← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هَشَّامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا نَعِسَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إسْمَاعِيلِ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ امْرَأَةً مِنْ اللَّيْلِ تُصَلِّي فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقِيلَ هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى عُرِفَتْ الْكَرَاهِيَةُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا اكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ» ) . ــ [المنتقى] فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا جِدًّا كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ. وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ: فَهُوَ الْكَثِيرُ جِدًّا كَالْمَشْيِ الْكَثِيرِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ فَهَذَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ تُرِيدُ فِي زَمَانِ اللَّيْلِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَصَابِيحَ لَا تُتَّخَذُ فِي الْأَيَّامِ وَإِنَّمَا تُتَّخَذُ فِي اللَّيَالِيِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا يَوْمَئِذٍ يُرِيدُ ذَلِكَ الزَّمَانَ وَلَمْ تُرِدْ أَيَّامَهُ دُونَ لَيَالِيِهِ. (ش) : مَعْنَى قَوْلِهِ أَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ وَلَمْ يَسْتَطِعْ مُدَافَعَتَهُ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ وَيَقْدِرَ عَلَى إقَامَةِ الصَّلَاةِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ مَعْنَى سُكَارَى مِنْ النَّوْمِ وَإِذَا قُلْنَا بِالْعُمُومِ فَنَجْعَلُهُ عَلَى سُكْرِ النَّوْمِ وَغَيْرِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ إذَا صَلَّى فِي حَالِ غَلَبَةِ النَّوْمِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ يَسْتَغْفِرُ إذَا أَرَادَ الِاسْتِغْفَارَ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَأْتِي بِسَبِّ نَفْسِهِ بَدَلًا مِنْ الِاسْتِغْفَارِ هَذَا مِمَّا يُنَافِي الصَّلَاةَ وَهَذَا اللَّفْظُ عَامٌّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَقَدْ أَدْخَلَهُ مَالِكٌ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَقَدْ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ لِأَنَّ النَّوْمَ الْغَالِبَ لَا يَكُونُ فِي الْأَغْلَبِ إلَّا فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَإِنْ جَرَى ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ فَكَانَ فِي الْوَقْتِ مِنْ السَّعَةِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَذْهَبُ عَنْهُ فِيهِ النُّعَاسُ وَيَدْرِك صَلَاتَهُ أَوْ يَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُ مَنْ يُوقِظُهُ فَلْيَرْقُدْ وَلْيَتَفَرَّغْ لِإِقَامَةِ صَلَاتِهِ فِي وَقْتِهَا فَإِنْ كَانَ فِي ضِيقِ الْوَقْتِ وَعَلِمَ أَنَّهُ إنْ رَقَدَ فَاتَهُ الْوَقْتُ فَلْيُصَلِّ مَا يُمْكِنُهُ وَلْيُجْهِدْ نَفْسَهُ فِي تَصْحِيحِ صَلَاتِهِ ثُمَّ يَرْقُدُ فَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ قَدْ أَتَى فِي ذَلِكَ بِالْفَرْضِ وَإِلَّا قَضَاهَا بَعْدَ نَوْمِهِ. (ش) : قَوْلُهُ سَمِعَ امْرَأَةً مِنْ اللَّيْلِ تُصَلِّي يَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَمِعَهَا تَذْكُرُ صَلَاتَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَيَحْتَمِلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنْ يَسْمَعَ قِرَاءَتَهَا وَهَذَا مَمْنُوعٌ لِلنِّسَاءِ لِأَنَّ أَصْوَاتَهُنَّ عَوْرَةٌ وَإِنَّمَا حُكْمُهَا فِيمَا تَجْهَرُ فِيهِ أَنْ تُسْمِعَ نَفْسَهَا خَاصَّةً وَأَمَّا الرَّجُلُ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى حَسَبِ مَا هُوَ أَرْفَقُ بِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَوَاعَدُونَ بِالْمَدِينَةِ لِقِيَامِ الْقُرَّاءِ فِي الصَّلَاةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ يُرِيدُ أَنَّهَا تُصَلِّي فِي جَمِيعِ لَيْلَتِهَا وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِالِامْتِنَاعِ مِنْ النَّوْمِ خَاصَّةً لِأَنَّهُ عَادَةُ النِّسَاءِ بِاللَّيْلِ وَلِأَنَّهَا لَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إلَّا لِغَرَضٍ مَقْصُودٍ وَذَلِكَ مَا أَشَارَتْ إلَيْهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ أَمْرٌ لَا تَسْتَطِيعُ الدَّوَامَ عَلَيْهِ وَكَانَ يُعْجِبُهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ يُحْيِي اللَّيْلَ كُلَّهُ فَكَرِهَهُ مَرَّةً وَقَالَ لَعَلَّهُ يُصْبِحُ مَغْلُوبًا وَفِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ كَانَ يُصَلِّي أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيْ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَإِذَا أَصَابَهُ النَّوْمُ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ يَأْتِيهِ الصُّبْحُ وَهُوَ نَاعِسٌ فَلَا يَفْعَلُ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يُدْرِكُهُ كَسَلٌ وَفُتُورٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ حَتَّى عُرِفَتْ الْكَرَاهِيَةُ فِي وَجْهِهِ يَعْنِي أَنَّهُ رَأَى فِي وَجْهِهِ مِنْ التَّقْطِيبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ

стр. 212

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ حَتَّى إذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلَاةِ يَقُولُ لَهُمْ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) . ــ [المنتقى] عَلَامَاتِ الْكَرَاهِيَةِ مَا عُرِفَتْ بِهِ كَرَاهِيَتُهُ لِمَا وُصِفَتْ بِهِ الْحَوْلَاءُ مِنْ أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ وَقَوْلُهُ ﷺ إنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ مَعْنَاهُ لَا يَمَلُّ مِنْ الثَّوَابِ حَتَّى تَمَلُّوا مِنْ الْعَمَلِ وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمَلَلَ مِنْ الْبَارِّي إنَّمَا هُوَ تَرْكُ الْإِثَابَةِ وَالْإِعْطَاءِ وَالْمَلَلُ مِنَّا هُوَ السَّآمَةُ وَالْعَجْزُ عَنْ الْفِعْلِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَعْنَى الْأَمْرَيْنِ التَّرْكَ وَصَفَ تَرْكَهُ بِالْمَلَلِ عَلَى مَعْنَى الْمُقَابَلَةِ وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَذَكَرَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ مَعْنَاهُ لَا يَمَلُّ وَأَنْتُمْ تَمَلُّونَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «اكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ» يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدَهُمَا: النَّدْبُ لَنَا إلَى تَكَلُّفِ مَا لَنَا بِهِ طَاقَةٌ مِنْ الْعَمَلِ. وَالثَّانِي: نَهْيُنَا عَنْ تَكَلُّفِ مَا لَا نُطِيقُ وَالْأَمْرُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا نُطِيقُهُ وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِنَفْسِ الْحَدِيثِ وَقَوْلُهُ مِنْ الْعَمَلِ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ عَمَلَ الْبَرِّ لِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبَبِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ اللَّفْظَ الْوَارِدَ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَفْظٌ وَرَدَ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ وَقَوْلُهُ مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا لَكُمْ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ طَاقَةٌ. (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّنَفُّلَ غَيْرُ مَحْدُودٍ وَأَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ كُلِّ إنْسَانٍ وَنَشَاطِهِ وَمَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهِ وَإِيقَاظُهُ أَهْلَهُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ نَافِلَةِ اللَّيْلِ بِحَظٍّ وَإِنْ قَلَّ فَكَانَ يَجْعَلُ ذَلِكَ فِي أَفْضَلِ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ وَهُوَ السَّحَرُ وَقَدْ قَلَّ قِيَامُهُ فَلْيَتَوَخَّ بِهِ أَفْضَلَ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُد كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه: ١٣٢] يَحْتَمِلُ أَنْ يُوقِظَهُمْ امْتِثَالًا لِأَمْرِ الْبَارِّي تَعَالَى فَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ عِنْدَ امْتِثَالِهَا لِيَتَأَكَّدَ قَصْدُهُ لِذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقْرَأَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِذَارِ مِنْ إيقَاظِهِمْ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَانَ يَقُولُ يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا) . (ش) : يَعْنِي كَرَاهِيَةَ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَتَعْرِيضِهَا لِلْفَوَاتِ فَقَدْ يَذْهَبُ بِهِ النَّوْمُ حَتَّى يَفُوتَ وَقْتُهَا وَمَعْنَى كَرَاهِيَةِ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا أَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَقَدْ أَرْخَصَ فِي ذَلِكَ لِمَنْ تَحَدَّثَ مَعَ ضَيْفٍ أَوْ قَرَأَ عِلْمًا زَادَ الدَّاوُدِيُّ أَوْ الْعَرُوسِ أَوْ مُسَافِرٍ. (ش) : قَوْلُهُ ﵁ صَلَاةُ اللَّيْلِ يُرِيدُ بِذَلِكَ النَّافِلَةَ وَلِذَلِكَ أُضِيفَ إلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَإِضَافَتُهَا إلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ تَقْتَضِي أَنَّ لِلَّيْلِ نَافِلَةً وَلِلنَّهَارِ نَافِلَةً وَأَفْضَلُ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَأَفْضَلُ أَوْقَاتِ النَّهَارِ الْهَاجِرَةُ قَالَ مَالِكٌ إنَّمَا كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ الصَّلَاةَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَبِالْهَاجِرَةِ وَالْوَرَعَ وَالْفِكْرَةَ قِيلَ لَهُ فَالتَّنَفُّلُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ إنَّمَا كَانَتْ صَلَاةُ الْقَوْمِ بِاللَّيْلِ وَالْهَاجِرَةِ قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ كَأَنِّي رَأَيْته يَكْرَهُ الصَّلَاةَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا وَقْتُ التَّصَرُّفِ وَالِاشْتِغَالِ بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي وَقْتِ النَّوْمِ وَالدَّعَةِ كَصَلَاةِ اللَّيْلِ وَفِي وَقْتٍ يَبْعُدُ عَنْ صَلَاةِ فَرْضٍ كَصَلَاةِ اللَّيْلِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ ﵀ مَثْنَى مَثْنَى يُرِيدُ أَنَّ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا صَلَاةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا يُرِيدُ أَنَّ النَّوَافِلَ لَا يُزَادُ فِيهَا عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ

стр. 213

صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْوِتْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ فَإِذَا فَرَغَ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ» . ــ [المنتقى] وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ شَاءَ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ مِنْ أَرْبَعٍ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ صَلِّ كَمْ شِئْت بِسَلَامٍ وَاحِدٍ بَعْدَ أَنْ تَجْلِسَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ الْحَدِيثُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا مِنْ الْأَصْلِ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» فَإِنْ قِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَجْلِسَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ لَا يُسْتَعْمَلُ لِلْفَصْلِ بِالْجُلُوسِ وَلِذَلِكَ لَا يُقَالُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ مَثْنَى مَثْنَى وَإِنْ كَانَ يَجْلِسُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُمَا وَيُقَالُ صَلَاةُ الصُّبْحِ مَثْنَى لَمَّا كَانَ يُسَلِّمُ فِيهَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا صَلَاةً وَلَا تَكُونُ صَلَاةً إلَّا بِأَنْ يَفْصِلُهَا عَمَّا بَعْدَهَا بِالسَّلَامِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ نَفْلٍ فَلَمْ تَجُزْ الزِّيَادَةُ فِيهَا عَلَى رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ. [صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْوِتْرِ] (ش) : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ فَزَادُوا فِيهِ «يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» وَقَوْلُهُ يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْوِتْرَ مِنْ جُمْلَتِهَا رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْوِتْرِ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ إحْدَاهَا: وُجُوبُهُ. وَالثَّانِيَةِ: عَدَدُهُ. وَالثَّالِثَةِ: إفْرَادُهُ مِنْ الشَّفْعِ. فَأَمَّا وُجُوبُهُ فَإِنَّ مَالِكًا ﵀ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ وَالْوَاجِبُ عِنْدَهُ دُونَ الْفَرْضِ وَفَوْقَ السُّنَنِ وَمِيزَتُهُ عَلَى السُّنَنِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ السُّنَنِ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْوَاجِبِ وَنَقْصُهُ عَنْ الْفَرْضِ أَنَّهُ يَكْفُرُ جَاحِدُ الْفَرْضِ وَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُ الْوَاجِبِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْوَاجِبُ عِنْدَنَا وَالْفَرْضُ وَاللَّازِمُ وَالْحَتْمُ وَالْمُسْتَحَقُّ بِمَعْنًى فَيَتَحَقَّقُ مَعَهُمْ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ أَرَادُوا بِالْوَاجِبِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ تَرْكُهُ فَهُوَ خِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ فَلَا مَعْنَى لِلِانْتِقَالِ بِالْمُنَاظَرَةِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ قَالُوا أَنَّهُ مِمَّا يَحْرُمُ تَرْكُهُ فَهُوَ خِلَافٌ فِي مَعْنًى وَالدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِهِ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي «الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْفَرَائِضِ فَقَالَ ﷺ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا فَقَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» : فَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْفَرْضِ فَأَجَابَ بِالْخَمْسِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْخَمْسَ صَلَوَاتٍ هِيَ جَمِيعُ فَرْضِ الصَّلَاةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا فَنَفَى وُجُوبَ غَيْرِهَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ فَوَصَفَ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِ بِالتَّطَوُّعِ. (فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي عَدَدِ الْوِتْرِ فَإِنَّ مَالِكًا ﵀ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ قَوْلُ «عَائِشَةَ ﵂ فِي الْحَدِيثِ يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ» . (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) وَهُوَ أَنَّ الْوِتْرَ لَا يَكُونُ إلَّا عَقِيبَ شَفْعٍ وَأَقَلُّهُ رَكْعَتَانِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَالَ سَحْنُونَ فِي كِتَابِ ابْنِهِ. وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ يُوتِرُ الْمُسَافِرُ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ أَوْتَرَ سَحْنُونَ فِي مَرَضِهِ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ يَدُلُّ مِنْ رَأْيِهَا عَلَى تَخْفِيفِ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ وَأَنَّ الشَّفْعَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْوِتْرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ جَائِزٌ دُونَ عُذْرٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ وِتْرٍ

стр. 214

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَقَالَتْ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ فَقَالَ يَا عَائِشَةَ إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» ) ــ [المنتقى] فَوَجَبَ أَنْ يُوتِرَ بِهَا مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا كَالْمَغْرِبِ الَّتِي تُوتِرُ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا وَهُوَ الْفَرْضُ. ١ - (فَرْعٌ) وَهَلْ يَتَعَيَّنُ لِلْوِتْرِ قِرَاءَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ الِاسْتِحْبَابِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنَّ النَّاسَ لَيَلْتَزِمُونَ فِي الْوِتْرِ قِرَاءَةَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَمَا هُوَ بِلَازِمٍ وَهَذَا يَنْفِي الْوُجُوبَ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إنِّي لَأَفْعَلُهُ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ قَرَأَ فِي الْوِتْرِ سَهْوًا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الشَّفْعُ قَبْلَ الْوِتْرِ فَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ مَا عِنْدِي شَيْءٌ يُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّفْعَ مِنْ جِنْسِ سَائِرِ النَّوَافِلِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَهَذَا عِنْدِي لِمَنْ كَانَ وِتْرُهُ بِوَاحِدَةٍ عَقِيبَ صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُوتِرْ إلَّا عَقِيبَ شَفْعِ الْوِتْرِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الشَّفْعِ بِسَبِّحْ اسْمِ رَبِّك الْأَعْلَى وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِذَا فَرَغَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ إذَا فَرَغَ مِنْ الْإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّهَا الَّتِي ذَكَرَ فِعْلَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَرَاغَ كَانَ مِنْهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَإِذَا فَرَغَ يَعْنِي مِنْ جَمِيعِ مَا صَلَّى إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَظْهَرُ إذْ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالْوِتْرُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَالْأَوْزَاعِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «أَنَّ اضْطِجَاعَهُ ﷺ إنَّمَا كَانَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ رَاحَةً وَانْتِظَارًا لِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَكَانَ يَضْطَجِعُ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ رَاحَةً وَانْتِظَارَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ هَذِهِ الضَّجْعَةَ لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَضْطَجِعُ رَاحَةً وَإِبْقَاءً عَلَى نَفْسِهِ قَالَ مَالِكٌ مَنْ فَعَلَهَا رَاحَةً فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَمَنْ فَعَلَهَا سُنَّةً وَعِبَادَةً فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ اُسْتُحِبَّ الضَّجْعَةُ بَيْنَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا صَلَّى فَإِنْ كُنْت مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ» وَأَمَّا اضْطِجَاعُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ «أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» . (ش) : قَوْلُهُ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ يَحْتَمِلُ السُّؤَالُ عَنْ صِفَةِ صَلَاتِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سُؤَالًا عَنْ عِدَّةِ مَا يُصَلِّي مِنْ الرَّكَعَاتِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ جَوَابُ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً فَأَجَابَتْهُ بِالْعَدَدِ ثُمَّ أَتْبَعَتْ ذَلِكَ الصِّفَةَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ وَقَدْ تَأْتِي كَيْفَ بِمَعْنَى كَمْ وَإِنَّمَا قَصَرَ السُّؤَالَ عَلَى رَمَضَانَ لِمَا رَأَى مِنْ الْحَضِّ عَلَى صَلَاةِ رَمَضَانَ فَظُنَّ لِذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخُصُّهُ بِصَلَاةٍ فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ أَنَّ فِعْلَهُ كَانَ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ وَفِي ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ حُصُولَنَا عَلَى صَلَاةِ رَمَضَانَ لِمَا عُلِمَ مِنْ ضَعْفِنَا عَنْ إقَامَةِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْعَامِ فَحَضَّنَا عَلَى أَفْضَلِ أَوْقَاتِ الْعَامِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ تُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِكَلَامٍ

стр. 215

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» ) . ــ [المنتقى] وَلَكِنَّهَا جَمَعَتْهُمَا فِي اللَّفْظِ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ صِفَتَهُمَا وَطُولَهُمَا وَحُسْنَهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَأَنَّ الْأَرْبَعَ الْأُخَرَ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَخَذَتْ مِنْ الْحُسْنِ وَالطُّولِ حَظَّهَا. وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ يَنَامُ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ يَنَامُ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَيْقَظَ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُولُ إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِآيَاتٍ لِأُوَلِي الْأَلْبَابِ فَقَرَأَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَامَ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِسِتِّ رَكَعَاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَضْلِ وَإِنَّ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ جِنْسِ الْوِتْرِ فِي الْحُسْنِ وَالطُّولِ وَقَوْلُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ بِإِثْرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ قَبْلَ أَنْ يُوتِرَ ثُمَّ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ لِصَلَاتِهِ وَوِتْرِهِ فَقَالَتْ لَهُ كَيْفَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَرُبَّمَا ذَهَبَ بِك النَّوْمُ عَنْ وِتْرِك. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا ثُمَّ نَامَ قَبْلَ أَنْ يُوتِرَ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنَامُ عَنْ مُرَاعَاةِ الْوَقْتِ. وَهَذَا مِمَّا خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ وَالْعِصْمَةِ وَلِذَلِكَ كَانَ ﷺ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ لِعِلْمِهِ بِمَا يَكُونُ مِنْهُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» ) . (ش) : ذَكَرَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً غَيْرَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَذَكَرَتْ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ أَنَّ رِوَايَةَ عَائِشَةَ ﵂ اضْطَرَبَتْ فِي الْحَجِّ وَالرَّضَاعِ وَصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ وَقَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ وَهَذَا غَلَطٌ مِمَّنْ قَالَهُ وَسَهْوٌ عَنْ وَجْهِ التَّأْوِيلِ وَلَوْ اضْطَرَبَتْ رِوَايَتُهَا فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ مَعَ مُشَاهَدَتِهَا لَهُ مُدَّةَ عُمْرِهَا فِي حَيَاتِهِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اضْطِرَابُ رِوَايَتِهَا فِيمَا لَمْ تُشَاهِدْهُ إلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَشَدَّ وَلَا تَصِحُّ لَهَا رِوَايَةٌ وَقَدْ أَجْمَعَ مَنْ تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَحْفَظِ الصَّحَابَةِ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ قِلَّةُ مَعْرِفَتِهِ بِمَعَانِي الْكَلَامِ وَوُجُوهِ التَّأْوِيلِ وَرِوَايَةُ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنَّهُ كَانَ ﷺ تَخْتَلِفُ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ فَمَرَّةً كَانَتْ تُخْبِرُ بِمَا شَاهَدَتْ مِنْهُ فِي وَقْتٍ مَا وَمَرَّةً كَانَتْ تُخْبِرُ بِمَا شَاهَدَتْ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ وَإِنَّمَا قَالَتْ إنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً تُرِيدُ صَلَاتَهُ الْمُعْتَادَةَ الْغَالِبَةَ وَإِنْ كَانَ رُبَّمَا يَزِيدُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عَلَى ذَلِكَ فَقَصَدَتْ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ إلَى الْإِخْبَارِ عَنْ غَالِبِ صَلَاتِهِ وَذَكَرَتْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ تَنْتَهِي إلَيْهِ صَلَاتُهُ فِي النَّادِرِ أَنَّ مَا كَانَتْ تَنْتَهِي إلَيْهِ صَلَاتُهُ فِي الْأَغْلَبِ إذَا زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ. وَالْوَجْهَ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ ﵂ تَقْصِدُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ إلَى الْإِخْبَارِ عَنْ جَمِيعِ صَلَاتِهِ فِي لَيْلَةٍ وَتَقْصِدُ فِي وَقْتٍ ثَانٍ إلَى ذِكْرِ نَوْعٍ مِنْ صَلَاتِهِ فِي اللَّيْلِ وَجَمِيعِ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» فَلَمْ تَعْتَدَّ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ بِرَكْعَتَيْ الِافْتِتَاحِ وَلَا بِرَكْعَتَيْ

стр. 216

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ «أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ خَالَتُهُ قَالَ فَاضْطَجَعْت فِي عُرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ثُمَّ قَامَ إلَى شَنٍّ مُعَلَّقٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقُمْت فَصَنَعْت مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمَّ ذَهَبْت فَقُمْت إلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ» ) . ــ [المنتقى] الْفَجْرِ فَلِذَلِكَ وَصَفَتْ صَلَاتَهُ بِأَنَّهَا إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَرَوَى هَاشِمُ بْنُ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً غَيْرَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَاعْتَدَّتْ فِيهَا بِرَكْعَتَيْ الِافْتِتَاحِ. وَقَدْ رَوَى عَنْهَا أَبُو سَلَمَةَ أَيْضًا أَنَّهَا قَالَتْ كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِاللَّيْلِ مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ فَعَائِشَةُ ﵂ كَانَتْ تُخْبِرُ بِالْأَمْرِ عَلَى وُجُوهٍ شَتَّى وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ أَسْبَابِ السُّؤَالِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا ثُمَّ يُصَلِّي إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ تُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إذَا عَلِمَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَمِنْ سُنَّتِهَا التَّخْفِيفُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (ش) : قَوْلُهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ خَالَتُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ الِاسْتِئْنَاسَ وَالصِّلَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِذَلِكَ تَعَلُّمَ الْعِلْمِ وَمَعْرِفَةَ عَمَلِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَاضْطَجَعْت فِي عُرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طُولِهَا الْوِسَادَةُ هُوَ الْفِرَاشُ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ فَكَانَ اضْطِجَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي عَرْضِهَا عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَوْ عِنْدَ أَرْجُلِهِمَا وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ الْوِسَادَةُ مَا يَضَعُونَ عَلَيْهِ رُءُوسَهُمْ لِلنَّوْمِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ رُءُوسَهُمَا فِي طُولِهَا وَوَضَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَأْسَهُ فِي عُرْضِهَا وَالْعُرْضُ بِالضَّمِّ هُوَ الْجَانِبُ الضَّيِّقُ مِنْهَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَهَذَا لَيْسَ بِالْبَيِّنِ عِنْدِي وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ لَقَالَ يَتَوَسَّدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ طُولَ الْوِسَادَةِ وَتَوَسَّدَ ابْنُ عَبَّاسٍ عُرْضَهَا وَأَمَّا قَوْلُهُ وَاضْطَجَعَ فِي عُرْضِهَا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْعُرْضُ مَحَلًّا لِاضْطِجَاعِهِ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ فِرَاشًا لَهُ وَمَا قَالَهُ فِي الْعُرْضِ غَيْرُ صَحِيحٍ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ فِي عَرْضِهَا بِالْفَتْحِ وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ فِي عِلْمِنَا بِالضَّمِّ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَإِنَّ الْعُرْضَ الْجَانِبُ وَاَلَّذِي كَانَ يَتَوَسَّدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا إنَّمَا كَانَ الْجَانِبُ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَهُمَا إلَّا بِالطُّولِ وَالْعُرْضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا فِرَاشٌ غَيْرُهُ وَلِذَلِكَ نَامُوا جَمِيعًا فِيهِ وَهَذَا نِهَايَةُ مَا يَكُونُ مِنْ تَقْرِيبِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَهْلِهِ وَأَهْلِ مَيْمُونَةَ زَوْجِهِ وَفِيهِ إبَاحَةُ مِثْلِ هَذَا لِمَنْ كَانَ فِي مِثْلِ سِنِّهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سِنُّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ نَحْوُ الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَى عُمْرَةِ الْقَضَاءِ. وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ السِّنِّ وَهُوَ سِنٌّ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَرْقُدَ مَنْ بَلَغَهُ مَعَ أَحَدٍ مِنْ الْأَجَانِبِ أَوْ ذِي الْمَحَارِمِ دُونَ حَائِلٍ بَيْنَهُمَا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى. وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «يُؤْمَرُ الصِّبْيَانُ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَيُضْرَبُونَ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ

стр. 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَأَلْته مَتَى يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا ثَغَرُوا مِنْ نَاحِيَةِ التَّفْرِقَةِ فِي الْبَيْعِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ تَفْسِيرُ الْحَدِيثِ» وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ أَنْ لَا يَتَجَرَّدَ الْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ إذَا بَلَغَا عَشْرًا وَلَا الْجَارِيَتَانِ وَلَا الْغُلَامَانِ وَإِنْ كَانُوا أَخَوَيْنِ وَلَا يَتَجَرَّدَا مَعَ أَبِيهِمَا وَلَا مَعَ أُمِّهِمَا إلَّا وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبٌ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ تَفْرِقَةٌ فَكَانَ حَدُّهَا الْإِثْغَارَ كَالتَّفْرِقَةِ فِي الْبَيْعِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَبِهَا قَالَ عِيسَى إنَّ الصَّبِيَّ لَا يَعْرِفُ مَعَانِيَ الْجِمَاعِ وَلَا يَتَشَوَّقُ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا فِي أَقَلِّ مِنْ عَشْرَةٍ فَلَزِمَتْ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ وَأَمَّا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ فَلَا يَأْبَهُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ فَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ عَلَى مَعْنَى التَّغْرِيرِ وَهَذَا هُوَ الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ فِي الْقِيَامِ وَقَوْلُهُ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ إزَالَةَ النَّوْمِ مِنْ الْوَجْهِ. وَالثَّانِي: إزَالَةُ الْكَسَلِ بِمَسْحِ الْوَجْهِ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَى آخِرِ السُّورَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِيَبْتَدِئَ يَقَظَتَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ وَيَخْتِمَهَا بِذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ نَوْمِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِيَذْكُرَ مَا نَدَبَ إلَيْهِ مِنْ الْعِبَادَةِ وَمَا وَعَدَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الثَّوَابِ وَتَوَعَّدَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ مِنْ الْعِقَابِ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ جَامِعَةٌ لِكَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَنْشِيطًا لَهُ عَلَى الْعِبَادَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ قَامَ إلَى شَنٍّ مُعَلَّقٍ وَهُوَ السِّقَاءُ الْبَالِي فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ يُقَالُ أَحْسَنَ فُلَانٌ كَذَا بِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَتَى بِهِ عَلَى أَكْمَلِ هَيْئَةٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلِمَ كَيْفَ يَأْتِي بِهِ يُقَالُ فُلَانٌ يُحْسِنُ صَنْعَةَ كَذَا أَيْ يَعْلَمُ كَيْفَ يَصْنَعُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ قَامَ يُصَلِّي إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُمْت فَصَنَعْت مِثْلَ مَا صَنَعَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ جَمِيعَ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُبَادَرَةِ إلَى الِانْتِفَاعِ بِمَا تَعَلَّمَ مِنْهُ فَقَامَ إلَى جَنْبِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ قَامَ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ عَنْهُ مُفَسَّرًا فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَأْتَمُّ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ أَنْ يَؤُمَّ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ يُصَلِّي ثُمَّ قَامَ بَعْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَتَوَضَّأَ وَدَخَلَ مَعَهُ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ حَتَّى يَنْوِيَ ذَلِكَ الْإِمَامُ عِنْدَ إحْرَامِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَأْتَمُّ بِهِ الرَّجُلُ وَلَا يَأْتَمُّ بِهِ النِّسَاءُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ فِعْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى الْمُنْكَرِ فَإِنْ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ صَادَفَ دُخُولُهُ فِي الصَّلَاةِ افْتِتَاحَ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ مِمَّا قَبْلَهُمَا فَنَوَى النَّبِيُّ ﷺ إمَامَتَهُ: فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ كَانَ يُقِيمُهُ عَلَى جَنْبِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِيُقِرَّهُ عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَى يَسَارِهِ فَيُدِيرَهُ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَكَى أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ إدَارَتِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ أَوْتَرَ لِأَنَّهُ وَصَفَ إدَارَتَهُ ثُمَّ قَالَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ وَالْفَاءُ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ فِي الْعَطْفِ. وَقَدْ قَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ كُرَيْبٍ «كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» فَثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَفُتْهُ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ غَيْرُ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهَا نِيَّةٌ لَا تُؤَثِّرُ فِي صَلَاةِ مَنْ نَوَاهَا فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي صَلَاةِ غَيْرِهِ كَالتَّخْفِيفِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ إذَا عَقَلَ مَعْنَى الصَّلَاةِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ يُؤْمَرُ الصِّبْيَانُ

стр. 218

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ «لَأَرْمُقَنَّ اللَّيْلَةَ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَتَوَسَّدْت عَتَبَتَهُ أَوْ فُسْطَاطَهُ وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ ــ [المنتقى] بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَيُضْرَبُونَ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ لَا يَدْخُلُ مِنْ جِهَةِ إسْنَادِهِ فَقَدْ قَالَ فِيهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ أَصْلٌ صَحِيحٌ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَنْ يُؤْمَرَ الصَّبِيُّ بِالصَّلَاةِ إذَا أَثَغْرَ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَابْنُ شِهَابٍ يُؤْمَرُ بِذَلِكَ إذَا عَرَفَ يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ مُتَقَارِبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَا يُضْرَبُ عَلَيْهَا لِسَبْعِ سِنِينَ قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَقَالَ أَشْهَبُ يُؤْمَرُ بِهَا لِلسَّبْعِ وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا فَإِذَا بَلَغَ عَشْرَةَ أَعْوَامٍ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُضْرَبُ عَلَيْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَقُمْت إلَى جَنْبِهِ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ الْمُؤْتَمُّ بِهِ وَحْدَهُ وَلِلْمَأْمُومِ مَعَ الْإِمَامِ سَبْعَةُ أَحْوَالٍ: إحْدَاهَا أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ رَجُلًا وَاحِدًا فَإِنَّ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يَقِفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ يَقُومُ عَنْ يَسَارِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مَا رُوِيَ عَنْ «أَنَسٍ صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ» . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ قُمْت إلَى شِقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْأَيْسَرِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ يَعْدِلُنِي كَذَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ إلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ» . (فَرْعٌ) فَإِنْ قَامَ عَنْ يَسَارِهِ أَدَارَهُ الْإِمَامُ عَنْ يَمِينِهِ وَتَكُونُ إدَارَتُهُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ بَيِّنٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ تَحْوِيلَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مِنْ بَابِ الْمُرُورِ بَيْنِ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ الْمُقْتَدِي بِالْإِمَامِ رَجُلَيْنِ فَزَائِدًا صَلَّوْا وَرَاءَهُ خِلَافًا لِابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ يُصَلِّي بَيْنَهُمَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْ «جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ سِرْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ فَقَامَ يُصَلِّي ثُمَّ جِئْت حَتَّى قُمْت عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَجَاءَ ابْنُ صَخْرٍ حَتَّى قَامَ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَكُونُ مِنْ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا وَلَا تَكُونُ وَاحِدًا وَكَذَلِكَ الصَّفُّ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا فَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ لِيَقُومَ مِنْهُمَا صَفٌّ وَاحِدٌ فَإِذَا كَانَا اثْنَيْنِ صَحَّ مِنْهُمَا الصَّفُّ وَلَزِمَ تَقَدُّمُ الْإِمَامِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِهِ وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَسِيرَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ تَأْنِيسًا لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَهُ إيقَاظًا لَهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ «فَجَعَلَ إذَا أَغْفَيْت يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي» . ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ الْفَصْلَ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِسَلَامٍ وَلَوْ لَمْ يُسَلِّمْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ لَكَانَ يَجْمَعُهُنَّ فِي التَّسْمِيَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ مِنْ صَلَاتِهِ ﷺ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً غَيْرَ الْوِتْرِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ يَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّ الْوِتْرَ هُوَ الرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ الْمُنْفَرِدَةُ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ كُرَيْبٌ «أَنَّ صَلَاتَهُ ﷺ تَتَامَّتْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ وَهَذَا الِاضْطِجَاعُ لِانْتِظَارِ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ وَقَوْلُهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ يَعْنِي بِذَلِكَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ غَيْرُهُمَا.

стр. 219

قَبْلَهُمَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمَّ أَوْتَرَ تِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» ) . الْأَمْرُ بِالْوِتْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ الْجُمَحِيِّ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمُخْدَجِيَّ سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ إنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ فَقَالَ الْمُخْدَجِيُّ فَرُحْت إلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَاعْتَرَضْت لَهُ ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ لَأَرْمُقَنَّ اللَّيْلَةَ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي بِذَلِكَ نَافِلَتَهُ مِنْ اللَّيْلِ فَأَمَّا الْفَرِيضَةُ فَقَدْ كَانَ يُشَاهِدُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ دُونَ تَكَلُّفٍ وَقَوْلُهُ فَتَوَسَّدْت عَتَبَتَهُ الْعَتَبَةُ مَوْضِعُ الْبَابِ وَالْفُسْطَاطُ نَوْعٌ مِنْ الْقِبَابِ وَالْفُسْطَاطُ مُجْتَمَعُ الْمِصْرِ وَالْخَبَرُ بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ أَشْبَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الشَّكِّ مِنْ الرَّاوِي وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ قَدْ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ فِي ذَلِكَ إذْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّسَمُّعُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ انْفَرَدَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي هَذَا الْبَابِ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ وَسَائِرُ أَصْحَابِ الْمُوَطَّأِ قَالُوا عَنْ مَالِكٍ فِي الْأُولَى خَفِيفَتَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ افْتِتَاحًا لِصَلَاتِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ يَفْعَلُهُ تَحِيَّةً لِلْمَسْجِدِ إنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ قِيلَ لِمَالِكٍ فِيمَنْ يُرِيدُ تَطْوِيلَ التَّنَفُّلِ يَبْدَأُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ يَرْكَعُ كَيْفَ شَاءَ وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا شَأْنَ مَنْ يُرِيدُ التَّنَفُّلَ فَلَا وَإِنَّمَا أَنْكَرَ مَالِكٌ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ سُنَّةَ التَّنَفُّلِ فِي كُلِّ وَقْتٍ حَتَّى لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ أَوْ يَكُونُ تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَيُمْنَعُ مِنْهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ ثَلَاثًا وَسَائِرُ أَصْحَابِ الْمُوَطَّأِ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي طُولِهِمَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا يَعْنِي فِي الطُّولِ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ وَصَفَهُمَا ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ بِأَنْ وَصَفَ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ رَكَعَهُمَا بِأَنَّهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا وَذَلِكَ خَمْسُ مَرَّاتٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ آخِرَ الصَّلَاةِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ عَمَّا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِهَا مِنْ الْإِتْمَامِ وَالتَّطْوِيلِ وَلِذَلِكَ شُرِعَ هَذَا الْمَعْنَى فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ أَوْتَرَ فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَيِّنٌ فِي أَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ. [الْأَمْرُ بِالْوِتْرِ] (ش) : قَوْلُهُ مَثْنَى مَثْنَى يَقْتَضِي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَتَكُونُ صَلَاتُهُ تَامَّةً وَلَا غَايَةَ لِأَكْثَرِهَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ الْمُصَلِّي وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ مَثْنَى مَثْنَى فَلَمْ يَحُدَّ بِحَدٍّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً فَجَعَلَ غَايَةَ ذَلِكَ أَنْ يَخْشَى الصُّبْحَ وَلَمْ يَجْعَلْ غَايَتَهُ عَدَدًا وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً أَنْ تَكُونَ خَشْيَتُهُ بِسَبَبِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِسَبَبِ صَلَاةِ الْوِتْرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِسَبَبِهِمَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ آخِرَ وَقْتِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَوَقْتِ الْوِتْرِ الْمُخْتَارِ لَهُمَا الْفَجْرُ وَلَهُمَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ وَهُوَ مَا لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ فَقَدْ فَاتَ وَأَمَّا أَوَّلُ وَقْتِ الْوِتْرِ فَهُوَ إتْمَامُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ صَلَاةِ اللَّيْلِ إلَى بَعْدِ الْفَجْرِ فَمَنْ نَامَ عَنْهَا أَوْ غَلَبَهُ عَلَيْهَا نَوْمٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَهَا بَعْدَ الْفَجْرِ.

стр. 220

وَهُوَ رَائِحٌ إلَى الْمَسْجِدِ فَأَخْبَرْته بِاَلَّذِي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فَقَالَ عُبَادَةُ كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ عَنْ «سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ كُنْت أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ قَالَ سَعِيدُ فَلَمَّا خَشِيت الصُّبْحَ نَزَلْت فَأَوْتَرْت ثُمَّ أَدْرَكْته فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَيْنَ كُنْت فَقُلْت لَهُ خَشِيت الصُّبْحَ فَنَزَلْت فَأَوْتَرْت فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَلَيْسَ لَك فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ فَقُلْت بَلَى وَاَللَّهِ فَقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ» ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ إنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ مَعْنَى الْوَاجِبِ هُوَ مَا فِي تَرْكِهِ عِقَابٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكٌ لَهُ عَلَى وَجْهٍ مَا وَقَدْ عَبَّرَ بَعْضُ النَّاسِ بِالْوَاجِبِ عَنْ مُؤَكَّدِ السُّنَنِ اتِّسَاعًا وَمَجَازًا عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ فَإِنْ كَانَ مَنْ قَالَ إنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ يُرِيدُ ذَلِكَ فَهُوَ خِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ وَلَا مَعْنَى لِمُعَارَضَتِهِ وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ عَلَى حَسَبِ مَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ الْفَرَائِضَ فَهُوَ خِلَافٌ فِي مَعْنًى وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ تُفْعَلُ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً كَسَائِرِ النَّوَافِلِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَرُحْت إلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَاعْتَرَضْت لَهُ وَهُوَ رَائِحٌ فِي الْمَسْجِدِ فَأَخْبَرْته بِاَلَّذِي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِبَاحَةِ الْفَتْوَى بِمَا خَفَّ مِنْ الْمَسَائِلِ فِي الطُّرُقِ وَأَمَّا مَا طَالَ مِنْهَا وَأَشْكَلَ وَاحْتَاجَ إلَى التَّأَمُّلِ فَوَاجِبٌ عَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَجْلِسَ لَهُ وَيَتَدَبَّرَهُ وَلَا يُفْتِيَ فِيهِ مُسْتَوْفِزًا وَلَا مَاشِيًا وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ وَفِيهِ إعْلَامُ الْمُفْتِي بِمَا قَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ عَسَى أَنْ يُخَالِفَهُ لِيَبْعَثَهُ ذَلِكَ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالْبَحْثِ وَهَذَا عَلَى سَلَامَةِ النُّفُوسِ وَخُلُوِّ الصُّدُورِ مِنْ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُبَادَةَ كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ يَعْنِي أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِالْأَمْرِ عَلَى مَا لَيْسَ عَلَيْهِ وَالْكَذِبُ يَنْقَسِمُ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدِهِمَا: لَا يَأْثَمُ صَاحِبُهُ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنْ يَقَعَ فِيهِ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ فِيمَا خَفَى عَنْهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ فِيمَا لَا يَحِلُّ فِيهِ الصَّرْفُ مِثْلُ أَنْ يُؤَمِّنَ رَجُلًا يَسْتَتِرُ فَيَسْأَلُ عَنْهُ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْذِبَ عَنْهُ وَلَا يَصْرِفُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ. وَأَمَّا الْقَسَمُ الثَّانِي: فَيَأْثَمُ صَاحِبُهُ وَهُوَ مَا قَصَدَ فِيهِ إلَّا الْكَذِبَ مِمَّا حُصِرَ فِيهِ الْقَصْدُ إلَى الْكَذِبِ وَإِنَّمَا أَرَادَ عُبَادَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ وَهُوَ مَسْعُودُ بْنُ أَوْسٍ قَدْ أَتَى مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَمْ يَرْضَهُ وَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ تَدْقِيقِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يُخَالِفُهُ فَأَتَى بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ تَغْلِيظًا عَلَى مَنْ ذَهَبَ إلَى مُخَالَفَتِهِ لِمَا عِنْدَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافُهُ فَإِنَّ مَنْ جَاءَ بِالْخَمْسِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ فَإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَهَذَا يَنْفِي وُجُوبَ صَلَاةِ غَيْرِهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ اُحْتُرِزَ مِنْ النِّسْيَانِ وَالسَّهْوِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ أَحَدًا الِاحْتِرَازُ مِنْهُ إلَّا مَنْ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْعِصْمَةِ فَمَنْ نَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا عَالِمًا بِذَلِكَ وَقَادِرًا عَلَى إتْمَامِهِ فَذَلِكَ الْمُسْتَخِفُّ الَّذِي لَا عَهْدَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ نَصٌّ فِي أَنَّ مَنْ ارْتَكَبَ الْكَبَائِرَ فِي الْمَشِيئَةِ وَمَانِعٌ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَا يُغْفَرُ لَهُ وَمَانِعٌ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ كَافِرٌ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ إنْ كَانَ لَا يَأْتِي بِهَا مَعَ إيمَانِهِ بِهَا فَحُكْمُهُ فِي الدُّنْيَا أَنْ يُنْتَظَرَ خُرُوجُ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِنْ صَلَّاهَا وَإِلَّا قُتِلَ حَدًّا وَلَوْ تَرَكَهَا مُكَذِّبًا بِهَا اُسْتُتِيبَ ثَلَاثًا فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ كُفْرًا. (ش) : قَوْلُهُ فَلَمَّا خَشِيت الصُّبْحَ نَزَلْت فَأَوْتَرْت يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَخَافُ طُلُوعَ الْفَجْرِ بِفَوَاتِ الْوِتْرِ وَلِذَلِكَ صَلَّى الْوِتْرَ حِينَ خَشِيَ طُلُوعَ الْفَجْرِ وَقَوْلُهُ أَلَيْسَ لَك فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ

стр. 221

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ فِرَاشَهُ أَوْتَرَ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُوتِرُ آخِرَ اللَّيْلِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَمَّا أَنَا فَإِذَا جِئْت فِرَاشِي أَوْتَرْت) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ وَالسَّمَاءُ مُغِيمَةٌ فَخَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ الصُّبْحَ فَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ ثُمَّ انْكَشَفَ الْغَيْمُ فَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا فَشَفَعَ بِوَاحِدَةٍ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا خَشِيَ الصُّبْحَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ) . ــ [المنتقى] الْأُسْوَةُ مَا يَتَأَسَّى بِهِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْقُدْوَةِ وَقَوْلُهُ بَلَى وَاَللَّهِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِبَاحَةِ الْيَمِينِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فِي تَصَارِيفِ الْكَلَامِ. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِثُبُوتِ النَّافِلَةِ فِيهِ وَهُوَ فِعْلُهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ فِعْلَ الْوِتْرِ عَلَى الْأَرْضِ لِتَأَكُّدِ أَمْرِهِ وَاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي وُجُوبِهِ فَمَنْ صَلَّى عَلَى رَاحِلَةٍ فِي اللَّيْلِ اُسْتُحِبَّ لَهُ إذَا أَرَادَ الْوِتْرَ أَنْ يَنْزِلَ. (ش) : مَعْنَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ الْوِتْرَ لِلِاحْتِيَاطِ مَخَافَةَ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ النَّوْمُ فَيَنَامَ عَنْ الْوِتْرِ فَكَانَ يُقَدِّمُ الْوِتْرَ فَإِنْ قَامَ بَعْدَ ذَلِكَ تَنَفَّلَ مَا أَمْكَنَهُ وَكَانَ عُمَرُ قَدْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ عَلَى الْقِيَامِ وَأَنَّهُ لَا يَغْلِبُهُ أَمْرٌ عَلَيْهِ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ فَكَانَ يُؤَخِّرُ الْوِتْرَ إلَى آخِرِ صَلَاتِهِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ الْوِتْرِ أَوَاجِبٌ هُوَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ» ) . (ش) : هَذَا السَّائِلُ كَانَ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ وُجُوبِ الْوِتْرِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَلَمْ يَرَ الرَّجُلَ أَهْلًا لِهَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ الْعِلْمِ وَكَانَ يُخْبِرُهُ بِمَا يَحْتَاجُ هُوَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَوْتَرَ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ وَطَوَى عَنْهُ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ هُوَ وَلَا هُوَ مِنْ أَهْلِهِ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ حُكْمَ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ فَلِذَلِكَ أَجَابَهُ بِمَا كَانَ وَتَرَكَ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُجِبْهُ بِهِ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تَقُولُ مَنْ خَشِيَ أَنْ يَنَامَ حَتَّى يُصْبِحَ فَلْيُوتِرْ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ وَمَنْ رَجَا أَنْ يَسْتَيْقِظَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُؤَخِّرْ وِتْرَهُ) . (ش) : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْوِتْرَ آخِرَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ لِمَنْ قَوِيَ وَأَمِنَ النَّوْمَ عَنْهُ وَمَنْ خَافَ أَنْ يَفُوتَهُ بِنَوْمِهِ عَنْهُ فَلْيُقَدِّمْهُ فِي أَوَّلِ لَيْلِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَفُوتَهُ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ. ش قَوْلُهُ وَالسَّمَاءُ مُغِيمَةٌ فَخَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ الصُّبْحَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اسْتِحْبَابِهِمْ الْإِتْيَانَ بِالْوِتْرِ قَبْلَ الصُّبْحِ وَقَوْلُهُ فَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةً فَلَمَّا انْكَشَفَ الْغَيْمُ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا فَشَفَعَ وِتْرَهُ بِوَاحِدَةٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُسَلِّمْ مِنْ الْوَاحِدَةِ حِينَ رَأَى أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا فَشَفَعَ بِوَاحِدَةٍ أَكْمَلَ بِهَا مَعَ وِتْرِهِ رَكْعَتَيْنِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ عَلَى مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي نِيَّةِ أُولَى الصَّلَاةِ إلَى اعْتِبَارِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَلَا اعْتِبَارِ وِتْرٍ وَلَا شَفْعٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَلَّمَ ثُمَّ رَأَى أَنَّ عَلَيْهِ وَقْتًا فَصَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى مُفْرَدَةً اعْتَدَّهَا مُشَفِّعَةً لِلْأُولَى وَقَدْ رَوَى إجَازَةَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵃ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ يَسَارٍ وَعَائِشَةُ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا وَتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ السَّلَامَ يُنَافِي اسْتِدَامَةَ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ إضَافَةَ مَا بَعْدَهُ مِنْ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ إلَى مَا قَبْلَهُ وَيَجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُكْمًا غَيْرَ حُكْمِ الْأُخْرَى كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُضِيفَ إلَى الظُّهْرِ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْهَا رَكْعَةً أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يُوتِرْ ذَلِكَ فِي الظُّهْرِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ نَاسِيًا أَوْ ذَاكِرًا فَإِنْ فَعَلَهُ ذَاكِرًا فَقَدْ تَقَدَّمَ الْحُكْمُ وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَاسِيًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ

стр. 222

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ فِي الْوِتْرِ حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ يُوتِرُ بَعْدَ الْعَتَمَةِ بِوَاحِدَةٍ قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَنَا وَلَكِنَّ أَدْنَى الْوِتْرِ ثَلَاثٌ) . ــ [المنتقى] عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَشْفَعُ مَا شَفَعَ بِهِ الْوِتْرَ وَرَوَى سَحْنُونَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ لِمَنْ أَحْرَمَ عَلَى وِتْرٍ أَنْ يَشْفَعَ. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْوِتْرَ وَالشَّفْعَ يَجْمَعُهُمَا مَعْنَى التَّنَفُّلِ وَلَمَّا لَمْ يَحْتَجْ الْمُتَنَفِّلُ إلَى زِيَادَةٍ عَلَى نِيَّةِ التَّنَفُّلِ وَكَانَ الشَّفْعُ نَفْلًا جَازَ أَنْ يُحَالَ الْوِتْرُ إلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ الشَّفْعُ إلَى الْوِتْرِ لِأَنَّهُ آكَدُ مِنْهُ فَيَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ نِيَّةٍ يَتَغَيَّرُ بِهَا كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ الْفَرْضُ إلَى التَّنَفُّلِ وَلَا يَجُوزُ النَّفَلُ إلَى الْفَرْضِ. وَقَدْ حَكَى الدَّاوُدِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوتِرَ بِرَكْعَةٍ يَفْتَتِحُ بِغَيْرِ نِيَّةِ الْوِتْرِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الشَّفْعَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْوِتْرِ فَلَا يُحَالُ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ افْتَتَحَ صَلَاةً فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الصَّلَاةُ أَنَّهُ يَشْفَعُهَا نَافِلَةً وَيُسَلِّمُ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَيَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ وَقَالَ فِي الْمَغْرِبِ إنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً قَطَعَهَا وَلَمْ يَشْفَعْهَا. (فَرْعٌ) وَهَذَا إنْ ذَكَرَ قَبْلَ السَّلَامِ فَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ السَّلَامِ فَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَعُودُ فَيَشْفَعُ وِتْرَهُ إنْ كَانَ قَرِيبًا وَإِنْ طَالَ لَمْ يَعُدْ وَأَجْزَأَهُ وِتْرُهُ الْأَوَّلُ. (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ فِي الْوِتْرِ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ تُسَمَّى الثَّلَاثُ رَكَعَاتٍ وِتْرًا مَجَازًا لَمَّا كَانَ الْوِتْرُ لَا يَسْتَبِدُّ مِنْهَا إلَّا أَنَّ الْوِتْرَ فِي الْحَقِيقَةِ لَمَّا كَانَ وَاقِعًا عَلَى الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ وَجَبَ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِنْ تَوَابِعِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : مَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً مِنْ الشَّفْعِ فَلَا يُسَلِّمُ مِنْهُ وَلْيُصَلِّ مَعَهُ الْوِتْرَ فَإِذَا سَلَّمَ مِنْهُ سَلَّمَ مَعَهُ ثُمَّ أَوْتَرَ كَانَ الْإِمَامُ مِمَّنْ يُسَلِّمُ مِنْ الشَّفْعِ أَوْ مِمَّنْ لَا يُسَلِّمُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٍ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ كَانَ إمَامُهُ يُسَلِّمُ مِنْ الشَّفْعِ سَلَّمَ مَعَهُ مِنْ الْوِتْرِ وَإِنْ كَانَ لَا يُسَلِّمُ مِنْ الشَّفْعِ فَلْيُصَلِّ ذَلِكَ بِرَكْعَةِ الْوِتْرِ كَفِعْلِ إمَامِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنْ يُحَاذِيَ بِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ رُكُوعَ الْإِمَامِ وَسُجُودَهُ فَإِمَّا أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ فَلَا لِأَنَّهُ يَكُونُ مُحْرِمًا قَبْلَ إمَامِهِ. (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُوتِرُ بَعْدَ الْعَتَمَةِ بِوَاحِدَةٍ يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ مَا كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَتَمَةِ وَاحِدَةٌ وَقَوْلُ مَالِكٍ لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا يُرِيدُ أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَقَلُّ مَا يُصَلِّي بَعْدَ الْعَتَمَةِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْوِتْرَ نَفْلٌ فَلَا يُوتِرُ إلَّا نَافِلَةً فَيَجِبُ أَنْ تَتَقَدَّمَهُ نَافِلَةٌ يُوتِرُهَا وَأَقَلُّ تِلْكَ النَّافِلَةِ رَكْعَتَانِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَشْهَبَ يُعِيدُ وِتْرَهُ بِإِثْرِ شَفْعٍ مَا لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ. وَقَالَ سَحْنُونَ إنْ كَانَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ شَفَعَهَا بِرَكْعَةٍ ثُمَّ أَوْتَرَ وَإِنْ تَبَاعَدَ أَجُزْأَهُ وَقَدْ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُوتِرَ الْمُسَافِرُ بِرَكْعَةٍ. وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الرَّكْعَةَ الْوَاحِدَةَ مُوتِرَةٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهَا مَا تُوتِرُهُ وَتَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ إنَّمَا تُوتَرُ مِنْ جِنْسِهَا كَالْمَغْرِبِ فَإِذَا عَرَا الْوِتْرُ عَمَّا يُوتِرُهُ لَمْ يَكُنْ وِتْرًا فَكَانَ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يَأْتِيَ بِهِ عَلَى شُرُوطِهِ مَا لَمْ يَفُتْ وَقْتُهُ فَإِذَا فَاتَ ذَلِكَ بِفِعْلِ الصُّبْحِ لَمْ يَقْضِ لِأَنَّ النَّوَافِلَ لَا تُقْضَى بَعْدَ الْفَوَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ إنْ فَصَلَهَا بِالسَّلَامِ مِمَّا قَبْلَهَا يَقْتَضِي اسْتِقْلَالَهَا بِنَفْسِهَا وَإِنَّمَا يُقَدِّمُ الشَّفْعَ عَلَى سَبِيلِ الْفَضِيلَةِ. وَقَدْ رَوَى سَحْنُونَ أَنَّهُ أَوْتَرَ فِي مَرَضِهِ بِرَكْعَةٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ حُكْمِ الشَّفْعِ أَنْ يَتَّصِلَ بِوِتْرِهِ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ تَنَفَّلَ بَعْدَ الْعِشَاءِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُوتِرَ حَتَّى يَأْتِيَ بِشَفْعٍ وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فِي بَيْتِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ تَنَفَّلَ ثُمَّ جَلَسَ مَا بَدَا لَهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا ثَبَتَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ مِنْ بَعْدِهِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى

стр. 223

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ فَبَدَا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ مَثْنَى مَثْنَى وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ) . الْوِتْرُ بَعْدَ الْفَجْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ الْبَصْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَقَدَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ لِخَادِمِهِ اُنْظُرْ مَا صَنَعَ النَّاسُ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ فَذَهَبَ الْخَادِمُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ قَدْ انْصَرَفَ النَّاسُ مِنْ الصُّبْحِ فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فَأَوْتَرَ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ) ــ [المنتقى] أَنَّ وَقْتَهَا وَاحِدٌ لِاخْتِصَاصِ هَذَا الشَّفْعِ بِالْوِتْرِ حَتَّى نُسِبَ إلَيْهِ وَسُمِّيَ بِاسْمِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُفَارِقَهُ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ الْوِتْرَ وَوَجَدَ مَا يَكُونُ وِتْرًا لَهُ فِي وَقْتِهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي صِحَّتَهُمَا وَإِنْ تَفَرَّقَا كَالْمَغْرِبِ الَّذِي يُوتِرُ صَلَاةَ النَّهَارِ وَإِنْ تَفَرَّقَا فِي الْوَقْتِ وَالْفِعْلِ. (ش) : يَعْنِي بِقَوْلِهِ الْمَغْرِبُ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ إنَّهَا تُوتِرُهَا فَيَصِيرُ عَدَدُهَا وِتْرًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا الْوِتْرُ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهَا وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ أَمَرَ مِنْ خَشِيَ الصُّبْحَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» وَكَذَلِكَ أَمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ تُوتَرَ صَلَاةُ اللَّيْلِ. (ش) : يُرِيدُ مَالِكٌ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي رَكْعَةً تَشْفَعُ لَهُ وِتْرَهُ وَلْيَعْتَدَّ بِوِتْرِهِ عَلَى مَا مَضَى يُصَلِّي مَا أَمْكَنَهُ رَكْعَتَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوِتْرُ إنَّمَا يُوتِرُ مَا قَبْلَهُ مِنْ النَّوَافِلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُوتِرَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ إلَّا أَنَّ الْفَضِيلَةَ فِي تَأَخُّرِهِ جَمِيعَ مَا يُوتِرُهُ. [الْوِتْرُ بَعْدَ الْفَجْرِ] (ش) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ لِخَادِمِهِ اُنْظُرْ مَا صَنَعَ النَّاسُ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْهُ الِاجْتِهَادُ فِي الْوَقْتِ اقْتَدَى بِجَمَاعَةِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ فِي الْوَقْتِ لَا سِيَّمَا وَأَكْثَرُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عُلَمَاءُ أَئِمَّةٌ فَلَمَّا قَالَ لَهُ الْخَادِمُ قَدْ انْصَرَفَ النَّاسُ مِنْ الصُّبْحِ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ وَقْتٌ يَتَّسِعُ لِوِتْرِهِ وَفَرْضِهِ لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْ حَالِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنَّهُمْ لَا يَنْصَرِفُونَ إلَّا فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَالَتْ عَائِشَةُ يَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ فَلِذَلِكَ قَدَّمَ وِتْرَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَدْ أَوْتَرَ بَعْدِ الْفَجْرِ لِضَرُورَةٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَعِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُوتِرُ الْآنَ بِرَكْعَةٍ لِأَنَّهُ قَدَّمَ فِي لَيْلَتِهِ مِنْ النَّافِلَةِ مَا يُوتِرُهُ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِوَقْتِ نَافِلَةٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَنَفَّلْ فِي لَيْلَتِهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصَبْغَ يَتَنَفَّلُ بِرَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْوِتْرَ يُصَلَّى لِلضَّرُورَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَذْكُرَهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ لِلصُّبْحِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ لِلصُّبْحِ وَقَدْ رَأَى أَنَّهُ يَتْرُكُ الْوِتْرَ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالصُّبْحِ قَبْلَ الشَّمْسِ بَدَأَ بِالْوِتْرِ ثُمَّ بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لِأَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْوِتْرِ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي نَفْيِ وُجُوبِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُمَا تَرَكَ الْوِتْرَ وَصَلَّى الْفَرْضَ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ ذَكَرَ الْوِتْرَ وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَخْرُجُ فَيُصَلِّيهَا وَلَا يَخْرُجُ لِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ فَخَرَجَ لِيُدْرِكَ الصَّلَاتَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ ذَكَرَ الْوِتْرَ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَذْكُرَهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَذْكُرَهُ وَهُوَ يُصَلِّي وَحْدَهُ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ فَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ قَطَعَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى الْوِتْرَ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ الْمُغِيرَةِ لَا يَقْطَعُ الصُّبْحَ لِلْوِتْرِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فَذًّا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَهُوَ عِنْدِي أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا يَقْطَعُ الْفَرْضَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ لِلنَّفْلِ وَلِأَنَّ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يُعَيَّنَ وَقْتَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ وَيَلْزَمُ بِدُخُولِهِ فِيهَا فَلَيْسَ لَهُ قَطْعُهَا إلَّا بِمَا هُوَ بِالْوَقْتِ مِنْهَا. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَفْرِيعٍ وَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ وَكَانَ الذَّاكِرُ لِلْوِتْرِ مُصَلِّيًا

стр. 224

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَعُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَدْ أَوْتَرُوا بَعْدَ الْفَجْرِ) (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا يُوتِرُ بَعْدَ الْفَجْرِ مَنْ نَامَ عَنْ الْوِتْرِ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ ــ [المنتقى] فِي جَمَاعَةٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إحْدَاهَا: أَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَيُصَلِّي الْوِتْرَ ثُمَّ الصُّبْحَ. وَالثَّانِيَةُ: يَتَمَادَى عَلَى الصُّبْحِ وَقَدْ فَاتَهُ الْوِتْرُ وَرَوَاهُمَا ابْنُ الْقَاسِمِ. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ رَوَاهَا عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ بِذَلِكَ يَصِلُ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَكَانَ أَوْلَى مِنْ تَرْكِ الْوِتْرِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا مِنْ تَوْجِيهِ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ. (فَرْعٌ) وَإِنْ كَانَ إمَامًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ يَقْطَعُ إلَّا أَنْ يُسْفِرَ جِدًّا وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ ذَكَرَ الْوِتْرَ فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِأَنَّهَا مِنْ النَّوَافِلِ فَلَا تُصَلَّى بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ لَمْ يُوتِرْ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ وَقْتُ الْوِتْرِ وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُوَ وِتْرٌ لَهُ صَلَاةُ فَرْضٍ لَا يُنْتَسَبُ إلَيْهَا فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَفُوتُ بِهِ وَقْتُهُ وَالنَّوَافِلُ لَا تُقْضَى وَإِنَّمَا تَخْتَصُّ بِأَوْقَاتِهَا. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَعُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَدْ أَوْتَرُوا بَعْدَ الْفَجْرِ) . (ش) : وَهَذَا مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْوِتْرَ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ وَقْتَهُ إلَّا أَنَّهُ وَقْتُ ضَرُورَةٍ لَا وَقْتُ اخْتِيَارٍ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ أَخَّرَهُ مِنْ هَؤُلَاءِ إنَّمَا أَخَّرَهُ نِسْيَانًا أَوْ لِأَنَّهُ مَنَعَهُ مِنْ تَبَيُّنِ الْوَقْتِ مَانِعٌ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ مَا أُبَالِي لَوْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَأَنَا أَوْتِرُ) . (ش) : مَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ الْوِتْرِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ تُقَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُوتِرُ فِي بَيْتِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ يَؤُمُّ فَخَرَجَ يَوْمًا إلَى الصُّبْحِ فَأَقَامَ الْمُؤَذِّنُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فَأَسْكَتَهُ عُبَادَةُ حَتَّى أَوْتَرَ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ الصُّبْحَ) . (ش) : قَوْلُهُ فَخَرَجَ يَوْمًا إلَى الصُّبْحِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَلَسَ إلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ لِغَيْمٍ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ ذَلِكَ مَعَ تَوَارِي الْأُفُقِ عَنْهُ فَرَجَا أَنْ يُدْرِكَ تَنَفُّلًا فِي الْمَسْجِدِ فَجَعَلَ وِتْرَهُ بَعْدَهُ وَكَانَ الْمُؤَذِّنُ قَدْ عَلِمَ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ عَلِمَ أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ فَأَسْكَتَ الْمُؤَذِّنَ لِيُوتِرَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِرَأْيٍ رَآهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا إسْكَاتُهُ الْمُؤَذِّنَ مَعَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَأْمُومِ وَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَهُ إسْكَاتُ الْمُؤَذِّنِ وَالْإِتْيَانُ بِمُؤَكَّدِ النَّفْلِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَنْفُذُ إقَامَتُهَا دُونَهُ وَهُوَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ لِلْفَجْرِ وَلَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ رَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَلَا يَخْرُجُ إلَيْهِ وَلَا يُسْكِتُهُ وَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنَ رَبِيعَةَ يَقُولُ إنِّي لَأُوتِرُ وَأَنَا أَسْمَعُ الْإِقَامَةَ أَوْ بَعْدَ الْفَجْرِ يَشُكُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَيَّ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ إنِّي لَأُوتِرُ بَعْدَ الْفَجْرِ) . (ش) : هَذَانِ الْحَدِيثَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَوَازِ الْإِتْيَانِ بِالْوِتْرِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَكَثَّرَ مِنْ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ لِيُبَيِّنَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ ظَاهِرًا مَوْجُودًا عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ حَتَّى يُخْبِرُوا بِذَلِكَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ إنْكَارًا عَلَى مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ وَمَعْنَى وُجُودِ ذَلِكَ مِنْهُمْ لِمَنْ فَاتَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ قَبْلَ الْفَجْرِ لِأَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ لَا يَمْنَعُ الْإِتْيَانَ بِالْوِتْرِ وَإِنْ أَثَّرَ فِي نَقْصِ فَضِيلَتِهِ وَشَكَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِيمَا رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَهُوَ يَسْمَعُ الْإِقَامَةَ لِاخْتِلَافِ جِنْسِهِمَا لِأَنَّ الْإِقَامَةَ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ فَتَرْكُهَا وَالِاشْتِغَالُ بِالْوِتْرِ أَبْيَنُ فِي تَأَكُّدِهِ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا يُوتِرُ بَعْدَ الْفَجْرِ مَنْ نَامَ عَنْ الْوِتْرِ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ حَتَّى يَصْنَعَ وِتْرَهَا بَعْدَ الْفَجْرِ) .

стр. 225

حَتَّى يَصْنَعَ وِتْرَهَا بَعْدَ الْفَجْرِ) . مَا جَاءَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ عَنْ الْأَذَانِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ» ) ــ [المنتقى] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ تَأْخِيرَ الْوِتْرِ عَنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِأَنَّهُ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَذَلِكَ وَقْتُهُ الْمُخْتَارُ وَإِنَّمَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ مَنْ فَاتَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ قَبْلَهُ لِنَوْمٍ أَوْ لِسَهْوٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ فَلْيُوتِرْ» وَفِي هَذَا اللَّفْظِ مُتَعَلِّقَانِ لِمَا ذَكَرْنَا: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَ إذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ فَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْوِتْرِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَأْخِيرُ وَقْتِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ فَلْيُوتِرْ إذَا خَشِيَ الْفَجْرَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي فِعْلَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَخَافَةُ أَنْ يَفُوتَهُ فِعْلُهُ وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَسْتَيْقِظُ بَعْدَ الْفَجْرِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ مَعَ مَا جَرَتْ عَادَتُهُ بِهِ مِنْ التَّغْلِيسِ. [مَا جَاءَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ] (ش) : قَوْلُهُ كَانَ إذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ عَنْ الْأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْأَذَانَ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الْفَجْرِ فَذَلِكَ الْأَذَانُ الَّذِي يَكُونُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ فَإِنَّمَا هُوَ لِلِاسْتِعْدَادِ لِلصَّلَاةِ وَلِيَرْجِعَ الْقَائِمُ وَيَسْتَيْقِظَ النَّائِمُ وَإِنَّمَا كَانَ يُؤَخَّرُ إلَى فَرَاغِ الْأَذَانِ لِأَنَّهُ ﷺ لَعَلَّهُ كَانَ يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ وَيَدْعُو عِنْدَ آخِرِهِ فَإِذَا أَكْمَلَ ذَلِكَ عِنْدَ سُكُوتِ الْمُؤَذِّنِ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ فِيهَا الْقِرَاءَةَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ يَعْنِي قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَذَلِكَ أَنَّ وَقْتَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ مِنْ لَدُنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ وَهِيَ صَلَاةٌ يَخْتَصُّ بِهَا ذَلِكَ الْوَقْتُ دُونَ سَائِرِ النَّوَافِلِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُصَلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ» . (فَرْعٌ) وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَقَالَ أَصَبْغُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ هُمَا مِنْ الرَّغَائِبِ وَلَيْسَتَا مِنْ السُّنَنِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ أَشْهَبُ هُمَا مِنْ السُّنَنِ فَمَعْنَى السُّنَّةِ مَا رُسِمَ لِيُحْتَذَى وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ وَاجِبًا وَقَدْ يَكُونُ نَدْبًا وَمَعْنَى الرَّغَائِبِ مَا رُغِّبَ فِيهِ وَقَدْ يُرَغَّبُ فِي فِعْلِ الْوَاجِبِ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ مِنْ أَصْحَابِنَا قَدْ أَوْقَعُوا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَلَى مَا تَأَكَّدَ مِنْ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ وَكَانَتْ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الَّذِي تَسْتَحِقُّ بِهِ النَّوَافِلُ الْوَصْفَ بِالسُّنَنِ فَعِنْدَ أَشْهَبَ أَنَّ السُّنَنَ مِنْهَا كُلُّ مَا تَقَرَّرَ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُكَلَّفِ الزِّيَادَةُ فِيهِ بِحُكْمِ التَّسْمِيَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ كَالْوِتْرِ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ مِنْ السُّنَنِ وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ السُّنَنَ مِنْ النَّافِلَةِ مَا تَكَرَّرَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَمَاعَةِ كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ فَقَصَرَ عَنْ رُتْبَةِ السُّنَنِ وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مِنْ الرَّغَائِبِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ لَيْسَتْ رَكْعَتَا الْفَجْرِ بِسُنَّةٍ وَلَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا وَقَالَ أَصَبْغُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ وَهِيَ مِنْ الرَّغَائِبِ وَهَذِهِ كُلُّهَا عِبَارَاتُ اصْطِلَاحٍ بَيْنَ أَهْلِ الصِّنَاعَةِ وَلَا خِلَافَ فِي تَأَكُّدِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ شُرُوطِهَا التَّعْيِينُ بِالنِّيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ الصَّلَوَاتِ لَهُ وَقْتٌ مَعِينٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُعَيَّنَ بِالنِّيَّةِ كَرَكْعَتَيْ الْعِيدِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ إنْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُخَفِّفُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ حَتَّى إنِّي لَأَقُولُ أَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَمْ لَا» ) . (ش) :

стр. 226

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ «سَمِعَ قَوْمٌ الْإِقَامَةَ فَقَامُوا يُصَلُّونَ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَلَاتَانِ مَعًا أَصَلَاتَانِ مَعًا وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ» ) . ــ [المنتقى] وَمِنْ سُنَّةِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ التَّخْفِيفُ وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ خَاصَّةً لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَتَّى إنِّي لَأَقُولُ أَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَمْ لَا وَالظَّاهِرُ لِتَغْرِيرِ عَائِشَةَ لِقِرَاءَتِهِ مَعَ عِلْمِهَا بِحَالِهِ فِي ذَلِكَ وَتَوَسُّلِهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْرَأُ بِغَيْرِهَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا مَعَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ كَالصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ وَمِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ أَنْ تَكُونَ رَكْعَتَانِ مِنْهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ وَفَرْضُ الصُّبْحِ قَدْ بُيِّنَ فِيهِ أَنْ تَكُونَ سُورَةٌ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ سُنَّةُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ الْإِفْرَادَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِيهَا بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» وَذُكِرَ الْحَدِيثُ لِمَالِكٍ فَأَعْجَبُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا الْإِسْرَارُ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ يُبَيِّنُ ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ حَتَّى إنِّي لَأَقُولُ أَقْرَأَ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَمْ لَا وَلَوْ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ لَمْ تَحْتَجْ إلَى تَغْرِيرِ قِرَاءَتِهِ وَلَعَلِمَتْ مَاذَا قَرَأَ بِهِ فِيهِمَا وَأَيْضًا فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا أَنَّهَا مَعَ رَكْعَتَيْ الْفَرْضِ فِي صُورَةِ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ وَمِنْ حُكْمِ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ الْإِسْرَارُ مِنْهَا فِي رَكْعَتَيْنِ وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْجَهْرَ مِنْ سُنَّةِ الْفَرْضِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ سُنَّةُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ الْإِسْرَارَ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ «سَمِعَ قَوْمٌ الْإِقَامَةَ فَقَامُوا يُصَلُّونَ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَلَاتَانِ مَعًا أَصَلَاتَانِ مَعًا وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ» ) . ش قَوْلُهُ سَمِعَ قَوْمٌ الْإِقَامَةَ فَقَامُوا يُصَلُّونَ ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّهُمْ كَانُوا جُلُوسًا عَالِمِينَ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْإِقَامَةَ قَامُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يُصَلُّونَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا دَخَلُوا عِنْدَ الْإِقَامَةِ فَقَامُوا يُصَلُّونَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَظَاهِرُ اجْتِمَاعِهِمْ وَخُرُوجُ النَّبِيِّ ﷺ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الصَّلَاةِ الَّتِي قَامُوا إلَيْهَا وَاخْتِلَافِ مَوْضِعِهَا فَمَنْ قَامَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ مِنْ النَّوَافِلِ فَلَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ مَسْجِدٌ وَلَا غَيْرُهُ وَمَنْ قَامَ لِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ وَلْيَتْرُكْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لِقَوْلِهِ ﵇ أَصَلَاتَانِ مَعًا إنْكَارًا عَلَى مَنْ قَامَ يُصَلِّي عِنْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» . ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَسَمِعَ الْإِقَامَةَ لِلصُّبْحِ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَفُوتُهُ رَكْعَةٌ مِنْ الصُّبْحِ لِاشْتِغَالِهِ بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَلْيَتْرُكْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلْيَدْخُلْ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْفَرْضِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ فَوَاتِ إحْدَاهُمَا بُدٌّ فَفَوَاتُ النَّفْلِ أَيْسَرُ فَإِنْ رَجَا أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَيُدْرِكَ رَكْعَتَيْ الْفَرْضِ فَلْيُصَلِّهِمَا ثُمَّ لِيَدْخُلْ مَعَ الْإِمَامِ فَفِي ذَلِكَ إدْرَاكُ الْأَمْرَيْنِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ أَنَّ هَذَا لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُ الْإِمَامِ وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ قَدْ لَزِمَهُ حُكْمُ الْإِمَامِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ فِي سَعَةٍ مِنْ تَرْكِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالدُّخُولِ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْفَرْضِ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْفَرْضِ. (فَرْعٌ) وَيَجُوزُ إذَا جَوَّزْنَا لَهُ صَلَاةَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَسْمَعُ مِنْهُ الْإِقَامَةَ مَوْضِعًا يَجُوزُ لَهُ فِيهِ الْإِتْيَانُ بِهِمَا وَهُوَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَخَارِجَ أَفْنِيَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ وَمِنْ الْجَامِعِ خَارِجَ رِحَابِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ رَكَعَهَا فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَهَلْ يَرْكَعُ أَمْ لَا قَالَ مَالِكٌ مَرَّةً يَرْكَعُهَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ لَا يُعِيدُهَا. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ دُخُولَ الْمَسْجِدِ قَدْ شُرِعَ لَهُ الرُّكُوعُ وَالْوَقْتُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَلَزِمَهُ إعَادَتُهُمَا لِذَلِكَ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهِمَا فَلَمْ يُشْرَعْ لَهُ إعَادَتُهُمَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ

стр. 227

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَاتَتْهُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ فَقَضَاهُمَا بَعْدَ أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ صَنَعَ مِثْلَ الَّذِي صَنَعَ ابْنُ عُمَرَ) . فَضْلُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» ) ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ أَصَلَاتَانِ مَعًا تَوْبِيخٌ وَإِنْكَارٌ لِلْإِتْيَانِ بِصَلَاةٍ غَيْرِ الصَّلَاةِ الَّتِي اُجْتُمِعَ عَلَى الِائْتِمَامِ بِالْإِمَامِ فِيهَا فِي مَوْضِعِ الِائْتِمَامِ بِهِ وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يُرِيد أَنَّ الصَّلَاةَ الْمُجْتَمَعَ لَهَا وَاَلَّتِي خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهَا هِيَ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَأَنَّ إنْكَارَهُ ﵇ عَلَى كُلِّ مَنْ قَامَ لِيُصَلِّيَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَهَا. (ش) : قَوْلُهُ فَاتَتْهُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ فَقَضَاهُمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَذْكُرَهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَعَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسِ» . (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ نَسِيَ الصُّبْحَ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ جَمِيعًا أَوْ يَكُونَ صَلَّى الْفَرْضَ وَنَسِيَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَإِنْ كَانَ تَرَكَهُمَا جَمِيعًا فَقَالَ قَالَ مَالِكٌ يُصَلِّي الصُّبْحَ دُونَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَمَا بَلَغَنِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ حِينَ نَامَ عَنْ الصَّلَاةِ» . وَقَالَ أَشْهَبُ بَلَغَنِي ذَلِكَ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ثُمَّ يُصَلِّي الصُّبْحَ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ﵇ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» بِأَنْ ذَكَرَ وَقْتَهَا وَإِنْ كَانَ وَقْتُ ذِكْرِهِ لِلْفَرْضِ وَقْتَ فَرْضِهِ وَضَاقَ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِتْيَانُ بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فِيهِ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِتْيَانُ بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ إذَا خَافَ فَوَاتَ الصُّبْحِ فِي وَقْتِهِ وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ مَنْ نَامَ عَنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ خَاصَّةً أَوْ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَسَمَّاهَا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَحَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَحُلْ بَيْنَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَبَيْنَ فِعْلِهِمَا صَلَاةُ فَرْضٍ لَمْ يُنْسَبْ إلَيْهِ فَجَازَ الْإِتْيَانُ بِهِمَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَا لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ. (فَصْلٌ) : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ نَسِيَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ خَاصَّةً فَذَكَرَهُمَا بَعْدَ أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَصَلَّاهُمَا فَذَلِكَ جَائِزٌ قَالَ مَالِكٌ يَقْضِيهِمَا إنْ شَاءَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّهِمَا بَعْدَمَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ» . [فَضْلُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ] (ش) : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ وَلَا مَعْنَى لِفَضِيلَتِهَا عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ عَلَيْهَا يُضَاعَفُ عَلَى أَجْرِ صَلَاةِ الْفَذِّ بِالْعَدَدِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْجَمَاعَةِ جَمَاعَاتِ الْمَسَاجِدِ وَأَخْرَجَ اللَّفْظُ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ حَالِ الْجَمَاعَاتِ وَيُرِيدُ بِالْفَذِّ الَّذِي يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ وَحْدَهُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَلَا بِفَرْضٍ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَقَالَ دَاوُد إنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فَرْضٌ وَلَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْفَذِّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَعَلَ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ صَلَاةُ الْفَذِّ مُجْزِئَةً لَمَا وُصِفَتْ بِأَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُهَا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُفَاضِلَ بَيْنَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَبَيْنَ مَا لَيْسَ بِصَلَاةٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَدَّ ذَلِكَ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً فَلَوْ لَمْ تَكُنْ لِصَلَاةِ الْفَذِّ دَرَجَةٌ مِنْ الْفَضِيلَةِ لَمَا جَازَ أَنْ يُقَالَ إنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ

стр. 228

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا» ــ [المنتقى] تَزِيدُ عَلَيْهَا سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَلَا أَكْثَرَ وَلَا أَقَلَّ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِصَلَاةِ الْفَذِّ مِقْدَارٌ مِنْ الْفَضِيلَةِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ تَتَقَدَّرَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا بِدَرَجَاتٍ مَعْدُودَةٍ مُضَافَةٍ إلَيْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً يَقْتَضِي أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ تَعْدِلُ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ دَرَجَةً مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ لِأَنَّهَا تُسَاوِيهَا وَتَزِيدُ عَلَيْهَا سَبْعًا وَعِشْرِينَ جُزْءًا. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا» . (ش) : الْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَتْنِ كَالْكَلَامِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ جُزْءًا وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ مَعَانِيَ أَحَدَهَا أَنْ يَكُونَ خَاطَبَ بِقَوْلِهِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ جُزْءًا قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ غَيْرَهُمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ أَعْلَمَ بِفَضِيلَةِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا ثُمَّ أَعْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِفَضِيلَةِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً فَأَعْلَمَ بِذَلِكَ وَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ عُمَرَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو صَالِحٍ هَذَا الْحَدِيثَ فَأَشَارَ إلَى بَيَانِ مَعْنَى الْفَضِيلَةِ فَقَالَ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تُضَاعَفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إلَّا الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ» فَقَوْلُهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي سُوقِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فِي الْبَيْتِ وَالسُّوقِ وَلِذَلِكَ عَلَّلَ الْفَضِيلَةَ وَبَيَّنَهَا بِالْخُطَى إلَى الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَالْمُقَامِ فِي الْمُصَلَّى بَعْدَ الصَّلَاةِ وَيَكُونُ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ. وَمَعْنَى رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ فِيهِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ وَمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ فِي الْبَيْتِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَلَعَلَّهُ لَمْ يُضِفْ إلَى فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَضِيلَةَ الْخُطَا إلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا فَضِيلَةَ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِيهِ وَلَا فَضِيلَةَ الْقِيَامِ فِي الْمُصَلَّى بَعْدَ الصَّلَاةِ وَأَنَّهُ لَوْ أُضِيفَ ذَلِكَ كُلُّهُ لَكَانَتْ الدَّرَجَاتُ أَكْثَرَ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكَ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فِي الْبَيْتِ وَالسُّوقِ وَلَمْ يُفَاضِلْ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ لِفَضْلِ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ وَبَعْضِهَا بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ تَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ أَنَّ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ قِيَامَ نِصْفِ لَيْلَةٍ وَصَلَاةَ الصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ قِيَامَ لَيْلَةٍ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْت أَنَّ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ» ) . (ش) : قَوْلُهُ ﵇ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ الْحَدِيثَ وَعِيدٌ لِمَنْ تَخَلَّفَ عَنْ الصَّلَاةِ وَإِخْبَارٌ بِمَا هَمَّ بِهِ فِيهِمْ وَفِي ذَلِكَ تَحْذِيرٌ لَهُمْ عَنْ مُعَاوَدَةِ التَّخَلُّفِ عَنْهَا لِجَوَازِ أَنْ يَرَى إنْفَاذَهَا قَدْ هَمَّ بِهِ وَقَدْ اسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِهَذَا اللَّفْظِ عَلَى أَنَّ شُهُودَ الْجَمَاعَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَمَّا لَمْ يُنَفِّذْ مَا هَمَّ بِهِ وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ قَدْ تَوَعَّدَ عَلَى التَّخَلُّفِ عَنْ الصَّلَاةِ وَلَا يُتَوَعَّدُ إلَّا عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ وَالْأَصَحُّ فِي هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الصَّلَاةِ قَوْمٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مِمَّنْ كَانَ لَا يَعْتَقِدُ فَرْضَ الصَّلَاةِ وَيُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ الِاسْتِخْفَافُ بِهَا وَالتَّضْيِيعُ لَهَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ

стр. 229

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاتُكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إلَّا صَلَاةَ الْمَكْتُوبَةِ) . مَا جَاءَ فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ شُهُودُ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ لَا يَسْتَطِيعُونَهُمَا أَوْ نَحْوَ هَذَا» ــ [المنتقى] هَؤُلَاءِ الْمُتَخَلِّفُونَ مَوْسُومِينَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ إمَّا لِتَكَرُّرِ فِعْلِهِمْ لِذَلِكَ أَوْ لِوَحْيٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَهِمَّ بِذَلِكَ إلَّا فِيمَنْ يَعْتَقِدُ فِيهِ الِاسْتِخْفَافَ وَالتَّضْيِيعَ وَلِذَلِكَ أُعْلِمَ ﷺ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ أَشَدُّ مُسَارَعَةً وَقَوْلُهُ أَوْ مِرْمَاتَيْنِ وَلَا يَكُونُ هَذَا إلَّا مِمَّنْ اسْتَخَفَّ أَمْرَهَا وَلَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا. وَقَدْ رَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا وَلَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ» فَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ لِلْمُنَافِقِينَ لِأَنَّهُمْ هُمْ الْمَذْكُورُونَ فِي الْخَبَرِ بِتَأَخُّرِهِمْ عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَيُؤَكِّدُ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومٌ نِفَاقُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الصَّلَاةُ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ فَهِيَ فَرِيضَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى الْأَعْيَانِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا يَكُونُ فِيهِ مَعْصِيَةٌ وَقَوْلُهُ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بَيَانٌ أَنَّهُ هَمَّ أَنْ يُؤَدِّبَ بِإِتْلَافِ الْأَمْوَالِ عَلَى سَبِيلِ الْإِبْلَاغِ فِي النِّكَايَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ تَشْبِيهَ عُقُوبَتِهِمْ بِعُقُوبَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ فِي تَحْرِيقِ بُيُوتِهِمْ وَتَخْرِيبِ دِيَارِهِمْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ» قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ هِيَ حَدِيدَةٌ كَالسِّنَانِ يُكَوِّمُونَ كَوْمًا مِنْ تُرَابٍ وَيَقُومُونَ مِنْهُ عَلَى أَذْرُعٍ وَيَرْمُونَهُ بِتِلْكَ الْحَدِيدَةِ فَأَيُّهُمْ أَثْبَتَهَا فِيهِ فَقَدْ غَلَبَ وَقِيلَ الْمِرْمَاتَانِ السَّهْمَانِ وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْمِرْمَاتَانِ مَا بَيْنَ ظِلْفَيْ الشَّاةِ وَقَالَ هَذَا حَرْفٌ لَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَا مَا وَجْهُهُ إلَّا أَنَّ هَذَا تَفْسِيرُهُ يُقَالُ مِرْمَاتَانِ وَوَاحِدُهُ مِرْمَاةٌ مِثْلُ مِدْحَاةٌ «وَإِنَّمَا نَصَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِرْمَاتَيْنِ وَالْعَظْمِ السَّمِينِ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيرِ لِمَا يُؤْثِرُهُ الْمُنَافِقُونَ وَيُبَادِرُونَ إلَيْهِ وَيَتَخَلَّفُونَ مَعَ ذَلِكَ عَنْ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ مَعَ عَظِيمِ أَجْرِهِمَا» وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَقَدْ أَخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَحَمَّلُونَ الْمَشَقَّةَ فِي إتْيَانِ الصَّلَاةِ حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ لَيَعْجِزُ عَنْ الْمَشْيِ فَيَتَهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُوقَفَ فِي الصَّفِّ فَمُحَالٌ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُمَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمَا مَنْ يَأْتِيهِمَا إذَا عَجَزَ يَتَهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاتُكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إلَّا صَلَاةَ الْمَكْتُوبَةِ) . ش مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ الْمَكْتُوبَةِ إظْهَارُهَا وَالِاجْتِمَاعُ إلَيْهَا أَفْضَلُ وَأَمَّا التَّنَفُّلُ فَفِي الْبُيُوتِ لِأَنَّ إخْفَاءَهَا وَالِاسْتِتَارَ بِهَا أَفْضَلُ وَقَدْ جَعَلَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَضِيلَةً عَلَى التَّنَفُّلِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ قَالَ ﵇ «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ التَّنَفُّلَ فِي الْبُيُوتِ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ التَّنَفُّلِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا لِلْغُرَبَاءِ فَإِنَّ تَنَفُّلَهُمْ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَبُّ إلَيْهِ. [مَا جَاءَ فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ] (ش) : قَوْلُهُ «بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ شُهُودُ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ» وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ وَابْنُ بِكِيرٍ صَلَاةُ الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ عَلَى لَفْظِ التَّرْجَمَةِ

стр. 230

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمِيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إذْ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ وَقَالَ الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) انْتَهَتْ رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَجَمَاعَةٍ مِنْ رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ إلَى حَيْثُ ذَكَرْنَا وَزَادَ أَبُو مُصْعَبٍ بَعْدَ ذَلِكَ. (وَقَالَ «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» ) . ــ [المنتقى] وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الصَّلَاةِ إذْ هَمَّ أَنْ يُحَرِّقَ بُيُوتَهُمْ الْمُنَافِقُونَ وَأَنَّ بِحُضُورِ هَاتَيْنِ يَتَمَيَّزُ الْمُؤْمِنُ مِنْ الْمُنَافِقِ وَقَدْ جَمَعَ مَعْنَى الْحَدِيثَيْنِ أَبُو صَالِحٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَسْتَطِيعُونَهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ التَّأْكِيدَ فِي حُضُورِهَا فِي الْجَمَاعَةِ وَالْمَسَاجِدِ وَمُفَارِقَةِ حَالِ الْمُنَافِقِينَ بِالتَّخَلُّفِ عَنْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَوْ نَحْوَ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنْ الرَّاوِي وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَقِّي فِي الْعِبَارَةِ مَعَ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمِيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إذْ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ وَقَالَ الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) انْتَهَتْ رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَجَمَاعَةٍ مِنْ رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ إلَى حَيْثُ ذَكَرْنَا وَزَادَ أَبُو مُصْعَبٍ بَعْدَ ذَلِكَ. (وَقَالَ «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» ) . (ش) : مَعْنَى تَعَلُّقِ هَذَا الْحَدِيثِ بِالتَّرْجَمَةِ عَلَى رِوَايَةِ يَحْيَى أَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا أَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ إتْيَانَ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ ثُمَّ أَدْخَلَ حَدِيثَ الرَّجُلِ الَّذِي أَخَّرَ الْغُصْنَ عَنْ الطَّرِيقِ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَعَ نَزَارَةِ هَذَا الْفِعْلِ وَصِغَرِهِ فِي النَّفْسِ بِإِتْيَانِ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ وَهَذَا حَضٌّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إلَى إتْيَانِهَا فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ جَازَاهُ عَلَى ذَلِكَ بِالْمَغْفِرَةِ أَوْ أَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا اقْتَضَى الْمَغْفِرَةَ لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِشُكْرِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِجَمِيلِ فِعْلِهِ وَقَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ بِالشُّكْرِ فَقَالَ وَاَللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ وَقَوْلُهُ ﵇ الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَدَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غَدَا إلَى السُّوقِ وَمَسْكَنُ سُلَيْمَانَ بَيْنَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ فَمَرَّ عَلَى الشِّفَاءِ أُمِّ سُلَيْمَانَ فَقَالَ لَهَا لَمْ أَرَ سُلَيْمَانَ فِي الصُّبْحِ فَقَالَتْ إنَّهُ بَاتَ يُصَلِّي فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَقَالَ عُمَرُ لَأَنْ أَشْهَدَ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةً) . (ش) : قَوْلُهُ فَقَدَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ يَدُلُّ عَلَى مُوَاظَبَةِ سُلَيْمَانَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ مَعَهُ وَذَلِكَ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ وَالْقَرَابَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا وَسُؤَالُهُ أُمَّ سُلَيْمَانَ مِنْ كَرَمِ الْأَخْلَاقِ وَمُوَاصَلَةِ الْأَهْلِينَ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَحْبِسَ سُلَيْمَانَ عَنْ الْجَمَاعَةِ عُذْرُ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقَوْلُهَا إنَّهُ بَاتَ يُصَلِّي فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ غَلَبَتْهُ بِأَنْ لَمْ يَسْتَيْقِظْ وَقْتَ الصَّلَاةِ وَاسْتَيْقَظَ بَعْدَ أَنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ غَلَبَتُهُمَا لَهُ بِأَنْ بَلَغَ مِنْهُ النَّوْمُ مَبْلَغًا لَا يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ مَعَهُ فَنَامَ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ قَوْلُ عُمَرَ لَهَا مَا قَالَ حَضًّا وَتَعْلِيمًا لِسُلَيْمَانَ أَنْ يُؤْثِرَ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي الْجَمَاعَةِ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ مِنْ اللَّيْلِ صَلَاةً تَمْنَعُهُ مِنْهَا وَذَلِكَ أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ مَشَايِخِنَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَهُوَ آكُدُ مِنْ النَّوَافِلِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ جَاءَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَرَأَى أَهْلَ الْمَسْجِدِ قَلِيلًا فَاضْطَجَعَ فِي مُؤَخِّرِ الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ النَّاسَ أَنْ يَكْثُرُوا فَأَتَاهُ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ فَجَلَسَ إلَيْهِ فَسَأَلَهُ مَنْ هُوَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ لَيْلَةٍ وَمَنْ شَهِدَ الصُّبْحَ فَكَأَنَّمَا قَامَ لَيْلَةً) . (ش) :

стр. 231

إعَادَةُ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الدَّيْلِ يُقَالُ لَهُ بُسْرُ بْنُ مِحْجَنٍ عَنْ أَبِيهِ مِحْجَنٍ أَنَّهُ «كَانَ فِي مَجْلِسٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُذِّنَ بِالصَّلَاةِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى ثُمَّ رَجَعَ وَمِحْجَنٌ فِي مَجْلِسِهِ لَمْ يُصَلِّ مَعَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ فَقَالَ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ» ) ــ [المنتقى] اضْطِجَاعُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ فِي مُؤَخِّرِ الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ النَّاسَ لِيَكْثُرُوا مِنْ أَدَبِ الْأَئِمَّةِ وَرِفْقِهِمْ بِالنَّاسِ وَانْتِظَارِهِمْ الصَّلَاةَ إذَا تَأَخَّرُوا وَتَعْجِيلِهَا إذَا اجْتَمَعُوا. وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَتَاهُ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ فَجَلَسَ إلَيْهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَلَسَ إلَيْهِ لِيَقْتَبِسَ مِنْهُ عِلْمًا أَوْ يَقْتَدِيَ بِهِ فِي عَمَلٍ أَوْ يَسْأَلَهُ حَاجَةً فَسَأَلَهُ عُمَرُ ﵁ مَنْ هُوَ وَمَا مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَهَذَا اهْتِبَالٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ بِأَحْوَالِ النَّاسِ وَبِمَا يَحْصُلُ مَعَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ وَيَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ بِذَلِكَ وَهَذَا مِمَّا يُنَشِّطُ النَّاسَ إلَيْهِ وَإِخْبَارُ عُثْمَانَ لَهُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ لَمَّا رَآهُ أَهْلًا لِذَلِكَ وَلَمَّا رَجَا أَنْ يَنْشَطَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى الْأَعْيَانِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَاوَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّوَافِلِ وَلَا يَعْدِلُ الْفَرْضُ النَّفَلَ وَلَا يُسَاوِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ فَرْضٍ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ. [إعَادَةُ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ] (ش) : قَوْلُهُ ﵇ أَلَسْت بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الِاسْتِفْهَامُ. وَالثَّانِي: التَّوْبِيخُ. وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا ذَهَبَ إلَى تَوْبِيخِهِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ الَّتِي لَا يَتْرُكُهَا مُسْلِمٌ وَإِنَّمَا تَرْكُهَا مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ وَلَا يَقْتَضِي قَوْلُهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ مَعَ النَّاسِ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ قُرَشِيٌّ مَا لَك لَا تَكُونُ كَرِيمًا أَلَسْت بِقُرَشِيٍّ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْيَهُ عَنْ قُرَيْشٍ وَإِنَّمَا يُوَبِّخُهُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ تَرَكَ أَخْلَاقَ قُرَيْشٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنِّي قَدْ صَلَّيْت فِي أَهْلِي يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ الصَّلَاةَ وَإِنَّمَا اجْتَزَأَ بِصَلَاتِهِ فِي أَهْلِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا جِئْتَ الْمَسْجِدَ فَهَذَا أَمْرٌ لَهُ إذَا أَتَى الْمَسْجِدَ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ وَلَا يَخْلُو أَنْ يَأْتِيَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ أَوْ حِينَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ وَالْإِمَامُ فِيهَا فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ مَا لَمْ تَقُمْ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ لَا تَلْزَمُهُ إلَّا بِإِقَامَتِهَا عَلَيْهِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ إنَّمَا تَلْزَمُ بِالْأَذَانِ لِمَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَكُنْ أَدَّى فَرْضَهَا. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ الصَّلَاةَ تُقَامُ أَوْ وَجَدَهُمْ قَدْ شَرَعُوا فِي الصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَهُمْ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ دُخُولِ مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ لَهُ فِيهِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ فَأَمَّا مَنْ رَأَى النَّاسَ يُصَلُّونَ وَهُوَ مَارٌّ فَإِنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ مَعَهُمْ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَلَا يَدْخُلْ الْمَسْجِدَ وَلْيَرْجِعْ فَإِنَّهُ بِدُخُولِهِ يُوجِبُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَتَعَمَّدَ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى وَحْدَهُ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵇ وَإِنْ كُنْت قَدْ صَلَّيْت يَحْتَمِلُ أَنْ يُصَلِّيَ فَذًّا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ وَيَحْتَمِلُ الْفَذَّ

стр. 232

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ إنِّي أُصَلِّي فِي بَيْتِي ثُمَّ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ أَفَأُصَلِّي مَعَهُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ نَعَمْ فَقَالَ الرَّجُلُ أَيَّتَهُمَا أَجْعَلُ صَلَاتِي فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَوَ ذَلِكَ إلَيْك إنَّمَا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ يَجْعَلُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ إنِّي أُصَلِّي فِي بَيْتِي ثُمَّ آتِي الْمَسْجِدَ فَأَجِدُ الْإِمَامَ يُصَلِّي أَفَأُصَلِّي مَعَهُ فَقَالَ سَعِيدٌ نَعَمْ فَقَالَ الرَّجُلُ فَأَيَّتَهُمَا أَجْعَلُ صَلَاتِي فَقَالَ سَعِيدٌ أَوَ أَنْتَ تَجْعَلُهَا إنَّمَا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ) ــ [المنتقى] خَاصَّةً غَيْرَ أَنَّهُ إنْ حُمِلَ عَلَى غَالِبِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي أَنَّ مَنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ صَلَّى فَذًّا قَصَرَ عَلَى الْفَذِّ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ذَلِكَ فِي الْفَذِّ وَغَيْرِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مَا رُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت ابْنُ عُمَرَ جَالِسًا عَلَى الْبَلَاطِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ قُلْت يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا لَك لَا تُصَلِّي قَالَ إنِّي قَدْ صَلَّيْت إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ فَرْضٍ أَدَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ فَلَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِإِعَادَتِهَا مَعَ إمَامِ غَيْرِهِ كَالْعَصْرِ. (فَرْعٌ) وَهَذَا فِي الْجَمَاعَاتِ وَمَسَاجِدِ الْآفَاقِ فَأَمَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَمَسْجِدُ إيلِيَاءِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُعِيدُ الصَّلَاةَ فِيهَا فِي جَمَاعَةِ مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ وَذَلِكَ لِفَضْلِ الصَّلَاةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ إنِّي أُصَلِّي فِي بَيْتِي ثُمَّ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ أَفَأُصَلِّي مَعَهُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ نَعَمْ فَقَالَ الرَّجُلُ أَيَّتَهُمَا أَجْعَلُ صَلَاتِي فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَوَ ذَلِكَ إلَيْك إنَّمَا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ يَجْعَلُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ إنِّي أُصَلِّي فِي بَيْتِي ثُمَّ آتِي الْمَسْجِدَ فَأَجِدُ الْإِمَامَ يُصَلِّي أَفَأُصَلِّي مَعَهُ فَقَالَ سَعِيدٌ نَعَمْ فَقَالَ الرَّجُلُ فَأَيَّتَهُمَا أَجْعَلُ صَلَاتِي فَقَالَ سَعِيدٌ أَوَ أَنْتَ تَجْعَلُهَا إنَّمَا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ) . (ش) : قَوْلُهُ أَيَّتَهمَا أَجْعَلُ صَلَاتِي يُرِيدُ أَيَّتُهُمَا أَعْتَدُّ عَنْ فَرْضِي فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَوَ ذَلِكَ إلَيْك إنَّمَا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ أَيْ هُوَ الَّذِي يَتَقَبَّلُ عَنْ فَرْضِك مَا شَاءَ مِنْهُمَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الَّتِي تَقَبَّلَهَا مِنْهُ فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الِاعْتِدَادِ بِهَا فَهِيَ الْأُولَى وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاتَيْنِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ وَلَوْ صَلَّى إحْدَاهُمَا بِنِيَّةِ النَّفْلِ لَمْ يَشُكَّ أَنَّ الْأُخْرَى هِيَ فَرْضُهُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ ثُمَّ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْأُولَى فَرْضٌ وَالثَّانِيَةُ نَفْلٌ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَا تَدْرِي وَذَلِكَ إلَى اللَّهِ يَجْعَلُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ فَرْضَهُ وَالْقَوْلَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيَّانِ عَلَى صِحَّةِ رَفْضِ الصَّلَاةِ بَعْدَ تَمَامِهَا فَإِذَا قُلْنَا لَا يَصِحُّ ذَلِكَ فَالْأُولَى فَرْضُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِذَا قُلْنَا يَصِحُّ رَفْضُهَا جَازَ أَنْ يُقَالَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فَأَحْدَثَ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الثَّانِيَةِ سَوَاءٌ كَانَ بِغَلَبَةٍ أَوْ تَعَمُّدٍ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ أَحْدَثَ بَعْدَ عَقْدِ رَكْعَةٍ لَزِمَتْهُ الثَّانِيَةُ لِأَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ مَعَهُ رَكْعَةً لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُعِيدُ وَإِنْ أَحْدَثَ بَعْدَ رَكْعَةٍ سَوَاءٌ قَصَدَ بِصَلَاتِهِ رَفْضَ الْأُولَى أَوْ الْفَضْلَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ رَوَى الْمِصْرِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ الْأُولَى وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الثَّانِيَةَ وَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ أَرَادَ بِصَلَاتِهِ مَعَ الْإِمَامِ أَنْ تَكُونَ هِيَ فَرِيضَةً أَوْ أَنَّ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ فَلْيُعِدْ هَذِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَفِيفٍ السَّهْمِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ فَقَالَ إنِّي أُصَلِّي فِي بَيْتِي ثُمَّ آتِي الْمَسْجِدَ فَأَجِدُ الْإِمَامَ يُصَلِّي أَفَأُصَلِّي مَعَهُ فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ نَعَمْ صَلِّ مَعَهُ فَإِنَّ مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُ سَهْمَ جَمْعٍ أَوْ مِثْلَ سَهْمِ جَمْعٍ) . (ش) : قَوْلُهُ فَإِنَّ لَهُ سَهْمَ جَمْعٍ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ لَهُ سَهْمَانِ مِنْ الْأَجْرِ وَقَالَ الْأَخْفَشُ الْجَمْعُ الْجَيْشُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] قَالَ وَسَهْمُ الْجَمْعِ هُوَ السَّهْمُ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنَّ ثَوَابَهُ مِثْلُ سَهْمِ الْجَمَاعَةِ مِنْ الْأَجْرِ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ بِهِ مِثْلَ سَهْمِ مَنْ بَيَّتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فِي الْحَجِّ لِأَنَّ جَمْعًا اسْمُ الْمُزْدَلِفَةِ حَكَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ مُطَرِّفٍ فَلَمْ يُعْجِبْ سَحْنُونًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ لَهُ سَهْمَ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ صَلَاةِ الْفَذِّ وَصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ إخْبَارٌ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يَضِيعُ لَهُ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ. وَقَالَ الدَّارِمِيُّ إنَّ هَذَا يُرْوَى بِأَنَّ لَهُ سَهْمَ جَمْعٍ بِالتَّنْوِينِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُضَاعَفُ لَهُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَةِ وَالْمَعْنَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَقَوْلُهُ أَوْ مِثْلَ سَهْمِ

стр. 233

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ أَوْ الصُّبْحَ ثُمَّ أَدْرَكَهَا مَعَ الْإِمَامِ فَلَا يَعُدْ لَهَا قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ مَنْ كَانَ قَدْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ إلَّا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ إذَا أَعَادَهَا كَانَتْ شَفْعًا) . الْعَمَلُ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» ) ــ [المنتقى] جَمْعٍ عَلَى الشَّكِّ مِنْ الرَّاوِي. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ أَوْ الصُّبْحَ ثُمَّ أَدْرَكَهَا مَعَ الْإِمَامِ فَلَا يَعُدْ لَهَا قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ مَنْ كَانَ قَدْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ إلَّا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ إذَا أَعَادَهَا كَانَتْ شَفْعًا) . (ش) : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا يُعَادُ مِنْ الصَّلَوَاتِ مَعَ الْإِمَامِ فَقَالَ مَالِكٌ تُعَادُ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا إلَّا الْمَغْرِبَ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ تُعَادُ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُعِيدُ الظُّهْرَ وَالْعِشَاءَ وَلَا يُعِيدُ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ يُعِيدُهَا كُلَّهَا إلَّا الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ إعَادَةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ مِحْجَنٍ «إذَا جِئْت فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وَإِنْ كُنْت قَدْ صَلَّيْت» وَلَمْ يُفَرِّقْ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ شَفْعٍ فَجَازَ أَنْ تُعَادَ مَعَ الْإِمَامِ لِلْفَضِيلَةِ كَالظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَحْدَهُ ثُمَّ أَوْتَرَ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُهَا فِي جَمَاعَةٍ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَدَلِيلُنَا عَلَى أَنَّ الْمَغْرِبَ لَا تُقْضَى أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ وِتْرٍ فَلَا تُعَادُ مَعَ الْإِمَامِ لِلْفَضِيلَةِ، أَصْلُ ذَلِكَ وِتْرُ النَّافِلَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ مِمَّنْ أَعَادَ الْمَغْرِبَ مَعَ الْإِمَامِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ إصْلَاحَ ذَلِكَ قَبْلَ إكْمَالِ صَلَاتِهِ أَوْ عِنْدَ إتْمَامِهَا أَوْ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْهَا فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَقْطَعُ مَا لَمْ يَرْكَعْ فَإِنْ رَكَعَ شَفَعَهَا بِرَكْعَةٍ أُخْرَى وَسَلَّمَ وَيَجِيءُ عَلَى أَحَدِ أَصْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَقْطَعُ بَعْدَ الرُّكُوعِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَإِنْ أَكْمَلَ صَلَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ وَأَرَادَ الْإِصْلَاحَ قَبْلَ السَّلَامِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ أَعَادَ الْمَغْرِبَ فِي جَمَاعَةٍ فَإِنَّهُ يَشْفَعُهَا بِرَكْعَةٍ وَبَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ لَا يَشْفَعُ وَلَكِنْ يُسَلِّمُ وَيُعِيدُهَا ثَالِثَةً وَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ السَّلَامِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ كَانَ بِالْقُرْبِ شَفَعَهَا بِوَاحِدَةٍ وَإِنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنَّمَا دَخَلَتْ الْكَرَاهِيَةُ وَالنَّقْصُ فِي صَلَاتِهِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ صَلَاتَهُ الثَّانِيَةَ نَافِلَةٌ وَالنَّافِلَةُ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا الْوِتْرُ. وَإِنَّمَا شُرِعَ فِي الْفُرُوضِ وَالسُّنَنِ وَأَمَّا النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهَا وِتْرٌ فَإِذَا أَتَى بِنَافِلَةٍ مُطْلَقَةٍ عَلَى حُكْمِ الْوِتْرِ فَيَجِبُ أَنْ يَتَدَارَكَ ذَلِكَ فَيَشْفَعَ صَلَاتَهُ وَيَرُدَّهَا إلَى حُكْمِ النَّافِلَةِ الْمَشْرُوعَةِ مَا لَمْ يَفُتْ ذَلِكَ بِسَلَامٍ أَوْ طُولٍ أَوْ عَمَلٍ مَانِعٍ مِنْ اسْتِدْرَاكِ إتْمَامِ الصَّلَاةِ وَهَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الشَّفْعِ لَا تُنَافِي نِيَّةَ الْوِتْرِ فَإِذَا فَاتَ تَشْفِيعُهَا بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِصَلَاةٍ ثَالِثَةٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ الْإِتْيَانِ بِنَافِلَةٍ أُخْرَى عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ مِنْ الْوِتْرِ وَهَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الشَّفْعِ تُنَافِي نِيَّةَ الْوِتْرِ وَهَذَا لَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ بِنِيَّةِ الْوِتْرِ فَلَا يُتِمُّهَا شَفْعًا وَإِنَّمَا دَخَلَ النَّقْصُ فِي جُمْلَةِ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ فَإِنَّ الْمَغْرِبَ وِتْرٌ فَلَمَّا أَعَادَهَا صَارَتْ شَفْعًا مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُزِيلَ ذَلِكَ النَّقْصَ بِصَلَاةٍ ثَالِثَةٍ يُعِيدُهَا إلَى صُورَةِ الْوِتْرِ وَقَدْ يَكُونُ لِلنَّفْلِ مَدْخَلٌ فِي الْوِتْرِ كَوِتْرِ صَلَاةِ اللَّيْلِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ فَهَذَا عِنْدِي وَجْهُ الْقَوْلَيْنِ وَقَدْ يَجِيءُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَسَائِلُ عَلَى الْأَصْلَيْنِ وَمِمَّا وَرَدَ لَهُ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ وَهْبٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ مُنَافَاةِ نِيَّةِ الْوِتْرِ لِنِيَّةِ الشَّفْعِ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ افْتَتَحَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَةً يُضِيفُ إلَيْهَا أُخْرَى وَيُسَلِّمُ وَيَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ فَفَرَّقَ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْعَمَلُ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ يُرِيدُ التَّخْفِيفَ مِنْ الْقِرَاءَةِ

стр. 234

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ قُمْت وَرَاءَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ غَيْرِي فَخَالَفَ عَبْدُ اللَّهِ بِيَدِهِ فَجَعَلَنِي حِذَاءَهُ عَنْ يَمِينِهِ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَؤُمُّ النَّاسَ بِالْعَقِيقِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَنَهَاهُ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا نَهَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ) . ــ [المنتقى] وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَمَعْنَى ذَلِكَ التَّخْفِيفِ الَّذِي لَا يَبْلُغُ الْإِخْلَالَ بِالْفَرْضِ وَإِنَّمَا هُوَ التَّخْفِيفُ مِمَّا زَادَ عَلَى الْفَرْضِ الَّذِي لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ وَيُكْمِلُهَا» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ يُرِيدُ أَنَّ الضَّعِيفَ لَا يَسْتَطِيعُ التَّطْوِيلَ فَيَضُرُّ بِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخِلَافُ عَلَى الْإِمَامِ فَيَنْقَطِعُ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَكَذَلِكَ الْكَبِيرُ وَالسَّقِيمُ فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً يَتَجَوَّزُ فِيهَا بِحَيْثُ لَا يَشُقُّ عَلَى أَحَدِهِمْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ وَحْدَهُ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ فَإِنَّ تَطْوِيلَهُ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِغَيْرِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ قُمْت وَرَاءَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ غَيْرِي فَخَالَفَ عَبْدُ اللَّهِ بِيَدِهِ فَجَعَلَنِي حِذَاءَهُ عَنْ يَمِينِهِ) . (ش) : قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مَرَاتِبَ الْمَأْمُومِ مَعَ الْإِمَامِ وَأَنَّ الْوَاحِدَ يَجِبُ أَنْ يَقُومَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَإِنْ تَعَدَّى الْمَأْمُومُ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَهُ أَشْهَبُ وَقَوْلُهُ فَخَالَفَ عَبْدُ اللَّهِ بِيَدِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ خَالَفَ سُنَّةَ الصَّلَاةِ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِمَدِّ يَدِهِ إلَى نَافِعٍ وَاسْتَبَاحَ ذَلِكَ لِأَنَّ يَسِيرَ الْعَمَلِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ خَالَفَ مَا أَرَادَهُ نَافِعٌ مِنْ الْوُقُوفِ عَنْ يَسَارِهِ فَنَقَلَهُ إلَى يَمِينِهِ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وَلَدِ الزِّنَا هَلْ يَكُونُ إمَامًا رَاتِبًا فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ فَإِنْ أَمَّ جَازَتْ صَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ لَا تُكْرَهُ إمَامَةُ وَلَدِ الزِّنَى إذَا كَانَ فِي نَفْسِهِ أَهْلًا لِذَلِكَ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ مَوْضِعَ الْإِمَامَةِ مَوْضِعُ رِفْعَةٍ وَكَمَالٍ يُنَافَسُ صَاحِبُهُ وَيُحْسَدُ عَلَى مَوْضِعِهِ وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَيَسْتَشْرِفَ الطَّعْنَ وَالسَّبَّ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَوْضِعَ الْإِمَامَةِ مَوْضِعُ رِفْعَةٍ وَتَقَدُّمٍ عَلَى النَّاسِ فِي أَهَمِّ أَمْرِ الدِّينِ وَأَجَلِّ عِبَادَةِ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ مِمَّا يَلْزَمُهُ الْخُلَفَاءُ وَيَقُومُ بِهِ الْأُمَرَاءُ وَالْإِمَامَةُ مَوْضِعُ شَرَفٍ وَرِفْعَةٍ وَعُلُوِّ مَنْزِلَةٍ فَيُكْرَهُ أَنْ يَقُومَ لِذَلِكَ مَنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ النَّقَائِصِ الْمَرْذُولَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ إمَامًا لِنَقْصِهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَعَانِيَ الْمَانِعَةَ مِنْ رُتْبَةِ الْإِمَامَةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدِهِمَا: يَمْنَعُ صِحَّتَهَا. وَالثَّانِي يَمْنَعُ فَضِيلَتَهَا. فَأَمَّا مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِمَامَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدِهَا: الْأُنُوثَةُ. وَالثَّانِيَةِ: الصِّغَرُ وَعَدَمُ التَّكْلِيفِ. وَالثَّالِثَةِ: نَقْصُ الدِّينِ. فَأَمَّا الْأُنُوثَةُ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَؤُمُّ رِجَالًا وَلَا نِسَاءً فِي فَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَرَوَى ابْنُ أَيْمَنَ عَنْ مَالِكٍ تَؤُمُّ النِّسَاءَ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ وَدَاوُد تَؤُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا جِنْسُ وَصْفٍ فِي الشَّرْعِ بِنُقْصَانِ الدِّينِ وَالْعَقْلِ فَلَمْ يَصِحَّ إمَامَتُهُ كَالْكَافِرِ وَتَعَلَّقَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَزُورُ أُمَّ وَرَقَةِ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ فِي بَيْتِهَا وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا» وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا لَا يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ صَلَّى خَلْفَ امْرَأَةٍ أَعَادَ أَبَدًا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا ائْتَمَّ بِمَنْ لَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ لِنَقْصِ دِينِهِ وَعَقْلِهِ كَالْكَافِرِ وَفِي النَّوَازِلِ لِسَحْنُونٍ إنْ كَانَ الْخُنْثَى مِمَّنْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الرِّجَالِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) فَأَمَّا الصِّغَرُ وَعَدَمُ التَّكْلِيفِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَؤُمُّ الصَّبِيُّ رِجَالًا وَلَا نِسَاءً فِي فَرِيضَةٍ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ

стр. 235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَمَّا النَّوَافِلُ فَالصِّبْيَانُ يَؤُمُّونَ النَّاسَ فِيهَا وَيَقُومُونَ فِي رَمَضَانَ وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ إنْ أَمَّ الصَّبِيُّ مَضَتْ صَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُكَلَّفٍ لِلصَّلَاةِ فَلَمْ يَجُزْ الِائْتِمَامُ بِهِ كَالْمَجْنُونِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي مُصْعَبٍ مَا رُوِيَ عَنْ «عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قَالَ كُنَّا بِحَاضِرٍ يَمُرُّ بِنَا النَّاسُ إذَا أَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَكَانُوا إذَا رَجَعُوا مَرُّوا بِنَا وَأَخْبَرُونَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ كَذَا وَقَالَ كَذَا وَكُنْت غُلَامًا حَافِظًا فَتَحَفَّظْت مِنْ ذَلِكَ قُرْآنًا كَثِيرًا فَانْطَلَقَ أَبِي وَافِدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ فَعَلَّمَهُمْ الصَّلَاةَ وَقَالَ يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ فَكُنْت أَؤُمُّ بِهِمْ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ» . (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يُصَلِّي وَالصَّبِيُّ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ أَعَادَ أَبَدًا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ إفْسَادَ صَلَاةِ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ كَالْكَافِرِ وَالْمَرْأَةِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بَيِّنَةٌ عِنْدِي عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدٌ الْفَرِيضَةَ وَرَاءَ مَنْ يُصَلِّي النَّافِلَةَ وَقَوْلُ أَبِي مُصْعَبٍ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ جَازَتْ وَرَاءَ الصَّبِيِّ لَمَّا صَلَّاهَا بِنِيَّةِ الْفَرْضِ فَعَلَى هَذَا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُبْنَى عَلَى تَجْوِيزِ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ لِأَنَّ صَلَاةَ الصَّبِيِّ نَافِلَةٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ إنْ كَانَ مَنْ أَدَّى صَلَاتَهُ بِنِيَّةِ إمَامِهِ لَمْ تُجْزِهِ فَإِذَا أَدَّاهَا بِغَيْرِ نِيَّتِهِ لَمْ تَجْزِهِ كَالْجُمُعَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا النَّقْصُ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ فِسْقٌ وَكُفْرٌ فَأَمَّا الْفِسْقُ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِمَامَةِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا نَوْعَ فِسْقٍ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ الْإِمَامَةَ كَالْكُفْرِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ صَلَّى وَرَاءَ فَاسِقٍ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ قَالَ لِي الشَّيْخُ ﵀ يُرِيدُ أَبَا بَكْرٍ الْأَبْهَرِيَّ إنَّ ذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ فَإِنْ كَانَ بِتَأْوِيلٍ أَعَادَ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ وَمَا كَانَ فِسْقًا بِإِجْمَاعٍ أَعَادَ أَبَدًا. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِيمَنْ صَلَّى وَرَاءَ مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَلَمْ يَكُنْ فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ سَكْرَانَ وَلَكِنَّهُ مِمَّنْ يَشْرَبُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا وَلَيْسَ مِمَّنْ تُحَبُّ إمَامَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَالِي الَّذِي تَوَلَّى إلَيْهِ الطَّاعَةَ فَلَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ سَكْرَانَ وَكَذَلِكَ قَالَ مَنْ لَقِيت مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَقَدْ خَالَفَ ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْهُ فَقَالَ لَا يُصَلَّى خَلْفَ عَاصِرِ الْخَمْرِ فَمَنْ صَلَّى وَرَاءَهُ لَمْ يُعِدْ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْفِسْقَ بِإِجْمَاعٍ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِمَامَةِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْإِمَامَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَضْلِ فِي الدِّينِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَرْأَةَ أَتَمُّ دِينًا مِنْ الْفَاسِقِ وَمَنْ صَلَّى وَرَاءَهَا أَعَادَ أَبَدًا فَبِأَنْ يُعِيدَ مَنْ صَلَّى وَرَاءَ الْفَاسِقِ أَوْلَى وَأَحْرَى. [بَابٌ مَا يَمْنَعُ فَضِيلَةَ الْإِمَامَةِ وَتُكْرَهُ مَعَهَا] ١ بَابٌ وَأَمَّا مَا يَمْنَعُ فَضِيلَةَ الْإِمَامَةِ وَتُكْرَهُ مَعَهَا فَالنَّقَائِصُ الَّتِي تَمْنَعُ كَمَالَ الْفُرُوضِ أَوْ مَا يَقْرَبُ مِنْ الْأُنُوثَةِ وَالنَّقَائِصُ الَّتِي تَحُطُّ الْمَنْزِلَةَ وَتُسْرِعُ إلَى صَاحِبِهَا الْأَلْسِنَةَ فَأَمَّا مَا يَمْنَعُ كَمَالَ الْفُرُوضِ فَمِنْهُ الرِّقُّ فَيُكْرَهُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ إمَامًا رَاتِبًا وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يَؤُمُّ الْعَبْدُ الْأَحْرَارَ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَقْرَأُ وَهُمْ لَا يَقْرَءُونَ فَيَؤُمُّهُمْ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَؤُمُّ الْعَبْدُ رَاتِبًا. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ نَاقِصُ الْفُرُوضِ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَجٌّ وَلَا جُمُعَةٌ وَلَا زَكَاةٌ وَذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْإِمَامَةِ كَالْمَرْأَةِ لَمَّا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهَا الْجُمُعَةُ مُنِعَتْ إمَامَتُهَا وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَةَ مَوْضِعُ رِفْعَةٍ وَشَرَفٍ فَوَجَبَ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهَا الرِّقُّ لِأَنَّهُ مِنْ النَّقَائِصِ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْعَبْدَ سَالِمٌ مِنْ نَقْصِ الْأُنُوثَةِ وَالْفِسْقِ فَصَحَّ أَنْ يَكُونَ إمَامًا رَاتِبًا كَالْحُرِّ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَؤُمُّ الْأَعْرَابِيُّ الْحَضَرِيِّينَ وَإِنْ كَانَ أَقْرَأَهُمْ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدَهُمَا: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ جَهْلُهُ بِالسُّنَّةِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَالْأَوْضَحُ

стр. 236

صَلَاةُ الْإِمَامِ وَهُوَ جَالِسٌ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ فَصَلَّى صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ وَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» ) ــ [المنتقى] عِنْدِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَسْتَدِيمُ نَقْصَ الْفَرَائِضِ وَالْفَضَائِلِ فَأَمَّا نَقْصُ الْفَرَائِضِ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ وَأَمَّا نَقْصُ الْفَضَائِلِ فَلِأَنَّهُ لَا يَشْهَدُ الْجَمَاعَاتِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا يَقْرَبُ مِنْ الْأُنُوثَةِ فَكَالْخَصِيِّ لَا يَكُونُ إمَامًا وَإِنَّمَا قَالَهُ مَالِكٌ قَالَ عَنْهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَنَحَا بِهِ نَحْوَ التَّأْنِيثِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَعِيسَى بْنُ دِينَارٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الْخَصِيُّ إمَامًا رَاتِبًا فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا. وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ لَهُ حَالًا ظَاهِرًا فِي الْقُرْبِ مِنْ الْأُنُوثَةِ وَالْبَعْدِ عَنْ الذُّكُورَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لِلْأُنُوثَةِ تَأْثِيرًا فِي مَنْعِ الْإِمَامَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا يَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْمَنْعِ مِنْهَا وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْعِنِّينِ فَإِنَّ لَيْسَ مِمَّا يَقْرَبُ مِنْ الْأُنُوثَةِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي إنَّ قَطْعَ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ لَا يَمْنَعُ اسْتِدَامَةَ الِائْتِمَامِ كَقَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا النَّقَائِصُ الَّتِي تُسْرِعُ إلَى أَصْحَابِهَا الْأَلْسِنَةَ وَتُكْثِرُ فِيهِمْ الْمَقَالَةَ فَكَوَلَدِ الزِّنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا كَانَ نَقْصًا فِي الْخِلْقَةِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنْ يَكُونَ الْعُضْوُ النَّاقِصُ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالصَّلَاةِ أَوْ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَا وَلَا يَقْرَبُ مِنْ الْأُنُوثَةِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِمَامَةِ وَلَا فَضِيلَتَهَا كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَإِنْ كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالصَّلَاةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا تَعَلُّقَ فَضِيلَةٍ كَالْيَدِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا فَضِيلَةُ السُّجُودِ وَغَيْرِهَا فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِائْتِمَامِ بِهِ. وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ لَا أَرَى أَنْ يَؤُمَّ الْأَقْطَعُ وَإِنْ حَسُنَتْ حَالُهُ وَلَا الْأَشَلُّ إذَا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا نَقَصَ مِنْ خَلْقِهِ لَا يَمْنَعُ شَيْئًا مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ فَلَا يُمْنَعُ الِائْتِمَامُ بِهِ كَالْعَمَى وَالصَّمَمِ. [صَلَاةُ الْإِمَامِ وَهُوَ جَالِسٌ] (ش) : قَوْلُهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ الْجَحْشُ مَعْنَاهُ الْخَدْشُ وَالتَّوَجُّعُ مِنْ السَّقْطَةِ وَنَحْوِهَا وَقَوْلُهُ فَصَلَّى صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ وَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا قَوْلُهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ يَحْتَمِلُ أَلْ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ فَإِذَا قُلْنَا إنَّهَا لِلْعَهْدِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى الصَّلَوَاتِ الَّتِي صَلَّاهَا بِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ لِلْجِنْسِ فَإِنَّهَا تَكُونُ بِمَعْنَى التَّأْكِيدِ يُفِيدُ مَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ صَلَّى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَهُوَ قَاعِدٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ إنْ جَعَلْنَا الْأَلْفَ وَاللَّامَ فِي الصَّلَوَاتِ لِلْعَهْدِ رَاجِعًا إلَى الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صَلَّى جَالِسًا فِي نَافِلَةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ طَلَبًا لِلرِّفْقِ وَلِيَقْوَى عَلَى مَا يُرِيدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَاتِ فَتَكُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ رَاجِعَةً إلَى غَيْرِ الْمَفْرُوضَاتِ مِنْ الصَّلَوَاتِ أَوْ الْجِنْسِ فَأَمَّا الْفَرِيضَةُ فَلَا يَخْلُو إذَا صَلَّى الْإِمَامُ جَالِسًا لِعَجْزِهِ عَنْ الْقِيَامِ أَنْ يَكُونَ مَنْ وَرَاءَهُ مِثْلَهُ عَاجِزِينَ عَنْ الْقِيَامِ أَوْ قَادِرِينَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانُوا عَاجِزِينَ عَنْ الْقِيَامِ فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُنَا فَرَوَى مُوسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّهُمْ فِي الْفَرِيضَةِ لِأَنَّ حَالَهُمْ قَدْ اسْتَوَتْ كَمَا لَوْ أَضَافُوا الْقِيَامَ وَبِهِ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ وَرَوَى سَحْنُونَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَؤُمُّهُمْ لِأَنَّ هَذَا عَاجِزٌ عَنْ الْقِيَامِ فَلَا يَؤُمُّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا مَنْ يَعْجَزُ عَنْهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى الِاضْطِجَاعِ فَإِنَّهُ لَا يَؤُمُّ مَنْ سَاوَاهُ فِيهِ وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَؤُمُّ

стр. 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْمُضْطَجِعُ الْمُضْطَجِعِينَ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَؤُمُّ الْجَالِسُ الْجُلُوسَ مَعَ تَسَاوِيهِمْ فِي الْعَجْزِ فَوَقَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُجْزِئُ الْإِمَامَ وَيُعِيدُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ لِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ أَتَى بِصَلَاتِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ الِانْفِرَادِ وِتْرِكِ الِاقْتِدَاءِ بِغَيْرِهِ وَمَنْ ائْتَمَّ بِهِ فَقَدْ ائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ بِإِمَامٍ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ كَمَا لَوْ ائْتَمَّتْ امْرَأَةٌ بِامْرَأَةٍ. (فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ الْإِمَامُ عَلَى الْجُلُوسِ وَلَا مَنْ وَرَاءَهُ فَقَدْ رَوَى مُوسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا إمَامَةَ فِي هَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ فَإِنْ صَلَّوْا عَلَى ذَلِكَ أَجْزَأَتْهُ وَأَعَادُوا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ فَلَا تَصِحُّ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ عَلَيْهَا كَمَا لَا يَجُوزُ التَّنَفُّلُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ مَنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ قَادِرِينَ عَلَى الْقِيَامِ فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمُّوا بِهِ وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ سَحْنُونَ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي النَّوَادِرِ وَاَلَّذِي فِي رِوَايَتِنَا فِي الْعُتْبِيَّةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ الْعُتْبِيِّ إنَّمَا اخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ يَجُوزُ لَهُمْ الِائْتِمَامُ بِهِ قِيَامًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَا يَصِحُّ الِائْتِمَامُ بِمَنْ عَجَزَ عَنْهُ كَالْقِرَاءَةِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَّ وَهُوَ جَالِسٌ وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ قِيَامٌ يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ» . (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْجُمْهُورِ فَصَلُّوا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ مُطَّرِفٌ تُجْزِئُهُ وَعَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ أَبَدًا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ عَجَزَ عَنْ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَجْزِهِمْ مَا ائْتَمُّوا بِهِ فِيهِ مِنْ الصَّلَاةِ كَمَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ أَخْرَسَ وَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْوَلِيدِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى جَنْبِهِ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ يَكُونُ عَالِمًا لِصَلَاتِهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ «حِينَ صَلَّى بِالنَّاسِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ وَإِلَى جَنْبِهِ أَبُو بَكْرٍ قَائِمًا» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ يُرِيدُ لِيُقْتَدَى وَهَذَا يُفِيدُ الِاقْتِدَاءَ بِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَقَوْلُهُ فَإِذَا صَلَّى فَصَلُّوا قِيَامًا يُرِيدُ مَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ مِمَّنْ يَأْتَمُّ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّ جَالِسًا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَجْزَ الْمَأْمُومِ عَنْ الْقِيَامِ لَا يُدْخِلُ عَلَى الْإِمَامِ نَقْصًا فِي صَلَاتِهِ بَلْ يُدْرِكُ مَعَهُ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُ الْمَأْمُومِ كُلُّهَا بَعْدَ أَفْعَالِ الْإِمَامِ وَهُوَ مَعْنَى الِائْتِمَامِ بِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِفِعْلِهِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّتِهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَفْعَالٌ وَأَقْوَالٌ وَأَفْعَالُهَا عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَقِسْمٌ هُوَ فَضْلٌ لِغَيْرِهِ فَأَمَّا الْمَقْصُودُ فِي نَفْسِهِ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَفْعَلَهُ الْمَأْمُومُ بَعْدَ فِعْلِ الْإِمَامِ أَوْ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ فَإِنْ فَعَلَهُ بَعْدَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنْ يَتْبَعَ الْإِمَامَ فِي الدُّخُولِ فِيهِ وَالْخُرُوجِ عَنْهُ وَيُدْرِكُهُ فِيهِ فَهَذِهِ سُنَّةُ الصَّلَاةِ وَحُكْمُهَا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلُهُ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: بِأَنْ يَدْخُلَ فِي الْفِعْلِ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ عَنْهُ فَإِنَّ تَعَمُّدَهُ مَمْنُوعٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا فِعْلُهُ مَعَهُ فَأَنْ يَنْحَطَّ لِلرُّكُوعِ مَعَ انْحِطَاطِهِ وَيَرْفَعَ مِنْهُ مَعَ رَفْعِهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَهُوَ أَيْضًا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامُ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِأَكْثَرَ مِنْ مِقْدَارِ الْفَرْضِ فَإِذَا أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ مِنْهُ بَعْدَ الْإِمَامِ مِقْدَارَ الْفَرْضِ فَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ ائْتِمَامِهِ لِأَنَّهُ قَدْ تَبِعَهُ فِي مِقْدَارِ فَرْضِهِ وَصَارَ مُؤْتَمًّا بِهِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ بَعْدَ الْإِمَامِ مِنْهُ الْأَقَلَّ مِنْ مِقْدَارِ الْفَرْضِ أَوْ كَانَ الْإِمَامُ اقْتَصَرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مِقْدَارِ الْفَرْضِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ مَعَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا فِي الْأَفْعَالِ وَأَمَّا الْأَقْوَالُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ فَرَائِضُ

стр. 238

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ شَاكٌّ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ــ [المنتقى] وَفَضَائِلُ فَالْفَرَائِضُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِمَا إذَا فُعِلَا قَبْلَ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فَإِنْ فَعَلَ مَعَ الْإِمَامِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ الْمَأْمُومَ يُحْرِمُ بَعْدَ أَنْ يَسْكُتَ الْإِمَامُ فَإِنْ أَحْرَمَ مَعَهُ أَعَادَ الْإِحْرَامَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجُزْأَهُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَصْبَغُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ أَبَدًا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي لِأَنَّ مِنْ صِحَّةِ الِائْتِمَامِ الِاقْتِدَاءَ بِفِعْلِهِ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَتَقَدَّمَ مَا يَقْتَدِي بِهِ وَإِذَا وُجِدَ مِنْهُمَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَمْتَثِلَ أَحَدُهُمَا فِعْلَ صَاحِبِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ أَنَّ الْفِعْلَ أَمْرٌ يَدُومُ وَيَتَكَرَّرُ مِنْهُ مِقْدَارُ الْفَرْضِ وَمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ فَلِذَلِكَ قُلْنَا إنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقْتَدِيَ بِمَنْ يَفْعَلُهُ مَعَهُ إذَا زَادَ عَلَى مِقْدَارِ الْفَرْضِ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ اتِّبَاعُهُ لَهُ فِي مِقْدَارِ الْفَرْضِ وَفِيمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَأَمَّا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهَا قَوْلٌ وَاحِدٌ غَيْرُ مُتَكَرِّرٍ جَمِيعُهَا فَرْضٌ وَاحِدٌ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَقَعُ عَلَى أَجْزَائِهَا اسْمُ تَكْبِيرٍ فَإِذَا وُجِدَ مِنْهَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَتْبَعْ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي فَرْضِهِ وَلَا فِيمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ تَكْبِيرٍ مِنْهُ وَأَمَّا فَضَائِلُ الْأَقْوَالِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ فِيهَا الْإِمَامَ وَلَا يُفْسِدُ ذَلِكَ صَلَاتَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا يَقُولُهُ الْمَأْمُومُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ يَأْتِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاللَّفْظَيْنِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ وَالتَّقْسِيمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ يَقْتَضِي مِنْ جِهَةِ سِيَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إذَا صَلَّى جَالِسًا فِي مَوْضِعِ الْجُلُوسِ أَنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي الْجُلُوسِ لِأَنَّهُ وَصَفَ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا فَصْلًا فَصْلًا وَأَمَرَ الْمَأْمُومَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْإِمَامِ فِيهَا فَنَصَّ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي نُصِبَ لَهُ الْإِمَامُ هُوَ أَنْ يُقْتَدَى بِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ مُخَالَفَتَهُ ثُمَّ قَالَ وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ ثُمَّ قَالَ وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ فَانْتَقَلَ إلَى وَصْفِ الِائْتِمَامِ بِهِ فِي حَالِ الْجُلُوسِ وَهُوَ مَوْضِعُ التَّشَهُّدِ وَيُحْتَمَلُ مِنْ جِهَةِ السَّبَبِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ إذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا أَيْ إذَا اسْتَطَاعَ الْقِيَامَ فَصَلُّوا بِصَلَاتِهِ قِيَامًا ثُمَّ ذَكَرَ صِفَةَ الِائْتِمَامِ بِهِ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ رُكْنٍ إلَى رُكْنٍ ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ يُرِيدُ إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْقِيَامَ وَصَلَّى جَالِسًا فَحُكْمُكُمْ أَنْ تَجْلِسُوا بِجُلُوسِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ السَّبَبِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ سِيَاقِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ يُصَلِّي الْمَأْمُومُ جَالِسًا وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ إذَا صَلَّى الْإِمَامُ جَالِسًا وَالدَّلِيلُ لَنَا أَنَّ هَذَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْمَأْمُومِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ إنَّهُ مَنْسُوخٌ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ مِنْهُ وَهَذَا يَصِحُّ عَلَى رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ. وَقَدْ تَأَوَّلَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ فِي النَّافِلَةِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ شَاكٌّ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا» ) . (ش) : وَقَوْلُهَا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا بَيَّنَ مَعْنَى مَا رَوَاهُ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ وَالْمُخَالَفَةِ لِأَهْلِ فَارِسٍ فِي قِيَامِهِمْ عَلَى رُءُوسِ مُلُوكِهِمْ فَمَنَعَ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ وَرَاءَهُ أَحَدٌ قَائِمًا إذَا صَلَّى هُوَ جَالِسًا وَيَحْتَمِلُ مَعَ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ التَّأْوِيلِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَلَعَلَّهُمْ قَامُوا وَرَاءَهُ فِي مَوْضِعِ الْجُلُوسِ تَعْظِيمًا لَهُ فَأَمَرَهُمْ بِاتِّبَاعِهِ وَالْجُلُوسُ مَعَهُ إذَا جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ فِي مَرَضِهِ فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ فَأَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ كَمَا أَنْتَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ وَكَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ» ) .

стр. 239

خَرَجَ فِي مَرَضِهِ فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ فَأَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ كَمَا أَنْتَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ وَكَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ» ) . ــ [المنتقى] (ش) : اخْتَلَفَتْ الْآثَارُ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَوْضِعِهِ وَصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ اخْتِلَافًا بَيِّنًا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا لِاخْتِلَافِهَا وَأَخَذَ كُلُّ طَائِفَةٍ بِبَعْضِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ فَرُوِيَ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَّ أَبَا بَكْرٍ وَرَوَى الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ» وَرَوَاهُ مَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ فَمَنْ جَوَّزَ أَنْ يَؤُمَّ الْقَاعِدُ الْقِيَامَ تَعَلَّقَ بِحَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ قَالَ إنَّ رِوَايَةَ عَائِشَةَ اخْتَلَفَتْ فِي ذَلِكَ وَلَمْ تَخْتَلِفْ رِوَايَةُ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَمَّهُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ فَكَانَتْ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤْتَمًّا بِهِ وَسَامِعًا بِتَكْبِيرِهِ وَكَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَرَّفُونَ بِهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ فَيَأْتَمُّونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَعُفَ صَوْتُهُ عَنْ أَنْ يُسْمِعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمْ ذَلِكَ وَهَذَا مَعْنَى صَلَاةِ النَّاسِ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِيمَنْ ائْتَمَّ بِمَأْمُومٍ فَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ إنَّمَا اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ مَنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةً فَأَتَمَّ بِهِمْ صَلَاةَ الْإِمَامِ ثُمَّ قَامَ يَقْضِي فَائْتَمَّ بِهِ مَنْ فَاتَتْهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ أَنَّهَا تُجْزِئُهُمْ قَالَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدُوا، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ اتَّبَعَهُ فِيهَا مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ فَإِذَا قُلْنَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى مَعَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ فِيهَا فَقَدْ لَزِمَهُ حُكْمُ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ مَعَ ذَلِكَ الْمُسْتَخْلِفِ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَإِنَّمَا حُكْمُهُ أَنْ يَقْضِيَ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَحْدَهُ. وَقَدْ رَوَى مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ فَقَضَاهَا مَعَ إمَامٍ فَاتَتْهُ مِنْ الْجَمَاعَةِ رَكْعَةٌ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ أَبَدًا وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمَوَّازِ بَطَلَتْ عَلَيْهِ. وَقَالَ سَحْنُونَ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مَنْ لَزِمَهُ أَنْ يَقْضِيَ فَذًّا فَقَضَى بِإِمَامٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَنْ ائْتَمَّ بِمَأْمُومٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْوَجْهِ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ مَنْ اتَّبَعَ الْمَأْمُومَ فِي الْقَضَاءِ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مَنْ دَخَلَ مَعَهُ حِينَئِذٍ مُؤْتَمًّا بِهِ فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي إمَامٍ كَانَ يُصَلِّي بِقَوْمٍ فِي السَّفَرِ فَرَأَى أَمَامَهُ جَمَاعَةً تُصَلِّي بِإِمَامٍ فَجَهِلَ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِمْ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُومًا وَأَعَادَ مَنْ وَرَاءَهُ أَبَدًا لِأَنَّهُمْ لَا إمَامَ لَهُمْ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ لَقِيت مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَمَّا مَنْ قَالَ تُجْزِئُهُمْ فَقَدْ جَوَّزَ الصَّلَاةَ مَعَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فَبِأَنْ يُجْزِئَ مَعَ أَحَدِهِمَا أَوْلَى فَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ ذَلِكَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ يَأْتَمُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ فَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِالنَّبِيِّ ﷺ كَمَا اخْتَصَّ بِأَنْ أَتَمَّ صَلَاةً افْتَتَحَهَا أَبُو بَكْرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : فَإِذَا قُلْنَا إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ الْإِمَامَ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَعْتَرِضُ فِيهِ فَصْلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَأْتَمَّ أَبُو بَكْرٍ قَائِمًا بِالنَّبِيِّ ﷺ جَالِسًا. وَقَدْ رَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ جَوَازَهُ فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ مِنْهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لِتَرْكِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵃ الْإِمَامَةَ حَالَ الْجُلُوسِ وَهَذَا فِيهِ

стр. 240

فَضْلُ صَلَاةِ الْقَائِمِ عَلَى صَلَاةِ الْقَاعِدِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إسْمَاعِيلِ بْنِ عُمَرَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ مَوْلًى لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَوْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «صَلَاةُ أَحَدِكُمْ وَهُوَ قَاعِدٌ مِثْلُ نِصْفِ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَائِمٌ» ) ــ [المنتقى] نَظَرٌ لِأَنَّ النَّسْخُ لَا يَكُونُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ النَّسْخَ كَانَ بَعْدَ هَذِهِ الصَّلَاةِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ النَّسْخِ إجْمَاعُ الْأَئِمَّةِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ وَالْمَنْعِ مِنْ إمَامَةِ الْجَالِسِ وَهَذَا أَيْضًا يَحْتَاجُ أَنْ يَثْبُتَ عَنْهُمْ ثُبُوتًا شَائِعًا مَعَ عَدَمِ الْمُخَالِفِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا. (فَرْعٌ) فَإِذَا ائْتَمَّ الْوَاقِفُ بِالْجَالِسِ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ يُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ قَاعِدٌ قِيَامًا فَإِنْ أَمَّهُمْ أَعَادُوا فِي الْوَقْتِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَهَذَا عِنْدِي عَلَى رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَمَّا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَضْلُ صَلَاةِ الْقَائِمِ عَلَى صَلَاةِ الْقَاعِدِ] (ش) : مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «صَلَاةُ أَحَدِكُمْ وَهُوَ قَاعِدٌ مِثْلُ نِصْفِ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَائِمٌ» يُرِيدُ أَجْرُ صَلَاةِ الْقَاعِدِ مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ صَلَاةِ الْقَائِمِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَتَبَعَّضُ فَلَا يَصِحُّ نِصْفُهَا دُونَ سَائِرِهَا وَهَذَا اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ يُصَلِّيهَا الْقَاعِدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَهِيَ مِثْلُ نِصْفِ صَلَاةِ الْقَائِمِ إلَّا أَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ بَعْضُ الصَّلَوَاتِ وَبَعْضُ الْحَالَاتِ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَشَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْفَرْضِ مِنْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فَثَبَتَ بِذَلِكَ وُجُوبُ الْقِيَامِ. وَرُوِيَ عَنْ «عِمْرَانِ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» فَخَصَّ بِهَذَا الْخَبَرِ مِنْ الْآيَةِ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْقِيَامَ وَبَقِيَتْ الْآيَةُ عَلَى عُمُومِهَا فِي الْمُسْتَطِيعِينَ وَقَدْ ثَبَتَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَرْوِيِّ بَعْدَ هَذَا جَوَازُ الْجُلُوسِ فِي التَّنَفُّلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ فَخُصَّتْ بِذَلِكَ الْآيَةُ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ وَبَقِيَتْ عَامَّةً فِي الْمُسْتَطِيعِينَ الْقِيَامَ فِي الْفَرِيضَةِ وَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدِهِمَا: مَنْ صَلَّى الْفَرِيضَةَ غَيْرَ مُسْتَطِيعِ الْقِيَامِ. وَالثَّانِيَةِ: مَنْ صَلَّى النَّافِلَةَ مُسْتَطِيعًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةُ الْقَاعِدِ مِثْلُ نِصْفِ صَلَاةِ الْقَائِمِ إنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُصَلُّوا قِيَامًا إلَّا أَنَّ الْقُعُودَ كَانَ أَرْفَقَ بِهِمْ فَأَمَّا مَنْ أَقْعَدَهُ الْمَرَضُ وَالضَّعْفُ فِي مَكْتُوبَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ فَإِنَّ صَلَاتَهُ قَاعِدًا فِي الثَّوَابِ مِثْلُ صَلَاتِهِ قَائِمًا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَمَا ذَكَرْته عِنْدِي أَظْهَرُ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي النَّوَافِلِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَالْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى حَالِ الْجُلُوسِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى حَالِ الْقِيَامِ وَهَذَا التَّخْصِيصُ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِي هَذَا مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: فِي وَصْفِ مَنْ تَجُوزُ لَهُ صَلَاةُ الْفَرِيضَةِ جَالِسًا. وَالثَّانِيَةُ: فِي وَصْفِ صَلَاتِهِ. فَأَمَّا مَنْ تَجُوزُ لَهُ صَلَاةُ الْفَرِيضَةِ قَاعِدًا فَهُوَ الْمُقْعَدُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ أَوْ الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ بِحَالٍ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَنْ لَا يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ صَلَّى جَالِسًا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ فِي السَّفِينَةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا. (فَرْعٌ) وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْدَحَ عَيْنَيْهِ وَيُصَلِّي جَالِسًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَفِي الْوَاضِحَةِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ الْقِيَامِ يَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ جَالِسًا فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى ذَلِكَ

стр. 241

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ «لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ نَالَنَا وَبَاءٌ مِنْ وَعْكِهَا شَدِيدٌ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ فِي سُبْحَتِهِمْ قُعُودًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقَاعِدُ مِثْلُ نِصْفِ صَلَاةِ الْقَائِمِ» ) . مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْقَاعِدِ فِي النَّافِلَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا وَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ ــ [المنتقى] إذَا كَانَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ مَا لَمْ يُمْنَعُ الْمُسَافِرُ مِنْ السَّفَرِ الَّذِي يُسَبِّبُ الْفِطْرَ وَالْقَصْرَ وَالتَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ. ١ - (فَرْعٌ) وَمَنْ صَلَّى جَالِسًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ أَعَادَ أَبَدًا وَمَنْ صَلَّى جَالِسًا مَعَ الْعَجْزِ عَنْ الْقِيَامِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ فِي الْوَقْتِ لَمْ يُعِدْ رَوَاهُ مُوسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَيْضًا إذَا أَتَى بِالصَّلَاةِ عَلَى مَا يَلْزَمُهُ مِنْ فَرْضِهَا فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا فِي وَقْتِهَا كَمَا لَوْ صَلَّى بِتَيَمُّمٍ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ إلَّا مُسْتَنِدًا أَوْ مُتَّكِئًا فَإِنَّ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ صَلَاتِهِ جَالِسًا قَالَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَالَ أَقْرَبُ إلَى فَرْضِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ عَنْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا. (فَرْعٌ) وَيُصَلِّي الْمَرِيضُ جَالِسًا مُسْتَنِدًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ مُضْطَجِعًا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْجُلُوسَ هَيْئَةٌ مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَرْكُهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا كَالْقِيَامِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْقِيَامَ وَلَا الْقُعُودَ أَدَّى فَرْضَهُ مُضْطَجِعًا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ. (فَرْعٌ) وَالسُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَرَأْسُهُ إلَى الْمَغْرِبِ وَرِجْلَاهُ إلَى الْمَشْرِقِ لِأَنَّ التَّيَامُنَ مَشْرُوعٌ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ مَعَهُ إلَّا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ عَجَزَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ فَهَلْ يُصَلِّي عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُصَلِّي عَلَى ظَهْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يُصَلِّي عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمَّا عَجَزَ عَنْ التَّيَامُنِ الَّذِي هُوَ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ كَانَ الِاضْطِجَاعُ عَلَى الظَّهْرِ أَمْكَنَ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَأَشْبَهَ فِي ذَلِكَ بِحَالِ الْقِيَامِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ. وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ قَوْلُهُ ﷺ «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» وَلَمْ يُفَرِّقْ فَإِنْ صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَأْسُهُ إلَى الْمَشْرِقِ وَرِجْلَاهُ إلَى الْمَغْرِبِ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى لَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ إلَّا كَذَلِكَ. (فَرْعٌ) فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ صَلَّى عَلَى ظَهْرِهِ وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ لِأَنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ مَشْرُوعٌ وَلَا يَتَأَتَّى لِمَنْ كَانَ عَلَى ظَهْرِهِ إلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ «لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ نَالَنَا وَبَاءٌ مِنْ وَعْكِهَا شَدِيدٌ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ فِي سُبْحَتِهِمْ قُعُودًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقَاعِدُ مِثْلُ نِصْفِ صَلَاةِ الْقَائِمِ» ) . ش قَوْلُهُ نَالَنَا وَبَاءٌ مِنْ وَعْكِهَا شَدِيدٌ الْوَبَاءُ سُرْعَةُ الْمَوْتِ وَكَثْرَتُهُ فِي النَّاسِ وَالْوَعْكُ شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ الْمَرَضِ وَقَوْلُهُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ فِي سُبْحَتِهِمْ قُعُودًا قِيلَ إنَّ السُّبْحَةَ صَلَاةُ النَّافِلَةِ وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] يُرِيدُ الْمُصَلِّينَ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] أَنَّهُ قَالَ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الصَّلَوَاتِ الْأَرْبَعِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ وَقَدْ قِيلَ إنَّ مَعْنَى السُّبْحَةِ الصَّلَاةُ فَإِذَا كَانَ لَفْظُ السُّبْحَةِ وَاقِعًا عَلَى الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ جَازَ أَنْ يُرَادَ بِالْحَدِيثِ الْأَمْرَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ صَلَاةُ الْقَاعِدِ مِثْلُ نِصْفِ صَلَاةِ الْقَائِمِ تَنْشِيطًا لَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ وَنَدْبًا لَهُمْ إلَى فَضْلِهِ وَتَذْكِيرًا لَهُمْ لِئَلَّا يَجْتَزِئُوا بِالْقُعُودِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لِمَا فِيهِمْ مِنْ أَلَمِ الْوَعْكِ وَشِدَّةِ الْمَرَضِ.

стр. 242

أَطْوَلَ مِنْهَا» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَعَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْقَاعِدِ فِي النَّافِلَةِ] (ش) : قَوْلُهَا مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا قَطُّ إخْبَارٌ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الصَّلَاةَ فِي تَنَفُّلِهِ عَلَى أَتَمِّ هَيْئَاتِهَا مِنْ الْقِيَامِ إذْ هُوَ أَفْضَلُ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ وَثَقُلَ عَنْ الْقِيَامِ صَلَّى قَاعِدًا رِفْقًا بِهِ وَاسْتِدَامَةً لِصَلَاتِهِ وَتَوْفِيرَ قُوَّتِهِ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَإِطْلَاقُ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي الْجُلُوسَ فِي مَوْضِعِ الْقِيَامِ مِنْ الصَّلَاةِ هَذَا عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ لَا تَخْلُو مِنْ الْجُلُوسِ إلَّا أَنَّهُ إذَا قِيلَ صَلَّى فُلَانٌ قَاعِدًا أَوْ جَالِسًا فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ جَلَسَ فِي مَوْضِعِ الْقِيَامِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ «أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ رَكَعَ» ) . (ش) : قَوْلُهَا أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةً فِي اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ تُرِيدُ بِذَلِكَ نَافِلَةَ اللَّيْلِ وَيَحْتَمِلُ تَخْصِيصُهَا لِلذِّكْرِ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنَّهَا نَصَّتْ عَلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ وَنَبَّهَتْ بِذَلِكَ عَلَى فِعْلِهِ فِي الْفَرِيضَةِ الَّتِي هِيَ آكَدُ مِنْهَا. وَالثَّانِي. أَنَّهَا قَصَدَتْ إلَى الْإِخْبَارِ عَنْ فِعْلِهِ فِي النَّافِلَةِ بِاللَّفْظِ الْخَاصِّ لِأَنَّهَا لَوْ ذَكَرَتْ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَائِمًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ دُونَ النَّافِلَةِ فَلَا يَحْصُلُ فِي ذَلِكَ الْحَثُّ وَالتَّأْكِيدُ فِي قِيَامِ النَّافِلَةِ ثُمَّ قَالَتْ حَتَّى أَسَنَّ فَكَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا فَأَخْبَرَتْ عَنْ عُذْرِهِ فِي تَرْكِهِ الْقِيَامَ بِالسِّنِّ إبْقَاءً عَلَى نَفْسِهِ لِيَسْتَدِيمَ الصَّلَاةَ ثُمَّ قَالَتْ حَتَّى إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ فَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ عَنْ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ وَتَأَكُّدِهِ عِنْدَهُ بِأَنَّهُ كَانَ لَا يَجْلِسُ عَمَّا يُطِيقُهُ مِنْهُ وَفِي ذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُطِقْ أَنْ يَقُومَ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَقُومَ فِيمَا أَمْكَنَهُ مِنْهَا وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ فِي النَّافِلَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا لِمَنْ افْتَتَحَ النَّافِلَةَ قَاعِدًا ثُمَّ أَرَادَ الْقِيَامَ فَإِنَّ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ أَرَادَ الْقُعُودَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا حَالَةٌ تُبِيحُ لَهُ افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ جَالِسًا فَجَازَ أَنْ يَنْتَقِلَ لَهَا إلَى الْجُلُوسِ مَنْ افْتَتَحَهَا كَحَالَةِ الْعُذْرِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي عِبَادَةٍ لَزِمَهُ إتْمَامُهَا وَهَذَا لَمَّا افْتَتَحَ نَافِلَتَهُ قَائِمًا لَزِمَهُ إتْمَامُهَا قَائِمًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنْهُ وَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُهُ لِحَالٍ كَانَ عَلَيْهَا مِنْ الضَّعْفِ عَنْ الْقِيَامِ فِي جَمِيعِهَا وَالْقُوَّةِ عَلَى الْقِيَامِ فِي بَعْضِهَا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ أَمْرٍ طَرَأَ لَهُ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ وَلَوْ كَانَ أَمْرًا طَرَأَ لَهُ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ لَمْ يَكُنْ يَجِدُهُ حِينَ الشُّرُوعِ فِيهَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الْجَوَازِ فِي النَّافِلَةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا فِي الْفَرِيضَةِ فَإِنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَاعِدًا لِعَجْزِهِ عَنْ الْقِيَامِ ثُمَّ أَطْلَقَ الْقِيَامَ لَزِمَهُ أَنْ يَقُومَ فَيُتِمَّهَا قَائِمًا وَلَوْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ جَازَ أَنْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ قَاعِدًا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِمَا كَانَ فَرْضُهُ فِي افْتِتَاحِهَا فَلَا تَبْطُلُ بِقُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ كَمَا لَوْ افْتَتَحَهَا بِالْقِيَامِ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ افْتَتَحَ صَلَاةً بِالِاضْطِجَاعِ لِضَعْفِهِ عَنْ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ ثُمَّ اسْتَطَاعَ الْقِيَامَ أَوْ الْجُلُوسَ أَتَمَّ صَلَاتَهُ عَلَى مَا أَدَّتْ حَالُهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِمَا كَانَ حُكْمُهُ أَنْ يَفْتَتِحَهَا بِهِ فَلَمْ تَبْطُلْ بِقُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ كَمَا لَوْ افْتَتَحَهَا بِالْجُلُوسِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا وَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعْمِلُ التَّرْتِيلَ فِي قِرَاءَتِهَا لِلتَّدَبُّرِ وَلِامْتِثَالِ قَوْلِهِ ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] وَلَعَلَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ هَذَا كَانَ أَخَفَّ عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَعَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ» ) .

стр. 243

كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ» ) . الصَّلَاةُ الْوُسْطَى (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ قَالَ أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا ثُمَّ قَالَتْ إذَا بَلَغْتُ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذَنِّي ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا فَأَمْلَتْ عَلَيَّ «حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ» ثُمَّ قَالَتْ سَمِعْتهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهَا كَانَ يُصَلِّي فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ بَيَانٌ أَنَّ آخِرَ جُلُوسِهِ كَانَ حِينَ الْقِرَاءَةِ وَقَوْلُهَا فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً يَقْتَضِي أَنَّ مَا يَقْرَؤُهُ قَبْلَ الْقِيَامِ أَكْثَرَ لِأَنَّ الْبَقِيَّةَ لَا تَنْطَلِقُ فِي الْأَغْلَبِ إلَّا عَلَى الْأَقَلِّ وَقَوْلُهَا قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ قِرَاءَتِهِ فِي الرَّكْعَةِ مُقَدَّرًا عِنْدَ عَائِشَةَ لِتَكَرُّرِ صَلَاتِهِ بِحَضْرَتِهَا وَمَعْرِفَتِهَا بِمِقْدَارِهَا وَمِقْدَارِ تَرْتِيلِهِ لَهَا وَهَذَا هُوَ الْأَغْلَبُ مِنْ حَالِهِ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ حَالُهُ تَخْتَلِفُ فِي طُولِ الْقِيَامِ وَقِصَرِهِ وَلَكِنَّهُ كَانَ لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهَا مِقْدَارُ قِرَاءَتِهِ قَائِمًا وَإِنْ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ قَاعِدًا تَخْتَلِفُ عَلَيْهَا لِطُولِهَا وَقِصَرِهَا فَتَقَدَّرَ لِعَائِشَةَ مِقْدَارُ قِرَاءَتِهِ حَالَ الْقِيَامِ خَاصَّةً. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا ثُمَّ صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْجُلُوسِ فِي النَّافِلَةِ بَعْدَ الْقِيَامِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ عَائِشَةَ إنَّمَا وَصَفَتْ الْمُتَكَرِّرَ مِنْ فِعْلِهِ وَأَخْبَرَتْ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَفْتِحُ الْقِرَاءَةَ جَالِسًا ثُمَّ يَقُومُ لِبَقِيَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ الْمُتَكَرِّرَ مِنْ فِعْلِهِ وَلَا يَصِحُّ بِجَرْيِ الْعَادَةِ أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهَا الْمَانِعُ فِي أَوَّلِ كُلِّ رَكْعَةٍ وَيَزُولُ فِي أَثْنَائِهَا وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الِاسْتِدَامَةِ لِلصَّلَاةِ وَإِبْقَاءِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ يَنْوِي ذَلِكَ عِنْدَ افْتِتَاحِ نَافِلَتِهِ وَلَعَلَّ أَشْهَبَ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا افْتَتَحَهُ بِنِيَّةِ الْقِيَامِ أَوْ بِإِطْلَاقِ النِّيَّةِ وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ فِيمَا نَوَى فِيهِ الْجُلُوسَ بَعْدَ الْقِيَامِ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَانَا يُصَلِّيَانِ النَّافِلَةَ وَهُمَا مُحْتَبِيَانِ) . (ش) : قَوْلُهُ كَانَا يُصَلِّيَانِ النَّافِلَةَ وَهُمَا مُحْتَبِيَانِ يُرِيدُ أَنَّهُمَا كَانَا يَجْلِسَانِ مَوْضِعَ الْقِيَامِ عَلَى صِفَةِ الِاحْتِبَاءِ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْجُلُوسَ فِي الصَّلَاةِ مَوْضِعَ الْقِيَامِ لَيْسَتْ لَهُ صِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ لَا يُجْزِئُ إلَّا عَلَيْهِ بَلْ يُجْزِئُ عَلَى كُلِّ صِفَاتِ الْجُلُوسِ مِنْ الِاحْتِبَاءِ وَالتَّرَبُّعِ وَالتَّوَرُّكِ وَغَيْرِهَا مِنْ صِفَاتِ الْجُلُوسِ غَيْرَ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا مُحَمَّدٍ رَأَى أَنَّ أَفْضَلَهَا التَّرَبُّعُ لِأَنَّهُ أَوْفَرُ هَيْئَاتِ الْجُلُوسِ إلَّا أَنَّ الِاحْتِبَاءَ مَعَ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَيْسَ فِي احْتِبَاءِ سَعِيدٍ وَعُرْوَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ هَيْئَاتِ الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِيَارِهِمَا لَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَإِنَّمَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَتَكَرَّرُ مِنْهُمَا وَلَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَرَّرُ عِنْدَ السَّآمَةِ لِلتَّرَبُّعِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الصَّلَاةُ الْوُسْطَى] (ش) : قَوْلُهُ أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قَبْلَ جَمْعِ الْقُرْآنِ فِي مُصْحَفٍ وَقَبْلَ أَنْ يُجْمَعَ النَّاسُ عَلَى الْمَصَاحِفِ الَّتِي كَتَبَ بِهَا عُثْمَانُ إلَى الْأَمْصَارِ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْتَبْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَاحِفِ إلَّا مَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ وَثَبَتَ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّهُ قُرْآنٌ فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ يُكْتَبُ مِنْ مَعْنَى التَّفْسِيرِ فَأَجْمَعُوا عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَمَّا بَلَغْتهَا آذَنْتهَا إنَّمَا أَمَرَتْ أَنْ يَسْتَأْذِنَهَا لَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تُمْلِيَ عَلَيْهِ زِيَادَةً لَمْ تَكُنْ

стр. 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] ثَبَتَتْ فِي الْمُصْحَفِ الَّذِي كَانَ يَنْتَسِخُ مِنْهُ وَلَا فِي غَيْرِهِ مِمَّا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْسَخَ مِنْهُ وَإِنَّمَا رَوَتْ أَنَّهَا سَمِعَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَأَرَادَتْ أَنْ تُثْبِتَهَا فِي الْمُصْحَفِ لِذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ يَقُومُ بِهِ نَفْعٌ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَمْلَتْ عَلَيَّ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ زِيَادَةً فِي الْمَحْفُوظِ مِنْ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ فَكَانَ الْأَظْهَرُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى غَيْرُ صَلَاةِ الْعَصْرِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَاَلَّذِي يَقْتَضِي مَا أَمْلَتْهُ عَائِشَةُ أَنَّهَا غَيْرُ صَلَاةِ الْعَصْرِ لِأَنَّهَا عَطَفَتْ صَلَاةَ الْعَصْرِ عَلَى الصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَلَا يُعْطَفُ الشَّيْءُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ تَعْيِينٌ لِلصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الظُّهْرِ وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ قَوْمٌ إنَّهَا الْمَغْرِبُ وَيَجِبُ أَنْ نُبَيِّنَ مَعْنَى وَصْفِنَا لَهَا بِأَنَّهَا الْوُسْطَى قَبْلَ أَنْ نَبْدَأَ بِالدَّلَالَةِ عَلَى مَا نَخْتَارُهُ مِنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ الْوُسْطَى يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تُسَمَّى وُسْطَى بِمَعْنَى فَاضِلَةِ الصَّلَوَاتِ يُقَالُ هَذَا أَوْسَطُ الْقَوْمِ بِمَعْنَى فَاضِلُهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] يُرِيدُ أُمَّةً فَاضِلَةً. وَأَمَّا الْمَعْنَى الثَّانِي: فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْمُتَوَسِّطَةَ بِمَعْنَى أَنَّ وَقْتَهَا يَتَوَسَّطُ أَوْقَاتَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فَيَكُونُ بَعْضُهَا قَبْلَهَا وَبَعْضُهَا بَعْدَهَا. وَالْمَعْنَى الثَّالِثُ أَنْ تُوصَفَ بِذَلِكَ التَّخْصِيصِ. وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ صَلَاةٍ وُسْطَى عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَعَلَى الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّ جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ يَصِحُّ أَنْ تُوصَفَ بِأَنَّهَا وُسْطَى بِمَعْنَى أَنَّهَا فَاضِلَةٌ وَبِمَعْنَى أَنَّ وَقْتَهَا يَتَوَسَّطُ الْأَوْقَاتِ وَبِمَعْنَى التَّخْصِيصِ لِأَنَّ مَا مِنْ صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ إلَّا وَيَصِحُّ أَنْ تَجْعَلَهَا وُسْطَى وَتَجْعَلَ مَا قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ مِنْ الْفُرُوضِ وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ وَإِذَا وَصَفْت صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ بِأَنَّهَا وُسْطَى وَلَمْ يُنَصَّ لَنَا عَلَيْهَا نَصًّا تَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا عَلِمْنَا أَنَّهَا لَا تُوصَفُ بِأَنَّهَا وُسْطَى بِمَعْنَى التَّخْصِيصِ خَاصَّةً وَلَكِنْ لِمَعْنًى فِيهَا يُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنْ حَالِهَا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فَنَظَرٌ إلَى أَوَّلِ الصَّلَوَاتِ بِأَنْ تُوصَفَ بِأَنَّ لَهَا مَزِيَّةٌ فِي الْفَضِيلَةِ أَوْ أَنَّ وَقْتَهَا أَوْلَى بِأَنْ يُوصَفَ بِالتَّوَسُّطِ مِنْ غَيْرِهَا فَيُصْرَفَ هَذَا الِاسْمُ إلَيْهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى لَيْسَتْ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ فَعَطَفَتْ صَلَاةَ الْعَصْرِ عَلَى الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُهَا وَقَدْ رَوَتْ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ أَحَقُّ بِهَذَا الِاسْمِ مِنْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ جِهَةِ تَأَكُّدِ فَضِيلَتِهَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا أَشَقُّ مِنْهَا وَلَا أَبْيَنُ عُذْرًا فِي التَّخَلُّفِ عَنْهَا لِأَنَّهَا تَطْرَأُ عَلَى النَّاسِ فِي أَلَذِّ أَوْقَاتِ النَّوْمِ وَيَتَكَلَّفُ لَهَا مَنْ تَرَكَ وَثَارَةَ الْمَضْجَعِ وَدِفْأَهُ وَتَرَكَ لَذِيذَ النَّوْمِ مَعَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَالْقِيَامِ إلَى شِدَّةِ الْبَرْدِ وَتَنَاوُلِ الْمَاءِ الْبَارِدَ مَا لَا يَتَكَلَّفُ لِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ أَنَّهَا فِي الْغَالِبِ تَجِيءُ أَوْقَاتُهَا وَالنَّاسُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ مُتَصَرِّفُونَ وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ لَا يَسْتَطِيعُونَهُمَا» وَقَالَ ﷺ «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» فَخَصَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِهَذَا الْوَصْفِ مَعَ مُشَارَكَةِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي هَذَا الْمَعْنَى لِتَأَكُّدِ فَضِيلَتِهَا فَثَبَتَ أَنَّهَا أَعْظَمُ الصَّلَوَاتِ أَجْرًا وَأَتَمُّهَا فَضْلًا وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَحَقُّ بِهَذَا الِاسْمِ مِنْ جِهَةِ تَوَسُّطِ الْوَقْتِ أَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ لَا تُشَارِكُ وَاحِدَةً مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي وَقْتِهَا وَلَا تُشَارِكُهَا صَلَاةٌ مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي وَقْتِهَا وَسَائِرُ الصَّلَوَاتِ أَوْقَاتُهَا مُشْتَرَكَةٌ فَالظُّهْرُ وَالْعَصْرُ

стр. 245

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْت أَكْتُبُ مُصْحَفًا لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ إذَا بَلَغْت هَذِهِ الْآيَةَ فَآذَنِّي ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَلَمَّا بَلَغْتهَا آذَنْتهَا فَأَمْلَتْ عَلَيَّ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ــ [المنتقى] مُشْتَرِكَتَانِ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ مُشْتَرِكَانِ فِي وَقْتِهِمَا فَلَوْ جَعَلْنَا الْعَصْرَ هِيَ الْوُسْطَى لَكُنَّا قَدْ فَصَلْنَاهَا مِمَّا شَرَكَهَا وَهِيَ الظُّهْرُ وَأَضَفْنَا إلَى الظُّهْرِ مَا لَا يُشْرِكُهَا فِي وَقْتٍ وَهِيَ الصُّبْحُ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَوْصُوفَةَ بِأَنَّهَا وُسْطَى لَا تَكُونُ أَوْلَى بِذَلِكَ مِمَّا يُشَارِكُهَا فِي الْوَقْتِ فَإِذَا وَصَفْنَا الصُّبْحَ بِأَنَّهَا الْوُسْطَى سَلِمَتْ مِنْ ذَلِكَ وَقُرِنَتْ كُلُّ صَلَاةٍ بِمَا يُشَارِكُهَا فِي وَقْتِهَا وَانْفَصَلَتْ مِمَّا لَا يُشَارِكُهَا فَكَانَتْ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ مُشْتَرِكَتَيْنِ ثُمَّ الصُّبْحُ ثُمَّ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ مُشْتَرِكَتَيْنِ فَكَانَتْ الصُّبْحُ أَوْلَى بِالْوَصْفِ بِالتَّوَسُّطِ. وَأَمَّا مَا تَعَلَّقُوا بِهِ مِمَّا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا» فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْوُسْطَى مِنْ الصَّلَوَاتِ الَّتِي شُغِلَ عَنْهَا وَهِيَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَوَصَفَهَا بِأَنَّهَا وُسْطَى مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ لِتَأَكُّدِ فَضِيلَتِهَا عَلَى الصَّلَاتَيْنِ اللَّتَيْنِ مَعَهَا وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الصُّبْحِ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ تُوصَفَ بِأَنَّهَا وُسْطَى إذَا قَرَنْتَ ذِكْرَهَا وَاسْمَهَا وَكَذَلِكَ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ. (فَصْلٌ) : وقَوْله تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] الْقُنُوتُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ السُّكُوتُ وَالْقُنُوتُ الطَّاعَةُ وَالْقُنُوتُ الدُّعَاءُ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وَالْقُنُوتُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْقُنُوتُ الَّذِي يَكُونُ فِي الصُّبْحِ وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا إنَّ الْقُنُوتَ طُولُ الْقِيَامِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ قَالَتْ سَمِعْتهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ الزَّائِدَةُ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ نُسِخَتْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فَإِنْ صَحَّ خَبَرُ الْبَرَاءِ بِنَسْخِهَا فَلَعَلَّ عَائِشَةَ لَمْ تَعْلَمْ بِنَسْخِهَا إذْ أَرَادَتْ إثْبَاتَهَا فِي الْمُصْحَفِ وَلَعَلَّهَا اعْتَقَدَتْ أَنَّهَا مِمَّا نُسِخَ حُكْمُهَا وَثَبَتَ رَسْمُهَا فَأَرَادَتْ إثْبَاتَهُ. وَالْوَجْهَ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ سَمِعَتْ اللَّفْظَةَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَهَا عَلَى أَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ لِتَأْكِيدِ فَضِيلَةِ الْعَصْرِ مَعَ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى كَمَا رَوَى عَنْهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ أَنَّهُ قَالَ إنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] فَأَكَّدَ فَضِيلَتَهَا فَأَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تُثَبِّتَهَا فِي الْمُصْحَفِ لَمَّا ظَنَّتْ أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَلِأَنَّهَا اعْتَقَدَتْ جَوَازَ إثْبَاتِ غَيْرِ الْقُرْآنِ مَعَ الْقُرْآنِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ جَوَّزُوا إثْبَاتَ الْقُنُوتِ وَبَعْضَ التَّفْسِيرِ فِي الْمُصْحَفِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ قُرْآنًا. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْت أَكْتُبُ مُصْحَفًا لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ إذَا بَلَغْت هَذِهِ الْآيَةَ فَآذَنِّي ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَلَمَّا بَلَغْتهَا آذَنْتهَا فَأَمْلَتْ عَلَيَّ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) . (ش) : أَمَرَتْ حَفْصَةُ بِإِثْبَاتِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي الْمُصْحَفِ وَإِنْ لَمْ تَذْكُرْ أَنَّهَا سَمِعَتْهَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ سَمِعَتْهَا مِنْهُ وَإِنْ لَمْ تَذْكُرْ ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ سَمِعَتْهَا مِنْ عَائِشَةَ أَوْ غَيْرِهَا فَأَرَادَتْ إثْبَاتَهَا عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ ابْنِ يَرْبُوعٍ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الظُّهْرِ) . ش يُذْكَرُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ أَخَذَ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عَائِشَةَ وَلَمْ يَثْبُتْ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ وُسْطَى بِمَعْنَى أَنَّهَا فَاضِلَةٌ لَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا الْمَخْصُوصَةُ بِهَذَا الْقَوْلِ وَأَنَّ لَهَا بِذَلِكَ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ

стр. 246

كَانَا يَقُولَانِ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ قَالَ مَالِكٌ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) . الرُّخْصَةُ فِي الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ» ) ــ [المنتقى] عَبَّاسٍ كَانَا يَقُولَانِ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ قَالَ مَالِكٌ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) . (ش) : رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ كُنَّا نَرَى الصَّلَاةَ الْوُسْطَى الصُّبْحَ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ يَقُولُ مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ» وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى يَوْمَئِذٍ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ ﵁ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ وَإِنَّمَا بَلَغَهُ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ فَرَجَعَ عَنْ رِوَايَتِهِ فِي ذَلِكَ لَمَّا سَمِعَ حَدِيثَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ أَوْ يَكُونَ أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ حَتَّى سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا سَمِعَهُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ أَوْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْهُ مَا سَمِعَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ فَلَمْ يَتَأَوَّلْهُ وَلَا حَقَّقَ النَّظَرَ فِيهِ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ فَرَجَعَ إلَيْهِ. (فَصْلٌ) : قَالَ مَالِكٌ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ اخْتِيَارَ مَالِكٍ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهَا صَلَاةُ الصُّبْحِ وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّرْجِيحِ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَلَى سَائِرِ الْأَقْوَالِ عَلَى احْتِمَالِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [الرُّخْصَةُ فِي الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ] (ش) : قَوْلُهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ لِبَاسُهُ فِي صَلَاتِهِ تِلْكَ ثَوْبًا وَاحِدًا وَإِنَّمَا عَنَى بِنَقْلِ ذَلِكَ لِأَنَّ اللِّبَاسَ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي بَابَيْنِ: أَحَدِهِمَا: فِي مِقْدَارِ الْمَلْبُوسِ. وَالْآخَرِ: فِي صِفَةِ الْمَلْبُوسِ وَاللِّبَاسِ. (بَابٌ) فَأَمَّا الْمَلْبُوسُ فَإِنَّ لَهُ مِقْدَارَيْنِ مِقْدَارَ الْفَرْضِ وَمِقْدَارَ الْفَضْلِ فَأَمَّا الْفَرْضُ لِلرِّجَالِ فَهُوَ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ فَرْضٌ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ هُوَ فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ إنَّهُ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ بُكَيْر وَالشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَنَّنَا إذَا قُلْنَا إنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ بِعَدَمِ ذَلِكَ وَإِذَا قُلْنَا لَيْسَتْ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ أَثِمَ التَّارِكُ وَلَمْ تَبْطُلْ. وَجْهُ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالنِّيَّةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْطِهَا سَتْرُ الْعَوْرَةِ كَالطَّوَافِ فَإِنْ سَلَّمُوا وَإِلَّا دَلَلْنَا عَلَيْهِمْ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَعَثَهُ فِي مُؤَذِّنِينَ يُنَادِي بِمِنًى أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ لَاخْتَصَّ بِهَا وَلَمَّا كَانَ مَشْرُوعًا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فُرُوضِهَا فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا يَبْطُلُ بِالْإِيمَانِ فَإِنَّهُ فَرْضٌ فِي الْجُمْلَةِ ثُمَّ هُوَ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَوْرَةَ الَّتِي يَجِبُ سَتْرُهَا هِيَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ هَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ الْعَوْرَةُ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ وَالْفَخْذَانِ وَيُرْوَى عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ الْعَوْرَةُ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ خَاصَّةً وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ الْحَدِيثُ الَّذِي

стр. 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] يَأْتِي بَعْدَ هَذَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِجَرْهَدٍ غَطِّ فَخْذَك فَإِنَّ الْفَخْذَ عَوْرَةٌ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا مَوْضِعٌ يَسْتُرُهُ الْمِئْزَرُ غَالِبًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَوْرَةِ كَالْقُبُلِ وَالدُّبُرِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ الْعَوْرَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُغَلَّظَةٌ وَمُخَفَّفَةٌ فَالْمُغَلَّظَةُ هِيَ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ وَالْمُخَفَّفَةُ سَائِرُ مَا ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ مِنْ الْعَوْرَةِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ لَيْسَ بِبَعِيدٍ عِنْدِي هَذَا الْقَوْلُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ مَا يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ قَالَ مَنْ صَلَّى وَفَخِذُهُ مَكْشُوفَةٌ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَدْ يَسْقُطُ فَرْضُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ مَعَ عَدَمِ مَا تُسْتَرُ بِهِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ صَلَّى قَائِمًا وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُصَلِّي جَالِسًا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ فَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ أَرْكَانِهَا بِالْعَجْزِ عَنْهُ كَالْوُضُوءِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مِقْدَارُ الْفَضِيلَةِ لِلرِّجَالِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى كَتِفَيْهِ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُمَا وَيُكْرَهُ أَنْ لَا يُلْقِي عَلَى كَتِفَيْهِ مِنْ ثَوْبِهِ شَيْئًا إذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا عَنْ الْوَقَارِ الْمَشْرُوعِ فِي الصَّلَاةِ. [بَابٌ صِفَةُ الْمَلْبُوسِ وَاللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ] ١ بَابٌ وَأَمَّا صِفَةُ الْمَلْبُوسِ وَاللِّبَاسِ فَإِنَّ الْمَلْبُوسَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ثَوْبًا وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ ثَوْبًا وَاحِدًا فَإِنَّ مِنْ صِفَتِهِ الْجَامِعَةِ لِأَنْوَاعِهِ أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ الْعَوْرَةِ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ الصَّفَاقَةِ وَالْمَتَانَةِ بِحَيْثُ لَا يَصِفُ وَلَا يَشِفُّ فَإِنْ كَانَ خَفِيفًا يَشِفُّ أَوْ رَقِيقًا يَصِفُ فَقَدْ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ وَمَنْ صَلَّى فِيهِ أَعَادَ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِسَاتِرِ الْعَوْرَةِ وَسَتْرُهَا هُوَ الْمَشْرُوعُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ صَلَّى وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ وَرِدَاءٌ أَوْ رِدَاءٌ وَإِزَارٌ فَقَدْ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَطْرَحَ الرِّدَاءَ عَنْ مَنْكِبَيْهِ لِلْحَرِّ فِي الْفَرِيضَةِ وَخَفَّفَ فِي النَّافِلَةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُرَاعَى فِي الْمَكْتُوبَةِ مَا لَا يُرَاعَى فِي النَّافِلَةِ لِأَنَّهَا أَهَمُّ وَالْحِرْصُ عَلَى إتْمَامِهَا آكَدُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَلْبَسَ الْمُصَلِّي ثِيَابَهُ عَلَى أَفْضَلِ هَيْئَاتِهَا مِنْ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ لِأَنَّ السَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ خَالَفَ هَذِهِ الصِّفَةَ بِأَنْ يُشَمِّرَ كُمَّهُ أَوْ يَشُدَّ ثِيَابَهُ بِحِزَامٍ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِشُغْلٍ هُوَ فِيهِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُزِيلَ ذَلِكَ عَنْهُ وَيُصَلِّيَ الصَّلَاةَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ فَإِنْ صَلَّى عَلَى حَالِ التَّشْمِيرِ أَجْزَأَهُ وَلَمْ يَخْرُجْ وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِصَلَاتِهِ فَقَدْ أَسَاءَ وَخَالَفَ السُّنَّةَ لِأَنَّهُ قَصَدَ الصَّلَاةَ بِمَا يُخَالِفُهَا وَتَهَيَّأَ لَهَا بِمَا يُضَادُّ هَيْئَاتِهَا إلَّا أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مُشْتَمِلًا بِهِ قَالَ الْأَخْفَشُ الِاشْتِمَالُ أَنْ يَلْتَحِفَ مِنْ رَأْسِهِ إلَى قَدَمَيْهِ وَالتَّوَشُّحُ أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ مِنْ تَحْتِ يَمِينِهِ فَيَرُدَّهُ عَلَى مَنْكِبِهِ مِنْ يَمِينِهِ وَهَذَا الَّذِي قَالَ الْأَخْفَشُ لَيْسَ هَذَا هُوَ الِاشْتِمَالُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا هُوَ نَوْعٌ مِنْ الِاشْتِمَالِ وَالِاشْتِمَالُ عَلَى أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: التَّوَشُّحُ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ الْمُبَاحُ فِي الصَّلَاةِ. وَالثَّانِي: اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ وَهُوَ الَّذِي «أَنْكَرَهُ ﷺ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ حِينَ قَالَ لَهُ مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ» وَقَدْ وَرَدَ الْمَنْعُ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ أَنْ يَشْتَمِلَ فِي الثَّوْبِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَتَكُونَ يَدَاهُ تَحْتَ الثَّوْبِ فَهَذَا مُنِعَ فِي الصَّلَاةِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إزَارٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يُبَاشِرَ الْأَرْضَ بِيَدِهِ لِلسُّجُودِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ أَوْ يُخْرِجَ يَدَيْهِ لِذَلِكَ فَتَبْدُوَ عَوْرَتُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ إزَارُ غَيْرِ الثَّوْبِ الَّذِي يَشْتَمِلُ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَأْمَنُ حِينَئِذٍ مِنْ كَشْفِ عَوْرَتِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا الْكَرَاهِيَةُ وَبِهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَوَجْهُ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ مِنْ الِاشْتِمَالِ هُوَ الِاضْطِبَاعُ قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ أَنْ يَرْتَدِيَ وَيُخْرِجَ ثَوْبَهُ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ الْيُمْنَى فَيَرُدَّهُ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى

стр. 248

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ» ) ــ [المنتقى] وَيَأْتِيَ بِالثَّوْبِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ فَوْقَ يَدِهِ الْيُسْرَى فَهُوَ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ الِاضْطِبَاعُ مِنْ نَاحِيَةِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إخْرَاجُ يَدِهِ الْيُسْرَى لِسُجُودٍ وَلَا لِغَيْرِهِ إلَّا لَحِقَهُ فِيهِ مَا يَلْحَقُهُ فِي اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ يُرِيدُ أَنَّهُ أَخَذَ طَرْفَ ثَوْبِهِ تَحْتَ يَدِهِ الْيُمْنَى فَوَضَعَهُ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى وَأَخَذَ الطَّرْفَ الْآخَرَ تَحْتَ يَدِهِ الْيُسْرَى فَوَضَعَهُ عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الِاشْتِمَالِ يُسَمَّى التَّوَشُّحَ وَيُسَمَّى الِاضْطِبَاعَ وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ إخْرَاجُ يَدَيْهِ لِلسُّجُودِ وَغَيْرِهِ دُونَ كَشْفِ عَوْرَتِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ» ) . ش قَوْلُهُ ﷺ أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ مَعَ سُؤَالِ السَّائِلِ إبَاحَةٌ لِلصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ سُمِعَ إلَى نَفْيِ الْحَرَجِ اللَّاحِقِ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ إذْ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ وَلَيْسَ فِي عُدْمِ الرَّجُلِ الثَّوْبَيْنِ يَلْبَسُهُمَا فِي صَلَاتِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ إذَا وَجَدَهُمَا كَمَا أَنَّ عُدْمَهُ لِلثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَا يَدُلُّ عَلَى إجْزَاءِ صَلَاتِهِ عُرْيَانًا مَعَ وُجُودِهِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ قَوْلُهُ أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ عَلَى اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الثَّوْبَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَالَ أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ فَأَشَارَ إلَى أَنَّ عَدَمَ أَكْثَرَ مِنْ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ أَمْرٌ شَائِعٌ كَثِيرٌ وَالضَّرُورَةُ إذَا كَانَتْ شَائِعَةً كَثِيرَةً كَانَتْ الرُّخْصَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهَا عَامَّةً يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِ السَّفَرِ التَّعَبَ وَالْمَشَقَّةَ كَانَتْ رُخْصَةُ الْفِطْرِ فِيهِ عَامَّةً وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ فِي سَفَرِهِ وَلَمَّا كَانَتْ فِي الْحَضَرِ نَادِرَةً لَمْ تُدْرِكْ الرُّخْصَةُ فِيهَا مَنْ يُدْرِكُهُ التَّعَبُ وَلَا أَحَدَ يَسْلَمُ مِنْهُ فَلَمَّا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِ النَّاسِ فِي وَقْتِ مُخَاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَدَمَ مَا زَادَ عَلَى الثَّوْبِ كَانَتْ الرُّخْصَةُ عَامَّةً فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ بِهِ لِلْوَاجِدِ وَالْعَادِمِ وَلَمَّا كَانَ عَدَمُ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ نَادِرًا لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ دُونَهُ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا فَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى إجْزَاءِ الصَّلَاةِ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَهَذَا الَّذِي أَبَاحَهُ ﷺ هُوَ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ وَالثَّوْبَانِ أَفْضَلُ لِمَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ صَلَّى فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ فِي إزَارٍ وَقَمِيصٍ فِي إزَارٍ وَقَبَاءٍ فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ السَّائِلَ لَمَّا سَأَلَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَكَانَ مَعْنَاهُ السُّؤَالَ عَنْ إجْزَاءِ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ ﷺ بِأَنَّ غَالِبَ حَالِ النَّاسِ عَدَمُ مَا زَادَ عَلَيْهِ وَأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَقِرٌّ فِي عِلْمِهِ كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْ ذَلِكَ إبَاحَةَ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ هَلْ يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ هَلْ تَفْعَلُ أَنْتَ ذَلِكَ فَقَالَ نَعَمْ إنِّي لَأُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَإِنَّ ثِيَابِي لَعَلَى الْمِشْجَبِ) . (ش) : قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ إنِّي لَأُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَإِنَّ ثِيَابِي لَعَلَى الْمِشْجَبِ مَعَ رِوَايَتِهِ عَنْ عُمَرَ إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا اقْتِصَارٌ مِنْهُ عَلَى الْجَائِزِ دُونَ الْأَفْضَلِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَفْعَلُ ذَلِكَ يُبَيِّنُ جَوَازَهُ فَيُقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ مِمَّنْ لَا يَجِدُ ثَوْبَيْنِ فَأَرَادَ أَنْ يُطَيِّبَ نَفْسَهُ وَيُعْلِمَهُ بِصِحَّةِ إبَاحَتِهِ وَأَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الثَّوْبَيْنِ فَكَيْفَ مَنْ لَا يَجِدُ إلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا وَأَخْبَرَهُ عَنْ فِعْلِهِ فِي النَّادِرِ دُونَ الْأَغْلَبِ وَأَخْبَرَهُ عَمَّا يَفْعَلُهُ فِي مَنْزِلِهِ دُونَ الْمَسَاجِدِ

стр. 249

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ) . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنَّ ثِيَابِي لَعَلَى الْمِشْجَبِ إخْبَارٌ عَنْ قُرْبِ تَنَاوُلِهَا وَتَمَكُّنِهِ مِنْ لُبْسِهَا وَالْمِشْجَبُ عُودٌ تُنْشَرُ عَلَيْهِ الثِّيَابُ قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ) . (ش) : هَذَا الَّذِي بَلَغَ مَالِكًا مِنْ فِعْلِ جَابِرٍ يَحْتَمِلُ مِنْ الْوُجُوهِ مَا ذَكَرْتُهُ فِي فِعْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَيَحْتَمِلُ مَعَ ذَلِكَ عَدَمَ الثَّوْبِ الثَّانِي غَيْرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ مُلْتَحِفًا بِهِ وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ تُصَلِّي فَبَيْنُ مَوْضُوعٌ قَالَ نَعَمْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَ الْجُهَّالَ أَمْثَالَكُمْ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي كَذَا» فَقَدْ نَصَّ جَابِرٌ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ إعْلَامَ جَوَازِهِ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي كَذَا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ لِيُبَيِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَوَازَهُ فَاعْتَقَدَ جَابِرٌ فِعْلَ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَابِرٌ فَعَلَ ذَلِكَ لَمَّا صَلَّى وَحْدَهُ فِي مَنْزِلِهِ وَأَنَّهُ اعْتَقَدَ فِي فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ وَفِي الْمَبْسُوطِ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يَلْبَسَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ الْوَاحِدَ فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ فَكَيْفَ بِالْمَسْجِدِ وَهُوَ مَوْضِعُ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَمَوْضِعُ تَجَمُّلٍ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] . وَقَالَ السُّدِّيَّ الزِّينَةُ مَا يُوَارِي الْعَوْرَةَ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ الزِّينَةَ مَا يُتَجَمَّلُ بِهِ مِنْ الثِّيَابِ وَهُوَ الرِّدَاءُ وَمَا أَشْبَهَهُ وَلِذَلِكَ خَصَّ ذَلِكَ بِالْمَسَاجِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ص (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةِ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ كَانَ يُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ) . (ش) : وَهُوَ يَقْتَضِي مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا فِي فِعْلِ جَابِرٍ إلَّا أَنَّهُ أَتَمُّ فِي اللِّبَاسِ لِأَنَّ الْقَمِيصَ أَتَمُّ ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُصَلِّي فِيهِ الرَّجُلُ وَآمَنُ مِنْ التَّكَشُّفِ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبَيْنِ فَلْيُصَلِّ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُلْتَحِفًا بِهِ فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ قَصِيرًا فَلْيَتَّزِرْ بِهِ» ) . (ش) : قَوْلُهُ ﷺ مَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبَيْنِ فَلْيُصَلِّ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ أَمْرٌ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبَيْنِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ فِيهِ حُكْمُ مَنْ وَجَدَ ثَوْبَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ جَوَازُ الصَّلَاةِ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ لِمَنْ وَجَدَ ثَوْبَيْنِ وَيَحْتَمِلُ لِمَنْ قَالَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مَنْ وَجَدَ ثَوْبَيْنِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الصَّلَاةَ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ أَفْضَلُ فَيَتَعَلَّقُ الْمَنْعُ الْمَفْهُومُ مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ بِالتَّفْضِيلِ دُونَ التَّحْرِيمِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مُلْتَحِفًا بِهِ قَالَ الْبُخَارِيُّ قَالَ الزُّهْرِيُّ الْمُلْتَحِفُ الْمُتَوَشِّحُ وَهُوَ الْمُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ وَهُوَ الِاشْتِمَالُ عَلَى عَاتِقَيْهِ فَجَعَلَ الِالْتِحَافَ هُوَ التَّوَشُّحُ وَالْمَشْهُورُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّ الِالْتِحَافَ هُوَ الِالْتِفَافُ فِي الثَّوْبِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ التَّوَشُّحُ وَالِاشْتِمَالُ وَقَدْ خَصَّ مِنْهُ اشْتِمَالَ الصَّمَّاءِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ قَصِيرًا فَلْيَتَّزِرْ بِهِ يَعْنِي إنْ قَصُرَ عَنْ سَتْرِ جَسَدِهِ فَلْيَسْتُرْ بِهِ عَوْرَتَهُ لِأَنَّ سَتْرَهَا آكَدُ مِنْ سَتْرِ سَائِرِ جَسَدِهِ لِأَنَّ سَتْرَ جَسَدِهِ سُنَّةٌ وَفَضِيلَةٌ وَسَتْرُ عَوْرَتِهِ فَرِيضَةٌ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالِالْتِحَافِ بِالثَّوْبِ الْكَامِلِ لِيَجْمَعَ فِي اللِّبَاسِ بَيْنَ الْفَضْلِ وَالْفَرْضِ فَإِذَا قَصَرَ الثَّوْبُ عَنْ ذَلِكَ أَمَرَهُ بِالِاتِّزَارِ بِهِ لِأَنَّهُ الْفَرْضُ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْعَلَ الَّذِي يُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ عَلَى عَاتِقَيْهِ ثَوْبًا أَوْ عِمَامَةً) . (ش) : وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ عُمَرَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى نَفْسِهِ وَيُحْسِنُ زِيَّهُ فِي الصَّلَاةِ مَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الرِّدَاءَ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ سُنَّةَ الصَّلَاةِ الْوَقَارُ وَالرِّدَاءُ مِنْ زِيِّ الْوَقَارِ فَاسْتُحِبَّ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ.

стр. 250

الرُّخْصَةُ فِي صَلَاةِ الْمَرْأَةِ فِي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تُصَلِّي فِي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُنْقِذٍ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ ــ [المنتقى] [الرُّخْصَةُ فِي صَلَاةِ الْمَرْأَةِ فِي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ] (ش) : قَوْلُهُ كَانَتْ تُصَلِّي فِي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ تَقْتَصِرُ عَلَيْهِمَا وَالنِّسَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ فَأَمَّا الْحُرَّةُ فَجَسَدُهَا كُلُّهُ عَوْرَةٌ غَيْرَ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهَا أَنْ تَسْتُرَ جَمِيعَ جَسَدِهَا وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قَالُوا إنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهَا الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا عُضْوٌ يَجِبُ كَشْفُهُ بِالْإِحْرَامِ فَلَمْ يَكُنْ عَوْرَةً كَوَجْهِ الرَّجُلِ وَسَائِرِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَسَدِ الْحُرَّةِ يَجْرِي مَجْرَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ فِي وُجُوبِ سَتْرِهِ فِي الصَّلَاةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ فَالدِّرْعُ الَّذِي يَسْتُرُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا وَالْخِمَارُ الَّذِي تَتَقَنَّعُ بِهِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الثَّوْبِ مِئْزَرٌ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ أَجْزَأَهَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فَإِنْ صَلَّتْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُلْتَحِفَةً بِهِ وَسَتَرَ مِنْهَا مَا يَجِبُ سَتْرُهُ وَلَمْ تَشْتَغِلْ بِإِمْسَاكِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ اشْتَغَلَتْ بِذَلِكَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا الْأَمَةُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ يَسْتُرُ الْأَمَةَ فِي الصَّلَاةِ مَا يَسْتُرُ الرَّجُلَ وَعَوْرَتُهَا مِنْ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَسْتُرُ الْمَرْأَةُ فِي الصَّلَاةِ جَمِيعَ جَسَدِهَا. وَجْهُ قَوْلِ أَصَبْغَ أَنَّ مَا لَا يَكُونُ مِنْهَا عَوْرَةً خَارِجَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْهَا عَوْرَةً فِي الصَّلَاةِ كَالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا امْرَأَةٌ فَكَانَتْ مَأْمُورَةً بِتَغْطِيَةِ جَمِيعِ جَسَدِهَا فِي الصَّلَاةِ كَالْحُرَّةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّجُلِ أَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِتَغْطِيَةِ جَسَدِهَا إذَا بَرَزَتْ لِأَنَّ النَّظَرَ فِيهِ يَفْتِنُ بِخِلَافِ الرَّجُلِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ تَخْتَمِرُ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ وَتُجْزِئُهَا. وَقَالَ سَحْنُونَ تَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَكَذَلِكَ الْعُرْيَانُ يَجِدُ الثَّوْبَ فِي الصَّلَاةِ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَإِذَا عُدِمَ حِينَ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُهَا وُجُودُهُ كَالْوُضُوءِ بِالْمَاءِ. وَوَجْهُ مَا قَالَهُ سَحْنُونَ أَنَّ الصَّلَاةَ غَيْرُ مُسْقِطَةٍ فَإِذَا لَزِمَ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ فِي بَعْضِهَا لَزِمَ فِي جَمِيعِهَا وَلَمَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهَا تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ وَإِنَّ تَرْكَ ذَلِكَ يُبْطِلُ صَلَاتَهَا فَكَذَلِكَ يُبْطِلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَتَمَادِيهَا عَلَى صَلَاتِهَا فَلَمْ تَفْعَلْ جَهْلًا أَوْ لَمْ يُمْكِنْهَا مَنْ يُنَاوِلُهَا خِمَارَهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تُعِيدُ مَا دَامَتْ فِي الْوَقْتِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ تَجِدْ مَنْ يُنَاوِلُهَا الْخِمَارَ وَلَا وَصَلَتْ إلَيْهِ لَمْ تُعِدْ وَإِنْ قَدَرَتْ عَلَى أَخْذِهِ فَلَمْ تَأْخُذْهُ أَعَادَتْ فِي الْوَقْتِ وَكَذَلِكَ الْعُرْيَانُ. وَقَالَ أَصَبْغُ لَا تُعِيدُ فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ وَإِنْ تَرَكَتْ ذَلِكَ عَمْدًا. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَمَّا اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهَا اُسْتُحِبَّ لَهَا الْإِتْيَانُ بِهَا فِي الْوَقْتِ عَلَى وَجْهٍ مُجْمَعٍ عَلَى صِحَّتِهَا. وَوَجْهُ مَا قَالَهُ أَصَبْغُ أَنَّهَا دَخَلَتْ فِي الصَّلَاةِ بِمَا يَجُوزُ لَهَا فَلَا يُخْرِجُهَا عَنْهَا وُجُودُ مَا عَدِمَتْهُ قَبْلَهَا كَالْمُتَيَمِّمِ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ يَجِدُ الْمَاءَ. (فَصْلٌ) : فَأَمَّا الدِّرْعُ فَهُوَ الْقَمِيصُ وَالْخِمَارُ مَا تَخْتَمِرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَا خَصِيفَيْنِ يَسْتُرَانِ مَا تَحْتَهُمَا فَإِنْ كَانَا خَفِيفَيْنِ يَصِفَانِ مَا تَحْتَهُمَا لَمْ يُجْزِئْ لِأَنَّ السَّتْرَ لَمْ يَقَعْ بِهِمَا وَيُكْرَهُ الرَّقِيقُ الصَّفِيقُ مِنْ الثِّيَابِ لِأَنَّهُ يَلْصَقُ بِالْجَسَدِ فَيَبْدُو حَجْمُ مَا تَحْتَهُ وَفِيهِ بَعْضُ الْوَصْفِ لِمَا تَحْتَهُ. (فَصْلٌ) : وَمِنْ صِفَةِ الْقَمِيصِ أَنْ يَكُونَ سَابِغًا يَسْتُرُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا وَيَسْتُرُ الْخِمَارُ عُنُقَهَا وَقُصَّتَهَا وَدَلَّالَيْهَا وَلَا يُظْهِرُ مِنْهَا غَيْرَ دُورِ وَجْهِهَا وَذَلِكَ أَقَلُّ الْمُجْزِئِ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الْقِيَاسِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ مِئْزَرٌ لِأَنَّهُ أَبْلُغُ فِي السَّتْرِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُنْقِذٍ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ مَاذَا تُصَلِّي فِيهِ الْمَرْأَةُ مِنْ الثِّيَابِ فَقَالَتْ تُصَلِّي فِي الْخِمَارِ وَالدِّرْعِ السَّابِغِ إذَا غَيَّبَ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا) .
следующие страницы →