِيمَةُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ قَتْلَ الْقَاتِلِ لَهُ لَيْسَ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، وَأَمَّا الْعِتْقُ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ رُجُوعٌ فِي الْهِبَةِ وَمُبْطِلٌ لَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الْمُعْطِي رَهَنَ الْعَطِيَّةَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى ابْنِهِ ثُمَّ رَهَنَهُ فَمَاتَ يَبْطُلُ الرَّهْنُ وَيَثْبُتُ الْحَبْسُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا أَحْدَثَهُ الْوَاهِبُ فِي الْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَأَمَّا مَا أَحْدَثَهُ فِي الْهِبَةِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي حِجْرِهِ فَبَقِيَتْ فِي يَدِهِ ثُمَّ بَاعَهَا فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِثُلُثَيْ غَنَمٍ مُعَيَّنَةٍ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَثُلُثُهُ صَدَقَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَقِيَتْ فِي يَدَيْهِ زَمَانًا ثُمَّ عَدَا عَلَيْهَا فَبَاعَهَا ثُمَّ مَاتَ وَالِابْنُ صَغِيرٌ إنَّ صَدَقَةَ الِابْنِ ثَابِتَةٌ يَأْخُذُهَا مِنْ مَالِهِ وَلَا شَيْءَ لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّ حَظَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ حَتَّى مَاتَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمُ مَالُ وَارِثٍ يُرِيدُ أَنَّ حَقَّ الْوَارِثِ قَدْ تَعَلَّقَ فَيَمْنَعُ ذَلِكَ الْحِيَازَةَ كَمَا يَمْنَعُ الْحِيَازَةَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِ الْمُفْلِسِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ قَالَهُ لَمَّا تَيَقَّنَ الْوَفَاةَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ تَوَقُّفًا لَهَا، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْحِيَازَةَ أَيْضًا عَلَى وَجْهِ التَّوْقِيفِ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مُتَرَقِّبَةٌ مِمَّنْ حَازَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِنْ صَحَّ صَحَّتْ إفَاقَتُهُ الْحِيَازَةَ.
(فَصْلٌ) :
قَالَ: وَإِنَّمَا هُوَ أَخَوَاك وَأُخْتَاك هَكَذَا وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ إنْ وَرَثَته مِنْ ذِكْرٍ وَقَدْ وَرِثَهُ مَعَ ذَلِكَ زَوْجُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَزَوْجُهُ بِنْتُ خَارِجَةَ وَتَرَكَ أَبَاهُ أَبَا قُحَافَةَ عُثْمَانَ بْنَ عَامِرٍ وَمَاتَ بَعْدَهُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ رَدَّ سُدُسَهُ عَلَى وَلَدِ أَبِي بَكْرٍ وَلَعَلَّهُ قَدْ كَانَ وَعَدَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ وَفَاتِهِ
стр. 1726
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِئِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْحَلُونَ أَبْنَاءَهُمْ نِحَلًا ثُمَّ يُمْسِكُونَهَا فَإِنْ مَاتَ ابْنُ أَحَدِهِمْ قَالَ مَالِي بِيَدِي لَمْ أُعْطِهِ أَحَدًا، وَإِنْ مَاتَ هُوَ قَالَ هُوَ لِابْنِي قَدْ كُنْت أَعْطَيْته إيَّاهُ، مَنْ نَحَلَ نِحْلَةً فَلَمْ يَحُزْهَا الَّذِي نَحَلَهَا حَتَّى يَكُونَ إنْ مَاتَ لِوَرَثَتِهِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ)
ــ
[المنتقى]
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ إنَّمَا يَرِثُنِي بِالْبُنُوَّةِ أَنْتَ وَأَخَوَاك وَأُخْتَاك يُرِيدُ أَنَّ الَّذِينَ يُشَارِكُونَك فِي هَذِهِ الْعَطِيَّةِ إنَّمَا هُمْ إخْوَتُك عَلَى مَعْنَى التَّسْلِيَةِ لَهَا عَمَّا صَارَ إلَى غَيْرِهَا مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ يَصِيرُ إلَيْهِمْ ذَلِكَ مِمَّنْ يَسُرُّك غِنَاهُمْ فَقَالَتْ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْته وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ لَتَرَكْته إذَا لَمْ أَسْتَحِقَّهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ لَتَرَكْته، وَإِنْ كَانَ لِي مِمَّنْ ذَكَرْته مِمَّنْ أُحِبُّ لَهُ الْغِنَى وَالْخَيْرَ مِمَّنْ يُشْفَقُ عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا: وَإِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ فَمَنْ الْأُخْرَى لَمَّا لَمْ تَعْلَمْ لِنَفْسِهَا أُخْتًا غَيْرَ أَسْمَاءَ فَقَالَ لَهَا ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ يُرِيدُ أَنَّ حَمْلَهُ يُوجَدُ وَيُقَالُ: إنَّ اسْمَهَا حَبِيبَةُ بِنْتُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْخَزْرَجِيِّ يَعْتَقِدُ فِيهَا أَنَّهَا جَارِيَةٌ قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا: وَذَلِكَ لِرُؤْيَا رَآهَا أَبُو بَكْرٍ تَأَوَّلَ فِيهَا ذَلِكَ، وَهَذَا لَا يَمْتَنِعُ فَوَلَدَتْ بِنْتُ خَارِجَةَ بِنْتًا سُمِّيَتْ أُمَّ كُلْثُومٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْحَلُونَ أَبْنَاءَهُمْ نِحَلًا ثُمَّ يُمْسِكُونَهَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ إخْرَاجَ الْعَطِيَّةِ مِنْ يَدِ الْأَبِ النَّاحِلِ هُوَ الْوَاجِبُ، أَوْ الْأَفْضَلُ فَإِنْ كَانَ الِابْنُ بَالِغًا مَالِكًا لِأَمْرِ نَفْسِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَإِنَّ مِنْ الْعَطَايَا مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِإِخْرَاجِ الْأَبِ الْعَطِيَّةَ مِنْ يَدِهِ إلَى يَدِ مَنْ يَحُوزُهَا لَهُ وَمِنْهَا مَا يَصِحُّ حِيَازَتُهَا مَعَ بَقَائِهَا بِيَدِ الْأَبِ إلَّا أَنَّ إخْرَاجَهَا عَنْ يَدِ الْأَبِ إلَى يَدِ غَيْرِهِ أَفْضَلُ وَأَبْيَنُ فِي صِحَّةِ الْحِيَازَةِ فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَطَايَا عَلَى ضَرْبَيْنِ مِنْهَا مَا لَا يَتَعَيَّنُ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَمِنْهَا مَا يَتَعَيَّنُ كَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ وَالثِّيَابِ فَأَمَّا الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ فَإِنَّهَا إنْ بَقِيَتْ بِيَدِ الْوَاهِبِ غَيْرِ مَخْتُومٍ عَلَيْهَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ مَاتَ الْأَبُ وَهِيَ عَلَى ذَلِكَ فَالْعَطِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ مِنْ دَنَانِيرَ مُعَيَّنَةٍ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ طَبَعَ عَلَيْهَا حَتَّى يَدْفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ وَيُخْرِجَهَا عَنْ مِلْكِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا غَيْرُ مَعْرُوفَةِ الْعَيْنِ وَلَا مُتَعَيِّنَةٍ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهَا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعْرَفَ أَعْيَانُهَا إذَا أُفْرِدَتْ مِنْ غَيْرِهَا وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ إذَا وَهَبَهُ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ مِنْ دَنَانِيرِهِ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا إذَا خَتَمَ عَلَيْهَا وَأَمْسَكَهَا عِنْدَهُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَبْطُلُ زَادَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَإِنْ خَتَمَ عَلَيْهَا الشُّهُودُ وَالْأَبُ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْمِصْرِيُّونَ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْعَطِيَّةَ مَاضِيَةٌ وَبِهِ أَخَذَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَالْمَدَنِيُّونَ قَالَ مُطَرِّفٌ إذَا خَتَمَ عَلَيْهَا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ، وَإِنْ لَمْ يَخْتِمْ عَلَيْهَا الشُّهُودُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا مِمَّا يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ فِيهَا حِيَازَةٌ مَعَ بَقَائِهَا بِيَدِ الْمُعْطِي كَاَلَّتِي لَمْ يَخْتِمْ عَلَيْهَا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ فَإِذَا تَمَيَّزَتْ بِالْخَتْمِ عَلَيْهَا صَحَّتْ الْحِيَازَةُ فِيهَا.
(فَرْعٌ) فَأَمَّا إذَا وَهَبَهُ دَنَانِيرَ فَوَضَعَهَا عَلَى يَدِ رَجُلٍ يَحُوزُهَا لَهُ فَحَدَثَ لِلرَّجُلِ سَفَرٌ وَمَاتَ فَقَبَضَهَا الْأَبُ فَمَاتَ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا مَاضِيَةٌ؛ لِأَنَّهَا حِيزَتْ مُدَّةً فَلَا يُبَالِي قَبَضَهَا الْأَبُ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا كَالدَّارِ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى وَلَدِهِ فَيَحُوزُهَا عَنْهُ سَنَةً وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَجَعَلَهَا لَهُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ ثُمَّ تَسَلَّفَهَا فَمَاتَ فَذَلِكَ بَاطِلٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبَهُ دَيْنًا ثُمَّ قَبَضَهُ الْأَبُ فَظَاهِرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ إمْضَاءَ الْهِبَةِ بِأَنَّهَا حِيزَتْ مُدَّةً، وَشَبَّهُ ذَلِكَ بِالدَّارِ تُحَازُ سَنَةً ثُمَّ رَجَعَ الْوَاهِبُ إلَى سُكْنَاهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاهِبَ لَوْ تَسَلَّفَهَا بَعْدَ أَنْ حِيزَتْ عَنْهُ نَفَذَتْ الْهِبَةُ غَيْرَ أَنَّهُ إنَّمَا نَصَّ عَلَى الْقَبْضِ فِي مَسْأَلَةِ السَّفَرِ وَإِنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ لِعُذْرِ السُّكْنَى جَائِزٌ وَلَمْ يَذْكُرْ انْتِفَاعَ الْأَبِ بِهَا بَعْدَ الْقَبْضِ وَذَكَرَ فِي مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ قَبْضَ الْأَبِ لِلدَّيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ تَسَلُّفَهُ لَهُ
стр. 1727
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَلَا انْتِفَاعَهُ بِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا شَبَّهَ مَسْأَلَةَ السَّفَرِ بِمَنْ حِيزَتْ عَنْهُ الدَّارُ سَنَةً اقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ انْتِفَاعَهُ بِهَا بَعْدَ أَنْ حِيزَتْ عَنْهُ لَا تَبْطُلُ الْحِيَازَةُ وَاقْتَضَى ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ قَبْضَ الْأَبِ لَهَا بَعْدَ حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ لَا يُبْطِلُ الْحِيَازَةَ، وَإِنَّمَا يُبْطِلُهَا انْتِفَاعُ الْأَبِ بِهَا وَسَلَفُهُ إيَّاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الْحِيَازَةَ قَدْ وُجِدَتْ فِيهَا فَلَا يَضُرُّهُ مَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ وَهَبَهُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ فَقَبَضَهُ الْأَبُ وَمَاتَ وَهُوَ بِيَدِهِ.
وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى صِحَّتِهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ حِيَازَةَ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فِيهَا ضَعْفٌ، وَكَذَلِكَ الْغَائِبُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا تَخْتَصُّ حِيَازَةُ النَّائِبِ عَنْهُ بِأَنَّ الْهِبَةَ تَتَعَيَّنُ بِقَبْضِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَتَعَيَّنُ فَإِذَا اسْتَرْجَعَهَا الْأَبُ مِنْ يَدِهِ وَصَرَفَهَا فِي مَنْفَعَتِهِ بَطَلَتْ الْهِبَةُ، وَلَوْ تَسَلَّفَهَا مِنْ الْكَبِيرِ بَعْدَ أَنْ تَتِمَّ حِيَازَتُهَا لَمْ تَبْطُلْ الْهِبَةُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ، أَوْ حَبَسَ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ فَجَعَلَ مَنْ يَحُوزُ لَهُمْ فَحَازَ ذَلِكَ الْأَبُ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ فَوُجِدَتْ عِنْدَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ، قَالَ مُطَرِّفٌ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ الْأَبُ أَنَّهُ رَدَّ حِيَازَتَهَا إلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَدَثَ فِي مَنْ كَانَ يَحُوزُهَا سَفَهٌ فَإِنَّهُ يَحُوزُ ذَلِكَ إذَا أَشْهَدَ.
وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ هُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْإِشْهَادُ فِي أَنَّ قَبْضَهَا لِلْحِفْظِ لِلِابْنِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَشْتَرِطُ الْإِشْهَادَ ضَرُورَةَ الْأَخْذِ لَهَا مِنْ الْحَائِزِ بِسَفَهِهِ وَتَتَّفِقُ أَقْوَالُهُمْ عَلَى أَنَّ لِحِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ تَأْثِيرًا فِي صِحَّةِ الْحِيَازَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَمَا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ فَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ مَنْ قَبَضَ لِابْنِهِ الصَّغِيرَ مَا فِي يَدِهِ وَحَازَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ جَازَ إذَا كَانَ شَيْئًا مُعَيَّنًا وَلَا يَجُوزُ فِيمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالطَّعَامِ وَسَائِرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ إلَّا أَنْ يَضَعَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ وَيُشْهِدُ عَلَيْهِ فَإِنْ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ لَمْ تَصِحَّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَصِحُّ قَبْضُهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَبَ قَدْ يُتْلِفُ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ، أَوْ يَتْلَفُ بِغَيْرِ سَبَبِهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَفُ عَيْنُهُ فَلَا يُعْلَمُ إنْ كَانَ مَا وُجِدَ هُوَ الَّذِي كَانَ وَهَبَهُ، أَوْ غَيْرُهُ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ يَجُوزُ أَنْ يَحُوزَهَا الْأَبُ إذَا وَضَعَهَا فِي شَيْءٍ وَخَتَمَ عَلَيْهَا وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَتَمَيَّزُ وَيُمْكِنُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهَا وَيَكُونُ كَالْعَبْدِ وَالثَّوْبِ وَمَا يَتَمَيَّزُ عَيْنُهُ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ الْمَدَنِيِّينَ فِي حِيَازَةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْمِصْرِيِّينَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَكِيلٍ، أَوْ مَوْزُونٍ، أَوْ مَعْدُودٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الدَّنَانِيرَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِدَارٍ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا حَتَّى بَاعَهَا ثُمَّ مَاتَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُشْتَرِي فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ الصَّدَقَةُ جَائِزَةٌ وَالثَّمَنُ لِلْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَاتَ فِي دَارِ الْمُشْتَرِي وَسَوَاءٌ بَاعَهَا بِاسْمِ الْوَلَدِ، أَوْ جُهِلَ ذَلِكَ حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ بَاعَهَا لِنَفْسِهِ اسْتِرْجَاعًا لَهُ فِيهَا فَإِنْ عَثَرَ عَلَى ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ رَدَّ الْبَيْعَ وَرَجَعَتْ الدَّارُ لِلْوَلَدِ، وَإِنْ لَمْ يَعْثُرْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ الْأَبُ بَطَلَتْ الصَّدَقَةُ وَنَفَذَ الْبَيْعُ وَسَوَاءٌ مَاتَ فِيهَا، أَوْ قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْهَا بَعْدَ الصَّدَقَةِ ثُمَّ بَاعَهَا فَسَوَاءٌ بَاعَهَا لِنَفْسِهِ اسْتِرْجَاعًا، أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ لِلْوَلَدِ، مَاتَ الْأَبُ أَوْ لَمْ يَمُتْ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ فِي تَرِكَةِ الْأَبِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الِابْنِ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ الْأَبُ شَيْئًا وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ سَاكِنًا فِيهَا وَأَشْهَدَ عَلَى احْتِيَازِهَا لِابْنِهِ ثُمَّ بَاعَهَا بِاسْمِ الِاسْتِرْجَاعِ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي بَاعَ بَعْدَ أَنْ أَخْلَاهَا مِنْ سُكْنَاهُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِحَوَانِيتَ وَمَسَاكِنَ لَهَا غَلَّاتٌ فَلَمْ يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ يُكْرِيهَا لِلِابْنِ بِاسْمِهِ، أَوْ بِاسْمِ نَفْسِهِ فَذَلِكَ لِلِابْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَكْرَاهَا وَلَمْ يَقُلْ أَكْرَيْتُ لِابْنِي، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ ذَلِكَ إلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ يَحُوزُهُ لِابْنِهِ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا ثَبَتَ الْكِرَاءُ بِاسْمِ نَفْسِهِ وَعَابَهُ وَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ هَذَا خِلَافُ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ
стр. 1728
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
بِمِائَةِ شَاةٍ مِنْ غَنَمِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْهَا فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ إنْ لَمْ يُسَمِّ الْغَنَمَ، أَوْ يَصِفَهَا بِمَا تُعْرَفُ بِأَعْيَانِهَا وَأَهْلِ الْبَادِيَةِ يُسَمُّونَ الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ كَمَا يُسَمِّي أَهْلُ مِصْرِ الْخَيْلَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ حَبِيبٍ قَالَ أَصْبَغُ: وَقَدْ كَانَ يَقُولُ إذَا ذَكَرَ عِدَّة مِنْ غَنَمِهِ، أَوْ خَيْلِهِ وَتَرَكَ ذَلِكَ شَرِكَةً فَهُوَ جَائِزٌ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، زَادَ فِي الْعُتْبِيَّةِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَبِهَذَا أَخَذَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَالْمُغِيرَةُ وَابْنُ دِينَارٍ وَاسْتَثْنَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ الْعَيْنَ وَالْمَسْكَنَ وَالْمَلْبُوسَ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ يُرِيدُ إذَا لَبِسَهُ أَوْ سَكَنَهُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعَيِّنْهَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ حِيَازَتُهَا لِابْنِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ فِيهَا فَلَا يَصِحُّ قَبْضُهُ لِوَلَدِهِ كَالرَّهْنِ الْمُشَاعِ لَوْ بَقِيَ بِيَدِ الرَّاهِنِ لَمْ تَصِحَّ الْحِيَازَةُ فِيهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْقَبْضَ وَالتَّسْلِيمَ يَصِحُّ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَطِيَّةِ وَالرَّهْنِ أَنَّهُ يَحُوزُ الْأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ الْعَطِيَّةَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحُوزَ لَهُ مَا وَهَبَ لَهُ إيَّاهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ، أَوْ وَهَبَهُ نِصْفَ غَنَمِهِ، أَوْ نِصْفَ عَبِيدِهِ، أَوْ دَارِهِ مُشَاعًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِيهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا الْجَوَازُ وَالْأُخْرَى الْإِبْطَالُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِجُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَتَرَكَ بَاقِيهَا لِنَفْسِهِ، أَوْ جَعَلَ الْبَاقِيَ لِلسَّبِيلِ فَحَازَ ذَلِكَ الْأَبُ حَتَّى مَاتَ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَالْعُتْبِيَّةِ مَا كَانَ لِلِابْنِ فَهُوَ نَافِذٌ وَيَبْطُلُ مَا كَانَ لِلسَّبِيلِ رَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرَوَاهُ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَصْبَغُ أَرَى أَنْ يَبْطُلَ كُلُّهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا وَلَا شَيْءَ لِلِابْنِ وَلَا لِلسَّبِيلِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ قَبْضَهُ لِابْنِهِ الْجُزْءَ الْمُشَاعَ يَصِحُّ كَمَا يَصِحُّ فِي الْمُعَيَّنِ الْمُفْرَدِ الْمُتَمَيِّزِ وَيَبْطُلُ مَا لِابْنِ السَّبِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحُوزُ لَهُمْ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنْ قَبْضَهُ الْجُزْءَ الْمُشَاعَ لِابْنِهِ وَبَاقِيهِ لَهُ، أَوْ رَاجِعٌ إلَيْهِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ مَا يَقْبِضُهُ لِابْنِهِ مِمَّا أَبْقَاهُ عَلَى مِلْكِهِ كَمَا لَوْ وَهَبَهُ عِدَّةً مِنْ جُمْلَةِ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إشْهَادُهُ بِالْحِيَازَةِ لِابْنِهِ حِيَازَةً، وَقَدْ رَأَيْت مَعْنَاهُ لِلْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحُوزَ لِلصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ مَا وَهَبَهُ إلَّا الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ، أَوْ السُّلْطَانُ، أَوْ مَنْ يَلِيهِ فَأَمَّا غَيْرُ هَؤُلَاءِ مِنْ أُمٍّ، أَوْ أَخٍ، أَوْ جَدٍّ، أَوْ غَيْرِهِمْ فَلَا يَحُوزُ لَهُ مَا وَهَبَهُ يَتِيمًا كَانَ، أَوْ ذَا أَبٍ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ حَوْزَ الْأُمِّ عَلَى الْيَتِيمِ الصَّغِيرِ حِيَازَةٌ فِيمَا وَهَبَتْهُ لَهُ، أَوْ وَهَبَهُ لَهُ أَجْنَبِيٌّ، وَكَذَلِكَ مَنْ وَلِيَ صَبِيًّا عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، أَوْ مِنْ قَرِيبٍ فَحِيَازَتُهُ لَهُ جَائِزَةٌ فِيمَا وَهَبَهُ لَهُ هُوَ، أَوْ غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانُوا إنَّمَا ابْتَدَءُوا وِلَايَتَهُ مِنْ يَوْمِ الصَّدَقَةِ فَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ وَأَصْبَغُ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى يَتِيمٍ لَهُ، أَوْ صَغِيرٍ فِي حِجْرِهِ هَلْ يَحُوزُ لَهُ فَقَالَ لَا يَجُوزُ لَهُ إلَّا الْأَبُ، أَوْ وَصِيُّ الْأَبِ، أَوْ الْأُمِّ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَصِيَّةً وَالْأَجْدَادُ كَالْأَبِ فِي عَدَمِهِ وَالْجَدَّاتُ كَالْأُمِّ إذَا كَانَ فِي حِجْرٍ آخَرَ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إلَّا أَنْ يَبْرَأَ مِنْهُمْ إلَى رَجُلٍ يَلِيهِ، وَجْهَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ غَيْرَ الْأَبِ لَا يَلِي الْمَالَ بِنَفْسِهِ وَلَا قَدَّمَهُ مَنْ يَلِيه بِنَفْسِهِ فَلَمْ تَصِحَّ حِيَازَتُهُ كَابْنِ الْعَمِّ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ هَذَا قَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ وِلَايَةٌ وَنَظَرٌ فَصَحَّتْ حِيَازَتُهُ لَهُ وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يُوصِي عَلَى وَلَدِهِ وَلَا كُلُّ أَحَدٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصِلَ خَبَرُهُ إلَى السُّلْطَانِ فَيَلِيه أَوْ يُوَلِّي عَلَيْهِ فَمَنْ كَانَ وَلِيُّهُ غَيْرَهُ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ، أَوْ الْقَرَابَةِ فِي حُكْمِ الْوَصِيِّ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَادَةٌ يَجُوزُ أَنْ يَلِيَهُ وَيَحُوزَ لَهُ كَالْأَبِ إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ مُقَدَّمٌ عَلَى بَعْضٍ لِقُوَّةِ سَبَبِهِ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا أَنَّ الْوَصِيَّ يَحُوزُ عَلَى يَتِيمِهِ مَا أَعْطَاهُ فَقَدْ قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْعَطَّارِ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَ مُفْرَدَ النَّظَرِ فَإِنْ شَارَكَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ وَلْيُخْرِجْهَا إلَى شَرِيكِهِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ قَالَ وَقِيلَ إنَّ حِيَازَتَهُ تَامَّةٌ.
[بَابٌ فِي الَّذِينَ يُحَازُ عَلَيْهِمْ]
(بَابٌ فِي الَّذِينَ يُحَازُ عَلَيْهِمْ) وَاَلَّذِي يُحَازُ عَلَيْهِ هُوَ الصَّغِيرُ وَالْبِكْرُ الْبَالِغَةُ وَالسَّفِيهُ وَاسْمُ الْيَتِيمِ يَنْطَلِقُ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ
стр. 1729
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
شُيُوخُنَا وَقَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْعَطَّارِ، وَقَدْ بَسَطْت الْقَوْلَ فِيهِ فِي كِتَابِ السِّرَاجِ فَأَمَّا الصَّغِيرُ فَإِنَّ حَدَّ الصِّغَرِ يُذْكَرُ فِي الْجِنَايَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي الصَّغِيرِ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ مَالُهُ حَتَّى يُؤْنَسَ رُشْدُهُ قَالَهُ مُحَمَّدٌ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا يُدْفَعُ إلَيْهِ مَالُهُ بِنَفْسِ الْبُلُوغِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] فَجَعَلَ تَعَالَى إينَاسَ الرُّشْدِ شَرْطًا فِي دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الصَّغِيرَ إنَّمَا يُخَافُ عَلَيْهِ إفْسَادُ الْمَالِ وَتَأْثِيرُ الرُّشْدِ فِي حِفْظِ الْمَالِ أَكْثَرُ مِنْ تَأْثِيرِ الْبُلُوغِ فَإِذَا رَوْعِي الْبُلُوغُ فَبِأَنْ يُرَاعَى الرُّشْدُ أَوْلَى وَأَحْرَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْبِكْرُ الْبَالِغَةُ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الصَّغِيرِ فِي الْحَجْرِ مَا لَمْ تُعَنِّسْ فَإِنْ عَنَّسَتْ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْبِكْرِ يَحُوزُ لَهَا أَبُوهَا، وَإِنْ عَنَّسَتْ وَقَالَ أَيْضًا: إلَّا أَنْ تَكُونَ عَنَّسَتْ وَرَضِيَتْ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا بِكْرٌ ذَاتُ أَبٍ فَلَزِمَهَا حَجْرُهُ كَاَلَّتِي لَمْ تُعَنِّسْ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا بَالِغَةٌ رَشِيدَةٌ خَبِيرَةٌ بِمَصَالِحِهَا فَزَالَ عَنْهَا الْحَجْرُ كَالثَّيِّبِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يَحُوزُ لَهَا مَا لَمْ تَبْلُغْ التَّعْنِيسَ الْكَثِيرَ فَإِذَا بَلَغَتْ الْخَمْسِينَ وَالسِّتِّينَ فَهَذِهِ تَحُوزُ لِنَفْسِهَا وَلَا شَيْءَ لَهَا إلَّا أَنْ تَحُوزَ لِنَفْسِهَا وَهِيَ كَاَلَّتِي تَلِي مَالَهَا وَلَا يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا إلَّا بِرِضَاهَا فَإِنْ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا لَمْ أَفْسَخْهُ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ تَجُوزُ حِيَازَتُهُ عَلَيْهَا، وَإِنْ رَضِيَ حَالَهَا وَجَاوَزَتْ الثَّلَاثِينَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا لَمْ تُعَنِّسْ جِدًّا فَتَبْلُغُ السِّتِّينَ وَنَحْوَهَا فَهَذِهِ إنْ لَمْ تَحُزْ لِنَفْسِهَا فَلَا شَيْءَ لَهَا وَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى التَّعْنِيسِ الْكَثِيرُ وَهُوَ بُلُوغُ الْخَمْسِينَ وَالسِّتِّينَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ فِي التَّعْنِيسِ الْأَوَّلِ بِسِنِّ الثَّلَاثِينَ وَبِمَا زَادَ عَلَيْهَا الزِّيَادَةَ الْقَرِيبَةَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَمْ تَبْرُزْ بَعْدُ الْبُرُوزَ التَّامَّ.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا عَنَّسَتْ فِي بَيْتِ وَالِدِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ هِبَتَهَا وَلَا عِتْقَهَا وَلَمْ يُحَدَّ.
وَقَالَ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: الَّتِي بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً إذَا رَضِيَ حَالَهَا جَازَ فِعْلُهَا قَالَ مُحَمَّدٌ: وَذَلِكَ عِنْدَنَا فِي الَّتِي لَا أَبَ لَهَا وَلَا وَصِيَّ وَلَا وَلِيَّ مِنْ السُّلْطَان فَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ الِاخْتِلَافِ بِالتَّحْدِيدِ إلَّا الَّتِي بَلَغَتْ السِّتِّينَ؛ لِأَنَّهَا نِهَايَةُ التَّعْنِيسِ وَابْتِدَاءُ الشَّيْخُوخَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا السَّفِيهُ فَهُوَ الَّذِي لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِحِفْظِ مَالِهِ، وَوَجْهُ إصْلَاحِهِ وَهَلْ يُرَاعَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِسْقٌ فِي دِينِهِ أَمْ لَا قَالَ أَشْهَبُ لَا يُنْظَرُ إلَى سَفَهِهِ فِي دِينِهِ إذَا كَانَ لَا يُخْدَعُ فِي مَالِهِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْمُولَى عَلَيْهِ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ مَالُهُ حَتَّى يُحْكَمَ بِهِ بِالرُّشْدِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ، وَهَذَا عِنْدَنَا فِي إزَالَةِ الْحَجْرِ عَنْهُ وَأَمَّا فِي رَدِّهِ إلَى الْحَجْرِ فَلَا يُرَاعَى فِيهِ فِسْقُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَقَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الصَّلَاحَ فِي الدِّينِ مَعْنًى لَا يُرَاعَى فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ فَلَمْ يُرَاعَ فِي حِفْظِهِ كَحِفْظِ الْقُرْآنِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الصَّلَاحَ فِي الدِّينِ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ وَبِهِ يُعْلَمُ إصْلَاحُهُ لِلْمَالِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا حَالُهَا فِي الْحِيَازَةِ حَالُ الْحُرَّةِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْن الْعَطَّارِ: وَيَحُوزُ السَّيِّدُ لِأُمِّ وَلَدِهِ مَا حَبَسَهُ عَلَيْهَا لِمَا فِي كِتَابِ الْحَبْسِ وَالصَّدَقَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الرَّجُلَ يَحُوزُ عَطِيَّتَهُ لِمَنْ يَلِي أَمْرَهُ وَيَجُوزُ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ يُرِيدُ أَنَّ قَضَاءَ السَّيِّدِ يَجُوزُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ فِي مَالِهَا فَكَانَتْ مِمَّنْ يَحُوزُ عَلَيْهَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ مَاتَ ابْنُ أَحَدِهِمْ قَالَ مَالِي يَعْنِي لَمْ أُعْطِ أَحَدًا يُرِيدُ أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْهُ وَرَثَةَ الِابْنِ، وَإِنْ مَاتَ هُوَ قَالَ هُوَ لِابْنِي قَدْ كُنْت أَعْطَيْته إيَّاهُ فَوَعَظَ عُمَرُ وَنَهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِفَاعِلِهِ وَأَنَّهُ إذَا أَعْطَى ابْنَهُ عَطِيَّةً ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهَا وَيَقُولُ هَذَا مَالِي وَرُبَّمَا حَجَرَ الْإِعْطَاءَ وَأَخْفَى وَثِيقَةَ
стр. 1730
مَا لَا يَجُوزُ مِنْ الْعَطِيَّةِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أَعْطَى أَحَدًا عَطِيَّةً لَا يُرِيدُ ثَوَابَهَا فَأَشْهَدَ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ لِلَّذِي أُعْطِيهَا إلَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُعْطِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الَّذِي أُعْطِيَهَا قَالَ: وَإِنْ أَرَادَ الْمُعْطِي إمْسَاكَهَا بَعْدَ أَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إذَا قَامَ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا أَخَذَهَا) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً ثُمَّ نَكَلَ الَّذِي أَعْطَاهَا فَجَاءَ الَّذِي أُعْطِيَهَا بِشَاهِدٍ يَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ عَرْضًا كَانَ ذَلِكَ، أَوْ ذَهَبًا، أَوْ وَرِقًا، أَوْ حَيَوَانًا أُحْلِفَ الَّذِي أَعْطَى مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ فَإِنْ أَبَى الَّذِي أَعْطَى أَنْ يَحْلِفَ حَلَفَ الْمُعْطِي، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ أَيْضًا أَدَّى إلَى الْمُعْطِي مَا ادَّعَى عَلَيْهِ إذَا كَانَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَاهِدٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ) .
ــ
[المنتقى]
الْعَطِيَّةِ وَلَا يَحِلُّ أَيْضًا أَنْ يُعْطِيَهُ عَطَاءً لَمْ يَبْتِلْهُ لَهُ ثُمَّ يُدْرِكَ الْمَوْتُ الْأَبَ فَيُعَرِّيَهُ عَنْ بَعْضِ وَرَثَتِهِ وَيَقُولَ قَدْ كُنْت وَهَبْته لِابْنِي وَهُوَ لَمْ يَبْتِلْ تِلْكَ الْهِبَةَ ثُمَّ قَالَ ﵁ مَنْ نُحِلَ نِحْلَةً فَلَمْ يَحُزْهَا الَّذِي نُحِّلَهَا حَتَّى تَكُونَ لِوَرَثَتِهِ فَهِيَ بَاطِلٌ وَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ الْمَنْحُولُ كَبِيرًا يَحُوزُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا لِصَغِيرٍ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ قَدْ يَحُوزُ لَهُ غَيْرُهُ، وَقَدْ يَحُوزُ لِلْكَبِيرِ غَيْرُهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب أَنْ يَحُوزَ لِنَفْسِهِ، أَوْ يَحُوزَ لَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْكِيلٍ، أَوْ وَجْهٍ سَائِغٍ فِي الشَّرْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَا لَا يَجُوزُ مِنْ الْعَطِيَّةِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً لَا يُرِيدُ بِهَا الثَّوَابَ وَلَا الْعِوَضَ، وَإِنَّمَا يَبْتَلُّهَا لِلْمُعْطَى دُونَ عِوَضٍ وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا بِالْإِشْهَادِ تَثْبُتُ لِلْمُعْطِي فَلَيْسَ لِلْمُعْطِي الرُّجُوعُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا أَنَّ الصَّدَقَةَ وَالْهِبَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ وَإِنَّمَا تَلْزَمُ بِالْقَبْضِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْعَائِدُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا عَقْدٌ فَلَمْ يَفْتَقِرْ لُزُومُهُ إلَى قَبْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ لَا يُقْضَى بِهِ وَضَرْبٌ يُقْضَى بِهِ فَأَمَّا مَا لَا يُقْضَى بِهِ فَمَا كَانَ مِنْ صَدَقَةٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ حَبْسٍ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ عَلَى مُعَيَّنِينَ، أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنَيْنِ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَغَيْرُهُمَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْبِرَّ، وَإِنَّمَا قَصَدَ اللَّجَاجَ وَتَحْقِيقُ مَا نَازَعَ فِيهِ فَيُؤْمَرُ بِهِ وَلَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ وَمِثْلُهُ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ كُلُّ جَارِيَةٍ أَتَسَرَّرَهَا عَلَيْك فَهِيَ صَدَقَةٌ عَلَيْك، وَإِنْ وَطِئْت جَارِيَتِي هَذِهِ فَهِيَ صَدَقَةٌ عَلَيْك فَتَسَرَّرَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ: لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهَا، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ يَمِينٍ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهَا وَحَكَى مُحَمَّدُ عَنْ أَشْهَبَ لَا يُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهَا إلَّا إذَا كَانَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى مُعَيَّنٍ بَلْ خُصُومَتُهُ لَا لِلْمَسَاكِينِ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذِهِ صَدَقَةٌ عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِإِخْرَاجِهَا كَالْأَحْبَاسِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانُوا غَيْرَ مُعَيَّنِينَ لَمْ يَسْتَحِقَّ أَحَدٌ الْمُطَالَبَةَ بِهَا فَيُقْضَى لَهُ.
(ش) : قَوْلُهُ مَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً ثُمَّ نَكَلَ الْمُعْطِي يُرِيدُ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَشَهِدَ لِلْمُعْطَى شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُعْطِيَ أَعْطَاهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ عَرْضٍ، أَوْ حَيَوَانٍ، أَوْ ذَهَبٍ، أَوْ وَرِقٍ مِثْلِ أَنْ يَكُونَ الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ مِمَّا يَتَعَيَّنُ كَالْحُلِيِّ وَالتِّبْرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ لَا يَتَعَيَّنُ بِعَقْدٍ فَكَانَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِيَدِ الْمُعْطِي فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا فِي ذِمَّتِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِلرَّجُلِ: اشْهَدْ أَنَّ لِفُلَانٍ فِي مَالِي مِائَةَ دِينَارٍ صَدَقَتُهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ، وَأَمَّا الرَّجُلُ
стр. 1731
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً لَا يُرِيدُ ثَوَابَهَا ثُمَّ مَاتَ الْمُعْطَى فَوَرَثَته بِمَنْزِلَتِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُعْطِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُعْطَى عَطِيَّتَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً لَمْ يَقْبِضْهُ فَإِنْ أَرَادَ الْمُعْطِي أَنْ يُمْسِكَهَا، وَقَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهَا حِينَ أَعْطَاهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إذَا قَامَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا) .
ــ
[المنتقى]
يَسْأَلُ الرَّجُلَ السَّلَفَ، أَوْ الْهِبَةَ فَيَقُولُ: أَنَا أُسَلِّفُك وَأَنَا أَهَبُك فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَوْعِدٌ لِغَيْرِ سَبَبٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا كَانَ السَّلَفُ وَالْعِدَّةُ لِغَيْرِ سَبَبٍ يَتَسَبَّبُ بِهِ وَلَا حَاجَةَ يَذْكُرُهَا فَإِنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ مِنْ رَجُلٍ بِسَبَبٍ يَتَسَبَّبُ بِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أُرِيدُ الْحَجَّ، أَوْ السَّفَرَ، أَوْ نِكَاحًا، أَوْ شِرَاءَ سِلْعَةٍ، أَوْ هَدْمَ دَارِي وَبُنْيَانَهَا فَيَقُولَ لَهُ الرَّجُلُ: افْعَلْ ذَلِكَ وَأَنَا أُسَلِّفُك فَفِي الْعُتْبِيَّةِ لِسَحْنُونٍ أَنَّ هَذِهِ الْعِدَّةَ لَازِمَةٌ لِمَنْ وَعَدَهَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ بِالْقَوْلِ كَالنَّظْرَةِ بِالدَّيْنِ تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ سَوَاءٌ قَالَ: أَنْظُرُك أَوْ أَنْظَرْتُك، وَكَذَلِكَ فِي هَذَا سَوَاءٌ قَالَ: أُسَلِّفُك أَوْ أَسْلَفْتُك سَوَاءٌ ذَكَرَ أَجَلًا لِلسَّلَفِ، أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ فَإِنْ ذَكَرَ الْأَجَلَ لَزِمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ لَزِمَهُ مِنْ الْأَجَلِ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ مِثْلَهُ فِي غِنَاهُ وَقُوَّتِهِ عَلَى السَّلَفِ يُسَلِّفُ مِثْلَ التَّسَلُّفِ فِي غِنَاهُ وَقُوَّتِهِ عَلَى الْأَدَاءِ يُرَاعَى الْأَمْرَانِ فِي ذَلِكَ وَعَنْهُ أَنَّهُ يُرَاعَى مَعَ ذَلِكَ قَدْرُ الدَّيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ مَا اسْتَسْلَفَ، أَوْ اسْتَعَارَ بِسَبَبِهِ لَا يُفْضِي إلَى التَّسَبُّبِ بِشَيْءٍ وَلَكِنَّهُ أَسْلَفَ لِحَاجَةٍ ذَكَرَهَا مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ إنَّ غُرَمَائِي يُلْزِمُونَنِي بِدَيْنٍ فَأَسْلِفْنِي أَقْضِهِمْ أَوْ يَقُولُ أَعِرْنِي دَابَّتَك أَرْكَبُهَا غَدًا إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَيَذْكُرُ حَاجَتَهُ فَيُعِدْهُ عَلَى ذَلِكَ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ لِأَصْبَغَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ تَسَبَّبَ لِحَاجَتِهِ، أَوْ لَمْ يَتَسَبَّبْ لَهَا إلَّا أَنْ يَتْرُكَ حَاجَتَهُ تِلْكَ فَيَسْقُطُ عَنْ الْوَاعِدِ حُكْمُ عِدَّتِهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَيَحْلِفُ الْمُعْطِي مَعَ شَاهِدِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحُكْمِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فَإِنْ أَبَى الْمُعْطِي أَنْ يَحْلِفَ لَقَدْ أَعْطَاهُ مَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدُهُ حَلَفَ الْمُعْطَى أَنَّهُ مَا أَعْطَاهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ حُكِمَ الْمُعْطِي بِهَا دُونَ يَمِينٍ لِنُكُولِ الْمُعْطَى بَعْدَ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ نَكَلَ عَنْ يَمِينٍ رُدَّتْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ كَمَنْ ادَّعَى قِبَلَ زَيْدٍ مَالًا فَلَمْ يَحْلِفْ زَيْدٌ وَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي فَنَكَلَ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِبُطْلَانِ دَعْوَاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَاهِدٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ ظَاهِرُهُ لَيْسَتْ لَهُ يَمِينٌ وَلَا غَيْرُهَا عَلَى مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْهِبَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْهِبَةَ عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْهِبَةُ مُعَيَّنَةً وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ فِي ذِمَّةِ الْمُدَّعِي أَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذِمَّةِ الْمُدَّعِي فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَوَجْهُ ذَلِكَ ضَعْفُ سَبَبِ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ فِي دَعْوَى الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ بِاتِّفَاقٍ لَا يَجِبُ الْيَمِينُ إلَّا بِسَبَبٍ يُقَوِّي الدَّعْوَى فَكَانَ يَضْعُفُ الْهِبَةَ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي لُزُومِهَا وَحَاجَتِهَا عِنْدَ مَالِكٍ إلَى الْحِيَازَةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْهِبَةُ الْيَمِينُ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْهِبَةَ أُخِذَ مِنْهُ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا كَانَ فِي ذِمَّةِ مُدَّعِي الصَّدَقَةِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِعَمْرٍو دَيْنٌ قِبَلَ زَيْدٍ فَيَطْلُبُهُ مِنْهُ فَيَقُولُ زَيْدٌ قَدْ وَهَبْتنِيهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَعَمْرٍو عَلَى زَيْدٍ بِذَلِكَ الدَّيْنِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا وَهَبَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْطِيَ يُرِيدُ إخْرَاجَ مَا عِنْدَهُ فَإِنْ ادَّعَى الْغَرِيمُ فِيهِ مَا يُبَرِّئُ ذِمَّتَهُ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ عَلَى إبْطَالِ تِلْكَ الدَّعْوَى كَمَا لَوْ ادَّعَى الْقَضَاءَ وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي قِسْمَةً أُخْرَى إنْ كَانَتْ الْهِبَةُ بِغَيْرِ يَدِ الْمَوْهُوبِ فَلَا يَمِينَ عَلَى الْوَاهِبِ، وَإِنْ كَانَتْ بِيَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ انْتِزَاعُهَا مِنْهُ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مَا وَهَبَ سَوَاءٌ كَانَتْ الْهِبَةُ عَرْضَا أَوْ عَيْنًا يُصَحِّحُ هَذَا التَّقْسِيمَ أَنَّ مَنْ اسْتَحَقَّ عَرْضًا بِيَدِ رَجُلٍ وَزَعَمَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ حَتَّى يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ مَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً لَا يُرِيدُ ثَوَابَهَا فَمَاتَ الْمُعْطَى فَوَرَثَتُهُ بِمَنْزِلَتِهِ يُرِيدُ
стр. 1732
(الْقَضَاءُ فِي الْهِبَةِ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفٍ الْمُرِّيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ، أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا)
ــ
[المنتقى]
أَنَّ هَذَا حُكْمُ هَذِهِ الْهِبَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ ثَوَابٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَ هِبَةِ الثَّوَابِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ هَذِهِ الْهِبَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَقُولُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ فَأَخْبَرَ أَنَّ مَوْتَ الْمُعْطَى لَا يُبْطِلُ الْهِبَةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ الَّذِي يُبْطِلُ الْهِبَةَ عَدَمُهُ لَا يَفُوتُ بِمَوْتِ الْمُعْطَى فَوَرَثَتُهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ لَهُمْ مِنْ الْقِيَامِ بِطَلَبِهَا وَإِمْضَاءِ مَا كَانَ لَهُ وَإِنَّمَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُعْطِي قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الْعَطِيَّةِ بِالْقَبْضِ قَدْ فَاتَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي بَاقِي الْبَابِ.
[الْقَضَاءُ فِي الْهِبَةِ وَفِيهِ أَبْوَاب]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِيمَا يَجُوزُ هِبَتُهُ لِلثَّوَابِ]
(ش) : قَوْلُهُ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ، أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ يُرِيدُ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا الْقُرْبَةَ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا يُرِيدُ أَنَّهَا لَازِمَةٌ لَهُ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا سَوَاءٌ قُبِضَتْ مِنْهُ، أَوْ لَمْ تُقْبَضْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً رَأَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ وَلَيْسَتْ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ فَإِذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا كَانَ لَهُ ارْتِجَاعُهَا كَالسِّلْعَةِ يَعْرِضُهَا لِلْبَيْعِ فَإِذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إخْرَاجُهَا وَقَوْلُهُ يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ يُحْتَمَلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْوَاهِبُ مِمَّنْ ظَاهِرُ هِبَتِهِ قَصْدُ الثَّوَابِ بِأَنْ يَهَبَ لِلثَّوَابِ وَيَعْتَقِدُهُ وَلَعَلَّهُ يَعْلَمُ بِهِ غَيْرُ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَإِنْ اشْتَرَطَ الثَّوَابَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَهُوَ كَبَائِعِ السِّلْعَةِ بِقِيمَتِهَا، وَلَكِنْ إنْ وَهَبَ وَسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الثَّوَابِ ثُمَّ قَامَ يَطْلُبُ الثَّوَابَ فَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِيهِ قَوْلُ عُمَرَ ﵁ قَالَ أَصْبَغُ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْوَجْهَيْنِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الثَّوَابَ فَقَدْ عُرِفَ أَنَّهُ الْمَقْصُودُ وَالْمَعْرُوفُ كَالشَّرْطِ.
وَفِي هَذَا خَمْسَةُ أَبْوَابٍ.
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِيمَا يَجُوزُ هِبَتُهُ لِلثَّوَابِ وَمَا لَا يَجُوزُ وَمَا يَكُونُ عِوَضًا فِي هِبَةِ الثَّوَابِ.
الْبَابُ الثَّانِي فِيمَنْ يَحْمِلُ هِبَتَهُ عَلَى الثَّوَابِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مُقْتَضَى الْهِبَةِ مِنْ اللُّزُومِ أَوْ الْجَوَازِ.
الْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا تَفُوتُ بِهِ الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ.
الْبَابُ الْخَامِسُ فِي حُكْمِ وُجُودِ الْعَيْب بِهَا.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِيمَا يَجُوزُ هِبَتُهُ لِلثَّوَابِ وَمَا لَا يَجُوزُ وَمَا يَكُونُ عِوَضًا فِي هِبَةِ الثَّوَابِ) اعْلَمْ أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ هِبَتُهُ لِلثَّوَابِ كَالْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْجَمَلِ الشَّارِدِ وَالْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَمَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ حَبٍّ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَا يَجُوزُ عَقْدُهُ بِالْعَبْدِ الْآبِقِ كَالْبَيْعِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُوهَبَ لِلثَّوَابِ فَإِنْ شُرِطَ فِي ذَلِكَ ثَوَابٌ فَهِيَ هِبَةٌ مَرْدُودَةٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ اشْتَرَطَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَرْضًا، أَوْ طَعَامًا وَمِثْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَا يُعْجِبُنَا ذَلِكَ وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ وَلْيَرُدَّ الْمِثْلَ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ غَيْرُ الْمَسْكُوكِ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ أَنَّ الْقِيمَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِالْعَيْنِ فَإِذَا كَانَتْ الْهَدِيَّةُ عَيْنًا فَإِنَّمَا تَكُونُ قِيمَتُهَا مِنْ أَصْنَافِ الْعُرُوضِ ثَبَتَتْ فِي الذِّمَّةِ غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ وَلَا مُؤَجَّلَةٍ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي أَعْيَانِهَا غَرَضٌ وَلَا فِيهَا مَقْصِدٌ غَيْرُ التَّصَرُّفِ فِيهَا فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَإِنَّمَا هِبَةُ الثَّوَابِ فِيهَا يُتَاحِفُ بِهِ الْوَاهِبُ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ غَرَضٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فَيَثْبُتُ عَلَيْهِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ كُلَّ مَا صَحَّ بَيْعُهُ صَحَّ أَنْ يُوهَبَ لِلثَّوَابِ كَالْعُرُوضِ.
١ -
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا أَنَّهُ
стр. 1733
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ الْمَذْهَبِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي السَّبَائِكِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ السَّفَاتِجِ وَالنَّقَّارِ وَالْحُلِيِّ الْمَكْسُورِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ ذَهَبٌ، أَوْ فِضَّةٌ لَا غَرَضَ فِي هِبَتِهِ غَيْرَ مَبْلَغِهِ فَلَا يُوهَبُ لِلثَّوَابِ، وَإِنْ وَهَبَ فَهُوَ مَرْدُودٌ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا هِبَةُ الْحُلِيِّ الْمَصُوغِ لِلثَّوَابِ فَأَجَازَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَجُوزُ هَذَا بِحَالٍ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَجُوز بَيْعُهُ وَفِي عَيْنِهِ غَرَضٌ مَقْصُودٌ فَجَازَ أَنْ يُوهَبَ لِلثَّوَابِ كَسَائِرِ الْعُرُوضِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ هَذِهِ مُعَاوَضَةٌ ذَهَبَ بَعْضُهُ لَا يَتَنَاجَزُ فِيهَا قَبْضٌ، أَوْ شِرَاءُ عَرْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَلَا مُؤَجَّلٍ فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ كَالْبَيْعِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِيمَنْ تُحْمَلُ هِبَتُهُ عَلَى الثَّوَابِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ]
(الْبَابُ الثَّانِي فِيمَنْ تُحْمَلُ هِبَتُهُ عَلَى الثَّوَابِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ) الْوَاهِبُ إذَا وَهَبَ وَشَرَطَ الثَّوَابَ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ هِبَتَهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الثَّوَابِ اقْتَضَى ذَلِكَ الْجَوَازَ، أَوْ الْمَنْعَ، وَأَمَّا إنْ وَهَبَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ قَصَدَ الثَّوَابَ وَطَلَبَهُ فَإِنْ كَانَتْ هِبَتُهُ مِنْ جِنْسِ مَا لَا يُوهَبُ لِلثَّوَابِ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَدَعْوَاهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْعِوَضِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ لَا يُقْبَلُ دَعْوَاهُ أَنَّهُ وَهَبَهُ لِلثَّوَابِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ مَنْ وَهَبَ قَمْحًا، أَوْ شَعِيرًا فَفِيهِ الثَّوَابُ، وَأَمَّا الَّذِي لَا ثَوَابَ فِيهِ مِنْهُ مِثْلُ الْفَاكِهَةِ، أَوْ الرُّطَبِ يُهْدَى لِلْقَادِمِ قَالَهُ مَالِكٌ، وَإِنْ قَامَ يَطْلُبُ مِنْهُ ثَوَابًا لَمْ يُعْطَ قَالَهُ أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّنَانِيرَ لَا غَرَضَ فِي أَعْيَانِهَا، وَإِنَّمَا يُوهَبُ لِلثَّوَابِ مَا يَكُونُ الْغَرَضُ فِي عَيْنِهِ كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ، وَأَمَّا الْفَاكِهَةُ فَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِطَلَبِ الثَّوَابِ عَلَى مَا يُوهَبُ مِنْهَا لِلْقَادِمِ وَمِثْلُهُ، وَإِنَّمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنْ تُوهَبَ عَلَى سَبِيلِ التَّآلُفِ فَكَانَتْ مَحْمُولَةً عَلَى غَالِبِ الْمُعْتَادِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ غَيْرَ ذَلِكَ فِيهَا.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَطَّارِ: وَكَذَلِكَ مَا يَهَبُهُ لِلْفَقِيرِ الْقَادِمِ مِنْ سَفَرِهِ مَنْ الْتَحَفَ كَالتَّمْرِ وَشَبَهِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَ قَدْ فَاتَ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْهِبَةِ وَلَا الْعِوَضَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُفْتِ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ لَا عِوَضَ لَهُ وَلَا لَهُ أَخْذُهُ، وَإِنْ لَمْ يَفُتْ رَوَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَرَى لَهُ أَخْذَهُ إنْ لَمْ يَفُتْ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هِبَتَهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى غَيْرِ الْعِوَضِ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ هِبَةٍ قَدْ قُبِضَتْ مِنْهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا لَمْ تَفُتْ اُحْتُمِلَ وَقَوْلُهُ وَتَقُومُ بِمِلْكِهِ وَيَدِهِ حَلَفَ وَرُدَّتْ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَا جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِبَلَدِنَا مِنْ إهْدَاءِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ الْكِبَاشَ وَغَيْرَهَا عِنْدَ النِّكَاحِ هَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْعَطَّارِ: إنَّ ذَلِكَ عَلَى الثَّوَابِ وَكَذَلِكَ رَأَيْت الْقَضَاءَ فِي بَلَدِنَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْمُهْدِيِّينَ وَالْمُهْدَى إلَيْهِمْ عَلَى ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهُ الْمَعْرُوفُ قَالَ، وَذَلِكَ كَالشَّرْطِ فَقُضِيَ لِلْمُهْدِي بِقِيمَةِ الْكِبَاشِ حِينَ قَبَضَهَا الْمُهْدَى إلَيْهِ إنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الْوَزْنِ فَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الْوَزْنِ قُضِيَ بِوَزْنِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُهْدَى إلَيْهِ بَعَثَ إلَى الْمُهْدِي قَدْرًا مِنْ لَحْمٍ مَطْبُوخٍ أَوْ أَكَلَ عِنْدَهُ فِي الْعُرْسِ حُوسِبَ بِهِ مِنْ قِيمَةِ هَدِيَّتِهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي بَلَدٍ لَا يُعْرَفُ فِيهِ هَذَا لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِثَوَابٍ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ وُهِبَ لَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ ثَوَابًا ثُمَّ ادَّعَاهُ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى نَاحِيَةِ الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى فَإِنْ وَهَبَ غَنِيٌّ لِفَقِيرٍ دَابَّةً، أَوْ كَسَاهُ ثَوْبًا، أَوْ أَعْطَاهُ مَا يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ صِلَتَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ وَهَبَ فَقِيرٌ لِغَنِيٍّ فَلَهُ الثَّوَابُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي فَقِيرٍ وَهَبَهُ غَنِيٌّ أَوْ فَقِيرٌ: الثَّوَابُ عَلَى الْغَنِيِّ وَهَبَهُ غَنِيٌّ أَوْ فَقِيرٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ اسْتِقْرَارُ الْعِوَضِ وَالْهِبَةِ لِلثَّوَابِ مُقْتَضَاهَا الْمُكَارَمَةُ وَأَنْ تُعَوَّضَ الْمُعْطَى أَمْثَالَ مَا صَارَ إلَيْهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي الْفَقِيرِ وَمَوْجُودٌ فِي الْغَنِيِّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً مُطْلَقَةً فَادَّعَى أَنَّهُ وَهَبَهَا لِلثَّوَابِ عُمِلَ عَلَى الْمَعْرُوفِ فِيهِ
стр. 1734
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ، الْوَاهِبُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ عَلَى هِبَتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ لَا يَطْلُبُ الثَّوَابَ عَلَى هِبَتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ فَإِنْ أَشْكَلَ ذَلِكَ وَاحْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ مَعَ يَمِينه.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا ثَوَابَ لِذِي سُلْطَانٍ فِيمَا وَهَبَهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُعْرَفُ أَنَّ ذَا السُّلْطَانِ يَطْلُبُ اسْتِقْرَارَ ثَوَابٍ، وَإِنَّمَا يَطْلُبُهُ غَيْرُهُ مِنْهُ، وَأَمَّا مَا يَهَبُهُ أَحَدٌ لِلسُّلْطَانِ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ لَا ثَوَابَ فِيهِ وَالظَّاهِرُ عِنْدِي مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ عَلَى الثَّوَابِ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ مَنْ أَهْدَى إلَيْهِ فَإِنَّمَا يُقْصَدُ التَّقَرُّبُ مِنْهُ فَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَلُ هِبَتُهُ مَعَ الْإِطْلَاقِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ عَطِيَّتَهُ وَهِبَتَهُ مَقْصُودَةٌ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُرْغَبُ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ بِسَبَبِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَمَا أُهْدِيَ إلَى الْفَقِيرِ فَعَلَى غَيْرِ الثَّوَابِ وَمَا أَهْدَى هُوَ فَعَلَى الثَّوَابِ وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَابَ، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمَ سَائِرِ الْأَغْنِيَاءِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا ثَوَابَ عَلَى سَيِّدٍ فِيمَا أَهْدَاهُ إلَيْهِ مَوْلَاهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا يُهْدِي إلَيْهِ شُكْرًا لِإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا هِبَةُ ذِي الرَّحِمِ فَلَيْسَتْ عَلَى الثَّوَابِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إلَّا أَنْ يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ وَهَبَهُ لِلثَّوَابِ مِثْلَ أَنْ يَطْلُبَ الْمَوْهُوبُ لَهُ مَا يَسْتَحْسِنُهُ عِنْدَ الْوَاهِبِ فَيَهَبُهُ إيَّاهُ اسْتِقْرَارًا لِلْعِوَضِ فَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الثَّوَابِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَا لَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الثَّوَابِ فَهُوَ عَلَى غَيْرِ الثَّوَابِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هِبَتَهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ وَكُلُّ هِبَةٍ لَهَا وَجْهٌ غَيْرُ الثَّوَابِ فِي الْأَغْلَبِ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَيْهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهَا لِغَيْرِ الثَّوَابِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنْ يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَابَ وَمَعْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ وَذَكَر الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ أَنَّ فِي الْهِبَةِ الْمُطْلَقَةِ رِوَايَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: أَنَّهَا تَقْتَضِي الثَّوَابَ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَقْتَضِي الثَّوَابَ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْمِلْكَيْنِ مُتَمَيِّزَانِ وَأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ مَطْلُوبَةٌ بَيْنَهُمَا، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَقَرَّبُ إلَى الْآخَرِ بِالْهَدِيَّةِ وَيُحِبُّ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي كِتَابِ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً تَسْكُنُ فِي بَيْتٍ بِكِرَاءٍ فَسَاكَنَهَا حَتَّى انْقَضَتْ الْمُدَّةُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الزَّوْجِ مِنْ الْكِرَاءِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ بَيَّنَتْ لَهُ بِذَلِكَ وَأَعْلَمَتْهُ بِالْكِرَاءِ وَقَالَتْ إنْ شِئْت فَأَدِّهِ، وَإِنْ شِئْت فَاخْرُجْ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَهِيَ سَاكِنَةٌ فِي دَارِهَا ثُمَّ طَلَبَتْ كِرَاءَهَا فَلَا كِرَاءَ لَهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: عَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِمَّا اكْتَرَتْ بِهِ.
وَاخْتِلَافُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْغَيْرِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْأَصْلِ فِي كِتَابِ الْعِدَّةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمُعْتَدَّةِ تَعْتَدُّ فِي مَسْكَنٍ بِكِرَاءٍ فَطَلَبَتْ الْكِرَاءَ بَعْدَ تَمَامِ الْعِدَّةِ أَنَّ لَهَا ذَلِكَ إنْ كَانَ مُوسِرًا حِينَ السُّكْنَى.
وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا الْأَنْدَلُسِيِّينَ أَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَانِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ سَكَنَتْ فِي وَقْتٍ لَا يَظُنُّ بِهِ الصِّلَةُ، وَقَدْ بَسَطْت الْقَوْلَ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهَا تَقْتَضِي الثَّوَابَ مَعَ الْإِطْلَاقِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا إنْ ادَّعَتْ أَنَّهَا شَرَطَتْ عَلَيْهِ الثَّوَابَ تَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَتَبْرَأُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا ادَّعَتْ أَنَّهَا شَرَطَتْ مَا لَا يَقْتَضِيه الْإِطْلَاقُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي إنْكَارِ دَعْوَاهَا كَادِّعَائِهَا سَائِرَ الشُّرُوطِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا حُكْمُ الْعَطِيَّةِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ، أَوْ الْهَدِيَّةِ فَأَمَّا لَفْظُ الصَّدَقَةِ فَلَا ثَوَابَ فِيهِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مُقْتَضَاهَا الْقُرْبَةُ، وَذَلِكَ يُنَافِي الْعِوَضَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 1735
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مُقْتَضَى هِبَةِ الثَّوَابِ مِنْ اللُّزُومِ أَوْ الْجَوَازِ]
ِ) الَّذِي عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْهِبَةَ بِاللَّفْظِ لَازِمَةٌ لِلْوَاهِبِ فَإِنْ أَخَذَ الْمُعْطِي قِيمَتَهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهَا وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَرْعٌ) فَإِنْ زَادَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَانَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ قَبْضِهَا فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ قَبْضِهَا وَلَا مِنْ بَيْعِهَا وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ إلَّا أَنَّ لِلْوَاهِبِ مَنْعَ الْمُعْطِي مِنْ قَبْضِهَا حَتَّى يُثِيبَهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مُقْتَضَى هِبَةِ الثَّوَابِ الِاسْتِسْلَامُ وَتَرْكُ الْمُشَاحَّةِ، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْمَنْعِ مِنْ الْقَبْضِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ مُعَاوَضَةٌ فَكَانَ لِلْبَائِعِ إمْسَاكُ مَا بَاعَ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ كَالْبَيْعِ الْمُطْلَقِ فَإِنْ قَبَضَهَا الْمُعْطَى بِغَيْرِ إذْنِ الْمُعْطِي فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ يَرْتَجِعُهَا حَتَّى يُثِيبَهُ وَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَبْدُوَ لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَرْتَجِعُهَا وَيَتَلَوَّمُ فَإِنْ أَثَابَهُ وَإِلَّا رَدَّهَا وَالْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي مَنْعِ الْوَاهِبِ الْمَوْهُوبَ مِنْ قَبْضِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا تَفُوتُ بِهِ هِبَةُ الثَّوَابِ وَتَلْزَمُ بِهِ الْقِيمَةُ] ١
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ فَاتَتْ الْهِبَةُ فَقَدْ لَزِمَتْ الْمُعْطَى بِالْقِيمَةِ كَنِكَاحِ التَّفْوِيضِ يَلْزَمُ بِالدُّخُولِ مَهْرَ الْمِثْلِ فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ الَّتِي تَلْزَمُ فِي الْهِبَةِ وَالثَّوَابِ عَيْنًا لَزِمَ قَبْضُهَا وَالرِّضَا بِهَا، وَإِنْ كَانَ الثَّوَابُ دَيْنًا مِثْلَ أَنْ يَهَبَهُ دَارًا فَيُثِيبَهُ مِنْهَا دَيْنًا فَفِي كِتَابِ أَبِي مُحَمَّدٍ يَجُوزُ: حَلَّ الدَّيْنُ، أَوْ لَمْ يَحِلَّ قَالَ مُحَمَّدٌ: يُرِيدُ أَنَّهُ حَوَالَةٌ وَيُرِيدُ إذَا كَانَ مِمَّا تَقُومُ بِهِ الْهِبَةُ فِي الِاسْتِهْلَاكِ مِنْ الدَّنَانِيرِ، أَوْ الدَّرَاهِمِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَوِّضَهُ مِنْهَا سُكْنَى دَارٍ وَلَا خِدْمَةِ عَبْدٍ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجَوَّزَهُ أَشْهَبُ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الرَّقَبَةِ لِاسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ عِنْدَهُ قَبْضٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(الْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا تَفُوتُ بِهِ هِبَةُ الثَّوَابِ وَتَلْزَمُ بِهِ الْقِيمَةُ) وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
[الْبَابُ الْخَامِسُ فِي حُكْمِ وُجُودِ الْعَيْبِ بِهَا] ١
(الْبَابُ الْخَامِسُ فِي حُكْمِ وُجُودِ الْعَيْبِ بِهَا) فَإِنَّهُ إنْ اطَّلَعَ عَلَى الْعَيْبِ قَبْلَ أَنْ يُثِيبَهُ وَقَبْلَ أَنْ تَفُوتَ فَإِنْ عَلِمَ الْوَاهِبُ بِالْعَيْبِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا قِيمَتُهَا مَعِيبَةً؛ لِأَنَّهُمَا عَالِمَانِ بِالْعَيْبِ قَالَهُ مُحَمَّدٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَاهِبَ وَهَبَهَا عَلَى أَنَّهَا مَعِيبَةٌ فَلَهُ قِيمَتُهَا عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْعَيْبِ فَلَهُ قِيمَتُهَا صَحِيحَةً غَيْرَ مَعِيبَةٍ كَأَنْ فَاتَتْ بِحَوَالَةِ أَسْوَاقٍ، أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَفَاتَتْ بِوَطْءٍ قَالَهُ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ لَا تُفِيتُهُ حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ وَالْوَاهِبُ وَهَبَ عَلَى الصِّحَّةِ فَإِمَّا أَنْ يَرْضَى الْمُعْطِي أَنْ يُثِيبَهُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ يَرُدَّهُ.
(مَسْأَلَة) فَإِنْ ظَهَرَ الْعَيْبُ بَعْدَ أَنْ أَثَابَهُ وَقَبْلَ الْفَوَاتِ فَلَهُ رَدُّهَا وَالرُّجُوعُ فِي الثَّوَابِ أَوْ إمْسَاكُهَا وَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِمَّا أَثَابَهُ وَذَلِكَ كَالْبَيْعِ.
وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ لَمْ يُعْلِمْهُ بِالْعَيْبِ حَتَّى فَاتَتْ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ لَزِمَهُ قِيمَتُهَا صَحِيحَةً فَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا بِذَلِكَ وَإِلَّا رَدَّهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ فَوَاتَ الْهِبَةِ الْمُوجِبِ لَقِيمَتهَا بِفَوْتِ سُوقٍ، أَوْ زِيَادَةِ بَدَنٍ، أَوْ وَطْءٍ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَتْ قَدْ فَاتَتْ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهَا فَأَثَابَهُ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْعَيْبِ رَجَعَ بِقَدْرِ الْعَيْبِ مِمَّا أَثَابَهُ بِهِ إنْ كَانَ الثَّوَابُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْهِبَةِ، أَوْ أَكْثَرَ ظَهَرَ عَلَى الْعَيْبِ قَبْلَ أَنْ يُوَفِّيَ الْقِيمَةَ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يُثِيبَ لَكَانَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا مَعِيبَةً.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ وُجِدَ الْعَيْبُ بِالْعِوَضِ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ فَلَهُ رَدُّهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْعِوَضِ الْمَعِيبِ مِثْلُ قِيمَةِ الْهِبَةِ فَلَا يُرَدُّ، أَوْ يَكُونُ أَقَلَّ فَتَتِمُّ لَهُ الْقِيمَةُ فَلَا يُرَدُّ قَالَ أَشْهَبُ لَهُ رَدُّهُ كَمَا تُرَدُّ الْهِبَةُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْ عِوَضِهِ إلَّا الْعَيْنُ فَأَخْذُهُ الْعِوَضَ شِرَاءٌ لَهُ بِالْقِيمَةِ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ وَاخْتِيَارٌ لَهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا تَأَوَّلَ مُطَرِّفٌ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ، وَإِنْ أَعْطَى قِيمَتَهَا إلَّا أَنْ يَرْضَى مِنْهَا فَجَعَلَ عَقْدَ الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ غَيْرَ
стр. 1736
(ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْهِبَةَ إذَا تَغَيَّرَتْ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِلثَّوَابِ بِزِيَادَةٍ، أَوْ نُقْصَانٍ فَإِنَّ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبَهَا قِيمَتَهَا يَوْمَ قَبْضِهَا)
ــ
[المنتقى]
لَازِمٍ لِلْوَاهِبِ وَنَحْوُهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ وَإِذَا أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: أَنَا رَاضٍ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ ﵁ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ مَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا يُرِيدُ يُعْطَى قِيمَتَهَا قَالَ مَالِكٌ أَمَّا ثَوَابُ مِثْلِهَا، أَوْ رَدُّهَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ مَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا عَلَى قَوْلِ مُطَرِّفٍ مَا لَمْ يَأْخُذْ مَا يُرْضِيهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَعْطَى أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ وَمَعْنَاهُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ مَا لَمْ يُعْطِ مَا هُوَ رِضًا مِنْهَا عِنْدَ النَّاسِ، وَذَلِكَ الْقِيمَةُ وَالرِّضَا مِنْهَا يُعْتَبَرُ فِي وَجْهَيْنِ الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ فَأَمَّا الْقَدْرُ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَأَمَّا الْجِنْسُ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ لَا يَلْزَمُ الْوَاهِبَ مَا أَعْطَى مِنْ غَيْرِ الْعَيْنِ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ يَجُوزُ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ مَا أَثَابَهُ مِنْ السِّلَعِ مِمَّا يُثَابُ بِمِثْلِهِ فَذَلِكَ يَلْزَمُ الْوَاهِبَ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ الْهِبَةِ وَكَانَ مِمَّا يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ فِي ثَوَابِ الْهِبَاتِ بَيْنَهُمْ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُثِيبَهُ حَطَبًا وَلَا تِبْنًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ هِيَ أُصُولُ الْأَثْمَانِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ فَلَا تَكُونُ الْقِيمَةُ إلَّا مِنْهُمَا عِنْدَ الْمُشَاحَّةِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَعْوَاضَ الْمَبِيعَاتِ عَلَى حَسَبِ الْعُرْفِ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ وَرِقًا وَفِي بَعْضِهَا ذَهَبًا وَكَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ إبِلًا، وَلَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنْ يُثَابَ الْوَاهِبُ بِغَيْرِ الْعَيْنِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمَ ثَوَابِهَا مَعَ مَا ثِيبَ عَلَيْهِ مِنْ التَّوْسِعَةِ، وَلِذَلِكَ صَحَّتْ مَعَ تَرْكِ قَدْرِ الثَّوَابِ وَذِكْرِ جِنْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ أَشْهَبَ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَخْتَصَّ الثَّوَابُ بِالْعَيْنِ الَّتِي تَجْرِي فِي بَلَدِ الْهِبَةِ وَتِلْكَ السِّكَّةِ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ إنَّمَا يَكُونُ بِهَا دُونَ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْعَيْنِ وَالسِّكَكِ فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَعَلَى حَسَبِ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ أَمْرٌ مَصْرُوفٌ إلَى اخْتِيَارِ الْمَوْهُوبِ لَهُ مَعَ الْعُرْفِ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا مَعَ التَّشَاحِّ، وَأَمَّا مَعَ التَّسَامُحِ نُظِرَتْ فَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ لَمْ تَفُتْ يَجُوزُ أَنْ يُعَوِّضَهُ مِنْهَا كُلَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّمَ الْهِبَةَ فِيهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ وَهَبَهُ أَثْوَابًا فُسْطَاطِيَّةً لَمْ يَجُزْ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يُثِيبَهُ مِنْهَا أَثْوَابًا فُسْطَاطِيَّةً أَكْثَرَ مِنْهَا، وَلَوْ وَهَبَهُ حِنْطَةً لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُعَوِّضَهُ مِنْهَا حِنْطَةً وَلَا مِمَّا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ إلَّا أَنْ يُعَوِّضَهُ مِثْلَ طَعَامِهِ فِي صِفَتِهِ وَجَوْدَتِهِ وَكَيْلِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ حُلِيًّا وَقُلْنَا بِجَوَازِ هِبَتِهِ لِلثَّوَابِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يُثِيبُهُ قِيمَةَ الْحُلِيِّ عُرُوضًا وَلَا يَأْخُذُ دَرَاهِمَ وَلَا دَنَانِيرَ، وَإِنْ كَانَ الْحُلِيُّ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الثَّوَابِ يُرِيدُ بَعْدَ أَنْ يَفْتَرِقَا وَقَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الْحُلِيُّ لَجَازَ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ يَكُونُ الثَّوَابُ عَلَى حُلِيِّ الذَّهَبِ وَرِقًا وَعَلَى حُلِيِّ الْوَرِقِ ذَهَبًا فَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِ التَّنَاجُزِ بِالْقَبْضِ فِي مَجْلِسِ الْهِبَةِ وَبِحَضْرَتِهَا؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ وَمَا فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الْقَبْضِ فِي مَجْلِسِ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى عَدَمِ الْقِيمَةِ بَعْدَ وَفَاةِ الْهِبَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ يُثِيبُ عَنْ حُلِيِّ الذَّهَبِ وَرِقًا وَعَنْ حُلِيِّ الْوَرِقِ ذَهَبًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ الْهِبَةَ لِلثَّوَابِ غَيْرُ لَازِمَةٍ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَإِنْ قَبَضَهَا مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ عِنْدَهُ بِزِيَادَةٍ، أَوْ نُقْصَانٍ فِي عَيْنِهَا فَإِنْ حَدَثَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ فَاتَ رَدُّهَا إلَى الْوَاهِبِ وَلَزِمَ الْمَوْهُوبَ قِيمَتُهَا هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ فِي الْبَدَنِ مِمَّا تَفُوتُ بِهِ الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ وَتَلْزَمُ الْمُعْطِيَ قِيمَتُهَا وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا يُلْزَمُ بِهَا الْمُعْطَى قَالَ وَقَالَهُ مَالِكٌ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ النَّمَاءُ وَالنَّقْصُ فَوْتٌ وَيُجْبَرُ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى الثَّوَابِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ لِلْمَوْهُوبِ رَدُّهَا فِي الزِّيَادَةِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ لَيْسَ ذَلِكَ لِلْمَوْهُوبِ فِي النَّقْصِ وَلَا لِلْوَاهِبِ فِي الزِّيَادَةِ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَقَالَ لَيْسَ الرَّدُّ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا زَادَتْ، أَوْ نَقَصَتْ وَجْهُ الْقَوْلِ
стр. 1737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْأَوَّلِ إنَّمَا لَزِمَتْهُ الْهِبَةُ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا ذَهَبَ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ تَكُونُ الزِّيَادَةُ لَهُ فَيَمْنَعُهُ مِنْ الرَّدِّ كَالْبَيْعِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْعَقْدَ لَمَّا كَانَ لَازِمًا فِي جَنْبَةِ الْمُعْطِي دُونَ الْمُعْطَى وَكَانَتْ الزِّيَادَةُ لِلْمُعْطَى كَانَ لَهُ تَرْكُهَا وَيَرُدُّ الْعَطِيَّةَ، وَأَمَّا النَّقْصُ فَهُوَ إتْلَافُ بَعْضِ الْعَطِيَّةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا نَاقِصَةً فَلَزِمَتْهُ بِالنُّقْصَانِ دُونَ الزِّيَادَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فَلَيْسَتْ بِفَوْتٍ، وَقَالَ أَصْبَغُ اخْتِلَافُ الْأَسْوَاقِ فِيهَا فَوْتٌ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْفَوْتَ فِيهَا كَالْفَوْتِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فِي الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَالرُّبَاعِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْهِبَةَ لِلثَّوَابِ تَئُولُ إلَى اللُّزُومِ بِالْقِيمَةِ فَكَانَ تَغَيُّرُ الْأَسْوَاقِ مُفِيتًا لَهَا كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ هِبَةٌ يَجُوزُ رَدُّهَا فَلَمْ يُمْنَعْ رَدُّهَا حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ كَهِبَةِ الْأَبِ لِابْنِهِ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِصَارِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْبَيْعُ فَوْتٌ فَإِنْ رَجَعَتْ إلَى الْمُعْطِي قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ الْأَسْوَاقُ فَهُوَ فَوْتٌ وَلَا رَدَّ لَهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَوَجْهُهُ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بَيِّنٌ وَاضِحٌ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّ مَا تَفُوتُ بِهِ هِبَةُ الثَّوَابِ فَمَا يُتِمُّ بِهِ الْعَقْدُ الصَّحِيحُ وَيَكْمُلُ بِالْقَبُولِ مَعَ الْإِيجَابِ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ، وَأَمَّا الْبَيْعُ الْفَاسِدُ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ بِهِ الْبَيْعُ، وَإِنَّمَا يَرُدُّهُ عَمَّا عُقِدَ عَلَيْهِ إلَى وَجْهٍ مِنْ الصِّحَّةِ لِعَدَمِ الرَّدِّ وَتَعَذُّرِهِ، وَلَوْ أَمْكَنَ ذَلِكَ لَمَا وَجَبَ إمْضَاؤُهُ فَعَلَى هَذَا مَتَى وُجِدَ مَا يَفُوتُ بِهِ هِبَةُ الثَّوَابِ وَتَجِبُ بِهِ الْقِيمَةُ فَقَدْ لَزِمَ الْعَقْدُ وَتَمَّ وَلَا يَثْبُتُ بِخِيَارِ الرَّدِّ زَوَالُ مَا فَاتَ بِهِ وَلَا عَدَمُهُ، وَلِذَلِكَ لَوْ الْتَزَمَ قِيمَتَهَا قَبْلَ الْفَوَاتِ لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ، وَلَوْ الْتَزَمَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لَمْ يَلْزَمْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مِمَّا يَفُوتُ بِهِ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ فَفَاتَتْ بِهِ هِبَةُ الثَّوَابِ كَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
الْمَوْهُوبُ لَهُ لِأَهْبِيَتِهَا فَالْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهَا كَالْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْغُرَمَاءُ أَنْ يُعْطُوهُ قِيمَتَهَا وَرَأَيْت لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْقِيمَةَ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْهِبَةِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ وَهَبَ جَارِيَةً لِلثَّوَابِ فَوَطِئَهَا الْمَوْهُوبُ فَذَلِكَ فَوْتٌ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إذَا غَابَ عَلَيْهَا فَقَدْ لَزِمَهُ الثَّوَابُ، وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا وَلَمْ تَتَغَيَّرْ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَقَدْ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبْضِهَا يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَوْهُوبِ رَدُّهَا إنْ اخْتَارَ ذَلِكَ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْوَاهِبِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى رَدِّهَا قَالَ مُطَرِّفٌ، وَذَلِكَ أَنَّنَا إذَا قُلْنَا: إنَّهَا تَلْزَمُ الْوَاهِبَ بِاللَّفْظِ فَإِنَّهَا إذَا فَاتَتْ لَزِمَتْهُمَا جَمِيعًا وَإِنْ قُلْنَا لَا تَلْزَمُ الْوَاهِبَ بِاللَّفْظِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا بِالْفَوَاتِ قَدْ لَزِمَتْهُمَا، وَإِنْ وُجِدَ الِاخْتِلَافُ فِيمَا تَفُوتُ بِهِ فَإِذَا اتَّفَقَا بَعْدَ الْفَوَاتِ عَلَى الرَّدِّ فَإِنَّ ذَلِكَ لِمَعْنَى الْإِقَالَةِ فِي الْبَيْعِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الرَّدِّ جَازَ ذَلِكَ وَكَيْفَ صِفَتُهُ قَالَ مُحَمَّدٌ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمَا بِمَا لَزِمَ الْمُعْطِي مِنْ الْقِيمَةِ ثُمَّ رَجَعَ مُحَمَّدٌ فَقَالَ: يَجُوزُ إذَا رَضِيَا بِرَدِّهَا وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّهَا هِبَةٌ إلَّا أَنْ يُوَجِّهَهَا لَهُ عَلَى قِيمَتِهَا يُرِيدُ أَنْ يُثِيبَهَا مِنْهُ بِالْقِيمَةِ الْمَجْهُولَةِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ مُحَمَّدٌ أَنَّ الْقِيمَةَ مَجْهُولَةٌ فَلَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ بِهَا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ رَدَّهَا فُسِخَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ فَوَاتِ السِّلْعَةِ بِالْقَبْضِ فَإِنَّ لَهُ إمْسَاكُهَا بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْيَمِينِ بَعْدَ طَرْحِ مَا يَنُوبُ قِيمَةَ الْعَبْدِ مِنْ الثَّمَنِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْيَمِينِ بَعْدَ طَرْحِ مَا يَنُوبُ قِيمَةَ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِمَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ التَّفْوِيضِ فَبِأَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْوِيمٍ وَاحِدٍ أَوْلَى وَأَحْرَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنَّ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ قَبْضِهَا قَالَ مُحَمَّدٌ وَيَوْمَ قَبْضِهَا أَصْوَبُ، وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْعُقُودَ الَّتِي لَا تَلْزَمُ وَلَا تَئُولُ إلَى التَّمْلِيكِ بِزِيَادَةٍ، أَوْ نُقْصَانٍ فَإِنَّمَا يُرَاعَى يَوْمَ الْقَبْضِ قِيمَةُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّ الْمُعْطَى إنَّمَا ضَمِنَهَا بِالْقَبْضِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْهِبَةَ قَدْ لَزِمَتْ
стр. 1738
الِاعْتِصَارُ فِي الصَّدَقَةِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ بِصَدَقَةٍ قَبَضَهَا الِابْنُ، أَوْ كَانَ فِي حِجْرِ أَبِيهِ فَأَشْهَدَ لَهُ عَلَى صَدَقَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّدَقَةِ) .
ــ
[المنتقى]
الْوَاهِبَ بِالْقَبُولِ فَإِذَا فَاتَتْ وَلَزِمَتْ الْمُعْطِي وَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ لَزِمَتْ الْمُعْطِي؛ لِأَنَّ الْمُعْطَى لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِمَا فِيهَا مِنْ الزِّيَادَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ نَقْصُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ كَبَيْعِ الْخِيَارِ إذَا رَضِيَ مُشْتَرِطُ الْخِيَارِ الْمَبِيعَ فَلَهُ مَا حَدَثَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ مِنْ الزِّيَادَةِ وَعَلَيْهِ النَّقْصُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَنَا آخُذُهُ وَيُحَطُّ عَنِّي نَقْصُهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَإِنَّمَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَوْمَ الْقَبْضِ أَصْوَبُ؛ لِأَنَّ لِلْهِبَةِ لِلثَّوَابِ بِالْقَبْضِ تَأْثِيرًا فِي لُزُومِهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ بَقِيَتْ فِي يَدِ الْوَاهِبِ لَمْ تَفُتْ بِزِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، وَإِنَّمَا تَفُوتُ بِذَلِكَ إذَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُعْطِي فِي بَيْعِ الْخِيَارِ، وَإِنَّمَا يُسْتَنَدُ الْخِيَارُ إلَى الْعَقْدِ لَا إلَى الْقَبْضِ وَلِأَنَّ الْمَبِيعَ بِالْخِيَارِ إنَّمَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ بِالثَّمَنِ الْمُسَمَّى وَالْهِبَةِ لِلثَّوَابِ بِالْقِيمَةِ فَوَجَبَ أَنْ تُرَاعَى فِيهِ يَوْمَ الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
[الِاعْتِصَارُ فِي الصَّدَقَةِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ عَلَى ابْنِهِ الْكَبِيرِ الْمَالِكِ لِأَمْرِ نَفْسِهِ، أَوْ الصَّغِيرِ فِي حِجْرِهِ فَلَيْسَ لِلْمُتَصَدِّقِ اعْتِصَارُهَا إذَا قُبِضَتْ وَحِيزَتْ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ لَا اعْتِصَارَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَمَا كَانَ مِنْ الْعَطِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَلَا اعْتِصَارَ فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا أَنَّ الْعَطَايَا الْمُنْفَرَدَ بِهَا لَازِمَةٌ بِالْعَقْدِ، وَإِنَّمَا قَالَ: قَبَضَهَا الِابْنُ، أَوْ كَانَ فِي حِجْرِ أَبِيهِ فَأَشْهَدَ لَهُ عَلَى صَدَقَتِهِ لِيَذْكُرَ أَقْوَى وُجُوهِهَا فِي حِيَازَةِ الِابْنِ الْكَبِيرِ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَصْعَبَ وُجُوهِهَا وَهُوَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ فِي حِجْرِهِ فَيُقْضَى عَلَى الْإِشْهَادِ لَهُ بِالصَّدَقَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْحِيَازَةَ لَهُ فَلَا اعْتِصَارَ لَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِمَا اُحْتُجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّدَقَةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ وَيَأْخُذَهَا بِعِوَضٍ فَبِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْلَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَتَى بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ لِلْقُرْبَةِ وَغَيْرِهَا كَالْهِبَةِ وَالنَّحْلِ وَالْعَطِيَّةِ فَإِنْ قُرِنَ بِهِ مَا يَقْتَضِي الْقُرْبَةَ كَقَوْلِهِ هِبَةً لِلَّهِ، أَوْ لِوَجْهِ اللَّهِ، أَوْ لِطَلَبِ الْأَجْرِ، أَوْ لِصِلَةِ رَحِمِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يُعْتَصَرُ هَذَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مَالٌ يَخْرُجُ عَنْ وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ كَالصَّدَقَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يُرِيدُ بِهَا الصِّلَةَ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ لَا يَعْتَصِرُهَا كَالصَّدَقَةِ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ابْنٌ، أَوْ ابْنَةٌ مُحْتَاجَانِ صَغِيرٌ فِي حِجْرِهِ أَوْ كَبِيرٌ بَائِنٌ عَنْهُ، وَقَدْ يَكُون الِابْنُ الصَّغِيرُ يَصِلُهُ لِمَا يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ الْخَصَاصَةِ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي هِبَتَهُ أَوْ عَطِيَّتَهُ لِابْنِهِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ أَوْ الْبَائِنِ عَنْهُ إذَا كَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ ظَاهِرَ هِبَتِهِ وَمَعْنَاهَا الْقُرْبَةُ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا لِلَّهِ تَعَالَى، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا هِبَةٌ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا مَا يَخْلُصُهَا لِلْقُرْبَةِ فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ اعْتِصَارَهَا كَالْهِبَةِ لِلْغَنِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ الصِّلَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالْفَقِيرِ بَلْ قَدْ يُوصَلُ الْغَنِيُّ وَغَيْرُهُ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الِاعْتِصَارَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا قَيَّدَ الْهِبَةَ، أَوْ الْعَطِيَّةَ، أَوْ النِّحْلَةَ فَقَالَ: إنِّي قَدْ سَلَّطْت عَلَيْهَا حُكْمَ الِاعْتِصَارِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي جَوَازِ الِاعْتِصَارِ لِلْأَبَوَيْنِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا «رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إنِّي نَحَلْت ابْنِي هَذَا غُلَامًا فَقَالَ أَكُلَّ وَلَدِك نَحَلْت مِثْلَهُ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْتَجِعْهُ» .
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ وَهَبَ لِابْنِهِ الْغُلَامَ ثُمَّ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالِارْتِجَاعِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الِارْتِجَاعُ بِهِبَتِهِ مِنْهُ جَائِزًا لَمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الِابْنَ قَدْ أُضِيفَ إلَى الْأَبِ مَعَ مَالِهِ فِي الشَّرْعِ فَكَانَ لِذَلِكَ تَأْثِيرٌ فِي انْتِزَاعِ مَا بِيَدِهِ كَالْعَبْدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْأَبَوَيْنِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ
стр. 1739
(ص) : (قَالَ وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِيمَنْ نَحَلَ وَلَدَهُ نِحَلًا، أَوْ أَعْطَاهُ عَطَاءً لَيْسَ بِصَدَقَةٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَسْتَحْدِثْ الْوَلَدُ دَيْنًا يُدَايِنُهُ النَّاسُ بِهِ وَيَأْمَنُونَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْعَطَاءِ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبُوهُ فَلَيْسَ لِأَبِيهِ أَنْ يَعْتَصِرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ الدُّيُونُ، أَوْ يُعْطِي الرَّجُلُ ابْنَهُ، أَوْ ابْنَتَهُ الْمَالَ فَتَنْكِحُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ، وَإِنَّمَا تَنْكِحُهُ لِغِنَاهُ وَلِلْمَالِ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبُوهُ فَيُرِيدُ أَنْ يَعْتَصِرَ ذَلِكَ الْأَبُ، أَوْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ قَدْ نَحَلَهَا أَبُوهَا النِّحَلَ إنَّمَا يَتَزَوَّجُهَا وَيَرْفَعُ فِي صَدَاقِهَا لِغِنَاهَا وَمَالِهَا وَمَا أَعْطَاهَا أَبُوهَا ثُمَّ يَقُولُ الْأَبُ أَنَا أَعْتَصِرُ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ مِنْ ابْنِهِ وَلَا مِنْ ابْنَتِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَى مَا وَصَفْت لَك)
ــ
[المنتقى]
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ لَا يَلِي مَالَهُ إلَّا بِتَوَلِّيهِ لَمْ يَرْجِعْ فِي هِبَتِهِ كَالِابْنِ يَهَبُ أَبَاهُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الِاعْتِصَارَ جَائِزٌ فِي الْهِبَاتِ وَالْعَطَايَا فَإِنْ أَطْلَقَ لَفْظَ الْهِبَةِ أَوْ النِّحْلَةِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ عَطِيَّةٌ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا مَا يَخْلُصُهَا لِلْقُرْبَةِ فَجَازَ فِيهَا الِاعْتِصَارُ كَاَلَّتِي شُرِطَ فِيهَا الِاعْتِصَارُ.
(ش) : قَوْلُهُ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا يُرِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا السَّلَامُ ثُمَّ قَالَ فِيمَنْ نَحَلَ نَحْلًا أَوْ أَعْطَاهُ عَطَاءً لَيْسَ بِصَدَقَةٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَسْتَحْدِثْ الْوَلَدُ دَيْنًا خُصُّ الْوَلَدُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُعْتَصَرُ إلَّا الْأَبَوَيْنِ مِنْ الِابْنِ وَالِابْنَةِ صِغَارًا كَانُوا، أَوْ كِبَارًا فَأَمَّا الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ فَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِمَا فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ لَا يُعْتَصَرُ وَلَا يَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ وَيَرِثُ مَعَهُ الْإِخْوَةُ وَلَا يَكُونُ بِيَدِهِ بِضْعُ بَنَاتِ الِابْنِ، وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَنَّ الْجَدَّ وَالْجَدَّةَ يَعْتَصِرَانِ كَالْأَبَوَيْنِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْجَدَّ لَا يَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الِاعْتِصَارُ كَالْعَمِّ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ أَدْلَى بِالْأُبُوَّةِ وَيُقَدَّمُ فِي الْمِيرَاثِ عَلَى الْأُخُوَّةِ كَالْأَبِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأُمَّ تَعْتَصِرُ فَإِنَّهَا لَا تَعْتَصِرُ مِنْ يَتِيمٍ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ الْهِبَةُ لِلْيَتِيمِ لِلْإِشْفَاقِ عَلَيْهِ وَخَوْفِ ضَيَاعِهِ وَهَذَا مَعْنَاهُ الصِّلَةُ وَالْقُرْبَةُ فَلِذَلِكَ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الصَّدَقَةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لِلْأَبِ أَنْ يَعْتَصِرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهِ أُمٌّ وَلَيْسَ لِلْأُمِّ أَنْ تَعْتَصِرَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا أَبٌ؛ لِأَنَّ الْيَتِيمَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ لَا مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الْيَتِيمَ إذَا كَانَ غَنِيًّا فَإِنَّ لِلْأُمِّ أَنْ تَعْتَصِرَ مِنْهُ كَمَا تَعْتَصِرُ مِنْ الْكَبِيرِ قَالَ مَالِكٌ لِلْأُمِّ مِنْ الِاعْتِصَارِ مَا لِلْأَبِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فَجَازَ أَنْ تُعْتَصَرَ، وَإِنْ مَاتَ الْآخَرُ كَالْأَبِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا لَا تَعْتَصِرُ الْأُمُّ مِنْ الْيَتِيمِ فَوَهَبَتْ ابْنَهَا الصَّغِيرَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ لَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ، وَإِنْ كَبِرَ، وَلَوْ كَبِرَ الِابْنُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ أَبُوهُ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ كَانَ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ قَدْ انْقَطَعَ عَنْهُ الِاعْتِصَارُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَتَعْتَصِرُ الْأُمُّ مَا وَهَبَتْ لِابْنِهَا الْكَبِيرِ لَا أَبَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْيُتْمِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتِيمًا حِينَ الْهِبَةِ وَلَا بَعْدَهَا إلَى وَقْتِ الِاعْتِصَارِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا يُنَافِي الِاعْتِصَارَ وَقْتَ الْهِبَةِ مِنْ الْيَتِيمِ إنْ وُجِدَ قَبْلَ الِاعْتِصَارِ مَنَعَ الِاعْتِصَارَ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِيهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِ الْهِبَةِ وَيُخْرِجُهَا عَنْ حُكْمِ الْهِبَةِ إلَى حُكْمِ الصَّدَقَةِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَهُ أَنْ يُعْتَصَرَ مَا لَمْ يُحْدِثْ الْوَلَدُ دَيْنًا يُدَايِنُهُ النَّاسُ بِهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْعَطَاءِ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبُوهُ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ أَنْ يَعْتَصِرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُذْهِبُ أَمْوَالَ النَّاسِ، وَقَدْ صَارَ ذَلِكَ الْحَالُ لِلْمَوْهُوبِ مِنْ أَجْلِ ذِمَّتِهِ الَّتِي تَعَلَّقَتْ حُقُوقُ النَّاسِ بِهَا وَذَلِكَ يَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ.
(فَرْعٌ) وَلَوْ كَانَ الِابْنُ مِدْيَانًا فَوَهَبَهُ الْأَبُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْأَبَ إذَا وَهَبَ ابْنَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ، أَوْ ابْنَهُ الْمَرِيضَ، أَوْ الْمِدْيَانَ لَمْ يَعْتَصِرْ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَتْ الْعَطِيَّةُ عَلَى هَذِهِ الْحَوَادِثِ قَالَ أَصْبَغُ إذَا كَانَتْ الْحَالُ وَاحِدَةً كَالْحَالِ يَوْمَ الْهِبَةِ فَلَهُ الِاعْتِصَارُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا مَنَعَ الِاعْتِصَارَ إذَا حَدَثَ بَعْدَ الْهِبَةِ يَمْنَعُهَا إذَا كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ
стр. 1740
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْهِبَةِ كَالْيَتِيمِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ دَيْنَهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مِنْ أَجْلِ الْهِبَةِ فَلَا يُمْنَعُ اعْتِصَارُهَا، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ دَيْنٌ بِسَبَبِ الْهِبَةِ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا وَهَبَ الرَّجُلُ ابْنَهُ الْكَبِيرَ الْغَنِيَّ الْهِبَةَ الْيَسِيرَةَ الَّتِي يَرَى أَنَّهُ لَا يُدَايَنُ بِمِثْلِهَا فَأَدَانَ، أَوْ تَزَوَّجَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ذَلِكَ يَرْفَعُ الِاعْتِصَارَ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الِاعْتِصَارَ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَنَّ تِلْكَ الْهِبَةَ قَدْ قَوَّتْهُ عَلَى ذَلِكَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَذِهِ الْهِبَةِ حَقُّ آدَمِيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدَايِنْ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ مِنْ أَجْلِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: أَوْ يُعْطِي الرَّجُلُ ابْنَهُ، أَوْ ابْنَتَهُ الْمَالَ فَتَنْكِحُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إنَّمَا تَنْكِحُهُ لِغِنَاهُ وَلِلْمَالِ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبُوهُ، أَوْ يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ قَدْ نَحَلَهَا أَبُوهَا النِّحَلَ إنَّمَا يَتَزَوَّجُهَا لِمَالِهَا وَمَا أَعْطَاهَا فَلَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يَعْتَصِرَ، يُرِيدُ أَنَّ النِّكَاحَ قَدْ يُقْصَدُ فِيهِ الْمَالُ، وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِدِينِهَا وَلِمَالِهَا وَجَمَالِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك» فَإِذَا كَانَ الْمَالُ مِنْ أَغْرَاضِ النِّكَاحِ وَكَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَدْ تَزَوَّجَ الْآخَرَ مِنْ أَجْلِ عَطِيَّةِ أَبِيهِ فَلَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يُزِيلَ تِلْكَ الْعَطِيَّةَ فَتَبْطُلَ زِيَادَةُ مَنْ زَادَ فِي نِكَاحِهِ مِنْ أَجْلِهَا، وَلَوْ زَالَ النِّكَاحُ بِمَوْتٍ، أَوْ طَلَاقٍ قَبْلَ الْبِنَاءِ، أَوْ بَعْدَهُ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَعُودُ حُكْمُ الِاعْتِصَارِ سَوَاءٌ دَخَلَ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَبَ قَدْ عَرَّضَهُ لِذَلِكَ فَإِذَا تَعَلَّقَتْ بِهِ حُقُوقُ النَّاسِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إبْطَالُهَا كَمَا لَوْ أَذِنَ لِغَيْرِهِ فِي التِّجَارَةِ بِمَالٍ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ فِيهِ مِلْكٌ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ حُكْمَهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْأُنْثَى.
وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ دِينَارٍ أَنَّ نِكَاحَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ بَعْدَ الْهِبَةِ لَا يَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ، وَقَالَ: لِأَنَّ الْوَلَدَ الذَّكَرَ دَخَلَ فِي مَا الْمَخْرَجُ مِنْهُ بِيَدِهِ وَدَخَلَتْ الِابْنَةُ فِيمَا الْمَخْرَجُ مِنْهُ بِيَدِ غَيْرِهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ حَقَّ الزَّوْجَةِ قَدْ تَعَلَّقَ بِمَالِ الزَّوْجِ كَمَا تَعَلَّقَ حَقُّ الزَّوْجِ بِمَالِ الزَّوْجَةِ بَلْ تَعَلَّقَ حَقُّ الزَّوْجَةِ بِمَالِ الزَّوْجِ أَقْوَى لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُدَايِنَةِ وَلِمَا يَجِبُ لَهَا مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالسُّكْنَى فِي مَالِهِ فَإِنْ كَانَ نِكَاحُ الِابْنَةِ يَقْطَعُ الِاعْتِصَارَ فَبِأَنْ يَقْطَعَهُ نِكَاحُ الذَّكَرِ أَوْلَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ مَرَضُ الْمُعْطِي فَإِنْ مَاتَ الْمُعْطِي فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَعْتَصِرُ مَرِيضٌ وَلَا يَعْتَصِرُ مِنْهُ فَأَمَّا الْمَرِيضُ فَإِنَّهُ لَا يَعْتَصِرُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَصِرُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْوَرَثَةِ وَلَيْسُوا بِآبَاءٍ وَلَا يَعْتَصِرُ إلَّا الْأَبُ، وَأَمَّا الْمَرِيضُ فَلَا يَعْتَصِرُ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْوَرَثَةِ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِمَالِهِ كَمَا لَوْ تَعَلَّقَتْ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ لَامْتَنَعَ الِاعْتِصَارُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ زَالَ الْمَرَضُ فَهَلْ يَعُودُ الِاعْتِصَارُ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَعُودُ حُكْمُ الِاعْتِصَارِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَالدَّيْنِ قَالَ أَصْبَغُ مَا زَالَ بِهِ الِاعْتِصَارُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْرِهِ يَوْمًا وَاحِدًا فَلَا يَعُودُ بِزَوَالِهِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ مُطَرِّفٌ مِنْ أَنَّ الْمَرَضَ لَمْ يُحْدِثْهُ الْوَلَدُ وَالدَّيْنُ وَالنِّكَاحُ بِسَبَبِهِ فَمَنَعَ ذَلِكَ أَنْ يَعُودَ بِهِ الِاعْتِصَارُ وَوَجْهٌ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْمَرَضَ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي الْهِبَاتِ إنَّمَا هُوَ الْمَرَضُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِالْمَوْتِ، وَأَمَّا الْمَرَضُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الْبُرْءُ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِيهَا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الِاعْتِصَارَ إذَا زَالَ بِسَبَبِ لَمْ يَعْدُ بِزَوَالِهِ كَالنِّكَاحِ وَالدَّيْنِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَتَغَيُّرُ الْهِبَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ فِي ذَاتِهَا وَفِي قِيمَتِهَا فَإِذَا تَغَيَّرَتْ فِي قِيمَتِهَا بِتَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الِاعْتِصَارَ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْهِبَةَ عَلَى حَالِهَا وَزِيَادَةُ الْقِيمَةِ وَنَقْصُهَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهَا وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي صِفَتِهَا فَلَمْ يَمْنَعْ الِاعْتِصَارَ كَنَقْلِهَا مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا تَغَيُّرُهَا فِي عَيْنِهَا وَنَقْصُهَا فَلَا يَمْنَعُ اعْتِصَارَهَا، وَقَالَ أَصْبَغُ ذَلِكَ يَمْنَعُ اعْتِصَارَهَا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ أَنَّ نَقْصَ الْهِبَةِ وَزِيَادَتَهَا لَا يَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ كَنَقْصِ الْقِيمَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ تَغَيُّرَ حَالِ ذِمَّةِ الْمُعْطِي يَقْطَعُ الِاعْتِصَارَ فَبِأَنْ يَمْنَعَهُ تَغَيُّرُ الْهِبَةِ فِي نَفْسِهَا أَوْلَى وَأَحْرَى (فَرْعٌ)
стр. 1741
الْقَضَاءُ فِي الْعُمْرَى (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعْطَاهَا لَا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعَطَاهَا أَبَدًا لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ» )
ــ
[المنتقى]
وَلِلْأَبِ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَ ابْنَهُ وَابْنَتَهُ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَاهَا حُلِيًّا فَلَيْسَ لَهُ اعْتِصَارُهَا قَالَهُ مَالِكٌ وَرَوَاهُ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا تَغَيُّرٌ فِي الْهِبَةِ يَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ كَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِيهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا الِابْنُ فَاَلَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْوَطْءَ يَفْسَخُهَا، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا وَلَمْ تَحْمِلْ.
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ لَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ الِاعْتِصَارُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَقَالَ يُوقَفُ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ فَإِنْ حَمَلَتْ بَطَلَ الِاعْتِصَارُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ مَا أُبِيحَ مِنْ تَمَامِ مِلْكِهِ وَيَكْمُلُ كَأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ يَأْذَنُ لِشَرِيكِهِ فِي وَطْءِ الْجَارِيَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ وَطْءَ الْمُعْطِي لَا يُوجِبُ الِانْتِزَاعَ كَوَطْءِ الْعَبْدِ إذَا أَعْطَاهُ إيَّاهُ سَيِّدُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ خَلَا بِهَا الِابْنُ وَادَّعَى الْوَطْءَ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ ذَلِكَ اعْتِصَارَهَا قَالَهُ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ وَفِي كِتَابِ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَعْتَصِرَهَا مِنْ ابْنِهِ الْكَبِيرِ وَيَسْتَبْرِئُ إذَا غَابَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ ادَّعَى وَطْئًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَدَّعِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ ادِّعَاءَ الْوَطْءِ مَعَ إمْكَانِهِ بِالْخَلْوَةِ مُؤَثِّرٌ فِي الْحُكْمِ كَالزَّوْجِ يَخْلُو بِزَوْجَتِهِ وَتَدَّعِي عَلَيْهِ الْوَطْءَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: أَوْ يُكَاتِبُ الْعَبْدَ وَعَلَى هَذَا عِنْدِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ وَالتَّدْبِيرُ وَالِاسْتِيلَادُ وَفَوَاتُ الْعَيْنِ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ وَأَمَّا مَا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ، أَوْ يُعَدُّ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ خَلْطَهُ الِابْنَ بِمِثْلِهِ فَلَا سَبِيلَ لِلْأَبِ إلَى اعْتِصَارِهِ قَالَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَرَى مَجْرَى إتْلَافِهِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِيهِ.
[الْقَضَاءُ فِي الْعُمْرَى وَفِيهِ أَبْوَاب]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْنَى الْعُمْرَى وَأَلْفَاظِهَا]
(ش) : مَعْنَى الْعُمْرَى هِبَةُ مَنَافِعِ الْمِلْكِ مُدَّةَ عُمْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ مُدَّةَ عُمْرِهِ وَعُمْرَ عَقِبِهِ فَسُمِّيَتْ عُمْرَى لِتَعَلُّقِهَا بِالْعُمْرِ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْأَعْمَارُ هِبَةَ الْمَنَافِعِ لَا هِبَةَ الرَّقَبَةِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعْطَاهَا» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَا أُعْطَى مِنْ الْمَنَافِعِ يَكُونُ لَهُ وَلِعَقِبِهِ وَلَا تَبْطُلُ لِعَقِبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا تَرْجِعُ بِذَلِكَ إلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ فَوَجَبَ أَنْ يُنْفِذَ عَطِيَّتَهُ عَلَى مَا أَعْطَاهَا مِنْ وُجُوبِ التَّوَارُثِ فِيهَا، وَإِنْ بِتَنَقُّلِ الْمَنَافِعِ إلَى عَقِبِ الْمُعْطِي بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ رَاجِعٌ إلَى الْمَنَافِعِ وَمُتَعَلِّقٌ بِهِ دُونَ رَقَبَةِ الدَّارِ؛ لِأَنَّ رَقَبَتَهَا لَمْ يُعْطِهَا عَطَاءً وَقَعَتْ فِي الْمَوَارِيثُ وَلَا غَيْرَهُ وَلَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ وَفِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ:.
أَحَدُهَا فِي مَعْنَى الْعُمْرَى وَأَلْفَاظِهَا وَمَعْنَى الْحَبْسِ وَالصَّدَقَةِ وَمَا يَخْتَلِفُ لِذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهَا.
وَالْبَابُ الثَّانِي: فِيمَنْ يَصِحُّ مِنْهُ التَّحْبِيسُ وَمَنْ يَصِحُّ عَلَيْهِ وَمَا يَصِحُّ تَحْبِيسُهُ.
وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي دُخُولِ الْعَقِبِ مَعَ الْمُعْطِي، أَوْ تَرْتِيبِهِ بَعْدَهُ.
وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِي مَعْنَى الْعَقِبِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالْبَنِينَ وَالْمَوْلَى.
وَالْبَابُ الْخَامِسُ فِي قِسْمَةِ مَنَافِعِ الْعُمْرَى.
وَالْبَابُ السَّادِسُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَسَمِ فِيهَا بِالْوِلَادَةِ وَانْتِقَالِهِ بِالْمَوْتِ.
وَالْبَابُ السَّابِعُ فِيمَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الْعُمْرَى وَالْحَبْسِ.
وَالْبَابُ الثَّامِنُ فِي مَنْ تَعُودُ إلَيْهِ مَنَافِعُ الْعُمْرَى وَالْحَبْسِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْمَرِ وَمَنْ حَبَسَ عَلَيْهِمْ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْنَى الْعُمْرَى وَأَلْفَاظِهَا وَمَعْنَى الْحَبْسِ وَالصَّدَقَةِ وَمَا يَخْتَلِفُ لِذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهَا) إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعُمْرَى هِبَةُ مَنَافِعِ الْمِلْكِ مُدَّةَ عُمْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ مُدَّةَ عُمْرِهِ وَعُمْرِ عَقِبِهِ فَقَدْ سُمِّيَ الْمِلْكُ عُمْرَى لِجَوَازِ أَنْ تَعَلَّقَ الْعُمْرَى بِمَنَافِعِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ رَجَعَتْ إلَى صَاحِبِهَا إنْ كَانَ حَيًّا، أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ يَوْمَ مَاتَ إنْ كَانَ مَيِّتًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
стр. 1742
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَالشَّافِعِيُّ يَكُونُ مِلْكًا لِلْمُعْمَرِ وَلِعَقِبِهِ بَعْدَهُ فَإِنْ مَاتَ وَلَا عَقِبَ لَهُ فَلِبَيْتِ الْمَالِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ تَعْلِيقَ الْمِلْكِ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ دُونَ الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْمِلْكِ لِوَقْتٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ يَمْنَعُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ لِمَالِكِ رَقَبَتِهِ بِمَجِيءِ زَيْدٍ، أَوْ نُزُولِ الْمَطَرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ لِلْعُمْرَى أَلْفَاظًا نَحْنُ نُبَيِّنُهَا وَنَذْكُرُ مَا يَقْرَبُ مِنْهَا مِمَّا يُخَالِفُهَا، وَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعْنَى الْعُمْرَى هِبَةَ الْمَنَافِعِ دُونَ الرَّقَبَةِ فَإِنْ كَانَ مَا كَانَ مِنْ الْأَلْفَاظِ يَقْتَضِي هَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّ حُكْمَهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْعُمْرَى، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ أَسْكَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ عُمْرَى، أَوْ وَهَبْتُك سُكْنَاهَا عُمْرَك وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ قَالَ أَسْكَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ وَعَقِبَك رَجَعَتْ إلَى صَاحِبِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لَك وَلِعَقِبِك سُكْنَى وَفِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ إذَا قَالَ: هِيَ لَك صَدَقَةُ سُكْنَى فَلَيْسَ لَهُ إلَّا سُكْنَاهَا صَدَقَةً دُونَ الرَّقَبَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ: حَيَاتَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا قَالَ هَذِهِ الدَّارُ حَبْسٌ عَلَى فُلَانٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إنَّهَا عُمْرَى، وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: هِيَ حَبْسٌ.
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحَبْسِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ لَهُمَا بِمَعْنَى الْعُمْرَى، وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ اخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَتَرَجَّحَ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ.
فَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهَا عُمْرَى مِمَّا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ التَّحْبِيسَ إنَّمَا يَقْتَضِي هِبَةَ الْمَنَافِعِ فَإِذَا قَالَ عَلَى فُلَانٍ اقْتَضَى ذَلِكَ اخْتِصَاصَ الْهِبَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ وَارِثٍ، أَوْ غَيْرِهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهُ الْمَنَافِعَ دُونَ مُدَّةِ عُمْرِهِ، وَذَلِكَ بِمَعْنَى الْعُمْرَى، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ لَفْظَ التَّحْبِيسِ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ رُجُوعِ الْمَنَافِعِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّحْبِيسِ أَنْ تَكُونَ الْمَنَافِعُ مَحْبُوسَةً عَلَى وُجُوهٍ نَصَّ عَلَيْهَا أَوَاخِرَ تَعْيِينِهَا وَإِذَا حَبَسَهَا عَلَى فُلَانٍ انْصَرَفَتْ إلَيْهِ مَنَافِعُهَا عُمْرَهُ فَإِذَا انْقَضَى عُمْرُهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْحَبْسِ؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى يَمْنَعُ ذَلِكَ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْمُحْبِسُ حَيًّا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ يَسْأَلُ عَمَّا أَرَادَ مِنْ عُمْرَى، أَوْ حَبَسَ فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ فَقَدْ اخْتَارَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنْ يَعُودَ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْرِيَ فِي ذَلِكَ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ الْخِلَافِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا، وَإِنَّمَا قُبِلَ قَوْلُهُ لَمَّا احْتَمَلَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فَكَانَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ: دَارِي هَذِهِ حَبْسٌ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ مَا عَاشَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِمْ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ حَبْسٌ مُؤَبَّدٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ تَصْرِيحٌ فِي تَأْبِيدِ التَّحْبِيسِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلَّقَهُ بِهَذِهِ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَى فِيهَا وَالْبَيْعُ اقْتَضَى ذَلِكَ التَّحْبِيسَ الْمُؤَبَّدَ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَخْتَصُّ.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَخْرَجِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ أَنَّهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ كَقَوْلِهِ حَبْسًا فَقَطْ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَلَى رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ أَنَّهَا حَبْسٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَلَوْ قَالَ: دَارِي حَبْسٌ عَلَى فُلَانٍ وَوَلَدِهِ فَإِنْ كَانَ وَلَدُهُ مُعَيَّنِينَ مِثْلَ قَوْلِهِ: دَارِي حَبْسٌ عَلَى فُلَانٍ وَبَنِيهِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَخَالِدٍ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَإِنْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: وَعَلَى مَنْ يَحْدُثُ لَهُ بَعْدُ مِنْ وَلَدٍ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهَا حَبْسٌ لِتَعَلُّقِهَا بِمَجْمُوعَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الْأَوْلَادَ فِي قَوْلِهِ هِيَ حَبْسٌ عَلَى فُلَانٍ وَوَلَدِهِ أَوْ عَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ، أَوْ عَلَى قَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ كَبَنِي تَمِيمٍ، أَوْ قُرَيْشٍ، أَوْ قَالَ حَبْسًا مُؤَبَّدًا، أَوْ حَبْسًا لَا يُبَاعُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ سَحْنُونَ فَهُوَ كَمَا قَالَ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ، أَوْ حَبْسًا صَدَقَةً عَلَى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ، أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ تَرْجِعُ مَنَافِعُهُ إلَى الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ كَمَا لَوْ قَالَ: جَعَلْت دَارِي مَسْجِدًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ تَقْتَضِي التَّأْبِيدَ فَحُمِلَتْ عَلَى مُقْتَضَاهَا وَأَمَّا قَوْلُهُ حَبْسًا صَدَقَةً فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ: هِيَ عُمْرَى إنْ لَمْ يَذْكُرْ عَقِبًا وَلَا يُمْنَعُ الْبَيْعُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَخْرِيجِ قَوْلِ مَالِكٍ
стр. 1743
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ كَقَوْلِهِ حَبْسًا فَقَطْ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَلَى رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ أَنَّهَا تَرْجِعُ حَبْسًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ حَبَسْت هَذِهِ الدَّارَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ مُطَرِّفٌ الْحُكْمَ إلَى مُعَيَّنٍ وَلَا غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْحَبْسُ وَيَلْزَمُ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وأَشْهَبَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ دَارِي هَذِهِ عُمْرَى فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ حَتَّى يَذْكُرَ الْعُمْرَى وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ لَفْظَ التَّحْبِيسِ أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَلَفْظُ الْعُمْرَى لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْقُرْبَةِ فَأَشْبَهَ الصَّدَقَةَ وَالْهِبَةَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا لَفْظُ التَّوْقِيفِ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّ لَفْظَ التَّوْقِيفِ صَرِيحٌ فِي تَأْبِيدِ الْحَبْسِ فَلَا يَرْجِعُ مِلْكًا أَبَدًا؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي الْعُرْفِ التَّبَتُّلُ عَلَى وَجْهِ التَّأْبِيدِ وَتَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ عَلَى الدَّوَامِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا لَفْظُ الصَّدَقَةِ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ تَمْلِيكَ الرُّقْبَةِ فَهُوَ عَلَى مَا أَرَادَ كَالْهِبَةِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ مَعْنَى الْحَبْسِ فَإِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ مَا يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَبْسِ قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ قَالَ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا فِي الَّذِي يَقُولُ مِلْكِي هَذَا صَدَقَةٌ عَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ مَا عَاشُوا وَلَمْ يَقُلْ حَبْسًا أَنَّهُ يَكُونُ مِلْكًا لِآخِرِ الْعَقِبِ مِنْ رَجُلٍ، أَوْ امْرَأَةٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا يَرَوْنَهُ حَبْسًا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ لَفْظَ الصَّدَقَةِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ تَمْلِيكَ الرَّقَبَةِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا عَلَّقَ ذَلِكَ بِمُعَيَّنٍ وَعَقِبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَمْلِكَهَا الْأَوَّلُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ عَقِبَهُ مِنْ مِلْكِهَا فَاقْتَضَى ذَلِكَ تَمْلِيكَ الرَّقَبَةِ آخِرَ الْعَقِبِ وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مَوْجُودٌ فِي الْمَذْهَبِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ: دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى فُلَانٍ وَوَلَدِهِ مَا عَاشُوا أَنَّهَا تَرْجِعُ إذَا انْقَرَضُوا مَرْجِعَ الْأَحْبَاسِ.
وَرَوَى فِي الْمَوَّازِيَّة أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: إنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْعَقِبِ إلَّا بِنْتٌ أَنَّ لَهَا بَيْعَ الدَّارِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَقَدْ رَوَى صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ نَعَمْ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي اسْتَفَدْت مَالًا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ فَأَرَدْت أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُوَرَّثُ وَلَكِنْ تُنْفِقُ ثَمَرَهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ» فَصَدَقَتُهُ تِلْكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي الرِّقَابِ وَالْمَسَاكِينِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلِذِي الْقُرْبَى لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُؤَكِّلُ صِدِّيقَهُ فَاسْتَعْمَلَ لَفْظَ الصَّدَقَةِ فِيمَا مَعْنَاهُ التَّحْبِيسُ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ أَنَّ تَعْلِيقَ الصَّدَقَةِ بِجَمَاعَةٍ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بَعْدَ انْقِرَاضِ بَعْضِ بَنِيهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الصَّدَقَةُ بِالْمَنَافِعِ دُونَ الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةِ لَا يَصِحُّ فِيهَا نَقْلُهَا بِالصَّدَقَةِ عَنْ قَوْمٍ إلَى قَوْمٍ وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي الْمَنَافِعِ، وَهَذَا مَعْنَى الْحَبْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ إذَا عَرَّا لَفْظَ الصَّدَقَةِ عَنْ لَفْظِ التَّحْبِيسِ فَإِنْ اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَقْتَضِي تَبْتِيلَ الصَّدَقَةِ فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ اقْتَرَنَ بِهِ مِنْ صِفَةِ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِمْ، أَوْ صِفَةِ الصَّدَقَةِ مَا يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا عَرَّا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّهَا لَا تَكُونُ بِمَعْنَى التَّحْبِيسِ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ ظَاهِرُهَا تَمْلِيكُ الرَّقَبَةِ، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْمَنَافِعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْحَبْسَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ تَبْقَى الرَّقَبَةِ عَلَى مِلْكِ الْمُحْبِسِ وَلِلشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: مِثْلُ هَذَا، وَالثَّانِي: يَنْتَقِلُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَالثَّالِثُ: يَنْتَقِلُ إلَى الْبَارِي تَعَالَى وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ بَدَلُ الْمَنَافِعِ فَلَا تَخْرُجُ بِذَلِكَ الرَّقَبَةِ عَنْ مِلْكِ الْبَاذِلِ بِالْعَارِيَّةِ وَدَلِيلٌ ثَانٍ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَصِحُّ عِتْقُهُ فَلَا يَجُوزُ الْمِلْكُ عَنْ رُقْبَتِهِ وَيَبْقَى الْمِلْكُ عَلَى مَنَافِعِهِ كَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِيمَنْ يَصِحُّ التَّحْبِيسُ مِنْهُ وَمَنْ يَصِحُّ التَّحْبِيسُ عَلَيْهِ وَمَا يَصِحُّ تَحْبِيسُهُ] ١
стр. 1744
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
(الْبَابُ الثَّانِي فِيمَنْ يَصِحُّ التَّحْبِيسُ مِنْهُ، وَمَنْ يَصِحُّ التَّحْبِيسُ عَلَيْهِ وَمَا يَصِحُّ تَحْبِيسُهُ) التَّحْبِيسُ فِي الْأَصْلِ جَائِزٌ يَلْزَمُ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَا يَلْزَمُ وَأَصْحَابُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ يَحْكُونَ عَنْهُ أَنَّهُ جَائِزٌ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ إلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ أَوْ يُوصِي فِي مَرَضِهِ، أَوْ يُوقَفُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَصِحُّ وَيَكُونُ مِنْ ثُلُثِهِ كَالْوَصِيَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَسْجِدًا أَوْ سِقَايَةً فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي كَلَّمَ فِيهَا أَبُو يُوسُفَ مَالِكًا فِي مَجْلِسِ الرَّشِيدِ فَظَهَرَ عَلَيْهِ مَالِكٌ.
وَقَالَ لَهُ هَذِهِ أَوْقَافُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ خَلْفَهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ يُشِيرُ إلَى الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ فَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ فِي ذَلِكَ عَنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهَذَا فِعْلُ أَهْلِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ فِي الرُّجُوعِ إلَى الْحَقِّ حِينَ ظَهَرَ وَتَبَيَّنَ وَرَأَى أَصْحَابُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ الِاعْتِذَارَ لِقَوْلِهِ الْقَدِيمِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَصَابَ بِخَيْبَرَ أَرْضًا فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي أَصَبْت أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ قَالَ: إنْ شِئْت حَبَسْت أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْت بِهَا فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ بَلْ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَحْبِيسُ عَقَارٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى وَصِيَّةٍ وَلَا حُكْمِ حَاكِمٍ كَالْمَسْجِدِ وَالْمَقْبَرَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُ فِي تَحْبِيسِ الرِّبَاعِ وَإِعْمَارِهَا قَوْلًا وَاحِدًا وَهُوَ الْجَوَازُ، وَأَمَّا الْحَيَوَانُ وَالْعُرُوضُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ الْحَبْسَ فِي الْحَيَوَانِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَنْ أَعْمَرَ دَابَّتَهُ، أَوْ دَارِهِ أَوْ عَبِيدَهُ فِي حَيَاتِهِ جَازَ وَيَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى وَرَثَتِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي تَحْبِيسِ الثِّيَابِ شَيْئًا وَلَا بَأْسَ بِهِ، وَقَالَ أَشْهَبُ ذَلِكَ جَائِزٌ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْنَا بِالْجَوَازِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَازِمًا لِمُوَافَقَةِ الشَّرْعِ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ، وَإِنْ قُلْنَا بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا الْجَوَازُ وَالثَّانِيَةُ اللُّزُومُ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِي الْخَيْلِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي غَيْرِهَا وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ الْحَبْسَ فِي الْحَيَوَانِ فَإِنْ وَقَعَ أَمْضَاهُ، وَإِنْ أَرَادَ تَغْيِيرَهُ إلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ لِلْمُعَيَّنِ وَأَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَذَلِكَ لَهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ الْحَبْسُ فِي الْحَيَوَانِ لَازِمٌ عَلَى مَا شَرَطَ كَالرِّبَاعِ وَجْهُ اللُّزُومِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ خَالِدًا حَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْبُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ أَصْلٌ يَبْقَى وَيَصِحُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَالْعَقَارِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ التَّحْبِيسَ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ، وَذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالْعَقَارِ دُونَ مَا يَنْقُلُ وَيَحُولُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوقِفَ الرَّجُلُ مِلْكَهُ عَلَى نَفْسِهِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا بِجِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى غَيْرِ تِلْكَ الْجِهَةِ مِنْ مِلْكِهِ كَمَا لَوْ وَهَبَ نَفْسَهُ مَالَهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ مَنْ حَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى جِيرَانِهِ صَحَّ حَبْسُهُ وَدَخَلَ مَعَهُمْ، وَإِنَّمَا يُرَدُّ مَا حَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ خَاصَّةً.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ: دَارِي هَذِهِ حَبْسٌ، أَوْ مَوْقُوفَةٌ وَلَمْ يَذْكُرْ وَجْهًا تُصْرَفُ إلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَقْصُودِ بِإِحْبَاسِ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَوَجْهُ الْحَاجَةِ فِيهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ الْمَسَاكِينِ قِيلَ لَهُ: إنَّهَا بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ قَالَ يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ وَوَجْهُهُ أَنَّ مُعْظَمَ الْبِلَادِ مُعْظَمُ حَاجَتِهَا فِي إعْطَاءِ الْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ وُجُوهِ الْبِرِّ وَأَعَمُّهَا، وَأَمَّا الثُّغُورُ فَرُبَّمَا كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى مَا يُصْرَفُ فِي وُجُوهِ الْجِهَادِ آكَدُ فَيَنْظُرُ فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ فَيَصْرِفُ الْأَحْبَاسَ الْمُطْلَقَةَ إلَى مَا هُوَ آكَدُ
стр. 1745
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
حَاجَةٍ وَأَعَمُّ وَقْتَ عَقْدِ التَّحْبِيسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ حَبَسَ ذِمِّيٌّ دَارًا عَلَى مَسْجِدٍ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَاهُ مَعْنُ بْنُ عِيسَى عَنْ امْرَأَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ بَعَثَتْ دِينَارًا إلَى الْكَعْبَةِ أَيُجْعَلُ فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: يُرَدُّ إلَيْهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ أَمْوَالٌ هِيَ أَطْهَرُ الْأَمْوَالِ وَأَطْيَبُهَا وَأَمْوَالُ الْكُفَّارِ أَبْعَدُ الْأَمْوَالِ عَنْ ذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ تُنَزَّهَ عَنْهَا الْمَسَاجِدُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ حَبَسَ مُسْلِمٌ عَلَى كَنِيسَةٍ فَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يُرَدَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَفَ صَدَقَتَهُ إلَى وَجْهِ مَعْصِيَةٍ كَمَا لَوْ صَرَفَهَا إلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَإِعْطَائِهِ أَهْلِ الْفِسْقِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
رَوَى عُمَرُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ إخْرَاجَ الْبَنَاتِ مِنْ الْحَبْسِ إذَا زُوِّجْنَ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْبَنِينَ بِالْعَطَاءِ لَا سِيَّمَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ شِبْهِ فِعْلِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَاحْتَجَّتْ عَائِشَةُ ﵂ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] .
(فَرْعٌ) فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ الشَّأْنُ أَنْ يَبْطُلَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَمَنْ أَخْرَجَهُنَّ عَنْهُ بَطَلَ تَحْبِيسُهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ شَرَطَ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَتْ مِنْهُنَّ بَطَلَ حَقُّهَا إلَّا أَنْ يَرُدَّهَا رَادٌّ وَيَنْقُصُ ذَلِكَ حَتَّى يَرُدَّهَا إلَى الْفَرَائِضِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَرَى إنْ فَاتَ ذَلِكَ أَنْ يَضْمَنَ عَلَى مَا شَرَطَ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا لَمْ يَجُزْ عَنْهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَيُدْخِلُ فِيهِ الْبَنَاتُ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ نَحْوَهُ وَأَنْكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِسَحْنُونٍ وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ فِيمَنْ وَهَبَ بَعْضَ بَنِيهِ دُونَ بَعْضٍ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَإِنْ نَقَصَ إذَا لَمْ يَأْتِ الْمُحْبِسُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ كِبَارٌ فَإِنْ أَبَوْا لَمْ يُفْسَخْ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي دُخُولِ الْعَقِبِ مَعَ الْمُعْطِي]
(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي دُخُولِ الْعَقِبِ مَعَ الْمُعْطِي) الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ» ، وَذَلِكَ أَنَّ إعْطَاءَ الْمَنَافِعِ فِي الْعُمْرَى، أَوْ الْحَبْسِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ أَوْ لِمُعَيَّنِينَ وَغَيْرِ مُعَيَّنِينَ فَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِينَ فَكَمَنْ قَالَ أَعْمَرْتُ هَذِهِ الدَّارَ وَلَدَ فُلَانٍ أَوْ عَقِبَهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ مَنْ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ دَارًا فَوُلِدَ لَهُ أَوْلَادٌ فَإِنَّهُمْ مَعَ الْآبَاءِ فِي حَيَاةِ الْأَبِ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ وَلَدِي وَوَلَدُ وَلَدِي يَبْدَأُ بِالْآبَاءِ فَيُوَرَّثُونَ، وَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ كَانَ لِوَلَدِ الْوَلَدِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ كَانَ مَالِكٌ يُؤْثِرُ الْأَعْلَيْنَ وَكَانَ الْمُغِيرَةُ وَغَيْرُهُ يُسَوُّونَ بَيْنَهُمْ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ أَشْهَبَ لَا يَكُونُ الْأَبُ أَوْلَى مَعَ اسْتِوَاءِ الْحَاجَةِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فَكَانَ وَلَدُ الْوَلَدِ كَالْوَلَدِ فِي ذَلِكَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُهُمْ تَنَاوُلًا وَاحِدًا فَوَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَوْا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ شَأْنَ الْأَحْبَاسِ أَنْ يُؤْثِرَ أَقْرَبَهُمْ مِنْ الْمُحْبِسِ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَحْتَجَّ بِالْآيَةِ لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْآبَاءَ يَبْدَءُونَ فِي الْمِيرَاثِ قَوْلُهُ: وَلَدِي يَتَعَدَّى إلَى وَلَدِ الْوَلَدِ وَتَمَامُ قَوْلِهِ هَذَا أَنْ يَقُولَ الْقَائِلِينَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا قَالَ وَلَدِي فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَنَاوَلُ مَنْ يَكُونُ مِنْ وَلَدِهِ مَا تَنَاسَلُوا، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ وَلَدُ وَلَدِي وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ ﷺ «أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ» .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا قَالَ قُلْنَا يُؤْثِرُ الْأَقْرَبَ فِي قَوْلِهِ وَلَدِي فَبِأَنْ يُؤْثِرَ هَاهُنَا الْأَقْرَبَ أَوْلَى وَإِذَا قُلْنَا قَوْلُهُ وَلَدِي فَقَدْ تَقَدَّمَ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ وَأَعْقَابِهِمْ ثُمَّ بَقِيَ بَنُوهُ وَبَنُو بَنِيهِ فَإِنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَهُمْ مَعَ اسْتِوَاءِ الْحَالِ.
(فَرْعٌ) بَيْنَ الْأَعْلَوْنَ فَإِنَّ ذَلِكَ تَسَاوِي حَالٍ فِي الْحَاجَةِ يَبْدَأُ الْأَعْلَوْنَ وَيُعْطَى مَا فَضَلَ فَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ فِي وَلَدٍ أُوثِرُوا وَيَكُونُ الْأَبُ مَعَهُمْ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ
стр. 1746
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ اسْتِحْسَانٌ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يَدْخُلُ وَلَدُ الْوَلَدِ إلَّا فِي الْفَضْلِ وَشَأْنُ الْإِحْبَاسِ إيثَارُ الْأَقْرَبِ، وَكَذَلِكَ مَرْجِعُهَا، وَإِنَّمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُعْطَى الْأَبُ مَعَهُمْ فَلِئَلَّا يَنْقَطِعَ سَبَبُ الْأَبِ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، وَلَوْ كَانَتْ الْحَاجَةُ فِي الْأَبِ وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ وَلَدُ الْوَلَدِ إلَّا بَعْدَ غِنَى الْأَبِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا قَالَ دَارِي هَذِهِ حَبْسٌ عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ عَلَى وَلَدِهِ، أَوْ عَلَى فُلَانٍ بَعْدَهُ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ الَّذِينَ هُمْ أَحْيَاءٌ ثُمَّ عَلَى أَعْقَابِهِمْ فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَلَوْ قَالَ: وَأَعْقَابُهُمْ دَخَلَ الْعَقِبُ مَعَ الْأَعْلَى، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ ثُمَّ فِي الْعَطْفِ لِلتَّرْتِيبِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَبْدَأَ الْأَوَّلُونَ وَلَا يَكُونُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ شَيْءٌ إلَّا بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ، وَأَمَّا الْوَاوُ فَهِيَ لِلْجَمْعِ فَاقْتَضَتْ التَّشْرِيكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي مَعْنَى الْعَقِبِ وَالْبَنِينَ وَالْوَلَدِ وَالْوَرَثَةِ] ١
قَالَ مَالِكٌ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ الْعَقِبَ الْوَلَدُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَلَيْسَ وَلَدُ الْبَنَاتِ عَقِبًا ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَيَجْمَعُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى أَدْلَتْ بِهِ أُنْثَى فَلَيْسَ بِعَقِبٍ، وَقَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَأَصْلُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ عَقِبَ الرَّجُلِ مَنْ انْتَسَبَ إلَيْهِ وَوَلَدُ الْبَنَاتِ لَا يُنْسَبُونَ إلَيْهِ، وَلِذَلِكَ لَا يُقَالُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ الْهَاشِمِيِّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيُّ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ لُبَابَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةَ، وَمَنْ كَانَ أَبُوهُ مِنْ الْعَرَبِ وَأُمُّهُ مِنْ الرُّومِ لَا يُقَالُ لَهُ الرُّومِيُّ وَلَا يُنْتَسَبُ إلَى الرُّومِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِنَّهُ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ الْوَلَدَ وَوَلَدَ الْوَلَدِ الذُّكُورُ ذُكُورُهُمْ وَالْإِنَاثُ إنَاثُهُمْ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَنْ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْمَوَارِيثِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَابْنُ كِنَانَةَ فَلِذَلِكَ لَا يَدْخُلُونَ فِي صَدَقَةِ الْجَدِّ فِي أُمِّهِمْ بِهَذَا الِاسْمِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَالصَّدَقَةُ عَلَى الْوَلَدِ وَالْعَقِبِ سَوَاءٌ، وَاحْتَجَّ أَشْهَبُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] وَلَا خِلَافَ أَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ كَالْوَلَدِ فِي رَدِّ الْأُمِّ إلَى السُّدُسِ وَلَا تَأْثِيرَ فِي ذَلِكَ لِوَلَدِ الْبَنَاتِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْعَطَّارِ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَكَانَتْ الْفَتْوَى عِنْدَنَا يُرِيدُ بِقُرْطُبَةَ أَنَّ وَلَدَ الْبَنَاتِ يَدْخُلُونَ فِي ذَلِكَ وَقَضَى بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ وَبِهِ يُفْتِي أَكْثَرُ مَنْ كَانَ فِي زَمَانِهِ قَالَ، وَكَذَلِكَ الْأَعْقَابُ يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ إلَّا فِي قَوْلِهِ بَنِي وَبَنِي بَنِي وَوَلَدِي وَوَلَدُ وَلَدِي أَبْيَنُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْبَنُونَ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْوَلَدَ وَوَلَدَ الْوَلَدِ ذُكُورَهُمْ وَإِنَاثَهُمْ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى بَنِيهِ وَبَنِي بَنِيهِ فَإِنَّ بَنَاتِهِ وَبَنَاتِ بَنِيهِ يَدْخُلُونَ فِي ذَلِكَ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى بَنَاتِهِ فَإِنَّ بَنَاتِهِ وَبَنَاتِ بَنِيهِ يَدْخُلُونَ مَعَ بَنَاتِ صُلْبِهِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِنَا أَنَّ وَلَدَ الْبِنْتِ لَا يَدْخُلُونَ فِي الْبَنِينَ وَمَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِلْحَسَنِ أَنَّ ابْنِي هَذَا لَسَيِّدٌ» فَعَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالْإِخْبَارِ بِمَحَاسِنِهِ لَا عَلَى مَعْنَى النِّسْبَةِ وَإِطْلَاقِ اللَّفْظِ فَإِذَا حَبَسَ عَلَى نَسْلِ فُلَانٍ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْعَطَّارِ أَنَّهُ كَقَوْلِهِ وَلَدُ وَلَدِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ خُرُوجِ وَلَدِ الْبَنَاتِ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَدُخُولِهِمْ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ الْمُحْبِسِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الذُّرِّيَّةُ فَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَطَّارِ لَا خِلَافَ فِي دُخُولِ وَلَدِ الْبَنَاتِ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٥] فَجَعَلَ عِيسَى مِنْ ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدَ ابْنٍ، وَإِنَّمَا هُوَ وَلَدُ بِنْتٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْآلُ فَهُمْ الْأَهْلُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ آلُهُ وَأَهْلُهُ سَوَاءٌ وَهُمْ الْعَصَبَاتُ وَالْأَخَوَاتُ وَالْعَمَّاتُ وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْخَالَاتُ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي الْعَصَبَةُ، أَوْ مَنْ كَانَ فِي قُعْدُدِهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي مَنْ حَبَسَ عَلَى رَجُلٍ وَعَلَى أَهْلِهِ أَوْسُقًا مُسَمَّاةً مِنْ
стр. 1747
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
حَائِطِهِ فَهَلَكَ وَلَدٌ مِنْ وَلَدِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَوَلَدٌ لَهُ آخَرُ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْحَبْسِ.
وَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ الْمُسَلِّمِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ إنَّ آلَ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِأَدِلَّةٍ اُقْتُرِنَتْ بِهِ صَرَفَتْهُ عَنْ ظَاهِرِهِ وَإِطْلَاقُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي مَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلًا، وَهَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَيَدْخُلُ فِي الْأَهْلِ مَنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ بَعُدُوا، أَوْ قَرُبُوا، وَلَوْ قَالَ عَلَى آبَاءٍ دَخَلَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ وَالْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ بَعُدُوا أَوْ قَرُبُوا، وَكَذَلِكَ الْعُمُومَةُ قَالَ اللَّهُ ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ وَالْأُخْتَانِ أَنْ يَدْخُلُوا وَهَذِهِ الْمَعَانِي إنَّمَا وَرَدَتْ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ مَالِكٍ حَقَائِقُهَا، أَوْ عُرْفُ اسْتِعْمَالِهَا الْغَالِبِ عَلَى حَقَائِقِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْقَرَابَةُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ أَوْصَى بِمَالٍ لِأَقَارِبِهِ أَنَّهُ يُقَسَّمُ عَلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبُ بِالِاجْتِهَادِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ وَلَدُ الْبَنَاتِ وَوَلَدُ الْخَالَاتِ وَرَوَى ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ يَدْخُلُ فِيهَا الْأَعْمَامُ وَالْعَمَّاتُ وَالْأَخْوَالُ وَالْخَالَاتُ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ يَدْخُلُ فِيهِ أَقَارِبُهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ كُلَّ ذِي رَحِمٍ مِنْهُ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مُحَرَّمٌ، أَوْ غَيْرُ مُحَرَّمٍ فَهُوَ ذُو قَرَابَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْت ذَلِكَ فِي الِاسْتِيفَاءِ مُسْتَوْعِبًا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمَوَالِي فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى مَوَالِيه فَإِنَّ مَوَالِيَ مَوَالِيه يَدْخُلُونَ مَعَهُمْ، وَكَذَلِكَ مَوَالِي ابْنِهِ، وَكَذَلِكَ مَوَالِي أَبِيهِ وَرَوَى عَنْهُ وَهْبٌ يَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُ مَوَالِيه وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُمْ لَا يَنْتَسِبُونَ إلَيْهِ وَلَا هُمْ فِي قُعْدُدِ عَصَبَتِهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ يُنَاسِبُونَهُ إلَى أَحَدِ جَدَّيْهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْقَرَابَةَ وَيَلْزَمُهُ عَلَى قَوْلِهِ فِي بَنَاتِ الْأَخِ أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ بَنُو الْخَالَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِجَنْبَةِ الْأَبِ قَرَابَةٌ يَدْخُلُ بِهَا وَلَدُ النِّسَاءِ دُونَ جَنْبَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ جَنْبَةَ الْأَبِ فِي الْقَرَابَةِ لَهَا وَجْهٌ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُفَسِّرْ ذَلِكَ تَفْسِيرًا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقَرَابَةُ مِنْ غَيْرِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ حَبَسَ عَلَى قَوْمِهِ، أَوْ قَوْمِ فُلَانٍ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ خَاصَّةً مِنْ الْعَصَبَةِ دُونَ النِّسَاءِ وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١] فَفَرَّقَ بَيْنَ الْقَوْمِ وَالنِّسَاءِ قَالَ زُهَيْرٌ
وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَدْخُلُ فِي مَوَالِي أُمِّهِ مَوَالِي بَنِيهِ وَأَبِيهِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى مَوَالِيه فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَوَالِي وَلَدُ الْوَلَدِ وَالْأَجْدَادِ وَالْأُمِّ وَالْجَدَّةِ وَالْإِخْوَةِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَوَالِي بَنِي الْإِخْوَةِ وَالْعُمُومَةِ وَلَوْ أَدْخَلْت هَؤُلَاءِ دَخَلَتْ مَوَالِي الْقَبِيلَةِ، وَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالتَّعْصِيبِ فَإِنَّ مَوَالِيَهُ يَدْخُلُونَ فِي إطْلَاقِ لَفْظِ مَوَالِي الْمُحْبِسِ، وَمَنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَأَخْوَالُهُ لَا يَدْخُلُونَ فِي إطْلَاقِ لَفْظِ الْمَوَالِي.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يَدْخُلُ فِيهِ مَوَالِي هَؤُلَاءِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْأَقْرَبِ وَيُؤْثِرُ عَلَى الْأَبْعَدِ إذَا اسْتَوَوْا فِي الْحَاجَةِ، وَإِنْ كَانَ الْأَقْرَبُ غَنِيًّا أُوثِرَ الْمُحْتَاجُ الْأَبْعَدُ عَلَيْهِ وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي مَوَالِي الْأَبِ وَالِابْنِ.
[الْبَابُ الْخَامِسُ فِي قِسْمَةِ مَنَافِعِ الْعُمْرَى وَالْحَبْسِ] ١
(الْبَابُ الْخَامِسُ فِي قِسْمَةِ مَنَافِعِ الْعُمْرَى وَالْحَبْسِ) فَأَمَّا الْعُمْرَى وَالْحَبْسُ الَّذِي تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ فَإِنَّهُمْ فِيهِ بِالسَّوِيَّةِ.
وَقَدْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَا حُبِسَ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ مِنْ دَارٍ، أَوْ زَرْعٍ، أَوْ ثَمَرِ نَخْلٍ فَذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوَاءِ وَلِلذَّكَرِ مِثْلُ مَا لِلْأُنْثَى قَالَ
стр. 1748
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ حَبَسَ عَلَى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ دُونَ تَعَقُّبٍ فَإِنَّ حَقَّ الْغَائِبِ مِنْهُمْ ثَابِتٌ فِي السُّكْنَى وَحَاضِرُهُمْ وَغَائِبُهُمْ سَوَاءٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَفَقِيرُهُمْ وَغَنِيُّهُمْ سَوَاءٌ، وَأَمَّا الْعُمْرَى وَالْحَبْسُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ حَبَسَ عَلَى قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ فَإِنَّهُ يُفَضِّلُ أَهْلَ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْمُؤْنَةِ وَالْعِيَالِ وَالزَّمَانَةِ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ مَنْ وُلِّيَ ذَلِكَ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا يُفَضَّلُ ذُو الْحَاجَةِ عَلَى الْغَنِيِّ فِي الْحَبْسِ إلَّا بِشَرْطٍ مِنْ الْمُحْبِسِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَعْنَى الْحَبْسِ الْقُرْبَةُ وَإِيثَارُ ذَوِي الْحَاجَةِ يَقْتَضِي الْقُرْبَةَ إلَّا أَنْ يُصْرَفَ عَنْ ظَاهِرِهِ بِشَرْطٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْحَبْسِ الْمُخْتَصِّ بِالْمُعَيَّنِينَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ مَنْ حَبَسَ عَلَى مُعَيَّنِينَ فَقَدْ قَصَدَ اسْتِيفَاءَهُمْ وَالْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمْ وَإِذَا أَفْرَدَ غَيْرَ مُعَيَّنِينَ وَأَضَافَهُمْ إلَى مُعَيَّنِينَ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الِاسْتِيعَابَ وَلَا الْمُسَاوَاةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِمْ فَكَانَ ذَلِكَ مُقْتَضَى حَبْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الْمُحْبِسَ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ مِنْهُمْ الْغَنِيَّ وَالْمُحْتَاجَ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ إيثَارُ ذَوِي الْحَاجَةِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَذَوِي الْقُرْبَى وَفِي قَرَابَتِهِ غَنِيٌّ لَا يُعْطَى مِنْهُ وَلَكِنَّ ذَوِي الْحَاجَةِ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ مَنْ حَبَسَ عَلَى قَوْمٍ وَعَلَى أَعْقَابِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ كَالصَّدَقَةِ لَا يُعْطَى مِنْهُ الْغَنِيُّ شَيْئًا وَيُعْطَى الْمُتَوَسِّطُ بِقَدْرِ حَالِهِ فَإِنْ كَانَ لِلْأَغْنِيَاءِ أَوْلَادٌ كِبَارٌ فُقَرَاءُ قَدْ بَلَغُوا أَعْطُوا بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ وَمَعْنَى ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَبْسِ وَمُقْتَضَاهُ الْقُرْبَةُ وَسَدُّ الْخَلَّةِ، وَذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِذَوِي الْحَاجَةِ، وَأَمَّا الْمُسَدِّدُ فَهُوَ الَّذِي لَهُ كِفَايَةٌ وَرُبَّمَا ضَاقَتْ حَالُهُ بِكَثْرَةِ عِيَالِهِ، وَأَمَّا وَلَدُ الْغَنِيِّ لَا مَالَ لَهُ فَهُوَ فَقِيرٌ وَإِذَا بَلَغَ صَحِيحًا فَلَمْ يَلْزَمْ الْأَبَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ الْفُقَرَاءِ وَذَوِي الْحَاجَةِ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا تَسَاوَى أَهْلُ الْحَبْسِ فِي الْفَقْرِ، أَوْ الْغِنَى أُوثِرَ الْأَقْرَبُ وَيُعْطَى الْفَضْلُ مَنْ يَلِيه، وَإِنْ كَانَ الْأَبْعَدُ غَنِيًّا أُوثِرَ الْفَقِيرُ الْأَبْعَدُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَصَدَ بِالْحَبْسِ قَرَابَتَهُ كَانَ لِلْقَرِيبِ تَأْثِيرٌ فِي الْإِيثَارِ إلَّا أَنَّ تَأْثِيرَ ذَوِي الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودُ الصَّدَقَاتِ وَالْأَحْبَاسِ، وَهَذَا إذَا كَانَ عَدَدُ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ لَا يَنْحَصِرُ وَلَا يَفْضُلُ عَنْ فُقَرَائِهِمْ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يَصْرِفُ إلَى الْأَغْنِيَاءِ.
وَقَدْ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْحَبْسَ لَا يَخْتَصُّ بِالْفُقَرَاءِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْبِسَ عَلَى رَجُلٍ غَنِيٍّ، وَإِنَّمَا يُؤْثِرُ الْفُقَرَاءَ فَإِنْ فَضَلَتْ فَضْلَةٌ جَازَ صَرْفُهَا إلَى مَنْ شَرَكَ الْفُقَرَاءَ فِي مَعْنَى الْحَبْسِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ.
(فَرْعٌ) وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي الْحَبْسِ سَوَاءٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِشَرْطٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ التَّشْرِيكِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] وَسَوَّى بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ فِي ذَلِكَ الثُّلُثِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا قَسَمَ الْحَبْسَ بَيْنَ أَهْلِهِ مِنْ غَلَّةٍ وَسُكْنَى فَلَيْسَ عَلَى كَثْرَةِ الْعَدَدِ وَلْيَبْدَأْ بِأَهْلِ الْحَاجَةِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَلَوْ بَدَرَ إلَى سُكْنَى الْحَبْسِ بَعْضُهُمْ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْبِدَارِ وَلَكِنَّ الْمُقَدَّمَ أَحْوَجُهُمْ وَأَقْرَبُهُمْ مِنْ الْمُحْبِسِ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ تَسَاوَوْا فِي الْغِنَى وَالْحَاجَةِ فَمَنْ سَبَقَ إلَى سُكْنَاهَا مِنْهُمْ فَهُوَ أَحَقُّ وَلَا يَخْرُجُ لِمَنْ بَقِيَ وَلَيْسَ عَلَى عَدَدِهِمْ وَلَكِنْ بِقَدْرِ كَثْرَةِ الْعِيَالِ وَلَيْسَ الْأَعْزَبُ فِي السُّكْنَى كَالْمُتَأَهِّلِ الْمُعَقِّبِ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فَأَمَّا إنْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَائِبًا وَالْحَاضِرُ أَوْلَى مِنْهُ بِالسُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ لَا يُمْكِنُهُ سُكْنَاهُ فَكَانَ الْحَاضِرُ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي حُبِسَ عَلَيْهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَعَانِيَ الْمُؤْثِرَةَ فِي التَّقْدِيمِ الْحَاجَةُ وَالْقَرَابَةُ وَالْبِدَارُ، وَالْحَاجَةُ مُقَدَّمَةٌ فَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْحَاجَةِ وَالْقَرَابَةِ فَمَنْ بَادَرَ إلَى السُّكْنَى كَانَ أَحَقُّ بِهِ وَفِي مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَاضِرَ أَحَقُّ مِنْ الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَ بَادَرَ إلَى السُّكْنَى قَبْلَهُ وَالِاعْتِبَارُ
стр. 1749
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِي ذَلِكَ ابْتِدَاءَ السُّكْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَاضِرَ أَوْلَى بِالسُّكْنَى مِنْ الْغَائِبِ فَمَعْنَاهُ أَنْ يَغِيبَ قَبْلَ أَنْ يَسْكُنَ فَإِنَّهُ إذَا قَدِمَ لَمْ يَخْرُجْ لَهُ مَنْ قَدْ سَكَنَ وَلَا يَخْرُجُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ فِي سَفَرِ انْقِطَاعٍ، وَلَوْ خَرَجَ مُسَافِرًا فَعَرَضَ لَهُ بَعْضُ مَا يَعْرِضُ لِلنَّاسِ مِنْ الْأَسْفَارِ كَانَ لَهُ أَنْ يُكْرِيَ مَسْكَنَهُ إلَى أَنْ يَعُودَ، وَلَوْ انْتَقَلَ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ رَدَّ إلَى مَنْزِلِهِ وَأَخْرَجَ مَنْ كَانَ دَخَلَ فِيهِ قَالَهُ مَالِكٌ وَإِذَا سَكَنَ بَعْضُهُمْ لِحَاجَتِهِ وَلِحُضُورِهِ فَاسْتَغْنَى وَقَدِمَ الْغَائِبُ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِم عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِقُدُومِ الْغَائِبِ وَلَا لِحَاجَةِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ وَالْغَائِبُ وَالْمُسَافِرُ كَالْحَاضِرِ فِي ابْتِدَاءِ الْقِسْمَةِ، أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ كَانَ سَكَنَ مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ مَعَ أَبِيهِ فَبَلَغَ فَإِنْ كَانَ قَوِيًّا يُمْكِنُهُ الِانْفِرَادُ عَنْ أَبِيهِ فَلَهُ مَسْكَنُهُ مِنْ الْحَبْسِ، وَإِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ إذَا ضَاقَ عَلَيْهِ مَسْكَنُ أَبِيهِ فَأَمَّا مَنْ ضَعُفَ عَنْ الِانْفِرَادِ فَلَا مَسْكَنَ لَهُ إلَّا أَنْ يَتَزَوَّجَ فَمَنْ تَزَوَّجَ مِنْهُمْ فَلَهُ حَقُّهُ فِي الْمَسْكَنِ، وَهَذَا فِي الذُّكُورِ، وَأَمَّا الْإِنَاثُ فَلَا مَسْكَنَ لَهُنَّ، وَإِنْ بَلَغْنَ؛ لِأَنَّهُنَّ فِي كَفَالَةِ الْأَبِ قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْكِرَاءُ وَالْغَلَّاتُ مِنْ الثَّمَرِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّ حَقَّ مَنْ انْتَجَعَ، أَوْ غَابَ لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ السُّكْنَى إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ الْقَاسِمِ.
[الْبَابُ السَّادِسُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَسْمِ بِالْوِلَادَةِ وَانْتِقَالِهِ بِالْمَوْتِ]
وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ انْتِقَالٌ إلَى مَنْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ حُبِسَ عَلَيْهِمْ وَانْتِقَالٌ إلَى غَيْرِهِمْ فَأَمَّا الِانْتِقَالُ إلَى الْمُحْبِسِ، أَوْ الْمُعْمِرِ عَلَيْهِمْ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الْإِشَاعَةِ، أَوْ الْإِبْهَامِ فَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْإِشَاعَةِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ فِيمَنْ حَبَسَ دَارًا أَوْ حَائِطًا عَلَى قَوْمٍ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ فَإِنَّ مَا كَانَ لِلْمَيِّتِ مِنْ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ حَتَّى يَنْقَرِضُوا، وَذَلِكَ فِي الْأَحْبَاسِ كُلِّهَا مِنْ غَلَّةٍ، أَوْ سُكْنَى، أَوْ خِدْمَةٍ، أَوْ دَارٍ مُحْبَسَةٍ كَانَ مَرْجِعُ ذَلِكَ الْحَبْسَ إلَى صَاحِبِ الْأَصْلِ، أَوْ غَيْرِهِ أَوْ إلَى السَّبِيلِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَا لَا يَنْقَسِمُ مِنْ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ فَنَصِيبُ الْمَيِّتِ يَرْجِعُ عَلَى أَصْحَابِهِ وَنَحْوِهِ، رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ سَحْنُونٌ، وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ جَمِيعُ الرُّوَاةِ وَقَالَهُ الْمُغِيرَةُ فِيمَا يَنْقَسِمُ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ إلَّا ابْنَ الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ أَخَذَ بِرُجُوعِ مَالِكٍ فِي هَذَا بِعَيْنِهِ فَقَالَ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ فِيمَا يَنْقَسِمُ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ جَمِيعَهُمْ فِي لَفْظِ الْعُمْرَى وَالْحَبْسِ، وَالتَّشْرِيكُ بَيْنَهُمْ فِيهِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الِاسْمَ وَيَتَنَاوَلُهُ حَتَّى يَنْقَرِضُوا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ كَوْنَهُ مِمَّا يَنْقَسِمُ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحِصَّتِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ رُجُوعَ حِصَّتِهِ إلَى إشْرَاكِهِ وَيُوجِبُ انْقِطَاعَ حُكْمِ الْعُمْرَى مِنْهَا لِمَوْتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَرَاعَيْنَا مَا يَنْقَسِمُ فَإِنَّ مُطَرِّفًا قَالَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَسْكَنِ: إنْ جَزَّأَ الْمُحْبِسُ الدَّارَ بَيْنَهُمْ فَنَصِيبُ الْمَيِّتِ رَاجِعٌ إلَى رَبِّ الدَّارِ، وَإِنْ جَزَّءُوهَا هُمْ بَيْنَهُمْ فَنُصِيبُ الْمَيِّتِ رَاجِعٌ إلَى أَصْحَابِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ أَنَّ هَذَا فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ؛ لِأَنَّ سُكْنَاهُمْ الدَّارَ سُكْنَى وَاحِدٍ وَاخْتِدَامَهُمْ الْعَبْدَ كَذَلِكَ قَالَ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَمَا كَانَ مِنْ غَلَّةٍ تَنْقَسِمُ، أَوْ دَارٍ تُكْتَرَى، أَوْ عَبِيدٍ مُخَارِجِينَ فَإِنَّ نَصِيبَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ يَرْجِعُ إلَى مَنْ إلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ حَبَسَ خَادِمًا عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ، أَوْ عَلَى نَاسٍ مُجْتَمَعِينَ حَيَاتَهُمْ فَإِنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَنَصِيبُهُ عَلَى مَنْ بَقِيَ، وَلَوْ كَانَ عَلَى رَجُلَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ هَذَا عَلَى حِدَةٍ، وَهَذَا عَلَى حِدَةٍ فَنَصِيبُ مَنْ مَاتَ لِلْمُحْبِسِ، وَفِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ وَلَوْ جَعَلَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ وَاحِدٍ، أَوْ الْمُجْتَمَعِينَ وَنَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مَعْرُوفٌ فَلَا يَرْجِعُ نَصِيبُ الْمَيِّتِ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَلَوْ حَبَسَهُ
стр. 1750
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَلَى الْمُفْتَرِقِينَ وَجَعَلَ ذَلِكَ مُشَاعًا كَانَ نَصِيبُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لِأَصْحَابِهِ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إذَا قَالَ: غُلَامِي يَخْدُمُ فُلَانًا يَوْمًا وَفُلَانًا يَوْمًا فَهَذِهِ قِسْمَةٌ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا رَجَعَ نَصِيبُهُ إلَى أَصْحَابِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ مُرَاعَاةُ الْقِسْمَةِ فَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ سَحْنُونٍ يَقْتَضِي مُرَاعَاةَ قِسْمَةِ الْمُعْطِي ذَلِكَ بَيْنَهُمْ فِي نَفْسِ الْعَطِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْعَطِيَّةُ مِمَّا يَنْقَسِمُ كَالْعَبِيدِ الْمُخَارِجِينَ، وَالْغَلَّةُ تَنْقَسِمُ وَالدَّارُ تُكْرَى وَهُوَ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَرِوَايَتُهُمْ عَنْ الْمَذْهَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِاعْتِبَارِ قِيمَةِ الْمُعْطَى عِنْدَ الْعَطِيَّةِ فَهَذَا حُكْمُهُ إذَا بُيِّنَ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا أُبْهِمَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ عَلَى الْإِشَاعَةِ حَتَّى يُبَيِّنَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الْإِبْهَامِ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ وَالْإِشَاعَةَ فَحُمِلَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّعْيِين وَمَعْنَاهُ أَنْ يُعَيِّنَ الْحُظُوظَ فَيُسَمِّيَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَوْمًا مُعَيَّنًا أَوْ نَصِيبًا مُسَمًّى، أَوْ سُكْنَى مَعْرُوفَةً فَإِنَّ نَصِيبَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ يَرْجِعُ إلَى صَاحِبِ الْمَرْجِعِ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَعْيِينَهُ وَتَعْيِينَ نَصِيبِهِ يَقْتَضِي مَنْعَ الِاشْتِرَاكِ وَيَجْعَلُ حُكْمَ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ يَخْتَصُّ بِهِ فَإِذَا تُوُفِّيَ اسْتَحَقَّ مَا كَانَ لَهُ صَاحِبُ الْمَرْجِعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ التَّحْبِيسُ، أَوْ التَّعْمِيرُ عَلَى مُعَيَّنِينَ فَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ مِثْلِ أَنْ يَقُولَ: عَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ، أَوْ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ فَهَذَا إنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ أَخَذَ جَمِيعَ الْغَلَّةِ إذْ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِي صِفَةِ التَّحْبِيسِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى امْرَأَتَيْنِ وَعَقِبِهِمَا فَهَاهُنَا يَرْجِعُ نَصِيبُ الْمَيِّتَةِ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِ الْمَرْجِعِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ مَنْ حَبَسَ حَبْسًا عَلَى رَجُلَيْنِ حَيَاتِهِمَا ثُمَّ لِرَجُلٍ بَعْدَهُمَا فِي وَجْهٍ آخَرَ فَمَاتَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ رَجَعَ نَصِيبُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَقَدْ قِيلَ يَرْجِعُ نَصِيبُ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَإِذَا كَانَ الْحَبْسُ حَائِطًا فَمَاتَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ الْإِبَارِ، أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، أَوْ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ، أَوْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْإِبَارِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: لَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الثَّمَرِ وَلَا لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْإِبَارِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ لَا شَيْءَ لَهُ وَلَا لِوَرَثَتِهِ مِنْ الثَّمَرَةِ وَهِيَ لِمَنْ وُلِدَ بَعْدَ الْإِبَارِ وَقَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: هِيَ لِوَرَثَتِهِ مَنْ مَاتَ بَعْدَ الْإِبَارِ، وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ الْإِبَارِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْهَا وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَفِي الْمُعْمِرِ يَمُوتُ وَفِي الْحَائِطِ ثَمَرَةٌ قَدْ أُبِّرَتْ، أَنَّهَا لِوَرَثَتِهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالثَّمَرَةِ مَعَ بَقَاءِ الرُّقْبَةِ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بُدُوُّ، الصَّلَاحِ، كَالزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ الْحَبْسِ ذَلِكَ الْوَقْتِ جَازَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِأَكْلِهَا رُطَبًا؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ مَقْصُودٌ فَلَوْلَا اسْتِحْقَاقُهُ لِلثَّمَرَةِ لَمُنِعَ الِانْتِفَاعُ بِهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهَا عَطِيَّةٌ فَوَجَبَتْ بِالْإِبَارِ، كَالصَّدَقَةِ الْمُبَتَّلَةِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ يَسْتَحِقُّ فِيهَا بِالْإِبَارِ فَكَذَلِكَ هَذَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَنَصِيبُهُ لِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ وُلِدَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ تِلْكَ الثَّمَرَةِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ حُبِسَ عَلَى وَلَدِ فُلَانٍ فَإِنَّ الْغَلَّةَ تُقَسَّمُ عَلَى مَنْ كَانَ حَيًّا، أَوْ مَوْلُودًا يَوْمَ تُقَسَّمُ الثَّمَرَةَ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى قَبِيلَةٍ أَنَّهُ إنْ مَاتَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ طِيبِ الثَّمَرَةِ وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ فَلَا حَقَّ لَهُ، وَمَنْ وُلِدَ قَبْلَ الْقَسْمِ، قُسِمَ لَهُ، وَأَمَّا إنْ حَبَسَ عَلَى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ مُسَمَّيْنَ بِأَسْمَائِهِمْ مِمَّنْ أَدْرَكَ طِيبَ الثَّمَرَةِ فَحَقُّهُ فِيهَا ثَابِتٌ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْغَلَّةِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَالْأَحْبَاسُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى أَنَّهَا تُسْتَحَقُّ بِإِمْكَانِ الِانْتِفَاعِ كَالسُّكْنَى.
(فَرْقٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالْحَبْسِ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الصَّدَقَةَ
стр. 1751
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَقْوَى؛ لِأَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ وَمُتَعَلِّقَةٌ بِمُعَيَّنِينَ، وَأَمَّا مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحَبْسِ وَتَمْيِيزِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الثَّمَرَةَ فَإِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَالِانْتِجَاعِ لَهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَتْ أَرْضًا فَحَرَثَهَا ثُمَّ مَاتَ فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَعْطَى الْوَرَثَةَ كِرَاءَ الْحَرْثِ، أَوْ سَلَّمَهَا إلَيْهِمْ بِكِرَائِهَا تِلْكَ السَّنَةَ، وَلَوْ مَاتَ وَفِيهَا زَرْعٌ فَلِوَرَثَةِ الزَّارِعِ وَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِمْ.
[الْبَابُ السَّابِعُ فِي بَيْعِ الْعُمْرَى وَالْحَبْسِ] ١
(الْبَابُ السَّابِعُ فِي بَيْعِ الْعُمْرَى وَالْحَبْسِ) أَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْعُمْرَى وَالْحَبْسِ عَقْدٌ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ هِبَةٌ لِلْمَنَافِعِ بِالْعُمْرَى وَالْحَبْسِ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى غَيْرِ مَوْجُودٍ عِنْدَ التَّحْبِيسِ وَالثَّانِي عَلَى مَوْجُودٍ فَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى مَوْجُودٍ مِثْلِ أَنْ يُعْمِرَ زَيْدًا أَوْ يُعْمِرَهُ وَعَقِبَهُ، أَوْ يَحْبِسَ عَلَى زَيْدٍ، أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى عَقِبِهِ وَوَاحِدٍ مِمَّنْ أُعْمِرَ، أَوْ حُبِسَ عَلَيْهِ مَوْجُودٍ عِنْدَ الْعُمْرَى فَقَدْ امْتَنَعَ الْبَيْعُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَإِنْ كَانَ جَمِيعُهُمْ غَيْرَ مَوْجُودِينَ مِثْلَ أَنْ يَحْبِسَ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ مَا لَمْ يَلِدْ فَإِذَا وُلِدَ لَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يُؤَيِّسَ لَهُ مِنْ الْوَلَدِ، وَلَوْ أَجَزْت لَهُ هَذَا لَأَجَزْت لَهُ أَنْ يَبِيعَ إذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ ثُمَّ مَاتُوا وَلَمْ يَنْتَظِرْ أَنْ يُولَدَ لَهُ غَيْرُهُمْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ بَلْ هُوَ حَبْسٌ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْحَبْسَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ قَبُولُ أَحَدٍ فَيَلْزَمُ سَبَبُهُ وَرُبَّمَا مَنْ ذَكَرَ فِيهِ لَا يَخْلُو فَإِذَا وُلِدَ لَهُ فَقَدْ تَعَلَّقَ حَقُّ الْمَوْلُودِ بِهِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الْحَبْسَ مُتَوَجِّهٌ إلَى مَنْ يَصِحُّ وُجُودُهُ وَيُتَوَقَّعُ لُزُومُ حَقِّهِ وَعَلَى ذَلِكَ عَقَدَ الْحَبْسَ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ مَا لَمْ يُؤَيِّسْ مِنْ وُجُودِ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُ الْحَبْسَ عَنْ حُكْمِهِ فِي اللُّزُومِ فَإِذَا يَئِسَ مِنْهُ عَلِمَ أَنَّ الْحَبْسَ لَمْ يَنْفُذْ بِصَرْفِهِ إلَى مَنْ قَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ وَلَا يَثْبُتُ لَهُ حَقٌّ، وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ عَقْدَ الْحَبْسِ عَقْدٌ يَلْزَمُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ حَبَسَ عَلَيْهِ فَلَوْ قَالَ حَائِطِي حَبْسٌ لَلَزِمَ وَأَكْثَرُ مَا فِي قَوْلِهِ حَائِطِي حَبْسٌ عَلَى وَلَدِي وَلَا يُوجَدُ لَهُ وَلَدٌ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لَازِمٌ وَيُوجِبُ تَصَرُّفَهُ إلَى مَنْ قَرَّرَتْ الشَّرِيعَةُ رَدَّهَا إلَيْهِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فَقَدْ قَالَ فِيمَنْ قَالَ صَدَقَتِي هَذِهِ عَلَى وَلَدِي وَلَا وَلَدَ لَهُ فَهِيَ حَبْسٌ تَخْرُجُ عَنْ يَدِهِ إلَى يَدٍ ثِقَةٍ وَثَمَرَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ حَبْسٌ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ لَهُ رَجَعَتْ هِيَ وَغَلَّتُهَا إلَى أَوْلَى النَّاسِ بِالْحَبْسِ يَوْمَ حَبَسَهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَقْدُ الْحَبْسِ لَازِمًا وَقَدْ تَعَلَّقَ بِمَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ لَزِمَ إخْرَاجُهُ مِنْ يَدِهِ لِيَصِحَّ الْحَوْزُ فِيهِ فَإِنْ حَدَثَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَدٌ رُدَّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ حَوْزُهُ لَهُ، وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ مِنْ مَرْجِعِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَوْزَ قَدْ تَمَّ فِيهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا كَانَ الْحَبْسُ عَلَى مَوْجُودٍ يَوْمَ الْحَبْسِ، أَوْ عَلَى غَيْرِ مَوْجُودٍ ثُمَّ وُجِدَ فَقَدْ لَزِمَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا الرُّجُوعُ فِيهِ فَإِنْ بَاعَهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ الصِّغَارِ، أَوْ الْكِبَارِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى الْمَسَاكِينِ ثُمَّ تَعَدَّى فَبَاعَهُ مُقَابَضَةً، أَوْ بَعْدَ طُولِ زَمَانٍ كَانَ الْبَيْعُ مَنْقُوضًا وَيُرَدُّ إلَى الْحَبْسِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى تَوَانِي هَؤُلَاءِ فِي قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَهُمْ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَإِنْ أُعْدِمَ بِالثَّمَنِ اُتُّبِعَ بِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْحَبْسِ لَازِمٌ فَلَا يُحِيلُهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ تَعَدِّي الْمُحْبَسِ فِيهِ وَيَجِبُ نَقْضُ بَيْعِهِ وَيُتَّبَعُ بِالثَّمَرِ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا لَوْ اسْتَحَقَّهُ أَجْنَبِيٌّ؛ لِأَنَّ مَا بَاعَهُ قَدْ اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا فِي قَرْيَةٍ ثُمَّ صُلِّيَ فِيهِ ثُمَّ بَاعَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَنْ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ دَارًا فَلْيُفْسَخْ ذَلِكَ وَيُرَدُّ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَبْسِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لِلَّهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُغَيَّرُ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَسْجِدَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْبَاسِ اللَّازِمَةِ بَلْ هِيَ أَوْكَدُهَا؛ لِأَنَّهَا خَالِصَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَمُضَافَةٌ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤] وَأَمَّا قَوْلُ مُطَرِّفٍ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُرِيدُ عَلَى الصُّورَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمَسَاجِدِ قَالَ ثُمَّ هَدَمَهُ الْمُبْتَاعُ وَبَنَاهُ دَارًا يُرِيدُ أَنَّهُ نَقَلَهُ إلَى صُورَةِ الدُّورِ وَقَوْلُهُ
стр. 1752
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
لَمْ يُرَدَّ بَعْدَ الْفَسْخِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ يَقْتَضِي عِنْدِي أَنَّ لِلْمَسْجِدِ بُنْيَانًا مَخْصُوصًا يُمْنَعُ مَنْ يُرِيدُ التَّمَلُّكَ مِنْ بُنْيَانِهِ وَيُمْنَعُ مَنْ تَمَلَّكَهُ مِنْ اسْتِدَامَةِ تَمَلُّكِهِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَيُمْنَعُ مَنْ أَرَادَ بُنْيَانَ الْمَسَاجِدِ مِنْ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ السَّيِّئَةِ وَلِلذَّرِيعَةِ إلَى تَمَلُّكِ الْمَسَاجِدِ وَتَرْكِ تَعْظِيمِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَرْعٌ) وَقَوْلُهُ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا فِي قَرْيَةٍ ثُمَّ صُلِّيَ فِيهِ يُرِيدُ إبَاحَةً لِمَنْ صَلَّى فِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَلْزَمُ بِهِ تَحْبِيسُهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالتَّحْبِيسِ، وَلَوْ تَلَفَّظَ بِهِ لَلَزِمَهُ ذَلِكَ، وَظَاهِرُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ لِمُجَرَّدِ الْبُنْيَانِ، وَفِي هَذَا عِنْدِي نَظَرٌ، وَقَدْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَلْزَمَ لِمُجَرَّدِ الْبُنْيَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتِمُّ الْحِيَازَةُ فِيهِ إلَّا بِإِبَاحَتِهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ فِيهِ قَالَ أَصْبَغُ أَبُو إِسْحَاقَ إذَا خَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ فَهُوَ مَاضٍ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُجْعَلَ بِيَدِ قَيِّمٍ سَوَاءً كَانَ بَابُ الْمَسْجِدِ دَاخِلُ بَابِ دَارِهِ يُغْلَقُ عَلَيْهِ أَوْ خَارِجَ الْبَابِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ اللِّسَانِ لِمَنْ جَوَّزَ أَنْ يَبْنِيَ مِثْلَ هَذَا الْبُنْيَانِ فِي دَارِهِ مَسْجِدًا لِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ حَبْسًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَرْعٌ) وَمَا كَانَ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ بَيْتِ الْمَاءِ، أَوْ بَيْتٍ لِزَيْتِهِ وَحُصُرِهِ وَآلَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ تَبَعٌ لَهُ، وَكَذَلِكَ سَلَاسِلُهُ وَقَنَادِيلُهُ وَبُنْيَانُهُ وَجُذُوعُهُ مَا انْكَسَرَ مِنْهَا رُدَّ إلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ حَبَسَ حَبْسًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ قَبْلَ الْحَبْسِ وَاسْتَحْدَثَ دَيْنًا بَعْدَ الْحَبْسِ فَقَامَ أَهْلُ الدَّيْنِ قَالَ سَحْنُونٌ: قَدْ قِيلَ يُبَاعُ مِنْهَا لِلدَّيْنِ الْقَدِيمِ وَيَدْخُلُ مَعَهُمْ أَهْلُ الدَّيْنِ الثَّانِي وَلَا يُبَاعُ مِنْهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ قِيلَ: إذَا دَخَلَ مَعَهُمْ الْآخَرُونَ بِيعَ لِلْأَوَّلِينَ بِقَدْرِ مَا انْتَقَضَهُمْ الْآخَرُونَ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ الْآخَرُونَ وَهَكَذَا أَبَدًا حَتَّى يَسْتَوْفُوا، أَوْ يَفْرُغَ الْحَبْسُ، وَكَذَلِكَ لِأَصْحَابِنَا قَوْلَانِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ رَجُلَانِ حُبِسَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَبْسٌ مُنْفَرِدٌ لَمْ يَجُزْ لَهُمَا أَنْ يَتَنَاقَلَاهُ وَهُوَ كَالْبَيْعِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ فَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ الْمُبَايَعَةُ، وَالْمُنَاقَلَةُ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَتْ أَرْضًا مُحْبَسَةً لِدَفْنِ الْمَوْتَى فَضَاقَتْ بِأَهْلِهَا فَأَرَادُوا أَنْ يُوَسِّعُوا وَيَدْفِنُوا وَبِجَانِبِهَا مَسْجِدٌ فَأَرَادُوا أَنْ يَدْفِنُوا فِيهِ مَيِّتًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ حَبْسٌ كُلُّهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي مَقْبَرَةٍ عَفَتْ: فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبْنَى فِيهَا مَسْجِدٌ وَكُلُّ مَا كَانَ لِلَّهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَعَانَ بِبَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْحَبْسَانِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِصَرْفِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَنْ نَقَلَ الْمَقْبَرَةَ إلَى الْمَسْجِدِ وَيُدْفَنُ الْمَيِّتُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ فَأَمَّا مَا كَانَ لِلْمَخْلُوقِينَ مِنْ الْحُقُوقِ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُلُ مَنْفَعَةَ أَحَدِ الْحَبْسَيْنِ مِنْ مَالِكٍ إلَى مَالِكٍ غَيْرِهِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يُنْقَلُ مِنْ مَالِكٍ إلَى مَالِكٍ، وَإِنَّمَا يُنْقَلُ مِنْ وَجْهِ مَنْفَعَةٍ إلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ كُلُّهُ لِلَّهِ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا كَانَتْ الدُّورُ الْمُحْبَسَةُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ وَاحْتَاجَ الْمَسْجِدُ إلَى سَعَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ دُورَ الْحَبْسِ لِيُوَسِّعَ بِهَا الْمَسْجِدَ وَالطَّرِيقَ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ عَامٌّ أَعَمُّ مِنْ نَفْعِ الدَّارِ الْمُحْبَسَةِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَذَلِكَ عِنْدِي فِي مِثْلِ جَوَامِعِ الْأَمْصَارِ دُونَ مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمَنْ مَعَهُ
أَنَّ الْأَحْبَاسَ إنَّمَا تُغَيَّرُ إلَى الْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ دُونَ الْخَاصَّةِ
، وَذَلِكَ فِي مِثْلِ الْجَوَامِعِ، وَأَمَّا مَسَاجِدُ الْقَبَائِلِ فَإِنَّهَا خَاصَّةٌ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ مِنْهَا كَثِيرٌ فَمَتَى ضَاقَ مَسْجِدٌ بُنِيَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ مَسْجِدٌ يَتَّسِعُ فِيهِ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي الْجَوَامِعِ، وَأَمَّا عَلَى تَجْوِيزِ مَالِكٍ ذَلِكَ فِي الطُّرُقِ فَيَصِحُّ ذَلِكَ فِي مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ وَغَيْرِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَعَقْدُ الْحَبْسِ لَازِمٌ مُؤَبَّدٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْأَحْبَاسِ خِلَافًا لِابْنِ حَنْبَلٍ فِي تَجْوِيزِ ذَلِكَ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ رَبِيعَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ فَإِنَّهُ قَالَ وَبَقَاءُ أَحْبَاسِ السَّلَفِ دَائِرَةٌ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَنْقُلُ الْحَبْسَ عَنْ مُقْتَضَاهُ إذَا لَمْ تَخْرَبْ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُلُهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ، وَإِنْ خَرِبَ كَالْغَصْبِ
стр. 1753
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ كَانَ لَهُ حَائِطٌ وَفِيهِ نَخْلٌ قَدْ حُبِسَتْ بِمَائِهَا فَغَلَبَتْ عَلَيْهَا الرِّمَالُ حَتَّى أَبْطَلَتْ وَفِي مَائِهَا فَضْلٌ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا لَا يُبَاعُ فَضْلُ ذَلِكَ الْمَاءِ وَلْيَدَعْهُ بِحَالِهِ وَإِنْ غَلَبَتْ عَلَيْهَا الرِّمَالُ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا تُبَاعُ الدَّارُ الْمُحْبَسَةُ، وَإِنْ خَرَجَتْ وَصَارَتْ عَرْصَةً.
وَقَدْ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَا خَرِبَ مِنْ الْحَبْسِ وَانْتَقَلَ إلَى أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ وَبَطَلَ الْمَوْضِعُ وَأَرَادَ أَهْلُهُ بَيْعَهُ وَالِانْتِفَاعَ بِثَمَنِهِ بِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الرِّبَاعِ بِمَالٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَلَا يُنَاقِلُ الْوَقْفَ، وَإِنْ خَرِبَ مَا حَوَالَيْهِ، وَقَدْ تَعُودُ الْعِمَارَةُ بَعْدَ الْخَرَابِ.
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ لَا يُبَاعُ بَعْضُ الْوَقْفِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَرَى بَيْعَهُ وَلَسْت أَقُولُ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِي الرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ الثَّابِتَةِ الَّتِي لَا تُنْقَلُ وَلَا تُحَوَّلُ فَأَمَّا مَا يُنْقَلُ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي الْفَرَسِ الْمُحْبَسِ يَضْعُفُ فَلَا يَبْقَى فِيهِ قُوَّةٌ لِلْغَزْوِ لَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ فِي آخَرَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ شُورِكَ بِهِ وَالثِّيَابُ تُبَاعُ إنْ لَمْ يَبْقَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهَا مَا يُنْتَفَعُ بِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ غَيْرُ هَذَا لَبَطَلَتْ الْأَحْبَاسُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا فَسَادٌ بَيِّنٌ مِنْ صَلَاحِهِ وَلَا تُرْجَى عَوْدَتُهُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ الرِّبَاعُ فَإِنَّهَا تَعْمُرُ بَعْدَ الْخَرَابِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ هَذَا حَبْسٌ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ كَالرِّبَاعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا حَبَسَ الرَّجُلُ جُزْءًا مُشَاعًا مِنْ دَارٍ، أَوْ حَائِطٍ وَطَلَبَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ الْقِسْمَةَ، أَوْ الْبَيْعَ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَ يَنْقَسِمُ بِقَاسِمٍ فَمَا وَقَعَ لِلْحَبْسِ كَانَ حَبْسًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحْبِسَ إذَا حَبَسَ جُزْءًا مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ قَدْ كَانَ حَقُّ شَرِيكِهِ إنْ أَرَادَ الْبَيْعَ أَنْ يَبِيعَ مَعَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْطِلَهُ هَذَا الْحَقَّ عَلَيْهِ لِتَحْبِيسِهِ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا بِيعَ الْحَبْسُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، أَوْ لِأَنَّ السُّلْطَانَ اشْتَرَى ذَلِكَ فَأَدْخَلَهُ فِي مَوْضِعٍ، أَوْ مَسْجِدٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ يُشْتَرَى بِهِ دُورٌ مَكَانَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ عَلَيْهِمْ،.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَقْضِي، وَلَوْ اسْتَحَقَّ الْحَبْسَ فَأَخَذَ ثَمَنَهُ فَلْيَصْنَعْ بِهِ الْمُحْبِسَ مَا شَاءَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَعْنَى أَوْجَبَ إخْرَاجُ مَا حُبِسَ عَنْ الْمُحْبِسِ وَالرُّجُوعُ بِثَمَنِهِ فَلَمْ يُوجِبْ شِرَاءُ مِثْلِهِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ كَالِاسْتِحْقَاقِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْمُحْبِسَ إذَا حَبَسَ مَا يَمْلِكُ فَقَدْ تَعَلَّقَ حَقُّ الْمُحْبِسِ بِتِلْكَ الْعَيْنِ عَلَى اللُّزُومِ فَإِذَا وَجَبَ إخْرَاجٌ عَنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ مِنْ الْحَبْسِ وَالْحَبْسُ جُمْلَةٌ لَزِمَ أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهُ فِي بَدَلِهِ؛ لِأَنَّ التَّحْبِيسَ حَقٌّ لَازِمٌ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ فَإِنَّ الِاسْتِحْقَاقَ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْحَبْسَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِتِلْكَ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُحْبِسَ حَبَسَ مَا لَا يَمْلِكُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْحَبْسُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْعُمْرَى فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُعْمِرِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ مَرْجِعَ الدَّارِ الْمُعْمَرَةِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ حَبَسَ دَارِهِ عَلَى وَلَدِهِ وَابْنِ أَخِيهِ حَيَاتَهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَحْبِسِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ ابْنِ أَخِيهِ مَرْجِعَهَا؛ لِأَنَّهَا عُمْرَى.
[الْبَابُ الثَّامِنُ فِيمَنْ تَعُودُ إلَيْهِ مَنَافِعُ الْعُمْرَى وَالْحَبْسِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْمَرِ وَالْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ]
(الْبَابُ الثَّامِنُ فِيمَنْ تَعُودُ إلَيْهِ مَنَافِعُ الْعُمْرَى وَالْحَبْسِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْمَرِ وَالْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ) فَأَمَّا الْعُمْرَى وَالْحَبْسُ مِمَّا حُكْمُهُ حُكْمُ الْعُمْرَى فَإِنَّهَا تَعُودُ إلَى صَاحِبِهَا الْأَصْلِيِّ إنْ كَانَ حَيًّا فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَإِلَى وَرَثَتِهِ يَوْمَ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ مِلْكِهِ إخْرَاجًا مُؤَبَّدًا، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ إخْرَاجًا مُؤَقَّتًا كَالْإِجَارَةِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ فِيمَنْ أَعْمَرَ دَارًا، أَوْ خَادِمًا لِفُلَانٍ وَعَقِبِهِ مَا عَاشُوا وَلَمْ يَقُلْ مَرْجِعُهَا إلَيْهِ وَلَا إلَى وَجْهٍ ذَكَرَهُ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ اشْتَرَطَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنَافِعَهُ لَمْ يُمَلِّكْهَا مُؤَبَّدًا، وَإِنَّمَا أَخْرَجَ مِنْهَا شَيْئًا مُؤَقَّتًا عَلَى غَيْرِ لَفْظِ الْقُرْبَةِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّأْبِيدَ فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى مِلْكِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِنْ ذَلِكَ صَدَقَتُهُ عَلَى رَجُلٍ حَيَاتَهُ، أَوْ عَلَى قَوْمٍ حَيَاتَهُمْ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ تَرْجِعُ إلَى رَبِّهَا مِلْكًا وَإِلَى وَرَثَتِهِ مِيرَاثًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْكَنَ رَجُلًا حَيَاتَهُ، وَأَمَّا الْحَبْسُ الْمُؤَبَّدُ الَّذِي لَمْ يُجْعَلْ لَهُ مَرْجِعًا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يَرْجِعُ إلَى أَوْلَى النَّاسِ مِمَّنْ حَبَسَهُ حَبْسًا عَلَيْهِمْ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا اقْتَضَى
стр. 1754
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
التَّأْبِيدَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ فِي الصَّدَقَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ مُعَيَّنٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ فَرَجَعَ إلَى أَحَقِّ النَّاسِ بِالْحَبْسِ، وَذَلِكَ أَوَّلُ وَجْهٍ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ لِمَا يَجْتَمِعُ فِيهِ مِنْ الصِّلَةِ وَسَدِّ خَلَّةِ الْفُقَرَاءِ.
وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ بِسَهْمٍ مِنْ حَائِطٍ عَلَى مَوَالِيه وَعَلَى أَوْلَادِهِمْ فَانْقَرَضُوا فَأَحَبُّ إلَى أَنْ يَكُونَ صَدَقَةً عَلَى الْمَسَاكِينِ وَأَهْلِ الْحَاجَةِ لَا يَرْجِعُ مِيرَاثًا، وَقَدْ قَالَ مِثْلُهُ فِيمَنْ حَبَسَ غُلَامًا عَلَى رَجُلٍ وَعَقِبِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ فَهَلَكَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَتْرُكْ عَقِبًا يَسْلُكُ بِهِ فِي سُبُلِ الْخَيْرِ مَوْقُوفًا.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا: إنَّهَا تَرْجِعُ إلَى أَوْلَى النَّاسِ بِهِ يَوْمَ الْمَرْجِعِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فَلَمَّا رَجَعَ مِيرَاثًا رُوعِيَ فِيهِ وَرَثَتُهُ يَوْمَ مَاتَ، وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ حَبْسًا فَلَا وَلَا هُمْ بِهِ يَوْمَ يَرْجِعُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا يَرْجِعُ مِلْكًا إلَيْهِ، أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ مِلْكُهُ عَلَيْهِ تَامٌّ بَاقٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهُ مَنْفَعَتَهُ مُدَّةً مُؤَقَّتَةً فَإِذَا مَاتَ وَرِثَهُ عَنْهُ وَرَثَتُهُ، وَأَمَّا مَا خَرَجَ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْحَبْسِ فَقَدْ زَالَ بِمِلْكِهِ عَنْ جَمِيعِ مَنَافِعِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى وَجْهِ الْحَبْسِ إلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ يَوْمَ الْمَرْجِعِ؛ لِأَنَّهَا مَنَافِعُ لَا تُوَرَّثُ عَنْهُ وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْحَبْسِ فَلْيَأْخُذْهَا مَنْ يَسْتَحِقُّهَا بَعْدَ انْقِرَاضِ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ الْمُسَمَّيْنَ فِي الْحَبْسِ كَمَا لَوْ جَعَلَ لَهَا مَرْجِعًا بَعْدَ الْحَبْسِ لَمْ يَسْتَحِقَّهَا مِنْ أَهْلِ الْمَرْجِعِ إلَّا مَنْ كَانَ بَاقِيًا يَوْمَ الْمَرْجِعِ دُونَ مَنْ انْقَرَضَ، أَوْ مَنْ يَأْتِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَمِنْ الْقَرَابَةِ الَّذِينَ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ الْحَبْسُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا انْقَرَضَ مَنْ حَبَسَ عَلَيْهِمْ رَجَعَ إلَى عَصَبَةِ الْمُحْبِسِ فِي السُّكْنَى وَالْغَلَّةِ، وَقَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَرْجِعُ إلَى أَوْلَى النَّاسِ بِهِ مِنْ وَلَدٍ وَعَصَبَةٍ وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْعَصَبَةِ مِنْ الرِّجَالِ فَهَلْ لِلنِّسَاءِ مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يَرْجِعُ إلَى أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُحْبِسِ حَبْسًا عَلَيْهِمْ رِجَالًا كَانُوا أَوْ نِسَاءً وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَرْجِعُ إلَى عَصَبَةِ الْمُحْبِسِ قِيلَ لَهُ: إنَّهُ ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ لَيْسَ النِّسَاءُ عَصَبَةً إنَّمَا يَرْجِعُ إلَى الرِّجَالِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ هِيَ كَالْعَصَبَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ رَجُلًا لَكَانَتْ عَصَبَةً وَأَرَى ذَلِكَ كُلَّهُ لَهَا، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَبْسَ إنَّمَا يُصْرَفُ إلَيْهِمْ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ وَسَدِّ خَلَّةِ الْقَرَابَةِ، وَالْبِنْتُ مِنْ أَحَقِّ النَّاسِ بِذَلِكَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَصَبَةٍ عَلَى الِانْفِرَادِ فَلَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِالْقَرَابَةِ كَالْخَالَةِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا أَنَّ لِلنِّسَاءِ فِي ذَلِكَ مَدْخَلًا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ كُلُّ امْرَأَةٍ لَوْ كَانَتْ رَجُلًا كَانَ عَصَبَةً لِلْمُحْبِسِ فَهِيَ مِمَّنْ يَرْجِعُ إلَيْهِ الْحَبْسُ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ بَنُو الْأَخَوَاتِ وَلَا بَنُو الْبَنَاتِ وَلَا زَوْجٌ وَلَا زَوْجَةٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّمَا يَدْخُلُ مِنْ النِّسَاءِ مِثْلُ الْعَمَّاتِ وَالْجَدَّاتِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ، أَوْ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَبَنَاتِ الْأَخِ وَلَا يَدْخُلُ الْأَخَوَاتُ لِلْأُمِّ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى وَتَدْخُلُ الْأُمُّ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا تَدْخُلُ الْأُمُّ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَنْ يَرِثُهُ وَهُوَ مَنْ حَرُمَ نَسَبُهُ كَالْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الْأَبْنَاءِ وَالْأَخَوَاتِ، وَأَمَّا الْأُمُّ فَلَا تَدْخُلُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْ حَرَّمَ نَفْسَهُ، وَأَمَّا الْعَمَّاتُ وَبَنَاتُ الْعَمِّ وَبَنَاتُ الْأَخِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُنَّ فِيهِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْحَبْسَ إنَّمَا يَرْجِعُ مِنْ النِّسَاءِ إلَى مَنْ يَرِثُهُ دُونَ مَنْ لَا يَرِثُهُ مِنْ عَمَّةٍ وَخَالَةٍ وَنَحْوِهِمَا.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ مَكَانَهُنَّ مَكَانُ التَّعْصِيبِ وَلِلنِّسَاءِ مَدْخَلٌ فِي مَرْجِعِ الْحَبْسِ فَلَمَّا كَانَ الرِّجَالُ يَدْخُلُونَ فِيهِ بِالتَّعْصِيبِ وَكَانَ لِلنِّسَاءِ فِيهِ مَدْخَلٌ وَلَا تَعْصِيبَ لَهُنَّ اُعْتُبِرَ فِيهِ قُعْدُدُ التَّعْصِيبِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ مَنْ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْمِيرَاثِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي مَرْجِعِ الْحَبْسِ كَالْأَجَانِبِ، وَأَمَّا الْأُمُّ فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ أَدْخَلَهَا فِي مَرْجِعِ الْحَبْسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَهَا مَوْضِعُ الْأَبِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَشْهَبُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا بِخِلَافِ بَنَاتِ الْأَخِ وَالْعَمَّاتِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَسَوَاءٌ كَانَ أَهْلُ الْمَرْجِعِ ذُكُورًا، أَوْ إنَاثًا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فَإِنْ كَانَ أَخًا وَأُخْتًا فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوَاءِ كَأَنْ كَانَ قَدْ شَرَطَ
стр. 1755
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ سَمِعَ مَكْحُولًا الدِّمَشْقِيَّ يَسْأَلُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ الْعُمْرَى وَمَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: مَا أَدْرَكْت النَّاسَ إلَّا وَهُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَفِيمَا أَعْطَوْا قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْعُمْرَى تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا إذَا لَمْ يَقُلْ هِيَ لَك وَلِعَقِبِك) .
ــ
[المنتقى]
فِي حَبْسِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَيْهِنَّ بِمَعْنَى التَّشْرِيكِ فِي الْحَبْسِ لَا عَلَى مَعْنَى التَّوَارُثِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْمَرْجِعِ بَنَاتٍ وَعَصَبَةً فَهُوَ بَيْنُهُمْ إنْ كَانَ فِيهِ سِعَةٌ وَإِلَّا فَالْبَنَاتُ أَوْلَى مِنْ الْعَصَبَةِ وَيَدْخُلُ مَعَ الْبَنَاتِ الْأُمُّ وَالْجَدَّةُ لِلْأَبِ دُونَ الزَّوْجَةِ، وَالْجَدَّةُ لِلْأُمِّ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: وَإِنْ رَجَعَتْ إلَى إخْوَةٍ دَخَلَ مَعَهُمْ الْأَخَوَاتُ، وَإِنْ رَجَعَتْ إلَى أَعْمَامٍ دَخَلَ مَعَهُمْ الْعَمَّاتُ، وَإِنْ رَجَعَتْ إلَى بَنِي أَخٍ دَخَلَ مَعَهُمْ بَنَاتُ الْأَخِ، وَإِنْ رَجَعَتْ إلَى بَنِي عَمٍّ دَخَلَ بَنَاتُ الْعَمِّ، وَإِنْ رَجَعَتْ إلَى وَلَدِ الْمَوْلَى الْمُنْعِمِ دَخَلَ مَعَهُمْ بَنَاتُ الْمَوْلَى الْمُنْعِمِ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَصَبَةِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ فَإِنْ كَانُوا مَوَالِيَهُ فَهُمْ عَصَبَةٌ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَصَبَةٌ أَقْرَبُ مِنْهُمْ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَدْخُلُ النِّسَاءُ مَعَ الْعَصَبَةِ فِي السُّكْنَى وَالْغَلَّةِ.
(ش) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَكْحُولٌ إنَّمَا سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ الْعُمْرَى لِمَا بَلَغَهُ فِيهَا مِنْ اخْتِلَافِ النَّاسِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهَا لَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِ حُكْمُهَا، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ فِيهَا قَوْلٌ لِمَنْ يُعْتَبَرُ بِقَوْلِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ مَا عِنْدَ الْقَاسِمِ مِنْ ذَلِكَ لِيَأْخُذَ بِهِ، أَوْ لِيَنْظُرَ فِيهِ وَقَوْلُهُ عَنْ الْعُمْرَى وَمَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَسْأَلَهُ الْعُمْرَى وَيُعْلِمَهُ بِقَوْلِ النَّاسِ فِيهَا، وَسَأَلَهُ عَمَّا يَخْتَارُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الْعُمْرَى وَعَمَّا عِنْدَهُ مِنْ قَوْلِ النَّاسِ الَّذِينَ لَقِيَهُمْ الْقَاسِمُ، أَوْ بَلَغَهُ قَوْلُهُمْ فِيهَا، وَلِذَلِكَ أَجَابَهُ الْقَاسِمُ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ أَقْوَالِ النَّاسِ فَقَالَ مَا أَدْرَكْت النَّاسَ إلَّا وَهُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَجَابَهُ عَلَى حَسْبِ سُؤَالِهِ، وَلَوْ كَانَ سَأَلَهُ عَنْ الْحُكْمِ خَاصَّةً لَأَجَابَهُ بِمَا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ مَا أَدْرَكْت النَّاسَ إلَّا وَهُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُعْمِرَ لَمَّا شَرَطَ اسْتِيفَاءَ الرُّقْبَةِ وَإِفْرَادَ الْمَنَافِعِ بِالْهِبَةِ مُدَّةً مُقَدَّرَةً بِعُمْرِ الْمُعْطِي، أَوْ بِعُمْرِهِ وَعُمْرِ عَقِبِهِ كَانَ شَرْطُهُ تَامًّا وَكَانَتْ عَطِيَّتُهُ عَلَى مَا شَرَطَ لَا تَتَجَاوَزُ ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ: إنَّ الْأَمْرَ عِنْدَنَا عَلَى ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ الْحُكْمَ جَازَ عِنْدَهُمْ يُرِيدُ عُلَمَاءَ الْمَدِينَةِ بِأَنَّ الْعُمْرَى تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا يُرِيدُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ مَنَافِعِهَا الْمَوْهُوبَةِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِالْمَنَافِعِ خَاصَّةً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ لَفْظِ الْعُمْرَى الَّذِي يَقْتَضِي التَّوْقِيتَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إذَا لَمْ يَقُلْ هِيَ لَك وَلِعَقِبِك فَإِذَا قَالَ هِيَ لَك وَلِعَقِبِك فَإِنَّ جَوَابَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَتَفْسِيرَ مَالِكٍ غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لِهَذَا اللَّفْظِ فَيَجِبُ أَنْ يَنْظُرَ فِي حُكْمِهِ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ قَالَ: دَارِي هَذِهِ لِفُلَانٍ وَلِعَقِبِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَهْلِكَهَا وَلَا يَقْطَعَ مَنْفَعَتَهَا عَنْ عَقِبِهِ وَلَهُ غَلَّتُهَا وَمَنَافِعُهَا دُونَ ضَمَانٍ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ؛ لِأَنَّهَا دَارٌ، وَلَوْ كَانَتْ مَالًا، أَوْ شَيْئًا يُغَابُ عَلَيْهِ لَضَمِنَ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ دَارِي هَذِهِ لِفُلَانٍ وَلِعَقِبِهِ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ إضَافَتِهِ إلَيْهِ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ وَقَوْلُهُ لِفُلَانٍ، أَوْ لِفُلَانٍ وَعَقِبِهِ يَقْتَضِي أَيْضًا تَمْلِيكَ الرُّقْبَةِ لِتَضَمُّنِهِ التَّأْبِيدَ، وَلَوْ اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنَافِعِ مِنْ قَوْلِهِ عُمْرَى، أَوْ سُكْنَى يُحْمَلُ عَلَى الْمَنَافِعِ، أَوْ وَقْتِ ذَلِكَ بِزَمَنٍ فَقَالَ هِيَ لِفُلَانٍ حَيَاتَهُ وَلِعَقِبِهِ مَا كَانَ مِنْهُ حَتَّى يُحْمَلَ عَلَى الْمَنَافِعِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الرُّقْبَةِ لَا يَتَوَقَّتُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا التَّعْقِيبُ فَلَا يَمْنَعُ تَمْلِيكَ الرُّقْبَةِ بِمُجَرَّدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ فِي الْمَنَافِعِ بَيْنَ أَهْلِ الْعَطِيَّةِ لِيَصِلَ مِلْكُ الرُّقْبَةِ إلَى آخِرِهِمْ، وَلَوْ مَلَكَ أَوَّلُهُمْ الرُّقْبَةَ لَجَازَ أَنْ يُفَوِّتَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَائِدَةُ مِلْكِهِ لَهَا فَلَا تَصِلُ إلَى آخِرِهِمْ وَلَكِنَّهَا كُلَّمَا صَارَتْ بِيَدِ إنْسَانٍ بَقِيَتْ عِنْدَهُ مُرَاعَاةً فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا بَعْدَهُ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي مَلَكَ الرُّقْبَةَ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا بَعْدَهُ بِأَنْ تَكُونَ امْرَأَةً فَلَا
следующие страницы →