Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَقْوَى؛ لِأَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ وَمُتَعَلِّقَةٌ بِمُعَيَّنِينَ، وَأَمَّا مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحَبْسِ وَتَمْيِيزِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الثَّمَرَةَ فَإِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَالِانْتِجَاعِ لَهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَتْ أَرْضًا فَحَرَثَهَا ثُمَّ مَاتَ فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَعْطَى الْوَرَثَةَ كِرَاءَ الْحَرْثِ، أَوْ سَلَّمَهَا إلَيْهِمْ بِكِرَائِهَا تِلْكَ السَّنَةَ، وَلَوْ مَاتَ وَفِيهَا زَرْعٌ فَلِوَرَثَةِ الزَّارِعِ وَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِمْ.
[الْبَابُ السَّابِعُ فِي بَيْعِ الْعُمْرَى وَالْحَبْسِ] ١
(الْبَابُ السَّابِعُ فِي بَيْعِ الْعُمْرَى وَالْحَبْسِ) أَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْعُمْرَى وَالْحَبْسِ عَقْدٌ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ هِبَةٌ لِلْمَنَافِعِ بِالْعُمْرَى وَالْحَبْسِ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى غَيْرِ مَوْجُودٍ عِنْدَ التَّحْبِيسِ وَالثَّانِي عَلَى مَوْجُودٍ فَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى مَوْجُودٍ مِثْلِ أَنْ يُعْمِرَ زَيْدًا أَوْ يُعْمِرَهُ وَعَقِبَهُ، أَوْ يَحْبِسَ عَلَى زَيْدٍ، أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى عَقِبِهِ وَوَاحِدٍ مِمَّنْ أُعْمِرَ، أَوْ حُبِسَ عَلَيْهِ مَوْجُودٍ عِنْدَ الْعُمْرَى فَقَدْ امْتَنَعَ الْبَيْعُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَإِنْ كَانَ جَمِيعُهُمْ غَيْرَ مَوْجُودِينَ مِثْلَ أَنْ يَحْبِسَ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ مَا لَمْ يَلِدْ فَإِذَا وُلِدَ لَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يُؤَيِّسَ لَهُ مِنْ الْوَلَدِ، وَلَوْ أَجَزْت لَهُ هَذَا لَأَجَزْت لَهُ أَنْ يَبِيعَ إذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ ثُمَّ مَاتُوا وَلَمْ يَنْتَظِرْ أَنْ يُولَدَ لَهُ غَيْرُهُمْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ بَلْ هُوَ حَبْسٌ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْحَبْسَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ قَبُولُ أَحَدٍ فَيَلْزَمُ سَبَبُهُ وَرُبَّمَا مَنْ ذَكَرَ فِيهِ لَا يَخْلُو فَإِذَا وُلِدَ لَهُ فَقَدْ تَعَلَّقَ حَقُّ الْمَوْلُودِ بِهِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الْحَبْسَ مُتَوَجِّهٌ إلَى مَنْ يَصِحُّ وُجُودُهُ وَيُتَوَقَّعُ لُزُومُ حَقِّهِ وَعَلَى ذَلِكَ عَقَدَ الْحَبْسَ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ مَا لَمْ يُؤَيِّسْ مِنْ وُجُودِ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُ الْحَبْسَ عَنْ حُكْمِهِ فِي اللُّزُومِ فَإِذَا يَئِسَ مِنْهُ عَلِمَ أَنَّ الْحَبْسَ لَمْ يَنْفُذْ بِصَرْفِهِ إلَى مَنْ قَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ وَلَا يَثْبُتُ لَهُ حَقٌّ، وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ عَقْدَ الْحَبْسِ عَقْدٌ يَلْزَمُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ حَبَسَ عَلَيْهِ فَلَوْ قَالَ حَائِطِي حَبْسٌ لَلَزِمَ وَأَكْثَرُ مَا فِي قَوْلِهِ حَائِطِي حَبْسٌ عَلَى وَلَدِي وَلَا يُوجَدُ لَهُ وَلَدٌ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لَازِمٌ وَيُوجِبُ تَصَرُّفَهُ إلَى مَنْ قَرَّرَتْ الشَّرِيعَةُ رَدَّهَا إلَيْهِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فَقَدْ قَالَ فِيمَنْ قَالَ صَدَقَتِي هَذِهِ عَلَى وَلَدِي وَلَا وَلَدَ لَهُ فَهِيَ حَبْسٌ تَخْرُجُ عَنْ يَدِهِ إلَى يَدٍ ثِقَةٍ وَثَمَرَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ حَبْسٌ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ لَهُ رَجَعَتْ هِيَ وَغَلَّتُهَا إلَى أَوْلَى النَّاسِ بِالْحَبْسِ يَوْمَ حَبَسَهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَقْدُ الْحَبْسِ لَازِمًا وَقَدْ تَعَلَّقَ بِمَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ لَزِمَ إخْرَاجُهُ مِنْ يَدِهِ لِيَصِحَّ الْحَوْزُ فِيهِ فَإِنْ حَدَثَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَدٌ رُدَّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ حَوْزُهُ لَهُ، وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ مِنْ مَرْجِعِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَوْزَ قَدْ تَمَّ فِيهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا كَانَ الْحَبْسُ عَلَى مَوْجُودٍ يَوْمَ الْحَبْسِ، أَوْ عَلَى غَيْرِ مَوْجُودٍ ثُمَّ وُجِدَ فَقَدْ لَزِمَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا الرُّجُوعُ فِيهِ فَإِنْ بَاعَهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ الصِّغَارِ، أَوْ الْكِبَارِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى الْمَسَاكِينِ ثُمَّ تَعَدَّى فَبَاعَهُ مُقَابَضَةً، أَوْ بَعْدَ طُولِ زَمَانٍ كَانَ الْبَيْعُ مَنْقُوضًا وَيُرَدُّ إلَى الْحَبْسِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى تَوَانِي هَؤُلَاءِ فِي قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَهُمْ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَإِنْ أُعْدِمَ بِالثَّمَنِ اُتُّبِعَ بِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْحَبْسِ لَازِمٌ فَلَا يُحِيلُهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ تَعَدِّي الْمُحْبَسِ فِيهِ وَيَجِبُ نَقْضُ بَيْعِهِ وَيُتَّبَعُ بِالثَّمَرِ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا لَوْ اسْتَحَقَّهُ أَجْنَبِيٌّ؛ لِأَنَّ مَا بَاعَهُ قَدْ اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا فِي قَرْيَةٍ ثُمَّ صُلِّيَ فِيهِ ثُمَّ بَاعَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَنْ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ دَارًا فَلْيُفْسَخْ ذَلِكَ وَيُرَدُّ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَبْسِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لِلَّهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُغَيَّرُ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَسْجِدَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْبَاسِ اللَّازِمَةِ بَلْ هِيَ أَوْكَدُهَا؛ لِأَنَّهَا خَالِصَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَمُضَافَةٌ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤] وَأَمَّا قَوْلُ مُطَرِّفٍ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُرِيدُ عَلَى الصُّورَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمَسَاجِدِ قَالَ ثُمَّ هَدَمَهُ الْمُبْتَاعُ وَبَنَاهُ دَارًا يُرِيدُ أَنَّهُ نَقَلَهُ إلَى صُورَةِ الدُّورِ وَقَوْلُهُ
стр. 1752
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
لَمْ يُرَدَّ بَعْدَ الْفَسْخِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ يَقْتَضِي عِنْدِي أَنَّ لِلْمَسْجِدِ بُنْيَانًا مَخْصُوصًا يُمْنَعُ مَنْ يُرِيدُ التَّمَلُّكَ مِنْ بُنْيَانِهِ وَيُمْنَعُ مَنْ تَمَلَّكَهُ مِنْ اسْتِدَامَةِ تَمَلُّكِهِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَيُمْنَعُ مَنْ أَرَادَ بُنْيَانَ الْمَسَاجِدِ مِنْ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ السَّيِّئَةِ وَلِلذَّرِيعَةِ إلَى تَمَلُّكِ الْمَسَاجِدِ وَتَرْكِ تَعْظِيمِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَرْعٌ) وَقَوْلُهُ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا فِي قَرْيَةٍ ثُمَّ صُلِّيَ فِيهِ يُرِيدُ إبَاحَةً لِمَنْ صَلَّى فِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَلْزَمُ بِهِ تَحْبِيسُهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالتَّحْبِيسِ، وَلَوْ تَلَفَّظَ بِهِ لَلَزِمَهُ ذَلِكَ، وَظَاهِرُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ لِمُجَرَّدِ الْبُنْيَانِ، وَفِي هَذَا عِنْدِي نَظَرٌ، وَقَدْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَلْزَمَ لِمُجَرَّدِ الْبُنْيَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتِمُّ الْحِيَازَةُ فِيهِ إلَّا بِإِبَاحَتِهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ فِيهِ قَالَ أَصْبَغُ أَبُو إِسْحَاقَ إذَا خَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ فَهُوَ مَاضٍ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُجْعَلَ بِيَدِ قَيِّمٍ سَوَاءً كَانَ بَابُ الْمَسْجِدِ دَاخِلُ بَابِ دَارِهِ يُغْلَقُ عَلَيْهِ أَوْ خَارِجَ الْبَابِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ اللِّسَانِ لِمَنْ جَوَّزَ أَنْ يَبْنِيَ مِثْلَ هَذَا الْبُنْيَانِ فِي دَارِهِ مَسْجِدًا لِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ حَبْسًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَرْعٌ) وَمَا كَانَ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ بَيْتِ الْمَاءِ، أَوْ بَيْتٍ لِزَيْتِهِ وَحُصُرِهِ وَآلَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ تَبَعٌ لَهُ، وَكَذَلِكَ سَلَاسِلُهُ وَقَنَادِيلُهُ وَبُنْيَانُهُ وَجُذُوعُهُ مَا انْكَسَرَ مِنْهَا رُدَّ إلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ حَبَسَ حَبْسًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ قَبْلَ الْحَبْسِ وَاسْتَحْدَثَ دَيْنًا بَعْدَ الْحَبْسِ فَقَامَ أَهْلُ الدَّيْنِ قَالَ سَحْنُونٌ: قَدْ قِيلَ يُبَاعُ مِنْهَا لِلدَّيْنِ الْقَدِيمِ وَيَدْخُلُ مَعَهُمْ أَهْلُ الدَّيْنِ الثَّانِي وَلَا يُبَاعُ مِنْهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ قِيلَ: إذَا دَخَلَ مَعَهُمْ الْآخَرُونَ بِيعَ لِلْأَوَّلِينَ بِقَدْرِ مَا انْتَقَضَهُمْ الْآخَرُونَ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ الْآخَرُونَ وَهَكَذَا أَبَدًا حَتَّى يَسْتَوْفُوا، أَوْ يَفْرُغَ الْحَبْسُ، وَكَذَلِكَ لِأَصْحَابِنَا قَوْلَانِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ رَجُلَانِ حُبِسَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَبْسٌ مُنْفَرِدٌ لَمْ يَجُزْ لَهُمَا أَنْ يَتَنَاقَلَاهُ وَهُوَ كَالْبَيْعِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ فَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ الْمُبَايَعَةُ، وَالْمُنَاقَلَةُ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَتْ أَرْضًا مُحْبَسَةً لِدَفْنِ الْمَوْتَى فَضَاقَتْ بِأَهْلِهَا فَأَرَادُوا أَنْ يُوَسِّعُوا وَيَدْفِنُوا وَبِجَانِبِهَا مَسْجِدٌ فَأَرَادُوا أَنْ يَدْفِنُوا فِيهِ مَيِّتًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ حَبْسٌ كُلُّهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي مَقْبَرَةٍ عَفَتْ: فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبْنَى فِيهَا مَسْجِدٌ وَكُلُّ مَا كَانَ لِلَّهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَعَانَ بِبَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْحَبْسَانِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِصَرْفِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَنْ نَقَلَ الْمَقْبَرَةَ إلَى الْمَسْجِدِ وَيُدْفَنُ الْمَيِّتُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ فَأَمَّا مَا كَانَ لِلْمَخْلُوقِينَ مِنْ الْحُقُوقِ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُلُ مَنْفَعَةَ أَحَدِ الْحَبْسَيْنِ مِنْ مَالِكٍ إلَى مَالِكٍ غَيْرِهِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يُنْقَلُ مِنْ مَالِكٍ إلَى مَالِكٍ، وَإِنَّمَا يُنْقَلُ مِنْ وَجْهِ مَنْفَعَةٍ إلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ كُلُّهُ لِلَّهِ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا كَانَتْ الدُّورُ الْمُحْبَسَةُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ وَاحْتَاجَ الْمَسْجِدُ إلَى سَعَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ دُورَ الْحَبْسِ لِيُوَسِّعَ بِهَا الْمَسْجِدَ وَالطَّرِيقَ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ عَامٌّ أَعَمُّ مِنْ نَفْعِ الدَّارِ الْمُحْبَسَةِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَذَلِكَ عِنْدِي فِي مِثْلِ جَوَامِعِ الْأَمْصَارِ دُونَ مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمَنْ مَعَهُ
أَنَّ الْأَحْبَاسَ إنَّمَا تُغَيَّرُ إلَى الْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ دُونَ الْخَاصَّةِ
، وَذَلِكَ فِي مِثْلِ الْجَوَامِعِ، وَأَمَّا مَسَاجِدُ الْقَبَائِلِ فَإِنَّهَا خَاصَّةٌ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ مِنْهَا كَثِيرٌ فَمَتَى ضَاقَ مَسْجِدٌ بُنِيَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ مَسْجِدٌ يَتَّسِعُ فِيهِ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي الْجَوَامِعِ، وَأَمَّا عَلَى تَجْوِيزِ مَالِكٍ ذَلِكَ فِي الطُّرُقِ فَيَصِحُّ ذَلِكَ فِي مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ وَغَيْرِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَعَقْدُ الْحَبْسِ لَازِمٌ مُؤَبَّدٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْأَحْبَاسِ خِلَافًا لِابْنِ حَنْبَلٍ فِي تَجْوِيزِ ذَلِكَ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ رَبِيعَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ فَإِنَّهُ قَالَ وَبَقَاءُ أَحْبَاسِ السَّلَفِ دَائِرَةٌ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَنْقُلُ الْحَبْسَ عَنْ مُقْتَضَاهُ إذَا لَمْ تَخْرَبْ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُلُهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ، وَإِنْ خَرِبَ كَالْغَصْبِ
стр. 1753
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ كَانَ لَهُ حَائِطٌ وَفِيهِ نَخْلٌ قَدْ حُبِسَتْ بِمَائِهَا فَغَلَبَتْ عَلَيْهَا الرِّمَالُ حَتَّى أَبْطَلَتْ وَفِي مَائِهَا فَضْلٌ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا لَا يُبَاعُ فَضْلُ ذَلِكَ الْمَاءِ وَلْيَدَعْهُ بِحَالِهِ وَإِنْ غَلَبَتْ عَلَيْهَا الرِّمَالُ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا تُبَاعُ الدَّارُ الْمُحْبَسَةُ، وَإِنْ خَرَجَتْ وَصَارَتْ عَرْصَةً.
وَقَدْ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَا خَرِبَ مِنْ الْحَبْسِ وَانْتَقَلَ إلَى أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ وَبَطَلَ الْمَوْضِعُ وَأَرَادَ أَهْلُهُ بَيْعَهُ وَالِانْتِفَاعَ بِثَمَنِهِ بِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الرِّبَاعِ بِمَالٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَلَا يُنَاقِلُ الْوَقْفَ، وَإِنْ خَرِبَ مَا حَوَالَيْهِ، وَقَدْ تَعُودُ الْعِمَارَةُ بَعْدَ الْخَرَابِ.
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ لَا يُبَاعُ بَعْضُ الْوَقْفِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَرَى بَيْعَهُ وَلَسْت أَقُولُ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِي الرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ الثَّابِتَةِ الَّتِي لَا تُنْقَلُ وَلَا تُحَوَّلُ فَأَمَّا مَا يُنْقَلُ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي الْفَرَسِ الْمُحْبَسِ يَضْعُفُ فَلَا يَبْقَى فِيهِ قُوَّةٌ لِلْغَزْوِ لَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ فِي آخَرَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ شُورِكَ بِهِ وَالثِّيَابُ تُبَاعُ إنْ لَمْ يَبْقَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهَا مَا يُنْتَفَعُ بِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ غَيْرُ هَذَا لَبَطَلَتْ الْأَحْبَاسُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا فَسَادٌ بَيِّنٌ مِنْ صَلَاحِهِ وَلَا تُرْجَى عَوْدَتُهُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ الرِّبَاعُ فَإِنَّهَا تَعْمُرُ بَعْدَ الْخَرَابِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ هَذَا حَبْسٌ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ كَالرِّبَاعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا حَبَسَ الرَّجُلُ جُزْءًا مُشَاعًا مِنْ دَارٍ، أَوْ حَائِطٍ وَطَلَبَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ الْقِسْمَةَ، أَوْ الْبَيْعَ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَ يَنْقَسِمُ بِقَاسِمٍ فَمَا وَقَعَ لِلْحَبْسِ كَانَ حَبْسًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحْبِسَ إذَا حَبَسَ جُزْءًا مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ قَدْ كَانَ حَقُّ شَرِيكِهِ إنْ أَرَادَ الْبَيْعَ أَنْ يَبِيعَ مَعَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْطِلَهُ هَذَا الْحَقَّ عَلَيْهِ لِتَحْبِيسِهِ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا بِيعَ الْحَبْسُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، أَوْ لِأَنَّ السُّلْطَانَ اشْتَرَى ذَلِكَ فَأَدْخَلَهُ فِي مَوْضِعٍ، أَوْ مَسْجِدٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ يُشْتَرَى بِهِ دُورٌ مَكَانَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ عَلَيْهِمْ،.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَقْضِي، وَلَوْ اسْتَحَقَّ الْحَبْسَ فَأَخَذَ ثَمَنَهُ فَلْيَصْنَعْ بِهِ الْمُحْبِسَ مَا شَاءَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَعْنَى أَوْجَبَ إخْرَاجُ مَا حُبِسَ عَنْ الْمُحْبِسِ وَالرُّجُوعُ بِثَمَنِهِ فَلَمْ يُوجِبْ شِرَاءُ مِثْلِهِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ كَالِاسْتِحْقَاقِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْمُحْبِسَ إذَا حَبَسَ مَا يَمْلِكُ فَقَدْ تَعَلَّقَ حَقُّ الْمُحْبِسِ بِتِلْكَ الْعَيْنِ عَلَى اللُّزُومِ فَإِذَا وَجَبَ إخْرَاجٌ عَنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ مِنْ الْحَبْسِ وَالْحَبْسُ جُمْلَةٌ لَزِمَ أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهُ فِي بَدَلِهِ؛ لِأَنَّ التَّحْبِيسَ حَقٌّ لَازِمٌ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ فَإِنَّ الِاسْتِحْقَاقَ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْحَبْسَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِتِلْكَ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُحْبِسَ حَبَسَ مَا لَا يَمْلِكُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْحَبْسُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْعُمْرَى فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُعْمِرِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ مَرْجِعَ الدَّارِ الْمُعْمَرَةِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ حَبَسَ دَارِهِ عَلَى وَلَدِهِ وَابْنِ أَخِيهِ حَيَاتَهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَحْبِسِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ ابْنِ أَخِيهِ مَرْجِعَهَا؛ لِأَنَّهَا عُمْرَى.
[الْبَابُ الثَّامِنُ فِيمَنْ تَعُودُ إلَيْهِ مَنَافِعُ الْعُمْرَى وَالْحَبْسِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْمَرِ وَالْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ]
(الْبَابُ الثَّامِنُ فِيمَنْ تَعُودُ إلَيْهِ مَنَافِعُ الْعُمْرَى وَالْحَبْسِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْمَرِ وَالْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ) فَأَمَّا الْعُمْرَى وَالْحَبْسُ مِمَّا حُكْمُهُ حُكْمُ الْعُمْرَى فَإِنَّهَا تَعُودُ إلَى صَاحِبِهَا الْأَصْلِيِّ إنْ كَانَ حَيًّا فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَإِلَى وَرَثَتِهِ يَوْمَ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ مِلْكِهِ إخْرَاجًا مُؤَبَّدًا، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ إخْرَاجًا مُؤَقَّتًا كَالْإِجَارَةِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ فِيمَنْ أَعْمَرَ دَارًا، أَوْ خَادِمًا لِفُلَانٍ وَعَقِبِهِ مَا عَاشُوا وَلَمْ يَقُلْ مَرْجِعُهَا إلَيْهِ وَلَا إلَى وَجْهٍ ذَكَرَهُ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ اشْتَرَطَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنَافِعَهُ لَمْ يُمَلِّكْهَا مُؤَبَّدًا، وَإِنَّمَا أَخْرَجَ مِنْهَا شَيْئًا مُؤَقَّتًا عَلَى غَيْرِ لَفْظِ الْقُرْبَةِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّأْبِيدَ فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى مِلْكِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِنْ ذَلِكَ صَدَقَتُهُ عَلَى رَجُلٍ حَيَاتَهُ، أَوْ عَلَى قَوْمٍ حَيَاتَهُمْ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ تَرْجِعُ إلَى رَبِّهَا مِلْكًا وَإِلَى وَرَثَتِهِ مِيرَاثًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْكَنَ رَجُلًا حَيَاتَهُ، وَأَمَّا الْحَبْسُ الْمُؤَبَّدُ الَّذِي لَمْ يُجْعَلْ لَهُ مَرْجِعًا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يَرْجِعُ إلَى أَوْلَى النَّاسِ مِمَّنْ حَبَسَهُ حَبْسًا عَلَيْهِمْ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا اقْتَضَى
стр. 1754
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
التَّأْبِيدَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ فِي الصَّدَقَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ مُعَيَّنٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ فَرَجَعَ إلَى أَحَقِّ النَّاسِ بِالْحَبْسِ، وَذَلِكَ أَوَّلُ وَجْهٍ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ لِمَا يَجْتَمِعُ فِيهِ مِنْ الصِّلَةِ وَسَدِّ خَلَّةِ الْفُقَرَاءِ.
وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ بِسَهْمٍ مِنْ حَائِطٍ عَلَى مَوَالِيه وَعَلَى أَوْلَادِهِمْ فَانْقَرَضُوا فَأَحَبُّ إلَى أَنْ يَكُونَ صَدَقَةً عَلَى الْمَسَاكِينِ وَأَهْلِ الْحَاجَةِ لَا يَرْجِعُ مِيرَاثًا، وَقَدْ قَالَ مِثْلُهُ فِيمَنْ حَبَسَ غُلَامًا عَلَى رَجُلٍ وَعَقِبِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ فَهَلَكَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَتْرُكْ عَقِبًا يَسْلُكُ بِهِ فِي سُبُلِ الْخَيْرِ مَوْقُوفًا.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا: إنَّهَا تَرْجِعُ إلَى أَوْلَى النَّاسِ بِهِ يَوْمَ الْمَرْجِعِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فَلَمَّا رَجَعَ مِيرَاثًا رُوعِيَ فِيهِ وَرَثَتُهُ يَوْمَ مَاتَ، وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ حَبْسًا فَلَا وَلَا هُمْ بِهِ يَوْمَ يَرْجِعُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا يَرْجِعُ مِلْكًا إلَيْهِ، أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ مِلْكُهُ عَلَيْهِ تَامٌّ بَاقٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهُ مَنْفَعَتَهُ مُدَّةً مُؤَقَّتَةً فَإِذَا مَاتَ وَرِثَهُ عَنْهُ وَرَثَتُهُ، وَأَمَّا مَا خَرَجَ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْحَبْسِ فَقَدْ زَالَ بِمِلْكِهِ عَنْ جَمِيعِ مَنَافِعِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى وَجْهِ الْحَبْسِ إلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ يَوْمَ الْمَرْجِعِ؛ لِأَنَّهَا مَنَافِعُ لَا تُوَرَّثُ عَنْهُ وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْحَبْسِ فَلْيَأْخُذْهَا مَنْ يَسْتَحِقُّهَا بَعْدَ انْقِرَاضِ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ الْمُسَمَّيْنَ فِي الْحَبْسِ كَمَا لَوْ جَعَلَ لَهَا مَرْجِعًا بَعْدَ الْحَبْسِ لَمْ يَسْتَحِقَّهَا مِنْ أَهْلِ الْمَرْجِعِ إلَّا مَنْ كَانَ بَاقِيًا يَوْمَ الْمَرْجِعِ دُونَ مَنْ انْقَرَضَ، أَوْ مَنْ يَأْتِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَمِنْ الْقَرَابَةِ الَّذِينَ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ الْحَبْسُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا انْقَرَضَ مَنْ حَبَسَ عَلَيْهِمْ رَجَعَ إلَى عَصَبَةِ الْمُحْبِسِ فِي السُّكْنَى وَالْغَلَّةِ، وَقَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَرْجِعُ إلَى أَوْلَى النَّاسِ بِهِ مِنْ وَلَدٍ وَعَصَبَةٍ وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْعَصَبَةِ مِنْ الرِّجَالِ فَهَلْ لِلنِّسَاءِ مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يَرْجِعُ إلَى أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُحْبِسِ حَبْسًا عَلَيْهِمْ رِجَالًا كَانُوا أَوْ نِسَاءً وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَرْجِعُ إلَى عَصَبَةِ الْمُحْبِسِ قِيلَ لَهُ: إنَّهُ ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ لَيْسَ النِّسَاءُ عَصَبَةً إنَّمَا يَرْجِعُ إلَى الرِّجَالِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ هِيَ كَالْعَصَبَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ رَجُلًا لَكَانَتْ عَصَبَةً وَأَرَى ذَلِكَ كُلَّهُ لَهَا، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَبْسَ إنَّمَا يُصْرَفُ إلَيْهِمْ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ وَسَدِّ خَلَّةِ الْقَرَابَةِ، وَالْبِنْتُ مِنْ أَحَقِّ النَّاسِ بِذَلِكَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَصَبَةٍ عَلَى الِانْفِرَادِ فَلَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِالْقَرَابَةِ كَالْخَالَةِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا أَنَّ لِلنِّسَاءِ فِي ذَلِكَ مَدْخَلًا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ كُلُّ امْرَأَةٍ لَوْ كَانَتْ رَجُلًا كَانَ عَصَبَةً لِلْمُحْبِسِ فَهِيَ مِمَّنْ يَرْجِعُ إلَيْهِ الْحَبْسُ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ بَنُو الْأَخَوَاتِ وَلَا بَنُو الْبَنَاتِ وَلَا زَوْجٌ وَلَا زَوْجَةٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّمَا يَدْخُلُ مِنْ النِّسَاءِ مِثْلُ الْعَمَّاتِ وَالْجَدَّاتِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ، أَوْ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَبَنَاتِ الْأَخِ وَلَا يَدْخُلُ الْأَخَوَاتُ لِلْأُمِّ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى وَتَدْخُلُ الْأُمُّ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا تَدْخُلُ الْأُمُّ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَنْ يَرِثُهُ وَهُوَ مَنْ حَرُمَ نَسَبُهُ كَالْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الْأَبْنَاءِ وَالْأَخَوَاتِ، وَأَمَّا الْأُمُّ فَلَا تَدْخُلُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْ حَرَّمَ نَفْسَهُ، وَأَمَّا الْعَمَّاتُ وَبَنَاتُ الْعَمِّ وَبَنَاتُ الْأَخِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُنَّ فِيهِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْحَبْسَ إنَّمَا يَرْجِعُ مِنْ النِّسَاءِ إلَى مَنْ يَرِثُهُ دُونَ مَنْ لَا يَرِثُهُ مِنْ عَمَّةٍ وَخَالَةٍ وَنَحْوِهِمَا.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ مَكَانَهُنَّ مَكَانُ التَّعْصِيبِ وَلِلنِّسَاءِ مَدْخَلٌ فِي مَرْجِعِ الْحَبْسِ فَلَمَّا كَانَ الرِّجَالُ يَدْخُلُونَ فِيهِ بِالتَّعْصِيبِ وَكَانَ لِلنِّسَاءِ فِيهِ مَدْخَلٌ وَلَا تَعْصِيبَ لَهُنَّ اُعْتُبِرَ فِيهِ قُعْدُدُ التَّعْصِيبِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ مَنْ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْمِيرَاثِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي مَرْجِعِ الْحَبْسِ كَالْأَجَانِبِ، وَأَمَّا الْأُمُّ فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ أَدْخَلَهَا فِي مَرْجِعِ الْحَبْسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَهَا مَوْضِعُ الْأَبِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَشْهَبُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا بِخِلَافِ بَنَاتِ الْأَخِ وَالْعَمَّاتِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَسَوَاءٌ كَانَ أَهْلُ الْمَرْجِعِ ذُكُورًا، أَوْ إنَاثًا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فَإِنْ كَانَ أَخًا وَأُخْتًا فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوَاءِ كَأَنْ كَانَ قَدْ شَرَطَ
стр. 1755
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ سَمِعَ مَكْحُولًا الدِّمَشْقِيَّ يَسْأَلُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ الْعُمْرَى وَمَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: مَا أَدْرَكْت النَّاسَ إلَّا وَهُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَفِيمَا أَعْطَوْا قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْعُمْرَى تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا إذَا لَمْ يَقُلْ هِيَ لَك وَلِعَقِبِك) .
ــ
[المنتقى]
فِي حَبْسِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَيْهِنَّ بِمَعْنَى التَّشْرِيكِ فِي الْحَبْسِ لَا عَلَى مَعْنَى التَّوَارُثِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْمَرْجِعِ بَنَاتٍ وَعَصَبَةً فَهُوَ بَيْنُهُمْ إنْ كَانَ فِيهِ سِعَةٌ وَإِلَّا فَالْبَنَاتُ أَوْلَى مِنْ الْعَصَبَةِ وَيَدْخُلُ مَعَ الْبَنَاتِ الْأُمُّ وَالْجَدَّةُ لِلْأَبِ دُونَ الزَّوْجَةِ، وَالْجَدَّةُ لِلْأُمِّ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: وَإِنْ رَجَعَتْ إلَى إخْوَةٍ دَخَلَ مَعَهُمْ الْأَخَوَاتُ، وَإِنْ رَجَعَتْ إلَى أَعْمَامٍ دَخَلَ مَعَهُمْ الْعَمَّاتُ، وَإِنْ رَجَعَتْ إلَى بَنِي أَخٍ دَخَلَ مَعَهُمْ بَنَاتُ الْأَخِ، وَإِنْ رَجَعَتْ إلَى بَنِي عَمٍّ دَخَلَ بَنَاتُ الْعَمِّ، وَإِنْ رَجَعَتْ إلَى وَلَدِ الْمَوْلَى الْمُنْعِمِ دَخَلَ مَعَهُمْ بَنَاتُ الْمَوْلَى الْمُنْعِمِ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَصَبَةِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ فَإِنْ كَانُوا مَوَالِيَهُ فَهُمْ عَصَبَةٌ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَصَبَةٌ أَقْرَبُ مِنْهُمْ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَدْخُلُ النِّسَاءُ مَعَ الْعَصَبَةِ فِي السُّكْنَى وَالْغَلَّةِ.
(ش) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَكْحُولٌ إنَّمَا سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ الْعُمْرَى لِمَا بَلَغَهُ فِيهَا مِنْ اخْتِلَافِ النَّاسِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهَا لَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِ حُكْمُهَا، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ فِيهَا قَوْلٌ لِمَنْ يُعْتَبَرُ بِقَوْلِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ مَا عِنْدَ الْقَاسِمِ مِنْ ذَلِكَ لِيَأْخُذَ بِهِ، أَوْ لِيَنْظُرَ فِيهِ وَقَوْلُهُ عَنْ الْعُمْرَى وَمَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَسْأَلَهُ الْعُمْرَى وَيُعْلِمَهُ بِقَوْلِ النَّاسِ فِيهَا، وَسَأَلَهُ عَمَّا يَخْتَارُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الْعُمْرَى وَعَمَّا عِنْدَهُ مِنْ قَوْلِ النَّاسِ الَّذِينَ لَقِيَهُمْ الْقَاسِمُ، أَوْ بَلَغَهُ قَوْلُهُمْ فِيهَا، وَلِذَلِكَ أَجَابَهُ الْقَاسِمُ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ أَقْوَالِ النَّاسِ فَقَالَ مَا أَدْرَكْت النَّاسَ إلَّا وَهُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَجَابَهُ عَلَى حَسْبِ سُؤَالِهِ، وَلَوْ كَانَ سَأَلَهُ عَنْ الْحُكْمِ خَاصَّةً لَأَجَابَهُ بِمَا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ مَا أَدْرَكْت النَّاسَ إلَّا وَهُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُعْمِرَ لَمَّا شَرَطَ اسْتِيفَاءَ الرُّقْبَةِ وَإِفْرَادَ الْمَنَافِعِ بِالْهِبَةِ مُدَّةً مُقَدَّرَةً بِعُمْرِ الْمُعْطِي، أَوْ بِعُمْرِهِ وَعُمْرِ عَقِبِهِ كَانَ شَرْطُهُ تَامًّا وَكَانَتْ عَطِيَّتُهُ عَلَى مَا شَرَطَ لَا تَتَجَاوَزُ ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ: إنَّ الْأَمْرَ عِنْدَنَا عَلَى ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ الْحُكْمَ جَازَ عِنْدَهُمْ يُرِيدُ عُلَمَاءَ الْمَدِينَةِ بِأَنَّ الْعُمْرَى تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا يُرِيدُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ مَنَافِعِهَا الْمَوْهُوبَةِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِالْمَنَافِعِ خَاصَّةً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ لَفْظِ الْعُمْرَى الَّذِي يَقْتَضِي التَّوْقِيتَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إذَا لَمْ يَقُلْ هِيَ لَك وَلِعَقِبِك فَإِذَا قَالَ هِيَ لَك وَلِعَقِبِك فَإِنَّ جَوَابَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَتَفْسِيرَ مَالِكٍ غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لِهَذَا اللَّفْظِ فَيَجِبُ أَنْ يَنْظُرَ فِي حُكْمِهِ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ قَالَ: دَارِي هَذِهِ لِفُلَانٍ وَلِعَقِبِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَهْلِكَهَا وَلَا يَقْطَعَ مَنْفَعَتَهَا عَنْ عَقِبِهِ وَلَهُ غَلَّتُهَا وَمَنَافِعُهَا دُونَ ضَمَانٍ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ؛ لِأَنَّهَا دَارٌ، وَلَوْ كَانَتْ مَالًا، أَوْ شَيْئًا يُغَابُ عَلَيْهِ لَضَمِنَ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ دَارِي هَذِهِ لِفُلَانٍ وَلِعَقِبِهِ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ إضَافَتِهِ إلَيْهِ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ وَقَوْلُهُ لِفُلَانٍ، أَوْ لِفُلَانٍ وَعَقِبِهِ يَقْتَضِي أَيْضًا تَمْلِيكَ الرُّقْبَةِ لِتَضَمُّنِهِ التَّأْبِيدَ، وَلَوْ اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنَافِعِ مِنْ قَوْلِهِ عُمْرَى، أَوْ سُكْنَى يُحْمَلُ عَلَى الْمَنَافِعِ، أَوْ وَقْتِ ذَلِكَ بِزَمَنٍ فَقَالَ هِيَ لِفُلَانٍ حَيَاتَهُ وَلِعَقِبِهِ مَا كَانَ مِنْهُ حَتَّى يُحْمَلَ عَلَى الْمَنَافِعِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الرُّقْبَةِ لَا يَتَوَقَّتُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا التَّعْقِيبُ فَلَا يَمْنَعُ تَمْلِيكَ الرُّقْبَةِ بِمُجَرَّدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ فِي الْمَنَافِعِ بَيْنَ أَهْلِ الْعَطِيَّةِ لِيَصِلَ مِلْكُ الرُّقْبَةِ إلَى آخِرِهِمْ، وَلَوْ مَلَكَ أَوَّلُهُمْ الرُّقْبَةَ لَجَازَ أَنْ يُفَوِّتَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَائِدَةُ مِلْكِهِ لَهَا فَلَا تَصِلُ إلَى آخِرِهِمْ وَلَكِنَّهَا كُلَّمَا صَارَتْ بِيَدِ إنْسَانٍ بَقِيَتْ عِنْدَهُ مُرَاعَاةً فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا بَعْدَهُ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي مَلَكَ الرُّقْبَةَ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا بَعْدَهُ بِأَنْ تَكُونَ امْرَأَةً فَلَا
стр. 1756
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَرِثَ مِنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ دَارَهَا قَالَ: وَكَانَتْ حَفْصَةُ قَدْ أَسْكَنَتْ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ مَا عَاشَتْ فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ بِنْتُ زَيْدٍ قَبَضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْمَسْكَنَ وَرَأَى أَنَّهُ لَهُ) .
الْقَضَاءُ فِي اللُّقَطَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِث عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرَفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَك بِهَا قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هِيَ لَك، أَوْ لِأَخِيك، أَوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ فَقَالَ: مَا لَك وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» )
ــ
[المنتقى]
يَكُونُ وَلَدُهَا مِنْ الْعَقِبِ، أَوْ يَكُونُ مِنْ الرِّجَالِ قَدْ بَلَغَ إلَى حَدِّ سِنِّ الْيَأْسِ مِنْ أَنْ يُولَدَ لَهُ كَالْمَجْبُوبِ وَنَحْوِهِ فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَصَدَ بِالتَّمْلِيكِ فَيَكُونُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ.
(ش) : قَوْلُهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَرِثَ مِنْ حَفْصَةَ دَارَهَا يُرِيدُ أَنَّهُ وَرِثَهَا وَانْتَقَلَتْ إلَيْهِ عَنْهَا بِالْمِيرَاثِ وَكَانَتْ حَفْصَةُ قَدْ أَسْكَنَتْ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ تِلْكَ الدَّارَ مَا عَاشَتْ، وَهَذَا مَعْنَى الْعُمْرَى فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ بِنْتُ زَيْدٍ قَبَضَ عَبْدُ اللَّهِ الدَّارَ يُرِيدُ بِمَعْنَى الْمِيرَاثِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ كَانَ وَارِثُ حَفْصَةَ يَوْمَ تُوُفِّيَتْ فَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّهُ قَدْ انْقَطَعَ بِذَلِكَ حُكْمُ الْعُمْرَى فَإِنَّ مَا تَقَدَّمَ فِيهَا مِنْ الْعُمْرَى لَمْ يُخْرِجْهَا عَنْ مِلْكِ مَوْرُوثَتِهِ وَلَا مَنَعَهُ مِنْ تَمَلُّكِهِ بِالْمِيرَاثِ عَنْ حَفْصَةَ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ وَقَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَإِنْ سَلَّمَهُ مَنْ يُخَالِفُ ذَلِكَ قِسْنَا عَلَيْهِ مَا كَانَ عُمْرَى لِلْمُعْطَى وَلِعَقِبِهِ وَحَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْعُمْرَى فِيهِ وَفِي عَقِبِهِ سَوَاءٌ فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ بِالْعُمْرَى لِمُعَيَّنِ فَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ بِالْعُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمُوا فَهُوَ تَفْسِيرُ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُبَيِّنٌ لِمَعْنَاهُ وَمُقَرِّرٌ لِحُجَّةِ مَالِكٍ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[الْقَضَاءُ فِي اللُّقَطَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَهُ عَنْ جَوَازِ أَخْذِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَهُ عَنْ حُكْمِهَا وَمَا يَلْزَمُ فِيهَا وَمَا يَجُوزُ لِمَنْ أَخَذَهَا، فَأَمَّا جَوَازُ أَخْذِهَا فَقَدْ رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ بِاللُّقَطَةِ فَلَا يَأْخُذُهَا وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَا أُحِبُّ أَنْ يَأْخُذَهَا مَنْ وَجَدَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا قَدْرٌ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، أَوْ لِذِي رَحِمِهِ وَأَمَّا الشَّيْءُ الَّذِي لَهُ بَالٌ فَأَرَى لَهُ أَخْذُهُ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَمَّا الدَّنَانِيرُ وَشَيْءٌ لَهُ بَالٌ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلَيْسَ كَالدِّرْهَمِ وَمَا لَا بَالَ لَهُ لَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الدِّرْهَمَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْءَ الْكَثِيرَ الَّذِي لَهُ بَالٌ يَخَافُ عَلَيْهِ الضَّيَاعَ إنْ تَرَكَهُ فَأَخَذَهُ لَهُ عَلَى وَجْهِ التَّعْرِيفِ بِهِ وَالْحِفْظِ لَهُ إلَى أَنْ يَجِدَهُ صَاحِبُهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ.
وَأَمَّا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ فَإِنَّهُ فِي الْأَغْلَبِ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ فَإِنَّ مَنْ يَجِدُهُ لَا يُسْرِعُ إلَيْهِ وَبَقَاؤُهُ مَكَانَهُ أَقْرَبُ إلَى أَنْ يَعُودَ صَاحِبُهُ فَيَجِدُهُ، وَلَوْ أَخَذَهُ الْمُلْتَقِطُ لَتَكَلَّفَ مِنْ تَعْرِيفِهِ مَا عَلَيْهِ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَرُبَّمَا ضَيَّعَ ذَلِكَ لِقِلَّةِ اللُّقَطَةِ وَتَفَاهَتِهَا وَإِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّ مَنْ سَمِعَ خَبَرَهَا لَا يَكَادُ أَنْ يَبْلُغَهُ وَلَا يَتَحَدَّثَ بِخَبَرِهِ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ الَّتِي لَهَا بَالٌ فَإِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّ مَنْ سَمِعَ خَبَرَهَا غَفْلَةً تَحَدَّثَ بِهِ حَتَّى يَصِلَ خَبَرُهَا إلَى صَاحِبِهَا، وَأَمَّا مَنْ الْتَقَطَ مِثْلَ الْمِخْلَاةِ، أَوْ الدَّلْوِ، أَوْ الْحَبْلِ أَوْ شِبْهِ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إنْ كَانَ فِي طَرِيقٍ وُضِعَ ذَلِكَ فِي أَقْرَبِ الْأَمَاكِنِ إلَيْهِ يُعْرَفُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَدِينَةٍ فَلْيَنْتَفِعْ بِهِ وَيُعَرِّفْهُ وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ أَدَّاهُ إلَيْهِ.
وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ فِيمَنْ وَجَدَ الْعَصَا، أَوْ السَّوْطَ قَالَ لَا يَأْخُذُهُ فَإِنْ أَخَذَهُ عَرَّفَهُ فَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْهُ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وَلَوْ وُجِدَ بِقَرْيَةٍ عُرِّفَ بِهَا فَإِنْ عُرِفَتْ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهَا وَضَمِنَ قِيمَتَهَا لِرَبِّهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِطَرِيقٍ وُضِعَ ذَلِكَ فِي أَقْرَبِ الْأَمَاكِنِ إلَيْهِ يُعَرِّفُ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَوْضِعُ
стр. 1757
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الَّذِي يُمْكِنُ صَاحِبُهُ أَنْ يَطْلُبَهُ فِيهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَصِيَّتِهِ وَعَلَيْهِ يَسْلُكُ مَنْ يَسْمَعُ التَّعْرِيفَ مِمَّنْ يَمْضِي إلَى مَوْضِعِ صَاحِبِ اللُّقَطَةِ فِي الْأَغْلَبِ فَيَكُونُ أَقْرَبَ إلَى مَعْرِفَةِ صَاحِبِهِ بِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ بِمَدِينَةٍ فَلَا يُخْرِجُ اللُّقَطَةَ عَنْهَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا بِهَا يَطْلُبُهَا كَانَ مِنْهَا، أَوْ غَيْرِهَا وَأَبَاحَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا إنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يُتْلِفُهَا وَلَا يُنْقِصُهَا قَبْلَ الْحَوْلِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْحَوْلِ فَعَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ لَهَا.
وَقَدْ رَوَى سُوَيْد بْنُ غَفَلَةَ قَالَ كُنْت مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ فِي غَزْوَةٍ فَوَجَدْت سَوْطًا فَقَالَا لِي: أَلْقِهِ قُلْت: لَا وَلَكِنِّي إنْ وَجَدْت صَاحِبَهُ وَإِلَّا اسْتَمْتَعْت بِهِ فَلَمَّا رَجَعْنَا حَجَجْنَا فَمَرَرْنَا بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَتْ «أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ وَجَدْت صُرَّةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ فَأَتَيْت بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْت إلَيْهِ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، ثُمَّ عَرَّفْتهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْته فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْته الرَّابِعَةَ فَقَالَ: اعْرَفْ عِدَّتَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا» وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ سُوَيْد بْنُ غَفَلَةَ لَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَخَذَ اللُّقَطَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْخُذَهَا وَلَا يُرِيدَ الْتِقَاطَهَا، وَالثَّانِي: أَنْ يَأْخُذَهَا مُلْتَقِطًا لَهَا، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَأَنْ يَجِدَ ثَوْبًا فَيَظُنَّهُ لِقَوْمٍ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَأْخُذَهُ فَيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ فَلَا يَدَّعُونَهُ فَهَذَا الَّذِي لَهُ رَدُّهُ حَيْثُ وَجَدَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ فِي يَدِهِ وَلَا تَعَدَّى عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَعْلَمَ بِهِ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَهُ وَلَمْ يَلْتَزِمْ فِيهِ حُكْمَ اللُّقَطَةِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَأْخُذَهَا مُلْتَقِطًا لَهَا وَبِذَا قَدْ لَزِمَهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ حِفْظُهَا وَتَعْرِيفُهَا فَإِنْ رَدَّهَا بَعْدَ أَنْ أَخَذَهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَضْمَنُهَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَضْمَنُهَا إنْ رَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا بِقُرْبِ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا إشْهَادَ عَلَيْهِ فِي رَدِّهَا وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ لِرَدِّهَا فِي مَوْضِعِهَا فَإِنْ رَدَّهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ضَمِنَ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالتَّعْرِيفِ بِهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا أَدَّاهَا إلَيْهِ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ اُتْرُكْهَا فِي مَوْضِعِهَا كَمَا قَالَ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ مَالَكَ وَلَهَا وَلِأَنَّهُ لَمَّا قَبَضَهَا مُلْتَقِطًا لَهَا، وَقَدْ أَزَالَهَا عَنْ الْغَرَرِ إلَى حَالَةٍ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا فِيهَا فَإِنْ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا فَقَدْ أَعَادَهَا إلَى الْغَرَرِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا كَمَنْ أَخْرَجَ صَبِيًّا لِغَيْرِهِ مِنْ بِئْرٍ يَخَافُ عَلَيْهِ فِيهَا الْهَلَاكَ ثُمَّ رَدَّهُ فِيهَا فَهَلَكَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، أَوْ أَخْرَجَ ثَوْبًا مِنْ النَّارِ قَبْلَ أَنْ يَحْتَرِقَ ثُمَّ رَدَّهُ فِي النَّارِ فَاحْتَرَقَ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي وَالضَّمَانِ فَإِذَا أَعَادَهَا إلَى مَوْضِعِهَا فَتَلَفَّتَ فِيهِ فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَتْرُكَهَا فِيهِ أَوَّلًا فَتَلِفَتْ فِيهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَضَالَّةِ الْإِبِلِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ دَفَعَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ إلَى غَيْرِهِ يُعَرِّفُهَا فَضَاعَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ اعْمَلْ بِهَا مَا شِئْت، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ دَفَعَهَا إلَى مِثْلِهِ فِي الثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِذَا قَالَ لَهُ اصْنَعْ بِهَا مَا شِئْت، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ دَفَعَهَا إلَى مِثْلِهِ فَهُوَ قَدْ أَعْلَمُهُ بِأَصْلِهَا فَلَا يُؤَثِّرُ قَوْلُهُ لَهُ اعْمَلْ بِهَا مَا شِئْت؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلثَّانِي أَنْ يَعْمَلَ بِهَا إلَّا مَا لِلْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا جَازَ فِي اللُّقَطَةِ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْ يَدِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُودِعَ دَفَعَ إلَيْهِ الْوَدِيعَةَ صَاحِبَهَا وَلَمْ يَرْضَ إلَّا بِأَمَانَتِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ إنْ دَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا اللُّقَطَةُ فَلَمْ يَأْخُذْهَا بِاخْتِيَارِ صَاحِبِهَا فَكَانَتْ حَالُهُ وَحَالُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْأَمَانَةِ سَوَاءً؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يُعَيِّنْهُ لِحِفْظِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ ادَّعَى الْمُلْتَقِطُ ضَيَاعَ اللُّقَطَةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ: عَلَيْهِ الْيَمِينُ قَالَ أَشْهَبُ: وَإِنْ ادَّعَى صَاحِبُهَا فِيهَا أَنَّهُ الْتَقَطَهَا لِيَذْهَبَ بِهَا فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي قَوْلِهِ الْتَقَطْتهَا لِأُعَرِّفَ بِهَا فَلَا يَمِينَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ يَدَهُ يَدُ أَمَانَةٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الضَّيَاعِ وَلَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَةِ مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ التَّعْرِيفِ بِهَا، أَوْ غَيْرِهِ فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ الْيَمِينَ لَارْتَفَعَ أَهْلُ الْعَدَالَةِ وَالْخَيْرِ عَنْ حِفْظِ لُقَطَةٍ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الْيَمِينَ إذْ لَا طَرِيقَ إلَى دَفْعِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى ضَمِيرِهِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ يَمِينُ
стр. 1758
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ اعْرَفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْعِفَاصُ الْخِرْقَةُ وَالْخَرِيطَةُ وَالْوِكَاءُ الْخَيْطُ الَّذِي تُرْبَطُ بِهِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى وَعَنْ أَشْهَبَ فِي النَّوَادِرِ الْعِفَاصُ وَالرِّبَاطُ وَالْوِكَاءُ مَا فِيهِ اللُّقَطَةُ مِنْ خِرْقَةِ، أَوْ غَيْرِهَا وَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْوِكَاءَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَا يُرْبَطُ بِهِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ «اعْرِفْ عِدَّتَهَا وَوِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا» فَجَعَلَ مَكَانَ الْعِفَاصِ الْوِعَاءَ وَأَثْبَتَ الْوِكَاءَ الَّذِي يُوكَأُ بِهِ الْوِعَاءُ فَصَحَّ أَنَّهُ الْخَيْطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً مَعْنَاهُ عِنْدِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَحْفَظَ صِفَةَ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ وَيَكْتُمُ ذَلِكَ لِيَنْفَرِدَ بِحِفْظِهِ وَفِي النَّوَادِرِ لِابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ يَنْبَغِي لِلَّذِي يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ أَنْ لَا يُرِيَهَا أَحَدًا وَلَا يُسَمِّيَهَا بِعَيْنِهَا وَلَا يَقُولُ مَنْ يُعَرِّفُ دَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ، أَوْ حُلِيًّا، أَوْ عَرْضًا لَكِنْ يُعَمِّي ذَلِكَ لِئَلَّا يَأْتِيَ مُسْتَحِلٌّ فَيَصِفَهَا بِصِفَةِ الْمُعَرِّفِ فَيَأْخُذَهَا وَيُبَيِّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا» وَلَمْ يَقُلْ ثُمَّ عَرِّفْ بِذَلِكَ وَلَا أَبْرِزْهَا وَأَظْهِرْهَا، وَلَوْ جَازَ لَهُ أَنْ يَذْكُرَ صِفَتَهَا لَمَا احْتَاجَ إلَى حِفْظِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ وَلَأَغْنَى عَنْ ذَلِكَ إظْهَارُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً قَدَّرَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ مُدَّةَ التَّعْرِيفِ بِالسَّنَةِ وَفِي حَدِيثِ أُبَيٍّ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ شَكَّ فِي ثَلَاثَةٍ، أَوْ وَاحِدَةٍ فَإِنْ ثَبَتَتْ الْأَعْوَامُ الثَّلَاثَةُ فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ دُونَ شَكٍّ فَلَمْ يَأْمُرْهُ كُلَّ مَرَّةٍ إلَّا بِالتَّعْرِيفِ سَنَةً وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ؛ لِأَنَّهُ سَالِمٌ مِنْ الشَّكِّ وَحَدِيثُ أُبَيٍّ شَكَّ فِيهِ الرَّاوِي، وَالثَّانِي: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فَإِنَّ السَّائِلَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ هُوَ أَعْرَابِيٌّ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحَقِّ الْوَاجِبِ الَّذِي لَا يَسْتَبِيحُ اللُّقَطَةَ دُونَهُ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ وَمِنْ أَهْلِ الْوَرَعِ وَالزُّهْدِ فَنَدَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَى التَّوْقِيفِ عَنْهَا أَعْوَامًا، وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً لَهُ بَعْدَ أَوَّلِ عَامٍّ لَكِنَّ مِثْلَ أُبَيٍّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ لَا يُسْرِعُ إلَى أَكْلِ مَا هُوَ مُبَاحٌ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَنْهُ وَيَسْتَظْهِرُ فِيهِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْحَوْلَ قَدْ جُعِلَ فِي الشَّرِيعَةِ مُدَّةً لِلِاخْتِبَارِ كَاخْتِبَارِ الْعَيْنِ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ، وَهَذَا فِي الْأَغْلَبِ مِمَّا تَتَّصِلُ فِيهِ الْأَنْبَاءُ وَتَرِدُ فِيهِ الْأَخْبَارُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَصِفَةُ التَّعْرِيفِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ يُعَرِّفُهَا كُلَّ يَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ وَكُلَّمَا يَتَفَرَّغُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدَعَ التَّصَرُّفَ فِي حَوَائِجِهِ وَيُعَرِّفُهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَنْ تَعْلَمُ أَنَّهُ صَاحِبُهَا، أَوْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّك أَنَّهُ صَاحِبُهَا بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِإِخْبَارِهِ عَمَّا أُمِرْت بِحِفْظِهِ مِنْ صِفَاتِهَا فَتَدْفَعُهَا إلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَدْفَعُ إلَّا إلَى مَنْ يُقِيمُ بَيِّنَةً بِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ رَبِيعَةَ «عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرَفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُك بِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْ بِهَا» ، وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَهَذِهِ فَائِدَةُ حِفْظِ صِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ أَنْ يَكُونَ مَنْ أَتَى فَأَخْبَرَ عَنْهَا بِذَلِكَ أَنَّهُ صَاحِبُهَا وَدُفِعَتْ إلَيْهِ أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ حَالِهَا أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِصِفَتِهَا إلَّا صَاحِبُهَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى كُلِّ مَا مَعَهُ مِنْ مَالِهِ وَمَا يُخْرِجُ بِهِ مِنْ نَفَقَتِهِ فَلَمْ تُرَدَّ لُقَطَةٌ إلَّا عَلَى مَنْ يُقِيمُ بِهَا بَيِّنَةً لَذَهَبَ أَكْثَرُ ذَلِكَ بَلْ جَمِيعُهُ فَلَا يَكَادُ أَنْ يَقُومَ شَيْءٌ مِنْهُ بِبَيِّنَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْمُرَاعَى فِيمَا يَصِفُ مِنْ ذَلِكَ صِفَةُ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ وَالْعَدَدِ إنْ كَانَتْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَعِنْدَ أَصْبَغَ الْعِفَاصُ وَالْوِكَاءُ وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «اعْرَفْ عُدَّتَهَا
стр. 1759
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا» فَأَمَرَ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَمَنْ وَصَفَهَا اسْتَحَقَّ اللُّقَطَةَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ مَعْرِفَةُ صَاحِبِهَا صِفَةَ وِعَاءِ الدَّرَاهِمِ وَصِفَةَ الْوِكَاءِ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَعْرِفُ الْعَدَدَ إنْ كَانَتْ مَعْدُودَةً أَوْ الْوَزْنَ إنْ كَانَتْ مَوْزُونَةً وَظَاهِرُ قَوْلِ أَصْبَغَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّعَلُّقِ بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْعَدَدِ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ يَلْزَمُ مَعَ هَذَا يَمِينٌ أَمْ لَا؟ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إنَّ وَصْفَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يَأْخُذْهَا إلَّا بِيَمِينِهِ أَنَّهَا لَهُ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يُنَازِعُهُ فِيهَا وَلَا مَنْ يُنَازِعُ عَنْهُ فَلَا مَعْنَى لِهَذِهِ الْيَمِينِ وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ تَجِبُ لِغَائِبٍ لَمْ يَصِحَّ إلَّا بِأَمْرِ حَاكِمٍ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ يَدِ مُدَّعٍ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ مِنْ شَرْطِ دَفْعِهَا إلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الثَّلَاثِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَوْ أَصَابَ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الصِّفَةِ وَأَخْطَأَ الْعُشْرَ لَمْ يُعْطِهَا إلَّا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ أَنْ يَصِفَ عَدَدًا فَيُوجَدُ أَقَلُّ.
وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ عَرَّفَ مِنْهَا وَصْفَيْنِ وَلَمْ يُعَرِّفْ الثَّالِثَ دُفِعَتْ إلَيْهِ، وَقَالَ أَصْبَغُ إنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَحْدَهُ فَلْيُسْتَبْرَأْ فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ وَإِلَّا أُعْطِيهَا، وَمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ اعْرَفْ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ لَيْسَ عَلَى أَنْ يَسْتَحِقَّهَا إلَّا بِمَعْرِفَتِهَا كَمَا جَازَ فِي شَرْطِ الْخَلِيطَيْنِ أَصْنَافٌ تُجْرَى وَإِنْ انْخَرَمَ بَعْضُهَا فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَا يُعْطَاهَا بِأَقَلِّ مِنْ وَصْفَيْنِ أَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْحَدِيثِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَقَدْ رَأَيْت لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا لَا يَأْخُذُهَا إلَّا بِمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ وَقَوْلُ أَصْبَغَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يُعْطَاهَا مَنْ أَتَى بِالصِّفَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ الصِّفَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مُوَافِقًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهَا إلَيْهِ إذَا أَخْطَأَ فِي الصِّفَةِ بِأَنْ وَصَفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ صِفَتِهِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي هَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ فَقَالَ إنْ قَالَ فِي خِرْقَةٍ حَمْرَاءَ وَخَيْطٍ أَصْفَرَ فَوَجَدْت الْخِرْقَةَ حَمْرَاءَ وَالْخَيْطَ أَسْوَدَ فَقَالَ يُسْتَبْرَأُ أَيْضًا أَمْرُهَا ثُمَّ رَجَعَ ثُمَّ قَالَ هَذَا كَذَّبَ نَفْسَهُ فِي ادِّعَائِهِ الْمَعْرِفَةَ فَلَا يُصَدَّقُ، وَإِنَّمَا يُصَدَّقُ لَوْ أَصَابَ فِي بَعْضٍ وَادَّعَى الْجَهَالَةَ فِي بَعْضٍ، وَهَذَا الَّذِي قَالَ أَشْهَبُ يُدْفَعُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَمَّى بَعْضَ الصِّفَاتِ.
وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ لَوْ أَخْطَأَ فِي صِفَتِهَا لَمْ يُعْطِهَا فَإِنْ وَصَفَهَا مَرَّةً أُخْرَى فَأَصَابَهَا لَمْ يُعْطِهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا خَارِجٌ إلَى حَدِّ التَّخْمِينِ وَالْحَزْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَصَفَ صِفَةً فَأَخْطَأَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُصَادِفَ فَيَأْخُذَ مَا لَيْسَ لَهُ فَذَلِكَ يُؤْخَذُ بِأَوَّلِ قَوْلِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّهَا صِفَاتٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهَا فَجَازَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى بَعْضِهَا كَصِفَاتِ الْخُلَطَاءِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ عَرَّفَ رَجُلٌ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، أَوْ وِكَاءَهَا وَحْدَهُ وَعَرَّفَ آخَرُ عَدَدَ الدَّنَانِيرِ وَوَزْنَهَا كَانَتْ لِمَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ، أَوْ الْوِكَاءَ وَحْدَهُ قَالَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَصْبَغُ وَزَادَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ وَلَكِنِّي أَسْتَحْسِنُ أَنْ يُقْسَمَ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ اجْتَمَعَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ وَيَتَحَالَفَانِ فَإِنْ نَكَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا دُفِعَتْ إلَى الْحَالِفِ، وَهَذَا جُنُوحٌ مِنْهُ إلَى إلْحَاقِ مَعْرِفَةِ الْعَدَدِ بِمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَعْرِفَةُ سِكَّةِ الدَّنَانِيرِ، أَوْ الدَّرَاهِمِ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ إذَا وَصَفَ سِكَّةَ دَنَانِيرِ اللُّقَطَةِ طَالِبُهَا لَمْ يَسْتَحِقَّهَا بِذَلِكَ حَتَّى يَذْكُرَ عَلَامَةً فِيهَا غَيْرَ السِّكَّةِ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ مَا يَتَبَيَّنُ لِي قَوْلَ سَحْنُونٍ وَأَرَى إذَا وَصَفَ السِّكَّةَ فِي الدِّينَارِ وَذَكَرَ نَقْصَ الدَّنَانِيرِ إنْ كَانَ فِيهَا نَقْصٌ فَأَجَابَ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا، وَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ السِّكَّةَ إذَا كَانَتْ وَاحِدَةً بِالْبَلَدِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ هِيَ دَنَانِيرُ فَهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ إذَا كَانَتْ دَنَانِيرَ أَنْ تَكُونَ مِنْ سِكَّةِ الْبَلَدِ الَّذِي لَا يَجْرِي فِيهَا غَيْرُهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لَوْ كَانَتْ سِكَّةً شَاذَّةً لَيْسَتْ بِمَعْرُوفَةٍ فِيهَا، وَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ سَحْنُونٌ زِيَادَةَ عَلَامَةٍ فِي دِينَارٍ مِنْ الدَّنَانِيرِ مِمَّا لَا يَكُونُ مُعْتَادًا وَلَعَلَّهُ هَذَا الَّذِي أَرَادَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ، أَوْ يَكُونُ بِبَلَدٍ فِيهِ سِكَكٌ مُخْتَلِفَةٌ عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَطَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُعَرِّفَ
стр. 1760
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
نَقْصَ بَعْضَ الدَّنَانِيرِ وَهَذِهِ عَلَامَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ السِّكَّةِ كَاَلَّتِي شَرَطَ سَحْنُونٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَهُوَ الَّذِي يَصِفُهَا أَخَذَهَا عَلَى حَسْبِ مَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا إذَا كَانَ الَّذِي وَصَفَهَا وَاحِدًا فَإِنْ وَصَفَهَا رَجُلَانِ وَتَسَاوَيَا فِي صِفَتِهَا حَلَفَا وَتَقَاسَمَاهَا، وَمَنْ نَكَلَ مِنْهُمَا فَهِيَ لِلْآخَرِ فَإِنْ وَصَفَهَا أَحَدُهُمَا فَأَخَذَهَا ثُمَّ آتَى آخَرُ فَوَصَفَهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَدْفَعُ الدَّافِعُ إلَيْهِ شَيْئًا.
وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَزَادَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الثَّانِي وَصَفَهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ وَالْأَوَّلُ وَاصِفٌ فَصَاحِبُ الْبَيِّنَةِ أَحَقُّ بِهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ صَارَتْ لَهُ يَدٌ فَإِذَا تَسَاوَيَا كَانَ أَحَقُّ بِهَا لِلْيَدِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَإِنْ أَقَامَ الثَّانِي بَيِّنَةً بِالْمِلْكِ فَبَيِّنَةُ الْمِلْكِ أَقْوَى مِنْ الْيَدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَشَأْنُك بِهَا إبَاحَةُ التَّصَرُّفِ فِيهَا لِمَا رَآهُ مِنْ إنْفَاقٍ، أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ التَّمَادِي عَلَى الْحِفْظِ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرَفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، وَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ» ، وَرَوَى سُوَيْد بْنُ غَفَلَةَ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِتَعْرِيفِهَا حَوْلًا بَعْدَ حَوْلٍ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنْفَاقِ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِسْلَافِ لَهَا وَأَنَّهُ مَتَى أَتَى صَاحِبُهَا كَانَ لَهُ أَخْذُهَا وَرَأَى مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ أَفْضَلَ ذَلِكَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا أَدَّاهَا إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ كَانَ لَهُ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْزَهُ وَأَبْرَأُ مِنْ التَّسَرُّعِ إلَيْهَا وَتَرْكِ الِاجْتِهَادِ فِي تَعْرِيفِهَا، وَمَنْ اسْتَنْفَقَهَا بَعْدَ الِاجْتِهَادِ فِي التَّعْرِيفِ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَمَتَى أَتَى صَاحِبُهَا أَدَّاهَا إلَيْهِ قَالَ ﷺ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ فَإِنْ مَاتَ وَلَا شَيْءَ لَهُ فَهُوَ فِي سِعَةٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لَهُ فِي أَكْلِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِي الشَّيْءِ الَّذِي لَهُ مِقْدَارٌ فَأَمَّا الشَّيْءُ التَّافِهُ الَّذِي لَا قَدْرَ لَهُ وَيُعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَتَّبِعُهُ فَلَا تَعْرِيفَ فِيهِ.
وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الَّذِي يَجِدُ الْعَصَا وَالسَّوْطَ يُعَرِّفَانِهِ فَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْ بِهِ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ لَا ثَمَنَ لَهُ إلَّا بَعْضَ الدِّرْهَمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الدِّرْهَمِ وَمَا أَشْبَهَهُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ قَبْلَ السَّنَةِ وَأَصْلُ هَذَا مَا رَوَى طَلْحَةُ بْنُ مُطَرِّفٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتهَا» فَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّهُ إنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهَا مَخَافَةَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ وَلَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ وَلَمْ يَذْكُرْ تَعْرِيفَهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَهَذَا عِنْدِي حُكْمُ لُقَطَةِ كُلِّ بَلَدٍ إلَّا مَكَّةَ فَإِنَّ لُقَطَتَهَا لَا تُسْتَبَاحُ بَعْدَ التَّعْرِيفِ سَنَةً وَعَلَى صَاحِبِهَا أَنْ يُعَرِّفَ أَبَدًا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» فَخَصَّ مَكَّةَ بِهَذَا الْحُكْمِ وَحَرَّمَ سَاقِطَتَهَا عَلَى مُنْتَفِعٍ بِهَا، أَوْ مُتَصَدِّقٍ بِهَا وَجَعَلَهَا لِمَنْ يُنْشِدُهَا خَاصَّةً وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَكَّةَ يَرِدُهَا النَّاسُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ بَعِيدٍ فَهُوَ فِي تَعْرِيفِهَا أَبَدًا يَرْجُو أَنْ يَصِلَ الْخَبَرُ إلَى الْبِلَادِ النَّائِيَةِ وَيَتَمَكَّنُ لِمَنْ وَصَلَ إلَيْهِ الْخَبَرُ أَنْ يَرُدَّ الْخَبَرَ لِطَلَبِهَا، أَوْ يَسْتَنِيبَ فِي ذَلِكَ فَأَمَّا فِي سَائِرِ الْبِلَادِ فَإِنَّهُ إذَا طَالَ أَمَدُهَا وَلَمْ يَأْتِ مَنْ يَتَعَرَّفُهَا فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ صَاحِبَهَا قَدْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ بِمَوْتٍ، أَوْ بُعْدٍ لَا يُرْجَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ ﷺ «هِيَ لَك، أَوْ لِأَخِيك، أَوْ لِلذِّئْبِ» قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: إنَّ ذَلِكَ فِي الْقِفَارِ، أَوْ الْبَعِيدِ مِنْ الْقُرَى وَحَيْثُ إنْ تَرَكَهَا أَكَلَهَا السَّبُعُ وَهِيَ مَعْنَى قَوْلِهِ هِيَ لَك، أَوْ لِأَخِيك، أَوْ لِلذِّئْبِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يُرْجَى رُجُوعُهُ إلَيْهَا إنْ أَخَذْتهَا أَنْتَ وَإِلَّا أَخَذَهَا أَخُوك مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَكَلَهَا السَّبُعُ وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إبَاحَةُ أَخْذِهَا وَأَكْلِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
стр. 1761
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ اللُّقَطَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ يَبْقَى فِي يَدِ مَنْ يَحْفَظُهُ وَيَخَافُ عَلَيْهِ الضَّيَاعَ مَعَ التَّرْكِ كَالثِّيَابِ وَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْعُرُوضِ، وَضَرْبٌ لَا يَبْقَى فِي يَدِ مَنْ يَحْفَظُهُ وَيَخَافُ عَلَيْهِ الضَّيَاعَ مَعَ التَّرْكِ كَالشَّاةِ فِي الْفَلَاةِ فَإِنْ كَانَتْ فِي خَرِبَةٍ، أَوْ مَوْضِعٍ يَجِدُ مَنْ يَحْفَظُهَا فِي غَنَمِهِ فَإِنَّ لَهَا حُكْمَ اللُّقَطَةِ الَّتِي تَبْقَى يُعَرِّفُهَا سَنَةً وَضَرْبٌ ثَالِثٌ لَا يَخَافُ عَلَيْهَا الضَّيَاعَ كَالْإِبِلِ فَهَذَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ وَجَدَ شَاةً بِفَلَاةٍ فَنَقَلَهَا إلَى عُمْرَانٍ فَإِنْ كَانَ نَقَلَهَا حَيَّةً كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ اللُّقَطَةِ يَلْزَمُهُ التَّعْرِيفُ، وَإِنْ ذَبَحَهَا وَنَقَلَهَا فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَهُ أَكْلُهَا غَنِيًّا كَانَ عَنْهَا، أَوْ فَقِيرًا وَيَصِيرُ لَحْمُهَا وَجِلْدُهَا مَالًا مِنْ مَالِهِ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَجِدَ فِي يَدِهِ ذَلِكَ فَيَكُونَ أَحَقَّ بِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ حَازَهَا بِالذَّبْحِ كَمَا لَوْ طَبَخَهَا وَصَيَّرَهَا طَعَامًا قَبْلَ أَنْ يَنْقُلَهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِمَّا لَا يَبْقَى بِيَدِ مَنْ يَحْفَظُهُ الطَّعَامُ الَّذِي لَا يَبْقَى مِنْ الْفَوَاكِهِ وَالْأُدُمِ فَهَذَا إنْ كَانَ فِي فَلَاةٍ، أَوْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عِمَارَةً فَحُكْمُهُ حُكْمُ الشَّاةِ تُوجَدُ بِالْفَلَاةِ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ، وَإِنْ كَانَتْ تَبْقَى فَلَا يُمْكِنُ مَنْ وَجَدَهَا أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهَا وَلَا أَنْ يَحْمِلَهَا وَهَذَا الطَّعَامُ، وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا يُمْكِنُ مَنْ حَمَلَهَا فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى بِيَدِ مَنْ حَمَلَهُ، وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ وَأَكْلُهُ أَفْضَلُ مِنْ طَرْحِهِ فَيَضِيعُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي الْحَضَرِ وَحَيْثُ النَّاسُ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَكْلِهِ فَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَإِنْ أَكَلَهُ ضَمِنَهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ أَمَّا فِي غَيْرِ الْفَيَافِي فَيَبِيعُهُ وَيُعَرِّفُ بِهِ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ دَفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهُ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَرَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى فِيمَنْ وَجَدَ مَا لَا يَبْقَى مِنْ الطَّعَامِ فِي فَلَاةٍ، أَوْ حَاضِرَةٍ فَعَرَّفَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِفَلَاةٍ فَلَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ إلَّا أَكْلُهُ، وَذَلِكَ خَيْرٌ مِنْ تَضْيِيعِ نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا إنْ كَانَ بِغَيْرِ فَلَاةٍ فَإِنَّهُ عَلَى قَوْلِ مُطَرِّفٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مِمَّا لَا يَلْزَمُ الْمُلْتَقِطَ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْحِفْظُ مَا أَمْكَنَهُ وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ يَبِيعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ حِفْظُ عَيْنِ اللُّقَطَةِ عَادَ إلَى حِفْظِ ثَمَنِهَا؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْهَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ: مَا لَك وَلَهَا؟ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْمَنْعُ مِنْ أَخْذِهَا وَضَمَانِهَا فَإِنَّ اللُّقَطَةَ إنَّمَا تُؤْخَذُ عَلَى مَعْنَى الْحِفْظِ لِصَاحِبِهَا وَهِيَ مِمَّا لَا يُسْرِعُ التَّلَفُ إلَيْهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ مَعَهَا سِقَاؤُهَا قَالَ عِيسَى مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَصْبِرُ عَنْ الْمَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَكْثَرَ حَتَّى تَجِدَ سَبِيلًا إلَى الْوُرُودِ فَجَعَلَ صَبْرَهَا عَنْ الْمَاءِ بِمَعْنَى السِّقَاءِ وَحِذَاؤُهَا قَالَ عِيسَى مَعْنَاهُ أَخْفَافُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا بِهَا نَبَّهَهُ عَلَى أَنَّهَا تَمْتَنِعُ مِنْ عَوَادِي السِّبَاعِ فِي الْأَغْلَبِ وَأَنَّهَا مَعَ وِرْدِهَا الْمَاءَ وَأَكْلِهَا مِنْ الشَّجَرِ الَّذِي لَا يَعْدَمُهَا سَتَبْقَى بِامْتِنَاعِهَا إلَى أَنْ يَلْقَاهَا رَبُّهَا فَيَأْخُذَهَا وَالْتِقَاطُهَا يَمْنَعُ صَاحِبُهَا مِنْ وُجُودِهَا وَيَضْرِبُهُ فِي طَلَبِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَطْلُبُهَا فِي الْجِبَالِ وَمَوَاضِعِ الْمَاءِ وَالشَّجَرِ فَإِنْ مُنِعَتْ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ لَمْ يَجِدْهَا رَبُّهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: مَا لَك وَلَهَا؟ الْمَنْعَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ الْتَقَطَ ثَوْبًا أَوْ دَنَانِيرَ تَكَلَّفَ حِفْظَهَا مُدَّةَ سَنَةٍ مَعَ خَوْفِ الضَّيَاعِ عَلَيْهَا إنْ لَمْ يَأْخُذْهَا مَنْ وَجَدَهَا فَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا بَعْدَ تَكَلُّفِ تَعْرِيفِهَا.
وَأَمَّا مَنْ وَجَدَ ضَالَّةَ الْإِبِلِ فَتَكَلَّفَ حِفْظَهَا فَقَدْ تَكَلَّفَ مَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ فِيهِ بَلْ رُبَّمَا اسْتَضْرَبَهُ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَنَادِرَةٌ وَيَسِيرَةٌ غَيْرُ مُخَلِّصَةٍ مِنْ مَضَرَّةِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِانْتِفَاعُ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ هِيَ لَك، أَوْ لِأَخِيك، أَوْ لِلذِّئْبِ فَنَهَى عَنْ أَخْذِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ بِاتِّفَاقٍ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا أُبِيحَ لِلنَّاسِ أَخْذُهَا تُسُرِّعَ إلَى أَكْلِهَا فِي ذَلِكَ بِالْأَمْرَاضِ وَالْخَوْفِ عَلَيْهَا، وَمَنْ أَخَذَهَا احْتَاجَ إلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَهِيَ إذَا كَانَتْ فِي مَوَاضِعِهَا لَمْ يَخَفْ
стр. 1762
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرِ الْجُهَنِيِّ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ نَزَلَ مَنْزِلَ قَوْمٍ بِطَرِيقِ الشَّامِ فَوَجَدَ صُرَّةً فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا فَذَكَرهَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ عَرِّفْهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَاذْكُرْهَا لِكُلِّ مَنْ يَأْتِي مِنْ الشَّامِّ سَنَةً فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ فَشَأْنَك بِهَا) .
ــ
[المنتقى]
عَلَيْهَا التَّسَرُّعَ إلَى أَكْلِهَا وَلَا اُحْتِيجَ إلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَالْحِفْظِ لَهَا، وَهَذَا كَانَ حُكْمُ ضَوَالِّ الْإِبِلِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ لَمَّا كَانَ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵄ وَلَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِمَا لَمَّا كَثُرَ فِي الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَمْ يَصْحَبْ النَّبِيَّ ﷺ وَكَثُرَ تَعَدِّيهمْ عَلَيْهَا أَبَاحُوا أَخْذَهَا لِمَنْ الْتَقَطَهَا وَرَفَعَهَا إلَيْهِمْ وَلَمْ يَرَوْا رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمَرَ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ بِتَعْرِيفِهَا ثُمَّ أَبَاحَ لَهُ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ الْأَحْكَامُ فِي ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ وَجَدَ بَعِيرًا فَلْيَأْتِ بِهِ الْإِمَامَ يَبِيعُهُ يَجْعَلُ ثَمَنَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ قَالَ أَشْهَبُ إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَمِنَ عَلَيْهَا مَنْ يَتَعَدَّى فِيهَا فَيَتْرُكُهَا فِي مَوْضِعِهَا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا ضَيَاعُهَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ وَيُسْتَغْنَى عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَالتَّمَوُّنِ لَهَا وَقَصْدُ صَاحِبِهَا إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَتَتَبُّعِ أَثَرِهَا مِنْهُ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ طَلَبِهَا فِي الْآفَاقِ الْبَعِيدَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَنْ أَوَاهَا قَرِيبَ الدَّارِ، أَوْ بَعِيدَهَا فَإِنْ خَافَ عَلَيْهَا مُتَعَدِّيًا يُتْلِفُ عَيْنَهَا كَانَ أَخْذُهَا وَرَفْعُهَا إلَى الْإِمَامِ يَنْظُرُ فِيهَا لِصَاحِبِهَا أَفْضَلَ لَهُ وَآمَنَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ فَقَدْ سُئِلَ عَنْهَا ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تُؤْكَلُ فَمَنْ الْتَقَطَهَا عَرَّفَهَا فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا أَخَذَهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِئْ رَبُّهَا فَأَرَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي كُتُبِهِ لَا تُؤْخَذُ الْخَيْلُ وَلَا الْبِغَالُ وَلَا الْحُمُرُ فَإِنْ أَخَذَهَا عَرَّفَهَا سَنَةً ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا فَقَالَ ابْنُ كِنَانَةٍ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ الدَّابَّةَ الضَّالَّةَ وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إبَاحَةُ أَخْذِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ وَلَا تُسْرِعُ الْأَيْدِي إلَى أَكْلِهَا إذَا أُمِنَ حِفْظُهَا كَمَا يَخَافُ ذَلِكَ فِي الْإِبِلِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ وَابْنِ كِنَانَةٍ أَنَّهُ حَيَوَانٌ يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ وَيَبْقَى دُونَ مَنْ يَحْفَظُهُ فَلَا تُلْتَقَطُ كَالْإِبِلِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْبَقَرُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يَخَافُ عَلَيْهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنَمِ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ لَا يَخَافُ عَلَيْهَا السِّبَاعَ وَلَا الذِّئَابَ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْإِبِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ أَشْهَبُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ فِي ضَالَّةِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ إذَا وَجَدَهَا بِالْفَلَاةِ فَلَهُ أَكْلُهَا وَلَا يَضْمَنُهَا لِرَبِّهَا، وَإِنْ كَانَتْ بِقُرْبِ الْعُمْرَانِ ضَمِنَهَا إلَيْهِ وَعَرَّفَهَا فَجَعَلَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ بِمَنْزِلَةِ الْإِبِلِ إذَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا وَأَلْحَقَهَا مَالِكٌ بِالْغَنَمِ فِي ضَعْفِهَا عَنْ الِامْتِنَاعِ عِنْدَ انْفِرَادِهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِيهَا بَعْضُ الْمَنْفَعَةِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ إيصَالُهَا إلَى الْعُمْرَانِ أَيْسَرَ مِنْ إيصَالِ الْغَنَمِ فَفِي مِثْلِ هَذَا يُخَالِفُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْغَنَمِ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ نَزَلَ مَنْزِلَ قَوْمٍ بِطَرِيقِ الشَّامِ فَوَجَدَ صُرَّةً فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ فَتَحَهَا وَنَظَرَ إلَيْهَا وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَصِلُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا فِيهَا، وَلِذَلِكَ لَا يَضْمَنُ إذَا وَضَعَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ وَلَا إذَا رَفَعَهَا فِي مَوْضِعٍ يَخْتَارُهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ عَرِّفْهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مَا أُحِبُّ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُعَرِّفَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ، وَلَوْ مَشَى هَذَا الَّذِي وَجَدَهَا إلَى الْحِلَقِ فَأَخْبَرَهُمْ وَلَا يَرْفَعُ صَوْتُهُ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا قَوْلُهُ فَاذْكُرْهَا لِكُلِّ مَنْ يَأْتِي مِنْ الشَّامِ فَإِنَّهُ إنَّمَا وَجَدَهَا بِمَنْزِلٍ نَزَلَهُ بِطَرِيقِ الشَّامِ فَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا لَهُمْ أَوْ لِمَنْ مَرَّ بِطَرِيقِهِمْ فَإِذَا ذَكَرَ لِمَنْ يَأْتِي مِنْ الشَّامِ كَانَ أَقْرَبُ إلَى مَعْرِفَةِ
стр. 1763
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ لُقَطَةً فَجَاءَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: إنِّي وَجَدْت لُقَطَةً فَمَاذَا تَرَى فِيهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: عَرِّفْهَا قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: زِدْ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَا آمُرُك أَنْ تَأْكُلَهَا، وَلَوْ شِئْتَ لَمْ تَأْخُذْهَا) .
الْقَضَاءُ فِي اسْتِهْلَاكِ الْعَبْدِ اللُّقَطَةَ (ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَجِدُ اللُّقَطَةَ فَيَسْتَهْلِكُهَا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْأَجَلَ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ، وَذَلِكَ سَنَةٌ أَنَّهَا فِي رَقَبَتِهِ إمَّا أَنْ يُعْطِيَ سَيِّدُهُ ثَمَنَ مَا اسْتَهْلَكَ غُلَامُهُ وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِمْ غُلَامَهُ فَإِنْ أَمْسَكَهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْأَجَلُ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ يُتَّبَعُ بِهِ وَلَمْ تَكُنْ فِي رَقَبَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهَا شَيْءٌ) .
ــ
[المنتقى]
صَاحِبِهَا بِحَالِهَا، وَكَذَلِكَ مُلْتَقِطُ اللُّقَطَةِ يَجِبُ أَنْ يَتَوَخَّى بِتَعْرِيفِهَا الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَنْتَشِرُ مِنْهَا خَبَرُهَا وَيَصِلُ سَبَبُهُ إلَى صَاحِبِهَا فَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَبِجَامِعِ الْأَسْوَاقِ فَإِنْ كَانَ بِطَرِيقٍ خَصَّ بِالسُّؤَالِ أَهْلَ تِلْكَ الْجِهَاتِ، وَمَنْ يَمُرُّ عَلَيْهَا وَلَا يَتْرُكُ إعْلَامَ غَيْرِهِمْ بِهَا، وَقَوْلُهُ: فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ فَشَأْنَك بِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ لُقَطَةً فَجَاءَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: إنِّي وَجَدْت لُقَطَةً فَمَاذَا تَرَى فِيهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: عَرِّفْهَا قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: زِدْ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَا آمُرُك أَنْ تَأْكُلَهَا، وَلَوْ شِئْتَ لَمْ تَأْخُذْهَا) .
١ -
(ش) : سُؤَالُ نَافِعٍ ابْنَ عُمَرَ عَنْ اللُّقْطَةِ الَّتِي وَجَدَهَا عَلَى حَسْبِ مَا يَفْعَلُ الطَّلَبَةُ، وَمَنْ يُرِيدُ التَّخَلُّصَ مِنْ سُؤَالِ عُلَمَائِهِمْ لَا سِيَّمَا مَعَ اخْتِصَاصِهِ بِابْنِ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ عَرِّفْهَا وَلَمْ يَحُدَّ لَهُ مُدَّةَ سَنَةٍ إنْ كَانَتْ مِمَّا يُعَرَّفُ سَنَةً لِئَلَّا يَتَضَمَّنَ التَّحْدِيدُ إبَاحَةَ التَّصَرُّفِ فِيهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ لِأَهْلِ الْوَرَعِ، وَمَنْ يَخْتَصُّ بِهِ التَّصَرُّفَ فِيهَا بِالْأَكْلِ لَهَا.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى لِصَاحِبِ اللُّقَطَةِ أَنْ يَأْكُلَهَا وَلَكِنْ يَتَصَدَّقُ بِهَا أَحَبُّ إلَيَّ وَيُخْبِرُ صَاحِبَهَا إذَا جَاءَ فَإِنْ شَاءَ أَجَازَهَا، وَإِنْ شَاءَ غَرِمَهَا لَهُ، وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ أَكْلَهَا لِئَلَّا يَتَسَرَّعَ النَّاسُ إلَيْهَا وَلِئَلَّا يُظَنَّ بِهِ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: " لَا آمُرُك بِأَكْلِهَا " وَلَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَعَلَّهُ لَمْ يَعْلَمْ لَهُ مَا لَا يَقْضِي مِنْهُ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ إذَا جَاءَ وَلَمْ يُجِزْ الصَّدَقَةَ، وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا فَإِنْ فَعَلَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا، أَوْ أَكَلَهَا وَجَاءَ صَاحِبُهَا فَطَلَبَهَا فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ بِوَجْهِ حَقٍّ.
[الْقَضَاءُ فِي اسْتِهْلَاكِ الْعَبْدِ اللُّقَطَةَ]
(ش) : وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اسْتِهْلَاكَ اللُّقَطَةِ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحَقِّ صَاحِبِهَا فَإِذَا تَعَدَّى عَلَيْهَا الْعَبْدُ، أَوْ اسْتَهْلَكَ فَفِي رَقَبَتِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ سَوَاءٌ أَكَلَهَا، أَوْ أَكَلَ ثَمَنَهَا، أَوْ وَهَبَهَا، أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا أَكَلَهَا جِنَايَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ فَهِيَ فِي رَقَبَتِهِ فَإِمَّا أَنْ يَفْتَدِيَهُ بِغُرْمِ مَا اسْتَهْلَكَ وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَ مُدَبَّرًا فَقَالَ أَشْهَبُ وَالْمُغِيرَةُ إمَّا أَنْ يُسَلِّمَ السَّيِّدُ خِدْمَتَهُ يُسْتَخْدَمُ بِقَدْرِ مَا جَنَى ثُمَّ يَعُودُ إلَى سَيِّدِهِ فَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ مَا عَلَيْهِ عَتَقَ فِي ثُلُثِ سَيِّدِهِ وَأُتْبِعَ بِمَا بَقِيَ، وَأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ فَعَلَى سَيِّدِهَا الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهَا، أَوْ قِيمَةِ مَا أُتْلِفَ، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَفِي رَقَبَتِهِ إمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ قِيمَةَ مَا اسْتَهْلَكَ وَإِمَّا عَجَزَ ثُمَّ يُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بَيْنَ إسْلَامِهِ بِهَا عَبْدًا وَبَيْنَ أَنْ يَفْتَدِيَهُ وَيَبْقَى لَهُ عَبْدًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: وَإِنْ أَمْسَكَهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْأَجَلُ الَّذِي أَجَّلَ فِي اللُّقَطَةِ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي رَقَبَتِهِ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ يُرِيدُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِمْسَاكِ مُدَّةَ السَّنَةِ فِي الْعَبْدِ يُخْرِجُهَا عَنْ أَنْ تَكُونَ جِنَايَةً تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَإِنْ قَالَ لَمْ أُعَرِّفْهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: عَرَّفْتُهَا لَكَانَ مُصَدَّقًا فِي ذَلِكَ فَإِذَا أَنْكَرَ التَّعْرِيفَ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى سَيِّدِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِجِنَايَةِ خَطَأٍ، وَأَمَّا الْحُرُّ فَإِنَّهُ لَا يُبِيحُ لَهُ الِانْتِفَاعَ بِهَا بَعْدَ السَّنَةِ إلَّا تَعْرِيفُهَا فِي مُدَّةِ السَّنَةِ وَلَوْ أَقَامَتْ عِنْدَهُ أَعْوَامًا لَا يُعَرِّفُهَا لَا يَسْتَبِيحُ بِذَلِكَ إنْفَاقَهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا أَبَاحَ هَذَا بَعْدَ تَعْرِيفِ سَنَةٍ فَقَالَ عَرِّفْهَا سَنَةً قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ
стр. 1764
الْقَضَاءُ فِي الضَّوَالِّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَجَدَ بَعِيرًا بِالْحَرَّةِ فَعَقَلَهُ ثُمَّ ذَكَرَهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُعَرِّفَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ أَنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي عَنْ ضَيْعَتِي فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ) .
ــ
[المنتقى]
﵀ وَهَذِهِ السَّنَةُ عِنْدِي هِيَ مِنْ يَوْمِ ابْتَدَأَ بِالتَّعْرِيفِ وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ قَدْ تَقَرَّرَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي كُلِّ مُلْتَقَطٍ فِي مِثْلِ تِلْكَ اللُّقَطَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[الْقَضَاءُ فِي الضَّوَالِّ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ وَجَدَ بَعِيرًا بِالْحَرَّةِ فَعَقَلَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ مَنَعَهُ مِنْ الذَّهَابِ بِعِقَالٍ شَدَّهُ بِهِ عَلَى حَسْبِ مَا تُعْقَلُ الْإِبِلُ وَالدَّوَابُّ إذَا خِيفَ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَهَذَا حَسَنٌ لَهُ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَذَكَرَهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْتَفْتَاهُ فِيمَا يَلْزَمُهُ فِيهِ، وَهَذَا جَائِزٌ وَالْإِمَامُ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ إنْ كَانَتْ مَسْأَلَةَ اتِّفَاقٍ، وَإِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةَ اخْتِلَافٍ فَالْحُكْمُ جَارٍ عَلَى رَأْيِهِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَيْهِ لِيَنْظُرَ فِيهِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مَنْ وَجَدَ بَعِيرًا فَلْيَأْتِ بِهِ الْإِمَامَ فَيَبِيعُهُ وَيَجْعَلُ ثَمَنَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَتَّى يَأْتِيَ رَبُّهُ وَلَا يُوَكِّلُ بِذَلِكَ مَنْ وَجَدَهُ لِيَكُونَ الثَّمَنُ عِنْدَهُ وَلَكِنْ عِنْدَ الْإِمَامِ لِيَكُونَ أَمْكَنَ لِرَبِّهِ إذَا أَتَى، وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا رَفَعَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فَلْيُخَلِّهَا حَيْثُ وَجَدَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعَرِّفَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ مَرَّةً فَفَعَلَ ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَمَرَهُ بِتَعْرِيفِهِ ثَانِيَةً حَتَّى أَكْمَلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى حَسْبِ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَقَدْ كَانَ ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَمِمَّنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ كَرَّرَ اللَّفْظَ بِذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَنَسٌ أَنَّهُ «كَانَ إذَا تَكَلَّمَ كَرَّرَ الْقَوْلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» وَلَمْ يُؤَقِّتْ مُدَّةَ التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ اسْتِبَاحَةُ مَا تَعَرَّفَ بِوَجْهٍ لَمْ تَكُنْ مُدَّتُهُ مُؤَقَّتَةً.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي عَنْ ضَيْعَتِي يُرِيدُ أَنَّ حِفْظَهُ قَدْ شَغَلَهُ عَمَّا يَتَصَرَّفُ فِيهِ مِنْ النَّظَرِ فِي ضَيْعَتِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ أَرْسَلَ إلَيَّ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ فَسَأَلَنِي عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ ثَلَاثَةَ أَبْعِرَةٍ ضَالَّةٍ فَقَالَ: إنَّهَا قَدْ آذَتْنِي فَأَمَرَهُ أَنْ يُرْسِلَهَا حَيْثُ أَصَابَهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَقْلَهُ لِلْبَعِيرِ وَأَخْذَهُ لَهُ عَلَى وَجْهِ حِفْظِهِ لِصَاحِبِهِ لَا يَلْزَمُهُ بِهِ حَقُّ الْحِفْظِ لَهُ كَمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي اللُّقَطَةِ لِحِفْظِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَخْذَهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ وَلَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِصَاحِبِ الْبَعِيرِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ صَاحِبِ الْبَعِيرِ، وَلِذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يُرْسِلَهُ حَيْثُ وَجَدَهُ وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لَمْ يَكُنْ مُؤَقَّتًا وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ عَرِّفْهُ سَنَةً كَمَا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ حِين وَجَدَ الثَّمَانِينَ دِينَارًا عَرِّفْهَا سَنَةً لَمْ يَتَعَقَّبْهُ اسْتِبَاحَةُ اللُّقَطَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ لِثَابِتٍ فِي الْبَعِيرِ: رُدَّهُ حَيْثُ وَجَدْته، وَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ بَعْدَ تَعْرِيفِ سَنَةٍ شَأْنَك بِهَا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ بِتَخْلِيَتِهَا حَيْثُ وَجَدَهَا؛ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ أَوَّلًا فِي أَخْذِهَا؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ جَاءَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَخْذِهَا لِمَنْ أَرَادَ تَمَلُّكَهَا الْآنَ كَضَالَّةِ الْغَنَمِ وَلِمَنْ أَرَادَ التَّصَرُّفَ فِيهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ كَاللُّقَطَةِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْ ﵁ عَلَى ثَابِتٍ أَخْذَ الْبَعِيرِ الَّذِي وَجَدَهُ بِالْحِرَّةِ وَأَمَرَهُ بِتَعْرِيفِهِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِرَدِّهِ إلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي وَجَدَهُ فِيهِ فَإِنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ تَمَلُّكِهِ أَوَّلًا وَمِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ عَلَى
стр. 1765
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إلَى الْكَعْبَةِ مَنْ أَخَذَ ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إبِلًا مُؤَبَّلَةً تَتَنَاتَجُ لَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ حَتَّى إذَا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا ثُمَّ تُبَاعُ فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أُعْطِيَ ثَمَنَهَا) .
ــ
[المنتقى]
ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَتَضَمَّنَ حَدِيثُ عُمَرَ جَوَازَ رَدِّ الْإِبِلِ إلَى مَوْضِعِهَا بَعْدَ أَخْذِهَا بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْإِبِلَ الضَّالَّةَ إذَا رُدَّتْ إلَى مَكَانِهَا لَمْ يُخْفَ عَلَيْهَا ضَيَاعٌ؛ لِأَنَّهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ كَمَا قَالَ ﷺ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا، وَلُقَطَةُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إذَا رُدَّتْ إلَى مَكَانِهَا لَمْ يُشَكَّ فِي ضَيَاعِهَا فَكَانَ الْمُلْتَقِطُ الَّذِي عَرَّفَهَا سَنَةً أَوْلَى بِهَا.
(فَرْعٌ) وَهَلْ يُرْسِلُهَا بِبَيِّنَةٍ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى إرْسَالِهَا قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا عَلَى الْأَمَانَةِ وَالْإِبِلُ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا حِفْظُهَا لِصَاحِبِهَا فَكَانَ مُصَدَّقًا فِي إرْسَالِهَا مَعَ أَنَّهُ يَشُقُّ الْإِشْهَادُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَرْسَلَهَا حَيْثُ وَجَدَهَا وَأَكْثَرَ مَا تُوجَدُ فِي الْفَيَافِي وَالْقِفَارِ الْبَعِيدَةِ تَعَذَّرَ الْإِشْهَادُ عَلَى ذَلِكَ.
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ مَنْ أَخَذَ ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيْنٍ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ مَا مَعْنَاهُ مُخْطِئٌ، وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ أَخْذِهَا «مَا لَك وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» فَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْطَأَ وَضَلَّ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ خَطَأٌ لَيْسَ فِيهِ تَعَدٍّ عَلَى صَاحِبِهَا إذَا لَمْ يُبْعِدْهَا عَنْ مَوْضِعِهَا وَإِنَّمَا عَقَلَهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَعَرَّفَهَا ثُمَّ أَرْسَلَهَا حَيْثُ وَجَدَهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ ضَمَانَ الضَّالَّةِ إذَا رَدَّهَا إلَى مَكَانِهَا، وَأَمَّا إنْ تَلِفَتْ بِيَدِهِ فِي وَقْتِ حِفْظِهَا فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي أَخْذِهِ لَهَا عَلَى وَجْهِ الْحِفْظِ وَالتَّعْرِيفِ إضْرَارٌ بِصَاحِبِهَا.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ إنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا الْآخِذُ الْمُعَرَّفُ لَهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا الْآخِذُ لَهَا أَنْفَقَ بِأَمْرِ سُلْطَانٍ، أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ فِي أَخْذِهَا لِيَحْفَظَهَا لِصَاحِبِهَا وَيَرْفَعَ أَمْرَهَا إلَى الْإِمَامِ عَلَى حَسْبِ مَا فَعَلَهُ ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ، وَلَوْ كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي ذَلِكَ لَضَمِنَهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ وَلَأَنْكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى ثَابِتٍ أَخْذَهَا.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مَنْ وَجَدَ بَعِيرًا فَلْيَأْتِ بِهِ الْإِمَامَ فَأَمَرَهُ بِأَخْذِهِ وَنَقْلِهِ إلَى الْإِمَامِ، وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ مَنْ أَخَذَ ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ فِيمَنْ أَخَذَهَا مُتَمَلِّكًا لَهَا وَمُسْرِعًا إلَى أَكْلِهَا عَلَى حَسْبِ مَا يُفْعَلُ بِضَالَّةِ الْغَنَمِ، أَوْ فِيمَنْ أَخَذَهَا لِيُعَرِّفَهَا مُدَّةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا تَصَرَّفَ فِيهَا بِمَا شَاءَ مِنْ الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ فَهَذَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ ضَالٌّ وَبِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِيَدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَانِ عُمَرَ إبِلًا مُؤَبَّلَةً يَعْنِي أَنَّهَا كَانَتْ لَا يَأْخُذُهَا أَحَدٌ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْهَا الْوَاحِدَةَ مِثْلُ مَا أَخَذَ ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ، أَوْ مِمَّنْ بَلَغَهُ النَّهْيُ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى حَسْبِ مَا قَدَّمْنَاهُ فَكَانَ الْأَكْثَرُ لَا يُؤْخَذُ فَتَبْقَى مُؤَبَّلَةً تَتَنَاتَجُ لَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ فَلَمَّا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا ثُمَّ تُبَاعُ لِصَاحِبِهَا يُعْطَى ثَمَنَهَا إذَا جَاءَ، وَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَمَّا كَثُرَ فِي النَّاسِ مَنْ لَمْ يَصْحَبْ النَّبِيَّ ﷺ مَنْ كَانَ لَا يَعَفُّ عَنْ أَخْذِهَا إذَا تَكَرَّرَتْ رُؤْيَتُهُ لَهَا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا ضَالَّةٌ فَرَأَى أَنَّ الِاحْتِيَاطَ عَلَيْهَا أَنْ يَنْظُرَ فِيهَا الْإِمَامُ فَيَبِيعُهَا وَيَبْقَى التَّعْرِيفُ فِيهَا فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أُعْطِيَ ثَمَنَهَا وَحُمِلَ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَنْعِ مِنْ أَخْذِهَا عَلَى وَقْتِ إمْسَاكِ النَّاسِ عَنْ أَخْذِهَا وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَبِيعُهَا إذَا يَئِسَ مِنْ مَجِيءِ صَاحِبِهَا بِأَنْ تَطُولَ الْمُدَدُ عَلَى ذَلِكَ وَتَتَنَاتَجُ وَيُخَافُ عَلَيْهَا الْمَوْتُ فَكَانَ فِي بَيْعِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حِفْظٌ لَهَا عَلَى صَاحِبِهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَنْقُلُهَا إلَى الْأَثْمَانِ الَّتِي لَا يُخَافُ عَلَيْهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَدْ بَنَى لِلضَّوَالِّ مِرْبَدًا يَعْلِفُهَا فِيهِ
стр. 1766
صَدَقَةُ الْحَيِّ عَنْ الْمَيِّتِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ «خَرَجَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَحَضَرَتْ أُمَّهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ فَقِيلَ لَهَا: أَوْصِي فَقَالَتْ: فِيمَ أُوصِي؟ إنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ سَعْدٌ فَلَمَّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ، فَقَالَ سَعْدٌ: حَائِطُ كَذَا وَكَذَا صَدَقَةٌ عَنْهَا لِحَائِطٍ سَمَّاهُ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ــ
[المنتقى]
عَلْفًا لَا يُسَمِّنُهَا وَلَا يُهَزِّلُهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا أَخَذَهُ وَإِلَّا بَقِيَتْ عَلَى حَالِهَا لَا يَبِيعُهَا وَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَهَذَا أَيْضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا قَرُبَ عَهْدُهُ مِنْهَا وَرَجَا قُرْبَ أَوْبَةِ صَاحِبِهَا وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ ﵁ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْفِتْنَةِ حَيْثُ كَانَ لَا يَأْمَنُ عَلَيْهَا أَهْلَ الْفِتْنَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ يُكَلِّفُ مَنْ طَلَبَهَا الْبَيِّنَةَ لَمَّا كَانَ يَرَى مِنْ اسْتِحْلَالِ بَعْضِهِ مَالَ بَعْضٍ، وَلَعَلَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي كَلَّفَ هِيَ أَنْ يَصِفَهَا بِصِفَتِهَا، أَوْ كَلَّفَهُ الْبَيِّنَةَ إنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ وَقْتِهِ دُونَ تَثَبُّتٍ وَلَا اسْتِينَاءٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ كَانَ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ اعْتَرَفَهُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ
لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ
وَكَانَ هَذَا أَيْضًا مِنْ مَصَالِحِهِمْ لَا سِيَّمَا لَمَّا دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إلَى أَخْذِهَا وَعَلْفِهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ كَمَا قَالَ ﷺ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِهِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْآبِقِ يَتَوَقَّفُ بِهِ سَنَةً يُنْفِقُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ فَهُوَ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ صَاحِبُهُ بَعْدَ السَّنَةِ بَاعَهُ وَأَخَذَ مِنْ ثَمَنِهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مَا بَقِيَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَفَقَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى بِوَرِقِ الشَّجَرِ كَمَا تَفْعَلُهُ الْإِبِلُ فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ حَوْلٍ تَلِفَ ثَمَنُهُ فَلَزِمَ التَّوَقُّفُ بِهِ حَوْلًا ثُمَّ يَبِيعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الدَّابَّةِ الضَّالَّةِ وَلَا يَأْخُذَهَا وَلَا يَعْرِضَ لَهَا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهَا سَبَبٌ إلَى إخْرَاجِهَا مِنْ يَدِ صَاحِبِهَا وَرُبَّمَا جَاوَزَتْ النَّفَقَةُ ثَمَنَهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْآبِقِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ يَسْتَخْفِي عَنْ سَيِّدِهِ وَيَقْصِدُ التَّغَيُّبَ عَنْهُ بِخِلَافِ الْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ فَإِنَّهَا لَا تَقْصِدُ ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْآبِقِ: يُبَاعُ بَعْدَ السَّنَةِ وَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ ضَالَّةِ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّهُ يَأْبَقُ ثَانِيَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[صَدَقَةُ الْحَيِّ عَنْ الْمَيِّتِ]
(ش) : قَوْلُ سَعْدٍ " هَلْ يَنْفَعُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ " يَقْتَضِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَنْفَعَةَ الْأَجْرِ فِي الْآخِرَةِ مِنْ زِيَادَةِ الْحَسَنَاتِ وَتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ فَقَالَ ﷺ : نَعَمْ بِمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهَا وَهَذِهِ الصَّدَقَةُ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا نِيَّةٌ مِنْهَا فَقَدْ قَضَى ﷺ أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهَا.
وَقَدْ أَجْمَع الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ صَدَقَةَ الْحَيِّ عَلَى الْمَيِّتِ جَائِزَةٌ مَشْرُوعَةٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا، وَلَعَلَّ اتِّفَاقَهُمْ كَانَ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ انْتِفَاعُ الْمَيِّتِ بِهَذَا عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُتَصَدِّقَ عَنْهُ يَهَبُ لَهُ أَجْرَ تِلْكَ الصَّدَقَةِ بَعْدَ أَنْ وَقَعَتْ الصَّدَقَةُ عَنْ الْمُتَصَدِّقِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَوْقَعَ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمَيِّتِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْأَجْرِ مَا يَثْبُتُ لِلْإِنْسَانِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَلَا مَعْرِفَةٍ كَمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ أَجْرُ مَنْ يَغْتَابُهُ وَأَجْرُ مَنْ يَأْخُذُ مَالَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هُوَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ رَوَى مَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا تَصَدَّقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يُنْقِصُ بَعْضٌ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا» .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّ أُمِّي اُفْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ» ) .
стр. 1767
إنَّ أُمِّي اُفْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ «رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ تَصَدَّقَ عَلَى أَبَوَيْهِ بِصَدَقَةٍ فَهَلَكَا فَوَرِثَ ابْنُهُمَا الْمَالَ وَهُوَ نَخْلٌ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ قَدْ أُجِرْتَ فِي صَدَقَتِك وَخُذْهَا بِمِيرَاثِكَ» ) .
الْأَمْرُ بِالْوَصِيَّةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ» )
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ: " إنَّ أُمِّي اُفْتُلِتَتْ نَفْسُهَا " مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَاتَتْ فَجْأَةً وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ
وَكَانَتْ مُنْيَتُهُ افْتِلَاتًا
وَتَقُولُ الْعَرَبُ رَأَيْت الْهِلَالَ فَلْتَةً إذَا رَأَيْته مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَتْ بَيْعَةٌ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً وَقَى اللَّهُ شَرَّهَا يُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَقَوْلُهُ: " وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ " يُرِيدُ أَنَّهُ لَوْ عُلِمَ مِنْ نِيَّتِهَا وَحُسْنِ مُعْتَقِدِهَا وَمُسَارَعَتِهَا إلَى الْخَيْرِ وَرَغْبَتِهَا فِيهِ أَنَّهَا لَوْ أُمْهِلَتْ وَقَدَرَتْ عَلَى الْكَلَامِ مَعَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْمَوْتِ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي مَرَضِهِمْ مِنْ كَلَامِهِمْ وَوَصِيَّتِهِمْ مَعَ تَيَقُّنِ الْمَوْتِ لِشِدَّةِ الْمَرَضِ لَتَصَدَّقَتْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ عَلِمَ بِذَلِكَ مِنْ حَالِهَا بِمَا أَخَذَتْ مَعَهُ فِيهِ وَأَظْهَرَتْ إلَيْهِ الْعَزِيمَةَ عَلَيْهِ فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْهَا فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَثَبَتَ أَنَّ صَدَقَتَهُ عَنْهَا مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَ أَنَّهُ حَضَرَهَا ثُمَّ عَجَزَتْ عَنْ أَدَائِهِ وَعَنْ قَضَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى أَنْ تُوُفِّيَتْ، وَقَدْ كَانَتْ أَرَادَتْ أَنْ تُطْعِمَ عَنْ ذَلِكَ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ إنْ كَانَ يَنْفَعُهَا الْإِطْعَامُ عَنْهَا فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ زَكَاةً كَانَتْ عَلَيْهَا وَلَمْ تُوصِ بِهَا وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ عَلِمَ مِنْ أَبَوَيْهِ تَفْرِيطًا فِي الْفَرَائِضِ قَالَ مَالِكٌ يُطْعِمُ عَنْهُمَا فِي الصَّوْمِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا إنْ شَاءَ وَلِيُؤَدِّ الزَّكَاةَ عَنْهُمَا، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ قَدْ أُجِرْتَ فِي صَدَقَتِكَ وَخُذْهَا بِمِيرَاثِك يَقْتَضِي أَنَّ أَخْذَ صَدَقَتِهِ لَا يَبْطُلُ بِرُجُوعِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ إلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهَا إلَى الْمُتَصَدِّقِ بِالْمِيرَاثِ غَيْرَ مَوْقُوفٍ عَلَى اخْتِيَارِهِ بَلْ بِمَوْتِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَهِيَ فِي مِلْكِهِ تَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمُتَصَدِّقِ إذَا كَانَ يُحِيطُ بِمِيرَاثِهِ وَبِهَذَا فَارَقَتْ سِوَاهَا فَإِنَّهَا إنَّمَا تَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ بِاخْتِيَارِهِ، أَوْ اخْتِيَارِ مَنْ جُعِلَ ذَلِكَ إلَيْهِ وَعَلَى تَجْوِيزِ ذَلِكَ جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ وَشَذَّتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ فَكَرِهَتْ أَخْذَهَا بِالْمِيرَاثِ وَرَأَوْهُ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ، وَهَذَا سَهْوٌ مِنْهُمْ فَإِنَّ مِلْكَهَا بِالْمِيرَاثِ لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى اخْتِيَارِهِ فَيُقَالُ لَهُ فِيهِ يَجُوزُ، أَوْ لَا يَجُوزُ وَيُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهَا بِمَا يَلْزَمُهُ فِيهَا مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَالْكِسْوَةِ لَهَا وَالْإِسْكَانِ فِيهَا فَهِيَ بِالشَّرْعِ ثَابِتَةٌ فِي مِلْكِهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يُوجِبُوا عَلَيْهِ إخْرَاجَهَا عَنْ مِلْكِهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[الْأَمْرُ بِالْوَصِيَّةِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ» يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ حَقُّهُ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ، وَإِنَّمَا مِنْ حَقِّهِ تَقْدِيمُ وَصِيَّتِهِ وَالتَّحَرُّزُ وَالِاسْتِظْهَارُ بِتَقْدِيمِهَا وَتَحْصِينُ مَالِهِ عَلَيْهِ بِهَا فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ بِمَعْنَى تُبَرِّئُهُ عَنْهَا وَالْوَصِيَّةُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فِي وُجُوهِ مَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ دُيُونٌ، فَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا: إنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَأَمَّا مَنْ عَلَيْهِ تَبَاعَةٌ، أَوْ مَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَغَيْرِهَا مِنْ زَكَاةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بِمَا يُوصَى فِيهِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُوصَى بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُرَخَّصُ فِي تَرْكِ التَّطَوُّعِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ، فَأَمَّا الدُّيُونُ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ تَنْعَقِدَ بِهَا الْعُقُودُ
стр. 1768
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَلَيْسَتْ مِمَّا يَتَكَرَّرُ كَالدُّيُونِ الَّتِي لَهَا قَدْرُ الْأَمَانَاتِ مِنْ الْوَدَائِعِ وَالْوَصَايَا تَكُونُ بِيَدِهِ مِنْ مَالِ أَيْتَامٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا يَكُونُ مِنْ يَسِيرِ الدُّيُونِ الَّتِي تَتَكَرَّرُ وَتُؤَدَّى فِي كُلِّ يَوْمٍ وَتَزِيدُ وَتَنْقُصُ وَتَتَجَدَّدُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْتَضِي أَنْ يُجَدِّدَ وَصِيَّتَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَمَعَ السَّاعَاتِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي تَبْقَى، وَهَذَا عِنْدِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ أَنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْوُجُوبِ فَإِنَّ لَفْظَ الْحَقِّ أَظْهَرُ فِي الْوُجُوبِ وَإِنْ كَانَ يُحْتَمَلُ النَّدْبُ إذَا قَالَ: إنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ وَإِذَا أَضَافَ الْحَقَّ إلَيْهِ وَجَعَلَهُ لَهُ فَهَذَا أَظْهَرُ فِي النَّدْبِ فَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْوُجُوبِ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي تَكُونُ عَلَيْهِ مِمَّا لَا يَشُقُّ تَنْفِيذُهَا وَالْوَصِيَّةُ بِهَا، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ مَا يُؤَدَّى مِنْهُ تِلْكَ الْحُقُوقُ، وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى النَّدْبِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْوَصِيَّةَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فِي وُجُوهِ الْقُرْبِ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: " لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ " الْمَالَ الْوَاسِعَ الَّذِي يَحْتَمِلُ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ أَوْ أَقَلَّ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ الْخَيْرُ الْمَالُ قَالَ قَتَادَةُ: الْخَيْرُ أَلْفُ دِينَارٍ فَمَا فَوْقَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ نَحْوَهُ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ حِينَ قَالَ لَهُ أَرَادَ أَنْ يُوصِيَ وَلَهُ مَا بَيْنَ السَّبْعِمِائَةِ إلَى التِّسْعِمِائَةِ لَا تُوصِ فَإِنَّك لَمْ تَتْرُكْ خَيْرًا فَتُوصِي وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَلَا حَقَّ لِأَحَدٍ عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مَنْدُوبًا إلَيْهَا مَعَ الْيَسَارِ وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الصَّدَقَةَ الَّتِي يُنَفِّذُهَا فِي حَيَاتِهِ أَفْضَلُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْ تَتَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ» قُلْت لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُوسِرِ فَقَدْ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ لِعَلِيلٍ ذَكَرَ الْوَصِيَّةَ لَهُ لَا تُوصِ إنَّمَا قَالَ اللَّهُ ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وَأَنْتَ لَا تَتْرُكُ إلَّا الْيَسِيرَ دَعْ مَالَك لِبَنِيك وَكَانَ مَالُهُ مِنْ السَّبْعِمِائَةِ إلَى التِّسْعِمِائَةِ.
وَقِيلَ لِعَائِشَةَ ﵂ أَيُوصِي مَنْ تَرَكَ أَرْبَعَمِائَةٍ وَلَهُ عِدَّةٌ مِنْ الْوَلَدِ بَنُونَ؟ فَقَالَتْ: مَا فِي هَذَا فَضْلٌ عَنْ وَلَدِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ إنَّك إنْ تَذَرْ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» .
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْمُوصِي] ١
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ» الْوَصِيَّةُ تَتَضَمَّنُ مُوصِيًا وَمُوصًى لَهُ وَمُوصًى بِهِ وَنَحْنُ نُفْرِدُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ بَابًا نُبَيِّنُ فِيهِ حُكْمَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْمُوصِي) فَأَمَّا الْمُوصِي فَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُون عَاقِلًا يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَدْ أَثْبَتَ فِيهَا بِالْكِتَابِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ مَا يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ مِنْ حَقٍّ عَلَيْهِ، أَوْ وَجْهِ بِرٍّ يُوصِي فِيهِ بِشَيْءٍ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ كَانَ مَنْ أَدْرَكْتُ يَكْتُبُونَ التَّشَهُّدَ قَبْلَ ذِكْرِ الْوَصِيَّةِ وَمَا زَالَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ بِالْمَدِينَةِ وَأَنَّهُ لَيُعْجِبُنِي وَأُرَاهُ حَسَنًا، قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: كُلُّ ذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ تَشَهَّدَ، أَوْ لَمْ يَتَشَهَّدْ، وَقَدْ تَشَهَّدَ نَاسٌ فُقَهَاءُ صَالِحُونَ وَتَرَكَ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ وَهُوَ قَلِيلٌ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ كَيْفَ التَّشَهُّدُ وَرَوَى ابْنُ عَوْنٍ فِي وَصِيَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ بَنِيهِ وَأَهْلَهُ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ وَيُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ أَوْصَاهُمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وَأَنْ لَا تَرْغَبُوا أَنْ تَكُونُوا إخْوَانًا لِلْأَنْصَارِ وَمَوَالِيهمْ فَإِنَّ الْعِفَّةَ وَالصِّدْقَ خَيْرٌ وَأَبْقَى وَأَكْرَمُ مِنْ الرِّيَاءِ وَالْكَذِبِ، ثُمَّ أَوْصَى فِيمَا تَرَكَ إنْ حَدَثَ بِهِ حَادِثُ الْمَوْتِ
стр. 1769
(ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُوصِيَ إذَا أَوْصَى فِي صِحَّتِهِ، أَوْ فِي مَرَضِهِ بِوَصِيَّةٍ فِيهَا عَتَاقَةُ رَقِيقٍ مِنْ رَقِيقِهِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُغَيِّرُ مِنْ ذَلِكَ مَا بَدَا لَهُ وَيَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ حَتَّى يَمُوتَ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَطْرَحَ تِلْكَ الْوَصِيَّةَ وَيُبَدِّلَهَا فَعَلَ إلَّا أَنْ يُدَبِّرَ مَمْلُوكًا فَإِنْ دَبَّرَ فَلَا سَبِيلَ إلَى تَغْيِيرِ مَا دَبَّرَ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ» قَالَ مَالِكٌ فَلَوْ كَانَ
ــ
[المنتقى]
قَبْلَ أَنْ يُعَيِّنَ وَصِيَّتَهُ ثُمَّ ذَكَرَ حَاجَتَهُ، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَذَكَرَ لَنَا نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ: كَانَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تُوصِي بِهَذَا، وَحَدَّثَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانُوا يُوصُونَ أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَوْصَى مَنْ تَرَكَ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ وَأَوْصَى بِمَا أَوْصَى بِهِ إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وَأَوْصَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ هَذَا قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ: قِيلَ لَهُ إنَّ رَجُلًا كَتَبَ فِي ذَلِكَ أُومِنُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ قَالَ: مَا أَرَى هَذَا أَلَا وَكُتُبُ الظَّفَرِيَّةِ وَالْإِبَاضِيَّةِ قَدْ كَتَبَ مَنْ مَضَى وَصَايَاهُمْ فَلَمْ يَكْتُبُوا مِثْلَ هَذَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَمَنْ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ بِخَطِّهِ فَوُجِدَتْ فِي تَرِكَتِهِ وَعُرِفَ أَنَّهُ خَطُّهُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ فَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهَا، وَقَدْ يَكْتُبُ وَلَا يَعْزِمُ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ، وَلَوْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالشَّهَادَةِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَقُولَ: إنَّهَا وَصِيَّتِي وَإِنَّ مَا فِيهَا حَقٌّ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهَا وَكَذَلِكَ لَوْ قَرَءُوهَا وَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّهَا وَصِيَّتُكَ وَأَنَّ مَا فِيهَا حَقٌّ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَءُوهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَرَءُوهَا وَقَالُوا: نَشْهَدُ فَقَالَ نَعَمْ، أَوْ قَالَ بِرَأْسِهِ نَعَمْ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهَا عَلَيْهِمْ فَلْيَشْهَدُوا أَنَّهَا وَصِيَّتُهُ أَشْهَدَنَا عَلَى مَا فِيهَا.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مَنْشُورَةً يَرَوْنَ أَنَّ جَمِيعَهَا مَكْتُوبَةٌ ثُمَّ نَظَرُوا إلَى تَقْيِيدِ الشَّهَادَةِ فِي أَثَرِهَا فَلْيَشْهَدُوا وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ قِرَاءَةُ الْوَصِيَّةِ فَقَدْ يُرِيدُ التَّسَتُّرَ عَنْهُمْ بِمَا فِيهَا، وَقَدْ يَطُولُ عَقْدُ الْوَصِيَّةِ فَيَشُقُّ عَلَى كُلِّ شَاهِدٍ أَنْ يَقْرَأَهُ مَعَ غِنَاهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَشْهَدُ عَلَى الْمُوصِي بِمَا أَشْهَدَهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ إنْفَاذُهُ أَنْفَذَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَجُوزُ إنْفَاذُهُ رَدَّ فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ عَلَى الشَّاهِدِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعُقُودِ وَالسِّجِلَّاتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الِاسْتِدْعَاءَاتِ الَّتِي تَتَقَيَّدُ عَلَى عِلْمِ الشُّهُودِ فَهَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْرَأَ جَمِيعَ ذَلِكَ وَيَفْهَمَهُ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ جَمِيعِهِ أَنَّهُ فِي عِلْمِهِ وَعَلَى ذَلِكَ يَكْتُبُ شَهَادَتَهُ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَفَّحَهُ لِيَعْلَمَ أَنَّ جَمِيعَهُ فِي عِلْمِهِ وَمِمَّا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ وَخَتَمَ عَلَيْهَا، وَقَالَ لِلشُّهُودِ اشْهَدُوا عَلَى مَا فِيهَا فَكَتَبُوا شَهَادَتَهُمْ ثُمَّ مَاتَ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ إنْ لَمْ يَشُكَّ الشَّاهِدُ فِي الطَّابَعِ فَلْيَشْهَدْ، وَإِنْ شَكَّ فَلَا يَشْهَدُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْكِتَابُ عِنْدَهُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ خَاتَمُهُ بِعَيْنِهِ وَلَمْ يُفِضْ وَأَجْوَدُهُمْ عِنْدِي شَهَادَةُ الَّذِي الْوَصِيَّةُ فِي يَدَيْهِ وَالْآخَرُونَ يَشْهَدُونَ بِمَبْلَغِ عِلْمِهِمْ وَيَحْمِلُونَ مَا تَحَمَّلُوا، وَقَالَ أَيْضًا، وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَلَا أَدْرِي كَيْفَ يَشْهَدُونَ؟ وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ جَاءَ بِكِتَابٍ مَخْتُومٍ يَقُولُ أَنَّهُ وَصِيَّتُهُ وَيَدْعُو الشُّهُودَ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ بِمَا فِيهَا فَإِنَّهُمْ إنْ يَخْتِمُوا عَلَيْهَا بِخَوَاتِيمِهِمْ فَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَكْتُبْ فِيهَا شَيْئًا ثُمَّ يَكْتُبُ مَا شَاءَ بَعْدَ إشْهَادِهِ لَهُمْ وَيَزِيدُ إنْ شَاءَ عَلَى مَا كَانَ فِيهَا يَوْمَ الشَّهَادَةِ لَهُمْ فِيهِ وَدُونَ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ أَشْهَدُهُمْ عَلَيْهِ يَوْمَ الْإِشْهَادِ، وَإِنَّمَا أَحْدَثَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا رَأَوْا أَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ فَإِنَّهَا تَجُوزُ لَهُمْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْلَمُونَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ، وَلَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ عَلَى حَالِهَا عِنْدَ أَحَدِ الشُّهُودِ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ، وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الشُّهُودِ فَقَالَ مَالِكٌ لَا أَدْرِي كَيْفَ يَشْهَدُونَ، وَأَمَّا إذَا أَخْتَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَيْهَا بِخَاتَمِهِ وَعَرَفَ خَتْمَهُ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ سَوَاءً كَانَ فِيهَا شَيْءٌ مَكْتُوبٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ وَقَيَّدَ فِيهَا الْمُوصِي مَا شَاءَ مِنْ الْأَبَاطِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَضَرَّةَ عَلَى الشَّاهِدِ فِي ذَلِكَ.
стр. 1770
الْمُوصِي لَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ وَصِيَّتِهِ وَلَا مَا ذَكَرَ فِيهَا مِنْ الْعَتَاقَةِ كَانَ كُلُّ مُوصٍ قَدْ حَبَسَ مَالَهُ الَّذِي أَوْصَى فِيهِ مِنْ الْعَتَاقَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ يُوصِي الرَّجُلُ فِي صِحَّتِهِ وَعِنْدَ سَفَرِهِ قَالَ مَالِكٌ فَالْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ يُغَيِّرُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ غَيْرَ التَّدْبِيرِ)
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ الْمُوصِيَ فِي صِحَّتِهِ، أَوْ مَرَضِهِ يَعْتِقُ بَعْضَ رَقِيقِهِ، أَوْ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَصِيَّةِ عَقْدٌ جَائِزٌ غَيْرُ لَازِمٍ وَلَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ وَيُبْطِلَ مِنْهُ مَا شَاءَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ أَوْ يُعَوِّضُ مِنْهُ غَيْرَهُ فِي صِحَّتِهِ، أَوْ مَرَضِهِ مَا لَمْ يَمُتْ فَإِذَا مَاتَ فَقَدْ لَزِمَتْ تِلْكَ الْوَصِيَّةُ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُبْطِلَهُ وَلَا يُبَدِّلَهُ بِغَيْرِهِ فَأَمَّا التَّدْبِيرُ فَإِنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ لَيْسَ لِمَنْ عَقَدَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ بِالْقَوْلِ وَلَا بِالْفِعْلِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ التَّدْبِيرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّدْبِيرِ وَالْوَصِيَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ عَقْدَ الْوَصِيَّةِ عَقْدٌ جَائِزٌ وَعَقْدُ التَّدْبِيرِ عَقْدٌ لَازِمٌ يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَنْ أَجَازَ الرُّجُوعَ عَنْ التَّدْبِيرِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ فَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ وَإِذَا فَرَّقَ هُوَ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالتَّدْبِيرِ فِي الرُّجُوعِ عَنْهُمَا بِالْقَوْلِ جَازَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي الرُّجُوعِ بَيْنَهُمَا بِالْفِعْلِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ» فَتَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْوَصِيَّةِ وَاجِبٌ، أَوْ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ ثُمَّ قَالَ فَلَوْ كَانَ الْمُوصِي لَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ وَصِيَّتِهِ كَانَ كُلُّ مُوصٍ حَبَسَ مَالَهُ يَعْنِي أَنَّ الْوَصِيَّةَ كَانَتْ تَكُونُ مَانِعَةً لَهُ مِنْ تَصَرُّفِهِ فِي مَالِهِ فَمَتَى أَوْصَى بِعِتْقِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِرْقَاقُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَإِذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْإِنْفَاقُ مِنْهُ لَا سِيَّمَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِيعَابِ لَهُ وَفِي هَذَا إضْرَارٌ بِالنَّاسِ وَمَنْعٌ مِنْ الْوَصِيَّةِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ، وَقَدْ يُوصِي الرَّجُلُ فِي صِحَّتِهِ وَعِنْدَ سَفَرِهِ يُرِيدُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ السَّفَرَ قَدْ يُوصِي مَعَ كَوْنِهِ صَحِيحًا.
وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بَلْ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ تَغْيِيرِ ذَلِكَ وَالْوَصِيَّةُ تَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُقَيَّدَةً وَمُطْلَقَةً فَإِنْ كَانَتْ مُقَيَّدَةً مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ مِتُّ فِي سَفَرِي هَذَا، أَوْ مِتُّ فِي مَرَضِي هَذَا فَيُنْفِذُ عَنِّي وَصِيَّةَ كَذَا وَكَذَا وَيَذْكُرُ مَا شَاءَ مِنْ عِتْقٍ، أَوْ صَدَقَةٍ فَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ وَصِيَّةً وَلَهُ أَنْ يُغَيِّرَهَا فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْهَا حَتَّى مَاتَ فِي مَرَضِهِ، أَوْ سَفَرِهِ فَهِيَ فِي ثُلُثِهِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا وَصِيَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ قُرْبَةً شَرَطَ فِيهَا شَرْطًا لَا يُنَافِي الشَّرْعَ فَكَانَتْ عَلَى مَا شَرَطَ كَمَا لَوْ شَرَطَ فِيهَا التَّغْيِيرَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ وَصِيَّتُهُ كَتَبَهَا، أَوْ لَمْ يَكْتُبْهَا وَأَشْهَدَ بِهَا فَإِنْ كَانَ كَتَبَهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ وَضَعَ الْكِتَابَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ، أَوْ أَقَرَّهُ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ فَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ تَنْفُذُ فِي ثُلُثِهِ قَالَهُ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَ أَصْحَابِنَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَثْبَتَ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ وَخَصَّ ذَلِكَ بِأَنْ وَضَعَهُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ ثُمَّ أَبْقَى الْكِتَابَ بَعْدَ الْبُرْءِ، أَوْ الْقُدُومِ عَلَى حَالَتِهِ لَمْ يَأْخُذْهُ مِمَّنْ وَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ وَجْهٌ مِنْ اسْتِدَامَةِ الْوَصِيَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ أَوْ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ فَأَخَذَ الْكِتَابَ مِنْ عِنْدِ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ ثُمَّ مَاتَ فَوُجِدَ الْكِتَابُ عِنْدَ الْمُوصِي فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اسْتِرْجَاعَهُ لِلْكِتَابِ مِنْ عِنْدِ مَنْ وَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ تَغْيِيرٌ لِحَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا عَلَى وَجْهِ الْإِجَازَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ اسْتِدَامَتَهُ كَتَمْزِيقِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ إنَّمَا كَتَبَهُ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ وَأَمْسَكَهُ عِنْدَ نَفْسِهِ ثُمَّ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ، أَوْ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَمُوتَ فِي مَرَضٍ، أَوْ سَفَرٍ، أَوْ فِي غَيْرِ مَرَضٍ
стр. 1771
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَلَا سَفَرٍ فَإِنْ مَاتَ فِي مَرَضٍ آخَرَ، أَوْ سَفَرٍ آخَرَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ أَنَّ وَصِيَّتَهُ نَافِذَةٌ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ الْأُخْرَى عَنْهُ أَحْسَنُ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ عِنْدَهُ فَهِيَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ غَيْرِهِ وَجَازَتْ وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَسَوَاءٌ مَاتَ فِي مَرَضٍ، أَوْ سَفَرٍ، أَوْ فِي غَيْرِ مَرَضٍ وَلَا سَفَرٍ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ أَقَرَّ كِتَابَ وَصِيَّتِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْطُلْ بِبُرْئِهِ مِنْ مَرَضِهِ وَلَا بِقُدُومِهِ مِنْ سَفَرِهِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا وَضَعَهَا عَلَى يَدِ غَيْرِهِ فَأَقَرَّهَا، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ كِتَابَ وَصِيَّتِهِ وُجِدَ عِنْدَهُ بَعْدَ الْبُرْءِ وَالْإِيَابِ فَوَجَبَ أَنْ تُبْطِلَ وَصِيَّتُهُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا وَضَعَهَا بِيَدِ غَيْرِهِ وَقَبَضَهَا مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ مَاتَ فِي غَيْرِ مَرَضٍ وَلَا سَفَرٍ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلٌ، وَلَوْ مَاتَ فِي مَرَضٍ آخَرَ، أَوْ سَفَرٍ آخَرَ لَصَحَّتْ وَصِيَّتُهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ غَيْرُ الْقِيَاسِ إنْ مَاتَ فِي غَيْرِ سَفَرٍ وَلَا مَرَضٍ أَنْ تَجُوزَ وَصِيَّتُهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ قَصْدُ النَّاسِ فِي ذِكْرِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ تَخْصِيصَ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ إنْ مِتُّ فِي سَفَرِي أَوْ مِنْ مَرَضِي فَبَغَتَهُ الْمَوْتُ قَبْلَ أَنْ يُسَافِرَ أَنَّ وَصِيَّتَهُ نَافِذَةٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ هَذِهِ أَشْهَدَ عَلَيْهَا وَلَمْ يُقَيِّدْهَا فِي كِتَابٍ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ أَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ، أَوْ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ يَكُونُ فِي اسْتِدَامَتِهِ اسْتِدَامَةٌ لَهَا وَالْإِشْهَادُ إنَّمَا اخْتَصَّ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ فَلَمْ يُنْفِذْهُ إلَى غَيْرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِحَالٍ وَلَا وَقْتٍ فَسَوَاءٌ كَانَتْ مَكْتُوبَةً، أَوْ غَيْرَ مَكْتُوبَةٍ فَإِنَّهَا نَافِذَةٌ مَتَى مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُغَيِّرَهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِحَالٍ وَلَا وَقْتٍ فَاقْتَضَتْ التَّنْفِيذَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَفِي كُلِّ وَقْتٍ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ: إذَا مِتُّ فَأَعْتِقُوا عَبْدِي اقْتَضَى ذَلِكَ الْأَمْرَ بِالْعِتْقِ مَتَى مَاتَ وَعَلَى أَيِّ حَالٍ مَاتَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الْوَصِيَّةِ الَّتِي يَلْحَقُهَا التَّغْيِيرُ] ١
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ فِيهِ بَابَانِ:.
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الْوَصِيَّةِ الَّتِي يَلْحَقُهَا التَّغْيِيرُ.
وَالْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ التَّغْيِيرِ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْوَصِيَّةِ الَّتِي يَلْحَقُهَا التَّغْيِيرُ) قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُغَيِّرَ وَصِيَّتَهُ وَيَرْجِعَ عَنْهَا أَوْصَى فِي صِحَّةٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ عِنْدَ سَفَرٍ بِعِتْقٍ، أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ يَرْجِعُ فِي مَرَضِهِ وَبَعْدَ صِحَّتِهِ إلَّا فِيمَا بَتَلَ يُرِيدُ فِيمَا بَتَلَ عِتْقَهُ مِنْ عِتْقٍ مُؤَجَّلٍ، أَوْ مُعَجَّلٍ، أَوْ تَدْبِيرٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ عَقْدٌ جَائِزٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَالْعِتْقُ عَقْدٌ لَازِمٌ مُعَجَّلًا كَانَ، أَوْ مُؤَجَّلًا، وَكَذَلِكَ التَّدْبِيرُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إنْ قَالَ إنْ مِتُّ فَعَبْدِي حُرٌّ، أَوْ قَالَ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ إنْ مِتُّ فَأَعْتِقُوهُ فَذَلِكَ سَوَاءٌ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ وَهِيَ وَصِيَّةٌ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَلَوْ أَنَّهُ قَالَ: إنَّهُ مُدَبَّرٌ إنْ لَمْ أُحْدِثْ فِيهِ حَدَثًا فَهِيَ وَصِيَّةٌ، وَلَوْ قَالَ عَبْدِي مُدَبَّرٌ يُرِيدُ بَعْدَ مَوْتِي فَهُوَ كَالْوَصِيَّةِ وَتَفَكَّرَ فِيهَا سَحْنُونٌ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ الْمَخْزُومِيِّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يَحْمِلُ عَلَى تَدْبِيرِ الْمَيِّتِ قِيلَ لَهُ: إنَّهُ عَالِمٌ فَتَوَقَّفَ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إنَّمَا أَثْبَتَ التَّدْبِيرَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَوْ قَالَ: حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، لَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ، فَبِأَنْ يَكُونَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي التَّدْبِيرِ أَوْلَى، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ التَّدْبِيرَ عَقْدٌ لَازِمٌ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي الْعِتْقَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا ظَاهِرُ لَفْظِهِ أَنَّهُ يُعْتَقُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِتَدْبِيرِهِ الْآنَ كَأَنَّهُ قَالَ إذَا مِتُّ عَتَقَ الْمُدَبَّرُ فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: إنَّهُ عَالِمٌ بِمَعَانِي الْأَلْفَاظِ وَبِمَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا عَلَى الشَّرْطِ وَعَلَى الْحُكْمِ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ إنْ مِتُّ: مِنْ مَرَضِي فَعَبْدِي مُدَبَّرٌ فَلَا يَرْجِعُ فِيهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ يُتْرَكُ عَلَى التَّدْبِيرِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَعْلِيقَهُ التَّدْبِيرَ بِمَوْتِهِ لَا يُؤَثِّرُ فِي التَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّ عِتْقَ التَّدْبِيرِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَوْتِ وَلَكِنَّهُ عَلَى وَجْهٍ لَازِمٍ لَا رُجُوعَ لِلْمُدَبَّرِ فِيهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(مَسْأَلَةٌ)
стр. 1772
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَمَنْ قَالَ: فُلَانٌ حُرٌّ يَوْمَ أَمُوتُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنْ أَرَادَ التَّدْبِيرَ فَهُوَ مُدَبَّرٌ وَإِلَّا فَهِيَ وَصِيَّةٌ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ كُلَّ عِتْقٍ بَعْدَ الْمَوْتِ فَهُوَ وَصِيَّةٌ حَتَّى يَنُصَّ عَلَى التَّدْبِيرِ فَيَقُولَ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي، وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ قَالَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ إحْدَاثِ وَصِيَّةٍ فَهُوَ تَدْبِيرٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا عَتَقَ الْمَرِيضُ، أَوْ الْحَامِلُ أَوْ تَصَدَّقَ وَلَمْ يَقُلْ إنْ مِتُّ ثُمَّ صَحَّ فَقَالَ أَرَدْت إنْ مِتُّ، وَقَالَ الشُّهُودُ ظَنَنَّا أَنَّهُ أَرَادَ الْبَتْلَ قَالَ عَلِيٌّ عَنْ مَالِكٍ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ بِمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى قَصْدِهِ.
وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ بَعْضُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى بَعْضِ مَا قَالَا عَنْهُ، فَإِنْ رَأَى أَنَّهُ أَرَادَ الْوَصِيَّةَ فَهِيَ وَصِيَّةٌ يَرْجِعُ فِيهَا وَإِلَّا فَلَا رُجُوعَ لَهُ وَتَنْفُذُ، وَقَالَ عَنْهُ عَلِيٌّ فِي مَرِيضٍ قِيلَ لَهُ أَوْصِ فَقَالَ فُلَانٌ حُرٌّ ثُمَّ صَحَّ فَقَالَ أَرَدْت بَعْدَ مَوْتِي فَذَلِكَ لَهُ.
وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ لَفْظَ إيقَاعِ الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ ظَاهِرُهُ الْبَتْلُ وَتَعْلِيقُهُ ذَلِكَ بِشَرْطٍ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَمْرٍ يُعْرَفُ بِهِ فَإِنْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ مِنْ لَفْظِ الْعَقْدِ وَمَا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ قَلَّدَ مِنْ ذَلِكَ مَا نَقَلُوهُ لِدَلَالَةِ مَا قُلْنَاهُ لَهُ، وَإِنْ عَرَا عَنْ ذَلِكَ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَمُقْتَضَاهُ الْبَتْلُ، وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ الْمَخْزُومِيِّ فِيمَنْ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ: لِفُلَانٍ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ صَدَقَةً وَعَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ وَفُلَانٌ مُدَبَّرٌ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ صَحَّ، وَقَالَ: لَمْ أَقُلْ فَذَلِكَ لَهُ إلَّا فِي التَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إلَى عَقْدِ وَصِيَّتِهِ فَكَانَ لَفْظُهَا مَحْمُولًا عَلَى مَعْنَاهَا إلَّا مَا يَخْتَصُّ بِاللُّزُومِ مِنْ التَّدْبِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكُمُ، وَإِنْ عَرَا عَنْ ذَلِكَ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَمُقْتَضَاهُ الْبَتْلُ، وَأَمَّا إذَا قِيلَ: أَوْصِ، فَقَالَ: فُلَانٌ حُرٌّ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت الْوَصِيَّةَ فَإِنَّ قَوْلَهُ لَمَّا كَانَ جَوَابًا لِمَا عُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ فَكَانَ الظَّاهِرُ حَمْلَهُ عَلَيْهَا، وَهَذَا لِمَنْ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى مُقْتَضَى سَبَبِهِ ظَاهِرٌ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ تَغْيِيرِ الْوَصِيَّةِ]
(الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ تَغْيِيرِ الْوَصِيَّةِ) وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: الزِّيَادَةُ فِيهَا، وَالثَّانِي: النَّقْصُ مِنْهَا وَالثَّالِثُ إبْطَالُهَا جُمْلَةً فَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِيهَا فَإِنَّهَا عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَزِيدَ فِي وَصِيَّتِهِ لِغَيْرِ الْمُوصَى لَهُ أَوَّلًا، وَالثَّانِي: أَنْ يَزِيدَ فِي وَصِيَّتِهِ لِلْمُوصَى لَهُ أَوَّلًا، فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالْمَزِيدِ عَلَيْهَا سَوَاءٌ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ، أَوْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ الزِّيَادَةُ عَلَى الثُّلُثِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَعَلِيٌّ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ أَشْهَدَ عَلَيْهَا ثُمَّ أَوْصَى بِأُخْرَى عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأُولَى فَإِنَّهُمَا جَائِزَتَانِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ لِلْأَوَّلِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْوَصِيَّةِ الْأُولَى أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا فَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ مِثْلَ الْأُولَى، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَغَيْرِهِمْ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِدَنَانِيرَ ثُمَّ أَوْصَى لَهُ بِدَنَانِيرَ أَقَلَّ عَدَدًا أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّ لَهُ أَكْثَرَ الْوَصِيَّتَيْنِ، وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنْ أَوْصَى لَهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ أَوْصَى لَهُ بِخَمْسَةٍ فَلَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ أَوَّلًا بِخَمْسَةٍ ثُمَّ أَوْصَى لَهُ بِعَشَرَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ عَشَرَةٍ، وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّتَانِ فِي عَقْدَيْنِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ هَاتَيْنِ وَصِيَّتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَكَانَ لَهُ أَكْثَرُهُمَا كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُولَى أَقَلَّ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا بَدَأَ بِالْأَقَلِّ ثُمَّ أَوْصَى لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الزِّيَادَةَ فِي وَصِيَّتِهِ وَقَدْ أَعْمَلَ الْوَصِيَّتَيْنِ وَإِذَا بَدَأَ بِالْأَكْثَرِ ثُمَّ أَوْصَى بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ جَمْعُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الزِّيَادَةِ وَفِيهِ إعْمَالُ الْوَصِيَّتَيْنِ وَلَوْ أَعْطَاهُ أَوَّلَاهُمَا؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ لَكِنَّا قَدْ أَلْغَيْنَا الْأَخِيرَةَ وَهِيَ أَحَقُّ بِالْإِثْبَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا لَهُ أَكْثَرُ الْعَدَدَيْنِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَتْ الْوَصِيَّتَانِ فِي كِتَابَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَكْثَرُهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ فَإِنْ سَمَّى لَهُ أَوَّلًا عَدَدًا ثُمَّ سَمَّى لَهُ أَكْثَرَ مِنْهُ فَلَهُ الْأَكْثَرُ وَإِنْ سَمَّى لَهُ فِي الثَّانِي أَقَلَّ مِنْ الْأَوَّلِ فَلَهُ الْعَدَدُ إنْ قَالَ: لِأَنَّهُ إذَا بَدَأَ فِي كِتَابِ
стр. 1773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَاحِدٍ بِخَمْسَةٍ ثُمَّ ثَنَّى بِعَشَرَةٍ جَازَ أَنْ يُقَالَ عَشَرَةٌ مِنْهَا الْأُولَى، وَلَوْ قَالَ أَوَّلًا عَشَرَةٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهَا خَمْسَةٌ مِنْهَا الْعَشَرَةُ الْأُولَى وَسَوَّى ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالْكِتَابَيْنِ وَجَعَلَ لَهُ الْأَكْثَرَ بَدَأَ بِالْأَقَلِّ، أَوْ الْأَكْثَرَ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَعَلَى حَسْبِ مَا تَقَدَّمَ تَجْرِي الْوَصِيَّتَانِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْعُرُوضِ الَّتِي تُكَالُ وَتُوزَنُ، أَوْ لَا تُكَالُ وَلَا تُوزَنُ وَالْحَيَوَانِ وَالدُّورِ وَالثِّيَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَأَمَّا الْعُرُوض فَلَهُ الْوَصِيَّتَانِ تَفَاضَلَ ذَلِكَ، أَوْ تَسَاوَى كَانَا فِي كِتَابٍ، أَوْ كِتَابَيْنِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُمَا وَصِيَّتَانِ مُتَمَاثِلَتَانِ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ التَّمَاثُلَ فِي الْعُرُوضِ مَعْدُومٌ، وَلِذَلِكَ يُقْضَى فِيهَا بِالْقِيمَةِ فَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِمَا كَالْمُخْتَلِفِينَ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ مِنْ سِكَّةٍ وَاحِدَةٍ مُتَمَاثِلَةٍ، وَكَذَلِكَ الْأَفْرَاسُ وَالْإِبِلُ وَالْعَبِيدُ، وَأَمَّا الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمَا مُتَمَاثِلَانِ؛ لِأَنَّهُمَا صِنْفٌ وَاحِدٌ وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَمَاثِلَيْنِ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ، وَكَذَلِكَ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالدَّرَاهِمُ وَالسَّبَائِكُ مِنْ الْفِضَّةِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَنَّهُمَا صِنْفٌ وَاحِدٌ يُرِيدُ فِي الزَّكَاةِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَمَاثِلَيْنِ فِي الصُّورَةِ وَالْقِيمَةِ وَهُمَا جِنْسَانِ، وَلِذَلِكَ جَازَ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُمَا.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا: إنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ مُتَمَاثِلَانِ فَأَوْصَى لَهُ بِدَنَانِيرَ ثُمَّ أَوْصَى لَهُ بِدَرَاهِمَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْأَقَلُّ وَالْأَكْثَرُ بِالصَّرْفِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَوْصَى بِعَدَدَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْجِنْسِ وَالْعَدَدِ مِثْلُ أَنْ يُوصَى لَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ثُمَّ يُوصَى لَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَإِنَّ لَهُ الْعَدَدَيْنِ جَمِيعًا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ أَنَّ الْوَصِيَّتَيْنِ إذَا كَانَتَا مُتَمَاثِلَتَيْنِ فِي الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ فَإِنَّ لَهُ إحْدَاهُمَا لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ تَكْرَارًا، أَوْ تَأْكِيدًا وَهُوَ يَنْحُو إلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فِيمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِهِ ثُمَّ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ مَا أَوْصَى بِهِ مُعَيَّنًا كَعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ آخَرَ بِعَيْنِهِ فَلَهُ الْوَصِيَّتَانِ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ يَمْنَعُ أَنْ يُرِيدَ بِالْوَصِيَّةِ الثَّانِيَةِ الْأُولَى فَوَجَبَ أَنْ يَجْمَعَا لَهُ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَصِيَّةٍ مُقْتَضَاهَا فَيَلْزَمُ إنْفَاذُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطْرَأْ رُجُوعٌ عَنْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لَهُ بِشَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعَيَّنَةً كَدَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ عَلَى رَأْيِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّ لَهُ الْوَصِيَّتَيْنِ جَمِيعًا مُعَيَّنَتَيْنِ كَانَتَا، أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَتَيْنِ فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي كِتَابَيْنِ بَدَأَ بِالْأَقَلِّ، أَوْ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْجِنْسِ وَالِاسْمِ يَمْنَعُ أَنْ يُرِيدَ بِالثَّانِيَةِ الْأُولَى فَلَزِمَ أَنْ تُحْمَلَ الْوَصِيَّتَانِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَهُمَا لَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثَيْ مَالِهِ ثُمَّ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثٍ يُحَاصُّ بِالْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَمَاثِلَانِ فِي اللَّفْظِ وَالْجِنْسِ فَكَانَ لَهُ أَكْثَرُهُمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ثُمَّ أَوْصَى لَهُ بِخَمْسَةٍ، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثٍ ثُمَّ أَوْصَى بِثُلُثٍ آخَرَ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ يُحَاصُّ بِثُلُثٍ وَاحِدٍ وَإِلَّا ثَلَاثٌ كَالدَّنَانِيرِ لَا تُعْرَفُ بِعَيْنِهَا وَكَانَ يَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا أَنْ يُحَاصِصَ بِالثُّلُثَيْنِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ كَوْنَهُ مَمْنُوعًا مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ يَقْتَضِي حَمْلَ الْوَصِيَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الْأُولَى وَلِاتِّفَاقِهِمَا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مَعَ كَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى لَفْظِ الْأَوَّلِ كَثُرَ مَالُهُ، أَوْ قَلَّ وَهُوَ بِخِلَافِ مَنْ أَوْصَى بِعَدَدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ قَدْ اسْتَغْرَقَ الثُّلُثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَزِيدُ الْمَالُ فَيَكُونُ لِلْعَدَدِ الْبَاقِي مَحَلٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثُمَّ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ، أَوْ بِعِدَّةِ دَنَانِيرَ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ يُحَاصُّ
стр. 1774
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
بِالثُّلُثِ وَبِعَدَدِ الدَّنَانِيرِ أَوْ الْعَبْدِ يُرِيدُ قِيمَتَهُ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ سَحْنُونٌ مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنَّ مَالَهُ عَيْنٌ كُلُّهُ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَضْرِبُ لَهُ بِأَكْثَرِ الْوَصِيَّتَيْنِ مِنْ الْعَدَدِ وَالثُّلُثِ قَالَ أَصْبَغُ: وَفِيهَا شَيْءٌ وَلَهَا تَفْسِيرٌ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ وَبِعَدَدِ دَنَانِيرَ مُخْتَلِفَانِ فَوَجَبَ أَنْ يَجْمَعَا لِلْمُوصَى لَهُ كَالْوَصِيَّةِ بِالدَّنَانِيرِ وَالْعَبْدِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ مَالَهُمَا إلَى جِنْسٍ وَاحِدٍ مُتَمَاثِلٍ فِي النَّوْعِ، وَقَوْلُ سَحْنُونٍ فِي الَّذِي يُحَاصِصُ بِالثُّلُثِ وَبِعَدَدِ الدَّنَانِيرِ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ التَّرِكَةِ عَيْنًا، وَلِذَلِكَ جَعَلَ الثُّلُثَ مِنْ جِنْسِ عَدَدِ الدَّنَانِيرِ فَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ يُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ تُجْمَعُ لَهُ الْوَصِيَّتَانِ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ عَيْنٌ وَعَرَضٌ وَلَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ يَجْمَعُ لَهُ الْوَصِيَّتَانِ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ عَيْنٌ وَعَرَضٌ وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ يُقْضَى لَهُ بِأَكْثَرِهِمَا عَلَى أَنَّهُ عَيْنٌ كُلُّهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَالُ عَرَضًا كُلُّهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ يُعْطَى الْوَصِيَّتَيْنِ إذَا أَجَازَ الْوَرَثَةُ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوا مَعَهُ وَصَايَا ضَرَبَ بِالثُّلُثِ وَبِالْعَدَدِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْوَصَايَا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الثُّلُثَ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَدَدَيْنِ مِنْ جِنْسِ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ عَرَضٌ وَالْعَدَدُ عَيْنٌ فَلِذَلِكَ جُمِعَا لَهُ فِي الْمُحَاصَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ نَاضٌّ وَعَرَضٌ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ وَأَصْبَغَ يُضْرَبُ لَهُ بِثُلُثِ الْعَرَضِ، أَوْ بِالْأَكْثَرِ مِنْ الْعَدَدِ الْمُوصَى بِهِ وَمِنْ ثُلُثِ الْعَيْنِ وَوَجْهُهُ أَنَّ ثُلُثَ الْعُرُوضِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْعَيْنِ فَلَهُ ثُلُثُ الْعُرُوضِ وَثُلُثُ الْعَيْنِ مِنْ جِنْسِ الْعَدَدِ فَكَانَ لَهُ أَكْثَرُهُمَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَهَذَا حُكْمُ تَغْيِيرِ الْوَصِيَّةِ بِالزِّيَادَةِ فِيهَا، وَأَمَّا حُكْمُهَا بِالنَّقْصِ مِنْهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ عَلَى النَّقْصِ مِنْهَا، أَوْ يُوصَى بِبَعْضِهَا لِغَيْرِهِ فَأَمَّا النَّصُّ عَلَى النَّقْصِ مِنْهَا، فَمِثْلُ أَنْ يُوصَى لَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ثُمَّ يَقُولُ: رُدُّوهَا إلَى ثَمَانِيَةٍ أَوْ اجْعَلُوهَا لَهُ ثَمَانِيَةً، أَوْ نَسَخْت مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِالْعَشَرَةِ وَأَنَا أُوصِي لَهُ الْآنَ بِثَمَانِيَةٍ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا أَقَرَّهُ آخِرًا، وَأَمَّا تَغْيِيرُ الْوَصِيَّةِ بِالْفِعْلِ فَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ دُونَ غَيْرِهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَفْعَل فِي الْعَيْن الْمُوصَى بِهَا مَا لَا يَفْعَلُهُ إلَّا فِي مَالِهِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِ ابْن الْقَاسِم، وَأَمَّا أَشْهَبُ فَإِنَّهُ يُرَاعِي الْأَسْمَاءَ وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِخَزِيرَةٍ ثُمَّ لَتَّهَا بِعَسَلٍ، أَوْ سَمْنٍ فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِعَبْدٍ ثُمَّ عَلَّمَهُ الْكِتَابَ وَرَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ فِيمَا كَانَ أَوْصَى لَهُ وَالزِّيَادَةُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي إبْطَالِ الْوَصِيَّةِ لَا سِيَّمَا مَعَ بَقَاءِ الِاسْمِ الَّذِي عُلِّقَتْ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا لَيْسَ بِرُجُوعٍ عَنْ الْوَصِيَّةِ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ: يَكُونُ الْوَرَثَةُ شُرَكَاءَ بِقَدْرِ اللِّتَاتِ، وَكَذَلِكَ صَبْغُ الثَّوْبِ وَبِنَاءُ الدَّارِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ الثَّوْبُ يَصْبُغُهُ لِلْمُوصَى لَهُ قَالَ أَشْهَبُ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَسَلَهُ، أَوْ كَانَتْ دَارًا فَجَصَّصَهَا، أَوْ زَادَ فِيهَا بِنَاءً وَأَوْصَى لَهُ بِسَوِيقٍ ثُمَّ لَتَّهُ وَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ وَصِيَّةٌ بِالصَّبْغِ وَالسَّمْنِ فَكَانَ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الْمُوصِي، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ مُوصًى بِهِ ثُمَّ أَضَافَ إلَيْهِ مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ فِيمَا أَوْصَى بِهِ كَانَ ظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَضَافَهُ إلَيْهِ فِي الْوَصِيَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ ثُمَّ آجَرَهُ، أَوْ رَهَنَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِرُجُوعٍ وَيُفْدَى الرَّهْنُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الِاسْمَ بَاقٍ وَصُورَةَ الْمُوصِي بِهِ بَاقِيَةٌ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ ثُمَّ بَاعَهُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيهِ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ، قَالَ أَشْهَبُ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ثُمَّ صَارَ لَهُ بِابْتِيَاعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ مِيرَاثٍ فَالْوَصِيَّةُ فِيهِ نَافِذَةٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَاعَى فِي الْمُوصَى بِهِ حَالُهُ عِنْدَ وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ بِمَوْتِ الْمُوصِي فَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ ذَلِكَ الْوَقْتَ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ وَإِلَّا بَطَلَتْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
стр. 1775
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
(مَسْأَلَةٌ) وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِغَزْلٍ فَحَاكَهُ ثَوْبًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ رُجُوعٌ عَنْ الْوَصِيَّةِ قَالَ أَشْهَبُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ الَّذِي أَوْصَى فِيهِ فَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِبُرْدٍ فَقَطَعَهُ قَمِيصًا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ الْوَصِيَّةِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لَهُ بِقَمِيصٍ فَقَطَعَهُ قَبَاءً، أَوْ جُبَّةً فَرَدَّهَا قَمِيصًا، أَوْ بِبِطَانَةٍ ثُمَّ بَطَّنَ بِهَا ثَوْبًا، أَوْ بِظِهَارَةٍ ثُمَّ ظَهَّرَ بِهَا ثَوْبًا، أَوْ بِقُطْنٍ ثُمَّ حَشَا بِهِ، أَوْ غَزَلَهُ، أَوْ بِفِضَّةٍ ثُمَّ صَاغَهَا خَاتَمًا، أَوْ بِشَاةٍ ثُمَّ ذَبَحَهَا لَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ الِاسْمُ الَّذِي أَوْصَى فِيهِ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا قَالَ: ثَوْبِي لِزَيْدٍ ثُمَّ قَطَعَهُ قَمِيصًا، أَوْ لَبِسَهُ فِي مَرَضِهِ فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ وَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ قَالَ، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِشَقَّةٍ ثُمَّ قَطَعَهَا قَمِيصًا، أَوْ سَرَاوِيلَ كَانَ رُجُوعًا لِتَغْيِيرِ الِاسْمِ فَاتَّفَقَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَلَى مُرَاعَاةِ الِاسْمِ الَّذِي عُلِّقَتْ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ فَإِذَا عُمِلَ فِيهِ عَمَلًا أَزَالَ ذَلِكَ الِاسْمَ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَإِذَا لَمْ يُزِلْ الْعَمَلُ الِاسْمَ فَالْوَصِيَّةُ بَاقِيَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَمَّا كَانَ اسْمُ الثَّوْبِ يَقَعُ عَلَى الشُّقَّةِ قَبْلَ الْقَطْعِ وَبَعْدَهُ لَمْ تَبْطُلْ الْوَصِيَّةُ بِقَطْعِهِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ لَا يُزِيلُ عَنْهُ اسْمَ الثَّوْبِ وَلَمَّا كَانَتْ الشَّقَّةُ لَا تَقَعُ عَلَى الثَّوْبِ إلَّا قَبْلَ الْقَطْعِ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ عَنْهُ الِاسْمَ الَّذِي عُلِّقَتْ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا أَوْصَى لَهُ بِعَرْصَةٍ ثُمَّ بَنَاهَا دَارًا فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: ذَلِكَ رُجُوعٌ، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِدَارٍ فَهَدَمَهَا وَصَيَّرَهَا عَرْصَةً فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِعَرْصَةٍ وَبِنَاءٍ فَأَزَالَ الْبِنَاءَ وَأَبْقَى الْعَرْصَةَ، وَهَذَا رُجُوعٌ مِنْ أَشْهَبَ فِي تَعَلُّقِهِ بِالْأَسْمَاءِ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ ذَلِكَ فِي الزِّيَادَةِ دُونَ النَّقْصِ فَيَكُونُ اسْمُ الدَّارِ وَاقِعًا عَلَى الْبِنَاءِ وَالْعَرْصَةِ وَنَائِبًا عَنْهَا فَإِذَا أَزَالَ الْبِنَاءَ بَقِيَتْ الْعَرْصَةُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الصِّفَةِ وَالِاسْمِ وَكَانَ يَلْزَمُهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إذَا أَوْصَى بِعَرْصَةٍ فَبَنَاهَا أَنْ لَا تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ بِالْعَرْصَةِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الدَّارِ يَتَنَاوَلُ الْعَرْصَةَ وَالْبِنَاءَ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ وَأَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا أَوْصَى لَهُ بِعَرْصَةٍ فَبَنَاهَا كَانَا شَرِيكَيْنِ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ مِنْ الْعَرْصَةِ.
وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ قَدْ زَادَ فِي الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا زِيَادَةً غَيَّرَتْ الِاسْمَ فَكَانَ تَغْيِيرًا لِلْوَصِيَّةِ كَنَسْجِ الْغَزْلِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الزِّيَادَةَ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ عَلَى حَالِهَا لَا تُغَيِّرُ الْوَصِيَّةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ النَّسْجُ فَإِنَّهُ قَدْ غَيَّرَ عَيْنَ الْغَزْلِ، وَأَمَّا الْعَرْصَةُ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلُ فَأُضِيفَ إلَيْهَا مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الْبِنَاءُ كَمَا أُضِيفَ اللِّتَاتُ إلَى السَّوِيقِ وَالصَّبْغُ إلَى الثَّوْبِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا لَيْسَ الْهَدْمُ بِرُجُوعٍ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فَلِمَنْ يَكُونُ النَّقْضُ قَالَ أَشْهَبُ لَا وَصِيَّةَ فِي النَّقْضِ وَرَوَى ابْن عَبْدُوسٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ النَّقْضَ لِلْمُوصَى لَهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ اسْمَ الْبِنَاءِ لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الدَّارِ بَعْدَ النَّقْضِ فَبَطَلَتْ فِيهِ الْوَصِيَّةُ لِعَدَمِ الِاسْمِ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةَ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْهَدْمَ لَيْسَ بِأَكْثَرَ مِنْ تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْوَصِيَّةِ كَقَطْعِ الثَّوْبِ قَمِيصًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِزَرْعٍ ثُمَّ حَصَدَهُ، أَوْ بِثَمَرٍ ثُمَّ جَذَّهُ، أَوْ بِصُوفٍ ثُمَّ جَزَّهُ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَلَوْ دَرَسَهُ وَاكْتَالَهُ وَأَدْخَلَهُ بَيْتَهُ لَكَانَ رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اسْمَ الزَّرْعِ بَاقٍ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحَصَادِ وَصُورَتَهُ ثَابِتَةٌ لَمْ تُغَيَّرْ، وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْهُ تَقْطِيعُهُ وَإِزَالَتُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ فَلَمْ يَكُنْ رُجُوعًا كَقَطْعِ الثَّوْبِ فَأَمَّا إذَا اكْتَالَهُ بَعْدَ دَرْسِهِ وَأَدْخَلَهُ بَيْتَهُ فَإِنْ دَرَسَهُ وَتَبْلِيغُهُ حَدَّ الِاكْتِيَالِ قَدْ غَيَّرَ صُورَتَهُ وَنَقَلَ اسْمَهُ إلَى اسْمِ الْقَمْحِ، أَوْ الشَّعِيرِ فَكَانَ ذَلِكَ رُجُوعًا عَنْ الْوَصِيَّةِ بِالدَّرْسِ وَالتَّصْفِيَةِ، وَأَمَّا إدْخَالُهُ الْبَيْتَ فَإِنَّمَا هُوَ تَأْكِيدٌ لِمَقْصِدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 1776
جَوَازُ وَصِيَّةِ الصَّغِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمُصَابِ وَالسَّفِيهِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ هَاهُنَا غُلَامًا يَفَاعًا لَمْ يَحْتَلِمْ مِنْ غَسَّانَ وَوَارِثُهُ بِالشَّامِّ وَهُوَ ذُو مَالٍ وَلَيْسَ لَهُ هَاهُنَا إلَّا ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَلْيُوصِ لَهَا قَالَ فَأَوْصَى لَهَا بِمَالٍ يُقَالُ لَهُ بِئْرُ جُشَمَ، قَالَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ فَبِيعَ ذَلِكَ الْمَالُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَابْنَةُ عَمِّهِ الَّتِي أَوْصَى لَهَا هِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ.
مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ غُلَامًا مِنْ غَسَّانَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ وَوَارِثُهُ بِالشَّامِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقِيلَ لَهُ إنَّ فُلَانًا يَمُوتُ أَفَيُوصَى قَالَ فَلْيُوصِ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ الْغُلَامُ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَوْصَى بِبِئْرِ جُشَم فَبَاعَهَا أَهْلُهَا بِثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ) .
ــ
[المنتقى]
[جَوَازُ وَصِيَّةِ الصَّغِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمُصَابِ وَالسَّفِيهِ]
(ش) : الْيَفَاعُ هُوَ الْغُلَامُ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَدِينَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الْغُلَامَ كَانَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فَتَارَةٌ كَانَ يَصِفُهُ أَبُو بَكْرٍ بِأَنَّهُ يَفَاعٌ وَتَارَةٌ كَانَ يَصِفُهُ بِأَنَّهُ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ وَقَوْلُهُ لَمْ يَحْتَلِمْ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ لِحَالِهِ وَمَا قَصَدَ وَصْفَهُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ مِنْ حَدِّ الصِّغَرِ، وَالِاحْتِلَامُ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ حَدٌّ بَيْنَ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَيَخْتَصُّ فِي النِّسَاءِ بِالْحَيْضِ فَهُوَ فِيهِنَّ حَدٌّ بَيْنَ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ.
(فَصْلً) وَقَوْلُهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ أَنَّهُ بِالْمَدِينَةِ وَوَارِثُهُ بِالشَّامِ وَلَيْسَ لَهُ بِالْمَدِينَةِ إلَّا بِنْتُ عَمٍّ يُرِيدُ: أَنَّهَا انْفَرَدَتْ بِالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ وَالرِّفْقِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ وَارِثُهُ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِذَلِكَ، أَوْ يُشَارِكُهَا فِيهِ بِالشَّامِ وَلَعَلَّهُ قَدْ قَصَدَ بِذَلِكَ إلَى بِنْتِ عَمِّهِ هَذِهِ مَعَ انْفِرَادِهَا بِالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ وَالتَّعَبِ مَعَهُ وَالتَّمْرِيضِ لَهُ لَا يَعُودُ إلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ وَلَعَلَّ الْغُلَامَ قَدْ أَشْفَقَ مِنْ أَنْ يَخْرُجَ جَمِيعُ مَالِهِ مَعَ رِفْقِهَا بِهِ وَانْفِرَادِهَا بِالْعَنَاءِ مَعَهُ فَنَدَبَهُ عُمَرُ ﵁ إلَى أَنْ يُوصَى لَهَا وَأَعْلَمَهُ أَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ وَسَائِغٌ فِي الشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَجْمَع عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ بِأَنَّ وَصِيَّةَ مَنْ يُمَيِّزُ وَيَفْهَمُ مَا يُوصَى بِهِ مِنْ السَّفِيهِ وَالصَّغِيرِ جَائِزَةٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ تَجُوزُ وَصِيَّةُ السَّفِيهِ وَلَا تَجُوزُ وَصِيَّةُ مَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الصِّغَرَ حَجْرٌ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ مَعَ التَّمْيِيزِ كَالسَّفَهِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ تَجُوزُ وَصِيَّةُ الْيَفَاعِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَأَجَازَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَصِيَّةَ الصَّغِيرِ الَّذِي يَعْقِلُ مَا يُوصِي بِهِ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ وَشَبَّهَهُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ تَجُوزُ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ إذَا عَقِلَا مَا يَفْعَلَانِ، وَهَذَا فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ، وَأَمَّا التَّدْبِيرُ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يَجُوزُ تَدْبِيرُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ،.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَجُوزُ تَدْبِيرُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالتَّدْبِيرِ أَنَّ التَّدْبِيرَ عَقْدٌ لَازِمٌ.
(فَرْعٌ) إذَا أَوْصَى الصَّبِيُّ إلَى غَيْرِ وَصِيِّهِ فَفَرَّقَ ثُلُثَهُ فَلِلْوَصِيِّ أَنْ لَا يَلِيَ غَيْرَهُ تَفْرِيقَ ثُلُثِهِ قَالَهُ أَشْهَبُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ إنْفَاذُ ثُلُثِهِ فِي وُجُوهِ وَصِيَّتِهِ وَلَيْسَ لَهُ صَرْفُ تَوَلِّي ذَلِكَ إلَى غَيْرِ وَصِيِّهِ الَّذِي قَدْ لَزِمَهُ حَجْرُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَصِيَّتُهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَصْدُهُ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلْيُوصِ لَهَا وَهِيَ بِنْتُ عَمِّهِ مِنْ قَرَابَتِهِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْقَرِيبِ الَّذِي لَا يَرِثُ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] فَنُسِخَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْوَارِثِ وَبَقِيَتْ فِي حَقِّ الْوَارِثِ الْقَرِيب
стр. 1777
(ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الضَّعِيفَ فِي عَقْلِهِ وَالسَّفِيهَ وَالْمُصَابَ الَّذِي يُفِيقُ أَحْيَانَا تَجُوزُ وَصَايَاهُمْ إذَا كَانَ مَعَهُمْ مِنْ عُقُولِهِمْ مَا يَعْرِفُونَ مَا يُوصُونَ بِهِ فَأَمَّا مَنْ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ عَقْلِهِ مَا يُعْرَفُ بِذَلِكَ مَا يُوصَى بِهِ وَكَانَ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ فَلَا وَصِيَّةَ لَهُ) .
الْوَصِيَّةُ فِي الثُّلُثِ لَا تَتَعَدَّى (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا فَقُلْت فَالشَّطْرُ
ــ
[المنتقى]
الَّذِي لَا يَرِثُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ إنَّمَا حُجِرَ عَلَيْهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ فِي مَالِهِ لِحَقِّهِ لَا لِحَقِّ غَيْرِهِ فَلَمَّا مَاتَ بَطَلَ أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ لِحَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَبْقَ لَهُ مَنْفَعَةٌ فِي مَالِهِ غَيْرَ مَا يُوصَى بِهِ فَكَانَ النَّظَرُ لَهُ تَجْوِيزُ وَصِيَّتِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْأَجْنَبِيِّ مَعَ وُجُودِ الْقَرَابَةِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَطَاوُسٌ: إنَّ فِعْلَ ذَلِكَ رَدَّتْ وَصِيَّتُهُ إلَى قَرَابَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ مَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ بِثُلُثِهِ رُدَّ إلَى قَرَابَتِهِ مِنْ ذَلِكَ ثُلُثَا الثُّلُثِ وَيُنْفِذُ الثُّلُثَ لِلْمُوصَى لَهُمْ وَبِهِ قَالَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَوْصَى لَهَا بِمَالٍ يُقَالُ لَهُ بِئْرُ جُشَمَ يَقْتَضِي أَنَّ اسْمَ الْمَالِ يَقَعُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْأَرَضِينَ وَالْأُصُولِ الثَّابِتَةِ وَقَوْلُهُ فَبِيعَ ذَلِكَ الْمَالُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَلَى مَعْنَى الْأَخْبَارِ عَنْ تَجْوِيزِ وَصِيَّتِهِ بِكَثِيرِ الْمَالِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِقَلِيلِهِ وَأَنَّ وَصِيَّتَهُ تَصِحُّ بِالتَّمْلِيكِ الْمُطْلَقِ لِلْأَعْيَانِ وَلَا تَخْتَصُّ بِالتَّحْبِيسِ وَالتَّسْبِيلِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَنَّ ابْنَةَ عَمِّهِ الْمُوصَى لَهَا هِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ يَقْتَضِي الْإِشَارَةَ إلَى تَصْحِيحِ الرِّوَايَةِ وَمُرَاعَاةُ الرَّاوِي الَّذِي هُوَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ لَهَا لِتَعَلُّقِهَا بِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشِيرَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ وَصِيَّةَ الصَّغِيرِ تَجُوزُ لِلْغَنِيِّ إنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالْغِنَى وَغَيْرَ دَاخِلَةٍ فِي جُمْلَةِ الْفُقَرَاءِ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّهُ تَجُوزُ وَصِيَّةُ الضَّعِيفِ فِي عَقْلِهِ يُرِيدُ الضَّعِيفَ الْعَقْلَ وَهُوَ الَّذِي لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ وَيَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَلِي أَمْرَهُ لِعَجْزِهِ عَنْ مُبَاشَرَةِ أَحْوَالِهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُمَيِّزُ وَيَفْهَمُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ تَجُوزُ وَصِيَّةُ الْأَحْمَقِ يُرِيدُ بِذَلِكَ الَّذِي وَصَفْنَاهُ بِضَعْفِ الْعَقْلِ وَأَمَّا السَّفِيهُ فَإِنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الَّذِي يُتْلِفُ مَالَهُ فِي وُجُوهِ السَّفَهِ، أَوْ يَشْتَغِلُ عَنْ تَثْمِيرِهِ وَحِفْظِهِ بِالْبَطَالَةِ، وَأَمَّا الْمُصَابُ فَهُوَ الَّذِي أُصِيبَ بِعَقْلِهِ أَمَّا بِصَرْعٍ، أَوْ بِمَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِذَا كَانَ يُفِيقُ أَحْيَانَا وَكَانَتْ وَصِيَّتُهُ حِينَ إفَاقَتِهِ فَهِيَ جَائِزَةٌ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: تَجُوزُ وَصِيَّةُ الْمَجْنُونِ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ كَمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ إنْ كَانَ عَدْلًا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا أَدَانَ الْمَوْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ كَالْحَيِّ إلَّا أَنْ يُوصَى بِهِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ كِنَانَةٍ: وَإِنْ كَانَ سَمَّى ذَلِكَ النَّقْصَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، أَوْ لَمْ يَجْعَلْهُ فِي ثُلُثِهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى وَرَثَتِهِ فَإِذَا أَوْصَى بِهِ عَلَى وَجْهِ الْوَصِيَّةِ فَهُوَ مَبْدَأٌ عَلَى وَصَايَاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا تَدْبِيرُ السَّفِيهِ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إنْ دَبَّرَ السَّفِيهُ خَادِمًا كَثِيرَةَ الثَّمَنِ لَمْ يَجُزْ تَدْبِيرُهُ وَيَجُوزُ فِي قَلِيلَةِ الثَّمَنِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَجُوزُ تَدْبِيرُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يَبْطُلُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَهُ تَدْبِيرُ عَبْدِهِ فِي الْمَرَضِ فَإِذَا صَحَّ بَطَلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةٍ تَجُوزُ وَصِيَّةُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَتَدْبِيرُهُ وَمَا لَا يَقَعُ فِيهِ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ مَالِهِ فِي حَيَاتِهِ وَعَدَمِ رُشْدِهِ، وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لَهُ حُكْمَ الْوَصِيَّةِ فَإِذَا دَبَّرَ فِي مَرَضِهِ رُوعِيَ أَمْرُهُ فَإِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ فَحُكْمُ التَّدْبِيرِ وَالْوَصِيَّةِ وَاحِدٌ فَيَنْفُذُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَفَاقَ بَطَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ.
стр. 1778
قَالَ لَا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إنَّك إنْ تَذَرْ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَإِنَّك لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْت حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِك قَالَ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّك لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا إلَّا ازْدَدْت بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً وَلَعَلَّك أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِك أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِك آخَرُونَ اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ لَكِنَّ الْبَائِسَ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ» )
ــ
[المنتقى]
[الْوَصِيَّةُ فِي الثُّلُثِ لَا تَتَعَدَّى وَفِيهِ أَبْوَاب]
(ش) : قَوْلُ سَعْدٍ: " جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ " سُنَّةٌ فِي عِيَادَةِ الْمَرْضَى وَهِيَ مِنْ الْقُرَبِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْد بْنِ مُقَرِّنٍ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَتَّبِعَ الْجَنَائِزَ وَنَعُودَ الْمَرْضَى وَنُفْشِيَ السَّلَامَ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁: " قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى " دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إخْبَارِ الْعَلِيلِ بِشِدَّةِ حَالِهِ إذَا تَسَبَّبَ بِذَلِكَ إلَى النَّظَرِ فِي دِينِهِ وَيَجُوزُ ذَلِكَ إذَا تَسَبَّبَ بِذَلِكَ إلَى مُعَانَاةِ أَلَمِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ مَنْ يَرْجُو بَرَكَةَ دُعَائِهِ وَيُخْبِرَ بِذَلِكَ مَنْ يُعْلَمُ إشْفَاقُهُ.
وَقَدْ رَوَى الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْد «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ دَخَلْت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك تُوعَكُ وَعْكًا قَالَ: أَجَلْ إنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ» ، وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ «عَائِشَةَ قَالَتْ: وَارَأْسَاهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أُوصِيَ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَاَللَّهِ وَأَعْهَدُ» ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مَا كَانَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّشَكِّي وَالتَّسَخُّطِ وَذَلِكَ مُحْبِطٌ لِلْأَجْرِ، أَوْ مُؤَثِّرٌ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي هَذَا اللَّفْظُ، وَإِنْ كَانَ يَقَعُ عَلَى يَسِيرِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي كَثِيرِهِ وَاسْتَكْثَرَ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَالِ لِلِابْنَةِ لِانْفِرَادِهَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ وَمَا كَانَتْ جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعُدُّ الْمَالَ لِلنِّسَاءِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تَعُدُّهُ لِلرِّجَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ظَنَّ أَنَّهَا تَنْفَرِدُ بِجَمِيعِ الْمَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَكْثَرَ نِصْفَ مَالِهِ لَهَا وَرَأَى أَنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ بِنِصْفِهِ يَكْفِيهَا نِصْفُ مَا يَبْقَى مِنْهُ بَعْدَ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي يُرِيدُ مِنْ النِّسَاءِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي أَنْ يُبَتِّلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ الْمِقْدَارَ فِي وُجُوهِ بِرٍّ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الثُّلُثَيْنِ ثُمَّ عَنْ الشَّطْرِ وَأَبَاحَ لَهُ الثُّلُثَ وَوَصَفَهُ بِالْكَثْرَةِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ كَثِيرٌ مَا أَبَاحَ لِلْمَرِيضِ التَّصَرُّفَ فِيهِ مِنْ مَالِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ فَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ فَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لَهُ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَوْ غَضَّ النَّاسُ إلَى الرُّبْعِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَوْ كَبِيرٌ» فَحُمِلَ قَوْلُهُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ عَلَى اسْتِكْثَارِ الثُّلُثِ فِي الْوَصِيَّةِ وَالنَّدْبُ إلَى التَّقْصِيرِ عَنْهُ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ أَوْصَى بِالرُّبْعِ وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بِالْخُمْسِ، وَقَالَ: رَضِيت فِي وَصِيَّتِي بِمَا رَضِيَ اللَّهُ بِهِ لِنَبِيهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ» لِقَوْلِهِ «إنَّك إنْ تَذَرْ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» فَثَبَتَ بِذَلِكَ حَقٌّ لِلْوَرَثَةِ فِي مَالِ الْمَرِيضِ بِمَنْعِ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَجَوَّزَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ لَهُ مَنْ يَعْقِلُ
стр. 1779
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَنْهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ أَصْلُ ذَلِكَ مَنْ يَرِثُهُ بَنُوهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ فَأَجَازَتْهُ الْوَرَثَةُ جَازَ وَيَكُونُ ذَلِكَ تَنْفِيذًا مِنْهُمْ لِفِعْلِ الْمُوصِي وَلَمْ يَكُنْ ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ مِنْهُمْ لِلْمُوصَى لَهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: إنَّهَا ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا هُوَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ فَإِذَا أَجَازُوا فَقَدْ تَرَكُوا مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ الِاعْتِرَاضِ وَالْفَسْخِ لِفِعْلِ الْمَيِّتِ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَأْذَنُوا لَهُ قَبْلَ أَنْ يُوصِيَ وَبِمَنْزِلَةِ حُكْمِ الثُّلُثِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ رَدَّهُ الْوَرَثَةُ رَدَّ مِنْهُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَلَيْسَ لَهُمْ رَدُّ شَيْءٍ مِنْ الثُّلُثِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حُقُوقَهُمْ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَتَعَدَّوْهُ إلَى مَا لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ حُقُوقُهُمْ؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ تَتَعَلَّقُ بِثُلُثَيْ الْمَالِ بِمَرَضِ الْمُوصِي، وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ حُقُوقُهُمْ بِالثُّلُثِ الْبَاقِي بِمَوْتِ مَوْرُوثِهِمْ دُونَ وَصِيَّةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَتَصَدَّقُ بِمَا تَرَكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَالِي يُجْرِيه فِي وَجْهِهِ مِثْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلْيَدْفَعْ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَعْتَقَ نَصْرَانِيًّا فَمَاتَ النَّصْرَانِيُّ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَلْيَتَصَدَّقْ بِمَالِهِ وَلَا يُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَالِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِهِ وَلَا يَصْرِفَهُ فِي غَيْرِ وُجُوهِ الْبِرِّ فَإِذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَصْرِفُهُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ سَاغَ لِمَنْ كَانَ بِيَدِهِ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَوْصَى لَهُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهِ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَتَصَدَّقُ بِذَلِكَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ لَا عَنْ الْمَيِّتِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مِلْكَ الْمُوصِي قَدْ زَالَ عَنْ ثُلُثَيْ مَالِهِ إلَى وَارِثٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا دَفَعَ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ تَصَدَّقَ بِهِ عَمَّنْ صَارَ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَوْصَى نَصْرَانِيٌّ بِجَمِيعِ مَالِهِ لِلْكَنِيسَةِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُدْفَعُ إلَى أَسَاقِفَتِهِمْ ثُلُثُ مَالِهِ وَثُلُثَاهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَإِنَّ مَالَهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَالْحُكْمُ فِي تَرِكَتِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ النَّاظِرِ فِي الْكَنِيسَةِ فَيَجْرِي عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَصِيَّةُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ دُونَ إذْنِ الْوَرَثَةِ فَإِنْ أَذِنُوا لَهُ نَفَّذَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
فَإِنْ حَمَلْنَا قَوْلَهُ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي عَلَى إبْتَالِ الصَّدَقَةِ فِي الْمَرَضِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ اللَّفْظَ فِي الثُّلُثِ عَلَى أَنَّهُ كَثِيرٌ وَعَلَى هَذَا فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَبْتِلَ مِنْ مَالِهِ إلَّا ثُلُثَهُ بِصَدَقَةٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ مُحَابَاةٍ فِي بَيْعٍ فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَالزِّيَادَةُ مَوْقُوفَةٌ مُرَاعَاةً، فَإِنْ أَفَاقَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ إنْ أَجَازَهُ الْوَرَثَةُ وَإِلَّا رَدَّ إلَى الثُّلُثِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ قَبْضُ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ، وَشَدَّدَ أَهْلُ الظَّاهِرِ فَقَالُوا بَلْ يَلْزَمُهُ الْجَمِيعُ إذَا قُبِضَتْ الْهِبَةُ، أَوْ الصَّدَقَةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ سَعْدِ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : لَا، ثُمَّ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي رَدِّ مَا ادَّعَوْهُ، وَدَلِيلٌ ثَانٍ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الَّذِي «أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ فَأَقْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَرَدَّ أَرْبَعَةً» .
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَ الْحَجْرِ يَلْحَقُ الْمَرِيضَ فِي ثُلُثَيْ مَالِهِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الْحَجْرِ فِيمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ مِنْ الْإِنْفَاقِ فِي الْأَكْلِ وَالْكِسْوَةِ وَالتَّدَاوِي وَالْعِلَاجِ وَشِرَاءِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَدْوِيَةِ وَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ
وَيُمْنَعُ مِنْ السَّرَفِ
وَمَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إخْرَاجُ مَالٍ عَلَى غَيْرِ عِوَضٍ يَسْتَفِيدُهُ أَوْ وَرَثَتُهُ فَكَانَ فِي مَعْنَى إضَاعَتِهِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ قَالَ وَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِ الْمَالِ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِقْدَارِهِ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَلَا يُمْنَعُ الْمَرِيضُ مِنْ الْبَيْعِ وَالِابْتِيَاعِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُحَابَاةٌ، أَوْ ضَرَرٌ بِالْوَرَثَةِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَهِبَتُهُ لِلثَّوَابِ كَبَيْعِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا بَاعَ
стр. 1780
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَبْدًا لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ فَوَضَعَ فِيهِ فَإِنْ كَانَتْ الْمُحَابَاةُ قَدْرَ ثُلُثِهِ جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ جَازَ مِنْهَا قَدْرَ الثُّلُثِ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ أَسْلَمَ فِي سِلْعَةٍ ثُمَّ أَقَالَ مِنْهَا فِي مَرَضِهِ فَمَاتَ وَلَمْ يَدَّعِ غَيْرَهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُحَابَاةٌ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ مُحَابَاةٌ خُيِّرَ الْوَرَثَةُ بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَقْطَعُوا لَهُ بِثُلُثِ مَا عَلَيْهِ وَمِثْلَهُ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ.
وَقَالَ عِيسَى: يَمْضِي لَهُ مِنْهُ مَا لَا مُحَابَاةَ فِيهِ ثُمَّ يُخَيَّرُ الْوَرَثَةُ فِي بَاقِيه فَإِمَّا سَلَّمُوهُ، وَإِمَّا قَطَعُوهُ بِثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ فِي بَاقِي الْعَبْدِ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا تَعُودُ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ مُحَابَاتَهُ فِي ثُلُثِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ قَصَدَ إلَى بَيَانِ مُنْتَهَى الْحُكْمِ وَبَعْضَهُمْ قَصْد إلَى صِفَةِ تَنَاوُلِ الْأَمْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قَالَ الْمُبْتَاعُ أَنَا أَدْفَعُ بَقِيَّةَ ثَمَنِ الْعَبْدِ وَآخُذُهُ فَقَدْ قَالَ عِيسَى وَأَصْبَغُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ عِيسَى وَلَا لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُلْزِمُوهُ ذَلِكَ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ أَخْذَ بَقِيَّةِ الثَّمَنِ مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ الْمَبِيعِ يَوْمَ الْبَيْعِ لَا يَوْمَ يَمُوتُ الْبَائِعُ، قَالَهُ أَصْبَغُ سَوَاءٌ كَانَ الْبَيْعُ مِنْ وَارِثٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُبْتَاعَ يَضْمَنُ الْمَبِيعَ مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ فَيَجِبُ أَنْ يَنْظُرَ فِي قِيمَتِهِ يَوْمَ الْبَيْعِ فَإِنْ زَادَتْ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِيمَةُ، أَوْ نَقَصَتْ فَإِنَّمَا طَرَأَ ذَلِكَ عَلَى مِلْكِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ بَاعَ فِي مَرَضِهِ وَرِقًا بِذَهَبٍ فَحَابَى فِي ذَلِكَ، أَوْ أَوْصَى أَنْ يُبَاعَ ذَلِكَ مِنْهُ وَفِيهِ مُحَابَاةٌ، أَوْ لَا مُحَابَاةَ فِيهِ فَهُوَ جَائِزٌ، قَالَهُ أَصْبَغُ قِيلَ: قَدْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّهُ حَرَامٌ لِلتَّأْخِيرِ، قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ إلَّا حَلَالًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّأْخِيرَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْفَسْخِ فَهُوَ جَائِزٌ حَتَّى يَرُدَّ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ نَحَلَ ابْنَهُ فِي مَرَضِهِ فَتَزَوَّجَ الِابْنُ لِذَلِكَ وَدَخَلَ، أَوْ زَوَّجَهُ هُوَ بِذَلِكَ فَذَلِكَ مَرْدُودٌ إلَى الْوَرَثَةِ وَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ وَتَتْبَعُهُ الزَّوْجَةُ بِالْمَهْرِ مِنْ الْمَوَّازِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا هِبَةٌ فِي الْمَرَضِ فَلَا تَفُوتُ بِالْقَبْضِ وَإِنَّمَا لَهَا حُكْمُ الْوَصِيَّةِ إنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «إنَّك إنْ تَذَرْ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِسَعْدٍ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ لَهُ فِيمَا هُوَ خَيْرٌ لِغَيْرِهِ دُونَهُ، وَذَلِكَ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَقَاءَ وَرَثَتِهِ فِي غِنًى عَنْ النَّاسِ أَطْيَبُ لِنَفْسِهِ مِنْ أَنْ يَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَهَذَا الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ فَمَا مِنْ أَحَدٍ فِي الْأَغْلَبِ إلَّا يُرِيدُ الْخَيْرَ وَالْخَصْبَ لِذُرِّيَّتِهِ وَرُبَّمَا آثَرَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُشِيرَ بِذَلِكَ ﷺ إلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَأَكْثَرُ لِأَجْرِهِ أَمَّا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْبَنَاتِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْبَنِينَ وَإِمَّا؛ لِأَنَّ صِلَةَ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ أَوْلَى مِنْ صِلَةِ مَنْ بَعُدَ مِنْهُ وَأَعْظَمُ لِأَجْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] وَقَوْلُهُ ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: ٣٦] فَقَدَّمَ الْوَالِدَيْنِ ثُمَّ ذَا الْقُرْبَى وَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَإِمَّا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ قَدْ تَعَلَّقَ بِثُلُثَيْ مَالِهِ تَعَلُّقًا مَنَعَ الْقَلِيلَ مِنْهُ فَخُيِّرَ لَهُ الرِّضَا بِذَلِكَ وَالتَّسْلِيمَ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ مَنْ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى إتْلَافِهِ فَتَبْقَى الْوَرَثَةُ بَعْدَهُ فُقَرَاءَ عَالَةً، وَإِنَّمَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْوَصِيَّةِ لِمَنْ تَرَكَ غِنًى دُونَ مَنْ لَا يَتْرُكُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْغِنَى فِيهِ خَيْرٌ، وَلَوْ كَانَ الْغِنَى شَرًّا لَكَانَ خَيْرًا لَهُ أَنْ لَا يَدَعَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: " وَإِنَّك لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرَتْ بِهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِك " يَقْتَضِي أَنَّ النَّفَقَةَ إذَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ وَالتَّعَفُّفُ وَالتَّسَتُّرُ وَأَدَاءُ الْحَقِّ وَالْإِحْسَانُ إلَى الْأَهْلِ وَعَوْنُهُمْ بِذَلِكَ عَلَى الْخَيْرِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ الَّتِي يُؤْجَرُ بِهَا الْمُنْفِقُ وَإِنْ كَانَ مَا يُطْعِمُهُ امْرَأَتَهُ، وَإِنْ كَانَ غَالِبُ الْحَالِ أَنَّ إنْفَاقَ
стр. 1781
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْإِنْسَانِ عَلَى أَهْلِهِ لَا يُهْمِلُهُ وَلَا يُضَيِّعُهُ وَلَا يَسْعَى إلَّا لَهُ مَعَ كَوْنِ الْكَثِيرِ مِنْهُ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَمَا يُنْفِقُهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ أَيْضًا يُؤْجَرُ فِيهِ إذَا قَصَدَ بِذَلِكَ التَّقَوِّيَ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁: " قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي " يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُخَلَّفَ بِمَكَّةَ بَعْدَ انْصِرَافِ أَصْحَابِهِ إلَى الْمَدِينَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إشْفَاقًا مِنْ بَقَائِهِ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا وَمَنْعِ الْمَرَضِ لَهُ عَنْ الرَّحِيلِ مَعَ أَصْحَابِهِ إلَى الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ إلَيْهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْهِجْرَةِ لَمْ يَنْقَطِعْ بَعْدَ الْفَتْحِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ قَبْلَ الْفَتْحِ يُرِيدُ لَا تُفْتَتَحُ الْهِجْرَةُ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَأَمَّا مَنْ هَاجَرَ قَبْلَ الْفَتْحِ فَإِنَّ حُكْمَ الْهِجْرَةِ ثَابِتٌ فِي حَقِّهِ لَازِمٌ لَهُ إلَى أَنْ يُتَوَفَّى يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ ثَلَاثًا بَعْدَ الصَّدْرِ فَعَلَى هَذَا مَنْ لَزِمَهُ حُكْمُ الْهِجْرَةِ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ، وَقَدْ مَنَعَ مِنْ الرُّجُوعِ عَنْهُ وَلَزِمَهُ الْمُقَامُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ أَقَامَ وَالنُّصْرَةُ لَهُ وَالْحِمَايَةُ، وَمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ قَبْلَ الْفَتْحِ لَمْ يَلْزَمْهُ هَذَا الْحُكْمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ : " إنَّك لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إلَّا ازْدَدْت بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً " يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إنَّك إنْ خُلِّفْت فَعَمِلْت عَمَلًا صَالِحًا ازْدَدْت بِهِ دَرَجَةً وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ هَاهُنَا: " إنَّك لَنْ تُخَلَّفَ " وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخَلَّفَ بِمَعْنَى أَنْ يُنْسَأَ فِي أَجْلِك فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا، وَالثَّانِي: أَنْ يُخَلَّفَ بِمَكَّةَ التَّخَلُّفَ الَّذِي أَشْفَقَ هُوَ مِنْهُ فَيَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ بَقَاءَهُ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا لِضَرُورَةِ الْمَرَضِ لَا يُبْطِلُ شَيْئًا مِنْ هِجْرَتِهِ بَلْ مَا عَمِلَ فِيهَا مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَكْتُوبَةٌ لَهُ يَزِيدُ فِي دَرَجَاتِهِ وَيَرْجِعُ مِيزَانُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا يُحْبَطُ مِنْ فَضْلِ الْهِجْرَةِ الْبَقَاءُ فِيهَا عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ دُونَ ضَرُورَةٍ إلَى الْمَوْتِ فِيهَا عَلَى قَوْلِ قَوْمٍ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِيهِ إخْبَارٌ لِسَعْدٍ أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ بِمَكَّةَ لِقَوْلِهِ ﷺ أَنَّهُ يَزْدَادُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَعَ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ دَرَجَةً وَرِفْعَةً عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَإِلَى أَنَّ مَنْ مَرِضَ بِمَكَّةَ وَهُوَ عَلَى حُكْمِ الْهِجْرَةِ، وَلَوْ كَانَ بِمَكَّةَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَكَانَ عَمَلُهُ بِمَكَّةَ لَا يُبْلِغُهُ دَرَجَةَ الْمُهَاجِرِينَ فَكَيْف أَنْ يَزْدَادَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: " لَعَلَّك أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِك أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِك آخَرُونَ " التَّخَلُّفُ هَاهُنَا الْإِبْقَاءُ بَعْدَ مَنْ يَمُوتُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ أَنَّ سَعْدًا مَرَّ عَلَى الْعِرَاقِ فَأُتِيَ بِقَوْمٍ ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ وَسَجَعُوا سَجْعَ الْكُهَّانِ فَاسْتَتَابَهُمْ فَأَتَى بَعْضُهُمْ فَقَتَلَهُمْ فَضَرَّ أُولَئِكَ وَتَابَ بَعْضُهُمْ فَانْتَفَعُوا بِهِ وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى بَقَائِهِ بَعْدَهُ ﷺ إلَى وَقْتِ وُلِّيَ أَمْرَ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهَا وَقَادَ الْجُيُوشَ فَانْتَفَعَ بِهِ مَنْ اسْتَحَقَّ النَّفْعَ وَاسْتَضَرَّ بِهِ مَنْ اسْتَحَقَّ الضَّرَرَ وَكَانَ فِي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ لَهُ عَلَى أَنَّهُ سَيَمْلِكُ أَنْ يَنْفَعَ وَيَضُرَّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدُّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ الْبَقَاءَ مَعَ الِاخْتِيَارِ بِمَكَّةَ مِمَّا يُؤَثِّرُ فِي الْهِجْرَةِ وَهُوَ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ عَلَى الْعَقِبِ وَمُخَالَفَةِ مَا ابْتَدَأَهُمْ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَأَنَّ تَوْفِيقَهُمْ وَعَوْنَهُمْ عَلَى مُلَازَمَةِ الْمَدِينَةِ دَارِ الْهِجْرَةِ مِنْ إمْضَاءِ الْهِجْرَةِ لَهُمْ وَتَصْحِيحُهَا فِي جَنْبَتِهِمْ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَلَّفَ رَجُلًا عَلَى سَعْدٍ، وَقَالَ لَهُ إنْ مَاتَ بِمَكَّةَ فَلَا تَدْفِنُهُ بِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ لَكِنَّ الْبَائِسَ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ الْبَائِسُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ الَّذِي يَتَبَيَّنُ عَلَيْهِ أَثَرُ الْبُؤْسِ مِنْ شِدَّةِ الْفَقْرِ وَقَوْلُهُ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنْ مَاتَ بِمَكَّةَ ذَكَرَ ابْنُ مُزَيْنٍ
стр. 1782
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي التَّحَاصُصِ بِالْوَصَايَا عِنْدَ ضِيقِ الثُّلُثِ مَعَ تَسَاوِيهَا فِي التَّقْدِيمِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ وَيَقُولُ غُلَامِي يَخْدُمُ فُلَانًا مَا عَاشَ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ فَيُوجَدُ الْعَبْدُ ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ قَالَ فَإِنَّ خِدْمَةَ الْعَبْدِ تُقَوَّمُ ثُمَّ يَتَحَاصَّانِ يُحَاصُّ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِالثُّلُثِ بِثُلُثِهِ وَيُحَاصُّ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ بِمَا قُوِّمَ لَهُ مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ، أَوْ مِنْ إجَارَتِهِ إنْ كَانَتْ لَهُ إجَارَةٌ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ فَإِذَا مَاتَ الَّذِي جُعِلَتْ لَهُ خِدْمَةُ الْعَبْدِ مَا عَاشَ عَتَقَ الْعَبْدُ)
ــ
[المنتقى]
أَنَّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُهَاجِرْ حَتَّى مَاتَ فَكَرِهَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ وَرَثَى لَهُ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ شَهِدَ بِدَارٍ ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى مَكَّةَ وَمَاتَ بِهَا وَرَوَى ابْنُ بُكَيْر عَنْ اللَّيْثِ أَنَّهُ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ فِي عَامِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ سَنَةَ سَبْعٍ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ عِنْدِي أَظْهَرُ، وَهَذَا ظَاهِرُ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَثَى لَهُ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لِمَوْتِ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ تَأْثِيرًا فِي هِجْرَتِهِ وَثَلْمًا لَهَا إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَنْ اخْتَارَ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِمَنْ مَاتَ بِهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَتَعَلُّقُ ذَلِكَ بِالِاخْتِيَارِ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ عَلَى أَنَّهُ قَلَّ مَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَلَعَلَّهُ قَدْ أُجِيبَتْ فِيهِمْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﷺ اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي التَّحَاصُصِ بِالْوَصَايَا عِنْدَ ضِيقِ الثُّلُثِ مَعَ تَسَاوِيهَا فِي التَّقْدِيمِ]
(ش) : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ وَسُكْنَى الدَّارِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَا يَصِحُّ ذَلِكَ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا تَمْلِيكُ مَنَافِعَ فَصَحَّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ كَالْعَرِيَّةِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ أَوْصَى لَهُ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ، أَوْ سُكْنَى دَارٍ جَازَ لَهُ أَنْ يُكْرِيَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمُوصِيَ أَرَادَ أَنْ يَسْكُنَهَا بِنَفْسِهِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ مَنَافِعُ فَصَحَّ بَدَلُهَا فَجَازَ لِمَنْ مَلَكَهَا أَخْذُ عِوَضٍ عَنْهَا كَالْمُسْتَأْجِرِ قَالَ ذَلِكَ كُلُّهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ وَيَخْدُمُ غُلَامُهُ فُلَانًا مَا عَاشَ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ:.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْوَصَايَا إذَا ضَاقَ عَنْهَا الثُّلُثُ وَتَسَاوَتْ فِي التَّأْكِيدِ وَقَعَتْ الْمُحَاصَّةُ فِيهَا سَوَاءٌ كَانَتْ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ وَوَقْتٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَمَجَالِسَ شَتَّى.
وَالْبَابُ الثَّانِي: فِي أَخْذِ الْمُوصَى لَهُ مَا يُوجِبُ الْوَصِيَّةُ لَهُ عِنْدَ ضِيقِ الثُّلُثِ فِي عَيْنِ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ.
وَالْبَابُ الثَّالِثُ: فِي الْمُحَاصَّةِ بِالتَّعْمِيرِ وَمُدَّةِ التَّعْمِيرِ.
وَالْبَابُ الرَّابِعُ: فِي تَبْدِئَةِ بَعْضِ الْوَصَايَا عَلَى بَعْضٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي التَّحَاصُصِ بِالْوَصَايَا عِنْدَ ضِيقِ الثُّلُثِ مَعَ تَسَاوِيهَا فِي التَّقْدِيمِ) أَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَصَايَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنْ يَنْفُذَ مِنْهَا مَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَلَا يَبْطُلُ مِنْهَا إلَّا مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَجْمَعَ مَعَ مَا يَثْبُتُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِيمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِنِصْفِهِ أَنَّ الثُّلُثَ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ، وَلَوْ أَوْصَى لِآخَرَ بِجَمِيعِهِ لَكَانَ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: هُوَ بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ التَّفَاضُلَ فِي الْوَصِيَّةِ يَقْتَضِي التَّفَاضُلَ فِي الْقِسْمَةِ كَمَا لَوْ اتَّسَعَ الثُّلُثُ لِذَلِكَ، وَهَذَا حُكْمُ الْفَرَائِضِ فِي الْعَوْلِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الثُّلُثَ سُدُسَانِ وَالنِّصْفَ ثَلَاثَةُ أَسْدَاسٍ فَيَكُونُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ خُمُسَا الثُّلُثِ وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ، وَهَذَا حُكْمُ الْجَمِيعِ مَعَ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ فِي الْجَمِيعِ ثَلَاثَةَ أَثْلَاثٍ وَالثُّلُثَ الْمُنْفَرِدَ رَابِعٌ وَهُوَ رُبْعُ الْجَمِيعِ فَلِصَاحِبِ الْجَمِيعِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الثُّلُثِ الَّذِي يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ إنْفَاذُهُ وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ رُبْعُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِعَبْدٍ وَهُوَ سُدُسُ الْمَالِ فَإِنَّمَا الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمِ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثَاهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ ثُلُثُهُ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ اسْتَوْعَبَتْ مَا كَانَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَصِيَّةُ بِالْعَبْدِ وَهُوَ سُدُسٌ وَالْوَصَايَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْجَوَازِ بِمَا أَمْكَنَ
стр. 1783
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
ذَلِكَ فَوَجَبَ التَّحَاصُّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَوْصَى بِعَبْدِهِ مَيْمُونٍ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِعَمْرٍو وَلَمْ يَذْكُرْ رُجُوعًا عَنْ الْوَصِيَّةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْنِ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ دَارًا لَكَانَتْ بَيْنَهُمَا، أَوْ مَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ مِنْهَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ هُوَ لِلْآخَرِ وَدَلِيلُنَا مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْوَصَايَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُحَاصَّةِ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ مُقَدَّرَةٌ فِي الْمَالِ تَنْتَقِلُ عَنْ مَيِّتٍ إلَى مَالِكٍ دُونَ عِوَضٍ كَالْمَوَارِيثِ الَّتِي يَدْخُلُهَا الْعَوْلُ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ رُجُوعٌ عَنْ الْأَوَّلِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: عَبْدِي الَّذِي أَوْصَيْت بِهِ لِزَيْدٍ هُوَ لِعَمْرٍو فَهَذَا رُجُوعٌ فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ الثَّانِي فَلَا شَيْءَ فِيهِ لِلْأَوَّلِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ وَذَكَرَ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ إذَا قَالَ عَبْدِي لِفُلَانٍ وَهُوَ لِفُلَانٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ رَدَّ الثَّانِي فَنَصِيبَهُ لِلْوَرَثَةِ فَأَمَّا قَوْلُهُ هُوَ لِفُلَانٍ وَهُوَ لِفُلَانٍ فَوَجْهُ التَّشْرِيكِ فِيهِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عَبْدِي الَّذِي أَوْصَيْت بِهِ لِزَيْدٍ هُوَ لِعَمْرٍو أَنَّهُ رُجُوعٌ.
فَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ عَبْدِي الَّذِي أَوْصَيْت بِهِ لِزَيْدٍ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ غَيْرِ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهِ الْجَوَابُ وَجَوَابُهُ هُوَ لِعَمْرٍو، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا جَمِيعُ الْخَبَرِ، وَذَلِكَ يُفِيدُ نَقْلَ الْوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ الْعَبْدِ كَمَا لَوْ قَالَ عَبْدِي مَيْمُونٌ لِعَمْرٍو، وَإِذَا قَالَ: عَبْدِي مَيْمُونٌ وَصِيَّةً لِزَيْدٍ ثُمَّ قَالَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَوْ مَجْلِسٍ آخَرَ عَبْدِي مَيْمُونٌ لِعَمْرٍو فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ قَائِمًا بِنَفْسِهِ مُسْتَقِلًّا بِخَبَرِهِ لَا يُفِيدُ إلَّا مَا يُفِيدُهُ الْآخِرُ فَوَجَبَ التَّشْرِيكُ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ قَالَ الْعَبْدُ الَّذِي أَوْصَيْت بِهِ لِفُلَانٍ هُوَ وَصِيَّةٌ لِفُلَانٍ رَجُلٍ آخَرَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ فِي الْوَصِيَّةِ الْأَخِيرَةِ مَا يُنْقِصُ الْأُولَى فَهِيَ نَاقِصَةٌ لَهَا فَلَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّ الثَّانِيَةَ نَاقِصَةٌ لَمَّا كَانَتْ عِنْدَهُ مُحْتَمِلَةً، أَوْ غَيْرَ بَيِّنَةٍ، وَإِنَّمَا الرُّجُوعُ الْبَيِّنُ عَنْ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَقُولَ هُوَ لِزَيْدٍ بَلْ لِعَمْرٍو، أَوْ يَقُولَ قَدْ صَرَفْته مِنْ زَيْدٍ إلَى عَمْرٍو فَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالتَّصْرِيحِ بِصَرْفِهِ عَنْ الْمُوصَى لَهُ بِهِ أَوَّلًا وَلَا اعْتِبَارَ بِالنَّصِّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَهُ لِلْمُوصَى لَهُ بِهِ آخِرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَوْصَى بِعَبْدٍ لِوَارِثٍ مِنْ وَرَثَتِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِأَجْنَبِيٍّ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ نَصِيبَ الْوَارِثِ رَجَعَ مِيرَاثًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَوْصَى بِهِ فِي وَجْهَيْنِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ التَّشْرِيكَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنَّ نَصِيبَ الْوَارِثِ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ وَلَا خِيَارَ لَهُمْ فِي نَصِيبِ الْأَجْنَبِيِّ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ إذَا حَمَلَ الثُّلُثَ الْعَبْدُ، وَلَوْ أَوْصَى لِأَجْنَبِيٍّ وَلِوَارِثٍ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرَهُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ مُقَدَّمٌ فِي الثُّلُثِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ لَهُ بِهَا مَا كَانَ يَصِيرُ لَهُ دُونَهَا فَلِذَلِكَ قُدِّمَ الْأَجْنَبِيُّ عَلَيْهِ وَإِذَا أَوْصَى لِأَجْنَبِيٍّ وَلِوَارِثٍ مِنْ جُمْلَةِ وَرَثَتِهِ كَانَ لِوَصِيَّةِ الْوَارِثِ تَأْثِيرٌ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ بِهَا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ دُونَهَا فَلَمْ يُقَدَّمْ الْأَجْنَبِيُّ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ فَهُوَ رُجُوعٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَّرَ الْوَصِيَّةَ بِعِتْقِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ الْعِتْقُ يَبْدَأُ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ الْعِتْقَ مَبْدَأٌ قُدِّمَ، أَوْ أُخِّرَ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَائِهِ فَإِذَا امْتَنَعَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْعِ حُمِلَ عَلَى الرُّجُوعِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الْوَصِيَّتَيْنِ إذَا اجْتَمَعَتَا فِي عَيْنٍ قُدِّمَ الْعِتْقُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ عَنْ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِجَمِيعِ الْعَبْدِ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِعَمْرٍو وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْعِتْقِ وَصِيَّةٌ بِإِزَالَةِ مِلْكٍ وَالْوَصِيَّةَ بِتَمْلِيكِ الْعَبْدِ، وَصِيَّةٌ بِتَمْلِيكٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ حِصَصَ التَّمْلِيكِ يُجْمَعُ بَيْنَهَا فِي الْمُحَاصَّةِ فِي التَّفْلِيسِ وَغَيْرِهِ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِتْقِ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَصَايَا يُحَاصُّ بَيْنَهَا إذَا اُجْتُمِعَتْ فِي التَّمْلِيكِ وَلَا يُحَاصُّ بَيْنَهَا إذَا كَانَ بَعْضُهَا بِعِتْقٍ وَبَعْضُهَا بِتَمْلِيكٍ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الِاشْتِرَاكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِعَبِيدٍ سَمَّاهُمْ ثُمَّ أَمَرَ رَجُلًا
стр. 1784
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
آخَرَ بِبَيْعِ كُلِّ عَبْدٍ لَهُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ يَسْأَلُ الْآمِرُ فَإِنْ كَانَ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ نَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ وَلَمْ تُغَيَّرْ إلَّا بِأَمْرٍ بَيِّنٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَمْرُهُ بِبَيْعِ كُلِّ عَبْدٍ رُجُوعٌ عَنْ الْوَصِيَّةِ كَمَا لَوْ أَمَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْهُ بِكُلِّ مَالِهِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ عَلَى رَجُلٍ لَكَانَ رُجُوعًا وَالصَّدَقَةُ أَثْبَتُ مِنْ الْوَصِيَّةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَ كُلَّ عَبْدٍ لَهُ بِذَلِكَ الْبَلَدِ لَكَانَ الْعِتْقُ أَوْلَى، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ اللَّفْظَ الْخَاصَّ وَاللَّفْظَ الْعَامَّ إذَا تَعَارَضَا كَانَ اللَّفْظُ الْخَاصُّ أَوْلَى فِيمَا قَابَلَهُ مِنْ الْعَامِّ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْخَاصَّ يَتَنَاوَلُ مَا يَقَعُ تَحْتَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَاللَّفْظُ الْعَامُّ يَتَنَاوَلُهُ عَلَى وَجْهٍ مُحْتَمِلٍ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ الْمُتَأَخِّرَ يَرْفَعُ حُكْمَ اللَّفْظِ الْخَاصِّ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَوْلُ ابْنُ وَهْبٍ أَجْرَى عَلَى أُصُولِ أَصْحَابِنَا، وَهَذَا قَدْ ذَكَرْته فِي أَحْكَامِ الْفُصُولِ بِمَا يُغْنِي النَّاظِرَ فِيهِ وَيَجِبُ أَنْ لَا يُسَمِّيَ مَا أَلْزَمُهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ إذَا كَانَ الْمُوصَى بِهِمْ مِنْ جُمْلَةِ مَالِهِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى أَنْ يُبَاعَ، أَوْ قَالَ: بِيعُوهُ مِنْ عَمْرٍو فَفِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ رُجُوعٌ قَالَ إلَّا أَنْ يَقُولَ عَبْدِي لِزَيْدٍ وَبِيعُوهُ مِنْ عَمْرٍو وَلْيَبِعْ مِنْ عُمَرَ وَبِثُلُثَيْ ثَمَنِهِ وَيُعْطِي ذَلِكَ لِزَيْدٍ، وَجْهُ ذَلِكَ مَا مَضَى غَيْرَ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يُوصِيَ بِالْعَبْدِ لِزَيْدٍ ثُمَّ يُوصِي بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، أَوْ مِنْ عَمْرٍو وَبَيْنَ أَنْ يُوصِيَ بِهِ لِزَيْدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: بِيعُوهُ مِنْ عَمْرٍو، وَقَدْ كَانَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا إذَا أَوْصَى بِهِ لِزَيْدٍ، ثُمَّ قَالَ هُوَ لِعَمْرٍو فَجَعَلَ لِلْوَصِيَّةِ بِالْبَيْعِ تَأْثِيرًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: وَذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا تَتَنَاوَلُ الْوَصِيَّةُ بِهِ إزَالَةَ الْمِلْكِ فَأَشْبَهَتْ الْعِتْقَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالْبَيْعُ يَتَضَمَّنُ التَّمْلِيكَ وَلَا يَتَضَمَّنُهُ الْعِتْقُ بَلْ يُنَافِيه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ خِدْمَتُهُ لِعَمْرٍو قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَيْسَ هَذَا بِرُجُوعٍ وَالْغَلَّةُ وَالْخِدْمَةُ سَوَاءٌ فَإِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثَ اسْتَخْدَمَاهُ وَاسْتَغَلَّاهُ جَمِيعًا بِالسَّوَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثَ فَلِوَرَثَتِهِ إنْ تَحَرَّوْا أَنْ يُسَلِّمُوا إلَيْهِمَا ثُلُثَ الْمَيِّتِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعَبْدِ الْخِدْمَةُ فَلَمَّا آثَرَ مِنْهُ الْمُسَمَّى عَلَى الْإِطْلَاقِ وَبِلَفْظِ الِاسْتِيعَابِ سَاوَى الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِرَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا يَقْتَضِي اسْتِيعَابَ الْخِدْمَةِ فَيَتَسَاوَيَانِ فِي ذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ حُكْمَ الْوَصِيَّتَيْنِ التَّشْرِيكَ مَا أَمْكَنَ ذَلِكَ وَلَمْ يُنَافِ أَنْ تَكُونَ الْخِدْمَةُ بَيْنَهُمَا حُمِلَتْ الْوَصِيَّتَانِ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُوصِي بِرَقَبَتِهِ لِأَحَدِهِمَا وَلِلْآخَرِ أَنْ تُبَاعَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُحَالٌ أَنْ تَبْقَى رُقْبَتُهُ لِزَيْدٍ مَعَ بَيْعِهِ مِنْ عَمْرٍو فَجَعَلَ عِنْدَ الشَّرِيكِ عَلَى مُقْتَضَى وَصِيَّتِهِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُوَ أَنْ تُبَاعَ مِنْ عَمْرٍو وَيُصْرَفَ الثَّمَنُ إلَى زَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ رَقَبَتِهِ الَّتِي أَوْصَى لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ لَمَّا وَصَّى بِبَيْعِهِ وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ رَدَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ وَصِيَّتِهِ بِهِ لِزَيْدٍ فَقَدْ أَبْقَى لَهُ ثَمَنَهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَتَيْنِ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ ثُمَّ أَوْصَى لِعَمْرٍو بِخِدْمَتِهِ سَنَةً أَنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ فِي خِدْمَتِهِ سَنَتَيْنِ يَضْرِبُ صَاحِبُ السَّنَتَيْنِ بِسَهْمَيْنِ وَصَاحِبُ السَّنَةِ بِسَهْمٍ، وَلَوْ قَالَ: يَخْدُمُ زَيْدًا سَنَةً ثُمَّ هُوَ حُرٌّ ثُمَّ قَالَ يَخْدِمُ فُلَانًا سَنَتَيْنِ لَتَحَاصَّا فِي خِدْمَةِ السَّنَةِ لِزَيْدٍ ثُلُثُهَا وَلِعَمْرٍو ثُلُثَاهَا فَيَكُونُ حُرًّا قَالَهُ كُلُّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَثْنَى فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ خِدْمَةَ سَنَتَيْنِ قَبْلَ الْعِتْقِ وَاسْتَثْنَى فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ سَنَةً قَبْلَ الْعِتْقِ ثُمَّ أَوْصَى بِخِدْمَةِ سَنَتَيْنِ فَسَلِمَتْ السَّنَةُ الْأُولَى مِنْ مُعَارَضَةِ الْعِتْقِ وَعَارَضَ الْعِتْقُ الْخِدْمَةَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَقُدِّمَ الْعِتْقُ، وَفَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ الَّذِي أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ مَيْمُونٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِعَمْرٍو فَجَعَلَ ذَلِكَ رُجُوعًا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَبْطُلُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَهُوَ فِي مَسْأَلَتِهِ بَاقٍ ثَابِتُ الْحُكْمِ فَلَمْ تَكُنْ الْوَصِيَّةُ بِخِدْمَةِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ رُجُوعًا عَنْهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَوْصَى بِثَلَاثَةِ أَعْبُدٍ لَهُ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِوَاحِدٍ مُسَمًّى مِنْهُمْ لِعَمْرٍو فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ حَمَلَ ذَلِكَ الثُّلُثَ فَالْعَبْدَانِ لِزَيْدٍ وَالْعَبْدُ
стр. 1785
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الثَّالِثُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمْرٍو بِنِصْفَيْنِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ فِي الْعَبْدِ الْوَاحِدِ وَقَعَ التَّشْرِيكُ فَكَانَ بَيْنَهُمَا وَالْعَبْدَانِ سَلَمًا مِنْ ذَلِكَ فَسُلِّمَا لِمَنْ أَفْرَدَ بِهِمَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو بِالْمِائَةِ الَّتِي عَلَى خَالِدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهَا لِزَيْدٍ فَلْيَضْرِبْ فِيهَا زَيْدٌ بِمِائَةٍ وَعَمْرٍو بِخَمْسِينَ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْمِائَةُ مُعَيَّنَةً لِمَنْ هِيَ عَلَيْهِ لَمْ تَتَعَدَّهَا الْوَصِيَّةُ وَلَمَّا أَوْصَى بِهَا لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو كَانَ كَأَنَّهُ أَوْصَى بِخَمْسِينَ مِنْهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُمَّ لَمَّا أَوْصَى لِزَيْدٍ بِهَا مَرَّةً أُخْرَى فَقَدْ أَوْصَى لَهُ بِمِائَةٍ بَعْدَ أَنْ أَوْصَى لَهُ بِخَمْسِينَ فَسَقَطَتْ الْخَمْسُونَ وَكَانَ لَهُ مِائَةٌ يَضْرِبُ بِهَا وَيَضْرِبُ عَمْرٌو بِخَمْسِينَ فَيَكُونُ لِزَيْدٍ ثُلُثَا الْمِائَةِ وَلِعَمْرٍو ثُلُثُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ وَأَوْصَى لِآخَرَ بِدَنَانِيرَ مُسَمَّاةٍ وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ الْوَصِيَّتَيْنِ فَفِيهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إحْدَاهَا: تَبْدِئَةُ الْجُزْءِ عَلَى التَّسْمِيَةِ، وَالثَّانِيَةُ: تَبْدِئَةُ التَّسْمِيَةِ عَلَى الْجُزْءِ، وَالثَّالِثَةُ: الْمُحَاصَّةُ بَيْنَهُمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَبِالرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْجُزْءَ آكِدٌ فِي بَابِ الْوَصَايَا مِنْ التَّسْمِيَةِ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لَهُ بِأَلْفٍ فَتَلِفَتْ التَّرِكَةُ كُلُّهَا إلَّا الْأَلْفَ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُوصَى لَهُ إلَّا ثُلُثَهَا فَبَطَلَتْ التَّسْمِيَةُ وَرَجَعَتْ إلَى حُكْمِ الْجُزْءِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ التَّسْمِيَةَ آكَدُ مِنْ الْجُزْءِ لِلنَّصِّ عَلَى قَدْرِهَا بِوَجْهٍ غَيْرِ مُحْتَمِلٍ، وَالْجُزْءُ لَا تَتَقَدَّرُ بِهِ الْوَصِيَّةُ إلَّا بِوَجْهٍ مُحْتَمِلٍ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ أَنَّهُمَا جِهَتَانِ لِلِاسْتِحْقَاقِ بِالْوَصِيَّةِ فَلَمْ تَكُنْ إحْدَاهُمَا أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى وَرَجَعَ إلَى الْمُحَاصَّةِ، وَاسْتَدَلَّ سَحْنُونٌ عَلَى الْمُحَاصَّةِ أَنَّهُ قَدْ انْتَقَصَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا أُدْخِلَ عَلَيْهِ مِنْ صَاحِبِهِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي أَخْذِ الْمُوصَى لَهُ مَا تُوجِبُ الْوَصِيَّةُ لَهُ عِنْدَ ضِيقِ الثُّلُثِ فِي عَيْنِ مَا أُوصِيَ لَهُ بِهِ] ١
(الْبَابُ الثَّانِي فِي أَخْذِ الْمُوصَى لَهُ مَا تُوجِبُ الْوَصِيَّةُ لَهُ عِنْدَ ضِيقِ الثُّلُثِ فِي عَيْنِ مَا أُوصِيَ لَهُ بِهِ) وَذَلِكَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ عُرُوضًا كُلَّهَا، أَوْ عَيْنًا كُلَّهَا، أَوْ بَعْضَهَا عَيْنٌ وَبَعْضَهَا عَرْضٌ فَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ عُرُوضًا كُلَّهَا، أَوْ بَعْضَهَا عَرْضٌ وَبَعْضَهَا عَيْنٌ فَأَوْصَى لَهُ بِعَرْضٍ مُعَيَّنٍ يَحْمِلُهُ الثُّلُثُ فَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ فِيمَنْ أُوصِيَ لَهُ بِعَبْدٍ ثَمَنُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا وَلَهُ أَمْوَالٌ عَرِيضَةٌ فَقَالَ الْوَرَثَةُ لَا نُحِبُّ أَنْ نُخَلِّصَ لَهُ الْعَبْدَ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ إلَّا فِيمَا لَا يَسَعُهُ ثُلُثُهُ، أَوْ يُشْكِلُ اتِّسَاعُهُ لَهُ فَيُخَيَّرُوا بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالْقَطْعِ بِثُلُثِ جَمِيعِ مَالِ الْمَيِّتِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَوْصَى بِالْعَبْدِ وَهُوَ دُونَ الثُّلُثِ وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِي ثُلُثِ مَالِهِ فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا لِوَجْهِ مَضَرَّةٍ تَلْحَقُهُمْ بِتَعْيِينِهِ، أَوْ الزِّيَادَةُ عَلَى الثُّلُثِ فَيَرُدُّ عِنْدَ ذَلِكَ إلَى الثُّلُثِ الَّذِي هُوَ نِهَايَةُ مَالِهِ فِيهِ مِنْ التَّصَرُّفِ.
وَهَذَا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِهِ فَلَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ فَقَالَ أَوَّلًا يَقْطَعُ فِيهِ بِثُلُثِ الْمَيِّتِ وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَابْنُ كِنَانَةٍ وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ يُقْطَعُ لَهُ بِالثُّلُثِ فِي تِلْكَ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَرَوَى الْقَوْلَيْنِ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ وَصِيَّةٌ عَالَتْ عَلَى الثُّلُثِ فَإِذَا لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ رُدَّتْ إلَى ثُلُثِ التَّرِكَةِ كَمَا لَوْ كَانَ مُعْظَمُ الْمَالِ غَائِبًا، أَوْ دَيْنًا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: مَا احْتَجَّ بِهِ أَشْهَبُ أَنَّ الْعَبْدَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْلَعَ الثُّلُثَ لَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ ضَمَانِ الْمُوصَى لَهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِصَاصِ وَصِيَّتِهِ بِتِلْكَ الْعَيْنِ فَلَا يَنْقُلُ عَنْهَا، وَإِنَّمَا يَبْطُلُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَوْصَى بِدَنَانِيرَ وَالتَّرِكَةُ كُلُّهَا عُرُوضٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا كَانَتْ التَّرِكَةُ عُرُوضًا حَاضِرَةً وَأَوْصَى بِدَنَانِيرَ فَلَا يُنَاجِزُ فِيهَا وَتُبَاعُ عُرُوضُهُ وَتُعْطَى الدَّنَانِيرُ وَلَا يُخْلَعُ لَهُ الثُّلُثُ إنْ لَمْ يَصْبِرُوا عَلَيْهِ حَتَّى تُبَاعَ الْعُرُوض وَتُعْطَى قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَهَذَا كَالْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ لَا تَعْيِينَ فِيهِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ وَالْمَالِ الْغَائِبِ وَلِيُعَجِّلَ وَصِيَّةَ الْمَيِّتِ فَإِذَا تَرَكَ مِائَةَ دِينَارٍ وَعُرُوضًا وَأَوْصَى بِمِائَةِ دِينَارٍ فَلَا يَنْتَظِرُ بَيْعَ ذَلِكَ وَتُعَجَّلُ وَصِيَّةُ الْمَيِّتِ مِنْ الْمِائَةِ الْعَيْنِ
стр. 1786
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا مَا يُوجِبُ النَّقْلَ عَمَّا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ وَإِذَا أَخْرَجَ الثُّلُثَ صَاحِبُ الْوَصِيَّةِ عَلَى وَجْهِهِ فَلَا تَخْيِيرَ بِالْقَطْعِ بِالثُّلُثِ لِمَنْ أَبَاهُ مِنْ الْوَرَثَةِ، أَوْ الْمُوصَى لَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ دَنَانِيرُ وَعُرُوضٌ فَأَوْصَى لَهُ بِدَنَانِيرَ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِيمَنْ أَوْصَى بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يُخَلِّفْ عَيْنًا غَيْرَهَا وَلَهُ عُرُوضٌ وَسَرَارِي وَرَقِيقٌ وَدَوَابُّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ حَاضِرَةً تُدْفَعُ إلَيْهِ الْعَشَرَةُ الدَّنَانِيرُ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ، وَلَوْ لَمْ يُخَلِّفْ مِنْ الْعَيْنِ إلَّا خَمْسَةَ دَنَانِيرَ لَأَخَذَهَا وَبِيعَ لَهُ بِخَمْسَةٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا تَرَكَ مِنْ الْعَيْنِ مَا يُخْرِجُ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثِهِ خُيِّرَ الْوَرَثَةُ بَيْنَ الْإِجَازَةِ، أَوْ الْقَطْعِ بِالثُّلُثِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إذَا اسْتَأْثَرَ عَلَيْهِمْ بِالْعَيْنِ وَأَبْقَى الْعُرُوضَ وَالدَّيْنَ فَلَهُمْ الْخِيَارُ فِي خَلْعِ الثُّلُثِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْعَرْضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ وَصِيَّتَهُ بِالْعَيْنِ تُنَفَّذُ مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لِلْعَيْنِ مَزِيَّةً بِحُضُورِ مَنْفَعَةٍ، أَوْ عُمُومِهَا فِيهِ يَصِلُ إلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ سَاعَتِهِ وَسَائِرُ الْعُرُوضِ مَنْفَعَتُهَا خَاصَّةٌ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَنْفَعَتِهَا إلَى مَنْفَعَةٍ أُخْرَى لَمْ يَتَيَسَّرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَتَيَسُّرِهِ بِالْعَيْنِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي الِاسْتِبْدَادُ بِالْعَيْنِ وَكَانَ لَهُ الِاسْتِبْدَادُ بِعَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ فَلَمَّا كَانَ لِلْعَيْنِ هَذَا الْحُكْمُ الْمُفْرَدُ صَارَ لَهُ حُكْمُ التَّرِكَةِ الْمُفْرَدَةِ فُرُوعِي ثُلُثُهُ وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ أَنَّهُ إذَا أَبَى الْوَرَثَةُ مِنْ الْإِجَازَةِ تَنَقَّلَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَى ثُلُثِ التَّرِكَةِ.
وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِدَارٍ وَلِآخَرَ بِعَبْدٍ وَلِآخَرَ بِحَائِطٍ فَكَانَ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ أَنَّهُ يُعْطِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا تُخْرِجُ لَهُ الْمُحَاصَّةُ فِي الْعَيْنِ الَّتِي سُمِّيَتْ لَهُ فَلَوْ أَوْصَى مَعَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ آخَرَ بِمِائَةِ دِينَارٍ لَقَطَعَ لَهُمْ بِالثُّلُثِ فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ دُونَ مَا سُمِّيَ لَهُمْ قَالَ؛ لِأَنَّ الْوَصَايَا قَدْ عَالَتْ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيْعِ ذَلِكَ، أَوْ بَعْضِهِ لِسَبَبِ الْعِتْقِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀، وَهَذَا عِنْدِي يَقْتَضِي أَنَّهَا تَرِكَةٌ لَا عَيْنَ فِيهَا فَلَمَّا اُحْتِيجَ إلَى بَيْعِ شَيْءٍ مِنْهَا مِنْ أَجْلِ الْوَصِيَّةِ بِالْعَيْنِ وَقَعَتْ الْمُحَاصَّةُ بَيْنَ صَاحِبِ الْعَيْنِ وَأَصْحَابِ الْأَعْيَانِ وَنُقِلَتْ الْوَصِيَّةُ إلَى ثُلُثِ التَّرِكَةِ لَمَّا اُجْتُمِعَ فِيهَا عَيْنٌ، أَوْ أَعْيَانٌ وَهِيَ كُلُّهَا عُرُوضٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَتْ التَّرِكَةُ حَاضِرَةً فَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً، أَوْ دَيْنًا فَفِي الْمَجْمُوعَةِ لِأَشْهَبَ فِيمَنْ أَوْصَى بِهَذَا الْعَبْدِ بِعَيْنِهِ لِزَيْدٍ وَبِهَذَا الْفَرَسِ بِعَيْنِهِ لِعَمْرٍو وَهُمَا حَاضِرَانِ فَإِنْ خَرَجَا مِنْ ثُلُثِ مَا حَضَرَ مَضَى ذَلِكَ وَإِلَّا نَفَذَ مِنْهُمَا مَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَاضِرِ فَإِنْ كَانَ جَمِيعُ الْحَاضِرِ ثَلَاثَمِائَةٍ الْفَرَسُ مِائَةٌ وَالْعَبْدُ مِائَةٌ أُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ وَخُيِّرَ الْوَرَثَةُ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوهُمَا النِّصْفَ الثَّانِيَ، أَوْ يُعْطُوهُمَا ثُلُثَ الْمَالِ الْغَائِبِ، وَهَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَقَدْ قِيلَ هَذَا وَنَحْنُ نَسْتَحْسِنُ إنْ لَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ أَنْ يُعْطَى الْمُوصَى لَهُمَا فِيمَا حَضَرَ وَغَابَ وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ، فَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ لَا تُنْقَلُ الْوَصِيَّةُ إلَى الثُّلُثِ مَعَ احْتِمَالِ الثُّلُثِ لَهَا وَإِنْ نَقَلَتْ غَيْبَةُ الْمَالِ اسْتِيعَابَ الْوَصِيَّةِ فِي الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا، وَإِنَّمَا يُنْقَلُ إلَى اسْتِيعَابِ الْوَصِيَّةِ فِيهَا أَنْ يَزِيدَ عَلَى ثُلُثِ التَّرِكَةِ كُلِّهَا وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ كُلَّ مَا مَنَعَ اسْتِيعَابَ الْوَصِيَّةِ فِي الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا نَقَلَ إلَى الثُّلُثِ كَالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ.
وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَلَمْ يَتْرُكْ إلَّا مَالًا غَائِبًا، أَوْ دُيُونًا فَأَرَادَ الْمُوصَى لَهُ أَنْ يُعَجِّلُوهَا لَهُ، وَقَالَ الْوَرَثَةُ نَتَقَاضَى وَنُعْطِيك فَلْيُخَيَّرْ الْوَرَثَةُ فَإِمَّا عَجَّلُوا لَهُ الْعَشَرَةَ، أَوْ يَقْطَعُوا لَهُ بِالثُّلُثِ فَيَتَقَاضَى لِنَفْسِهِ وَيَنْتَظِرُ مَا غَابَ فَجَعَلَ تَغَيُّبَ الْمَالِ وَالدَّيْنِ يَنْقُلُ إلَى الثُّلُثِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وَمُطَرِّفٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعِشْرِينَ وَمِائَةِ دِينَارٍ وَلَيْسَ فِي تَرِكَتِهِ حَاضِرٌ إلَّا مِائَةُ دِينَارٍ وَسَائِرُهُ غَائِبٌ خُيِّرَ الْوَرَثَةُ فَإِنْ شَاءُوا أَعْطَوْا الْمِائَةَ الْحَاضِرَةَ وَأَتَمُّوا لَهُ مِنْ الْمَالِ الْغَائِبِ وَصِيَّتَهُ وَإِلَّا أَعْطَوْا لَهُ ثُلُثَ التَّرِكَةِ حَاضِرَهَا وَغَائِبَهَا.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ
стр. 1787
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
لَوْ أَوْصَى لَهُ بِدَنَانِيرَ مُعَيَّنَةٍ لَا تَخْرُجُ مِنْ حَاضِرِ مَالِهِ وَلَهُ مَالٌ غَائِبٌ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ سَوَاءٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَوْصَى بِدَنَانِيرَ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِمَّا حَضَرَ، وَإِنَّمَا اتَّبَعَهُمْ فِيهِ وَرَأَى فِي الِاسْتِحْسَانِ إنْ كَانَتْ الدَّنَانِيرُ مُعَيَّنَةً وَلَمْ يَحْمِلْهَا الثُّلُثُ وَلَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ فَلْيُعْطَ الثُّلُثُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ وَأَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِقَوْلِ مَالِكٍ الْآخَرِ أَنَّهُ يُحْمَلُ مَحْمَلَ الثُّلُثِ فِي الدَّارِ قَالَ أَصْبَغُ: وَأَمَّا إنْ أَوْصَى بِدَنَانِيرَ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ فَهِيَ جَارِيَةٌ فِي الْمَالِ عَلَى مَا شَرَطَ وَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ مَا حَضَرَ وَنَضَّ ثُلُثُهُ وَمِنْ ثَمَنِ مَا بِيعَ حَتَّى يَتِمَّ لَهُ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ وَلَا يَكُونُ لَهُ ثُلُثُ التَّرِكَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَا يُعْجِبُنَا قَوْلُهُ وَالصَّوَابُ قَوْلُ مَالِكٍ التَّعْجِيلُ أَبْرَأُ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ أَرَادَ تَعْجِيلَ الْمِائَةِ فَلَمْ يُنَفِّذْ لَهُ ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُمْ الْخُرُوجُ مِنْ الثُّلُثِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا أَوْصَى بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ مُعَيَّنَةٍ وَلَمْ يَدَعْ عَيْنًا غَيْرَهَا وَلَهُ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا الْبَعِيدُ الْغَيْبَةِ وَالْأَجَلُ الْبَطِيءُ بَيْعُهُ وَالدَّيْنُ الْمُغَيَّبُ فَلِلْوَرَثَةِ أَنْ يَدْفَعُوا الْعَشَرَةَ، أَوْ يُعْطُوا ثُلُثَ الْجَمِيعِ وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا ثَلَاثَ دُورٍ وَأَرْضًا وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ أَنْ يُعْطُوهَا إيَّاهُ، أَوْ يَقْطَعُوا لَهُ ثُلُثَ الْمَيِّتِ وَلَا يَبِيعَ السُّلْطَانُ مِنْ دُورِهِ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ قَالَ وَقَالَهُ مَالِكٌ فِيهِ وَفِي الْمَالِ الْغَائِبِ وَالْمُفْتَرِقِ فَعَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي النَّاقِلَةِ مَعَ احْتِمَالِ ثُلُثِ التَّرِكَةِ الْوَصِيَّةُ أَرْبَعَةٌ اثْنَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا كَوْنُ الْمَالِ غَائِبًا، أَوْ دَيْنًا وَمَعْنًى ثَالِثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ عَيْنًا وَبَاقِي الْمَالِ عَرَضًا وَمَعْنًى رَابِعٌ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ عَيْنًا مُعَيَّنًا وَبَاقِي الْوَصِيَّةِ أَصْلًا يُنْتَظَرُ بَيْعُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ كَانَ لَهُ زَرْعٌ أَخْضَرُ وَثَمَرَةٌ صَغِيرَةٌ وَأَوْصَى بِوَصَايَا يَضِيقُ عَنْهَا الثُّلُثُ وَتَرَكَ رَقِيقًا فَإِنْ كَانَتْ الْوَصَايَا بِمَالٍ فَلْيَبِعْ الرَّقِيقَ وَلَا يُوقِفُ وَيُعْطِي لِأَهْلِ الْوَصَايَا ثُلُثَ مَا نَضَّ فَإِذَا حَانَ بَيْعُ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ بِيعَ فَأَخَذُوا ثُلُثَ الثَّمَنِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي الْوَصَايَا عِتْقٌ فَأَوْصَى بِبَعْضِ الرَّقِيقِ لِأَحَدٍ فَلَا يُبَاعُ مَنْ فِيهِ وَصِيَّةٌ وَيُوقَفُ، فَإِذَا حَلَّ بَيْعُ الزَّرْعِ بِيعَ وَلَا يُقْسَمُ مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ ثُلُثٌ وَلَا غَيْرُهُ حَتَّى يُبَاعَ الزَّرْعُ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ فَيُقَسِّمُونَ بَقِيَّةَ الْمَالِ وَيَبْقَى لَهُمْ الزَّرْعُ وَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ جَمِيعِ الرَّقِيقِ لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُمْ أَحَدٌ حَتَّى يَحِلَّ بَيْعُ الزَّرْعِ فَيُبَاعُ وَيُعْتَقُ مِنْهُمْ مَحْمَلُ الثُّلُثِ، رَوَاهُ عِيسَى وَأَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ أَصْبَغُ إلَّا أَنْ يَطُولَ أَمَدُ الزَّرْعِ فِي أَوَّلِ مَا يَبْذُرُهُ وَيَتَأَخَّرَ عَنْهُ الْأَشْهُرَ الْكَثِيرَةُ وَفِي ذَلِكَ
عَطَبُ الْحَيَوَانِ وَالضَّرَرُ عَلَى الْعَبِيدِ
فَلْيَعْتِقْ مِنْهُمْ مَا حَضَرَ وَيُرْجَأُ الزَّرْعُ.
وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ وَغَائِبٌ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ الْحَاضِرِ أَنَّهُ يُوقَفُ الْعَبْدُ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْمَالُ فَيُعْتَقُ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَا يَقْرَبُ مِنْ الْأَشْهُرِ الْيَسِيرَةِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ بَلْ يُعَجِّلُ مِنْ عِتْقِ الْعَبْدِ مَا حِمْلُهُ ثُلُثُ الْحَاضِرِ، وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ غَيْرُهُ وَكُلَّمَا حَضَرَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ زِيدَ فِيهِ عِتْقُ ثُلُثِ ذَلِكَ حَتَّى يَتِمَّ عِتْقُهُ، أَوْ يُؤَيَّسَ مِنْ الْمَالِ وَلَا يُوقَفُ جَمِيعُ الْعَبْدِ لِاجْتِمَاعِ الْمَالِ وَنَحْوِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَّةِ الْبَعِيدَةِ قَالَ سَحْنُونٌ لَوْ كَانَ مَا قَالَهُ أَشْهَبُ لَأَخَذَ الْمَيِّتُ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى ثُلُثَ الْحَاضِرِ فَصَارَ بَاقِي الْعَبْدِ مَوْقُوفًا عَلَى الْوَرَثَةِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ أَوْصَى لَهُ بِدَنَانِيرَ وَالتَّرِكَةُ عُرُوضٌ حَاضِرَةٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يَصْبِرُ حَتَّى تُبَاعَ الْعُرُوض وَيُعْطَى، وَكَذَلِكَ إنْ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ لَمْ يُعَجِّلْ حَتَّى يَعْرِفَ الْوَرَثَةُ تَجْهِيلَ الْمَالِ بِالْقِيمَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ لِيُعْرَفَ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ تُبَاعُ لَهُ مِنْ سَاعَتِهِ
إلَّا أَنْ
يَكُونَ ضَرَرٌ فَيُؤَخَّرُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْمُحَاصَّةِ بِالتَّعْمِيرِ وَمُدَّتِهِ] ١
стр. 1788
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْمُحَاصَّةِ بِالتَّعْمِيرِ وَمُدَّتِهِ) قَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يُوصِي بِثُلُثِ مَالِهِ لِزَيْدٍ وَبِخِدْمَةِ عَبْدِهِ لِعَمْرٍو مَا عَاشَ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ وَالْعَبْدُ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ فَإِنَّ خِدْمَةَ الْعَبْدِ تُقَوَّمُ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ تُقَوَّمُ خِدْمَتُهُ أَقَلَّ الْعُمْرَيْنِ عَلَى غَرَرِهِمَا غَيْرَ مَضْمُونَةٍ إنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مَا جَعَلَ لَهُ مِنْ التَّعْمِيرِ فَمَا صَارَ لَهُ حَاصَّ بِهِ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِالثُّلُثِ بِمُنْتَهَى الثُّلُثِ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ، أَوْ إجَارَتِهِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ فَإِذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ عَتَقَ الْعَبْدُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً ثُمَّ هُوَ حُرٌّ وَلَمْ يَتْرُكْ غَيْرَهُ وَلَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ يُعْتَقُ ثُلُثُ الْعَبْدِ وَتَبْطُلُ الْخِدْمَةُ، قَالَ أَشْهَبُ كُنْت أَقُولُ يَخْدِمُ بِثُلُثِهِ فُلَانًا سَنَةً ثُمَّ هُوَ حُرٌّ كَمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْعَبْدُ ثُلُثَ الْمَيِّتِ ثُمَّ رَأَيْت أَنْ يَبْدَأَ الْعِتْقُ عَلَى الْخِدْمَةِ لَمَّا حَالَتْ وَصِيَّةُ الْمَيِّتِ فَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ إلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَبْدَ لَوْ أُعْتِقَ جَمِيعُهُ لَزِمَتْهُ الْخِدْمَةُ فَإِذَا عَتَقَ ثُلُثُهُ أَيْضًا لَمْ تُخْرِجْهُ الْخِدْمَةُ عَمَّا أَوْصَى لَهُ بِهِ وَلَا يَزِيدُهُ فِي الْعِتْقِ إسْقَاطُ الْخِدْمَةِ فَلَزِمَتْ الْخِدْمَةُ مَا أُعْتِقَ مِنْهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الثُّلُثَ إذَا ضَاقَ عَنْ الْوَصَايَا قُدِّمَ الْعِتْقُ الْمُعَيَّنُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي إبْطَالَ الْوَصَايَا وَإِذَا لَمْ يُعْتَقْ مِنْ الْعَبْدِ إلَّا ثُلُثُهُ فَلَمْ يَمْنَعْ ضِيقُ الثُّلُثِ نُفُوذَ الْوَصِيَّةِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ إنْفَاذَ عِتْقِ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِنْهُ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا بِإِبْطَالِ الْخِدْمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ قَدَّمَ التَّعْمِيرَ الْمَذْكُورَ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْخِدْمَةِ عُمْرَهُ، أَوْ بِالنَّفَقَةِ عُمْرَهُ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا يَعْمُرُونَ سَبْعِينَ سَنَةً، وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةٍ عَنْ مَالِكٍ ثَمَانِينَ سَنَةً وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ تِسْعِينَ سَنَةً وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ يُعَمِّرُ أَعْمَارَ أَهْلِ زَمَانِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ التَّعْمِيرُ فِي الْمَفْقُودِ مِنْ السَّبْعِينَ إلَى الْمِائَةِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالْمِائَةُ كَثِيرٌ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ السَّبْعِينَ هِيَ نِهَايَةُ الْعُمْرِ الْمُعْتَادِ غَالِبًا، وَإِنَّمَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ النَّادِرُ وَلَا يُحْكَمُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ يَعْمُرُ عَلَيْهِ حَقٌّ فِي ذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ يُرَاعِيَ حَقَّ الْجَانِبَيْنِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِالثَّمَانِينَ أَنَّهُ عُمْرٌ قَدْ يَبْلُغُ مَعَ الصِّحَّةِ وَالتَّصَرُّفِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ وَشَذَّتْ فَإِنَّمَا يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرَضِ فَكَانَ حُكْمُ التَّعْمِيرِ أَوْلَى بِالثَّمَانِينَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِالْمِائَةِ أَنَّهُ عَلَى حُكْمِ الْحَيَاةِ غَابَ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ إلَّا بِالْيَقِينِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ أَحَدٌ فِي زَمَانِنَا وَهِيَ الْمِائَةُ، وَإِنْ أَدَّى بُلُوغُهُ لِأَحَدٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، أَوْ يَشِذُّ شُذُوذًا لَا يُرْجَى لِأَحَدٍ مِثْلِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَفْقُودِ مِنْ ذِكْرِ التَّعْمِيرِ إذَا أُضِيفَ إلَى هَذَا بَلَغَ مِنْهُ الْمَقْصُودُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَحُكْمُ التَّعْمِيرِ أَنْ يَنْظُرَ كَمْ مَضَى مِنْ عُمْرِهِ إلَى يَوْمِ يَسْتَحِقُّ الْأَخْذَ مِنْ الْوَصِيَّةِ وَيَنْظُرَ كَمْ بَقِيَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ التَّعْمِيرِ فَيُحَاصُّ بِمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالسُّكْنَى أَهْلُ الْوَصَايَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ يُعْطِيه وَلَا كَمْ يُوقَفُ لَهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ إلَّا بِهَذَا الْوَجْهِ، وَلَوْ أَوْقَفْنَا لَهُ جَمِيعَ التَّرِكَةِ لَأَضْرَرْنَا بِالْوَرَثَةِ وَأَهْلِ الْوَصَايَا، وَلَوْ دَفَعْنَا جَمِيعَهَا إلَى الْوَرَثَةِ وَأَهْلِ الْوَصَايَا لَقَطَعْنَا حَقَّهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ وَأَبْطَلْنَا مُرَادَ الْمُوصَى مِنْهَا مَعَ جَوَازِهَا فَلَمْ يَكُنْ يُؤْمَنُ التَّعْمِيرَ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ وَإِيصَالِ الْوَرَثَةِ وَأَهْلِ الْوَصَايَا إلَى حُقُوقِهِمْ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا أَوْصَى لَهُ بِالنَّفَقَةِ، أَوْ الْخِدْمَةِ عُمْرَهُ فَعَمَّرَ وَحَاصَّ أَهْلَ الْوَصَايَا بِذَلِكَ فَهَلْ يَدْفَعُ إلَيْهِ مَا أَصَابَهُ فِي الْمُحَاصَّةِ مِنْ النَّفَقَةِ أَوْ يُوقَفُ لَهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ يُوقَفُ لَهُ وَلَا يَدْفَعُ إلَيْهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الَّذِي لِكَوْنِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ حَيًّا، وَقَدْ تَخْتَرِمُهُ الْمَنِيَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَتْلَفَ مَا خَرَجَ لَهُ التَّعْمِيرُ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ زَادَ عُمْرُهُ عَلَى مَا عَمَّرَ، أَوْ قَصُرَ عَنْ ذَلِكَ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا بَقِيَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عُمْرِهِ رَدَّ إلَى أَهْلِ الْوَصَايَا يَتَحَاصُّونَ
стр. 1789
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِيهِ ثُمَّ إنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ تَمَامِ وَصَايَاهُمْ رَجَعَ إلَى الْوَرَثَةِ، وَإِنْ فَنِيَ مَا أَصَابَهُ وَهُوَ حَيٌّ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَهْلِ الْوَصَايَا بِشَيْءٍ وَلَمْ يُؤْتَنَفْ لَهُ تَعْمِيرٌ وَهُوَ كَحُكْمٍ مَضَى وَالْقِيَاسُ أَنْ يُؤْتَنَفَ التَّعْمِيرُ وَيَرْجِعَ عَلَى أَهْلِ الْوَصَايَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَا يَعْتَدِلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الْوَصَايَا مَا فَضَلَ عَنْهُ مَعَ قَوْلِهِ إنْ فَنِيَ وَهُوَ حَيٌّ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِمْ وَلَا أُرَاهُ كُلَّهُ إلَّا مِنْ قَوْلِ أَصْبَغَ: وَمَا أَصَابَهُ فَهُوَ مَالٌ مِنْ مَالِهِ لَا مَرْجِعَ فِيهِ لِأَحَدٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ إلَى هَذَا رَجَعَ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ فِي ائْتِنَافِ التَّعْمِيرِ فِي فِنَاءِ مَا أَعْطَى قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ مَوْتِهِ قَبْلَ أَنْ يَفْنَى هُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَبِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَقُولُ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي تَبْدِئَةِ بَعْضِ الْوَصَايَا عَلَى بَعْضٍ] ١
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَغَيْرِهَا: لَا يُنْظَرُ إلَى مَا قَدَّمَهُ الْمَيِّتُ بِالذِّكْرِ فِي كِتَابِ وَصِيَّتِهِ، وَإِنَّمَا يُبْدَأُ بِالْأَوْكَدِ فَالْأَوْكَدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَيَبْدَأُ عَلَى مَا هُوَ أَوْكَدُ مِنْهُ وَفِي هَذَا الَّذِي قَالَهُ لَا يُنْظَرُ إلَى مَا قَدَّمَهُ الْمَيِّتُ فِي الذِّكْرِ وَفِي إطْلَاقِهِ نَظَرٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ ذَلِكَ فِي مَالِهِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ فَأَمَّا مَا لَا يَرْجِعُ عَنْهُ مِنْ عِتْقٍ بُتِلَ فِي مَرَضِهِ وَعَطِيَّةٍ بُتِلَتْ وَتَدْبِيرٍ فِيهِ فَلَا يُبْدَأُ بِالْأَوْكَدِ وَلَكِنْ بِالْأَوَّلِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ الْمُدَبَّرَ فِي الصِّحَّةِ عَلَى صَدَاقِ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ مُدَبَّرَ الصِّحَّةِ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَيَلْزَمُ عَلَى الْإِطْلَاقِ قَوْلُهُ فِي الْعَطِيَّةِ الْبَتْلَةُ أَنْ لَا يُقَدِّمَ الْمُدَبَّرُ فِي الصِّحَّةِ عَلَى وَصِيَّتِهِ فِي الصِّحَّةِ بِعِتْقٍ عَنْ قَتْلٍ خَطَأٍ، أَوْ ظِهَارٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ مَا يَلْزَمُهُ فَتَتَعَيَّنُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ فَيَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ مُدَبَّرَ الصِّحَّةِ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ بِأَثَرِ ذَلِكَ.
وَلَوْ أَوْصَى بِهَذِهِ الْكَفَّارَاتِ وَبِالزَّكَاةِ وَقَالَ زِيدُوا عَلَى ذَلِكَ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْصَيْت بِهَا لِفُلَانٍ لَنُدِبَتْ قَالَ وَقَالَهُ أَصْبَغُ فَذَهَبَ فِي اللُّزُومِ وَمَنْعِ التَّبْدِئَةِ إلَى مَا بُتِلَ مِنْ عِتْقٍ، أَوْ عَطِيَّةٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ أَنَّهُ يُمْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنْ شَرَطَ التَّبْدِئَةَ فِي تَدْبِيرِ الْمَرَضِ فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُدَبَّرَ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ سَوَاءٌ وَلَا يَكَادُ يَتَحَصَّلُ لَهُ أَصْلٌ إلَّا عَلَى ضَعْفٍ وَهَذِهِ الزَّكَاةُ الَّتِي أَوْصَى بِهَا فِي الصِّحَّةِ، أَوْ فِي الْمَرَضِ قَبْلَ عِتْقٍ بَتْلٍ أَوْ مَعَهُ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ فَأَمَّا إنْ بَتَلَ عِتْقَ عَبْدِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِزَكَاةٍ فَرَّطَ فِيهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَنَّ الزَّكَاةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى عِتْقِ الْبَتْلِ وَالتَّدْبِيرِ فِي الْمَرَضِ وَفَسَّرَهُ سَحْنُونٌ فَقَالَ هَذَا إنْ كَانَتْ الْوَصَايَا مَعًا، أَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِالزَّكَاةِ قَبْلُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنْ بَرِئَ الْمَرِيضُ فَدَبَّرَ عَبْدًا ثُمَّ بَتَلَ عِتْقَ آخَرَ بُدِئَ بِالتَّدْبِيرِ، وَلَوْ بَدَأَ بِالْعِتْقِ لَبُدِئَ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُمَا مِنْ الثُّلُثِ مَا لَا يَرْجِعُ فِيهِ فَهُمَا مُتَّفِقَانِ فِي الْمَوْتِ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فَجَعَلَ التَّقْدِيمَ فِي الْمَرَضِ وَجْهًا مِنْ التَّرْتِيبِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْمُدَبَّرِ فِي الصِّحَّةِ.
وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا كَانَ التَّدْبِيرُ مَعَ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ التَّدْبِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَالزَّكَاةُ وَالْكَفَّارَاتُ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ قَالَ هُوَ وَالْمُغِيرَةُ وَإِذَا دَبَّرَ عَبْدَهُ ثُمَّ أَوْصَى بِزَكَاةٍ وَكَفَّارَاتِ أَيْمَانٍ قَدَّمَ الْمُدَبَّرَ فَرَاعَى التَّقْدِيمَ فِي الْوَصِيَّةِ بِاللَّازِمِ، وَإِنَّمَا رَاعَى التَّأْكِيدَ فِي اللَّفْظِ الْوَاحِدِ وَمَا كَانَ فِي حُكْمِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَا يُبْدَأُ بِهِ مِمَّا يَكُونُ فِي الثُّلُثِ فَقَالَ الْعُتْبِيُّ وَابْنُ الْمَوَّازِ يَبْدَأُ بِصَدَاقِ الْمَرِيضِ، قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا وَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهِ وَفِي تَدْبِيرِ الصِّحَّةِ فَقَدَّمَ الْمُدَبَّرَ مَرَّةً قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ قَالَ الْعُتْبِيُّ وَابْنُ الْمَوَّازِ وَقَدَّمَ الصَّدَاقَ أُخْرَى وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا بِالْمُحَاصَّةِ، فَوَجْهُ الْقَوْلِ بِتَقْدِيمِ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ فِي كَوْنِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَجْمُوعَةِ
стр. 1790
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
هُوَ كَالْجِنَايَةِ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ إنْ صَحَّ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ صَارَ كَالدَّيْنِ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ وَرَأْسِ الْمَالِ وَالْمُدَبَّرُ لَا يَنْتَقِلُ مِنْ الثُّلُثِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّهُ أَمْرٌ لَزِمَ فِي الصِّحَّةِ فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا يَلْزَمُ فِي الْمَرَضِ كَمَا يُقَدَّمُ عَلَى الْعِتْقِ الْبَتْلُ فِي الْمَرَضِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا ثَبَتَ تَقْدِيمُ هَذَيْنِ الِاثْنَيْنِ فَلَا خِلَافَ فِي تَقْدِيمِهِمَا عَلَى كُلِّ مَا يَكُونُ فِي الثُّلُثِ إلَّا مَا قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَهُوَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ أَنَّ الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ مُقَدَّمَانِ عَلَى التَّدْبِيرِ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ التَّدْبِيرَ أَمْرٌ لَازِمٌ حَالَ الصِّحَّةِ مُخْتَصٌّ بِالْعِتْقِ وَلِلْعِتْقِ تَأْثِيرٌ فِي التَّقْدِيمِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذِهِ حُقُوقٌ لَازِمَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ بِالشَّرْعِ فَكَانَتْ مُقَدَّمَةً عَلَى مَا يَلْتَزِمُهُ الْمَرْءُ مِنْ نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ قُدِّمَ عَلَى سَائِرِ الْوَصَايَا.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ تَقْدِيمُ الصَّدَاقِ وَالْمُدَبَّرِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ تَلِيهِمَا الْوَصِيَّةُ بِمَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ الزَّكَاةُ مُبْدَأَةٌ عَلَى كُلِّ كَفَّارَةٍ وَعِتْقٍ وَإِبْتَالٍ فِي الْمَرَضِ وَوَصِيَّتِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ إذَا أَوْصَى بِهَا وَرَوَى الْبَرْقِيُّ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الْعِتْقَ يُرِيدُ الْمُعَيَّنَ يُقَدَّمُ عَلَى الزَّكَاةِ وَالزَّكَاةُ تُقَدَّمُ عَلَى الصَّدَقَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَحَبُّ إلَيْنَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ إذَا أَوْصَى بِوَصَايَا بِزَكَاتِهِ لِعَامَّةٍ، أَوْ لِعَامٍّ فَارِطٍ وَزَكَاةِ فِطْرِهِ وَكَفَّارَةِ ظِهَارٍ وَقَتْلٍ وَجَزَاءِ صَيْدٍ وَكَفَّارَةِ أَيْمَانٍ وَمَا بَتَلَ فِي مَرَضِهِ مِنْ عَطِيَّةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ حَبْسٍ، أَوْ أَصْدَقَ عَمَّنْ لَيْسَ بِوَلَدٍ فَذَلِكَ مَبْدَأٌ عَلَى الزَّكَاةِ يُوصِي بِهِمَا مِمَّا قَدْ فَرَّطَ فِيهِمَا وَعَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوَصَايَا، وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ فِي الْمَرَضِ مُقَدَّمٌ عَلَى الزَّكَاةِ الْمُفَرَّطِ فِيهَا إذَا أَوْصَى بِهَا فَهَذِهِ الْوَاجِبَاتُ كُلُّهَا لَا يُقَدَّمُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ وَتُقَدَّمُ هِيَ عَلَى الْوَصَايَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الزَّكَاةَ إقْرَارٌ بِأَمْرٍ مُقَدَّمٍ وُجُوبَهُ بِالشَّرْعِ فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا ثَبَتَ مِنْ فِعْلِهِ وَعَلَى مَا أَوْجَبَهُ هُوَ عَلَى نَفْسِهِ كَالصَّلَوَاتِ وَالصَّوْمِ مَا وَجَبَ مِنْهَا بِالشَّرْعِ آكَدُ مِمَّا أَوْجَبَهُ هُوَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ الْمُبْتَلَى فِي الْمَرَضِ يُقْدِمُ عَلَى الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ قَالَ لَمْ تَكُنْ عَلَى زَكَاةٍ وَقَالَهُ كُلَّهُ فَقَدْ كُنْت أَقُولُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَوْصَى بِالزَّكَاةِ حَالَ مَرَضِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ لَكِنَّهُ عَلَّلَ بِمَا قَدَّمَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي ضَعْفَهَا عِنْدَهُ لَمَّا كَانَتْ مَصْرُوفَةً إلَى أَمَانَتِهِ وَهَذِهِ صِفَةٌ تَتَسَاوَى الْوَصِيَّةُ بِهَا حَالَ الصِّحَّةِ وَحَالَ الْمَرَضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ زَكَاةُ الْمَالِ وَالْحَبِّ وَالْمَاشِيَةِ سَوَاءٌ يُحَاصُّ بَيْنَهُمَا عِنْدَ ضِيقِ الثُّلُثِ وَيَبْدَأُ ذَلِكَ عَلَى زَكَاةِ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ تَبْدَأُ زَكَاةُ الْمَالِ ثُمَّ زَكَاةُ الْفِطْرِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ زَكَاةَ الْمَالِ وَزَكَاةَ الْفِطْرِ سَوَاءٌ وَجْهُ قَوْلِنَا بِتَقْدِيمِ زَكَاةِ الْمَالِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ فَكَانَتْ أَقْوَى مِمَّا ثَبَتَ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُمَا زَكَاتَانِ وَاجِبَتَانِ فَلَمْ تُقَدَّمْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى كَزَكَاةِ الْعَيْنِ وَزَكَاةِ الْمَاشِيَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا قُلْنَا بِتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ بَعْدَ الْمُدَبَّرِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ ثُمَّ بَعْدَهَا عِتْقُ الظِّهَارِ وَعِتْقُ الْقَتْلِ عَلَى وَجْهِ الْخَطَأِ وَجْهُ تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَيْهَا مَا قَدَّمْنَا مِنْ وُجُوبِهَا بِالشَّرْعِ وَأَيْضًا فَإِنَّ لِهَذَا الْعِتْقِ بُدٌّ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِهِ وَلَا بَدَلَ لِلزَّكَاةِ فَكَانَتْ آكَدُ، وَهَذَا فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، وَأَمَّا قَتْلُ الْعَمْدِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ مُقَدَّمَةٌ إذْ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فِي الْعَمْدِ وَسَيَرِدُ بَيَانُ نَفْيِ وُجُوبِهَا فِي الْجِنَايَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١ -
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ الْعِتْقِ لَهُمَا فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يُعْتَقُ عَنْ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَيُطْعَمُ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ نَفَّذَ ذَلِكَ إذْ لَا إطْعَامَ فِي الْقَتْلِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الثُّلُثِ غَيْرُ رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ أَخْرَجَهَا وَرَثَتُهُ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءُوا.
وَقَالَ أَصْبَغُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ الْقَتْلِ لَعَلَّهُ يَظْهَرُ لَهُ مَالٌ فَيُطْعِمُ عَنْهُ فَإِنْ أَيِسَ مِنْ ذَلِكَ فَعَنْ أَيِّهِمَا شَاءُوا، وَهَذَا قَوْلٌ آخَرُ فِي الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا غَيْرُ رِوَايَةِ الْقُرْعَةِ وَغَيْرُ رِوَايَةِ الْمُحَاصَّةِ وَهِيَ رِوَايَةُ تَخْيِيرِ الْمُنَفِّذِ لِلْوَصِيَّةِ فِي أَنْ يُخْرِجَ الرَّقَبَةَ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءُوا، وَأَمَّا قَوْلُهُ يُطْعِمُ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَقَدْ قَالَ
следующие страницы →