Полный текст (2 236 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يَقْتَضِيَهَا مُسْتَحَقُّهَا وَإِلَّا لَمْ يَثْبُتْ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ حُكْمًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَأَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ» يُرِيدُ بِالْمَدِينَةِ وَقَوْمُهُ بَنُو حَارِثَةَ مِنْ الْأَنْصَارِ فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ يُرِيدُ شَأْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَمَا جَرَى عَلَيْهِ وَمَا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ فَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَهُمَا مِنْ بَنِي حَارِثَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ أَيْضًا قَالَ «وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ» يُرِيدُ أَنَّ حُوَيِّصَةَ أَكْبَرُ مِنْ مُحَيِّصَةُ فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ يَتَكَلَّمُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ هُوَ الَّذِي شَهِدَ بِخَيْبَرَ إذْ جَرَى مِنْ أَمْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ مَا جَرَى وَعَنْهُ يُؤْثِرُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ فِي أَمْرِهِ فَلِذَلِكَ أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَبِّرْ كَبِّرْ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يَتَوَلَّى الْكَلَامَ مَعَهُ ﷺ أَسَنُّهُمْ إمَّا لِفَضِيلَةٍ بِالسِّنِّ مَعَ تَسَاوِيهِمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ لِفَضِيلَةٍ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مَعَ السِّنِّ إلَّا أَنَّ الْفَضَائِلَ غَيْرُ السِّنِّ أَمْرٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ وَلَا ظَاهِرٌ وَيُمْكِنُ بِالتَّدَاعِي فِيهِ وَفَضْلُهُ فِي السِّنِّ لَا يُنْكَرُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ بِجُمْلَةِ الْأَمْرِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ بِتَفَاصِيلِهِ لِمَا شَهِدَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُوَيِّصَةُ تَكَلَّمَ بِمُعْظَمِهِ وَأَنَّ مُحَيِّصَةُ أَكْمَلَ مَا نَسِيَ مِنْهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ أَخْبَرَ بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَهُ مُحَيِّصَةُ فَاسْتَوْفَاهُ.
١ -
(فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إمَّا أَنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ أَنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ إعْطَاءَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَرَى فِي كَلَامِ الْحَارِثِيَّيْنِ أَنَّهُمْ طَلَبُوا الدِّيَةَ دُونَ الْقِصَاصِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا ادَّعُوا حِينَئِذٍ قَتْلَهُ عَمْدًا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يُعَيِّنُوا الْقَاتِلَ وَإِنَّمَا قَالُوا أَنَّ بَعْضَ يَهُودَ قَتَلَهُ وَلَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ لَمْ يَلْزَمْ فِي ذَلِكَ قِصَاصٌ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ فِيهِ الدِّيَةُ كَالْقَتِيلِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ لَا يُعْرَفُ مَنْ قَتَلَهُ وَلَا يَقُولُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ وَلَا يَشْهَدُ شَاهِدٌ بِمَنْ قَتَلَهُ فَإِنَّ دِيَتَهُ عَلَى الْفِرْقَةِ الْمُنَازِعَةِ لَهُ دُونَ قَسَامَةٍ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِالْقَسَامَةِ فِي هَذَا الْمُقَامِ وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ يَكُونُ الْحُكْمُ إنْ لَمْ يَقْطَعْ يَهُودُ بِأَنَّهَا لَمْ تَقْتُلْ وَلَمْ تَنْفِ ذَلِكَ عَنْ أَنْفُسِهَا وَتَقُولُ لَا عِلْمَ لَنَا وَإِنَّمَا أَظْهَرَ فِي الْمُقَامِ مَا يَجِبُ مِنْ الْحَقِّ إنْ لَمْ يَقَعْ النَّفْيُ لِلْقَتْلِ الْمُوجِبِ لِلْقَسَامَةِ أَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا الدِّيَةَ فَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ مُحَارَبَتِهِمْ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُؤَدُّوا الْحَقَّ وَيَلْتَزِمُوا مِنْ ذَلِكَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَكَتَبَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي إعْلَامِهِمْ بِمَا فَعَلَهُ مُحَيِّصَةُ فِي شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَبِحُكْمِهِ فِي ذَلِكَ فَكَتَبُوا إنَّا وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَهُمْ الْقَتْلَ عَنْ جَمِيعِهِمْ وَقَطْعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ يَدَّعِي الْقَتْلَ عَلَى جَمِيعِهِمْ وَإِنَّمَا ادَّعَى الْقَتْلَ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَتَحْلِفُونَ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ عَصَبَتُهُ الْقَائِمُونَ بِدَمِهِ فَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَخُوهُ وَهُوَ أَحَقُّ بِأَمْرِهِ إلَّا أَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ إذَا كَانَ وَاحِدًا نُظِرَ مَنْ يَحْلِفُ مَعَهُ مِنْ عَصَبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْلِفُ فِي دَمِ الْعَبْدِ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ لِجَمَاعَةٍ تَحْلِفُونَ وَلَا خِلَافَ أَنَّ أَخَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ وَلِيُّ الدَّمِ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ أَيْمَانَ الْأَوْلِيَاءِ أُقِيمَتْ مَعَ اللَّوْثِ مُقَامَ الْبَيِّنَةِ فَكَمَا لَمْ يَكْفِ مِنْ الْبَيِّنَةِ فِي الدِّمَاءِ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ فَكَذَلِكَ لَا يَكْفِي مِنْ الْحَالِفِينَ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَأَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدِي مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْقَسَامَةَ لَمَّا كَانَتْ تَتَنَاوَلُ الدَّمَ فِي الْجِهَتَيْنِ احْتَاجَ أَنْ يُحْتَاطَ لِلدِّمَاءِ فِي الْجِهَتَيْنِ فَاحْتِيطَ مِنْ جِهَةِ الْقَتِيلِ إنْ قَبِلَ فِي ذَلِكَ مَالًا يُقْبَلُ فِي الْأَمْوَالِ مِنْ اللَّوْثِ عِنْدَ مَالِكٍ قَوْلُ
стр. 1962
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْمَقْتُولِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ وَعِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنْ يُوجَدَ الْقَاتِلُ بِقُرْبِ الْمَقْتُولِ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَجَّهَ ذَلِكَ إلَيْهِ غَيْرُهُ فَاحْتِيطَ لِدَمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِأَنْ يَحْلِفَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ وَإِنْ يَحْلِفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا احْتِيَاطًا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ لِئَلَّا يُسْرِعَ إلَى قَتْلِ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوْلِيَاءِ عَدَاوَةٌ فَفِي الْأَغْلَبِ أَنَّ الِاثْنَيْنِ لَا يَتَّفِقَانِ عَلَى ذَلِكَ فِي الظُّلْمِ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَدًّا لِمَنْ يُخَافُ مِنْهُ الزَّلَلُ فَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَجَعَلَ الْأَيْمَانَ تُكَرَّرُ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ فِيمَا يُرَادُ التَّحَرُّزُ لَهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَجُعِلَتْ الْأَيْمَانُ فِي اللِّعَانِ أَرْبَعَةً وَاللَّفْظُ الْخَامِسُ عَلَى مَعْنَى التَّحْقِيقِ وَالتَّغْلِيظِ وَهَذِهِ الْأَيْمَانُ هِيَ أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ.
وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى صِحَّةِ الْحُكْمِ بِهَا فِي الدِّمَاءِ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ قَوْمٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ مِمَّنْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ فِي ذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِي صِحَّةِ الْقَسَامَةِ هَذَا الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ «وَأَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَارِثِيَّيْنِ بِالْأَيْمَانِ فَقَالَ لَهُمْ تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ يَحْتَمِلُ إنْ أَثْبَتُّمْ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ فَلَمَّا قَالُوا لَا نَحْلِفُ كَانَ نُكُولًا وَلَمَّا قَالُوا لَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَحْضُرْ كَانَ إظْهَارًا لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ وَقَوْلُهُ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مِمَّا يَجِبُ لَهُمْ فِي دَمِ صَاحِبِهِمْ الْمَقْتُولِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ دَمَ صَاحِبِكُمْ الَّذِي تَدَّعُونَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ، أَوْ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِأَيْمَانِكُمْ وَفِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ، فَأَظْهَرُ احْتِمَالِ الْوَجْهَيْنِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالصَّاحِبِ الْقَتِيلَ فَيَكُونَ ذَلِكَ عَلَى الشَّكِّ فِي اللَّفْظِ فَإِذَا قُلْنَا الْمُرَادُ بِهِ دَمُ الْقَاتِلِ وَإِنَّمَا ادَّعَوْا عَلَى جَمَاعَةِ يَهُودَ بِقَوْلِ مُحَيِّصَةُ أَنْتُمْ وَاَللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلًا لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ قَاتِلُهُ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ قَتْلُهُ عِنْدَهُ بِوَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْيَهُودِ، ثُمَّ يُعَيَّنُ لَهُ الْقَاتِلُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ قَاتِلٌ غَيْرَ أَنَّهُ حَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِالْقَسَامَةِ دَمَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِالْقَسَامَةِ مِثْلَ الْقَاتِلِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ لَا يَسْتَحِقُّ بِالْقَسَامَةِ الْقِصَاصَ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الدِّيَةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ ﷺ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ، فَنَصَّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ هُوَ الدَّمُ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ أَظْهَرُ فِي الْقِصَاصِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ حُجَّةٌ يَثْبُتُ بِهَا الْقَتْلُ عَمْدًا فَجَازَ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهَا الدَّمَ كَالشُّهُودِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ بِالْقَسَامَةِ إلَّا قَتْلُ رَجُلٍ وَاحِدٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْقَسَامَةَ أَضْعَفُ مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ وَفِي قَتْلِ الْوَاحِدِ رَدْعٌ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا لَا يُقْتَلُ إلَّا وَاحِدٌ فَهَلْ يُقْسَمُ عَلَى وَاحِدٍ أَوْ عَلَى جَمَاعَةٍ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُقْسِمُ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ سَوَاءٌ ثَبَتَتْ الْقَسَامَةُ بِدَعْوَى الْمَيِّتِ أَوْ بِلَوْثٍ أَوْ بَيِّنَةٍ عَلَى الْقَتْلِ أَوْ بَيِّنَةٍ عَلَى الضَّرْبِ ثُمَّ عَاشَ أَيَّامًا.
وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ شَاءُوا أَقْسَمُوا عَلَى وَاحِدٍ، أَوْ عَلَى اثْنَيْنِ، أَوْ عَلَى أَكْثَرَ، أَوْ عَلَى جَمِيعِهِمْ، ثُمَّ لَا يَقْتُلُونَ إلَّا وَاحِدًا مِمَّنْ أَدْخَلُوهُ فِي قَسَامَتِهِمْ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْقَسَامَةَ فَائِدَتُهَا الْقِصَاصُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ فَلَا مَعْنَى لِلْقَسَامَةِ عَلَى مَنْ لَا يَقْتُلُ وَلَا تُؤَثِّرُ الْقَسَامَةُ فِيهِ حُكْمًا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْقَسَامَةَ إنَّمَا هِيَ عَلَى قَدْرِ الدَّعْوَى مُحَقَّقَةٌ لَهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِهِ فَإِذَا وَجَبَ لَهُمْ الْقِصَاصُ بِالْقَسَامَةِ الْمُطَابِقَةِ لِدَعْوَاهُمْ كَانَ لَهُمْ حِينَئِذٍ تَعْيِينُ مَنْ يُقْتَصُّ مِنْهُ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ قَدْ تَنَاوَلَتْهُ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا إنَّهُ إنَّمَا يُقْسِمُ عَلَى وَاحِدٍ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ لَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ وَلَا يَقُولُونَ مِنْ ضَرْبِهِمْ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فَيُقْبَلُ ذَلِكَ وَيَحْلِفُ
стр. 1963
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَاَلَّذِي سَمِعْتُ مِمَّنْ أَرْضَى فِي الْقَسَامَةِ وَاَلَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَيْمَانِ الْمُدَّعُونَ فِي الْقَسَامَةِ فَيَحْلِفُونَ وَإِنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَجِبُ إلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَقُولَ الْمَقْتُولُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، أَوْ يَأْتِيَ وُلَاةُ الدَّمِ بِلَوْثٍ مِنْ بَيِّنَةٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَاطِعَةً عَلَى الَّذِي يُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّمُ فَهَذَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ لِمُدَّعِي الدَّمِ عَلَى مَنْ ادَّعَوْهُ عَلَيْهِ وَلَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ عِنْدَنَا إلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ قَالَ مَالِكٌ وَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا وَاَلَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ أَنَّ الْمُبْدِئِينَ بِالْقَسَامَةِ أَهْلُ الدَّمِ وَاَلَّذِينَ يَدَّعُونَهُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَارِثِيَّيْنِ فِي صَاحِبِهِمْ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ)
ــ
[المنتقى]
الْبَاقُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيُحْبَسُونَ عَامًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُمْ لَا بِمَعْنَى لَا نَحْلِفُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَنَزُّهًا عَنْ الْأَيْمَانِ مَعَ تَيَقُّنِهِمْ قَتْلَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعًا مِنْ الْأَيْمَانِ لَمَّا لَمْ يَعْلَمُوا وَلَا تَيَقَّنُوا مُقْتَضَاهَا وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَالَ لَهُمْ أَتَحْلِفُونَ قَالُوا لَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَحْضُرْ وَهَذَا ظَاهِرُ الِامْتِنَاعِ مِنْ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَقَعْ لَهُمْ الْعِلْمُ بِهِ فَأَقَرَّهُمْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ فَثَبَتَ بِذَلِكَ صِحَّةُ امْتِنَاعِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَيْمَانَ فِي الْقَسَامَةِ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتِّ دُونَ الْعِلْمِ وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يُنَالُ بِالْمُعَايَنَةِ وَالسَّمَاعِ كَمَا أَنَّ الصَّغِيرَ إذَا أَخْبَرَهُ شَاهِدَانِ بِتَرِكَةِ أَبِيهِ جَازَ لَهُ تَصْدِيقُهُمَا، ثُمَّ يَدَّعِي ذَلِكَ وَأَمَّا الْقَسَامَةُ فَقَدْ قَامَتْ السُّنَّةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ الْأَيْمَانَ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْضُرْ بِمَا ثَبَتَ مِنْ لَطْخِهِمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ أَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ رَدِّ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ حِينَ نُكُولِ الْمُدَّعِينَ وَهِيَ السُّنَّةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنْ يَبْدَأَ الْمُدَّعُونَ بِالْأَيْمَانِ فَإِنْ نَكَلُوا رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَبْدَأُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْأَيْمَانِ فَإِنْ أَقْسَمُوا بَرِئُوا وَإِنْ نَكَلُوا رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْحَارِثِيَّيْنِ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ قَالُوا لَا قَالَ فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فَلَنَا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَدَأَ الْمُدَّعِينَ بِالْأَيْمَانِ وَالثَّانِي أَنَّهُ نَقَلَهَا عِنْدَ نُكُولِهِمْ إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو قِلَابَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «بَدَأَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْأَيْمَانِ» وَهُوَ حَدِيثٌ مَقْطُوعٌ وَمَا رَوَاهُ مُسْنَدٌ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي إحْدَى الْجَنْبَتَيْنِ وَاللَّوْثُ وَهُوَ الشَّاهِدُ الْعَدْلُ قَدْ قَوَّى جِهَةَ الْمُدَّعِينَ فَثَبَتَتْ الْأَيْمَانُ فِي جَنْبَتِهِمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ عَلَى مَعْنَى إظْهَارِ عَدَاوَتِهِمْ وَاسْتِبَاحَتِهِمْ قَتْلَهُمْ وَرِضَاهُمْ بِالْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ لَا عَلَى مَعْنَى أَنَّ لَهُمْ غَيْرَ هَذَا مِنْ الْحُقُوقِ وَأَنَّ أَيْمَانَ الْكُفَّارِ لَا تُبْرِئُهُمْ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِمْ، أَوْ رُدَّتْ الْأَيْمَانُ فِيهِ عَلَيْهِمْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَقَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْيَهُودِ وَلَكِنَّهُ عَدَلَ ﷺ إلَى أَنْ تَفَضَّلَ عَلَى الْحَارِثِيَّيْنِ وَأَعْطَاهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ دِيَةَ قَتِيلِهِمْ حِينَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِي الْحُكْمِ شَيْءٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ سَهْلٍ لَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ عَلَى مَعْنَى إظْهَارِ تَبْيِينِهِ لِلْحَدِيثِ وَمُشَاهَدَتِهِ لِلْكَثِيرِ مِنْهُ وَذَلِكَ لِمَا جَرَى فِيهِ مِنْ الْأَحْوَالِ الَّتِي يُذْكَرُ بِهَا أَمْرُ الدِّيَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حُكْمٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ تَحْدِيدٌ لِلْأَيْمَانِ وَحَصْرُهَا بِعَدَدٍ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْقَسَامَةِ بِهِ.
(ش) : قَوْلُهُ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَاَلَّذِي سَمِعْت مِمَّنْ أَرْضَى فِي الْقَسَامَةِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَيْمَانِ الْمُدَّعُونَ وَيَسْتَحِقُّوا مَا يُوجِبُ أَيْمَانَهُمْ يُرِيدُ أَنَّ وُلَاةَ الدَّمِ إذَا أَتَوْا بِلَوْثٍ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ
стр. 1964
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
كَانَ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا وَيَسْتَحِقُّوا مَا يُوجِبُ أَيْمَانَهُمْ مِنْ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَلَيْسَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ أَنْ يَحْلِفُوا وَيَبْرَءُوا إلَّا أَنْ يَنْكُلَ وُلَاةُ الدَّمِ عَنْ الْأَيْمَانِ فَحِينَئِذٍ تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَالْقَسَامَةُ لَا تَجِبُ إلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَقُولَ الْمَقْتُولُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، أَوْ يَأْتِي وُلَاةُ الدَّمِ بِلَوْثٍ مِنْ بَيِّنَةٍ وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ تَجِبُ الْقَسَامَةُ بِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ الْمَذْكُورُ وَالثَّانِي أَنْ يَشْهَدَ الضَّرْبَ وَالْجُرْحَ شَاهِدَانِ مَرْضِيَّانِ ثُمَّ يُقِيمُ الْمَضْرُوبُ أَوْ الْمَجْرُوحُ بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامًا، ثُمَّ يَمُوتُ وَالثَّالِثُ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ مَرْضِيٌّ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا وَالرَّابِعُ أَنْ يَشْهَدَ اللَّوْثُ أَوْ أَهْلُ الْبَدْوِ عَلَى قَتِيلٍ فَيُقْسِمَ مَعَ قَوْلِهِمْ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مِنْ اللَّوْثِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الْقَسَامَةُ اللَّفِيفُ مِنْ السَّوَادِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ يَحْضُرُونَ ذَلِكَ وَمِثْلُ الرَّجُلَيْنِ أَوْ النَّفَرِ غَيْرِ الْعُدُولِ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِقَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ فِي الثَّلَاثَةِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْقَسَمِ الَّذِي قَالَ فِيهِ مَالِكٌ، أَوْ يَأْتِي بِلَوْثِ بَيِّنَةٍ وَقَدْ زَادَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قِسْمَا خَامِسًا وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْقَاتِلِ يُوجَدُ الْمَقْتُولُ بِقُرْبِهِ وَلَمْ يَرَوْهُ حِينَ قَتَلَهُ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي النَّوَادِرِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ قِسْمًا سَادِسًا فِي فِئَتَيْنِ اقْتَتَلَتَا فَوُجِدَ بَيْنَهُمَا قَتِيلٌ فِيهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ وُجُودَهُ بَيْنَهُمَا لَوْثٌ يُقْسِمُ مَعَهُ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى مَنْ يَدَّعُونَ عَلَيْهِ قَتْلَهُ فَيَقْتُلُونَهُ وَالْأُخْرَى لَا قَسَامَةَ فِيهِ، قَالَ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ لِحُصُولِهِ مَقْتُولًا بَيْنَهُمَا إنْ قَتَلَهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُمَا فَكَانَ ذَلِكَ لَوْثًا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ لِأَوْلِيَائِهِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ لَوْثٍ فِي مُشَارٍ إلَيْهِ مُعَيَّنٍ وَهَذَا أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ اللَّوْثَ إذَا تَعَلُّقٍ بِمُعَيَّنٍ أَثَّرَ فِي الْقَسَامَةِ وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمُعَيَّنٍ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِجَمَاعَةٍ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ لَا يُتَيَقَّنُ، أَوْ آحَادٌ غَيْرُ مُعَيَّنِينَ فَهَلْ يُؤَثِّرُ فِي الْقَسَامَةِ أَمْ لَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا قَوْلُ الْمَقْتُولِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ فَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْجُمْلَةِ لَوْثٌ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَدْ اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا فِي ذِكْرِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] الْآيَةَ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ وَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنْ شَأْنِ الْبَقَرَةِ الَّتِي ضُرِبَ الْقَتِيلُ بِلَحْمِهَا فَحَيِيَ فَأَخْبَرَهُ عَمَّنْ قَتَلَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ قَوْلِ الْمَيِّتِ فَإِنْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ آيَةٌ قِيلَ إنَّمَا الْآيَةُ فِي إحْيَائِهِ فَإِذَا صَارَ حَيًّا لَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ آيَةً وَقَدْ قَبِلَ قَوْلَهُ فِيهِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا إلَّا مَا ثَبَتَ نَسْخُهُ، وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا بِمَا رَوَى هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ فَجِيءَ بِهَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِهَا رَمَقٌ فَقَالَ أَقَتَلَكِ فُلَانٌ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا، ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ نَعَمْ» وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ فَزَادَ فِيهِ «فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَقَرَّ فَرَضَّ رَأْسَهُ بِالْحِجَارَةِ» وَاسْتَدَلُّوا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى بِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَنْ لَا يَتَزَوَّدُونَ مِنْ الدُّنْيَا قَتْلَ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ بَلْ يَسْعَى إلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالنَّدَمِ عَلَى التَّفْرِيطِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ وَلَا أَحَدَ أَبْغَضَ إلَى الْمَقْتُولِ مِنْ الْقَاتِلِ فَمُحَالٌ أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْ الدُّنْيَا سَفْكَ دَمٍ حَرَامٍ يَعْدِلُ إلَيْهِ وَيَحْقِنُ دَمَ قَاتِلِهِ وَهَذَا عُمْدَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ فِيهَا نَظَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا قُلْنَا إنَّ قَوْلَ الْمَقْتُولِ إنَّ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ قَتَلَنِي عَمْدًا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْقَسَامَةِ فَإِنَّهُ إنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ شَجَّهُ، أَوْ ضَرَبَهُ ضَرْبًا زَعَمَ أَنَّهُ يَخَافُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَقَدْ عُرِفَتْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ لَا يُحْبَسُ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِلَطْخٍ بَيِّنٍ وَشُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ أَوْ يَكُونَ الْمُدَّعَى بِحَالٍ يَخَافُ مِنْهَا الْمَوْتَ وَقَدْ يَحْرِصُ الرَّجُلُ عَلَى مَعَرَّةِ عَدُوِّهِ بِالسِّجْنِ بِأَنْ يَجْرَحَ نَفْسَهُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا مَاتَ وَقَدْ قَالَ فُلَانٌ قَتَلَنِي أَوْ جَرَحَنِي أَوْ ضَرَبَنِي فَفِي كِتَابِ
стр. 1965
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
ابْنِ الْمَوَّازِ فِيهِ الْقَسَامَةُ قَالَ أَشْهَبُ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، أَوْ فُلَانٌ أَصَابَنِي وَهَذَا إذَا ثَبَتَ قَوْلُ الْمَيِّتِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُقْسِمُ مَعَ شَهَادَتِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يُقْسِمُ إلَّا مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْقَسَامَةَ إنَّمَا تَكُونُ حَيْثُ يَكُونُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنَّ الْمَيِّتَ كَشَاهِدٍ فَلَا يَثْبُتُ قَوْلُهُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ فَيُقْسِمُ حِينَئِذٍ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ قَوْلَ الْمَقْتُولِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ مَعْنًى يُؤَثِّرُ فِي الْقَسَامَةِ فَثَبَتَ حُكْمُهُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ لِقَتْلِ الْقَتِيلِ.
(فَرْعٌ) وَيَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فُلَانٌ قَتَلَنِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرُ جُرْحٍ وَلَا ضَرْبٍ وَلَا وَصْفُ ضَرْبٍ وَلَا غَيْرُهُ وَيَجِبُ بِذَلِكَ الْقَسَامَةُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ سَقَانِي سُمًّا وَالسُّمُّ أَشَدُّ وَأَوْجَأَ قَتْلًا وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَبْلَغِ ذَلِكَ وَأَثْبَتُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِمَبْلَغِ الْجُرْحِ مِنْهُ فَيَكُونُ فِيهِ الْقَسَامَةُ وَلَا يُبَالِي تَقَيَّأَ مِنْهُ أَوْ لَمْ يَتَقَيَّأْ قَالَ وَقَدْ قَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْيَهُودِيَّةَ الَّتِي سَمَّتْ لَهُ الشَّاةَ فَمَاتَ مِنْهَا ابْنُ مَعْرُورٍ قَالَ مَالِكٌ وَيُقْتَلُ مَنْ سَقَى السُّمَّ.
وَقَالَ أَصْبَغُ فِيمَنْ قَرَّبَتْ إلَيْهِ امْرَأَتُهُ طَعَامًا فَلَمَّا أَكَلَهُ تَقَيَّأَ مَكَانَهُ أَمْعَاءَهُ فَلَمَّا أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ قَالَ اشْهَدُوا أَنَّهَا امْرَأَتُهُ وَخَالَتُهَا وَمَاتَ مَكَانَهُ فَأَقَرَّتْ امْرَأَتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الطَّعَامَ جَاءَتْهُ بِهِ خَالَتُهَا وَإِذَا ثَبَتَ قَوْلُهُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ فَلْيُقْسِمْ وُلَاتُهُ عَلَى إحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ وَلَا يَنْفَعُ الزَّوْجَةَ قَوْلُهَا أَتَتْنِي بِهِ خَالَتِي وَتُضْرَبُ الْأُخْرَى مِائَةً وَتُحْبَسُ سَنَةً.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَائِلُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ عَمْدًا فَاسِقًا أَوْ غَيْرَ فَاسِقٍ فَإِنَّ الْقَسَامَةَ تَثْبُتُ بِقَوْلِهِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ حَتَّى يَكُونَ عَدْلًا لَمْ يُقْسِمْ مَعَ قَوْلِ الْمَرْأَةِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُقْسِمُ مَعَ قَوْلِ الْمَرْأَةِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ لَا يُقْسِمُ مَعَ قَوْلِ الصَّبِيِّ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ وَزَادَ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ رَاهَقَ وَأَبْصَرَ وَعَرَفَ فَيُقْسِمُ مَعَ قَوْلِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ وَلَا يُقْسِمُ مَعَ قَوْلِ الذِّمِّيِّ عَلَى ذِمِّيٍّ وَلَا غَيْرِهِ وَلَا قَوْلِ عَبْدٍ عَلَى عَبْدٍ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَقَالَ لِأَنَّهُمْ لَا يَحْلِفُونَ عَلَى الْقَسَامَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَإِنَّمَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ لِلْفَاسِقِ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ لَا تُرَاعَى فِيهَا الْعَدَالَةُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالْكَافِرِ وَالْعَبْدِ فَإِنَّ الْأَيْمَانَ تَصِحُّ مِنْهُمْ وَلَا يُؤَثِّرُ قَوْلُهُمْ فِي الْقَسَامَةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ أَنَّ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ لَا تُرَاعَى فِيهَا الْعَدَالَةُ فَيُسَلِّمُ حِينَئِذٍ قَالَ وَإِنَّمَا قُلْنَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْإِسْلَامُ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْإِسْلَامِ لَا قَسَامَةَ فِيهِ كَالْمُسْتَأْمَنِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ كَابْنِ الْقَاسِمِ وَقَدْ قَالَ فِي النَّصْرَانِيِّ يَقُولُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ الْمُسْلِمِ أَنَّ وُلَاتَهُ يَحْلِفُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ وَذَكَرَهُ عَنْ مَالِكٍ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلَمْ يَعْرِفَاهُ لِمَالِكٍ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَإِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ إنْ قَامَ شَاهِدٌ عَلَى قَتْلِهِ حَلَفَ وُلَاتُهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَأَخَذُوا الدِّيَةَ مِنْ مَالِ الْقَاتِلِ فِي الْعَمْدِ وَمِنْ عَاقِلَتِهِ فِي الْخَطَأِ وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ النَّصْرَانِيِّ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَحَقُّ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ مَا تَسْتَحِقُّ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ وَإِنَّمَا شَرَطْنَا أَنْ يَكُونَ حُرًّا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا اللَّوْثُ فَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ الشَّاهِدُ الْعَدْلُ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَوِّي جَنْبَةَ الْمُدَّعِينَ وَلَهُ تَأْثِيرٌ فِي نَقْلِ الْيَمِينِ إلَى جَنْبَةِ الْمُدَّعِينَ فِي الْحُقُوقِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ لَوْثٌ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ يُقْسِمُ مَعَ الشَّاهِدِ غَيْرِ الْعَدْلِ وَمَعَ الْمَرْأَةِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ
стр. 1966
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعُونَ اسْتَحَقُّوا دَمَ صَاحِبِهِمْ وَقَتَلُوا مَنْ حَلَفُوا عَلَيْهِ وَلَا يُقْتَلُ فِي الْقَسَامَةِ إلَّا وَاحِدٌ لَا يُقْتَلُ فِيهَا اثْنَانِ يَحْلِفُ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا فَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ أَوْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يَنْكُلَ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ الْمَقْتُولِ وُلَاةَ الدَّمِ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمْ الْعَفْوُ عَنْهُ فَإِنْ نَكَلَ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ فَلَا سَبِيلَ إلَى الدَّمِ إذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ إذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ الْعَفْوُ عَنْ الدَّمِ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَإِنَّ الْأَيْمَانَ لَا تُرَدُّ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ إذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ الْأَيْمَانِ وَلَكِنَّ الْأَيْمَانَ إذَا كَانَ ذَلِكَ تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَيَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا خَمْسِينَ رَجُلًا رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ يَحْلِفُ إلَّا الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ حَلَفَ هُوَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَبَرِئَ)
ــ
[المنتقى]
مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْعَبْدَ وَالصَّبِيَّ وَالذِّمِّيَّ لَيْسَ بِلَوْثٍ.
فَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الشَّاهِدَ مَعْنًى يُقَوِّي جَنْبَةَ الْمُدَّعِينَ فَتَثْبُتُ لَهَا الْيَمِينُ فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ الْعَدَالَةُ كَالشَّاهِدِ بِالدَّيْنِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَهُوَ اخْتِيَارُهُ أَنَّهُ لَوْثٌ فَلَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَالَةُ كَاَلَّذِي يَقُولُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ ثَبَتَتْ لَهُ الْقَسَامَةُ بِقَوْلِهِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِ كَالْعَدْلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْعَبِيدُ وَالصِّبْيَانُ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الشَّاهِدَ مِنْهُمْ لَا يَكُونُ لَوْثًا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَجْعَلَ شَهَادَةَ الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ لَوْثًا وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَزَادَ شَهَادَةَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَبْدَ وَالصَّبِيَّ لَا مَدْخَلَ لَهُمَا فِي أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ فَلَا تَأْثِيرَ لِشَهَادَةِ شَاهِدِهِمْ فِيهَا كَالْمَجْنُونِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُمَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْعُقَلَاءِ فَكَانَ لِشَهَادَتِهِمْ تَأْثِيرٌ فِي الْقَسَامَةِ كَالْعُدُولِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنَّمَا يُقْسِمُ مَعَ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ إذَا ثَبَتَ مُعَايَنَةُ الْقَتْلِ فَيَشْهَدُ عَلَى مَوْتِهِ وَيَجْهَلُ قَاتِلَهُ كَمَا عُرِفَ مَوْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَفُوتُ وَالْجَسَدُ لَا يَفُوتُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعَجِّلَ السُّلْطَانَ فِيهِ بِالْقَسَامَةِ حَتَّى يَكْشِفَ فَلَعَلَّ شَيْئًا أَثْبَتُ مِنْ هَذَا فَإِذَا بَلَغَ الْقَضَاءُ الِاسْتِينَاءَ قَضَى بِالْقَسَامَةِ مَعَ الشَّاهِدِ وَبِمَوْتِهِ وَتَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ وَأُمُّ وَلَدِهِ وَتُنْكَحُ وَقَدْ قِيلَ يُقْتَلُ قَاتِلُهُ بِالْقَسَامَةِ وَلَا يُحْكَمُ بِالتَّوْرِيثِ فِي زَوْجَتِهِ وَرَقِيقِهِ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَاخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ قَوْلَ أَصْبَغَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِي الْقَتِيلِ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ الْغِيلَةِ فَأَمَّا قَتْلُ غِيلَةٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ شَهِدَ عَدْلٌ أَنَّهُ قَتَلَهُ غِيلَةً لَمْ يُقْسِمْ مَعَ شَهَادَتِهِ وَلَا يُقْبَلُ فِي هَذَا إلَّا شَاهِدَانِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَرَأَيْت لِيَحْيَى بْنَ عُمَرَ أَنَّهُ يُقْسِمُ مَعَهُ.
(ش) : قَوْلُهُ يَحْلِفُ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْوُلَاةُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ حَلَفَ مِنْهُمْ خَمْسُونَ فَيَكُونُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ يَحْلِفُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ خَمْسُونَ فَتَكُونُ مِنْ لِلْجِنْسِ إذَا كَانَ وُلَاةُ الدَّمِ خَمْسِينَ فَلَا خِلَافَ أَنَّ جَمِيعَهُمْ يَحْلِفُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ فَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا يَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ يَحْلِفُ جَمِيعُهُمْ وَاَلَّذِي ذَكَرَ ابْنُ عَبْدُوسٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ يَحْلِفُ مِنْ الْوُلَاةِ خَمْسُونَ.
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَأَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ وَهُمْ فِي الْعَقْدِ سَوَاءٌ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ كَالْإِخْوَةِ وَغَيْرِهِمْ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْلِفَ مِنْهُمْ إلَّا خَمْسُونَ وَهَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ فِي كُتُبِ الْمَغَارِبَةِ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا إذَا كَانَ الْأَوْلِيَاءُ خَمْسِينَ فَأَرَادُوا أَنْ يَحْلِفَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ خَمْسِينَ يَمِينًا فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا يُجْزِئُهُمْ ذَلِكَ وَهُوَ كَالنُّكُولِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّ يَمِينَ رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا يُجْزِئُ
стр. 1967
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَيَنُوبُ عَمَّنْ بَقِيَ قَالَ مُحَمَّدٌ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ صَوَابٌ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْقَسَامَةِ تُجْزِئُ أَيْمَانُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ وَلَوْ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ أَشْهَبُ إنْ كَانُوا ثَلَاثِينَ يَحْلِفُونَ يَمِينًا يَمِينًا، ثُمَّ يَحْلِفُ عِشْرُونَ مِنْهُمْ عِشْرِينَ يَمِينًا وَلَوْ كَانُوا مِائَةً مُتَسَاوِينَ أَجْزَأَ يَمِينُ خَمْسِينَ قَالَ وَأَمَّا إذَا تَشَاحَّ الْأَوْلِيَاءُ وَلَمْ يَرْضُوا أَنْ يَحْمِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ فَلَا بُدَّ مِنْ قَوْلِ أَشْهَبَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا كَانَ إمْسَاكُ مَنْ أَمْسَكَ عَنْ الْيَمِينِ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَنْهُ وَأَمَّا إنْ امْتَنَعَ عَنْ الْيَمِينِ فَتَسْقُطُ الدِّيَةُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَحْلِفُ فِي الْقَسَامَةِ عَلَى قَتْلِ الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَأَنَّهُ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّهَادَةِ إذْ لَا يُقْتَلُ بِأَقَلَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ قَالَ أَشْهَبُ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَهَادَةِ رَجُلٍ فِي الزِّنَا يَمِينًا مِنْ الزَّوْجِ فِي الْتِعَانِهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ النِّسَاءُ فِي الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُنَّ لَا يَشْهَدْنَ فِيهِ وَإِنَّمَا عَرَضَهَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى جَمَاعَةٍ وَالْجَمَاعَةُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةُ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ، وَأَصْلُ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «قَالَ لِلْحَارِثِيَّيْنِ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» وَإِنَّمَا كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ رَجُلًا وَاحِدًا وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ أَخُو الْمَقْتُولِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَإِنَّمَا كَانَ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةَ ابْنَيْ عَمٍّ فَلَمَّا عَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَيْمَانَ بِجَمَاعَتِهِمْ وَلَمْ يَقْصُرْهَا عَلَى وَلِيِّ الدَّمِ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا فِي حُكْمِ الْجَمَاعَةِ وَأَقَلُّ الْجَمَاعَةِ اثْنَانِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْأَخَوَيْنِ يَحْجُبَانِ الْأُمَّ عَنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ كَمَا يَفْعَلُ الثَّلَاثَةُ مِنْ الْإِخْوَةِ وَلَا يَحْجُبُهَا الْأَخُ الْوَاحِدُ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْإِخْوَةِ لَا يَتَنَاوَلُهُ.
(فَرْقُ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ وُلَاةِ الْقَتِيلِ لَا يُقْسِمُ مِنْهُمْ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ وَيُقْسِمُ مِنْ جَنْبَةِ الْقَاتِلِ وَاحِدٌ وَهُوَ الْقَاتِلُ أَنَّ جَنْبَةَ الْقَتِيلِ إذَا عَدِمَ مِنْهُمْ اثْنَانِ وَبَطَلَتْ الْقَسَامَةُ فِي جَنْبَتِهِ فَرَجَعَتْ فِي جَنْبَةِ الْقَاتِلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَنْ يَحْلِفُ مَعَهُ مِنْ جِهَتِهِمْ كَانَ لِلطَّالِبِ بِالدَّمِ مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ وَهُوَ أَيْمَانُ الْقَاتِلِ وَأَوْلِيَائِهِ وَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْ الْقَاتِلِ وَقَدْ يَعْدَمُ أَوْلِيَاءَ يَحْلِفُونَ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ فِي تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا كَانَ وُلَاةُ الدَّمِ اثْنَيْنِ حَلَفَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ الْأَيْمَانِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ أَحَدٌ فِي الْعَمْدِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ يَمِينًا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَلَهُمَا أَنْ يَسْتَعِينَا بِمَنْ أَمْكَنَهُمَا مِنْ الْعَصَبَةِ وَيَبْدَأُ بِيَمِينِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبَ يَحْلِفُونَ بِقَدْرِ عَدَدِهِمْ مَعَ الْمُعَيَّنِينَ فَإِنْ حَلَفَ الْأَوْلِيَاءُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنُوبُهُمْ فِي الْعَدَدِ مَعَ الْمُعَيَّنِينَ جَازَ ذَلِكَ وَإِنْ حَلَفَ الْمُعَيَّنُونَ أَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ النُّكُولِ وَأَمَّا إذَا تَسَاوَوْا عَلَى حَسَبِ الْعَدَدِ أَوْ كَانَتْ أَيْمَانُ الْوُلَاةِ أَكْثَرَ فَإِنَّهَا عَلَى وَجْهِ الْعَوْنِ لِلْوُلَاةِ وَلَوْ حَلَفَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ اسْتَعَانَ الْآخَرُ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْعَصَبَةِ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَحْلِفَ إلَّا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَمِينًا لِأَنَّ الْمُعَيَّنِينَ تَتَوَجَّهُ مَعُونَتُهُمْ إلَيْهِ وَإِلَى صَاحِبِهِ كَمَا لَوْ حَلَفُوا قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ الْوَلِيُّ الْأَوَّلُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ وَاحِدًا جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ مِنْ الْعَصَبَةِ بِوَاحِدٍ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَمْسِينَ رَجُلًا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو قِلَابَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَالَ لِلْحَارِثِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ ادَّعَيَا عَلَى الْيَهُودِ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَدَدَ الْأَنْصَارِ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَتَكُونُ الْأَيْمَانُ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفْسِيرُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ أَوْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ يُرِيدُ إنْ قَلَّ عَدَدُ الْمُعَيَّنِينَ مِنْ الْعَصَبَةِ، أَوْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ فَنَكَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ مَعُونَةِ الْوَلِيِّ فَإِنَّ مَنْ بَقِيَ مَعَ الْوَلِيِّ.
стр. 1968
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
تُرَدُّ عَلَيْهِمْ الْأَيْمَانُ حَتَّى يَسْتَوْفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا فَلَا تَبْطُلُ الْقَسَامَةُ بِنُكُولِ بَعْضِ الْمُعَيَّنِينَ مِنْ الْعَصَبَةِ مَعَ بَقَاءِ الْوَلِيِّ أَوْ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ الْقِيَامِ بِالدَّمِ وَالْمُطَالَبَةِ بِهِ وَلَوْ نَكَلَ الْوَلِيُّ لَمْ يَكُنْ لِلْمُعَيَّنِينَ الْقَسَامَةُ وَلَا الْمُطَالَبَةُ بِالدَّمِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ جَمَاعَةً فَنَكَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ قَسَامَةٌ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَسَامَةَ لِغَيْرِهِمْ وَتُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُمْ لَمَّا تَسَاوَوْا فِي الْحَقِّ لَمْ يَكُنْ نُكُولُ بَعْضِهِمْ مُؤَثِّرًا فِي سُقُوطِ حَقِّ الْبَاقِينَ أَصْلُهُ قَتْلُ الْخَطَإِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْحَقَّ لِجَمَاعَتِهِمْ وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ بِإِثْبَاتِهِ وَهُوَ لَا يَتَبَعَّضُ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَهَذَا فِي الْعَصَبَةِ وَأَمَّا الْبَنُونَ وَالْإِخْوَةُ فَرِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ أَنَّ مَنْ نَكَلَ مِنْهُمْ رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَنِينَ وَالْإِخْوَةَ يَرُدُّونَ الْأُمَّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ فَكَانَ لِقَرَابَتِهِمْ مَزِيَّةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَتُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ إذَا نَكَلَ وُلَاةُ الدَّمِ عَنْ الْقَسَامَةِ، ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يُقْسِمُوا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ إنْ كَانَ نُكُولًا بَيِّنًا وَمَنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَقَدْ أَبْطَلَ حَقَّهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ نُكُولَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ تُوجِبُ رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَالْمُدَّعِي حَقًّا يَشْهَدُ لَهُ شَاهِدٌ فَيَنْكُلُ عَنْ الْيَمِينِ مَعَ شَاهِدِهِ فَإِنَّ الْيَمِينَ تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا حَلَفَ الْأَوْلِيَاءُ مَعَ الْمُعَيَّنِينَ لَهُمْ مِنْ الْعَصَبَةِ بُدِئَ بِالْوَلِيِّ وَلَا يُبْدَأُ بِأَيْمَانِ الْمُعَيَّنِينَ لَهُمْ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ وَإِنَّمَا يُعَيَّنُ الْوَلِيُّ مِنْ قَرَابَتِهِ مِنْهُ مَعْرُوفَةٍ يَلْتَقِي مَعَهُ إلَى جَدٍّ يُوَارِثُهُ فَأَمَّا مَنْ هُوَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مِنْ غَيْرِ نَسَبٍ مَعْرُوفٍ فَلَا يُقْسِمُ كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَكِنْ تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَيَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا يُرِيدُ أَنَّهُ يَحْلِفُ الْجَمَاعَةُ فِي النُّكُولِ كَمَا يَحْلِفُ الْجَمَاعَةُ فِي الدَّعْوَى لِأَنَّ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ لَمَّا لَمْ يَحْلِفْ فِيهَا إلَّا اثْنَانِ فَمَا زَادَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ إلَّا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَحْدَهُ بِخِلَافِ الْمُدَّعِي.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنَّمَا يُبَرِّئُ نَفْسَهُ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا رَوَى أَبُو قِلَابَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ لِلْمُدَّعِينَ أَتَرْضَوْنَ خَمْسِينَ يَمِينًا مِنْ الْيَهُودِ مَا قَتَلُوهُ» فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْقَسَامَةَ مُخْتَصَّةٌ بِهَذَا الْعَدَدِ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ وَلِيِّ الدَّمِ الْمُدَّعِي لَهُ غَيْرُهُ جَازَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُنْكِرُ لَهُ غَيْرُهُ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ الدِّمَاءَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا وَهُوَ أَنْ يَتَحَمَّلَهَا غَيْرُ الْجَانِي كَالدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ فَإِنَّ الْأَيْمَانَ لَمَّا كَانَتْ خَمْسِينَ وَكَانَتْ الْيَمِينُ الْوَاحِدَةُ لَا تَتَبَعَّضُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُونَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا قُلْنَا يَحْلِفُ غَيْرُهُ مِنْ عَصَبَتِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ هُوَ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ يَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مَنْ يَحْلِفُ إلَّا اثْنَانِ حَلَفَا خَمْسِينَ يَمِينًا وَبَرِئَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يَحْلِفُ هُوَ مَعَهُمْ فَيَحْلِفُ هُوَ بَعْضَهَا وَهُمْ بَعْضَهَا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَحْلِفُ مِنْ عَصَبَتِهِ إلَّا وَاحِدٌ لَمْ يَحْلِفْ مَعَهُ وَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَحْدَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَحْلِفُ هُوَ وَمَنْ يُسْتَعَانُ بِهِ مِنْ عَصَبَتِهِ عَلَى السَّوَاءِ وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُعِينُهُ حَلَفَ هُوَ وَحْدَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا قَالَ مُحَمَّدٌ قَوْلُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَشْبَهُ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ قَوْلَ مَالِكٍ يَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْأَيْمَانَ الْمَرْدُودَةَ يُعْتَبَرُ بِعِدَّتِهَا فِيمَا انْتَقَلَتْ عَنْهُ كَأَيْمَانِ الْحُقُوقِ فَكَذَلِكَ الْأَيْمَانُ الثَّانِيَةُ فِي الْخَمْسِينَ فَإِنَّ عَدَدَهَا فِيهِمَا سَوَاءٌ كَأَيْمَانِ اللِّعَانِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا خَمْسِينَ رَجُلًا رُدَّتْ عَلَيْهِمْ الْأَيْمَانُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَجُوزُ
стр. 1969
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْقَسَامَةِ فِي الدَّمِ وَالْأَيْمَانِ فِي الْحُقُوقِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا دَايَنَ الرَّجُلَ اسْتَثْبَتَ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ وَأَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَرَادَ قَتْلَ الرَّجُلِ لَمْ يَقْتُلْهُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ النَّاسِ وَإِنَّمَا يَلْتَمِسُ الْخَلْوَةَ قَالَ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْقَسَامَةُ إلَّا فِيمَا تَثْبُتُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ وَلَوْ عَمِلَ فِيهَا كَمَا يَعْمَلُ فِي الْحُقُوقِ هَلَكَتْ الدِّمَاءُ وَاجْتَرَأَ النَّاسُ عَلَيْهَا إذَا عَرَفُوا الْقَضَاءَ فِيهَا وَلَكِنْ إنَّمَا جُعِلَتْ الْقَسَامَةُ إلَى وُلَاةِ الْمَقْتُولِ يَبْدَءُونَ بِهَا فِيهَا لِيَكُفَّ النَّاسُ عَنْ الْقَتْلِ وَلِيَحْذَرْ الْقَاتِلُ أَنْ يُؤْخَذَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمَقْبُولِ قَالَ يَحْيَى.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْقَوْمِ يَكُونُ لَهُمْ الْعَدَدُ يُتَّهَمُونَ بِالدَّمِ فَيَرُدُّ وُلَاةُ الْمَقْتُولِ الْأَيْمَانَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ نَفَرٌ لَهُمْ عَدَدٌ أَنَّهُ يَحْلِفُ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَلَا تُقْطَعُ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ عَدَدِهِمْ وَلَا يَبْرَءُونَ دُونَ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ إنْسَانٍ عَنْ نَفْسِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي ذَلِكَ قَالَ وَالْقَسَامَةُ تَصِيرُ إلَى عَصَبَةِ الْمَقْتُولِ وَهُمْ وُلَاةُ الدَّمِ الَّذِينَ يَقْسِمُونَ عَلَيْهِ وَاَلَّذِينَ يُقْتَلُ بِقَسَامَتِهِمْ) .
ــ
[المنتقى]
أَنْ يَحْلِفَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقَاتِلِ مَنْ يَبْلُغُ خَمْسِينَ رَجُلًا يُرِيدُ وَكَانَ مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ اثْنَانِ فَزَائِدٌ رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ حَتَّى يَسْتَوْفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ لَهُمْ أَنْ يَسْتَعِينُوا بِوُلَاتِهِمْ وَعَصَبَتِهِمْ وَعَشِيرَتِهِمْ كَمَا كَانَ ذَلِكَ لِوُلَاةِ الْمَقْتُولِ وَقَالَهُ الْمُغِيرَةُ وَأَصْبَغُ وَقَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَاحِدًا كَانُوا أَوْ جَمَاعَةً أَنْ يَسْتَعِينُوا بِمَنْ يَحْلِفُ مَعَهُمْ كَمَا يَفْعَلُ وُلَاةُ الْمَقْتُولِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يُبَرِّءُونَ أَنْفُسَهُمْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الَّذِينَ طَاعُوا بِالْأَيْمَانِ مَعَهُ خَمْسِينَ رَجُلًا؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ مِمَّنْ كَانَ يَصِحُّ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ أَبَوْا مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْخَمْسِينَ يَمِينًا تُرَدُّ عَلَى مَنْ تَطَوَّعَ بِذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ مَنْ يَحْلِفُ مَعَهُ حَلَفَ وَحْدَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَبَرِئَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَيْمَانِ وَالْحَالِفِينَ أَنَّ الْأَيْمَانَ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى التَّبْعِيضِ فِيهَا عَنْ الْعَدَدِ الْمَشْرُوعِ وَقَدْ يُعْدَمُ فِي الْأَغْلَبِ عَدَدُ الْحَالِفِينَ وَقَوْلُهُ وَبَرِئَ يُرِيدُ بَرِئَ مِنْ الدَّمِ وَعَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ وَسِجْنُ عَامٍ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ سُجِنَ حَتَّى يَحْلِفَ وَفِي النَّوَادِرِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ قَوْلًا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ غَيْرِهِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إذَا رُدَّتْ عَلَيْهِمْ الْأَيْمَانُ فَنَكَلُوا فَالْعَقْلُ عَلَيْهِمْ فِي مَالِ الْجَارِحِ خَاصَّةً وَيُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْجُرْحِ يُرِيدُ فِيمَنْ ثَبَتَ جُرْحُهُ وَاحْتِيجَ إلَى الْقَسَامَةِ أَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ مَاتَ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ وَأَتَى الْمُدَّعُونَ بِمَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ وَنَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ وَتَسْقُطُ عَنْهُ الدَّعْوَى فَإِنْ نَكَلَ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يُحْبَسُ إلَى أَنْ يَحْلِفَ وَالثَّانِيَةُ تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَأَرَاهُ أَشَارَ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا أَنَّهُ يُحْبَسُ إلَى أَنْ يَحْلِفَ فَإِنْ حُبِسَ وَطَالَ حَبْسُهُ فَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ يُخَلَّى سَبِيلُهُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذَا إنْ نَكَلَ سُجِنَ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَسَامَةِ وَأَيْمَانِ الْحُقُوقِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا دَايَنَ اسْتَظْهَرَ لِحَقِّهِ بِالْوَثَائِقِ وَالْبَيِّنَةِ أَهْلَ الْعَدْلِ فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ فَمِنْ تَضْيِيعِهِ لَهُ وَالْمَقْتُولُ إنَّمَا يَلْتَمِسُ قَاتِلُهُ مَوْضِعَ خَلْوَتِهِ وَحَيْثُ يُعْدَمُ مَنْ يَرَاهُ فَكَيْفَ يَسْتَظْهِرُ بِأَهْلِ الْعَدْلِ وَلَا عِلْمَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَقْتُولِ بِذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِظْهَارُ بِالْبَيِّنَةِ وَلَا اسْتِحْضَارُ مَنْ يَشْهَدَ لَهُ وَلَوْ لَمْ يَتَصَرَّفْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لَقَلَّ تَصَرُّفُهُ وَامْتَنَعَ مِنْ مَنَافِعِهِ وَمَكَاسِبِهِ وَسَجَنَ نَفْسَهُ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ فَلِذَلِكَ جُعَلِ قَوْلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ مُؤَثِّرًا فِي الْقَسَامَةِ وَجَعَلَ الْأَيْمَانَ إلَى وُلَاتِهِ، وَهَذَا الْفَرْقُ إنَّمَا يَعُودُ إلَى قَبُولِ قَوْلِ الْمُدَّعِي دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ لِي عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي وَجْهًا آخَرَ مِنْ الْفَرْقِ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ الْمُدَّعِي دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ إنَّمَا يَشْهَدُ لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّمَا يَشْهَدُ لِوُلَاتِهِ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ لِي عِنْدَ فُلَانٍ دِرْهَمٌ أَوْ دِينَارٌ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ هُوَ الْمُطَالَبَةَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ
стр. 1970
مَا جَاءَ فِيمَنْ تَجُوزُ قَسَامَتُهُ فِي الْعَمْدِ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ فِي الْقَسَامَةِ فِي الْعَمْدِ أَحَدٌ مِنْ النِّسَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ وُلَاةٌ إلَّا النِّسَاءَ فَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ قَسَامَةٌ وَلَا عَفْوٌ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُقْتَلُ عَمْدًا أَنَّهُ إذَا قَامَ عَصَبَةُ الْمَقْتُولِ أَوْ مَوَالِيهِ فَقَالُوا نَحْنُ نَحْلِفُ وَنَسْتَحِقُّ دَمَ صَاحِبِنَا فَذَلِكَ لَهُمْ قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ أَرَادَ النِّسَاءُ أَنْ يَعْفُونَ عَنْهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُنَّ الْعَصَبَةُ وَالْمُوَالِي أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُنَّ لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا الدَّمَ وَحَلَفُوا عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ عَفَتْ الْعَصَبَةُ أَوْ الْمُوَالِي بَعْدَ أَنْ يَسْتَحِقُّوا الدَّمَ وَأَبَى النِّسَاءُ وَقُلْنَ لَا نَدَعُ دَمَ صَاحِبِنَا فَهُنَّ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ أَخَذَ الْقَوَدَ أَحَقُّ مِمَّنْ تَرَكَهُ مِنْ النِّسَاءِ وَالْعَصَبَةِ إذَا ثَبَتَ الدَّمُ وَوَجَبَ الْقَتْلُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا يُقْسِمُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ مِنْ الْمُدَّعِينَ إلَّا اثْنَانِ فَصَاعِدًا فَتُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمَا حَتَّى يَحْلِفَا خَمْسِينَ يَمِينًا ثُمَّ قَدْ اسْتَحَقَّا الدَّمَ وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا ضَرَبَ النَّفَرُ الرَّجُلَ حَتَّى يَمُوتَ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ قُتِلُوا بِهِ جَمِيعًا فَإِنْ هُوَ مَاتَ بَعْدَ ضَرْبِهِمْ كَانَتْ الْقَسَامَةُ وَإِنْ كَانَتْ الْقَسَامَةُ لَمْ تَكُنْ إلَّا عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يُقْتَلْ غَيْرُهُ وَلَمْ نَعْلَمْ قَسَامَةً كَانَتْ قَطُّ إلَّا عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ) .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي الْقَوْمِ يُتَّهَمُونَ بِالْقَتْلِ تُرَدُّ عَلَيْهِمْ الْأَيْمَانُ فَإِنَّ كُلَّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْلِفُ عَنْ نَفْسِهِ إذْ لَعَلَّهُ الَّذِي كَانَ يُقْسِمُ عَلَيْهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي أَيْمَانِهِ بِمَنْ شَاءَ مِنْ عَصَبَتِهِ إلَى أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ خَمْسُونَ يَمِينًا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَإِنْ كَانُوا مُفْتَرِقِينَ فَلَا يَسْتَعِينُ أَحَدٌ بِغَيْرِ عَصَبَتِهِ وَإِنْ كَانُوا مِنْ فَخِذٍ وَاحِدٍ جَازَ أَنْ يَسْتَعِينَ أَحَدُهُمْ بِقَوْمٍ، ثُمَّ يَسْتَعِينُ بِهِمْ الثَّانِي، ثُمَّ يَسْتَعِينُ بِهِمْ الثَّالِثُ إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةً وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ أَحَدُهُمْ فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ تَبْرِئَةَ الثَّلَاثَةِ فَيَقُولُ مَا فَعَلَهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَلَكِنْ تُفْرَدُ الْيَمِينُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
[مَا جَاءَ فِيمَنْ تَجُوزُ قَسَامَتُهُ فِي الْعَمْدِ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ]
(ش) : قَوْلُهُ لَا يَحْلِفُ فِي قَسَامَةِ الْعَمْدِ أَحَدٌ مِنْ النِّسَاءِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُقْسِمُ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ مِنْ الرِّجَالِ وَمَنْ لَهُ تَعْصِيبٌ وَأَمَّا مَنْ لَا تَعْصِيبَ لَهُ مِنْ الْخُؤُولَةِ وَغَيْرِهِمْ فَلَا قَسَامَةَ لَهُمْ وَإِذَا كَانَ لِلْقَتِيلِ أُمٌّ فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَقَةً أَوْ أُعْتِقَ أَبُوهَا أَوْ جَدُّهَا أَقْسَمَ مَوَالِيهَا فِي الْعَمْدِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ مِنْ الْعَرَبِ فَلَا قَسَامَةَ فِي عَمْدِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ لِأَنَّ الْعَرَبَ خُؤُولَتُهُ وَلَا وِلَايَةَ لِلْخُؤُولَةِ وَمَنْ شَهِدَ شَاهِدُ عَدْلٍ بِقَتْلِهِ عَمْدًا.
وَقَالَ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ وَكَانَ لَهُ مِنْ الْأَقَارِبِ نِسَاءٌ أَوْ خُؤُولَةٌ فَإِنَّهُ لَا قَسَامَةَ فِيهِ وَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ قَسَامَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ لَا عَفْوَ يُرِيدُ قَبْلَ الْقَسَامَةِ وَأَمَّا بَعْدَ الْقَسَامَةِ إذَا أَقْسَمَ الْعَصَبَةُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إنْ عَفَا النِّسَاءُ وَقَامَ بِالدَّمِ الْعَصَبَةُ أَوْ عَفَا الْعَصَبَةُ وَقَامَ بِالدَّمِ النِّسَاءُ فَمَنْ أَرَادَ الْقَوَدَ أَوْلَى مِمَّنْ تَرَكَهُ لِأَنَّ الدَّمَ إذَا ثَبَتَ فَقَدْ أَوْجَبَ الْقَتْلَ.
(ش) : قَوْلُهُ لَا يُقْسِمُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ مِنْ الْمُدَّعِينَ إلَّا اثْنَانِ فَصَاعِدًا يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَحْلِفَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ إلَّا وَاحِدٌ فَإِنَّ الْأَيْمَانَ لَا تَثْبُتُ فِي جَنْبَتَيْ الْقَتِيلِ وَلَكِنْ تُرَدُّ عَلَى الْقَاتِلِ فَيَحْلِفُ وَحْدَهُ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَحْلِفُ مَعَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَنَّ جَنْبَةَ الْقَتِيلِ لَا يَحْلِفُ لِإِثْبَاتِ الدَّمِ إلَّا اثْنَانِ وَفِي جَنْبَةِ الْقَاتِلِ يَحْلِفُ لِنَفْيِ الدَّمِ وَاحِدٌ أَنَّ جَنْبَةَ الْقَتِيلِ إذَا تَعَذَّرَتْ الْقَسَامَةُ فِيهَا لَمْ يَبْطُلْ الْحَقُّ لِأَنَّ رَدَّ الْأَيْمَانِ عَلَى جَنْبَةِ الْقَاتِلِ فِيهِ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِمْ وَجَنْبَةُ الْقَاتِلِ لَوْ لَمْ تُقْبَلْ أَيْمَانُهُ وَحْدَهُ مَعَ كَثْرَةِ وُجُودِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِمَا فَاتَهُ مِنْ الْحَقِّ بَدَلٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ تُرَدُّ إلَى جَنْبَةِ الْقَتِيلِ بِانْتِقَالِهَا إلَى جَنْبَةِ الْقَاتِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ النَّفَرَ إذَا ضَرَبُوا رَجُلًا حَتَّى مَاتَ تَيَقَّنَ أَنَّ مَوْتَهُ
стр. 1971
الْقَسَامَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْقَسَامَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ يُقْسِمُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الدَّمَ وَيَسْتَحِقُّونَهُ بِقَسَامَتِهِمْ يَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا تَكُونُ عَلَى قَسْمِ مَوَارِيثِهِمْ مِنْ الدِّيَةِ فَإِنْ كَانَ فِي الْأَيْمَانِ كُسُورٌ إذَا قُسِّمَتْ بَيْنَهُمْ نُظِرَ إلَى الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ تِلْكَ الْأَيْمَانِ إذَا قُسِّمَتْ فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْيَمِينِ)
ــ
[المنتقى]
مِنْ ضَرْبِهِمْ قَتَلُوا بِهِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ ضَرَبَ رَأْسَ رَجُلٍ فَأَقَامَ مَغْمُورًا لَا يُفِيقُ وَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِضَرْبِهِ فَقَالَ إذَا لَمْ يُفِقْ فَلَا قَسَامَةَ وَإِنَّمَا الْقَسَامَةُ فِيمَنْ أَفَاقَ أَوْ أَطْعَمَ أَوْ فَتَحَ عَيْنَهُ أَوْ تَكَلَّمَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَنَحْوَهُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ خَلَا بِهِ أَهْلُهُ أَوْ لَمْ يَخْلُ لَا قَسَامَةَ فِيهِ إذَا لَمْ يُفِقْ.
وَقَالَ أَشْهَبُ إذَا مَاتَ تَحْتَ الضَّرْبِ أَوْ بَقِيَ مَغْمُورًا لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يُفِقْ حَتَّى مَاتَ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ فَإِنْ تَكَلَّمَ أَوْ شَرِبَ أَوْ فَتَحَ عَيْنَهُ وَشِبْهَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَسَامَةِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ قَالَ وَكَذَلِكَ إنْ قُطِعَ فَخِذُهُ فَعَاشَ يَوْمَهُ وَأَكَلَ وَشَرِبَ وَمَاتَ آخِرَ النَّهَارِ وَأَمَّا إنْ شُقَّتْ حَشْوَتُهُ وَأَكَلَ وَشَرِبَ وَعَاشَ أَيَّامًا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ قَاتَلَهُ بِغَيْرِ قَسَامَةٍ إذَا أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ انْقَطَعَ نُخَاعُ رَقَبَتِهِ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ قُتِلُوا بِهِ جَمِيعًا يُرِيدُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ مَاتَ بِغَيْرِ ضَرْبِهِمْ كَانَتْ قَسَامَةً يُرِيدُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الضَّرْبِ شَاهِدَانِ فَعَاشَ الْمَضْرُوبُ ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ الْقَسَامَةُ لَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِذَا كَانَتْ الْقَسَامَةُ لَمْ تَكُنْ إلَّا عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ شَاءُوا أَقْسَمُوا عَلَى وَاحِدٍ أَوْ عَلَى اثْنَيْنِ أَوْ عَلَى جَمِيعِهِمْ ثُمَّ لَا يَقْتُلُونَ إلَّا وَاحِدًا مِمَّنْ أَدْخَلُوهُ فِي الْقَسَامَةِ كَانَ ذَلِكَ لِقَوْلِ الْمَيِّتِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ لَا شَهَادَةَ شَاهِدٍ عَلَى الْقَتْلِ أَوْ شَاهِدَيْنِ عَلَى الضَّرْبِ ثُمَّ عَاشَ أَيَّامًا وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ فِي الْقَسَامَةِ إلَّا وَاحِدٌ فَلَا مَعْنَى لِلْقَسَامَةِ عَلَى غَيْرِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْقَتِيلَ إذَا ادَّعَى قَتْلَ جَمَاعَةٍ لَهُ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْقَسَامَةُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ لَا تَكُونُ إلَّا مُوَافِقَةٌ لِلدَّعْوَى.
[الْقَسَامَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ]
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ وُلَاةَ الدَّمِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الدَّمَ يُقْسِمُونَ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى الْقَتْلِ قَالَ أَشْهَبُ وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ قَتَلَنِي خَطَأً.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَيُؤْخَذُ فِي ذَلِكَ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ فِيمَنْ عَلِمَ النَّاسُ بِمَوْتِهِ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْقَسَامَةِ عَلَى قَوْلِ الْقَتِيلِ فِي الْخَطَإِ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ فِي الْغَرِيمِ لَا يُقْسِمُ فِي الْخَطَإِ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ يُقْسِمُ مَعَ قَوْلِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنْ يُرِيدَ غِنَى وَلَدِهِ وَحُرْمَةُ الدَّمِ أَعْظَمُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ أَنَّهُ مَعْنَى يُوجِبُ الْقَسَامَةَ فِي الْعَمْدِ فَأَوْجَبَهَا فِي الْخَطَإِ كَالشَّاهِدِ الْعَدْلِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا أَنَّهُ يُقْسِمُ مَعَ قَوْلِ الْقَتِيلِ فَإِنَّهُ يُقْسِمُ مَعَ قَوْلِ الْمَسْخُوطِ وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ صَغِيرًا أَوْ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا عُلِّقَ ذَلِكَ بِالْعَدَدِ لِأَنَّهَا قَسَامَةٌ فِي دَمٍ فَاخْتَصَّتْ بِالْخَمْسِينَ كَالْعَمْدِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى يَبْدَأُ فِيهَا الْمُدَّعُونَ وَتَكُونُ الْأَيْمَانُ عَلَى الْوَرَثَةِ إنْ كَانُوا يُحِيطُونَ بِالْمِيرَاثِ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ فَإِنْ كَانَ فِي الْأَيْمَانِ كَسْرٌ فَالْقَسَامَةُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ خَطَأٌ مِنْهَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يُنْظَرُ إلَى كَثْرَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَيْمَانِ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى أَكْثَرِ تِلْكَ الْيَمِينِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ
стр. 1972
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ وَرَثَةٌ إلَّا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ يَحْلِفْنَ وَيَأْخُذْنَ الدِّيَةَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ إلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَخَذَ الدِّيَةَ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ وَلَا يَكُونُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ) .
الْمِيرَاثُ فِي الْقَسَامَةِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ إذَا قَبِلَ وُلَاةُ الدَّمِ الدِّيَةَ فَهِيَ مَوْرُوثَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى يَرِثُهَا بَنَاتُ الْمَيِّتِ وَأَخَوَاتُهُ وَمَنْ يَرِثُهُ مِنْ النِّسَاءِ فَإِنْ لَمْ يَحُزْ النِّسَاءُ مِيرَاثَهُ كَانَ مَا بَقِيَ مِنْ دِيَتِهِ لِأَوْلَى النَّاسِ بِمِيرَاثِهِ مَعَ النِّسَاءِ) .
ــ
[المنتقى]
كَانَ عَلَى أَحَدِهِمْ نِصْفُهَا وَعَلَى الْآخِرِ ثُلُثُهَا وَعَلَى الْآخَرِ سُدُسُهَا جُبِرَتْ عَلَى صَاحِبِ النِّصْفِ وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ لَا يُحِيطُ بِالْمِيرَاثِ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ حِصَّةً مِنْ الدِّيَةِ حَتَّى يَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَحْمِلُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ عَنْ بَعْضٍ شَيْئًا مِنْ الْأَيْمَانِ فِي الْخَطَإِ كَمَا يَتَحَمَّلُهَا بَعْضُ الْعَصَبَةِ عَنْ بَعْضٍ فِي الْعَمْدِ إلَّا فِي جَبْرِ بَعْضِ الْيَمِينِ فَإِنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ حَظًّا مِنْهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لِأَنَّهُ مَالٌ وَلَا يَتَحَمَّلُ أَحَدٌ فِيهِ الْيَمِينَ عَنْ غَيْرِهِ كَالدُّيُونِ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ وَرَثَةٌ إلَّا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ يَحْلِفْنَ وَيَأْخُذْنَ الدِّيَةَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ إلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَخَذَ الدِّيَةَ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ وَلَا يَكُونُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ) .
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ حُكْمَ الْقَسَامَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ غَيْرُ حُكْمِهَا فِي قَتْلِ الْعَمْدِ لِأَنَّهَا لَمَّا اخْتَصَّتْ الْقَسَامَةُ فِي الْخَطَإِ بِالْمَالِ كَانَ ذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ رِجَالًا كَانُوا أَوْ نِسَاءً قَلَّ عَدَدُهُمْ أَوْ كَثُرَ وَلَا يَحْلِفُ فِي ذَلِكَ إلَّا وَارِثٌ وَأَمَّا قَتْلُ الْعَمْدِ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ الْقِصَاصُ وَإِنَّمَا يَقُومُ بِهِ الْعَصَبَةُ مِنْ الرِّجَالِ؛ فَلِذَلِكَ تَعَلَّقَتْ الْأَيْمَانُ بِهِمْ دُونَ النِّسَاءِ.
[الْمِيرَاثُ فِي الْقَسَامَةِ]
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ الْوُلَاةَ إذَا قَبِلُوا الدِّيَةَ وَتَقَدَّرَتْ فَهِيَ مَوْرُوثَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَهَذَا إذَا رَضِيَ بِهَا الْأَوْلِيَاءُ وَالْقَاتِلُ فَإِنْ رَضِيَ الْأَوْلِيَاءُ دُونَ الْقَاتِلِ وَقَالَ الْقَاتِلُ إنَّمَا لَكُمْ دَمِي وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ إلَى مَالِي.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَهِيَ مَوْرُوثَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ يَرِثُهَا بَنَاتُ الْمَيِّتِ وَأَخَوَاتُهُ وَسَائِرُ مَنْ يَرِثُهُ مِنْ النِّسَاءِ الْأُمِّ وَالزَّوْجَةِ وَالْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ وَالْجَدَّةِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ أَشْيَمَ الْكِلَابِيِّ أَنَّهُ قَالَ «كَتَبَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا» .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ إذَا قَامَ بَعْضُ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ الَّذِي يُقْتَلُ خَطَأً يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ حَقِّهِ مِنْهَا وَأَصْحَابِهِ غُيَّبٌ لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْ الدِّيَةِ شَيْئًا قَلَّ وَلَا كَثُرَ دُونَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الْقَسَامَةَ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا فَإِذَا حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا اسْتَحَقَّ حِصَّتَهُ مِنْ الدِّيَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الدَّمَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا وَلَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ حَتَّى يَثْبُتَ الدَّمُ فَإِنْ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْوَرَثَةِ أَحَدٌ حَلَفَ مِنْ الْخَمْسِينَ يَمِينًا بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ مِنْهَا وَأَخَذَ حَقَّهُ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الْوَرَثَةُ حُقُوقَهُمْ فَإِنْ جَاءَ أَخٌ لِأُمٍّ فَلَهُ السُّدُسُ وَعَلَيْهِ مِنْ الْخَمْسِينَ يَمِينًا السُّدُسُ فَمَنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّ حَقَّهُ مِنْ الدِّيَةِ وَمَنْ نَكَلَ بَطَلَ حَقُّهُ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ غَائِبًا أَوْ صَبِيًّا لَمْ يَبْلُغْ حَلَفَ الَّذِينَ حَضَرُوا خَمْسِينَ يَمِينًا فَإِنْ جَاءَ الْغَائِبُ بَعْدَ ذَلِكَ حَلَفَ أَوْ يَبْلُغُ الصَّبِيُّ الْحُلُمَ حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَيَحْلِفُونَ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ مِنْهَا قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت) .
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ بَعْضَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ إذَا قَامَ وَسَائِرُهُمْ غُيَّبٌ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْ الدِّيَةِ حَتَّى يَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْهَا إلَّا بِاسْتِكْمَالِ الْأَيْمَانِ فَإِنْ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ غَابَ حَلَفَ مِنْ الْأَيْمَانِ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْهَا لَوْ حَضَرَ جَمِيعُهُمْ أَوَّلَ الْأَمْرِ، وَأَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْ
стр. 1973
الْقَسَامَةُ فِي الْعَبِيدِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبِيدِ أَنَّهُ إذَا أُصِيبَ الْعَبْدُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، ثُمَّ جَاءَ سَيِّدُهُ بِشَاهِدٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ يَمِينًا وَاحِدَةً، ثُمَّ كَانَ لَهُ قِيمَةُ عَبْدِهِ، وَلَيْسَ فِي الْعَبْدِ قَسَامَةٌ فِي عَمْدٍ وَلَا خَطَإٍ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ قَتَلَ الْعَبْدُ عَبْدًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ قَسَامَةٌ وَلَا يَمِينٌ، وَلَا يَسْتَحِقُّ سَيِّدُهُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ أَوْ بِشَاهِدٍ فَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت) .
ــ
[المنتقى]
الدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَسْتَحِقَّ مَنْ لَمْ يَنْكُلْ شَيْئًا مِنْ الدِّيَةِ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَأْخُذَ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْهَا لَوْ حَلَفَ جَمِيعُهُمْ، وَيَبْطُلُ حَقُّ مَنْ نَكَلَ، وَمَنْ غَابَ مِنْ الْوَرَثَةِ أَوْ كَانَ صَغِيرًا فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ حَتَّى يَكْبُرَ الصَّغِيرُ، وَيَحْضُرَ الْغَائِبُ فَيَحْلِفَ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَيَأْخُذَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا أَقْسَمَ الْوَرَثَةُ ثَبَتَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ كَانَتْ لَهُ عَاقِلَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ فَفِي بَيْتِ الْمَالِ مُؤَجَّلَةٌ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْخَطَإِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَالتَّحَمُّلِ عَنْ الْقَاتِلِ، وَإِنَّمَا يُقْسِمُ فِي الْخَطَإِ عَلَى الْقَاتِلِ إنْ كَانَ وَاحِدًا، وَعَلَى جَمِيعِهِمْ إنْ كَانُوا جَمَاعَةً، وَلَيْسَ لِأَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى بَعْضِهِمْ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ تَتَبَعَّضُ، وَتُقَسَّطُ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ فَيَجِبُ تَسَاوِي عَاقِلَةِ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فِيهَا بِحَسَبِ مَا يُصِيبُهُ مِنْهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَمِينُ الْوَرَثَةِ عِنْدِي فِي قَسَامَةِ الْخَطَإِ عَلَى الْبَتِّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: فَإِنْ نَكَلَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بَطَلَ حَقُّهُ، مَعْنَاهُ بَطَلَ حَقُّهُ مِنْ الْقَسَامَةِ فِي التَّوَارُثِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَرْجِعُ نَصِيبُ مَنْ نَكَلَ إلَى الْعَاقِلَةِ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ عَلَى الْعِلْمِ فَإِنْ نَكَلُوا دَفَعُوا ذَلِكَ إلَى مَنْ نَكَلَ دُونَ يَمِينٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي اعْتِبَارُ الْحُقُوقِ وَالْمَالِ، وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ الْغَارِمُونَ وَلِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ لَوْ أَقَرَّ لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ فَلِذَلِكَ تَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِالْعَاقِلَةِ دُونَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى إقْرَارِ الْقَاتِلِ خَطَأً لَمْ يَجِبْ بِهِ عَلَيْهِ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ شَيْءٌ إذَا أَنْكَرَ الشَّهَادَةَ؛ لِأَنَّهُ كَالشَّاهِدِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى شَهَادَتِهِ فَفِي ذَلِكَ الْقَسَامَةُ، وَعَلَى الْعَاقِلَةِ الدِّيَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ نَكَلَ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنْ نَكَلَ جَمِيعُ وُلَاةِ الْقَتِيلِ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْعَاقِلَةَ فَإِنْ نَكَلُوا غَرِمُوا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّعْوَى تَئُولُ إلَى مَالٍ فَاعْتُبِرَتْ فِي النُّكُولِ وَالِاسْتِحْقَاقِ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[الْقَسَامَةُ فِي الْعَبِيدِ]
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ الْعَبْدَ إذَا قُتِلَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَجَاءَ سَيِّدُهُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ مِنْ قَتْلِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَوْ قَامَ شَاهِدٌ عَلَى حُرٍّ أَنَّهُ قَتَلَ عَبْدًا لَحَلَفَ سَيِّدُهُ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَأَخَذَ قِيمَتَهُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ يَخْتَلِفُ فِي هَذَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ قَالَ، وَيُجْلَدُ مِائَةً وَيُحْبَسُ سَنَةً.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ فِي الْعَبِيدِ قَسَامَةٌ فِي عَمْدٍ وَلَا خَطَإٍ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا قَالَ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَيَبْرَأُ قَالَ أَشْهَبُ، وَيُضْرَبُ مِائَةً، وَيُسْجَنُ سَنَةً فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ السَّيِّدُ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَاسْتَحَقَّ قِيمَةَ عَبْدِهِ مَعَ الضَّرْبِ وَالسِّجْنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ وَلَا ضَرْبَ وَلَا سَجْنَ فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ الْقِيمَةَ وَضُرِبَ وَسُجِنَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنَّمَا السَّجْنُ اسْتِبْرَاءٌ، وَكَشْفٌ عَنْ أَمْرِهِ، وَيُضْرَبُ أَدَبًا وَلَا يُضْرَبُ مِائَةً وَيُسْجَنُ سَنَةً إلَّا مَنْ يَمْلِكُ سَفْكَ دَمِهِ بِقَسَامَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحْلَفٌ فِي دَمِ مُسْلِمٍ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ سَفْكُهُ، وَلَا يَبْرَأُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا كَقَتْلِ الْحُرِّ خَطَأً، وَوَجْهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَالٌ فَلَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ تُبْرِئُ مِنْ الدَّعْوَى كَالدُّيُونِ، وَإِنَّمَا يُضْرَبُ مِائَةً وَيُسْجَنُ عَامًا رَدْعًا عَنْ الدِّمَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1974
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (كِتَابُ الْعُقُولِ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الْعُقُولِ أَنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْأَنْفِ إذَا أُوعِبَ جَدْعًا مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ مِثْلُهَا أَوْ فِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ» )
ــ
[المنتقى]
[كِتَابُ الْعُقُولِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (كِتَابُ الْعُقُولِ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الْعُقُولِ أَنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْأَنْفِ إذَا أُوعِبَ جَدْعًا مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ مِثْلُهَا أَوْ فِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ» ) (ش) : رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ، وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْجِرَاحِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ إلَى نَجْرَانَ، وَقَوْلُهُ فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى قَاتِلِ النَّفْسِ مِنْ الدِّيَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الدِّيَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ إبِلٌ وَذَهَبٌ وَوَرِقٌ فَهِيَ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَهِيَ تَجِبُ بِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ قَتْلِ الْخَطَإِ، وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ بِهِ، وَقَتْلِ الْعَمْدِ، وَقَتْلِ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْخِلَافِ فِيهِمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي الْأَنْفِ إذَا أُوعِبَ جَدْعًا مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ يُرِيدُ إذَا اُسْتُوْعِبَ قَطْعُهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ قَطْعَ الْأَنْفِ قَالَ وَفِي الْأَنْفِ مَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ إذَا أُوعِبَ جَدْعًا، وَكَذَلِكَ إذَا قُطِعَ مَارِنُهُ فَجَعَلَ اسْتِيعَابَ الْجَدْعِ قَطْعَ جَمِيعِ الْأَنْفِ، وَجَعَلَ فِي قَطْعِ مَارِنِ الْأَنْفِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَفِي الْأَنْفِ إذَا أُوعِبَ جَدْعًا أَيْ إذَا اُسْتُوْعِبَ مِنْهُ بِالْقَطْعِ مَا يُسَمَّى جَدْعًا، وَمِنْ ذَلِكَ وَعِبْت الْكَلَامَ إذَا اسْتَوْفَيْت مَعْنَاهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إذَا قُطِعَ مَارِنُهُ فَفِيهِ الدِّيَةُ لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ، وَفِي الْأَنْفِ إذَا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَةُ فَجَعَلَ قَطْعَ الْأَنْفِ اسْتِيعَابًا لِلْجَدْعِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ قَطْعَ الْمَارِنِ، وَهُوَ مَا فَوْقَ الْعَظْمِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْأَنْفِ قَالَ أَشْهَبُ هُوَ الْمَارِنُ، وَهُوَ الْأَرْنَبَةُ، وَهُوَ الرَّوْبَةُ تَبْلُغُهُ إلَى أَنْ يَكُونَ جَدْعًا كَامِلًا، وَمَا قُطِعَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنْ يَسْتَأْصِلَ الْعَظْمَ أَوْ بَعْضَهُ فَزَادَ عَلَى الْجَدْعِ الْكَامِلِ وَلِأَشْهَبَ فِي الْمَجْمُوعَةِ رَوَى ابْنُ شِهَابٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي الْأَنْفِ بِقَطْعِ مَارِنِهِ فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ» ، وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى تَأْوِيلِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لِلَّذِي فِيهِ مِنْ الْأَنْفِ أَنْ يَقْطَعَ الْمَارِنَ دُونَ الْعَظْمِ، وَلَوْ اُسْتُؤْصِلَ مِنْ الْعَظْمِ فَإِنَّ فِيهِ دِيَةً، وَفِي النَّوَادِرِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَا دِيَةَ فِي الْأَنْفِ، وَإِنْ ذَهَبَ شَمُّهُ حَتَّى يُسْتَأْصَلَ مِنْ أَصْلِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ لَا تُسْتَكْمَلُ فِيهِ الدِّيَةُ إلَّا بِهَذَا، وَهَذَا شَاذٌّ، وَفِي كِتَابِ الْأَبْهَرِيِّ إنْ أَذْهَبَ شَمَّهُ، وَالْأَنْفُ قَائِمٌ فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ أَنَّ الْمَارِنَ عَظْمٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَامِلَةٌ، وَجَمَالٌ ظَاهِرٌ فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ لِجَدْعِهِ أَصْلَ ذَلِكَ الْبَصَرِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ التَّعَلُّقُ بِقَوْلِهِ ﷺ «، وَفِي الْأَنْفِ إذَا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَةُ» ، وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ ضَرَبَهُ فَأَطَارَ أَنْفَهُ، ثُمَّ بَلَغَتْ الضَّرْبَةُ إلَى دِمَاغِهِ فَفِيهِ الدِّيَةُ لِلْأَنْفِ، وَثُلُثُ الدِّيَةِ لِلْمَأْمُومَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَصَلَ الثَّقْبُ إلَى عَظْمِ الْوَجْهِ الَّذِي تَحْتَ الْأَنْفِ فَبَلَغَهُ فِيهِ دِيَةُ مُنَقِّلَةٍ، وَلَوْ أَوْضَحَهُ لَكَانَتْ فِيهِ مُوضِحَةٌ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ، وَإِنْ اُسْتُؤْصِلَ الْعَظْمُ مَا كَانَ مِنْ جُرْحٍ فِي الْأَنْفِ نَفْسِهِ لَمْ يَصِلْ إلَى مَا تَحْتَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا بَقِيَ الشَّمُّ فَأَمَّا إذَا ذَهَبَ الشَّمُّ مَعَ الْجَدْعِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ، وَالْقِيَاسُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ
стр. 1975
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِيهِ دِيَةٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَدْعَ تَجِبُ بِهِ الدِّيَةُ لِمَا فِيهِ مِنْ إذْهَابِ الْأَنْفِ الَّذِي فِيهِ الْجَمَالُ الظَّاهِرُ، وَالشَّمُّ تَجِبُ بِهِ دِيَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَوَاسِّ، وَلَيْسَ مِمَّا يَجِبُ بِقَطْعِهِ الدِّيَةُ مِنْ الْأَنْفِ فَتَتَدَاخَلُ الدِّيَتَانِ كَمَا لَوْ أَذْهَبَ بَصَرَهُ بِقَطْعِ يَدَيْهِ لَوَجَبَ فِيهِمَا الدِّيَتَانِ فَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ الْأَنْفِ فَفِيهِ مِنْ الدِّيَةِ بِحِسَابِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ إنَّمَا يُقَاسُ مِنْ الْمَارِنِ كَالْحَشَفَةِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ فِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ الْمَأْمُومَةُ جُرْحٌ يَخْرِقُ إلَى الدِّمَاغِ قَالَ مَالِكٌ يَصِلُ إلَى الدِّمَاغِ، وَلَوْ بِمَدْخَلِ إبْرَةٍ قَالَ، وَالْجَائِفَةُ جُرْحٌ يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمَا جُرْحَانِ يَجِبُ فِيهِمَا ثُلُثُ الدِّيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً، وَبَرِئَتْ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ، وَكَذَلِكَ الْمُوضِحَةُ وَالْمُنَقِّلَةُ؛ لِأَنَّهَا مَتَالِفُ مَخُوفَةٌ، وَالسَّلَامَةُ فِي الْجَائِفَةِ، وَالْمَأْمُومَةِ نَادِرَةٌ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قِصَاصٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ حَالَهَا ثَبَتَتْ دِيَتُهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً، وَبَرِئَتْ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ لِحَقْنِ الدِّمَاءِ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْجَائِفَةُ غَيْرَ نَافِذَةٍ فَإِنْ كَانَتْ نَافِذَةً فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبَ، وَغَيْرِهِمَا عَنْ مَالِكٍ فِيهِمَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَدِيَةُ جَائِفَتَيْنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَهُوَ أَحَبُّ قَوْلَيْ مَالِكٍ إلَيَّ قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، وَذَلِكَ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ أَحَبُّ قَوْلِ مَالِكٍ إلَيَّ قَالَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ غَيْرُ هَذَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ» مَعْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي الْعَيْنِ مِنْ الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا الْعَيْنُ الْمُفْرَدَةُ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «خَمْسُونَ» يُرِيدُ نِصْفَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ مِائَةٌ، وَتَجِبُ فِي الْعَيْنَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذَا بَقِيَ جَمِيعُ الدِّيَةِ فَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَسَوَاءٌ قُطِعَتْ الْأَصَابِعُ مِنْ الْيَدِ دُونَ الْكَفِّ أَوْ قُطِعَتْ مِنْ الْكَفِّ أَوْ الْمِعْصَمِ أَوْ الْمِرْفَقِ أَوْ الْمَنْكِبِ فَدِيَتُهَا سَوَاءٌ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ أَشْهَبُ، وَكَذَلِكَ إذَا شُلَّتْ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِي الرِّجْلِ يَقْطَعُهَا مِنْ الْوِرْكِ أَوْ يَقْطَعُ الْأَصَابِعَ مِنْ أَصْلِهَا يَجْعَلُهَا سَوَاءً قَالَ عَنْهُ أَشْهَبُ كَمَا يُسْتَكْمَلُ دِيَةُ الذَّكَرِ لِقَطْعِ الْحَشَفَةِ فَتَكُونُ دِيَتُهُ كَدِيَةِ مَنْ قَطَعَهُ مِنْ أَصْلِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ قُطِعَ كَفُّهُ، وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا أُصْبُعٌ وَاحِدَةٌ فَلَهُ دِيَةُ الْأُصْبُعِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا أُصْبُعَانِ فَلَهُ دِيَةُ الْأُصْبُعَيْنِ، وَهَلْ يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ لِلْكَفِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَعَ الْأُصْبُعِ الْوَاحِدَةِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَكُونَ لَهُ فِي بَقِيَّةِ الْكَفِّ حُكُومَةٌ.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ لَا شَيْءَ لَهُ فِي بَقِيَّةِ الْكَفِّ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْأُصْبُعَيْنِ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ إنْ كَانَ الْأُصْبُعَانِ أَخَذَ لَهُمَا عَقْلًا أَوْ قَوَدًا فَلَهُ عَقْلُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ دُونَ حُكُومَةٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ الْحُكُومَةُ مَعَ الْعَقْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا أَرْبَعُ أَصَابِعَ فَلَا حُكُومَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يُقَادُ لَهُ مِنْ كَفٍّ لَهَا أَرْبَعَةُ أَصَابِعَ، وَلَا يُقَادُ لَهُ مِنْ كَفٍّ لَهَا ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْكَفِّ النَّاقِصَةِ أُصْبُعًا أَوْ أُصْبُعَيْنِ فِيهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَفِّ الْأَصَابِعُ، وَبِهَا الْعَمَلُ، وَتَمَامُ الْجَمَالِ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِهَا.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُطِعَ يَدٌ لَهَا أَرْبَعَةُ أَصَابِعَ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَهَا دِيَةُ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ، وَأَمَّا لَوْ نَقَصَتْ أُنْمُلَةً قَالَ كَأَنْ أَخَذَ لَهَا عَقْلًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ يُحَاسَبُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ لَهَا عَقْلًا، وَإِنَّمَا تَلِفَتْ بِمَرَضٍ وَشِبْهِهِ فَلَا يُحَاسَبُ بِهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَأُنْمُلَةُ الْإِبْهَامِ فِي هَذَا كَغَيْرِهَا يُحَاسَبُ بِهَا قَالَ أَشْهَبُ، وَأَمَّا الْأُنْمُلَتَانِ مِنْ سَائِرِ الْأَصَابِعِ فَيُحَاسَبُ بِهِمَا فِي الْخَطَإِ.
стр. 1976
الْعَمَلُ فِي الدِّيَةِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَوَّمَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى فَجَعَلَهَا عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَالَ مَالِكٌ فَأَهْلُ الذَّهَبِ أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ مِصْرَ، وَأَهْلُ الْوَرِقِ أَهْلُ الْعِرَاقِ) .
ــ
[المنتقى]
[الْعَمَلُ فِي الدِّيَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَوَّمَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى فَجَعَلَهَا عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ الْحَدِيثُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنَّهُ قَوَّمَ الدِّيَةَ، وَلَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ يُشَارُ إلَيْهِ بِالتَّقْوِيمِ مِنْ الدِّيَةِ إلَّا دِيَةَ الْإِبِلِ فَفِي الْمَدَنِيَّةِ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَوَّمَهَا فَكَانَتْ قِيمَتُهَا مِنْ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَمِنْ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَاسْتَقَرَّتْ عَلَى ذَلِكَ الدِّيَةُ لَا تُغَيَّرُ بِتَغْيِيرِ أَسْوَاقِ الْإِبِلِ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي اسْتِقْرَارِ الْقِيمَةِ، وَخَالَفَنَا فِي الْقَدْرِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ الْإِبِلَ تُقَوَّمُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَتَكُونُ قِيمَتُهَا الدِّيَةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ أَصْلٌ فِي الدِّيَةِ كَالْإِبِلِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَوَّمَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ بِهِ دِيَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ قَوِّمْ دِيَةَ رَجُلٍ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ فَكَانَتْ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقَوِّمْ دِيَةً عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ فَكَانَتْ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَوَجْهٌ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ قَوِّمْ الدِّيَةَ فَأَتَى بِلَفْظٍ يَسْتَغْرِقُ جِنْسَ الْقُرَى، وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى أَنْ يَكُونَ تَأْثِيرُ الْحُكْمِ بِذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْقُرَى فَثَبَتَ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْحُكْمَ بِذَلِكَ عَلَى الْقُرَى فِي الْجُمْلَةِ لِمَا يَقَعُ فِي جَمِيعِهَا فِي الْمُسْتَقْبِلِ، وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ لِنَصِّ عِلْمِهِ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ طَرِيقٍ لَا يَثْبُتُ عِنْدَنَا أَوْ لِنَظَرٍ أَدَّاهُ إلَى ذَلِكَ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الصَّحَابَةِ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ مَعْنًى لِلْإِبِلِ، وَلِلْعَيْنِ فِيهِ مَدْخَلٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ كَالزَّكَاةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلَيْهِ يُعْتَمَدُ فِي أَنَّ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ أُصُولٌ فِي الدِّيَةِ، وَقَدْ قَرَّرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَمَا قَرَّرَ أَنَّ قَدْرَ ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَإِذَا ثَبَتَ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ الْآخَرُ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الذَّهَبَ مُقَدَّرٌ فِي الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ رُبْعُ دِينَارٍ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَإِنْ نَازَعَنَا فِي ذَلِكَ الْمُخَالِفُ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ بِالْآثَارِ الَّتِي نُورِدُهَا فِي الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَإِنْ سَلَّمَهَا قِسْنَا عَلَيْهِ أَنَّهُ حُكْمُ طَرِيقِهِ الْجِنَايَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الدِّينَارُ فِيهِ مُقَدَّرًا بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَقَوَّمَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى خَصَّ بِذَلِكَ أَهْلَ الْقُرَى؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعَمُودِ هُمْ أَهْلُ الْإِبِلِ قَالَ مَالِكٌ أَهْلُ الْبَادِيَةِ وَالْعَمُودِ هُمْ أَهْلُ الْإِبِلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ فَأَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَهْلُ الْحِجَازِ أَهْلُ إبِلٍ، وَأَهْلُ مَكَّةَ مِنْهُمْ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَهْلُ ذَهَبٍ، وَرَوَى عَنْهُ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَهْلُ مَكَّةَ أَهْلُ ذَهَبٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا أَهْلُ الذَّهَبِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ أَهْلُ الشَّامِ، وَأَهْلُ مِصْرَ أَهْلُ الذَّهَبِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَكَذَلِكَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ، وَقَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ هُمْ الْيَوْمَ أَهْلَ ذَهَبٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ أَهْلُ ذَهَبٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ أَهْلُ وَرِقٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَيَكُونَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ أَهْلَ ذَهَبٍ إلَّا الْأَنْدَلُسَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِلَافًا مِنْ قَوْلَيْهِمَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا أَهْلُ الْوَرِقِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ أَهْلُ الْعِرَاقِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَأَهْلُ فَارِسٍ، وَخُرَاسَانَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُنْظَرَ إلَى غَالِبِ أَمْوَالِ النَّاسِ فِي الْبِلَادِ فَأَيُّ بَلَدٍ غَلَبَ عَلَى أَمْوَالِ أَهْلِهَا الذَّهَبُ فَهُمْ أَهْلُ ذَهَبٍ، وَأَيُّ بَلَدٍ غَلَبَ
стр. 1977
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ الدِّيَةَ تُقْطَعُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَرْبَعِ سِنِينَ قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّلَاثُ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ)
ــ
[المنتقى]
عَلَى أَمْوَالِهِمْ الْوَرِقُ فَهُمْ أَهْلُ وَرِقٍ، وَرُبَّمَا انْتَقَلَتْ الْأَمْوَالُ فَيَجِبُ أَنْ تَنْتَقِلَ الْأَحْكَامُ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ الْيَوْمَ أَهْلُ ذَهَبٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَدْخُلُ فِيهَا غَيْرُ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يُؤْخَذُ فِيهَا بَقَرٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا حُلَلٌ، وَلَا تَكُونُ إلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إبِلٍ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ، وَذَلِكَ خِلَافٌ لِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلَيْهِمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَا بَقَرَةٍ، وَمِنْ أَهْلِ الْغَنَمِ أَلْفُ شَاةٍ، وَمِنْ أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَا حُلَّةٍ يَمَانِيَّةٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ عُمَرَ قَوَّمَ الْإِبِلَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَوَافَقَ عَلَى ذَلِكَ مَنْ عَاصَرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي قَصْرُ الدِّيَةِ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّقْوِيمَ إنَّمَا يَكُونُ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْحُكْمَ بِذَلِكَ كَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْقُرَى فَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْقُرَى مَوْضِعٌ يَحْكُمُ عَلَى أَهْلِهِ بِالْحُلَلِ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْحُلَلَ نَوْعٌ مِنْ الْعُرُوضِ فَأَشْبَهَ الْعَقَارَ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ يَخِفُّ، وَتَتَسَاوَى قِيمَتُهُ، وَالْإِبِلُ لَا مَشَقَّةَ فِي نَقْلِهَا، وَسَائِرُ الْمَوَاشِي تَخْتَلِفُ قِيمَتُهَا، وَيُشَقُّ نَقْلُهَا، وَإِنَّمَا أُلْزِمَ أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ أَفْضَلَ أَمْوَالِهِمْ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ الدِّيَةَ تُقْطَعُ يَقْتَضِي أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا التَّأْجِيلُ، وَالثَّانِي التَّنْجِيمُ عَلَى آجَالِ بَعْضِهَا بَعْدَ بَعْضٍ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ ذَلِكَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ مَعَانِيَ أَحَدُهَا التَّخْيِيرُ، وَالثَّانِي الشَّكُّ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ الْقَوْلَيْنِ كُلُّ قَوْلٍ مِنْ قَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَاهُ وَيُفْتِي بِهِ دُونَ الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَاخْتَارَ مَالِكٌ ﵀ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيًّا ﵄ قَضَيَا بِالدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَلَمْ يُخَالِفْهُمَا أَحَدٌ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهَا عَلَى وَجْهِ الْمُوَاسَاةِ فَيَجِبُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهَا، وَكَانَتْ فِي الْأَصْلِ مِنْ الْإِبِلِ، وَقَدْ تَكُونُ وَقْتَ الْوُجُوبِ حَوَامِلَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَلَّفُوا إذًا حَوَامِلَ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَوَابِنُ فَوَجَبَ أَنْ يُؤَجِّلُوا ثَلَاثَ سِنِينَ فَيَجْتَمِعُ لَهُمْ مَا تُشْتَرَى بِهِ السِّنُّ الْوَاجِبَةُ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا حُكْمُ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ، وَأَمَّا أَبْعَاضُهَا فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ أَحَدَاهُمَا الْحُلُولُ، وَالثَّانِيَةُ التَّأْجِيلُ.
فَوَجْهُ رِوَايَةِ الْحُلُولِ أَنَّهُ بَعْضُ دِيَةٍ فَكَانَ عَلَى الْحُلُولِ أَصْلُ ذَلِكَ مَا دُونَ الثُّلُثِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ التَّأْجِيلِ أَنَّهَا دِيَةٌ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ كَالدِّيَةِ الْكَامِلَةِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالتَّأْجِيلِ فَإِنَّ ثُلُثَهَا فِي سَنَةٍ، وَثُلُثَيْهَا فِي سَنَتَيْنِ فَأَمَّا نِصْفُهَا فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي النِّصْفِ وَالثَّلَاثَةِ أَرْبَاعٍ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهَا فِي سَنَتَيْنِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَقَالَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهَا تُرَدُّ إلَى الِاجْتِهَادِ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ النِّصْفَ فِي سَنَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ الثُّلُثَانِ، وَالثُّلُثُ فِي سَنَةِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ ذَلِكَ يُصْرَفُ إلَى الِاجْتِهَادِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَبِالرِّوَايَةِ الْأُولَى أَخَذَ أَصْحَابُ مَالِكٍ إلَّا أَشْهَبَ فَقَالَ فِي النِّصْفِ يُؤْخَذُ الثُّلُثُ إذَا مَضَتْ السَّنَةُ، وَالسُّدُسُ الْبَاقِي إذَا مَضَتْ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ.
فَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الدِّيَةَ مَبْنِيَّةٌ فِي تَنْجِيمِهَا عَلَى أَعْوَامٍ كَامِلَةٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْجُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلِأَنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي نَجَمَتْ مِنْ أَجْلِهَا مِنْ تَلَاحُقِ الْأَسْنَانِ أَوْ تَكَامُلِ النَّمَاءِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْأَعْوَامِ فَلِذَلِكَ بَلَغَ النِّصْفُ إلَى السَّنَتَيْنِ لِيُكْمِلَ الْمَقْصُودَ فِي الْعَامِ الثَّانِي مِنْ السُّدُسِ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ، وَقَدْ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي خَمْسَةِ أَسْدَاسِهَا يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي السُّدُسِ الْبَاقِي.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا جَاوَزَتْ الثُّلُثَيْنِ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ فَهِيَ كَالْكَامِلَةِ فَإِنْ جَاوَزَتْهُ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ فَذَلِكَ كَلَا شَيْءٍ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا إنَّ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثَيْنِ يُقْطَعُ فِي ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا زَادَتْ عَلَى الثُّلُثَيْنِ بِمَا لَهُ بَالٌ لَقُطِعَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُهُ
стр. 1978
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فِي الدِّيَةِ الْإِبِلُ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْعَمُودِ الذَّهَبُ وَلَا الْوَرِقُ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ الْوَرِقُ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ الذَّهَبُ) .
مَا جَاءَ فِي دِيَةِ الْعَمْدِ إذَا قُبِلَتْ وَجِنَايَةِ الْمَجْنُونِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَانَ يَقُولُ فِي دِيَةِ الْعَمْدِ إذَا قُبِلَتْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً)
ــ
[المنتقى]
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَالٌ قُطِعَ فِي سَنَتَيْنِ، وَاسْتُحْسِنَ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ فِي آخِرِ السَّنَتَيْنِ قَالَ وَإِنْ كَانَتْ ثُلُثًا وَزِيَادَةً يَسِيرَةً فَهِيَ فِي سَنَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى الثُّلُثِ لَهَا بَالٌ فَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ، وَإِذَا لَزِمَتْ الدِّيَةُ عَوَاقِلَ عَشَرَةٍ قَالَ لَزِمَ كُلُّ قَبِيلٍ عُشْرُهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ كِتَابِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا تَحَمَّلَتْ قَبِيلَةُ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عُشْرَ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَقَالَ أَشْهَبُ سَوَاءٌ كَانَتْ الدِّيَةُ إبِلًا أَوْ غَيْرَهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا تَحَمَّلَتْ الدِّيَةَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ فَلَا يُتَعَجَّلُ مِنْهُمْ شَيْءٌ فَإِذَا تَمَّتْ سَنَةٌ أُخِذَ ثُلُثُهَا قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فِي الدِّيَةِ الْإِبِلُ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْعَمُودِ الذَّهَبُ وَلَا الْوَرِقُ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ الْوَرِقُ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ الذَّهَبُ) .
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّهُ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ فِي الدِّيَةِ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ، وَاخْتَصَّ بِهِمْ مِنْ أَفْضَلِ الْأَمْوَالِ، وَمَا يَكُونُ تَعَامُلُهُمْ بِهِ، وَيَكْثُرُ وُجُودُهُمْ لَهُ، فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى الْإِبِلُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُعْظَمَ أَمْوَالِهِمْ، وَلَا مَا يَتَصَرَّفُونَ بِهِ بَيْنَهُمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ عِنْدَهُ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ، وَلِذَلِكَ قَالَ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْعَمُودِ الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ فَقَصَرَ الْإِبِلَ عَلَيْهِمْ كَمَا قَصَرَ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى، وَمَنَعَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى التَّخْيِيرِ لِجَانٍ أَوْ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ لَازِمٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إلَّا أَنْ يَقَعَ الِاتِّفَاقُ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى شَيْءٍ فَيَكُونَ تَعَاوُضًا مُسْتَقْبَلًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا يُؤْخَذُ الذَّهَبُ مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ، وَلَا الْوَرِقُ مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ يُرِيدُ أَنَّ لُزُومَ التَّعْيِينِ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَإِنْ كَانَ جِنْسًا وَاحِدًا فِي الزَّكَاةِ وَفِي الدَّيْنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ كُلُّ نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ لِقَوْمٍ عَلَى حَسَبِ مَا تَعَيَّنَتْ الْإِبِلُ لِأَهْلِ الْعَمُودِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي دِيَةِ الْعَمْدِ إذَا قُبِلَتْ وَجِنَايَةِ الْمَجْنُونِ]
(ش) : قَوْلُهُ فِي دِيَةِ الْعَمْدِ إذَا قُبِلَتْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، يُرِيدُ أَنَّهَا أَرْبَاعٌ فَتَعَلَّقَ التَّغْلِيظُ لِلْعَمْدِ بِالزِّيَادَةِ فِي السِّنِّ دُونَ الْعَدَدِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى فِي الْمُزَنِيَّةِ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَهِيَ الَّتِي تَتْبَعُ أُمَّهَا، وَقَدْ حَمَلَتْ أُمُّهَا، وَبِنْتُ اللَّبُونِ، وَهِيَ الَّتِي تَتْبَعُ أُمَّهَا أَيْضًا وَهِيَ تَرْضِعُ، وَالْحِقَّةُ هِيَ الَّتِي تَسْتَحِقُّ الْجَمَلَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ الَّتِي بَلَغَتْ أَنْ تُضْرَبَ، وَأَمَّا الْجَذَعَةُ مِنْ الْإِبِلِ فَهِيَ مَا كَانَ مِنْ فَوْقِ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ أَرْبَاعٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ دِيَةُ الْعَمْدِ أَثْلَاثًا كَدِيَةِ التَّغْلِيظِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ الْقَتْلِ مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجِبْ فِي دِيَةِ الْحَوَامِلِ كَالْخَطَإِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَا قُلْنَاهُ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا قُبِلَتْ فِي الْعَمْدِ دِيَةٌ مُبْهَمَةٌ، وَأَمَّا إنْ اصْطَلَحُوا عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ مَاضٍ، وَمِنْ الْمَوَّازِيَّةِ إنْ اصْطَلَحُوا عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ ذَلِكَ، وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى دِيَةٍ مُبْهَمَةٍ أَوْ عَفَا بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ فَرَجَعَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ فَهِيَ مِثْلُ دِيَةِ الْخَطَإِ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ نَافِع أَنَّ الْعَمْدَ يَقْتَضِي التَّغْلِيظَ بِمُجَرَّدِهِ فَإِذَا أُبْهِمَتْ الدِّيَةُ حُمِلَتْ عَلَى ذَلِكَ، وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ الدِّيَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إنَّمَا هِيَ دِيَةُ الْخَطَإِ فَإِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ الدِّيَةِ اقْتَضَاهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، وَهِيَ فِي مَالِ الْجَانِي، وَهَلْ تَكُونُ حَالَّةً أَوْ مُنَجَّمَةً فَفِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ هِيَ حَالَّةٌ غَيْرُ مُنَجَّمَةٍ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهَا مُنَجَّمَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا دِيَةٌ لَا تَحْمِلُهَا
стр. 1979
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَتَبَ إلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ أُتِيَ بِمَجْنُونٍ قَتَلَ رَجُلًا فَكَتَبَ إلَيْهِ مُعَاوِيَةُ أَنْ اعْقِلْهُ، وَلَا تُقِدْ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَجْنُونٍ قَوَدٌ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ إذَا قَتَلَا رَجُلًا جَمِيعًا عَمْدًا أَنَّ عَلَى الْكَبِيرِ أَنْ يُقْتَلَ، وَعَلَى الصَّغِيرِ نِصْفَ الدِّيَةِ قَالَ مَالِكٌ، وَكَذَلِكَ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ يَقْتُلَانِ الْعَبْدَ عَمْدًا يُقْتَلُ الْعَبْدُ، وَيَكُونُ عَلَى الْحُرِّ نِصْفُ قِيمَتِهِ)
ــ
[المنتقى]
الْعَاقِلَةُ فَكَانَتْ حَالَّةً أَصْلِ ذَلِكَ مَا دُونَ الثُّلُثِ مِنْ أَرْشِ الْجِرَاحَاتِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ فَكَانَتْ مُنَجَّمَةً عَلَى ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ كَاَلَّتِي تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَتَبَ إلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ أُتِيَ بِمَجْنُونٍ قَتَلَ رَجُلًا فَكَتَبَ إلَيْهِ مُعَاوِيَةُ أَنْ اعْقِلْهُ، وَلَا تُقِدْ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَجْنُونٍ قَوَدٌ) .
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ مَرْوَانَ كَتَبَ إلَى مُعَاوِيَةَ يَسْأَلُهُ عَلَى مَا يَلْزَمُ الْأُمَرَاءَ وَالْحُكَّامَ مِنْ الرُّجُوعِ فِيمَا أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ إلَى قَوْلِ الْأَئِمَّةِ لَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَصَحِبَ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ وَعَلِمَ أَحْكَامَهُمْ وَشَهِدَ لَهُ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فَقِيهٌ، وَإِنَّمَا كَتَبَ إلَيْهِ مَرْوَانُ يَسْأَلُهُ عَنْ مَجْنُونٍ قَتَلَ فَأَجَابَهُ عَنْ كِتَابِهِ بِأَنَّ حُكْمَ الْمَجْنُونِ الْقَاتِلِ أَنْ يُعْقَلَ، وَلَا يُقَادَ مِنْهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ فِعْلَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَأَشْبَهَ قَتْلَ الْخَطَإِ، وَقَتْلُ الْخَطَإِ يَخْتَصُّ بِالْعَقْلِ دُونَ الْقِصَاصِ، وَهَكَذَا مَا بَلَغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فِيمَنْ عَقَلَ جِرَاحَهُ، فَأَمَّا مَا قَصَرَ عَنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ، وَأَتْلَفَ مِنْ مَالٍ فَفِي مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اتَّبَعَ بِهِ فِي ذِمَّتِهِ قَالَهُ أَشْهَبُ، وَهَذَا فِي الْمَجْنُونِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَلَا يُفِيقُ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا رُجِيَ مِنْ أَدَبِ الْمَعْتُوهِ أَنْ يَكُفَّ لِئَلَّا يَتَّخِذَهُ عَادَةً فَلْيُؤَدِّبْ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي مَجْنُونٍ يَعْقِلُ فَأَمَّا مَجْنُونٌ لَا يَعْقِلُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى إنْسَانٍ فَحَرَقَ ثِيَابَهُ أَوْ كَسَرَ لَهُ سِنًّا فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا كَانَ لَا قَصْدَ لَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْكَبِيرُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فَيُقَادُ مِنْهُ فِي الْعَمْدِ فِي النَّفْسِ وَالْجِرَاحِ، وَخَطَؤُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ يَصِحُّ، وَإِنَّمَا سَعْيُهُ يَتَمَيَّزُ فِي مَالِهِ وَحِفْظِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا السَّكْرَانُ فَيُقَادُ مِنْهُ، وَإِنَّ قَصْدَهُ يَصِحُّ، وَهُوَ مُكَلَّفٌ، وَلَوْ بَلَغَ إلَى أَنْ يَكُونَ مُغْمًى عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ قَصْدٌ، وَلَا يَسْمَعُ، وَلَا يَرَى قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ فَعِنْدِي لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَهُوَ كَالْعَجْمَاءِ، وَأَمَّا النَّائِمُ فَمَا أَصَابَ فِي نَوْمِهِ مِنْ جُرْحٍ يَبْلُغُ الثُّلُثَ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ زَادَ أَشْهَبُ، وَمَا كَانَ دُونَ الثُّلُثِ فَفِي مَالِهِ كَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ إذَا قَتَلَا رَجُلًا جَمِيعًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقْتُلَاهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا أَوْ يَقْتُلَهُ أَحَدُهُمَا خَطَأً وَالْآخَرُ عَمْدًا، فَإِنْ قَتَلَاهُ خَطَأً فَلَا خِلَافَ أَنَّ عَلَى عَاقِلَةِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الدِّيَةَ، وَإِنْ قَتَلَاهُ عَمْدًا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُقْتَلُ الْكَبِيرُ، وَعَلَى الصَّغِيرِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يُقْتَلُ الْكَبِيرُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْقَتْلَ كُلَّهُ عَمْدًا، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الْقَتْلُ عَنْ الصَّغِيرِ لِصِغَرِهِ وَعَدَمِ تَكْلِيفِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ أَبُوهُ وَأَجْنَبِيٌّ عَمْدًا حَرَّمَاهُ فَإِنَّهُ يَعْقِلُ الْأَجْنَبِيُّ، وَعَلَى الْأَبِ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ كُلَّهُ عَمْدٌ لَكِنَّ الْقِصَاصَ صُرِفَ عَنْ الْأَبِ لِمَعْنًى فِيهِ لَا لِصِفَةِ الْقَتْلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ قَتَلَ أَحَدُهُمَا خَطَأً، وَقَتَلَ الْآخَرُ عَمْدًا، فَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ مِنْ الْكَبِيرِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ مِنْ الصَّغِيرِ وَالْعَمْدُ مِنْ الْكَبِيرِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهِمَا الدِّيَةُ، وَلَا يُقْتَلُ الْكَبِيرُ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فَلَا يُدْرَى مِنْ أَيِّهِمَا مَاتَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ يُقْتَلُ الْكَبِيرُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ لِأَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ كَالْخَطَإِ، وَحُجَّةُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يُدْرَى مِنْ أَيِّهِمَا مَاتَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَمَّدَ الصَّبِيُّ لَا يُدْرَى أَيْضًا مِنْ أَيِّهِمَا مَاتَ، وَهُوَ يَرَى عَمْدَهُ كَالْخَطَإِ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَلْزَمُ ابْنَ الْقَاسِمِ لَا يُدْرَى مِنْ أَيِّهِمَا مَاتَ لَا يُدْرَى هَلْ مَاتَ مِنْ ضَرْبِ عَمْدٍ أَوْ ضَرْبِ خَطَأٍ فَهَذَا الَّذِي يَمْنَعُ الْقِصَاصَ مِنْ الْمُتَعَمِّدِ كَمَا لَوْ كَانَا كَبِيرَيْنِ، أَمَّا إنْ كَانَ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ عَامِدَيْنِ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ ضَرْبِ عَمْدٍ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْ الصَّغِيرِ لِمَعْنًى فِيهِ لَا لِمَعْنًى فِي الضَّرْبِ كَمَا لَوْ كَانَا كَبِيرَيْنِ قَتَلَاهُ عَمْدًا فَعُفِيَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَمَّا سَقَطَ بِذَلِكَ الْقِصَاصُ عَنْ الْآخَرِ، أَوْ قَتَلَ حُرٌّ وَعَبْدٌ عَبْدًا عَمْدًا فَإِنَّ
стр. 1980
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
سُقُوطَ الْقِصَاصِ عَنْ الْحُرِّ لَا يُسْقِطُهُ عَنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ مَا أَسْقَطَهُ عَنْ صَاحِبِهِ لَمْ يَكُنْ لِمَعْنًى فِي الْفِعْلِ، وَإِنَّمَا كَانَ لِمَعْنًى فِي الْفَاعِلِ، وَلَوْ قَتَلَهُ أَحَدُهُمَا عَمْدًا وَالْآخَرُ خَطَأً لَسَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْ أَحَدِهِمَا لِمَعْنًى فِي الْفِعْلِ، وَلَا يُدْرَى هَلْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ الَّذِي يَمْنَعُ الْقِصَاصَ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ مِنْ فِعْلِ الْآخَرِ الَّذِي لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ قَتَلَ رَجُلًا رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا خَطَأً وَالْآخَرُ عَمْدًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ وَالْمَجْمُوعَةِ: عَلَى الْعَامِدِ الْقَتْلُ، وَعَلَى الْمُخْطِئِ نِصْفُ الدِّيَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَاضْطَرَبَ فِيهَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ مَرَّةً يُجْبَرُ الْأَوْلِيَاءُ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى مَنْ شَاءُوا مِنْهُمَا مَاتَ الْقَتِيلُ قَصْعًا أَوْ صَدْمًا، وَاسْتَحْسَنَ هَذَا أَصْبَغُ، ثُمَّ قَالَ مَرَّةً يُقْسِمُونَ أَنَّ مِنْ ضَرْبِهِمَا مَاتَ، ثُمَّ يَكُونُ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْعَامِدِ، وَنِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْمُخْطِئِ، وَإِنْ كَانَ مَاتَ الْقَتِيلُ قَصْعًا، وَثَبَتَتْ فِي ذَلِكَ بَيِّنَةٌ قَالَ، وَلَا يُقْتَلُ الْمُتَعَمِّدُ إذَا شَارَكَهُ الْمُخْطِئُ، وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ مَتَى اشْتَرَكَ فِي الْقَتْلِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَمَنْ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ كَالْعَامِدِ، وَالْمُخْطِئِ، وَالْبَالِغِ، وَالصَّغِيرِ، وَالْعَاقِلِ، وَالْمَجْنُونِ قُتِلَ مَنْ يَلْزَمُهُ الْقَوَدُ، وَكَانَ عَلَى الْآخَرِ بِقِسْطِهِ مِنْ الدِّيَةِ فَسَوَّى بَيْنَ مُشَارَكَةِ الْمُخْطِئِ، وَمُشَارَكَةِ الصَّغِيرِ فِي الْقِصَاصِ مِمَّنْ شَارَكَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا قَوَدَ عَلَى مَنْ يَشْرَكُ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] ، وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إنْ شَاءُوا قَتَلُوا» ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْقَتْلِ لَا يُغَيِّرُ جِنْسَهُ كَاشْتِرَاكِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَعَلَى الصَّغِيرِ نِصْفُ الدِّيَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ فِي مَالِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ فَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ عَمْدَهُ كَالْخَطَإِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى الْحُرِّ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ دِيَةٍ فَإِنَّهُ فِي مَالِهِ بَلْ يَكُونُ عَلَى مَا وَقَعَ عَلَى الصَّغِيرِ فِي مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ مَعَهُ إلَّا كَبِيرٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ أَحَدَ عَشَرَ عَلَى عَاقِلَتِهِ إذَا كَانَ الْقَتْلُ كُلُّهُ خَطَأً، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْقِصَاصُ مَعَ ثُبُوتِهِ بِالْبَيِّنَةِ فَكَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَالْخَطَإِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ عَمْدٌ فَلَمْ تَجِبْ بِهِ دِيَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَعَمْدِ الْكَبِيرِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُونَ عَشَرَةً وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ عُشْرَ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّغِيرِ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِأَصْلِ الدِّيَةِ، وَهِيَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَذَلِكَ الْجُزْءُ وَإِنْ قَلَّ مُؤَجَّلٌ فِي ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الِاعْتِبَارِ بِأَصْلِ الدِّيَةِ، وَهِيَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فَوَجَبَ أَنْ يُنَجَّمَ فِي ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ؛ لِأَنَّ عَلَى كُلِّ عَاقِلَةٍ جُزْءًا مِنْ دِيَةٍ كَامِلَةٍ كَمَا يُنَجَّمُ مَا يَلْزَمُ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ، وَرُبَّمَا كَانَ الَّذِي يُصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ أَقَلَّ مِمَّا يُصِيبُ عَاقِلَةً أُخْرَى مِنْ ثُلُثِ دِيَةٍ، وَلَكِنَّ سُنَّةَ الدِّيَاتِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاعْتِبَارِ بِأُصُولِهَا، وَعَلَى حَسَبِ ذَلِكَ يَكُونُ تَنْجِيمُهَا، وَتَحَمُّلُ الْعَاقِلَةِ لَهَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَكَذَلِكَ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ يَقْتُلَانِ الْعَبْدَ عَمْدًا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الْعَبْدُ، وَعَلَى الْحُرِّ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ، وَهَذَا عَلَى مَا قَالَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ، وَيُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْحُرِّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُقْتَلُ بِعَبْدٍ غَيْرِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ فَلَمْ يَجْرِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ كَالْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ، وَقَتَلَ عَبْدًا حُرٌّ وَعَبْدٌ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ، وَيُقْتَلُ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ كُلَّهُ قَتْلٌ عَمْدٌ فَمَا سَقَطَ مِنْ الْقِصَاصِ عَنْ
стр. 1981
مَا جَاءَ فِي دِيَةِ الْخَطَإِ فِي الْقَتْلِ (ص) : (يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ أَجْرَى فَرَسًا عَلَى أُصْبُعِ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ فَنَزَا مِنْهَا فَمَاتَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلَّذِي اُدُّعِيَ عَلَيْهِ أَتَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا مَاتَ مِنْهَا فَأَبَوْا، وَتَحَرَّجُوا، وَقَالَ لِلْآخَرِينَ أَتَحْلِفُونَ أَنْتُمْ فَأَبَوْا فَقَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِشَطْرِ الدِّيَةِ عَلَى السَّعْدِيِّينَ قَالَ مَالِكٌ، وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ وَرَبِيعَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانُوا يَقُولُونَ دِيَةُ الْخَطَإِ عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا قَوَدَ بَيْنَ الصِّبْيَانِ، وَأَنَّ عَمْدَهُمْ خَطَأٌ مَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ وَيَبْلُغُوا الْحُلُمَ، وَإِنَّ قَتْلَ الصَّبِيِّ
ــ
[المنتقى]
الْحُرِّ لِنَقْصِ الْمَقْتُولِ بِالرِّقِّ عَنْ مُسَاوَاةِ الْحُرِّ لَا يَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لَهُ فِي الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْقِطَ فِي الْقِصَاصِ إنَّمَا هُوَ لِمَعْنًى فِي الْقَاتِلِ لَا لِمَعْنًى فِي الْقَتِيلِ قَالَ اللَّهُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ، وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ قَتَلَ حُرًّا عَبْدٌ وَحُرٌّ فَإِنَّهُمَا يُقْتَلَانِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ مُسَاوٍ لِلْمَقْتُولِ، وَالْعَبْدَ أَدْوَنُ رُتْبَةً مِنْ الْحُرِّ فَيُقْتَلُ بِالْحُرِّ، وَلَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
[مَا جَاءَ فِي دِيَةِ الْخَطَإِ فِي الْقَتْلِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ رَجُلًا سَعْدِيًّا وَطِئَ بِفَرَسِهِ عَلَى أُصْبُعِ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ فَنَزَا مِنْهَا يُرِيدُ نَزَا مِنْهَا الدَّمُ وَتَزَايَدَتْ فَمَاتَ الْجُهَنِيُّ فَأَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ السَّعْدِيِّينَ أَنْ يَحْلِفُوا مَا مَاتَ مِنْهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَسَامَةِ إلَّا أَنَّ عُمَرَ رَأَى أَنْ يَبْدَأَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْأَيْمَانِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَبْدَأَ الْمُدَّعُونَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْقَسَامَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ وَظَاهِرُهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا يُرِيدُ أَنَّ الَّذِي يَرَى هُوَ، وَيُفْتِي بِهِ أَنْ يَبْدَأَ الْمُدَّعُونَ؛ لِأَنَّ جَنْبَتَهُمْ أَظْهَرُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(فَصْلٌ) :
وَلَمَّا أَبَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، وَالْمُدَّعُونَ مِنْ الْأَيْمَانِ، وَتَحَرَّجُوا قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِشَطْرِ الدِّيَةِ عَلَى السَّعْدِيِّينَ، يُرِيدُ أَنَّهُ أَصْلَحَ بَيْنَهُمْ عَلَى هَذَا فَسَمَّاهُ قَضَاءً بِمَا يُوجَدُ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِلَّا فَالْقَضَاءُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَنَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا أَنَّهُ إذَا رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَنَكَّلُوا فَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُمْ يُحْبَسُونَ حَتَّى يَحْلِفُوا فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُمْ خُلُّوا، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ الدِّيَةَ تَلْزَمُهُمْ بِالنُّكُولِ وَأَبُو حَنِيفَةَ الَّذِي يَقُولُ يَبْدَأُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْيَمِينِ، وَلَا يَرَى رَدَّ الْيَمِينِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَالِكٍ ﵀، وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا يُرِيدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَبْدِئَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَالْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ بِنِصْفِ الدِّيَةِ إنْ حُمِلَ قَوْلُهُ فَقَضَى عُمَرُ عَلَى السَّعْدِيِّينَ بِنِصْفِ الدِّيَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ قَضَى بِهِ بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَبِرَ فِي ذَلِكَ بِرِضَاهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ وَرَبِيعَةَ كَانُوا يَقُولُونَ دِيَةُ الْخَطَإِ عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضِ، وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ سِنٌّ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الزَّكَاةِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي دِيَةِ الْخَطَإِ كَالْفِصْلَانِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ دِيَةَ الْجِرَاحِ خَطَأً عَلَى هَذَا مُخَمَّسَةٌ أَيْضًا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ فَإِنْ كَانَ جُرْحًا عَقْلُهُ أَقَلُّ مِنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ كَالْأُنْمُلَةِ كَانَ لَهُ شِرْكٌ فِي هَذِهِ الْأَسْنَانِ الْخَمْسَةِ فَفِي الْأُنْمُلَةِ ثَلَاثَةُ أَبْعِرَةٍ وَثُلُثٌ مُخَمَّسَةٌ ثُلُثُ بَعِيرٍ مِنْ كُلِّ سِنٍّ يَكُونُ فِيهِ شَرِيكًا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ.
стр. 1982
لَا يَكُونُ إلَّا خَطَأً، وَذَلِكَ لَوْ أَنَّ صَبِيًّا وَكَبِيرًا قَتَلَا رَجُلًا حُرًّا خَطَأً، كَانَ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ قُتِلَ خَطَأً فَإِنَّمَا عَقْلُهُ مَالٌ لَا قَوَدَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ مَالِهِ يُقْضَى بِهِ دَيْنُهُ وَتَجُوزُ فِيهِ وَصِيَّتُهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ تَكُونُ الدِّيَةُ قَدْرَ ثُلُثِهِ، ثُمَّ عَفَا عَنْ دِيَتِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَ دِيَتِهِ جَازَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ إذَا عَفَا عَنْهُ وَأَوْصَى بِهِ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ ﵀ لَا قَوَدَ بَيْنَ الصِّبْيَانِ الْقَوَدُ هُوَ الْقِصَاصُ يُرِيدُ إنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَقَوْلُهُمْ عَمْدُهُمْ خَطَأٌ يُرِيدُ أَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ حُكْمَ الْخَطَإِ، وَقَوْلُهُ مَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ، يُرِيدُ الْحُدُودَ الَّتِي تَجِبُ عَلَى مَنْ فَعَلَ أَسْبَابَهَا مِنْ حَدِّ قَذْفٍ وَشُرْبِ خَمْرٍ وَزِنًا، وَقَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ يُرِيدُ الِاحْتِلَامَ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مَا جَنَى غُلَامٌ لَمْ يَحْتَلِمْ وَصَبِيَّةٌ لَمْ تَحِضْ مِنْ عَمْدٍ فَهُوَ كَالْخَطَإِ، وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَيْضِ وَالِاحْتِلَامِ أُقِيدَ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ فِي وِلَايَةٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ وَلَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ سَوَاءً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ بِالْإِنْبَاتِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الِاحْتِلَامُ فَهُوَ مِمَّا يَنْفَرِدُ بِمَعْرِفَتِهِ الْمُحْتَلِمُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْكِرَهُ إذَا جَنَى أَوْ أَتَى بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ حَدٌّ، وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ يُرَاعِي فِيمَنْ يَقْتُلُهُ مِنْ الرِّجَالِ يَوْمَ قُرَيْظَةَ» وَغَيْرِهِمْ الْإِنْبَاتَ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ ظَاهِرٌ، وَالِاحْتِلَامُ أَمْرٌ غَائِبٌ يُمْكِنُ أَنْ يَدَّعِيَهُ وَيُنْكِرَهُ مِنْ وُجُوهٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا حُكْمُ الصَّغِيرِ يَعْقِلُ وَيَعْرِفُ مَا يَعْمَلُ وَلَهُ قَصْدٌ، وَأَمَّا الرَّضِيعُ فَلَا شَيْءَ فِيمَا أَفْسَدَ وَكَسَرَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ قِيلَ فَلَوْ فَقَأَ عَيْنَ رَجُلٍ فَوَقَفَ، وَقَالَ قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي هَذَا، وَالْكَسْرُ عِنْدِي أَبْيَنُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ كَانَ الصَّبِيُّ ابْنَ سَنَةٍ، وَقَالَ عَنْهُ عِيسَى فِي الْعُتْبِيَّةِ ابْنَ سَنَةٍ وَنِصْفٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكَسَرَ لُؤْلُؤَةً، وَأَتْلَفَ شَيْئًا فَفِي مَالِهِ إنْ كَانَ قَدْ جَنَى وَيَنْتَهِي إذَا زُجِرَ، وَأَمَّا ابْنُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَنَحْوِهَا لَا يُزْدَجَرُ، وَإِنْ زُجِرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا سَرَقَ الصَّبِيُّ الشَّيْءَ فَاسْتَهْلَكَهُ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَشَدُّ ذَلِكَ أَنْ يُتَّبَعَ بِهِ، وَمَا هُوَ بِالْبَيِّنِ، وَمِنْ الْأُمُورِ مَا لَا يَتَبَيَّنُ أَبَدًا، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ مِنْ جِرَاحَاتِهِ، وَهَذَا إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَدْ قَالَ ابْنِ نَافِعٍ هُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا جَنَى الصَّبِيُّ أُدِّبَ إنْ كَانَ يَعْقِلُ مَا يَصْنَعُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَفْهَمُ الزَّجْرَ، وَالْعُقُوبَةُ وَالتَّعْزِيرُ إنَّمَا وُضِعَا لِلرَّدْعِ وَالزَّجْرِ وَالتَّعْلِيمِ كَمَا يُؤَدَّبُ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَوْ قَتَلَ صَغِيرٌ وَكَبِيرٌ حُرًّا خَطَأً كَانَ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ يُرِيدُ أَنَّ الْعَقْلَ كُلَّهُ كَمَا كَانَ خَطَأً كَانَ مِمَّا تَجِبُ بِهِ الدِّيَةُ فَلَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِعَدَدِ الْقَاتِلِينَ، وَعَلَى حَسَبِ ذَلِكَ تَكُونُ الدِّيَةُ مَقْسُومَةً عَلَى عَوَاقِلِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ الْعِوَضَ مِنْ قَتْلِ الْخَطَإِ إنَّمَا هُوَ الدِّيَةُ خَاصَّةً، وَهُوَ الْعَقْلُ دُونَ الْقِصَاصِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ مَالٌ حُكْمُهُ حُكْمُ مَالِ الْمَقْتُولِ يُقْضَى بِهِ دَيْنُهُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ وَصَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْإِطْلَاقِ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَإِذَا عَفَا الْمَقْتُولُ عَنْ الْقَاتِلِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُوصِي لَهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ مَالٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنْ كَانَ ثُلُثُ مَالِهِ وَدَيْنِهِ يَحْمِلُ دِيَتَهُ جَازَ عَفْوُهُ وَعَنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَ الدِّيَةِ سَقَطَ عَنْ عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ ثُلُثُهَا.
وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يُحَاصُّ بِهَا أَهْلُ الْوَصَايَا قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فَمَا أَصَابَ أَهْلَ الْوَصَايَا أَخَذُوهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ الْعَاقِلَةِ، وَأَخَذَ الْوَرَثَةُ ثُلُثَهَا كَذَلِكَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا عَفَا الْمَقْتُولُ عَمْدًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَتْلَ غِيلَةٍ أَوْ غَيْرَ غِيلَةٍ فَإِنْ كَانَ قَتْلَ غِيلَةٍ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَهُ لَازِمٌ، وَحَدٌّ ثَابِتٌ لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ كَاَلَّذِي يَقْتُلُهُ الْمُحَارِبُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْغِيلَةِ، وَعَفَا عَنْ قَاتِلِهِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ
стр. 1983
مَا جَاءَ فِي عَقْلِ الْجِرَاحِ فِي الْخَطَإِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ فِي الْخَطَإِ أَنَّهُ لَا يُعْقَلُ حَتَّى يَبْرَأَ الْمَجْرُوحُ وَيَصِحُّ وَأَنَّهُ إنْ كُسِرَ عَظْمٌ مِنْ الْإِنْسَانِ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْجَسَدِ خَطَأً فَبَرِئَ وَصَحَّ، وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ فَلَيْسَ فِيهِ عَقْلٌ فَإِنْ نَقَصَ أَوْ كَانَ فِيهِ عَقْلٌ فَفِيهِ مِنْ عَقْلِهِ بِحِسَابِ مَا نَقَصَ قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْعَظْمُ مِمَّا جَاءَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عَقْلٌ مُسَمًّى فَبِحِسَابِ مَا فَرَضَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَمَا كَانَ مِمَّا لَمْ يَأْتِ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عَقْلٌ مُسَمًّى، وَلَمْ تَمْضِ فِيهِ سُنَّةٌ، وَلَا عَقْلٌ مُسَمًّى فَإِنَّهُ يَجْتَهِدُ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ، وَلَيْسَ فِي الْجِرَاحِ فِي الْجَسَدِ إذَا كَانَتْ خَطَأً عَقْلٌ إذَا بَرِئَ الْجُرْحُ، وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ فَإِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَقْلٌ أَوْ شَيْنٌ فَإِنَّهُ يَجْتَهِدُ فِيهِ إلَّا الْجَائِفَةَ فَإِنْ فِيهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ قَالَ مَالِكٌ، وَلَيْسَ فِي مُنَقِّلَةِ الْجَسَدِ عَقْلٌ، وَهِيَ مِثْلُ مُوضِحَةِ الْجَسَدِ) .
ــ
[المنتقى]
رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَابْنِ وَهْبٍ، وَغَيْرِهِمَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ دُونَ أَوْلِيَائِهِ وَوَلَدِهِ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَلَا قَوْلَ لِغُرَمَائِهِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْعَفْوِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَمْلَكُ لِدِيَتِهِ مِنْ وَلَدِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَلَوْ قَالَ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تَقْبَلُوا مِنْهُ دِيَةً لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ أَخْذُ الدِّيَةِ مِنْهُ، وَلَوْ عَفَا بَعْضُ أَوْلِيَائِهِ لَمْ يَجُزْ عَفْوُهُ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ فِي الْوَاضِحَةِ إنْ ثَبَتَ الدَّمُ بِبَيِّنَةٍ فَلَا عَفْوَ لَهُمْ، وَإِنْ اسْتَحَقَّ بِالْقَسَامَةِ فَالْعَفْوُ لِلْوَرَثَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَفْوُهُ قَبْلَ الْقَتْلِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَتْلِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ قَالَ لَيْتَنِي أَجِدُ مَنْ يَقْتُلُنِي فَقَالَ رَجُلٌ أَشْهِدْ أَنَّكَ وَهَبْت لِي دَمَك، وَعَفَوْت عَنِّي، وَأَنَا أَقْتُلُك فَأَشْهَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ فَقَالَ اخْتَلَفَ فِيهَا أَصْحَابُنَا، وَأَحْسَنُ مَا رَأَيْت أَنْ يُقَادَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَفَا عَنْ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ، وَإِنَّمَا وَجَبَ لِأَوْلِيَائِهِ بِخِلَافِ عَفْوِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي قَطْعِ يَدِهِ فَفَعَلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ يُعَاقِبُ الْقَاطِعُ يَدَهُ، وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِي قَطْعِ يَدِهِ، وَلِأَنَّهُ قَطَعَهُ بِإِذْنِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا عَفْوُهُ عَنْ قَاتِلِهِ عَمْدًا بَعْدَ الْقَتْلِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ جُرْحًا لَا يُتَيَقَّنُ مِنْهُ الْمَوْتُ أَوْ جُرْحًا يُتَيَقَّنُ مِنْهُ الْمَوْتُ وَتَنْفُذُ مَقَاتِلُهُ، فَإِنْ كَانَ جُرْحًا لَا يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ غَالِبًا، ثُمَّ عَفَا عَنْهُ، ثُمَّ نَزَّ فِي جُرْحِهِ فَمَاتَ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ لِوُلَاتِهِ أَنْ يُقْسِمُوا وَيَقْتُلُوهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْفُ عَنْ النَّفْسِ قَالَهُ أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يَقُولَ عَفَوْت عَنْ الْجُرْحِ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ فَيَكُونَ عَفْوًا عَنْ النَّفْسِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَفَا عَنْ جُرْحٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَئُولُ إلَى نَفْسٍ، وَأَمَّا إنْ عَفَا بَعْدَ أَنْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ فَذَلِكَ الَّذِي يَجُوزُ عَفْوُهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا فَإِنْ أَوْصَى أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُ الدِّيَةُ، وَأَوْصَى بِوَصَايَا فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَوَصَايَاهُ فِي دَيْنِهِ وَمَالِهِ، وَلَوْ أَوْصَى بِالْعَفْوِ عَنْ الدِّيَةِ انْتَقَلَ الدَّمُ إلَى الدِّيَةِ فَصَارَ مَالًا لَهُ حُكْمُ مَالِهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ عَفَا الْمَقْتُولُ عَنْ الدِّيَةِ دَخَلَتْ فِيهَا الْوَصَايَا، وَلَوْ عَفَا الْوَرَثَةُ عَنْ الدِّيَةِ لَمْ تَدْخُلْ فِيهَا الْوَصَايَا، وَإِنْ عَاشَ بَعْدَ الضَّرْبِ مِنْ الْمَوَّازِيَّةِ.
[مَا جَاءَ فِي عَقْلِ الْجِرَاحِ فِي الْخَطَإِ]
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ الْمَجْرُوحَ خَطَأٌ لَا يُعْقَلُ جُرْحُهُ حَتَّى يَبْرَأَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إنْ أَخَذَ دِيَةَ جُرْحِهِ قَبْلَ الْبُرْءِ رُبَّمَا تَرَامَى إلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ فَيَحْتَاجُ إلَى تَكْرَارِ الْحُكْمِ وَالِاجْتِهَادِ، وَرُبَّمَا انْتَقَلَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَنْ الْجَانِي إلَى الْعَاقِلَةِ بِأَنْ يَكُونَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ الْأُولَى أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ فَيَكُونَ فِي مَالِ الْجَانِي، ثُمَّ يَتَرَامَى إلَى أَنْ يَبْلُغَ الثُّلُثَ وَيَزِيدَ عَلَيْهِ فَيَجِبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَرُبَّمَا بَلَغَ ذَهَابَ النَّفْسِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْقَسَامَةِ، وَلَا يُسْتَحَقُّ شَيْءٌ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ إلَّا بِهَا فَيَطْلُبُ حُكْمًا مَوْقُوفًا عَلَى اخْتِيَارِهِ لَهُ أَنْ يَبْطُلَ بِإِبْطَالِهِ إنْ شَاءَ، وَذَلِكَ خِلَافُ مَا ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ مِنْ اللُّزُومِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ طَالَ أَمْرُ الْمَجْرُوحِ، وَلَمْ يَبْرَأْ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِدِيَتِهِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَإِنْ مَضَتْ لِذَلِكَ سَنَةٌ، وَاخْتَارَهُ
стр. 1984
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الطَّبِيبَ إذَا خَتَنَ فَقَطَعَ الْحَشَفَةَ أَنَّ عَلَيْهِ الْعَقْلَ، وَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخَطَإِ الَّذِي تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَإِنْ كَانَ مَا أَخْطَأَ بِهِ الطَّبِيبُ أَوْ تَعَدَّى إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَلِكَ فَفِيهِ الْعَقْلُ) .
ــ
[المنتقى]
ابْنُ الْقَاسِمِ، وَبِهِ قَالَ الْمُغِيرَةُ، وَرَوَى عَنْهُ أَنَّهُ إذَا انْقَضَتْ سَنَةٌ حُكِمَ لَهُ بِالدِّيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ، وَاخْتَارَهُ أَشْهَبُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ بِذَلِكَ حُكْمٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْبُرْءِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنْ بَرِئَ قَبْلَ السَّنَةِ لَزِمَ تَعْجِيلُ عَقْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ لَمْ يَلْزَمْ تَعْجِيلُ عَقْلِهِ، وَكَذَلِكَ بَعْدَ السَّنَةِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْقَوْلَيْنِ قَوْلٌ وَاحِدٌ فَقَالَ وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ يَسْتَأْنِي بِهِ سَنَةً أَنَّهُ عِنْدَهُ لَا تَأْتِي عَلَيْهِ سَنَةٌ إلَّا وَقَدْ انْتَهَى؛ لِأَنَّهُ قَالَ مَعَ ذِكْرِ السَّنَةِ فَإِنْ انْتَهَى إلَى مَا يُعْرَفُ عَقْلٌ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَعْقِلُ جُرْحٌ، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ الْبُرْءِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الصِّدِّيقِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ السَّنَةَ مُدَّةٌ يَتَقَرَّرُ فِيهَا أَمْرُ الْجُرْحِ فَأَمَّا بَرِئَ أَوْ تَقَرَّرَ عَلَى حَالَةٍ ثَابِتَةٍ فَيَجِبُ أَنْ يُعْقَلَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَضَتْ عَلَيْهِ فُصُولُ السَّنَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَايَدَ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ يَغْلِبُ النَّفْسَ، وَفِي الْغَالِبِ تَقَرُّرُهُ، وَفِي تَرْكِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إبْطَالُ الْأَرْشِ، وَإِضْرَارٌ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا عَقَلَ بِانْقِضَاءِ السَّنَةِ فَانْقَضَتْ السَّنَةُ فَإِنَّهُ يَعْقِلُ مَكَانَهُ، ثُمَّ إنْ بَرِئَ فَلَهُ مَا أَخَذَ، وَإِنْ زَادَ أَمْرُ الْجُرْحِ أَخَذَ الزِّيَادَةَ إنْ شَاءَ، وَالظَّالِمُ أَحَقُّ مَنْ حُمِلَ عَلَيْهِ قَالَهُ أَشْهَبُ.
(فَرْعٌ) وَبِمَاذَا يُعْلَمُ الْبُرْءُ قَالَ الْمُغِيرَةُ إذَا قَالَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ قَدْ بَرِئَ فَلْيَعْقِلْ فِي الْخَطَإِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْعَيْنِ تَذْهَبُ فَيَسِيلُ دَمْعُهَا فَتَمَّتْ السَّنَةُ، وَهِيَ كَذَلِكَ، وَلَمْ يُنْقَصْ مِنْ بَصَرِ الْعَيْنِ شَيْءٌ فَفِيهَا حُكُومَةٌ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَمَّا مِثْلُ الْعَيْنِ تَدْمَعُ، وَالْجِرَاحُ الَّتِي تَكُونُ مِثْلَ هَذَا قَدْ ثَبَتَتْ عَلَى ذَلِكَ فَتِلْكَ تَعْقِلُ عِنْدَ السَّنَةِ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا تَعْقِلُ إلَّا بَعْدَ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ مِنْ الْبُرْءِ مَا يُنْتَهَى إلَى حَالٍ تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
قَوْلُهُ وَإِنْ كُسِرَ عَظْمٌ مِنْ الْإِنْسَانِ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ أَوْ غَيْرُهُمَا خَطَأً فَبَرِئَ، وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ فَلَيْسَ فِيهِ عَقْلٌ، وَإِنْ نَقَصَ أَوْ كَانَ فِيهِ عَثِلٌ فَفِيهِ مِنْ الْعَقْلِ بِحِسَابِ مَا نَقَصَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ جِنَايَةَ الْخَطَإِ لَا جُرْمَ وُجِدَ مِنْ فَاعِلِهَا مَا يَقْتَضِي الْقِصَاصَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ غُرْمُ مَا نَقَصَ فَإِنْ عَادَ لِهَيْئَتِهِ فَلَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا فَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُزَنِيَّةِ الْعَثَلُ أَنْ تَنْقُصَ الْيَدُ أَوْ الرِّجْلُ فَلَا تَعُودُ الْأُولَى فَيُنْظَرَ إلَى حَالِهَا الْيَوْمَ كَمْ نَقَصَ مِنْ حَالِهَا الْأُولَى فَإِنْ كَانَ ثُلُثًا فَلَهُ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْعَظْمُ مِمَّا فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عَقْلٌ مُسَمًّى فَبِحِسَابِ مَا فَرَضَ فِيهِ، وَمَا لَمْ يَأْتِ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عَقْلٌ مُسَمًّى فَإِنَّهُ يَجْتَهِدُ فِيهِ يُرِيدُ إنْ كَانَ الْيَدُ أَوْ الرِّجْلُ الَّذِي فِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ كَانَ فِيهِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَهُ الْعَثَلُ عَلَى مَا قَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَقْلٌ مُسَمًّى اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ يُرِيدُ مِثْلَ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ مِثْلُ ضِلْعٍ أَوْ تَرْقُوَةٍ فَهَذِهِ لَيْسَ فِيهَا عَقْلٌ مُسَمًّى فَإِنْ عَادَتْ لِهَيْئَتِهَا فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ بَرِئَتْ عَلَى نَقْصٍ اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إلَّا الْجَائِفَةَ فَإِنَّ فِيهَا ثُلُثَ النَّفْسِ يُرِيدُ ثُلُثَ دِيَةِ الْإِنْسَانِ مُقَدَّرَةً، وَذَلِكَ لِغَرَرِهَا وَخَطَرِهَا وَصِغَرِهَا، وَإِنَّهَا إنْ بَرِئَتْ فَإِنَّهَا تَبْرَأُ غَالِبًا عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فَجَعَلَ فِيهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ تَحَرُّزًا لِلدِّمَاءِ وَرَدْعًا عَنْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ وَلَيْسَ فِي مُنَقِّلَة الْجَسَدِ عَقْلٌ، وَهِيَ مِثْلُ مُوضِحَتِهِ يُرِيدُ أَنَّهَا إذَا بَرِئَتْ عَلَى سَلَامَةٍ فَلَا شَيْءَ فِيهَا لِقِلَّةِ خَطَرِهَا، وَأَمَّا مُنَقِّلَةُ الرَّأْسِ فَفِيهَا الْعَقْلُ لِغَرَرِهَا، وَكَذَلِكَ الْمُوضِحَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّبِيبَ وَالْحَجَّامَ وَالْخَاتِنَ وَالْبَيْطَارَ إنْ مَاتَ مِنْ فِعْلِهِمْ أَحَدٌ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَفْعَلُوا الْفِعْلَ الْمَعْهُودَ فِي ذَلِكَ أَوْ يَتَجَاوَزُوهُ فَإِنَّ فَعَلُوا الْمَعْهُودَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي
стр. 1985
مَا جَاءَ فِي عَقْلِ الْمَرْأَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ تُعَاقِلُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ أُصْبُعُهَا كَأُصْبُعِهِ، وَسِنُّهَا كَسِنِّهِ، وَمُوضِحَتُهَا كَمُوضِحَتِهِ، وَمُنَقِّلَتِهَا كَمُنَقِّلَتِهِ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، وَبَلَغَهُ عَنْ
ــ
[المنتقى]
الْمَجْمُوعَةِ لَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إنْ لَمْ يُخَالِفْ، وَكَذَلِكَ مُعَلِّمُ الْكِتَابِ وَالصَّنْعَةِ إنْ ضَرَبَ الصَّبِيَّ لِلتَّأْدِيبِ الضَّرْبَ الْمُعْتَادَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِمِثْلِ هَذَا، وَمَأْذُونٌ لَهُ فِيهِ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ جَاوَزَ الْمُعْتَادَ مِثْلَ أَنْ يَقْطَعَ الْخَاتِنُ الْحَشَفَةَ أَوْ يَضْرِبَ الْمُعَلِّمُ لِغَيْرِ أَدَبٍ تَعَدِّيًا أَوْ يَتَجَاوَزَ فِي الْأَدَبِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْحَجَّامُ يَقْطَعُ حَشَفَةَ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ أَوْ يُؤْمَرَ بِقَطْعِ يَدٍ فِي قِصَاصٍ فَيَقْطَعَ غَيْرَهَا أَوْ زَادَ فِي الْقِصَاصِ عَلَى الْوَاجِبِ فَإِنَّهُ مِنْ الْخَطَإِ مَا كَانَ دُونَ الثُّلُثِ فَفِي مَالِهِ، وَمَا بَلَغَ الثُّلُثَ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ سَوَاءٌ عَمِلَ ذَلِكَ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزَنِيَّةِ فِي الطَّبِيبِ يَخْتِنُ فَيَقْطَعُ الْحَشَفَةَ سَوَاءٌ غَرَّ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ لَمْ يَغُرَّ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُتَعَمِّدٌ فِي فِعْلٍ مَأْذُونٌ فِيهِ لَمْ يُعْلَمْ تَعَمُّدُهُ فَكَانَ لَهُ حُكْمُ الْخَطَإِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ فَافْتَضَّهَا فَجُرِحَ وَحُكُومَتُهُ فِي مَالِهِ إنْ قَصُرَ عَنْ الثُّلُثِ فَإِنْ بَلَغَ الثُّلُثَ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّعَدِّي فِي فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ لَكِنَّهُ بَلَغَ مِنْهُ فَوْقَ الْمُبَاحِ فَحُرِّمَ أَثَرُهُ عَلَيْهَا فَكَانَ لَهُ حُكْمُ الْخَطَإِ، وَلَوْ فَعَلَ هَذَا بِأَجْنَبِيَّةٍ كَانَ فِي مَالِهِ، وَإِنْ جَاوَزَ الثُّلُثَ مَعَ صَدَاقِ الْمِثْلِ وَالْحَدِّ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ زِنًى كَانَ فِعْلًا غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ فَكَانَ أَرْشُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعَمْدِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَوْ أَذْهَبَ عُذْرَةَ امْرَأَةٍ بِأُصْبُعِهِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا فَعَلَيْهِ قَدْرُ مَا شَأْنَهَا عِنْدَ الْأَزْوَاجِ فِي حَالِهَا وَجَمَالِهَا مَعَ نِصْفِ الصَّدَاقِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَنَاوُلَ ذَلِكَ بِأُصْبُعِهِ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ فَكَانَ كَالْجُرْحِ فَعَلَيْهِ مَا شَأْنَهَا بِهِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ قِيمَةُ الصَّدَاقِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَطْءٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا يَسْقِيهِ الطَّبِيبُ مِنْ الدَّوَاءِ فَيَمُوتُ مَنْ شَرِبَهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَا عِلْمَ لَهُ، وَقَدْ غَرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَقَدْ قَالَ عِيسَى لَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَقَدْ رَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي مُسْلِمٍ أَوْ نَصْرَانِيٍّ يَسْقِي مُسْلِمًا دَوَاءً فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ سَقَاهُ شَيْئًا لِيَقْتُلَهُ بِهِ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ سَقَاهُ طَبِيبٌ دَوَاءً فَمَاتَ، وَقَدْ سَقَى أَمَةً قَبْلَهُ فَمَاتَتْ لَا يَضْمَنُ، وَلَوْ تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ الْإِمَامُ وَضَمِنُوا كَانَ حَسَنًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ يَتَقَدَّمُ إلَيْهِمْ الْإِمَامُ فِي قَطْعِ الْعِرْقِ وَشِبْهِهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمَخُوفَةِ أَنْ لَا تُقْدِمُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْعِلَاجِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَذَهَبَ عِيسَى إلَى أَنَّ مَنْ غَرَّ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَا عِلْمَ لَهُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَزَادَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْأَمْرَ فِيمَنْ هَذِهِ حَالُهُ التَّقَدُّمُ إلَيْهِمْ، وَالْإِعْذَارُ إلَيْهِمْ أَنْ لَا يُقْدِمُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ إنْ جَرَى مِنْهُمْ شَيْءٌ ضَمِنُوهُ، وَصِفَةُ التَّقَدُّمِ إلَيْهِمْ فِيمَا رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ أَيُّمَا طَبِيبٍ سَقَى أَحَدًا أَوْ طَبَّهُ فَمَاتَ ضَمِنَهُ، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لِيُنْذِرَهُمْ، وَيَقُولَ مَنْ دَاوَى رَجُلًا فَمَاتَ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ، وَأَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ إذَا أُنْذِرُوا، وَاعْتَبَرَ ابْنُ نَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ بِالْفَوْرِ مِنْ عِلَاجِهِ فَقَالَ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَسْقِيَ صَحِيحًا فَيَمُوتَ مَكَانَهُ فَهَذَا سُمٌّ أَوْ يَقْطَعَ عِرْقًا فَلَا يَزَالُ يَسِيلُ دَمُهُ حَتَّى يَمُوتَ، وَأَمَّا مَنْ يُعَالِجُ الْمَرْضَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَعِيشُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُوتُ فَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ سَقَى رَجُلٌ جَارِيَةً بِهَا بُهْرٌ شَيْئًا فَمَاتَتْ مِنْ سَاعَتِهَا فَهَلْ هَذَا الِاسْمُ، وَلَا يَضْمَنُوا قَبْلَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِمْ فَاعْتَبَرَ ابْنُ مُزَيْنٍ أَمْرَيْنِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلِهِ، وَأَمَّا إذَا تَرَاخَى ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَ حَالُهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَهَذَا لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ فِعْلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 1986
عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الْمَرْأَةِ أَنَّهَا تُعَاقِلُ الرَّجُلَ إلَى ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ فَإِذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ كَانَتْ إلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ قَالَ مَالِكٌ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهَا تُعَاقِلُهُ فِي الْمُوضِحَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ، وَمَا دُونَ الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ، وَأَشْبَاهِهِمَا مِمَّا يَكُونُ فِيهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ فَصَاعِدًا فَإِذَا بَلَغَتْ ذَلِكَ كَانَ عَقْلُهَا فِي ذَلِكَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عَقْلِ الرَّجُلِ)
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي عَقْلِ الْمَرْأَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ تُعَاقِلُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ أُصْبُعُهَا كَأُصْبُعِهِ يُرِيدُ أَنَّ مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ عَقْلُهَا فِيهِ كَعَقْلِ الرَّجُلِ، وَهُوَ مَعْنَى مُعَاقِلَتِهَا لَهُ حَتَّى إذَا بَلَغَتْ فِي عَقْلِ مَا جَنَى عَلَيْهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ كَانَ عَقْلُهَا نِصْفَ عَقْلِ الرَّجُلِ، وَبِهَذَا قَالَ مَنْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ مِنْ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ تُسَاوِيهِمَا فِي الْمُوضِحَةِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄ فَرُوِيَ عَنْهُمَا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ أَنَّهَا عَلَى دِيَةِ الرَّجُلِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَرَوَى عَنْهُمَا مِثْلَ قَوْلِنَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا إتْلَافَ مُوجِبِهِ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ فَسَاوَتْ فِيهِ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ، أَصْلُ ذَلِكَ عَقْلُ الْجَنِينِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ فِي ذَلِكَ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» جَمَعْت هَذَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْجَهْمِ وَالْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أُصْبَعُهَا كَأُصْبُعِهِ، وَسِنُّهَا كَسِنِّهِ، وَمُوضِحَتُهَا كَمُوضِحَتِهِ، وَمُنَقِّلَتُهَا كَمُنَقِّلَتِهَا يُرِيدُ أَنَّ عَقْلَ هَذِهِ كُلَّهَا دُونَ الثُّلُثِ فَلِذَلِكَ سَاوَتْ فِيهِ الرَّجُلَ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهَا تُعَاقِلُهُ فِي الْمُوضِحَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ، وَمَا دُونَ الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ، وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِمَّا يَكُونُ فِيهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ فَأَكْثَرُ فَإِذَا بَلَغَتْ ذَلِكَ كَانَ عَقْلُهَا نِصْفَ عَقْلِ الرَّجُلِ يُرِيدُ أَنَّ لَهَا فِي الْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَلَوْ قُطِعَ لَهَا ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ مِنْ كَفٍّ فَفِيهَا ثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرًا كَالرَّجُلِ قَالَهُ مَالِكٌ، وَلَوْ قُطِعَ لَهَا ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ، وَنِصْفُ أُنْمُلَةٍ لَكَانَ فِيهِ أَحَدٌ وَثَلَاثُونَ بَعِيرًا، وَثُلُثُ بَعِيرٍ كَالرَّجُلِ، وَلَوْ قُطِعَ لَهَا ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ وَأُنْمُلَةٌ عَادَتْ إلَى دِيَتِهَا فَكَانَ لَهَا سِتَّةَ عَشَرَ بَعِيرًا، وَثُلُثُ بَعِيرٍ ثُلُثُ دِيَتِهَا، وَلَوْ قُطِعَ لَهَا أَرْبَعَةُ أَصَابِعَ لَكَانَ لَهَا عِشْرُونَ بَعِيرًا، وَفِي هَذَا قَالَ رَبِيعَةُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَكُلَّمَا عَظُمَتْ مُصِيبَتُهَا نَقَصَتْ مَنْفَعَتُهَا فَقَالَ أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ إنَّهَا السُّنَّةُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَدَنِيٌّ، وَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ إنَّهَا السُّنَّةُ يُرِيدُ سُنَّةَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ، وَنَسَبَ السُّنَّةَ إلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا قُطِعَ لَهَا مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ أَرْبَعُ أَصَابِعَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِهَا مِنْ التَّتَابُعِ وَالتَّقَارُبِ أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلٍ بَعْدَ فِعْلٍ فَإِنْ كَانَ فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِهَا فَفِيهَا عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ، وَإِنْ كَانَ قُطِعَ ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ فِي ضَرْبَةٍ أَوْ ضَرَبَاتٍ فَفِيهَا ثَلَاثُونَ فَإِنْ قُطِعَ بَعْدَ ذَلِكَ أُصْبُعًا مِنْ تِلْكَ الْكَفِّ أُضِيفَتْ إلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ فِيهَا خَمْسٌ؛ لِأَنَّ الْكَفَّ الْوَاحِدَةَ يُضَافُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِيهَا عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ إذَا أُفْرِدَتْ بِالْقَطْعِ، وَلَا يُضَافُ إلَى مَا تَقَدَّمَ كَالْأَسْنَانِ، وَوَجْهُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّ مَحَلَّ الْجِنَايَةِ مَحَلٌّ وَاحِدٌ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْيَدَ فِيهَا خَمْسُ أَصَابِعَ، وَبِقَطْعِهَا يَكْمُلُ أَرْشُ الْيَدِ، وَإِذَا قُطِعَ مِنْهَا وَاحِدٌ لَمْ يَعُدْ، وَكَانَتْ الْيَدُ نَاقِصَةً بِنُقْصَانِهَا فَلِذَلِكَ يُضَافُ بَعْضُ أَصَابِعِ الْيَدِ إلَى بَعْضٍ، وَأَمَّا الْمُنَقِّلَةِ فَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا فَأَخَذَتْ أَرْشَهَا فَبَرِأَتْ، ثُمَّ جَنَى عَلَيْهَا مُنَقِّلَةً فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلَهَا مِثْلُ مَا لِلرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الْمُنَقِّلَةَ الْأُولَى غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي الثَّانِيَةِ، وَكَذَلِكَ الْأَسْنَانُ إذَا زَالَتْ لَمْ يَنْقُصْ بِذَلِكَ أَرْشُ مَحَلِّهَا بِخِلَافِ الْيَدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ قَطَعَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ مِنْ كَفٍّ، ثُمَّ قَطَعَ أُصْبُعًا أَوْ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً مِنْ الْكَفِّ الثَّانِيَةِ فَفِيهَا أَيْضًا ثَلَاثُونَ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ
стр. 1987
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَصَابَ امْرَأَتَهُ بِجُرْحٍ أَنَّ عَلَيْهِ عَقْلَ ذَلِكَ الْجُرْحِ، وَلَا يُقَادُ مِنْهُ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْخَطَإِ أَنْ يَضْرِبَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَيُصِيبَهَا مِنْ ضَرْبِهِ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ فَيَضْرِبَهَا بِسَوْطٍ فَيَفْقَأَ عَيْنَهَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ يَكُونُ لَهَا زَوْجٌ وَوَلَدٌ مِنْ غَيْرِ عَصَبَتِهَا وَلَا قَوْمِهَا فَلَيْسَ عَلَى زَوْجِهَا إذَا كَانَ مِنْ قَبِيلَةٍ أُخْرَى مِنْ عَقْلِ جِنَايَتِهَا شَيْءٌ، وَلَا عَلَى وَلَدِهَا إذَا كَانُوا مِنْ غَيْرِ قَوْمِهَا، وَلَا عَلَى إخْوَتِهَا مِنْ أُمِّهَا مِنْ غَيْرِ عَصَبَتِهَا وَلَا قَوْمِهَا فَهَؤُلَاءِ أَحَقُّ بِمِيرَاثِهَا، وَالْعَصَبَةُ عَلَيْهِمْ مُنْذُ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الْيَوْمِ، وَكَذَلِكَ مَوَالِي الْمَرْأَةِ مِيرَاثَهُمْ لِوَلَدِ الْمَرْأَةِ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِهَا، وَعَقْلُ جِنَايَةِ الْمَوَالِي عَلَى قَبِيلَتِهَا) .
عَقْلُ الْجَنِينِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ» مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ: كَيْفَ أَغْرَمُ مَا لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ وَمِثْلُ ذَلِكَ بَطَلَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا هَذَا مِنْ إخْوَانِ الْكُهَّانِ» ) .
ــ
[المنتقى]
عَشَرَةٌ؛ لِأَنَّهَا اخْتَلَفَتْ فِي الضَّرْبِ وَالْمَحَلِّ، وَلَوْ قُطِعَ فِي فَوْرِ وَاحِدٍ ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ مِنْ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ، وَأُصْبُعَانِ مِنْ الْيَدِ الْأُخْرَى فَكَانَ ذَلِكَ فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ ضَرَبَاتٍ فِي حُكْمِ الضَّرْبَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ ضَارِبٍ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ فَفِي الْأَرْبَعَةِ أَصَابِعَ عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ قُطِعَ لَهَا مِنْ كَفٍّ أَرْبَعَةُ أَصَابِعَ فَأَخَذَتْ فِيهَا عِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ، ثُمَّ قُطِعَ لَهَا مِنْ تِلْكَ الْكَفِّ أُصْبُعٌ خَاصَّةً فَذَهَبَ مَالِكٌ أَنَّ فِي الْخَامِسَةِ خَمْسَةً مِنْ الْإِبِلِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيهَا عَشَرَةٌ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ هَذَا خِلَافُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اعْتِبَارِ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ، وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ اعْتِبَارُهُ بِانْفِرَادِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَصَابَ امْرَأَتَهُ بِجُرْحٍ أَنَّ عَلَيْهِ عَقْلَ ذَلِكَ الْجُرْحِ، وَلَا يُقَادُ مِنْهُ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْخَطَإِ أَنْ يَضْرِبَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَيُصِيبَهَا مِنْ ضَرْبِهِ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ فَيَضْرِبَهَا بِسَوْطٍ فَيَفْقَأَ عَيْنَهَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ) .
(ش) : قَوْلُهُ مَضَتْ السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ يُصِيبُ امْرَأَتَهُ بِجُرْحٍ أَنَّ عَلَيْهِ عَقْلَهَا، وَلَا يُقَادُ مِنْهُ يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَقْصِدَ إلَى أَدَبِهَا بِسَوْطٍ أَوْ حَبْلٍ فَيُصِيبَهَا مِنْ ذَلِكَ ذَهَابُ عَيْنٍ أَوْ غَيْرُهَا فَفِيهَا الْعَقْلُ دُونَ الْقَوَدِ، وَأَمَّا لَوْ تَعَمَّدْهَا بِفَقْءِ عَيْنٍ أَوْ قَطْعِ يَدٍ أَوْ غَيْرِهَا لَا قَيْدَ مِنْهُ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيِّ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَ لَهُ تَأْدِيبُ الزَّوْجَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] وَهُوَ مُصَدِّقٌ فِي جِنَايَتِهِ عَلَيْهَا، وَمُخَالَفَتِهَا لَهُ عَلَى الْمَعْرُوفِ فَكَانَ أَدَبُهُ لَهَا مُبَاحًا فَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ، وَإِنْ عَمَدَ إلَى الضَّرْبِ الْمُتْلِفِ لِلْأَعْضَاءِ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «كُلُّهَا قِصَاصٌ» ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ قَوْلُهُ ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] .
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ حُكْمَ الْوِلَايَةِ، وَحُكْمَ الْوِرَاثَةِ قَدْ يَخْتَلِفَانِ فَتَرِثُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا وَابْنَهَا وَإِخْوَتَهَا لِأُمِّهَا، وَلَا يَعْقِلُونَ عَنْهَا إذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ قَوْمِهَا، وَيَعْقِلُ عَنْهَا عَصَبَتُهَا، وَهَؤُلَاءِ أَحَقُّ بِمِيرَاثِهَا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ التَّوَارُثَ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ التَّعْصِيبِ فَتَرِثُ الزَّوْجَةُ وَالْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ، وَلَا تَعْصِيبَ لَهُمْ، وَتَحَمُّلُ الدِّيَةِ إنَّمَا هُوَ بِالتَّعْصِيبِ فَكَانَ عَلَى مَا أَحْكَمَتْهُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 1988
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الْغُرَّةُ تُقَوَّمُ بِخَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتِّمِائَةِ
ــ
[المنتقى]
[عَقْلُ الْجَنِينِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ امْرَأَةً مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ الْأُخْرَى قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ الرَّمْيُ أَوْ الضَّرْبُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَقَوْلُهُ فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ الْجَنِينُ الْمَذْكُورُ مَا أَلْقَتْهُ الْمَرْأَةُ مِمَّا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَلَدٌ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخَلَّقًا قَالَ دَاوُد بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مَالِكٍ إذَا سَقَطَ مِنْهَا وَلَدٌ مُضْغَةً كَانَ أَوْ عَظْمًا كَانَ فِيهِ الرُّوحُ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ وَلَدٌ قَالَ عِيسَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِثْلَهُ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ مِنْ خَلْقِهِ عَيْنٌ، وَلَا أُصْبُعٌ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ فَإِذَا عَلِمَ النِّسَاءُ أَنَّهُ وَلَدٌ فَفِيهِ الْغُرَّةُ، وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، وَتَكُونُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَسَوَاءٌ كَانَ الْجَنِينُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَقَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَا لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا فَإِنَّهُ كَأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْ أُمِّهِ فَإِنَّمَا فِيهِ عُشْرُ دِيَتِهَا فَإِنْ كَانُوا تَوْأَمَيْنِ فَأَكْثَرَ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ فِيهَا غُرَّتَانِ.
وَقَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَنِينٌ لَوْ انْفَرَدَ لَوَجَبَتْ فِيهِ الْغُرَّةُ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغُرَّةٍ الْغُرَّةُ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى الْإِنْسَانِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ الْغُرَّةُ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ، وَبَيَّنَ أَنَّ تِلْكَ الْغُرَّةَ يُجْزِي فِيهَا عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَلَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا، وَكَانَ يَحْتَمِلُ لَفْظُ الْحَدِيثِ الشَّكَّ مِنْ الرَّاوِي بِأَنْ يَكُونَ قَدْ حُفِظَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ، وَأَنَّهُ يَشُكُّ فِي تِلْكَ الْغُرَّةِ هَلْ هُوَ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَبِهِ فَسَّرَهُ مَالِكٌ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ آدَمِيٍّ يَجِبُ بِقَتْلِ آدَمِيٍّ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالذِّكْرِ، وَلَا بِالْأُنْثَى كَالرَّقَبَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ الْغُرَّةُ مِنْ الْحُمْرَانِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ السُّودَانِ إلَّا أَنْ يَغْلُوا فَمِنْ أَوْسَطِ السُّودَانِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُمْرَانَ أَفْضَلُ أَنْوَاعِ الرَّقِيقِ، وَالدِّيَةُ وَاجِبَةٌ فِي مَالِ الْجَانِي فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِأَدْوَنِهِ إلَّا أَنْ يُعْدَمَ فَيَكُونَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْوَسَطِ مِنْ السُّودَانِ، وَذَلِكَ مَا لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ عَنْ الْمِقْدَارِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْغُرَّةُ مَوْرُوثَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبِ، وَبِهَذَا أَخَذَ أَصْحَابُ مَالِكٍ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ هِيَ لِلْأُمِّ خَاصَّةً، وَقَالَ ابْنُ هُرْمُزَ هِيَ لِلْأَبَوَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا أَحَدُهُمَا فَهِيَ لَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ بِذَلِكَ مَرَّةً، ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ، وَبِقَوْلِ ابْنِ هُرْمُزَ قَالَ الْمُغِيرَةُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا دِيَةٌ فَكَانَتْ مَوْرُوثَةً عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَسَائِرِ الدِّيَاتِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ يُرِيدُ أَنَّهَا لَمْ تُلْقِهِ إلَّا مَيِّتًا فَإِنَّهُ قَضَى فِيهِ بِالْغُرَّةِ فَقَالَ الَّذِي قَضَى عَلَيْهِ كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ بَطَلَ، وَيُرْوَى بَاطِلٌ فَاعْتَرَضَ عَلَى نَصِّ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ ظَنَّ أَنَّ مَا أَوْرَدَهُ عَامًّا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ حَالِ الْجَنِينِ، وَاعْتَقَدَ أَنَّ حُكْمَ النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا خَرَجَ عَلَى أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْجَنِينَ خَرَجَ حَيًّا فَأَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْ قَالَ «إنَّمَا هَذَا مِنْ إخْوَانِ الْكُهَّانِ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ إلَّا مَا أَوْرَدَ مِنْ الْأَسْجَاعِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا الْكُهَّانُ عَلَى وَجْهِ الْإِلْبَاسِ عَلَى النَّاسِ أَوْ التَّمْوِيهِ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى شَبَّهَهُ بِالْكَاهِنِ فِي سَجْعِهِ، وَغَيْرُ مَالِكٍ يَرْوِيه أَنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ، وَأَقَرَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ عَلَى مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَهُوَ الْحَقُّ فَإِنَّهُ مَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى.
стр. 1989
دِرْهَمٍ، ودِيَةُ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ سِتَّةُ آلَافِ دِرْهَمٍ قَالَ مَالِكٌ يُرِيدُ جَنِينَ الْحُرَّةِ عُشْرُ دِيَتِهَا، وَالْعُشْرُ خَمْسُونَ دِينَارًا أَوْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يُخَالِفُ فِي أَنَّ الْجَنِينَ لَا تَكُونُ فِيهِ الْغُرَّةُ حَتَّى يُزَايِلَ بَطْنَ أُمِّهِ، وَيَسْقُطَ مِنْ بَطْنِهَا مَيِّتًا) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَسَمِعْت أَنَّهُ إذَا خَرَجَ الْجَنِينُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ أَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ كَامِلَةً) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ الْغُرَّةَ تُقَوَّمُ خَمْسِينَ دِينَارًا يُرِيدُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَوْ سِتَّمِائَةِ دِرْهَمٍ يُرِيدُ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حُكْمِ أَهْلِ الْإِبِلِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَعَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ خَمْسُ فَرَائِضَ: بِنْتُ مَخَاضٍ، وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، وَحِقَّةٌ، وَجَذَعَةٌ، وَقَالَهُ رَبِيعَةُ وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، وَوَقَفَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ لَا مَدْخَلَ لِلْإِبِلِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ، وَقَالَ أَصْحَابُهُ بِالْإِبِلِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ وَلَا أَحْسَبَهُ إلَّا وَقَدْ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فِيهَا إلَّا الْإِبِلُ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِنَفْيِ الِاعْتِبَارِ بِالْإِبِلِ أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ هِيَ قِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ فَلِذَلِكَ قُوِّمَتْ بِهَا الْغُرَّةُ وَالْإِبِلُ لَيْسَتْ بِقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْتَبَرْ بِهَا الْغُرَّةُ، وَلِذَلِكَ كَانَ أَصْلُ الدِّيَةِ الْإِبِلَ لَكِنَّهَا رُدَّتْ إلَى الْعَيْنِ، وَمَا كَانَ أَصْلُهُ الْعَيْنَ لَا يُرَدُّ إلَى الْإِبِلِ، وَلَمَّا وَرَدَ الشَّرْعُ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ بِالْغُرَّةِ، وَاحْتِيجَ إلَى تَقْدِيرِهَا قُدِّرَتْ بِمَا يَقَعُ بِهِ التَّقْوِيمُ، وَهُوَ الْعَيْنُ دُونَ مَا لَا يَقَعُ بِهِ التَّقْوِيمُ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْإِبِلَ أَصْلٌ فِي الدِّيَةِ فَاعْتُبِرَ بِهِ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ كَالْوَرِقِ وَالذَّهَبِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ مَالِكٌ فِي الْغُرَّةِ نَسَمَةٌ وَلَيْسَتْ كَالسُّنَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا، وَإِذَا بَذَلَ غُرَّةً قِيمَتُهَا خَمْسُونَ دِينَارًا أَوْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ قُبِلَتْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَمْ تُؤْخَذْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَهْلُهُ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا التَّقْوِيمَ إنَّمَا هُوَ بِضَرْبٍ مِنْ الِاجْتِهَادِ، وَإِلَّا فَلَفْظُ الْغُرَّةِ لَفْظٌ مُطْلَقٌ، وَهُوَ حَقٌّ لَازِمٌ، وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ مُقَدَّرَةٌ فَأَعْلَمَ أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ فِيهَا هُوَ الَّذِي يُجْزِئُ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ، وَفِيهَا حَقُّ مَنْ بُذِلَتْ لَهُ إلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَقَالَ عِيسَى الْقَاتِلُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَ غُرَّةً عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً قِيمَتُهَا خَمْسُونَ دِينَارًا أَوْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهُ الدَّنَانِيرَ أَوْ الدَّرَاهِمَ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ الْجَنِينَ لَا تَثْبُتُ فِيهِ الْغُرَّةُ حَتَّى يُزَايِلَ بَطْنَ أُمِّهِ، وَهِيَ حَيَّةٌ فَإِنْ مَاتَتْ، ثُمَّ خَرَجَ الْجَنِينُ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ مَالِكٌ، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ فِي أُمِّهِ الدِّيَةُ خَاصَّةً، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ تَجِبُ فِيهِ الْغُرَّةُ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَالشَّافِعِيُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ يَتَّبِعُ فِيهِ أُمَّهُ فَلَا حُكْمَ لَهُ كَالزَّكَاةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ تَلَفَهُ قَبْلَ الِانْفِصَالِ بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ مِنْهَا، وَلَوْ تَلِفَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهَا قَبْلَ مَوْتِهَا كَانَتْ فِيهِ الدِّيَةُ، وَلَوْ تَلِفَ بَعْدَ مَوْتِهَا فَلَا دِيَةَ فِيهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذَا جَنِينٌ فَارَقَ أُمَّهُ مَيِّتًا فَلَزِمَتْ فِيهِ الْغُرَّةُ كَمَا لَوْ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ إذَا خَرَجَ بَعْدَ مَوْتِهَا فَإِذَا خَرَجَ بَعْضُهُ، ثُمَّ مَاتَتْ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ لَا شَيْءَ فِيهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيهِ الْغُرَّةُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهَا إلَّا بَعْدَ مَوْتِهَا فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ رَاعَى ابْتِدَاءَ خُرُوجِهِ دُونَ تَمَامِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : وَقَوْلُهُ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ الْجَنِينُ حَيًّا فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً يُرِيدُ أَنَّ لَهُ بِخُرُوجِهِ حَيًّا حُكْمَ نَفْسِهِ فَيَجِبُ بِهِ مِنْ الدِّيَةِ مَا يَجِبُ بِالْحَيِّ الْكَبِيرِ، وَحِينَئِذٍ يُفَرَّقُ بَيْنَ ذَكَرِهِ وَأُنْثَاهُ فَفِي الذَّكَرِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ الْأُنْثَى نِصْفُ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ الضَّرْبُ خَطَأً فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ بَعْدَ الْقَسَامَةِ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَمَنْ ضُرِبَ، ثُمَّ عَاشَ، وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ كَانَ اسْتَهَلَّ حِينَ مَاتَ مَكَانَهُ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ الْقَسَامَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إنْ كَانَ الضَّرْبُ عَمْدًا فَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا قَوَدَ فِيهِ قَالَ أَشْهَبُ عَمْدُهُ كَالْخَطَإِ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ بِضَرْبِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي
стр. 1990
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا حَيَاةَ لِجَنِينٍ إلَّا بِاسْتِهْلَالٍ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَاسْتَهَلَّ، ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَنَرَى أَنَّ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ عُشْرَ ثَمَنِ أُمِّهِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا قَتَلَتْ الْمَرْأَةُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً عَمْدًا، وَاَلَّتِي قَتَلَتْ حَامِلٌ لَمْ يُقَدْ مِنْهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا، وَإِنْ قُتِلَتْ الْمَرْأَةُ، وَهِيَ حَامِلٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَيْسَ عَلَى مَنْ قَتَلَهَا فِي جَنِينِهَا شَيْءٌ فَإِنْ قُتِلَتْ عَمْدًا قُتِلَ الَّذِي قَتَلَهَا، وَلَيْسَ فِي جَنِينِهَا دِيَةٌ) .
(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ جَنِينِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ يُطْرَحُ فَقَالَ أَرَى أَنَّ فِيهِ عُشْرَ دِيَةِ أُمِّهِ) .
ــ
[المنتقى]
الْمَجْمُوعَةِ وَغَيْرِهَا إذَا تَعَمَّدَ الْجَنِينَ بِضَرْبِ الْبَطْنِ أَوْ الظَّهْرِ أَوْ مَوْضِعٍ يَرَى أَنَّهُ يُصِيبُ بِهِ فَفِيهِ الْقَوَدُ بِقَسَامَةٍ فَأَمَّا إذَا ضَرَبَ رَأْسَهَا أَوْ يَدَهَا أَوْ رِجْلَهَا فَفِيهِ الدِّيَةُ بِقَسَامَةٍ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ إلَى قَتْلِهِ كَمَنْ رَمَى يُرِيدُ قَتْلَ إنْسَانٍ فَأَصَابَ غَيْرَهُ مِمَّنْ لَمْ يُرِدْهُ فَإِنَّ فِيهِ الدِّيَةَ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَاصِدٌ إلَى قَتْلِهِ حِينَ قَصَدَ بِالضَّرْبِ مَوْضِعًا يَصِلُ فِيهِ الضَّرْبُ إلَيْهِ، وَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا أَنَّهُ تَجِبُ بِهِ الدِّيَةُ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ دِيَةُ هَذَا الْجَنِينِ الَّذِي ضُرِبَ رَأْسُ أُمِّهِ عَمْدًا فِي مَالِ الضَّارِبِ قَالَهُ مَالِكٌ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ قَتْلُ حُرٍّ لَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ بِوَجْهٍ فَكَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَالْخَطَإِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ قُتِلَ عَمْدًا فَكَانَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ كَمَا لَوْ قَصَدَ ضَرْبَهُ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّهُ لَا حَيَاةَ لِجَنِينٍ إلَّا بِاسْتِهْلَالٍ، وَهُوَ الصِّيَاحُ، وَالِاسْتِهْلَالُ هُوَ رَفْع الصَّوْتِ قَالَهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ الِاسْتِهْلَالُ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْجَنِينِ هُوَ الْبُكَاءُ وَالصُّرَاخُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ مُتَقَارِبٌ فَإِذَا صَاحَ وَجَبَ لَهُ حُكْمُ الْحَيَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَوَرِثَ وَوُرِّثَ، وَأَمَّا الْعُطَاسُ فَقَالَ مَالِكٌ لَا يَكُونُ اسْتِهْلَالًا.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ هُوَ اسْتِهْلَالٌ قَالَهُ عَنْهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَكَذَلِكَ الرَّضَاعُ وَالتَّحَرُّكُ، وَلَوْ بَالَ أَوْ أَحْدَثَ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَيَاةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ اسْتِرْخَاءِ الْمُرْسَلِ، وَلَيْسَ بِحَيَاةٍ قَالَ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا هُوَ حَيَاةٌ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إذَا كَانَ ابْنُهَا مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا فَإِذَا كَانَ ابْنُهَا مِنْ سَيِّدِهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ وَلَدِ الْحُرَّةِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ أَشْهَبُ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ، وَلَوْ أَعْتَقَ رَجُلٌ مَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا لَكَانَ فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِتْقُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُولَدَ حَيًّا أَوْ أَلْقَتْهُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ لَكَانَتْ فِيهِ دِيَةُ الْحُرِّ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ قَدْ ثَبَتَتْ فِيهِ، وَقَوْلُهُ فِي الْأَصْلِ عُشْرُ ثَمَنِ أُمِّهِ يُرِيدُ قِيمَتَهَا قَالَ عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ زَادَتْ عَلَى الْغُرَّةِ أَوْ قَصُرَتْ عَنْهَا قَالَ مَالِكٌ كَانَ أَبُوهُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَأَبُو الزِّنَادِ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةُ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ مَا نَقَصَهَا جَنِينٌ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ حُرٌّ فَوَجَبَ أَنْ يُودَى بِعُشْرِ مَا تُودَى أُمُّهُ بِهِ كَجَنِينِ الْحُرَّةِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ تَبَعٌ لِلْأُمِّ مَا لَمْ يُفَارِقْهَا، وَكَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَ الْجَانِيَ مَا نَقَصَهَا؛ لِأَنَّهَا أَمَةٌ، وَمَنْ جَنَى عَلَيْهَا فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا، وَهَذَا إنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ اسْتَهَلَّ صَارِخًا فَحُكْمُهُ مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِهِ إنْ كَانَ حُرًّا فَدِيَةُ حُرٍّ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَدِيَةُ عَبْدٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيهِ قِيمَتُهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَلَى قَدْرِ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ الْحَامِلَ إذَا قُتِلَتْ عَمْدًا لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهَا حَتَّى تَضَعَ؛ لِأَنَّ حَمْلَهَا لَهُ حَقٌّ وَحُرْمَةٌ، وَإِنْ عُجِّلَ قَتْلُهَا مَاتَ بِمَوْتِهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَمَنْ قَتَلَ امْرَأَةً فَلَيْسَ فِي جَنِينِهَا شَيْءٌ يُرِيدُ إنْ بَقِيَ فِي بَطْنِهَا وَلَمْ يَخْرُجُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا قَبْلَ مَوْتِهَا؛ لِأَنَّهَا إذَا مَاتَتْ، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهَا فَإِنَّمَا هُوَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهَا فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ إلَّا وَقَدْ وَجَبَ مِنْ دِيَتِهَا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ هَذَا حُكْمُ دِيَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ الْحُرَّةِ إذَا كَانَ ابْنُهَا
стр. 1991
مَا فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ كَامِلَةً فَإِذَا قُطِعَتْ السُّفْلَى فَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الرَّجُلِ الْأَعْوَرِ يَفْقَأُ عَيْنَ الصَّحِيحِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ إنْ أَحَبَّ الصَّحِيحُ أَنْ يَسْتَقِيدَ مِنْهُ فَلَهُ الْقَوَدُ، وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ الدِّيَةُ أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ) .
ــ
[المنتقى]
مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْمَجُوسِيَّةِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ حَمْلُهَا مِنْ زَوْجٍ سَوَاءٌ كَانَ عَبْدًا أَوْ حُرًّا كَافِرًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنَّمَا فِيهِ مَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ لِكَوْنِ أُمِّهِ حُرَّةً، وَمُسْلِمٌ لِكَوْنِهِ لِأَبِيهِ، وَهُوَ مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ فِي الدِّينِ لِأَبِيهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْكِتَابِيَّةُ حُرَّةً تَحْتَ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ فِيهِ الْغُرَّةُ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ لِكَوْنِ أُمِّهِ حُرَّةً، وَمُسْلِمٌ لِكَوْنِ أَبِيهِ مُسْلِمًا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً]
(ش) : قَوْلُهُ فِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَهَذَا مِمَّا لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّ فِي الشَّفَةِ السُّفْلَى ثُلُثَيْ الدِّيَةِ فَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُهَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ فِيمَا عَلِمْنَا، وَلَمْ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِقَوْلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ إنَّ فِي السُّفْلَى ثُلُثُ الدِّيَةِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَدًا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا غَيْرُهُ، وَأَرَاهُ وَهْمًا عَلَيْهِ، وَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ مَا كَانَ فِيهِ حُجَّةٌ لِكَثْرَةِ مَنْ خَالَفَهُ، وَالْحُجَّةُ أَتَمُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ إنَّ السُّفْلَى أَحْمَلُ لِلطَّعَامِ وَاللُّعَابِ فَإِنَّ فِي الْعُلْيَا مِنْ الْجَمَالِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ تَخْتَلِفُ يُسْرَى الْيَدَيْنِ، وَيُمْنَاهُمَا فِي الْمَنَافِعِ، وَتَتَسَاوَيَانِ فِي الدِّيَةِ، وَبِهَذَا قَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ التَّابِعِينَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَقِيلَ إنَّ فِي الْعُلْيَا مِنْ الشَّفَتَيْنِ ثُلُثِي الدِّيَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالشَّفَةُ الَّتِي يَجِبُ بِذَهَابِهَا نِصْفُ الدِّيَةِ كُلّ مَا زَايَلَ جِلْدَ الذَّقَنِ وَالْخَدَّيْنِ مِنْ أَعْلَى وَأَسْفَلَ مُسْتَدِيرًا بِالْفَمِ، وَهُوَ كُلُّ مَا ارْتَفَعَ عَنْ الْأَسْنَانِ وَاللِّثَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يُرِيدُ أَنَّ كُلَّ مَا يُغَطِّي الْأَسْنَانَ وَاللِّثَاتِ مِنْ أَعْلَى وَأَسْفَلَ فَهُوَ مِنْ الشَّفَتَيْنِ، وَأَمَّا فِي الْجَانِبِ فَإِنَّهُمَا مُتَّصِلَانِ بِالشِّدْقَيْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي مِنْ الشَّفَتَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ الْأَعْوَرَ يَفْقَأُ عَيْنَ الصَّحِيحِ يُرِيدُ عَمْدًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ خَطَأً فَسَوَاءٌ كَانَتْ عَيْنُ الْجَانِي هِيَ مِثْلَ الْعَيْنِ الَّتِي أَتْلَفَهَا مِنْ الصَّحِيحِ أَوْ خِلَافَهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَّا دِيَةُ عَيْنِهِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنَّ لِلصَّحِيحِ الْخِيَارَ يُرِيدُ إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ الْبَاقِيَةُ لِلْأَعْوَرِ مِثْلَ الْعَيْنِ الَّتِي فَقَأَ الصَّحِيحُ فِي كَوْنِهَا يُمْنَى أَوْ يُسْرَى فَأَمَّا إنْ كَانَتْ عَيْنُهُ الْبَاقِيَةُ يُمْنَى، وَفَقَأَ يُسْرَى عَيْنَيْ الصَّحِيحِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَا قِصَاصَ لَهُ، وَإِنَّمَا لَهُ دِيَتُهَا نِصْفُ دِيَةِ الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا إذَا فَقَأَ مِثْلَهَا فَهُوَ الَّذِي قَالَ ابْنُ شِهَابٍ إنَّ الصَّحِيحَ بِالْخِيَارِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْقَوَدِ وَأَخْذِ نِصْفِ الدِّيَةِ قَالَ، وَإِلَى هَذَا رَجَعَ مَالِكٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سَعِيدٍ، وَمَا بَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄، وَكَانَ لِمَالِكٍ قَوْلٌ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْقِصَاصُ، وَبِهِ نَأْخُذُ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ عِيسَى عَنْهُ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ رَجَعَ مَالِكٌ إلَى هَذَا.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّ لِلصَّحِيحِ أَخْذُ الدِّيَةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الدِّيَةُ أَلْفُ دِينَارٍ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالِكٌ، وَكَانَ يَقُولُ إنَّمَا لَهُ دِيَةُ عَيْنَيْهِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الدِّيَةَ عِوَضٌ مِمَّا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَخْذُهَا، وَهِيَ عَيْنُ الْأَعْوَرِ، وَدِيَتُهَا أَلْفٌ، وَكَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَهَا أَوْ يَأْخُذَ عِوَضَهَا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الَّتِي أَصَابَ الْجَانِي عَيْنَ الصَّحِيحِ وَدِيَتُهَا خَمْسُمِائَةٍ فَإِنَّمَا لَهُ دِيَةُ مَا أَتْلَفَ عَلَيْهِ دُونَ دِيَةِ مَا فِي الْجَانِي مِنْ الْأَعْضَاءِ كَمَا لَوْ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ امْرَأَةٍ فَإِنَّمَا لَهَا دِيَةُ يَدِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
، وَلَوْ فَقَأَ الْأَعْوَرُ عَيْنَيْ رَجُلٍ
стр. 1992
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ فِي كُلِّ زَوْجٍ مِنْ الْإِنْسَانِ الدِّيَةَ كَامِلَةً، وَأَنَّ فِي اللِّسَانِ الدِّيَةَ كَامِلَةً، وَأَنَّ فِي الْأُذُنَيْنِ إذَا ذَهَبَ سَمْعُهُمَا الدِّيَةَ كَامِلَةً اصْطَلَمَتَا أَوْ لَمْ تَصْطَلِمَا، وَفِي ذَكَرِ الرَّجُلِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ كَامِلَةً) .
ــ
[المنتقى]
صَحِيحٍ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ تُفْقَأُ عَيْنُهُ الْبَاقِيَةُ، وَتُؤْخَذُ دِيَةُ عَيْنِهِ الثَّانِيَةِ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَرَبِيعَةُ.
وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ تُفْقَأَ عَيْنُهُ بِعَيْنِهِ رَوَاهُ عَنْهُمَا ابْنُ الْمَوَّازِ، وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْهُمَا التَّخْيِيرُ بَيْنَ ذَلِكَ، وَبَيْنَ أَخْذِ الدِّيَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا إنْ فَقَأَ الصَّحِيحُ عَيْنَ الْأَعْوَرِ فَإِنَّ الْأَعْوَرَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْقَوَدِ وَأَخْذِ دِيَةِ عَيْنِهِ قَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرُهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ رِوَايَةً شَاذَّةً أَنَّ مَالِكًا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ فَقَالَ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْقَوَدُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ إنْ كَانَ الْجَانِي صَحِيحَ الْعَيْنَيْنِ أَوْ صَحِيحَ الْعَيْنِ الَّتِي مِثْلُهَا لِلْأَعْوَرِ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ فِي كُلِّ زَوْجٍ مِنْ الْإِنْسَانِ الدِّيَةَ كَامِلَةً يُرِيدُ عَيْنَيْهِ وَشَفَتَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَأُنْثَيَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ قُطِعَتَا أَوْ شُلَّتَا أَوْ رُضَّتَا حَتَّى زَالَتَا.
وَقَالَ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ فِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ كَامِلَةً قُطِعَتَا مَعَ الذَّكَرِ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ تَقَارَبَ قَطْعُهُمَا سَوَاءٌ قُطِعَ الذَّكَرُ قَبْلَ الْأُنْثَيَيْنِ أَوْ بَعْدَهُمَا قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ رَوَى مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ إنْ قُطِعَ الذَّكَرُ أَوَّلًا وَآخِرًا فَفِي الْآخِرِ حُكُومَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ قُطِعَتَا بَعْدَ الذَّكَرِ فَلَا دِيَةَ فِيهِمَا، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ قُطِعَ قَبْلَهُمَا أَوْ بَعْدَهُمَا، وَإِنْ قُطِعَا مَعًا فَفِيهِمَا دِيَتَانِ كَانَ الْقَطْعُ مِنْ فَوْقُ أَوْ أَسْفَلُ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَرَوَى أَبُو الْفَرَجِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ خَالَفَ فِي ذَلِكَ مَالِكًا فَقَالَ أَيُّهُمَا قُطِعَ قَبْلَ صَاحِبِهِ فَفِي الثَّانِيَةِ حُكُومَةٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ إنَّ قَوْلَ مَالِكٍ اخْتَلَفَ فِيهِ فَقَالَ مَرَّةً هَذَا إنْ كَانَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فَإِذَا كَانَ قَطْعُهُمَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مَا يَكُونُ ذَلِكَ حُكْمَهُ فَفِيهِمَا الدِّيَتَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَقْصٌ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ تَأَخَّرَ ذَلِكَ حَتَّى يَثْبُتَ النَّقْصُ فِي الْآخِرِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ حُكْمُ مَا صَارَ إلَيْهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَفِي ذَكَرِ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَكَذَلِكَ ذَكَرُ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي ضَعُفَ عَنْ النِّسَاءِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَيْسَ اسْتِرْخَاءُ ذَكَرِ الْكَبِيرِ بِمَنْزِلَةِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ أَوْ أَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ مِنْ السَّمَاءِ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ إنَّ الْأَمْرَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَهُوَ عَسِيبٌ قُطِعَتْ حَشَفَتُهُ إلَّا الِاجْتِهَادَ، وَأَمَّا لَوْ قُطِعَ أُنْثَيَاهُ، وَبَقِيَ ذَكَرُهُ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا شَفْرَا الْمَرْأَةِ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ إذَا سُلِتَا حَتَّى يَبْدُوَ الْعَظْمُ أَنَّ فِيهِمَا الدِّيَةَ، وَهُوَ أَعْظَمُ مُصِيبَةً عَلَيْهَا مِنْ ذَهَابِ يَدَيْهَا أَوْ عَيْنَيْهَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَضَى فِي ذَلِكَ بِالدِّيَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ كَامِلَةً قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ إذَا قُطِعَ مِنْهُ مَا مَنَعَ الْكَلَامَ، وَإِنْ قُطِعَ مِنْهُ مَا لَا يَمْنَعُ الْكَلَامَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِيهِ الِاجْتِهَادُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إنْ قُطِعَ مِنْهُ مَا مَنَعَ الْكَلَامَ أَوْ بَحَّ أَوْ غَنَّ فَفِيهِ الدِّيَةُ وَقَالَ مَالِكٌ إنْ قُطِعَ مِنْهُ مَا مَنَعَ بَعْضَ الْكَلَامِ فَفِيهِ بِقَدْرِ مَا مَنَعَ مِنْ كَلَامِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ اللِّسَانِ الْكَلَامُ فَفِي جَمِيعِهِ الدِّيَةُ، وَفِي بَعْضِهِ بَعْضُ الدِّيَةِ كَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَإِنَّمَا الدِّيَةُ فِيهِ بِقَدْرِ الْكَلَامِ لَا بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ اللِّسَانِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَكَيْفَ الِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ لَا يُنْظَرُ إلَى عَدَدِ الْحُرُوفِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهَا أَثْقَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَلَكِنْ بِالِاجْتِهَادِ، وَقَالَ أَشْهَبُ بِقَدْرِ مَا يَرْسَخُ فِي الْقَلْبِ أَنَّهُ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى
стр. 1993
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ فِي ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ الدِّيَةَ كَامِلَةً قَالَ مَالِكٌ، وَأَخَفُّ ذَلِكَ عِنْدِي الْحَاجِبَانِ، وَثَدْيَا الرَّجُلِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أُصِيبَ مِنْ أَطْرَافِهِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهِ فَذَلِكَ لَهُ إذَا أُصِيبَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَعَيْنَاهُ فَلَهُ ثَلَاثُ دِيَاتٍ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ الصَّحِيحَةِ إذَا فُقِئَتْ خَطَأً أَنَّ فِيهَا الدِّيَةَ كَامِلَةً) .
ــ
[المنتقى]
عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ كَالْعَقْلِ يَذْهَبُ بَعْضُهُ فَإِنَّ الدِّيَةَ تُقَسَّطُ عَلَى ذَلِكَ بِحَسَبِ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ بِخِلَافِ الْجَوَارِحِ فَإِنَّ الدِّيَةَ تُقَسَّطُ عَلَى عَدَدِهَا دُونَ مَنَافِعِهَا.
وَقَالَ أَصْبَغُ إنَّهُ عَلَى عَدَدِ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ تُجَزَّأُ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ جُزْءًا فَمَا نَقَصَ مِنْ الْحُرُوفِ نَقَصَ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَجْزَاءِ مَا جُنِيَ عَلَيْهِ كَالْأَسْنَانِ وَالْأَصَابِعِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَفِي الْأُذُنَيْنِ إذَا ذَهَبَ سَمْعُهُمَا الدِّيَةُ اصْطَلَمَتَا أَوْ لَمْ تَصْطَلِمَا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَذْهَبْ سَمْعُهُمَا فَقَدْ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ لَيْسَ فِي إشْرَافِ الْأُذُنَيْنِ إلَّا حُكُومَةٌ، وَكَذَلِكَ فِي شَحْمِهِمَا، وَرَوَى الْبَغْدَادِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وَالثَّانِيَةُ فِيهِمَا الدِّيَةُ، وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ قَضَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ؛ لِأَنَّ السَّمْعَ يَحْصُلُ مَعَ عَدَمِهِمَا، وَلَا جَمَالٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْعِمَامَةَ تَسْتُرُهُمَا، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كُتِبَ لِابْنِ حَزْمٍ، وَفِي الْأُذُنِ خَمْسُونَ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ فِيهِمَا جَمَالًا ظَاهِرًا كَالْأَنْفِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي الزِّنَادِ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَرَوَى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِيهِمَا قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا حُكُومَةٌ، وَالْأُخْرَى خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً دِيَةُ الْمُنَقِّلَةِ قَالَ، وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَقُولُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ ذَهَبَ السَّمْعُ وَالْأُذُنُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ، وَعِنْدِي يَجِبُ فِيهِمَا دِيَةٌ وَحُكُومَةٌ أَوْ دِيَتَانِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ السَّمْعَ يُبْطِئُ مَعَ ذَهَابِهِمَا فَهُوَ مَنْفَعَةٌ فِي غَيْرِهِمَا فَلَمْ يَجِبْ أَنْ يَتَدَاخَلَ أَرْشُهُمَا.
(ش) : قَوْلُهُ ﵀ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ فِي ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ الدِّيَةَ كَامِلَةً مَعْنَاهُ أَنَّ لَهُمَا مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً، وَرَضَاعُ الْوَلَدِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا قَطَعَ الْحَلَمَتَيْنِ، وَأَبْطَلَ مَجْرَى اللَّبَنِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ حَدَّ مَا يُوجِبُ الدِّيَةَ فِيهِمَا ذَهَابُ الْحَلَمَتَيْنِ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنْ كَانَ أَذْهَبَ مِنْهُمَا مَا هُوَ سَدَادٌ لِصَدْرِهَا وَمُنَاوَلَتُهَا لِوَلَدِهَا فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَفِيهِمَا بِقَدْرِ شَيْنِهِمَا، وَأَمَّا ثَدْيَا الرَّجُلِ فَقَالَ عِيسَى فِي الْمَزنِيَّةِ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ إنَّ أَخَفَّ ذَلِكَ عِنْدِي الْحَاجِبَانِ، وَثَدْيَا الرَّجُلِ مَعْنَاهُ أَنَّ الدِّيَةَ لَا تُتِمُّ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فِيهِمَا الِاجْتِهَادُ، وَرَوَاهُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا أَلْيَتَا الْمَرْأَةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ فِيهِمَا حُكُومَةٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ مَنْ أُصِيبَ مِنْ أَطْرَافِهِ مَا فِيهِ دِيَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَبَقِيَتْ نَفْسُهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ دِيَةَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ بَلَغَتْ عِدَّتُهَا دِيَاتِ نُفُوسٍ كَثِيرَةٍ فَإِنَّهَا لَا تَتَدَاخَلُ مَعَ بَقَاءِ النَّفْسِ، وَإِنَّمَا تَدْخُلُ كُلُّهَا فِي دِيَةِ النَّفْسِ إذَا تَلِفَتْ النَّفْسُ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِي الْعَيْنَيْنِ دِيَةً، وَفِي الشَّفَتَيْنِ دِيَةً، وَفِي اللِّسَانِ دِيَةً، وَفِي الْيَدَيْنِ دِيَةً، وَفِي الصُّلْبِ إذَا كُسِرَ دِيَةً، وَفِي الْعَقْلِ دِيَةً، وَفِي الذَّكَرِ دِيَةً، وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ دِيَةً، وَفِي الرِّجْلَيْنِ دِيَةً، فَفِي الرَّجُلِ تِسْعُ دِيَاتٍ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهَا.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ الدِّيَةَ كَامِلَةً قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ.
وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ فِيهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ كَإِحْدَى الْيَدَيْنِ، وَهَذَا غَيْرُ مُشَبَّهٍ لِلْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُبْصِرُ بِالْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ مَا يُبْصِرُ بِالْعَيْنَيْنِ، وَلَا يَعْمَلُ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ مَا يَعْمَلُ بِيَدَيْنِ، وَلَا يَسْعَى بِرِجْلٍ وَاحِدَةٍ سَعْيُهُ بِرِجْلَيْنِ قَالَ، وَأَمَّا السَّمْعُ فَيُسْأَلُ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ يَسْمَعُ بِالْأُذُنِ الْوَاحِدَةِ كَمَا يَسْمَعُ
стр. 1994
مَا جَاءَ فِي عَقْلِ الْعَيْنِ إذَا ذَهَبَ بَصَرُهَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ يَقُولُ فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ إذَا طُفِئَتْ مِائَةُ دِينَارٍ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَتَرِ الْعَيْنِ وَحِجَاجِ الْعَيْنِ فَقَالَ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا الِاجْتِهَادُ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ بَصَرُ الْعَيْنِ فَيَكُونَ لَهُ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ بَصَرِ الْعَيْنِ قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ الْعَوْرَاءِ إذَا طُفِئَتْ، وَفِي الْيَدِ الشَّلَّاء إذَا قُطِعَتْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا الِاجْتِهَادُ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ عَقْلٌ مُسَمَّى) .
ــ
[المنتقى]
بِالْأُذُنَيْنِ فَهُوَ كَالْبَصَرِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ ضُرِبَ ضَرْبَةً أَذْهَبَتْ نِصْفَ بَصَرِ إحْدَى عَيْنَيْهِ، ثُمَّ ضُرِبَ ضَرْبَةً أُخْرَى أَذْهَبَتْ الصَّحِيحَةَ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ لَهُ ثُلُثَا الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَتْلَفَ عَلَيْهِ ثُلُثَا مَا بَقِيَ مِنْ بَصَرِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ إذَا بَقِيَ مِنْ الْأُولَى شَيْءٌ فَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَةِ إلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ إحْدَاهُمَا نَظَرٌ فَمَا أَتْلَفَ مِنْ الْأُخْرَى فَبِحِسَابِ أَلْفِ دِينَارٍ سَوَاءٌ كَانَتْ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي عَقْلِ الْعَيْنِ إذَا ذَهَبَ بَصَرُهَا]
(ش) : قَوْلُهُ، وَفِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ إذَا مِائَةُ دِينَارٍ الْعَيْنُ الْقَائِمَةُ هِيَ الَّتِي قَدْ بَقِيَتْ صُورَتُهَا وَهَيْئَتُهَا، وَذَهَبَ بَصَرُهَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى تَقْدِيرِ عَقْلِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ فِي عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى غُرْمِ هَذَا الْمِقْدَارِ فِيهَا، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِيهَا، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنْ لَيْسَ فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ الَّتِي ذَهَبَ بَصَرُهَا فَبَقِيَتْ إلَّا الِاجْتِهَادُ، وَكَذَلِكَ الْيَدُ الشَّلَّاءُ تُقْطَعُ، وَالْأَصَابِعُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنَافِعَهَا قَدْ ذَهَبَتْ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ الْجَمَالِ فَلِذَلِكَ كَانَ فِيهَا الِاجْتِهَادُ، وَلَمْ يَتَقَدَّرْ عَقْلُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي عُضْوٍ بَاقِي الْمَنَافِعِ أَوْ بَعْضِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ الرِّجْلُ الْعَرْجَاءُ لَمْ يَبْقَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ.
وَقَالَ فِي الْكِتَابَيْنِ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ الذِّرَاعُ يُقْطَعُ بَعْدَ ذَهَابِ الْكَفِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ الْكَفُّ يُقْطَعُ بَعْدَ ذَهَابِ الْأَصَابِعِ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَلَيْسَ فِي اسْتِرْخَاءِ اللِّسَانِ أَوْ الذَّكَرِ مِنْ الْكَبِيرِ وَضَعْفِ الْعَيْنِ مِنْ كِبَرٍ أَوْ رَمَدٍ أَوْ الرِّجْلِ مِنْ الْكِبَرِ بِمَنْزِلَةِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا، وَلَا بِمَنْزِلَةِ مَا يَنْزِلُ بِهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَمَا كَانَ مِنْ الْكِبَرِ، ثُمَّ أُصِيبَ الْعُضْوُ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي عَيْنِ الْكَبِيرِ قَدْ ضَعُفَتْ أَوْ يُصِيبُهَا الشَّيْءُ فَيَنْقُصُ بَصَرُهَا، وَلَمْ يَأْخُذْ لَهَا عَقْلًا فَعَلَى مَنْ أَصَابَهَا الدِّيَةُ كَامِلَةً فَسَاوَى بَيْنَ مَا يَنْقُصُ مِنْ الْجَارِحَةِ بِمَرَضٍ وَكِبَرٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ أَصَابَهُ فِي رِجْلِهِ أَمْرٌ مِنْ عِرْقٍ يُضْرَبُ أَوْ يُرْمَدُ بِعَيْنِهِ فَيَنْقُصُ بَصَرُهَا، ثُمَّ يُصَابُ فَإِنَّمَا لَهُ بِحِسَابِ مَا بَقِيَ مِنْهُمَا كَمَا لَوْ أَصَابَهُمَا بِمِثْلِ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَمَنْ سَاوَى بَيْنَ مَا يُصِيبُهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا يُصِيبُهَا مِنْ الْكِبَرِ فَقَدْ غَلِطَ؛ لِأَنَّ كُلَّ جَارِحَةٍ لَا بُدَّ أَنْ تَضْعُفَ مِنْ الْكِبَرِ، وَأَمَّا الْمَرَضُ فَقَدْ يَسْلَمُ مِنْهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَمَّا شَتَرُ الْعَيْنِ وَحِجَاجُ الْعَيْنِ فَهُوَ الْعَظْمُ الْمُسْتَدِيرُ حَوْلَ الْعَيْنِ، وَيُقَابِلُ هُوَ الْأَعْلَى الَّذِي تَحْتَ الْحَاجِبِ وَالْجَمْعُ أَحِجَّةٌ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ شُجَّ حَاجِبُهُ فَبَرِئَ عَلَى عَثْمٍ فَفِيهِ حُكُومَةٌ إنْ سَلِمَتْ الْعَيْنُ، وَأَمَّا إنْ نَقَصَ بِذَلِكَ مِنْ بَصَرِهِ شَيْءٌ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا قَدْرُ دِيَةِ مَا نَقَصَ مِنْ بَصَرِهِ يُرِيدُ أَنَّ الْحَاجِبَ، وَإِنْ كَانَ عُضْوًا غَيْرَ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ مِنْ آلَاتِهِ وَتَوَابِعِهِ فَإِذَا أَصَابَهُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي غَيْرِ الْحَاجِبِ اُعْتُبِرَ تَأْثِيرُهَا فِي الْحَاجِبِ، وَإِذَا أَثَّرَتْ فِي الْبَصَرِ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ الْعَيْنِ سَقَطَ تَأْثِيرُهَا فِي الْحَاجِبِ إذَا كَانَ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فَإِذَا لَمْ يَبْلُغْ الْمُوضِحَةَ فَإِنَّمَا فِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَثَّرَ الضَّرْبُ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْبَصَرِ ثَبَتَ حُكْمُ ذَلِكَ الشَّيْنِ، وَإِنْ أَثَّرَ فِي الْبَصَرِ بَطَلَ، وَكَانَ تَبَعًا
стр. 1995
مَا جَاءَ فِي عَقْلِ الشِّجَاجِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَذْكُرُ أَنَّ الْمُوضِحَةَ فِي الْوَجْهِ مِثْلُ الْمُوضِحَةِ فِي الرَّأْسِ إلَّا أَنْ تَعِيبَ الْوَجْهَ فَيُزَادَ فِي عَقْلِهَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَقْلِ نِصْفِ الْمُوضِحَةِ فِي الرَّأْسِ فَيَكُونَ بِهَا خَمْسٌ وَسَبْعُونَ دِينَارًا) .
ــ
[المنتقى]
لِمَا نَقَصَ مِنْ الْبَصَرِ، وَلَوْ كَانَتْ الشَّجَّةُ يَجِبُ بِهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ كَالْمُوضِحَةِ فِي الْحَاجِبِ لَكَانَ أَرْشُهَا مَعَ دِيَةِ مَا نَقَصَ مِنْ الْبَصَرِ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْمُوضِحَةِ أَمْرٌ ثَابِتٌ بِنَفْسِهِ غَنِيٌّ عَنْ الِاجْتِهَادِ فَلَمْ يَكُنْ تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِمَّا لَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْعُضْوِ، وَذَلِكَ إنَّ الْحَاجِبَ عُضْوٌ غَيْرُ الْعَيْنِ الَّتِي فِيهَا الْبَصَرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا كَانَتْ الْعَيْنُ قَائِمَةً أَوْ فِيهَا بَيَاضٌ، وَقَالَ ذَهَبَ بَصَرُهَا أَوْ قَلَّ ذَلِكَ فِي عَيْنِهِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَيُشَارُ إلَى عَيْنَيْهِ أَوْ إلَى الْعَيْنِ الَّتِي يُدَّعَى ذَلِكَ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يُسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِ حَلَفَ، وَأَخَذَ مَا ادَّعَاهُ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، وَوَجْهُ هَذَا أَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَةِ صِدْقِهِ إلَّا بِمِثْلِ هَذَا أَوْ مَا جَرَى مِنْ الضَّرْبِ الَّذِي مِثْلُهُ يَحْدُثُ هَذَا يَشْهَدُ لَهُ فَإِذَا تَبَيَّنَ كَذِبُهُ بِاخْتِلَافِ قَوْلِهِ بَطَلَتْ دَعْوَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَصْبَغُ وَلَوْ ضُرِبَ فَادَّعَى أَنَّ جِمَاعَ النِّسَاءِ ذَهَبَ مِنْهُ فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُخْتَبَرَ اُخْتُبِرَ، وَإِلَّا حَلَفَ، وَأَخَذَ الدِّيَةَ فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ بِقُرْبِ ذَلِكَ أَوْ بِبَعْدِهِ رَدَّ مَا أَخَذَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَا يَقْدِرُ أَنْ يُعْرَفَ بِالْبَيِّنَةِ مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ ذَهَابَ كَلَامِهِ أَوْ سَمْعِهِ مَعَ بَقَاءِ الْجَارِحَةِ فَلْيُخْتَبَرْ ثُمَّ يَحْلِفْ وَيَأْخُذْ الدِّيَةَ، ثُمَّ إنْ رَجَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ رَدَّ مَا أَخَذَ، وَإِنْ بَعُدَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
[مَا جَاءَ فِي عَقْلِ الشِّجَاجِ]
(ش) : قَوْلُ سُلَيْمَانَ أَنَّ الْمُوضِحَةَ فِي الْوَجْهِ مِثْلُ الْمُوضِحَةِ فِي الرَّأْسِ يَدُلُّ أَنَّ لَهَا مِثْلَ حُكْمِهَا يَجِبُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْمُوضِحَةِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ مَا أَوْضَحَ عَنْ الْعَظْمِ وَأَظْهَرَهُ بِوُصُولِ الشَّجَّةِ إلَيْهِ وَقَطَعَ مَا دُونَهُ مِنْ لَحْمٍ وَجِلْدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتُرُهُ، وَهَذَا مَوْجُودٌ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ إلَّا أَنَّ أَرْشَ الْمُوضِحَةِ الَّذِي قَدَّرَهُ الشَّرْعُ بِنِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ سَوَاءٌ عَظُمَتْ الْمُوضِحَةُ أَوْ صَغُرَتْ إنَّمَا يَخْتَصُّ بِمُوضِحَةِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ؛ لِأَنَّ الْعَظْمَ وَاحِدٌ، وَهُوَ جُمْجُمَةُ الرَّأْسِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَكُلُّ نَاحِيَةٍ مِنْ الرَّأْسِ فِي الْمُوضِحَةِ، وَحَدُّ ذَلِكَ مُنْتَهَى الْجُمْجُمَةِ فَإِنْ أَصَابَ أَسْفَلَ مِنْهَا فَهُوَ مِنْ الْعُنُقِ لَا مُوضِحَةَ فِيهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ كُلُّ مَا لَوْ نَفَذَ مِنْهُ وَصَلَ إلَى الدِّمَاغِ فَهُوَ مِنْ الرَّأْسِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَطَرَ يَعْظُمُ بِوُصُولِ الْجُرْحِ إلَى ذَلِكَ الْعَظْمِ دُونَ سَائِرِ عِظَامِ الْجَسَدِ فَلِذَلِكَ اخْتَصَّتْ مُوضِحَتُهُ بِهَذَا الْحُكْمِ فَإِذَا أُطْلِقَ فِي الشَّرْعِ الْمُوضِحَةُ فَإِنَّمَا تَنْطَلِقُ عَلَى الْمُوضِحَةِ الَّتِي يَثْبُتُ لَهَا هَذَا الْحُكْمُ، وَلَا تَكُونُ إلَّا فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ الْمُوضِحَةُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ مِنْ اللَّحْيِ الْأَعْلَى وَمَا فَوْقَهُ، وَلَيْسَ فِي الْأَنْفِ وَلَا فِي اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ مُوضِحَةٌ، وَفِيهَا الِاجْتِهَادُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْخَدِّ الْمُوضِحَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ؛ لِأَنَّهُ عَقْلٌ يَخْتَصُّ بِهَا لِوُصُولِ الشَّجَّةِ إلَى ذَلِكَ الْعَظْمِ فَأَمَّا إذَا بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ، وَهُوَ قُبْحُ الْأَثَرِ فَإِنَّهُ يُزَادُ فِي مُوضِحَةِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ بِقَدْرِ مَا شَأْنُهُ بِالِاجْتِهَادِ شَأْنُهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَمْ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِقَوْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ يُزَادُ فِي مُوضِحَةِ الْوَجْهِ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ نِصْفِ عَقْلِهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَمَا سَمِعْت أَنَّ غَيْرَهُ قَالَهُ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يُزَادُ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مُنْكَرًا فَيُزَادَ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُزَادُ لِشَيْنِهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ فِيهَا دِيَةً مُوضِحَةً وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْوَجْهَ يَخْتَصُّ بِقُبْحِ الْمَنْظَرِ دُونَ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى تَأْثِيرٌ فِي الْعَمَلِ كَاَلَّذِي فِي سَائِرِ الْجَسَدِ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ عَقْلُ الْمُوضِحَةِ بِالشَّجَّةِ وَوُصُولِهَا إلَى عَظْمِ الدِّمَاغِ فَأَمَّا الشَّيْنُ فَإِنَّمَا هُوَ مَعْنًى أَزْيَدُ
стр. 1996
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْأَمْرُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ فِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً قَالَ وَالْمُنَقِّلَةُ الَّتِي يَطِيرُ فِرَاشُهَا مِنْ الْعَظْمِ، وَلَا يَخْرِقُ إلَى الدِّمَاغِ، وَهِيَ تَكُونُ فِي الرَّأْسِ فِي الْوَجْهِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَأْمُومَةَ وَالْجَائِفَةَ لَيْسَ فِيهِمَا قَوَدٌ قَالَ مَالِكٌ وَالْمَأْمُومَةُ مَا خَرَقَ الْعَظْمَ إلَى الدِّمَاغِ وَلَا تَكُونُ الْمَأْمُومَةُ إلَّا فِي الرَّأْسِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ لَيْسَ فِي الْمَأْمُومَةِ قَوَدٌ قَالَ مَالِكٌ، وَمَا يَصِلُ إلَى الدِّمَاغِ إذَا خَرَقَ الْعَظْمَ) .
ــ
[المنتقى]
بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ دِيَةَ الْمُوضِحَةِ مُقَدَّرَةٌ لَا تَخْتَلِفُ بِصِغَرِهَا وَلَا كِبَرِهَا فَلَا تَخْتَلِفُ بِقُبْحِ أَثَرِهَا كَمُوضِحَةِ الرَّأْسِ.
(ش) : وَقَوْلُهُ إنَّ فِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً يُرِيدُ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ فَالْفَرِيضَةُ مَعْنَاهَا الْوَاحِدُ مِمَّا يَجِبُ بِهِ الْعَقْلُ مِنْ الْإِبِلِ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمُنَقِّلَةُ فَهِيَ مِنْ الشِّجَاجِ مَا خَرَجَ مِنْهَا عَظْمٌ بِكَسْرِ الشَّجَّةِ لَهُ، وَبَقِيَ سَائِرُ الْعَظْمِ الْمَشْجُوجِ، وَأَقَلُّهُ أَنْ يَظْهَرَ فِرَاشُ الْعَظْمِ، وَهُوَ أَعْلَاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَهِيَ تَكُونُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ يُرِيدُ أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْعَظْمِ دُونَ غَيْرِهَا كَالْمُوضِحَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُنَقِّلَةُ مِنْ جِهَةِ وَضْعِ اللُّغَةِ مَوْجُودَةً فِي غَيْرِهَا مِنْ الْأَعْضَاءِ، وَأَمَّا الْهَاشِمَةُ فَهِيَ الَّتِي تُهَشِّمُ الْعَظْمَ، وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْهُ فَإِنْ خَرَجَ شَيْءٌ مِنْ الْعَظْمِ صَارَتْ مُنَقِّلَةً.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ الْمَأْمُومَةَ وَهِيَ الَّتِي يَصِلُ مِنْهَا إلَى الدِّمَاغِ قَدْرُ مَغْرَزِ إبْرَةٍ فَأَكْثَرَ، وَالْجَائِفَةُ، وَهِيَ الَّتِي يَصِلُ مِنْهَا إلَى الْجَوْفِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا قَوَدٌ، وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا رَبِيعَةُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَعْنَى الْقِصَاصِ أَنْ يَحْدُثَ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا جَنَى، وَلَمَّا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ هَذِهِ الْجِنَايَةِ أَنَّهَا لَا تَقِفُ عَلَى مَا انْتَهَتْ إلَيْهِ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَلْ تُؤَدَّى إلَى النَّفْسِ لَمْ يَجُزْ الْقِصَاصُ فِيهَا؛ لِأَنَّ قَصْدَ الْقِصَاصِ قَصْدٌ إلَى إتْلَافِ النَّفْسِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ فِي الْمَجْمُوعَةِ الْقِصَاصُ فِي كُلِّ جُرْحٍ إلَّا فِيمَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ كَالْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ وَكَسْرِ الْفَخِذِ وَلَا قَوَدَ فِي كَسْرِ الصُّلْبِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي عِظَامِ الْعُنُقِ وَالْفَخِذِ وَالصُّلْبِ وَشِبْهِ ذَلِكَ مِنْ الْمَتَالِفِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ الْقَوَدُ فِي اللِّسَانِ إنْ كَانَ يُسْتَطَاعُ الْقَوَدُ مِنْهُ، وَلَا يَخَافُ وَإِنْ كَانَ مُتْلِفًا فَلَا قَوَدَ فِيهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنْ لَا قَوَدَ فِي الْمَخُوفِ، وَاللِّسَانُ عِنْدِي مَخُوفٌ فَلَا قَوَدَ فِيهِ، وَقَالَهُ مَالِكٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى إمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ فَإِنْ تَأَتَّتْ فِيهِ، وَلَمْ يَعْظُمْ الْخَوْفُ عَلَى النَّفْسِ وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ عَظُمَ الْخَوْفُ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ، وَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْقِصَاصُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْغَالِبَ مِنْهُ الْهَلَاكُ فَلَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ مِنْ جُرْحٍ كَمَا لَا يَجِبُ الْقَتْلُ، وَالضَّرْبُ الثَّانِي مَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْقِصَاصُ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْمِثْلِ وَالْعِلْمِ بِهِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمُوصَلِ إلَيْهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ جُرْحِ اللِّسَانِ الْمُذْهِبِ لِبَعْضِ الْكَلَامِ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ عَضَّ لِسَانَ رَجُلٍ فَقَطَعَ مِنْهُ مَا مَنَعَهُ الْكَلَامَ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ، وَقَدْ نَقَصَ كَلَامُهُ قَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا قَوَدَ فِيهِ لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَذْهَبَ مِنْ كَلَامِهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَجَمِيعُ الْكَلَامِ، وَمَنْ ضَرَبَ عَيْنَ رَجُلٍ فَابْيَضَّتْ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ لَا قَوَدَ فِي الْبَيَاضِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ كَانَ أَصَابَهُ بِعَصًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَشَجَّهُ مُوضِحَةً فَإِنَّهُ يُسْتَقَادُ لَهُ مِنْهُ، وَإِنْ ابْيَضَّتْ عَيْنُهُ، وَإِلَّا فَفِيهَا الْعَقْلُ، وَإِنْ كَانَ أَصَابَهُ بِمَا لَا قَوَدَ فِيهِ كَاللَّطْمَةِ أَوْ الضَّرْبَةِ بِعَصًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَدْمَى فَإِنْ انْخَسَفَتْ عَيْنُهُ أُقِيدَ لَهُ مِنْ عَيْنِهِ فَقَطْ، وَإِنْ لَمْ تَنْخَسِفْ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا عَقْلُهَا.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا قَوَدَ فِي الْعَيْنِ إلَّا أَنْ تُصَابَ كُلُّهَا فَإِنْ أُصِيبَ بَعْضُهَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَلَا قَوَدَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ لَهُ عَلَى حَدٍّ، وَالسَّمْعُ لَا قَوَدَ فِي جَمِيعِهِ، وَلَا
стр. 1997
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِنْ الشِّجَاجِ عَقْلٌ حَتَّى تَبْلُغَ الْمُوضِحَةُ، وَإِنَّمَا الْعَقْلُ فِي الْمُوضِحَةِ فَمَا فَوْقَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى إلَى الْمُوضِحَةِ فِي كِتَابِهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَجَعَلَ فِيهَا خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ، وَلَمْ يَقْضِ الْأَئِمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَلَا فِي الْحَدِيثِ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ بِعَقْلٍ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ
ــ
[المنتقى]
فِي بَعْضِهِ إذْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْعَقْلُ بِحِسَابِ مَا ذَهَبَ مِنْهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا فَأَشَلَّ يَدَهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَالْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيهَا الْقَوَدُ يَضْرِبُهُ كَمَا ضَرَبَهُ فَإِنْ شُلَّتْ يَدُهُ، وَإِلَّا فَعَقْلُهَا فِي مَالِ الضَّارِبِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا كَسْرُ الْعَظْمِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ فِي كَسْرِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ الْقِصَاصُ قَالَ أَشْهَبُ، وَمَا عَلِمْت مَنْ مَنَعَ مِنْهُ إلَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَقَالُوا إذْ لَا يَسْتَوِي الْكَسْرَانِ، وَهَذَا يَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اخْتَلَفَ الْقَوَدُ فِي الْجِرَاحِ لِتَجَاوُزِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ هَذَا أَنَّ الْأَغْلَبَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ، وَإِنَّ الْمُخَالَفَةَ فِيهِ تَقِلُّ وَتَنْدُرُ كَالْقَوَدِ فِي الْمُوضِحَةِ، وَكَقُطْعِ الْعُضْوِ مِنْ الْمَفْصِلِ لَا يُسْتَطَاعُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْمُمَاثَلَةُ بِخِلَافِ الْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ وَكَسْرِ عَظْمِ الصُّلْبِ فَإِنَّ الْجَائِفَةَ يَتَّقِي مِنْهَا أَنْ تُنْتَهَى إلَى الْمَوْتِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِهَا، وَقَدْ أَقَادَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ كَسْرِ الْعِظَامِ مِمَّا لَيْسَ بِمُتْلِفٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَرَبِيعَةُ.
وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي إحْدَى قَصَبَتَيْ الْيَدِ الْقِصَاصُ إنْ اُسْتُطِيعَ ذَلِكَ فَعَلَّقَ هَذَا بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ، وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنْ لَا قَوَدَ فِي كَسْرِ الْفَخِذِ؛ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ فَأَمَّا غَيْرُ الْفَخِذِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ قَالَ وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى إمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ فَإِنْ تَأَتَّتْ، وَلَمْ يَعْظُمْ الْخَوْفُ عَلَى النَّفْسِ وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ اشْتَدَّ الْخَوْفُ لَمْ يَجِبْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا عِظَامُ الصَّدْرِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ لَا قِصَاصَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَخُوفٍ اُقْتُصَّ مِنْهُ، وَفِي الْمَجْمُوعَةِ، وَالْمَوَّازِيَّةِ فِي الْأُنْثَيَيْنِ لَوْ قَطَعَهُمَا أَوْ أَخْرَجَهُمَا فَفِيهِمَا الْقَوَدُ، وَلَا قَوَدَ فِي رَضِّهِمَا؛ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ، وَإِنْ قَطَعْتهمَا فَعَلْت بِهِ غَيْرَ فَاعِلٍ.
(ش) : قَوْلُهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ عَقْلٌ يُرِيدُ شَيْئًا مُقَدَّرًا كَعَقْلِ الْمُوضِحَةِ، وَأَوَّلُ الْجِرَاحِ الدَّامِيَةُ، وَهِيَ الَّتِي يَدْمَى الْجِلْدُ مِنْهَا وَقْتَهَا، ثُمَّ الْخَارِصَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ الْجِلْدَ، ثُمَّ السِّمْحَاقُ، وَهِيَ الَّتِي تَكْشِطُهُ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَبْضِعُ اللَّحْمَ، ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَقْطَعُ اللَّحْمَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، ثُمَّ الْمِلْطَاةُ، وَهِيَ الَّتِي يَبْقَى بَيْنَهَا وَبَيْنَ انْكِشَافِ الْعَظْمِ سَاتِرٌ رَقِيقٌ، ثُمَّ الْمُوضِحَةُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ الْمِلْطَاةُ هِيَ السِّمْحَاقُ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَقْطَعُ الْجِلْدَ، وَتُهَشِّمُ الْعَظْمَ، وَتَنْتِفُ الشَّعْرَ، وَتَدْمَى، وَلَا تَقْطَعُ مِنْ الْجِلْدِ شَيْئًا، وَالدَّامِيَةُ هِيَ الَّتِي تُدْمِي، وَلَا تَقْطَعُ شَيْئًا مِنْ الْجِلْدِ، وَلَا تُهَشِّمُ عَظْمًا، وَالْبَاضِعَةُ هِيَ الَّتِي تَبْضِعُ فِي الرَّأْسِ، وَلَا تَبْلُغُ الْعَظْمَ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَسْمَاءُ الْجِرَاحِ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ عَشْرٌ: أَوَّلُهَا الدَّامِيَةُ وَهِيَ الَّتِي تُدْمِي بِخَدْشٍ، ثُمَّ الْخَارِصَةُ وَهِيَ الَّتِي تَخْرُصُ الْجِلْدَ أَيْ تَشُقُّهُ، وَهِيَ السِّمْحَاقُ وَهِيَ تَسْلُخُ الْجِلْدَ كَأَنَّهَا تَكْشِطُهُ عَنْ الْعَظْمِ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ تَقْطَعُ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ، ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ، وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، ثُمَّ الْمِلْطَاةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَظْمِ صِفَاقٌ رَقِيقٌ، ثُمَّ الْمُوضِحَةُ وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ عَنْ الْعَظْمِ، ثُمَّ الْهَاشِمَةُ وَهِيَ الَّتِي تُهَشِّمُ الْعَظْمَ، ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ وَهِيَ الَّتِي تُطِيرُ فِرَاشَ الْعَظْمِ مِنْ الدَّوَاءِ أَوْ هَشَّمَتْهُ، وَإِنْ لَمْ يَطِرْ، وَصَرَعَتْهُ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الدِّمَاغِ صِفَاقٌ صَحِيحٌ، ثُمَّ الدَّامِغَةُ، وَهِيَ مَا أَفْضَى إلَى الدِّمَاغِ فَكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ الْمُوضِحَةِ فَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَفِيهِ الْقَوَدُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَفِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَلَيْسَ فِيهِ عَقْلٌ مُسَمًّى فَأَمَّا الْمُوضِحَةُ، وَهِيَ الَّتِي كَشَفَتْ اللَّحْمَ عَنْ الْعَظْمِ فَإِنْ كَانَتْ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ فَفِيهَا نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي سَائِرِ الْجَسَدِ فَفِيهَا حُكُومَةٌ، وَفِيهَا الْقَوَدُ إنْ كَانَتْ عَمْدًا، ثُمَّ الْهَاشِمَةُ، وَهِيَ الَّتِي هَشَّمَتْ الْعَظْمَ، وَفِيهَا مَا فِي الْمُوضِحَةِ مِنْ الدِّيَةِ، وَأَمَّا الْقِصَاصُ فَسَنَذْكُرُ حُكْمَهَا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 1998
أَنَّهُ قَالَ كُلُّ نَافِذَةٍ فِي عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ فَفِيهِ ثُلُثُ عَقْلِ ذَلِكَ الْعُضْوِ مَالِكٌ كَانَ ابْنُ شِهَابٍ لَا يَرَى ذَلِكَ، وَأَنَا لَا أَرَى فِي نَافِذَةٍ فِي عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ فِي الْجَسَدِ أَمْرًا مُجْتَمَعًا عَلَيْهِ، وَلَكِنِّي أَرَى فِيهَا الِاجْتِهَادَ يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَأْمُومَةَ وَالْمُنَقِّلَةَ وَالْمُوضِحَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ فَمَا كَانَ فِي الْجَسَدِ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الِاجْتِهَادُ قَالَ مَالِكٌ فَلَا أَرَى اللَّحْيَ الْأَسْفَلَ وَالْأَنْفَ مِنْ الرَّأْسِ فِي جِرَاحِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا عَظْمَانِ مُنْفَرِدَانِ، وَالرَّأْسُ بَعْدَهُمَا عَظْمٌ وَاحِدٌ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ فِي كُلِّ نَافِذَةٍ فِي عُضْوٍ ثُلُثُ عَقْلِهِ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ مَالِكٌ إنَّمَا يَكُونُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنَّ جُرْحَ الْخَطَإِ لَا يَعْقِلُ حَتَّى يَبْرَأَ فَإِنْ بَرِئَ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَإِنْ بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ فَفِيهِ الْحُكُومَةُ، وَهُوَ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ فَلَمَّا نَقَصَ ذَلِكَ الْجُرْحُ الَّذِي جَنَى عَلَيْهِ مِنْ مُنَاوَلَةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ، وَلَيْسَ فِيهِ عَقْلٌ مُقَدَّرٌ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ قَالَ أَشْهَبُ، وَقَدْ وَقَفَ قَوْمٌ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ قَدْرًا مِنْ الدِّيَةِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَصْلُ لِذَلِكَ التَّوْقِيفُ، وَأَوَّلُ مَنْ كَتَبَ بِهِ مُعَاوِيَةُ، ثُمَّ طَرَحَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ وُلِّيَ.
وَقَدْ أَنْكَرَ مَالِكٌ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ فِي الْمِلْطَاةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّمَا قُلْنَا إنَّ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ الِاجْتِهَادَ، وَهُوَ الْحُكُومَةُ، وَكَذَلِكَ جِرَاحُ الْجَسَدِ؛ لِأَنَّ مَقَادِيرَ الْعَقْلِ لَا تُؤْخَذُ بِالْقِيَاسِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَرْعٌ مُقَدَّرٌ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ عَبْدًا كَمْ كَانَ يُسَاوِي سَلِيمًا فَيُقَالُ مِائَةُ دِينَارٍ، ثُمَّ يُقَوَّمُ وَبِهِ الْجُرْحُ فَيُسَاوِي ثَمَانِينَ فَيُعْلَمُ أَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ نَقَصَتْهُ خُمْسَ قِيمَتِهِ فَيُلْزَمُ الْجَانِي خُمْسَ دِيَتِهِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْت هَذَا الْفَصْلَ هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ بِأَنَّ الْمَقَادِيرَ لَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ، وَقَدْ ذَكَرْته فِي أَحْكَامِ الْفُصُولِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْجَائِفَةُ إذَا كَانَتْ نَافِذَةً فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَغَيْرِهِمَا فِيهَا دِيَةُ جَائِفَتَيْنِ ثُلُثَا الدِّيَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَهُوَ أَحَبُّ قَوْلِ مَالِكٍ إلَيَّ، قَالَ أَشْهَبُ، وَقَدْ قَضَى بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ انْخَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا لَكَانَتْ وَاحِدَةً.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ الْمَأْمُومَةَ وَالْمُنَقِّلَةَ وَالْمُوضِحَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِعَظْمٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْجُمْجُمَةُ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَالرَّأْسُ بَعْدَ اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ وَالْأَنْفِ عَظْمٌ وَاحِدٌ لِمَا فِي جَرْحِ الْجُمْجُمَةِ مِنْ الْخَطَرِ فَجَعَلَ لِجُرْحِهَا أَرْشًا مُقَدَّرًا، وَلَا يَعْتَبِرُ بِمَا تَبْرَأَ عَلَيْهِ فَقَدْ تَبْرَأَ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فَيَسْقُطُ أَرْشُهُ فَجَعَلَ فِيهِ أَرْشًا مُقَدَّرًا زَجْرًا وَبَاعِثًا عَلَى نِهَايَةِ التَّحَرُّزِ وَالتَّوَقِّي لَا سِيَّمَا مَعَ اخْتِصَاصِ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ بِمَالِ الْجَانِي فَأَمَّا الْمُوضِحَةُ وَالْمُنَقِّلَةُ فَتَكُونُ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ جَمِيعًا، وَأَمَّا الْمَأْمُومَةُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ، وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَالْمَجْمُوعَةِ لَا تَكُونُ الْمَأْمُومَةُ إلَّا فِي الرَّأْسِ، وَمَا يَصِلُ إلَى الدِّمَاغِ، وَلَوْ بَعُدَ بِمَدْخَلِ إبْرَةٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَوْ ضَرَبَهُ فَأَطَارَ أَنْفَهُ، ثُمَّ نَفَذَتْ الضَّرْبَةُ إلَى دِمَاغِهِ فَفِي ذَلِكَ دِيَةٌ وَثُلُثٌ يُرِيدُ إنْ وَصَلَ إلَى الدِّمَاغِ حَيْثُ كَانَ فَهُوَ مَأْمُومَةٌ سَوَاءٌ وَصَلَ مِنْ الْوَجْهِ أَوْ مِنْ الرَّأْسِ، وَقَالَ أَشْهَبُ كُلُّ مَا نَفَذَتْ مِنْهُ وَصَلَ إلَى الدِّمَاغِ فَهُوَ مِنْ الرَّأْسِ، وَهُوَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ.
(فَصْلٌ) :
وَلَا أَرَى اللَّحْيَ الْأَسْفَلَ وَالْأَنْفَ مِنْ الرَّأْسِ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْأَنْفُ مِنْ الْوَجْهِ وَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ مِنْ الرَّأْسِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَقَادَ مِنْ الْمُنَقِّلَةِ) .
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَقَادَ مِنْ الْمُنَقِّلَةِ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَا قَوَدَ فِيهِ، وَقَالَهُ الْمُغِيرَةُ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَالْمَوَّازِيَّةِ قَالَ عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ لَا أَرَى مَا صَنَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَلَمْ يَمْضِ عَلَيْهِ الْأَمْرُ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِيهِمَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا وُجُودُ الْقَوَدِ، وَالْأُخْرَى نَفْيُهُ، وَجْهُ الْوُجُوبِ أَنَّ أَمْرَهَا أَخَفُّ مِنْ
стр. 1999
مَا جَاءَ فِي عَقْلِ الْأَصَابِعِ (ص) : (يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَمْ فِي أُصْبُعِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ فَقُلْت كَمْ فِي أُصْبُعَيْنِ قَالَ عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ فَقُلْت كَمْ فِي ثَلَاثٍ فَقَالَ ثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ فَقُلْت كَمْ فِي أَرْبَعٍ قَالَ عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ فَقُلْت حِينَ عَظُمَ جُرْحُهَا وَاشْتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا نَقَصَ عَقْلُهَا فَقَالَ سَعِيدٌ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ فَقُلْت بَلْ عَالِمٌ مُتَثَبِّتٌ أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ فَقَالَ سَعِيدٌ هِيَ السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي) .
ــ
[المنتقى]
الْمَأْمُومَةِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهَا رَضُّ الْعَظْمِ مَعَ بَقَاءِ الصِّفَاقِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مِنْهُ التَّلَفُ غَالِبًا؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ الْقَوَدُ، وَوَجْهُ نَفْيِ الْقَوَدِ أَنَّهُ جُرْحُ كَسْرِ عَظْمِ الرَّأْسِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ قَوَدٌ كَالْمَأْمُومَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْهَاشِمَةُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَالْمَجْمُوعَةِ لَا قَوَدَ فِي هَاشِمَةِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهَا لَا بُدَّ أَنْ تَعُودَ مُنَقِّلَةً.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِيهَا الْقِصَاصُ إلَّا أَنْ تَنْتَقِلَ فَتَصِيرَ مُنَقِّلَةً فَلَا قَوَدَ فِيهَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يُرِيدُ يُسْتَقَادُ مِنْهَا مُوضِحَةً إنْ لَمْ تَسْتَقِلَّ بِالشَّجَّةِ الْأُولَى، وَتَزِيدُ عَلَى الْهَشِمِ فَإِنْ هُشِّمَتْ مِثْلُ الْأُولَى فَهُوَ حَقُّهُ، وَإِنْ بَرِئَتْ مُوضِحَةً، وَلَمْ تَبْلُغْ الْهَشْمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ فَضْلُ عَقْلٍ بَيْنَ الْمُوضِحَةِ وَالْهَاشِمَةِ، وَمَا قَالَهُ أَشْهَبُ صَوَابٌ إنْ كَانَ بَرِئَ الْجُرْحُ مُوضِحَةً ثُمَّ تَهَشَّمَتْ فَأَمَّا لَوْ كَانَتْ الضَّرْبَةُ هَاشِمَةً لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَوَدٌ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ، وَهَذَا فِي شِجَاجِ الرَّأْسِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي هَاشِمَةِ الْجَسَدِ الْقَوَدُ إلَّا مَا هُوَ مَخُوفٌ كَالْفَخِذِ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ يُقَادُ مِنْ مُوضِحَةِ الْجَسَدِ وَمُنَقِّلَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْقَوَدِ فِي كَسْرِ عِظَامِ الْجَسَدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا اقْتَصَّ مِنْ الْجُرْحِ فَحَدَثَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهُ السِّرَايَةِ زِيَادَةً عَلَى مَا أُقِيدَ لَهُ مِنْ الْجُرْحِ لَمْ يَضْمَنْ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ قَطْعٌ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ كَانَ مِنْهُ فَلَمْ يَضْمَنْ كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَا جَاءَ فِي عَقْلِ الْأَصَابِعِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ فِي ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مِنْ يَدِ الْمَرْأَةِ ثَلَاثِينَ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ عِشْرُونَ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُسَاوِي الرَّجُلَ فِي أَرْشِ الْجِنَايَاتِ حَتَّى تَبْلُغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَتَكُونَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ فِيمَا قَلَّ وَكَثُرَ مِنْ الْجِنَايَاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵃، وَلَا تَجِبُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُمْ، وَمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ مِمَّا يُخَالِفُ مَا قُلْنَاهُ فَطُرُقُهُ ضَعِيفَةٌ لَا تَثْبُتُ قَالَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْجَهْمِ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ عَنْ زَيْدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ مُسَاوَاتُهَا الرَّجُلَ فِي الْمُوضِحَةِ فَأَلْحَقَ الْفُقَهَاءُ مَا دُونَ الثُّلُثِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ حَدٌّ فِي الشَّرِيعَةِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْجَهْمِ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ بِالْمَدِينَةِ قَالَ ابْنُ هُرْمُزَ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَإِنَّمَا أَخَذْنَا ذَلِكَ عَنْ الْفُقَهَاءِ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إنَّ هَذَا أَرْشٌ نَقَصَ عَنْ الدِّيَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَى فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى كَالْجَنِينِ فِيهِ غُرَّةٌ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ فَإِذَا بَلَغَ الثُّلُثَ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْجَهْمِ إنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ وَقَعَ فِي الثُّلُثِ أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى حِسَابِ دِيَتِهَا بِنِصْفِ مَا فِي جُرْحِ الرَّجُلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْجِرَاحُ الَّتِي تَبْلُغُ الثُّلُثَ مِنْ ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْجُرْحِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي ضَرَبَاتٍ فَإِنْ كَانَتْ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ فَهِيَ كَضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ خِلَافًا لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ، وَاحْتَجَّ أَشْهَبُ لِقَوْلِ مَالِكٍ بِالسَّارِقِ يَنْقُلُ الْمَتَاعَ مِنْ الْبَيْتِ قَلِيلًا قَلِيلًا يَدْخُلُ، وَيَخْرُجُ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمًا يَخْرُجُ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ أَخَذَ شَيْئًا، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَخَذَ غَيْرَهُ فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ حُكْمُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَهَا جُرْحًا لَا يَبْلُغُ ثُلُثَ الدِّيَةِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَجَرَحَهَا جُرْحًا آخَرَ لَكَانَ لِكُلِّ جُرْحٍ حُكْمُهُ كَمَا
стр. 2000
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي أَصَابِعِ الْكَفِّ إذَا قُطِعَتْ فَقَدْ تَمَّ عَقْلُهَا، وَذَلِكَ أَنَّ خَمْسَ الْأَصَابِعِ إذَا قُطِعَتْ كَانَ عَقْلُهَا عَقْلَ الْكَفِّ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشَرَةٌ مِنْ الْإِبِلِ قَالَ مَالِكٌ، وَحِسَابُ الْأَصَابِعِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ دِينَارًا، وَثُلُثُ دِينَارٍ فِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ، وَهِيَ مِنْ الْإِبِلِ ثَلَاثُ فَرَائِضَ وَثُلُثُ فَرِيضَةٍ) .
ــ
[المنتقى]
لَوْ بَاعَدَ مَا بَيْنَهُمَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ رَبِيعَةَ حِينَ عَظُمَ جُرْحُهَا، وَاشْتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا نَقَصَ عَقْلُهَا اعْتِرَاضٌ عَلَى فَتْوَى ابْنِ الْمُسَيِّبِ إلَّا أَنْ يَتَقَصَّى بِأَرْشِ الْمُوضِحَةِ أُوضِحَ فِي جَانِبِ رَأْسِهِ مُوضِحَةً صَغِيرَةً، وَفِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مِثْلُهَا لَهُ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَإِذَا أُوضِحَ مِثْلَ تَيْنِكَ الْمُوضِحَتَيْنِ، وَوَصَلَ مِنْهُمَا بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُمَا لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ فَكَمَا عَظُمَتْ مُصِيبَتُهُ نَقَصَ مَا يَأْخُذُ، وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ هَذَا، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؛ بِمَعْنَى التَّنْبِيهِ عَلَى ضَعْفِ حُجَّتِهِ قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَوْصُوفِينَ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ دَرَجَتِهِمْ وَالْبَحْثِ عَنْ الْمَسَائِلِ وَالتَّنْقِيرِ عَنْهَا وَالِاعْتِرَاضِ عَلَيْهَا بِالْحُجَجِ الضَّعِيفَةِ حِينَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنْ الْأُصُولِ مَا كَانَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَكَانَ تَفْرِيعُهُمْ وَاعْتِرَاضُهُمْ مُتَعَلِّقًا بِرَأْيٍ لَا يَسْتَنِدُ إلَى أُصُولٍ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ تَقْصِيرُهُمْ فِيهِ عَنْ دَرَجَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا تَعَرِّيهِمْ مِنْهُ وَخُلُوِّهِمْ مِنْ نَيْلِ دَرَجَةِ الْإِمَامَةِ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ رَبِيعَةَ بَلْ عَالِمٌ مُتَثَبِّتٌ أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَعْتَرِضَ فِي هَذَا الِاعْتِرَاضِ الَّذِي ظَنَّهُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَعْتَرِضُ اعْتِرَاضَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ عَلِمَ الْمَسْأَلَةَ إلَّا أَنَّهُ يَعْتَرِضُهُ فِيهَا شُبْهَةٌ فَأَرَادَ أَنْ يُثَبِّتَ مَا عَلِمَ بِإِزَالَةِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ أَوْ سُؤَالُ جَاهِلٍ يُرِيدُ التَّعَلُّمَ فَسَأَلَ عَنْهَا فَلَمَّا عَلِمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ اعْتَرَضَتْهُ الشُّبْهَةُ الَّتِي أَوْرَدَهَا فَأَرَادَ إزَالَةَ مَا فِي نَفْسِهِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ إنَّهَا السُّنَّةُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ رَوَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ قَرَّرَتْ فِي الشَّرْعِ أَنْ تَعْظُمَ الْمُصِيبَةُ، وَيَقِلَّ الْأَرْشُ فَلَا تُنْكِرُهُ، وَلَعَلَّهُ ذَكَرَهُ لَهُ أَوْ أَمْثَالُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ فِي الْأَصَابِعِ إذَا قُطِعَتْ فَقَدْ تَمَّ عَقْلُهَا يُرِيدُ أَنَّ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ فَإِذَا قُطِعَتْ الْأَصَابِعُ كُلُّهَا فَفِيهَا خَمْسُونَ، وَذَلِكَ عَقْلُ الْيَدِ سَوَاءٌ قُطِعَتْ الْأَصَابِعُ، وَقُطِعَتْ الْكَفُّ أَوْ الْيَدُ مِنْ الْمِرْفَقِ أَوْ الْمَنْكِبِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ، وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ إذَا قُطِعَتْ أَصَابِعُ الْكَفِّ تَمَّ عَقْلُهَا خَمْسُمِائَةٍ كَمَا لَوْ قُطِعَتْ مِنْ الْكَفِّ أَوْ الْمَنْكِبِ قَالَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَكَذَلِكَ رِجْلُهُ مِنْ الْوَرِكِ فِيهَا مِثْلُ مَا فِي قَطْعِ الْأَصَابِعِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَلَوْ قُطِعَ فَأَشَلَّ سَاعِدَهُ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ دِيَةُ الْكَفِّ، وَهُوَ مِنْ الذَّهَبِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ لِكُلِّ أُصْبُعٍ مِائَةُ دِينَارٍ، وَمِنْ الْوَرِقِ سِتَّةُ آلَافِ دِرْهَمٍ لِكُلِّ أُصْبُعٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَمِائَتَا دِرْهَمٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَحِسَابُ الْأَصَابِعُ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ دِينَارًا، وَفِي الْأُصْبُعِ ثَلَاثُ أَنَامِلَ فِي كُلّ أُنْمُلَةٍ ثُلُثُ الْمِائَةِ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ الْإِبْهَامَانِ فِيهِمَا أُنْمُلَتَانِ فَإِذَا قُطِعَتَا فَفِيهِمَا عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسٌ؛ لِأَنَّهَا إذَا ذَهَبَتْ فَقَدْ ذَهَبَتْ الْمَنْفَعَةُ، وَإِبْهَامُ الرَّجُلِ مِثْلُهَا قَالَ وَمَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا، وَهُوَ رَأْيٌ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ، وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْإِبْهَامِ ثَلَاثَةُ أَنَامِلَ فِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ ثُلُثُ دِيَةِ الْأَصَابِعِ قَالَ وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالِكٌ، وَأَخَذَ أَصْحَابُهُ بِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ أَشْهَبُ قَالَ لَوْ لَزِمَ فِي بَقِيَّةِ الْإِبْهَامِ الَّذِي فِي الْكَفِّ دِيَةٌ لَلَزِمَ فِي سَائِرِ الْأَصَابِعِ أَنْ يَكُونَ لَهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ دِيَةُ أُنْمُلَةٍ رَابِعَةٍ وَهَذَا خِلَافُ الْأَمَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا أُصْبُعٌ فَكَانَتْ أَنَامِلُهَا ثَلَاثًا أَصْلُ ذَلِكَ سَائِرُ الْأَصَابِعِ.
следующие страницы →