Полный текст (2 236 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
الْعَفْوُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ (ص) : (يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَدْرَكَ مَنْ يَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ إذَا أَوْصَى أَنْ يُعْفَى عَنْ قَاتِلِهِ إذَا قُتِلَ عَمْدًا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ، وَأَنَّهُ أَوْلَى بِدَمِهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ بَعْدَهُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَعْفُو عَنْ قَتْلِ الْعَمْدِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ وَيَجِبَ لَهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْقَاتِلِ عَقْلٌ يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَفَا عَنْهُ اشْتَرَطَ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَفْوِ) .
ــ
[المنتقى]
[الْعَفْوُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ]
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ الْمَقْتُولَ عَمْدًا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَمَّنْ قَتَلَهُ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَجْرَحَهُ جُرْحًا أَنْفَذَ بِهِ مَقَاتِلَهُ وَتَبْقَى حَيَاتُهُ فَيَعْفُوَ عَنْهُ فَإِنَّ عَفْوَهُ جَائِزٌ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ إلَّا فِي قَتْلِ الْغِيلَةِ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَلَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ لِوَلَدِهِ وَلَا لِغُرَمَائِهِ، وَإِنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَوْصَى أَنْ تُقْبَلَ الدِّيَةُ مِنْ قَاتِلِهِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ قُتِلَ عَمْدًا فَأَوْصَى أَنْ تُقْبَلَ الدِّيَةُ وَأَوْصَى بِوَصَايَا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَوَصَايَاهُ فِي دِيَتِهِ وَمَالِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَتْلَ قَدْ وُجِدَ مِنْ قِبَلِ الْقَاتِلِ فَكَانَ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ الْقَتِيلِ، فَلَمَّا جَازَ عَفْوُهُ عَلَى الدِّيَةِ صَارَ مَالًا فَتَعَلَّقَتْ بِهِ وَصَايَاهُ، وَلَوْ أَوْصَى بِدِيَتِهِ لِإِنْسَانٍ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَهَا فَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ إلَّا ثُلُثُهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَشْهَدَ لِرَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَهُ فَقَدْ وَهَبَ دَمَهُ فَقَتَلَهُ فَقَدْ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ اخْتَلَفَ فِيهَا أَصْحَابُنَا، وَأَحْسَنُ مَا رَأَيْت أَنْ يُقْتَلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَفَا عَنْ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ، وَإِنَّمَا وَجَبَ لِأَوْلِيَائِهِ بِخِلَافِ عَفْوِهِ عَنْهُ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي قَطْعِ يَدِهِ فَفَعَلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِقَتْلِ عَبْدِهِ فَفَعَلَ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِحُرْمَةِ الْقَتْلِ كَمَا يَلْزَمُهُ دِيَةُ الْحُرِّ إذَا قَتَلَهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ فَفَقَأَ عَيْنَهُ، وَيَلْزَمُ الْآمِرَ وَالْمَأْمُورَ ضَرْبُ مِائَةٍ وَحَبْسُ سَنَةٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا أَطْلَقَ الْعَفْوَ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، ثُمَّ قَالَ إنَّمَا عَفَوْت عَنْ الدِّيَةِ فَقَدْ رَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ مَا عَفَا فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ طَالَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ وَقَوْلُهُ فَذَلِكَ لَهُ يُرِيدُ أَنَّ شَرْطَهُ فِي ذَلِكَ ثَابِتٌ، وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ شَرَطَهُ فِي عَفْوِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ أَوْ قَالَ لَمْ أُرِدْهُ حِينَ الْعَفْوِ وَلَوْ شَرَطَ الدِّيَةَ عِنْدَ الْعَفْوِ لَمْ تَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةٌ بِالدِّيَةِ، وَقَدْ لَزِمَهُ مَا أَطْلَقَ مِنْ الْعَفْوِ، وَلَوْ شَرَطَ الدِّيَةَ عِنْدَ الْعَفْوِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْعَفْوُ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي شَرَطَ فَإِنْ رَضِيَ بِذَلِكَ الْقَاتِلُ ثَبَتَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا، وَتَقَرَّرَ ثُبُوتُ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ الْقَاتِلُ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى أَدَاءِ الدِّيَةِ أَمْ لَا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ الْوَاجِبَ بِقَتْلِ الْعَمْدِ الْقَوَدُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو الزِّنَادِ وَالثَّانِيَةُ يُخَيَّرُ الْوَلِيُّ بَيْنَ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَشْهَبَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ هَذَا مَعْنًى يُوجِبُ الْقَتْلَ فَلَمْ تَجِبْ بِهِ الدِّيَةُ، أَصْلُ ذَلِكَ الزِّنَا وَالرِّدَّةُ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا وَلِيٌّ ثَبَتَ لَهُ الْقَوَدُ فَجَازَ لَهُ أَخْذُ الدِّيَةِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْقَاتِلِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا عَفَا بَعْضُ الْوَرَثَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْجِرَاحُ فَإِنْ أَرَادَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الدِّيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِاخْتِيَارِ الْجَانِي، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَمْ يَخْتَلِفْ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْجَارِحَ يُرِيدُ اسْتِيفَاءَ الْمَالِ لِنَفْسِهِ، وَالْقَاتِلَ لَا يُرِيدُ اسْتِيفَاءَهُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُتِلَ قِصَاصًا تَرَكَ الْمَالَ لِغَيْرِهِ، قَالَ أَشْهَبُ فَهُوَ مُضَارٌّ بِامْتِنَاعِهِ مِنْ الدِّيَةِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا عَفَا بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ الدَّمِ لَمْ يُمْكِنْ الْقِصَاصُ، وَلَزِمَ الْقَاتِلَ مِنْ الدِّيَةِ حِصَّةُ مَنْ لَمْ يَعْفُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا خِلَافَ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ لَمْ أَسْمَعْ فِي الْجِرَاحِ أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ مُخَيَّرٌ إلَّا فِي الصَّحِيحِ يَفْقَأُ عَيْنَ الْأَعْوَرِ أَوْ الْأَعْوَرُ يَفْقَأُ عَيْنَ الصَّحِيحِ، أَوْ الْعَبِيدُ يَجْرَحُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَوْ الْكَبِيرُ يَجْرَحُ الصَّغِيرَ فَإِنَّ
стр. 2032
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْقَاتِلِ عَمْدًا إذَا عُفِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُجْلَدُ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَيُسْجَنُ سَنَةً) .
ــ
[المنتقى]
أَوْلِيَاءَ الصَّغِيرِ بِالْخِيَارِ فِي الْقِصَاصِ أَوْ الْعَقْلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الْقِصَاصِ وَاحِدًا فَعَفَا عَنْ بَعْضِ الدَّمِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَإِذَا عَفَا الْمَجْرُوحُ عَنْ نِصْفِ الْجُرُوحِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ عَنْ سَحْنُونٍ إنْ أَمْكَنَ أَنْ يُقْتَصُّ مِنْ نِصْفِهِ اُقْتُصَّ، وَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَالْجَارِحُ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ وَيُؤَدِّيَ نِصْفَ عَقْلِ الْجِرَاحِ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ فَيُقَالُ لِلْمَجْرُوحِ إمَّا أَنْ تَقْتَصَّ، وَإِمَّا أَنْ تَعْفُوَ، وَقَالَ أَشْهَبُ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَعْقِلَ لَهُ نِصْفَهُ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا يُجْلَدُ مِائَةً وَيُسْجَنُ سَنَةً، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَنْ عَلِيٍّ ﵄ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ كَانَ يَلْزَمُهُ الْعَقْلُ فَلَمَّا لَمْ يُقْتَلْ وَجَبَ تَأْدِيبُهُ وَأُلْحِقَ بِالزَّانِي يُقْتَلُ مَعَ الْإِحْصَانِ فَإِذَا لَمْ يُقْتَلْ لِعَدَمِ الْإِحْصَانِ ضُرِبَ مِائَةً وَحُبِسَ سَنَةً، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُ لَمَّا عَفَا عَنْهُ مَنْ لَهُ الْعَفْوُ وَبَقِيَتْ لِلَّهِ عُقُوبَةٌ جَعَلْنَاهَا كَعُقُوبَةِ الزِّنَا الْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَحَبْسُ سَنَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ سَوَاءٌ وَجَبَ الدَّمُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِقَسَامَةٍ عَلَى وَاحِدٍ فَعَفَا عَنْهُ، وَكَذَلِكَ إنْ تَعَلَّقَتْ الْقَسَامَةُ بِجَمَاعَةٍ فَقُتِلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِالْقَسَامَةِ فَإِنَّ سَائِرَهُمْ يُضْرَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةً، وَيُسْجَنُ سَنَةً.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ؛ لِأَنَّ الْأَوْلِيَاءَ قَدْ مَلَكُوا قَتْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْقَسَامَةِ فَإِذَا تَرَكُوا قَتْلَهُ بِالْقَسَامَةِ إلَى قَتْلِ غَيْرِهِ كَانَ كَالْعَفْوِ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ الْعَفْوُ قَبْلَ الْقَسَامَةِ وَقَبْلَ أَنْ يُحَقِّقَ الْوَلِيُّ الدَّمَ بِبَيِّنَةٍ كَشَفَ عَنْ ذَلِكَ الْحَاكِمُ فَمَا كَانَ يَحِقُّ عَلَيْهِ الدَّمُ بِالْقَسَامَةِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ فَفِيهِ جَلْدُ مِائَةٍ وَسَجْنُ عَامٍ، وَمَا كَانَ لَا يُوجِبُ دَمًا لِقَسَامَةٍ وَلَا غَيْرِهَا فَلَيْسَ فِيهِ ضَرْبٌ وَلَا سَجْنٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَمْلِكُ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ إسْقَاطَهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ نَكَلَ وُلَاةُ الدَّمِ عَنْ الْقَسَامَةِ، وَقَدْ وَجَبَتْ لَهُمْ زَادَ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَبَرِئُوا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فَعَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَلْدُ وَالسَّجْنُ قَالَ لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُ مَالِكٍ إلَّا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا نَكَلُوا فَلَا جَلْدَ وَلَا سَجْنَ وَلْيَحْلِفْ كُلُّ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَيَسْلَمُ مِنْ الضَّرْبِ وَالسَّجْنِ، وَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ حُبِسَ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعُقُوبَةَ قَدْ ثَبَتَتْ بِمَا أَوْجَبَ الْقَسَامَةَ فَالضَّرْبُ وَالسَّجْنُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ وَالْقَتْلُ حَقٌّ لِلْأَوْلِيَاءِ فَإِنْ أَسْقَطَ الْأَوْلِيَاءُ حَقَّهُمْ بِالنُّكُولِ مِنْ الْقِصَاصِ لَمْ يَمْلِكُوا إسْقَاطَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا لَوْ عَفَوْا أَوْ عَفَا السُّلْطَانُ عَنْ الْجَلْدِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْقَتْلَ لَمْ يَثْبُتْ قَبْلَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ عُقُوبَتُهُ وَنُكُولُ الْأَوْلِيَاءِ يُبْطِلُ مَا ادَّعَوْهُ مِنْ الْقَتْلِ فَلَا تَجِبُ فِيهِ عُقُوبَةُ سَجْنٍ وَلَا ضَرْ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَالَ أَشْهَبُ وَأَرَى فِي اللَّطْخِ ضَرْبَ مِائَةٍ وَحَبْسَ سَنَةٍ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ إذَا وَقَعَتْ التُّهْمَةُ عَلَى أَحَدٍ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَا يَجِبُ بِهِ قَسَامَةٌ وَلَا قَتْلٌ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ بِهِ جَلْدٌ وَلَا سَجْنٌ، وَلَكِنْ يُطَالُ سَجْنُهُ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَمَنْ اعْتَرَفَ بِالْقَتْلِ فَعُفِيَ عَنْهُ فَعَلَيْهِ الْجَلْدُ وَالْحَبْسُ قَالَ أَشْهَبُ كَسَائِرِ الْحُدُودِ الَّتِي لِلَّهِ تَعَالَى وَمَنْ تَابَ مِنْهَا لَمْ تُزِلْ تَوْبَتُهُ مَا عَلَيْهِ مِنْ حَدٍّ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُحَارِبِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَسَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ كَمَا سَقَطَ عَنْ الْحَرْبِيِّ عُقُوبَةُ الْحَرْبِيِّ الْكَافِرِ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْلِمٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا أَوْ كِتَابِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا زَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَوْ مَجُوسِيَّةً قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَوْ عَبْدًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ لِمُسْلِمٍ أَوْ لِذِمِّيٍّ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ وَيُسْجَنُ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمُسْلِمِ عَبْدًا كَانَ أَوْ حُرًّا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُسْلِمِ فَإِنَّمَا يَجِبُ بِهِ الْأَدَبُ الْمُؤْلِمُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ
стр. 2033
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ عَمْدًا أَوْ قَامَتْ عَلَى ذَلِكَ الْبَيِّنَةُ وَلِلْمَقْتُولِ بَنُونَ وَبَنَاتٌ فَعَفَا الْبَنُونَ وَأَبَى الْبَنَاتُ أَنْ يَعْفُونَ فَعَفْوُ الْبَنِينَ جَائِزٌ عَلَى الْبَنَاتِ، وَلَا أَمْرَ لِلْبَنَاتِ مَعَ الْبَنِينَ فِي الْقِيَامِ بِالدَّمِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ)
ــ
[المنتقى]
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ سَفْكُ دَمٍ مُحَرَّمٍ يُوجَبُ بِهِ الْجَلْدُ وَالسِّجْنُ، أَصْلُ ذَلِكَ قَتْلُ الْمُسْلِمِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَحْقُونِ الدَّمِ لِإِسْلَامِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَأَصْبَغُ لَوْ قَتَلَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ لَزِمَهُ الْجَلْدُ وَالْحَبْسُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَإِذَا قَتَلَتْ أُمُّ الْوَلَدِ سَيِّدَهَا فَعَلَيْهَا الْجَلْدُ وَالْحَبْسُ، وَلَوْ قَتَلَتْ غَيْرَ سَيِّدِهَا جُلِدَتْ وَلَمْ تُحْبَسْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
الْعَبْدُ إذَا قَتَلَ حُرًّا أَوْ حُرَّةً فَلَمْ يُقْتَلْ فَلْيُجْلَدْ وَيُسْجَنْ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَيْسَ عَلَى عَبْدٍ وَلَا عَلَى أَمَةٍ حَبْسٌ وَعَلَيْهِمَا جَلْدُ مِائَةٍ سَوَاءٌ أَسْلَمُوا أَوْ فَدُوا، وَقَالَهُ الْمُغِيرَةُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ تَعَمَّدَ سَفْكَ دَمٍ مَحْقُونٍ بِحَقٍّ فَلَزِمَهُ الْجَلْدُ وَالْحَبْسُ كَالْحُرِّ، وَلِأَنَّ حَقَّ سَيِّدِهِ فِي خِدْمَتِهِ لَا يُبْطِلُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ جَلْدٍ وَسَجْنٍ وَجَبَ لِأَجْلِ الْمَخْلُوقِينَ كَعُقُوبَةِ الْحِرَابَةِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ السَّجْنَ إذَا اقْتَرَنَ بِالْجَلْدِ سَقَطَ فِي حَقِّ الْعَبِيدِ كَالتَّغْرِيبِ فِي الزِّنَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَعَلَى الْمَرْأَةِ إذَا قَتَلَتْ حُرًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ غَيْرَهُمْ الْجَلْدُ وَالْحَبْسُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَب وَمَالِكٌ وَأَصْبَغُ فِي الذِّمِّيِّ وَالذِّمِّيَّةِ إذَا قُتِلَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ.
(فَرْعٌ) فَبِأَيِّهِمَا يَبْدَأُ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ ذَلِكَ وَاسِعٌ يَبْدَأُ بِالْجَلْدِ أَوْ الْحَبْسِ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْجَلْدِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ يُؤْتَنَفُ بِهِ حَبْسُ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ جُلِدَ، وَلَا يُحْتَسَبُ بِمَا مَضَى، وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُمَا عُقُوبَتَانِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا تَرْتِيبٌ فَكَانَتْ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي تَأْخِيرِ الْجَلْدِ تَعْرِيضٌ لِإِبْطَالِ الْحَدِّ لِجَوَازِ أَنْ يَمُوتَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا قُلْنَا يُحْبَسُ سَنَةً فَمَتَى يَكُونُ أَوَّلُ الْعَامِ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَكُونُ مِنْ يَوْمِ الْجَلْدِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُقَيَّدُ مَا دَامَ اللَّطْخُ الَّذِي سُجِنَ فِيهِ فَإِذَا لَزِمَهُ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ أُزِيلَ عَنْهُ الْحَدُّ بِهِ، وَسُجِنَ سَنَةً فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ السَّنَةَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فَأَمَّا السَّجْنُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لِاسْتِبْرَاءِ أَمْرِهِ وَالنَّظَرِ فِيهِ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ فِي شَيْءٍ بَلْ حُكْمُهُ مُخَالِفٌ لِحُكْمِهِ لِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ التَّعْيِيرِ وَغَيْرِهِ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ الْبَنِينَ إذَا اجْتَمَعُوا فِي وِلَايَةِ دَمِ الْعَمْدِ أَنَّ الْبَنِينَ أَحَقُّ بِالْعَفْوِ وَالْقِصَاصِ مِنْ الْبَنَاتِ، وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْبَنُونَ مِنْ ذَلِكَ إنْ كَانُوا جَمَاعَةً أَوْ قَضَى بِهِ الِابْنُ إنْ كَانَ وَاحِدًا فَهُوَ لَازِمٌ لِلْبَنَاتِ لَيْسَ لَهُنَّ مُخَالَفَتُهُ، وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ مَالِكًا اخْتَلَفَ فِي النِّسَاءِ هَلْ لَهُنَّ مَدْخَلٌ فِي الدَّمِ أَمْ لَا فَقَالَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنَّ لَهُنَّ مَدْخَلًا فِيهِ، وَالثَّانِيَةُ لَا مَدْخَلَ لَهُنَّ فِيهِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إنْ شَاءُوا قَتَلُوا وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا وَأَخَذُوا الدِّيَةَ» فَعَمَّ؛ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْمَوَارِيثِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ وِلَايَةَ الدَّمِ مُسْتَحَقَّةٌ بِالنُّصْرَةِ وَلَيْسَ النِّسَاءُ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُنَّ مَدْخَلٌ فِي الْوِلَايَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِهَا.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا لَهُنَّ مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ فَفِي أَيِّ شَيْءٍ لَهُنَّ مَدْخَلٌ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: لَهُنَّ مَدْخَلٌ فِي الْقَوَدِ دُونَ الْعَفْوِ، وَالثَّانِيَةُ لَهُنَّ مَدْخَلٌ فِي الْعَفْوِ دُونَ الْقَوَدِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْعَفْوَ إسْقَاطٌ لِلْحَقِّ، وَلَيْسَ لَهُنَّ ذَلِكَ وَإِنَّمَا لَهُنَّ الْمُطَالَبَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ بَنُونَ ذُكُورًا فَهُمْ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ لَهُمْ الْقَوَدُ دُونَ الْعَفْوِ، وَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمْ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ قَوَدٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُمْ حِصَّتُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ، وَإِنْ أَبَى الْقَاتِلُ وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقَتِيلِ وَلِيٌّ غَيْرُ إخْوَةٍ ذُكُورٍ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، وَأَمَّا مَنْ عَدَا الْبَنِينَ وَالْإِخْوَةَ مِنْ سَائِرِ الْعَصَبَاتِ كَالْأَعْمَامِ وَالْمَوَالِي وَغَيْرِهِمْ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ الدَّمُ بِقَسَامَةٍ فَنَكَلَ بَعْضُ الْعَصَبَةِ
стр. 2034
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أُقِيمَ مَكَانَهُ رَجُلٌ مِنْ الْعَشِيرَةِ، وَإِلَّا رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ بَقِيَ وَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَعْفُوَ غَيْرُ الْوَلَدِ وَالْإِخْوَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَفَا أَحَدُهُمْ بَعْدَ الْقَسَامَةِ وَبَنُو الْإِخْوَةِ كَالْعَصَبَةِ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إنْ عَفَا بَعْضُ بَنِي عَمِّهِ بَعْدَ الْقَسَامَةِ جَازَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ إذَا اسْتَوَوْا فِي الْقَعْدَةِ، وَلِمَنْ لَمْ يَعْفُ نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَرِهَ الْقَاتِلُ زَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ الْمَوَالِي وَكَذَلِكَ نُكُولُ بَعْضِهِمْ عَنْ الْقَسَامَةِ وَبِهَذَا قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَصْبَغُ وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ لِلْبَنِينَ وَالْإِخْوَةِ مِنْ الِاخْتِصَاصِ بِالدَّمِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ، وَلِذَلِكَ جَازَ عَفْوُهُمْ عَلَى جَمِيعِ النِّسَاءِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُمْ عَصَبَةٌ لَهُمْ الْقِيَامُ بِالدَّمِ كَالْبَنِينَ وَالْإِخْوَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا اجْتَمَعَ أَبٌ وَبَنُونَ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ أَجْمَعَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا قَوْلَ لِلْأَبِ مَعَهُمْ فِي عَفْوٍ وَلَا قَوَدٍ، وَالْأَبُ أَوْلَى مِنْ الْإِخْوَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ الْأَبُ بَعْدَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ أَوْلَى مِنْ جَمِيعِ مَنْ تَرَكَ الْمَيِّتُ مِنْ إخْوَةٍ وَغَيْرِهِمْ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَعَفْوُ الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ كَأَخٍ مِنْهُمْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا قَوْلَ لِلْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ وَهُمْ أَوْلَى مِنْهُ بِالْعَفْوِ وَالْقَوَدِ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْعَدُوهُمْ مَعَهُمْ كَأُمٍّ لِأَبٍ قَالَ وَكَذَلِكَ ابْنُ الْأَخِ وَابْنُ ابْنِ الْأَخِ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْجَدَّ أَقْوَى سَبَبًا فِي الْمِيرَاثِ فَكَانَ أَقْوَى سَبَبًا فِي الْعَفْوِ وَالْقَوَدِ كَالِابْنِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْجَدَّ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ ابْنِ الْأَخِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ الْأَخَ وَبَنِيهِ أَقْرَبُ تَعْصِيبًا، وَلِذَلِكَ كَانُوا أَحَقَّ بِالْوَلَاءِ وَالْقِيَامِ بِالدَّمِ طَرِيقَةُ قُوَّةِ التَّعْصِيبِ فَكَانَ الْإِخْوَةُ أَحَقَّ بِهِ، وَيَجْرِي قَوْلُ أَشْهَبَ هَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي أَنْ لَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِي الدَّمِ وَيَجْرِي قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّ لَهُنَّ مَدْخَلًا فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْإِخْوَةُ الْأَشِقَّاءُ أَوْلَى مِنْ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَيْسَ لِلْأُخْوَةِ لِلْأُمِّ فِي الْعَفْوِ عَنْ الدَّمِ نَصِيبٌ وَلَا لِلزَّوْجِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْعَصَبَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَشْهَبَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيًّا عَلَى أَنْ لَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِي وِلَايَةِ الدَّمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْبَنَاتُ مَعَ الْأَبِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ لَا عَفْوَ لِلْأَبِ إذَا قَامَ الْبَنَاتُ بِالدَّمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَأَشْهَبُ يَرَاهُ أَوْلَى بِالْعَفْوِ فِي الْقَتْلِ، وَلَمْ يُجِزْ ابْنُ الْقَاسِمِ عَفْوَهُ دُونَهُنَّ وَلَا عَفْوَهُنَّ دُونَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَشْهَبَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيًّا عَلَى أَنْ لَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِي وِلَايَةِ الدَّمِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْبَنَاتُ مَعَ الْعَصَبَةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّ الْبَنَاتِ مَعَ الْجَدِّ لَا يَجُوزُ عَفْوُهُ دُونَهُنَّ وَلَا عَفْوُهُنَّ دُونَهُ، وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْبَنَاتِ مَعَ الْعَصَبَةِ أَوْ مَعَ الْمَوَالِي ثَبَتَ بِقَسَامَةٍ أَوْ بِغَيْرِ قَسَامَةٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ وَأَصْبَغَ أَنَّ ذَلِكَ لِلْبَنَاتِ وَلِلْأَخَوَاتِ دُونَ الْعَصَبَةِ ثَبَتَ الدَّمُ بِقَسَامَةٍ أَوْ بِغَيْرِ قَسَامَةٍ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ الْعَفْوُ وَالْقَوَدُ لِلْبَنَاتِ وَالْإِخْوَةِ دُونَ الْعَصَبَةِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْبَنَاتِ مَعَ الْعَصَبَةِ أَوْ الْأَخَوَاتِ مَعَ الْعَصَبَةِ أَوْ الْبَنَاتِ وَالْإِخْوَةَ مَعَ الْعَصَبَةِ إنْ ثَبَتَ الدَّمُ بِبَيِّنَةٍ، وَالْبَنَاتُ وَالْأَخَوَاتُ أَحَقُّ بِالْعَفْوِ وَالْقَوَدِ، وَإِنْ ثَبَتَ بِقَسَامَةٍ فَمَنْ طَلَبَ الْقَوَدَ أَحَقُّ مِمَّنْ عَفَا وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْبَنَاتِ أَقْرَبُ إلَى الْمَيِّتِ، وَالْعَصَبَةَ أَبْعَدُ بِطَلَبِ الدَّمِ فَلَمَّا أَدْلَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ بِسَبَبٍ لَا يُدْلِي بِهِ الْآخَرُ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَحَقَّ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا حُكْمٌ إلَّا بِالِاتِّفَاقِ فَإِنْ وُجِدَ الِاخْتِلَافُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ رَجَعَ إلَى مَا ثَبَتَ مِنْ الْقِصَاصُ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْبَنَاتِ أَقْرَبُ وَلَهُنَّ مَدْخَلٌ فِي الْقِيَامِ بِالدَّمِ فَاعْتُبِرَ بِأَقْوَالِهِمْ دُونَ أَقْوَالِ الْعَصَبَةِ كَالِابْنِ مَعَ الْعَصَبَةِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَقَدْ قَالَ بِهِ غَيْرُهُمَا أَنَّ الدَّمَ إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْقُرْبُ وَالْقُعْدُدُ، وَإِذَا ثَبَتَ بِالْقَسَامَةِ كَانَ لِمَنْ يَثْبُتُ بِقَسَامَتِهِ فِيهِ حَقٌّ لَا يَكُونُ لِمَنْ يَثْبُتُ بِقَسَامَتِهِ وَإِسْقَاطِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ اجْتَمَعَ بَنَاتٌ وَعَصَبَةٌ فَعَفَتْ بِنْتٌ وَاحِدَةٌ دُونَ الْعَصَبَةِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى
стр. 2035
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ عَلَى مَنْ بَقِيَ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ إلَّا بِاجْتِمَاعٍ مِنْ الْبَنَاتِ وَالْعَصَبَةِ وَلَوْ عَفَا الْجَمِيعُ إلَّا وَاحِدًا مِنْ الْعَصَبَةِ أَوْ وَاحِدَةً مِنْ الْبَنَاتِ لَكَانَ الْقَائِمُ بِالدَّمِ أَوْلَى، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَالْعَفْوُ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ مَعَ الِاخْتِلَافِ إلَّا فِي الْبَنِينَ وَالْإِخْوَةِ فَقَطْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا تَرَكَ الْقَتِيلُ أَبًا أَوْ أُمًّا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا حَقَّ لِلْأُمِّ مَعَ الْأَبِ فِي عَفْوٍ وَلَا قَوَدٍ وَكَذَلِكَ الْأَخَوَاتُ مَعَ الْأَبِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْأُمُّ فَهَلْ لَهَا مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لَهَا مَدْخَلًا فِي وِلَايَةِ الدَّمِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ وَغَيْرِهِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ لِلْأُمِّ وِلَايَةٌ فِي دَمِ الْعَمْدِ إلَّا أَنْ يَصِيرَ مَالًا فَتَرِثُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ وُلَاتِهِ وَلَا مِنْ قَوْمِهِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ كَالْأَبِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلشَّقِيقِ بِهَا تَقَدُّمٌ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ صَحَّ أَنَّ لَهَا مَدْخَلًا فِيهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْعَصَبَةِ فَلَا حَقَّ لَهَا فِي الْوِلَايَةِ كَالزَّوْجَةِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا لَهَا مَدْخَلٌ فِي الدَّمِ فَقَدْ رَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا أَوْلَى مِنْ الْعَصَبَةِ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي أُمٍّ وَأَخٍ وَعَصَبَةٍ لَا عَفْوَ لِلْأُمِّ دُونَهُمَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا أَمْرَ لِلْأُمِّ مَعَ الْعَصَبَةِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فَكَانَتْ أَوْلَى مِنْ الْعَصَبَةِ كَالْأَبِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُمَا أَقْوَى سَبَبًا مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا مَعْنًى تَسْتَحِقُّ بِالتَّعْصِيبِ وَهِيَ لَا تَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ وَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِيهِ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْبَنَاتُ وَالْأَخَوَاتُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْأُمُّ مَعَ الْبَنَاتِ فَالْبَنَاتُ أَحَقُّ مِنْهَا بِالدَّمِ مَعَ الْأَخَوَاتِ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ.
وَقَالَ أَيْضًا أَشْهَبُ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ لَا عَفْوَ لِلْبَنَاتِ وَلَا لِلْمَوَالِي دُونَ الْأُمِّ وَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ، وَأَمَّا الْأُمُّ وَالْأَخَوَاتُ فَقَدْ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ الْبَنَاتُ أَقْرَبُ مِنْ الْأُمِّ، وَالْأُمُّ أَقْرَبُ مِنْ الْأَخَوَاتِ وَلَا تَجْرِي الْجَدَّةُ لِلْأَبِ وَلَا لِلْأُمِّ مَجْرَى الْأُمِّ فِي عَفْوٍ وَلَا قَوَدٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا قَالَ الْمَقْتُولُ دَمِي إلَى فُلَانٍ فَهُوَ لَهُ إنْ شَاءَ قَتَلَ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَلَى غَيْرِ دِيَةٍ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَلَى دِيَةٍ، فَيَكُونُ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ وَإِنْ كَانَ الدَّمُ بِقَسَامَةٍ فَالْقَسَامَةُ لِعَصَبَتِهِ وَالْقَتْلُ وَالْعَفْوُ إلَى هَذَا، رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْتُولَ أَحَقُّ بِدَمِهِ مِنْ غَيْرِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ عَفَا عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ قَوَدٌ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ عَفْوٌ حَالَ حَيَاتِهِ فَإِذَا جَعَلَهُ إلَى غَيْرِهِ فَقَدْ جَعَلَ مَا كَانَ لَهُ فِيهِ إلَيْهِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ يَنُوبُ عَنْهُ وَيَنُوبُ فِيهِ دُونَ أَنْ يَجْعَلَهُ إلَيْهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَإِذَا كَانَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ أَوْلَادًا ذُكُورًا فَعَفَا بَعْضُهُمْ فَإِنْ لَمْ يَفِ حَظُّهُ مِنْ الدِّيَةِ، وَإِلَّا يَسْقُطُ حَظُّ الْعَافِي خَاصَّةً وَإِنْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ أَوْلَادًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا أَوْ إخْوَةً ذُكُورًا وَإِنَاثًا فَعَفَا بَعْضُ الذُّكُورِ كَانَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْ الْوَرَثَةِ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ، وَإِنْ عَفَا الذُّكُورُ كُلُّهُمْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ أَنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّ الْبَنَاتِ إذَا عَفَا الْبَنُونَ، وَسَقَطَ حَقُّ الْأَخَوَاتِ إذَا عَفَا جَمِيعُ الْإِخْوَةِ، وَذَكَرَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ مَرَّةً أُخْرَى إنْ عَفَا الذُّكُورُ فَحَقُّ إخْوَتِهِمْ مِنْ الدِّيَةِ بَاقٍ فَبِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَهُوَ أَصْلُهُ فِي مُوَطَّئِهِ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عِنْدِي عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي النِّسَاءِ هَلْ لَهُنَّ مَدْخَلٌ فِي الْعَفْوِ أَوْ فِي الْمُطَالَبَةِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ النِّسَاءَ تَبَعٌ لِلرِّجَالِ فِي دَمِ الْعَمْدِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ حَقَّهُنَّ ثَابِتٌ لَا سِيَّمَا إذَا انْتَقَلَ إلَى الدِّيَةِ، وَاسْتَحَالَ مَالًا لَا يَمْلِكُ إخْوَتُهُنَّ إسْقَاطَ حَقِّهِنَّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَا يَمْلِكُونَ إسْقَاطَ حَقِّهِنَّ مِنْ دِيَةِ الْخَطَأِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا أَنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّ النِّسَاءِ بِعَفْوِ الرِّجَالِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا عَفَا الرِّجَالُ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ، فَأَمَّا إذَا عَفَا أَحَدُهُمْ ثُمَّ بَلَغَ الْآخَرَ فَعَفَا فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ مَنْ مَعَهُمَا مِنْ أُخْتٍ وَزَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ ثَبَتَ بِعَفْوٍ، وَالْأَوَّلُ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ عَفَا أَحَدُهُمَا فَقَدْ ثَبَتَ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ حَقُّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ فَإِذَا عَفَا بَعْضُ مَنْ بَقِيَ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ حَقَّهُ مِنْ الدِّيَةِ فَلَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى حَقِّ غَيْرِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا وُجِدَ الْعَفْوُ مِنْ بَعْضِ الْوَرَثَةِ مُطْلَقًا ثُمَّ
стр. 2036
الْقِصَاصُ فِي الْجِرَاحِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ مَنْ كَسَرَ يَدًا أَوْ رِجْلًا عَمْدًا أَنَّهُ يُقَادُ مِنْهُ وَلَا يُعْقَلُ)
ــ
[المنتقى]
أَرَادَ أَخْذَ الدِّيَةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي بَعْضِ مَجَالِسِهِ لَيْسَ عَفْوُهُ عَنْ الدَّمِ عَفْوًا عَنْ الدِّيَةِ إلَّا أَنْ يُرَى لِذَلِكَ وَجْهٌ مَعَ الْعَفْوِ، وَإِلَّا فَلَهُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ.
وَقَالَ مَالِكٌ إذَا قَالَ مَا عَفَوْتُ إلَّا عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ يَحْلِفُ مَا أَرَادَ تَرْكَ الدِّيَةِ، وَيَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْهَا ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ فَقَالَ لَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ لِمَا قَالَ وَجْهٌ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الدَّمِ لَا يُنَافِي الْمُطَالَبَةَ بِالدِّيَةِ، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَقْرِنَهُ بِهِ فَيَقُولُ عَفَوْت عَنْ أَخْذِ الدِّيَةِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَ لِمَنْ أَطْلَقَ الْعَفْوَ وَأَنْ يَقُولَ لَمْ أَعْفُ إلَّا عَلَى الدِّيَةِ، وَلَمَّا احْتَمَلَ ذَلِكَ وَاحْتَمَلَ الْعَفْوَ عَنْ الدِّيَةِ لَزِمَهُ أَنْ يَحْلِفَ وَيَكُونَ عَلَى حَقِّهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْعَفْوَ مَعْنَاهُ التَّرْكُ وَإِذَا أَطْلَقَهُ اقْتَضَى أَنْ لَا مُطَالَبَةَ لَهُ بِدِيَةٍ وَلَا غَيْرِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ مَعَ الْبَنِينَ بَنَاتٌ وَمَعَ الْإِخْوَةِ أَخَوَاتٌ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا مَدْخَلَ لِلْبَنَاتِ مَعَ الْبَنِينَ وَلَا لِلْأَخَوَاتِ مَعَ الْإِخْوَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّمَا يَدْخُلُ النِّسَاءُ مَعَ الرِّجَالِ فِي الدَّمِ إذَا لَمْ يَكُنْ الرِّجَالُ فِي دَرَجَتِهِنَّ فَيَجِيءُ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْبَنَاتِ مَعَ الْبَنِينَ فِي وِلَايَةِ الدَّمِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَا مَدْخَلَ لِلْأَخَوَاتِ مَعَ الْإِخْوَةِ، وَأَمَّا الْبَنَاتُ مَعَ الْإِخْوَةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ هَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ قَالَ أَشْهَبُ عَفْوُ أَحَدِ الْإِخْوَةِ يَجُوزُ عَلَى الْبَنَاتِ وَعَلَى بَاقِي الْإِخْوَةِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ عَفْوُ الْإِخْوَةِ إلَّا مَعَ عَفْوِ الْبَنَاتِ وَلَا عَفْوُ الْبَنَاتِ إلَّا مَعَ عَفْوِ الْإِخْوَةِ.
[الْقِصَاصُ فِي الْجِرَاحِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ مَنْ كَسَرَ يَدًا أَوْ رِجْلًا فَإِنَّهُ يُقَادُ مِنْهُ وَلَا يُعْقَلُ يُرِيدُ أَنَّ الْقَوَدَ لَازِمٌ لَيْسَ لِلْجَانِي أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ وَلَا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَلَا يُخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْشِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْقَتْلِ عَلَى رِوَايَةِ التَّخْيِيرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَذَلِكَ أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ لَا قَوَدَ فِيهِ، وَضَرْبٌ فِيهِ الْقَوَدُ فَأَمَّا مَا لَا قَوَدَ فِيهِ فَعَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ لَا قَوَدَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ، وَقِسْمٌ يَمْتَنِعُ الْقَوَدُ فِيهِ لِمَا الْغَالِبُ مِنْهُ التَّلَفُ فَأَمَّا مَا لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمُمَاثَلَةِ فَكَاللَّطْمَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ لَا قَوَدَ فِيهَا وَفِيهَا الْعُقُوبَةُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا قَوَدَ فِيهَا وَلَا فِي الضَّرْبَةِ بِالسَّوْطِ أَوْ بِالْعَصَا أَوْ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ جُرْحًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ حَدُّ تِلْكَ الضَّرْبِ، وَهُوَ مِنْ النَّاسِ مُخْتَلِفٌ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ ذُو الْفَضْلِ وَالْمُرُوءَةِ وَالشَّرَفِ كَالدَّنِيءِ وَالْوَضِيعِ وَالصَّبِيِّ وَلَا الْقَوِيُّ كَالضَّعِيفِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ يُقَادُ مِنْ الضَّرْبَةِ بِالسَّوْطِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَا اُحْتُجَّ بِهِ مِنْ اخْتِلَافِ حَالِ الضَّارِبِ وَالْمَضْرُوبِ فِي الْقُوَّةِ، وَقَدْ عَرَضَتْ دُونَ أَثَرٍ فَتَعَذَّرَ فِيهَا الْمُمَاثَلَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ نَتَفَ لِحْيَةَ رَجُلٍ أَوْ رَأْسَهُ أَوْ شَارِبَهُ فَقَدْ قَالَ الْمُغِيرَةُ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا قَوَدَ فِيهِ وَفِيهِ الْعُقُوبَةُ وَالسَّجْنُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهِ الْأَدَبُ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَفِي الشَّارِبِ وَأَشْفَارِ الْعَيْنَيْنِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا جِنَايَةٌ لَيْسَ لَهَا أَثَرُ جُرْحٍ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا الْقِصَاصُ كَاللَّطْمَةِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا جِنَايَةٌ أَتْلَفَتْ شَيْئًا مِنْ الْجَسَدِ فِيهِ جَمَالٌ، فَكَانَ فِيهَا الْقِصَاصُ كَقَطْعِ الْأَنْفِ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا فِيهَا الْقِصَاصُ كَقَطْعِ الْأَنْفِ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَعْرِفُ لِأَصْبَغَ فِيهَا أَحْسِبُ أَنَّ الْقِصَاصَ فِيهَا الْوَزْنُ، وَعَابَ ذَلِكَ غَيْرُهُ وَقَالَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ اللِّحَى بِالْعِظَمِ، وَلَوْ أَقَادَ جَمِيعَ اللِّحْيَةِ بِجَمِيعِ اللِّحْيَةِ لَكَانَ ذَلِكَ صَوَابًا فَأَمَّا إذَا نَتَفَ الْبَعْضَ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا مَا يَرَى الْإِمَامُ مِنْ الْعُقُوبَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي مِمَّا لَا قِصَاصَ فِيهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْهُ التَّلَفُ كَالْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ
стр. 2037
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَكَسْرِ الْفَخْذِ وَالصُّلْبِ وَالْحُلْقُومِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا لَا قِصَاصَ فِيهِ فَفِيهِ الدِّيَةُ لِأَنَّهَا أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا رَجَعْنَا إلَى الْآخَرِ وَعَلَى مَنْ تَجِبُ الدِّيَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ رِوَايَاتٍ إحْدَاهَا أَنَّهَا عَلَى الْجَانِي إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ فَتَكُونَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ قَالَ أَشْهَبُ وَإِلَيْهَا رَجَعَ مَالِكٌ، وَالثَّالِثَةُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الدِّيَةَ لَوْ لَزِمَتْهُ لَمْ تُنْقَلْ عَنْهُ وَمَا كَانَ مِنْ الْعَمْدِ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ مَعَ وُجُودِ مَحِلِّهِ فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهُ كَعَمْدِ الصَّبِيِّ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْقِصَاصُ فَكُلُّ جُرْحٌ لَا يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ غَالِبًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَمَنْ الَّذِي يُبَاشِرُ الْقَوَدَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ مَنْ جَرَحَ أَنْفَ رَجُلٍ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ أَوْ كَسَرَ يَدَيْهِ فَلَا يَسْتَقِيدُ لِنَفْسِهِ وَلْيَدْعُ لَهُ مَنْ لَهُ بَصَرٌ بِالْقِصَاصِ فَيَقْتَصُّ لَهُ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيُدْعَى لَهُ أَرْفَقُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ فَيَقْتَصُّ لَهُ بِأَرْفَقَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يُحْسِنُ الْقِصَاصَ، وَقَدْ يَتَعَدَّى، وَهُوَ بِخِلَافِ الْقَتْلِ فَإِنَّ الْقَاتِلَ يُدْفَعُ إلَى الْأَوْلِيَاءِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَاتِلَ قَدْ اسْتَحَقَّ الْأَوْلِيَاءُ عَلَيْهِ إتْلَافَ جُمْلَتِهِ، وَأَمَّا الْجَارِحُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ غَالِبًا أَنْ يُتْلَفَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَتْلَفَ هُوَ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَتْلَفَ مَا لَا يُسْتَحَقُّ إتْلَافُهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْكِتَابَيْنِ لَا يُمَكَّنُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ أَنْ يَقْتُلَ بِيَدِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَتَعَدَّى فَيَقْطَعَ أَعْضَاءَهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَى يُدْفَعُ إلَيْهِمْ الْقَاتِلُ أَنَّ لَهُمْ قَتْلَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ مُوضِحَةً فَفِي الْكِتَابَيْنِ عَنْ أَشْهَبَ يُشْتَرَطُ فِي رَأْسِ الْجَانِي مِثْلُهَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ غَيْرَ أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي مَعْنَى الْمُمَاثَلَةِ، فَقَالَ أَشْهَبُ إنْ أَخَذْت الْمُوضِحَةُ مِنْ الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ وَهِيَ لَا تَبْلُغُ مِنْ الْجَارِحِ إلَّا نِصْفَ رَأْسِهِ فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى قَدْرِ مَا أَخَذَتْ مِنْ رَأْسِهِ فَإِنْ أَخَذْت مَا بَيْنَ قَرْنَيْ الْمَجْنِيِّ شُقَّ مَا بَيْنَ قَرْنَيْ الْجَانِي لَا يُنْظَرُ إلَى عِظَمِ الرَّأْسِ وَلَا صِغَرِهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَاخْتَلَفَ فِي هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ قَدِيمًا يُشَقُّ فِي رَأْسِ الْجَانِي بِطُولِ مَا شَقَّ فِي رَأْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَإِنْ اسْتَوْعَبَ رَأْسَ الْمَجْنِيِّ وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ طُولَ الشَّقِّ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ وَكَذَلِكَ الْجَبْهَةُ وَالذِّرَاعُ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِطُولِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَضِقْ عَنْهُ الْعُضْوُ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَا أَعْلَمُ إلَّا أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَجَعَ عَنْهُ وَبِقَوْلِ أَشْهَبَ يَقُولُ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْجِرَاحِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ إنَّمَا تَقَعُ بِالْأَسْمَاءِ، وَلِذَلِكَ تُقْطَعُ يَدٌ كَبِيرَةٌ بِصَغِيرَةٍ وَصَغِيرَةٌ بِكَبِيرَةٍ وَلَا يُنْظَرُ إلَى عِظَمِ الْجُرْحِ وَلَا إلَى صِغَرِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْجِرَاحِ بِالصِّفَاتِ وَلِذَلِكَ يُقَادُ مِنْ الْمُوضِحَةِ بِمُوضِحَةٍ وَمِنْ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ الطُّولُ وَالصِّغَرُ كَمَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْوُصُولُ إلَى الْعَظْمِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي اعْتِبَارِ طُولِ الشَّقِّ فَقَصُرَ رَأْسُ الْجَانِي عَنْ مِقْدَارِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الشَّقِّ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ لَا يَتَعَدَّى الرَّأْسَ إلَى الْجَبْهَةِ وَالذِّرَاعَ إلَى الْعُضْوِ وَلَا قَوَدَ فِي الْبَاقِي وَلَا دِيَةَ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُؤْخَذُ مِنْ الْبَاقِي فِيمَا جَاوَزَهُ فِي الذِّرَاعِ مِنْ أَيِّ ذِرَاعَيْهِ شَاءَ مِنْ نَحْوِ الْعَضُدِ أَوْ نَحْوِ الْكَتِفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ وُضِعَ فِيهِ الْحَدِيدُ لَا مِنْ الْآخَرِ -.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَطَعَ بَعْضَ أُصْبُعِ غَيْرِهِ عَمْدًا قُطِعَ مِنْ أُصْبُعِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى طُولِهَا وَلَا قِصَرِهَا فَمَنْ قَطَعَ مِنْ أُنْمُلَةِ الْمَجْرُوحِ ثُلُثَهَا قُطِعَ مِنْ أُنْمُلَتِهِ ثُلُثُهَا رَوَاهُ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَالْخِلَافُ مَعَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُوضِحَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ أَخْطَأَ الطَّبِيبُ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ فَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَقَدْ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ بَلَغَ الثُّلُثَ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ وَإِنْ قَصَرَ عَنْ ذَلِكَ فَفِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةُ خَطَأٍ، وَأَمَّا مَا نَقَصَ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَرْجِعُ
стр. 2038
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا يُقَادُ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى تَبْرَأَ جِرَاحُ صَاحِبِهِ فَيُقَادَ مِنْهُ فَإِنْ جَاءَ جُرْحُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ مِثْلَ جُرْحِ الْأَوَّلِ حِينَ يَصِحُّ فَهُوَ الْقَوَدُ، وَإِنْ زَادَ جُرْحُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ أَوْ مَاتَ فَلَيْسَ عَلَى الْمَجْرُوحِ الْأَوَّلِ الْمُسْتَقِيدِ شَيْءٌ، وَإِنْ بَرِئَ جُرْحُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ وَشُلَّ الْمَجْرُوحُ الْأَوَّلُ أَوْ بَرِئَتْ جِرَاحُهُ وَبِهَا عَيْبٌ أَوْ نَقْصٌ أَوْ عَثِلٌ فَإِنَّ الْمُسْتَقَادَ مِنْهُ لَا يُكْسَرُ الثَّانِيَةَ وَلَا يُقَادُ لِجُرْحِهِ، قَالَ وَلَكِنَّهُ يَعْقِلُ لَهُ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ يَدِ الْأَوَّلِ أَوْ فَسَدَ مِنْهَا وَالْجِرَاحُ فِي الْجَسَدِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ) .
ــ
[المنتقى]
فَيُقْتَصُّ لَهُ مِنْ بَقِيَّةِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اجْتَهَدَ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْأُصْبُعُ يُخْطِئُ فِيهِ بِأُنْمُلَةٍ وَلَا يُقَادُ مَرَّتَيْنِ، وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ إنْ عَلِمَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَدْمَلَ وَنَبَتَ اللَّحْمُ أَتَمَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَإِنْ فَاتَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي تَمَامِ ذَلِكَ وَلَا دِيَةَ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْكِتَابَيْنِ لَيْسَ هَكَذَا، وَلَكِنْ إذَا قَصَرَ يَسِيرًا فَلَا يُعَادُ وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِهِ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَبْلَ الْبُرْءِ وَبَعْدَهُ قَالَ فِي الْكِتَابَيْنِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فَإِنْ كَانَ بِفَوْرِهِ اُقْتُصَّ لَهُ تَمَامُ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ بَرُدَ وَأَخَذَهُ الدَّوَاءُ فَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ بَرِئَ أَوْ لَمْ يَبْرَأْ أَوْ يَكُونُ فِي الْبَاقِي عَقْلٌ كَانَ هُوَ وَلِيَّ الْقِصَاصِ أَوْ مَنْ جَعَلَهُ إلَيْهِ السُّلْطَانُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأُجْرَةُ الْقِصَاصِ عَلَى الَّذِي يُقْتَصُّ لَهُ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُوَكِّلُ مَنْ يَطْلُبُ دِيَتَهُ وَيَقْتَضِيهِ فَيَكُونَ جَعْلُهُ عَلَى الطَّالِبِ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّهُ لَا يُسْتَقَادُ مِنْهُ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُسْتَقَادُ مِنْهُ قَبْلَ الْبُرْءِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ قَدْ يَئُولُ جُرْحُ الْجِنَايَةِ إلَى النَّفْسِ فَيُعَادُ الْقَوَدُ ثَانِيَةً، وَذَلِكَ خُرُوجٌ عَنْ الْمُمَاثَلَةِ قَالَ أَشْهَبُ وَلَا يُؤْخَذُ بِقِصَاصِ جُرْحٍ وَنَفْسٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ حَتَّى يَبْرَأَ جُرْحُ صَاحِبِهِ يُرِيدُ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ فَيُقَادُ مِنْهُ هَذَا لَفْظُ الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ بِهِ الْبُرْءَ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قُلْت أَيَنْتَظِرُ بِالْجُرْحِ قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ فِيهِ بِدِيَةٍ أَوْ قِصَاصٍ إلَى السَّنَةِ أَوْ إلَى الْبُرْءِ فَإِنْ جَاوَزَ السَّنَةَ فَقَالَ قَدْ ذَكَرْنَا الْوَجْهَيْنِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ فِي السِّنِّ تَصْفَرُّ وَالْعَيْنُ تَدْمَعُ وَالشَّجَّةُ وَالْكَسْرُ كُلُّهُ وَالظُّفْرُ وَنَحْوُهُ يُؤَخَّرُ ذَلِكَ سَنَةً.
وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ مَضَتْ السَّنَةُ وَالْجُرْحُ بِحَالِهِ عَقَلَ مَكَانَهُ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ لَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ تَوْقِيتًا إلَّا أَنْ يَقُولَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ أَنَّهُ قَدْ بَرِئَ فَيُقْتَصُّ فِي الْعَمْدِ وَيُعْقَلُ فِي الْخَطَأِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَمَّا مِثْلُ الْعَيْنِ تَدْمَعُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْجِرَاحِ قَدْ سُدَّتْ عَلَى ذَلِكَ وَبَرِئَتْ فَتِلْكَ تُعْقَلُ عِنْدَ السَّنَةِ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْجِرَاحِ فَلَا عَقْلَ وَلَا قِصَاصَ إلَّا بَعْدَ الْبُرْءِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ يُسْتَأْنَى بِهِ سَنَةً أَنَّهُ عِنْدَهُ لَا تَأْتِي عَلَيْهِ سَنَةٌ إلَّا وَقَدْ انْتَهَى؛ لِأَنَّهُ قَالَ مَعَ ذِكْرِ السَّنَةِ فَإِنْ انْتَهَى إلَى مَا يُعْرَفُ عَقَلَ وَجْهُ اعْتِبَارِ السَّنَةِ أَنَّهَا حَدٌّ فِي مَعْنَاهُ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِمُعَانَاتِهِ كَمُعَانَاةِ الْمُعْتَرِضِ عَنْ زَوْجَتِهِ؛ لِأَنَّ السَّنَةَ تَسْتَوْعِبُ أَنْوَاعَ فُصُولِ الْمُعَانَاةِ، وَوَجْهُ اعْتِبَارِ الْبُرْءِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ خَوْفِ اجْتِمَاعِ الْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ وَالنَّفْسِ، وَوَجْهُ تَفْرِيقِ ابْنِ الْمَوَّازِ بَيْنَ الْعَيْنِ تَدْمَعُ وَبَيْنَ مَا خَالَفَهَا مِنْ الْجِرَاحِ أَنَّ تِلْكَ حَالُ الْبُرْءِ لِلْعَيْنِ إلَّا أَنَّهُ بَرَأَ عَلَى فَسَادٍ وَلَا يُرْجَى لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ بَرِئَ الْجُرْحُ عَلَى غِلَظٍ وَفَسَادٍ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِانْتِظَارِ الْبُرْءِ وَانْقِضَاءِ السَّنَةِ فَمَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَفِيهِ الْقِصَاصُ بِالْقَسَامَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ جَاءَ جُرْحُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ مِثْلَ جُرْحِ الْأَوَّلِ حِينَ يَصِحُّ فَهُوَ الْقَوَدُ فَإِنْ زَادَ أَوْ مَاتَ فَلَيْسَ عَلَى الْمُسْتَقَادِ شَيْءٌ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ السِّرَايَةُ مِنْ الْقِصَاصِ مَضْمُونَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ قَطْعٍ كَانَ مَضْمُونًا فِي الِابْتِدَاءِ كَانَ مَا يَسْرِي إلَيْهِ مَضْمُونًا كَقَطْعِ الْيَدِ الْأُولَى وَكُلُّ قَطْعٍ كَانَ غَيْرَ مَضْمُونٍ فِي الِابْتِدَاءِ فَلَا يُضْمَنُ مَا يُسْرِي إلَيْهِ كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ
стр. 2039
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا عَمَدَ الرَّجُلُ إلَى امْرَأَتِهِ فَفَقَأَ عَيْنَهَا أَوْ كَسَرَ يَدَهَا أَوْ قَطَعَ أُصْبُعَهَا أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ مُتَعَمِّدًا لِذَلِكَ فَإِنَّهَا تُقَادُ مِنْهُ، وَأَمَّا الرَّجُلُ يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ بِالْحَبْلِ أَوْ بِالسَّوْطِ فَيُصِيبَهَا مِنْ ضَرْبِهِ مَا لَمْ يُرِدْ، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ فَإِنَّهُ يَعْقِلُ مَا أَصَابَ مِنْهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَا يُقَادُ مِنْهُ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَقَادَ مِنْ كَسْرِ الْفَخِذِ) .
مَا جَاءَ فِي دِيَةِ السَّائِبِ وَجِنَايَتِهِ (ص) : (مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ سَائِبَةً أَعْتَقَهُ بَعْضُ الْحُجَّاجِ فَقَتَلَ ابْنَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَائِذٍ فَجَاءَ الْعَائِذِيُّ أَبُو الْمَقْتُولِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَطْلُبُ دِيَةَ ابْنِهِ فَقَالَ عُمَرُ لَا دِيَةَ لَهُ، فَقَالَ الْعَائِذِيُّ: أَرَأَيْت لَوْ قَتَلَهُ ابْنِي فَقَالَ عُمَرُ إذًا تُخْرِجُونَ دِيَتَهُ فَقَالَ هُوَ إذًا كَالْأَرْقَمِ إنْ يُتْرَكْ يَلْقَمْ وَإِنْ يَقْتُلْ يَنْقَمْ) .
ــ
[المنتقى]
مَالِكٌ إنْ بَرِئَ الْمُسْتَقَادُ مِنْهُ، وَقُتِلَ بِالْمَجْرُوحِ أَوْ بَرِئَتْ جِرَاحَاتُهُ وَبِهَا عَيْبٌ أَوْ نَقْصٌ أَوْ عَثِلٌ فَإِنَّ الْمُسْتَقَادَ مِنْهُ لَا يُكْسَرُ ثَانِيَةً، وَلَكِنْ يُعْقَلُ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ مَنْ أَصَابَ أُنْمُلَةً عَمْدًا فَأَذْهَبَتْ أُصْبُعًا أَوْ أُصْبُعَيْنِ أَوْ شُلَّتْ يَدُهُ، ثُمَّ بَرِئَ أَنَّهُ يُسْتَقَادُ بِالْأُنْمُلَةِ وَيُتَرَبَّصُ بِهَا فَإِنْ بَلَغَ ذَلِكَ مِنْ الْجَانِي مَا بَلَغَ مِنْ الْأَوَّلِ بُرِّئَ الْجَانِي، وَإِنْ نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ عَقَلَ لَهُ مَا بَقِيَ، وَإِنَّهُ لَأَمْرٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهَذَا أَحَبُّ مَا فِيهِ إلَيَّ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ سِرَايَةِ الْجُرْحِ إلَى النَّفْسِ فَيُقْتَلُ بِهِ، وَلَا يُقْتَصُّ وَمَا سَرَى إلَى غَيْرِ النَّفْسِ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْ الْأَوَّلِ وَلَهُ عَقْلُ السِّرَايَةِ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ إلَى النَّفْسِ اُقْتُصَّ مِنْ النَّفْسِ، وَسَقَطَ حُكْمُ الْجُرْحِ، وَإِذَا سَرَى إلَى عُضْوٍ آخَرَ لَمْ يُقَدْ نَفْسًا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا شَجَّهُ مُوضِحَةً عَمْدًا فَأَذْهَبَتْ سَمْعَهُ وَعَقْلَهُ فَاقْتُصَّ لَهُ مِنْ الْمُوضِحَةِ فَإِنْ أَذْهَبَ مِنْ الْجَانِي مِثْلَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِلَّا فَدِيَةُ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ فِي مَالِ الْجَانِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ دِيَةُ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَرَتْ إلَى إذْهَابِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهَا جِنَايَةٌ جَرَّهَا الْعَمْدُ فَلَمْ تَلْزَمْ الْعَاقِلَةَ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا بَقِيَ بِهَا عُضْوٌ مِثْلُهُ مِنْ جَسَدِهِ لَا يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ غَالِبًا، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهَا جِنَايَةٌ لَا يَثْبُتُ فِيهَا الْقِصَاصُ مَعَ وُجُودِ مَحَلِّهِ كَالْمُتْلَفِ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدٍ أَقَادَ مِنْ كَسْرِ الْفَخِذِ هُوَ أَمْرٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَا يُقَادُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ وَالْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي دِيَةِ السَّائِبِ وَجِنَايَتِهِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ سَائِبَةً أَعْتَقَهُ بَعْضُ الْحُجَّاجِ عِتْقُ السَّائِبَةِ هُوَ أَنْ يَقُولَ لِلْمُعْتَقِ اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ سَائِبَةً قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ أَوْ يَقُولَ أَنْتَ سَائِبَةً فَيُرِيدُ الْعِتْقَ قَالَ أَصْبَغُ: لَا يُعْجِبُنِي قَوْلَهُ يُرِيدُ الْعِتْقَ وَلَفْظُ التَّسْيِيبِ لَفْظُ الْحُرِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ سَبَبٌ غَيْرُ الْحُرِّيَّةِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَكْرَهُ عِتْقَ السَّائِبَةِ؛ لِأَنَّهُ كَهَيْئَةِ الْوَلَاءِ قَالَ أَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ لَا يُعْجِبُنَا كَرَاهِيَتَهُ لِذَلِكَ وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا يُعْتَقُ عَنْ غَيْرِهِ وَلَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ تَتْرُكُ النَّاسُ عِتْقَ السَّوَائِبِ فَإِنْ فَعَلَهُ أَحَدٌ فَالْوَلَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ وَرَأَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ وَلَاءَهُ لِمُعْتِقِهِ قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ، وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ بِأَوْعَبَ مِنْ هَذَا، وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ السَّائِبَةُ لِيَوْمِهَا يُرِيدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ فِي التَّفْسِيرِ وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّجُلِ يُعْتِقُ عَبْدَهُ سَائِبَةً، ثُمَّ يَمُوتُ الْمُعْتَقُ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَلَيْسَ لِلْمُعْتِقِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْئًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَقَتَلَ ابْنَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَائِذٍ فَطَلَبَ أَبُو الْمَقْتُولِ دِيَةَ ابْنِهِ يَقْتَضِي أَنَّ قَتْلَهُ كَانَ خَطَأً، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ فِيهِ غَيْرُ الدِّيَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَمْدًا وَاخْتَارَ الدِّيَةَ عَلَى رِوَايَةِ التَّخْيِيرِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ لَا دِيَةَ لَهُ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا عَاقِلَةَ لَهُ تَلْزَمُهَا الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الدِّيَةِ يَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ، وَهَذَا
стр. 2040
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (كِتَابُ الْحُدُودِ) مَا جَاءَ فِي الرَّجْمِ (ص) : (حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «جَاءَتْ الْيَهُودُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ فَقَالُوا نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ كَذَبْتُمْ إنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، ثُمَّ قَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ارْفَعْ يَدَك فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ» مَالِكٌ يَعْنِي يَحْنِي يَكُبُّ عَلَيْهَا حَتَّى تَقَعَ الْحِجَارَةُ عَلَيْهِ)
ــ
[المنتقى]
لَا عَاقِلَةَ لَهُ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ مَنْ لَا قَوْمَ لَهُ يَعْقِلُ عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ وَيَرِثُونَ عَقْلَهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَغَيْرُهُ عَنْهُ، وَهَذَا إذَا قُلْنَا أَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ وَلَاؤُهُ لِمُعْتِقِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَقْلُ مَنْ أُعْتِقَ مِنْ الْبَرْبَرِ عَلَى مَوَالِيهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُعْتَقُ سَائِبَةً غَيْرَ مُسْلِمٍ، وَقَدْ الْتَزَمَ الْمَقَامَ بِأَرْضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَعْقِلُ مَعَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَقَدْ قَالَ الْمُغِيرَةُ إنَّ أَهْلَ الْجِزْيَةِ إنْ وُجِدَتْ لَهُمْ مَعَاقِلُ يَتَعَاقَلُونَ عَلَيْهَا حُمِلُوا عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَذَلِكَ فِي مَالِ الْجَانِي وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ لَا دِيَةَ لَهُ يُرِيدُ لَيْسَ لَهُ الْآنَ دِيَةٌ لِعَدَمِ عَاقِلَةِ الْجَانِي وَفَقْرِهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ يَعْقِلُ مَعَهُ أَهْلُ جِزْيَتِهِ فَلَا يَصِحُّ عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّأْوِيلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَقُ سَائِبَةً إنْ كَانَ غَيْرَ مُسْلِمٍ أَنْ يَدْخُلَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ ثُمَّ يَدْخُلَ مُسْتَأْمَنًا فَيَقْتُلَ مُسْلِمًا خَطَأً فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُحْبَسُ وَيُرْسَلُ إلَى أَهْلِ مَوْضِعِهِ وَكُورَتِهِ الَّتِي هُوَ مِنْهَا فَيُجِيزُونَ مَا صَنَعَ، وَمَا يَلْزَمُهُمْ فِي حُكْمِنَا فَإِنْ أَدَّوْا عَنْهُ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا مَا كَانَ يُؤَدَّى مَعَهُمْ وَرَوَى عَنْهُ سَحْنُونٌ أَنَّ الدِّيَةَ فِي مَالِ الْجَانِي دُونَ غَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ عُمَرُ لَا دِيَةَ لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْجَانِي مَالٌ، وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الدِّيَةُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ وَالْحَرْبِيِّينَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ الْعَائِذِيِّ أَرَأَيْتَ لَوْ قَتَلَهُ ابْنِي عَلَى مَعْنَى اسْتِعْلَامِ حُكْمِهِ وَلَعَلَّهُ جُوِّزَ؛ لِأَنَّهُ لَا دِيَةَ لَهُ كَمَا لَا دِيَةَ عَلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ ﵁ أَنَّ عَاقِلَتَهُ خَطَأً الدِّيَةُ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَهُ عَاقِلَةٌ فَقَالَ الْعَائِذِيُّ: إنَّ هَذَا كَالْأَرْقَمِ يُرِيدُ كَالْحَيَّةِ إنْ يُتْرَكْ يَلْقَمْ يُرِيدُ يَعَضُّ وَيَنْهَشُ، وَإِنْ يَقْتُلْ يَنْقِمْ يُرِيدُ يَنْتَقِمُ مِنْ قَاتِلِهِ ضَرَبَهُ مَثَلًا لِقَاتِلِ ابْنِهِ أَنَّهُ يَنْتَصِفُ مِمَّنْ جَنَى عَلَيْهِ وَلَا يَنْتَصِفُ مِنْ جِنَايَةٍ يَجْنِيهَا.
[كِتَابُ الْحُدُودِ]
[مَا جَاءَ فِي الرَّجْمِ]
(ش) : قَوْلُهُ «جَاءَتْ الْيَهُودُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَحْبَارَ الْيَهُودِ وَرُهْبَانَهُمْ، وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّةِ أَنَّهُ إذَا أَتَى أَسَاقِفَةُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إلَى حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْ زَنَى مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَرْضَى الزَّانِيَانِ بِذَلِكَ، فَإِنْ رَضِيَا بِذَلِكَ فَالْحَاكِمُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمَا، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَنْظُرَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الزَّانِيَانِ قَدْ رَضِيَا بِذَلِكَ مَعَ رِضَا الْأَسَاقِفَةِ، وَإِنَّمَا أَخْتَارُ لِلْحَاكِمِ أَنْ لَا يَنْظُرَ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ نَظَرَ بَيْنَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ إنَّمَا أَنْفَذَ عَلَيْهِمَا حُكْمَ دِينِهِمَا، وَلَمْ يَكُنْ نَزَلَ بَعْدُ حَدُّ الزَّانِي عَلَيْهِ وَفِي النَّوَادِرِ وَنَحْوِهِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إنَّمَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْيَهُودِ فِيمَا أُظْهِرَ عَلَيْهِمْ
стр. 2041
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِي التَّوْرَاةِ، وَهَذَا قَبْلَ نُزُولِ الْحُدُودِ وَالْحَاكِمُ مِنَّا الْيَوْمَ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُ عَلَى مَنْ يَحْكُمُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَإِذَا طَلَبَ أَهْلُ الذِّمَّةِ إقَامَةَ الرَّجْمِ بَيْنَهُمْ عَلَى مَنْ زَنَى مِنْهُمْ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَذَلِكَ لَهُمْ وَكَانُوا أَهْلَ صُلْحٍ أَوْ عَنْوَةٍ إلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ رَقِيقًا لِمُسْلِمٍ مِنْ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهِ رَجْمٌ وَلَا جَلْدٌ وَلَا قَتْلٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حَقَّ السَّيِّدِ الْمُسْلِمِ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ» يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ بِالْوَحْيِ أَنَّ حُكْمَ الرَّجْمِ فِيهَا ثَابِتٌ عَلَى مَا شُرِعَ لَمْ يَلْحَقْهُ تَغْيِيرٌ وَلَا تَبْدِيلٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ لَحِقَ كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِهَا تَغْيِيرُ أَحْبَارِهِمْ وَتَبْدِيلُهُمْ لَهَا وَتَحْرِيفُهُمْ إيَّاهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ بِذَلِكَ بِخَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ عَلَى وَجْهٍ حَصَلَ لَهُ بِهِ الْعِلْمُ بِصِحَّةِ مَا نَقَلُوهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ مَا عِنْدَهُمْ فِيهِ، ثُمَّ يَسْتَعْلِمَ صِحَّةَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ قَصَدَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا فِي التَّوْرَاةِ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا لِأَنَّهُمْ حَكَّمُوهُ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِالتَّوْرَاةِ، وَأَظْهَرُوا إلَيْهِ أَنَّهُمْ قَصَدُوا بِذَلِكَ إنْفَاذَهُ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ إذَا كَانَ الْحُكْمُ مَصْرُوفًا إلَيْهِ وَمَقْصُورًا عَلَيْهِ، وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ وَلَكِنَّهُمْ حَكَّمُوا النَّبِيَّ ﷺ فَحَكَمَ بَيْنَهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ بَيْنَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِمَا أُظْهِرَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلِنَا يَلْزَمُنَا إنْفَاذُ مَا ثَبَتَ عِنْدَنَا مِنْهَا بِقُرْآنٍ أَوْ حَدِيثٍ عَنْ نَبِيِّنَا ﷺ صَحِيحٌ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَنَا نَسْخُهَا إمَّا شَرِيعَتُنَا فَقَطْ وَإِمَّا شَرِيعَتُنَا وَشَرِيعَةُ مَنْ قَبْلِنَا مِمَّنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مِنْ الرُّسُلِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ هَذَا الْحُكْمُ مِنْ التَّوْرَاةِ بِشَرْعِ مُوسَى وَلَا شَرْعٍ لِغَيْرِهِ مِنْ الرُّسُلِ بَعْدَهُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُمْ أَنَّهُمْ يَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ «نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ» ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ قَصَدُوا التَّبْدِيلَ وَالتَّحْرِيفَ وَالْكَذِبَ عَلَى التَّوْرَاةِ إمَّا رَجَاءَ أَنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَإِمَّا لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِتَحْكِيمِهِ ﷺ التَّخْفِيفَ عَلَى الزَّانِيَيْنِ، وَرَأَوْا أَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُهُمْ عَمَّا أُوجِبَ عَلَيْهِمْ مِنْ إقَامَةِ الرَّجْمِ عَلَيْهِمَا، وَلَعَلَّهُمْ قَصَدُوا بِذَلِكَ اخْتِيَارَ أَمْرِهِ إذَا اعْتَقَدُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُقِرُّ عَلَى الْحُكْمِ بِبَاطِلٍ فَعَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَظْهَرَ أَمْرَهُمَا وَأَبْطَلَ كَيْدَهُمْ وَهَدَاهُ إلَى الْحَقِّ وَالْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَجَعَلَ سَبَبَ ذَلِكَ بِأَنْ أَكْذَبَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَقَالَ لَهُمْ «إنَّ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ» وَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ وَتَنَاهَوْا فِي الْمَكْرِ بَلْ جَعَلَ قَارِئُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا وَلَمْ يَقْرَأْهَا لِيُرِيَ أَنَّ التَّوْرَاةَ لَا تَتَضَمَّنُ الرَّجْمَ حَتَّى أُمِرَ بِرَفْعِ يَدِهِ عَنْهَا فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ فُصُولَ التَّوْرَاةِ تُسَمَّى آيَاتٍ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ الْهُدَى وَالْحَقِّ الَّذِي نَزَلَ عَلَى سَبِيلِ الْهُدَى وَالْحَقِّ مَا لَمْ يُنْسَخْ فَإِذَا نُسِخَ حُكْمُهَا وَتِلَاوَتُهَا امْتَنَعَ ذَلِكَ فِيهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا» يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الرَّجْمِ قَدْ لَزِمَهُمَا وَلَزِمَ النَّبِيَّ ﷺ إنْفَاذُ ذَلِكَ فِيهِمَا بِتَحْكِيمِهِمْ لَهُ وَقَبُولِهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ الرُّجُوعُ عَنْ تَحْكِيمِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْهَبُوا إلَيْهِ مَعَ تَعَلُّقِهِمْ فِي إسْقَاطِ الرَّجْمِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ ادِّعَاءِ عَدَمِهِ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِهِمَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُبَاشِرُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُزَنِيَّةِ وَقَدْ أَقَامَتْ الْأَئِمَّةُ الْحُدُودَ فَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْهُمْ تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ ذَلِكَ الْبَيِّنَةُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ ثَبَتَ الزِّنَا بِالِاعْتِرَافِ كَانَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَبْدَأَ بِالرَّجْمِ، ثُمَّ يَتْبَعَهُ سَائِرُ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ بَدَأَ الشُّهُودُ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ سَائِرُ النَّاسِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا حَدٌّ مِنْ الْحُدُودِ فَلَمْ يَلْزَمْ الْإِمَامَ مُبَاشَرَتُهُ كَالْجَلْدِ وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ.
١ -
стр. 2042
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالَ لَهُ إنَّ الْآخَرَ زَنَى فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ هَلْ ذَكَرْتَ هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِي فَقَالَ لَا فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ فَتُبْ إلَى اللَّهِ وَاسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ فَلَمْ تُقْرِرْهُ نَفْسُهُ حَتَّى أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تُقْرِرْهُ نَفْسُهُ حَتَّى جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ إنَّ الْآخَرَ زَنَى فَقَالَ سَعِيدٌ فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إذَا أَكْثَرَ عَلَيْهِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أَهْلِهِ فَقَالَ أَيَشْتَكِي أَمْ بِهِ جِنَّةٌ، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاَللَّهِ إنَّهُ لَصَحِيحٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ فَقَالُوا بَلْ ثَيِّبٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهُ هَزَّالٌ يَا هَزَّالُ لَوْ سَتَرْتَهُ بِرِدَائِك لَكَانَ خَيْرًا لَك» قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ الْأَسْلَمِيُّ فَقَالَ يَزِيدُ هَزَّالٌ جَدِّي وَهَذَا الْحَدِيثُ حَقٌّ)
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ قَالَ مَالِكٌ مَعْنَاهُ يَكُبُّ عَلَيْهَا قَالَ مَالِكٌ وَلَا يُحْفَرُ لِلْمَرْجُومِ وَلَا سَمِعْت أَحَدًا مِمَّنْ مَضَى يُحِبُّ ذَلِكَ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُحْفَرُ لِلْمَرْأَةِ قَالَ مَالِكٌ وَدَلَّ قَوْلُهُ فَرَأَيْت الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ أَنَّهُ لَا يُحْفَرُ لَهُ، وَلَوْ حُفِرَ لَهُ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْنِيَ عَلَيْهَا قَالَ أَشْهَبُ وَإِنْ حُفِرَ لَهُ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُخَلَّى لَهُ يَدَاهُ وَيَحْسُنُ عِنْدِي أَنْ لَا يُحْفَرَ لَهُ وَلَا يُرْبَطَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْفَرُ لِلْمَرْأَةِ أَنَّ هَذَا شَخْصٌ مَرْجُومٌ فِي الزِّنَا كَالرَّجُلِ قَالَ وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَتَتْ الْحِجَارَةُ عَلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهِ فَكَانَ أَسْرَعُ لِأَمْرِهِ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ الْإِمَامُ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ أَصْبَغَ يُحْفَرُ لِلْمَرْجُومِ وَيُرْسَلُ لَهُ يَدَاهُ يَسْتَتِرُ بِهَا وَيَدْرَأُ بِهَا عَنْ وَجْهِهِ إنْ أَحَبَّ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُرْمَى بِالْحِجَارَةِ الْمُعْتَادِ رَمْيُهَا قَالَ مَالِكٌ يُرْمَى بِالْحِجَارَةِ الَّتِي يُرْمَى بِمِثْلِهَا فَأَمَّا الصُّخُورُ الْعِظَامُ فَلَا يُسْتَطَاعُ الرَّمْيُ بِهَا، وَلَا يُرْفَعُ عَنْهُ حَتَّى يَمُوتَ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ كَانَ اسْمُهُ مَاعِزًا وَكَانَ يَتِيمًا عِنْدَ هَزَّالٍ وَهَذَا هُوَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيُّ فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْآخَرَ زَنَى قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ تَفْسِيرُ الْآخَرِ الْيَتِيمَ، وَالْمَشْهُورُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ الْآخَرَ كِنَايَةٌ يُكَنِّي بِهَا الْإِنْسَانُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ الْمُخَاطَبِ إذَا أَخْبَرَ عَنْ مُخَاطَبٍ أَوْ مُخَاطَبٍ بِمَا يُسْتَقْبَحُ، وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ هَلْ ذَكَرْت هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِي احْتِرَازٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ مَنْ يُقِيمُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ مِمَّنْ لَا يَجْرِي إلَى التَّسَتُّرِ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ إظْهَارَ هَذَا عَلَيْهِ قُرْبَةٌ، وَكَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ اعْتَقَدَ أَنَّ تَسَتُّرَهُ أَفْضَلُ مَا لَمْ يَبْلُغْ إلَى الْإِمَامِ وَيَجِبُ الْحَدُّ وَرَأْيُ عُمَرَ فِي ذَلِكَ رَأْيُ أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ كَقَوْلِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَمْ تُقْرِرْهُ نَفْسُهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِهِمَا مَخَافَةَ أَنْ لَا يُنْجِيَهُ مِمَّا اقْتَرَفَهُ إلَّا إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَالتَّطْهِيرُ لَهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى أَكْثَرَ عَلَيْهِ، يُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يُعْرِضُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ ظَنَّ فِيهِ تَغْيِيرًا فِي عَقْلِهِ وَضَعْفًا فِي مَيْزِهِ، وَأَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُهُ إقْرَارُهُ بَيَّنَ هَذَا أَنَّهُ بَعَثَ إلَى أَهْلِهِ فَقَالَ أَيَشْتَكِي أَبِهِ جِنَّةٌ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ إعْرَاضُهُ
стр. 2043
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِاعْتِرَافِهِ عَلَى نَفْسِهِ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا زَنَتْ وَهِيَ حَامِلٌ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي فَلَمَّا وَضَعَتْ جَاءَتْهُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اذْهَبِي حَتَّى تُرْضِعِيهِ فَلَمَّا أَرْضَعَتْهُ جَاءَتْهُ، فَقَالَ اذْهَبِي فَاسْتَوْدِعِيهِ فَاسْتَوْدَعَتْهُ ثُمَّ جَاءَتْ فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ» ) .
ــ
[المنتقى]
عَنْهُ وَمَنْ يَقُولُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا يُعْتَبَرُ الْإِعْرَاضُ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْمَجَالِسُ، وَهَذَا مَجْلِسٌ وَاحِدٌ وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحَدَّ يَلْزَمُهُ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ حَتَّى يُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ» وَالْمُقِرُّ مَرَّةً قَدْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ حَدٍّ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى التَّكْرَارِ كَحَدِّ السَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا أُكِّدَ إنْكَارُهُ أُكِّدَ إقْرَارُهُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ مَا أَعْرِفُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ يُعْرِضُ عَنْ الْمُعْتَرِفِ حَتَّى يَعْتَرِفَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلَى أَهْلِهِ فَقَالَ أَيَشْتَكِي أَبِهِ جِنَّةٌ» يُرِيدُ بِذَلِكَ إنْ كَانَ تَلْزَمُهُ الْحُدُودُ أَوْ لَا تَلْزَمُهُ فَلَمَّا أَعْلَمُوهُ أَنَّهُ صَحِيحُ الْعَقْلِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْحُدُودُ قَالَ أَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ لِمَاعِزٍ لَمَّا أُخْبِرَ بِصِحَّةِ عَقْلِهِ وَلُزُومِ إقْرَارِهِ لَهُ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يَسْأَلُ الْإِمَامُ الزَّانِيَ هَلْ هُوَ بِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ وَيَقْبَلُ قَوْلَهُ أَنَّهُ بِكْرٌ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ ثَيِّبٌ، وَقِيلَ لَا يَسْأَلُهُ حَتَّى يَكْشِفَ عَنْهُ فَإِنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ عِلْمًا وَإِلَّا سَأَلَهُ وَقَبِلَ قَوْلَهُ دُونَ يَمِينٍ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيْنَا فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ غَيْرَهُ عَنْ كَوْنِهِ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا لِيَعْلَمَ أَيَّ الْحَدَّيْنِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَدُّ الثَّيِّبِ يُرِيدُ الْمُحْصَنَ أَوْ حَدُّ الْبِكْرِ يُرِيدَ الَّذِي لَمْ يُحْصِنْ فَلَمَّا أُعْلِمَ بِحَالِهِ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمَ؛ لِأَنَّهُ حُكْمُ الْمُحْصَنِ الزَّانِي.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ لِهَزَّالٍ «يَا هَزَّالُ لَوْ سَتَرْتَهُ بِرِدَائِك لَكَانَ خَيْرًا لَك» هَزَّالٌ هَذَا هُوَ هَزَّالُ بْنُ رِئَابِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبٍ الْأَسْلَمِيُّ وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ لَوْ سَتَرْته بِرِدَائِك لَكَانَ خَيْرًا لَك يُرِيدُ مِمَّا أَظْهَرْته مِنْ إظْهَارِ أَمْرِهِ وَإِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بِهِ فَكَانَ سَتْرُهُ بِأَنْ يَأْمُرَهُ بِالتَّوْبَةِ وَكِتْمَانِ خَطِيئَتِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِيهِ الرِّدَاءَ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَجِدْ السَّبِيلَ إلَى سَتْرِهِ إلَّا بِأَنْ تَسْتُرَهُ بِرِدَائِك مِمَّنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ لَكَانَ أَفْضَلَ مِمَّا أَتَاهُ وَتَسَبَّبَ إلَى إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِاعْتِرَافِهِ عَلَى نَفْسِهِ) .
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا وَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ عَلَى سَبِيلِ الْإِخْبَارِ بِمَا جَرَى لَهُ مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى أَنَّ عَدَدَ إقْرَارِهِ شَرْطٌ فِي لُزُومِ الْحَدِّ لَهُ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ، ثُمَّ اسْتَوْعَبَهُ بَعْدَ أَمْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَوْعَبَ الْعَدَدَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَعِنْدَ غَيْرِ رَجُلٍ وَاحِدٍ بَلْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ قَوْمٍ، ثُمَّ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ آخَرِينَ حَتَّى أَكْمَلَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَفِي مَجَالِسَ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي لُزُومِ الْحَدِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِاعْتِرَافِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَعَلَّقَ مَا يُؤْخَذُ بِهِ بِالِاعْتِرَافِ الْمُطْلَقِ دُونَ الْعَدَدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ «أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا زَنَتْ وَهِيَ حَامِلٌ» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْ عَنْ نَفْسِهَا بِأَنَّهَا زَنَتْ حِينَ حَمْلِهَا مِنْ غَيْرِهِ
стр. 2044
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ. وَقَالَ الْآخَرُ: وَهُوَ أَفْقَهُهُمَا أَجْلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَائْذَنْ لِي فِي أَنْ أَتَكَلَّمَ فَقَالَ تَكَلَّمْ قَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي، ثُمَّ إنِّي سَأَلْت أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَخْبَرُونِي إنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ أَمَّا غَنَمُك وَجَارِيَتُك فَرَدٌّ عَلَيْك، وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا، وَأَمَرَ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ فَإِنْ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا» قَالَ مَالِكٌ وَالْعَسِيفُ الْأَجِيرُ)
ــ
[المنتقى]
وَلَعَلَّهَا بَيَّنَتْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ إحْصَانٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا زَنَتْ وَأَنَّهَا الْآنَ حَامِلٌ مِنْ ذَلِكَ أَوْ غَيْرِهِ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَذْهَبَ حَتَّى تَضَعَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ حُكْمَ الْإِقْرَارِ قَدْ لَزِمَهَا وَلَوْ لَمْ يَلْزَمْهَا لَمْ يَمْنَعْ الْحَمْلُ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا كَانَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ تَكْرَارِ إقْرَارِهَا فَكَانَ يَقُولُ اذْهَبِي حَتَّى يَتَكَرَّرَ إقْرَارُك لَكِنَّهُ مَنَعَ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا الْحَمْلُ؛ لِأَنَّ مَا فِي بَطْنِهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَتْلٌ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ زِنًا أَوْ غَيْرِهِ وَقَبِلَ قَوْلَهَا فِيمَا ادَّعَتْهُ مِنْ الْحَمْلِ إنْ كَانَ ظَاهِرًا لِظُهُورِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ظَاهِرٍ فَلْيَتَبَيَّنْ أَمْرَهَا وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِزِنًا أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ قِصَاصٍ يَقُولُ إنَّهَا حَامِلٌ لَا يَعْجَلْ عَلَيْهَا الْإِمَامُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرَهَا، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا تُرِكَتْ حَتَّى تَضَعَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَلَمَّا وَضَعَتْهُ جَاءَتْهُ قَالَ لَهَا اذْهَبِي حَتَّى تُرْضِعِيهِ» يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَسْتَرْضِعُ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَلَمْ يَقْبَلْ رِضَاعَ غَيْرِهَا فَعَلَى هَذَا لَا تُرْجَمُ حَتَّى تُتِمَّ رِضَاعَهُ.
وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ لِأَنَّ هَذَا قَتْلٌ لِلْوَلَدِ وَأَمَّا لَوْ قَبِلَ رِضَاعَ غَيْرِهَا، وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَسْتَرْضِعُ لَهُ مِنْهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ عِيسَى هَذَا الْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَقَرَّتْ بِالزِّنَا وَهِيَ حَامِلٌ فَأَمَرَهَا أَنْ تَذْهَبَ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا أَرَى أَنْ يَصْنَعَ فِي ذَلِكَ كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ لَكِنَّهُ سُنَّةٌ قَدْ سَنَّهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ وُجِدَ لِابْنِهَا مَا تَسْتَرْضِعُ لَهُ بِهِ أَوْ كَانَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَا تُؤَخَّرُ حَتَّى تَسْتَقِلَّ مِنْ نِفَاسِهَا قَالَ مُحَمَّدٌ وَهَذَا فِي الْقَتْلِ وَالرَّجْمِ وَحَكَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ كُلُّ حَدٍّ يَكُونُ فِيهِ الْقَتْلُ فَإِنَّهُ يُسْتَعْجَلُ بِالْمَرِيضِ وَلَا يُنْتَظَرُ بِهِ إفَاقَتُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهَا تُرْجَمُ وَلَا تَنْتَظِرُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ، وَدَلِيلُنَا الْحَدِيثُ الْمَنْصُوصُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَلَمَّا أَرْضَعَتْهُ جَاءَتْهُ فَقَالَ اذْهَبِي فَاسْتَوْدِعِيهِ» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ وَضْعَهَا إيَّاهُ عِنْدَ مَنْ يَحْضُنُهُ وَيَكْفُلُهُ؛ لِأَنَّ طَرْحَهُ سَبَبٌ إلَى هَلَاكِهِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ لَهُ مِنْ أَهْلِهِ مِنْ قِبَلِ أَبَوَيْهِ إنْ كَانَ لِرِشْدَةٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ إنْ كَانَ لِغِيَّةِ مَنْ يَقُومُ بِذَلِكَ فَلَمَّا أَتَتْ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَتْ.
(ش) : قَوْلُ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ قِيلَ مَعْنَاهُ اقْضِ بَيْنَنَا بِمَا كَتَبَ اللَّهُ أَيْ فَرَضَ، وَلَمْ يُرِدْ الْقُرْآنَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَوْجَبَهُ كِتَابُ اللَّهِ الْمُنَزَّلُ عَلَيْك، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِمَا تَضَمَّنَهُ كِتَابُ اللَّهِ مِنْ الْحُكْمِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ إنَّ الْآخَرَ كَانَ أَفْقَهَهُمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ أَفْقَهُهُمَا لَمَّا حَكَمَ بِمَا أَوْرَدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وُصِفَ بِذَلِكَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ فَوَصَفَ ذَلِكَ مَنْ عَرَفَ حَالَهُمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وُصِفَ بِذَلِكَ لَمَّا وَصَفَ الْقَضِيَّةَ عَلَى مَا جَرَتْ وَأَوْرَدَ مِنْهَا مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَمْ يُرِدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ
стр. 2045
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا» عَلَى هَذَا قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ الْعَسِيفُ الْأَجِيرُ وَقَوْلُهُ فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ إخْبَارٌ عَنْ ابْنِهِ وَعَنْ زَوْجَةِ خَصْمِهِ بِالزِّنَا، وَحُكْمُ هَذَا أَنَّهُمَا إنْ صَدَّقَاهُ حُدَّا وَلَمْ يَكُنْ قَاذِفًا، وَإِنْ كَذَّبَاهُ فَإِنْ قَامَا يَطْلُبَانِهِ بِحَدِّ الْقَذْفِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَاذِفِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ، ثُمَّ أَكْذَبَ بَيِّنَتَهُ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَيُحَدُّ الْقَاذِفُ؛ لِأَنَّهُ كَالْعَفْوِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ وَإِذَا هَمَّ الْإِمَامُ بِضَرْبِ الْقَاذِفِ فَأَقَرَّ الْمَقْذُوفُ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا وَصَدَّقَهُ فَإِنْ ثَبَتَ إقْرَارُهُ حُدَّ الْمَقْذُوفُ بِالزِّنَا، وَلَمْ يُحَدَّ الْقَاذِفُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إذَا رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ بِتَوْرِيكٍ دُرِئَ عَنْ الْقَاذِفِ الْحَدُّ بِإِقْرَارِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ مَا لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ أَرَادَ بِإِقْرَارِهِ إسْقَاطَ الْحَدِّ عَنْ الْقَاذِفِ فَيَبْطُلُ إقْرَارُهُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُبْطِلْ ذَلِكَ الْمَقْذُوفُ وَلَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَهُوَ قَاذِفٌ لَهُمَا، وَلَعَلَّ هَذَا قَدْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِمَا أَنَّهُمَا قَدْ أَقَرَّا بِذَلِكَ بِحَضْرَةِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ، أَوْ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بِزِنَاهُمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِهِ عَلَيْهِمَا إنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ بِتَكْذِيبِهِمَا أَوْ تَكْذِيبِ أَحَدِهِمَا لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَجَارِيَةٍ لِي نَصٌّ فِي أَنَّهُ أَعْطَاهُ الْغَنَمَ وَالْجَارِيَةَ لِيُسْقِطَ عَنْ ابْنِهِ الْمُطَالَبَةَ بِذَلِكَ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ لَمَّا اعْتَقَدَ أَنَّهُ حَقٌّ لَهُ يَصِحُّ إسْقَاطُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إعْطَاؤُهُ إيَّاهُ لِيَسْتُرَ عَلَيْهِ، وَيَتْرُكَ قِيَامَهُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عِوَضًا عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ لِأَحَدٍ تَرْكُهُ بِعِوَضٍ وَيَبْطُلُ الصُّلْحُ فِي ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ مَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَلْزَمُ ابْنَهُ مِنْ الرَّجْمِ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ، وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالِدَ الزَّانِي الْبِكْرِ أَنْ لَيْسَ عَلَى ابْنِهِ إلَّا جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ فَأَخَذَ عِوَضًا عَلَى إسْقَاطِ مَا لَمْ يَجِبْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا بِالْحَقِّ الَّذِي وَرَدَ كِتَابُ اللَّهِ بِالْحُكْمِ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ بِأَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا بِمَا تَضَمَّنَهُ كِتَابُ اللَّهِ مِنْ حُكْمِ مَسْأَلَتِهِ فَيَذْهَبُ فِي رَدِّ الْجَارِيَةِ وَالْغَنَمِ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وَفِي الْجَلْدِ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وَفِي الرَّجْمِ إلَى مَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ حُكْمِ الرَّجْمِ عَلَى الثَّيِّبِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَنَّهُ ﷺ جَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا نَصٌّ فِي تَغْرِيبِ الزَّانِي وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَغْرِيبَ عَلَى الزَّانِي وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ يَتَعَلَّقُ بِهَا قَتْلٌ أَوْ مَا هُوَ دُونَهُ مِنْ جَلْدٍ أَوْ قَطْعٍ فَإِنَّ مَعَ الْأَدْوَنِ الْحَبْسَ كَالْقَتْلِ وَالْحِرَابَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ التَّغْرِيبَ عَلَى الْحُرِّ الذَّكَرِ دُونَ الْمَرْأَةِ وَدُونَ الْعَبْدِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا زَنَتْ الْأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ» ، وَهَذَا مَوْضِعُ تَعْلِيمٍ فَاقْتَضَى أَنَّهُ اسْتَوْعَبَ مَا عَلَيْهَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ وَفِي تَغْرِيبِهَا تَعْرِيضٌ لَهَا لِزَوَالِ السَّتْرِ عَنْهَا، وَالْأَمَةُ حَقُّ السَّيِّدِ مُتَعَلِّقٌ بِمَنَافِعِهَا، وَإِنَّمَا يُغَرَّبُ الرَّجُلُ عُقُوبَةً لِيَنْقَطِعَ عَنْ مَنَافِعِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعُقُوبَةَ إذَا لَمْ تَتَبَعَّضْ لَمْ تَلْزَمْ الْعَبْدَ بِالزِّنَا كَالرَّجْمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّغْرِيبَ يَتَعَلَّقُ بِالْحُرِّ الذَّكَرِ فَإِنَّهُ يُبْعَدُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يُنْفَى مِنْ مِصْرَ إلَى الْحِجَازِ وَإِلَى مِثْلِ شُعَبَ وَمَا وَالَاهَا وَمِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مِثْلِ فَدَكَ وَخَيْبَرَ ذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّهُ يُنْفَى عِنْدَهُمْ، كَذَلِكَ نَفَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ مِصْرَ إلَى شُعَبَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيُنْفَى مِنْ مِصْرَ إلَى أُسْوَانَ وَإِلَى أَدْوَنَ مِنْهَا، وَذَلِكَ بِحَيْثُ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الِاغْتِرَابِ وَلَا يُبْعَدُ كُلَّ الْبُعْدِ بِمَا ضَاعَ وَبَعُدَ عَنْ أَنْ يُدْرِكَهُ مَنْفَعَةُ مَالِهِ وَأَهْلِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَكِرَاؤُهُ فِي سَيْرِهِ فَإِنْ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فِي الزِّنَا وَالْمُحَارِبِ قَالَهُ أَصْبَغُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَفِي الْمُسْلِمِينَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُكْتَبُ إلَى وَالِي الْبَلَدِ الَّذِي يُغَرَّبُ إلَيْهِ أَنْ يَقْبِضَهُ
стр. 2046
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي وَجَدْت مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ» مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ الرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذَا أَحْصَنَ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَاهُ رَجُلٌ وَهُوَ بِالشَّامِ فَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَبَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ إلَى امْرَأَتِهِ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ فَأَتَاهَا وَعِنْدَهَا نِسْوَةٌ حَوْلَهَا فَذَكَرَ لَهَا الَّذِي قَالَ زَوْجُهَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَخْبَرَهَا أَنَّهَا لَا تُؤَاخَذُ بِقَوْلِهِ وَجَعَلَ يُلَقِّنُهَا أَشْبَاهَ ذَلِكَ لِتَنْزِعَ فَأَبَتْ أَنْ تَنْزِعَ وَتَمَّتْ عَلَى الِاعْتِرَافِ فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ فَرُجِمَتْ) .
ــ
[المنتقى]
وَيَسْجُنَهُ سَنَةً عِنْدَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ يُؤَرَّخُ يَوْمُ سِجْنِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ اسْتِيعَابِهِ الْعَامَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَمَرَ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ قِيلَ أَنَّهُ أُنَيْسُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْأَسْلَمِيُّ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ فَإِنْ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ جَلْدًا وَلَا جَلْدَ عَلَى الثَّيِّبِ وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَرُوِيَ عَنْ دَاوُد يُجْلَدُ الثَّيِّبُ وَيُرْجَمُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ ﷺ «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» وَهُوَ وَقْتُ تَعْلِيمِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُكْمِ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَلْدًا فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ الثَّيِّبِ الزَّانِي وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ مَعْنًى يُوجِبُ الْقَتْلَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ الْجَلْدُ مَعَ الْقَتْلِ كَالرِّدَّةِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مَنْ جُلِدَ فِي الزِّنَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مُحْصَنٌ فَإِنَّهُ يُرْجَمُ وَلَا يُجْزِئُهُ الْجَلْدُ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُ سَعْدٍ فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيُمْهِلُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ إعْظَامًا لِهَذَا وَإِظْهَارًا لِمَا فِي نَفْسِهِ مِنْ الْغَيْرَةِ وَمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِسْرَاعِ إلَى قَتْلِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي أَنْ يُقَابَلَ بِهِ قِبَلَ هَذَا عِنْدَهُ فَأَعْلَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهُ لَيْسَ التَّسَرُّعُ إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ثَبَتَتْ وَحُكْمِ إمَامِ يَسْتَوْفِي الْحُقُوقَ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ، وَأَمَّا أَنْ يُسْرِعَ إلَيْهِ فَلَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إذَا أُحْصِنَ يُرِيدُ بِهِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إنَّهُ مِمَّا أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ آيَةِ الرَّجْمِ» وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُهُ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ يُرِيدُ بِالزِّنَا أَوْ كَانَ الْحَمْلُ وَالِاعْتِرَافُ يُرِيدُ أَنْ يَظْهَرَ بِالْمَرْأَةِ حَمْلٌ لَا يَلْحَقُ بِأَحَدٍ وَلَا يُنْفَى بِلِعَانٍ، وَأَمَّا مَا لَحِقَ بِزَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ أَوْ نُفِيَ بِلِعَانٍ فَلَا يُوجِبُ حَدًّا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ وَطِئَ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ وَدَخَلَ مِنْ مَائِهِ فِي قُبُلِهَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْهُ وَلَدٌ وَلَوْ كَانَ مِنْهُ وَلَدٌ لَمْ يَجِبْ عَلَى مَنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ حَدٌّ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُبَاشِرُ لَهَا وَطِئَ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَأَمَّا الِاعْتِرَافُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَتَاهُ رَجُلٌ وَهُوَ بِالشَّامِ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِمَامَ حَيْثُ حَلَّ مِنْ عَمَلِهِ يَنْظُرُ فِي الْأَحْكَامِ وَلَمَّا ذَكَرَ لَهُ الرَّجُلُ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَرْسَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ لِمَا يَتَعَلَّقُ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُخْتَلِفَةِ بِإِقْرَارِهَا وَإِنْكَارِهَا، وَأَرْسَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ نَائِبًا عَنْهُ فِي تَوْقِيفِهَا عَلَى مَا ذَكَرَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَثَبَتَ عِنْدَهُ إقْرَارُهَا وَإِنْكَارُهَا وَحُكْمُهَا فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْحَاكِمِ، وَلِذَلِكَ يَجْرِي فِيهِ الْحَدُّ
стр. 2047
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ لَمَّا صَدَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ مِنًى أَنَاخَ بِالْأَبْطُحِ ثُمَّ كَوَّمَ كَوْمَةً بَطْحَاءَ ثُمَّ طَرَحَ عَلَيْهَا رِدَاءَهُ وَاسْتَلْقَى، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي وَضَعُفَتْ قُوَّتِي وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي فَاقْبِضْنِي إلَيْك غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ سُنَّتْ لَكُمْ السُّنَنُ وَفُرِضَتْ لَكُمْ الْفَرَائِضُ وَتُرِكْتُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ إلَّا أَنْ تَضِلُّوا بِالنَّاسِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، ثُمَّ قَالَ إيَّاكُمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ يَقُولُ قَائِلٌ لَا نَجِدُ حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَكَتَبْتهَا الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا قَالَ مَالِكٌ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فَمَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى قُتِلَ عُمَرُ ﵀ قَالَ يَحْيَى: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ قَوْلَهُ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ يَعْنِي الثَّيِّبَ وَالثَّيِّبَةَ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ) .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَخْبَرَهَا أَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ بِمَا قَالَ زَوْجُهَا وَأَخْبَرَهَا أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ لِتَنْزِعَ عَلَى مَعْنَى التَّلْقِينِ لَهَا لِئَلَّا يُدْرِكَهَا مِنْ الْأَمْرِ مَا يَبْهَتُهَا وَيَمْنَعُهَا مِنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهَا وَالْقِيَامِ بِحُجَّتِهَا وَالْمُدَافَعَةِ عَنْهَا فَلَمَّا تَمَادَتْ عَلَى الِاعْتِرَافِ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ أَبُو وَاقِدٍ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّائِبَ عَنْ الْحَاكِمِ بِأَمْرِهِ يَثْبُتُ عِنْدَهُ مَا يَثْبُتُ عِنْدَ النَّائِبِ بِقَوْلِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ شَاهِدَانِ أَشْهَدَهُمَا أَبُو وَاقِدٍ عَلَى ثُبُوتٍ عِنْدَهُ، أَوْ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ غَيْرُ الشُّهُودِ عَلَيْهَا بِالتَّمَادِي عَلَى الِاعْتِرَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ لَمَّا صَدَرَ مِنْ مِنًى يُرِيدُ فِي آخِرِ حَجَّتِهِ الَّذِي قُتِلَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْهَا فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ يَوْمَ الصَّدْرِ أَنَاخَ بِالْأَبْطُحِ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ إمَّا؛ لِأَنَّهُ رَأَى التَّحْصِيبَ مَشْرُوعًا؛ أَوْ لِأَنَّهُ نَزَلَ بِهِ حَتَّى يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ وَيَطُوفَ لِلْوَدَاعِ ثُمَّ يُقْفِلَ مِنْهُ إلَى الْمَدِينَةِ فَكَوَّمَ كَوْمَةً بَطْحَاءَ يُرِيدُ جَمَعَ كَوْمًا وَهُوَ الْكُدْيَةُ مِنْ التُّرَابِ، ثُمَّ طَرَحَ عَلَى الْكَوْمِ رِدَاءَهُ لَيَقِيَهُ التُّرَابَ، ثُمَّ اسْتَلْقَى لَعَلَّهُ يُرِيدُ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إلَى السَّمَاءِ يُرِيدُ رَفَعَهُمَا رَاغِبًا إلَى اللَّهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي وَضَعُفَتْ قُوَّتِي يُرِيدُ أَنَّهُ ضَعُفَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَالنَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ مَعَ انْتِشَارِ رَعِيَّتِهِ بِبُعْدِ الْأَقْطَارِ فَاقْبِضْنِي إلَيْك غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنْ يَهَبَهُ مِنْ الْعَوْنِ عَلَى مَا كَلَّفَهُ مَا يَعْصِمُهُ مِنْ التَّضْيِيعِ وَالتَّفْرِيطِ إلَى أَنْ يَمُوتَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَدْعُوَ بِتَعْجِيلِ مَيْتَةٍ لَمَّا خَشِيَ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ تَضْيِيعٌ أَوْ تَفْرِيطٌ لِضَعْفِ قُوَّتِهِ وَانْتِشَارِ رَعِيَّتِهِ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا نَهَى عَنْهُ ﷺ مِنْ أَنْ يَدْعُوَ أَحَدٌ بِالْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، وَإِنَّمَا دُعَاءُ عُمَرَ بِالْمَوْتِ خَوْفَ التَّفْرِيطِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ «دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِذَا أَرَدْت بِقَوْمٍ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إلَيْك غَيْرَ مَفْتُونٍ» وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ فَمَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى قُتِلَ عُمَرُ ﵀.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَخَطَبَ النَّاسَ لَعَلَّهُ قَدْ اسْتَشْعَرَ إجَابَةَ دَعْوَتِهِ فَخَطَبَ النَّاسَ مُعَلِّمًا لَهُمْ بِمَا خَافَ إشْكَالَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ وَمُذَكِّرًا لَهُمْ وَوَاعِظًا وَمُوَدِّعًا قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ سُنَّتْ لَكُمْ السُّنَنُ وَفُرِضَتْ لَكُمْ الْفَرَائِضُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالسُّنَنِ طُرُقَ الشَّرِيعَةِ وَأَحْكَامَهَا وَبِالْفَرَائِضِ الْمُقَدَّرَاتِ قَالَ وَتُرِكْتُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ يُرِيدُ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْوَاضِحَةِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي لَا يُخَافُ عَلَى مَالِكِهَا ضَلَالًا إلَّا أَنْ تَضِلُّوا بِالنَّاسِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ الصَّحَابَةَ ﵃ وَأَهْلَ الْعِلْمِ مُحَذِّرًا لَهُمْ عَنْ أَنْ يَضِلُّوا بِالنَّاسِ فَيَحْمِلُهُمْ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقَةِ الْوَاضِحَةِ عَلَى حَسْبِ مَا يَفْعَلُ الضَّالُّ عَنْ الطَّرِيقِ يَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهَا أَوْ عَنْ شِمَالِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ضَرَبَ بِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى عَلَى مَعْنَى
стр. 2048
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ قَدْ وَلَدَتْ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُرْجَمَ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهَا إنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ
ــ
[المنتقى]
الْقَطْعِ لِكَلَامِهِ وَالْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ مَا قَالَهُ أَمْرٌ قَدْ فَرَغَ مِنْهُ لَا اعْتِرَاضَ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَضْرِبَ بِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى أَوْ يُزِيلَهَا عَنْهَا إلَى جَانِبٍ عَلَى سَبِيلِ أَنْ يَضِلَّ الْعُلَمَاءُ بِالنَّاسِ يَمِينًا وَشِمَالًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ تَهْلِكُوا بِالْإِنْكَارِ لَهَا وَالِاعْتِرَاضِ عَنْهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْإِنْكَارِ لِنُزُولِهَا فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْإِنْكَارَ لِبَقَاءِ حُكْمِهَا وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ قَائِلٌ لَا نَجِدُ حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعِيبَ قَوْلَ مَنْ قَالَ لَمْ تَنْزِلْ آيَةُ الرَّجْمِ بِقُرْآنٍ، وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِعْلِهِ، وَالثَّانِي أَنْ يَعِيبَ قَوْلَ مَنْ يُنْكِرُ الرَّجْمَ جُمْلَةً إنْ كَانَ أَنْكَرَهُ أَحَدٌ، وَزَعَمَ أَنَّ حَدَّ الزِّنَا الْجَلْدُ لَلْمُحْصَنِ وَغَيْرِ الْمُحْصَنِ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي كِتَابِ اللَّهِ دُونَ الرَّجْمِ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ ﵁ فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا فَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي إثْبَاتَ الرَّجْمِ خَاصَّةً وَالرَّدَّ عَلَى مُنْكِرِهِ مِنْ التَّمْثِيلِ لِمَا عَابَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْتِثَالًا لِآيَةِ الرَّجْمِ وَرَجَمْنَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتهَا بِيَدِي يُرِيدُ آيَةَ الرَّجْمِ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ ابْنُ الْخَطَّابِ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ قَوْمًا خَالَفُوهُ فِي أَنَّ آيَةَ الرَّجْمِ نَزَلَتْ فِيمَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ، وَلَا يَصِحُّ إثْبَاتُ قُرْآنٍ إلَّا بِإِجْمَاعٍ وَخَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ فَيَقُولُ مَنْ يُخَالِفُهُ فِي أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ بِقَوْلِ زَادَ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَمَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْقُرْآنِ أَنْ يَقُولَ زَادَ فِي الْقُرْآنِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتُ فِيهِ لِكَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِي إثْبَاتِهِ.
وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النَّاسِ وَافَقُوهُ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْقُرْآنِ وَلَكِنْ نُسِخَتْ تِلَاوَتُهَا وَبَقِيَ حُكْمُهَا فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا فِي الْمُصْحَفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ إلَّا مَا ثَبَتَتْ تِلَاوَتُهُ دُونَ مَا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ وَإِنْ بَقِيَ حُكْمُهُ فَيَكُونُ عُمَرُ ﵁ إنَّمَا تَوَقَّفَ عَنْ إثْبَاتِهَا بِيَدِهِ فِي الْمُصْحَفِ مَخَافَةَ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِأَنْ كَتَبَ فِيهِ مَا لَا يُكْتَبُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نُسِخَ إثْبَاتُهُ فِي الْمُصْحَفِ كَمَا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْآيَةَ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا وَهِيَ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ إقْبَالَ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ بِأَمْرِ الْقُرْآنِ، وَالْمَنْعَ مِنْ أَنْ يُزَادَ فِيهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ فِي الْمُصْحَفِ أَوْ يَنْقُصْ شَيْءٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا مُنِعَتْ الزِّيَادَةُ فَبِأَنْ يُمْنَعَ النَّقْصُ أَوْلَى لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إنَّمَا تُمْنَعُ لِئَلَّا يُضَافَ إلَى الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَنَقْصُ بَعْضِ الْقُرْآنِ وَإِطْرَاحُهُ أَشَدُّ، وَلَعَلَّ مَا أُضِيفَ إلَى أُبَيٍّ وَغَيْرِهِ مِنْ إثْبَاتِ الْقُنُوتِ أَوْ غَيْرِهِ فِي الْمُصْحَفِ إنَّمَا كَانَ فِي أَوَّلِ زَمَنِ عُمَرَ ﵁، ثُمَّ وَقَعَ الِاجْتِمَاعُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا بَقِيَ إلَى زَمَنِ عُثْمَانَ ﵁ مَا أَثْبَتَ عَلَى أَنَّهُ قُرْآنٌ مِمَّا قَرَأَ بِهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ؛ إمَّا لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ نُسِخَ؛ أَوْ لِأَنَّهُ وُهِمَ فِيهِ وَلَمْ يَقُمْ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ فَنَظَرَ عُثْمَانُ ﵁ فِي ذَلِكَ وَإِنْ زَالَ عَنْهُ بَعْضُ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهَا تَثْبُتُ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَجَمِيعُ النَّاسِ عَلَى الْمُتَوَاتِرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فَاسْتَوْعَبَ الْمُصْحَفُ الَّذِي أَثْبَتَهُ جَمِيعَ الْقُرْآنِ، وَنَفَى عَنْهُ مَا لَيْسَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ فَمَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى قُتِلَ عُمَرُ ﵀ بَيَّنَ أَنَّ خُطْبَتَهُ تِلْكَ كَانَتْ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَبَيْنَ يَدَيْ مَنِيَّتِهِ، وَقَوْلُ مَالِكٍ سَمِعْت أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ يَعْنِي الثَّيِّبَ وَالثَّيِّبَةَ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمُحْصَنَ وَالْمُحْصَنَةَ؛ لِأَنَّ الثُّيُوبَةَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ بِهَا الْإِحْصَانُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْأَحْرَارُ وَالْحَرَائِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2049
الْعَزِيزِ ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] . وَقَالَ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَالْحَمْلُ يَكُونُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَلَا رَجْمَ عَلَيْهَا، فَبَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِي أَثَرِهَا فَوَجَدَهَا قَدْ رُجِمَتْ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ عَلَيْهِ الرَّجْمُ أُحْصِنَ أَوْ لَمْ يُحْصَنْ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ قَدْ وَلَدَتْ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ يُرِيدُ بَعْدَ أَنْ نُكِحَتْ فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَمْلٌ إلَّا عَنْ وَطْءٍ يَلْتَقِي فِيهِ الْخِتَانَانِ، وَاعْتَقَدَ أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَكُونُ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إمَّا لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ نَحْوِهَا فَلِذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهَا إذْ يَقْتَضِي اعْتِقَادُ الْأَمْرَيْنِ أَنَّهُ حَمْلٌ مِنْ جِمَاعٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَى نِكَاحِهَا، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ فِرَاشٌ يُضَافُ إلَيْهِ مِنْ نِكَاحٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَيْهِ لِمَوْتٍ يَلْحَقُ فِيهَا الْوَلَدُ، وَإِنَّمَا أَتَتْ بِهِ بَعْدَ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ لِمُدَّةٍ قَدْ لَا يَلْحَقُ بِالْأَوَّلِ لِانْقِضَاءِ أَكْثَرِ أَمَدِ الْحَمْلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَحَكَمَ بِأَنَّهُ مِنْ زِنًا وَكَانَتْ ثَيِّبًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ بِنَاءُ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ بِهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ زَوْجٌ أَوَّلٌ لَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهَا زَنَتْ فِي وَقْتِ بَكَارَةٍ فَلَمْ يَكُنْ حُكْمُهَا إلَّا الْجَلْدَ، وَإِنْ أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ بَعْدَ الْإِحْصَانِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِهَا حِينَ وُقُوعِ الْجِمَاعِ دُونَ وَقْتِ إقَامَةِ الْحَدِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ الْمَجْلِسَ الَّذِي أَمَرَ فِيهِ بِرَجْمِهَا، وَأَنَّهُ أُعْلِمَ بِالْأَمْرِ فَبَادَرَ إنْكَارَهُ وَإِظْهَارَ مَا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَمَدَيْ الْحَمْلِ وَالرَّضَاعِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَبَيَّنَ أَنَّ مُدَّةَ الرَّضَاعَةِ عَامَانِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَكْثَرَ أَمَدِ الْحَمْلِ، فَإِنَّنَا نُعَايِنُ مُشَاهَدَةً أَنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ قَدْ تَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تَكُونَ السِّتَّةُ أَشْهُرٍ أَقَلَّ أَمَدِ الْحَمْلِ وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَبَعَثَ عُثْمَانُ فِي أَثَرِهَا فَوَجَدَهَا قَدْ رُجِمَتْ يَعْنِي أَنَّهُ قَدْ أَرَادَ الرُّجُوعَ عَمَّا أَمَرَ بِهِ مِنْ رَجْمِهَا لَمَّا ظَهَرَ إلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ فَوَجَدَهَا قَدْ نُفِّذَ فِيهَا مَا كَانَ أَمَرَ بِهِ مِنْ رَجْمِهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ حُكْمٍ حَكَمَ بِهِ إلَى مَا هُوَ عِنْدَهُ أَصْوَبُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا إنْ كَانَ رَأَى أَنَّ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَجْهًا سَائِغًا مِنْ الِاجْتِهَادِ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ رَأَى أَنَّهُ كَانَ خَطَأً فَعَادَ إلَى الصَّوَابِ وَلَعَلَّهُ قَدْ أَدَّى دِيَتَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ فِي الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ يُرْجَمُ أُحْصِنَ أَوْ لَمْ يُحْصَنْ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَنْ يُحَرِّقُوهُ بِالنَّارِ فَفَعَلَ وَفَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي زَمَانِهِ وَهِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي زَمَانِهِ وَالسُّدِّيُّ بِالْعِرَاقِ وَمَنْ أَخَذَ بِهَذَا لَمْ يُخْطِئْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ حُكْمُهُ حُكْمُ الزَّانِي يُرْجَمُ الْمُحْصَنُ وَيُجْلَدُ غَيْرُ الْمُحْصَنِ مِائَةً، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ وَإِنَّمَا فِيهِ التَّعْزِيرُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «اُقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» قَالَ مَالِكٌ وَلَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمَا يُرْجَمَانِ أَحْصَنَا أَوْ لَمْ يُحْصِنَا قَالَ مَالِكٌ وَرَبِيعَةُ الرَّجْمُ هِيَ الْعُقُوبَةُ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْمِ لُوطٍ وَلِأَنَّ هَذَا فَرْجٌ لِآدَمِيٍّ فَتَعَلَّقَ الرَّجْمُ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ كَالْقُبُلِ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُسْتَبَاحُ بِوَجْهٍ فَلِذَلِكَ تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ التَّغْلِيظِ أُشَقُّ مَا تَعَلَّقَ بِالْقُبُلِ، وَلِأَنَّهُ إيلَاجٌ لَا يُسَمَّى زِنًا فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْإِحْصَانُ كَالْإِيلَاجِ فِي الْبَهِيمَةِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَا عَبْدَيْنِ فَقَدْ قِيلَ يُرْجَمَانِ، وَقَالَ أَشْهَبُ يُحَدُّ الْعَبْدَانِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ وَيُؤَدَّبُ الْكَافِرَانِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمُتَسَاحِقَانِ مِنْ النِّسَاءِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ
стр. 2050
مَا جَاءَ فِيمَنْ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ «أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَوْطٍ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ فَقَالَ فَوْقَ هَذَا فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ فَقَالَ دُونَ هَذَا فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِّبَ بِهِ وَلَانَ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجُلِدَ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أَتَى بِرَجُلٍ قَدْ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةٍ بِكْرٍ فَأَحْبَلَهَا ثُمَّ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا وَلَمْ يَكُنْ أَحْصَنَ فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَجُلِدَ الْحَدَّ
ــ
[المنتقى]
لَيْسَ فِي عُقُوبَتِهِمَا حَدٌّ، وَذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ سَمِعْت رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ يُجْلَدَانِ مِائَةً، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْمُبَاشَرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ إلَّا بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي الْمَرْأَتَيْنِ فَلَزِمَ بِهِ التَّعْزِيرُ قَالَ أَصْبَغُ يُجْلَدَانِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ وَنَحْوَهَا، وَهَذَا التَّعْزِيرُ عِنْدِي عَلَى مَا رَوَاهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً فِي دُبُرٍ فَحُكْمُ ذَلِكَ حُكْمُ الزَّانِي يُرْجَمُ الْمُحْصَنُ مِنْهُمَا وَيُجْلَدُ، وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ جُلِدَ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَحَدُ فَرْجَيْ الْمَرْأَةِ كَالْقُبُلِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ حُكْمُ ذَلِكَ حُكْمُ اللِّوَاطِ يُرْجَمَانِ أَحْصَنَا أَوْ لَمْ يُحْصِنَا؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ فِي دُبُرٍ كَالرَّجُلَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالشَّهَادَةُ عَلَى اللِّوَاطِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ مَعْنًى يَجِبُ بِهِ الرَّجْمُ مِنْ غَيْرِ قِصَاصٍ فَلَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ كَالزِّنَا.
[مَا جَاءَ فِيمَنْ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْهُ وَلَا تَكَرَّرَ إقْرَارُهُ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَمَّا ظَهَرَ مِنْ صِحَّةِ إقْرَارِهِ وَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجَلْدِهِ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْصَنٍ فَدَعَا بِسَوْطٍ لِيَجْلِدَهُ بِهِ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ فَقَالَ فَوْقَ هَذَا يُرِيدُ أَجَدَّ مِنْهُ وَأَصْلَبَ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزَنِيَّةِ الثَّمَرَةُ الطَّرَفَ يُرِيدُ أَنَّ طَرَفَهُ مُحَدَّدٌ لَمْ تَنْكَسِرْ حِدَّتُهُ وَلَمْ يَخْلَقْ بَعْدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «دُونَ هَذَا فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِّبَ بِهِ وَلَانَ» يُرِيدُ قَدْ انْكَسَرَتْ حِدَّتُهُ، وَلَمْ يَخْلَقْ وَلَا بَلَغَ مِنْ اللِّينِ مَبْلَغًا لَا يَأْلَمُ مَنْ ضُرِبَ بِهِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يُجْلَدُ بِسَوْطَيْنِ وَالضَّرْبُ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا سَوَاءٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الضَّرْبُ فِي الزِّنَا أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْقَذْفِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَشَدُّهَا فِي التَّعْزِيرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ إنْ جُلِدَ فِي الْقَذْفِ جُلِدَ فِي حَدٍّ فَأَشْبَهَ جَلْدَ الزِّنَا كَشُرْبِ الْخَمْرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ قَاعِدًا وَلَا يُقَامُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ أَنَّهُ يُقَامُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ شَخْصٌ وَجَبَ حَدُّهُ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ كَالْمَرْأَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُجَرَّدُ الرَّجُلُ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا وَيُتْرَكُ عَلَى الْمَرْأَةِ مَا يَسْتُرُهَا وَلَا يَقِيهَا الضَّرْبَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يُجَرَّدُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وَهَذَا يَقْتَضِي مُبَاشَرَتَهُمْ بِالضَّرْبِ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ حَدٌّ فَوَجَبَ إعْرَاءُ الرَّجُلِ فِيهِ كَحَدِّ الزِّنَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْجَلْدُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الظَّهْرِ وَمَا قَالَ بِهِ خِلَافًا فَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا يَضْرِبُ سَائِرَ الْأَعْضَاءِ وَيَتَّقِي الْوَجْهَ وَالْفَرْجَ، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ الرَّأْسَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ لَيْسَ الْغَرَضُ إتْلَافَ الْأَعْضَاءِ، وَمِنْهَا مَا يُخَافُ إفْسَادُهُ بِالضَّرْبِ فِيهِ وَالظَّهْرُ أَصْلٌ لِذَلِكَ فَكَانَ مَحَلًّا لَهُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أَتَى بِرَجُلٍ قَدْ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةٍ بِكْرٍ فَأَحْبَلَهَا ثُمَّ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا وَلَمْ يَكُنْ أَحْصَنَ فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَجُلِدَ الْحَدَّ
стр. 2051
ثُمَّ نُفِيَ إلَى فَدَكَ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَعْتَرِفُ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا ثُمَّ يَرْجِعُ عَنْ ذَلِكَ وَيَقُولُ لَمْ أَفْعَلْ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنِّي عَلَى وَجْهِ كَذَا وَكَذَا لِشَيْءٍ يَذْكُرُهُ أَنَّ ذَلِكَ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدَّ الَّذِي هُوَ لِلَّهِ لَا يُؤْخَذُ إلَّا بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ تَثْبُتُ عَلَى صَاحِبِهَا، وَإِمَّا بِاعْتِرَافٍ يُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَإِنْ أَقَامَ عَلَى اعْتِرَافِهِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ قَالَ مَالِكٌ: الَّذِي أَدْرَكْت عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا نَفْيَ عَلَى الْعَبِيدِ إذَا زَنَوْا) .
ــ
[المنتقى]
ثُمَّ نُفِيَ إلَى فَدَكَ) (ش) : أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِمَنْ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا وَلَمْ يُحْصِنْ أَنْ يُجْلَدَ ثُمَّ نَفَاهُ إلَى أَنَفْذَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَجْرِي أَنْ يُنْفَى الزَّانِي إلَى فَدَكَ وَنَحْوِهَا.
(ش) : قَوْلُهُ فِي الَّذِي يَعْتَرِفُ بِالزِّنَا ثُمَّ يَرْجِعُ وَيَقُولُ إنَّمَا قُلْته لِوَجْهِ كَذَا الْمَعْنَى يَذْكُرُهُ أَنَّ ذَلِكَ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَيُقَالُ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَعْتَرِفُ بِالزِّنَا لَا يُنْتَظَرُ بِهِ شَيْءٌ وَلَكِنْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَإِنْ تَمَادَى عَلَى الِاعْتِرَافِ أُنْفِذَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِنْ رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ وَالِاعْتِرَافِ إلَى الْإِنْكَارِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَنْزِعَ إلَى وَجْهٍ أَوْ إلَى غَيْرِ وَجْهٍ فَإِنْ رَجَعَ إلَى وَجْهٍ قَالَ مُحَمَّدٌ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَصَبْت امْرَأَتِي حَائِضًا أَوْ جَارِيَتِي وَهِيَ الَّتِي مِنْ الرَّضَاعَةِ فَظَنَنْت أَنَّ ذَلِكَ زِنًا فَإِنَّهُ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا أَصْحَابُ مَالِكٍ، وَأَمَّا إذَا رَجَعَ إلَى غَيْرِ شُبْهَةٍ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَاَلَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَمُطَرِّفٍ أَنَّهُ يُقَالُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا بِأَمْرٍ يُعْذَرُ بِهِ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَزِمَهُ بِقَوْلٍ فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ إذَا رَجَعَ عَنْهُ كَالْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ، وَوَجْهُ قَوْلِهِ لَا يُقْبَلُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَةَ وَجْهِهِ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى» وَمَا رُوِيَ «عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِأُنَيْسٍ فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْإِقْرَارَ مَعْنًى يَجِبُ عَلَيْهِ بِثُبُوتِهِ حَدُّ الزِّنَا فَلَمْ يَسْقُطْ بِإِكْذَابِهِ كَالشَّهَادَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا رَجَعَ قَبْلَ ابْتِدَاءِ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ فَإِنْ شُرِعَ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ نَزَعَ بَعْدَ أَنْ جُلِدَ أَكْثَرَ الْحَدِّ أُقِيلَ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ يُعَزَّرْ.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ لَا يُقَالُ إلَّا أَنْ يُوَرِّكَ فَيُقَالُ مَا لَمْ يُضْرَبْ أَكْثَرَ الْحَدِّ فَيُتِمُّ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَرِكَ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ «مَاعِزٍ أَنَّهُ لَمَّا أَزْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ حَمِرَ فَرَمَاهُ بِصُلْبِ جَمَلٍ فَقَتَلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلَّا تَرَكْته لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» وَبِهَذَا احْتَجَّ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الرُّجُوعَ عَنْ الْإِقْرَارِ مَعَ التَّوْبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ الْحَدُّ إنَّمَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ وَأَمَّا إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ لِذَلِكَ أَوَّلًا وَلَا آخِرًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدَّ الَّذِي هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ تَثْبُتُ عَلَى صَاحِبِهَا وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَجِبُ حَدُّ الزِّنَا إلَّا بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ إمَّا بِإِقْرَارٍ لَا رُجُوعَ فِيهِ حَتَّى يُحَدَّ أَوْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ عُدُولٍ عَلَى الرُّؤْيَةِ أَوْ حَمْلٍ يَظْهَرُ بِامْرَأَةٍ غَيْرِ طَارِئَةٍ لَا يُعْرَفُ لَهَا نِكَاحٌ وَلَا مِلْكٌ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ قَالَ مَالِكٌ حَتَّى يَقُولُوا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ فِي الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي شَهَادَتِهِمْ أَنَّهُ زَنَى، وَإِنَّمَا شَهِدُوا عَلَى مَا وَصَفُوا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) إذَا كَمُلَ عَدَدُ الشُّهُودِ فِي الزِّنَا أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكْمُلْ عَدَدُهُمْ حُدَّ الشُّهُودُ حَدَّ الْقَذْفِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ ذَلِكَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ جَلَدَ أَبَا بَكْرَةَ وَصَاحِبَهُ لَمَّا تَوَقَّفَ زِيَادٌ.
وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ أَدْخَلُوا الْمَضَرَّةَ عَلَيْهِ بِإِضَافَةِ الزِّنَا إلَيْهِ بِسَبَبٍ لَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ عَلَيْهِ فَكَانُوا قَذْفَةً كَمَنْ
стр. 2052
جَامِعُ مَا جَاءَ فِي حَدِّ الزِّنَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْأَمَةِ إنْ زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ فَقَالَ: إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي أَبْعَدَ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ وَالضَّفِيرُ الْحَبْلُ) .
ــ
[المنتقى]
قَذَفَهُ ابْتِدَاءً.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِنْ حُكْمِهِمْ أَنْ يَشْهَدُوا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَإِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ، ثُمَّ جَاءَ الْبَاقُونَ فَشَهِدُوا بَعْدَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَهُمْ قَذْفَةٌ حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تَتِمُّ الشَّهَادَةُ حَتَّى يَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالشَّافِعِيِّ يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِمْ مُجْتَمِعِينَ وَمُفْتَرِقِينَ، وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْتَظِرَ الْقَاذِفَ، وَمَنْ شَهِدَ مَعَهُ إذَا لَمْ يَتِمَّ شَهَادَتُهُمْ بِأَنْ جَهِلَ فَجَاءَ الْقَاذِفُ الْيَوْمَ بِشَاهِدٍ أَوْ بِشَاهِدَيْنِ وَأَتَى بِبَاقِيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ زَنَى حَتَّى تَتِمَّ أَرْبَعَةً مُفْتَرِقِينَ فَإِنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَيُحَدُّ الزَّانِي قَالَ مُحَمَّدٌ إنْ أَتَى رَجُلٌ الْإِمَامَ فَقَالَ أَشْهَدُ عَلَى فُلَانٍ أَنَّهُ زَنَى فَلْيُجْلَدْ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَرْبَعَةٍ سِوَاهُ فَإِنْ ذَكَرَ أَرْبَعَةً حُضُورًا أَوْ قَرِيبًا غِيبَتُهُمْ تَوَثَّقَ مِنْهُ وَكُلِّفَ أَنْ يَبْعَثَ فِيهِمْ، وَإِنْ ادَّعَى بِبَيِّنَةٍ بَعِيدَةٍ حُدَّ، ثُمَّ إنْ جَاءَ بِهِمْ حَبِطَتْ عَنْهُ جُرْحَةُ الْقَذْفِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّ كَمَالَ الْعَدَدِ لَوْ لَمْ يُضَمَّ إلَى شَهَادَةِ الشُّهُودِ كَانَ قَذْفًا فَوَجَبَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا أَصْلُ ذَلِكَ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فَإِنَّ ابْنَ حَبِيبٍ رَوَى عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ إذَا شَهِدَ بِالزِّنَا أَرْبَعَةٌ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ جَاءُوا مُجْتَمِعِينَ أَوْ مُفْتَرِقِينَ إذَا كَانَ افْتِرَاقُهُمْ قَرِيبًا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَلَيْسَ بَيْنَ قَوْلِهِمَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آخِرًا فَرْقٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَنَّ الْإِمَامَ يُبِيحُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَنْ تَعُمُّ شَهَادَتُهُ غَيْرَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَأَنَّ هَذَا أَمْرٌ يَلْزَمُهُ وَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ هُمْ الْقَائِمِينَ بِالشَّهَادَةِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا تَعَلَّقُوا بِهِ وَأَتَوْا بِهِ السُّلْطَانَ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ وَهُمْ قَذْفَةٌ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافَ هَذَا يُرِيدُ مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا أَنَّهُ زَنَى فِي بَيْتٍ إلَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذَكَرَ أَنَّهُ رَآهُ يَزْنِي فِي غَيْرِ الزَّاوِيَةِ الَّتِي ذَكَرَ غَيْرُهُ مِنْ الشُّهُودِ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُحَدُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تَكْمُلْ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الزِّنَا فِي الزَّاوِيَةِ الْوَاحِدَةِ غَيْرُ الزِّنَا فِي الزَّاوِيَةِ الْأُخْرَى فَلَمْ تَكْمُلْ بِذَلِكَ شَهَادَةٌ، وَلَا يَجِبُ بِهِ حَدٌّ كَمَا لَوْ اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ إنْ اخْتَلَفَتْ الْبَيِّنَةُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: زَنَى بِهَا فِي غَرْفَةٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي سُفْلٍ أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ: مُنْكَبَّةً وَقَالَ سَائِرُهُمْ: مُسْتَلْقِيَةً أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ لَيْلًا وَقَالَ سَائِرُهُمْ نَهَارًا، أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ يَوْمَ كَذَا وَقَالَ سَائِرُهُمْ يَوْمًا آخَرَ وَاخْتَلَفُوا فِي السَّاعَاتِ بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ وَحُدُّوا فِي الْقَذْفِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ اخْتَلَفُوا فِي الْأَيَّامِ وَالْمَوَاطِنِ لَمْ تَبْطُلْ الشَّهَادَةُ قَالَ: وَانْظُرْ إنْ اخْتَلَفُوا فِيمَا لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْهُ وَلَهُمْ الشَّهَادَةُ مَعَ السُّكُوتِ عَنْهُ لَمْ يَضُرَّهُمْ اخْتِلَافُهُمْ فِيهِ مَعَ ذِكْرِهِمْ.
[جَامِعُ مَا جَاءَ فِي حَدِّ الزِّنَا]
(ش) : قَوْلُهُ فِي الْأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَلَمْ تُعْتَقْ؛ لِأَنَّ الْإِحْصَانَ يَكُونُ بِمَعْنَى الْحُرِّيَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنْ تُحْصِنَ الْإِحْصَانَ الَّذِي يُوجِبُ الرَّجْمَ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الْحُرِّيَّةَ أَيْضًا مَعَ مَعَانٍ أُخَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 2053
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدًا كَانَ يَقُومُ عَلَى رَقِيقِ الْخُمُسِ، وَأَنَّهُ اسْتَكْرَهَ جَارِيَةً مِنْ ذَلِكَ الرَّقِيقِ فَوَقَعَ بِهَا فَجَلَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَنَفَاهُ، وَلَمْ يَجْلِدْ الْوَلِيدَةَ لِأَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ قَالَ أَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَ جَلَدْنَا وَلَائِدَ
ــ
[المنتقى]
«إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا» وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ مُتَزَوِّجَيْنِ أَوْ غَيْرَ مُتَزَوِّجَيْنِ وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا إنْ لَمْ يَكُونَا تَزَوَّجَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ «قَوْلُهُ ﷺ فِي الْأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ فَاجْلِدُوهَا» .
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُجْلَدُ مَنْ فِيهِ رِقٌّ أَوْ بَقِيَّةٌ مِنْهُ نِصْفَ جَلْدِ الْحُرِّ فِي الزِّنَا خَمْسِينَ جَلْدَةً خِلَافًا لِمَنْ رَوَى عَنْهُ خِلَافَ ذَلِكَ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وَالْمُحْصَنَاتُ الْحَرَائِرُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا» يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْأَئِمَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلسَّادَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُقِيمَ حَدَّ الزِّنَا عَلَى عَبْدِهِ أَوْ عَلَى أَمَتِهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا» .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُقِيمُ الْحَدَّ إلَّا الْإِمَامُ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَمْلِكُ تَزْوِيجَ شَخْصٍ بِغَيْرِ قَرَابَةٍ وَلَا وِلَايَةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ عَلَيْهِ كَالْإِمَامِ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا ثَبَتَ زِنَا الْعَبْدِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا بِعِلْمِ السَّيِّدِ فَهَلْ يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ؟ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: فِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا جَوَازُ ذَلِكَ وَالْأُخْرَى مَنْعُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي الثَّالِثَةِ فَإِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ الضَّفِيرُ الْحَبْلُ وَسُئِلَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ هَلْ تُبَاعُ بِبَلَدِهَا ذَلِكَ أَوْ تُغَرَّبُ فَقَالَ يَبِيعُهَا بِذَلِكَ الْبَلَدِ أَوْ حَيْثُ شَاءَ، قَالَ وَكَانَ يُسْتَحَبُّ بَيْعُهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ وَلَا يُوجِبُهُ قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ ذَلِكَ تَحْضِيضٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَقْضِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ زَنَى بِذِمِّيَّةٍ فَعَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا مِنْ رَجْمٍ وَجَلْدٍ وَتُرَدُّ هِيَ إلَى أَهْلِ ذِمَّتِهَا وَدِينِهَا، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَزَنَى بِحَرْبِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَأَقَرَّ بِذَلِكَ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ عُدُولٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُحَدُّ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ شُيُوخِنَا الْعِرَاقِيِّينَ إذَا دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ فَزَنَى بِحَرْبِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْجَيْشِ أَمِيرُ مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ زَنَى فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَصْلُهُ إذَا زَنَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
(ش) : وَقَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ جَلَدَ الْعَبْدَ الَّذِي اسْتَكْرَهَ جَارِيَةً مِنْ الرَّقِيقِ وَنَفَاهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَأَى فِي ذَلِكَ رَأْيَ مَنْ يَرَى النَّفْيَ عَلَى الْعَبِيدِ بِالزِّنَا، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَفَاهُ لِمَا اقْتَرَفَ مِنْ الزِّنَا وَمِنْ الِاسْتِكْرَاهِ وَلَا تَغْرِيبَ عَلَى عَبْدٍ عِنْدَ مَالِكٍ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِنَفَاهُ أَنْ يُبَاعَ بِغَيْرِ أَرْضِهَا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ رَبِيعَةَ فِي الْعَبْدِ يَسْتَكْرِهُ الْحُرَّةَ يُحَدُّ وَيُبَاعُ بِغَيْرِ أَرْضِهَا لِتَبْعُدَ عَنْهَا مَعَرَّتُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ الزِّنَا لَمْ يُسْتَقْصَ فِي حَقِّ الْعَبْدِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ جَمِيعُهُ كَالرَّجْمِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَجْلِدْ الْوَلِيدَةَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ بِالِاسْتِكْرَاهِ لَهَا أَوْ تَأْتِيَ مُتَعَلِّقَةً بِهِ تَدْمَى، وَأَمَّا لَوْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ وَلَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ يُقِرُّ بِوَطْئِهَا فَقَالَتْ اُسْتُكْرِهْتُ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا وَتُجْلَدُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا نَقْصُ الْأَمَةِ فَفِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ الَّذِي اسْتَكْرَهَهَا، وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْعَبْدِ فِيهِ إنْ كَانَ بِفَوْرِ مَا فَعَلَ وَجَاءَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهِ تَدْمَى، وَأَمَّا فِيمَا بَعُدَ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ وَمَا كَانَ فِي جَسَدِهِ مِنْ حَدٍّ يُقَامُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُهُ.
стр. 2054
مِنْ وَلَائِدِ الْإِمَارَةِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ فِي الزِّنَا) .
مَا جَاءَ فِي الْمُغْتَصَبَةِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَرْأَةِ تُوجَدُ حَامِلًا وَلَا زَوْجَ لَهَا فَتَقُولُ: اُسْتُكْرِهْتُ أَوْ تَزَوَّجْتُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ مِنْهَا، وَإِنَّمَا يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا عَلَى مَا ادَّعَتْ مِنْ النِّكَاحِ بَيِّنَةٌ أَوْ عَلَى أَنَّهَا اُسْتُكْرِهَتْ أَوْ جَاءَتْ تَدْمَى إنْ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ اسْتَغَاثَتْ حَتَّى أُتِيَتْ وَهِيَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي تَبْلُغُ بِهِ فَضِيحَةَ نَفْسِهَا قَالَ فَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا مَا ادَّعَتْ مِنْ ذَلِكَ) .
مَا جَاءَ فِي الْقَذْفِ وَالنَّفْيِ وَالتَّعْرِيضِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ جَلَدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ ثَمَانِينَ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ فَسَأَلْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَدْرَكْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَالْخُلَفَاءَ هَلُمَّ جَرَّا فَمَا رَأَيْت أَحَدًا جَلَدَ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَمَرَنِي فِي فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ يَجْلِدُونَ وَلَائِدَ الْإِمَارَةِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ فِي الزِّنَا وَفِي الْمَزنِيَّةِ سَأَلْته عَنْ أَمْرِهِ لِلْجَمَاعَةِ أَلِيَكُونُوا طَائِفَةً أَمْ لِيَلُوا ضَرْبَهُمْ، فَقَالَ بَلْ هُمْ الَّذِينَ جَلَدُوهُمْ وَكَانُوا أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ طَائِفَةً، وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إحْضَارُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وَالطَّائِفَةُ الْمُسْتَحَبَّةُ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةٌ فَصَاعِدًا وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ ثَلَاثَةٌ وَقِيلَ اثْنَانِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ لِلْأَرْبَعَةِ مِنْ الْجَمَاعَةِ اخْتِصَاصًا بِالزِّنَا فَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى مَا سُنَّ فِيهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُحْضِرَ أَرْبَعَةً فَصَاعِدًا مِنْ الْأَحْرَارِ الْعُدُولِ وَكَذَلِكَ فِي عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ قَدْ شَاهَدَ إقْرَارَ الْوَلَائِدِ بِالزِّنَا أَوْ قِيَامَ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِنَّ بِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ ﵁ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ دُونَ أَنْ يَعْرِفُوا وَجْهَ الْحَدِّ عَلَيْهِنَّ وَفِي الْمَزنِيَّةِ سَأَلْته فِيمَنْ أَمَرَهُ إمَامٌ بِقَتْلِ رَجُلٍ فِي حَدٍّ أَوْ بِجِلْدِهِ فَقَالَ: إنْ كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا مَأْمُونًا لَا يُخَافُ عَلَيْهِ جَوْرٌ وَلَا جَهْلٌ فَلْيَفْعَلْ مَا أَمَرَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ جَهْلًا أَوْ جَوْرًا فَلَا يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ إلَّا أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ الْإِمَامُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ فَلْيَمْتَثِلْ أَمْرَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَجَلَدْنَاهُمْ خَمْسِينَ خَمْسِينَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ اتَّفَقَ فِيهِ اجْتِمَاعُ إقْرَارِهِنَّ أَوْ سَبَبٌ بِإِقْرَارِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إقْرَارُ سَائِرِهِنَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي الْمُغْتَصَبَةِ]
(ش) : قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا كُلِّهِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْمُغْتَصَبَةُ لَا تُنْكَحُ حَتَّى تَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ قَالَ فَإِنْ ارْتَابَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا فَلَا تُنْكَحُ حَتَّى تَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا مِنْ تِلْكَ الرِّيبَةِ) .
(ش) : قَوْلُهُ وَالْمُغْتَصَبَةُ لَا تُنْكَحُ حَتَّى تَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ يُرِيدُ الْحُرَّةَ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ يَأْسِرُهَا الْعَدُوُّ، فَأَمَّا الْأَمَةُ فَإِنَّ حَيْضَةً وَاحِدَةً تُبْرِئُهَا إلَّا أَنْ تَرْتَابَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي رِزْمَةِ النِّكَاحِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[مَا جَاءَ فِي الْقَذْفِ وَالنَّفْيِ وَالتَّعْرِيضِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَلَدَ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ ثَمَانِينَ الْفِرْيَةُ هِيَ الرَّمْيُ وَحَدُّ الْحَدِّ فِيهِ ثَمَانُونَ جَلْدَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فَرَأَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ حَدَّ الْعَبْدِ فِي ذَلِكَ كَحَدِّ الْحُرِّ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَالْخُلَفَاءُ إلَى زَمَنِهِ كَانُوا يَجْلِدُونَ الْعَبْدَ فِي الْقَذْفِ أَرْبَعِينَ نِصْفَ الْحُرِّ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ وَمَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ مِنْ مُدَبَّرٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ حَدٌّ يَتَبَعَّضُ فَكَانَ حَدُّ الْعَبْدِ فِيهِ نِصْفَ حَدِّ الْحُرِّ
стр. 2055
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ رُزَيْقِ بْنِ حَكِيمٍ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ مِصْبَاحٌ اسْتَعَانَ ابْنًا لَهُ فَكَأَنَّهُ اسْتَبْطَأَهُ فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ لَهُ يَا زَانٍ، قَالَ زُرَيْقٌ فَاسْتَعْدَانِي عَلَيْهِ فَلَمَّا أَرَدْت أَنْ أَجْلِدَهُ قَالَ ابْنُهُ: وَاَللَّهِ لَئِنْ جَلَدْته لَأُبَوِّأَنَّ عَلَى نَفْسِي بِالزِّنَا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ أَشْكَلَ عَلَيَّ أَمْرُهُ فَكَتَبْت فِيهِ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ الْوَالِي يَوْمَئِذٍ أَذْكُرُ لَهُ ذَلِكَ فَكَتَبَ إلَيَّ أَنْ أَجْزِ عَفْوَهُ قَالَ زُرَيْقٌ وَكَتَبْت إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَيْضًا أَرَأَيْت رَجُلًا افْتَرَى عَلَيْهِ أَوْ عَلَى أَبَوَيْهِ وَقَدْ هَلَكَا أَوْ أَحَدُهُمَا قَالَ فَكَتَبَ إلَيَّ عُمَرُ إنْ عَفَا فَأَجْزِ عَفْوَهُ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ افْتَرَى عَلَى أَبَوَيْهِ وَقَدْ هَلَكَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَخُذْ لَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ سَتْرًا قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الْمُفْتَرَى عَلَيْهِ يَخَافُ إنْ كَشَفَ ذَلِكَ مِنْهُ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَإِذَا كَانَ عَلَى مَا وَصَفْت فَعَفَا جَازَ عَفْوُهُ) .
ــ
[المنتقى]
كَحَدِّ الزِّنَا.
(ش) : قَوْلُ مِصْبَاحٍ لِابْنِهِ عَلَى وَجْهِ السَّبِّ يَا زَانٍ قَذْفٌ لَهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ يَا زَانٍ فَإِنَّهُ قَاذِفٌ لَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْحَدِّ مَا يَجِبُ عَلَى الْقَاذِفِ فَإِنْ قَالَ أَرَدْت أَنَّهُ زَانٍ فِي الْجَبَلِ بِمَعْنَى أَنَّهُ صَاعِدٌ إلَيْهِ، يُقَال زَنَأْت فِي الْجَبَلِ إذَا صَعِدْت إلَيْهِ قَالَ أَصْبَغُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَا كَانَا فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ الَّذِي أَرَادَهُ وَلَمْ يَقُلْهُ مُشَاتَمَةً قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُرِيدُ أَصْبَغُ وَيَحْلِفُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَاسْتَعْدَانِي عَلَيْهِ فَلَمَّا أَرَدْت أَنْ أَجْلِدَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الْأَبَ يُجْلَدُ لِقَذْفِ ابْنِهِ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ الْقَذْفِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إلَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ الْأَبُ لَهُ أَصْلًا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ يُقْتَلُ بِهِ إذَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَرَادَ قَتْلَهُ فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِقَذْفِهِ إذَا كَانَ مُحْصَنًا أَصْلُ ذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ لَا يُقْتَلُ الْأَبُ بِابْنِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يُحَدُّ الْأَبُ لِابْنِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْقِطُ عَدَالَةَ الِابْنِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ فِي كِتَابِهِ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] وَهَذَا يَضُرُّ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا قَالَ الْأَبُ لِابْنِهِ فِي مُنَازَعَةٍ أُشْهِدُكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَلَدِي وَطَلَبَتْ الْأُمُّ أَوْ وَلَدُهَا مِنْ غَيْرِهِ الْحَدَّ، وَقَدْ كَانَ فَارَقَهَا فَعَفَا وَلَدُهُ فَقَالَ مَالِكٌ يَحْلِفُ مَا أَرَادَ قَذْفًا وَمَا قَالَهُ إلَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَلَدِي لَمْ يَصْنَعْ مَا صَنَعَ، ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْحَدَّ عَلَيْهِ ثَابِتٌ إنْ لَمْ يَحْلِفْ، وَأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِعَفْوِ بَعْضِ الْوَلَدِ إذَا قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا الْجَدُّ وَالْعَمُّ وَالْخَالُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يُحَدُّونَ لَهُ فِي الْفِرْيَةِ إنْ طَلَبَ ذَلِكَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَبَ أَعْظَمُ حَقًّا مِنْهُمْ، وَهُوَ يُحَدُّ لِلِابْنِ فَبِأَنْ يُحَدَّ هَؤُلَاءِ أَوْلَى عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ يُقْتَلُ بِهِ فَكَذَلِكَ يُحَدُّونَ لَهُ، وَأَمَّا أَنْ يَشْتُمُوهُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَ الْأَخَ مِثْلَهُمْ إذَا شَتَمَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ لَهُمْ عَلَيْهِ رُتْبَةً بِالْإِدْلَاءِ بِالْأَبَوَيْنِ فَكَانَ لَهُمْ تَأْدِيبُهُ بِالْقَوْلِ وَتَعْلِيمُهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ الِابْنِ لَئِنْ جَلَدْته لَأُبَوِّأَنَّ عَلَى نَفْسِي يُرِيدُ الْعَفْوَ عَنْ أَبِيهِ وَإِسْقَاطَ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْهُ، وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ مُتَوَلِّي الْحُكْمِ أَقَرَّ بِالزِّنَا فَأَسْقَطَ عَنْ أَبِيهِ بِذَلِكَ حَدَّ الْقَذْفِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ زُرَيْقَ بْنَ حَكِيمٍ كَانَ يَرَى أَنَّ عَفْوَ الْمَقْذُوفِ عَنْ الْقَاذِفِ عِنْدَ الْإِمَامِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَهِيَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْوَلَدِ لَهُ الْعَفْوُ عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يُرِدْ سَتْرًا بِهِ، كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى زُرَيْقٍ إذْ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا عَفْوُهُ عَنْ جَدِّهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ يَجُوزُ عَفْوُهُ عَنْ جَدِّهِ لِأَبِيهِ وَإِنْ بَلَغَ الْإِمَامَ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي جَدِّهِ لِأُمِّهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَدَّ لِلْأَبِ مُدْلٍ بِالْأَبِ وَيُوصَفُ بِالْأُبُوَّةِ، وَأَمَّا الْجَدُّ لِلْأُمِّ فَلَا يُوصَفُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمُ الْأَبِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَفْوُ الْأَبِ عَنْ ابْنِهِ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ سَتْرًا، وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْإِشْفَاقَ قَدْ يَحْمِلُهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ إيقَاعِ الْحَدِّ بِهِ عَلَى أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا قَذَفَهُ بِهِ فَيَقَعُ فِيمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ الْقَذْفِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيمَنْ اُفْتُرِيَ عَلَيْهِ إنْ عَفَا فَأَجْزِ عَفْوَهُ فِي نَفْسِهِ يُرِيدُ أَنَّ الْعَفْوَ بَعْدَ
стр. 2056
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَذَفَ قَوْمًا جَمَاعَةً أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ تَفَرَّقُوا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ) .
ــ
[المنتقى]
بُلُوغِ الْإِمَامِ جَائِزٌ، وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي غَيْرِ الْأَبِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ كَانَ مَالِكٌ يُجِيزُ الْعَفْوَ بَعْدَ أَنْ يَبْلُغَ الْإِمَامَ كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ سَتْرًا قَالَ ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ فَلَمْ يُجِزْهُ عِنْدَ الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ سَتْرًا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمَقْذُوفِ يَجُوزُ لَهُ الْعَفْوُ عَنْهُ قَبْلَ بُلُوغِ الْإِمَامِ فَكَانَ لَهُ الْعَفْوُ عَنْهُ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ كَالدُّيُونِ وَالْقِصَاصِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يَجُزْ الْعَفْوُ عَنْهُ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْعَفْوُ قَبْلَ بُلُوغِ الْإِمَامِ فَجَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَلَهُ الْقِيَامُ بِهِ مَتَى شَاءَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ سَتْرًا، وَقَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ لَمْ يَبْلُغْ الْإِمَامَ فَلَزِمَ الْعَفْوُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ بِالْقِيَامِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ يَجُوزُ الْقِيَامُ بِهِ وَلَا يَلْزَمُ الْعَفْوُ فِيهِ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ فَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ بُلُوغِهِ كَحَدِّ الزِّنَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ افْتَرَى عَلَى أَبَوَيْهِ وَقَدْ هَلَكَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَخُذْ لَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ يُرِيدُ لَا يَجُوزُ عَفْوُهُ إذَا وَصَلَ إلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ غَيْرُهُ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ إنَّمَا يَجُوزُ الْعَفْوُ يُرِيدُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ إذَا قَذَفَهُ فِي نَفْسِهِ فَإِذَا قَذَفَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا وَقَدْ مَاتَ الْمَقْذُوفُ لَمْ يَجُزْ الْعَفْوُ عَنْهُ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ لَزِمَ الْإِمَامَ الْقِيَامُ بِالْحَدِّ، وَإِلَّا حُدَّ لِلْمَقْذُوفِ بِهِ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَفْوُ بَعْضِ الْقَائِمِينَ بِهِ بِخِلَافِ وُلَاةِ الدَّمِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بَدَلًا مِنْ الْمَالِ وَالدَّمُ بَدَلٌ مِنْ الْمَالِ فَيَنْتَقِلُ بَعْضُ مَنْ قَامَ بِالدَّمِ إلَيْهِ إذَا عَفَا بَعْضُهُمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ سَتْرًا قَالَ مَالِكٌ قَدْ ضُرِبَ الْحَدَّ فَخَافَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْآنَ فَأَمَّا إنْ عَمَلَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ فَلَا يَجُوزُ عَفْوُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ فِي قَذْفٍ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا فِي الدَّمِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي عَفْوِ الْمَقْذُوفِ فِي نَفْسِهِ أَوْ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْإِمَامِ إنْ قَالَ أَرَدْت سَتْرًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَيَكْشِفُ عَنْ ذَلِكَ الْإِمَامُ فَإِنْ خَافَ أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَجَازَ عَفْوَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُجِزْهُ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ مَعْنَى قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ سَتْرًا إنْ كَانَ مِثْلُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ جَازَ عَفْوُهُ وَلَا يُكَلَّفُ إلَّا أَنْ يَقُولَ أَرَدْت سَتْرًا، وَأَمَّا الْعَفِيفُ الْفَاضِلُ فَلَا يَجُوزُ عَفْوُهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْقَاذِفُ يُعْطِي الْمَقْذُوفَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَيُجْلَدُ الْحَدَّ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَسْقُطُ بِمَالٍ كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلِلْمَقْذُوفِ أَنْ يَكْتُبَ بِهِ كِتَابًا أَنَّهُ مَتَى شَاءَ قَامَ بِهِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ وَإِنِّي لَأَكْرَهُهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْإِمَامَ، وَأَمَّا إذَا بَلَغَ الْإِمَامَ فَإِنَّ الْإِمَامَ يُقِيمُ الْحَدَّ وَلَا يُؤَخِّرُهُ، وَقَدْ رَأَيْت لِمَالِكٍ نَحْوَ هَذَا، وَقَالَ هَذَا يُشْبِهُ الْعَفْوَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَاذِفِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ، ثُمَّ أَكْذَبَهُمْ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيُحَدُّ الْقَاذِفُ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِلْحَدِّ كَالْعَفْوِ، وَإِذَا صَدَقَ الْقَاذِفُ فَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ إنْ ثَبَتَ عَلَى إقْرَارِهِ حُدَّ، وَلَمْ يُحَدَّ الْقَاذِفُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ فَقَدْ دَرَأَ عَنْهُ الْحَدَّ وَدُرِئَ عَنْ الْقَاذِفِ الْحَدُّ بِإِقْرَارِهِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ مَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ أَرَادَ بِإِقْرَارِهِ إسْقَاطَ الْحَدِّ عَنْ الْقَاذِفِ فَيَبْطُلُ إقْرَارُهُ.
(ش) : قَوْلُهُ فِي قَاذِفِ الْجَمَاعَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي غَيْرِ مَا كِتَابٍ سَوَاءٌ قَذَفَهُمْ مُجْتَمِعِينَ أَوْ مُفْتَرِقِينَ فَحُدَّ لَهُمْ أَوْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَذَلِكَ لِكُلِّ قَذْفٍ
стр. 2057
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلَيْنِ اسْتَبَّا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ وَاَللَّهِ مَا أَبِي بِزَانٍ وَلَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ قَائِلٌ مَدَحَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ. وَقَالَ الْآخَرُونَ قَدْ كَانَ لِأَبِيهِ
ــ
[المنتقى]
قَامَ طَالِبُوهُ أَوْ لَمْ يَقُومُوا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَدٌّ مِنْ الْحُدُودِ فَتَدَاخَلَ كَحَدِّ الزِّنَا وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَبِهَذَا فَارَقَ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ فَإِنَّهَا لَا تَتَدَاخَلُ، وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ قَذَفَ قَوْمًا وَشَرِبَ خَمْرًا فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ لِذَلِكَ حَدٌّ وَاحِدٌ قَالَ عِيسَى يُرِيدُ أَنَّهُ مِنْ حَدِّ الْقَذْفِ مُسْتَخْرَجٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الْحَدَّيْنِ إذَا تَسَاوَيَا فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ تَدَاخَلَا كَالْحَدَّيْنِ سَبَبُهُمَا وَاحِدٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَذَفَ فَحُدَّ فِي الْقَذْفِ فَلَمْ يَكْمُلُ جَلْدُهُ حَتَّى قَذَفَ رَجُلًا آخَرَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَ مَضَى مِثْلُ السَّوْطِ وَالْأَسْوَاطِ الْيَسِيرَةِ قَالَ أَشْهَبُ وَالْعَشَرَةُ الْأَسْوَاطِ يَسِيرَةٌ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى وَيُجْزِيهِ لَهُمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا جُلِدَ مِنْ الْحَدِّ الْأَوَّلِ شَيْئًا، ثُمَّ قَذَفَ ثَانِيًا فَإِنَّهُ يَأْتَنِفُ مِنْ حِينِ الثَّانِيَةِ وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَإِنْ بَقِيَ مِثْلُ سَوْطٍ أَوْ أَسْوَاطٍ أَتَمَّ، ثُمَّ ابْتَدَأَ حَدًّا ثَانِيًا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا أَيْسَرُ الْحَدِّ مِثْلُ الْعَشَرَةِ وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ فَلْيُتِمَّ الْحَدَّ ثُمَّ يُؤْتَنَفُ قَالَ أَشْهَبُ: وَإِنْ ضُرِبَ نِصْفَ الْحَدِّ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ قَلِيلًا فَلْيُؤْتَنَفْ حِينَئِذٍ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ مَضَى مِثْلُ الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ وَنَحْوِهِمَا ابْتَدَأَ لَهُمَا فَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ إذَا ذَهَبَ الْيَسِيرُ تَمَادَى وَأَجْزَأَ الْحَدُّ لَهُمَا، وَقِسْمٌ ثَانٍ إذَا مَضَى نِصْفُ الْحَدِّ أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ اُسْتُؤْنِفَ لَهُمَا فَكَانَ مِنْ حَدِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يُتِمُّ لِلْمَقْذُوفِ الثَّانِي بَقِيَّةَ حَدِّهِ مِنْ حِينِ قُذِفَ، وَقِسْمٌ ثَالِثٌ أَنْ لَا يَبْقَى إلَّا الْيَسِيرُ مِنْ الْحَدِّ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الْحَدَّ الْأَوَّلَ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ لِلثَّانِي وَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَتَى مَضَى شَيْءٌ مِنْ الْحَدِّ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يُسْتَأْنَفُ مِنْ حِينِ الْقَذْفِ الثَّانِي لَهُمَا وَلَا يَحْسِبُ بِمَا مَضَى مِنْ الْحَدِّ الْأَوَّلِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَبْقَى الْيَسِيرُ فَيُتِمُّ حَدَّ الْأَوَّلِ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْحَدَّ لِلثَّانِي فَلَا يَتَدَاخَلُ الْحَدَّانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَذَفَ مَجْهُولًا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَرُوِيَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِجَمَاعَةٍ أَحَدُكُمْ زَانٍ وَابْنُ زَانِيَةٍ فَلَا يُحَدُّ إذْ لَا يُعْرَفُ مَنْ أَرَادَ، وَإِنْ أَقَامَ بِهِ جَمِيعُهُمْ فَقَدْ قِيلَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَامَ بِهِ أَحَدُهُمْ فَادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا بِالْبَيَانِ أَنَّهُ أَرَادَهُ، وَلَوْ عُرِفَ مَنْ أَرَادَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحُدَّهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ حَدَّ الْمَقْذُوفِ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِهِ أَنْ يَقُومَ بِهِ وَلِيُّهُ فَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ الْمَقْذُوفُ لَمْ يَصِحَّ قِيَامُ أَحَدٍ بِهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِهِ عِنْدَهُ مَنْ هُوَ وَلِيٌّ فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَمِعَ الْإِمَامُ رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَهُ فَإِذَا قَامَ بِهِ، وَثَبَتَ عِنْدَهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِ الْقَائِمِ بِهِ الْعَفْوُ عَنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا زَوْجَ الزَّانِيَةِ وَتَحْتَهُ امْرَأَتَانِ فَعَفَتْ إحْدَاهُمَا وَقَامَتْ الْأُخْرَى تَطْلُبُهُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ مَا أَرَادَ إلَّا الَّتِي عَفَتْ، وَيَبْرَأُ فَإِنْ نَكَلَ حُدَّ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ عَفْوَ الْمَقْذُوفِ قَبْلَ الْقِيَامِ لَازِمٌ لَهُ وَجَائِزٌ عَلَيْهِ فَلَمَّا عَفَتْ إحْدَاهُمَا عَنْهُ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ قَامَتْ الثَّانِيَةُ، وَكَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا أَنَّهُ أَرَادَهَا حَلَفَ أَنَّهُ مَا أَرَادَهَا فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ حُدَّ لِلَّتِي قَامَتْ، وَإِنْ حَلَفَ ثَبَتَ قَذْفُهُ لِلَّتِي عَفَتْ فَسَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ.
(فَرْعٌ) وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ إحْدَاهُمَا إنْ قَامَتْ وَقَدْ عَفَتْ الْأُخْرَى حَلَفَ لَهَا وَإِلَّا حُدَّ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي الْقَائِلِ لِجَمَاعَةٍ أَحَدُكُمْ زَانٍ إنْ قَامَ بِهِ أَحَدُهُمْ فَادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا بِالْبَيَانِ يُرِيدُ أَنَّهُ أَرَادَهُ، وَإِنْ قَامَ جَمِيعُهُمْ فَقَدْ قِيلَ لَا يُحَدُّ لَهُمْ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ خَرَجُوا بِكَثْرَتِهِمْ عَنْ حَدِّ التَّعْيِينِ، وَأَنَّ الِاثْنَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْعُتْبِيَّةِ وَمَا قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَيِّزِ الْمُعَيَّنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافًا مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 2058
وَأُمِّهِ مَدْحٌ غَيْرُ هَذَا نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ الْحَدَّ فَجَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ ثَمَانِينَ، وَقَالَ مَالِكٌ لَا حَدَّ عِنْدَنَا إلَّا فِي نَفْيٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ تَعْرِيضٍ يَرَى أَنَّ قَائِلَهُ إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ نَفْيًا أَوْ قَذْفًا فَعَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْحَدُّ تَامًّا) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتَبَّا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لِلْآخَرِ وَاَللَّهِ مَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَالَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُشَاتَمَةِ، وَالْمَفْهُومُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ مِنْ هَذَا إضَافَةُ مِثْلِ هَذَا إلَى أُمِّ الْمَسْبُوبِ وَفَجْرُهُ عَلَيْهِ بِسَلَامَةِ أُمِّهِ بِذَلِكَ مَعَ شَاهِدِ الْحَالِ مِنْ الْمُشَاتَمَةِ يَقْتَضِي أَنَّ أُمَّ الْمَسْبُوبِ مَعِيبَةٌ بِذَلِكَ، وَلَوْ اسْتَوَيَا فِي السَّلَامَةِ لَمْ يَكُنْ هَذَا وَقْتَ ذِكْرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ مَزِيَّةً لِلسَّابِّ عَلَى الْمَسْبُوبِ، وَلَمَّا كَانَ اللَّفْظُ فِيهِ بَعْضُ احْتِمَالٍ، وَيَحْتَاجُ فِي كَوْنِهِ قَذْفًا إلَى نَوْعٍ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ أَوْ التَّأْوِيلِ أَوْ الْعُدُولِ عَنْ ظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ اسْتَشَارَ فِيهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عُلَمَاءَ الصَّحَابَةِ فَتَعَلَّقَ بَعْضُهُمْ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَقَالَ مَدَحَ أَبَاهُ، وَتَعَلَّقَ بَعْضُهُمْ بِالْمَفْهُومِ مِنْهُ مَعَ شَاهِدِ الْحَالِ، وَقَدْ كَانَ لِأُمِّهِ مَدْحٌ غَيْرُ هَذَا يُرِيدُ لَيْسَ هَذَا مِمَّا يَقْصِدُ بِهِ الْإِنْسَانُ مَدْحَ أُمِّهِ، وَإِنَّمَا يَمْدَحُهُ بِالصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ فِي الْغَالِبِ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ إلَى وَصْفِهَا بِهَذَا الْبِرَّ فِي فَضْلِهَا عَلَى مَنْ يُوجَدُ فِيهَا هَذِهِ الْمَعَايِبُ لَا سِيَّمَا مَعَ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ مِنْ حَالِ الْمُشَاتَمَةِ وَقَصْدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى ذَمِّ الْآخَرِ وَذَمِّ أَبَوَيْهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي ذِكْرَ أَبِيهِ مِنْ الْفَضَائِلِ بِمَا يُوجَدُ فِي أَبِ مَنْ شَاتَمَهُ ضِدُّ ذَلِكَ مِنْ الْمَثَالِبِ، وَلِذَلِكَ أَخَذَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِقَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ فِيهِ حَدَّ الْقَذْفِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ قَالَ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُجْلَدَ أَحَدٌ حَدَّ قَذْفٍ إلَّا فِي قَذْفٍ مُصَرَّحٍ أَوْ تَعْرِيضٍ أَوْ حَمْلٍ يَظْهَرُ بِامْرَأَةٍ غَيْرِ طَارِئَةٍ، وَقَدْ جَلَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي التَّعْرِيضِ، وَقَالَ حَقُّ اللَّهِ لَا تُرْعَى جَوَانِبُهُ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَيْسَ فِي التَّعْرِيضِ حَدٌّ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَفْظٌ يُفْهَمُ مِنْهُ الْقَذْفُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا أَصْلُهُ التَّصْرِيحُ قَالَ فَإِنْ مَنَعُوا أَنْ يَكُونَ قَذْفًا فَقَدْ أَحَالُوا الْمَسْأَلَةَ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يُفْهَمُ بِالتَّصْرِيحِ فَإِذَا لَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا حَدَّ فِيهِ، وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ عُرْفَ التَّخَاطُبِ يَنْفِي مَا قَالُوا؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يُسَمُّونَ التَّعْرِيضَ بِمَا فُهِمَ مِنْهُ مَعْنَى التَّصْرِيحِ، وَلِذَلِكَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ ﵇ أَنَّهُمْ قَالُوا ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا ضِدَّ ذَلِكَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَيْضًا أَنَّ الْعِلْمَ بِمَقَاصِدِ الْمُخَاطِبِ يُعْلَمُ بِالْمُشَاهَدَةِ ضَرُورَةً كَمَا يُعْلَمُ ضَرُورَةً الْعِلْمُ بِمَا يَقَعُ مِنْهُ مِنْ خَجَلٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ جَزَعٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ اسْتِعْمَالٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ فِي مُشَاتَمَةٍ إنِّي لَعَفِيفُ الْفَرْجِ وَمَا أَنَا بِزَانٍ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مَنْ قَالَ لِامْرَأَةٍ فِي مُشَاتَمَةٍ إنِّي لَعَفِيفٌ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَوْ قَالَهُ لِرَجُلٍ عَلَيْهِ الْحَدُّ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ عَفِيفٌ فِي الْمَكْسَبِ وَالْمَطْعَمِ فَيَحْلِفُ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَيَنْكُلُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يُعَرَّضُ لَهَا بِذِكْرِ الْعَفَافِ فِي الْمَكْسَبِ، وَالرَّجُلَ يُعَرَّضُ لَهُ بِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَمَنْ قَالَ فِي مُشَاتَمَتِهِ إنَّك لَعَفِيفُ الْفَرْجِ حُدَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ قَالَ فَعَلْت بِفُلَانَةَ فِي أَعْكَانِهَا أَوْ بَيْنَ فَخِذَيْهَا حُدَّ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُحَدُّ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَا قَالَ هُوَ مِنْ التَّعْرِيضِ بَلْ هُوَ أَشَدُّ مِنْ التَّعْرِيضِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْجِمَاعُ فَلَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ قَذَفَهَا بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا ابْنَ الْعَفِيفَةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ يَحْلِفُ مَا أَرَادَ الْقَذْفَ وَيُعَاقَبُ وَقَالَ أَصْبَغُ إنْ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُشَاتَمَةِ حُدَّ.
(فَصْلٌ) :
وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ مَا لَك أَصْلٌ وَلَا فَصْلٌ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ أَصْبَغُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَقِيلَ أَلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَرَبِ فَفِيهِ الْحَدُّ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ إنَّهُ إنَّمَا نَفَى صِفَةَ أَصْلِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْفِيَ بِذَلِكَ الشَّرَفَ وَأَمَّا أَصْلُهُ فَمَحَلُّ نَفْيِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا لَهُ أَصْلٌ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي
стр. 2059
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ إذَا نَفَى رَجُلٌ رَجُلًا مِنْ أَبِيهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّ الَّذِي نُفِيَ مَمْلُوكَةً فَإِنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ) .
ــ
[المنتقى]
نَفْيَ النَّسَبِ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْحَدَّ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ أَنَّ الْعَرَبَ هِيَ الَّتِي تَتَمَاسَكُ بِالْأَنْسَابِ وَتُحَافِظُ عَلَيْهَا دُونَ الْعَجَمِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ يَا ابْنَ مُنْزِلَةِ الرُّكْبَانِ فَفِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ يُحَدُّ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ يَا ابْنَ ذَاتِ الرَّايَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْمَرْأَةُ الْبَغِيُّ تُنْزِلُ الرُّكْبَانَ، وَتَجْعَلُ عَلَى بَابِهَا رَايَةً وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ أَنَا أَفْتَرِي عَلَيْك وَأَنَا أَقْذِفُك فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ الْفَاحِشَةَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِي الْأَجَانِبِ، وَأَمَّا الْأَبُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يُحَدُّ فِي التَّعْرِيضِ بِابْنِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَا عُلِمَ وَجُبِلَ عَلَيْهِ الْأَبُ مِنْ مَحَبَّةِ الْوَلَدِ وَالْإِشْفَاقِ عَلَيْهِ وَالْحِرْصِ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَدَفْعِ الذَّمِّ عَنْهُ، يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَتَنَاوَلَ فِي لَفْظٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقَذْفَ وَإِضَافَةَ الْعَيْبِ إلَيْهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ، وَهَذَا كَمَا قُلْنَا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَوْ قُتِلَ بِهِ الْأَجْنَبِيُّ لَقُتِلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَدْرَأَ عَنْهُ عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ فَإِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَلَا يَجِبُ أَنْ يُحَدَّ الِابْنُ بِالتَّعْرِيضِ لِلْأَبِ؛ لِأَنَّ حِرْصَ الْوَلَدِ عَلَى إطْرَاءِ الْوَالِدِ وَدَفْعِ الْمَعَايِبِ عَنْهُ أَمْرٌ جُبِلَ عَلَيْهِ الْأَبْنَاءُ كَالْأَبِ فِي حَقِّ الِابْنِ وَأَكْثَرُ وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ أَصْبَغَ فَيُحْتَمَلُ الْوَجْهَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ فِي الرَّجُلِ يَنْفِي الرَّجُلَ مِنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَذَلِكَ إذَا نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ فَقَدْ رَمَى أُمَّهُ بِالزِّنَا وَقَطَعَ نَسَبَهُ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ يُوجِبُ حَدَّ الْقَذْفِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ عَنْ أَبِيهِ أَوْ يَنْسِبَهُ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَأَمَّا نَفْيُهُ عَنْ أَبِيهِ فَبِأَنْ يَقُولَ لَهُ لَسْت ابْنَ فُلَانٍ وَيُسَمِّي أَبَاهُ الْمَعْرُوفَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَسْت لِأَبِيك.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْقَائِلِ لِلْمُسْلِمِ لَيْسَ أَبُوك فُلَانًا يَعْنِي جَدَّهُ، ثُمَّ قَالَ إنَّمَا أَرَدْت لَيْسَ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ وَلَمْ أُرِدْ نَفْيَهُ حُدَّ وَلَمْ يُصَدَّقْ قَالَ أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَجْهٌ مِثْلَ أَنْ يَسْمَعَهُ يَقُولُ أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَيَذْكُرُ جَدَّهُ فَيَقُولُ لَيْسَ بِأَبِيك.
(فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ مَجْهُولٍ فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَمْ يُحَدَّ قَالَ مُحَمَّدٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَجْهُولِينَ لَا يَثْبُتُ بَيْنَهُمْ مَا ادَّعَوْهُ مِنْ الْأَنْسَابِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَمَنْ نَفَى رَجُلًا مِنْ جَدِّهِ فَقَالَ لَسْت ابْنَ فُلَانٍ يُرِيدُ جَدَّهُ وَإِنْ كَانَ الْجَدُّ مُشْرِكًا حُدَّ مِثْلَ نَفْيِهِ عَنْ أَبِيهِ الْعَبْدِ أَوْ الْمُشْرِكِ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ أَصْبَغَ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ نَفَى نَصْرَانِيًّا عَنْ أَبِيهِ وَلِلنَّصْرَانِيِّ وَلَدٌ مُسْلِمٌ لَمْ يُحَدَّ حَتَّى يَقُولَ لِلْمُسْلِمِ لَيْسَ أَبُوك فُلَانًا يَعْنِي الْجَدَّ مَا لَمْ يَكُنْ أَبُوهُ وَجَدُّهُ مَجْهُولًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا نَفَى النَّصْرَانِيَّ عَنْ أَبِيهِ فَإِنَّمَا تَنَاوَلَ نَفْيُهُ قَطْعَ النَّصْرَانِيِّ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ كَمَا لَا يُوجِبُهُ قَذْفُهُ وَإِنْ نَفَى الْمُسْلِمَ عَنْ نَسَبِهِ الْمَعْلُومَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمُسْلِمِ وَقَدْ قَطَعَ نَسَبَهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَا أَبَ لَك فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ النَّفْيَ، وَهَذَا مِمَّا يَقُولُهُ النَّاسُ عَلَى الرِّضَا، وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى الْمُشَاتَمَةِ وَالْغَضَبِ فَذَلِكَ شَدِيدٌ وَلْيَحْلِفْ مَا أَرَادَ نَفْيَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا لَفْظٌ جَرَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ بِاسْتِعْمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ النَّفْيِ فَإِذَا اقْتَرَنَ بِذَلِكَ مِنْ شَاهِدِ الْحَالِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ النَّفْيِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُعْتَادِ، وَإِذَا اقْتَرَنَ بِهِ مِنْ الْمُشَاتَمَةِ وَالْمُضَاجَرَةِ مَا يُقَوِّي شُبْهَةَ الْقَذْفِ أُحْلِفَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ الْقَذْفَ لَمَّا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ لَيْسَ لَك أَصْلٌ وَلَا فَصْلٌ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ فِيهِ الْحَدُّ وَقِيلَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَرَبِ فَفِيهِ الْحَدُّ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إنْ قَالَهُ فِي مُشَاتَمَةٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْعَرَبِ فَفِيهِ الْأَدَبُ الْخَفِيفُ مَعَ السَّجْنِ وَإِنْ قَالَهُ لِعَرَبِيٍّ حُدَّ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ نَسَبَهُ إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ فَيَحْلِفَ مَا أَرَادَ قَطْعَ نَسَبِهِ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى مَنْ قَالَهُ لِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَحْلِفُ حُدَّ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْقَذْفِ وَقَطْعِ النَّسَبِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ أَنْ يُنْسَبَ إلَى الضَّعَةِ وَالْخُمُولِ وَنَفْيِ الشَّرَفِ فَلَا يَجِبُ ذَلِكَ الْحَدُّ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بِهِ الْعُقُوبَةُ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ مُقْتَضَى اللَّفْظِ فِي مَوْضُوعِ اللُّغَةِ نَفْيُ النَّسَبِ وَلَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ
стр. 2060
مَا لَا حَدَّ فِيهِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ إنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي الْأَمَةِ يَقَعُ بِهَا الرَّجُلُ وَلَهُ فِيهَا شِرْكٌ أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَأَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَتُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْجَارِيَةُ حِينَ حَمَلَتْ فَيُعْطَى شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ مِنْ الثَّمَنِ وَتَكُونُ الْجَارِيَةُ لَهُ
ــ
[المنتقى]
إلَّا فِي مُشَاتَمَةٍ فَحُمِلَ عَلَى ذَلِكَ وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ أَنَّ الْعَرَبَ هِيَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْأَنْسَابِ، وَيُتَوَاصَلُ بِهَا وَتَتَفَاخَرُ بِاتِّصَالِهَا وَتَذُمُّ بِانْقِطَاعِهَا فَاخْتَصَّ هَذَا الْحُكْمُ بِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ نَسَبَ رَجُلًا إلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ أَنْتَ ابْنُ فُلَانٍ نَسَبَهُ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ غَيْرِ جَدِّهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْهُ عَلَى سِبَابٍ وَلَا غَضَبٍ إلَّا أَنْ يَقُولَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُحَدُّ إلَّا أَنْ يَقُولَهُ عَلَى وَجْهِ السِّبَابِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقُولُهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ.
(فَرْعٌ) وَلَوْ نَسَبَهُ إلَى جَدِّهِ فِي مُشَاتَمَةٍ لَمْ يُحَدَّ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ يُحَدُّ قَالَ مُحَمَّدٌ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَحَبُّ إلَيَّ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهُ أَرَادَ الْقَذْفَ مِثْلَ أَنْ يَتَّهِمَ الْجَدَّ بِأُمِّهِ وَنَحْوِهِ، وَإِلَّا لَمْ يُحَدَّ فَقَدْ نُسِبَ إلَيْهِ لِشَبَهِهِ فِي خَلْقٍ أَوْ طَبْعٍ.
١ -
(فَرْعٌ) وَمَنْ نَسَبَ رَجُلًا إلَى عَمٍّ أَوْ خَالٍ أَوْ زَوْجِ أُمِّهِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ أَشْهَبُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَقُولَهُ فِي مُشَاتَمَةٍ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَمُحَمَّدٌ قَالَ أَصْبَغُ وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَمَّ أَبًا فَقَالَ ﴿إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا ابْنَ الْبَرْبَرِيِّ أَوْ يَا ابْنَ النَّبَطِيِّ فَإِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لِعَرَبِيٍّ حُدَّ، وَإِنْ كَانَ قَالَهُ لِمَوْلًى فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنْ قَالَ لَهُ يَا ابْنَ الْبَرْبَرِيِّ وَأَبُوهُ فَارِسِيٌّ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي الْبَيَاضِ كُلِّهِ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ أَسْوَدَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي السَّوَادِ كُلِّهِ إذَا نَسَبَهُ إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ السَّوَادِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبْيَضَ فَيَكُونَ ذَلِكَ نَفْيًا وَيُحَدُّ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِأَسْوَدَ يَا ابْنَ الْفَارِسِيِّ فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ قَالَ لِمَوْلًى يَا ابْنَ الْأَسْوَدِ حُدَّ، وَمَنْ قَالَ لَهُ يَا ابْنَ الْحَبَشِيِّ لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّ مَنْ دَعَا مَوْلًى إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ لَمْ يُحَدَّ، وَإِنْ دَعَاهُ إلَى غَيْرِ لَوْنِهِ وَصِفَتِهِ حُدَّ، وَكَذَلِكَ مَنْ خَرَجَ بِهِ إلَى لَوْنٍ لَيْسَ فِي آبَائِهِ ذَلِكَ اللَّوْنُ حُدَّ مِثْلُ يَا ابْنَ الْأَزْرَقِ أَوْ الْأَصْهَبِ أَوْ الْأَبْيَضِ أَوْ الْأَحْمَرِ أَوْ الْأَعْوَرِ أَوْ الْأَقْطَعِ فَفِيهِ الْحَدُّ، وَإِنْ قَالَ لِمَوْلًى إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي آبَائِهِ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ لَمْ يُحَدَّ يُرِيدُ فِي قَوْلِهِ يَا ابْنَ كَذَا قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ قَالَ لِنُوبِيٍّ يَا ابْنَ الْأَسْوَدِ فَهَذَا قَرِيبٌ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَبْيَضِ يَنْسِبُهُ إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ أَوْ وَصْفِهِ بِصِفَةِ ذَلِكَ الْجِنْسِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَصَفَهُ بِصِفَةِ غَيْرِ ذَلِكَ الْجِنْسِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ السُّودَانِ فَيَصِفَهُ بِالْبَيَاضِ، أَوْ يَصِفَهُ بِصِفَةٍ لَا تَخْتَصُّ بِجِنْسٍ لَكِنَّهَا مَعْدُومَةٌ فِي آبَائِهِ فَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَدُّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ يَا ابْنَ الْيَهُودِيِّ أَوْ يَا ابْنَ النَّصْرَانِيِّ أَوْ يَا ابْنَ عَابِدِ وَثَنٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي آبَائِهِ مَنْ هُوَ عَلَى ذَلِكَ فَيُنَكَّلُ قَالَ أَشْهَبُ لَا يُحَدُّ إذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَفْيًا، وَلَوْ قَالَ لَهُ يَا ابْنَ الْخَيَّاطِ أَوْ الْحَدَّادِ أَوْ يَا ابْنَ الْحَائِكِ أَوْ يَا ابْنَ الْحَجَّامِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ عَرَبِيًّا حُدَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي آبَائِهِ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ، وَقَالَ هُمَا سَوَاءٌ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَيَحْلِفُ مَا أَرَادَ نَفْيًا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ أَبُوك الَّذِي وَلَدَك حَجَّامٌ أَوْ حَائِكٌ فَلَا حَدَّ فِيهِ وَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ أُمُّ الَّذِي نُفِيَ مَمْلُوكَةً فَإِنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ، يُرِيدُ أَنَّ الْحَدَّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِقَطْعِ نَسَبِهِ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا وَلَدَ الزِّنَا أَوْ أَنْتَ لِزِنًا أَوْ وَلَدَ زَنْيَةٍ أَوْ فَرْخَ زِنًا فَالْحَدُّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ مَمْلُوكَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَأَبُوهُ وَحْدَهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ تَوَجَّهَ إلَى الْمُسْلِمِ الْمَقْذُوفِ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ وَأُمُّهُ مَمْلُوكَةٌ أَوْ ذِمِّيَّةٌ يُرِيدُ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَذْفَ اخْتَصَّ بِالْأُمِّ، وَقَدْ تَكُونُ زَانِيَةً وَيَثْبُتُ ابْنُهَا مِنْ أَبِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 2061
قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا) .
ــ
[المنتقى]
[مَا لَا حَدَّ فِيهِ]
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ مَنْ وَطِئَ أَمَةً لَهُ فِيهَا شِرْكٌ يُرِيدُ حِصَّةً مِنْ رَقَبَتِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الْحِصَّةُ قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً أَوْ كَانَ الْبَاقِي مِنْهَا لِوَاحِدٍ أَوْ لِجَمَاعَةٍ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ حِصَّتَهُ الَّتِي يَمْلِكُ مِنْهَا شُبْهَةٌ تُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ بَعْضُهَا لَهُ وَبَعْضُهَا حُرٌّ فَوَطِئَهَا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ فِي رَجُلٍ وَطِئَ أَمَةً نِصْفُهَا لَهُ وَنِصْفُهَا حُرٌّ لَمْ يُحَدَّ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ لَهُ فِيهَا شِرْكًا يُوجِبُ لَهَا أَحْكَامَ الرِّقِّ كَالَّتِي نِصْفُهَا رَقِيقٌ لِغَيْرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ تَزَوَّجَ بِأَمَةٍ فَوَطِئَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ بِزَوْجَتِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ قَالَ أَصْبَغُ وَكَذَلِكَ لَوْ أَصْدَقَهَا دَرَاهِمَ فَتَجَهَّزَتْ بِخَادِمٍ فَزَنَى بِالْخَادِمِ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَهُوَ سَوَاءٌ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَشْهَبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ إنَّمَا تَمْلِكُ بِالْعَقْدِ نِصْفَ الْأَمَةِ، وَإِنَّمَا تَمْلِكُ النِّصْفَ الْآخَرَ بِالْبِنَاءِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ وَطِئَهَا بَعْدَ أَنْ بَنَى فَهُوَ زَانٍ يُرْجَمُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ تَمْلِكُ جَمِيعَهَا بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَلِذَلِكَ قَالَ أَشْهَبُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ الَّتِي أَصْدَقَ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ بِامْرَأَتِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْأَصْلِ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي النِّكَاحِ وَأَمَّا قَوْلُ أَصْبَغَ فِي الْجَارِيَةِ الَّتِي تَجَهَّزَتْ بِهَا إلَيْهِ وَاشْتَرَتْهَا بِالصَّدَاقِ فَمَبْنِيٌّ أَيْضًا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَلَى أَصْلٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ مَا اشْتَرَتْهُ الزَّوْجَةُ فَمَا أَصَدَقَتْ مِنْ الدَّرَاهِمِ مِنْ أَمَةٍ أَوْ شُورَةٍ مِمَّا يَتَجَهَّزُ بِهِ النِّسَاءُ لِلْأَزْوَاجِ لَازِمٌ لِلزَّوْجِ، وَكَذَلِكَ إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ كَانَ لَهُ نِصْفُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِالدَّرَاهِمِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ تَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَصْبَغُ إنَّ الزَّوْجَ لَهَا كَالشَّرِيكِ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ وَقَدْ مَاتَتْ الْأَمَةُ كَانَتْ بَيْنَهُمَا وَلَهُمَا نَمَاؤُهَا، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِدُونِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا أَنَّهُ لَا يُحَدُّ فِي وَطْءِ جَارِيَةٍ لَهُ فِيهَا شِرْكٌ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يُعَاقَبُ إنْ لَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلٍ، وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ يُعَاقَبُ وَلَا يُحَدُّ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ يُعَاقَبُ بِمِائَةِ جَلْدَةٍ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعَاقَبُ بِقَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ، وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ لِمَا ارْتَكَبَ مِنْ الْمَحْظُورِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ يُرِيدُ أَنَّهَا إنْ حَمَلَتْ فَإِنَّ الْوَلَدَ لَاحِقٌ بِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ يَلْحَقُهُ فِي النَّسَبِ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ، أَمَّا عَلَى قَوْلِنَا يَلْزَمُهُ بِالْوَطْءِ فَلِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ فِي مِلْكِهِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِنَا يَوْمَ الْحُكْمِ فَلِأَنَّ حِصَّتَهُ مِنْهُ تُعْتَقُ عَلَيْهِ فَيُعْتَقُ الْبَاقِي بِالسَّرَايَةِ وَالِاسْتِيلَادِ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَيُتْبَعُ الْوَاطِئُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْجَارِيَةُ حِينَ حَمَلَتْ عَلَى مَا قَالَ وَلَا تَخْلُو الْجَارِيَةُ إذَا وَطِئَهَا مِنْ أَنْ لَا تَحْمِلَ أَوْ تَحْمِلَ، فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ الشَّرِيكَ مُخَيَّرٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، يُرِيدُ بَيْنَ تَقْوِيمِ حِصَّتِهِ عَلَى الْوَاطِئِ وَبَيْنَ اسْتِمْسَاكِهِ بِهَا وَبَقَائِهَا عَلَى حُكْمِ الشَّرِكَةِ، قَالَ مَالِكٌ: إنْ لَمْ تَحْمِلْ بَقِيَتْ بَيْنَهُمَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ تَصَرُّفَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ تَصَرُّفٌ لَا يُنْقِصُ قِيمَتَهَا فَلَا يُوجِبُ تَقْوِيمَهَا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ اسْتَخْدَمَهَا.
(فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ يَشَأْ الشَّرِيكُ أَنْ يُقَوِّمَهَا فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي نَقْصِهَا قَالَ مُحَمَّدٌ: وَإِنْ قَبَضَهَا لِأَنَّ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهَا فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا نَقَصَهَا، هَذَا أَصْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ كَانَ الْوَاطِئُ مَلِيًّا أَوْ مُعْدَمًا؛ لِأَنَّهُ تُقَوَّمُ عَلَيْهِ حِصَّتُهُ فِي عَدَمِهِ ثُمَّ تُبَاعُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْحِصَّةُ فِي الْقِيمَةِ فَإِنْ وَفَتْ بِالْقِيمَةِ وَإِلَّا اتَّبَعَهُ بِمَا بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ حَمَلَتْ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْجَارِيَةُ حِينَ حَمَلَتْ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْوِيمِ قَالَ مُحَمَّدٌ شَاءَ الشَّرِيكُ أَوْ أَبَى فِي مِلَائِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَلَّقَ الْعِتْقُ بِحِصَّتِهِ لِتَعَدِّيهِ فَلَزِمَ أَنْ تُقَوَّمَ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ مِنْ أَمَةٍ مُشْتَرَكَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُتَعَدِّي مُعْدَمًا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ تَكُونُ حِصَّةُ الْوَاطِئِ مِنْهَا بِحُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْبَاقِي رَقِيقٌ لِشَرِيكِهِ
стр. 2062
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُحِلُّ لِلرَّجُلِ جَارِيَتَهُ أَنَّهُ إنْ أَصَابَهَا الَّذِي أُحِلَّتْ لَهُ قُوِّمَتْ عَلَيْهِ يَوْمَ أَصَابَهَا حَمَلَتْ أَوْ لَمْ تَحْمِلْ، وَدُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ بِذَلِكَ، فَإِنْ حَمَلَتْ أُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ) .
ــ
[المنتقى]
وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ تُقَوَّمُ عَلَيْهِ فِي عَدَمِهِ وَيُتَّبَعُ بِالْقِيمَةِ وَإِلَيْهِ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَعْنًى يَقْتَضِي الْعِتْقَ فَوَجَبَ التَّقْوِيمُ مَعَ الْمَلَاءِ فَلَمْ يَلْزَمْ شَرِيكَهُ أَنْ يُقَوِّمَ عَلَيْهِ فِي الْإِعْسَارِ كَالْعِتْقِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الِاسْتِيلَادَ قَدْ سَرَى فِي جَمِيعِهَا فَكَانَ أَقْوَى مِنْ الْعِتْقِ الَّذِي اخْتَصَّ بِحِصَّتِهِ مِنْهَا.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُلْحَقُ الْوَلَدُ بِأَبِيهِ وَعَلَى أَبِيهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ مِمَّا نَقَصَهَا الْوَطْءُ وَأَبَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَقَوَّمَهَا عَلَيْهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمْ يُقَوِّمْهَا عَلَيْهِ لِلْإِعْسَارِ، وَكَانَ لِحِصَّتِهِ حِصَّةٌ مِنْ الْوَلَدِ وَلَحِقَ بِأَبِيهِ لِشُبْهَةِ حِصَّتِهِ وَدُرِئَ الْحَدُّ عَنْهُ وَعَلَيْهِ كَانَ لَهُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْجِنَايَةَ إنَّمَا هِيَ فِي فِعْلِهِ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَتْ جِنَايَتُهُ مِنْ قِيمَةِ الْخَادِمِ، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَلَيْسَ مِنْ جِنَايَتِهِ، وَإِنَّمَا الْجِنَايَةُ فِي الْوَطْءِ أَوْ الْحَمْلِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ الْقِيمَةَ فَاخْتَارَ التَّمَسُّكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةُ الْجِنَايَةِ، وَإِنَّمَا لَهُ قِيمَةُ الْجِنَايَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَقْوِيمُ الْعَيْنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهَا.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا تُقَوَّمَ عَلَيْهِ فِي الْمَلَاءِ وَذَكَرَ فِي الْمُوَطَّإِ الْقِيمَةَ حِينَ الْحَمْلِ، وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَقَدْ قِيلَ يَوْمَ الْحُكْمِ وَقِيلَ يَوْمَ الْوَطْءِ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا إنْ كَانَ وَطِئَ مِرَارًا فَالشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ قِيمَتِهَا يَوْمَ وُطِئَتْ أَوْ يَوْمَ حَمَلَتْ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَمْلَ هُوَ يَوْمَ تَعَلَّقَ بِهَا مَا يَتَضَمَّنُ الْعِتْقَ وَيُوجِبُ التَّقْوِيمَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ يَوْمَ الْحُكْمِ هُوَ يَوْمَ تَتَعَلَّقُ الْقِيمَةُ بِذِمَّتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقْتَ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ التَّقْوِيمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ أَنَّهُ مَعْنًى وَجَبَ بِهِ التَّقْوِيمُ فَوَجَبَ أَنْ تُعْتَبَرَ الْقِيمَةُ بِوَقْتِهِ كَعِتْقِ الْحِصَّةِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّقْوِيمُ، وَلِذَلِكَ اخْتَارَ ابْنُ الْمَوَّازِ تَخْيِيرَ الشَّرِيكِ بَيْنَ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْوَطْءِ وَالْقِيمَةِ يَوْمَ الْحَمْلِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُقَوِّمَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلِذَلِكَ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَبِنْ بِهَا حَمْلٌ فَرَضِيَ بِإِمْسَاكِهَا، ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ لَمْ تُقَوَّمْ إلَّا يَوْمَ الْحَمْلِ، وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ يُرِيدُ قَوْلَهُ وَتُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْجَارِيَةُ حِينَ حَمَلَتْ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ رَضِيَ إمْسَاكَهَا قَبْلَ ظُهُورِ الْحَمْلِ فَتَأَوَّلَ مُحَمَّدٌ قَوْلَ مَالِكٍ حِينَ حَمَلَتْ عَلَى ذَلِكَ حِينَ اخْتَارَ هُوَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْوَطْءِ وَالْقِيمَةِ يَوْمَ الْحَمْلِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَيُعْطَى شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ يُرِيدُ يُعْطَوْنَ مِنْ الْقِيمَةِ بِقَدْرِ حِصَصِهِمْ مِنْ الْجَارِيَةِ، وَتَكُونُ الْجَارِيَةُ لِلْوَطْءِ أُمَّ وَلَدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ الرَّجُلَ إذَا أَحَلَّ لِلرَّجُلِ وَطْءَ جَارِيَتِهِ يُرِيدُ أَطْلَقَ لَهُ ذَلِكَ وَأَذِنَ لَهُ فِيهِ مَعَ تَمَسُّكِهِ بِرَقَبَتِهَا فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ بِعَقْدٍ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ كَعَقْدِ النِّكَاحِ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ عَقْدٍ فَأَمَّا إذَا كَانَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ مِثْلَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ عَلَى أَنَّهَا أَمَةٌ، وَيُسَلِّمُهَا إلَيْهِ عَلَى ذَلِكَ وَيَطَؤُهَا الزَّوْجُ وَتَحْمِلُ مِنْهُ الْأَمَةُ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ، وَمَا وَلَدَتْ مِنْ هَذَا فَهُوَ رَقِيقٌ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ، وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ رَجُلٍ وَقَالَ لَهُ هِيَ ابْنَتِي فَوَلَدَتْ مِنْ الزَّوْجِ فَلَا حَدَّ عَلَى الزَّوْجِ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْوَلَدِ يَوْمَ الْحُكْمِ مِنْ الْمَوَّازِيَّةِ وَكِتَابِ سَحْنُونٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ وَطْءٌ بِشُبْهَةٍ وَدَخَلَ عَلَى حُرِّيَّةِ وَلَدِهِ فَلَا يُسْتَرَقُّونَ، وَلَمَّا كَانَتْ أُمُّهُمْ أَمَةً كَانَتْ عَلَى الْأَبِ قِيمَتُهُمْ فِي النِّكَاحِ كَالَّتِي غَرَّتْ مِنْ نَفْسِهَا، وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِنِكَاحِهَا وَعَلَيْهِ جَمِيعُ الْمَهْرِ وَمَا وَلَدَتْهُ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ فَهُوَ رَقِيقٌ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَهْرِ إلَّا رُبْعُ دِينَارٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ فَأَدْخَلَ عَلَيْهِ أَمَتَهُ عَلَى أَنَّهَا ابْنَتُهُ فَإِنَّهَا تَكُونُ إنْ حَمَلَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَتَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْوَطْءِ حَمَلَتْ أَمْ لَمْ تَحْمِلْ وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ فِي الْوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَحَلَّ أَمَةً لِرَجُلٍ وَابْنَتُهُ زَوْجَةٌ لَهُ، وَلَوْ عَلِمَ الْوَاطِئُ أَنَّ الَّتِي وَطِئَ غَيْرُ زَوْجَتِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا أَبَاحَ لَهُ
стр. 2063
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقَعُ عَلَى جَارِيَةِ ابْنِهِ أَوْ ابْنَتِهِ أَنَّهُ يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ، وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْجَارِيَةُ حَمَلَتْ أَوْ لَمْ تَحْمِلْ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِ رَجُلٍ خَرَجَ بِجَارِيَةٍ لِامْرَأَتِهِ مَعَهُ فِي سَفَرٍ فَغَارَتْ امْرَأَتُهُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: وَهَبَتْهَا لِي فَقَالَ عُمَرُ لَتَأْتِينِي بِالْبَيِّنَةِ أَوْ لَأَرْمِيَنَّكَ بِالْحِجَارَةِ قَالَ فَاعْتَرَفَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهَا وَهَبَتْهَا لَهُ) .
ــ
[المنتقى]
وَطْأَهَا بِغَيْرِ عَقْدٍ إلَّا مُجَرَّدَ الْإِبَاحَةِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أُعِيرُكهَا تَطَؤُهَا وَرَقَبَتُهَا لِي فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِإِحْلَالٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ حَلَالٍ وَلَكِنَّهُ أَذِنَ فِي الْوَطْءِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ أَنَّ الْوَاطِئَ يَلْزَمُهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ الْوَطْءِ، وَلَا تَرْجِعُ إلَى رَبِّهَا كَانَ لِلْوَاطِئِ مَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَيَتَّبِعُهُ فِي عَدَمِهِ فَإِنْ حَمَلَتْ بِهِ فَهِيَ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ، زَادَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَوْ بِيعَتْ فِي الْقِيمَةِ إذَا لَمْ تَحْمِلْ لَمْ يَجُزْ لِلْمُبِيحِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِقِيمَتِهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ إعَارَةِ الْفَرْجِ غَيْرُ مُبَاحٍ إلَّا أَنَّهُ إذَا فَاتَ صُحِّحَ بِتَمْلِيكِ الْوَاطِئِ الرَّقَبَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ غَيْرِ عَقْدِ نِكَاحٍ إلَّا بِذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أُخْدِمَ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ مَا دَرَأْت بِهِ الْحَدَّ عَنْ الْمُخْدَمِ فَإِنَّهُ تَكُونُ لَهُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ إذَا حَمَلَتْ وَكَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَهِيَ لِرَبِّهَا وَيَلْحَقُ الْوَلَدُ بِأَبِيهِ وَلَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهَا بَعْدَ أَنْ أَيْسَرَ وَذَلِكَ فِيمَا كَثُرَ مِنْ التَّعْمِيرِ كَالسِّنِينَ الْكَثِيرَةِ، وَأَمَّا فِي الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ كَالشَّهْرِ وَنِصْفِ الشَّهْرِ فَيُحَدُّ وَلَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ طُولَ الْمُدَّةِ شُبْهَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ مِنْهَا مَا مَنَعَ سَيِّدَهَا مِنْ بَيْعِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا، وَأَمَّا الْمُدَّةُ الْيَسِيرَةُ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ شُبْهَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْنَعُ السَّيِّدَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَمَرَ بِشِرَاءِ جَارِيَةٍ فَاشْتَرَاهَا لِلْآمِرِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، ثُمَّ وَطِئَهَا فَحَمَلَتْ فَهُوَ زَانٍ، وَيَأْخُذُ الْآمِرُ الْأَمَةَ وَوَلَدُهَا رَقِيقٌ لَهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْآمِرَ قَدْ مَلَكَهَا بِالشِّرَاءِ فَلَا تَزُولُ عَنْ مِلْكِهِ إلَّا بِرِضَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ الْأَبَ إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَهُ فِي مَالِ ابْنِهِ حَقٌّ فَكَانَ كَالشَّرِيكِ يَطَأُ جَارِيَةً لَهُ فِيهَا شِرْكٌ فَيُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ بِمَا لَهُ فِيهَا مِنْ الْحَقِّ، وَتُقَوَّمُ عَلَى الْأَبِ وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ وَلَا يَلْزَمُ تَقْوِيمُهَا عَلَى الشَّرِيكِ إلَّا أَنْ تَحْمِلَ، وَذَلِكَ أَنَّ وَطْءَ الْأَبِ يُحَرِّمُهَا عَلَى الِابْنِ، وَلَا يُحَرِّمُ وَطْءُ الشَّرِيكِ الْأَمَةَ عَلَى شَرِيكِهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ الْخَارِجَ بِجَارِيَةِ امْرَأَتِهِ فِي السَّفَرِ أَصَابَهَا فَرَفَعَتْ ذَلِكَ امْرَأَتُهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا رَفَعَتْ ذَلِكَ إلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَشْهَدَتْ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْوَطْءِ أَهْلَ الْعَدْلِ، وَإِلَّا كَانَتْ قَاذِفَةً لَهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْوَطْءَ وَالشِّرَاءَ وَيُحْتَمَلُ إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِوَطْئِهِ إيَّاهَا وَقَوْلُ الرَّجُلِ وَهَبَتْهَا لِي ادِّعَاءٌ لِإِبَاحَةِ وَطْئِهِ إيَّاهَا مَعَ إقْرَارِهِ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ إنَّمَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ قَالَ اشْتَرَيْت أَمَةَ فُلَانٍ فَوَطِئْتهَا لَا يُكَلَّفُ بَيِّنَةً بِالشِّرَاءِ، وَلَا يُحَدُّ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَعَ امْرَأَةٍ يَطَؤُهَا فَيَقُولُ أَمَتِي فَهَذَا الَّذِي يُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ طَارِئًا، وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَقَرَّ بِوَطْءِ امْرَأَةٍ وَادَّعَى النِّكَاحَ حُدَّ وَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا رُجِمَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَلَيْهِ مَعْنًى يُوجِبُ الْحَدَّ كَمَا لَوْ ثَبَتَ الْوَطْءُ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا لِصَاحِبِهِ الرُّجُوعُ عَنْهُ لِوَجْهٍ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَلِغَيْرِ وَجْهٍ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، فَلِذَلِكَ أَثَّرَ فِيهِ ادِّعَاءُ الْإِبَاحَةِ، وَإِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالْجِمَاعِ لَمْ يَكُنْ لِلزَّانِي الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ إلَى وَجْهٍ وَلَا إلَى غَيْرِ وَجْهٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْإِبَاحَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى فِيمَنْ بِيَدِهِ جَارِيَةٌ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا، وَقَالَ اشْتَرَيْتهَا فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ قَالَ اشْتَرَيْتهَا مِنْك وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ بِالشِّرَاءِ فَقَامَ رَجُلٌ يَدَّعِيهَا، وَيُقِيمُ بَيِّنَةً بِذَلِكَ يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْوَاضِحَةِ إذَا كَانَ الْمُدَّعِي شِرَاءَ الْجَارِيَةِ جَائِزًا لَهَا لَمْ يُحَدَّ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْ شَاهِدًا يَحْلِفُ السَّيِّدُ مَا بَاعَ وَيَأْخُذُهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا، وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَزَادَ وَقَدْ جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
стр. 2064
مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» )
ــ
[المنتقى]
فَقَالَتْ وَطِئَ زَوْجِي جَارِيَتِي فَسَأَلَهُ فَاعْتَرَفَ وَقَالَ بَاعَتْهَا مِنِّي فَقَالَ عُمَرُ أَقِمْ الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا رَجَمْتُك فَاعْتَرَفَتْ زَوْجَتُهُ بِالْبَيْعِ فَتَرَكَهُ فَهَذَا يَدُلُّك فِيمَنْ وَطِئَ جَارِيَةً وَادَّعَى شِرَاءَهَا، وَأَقَرَّ سَيِّدُهَا أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَمَادَى عَلَى إنْكَارِهِ وَحَلَفَ حُدَّ الْوَاطِئُ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ أَقَرَّتْ زَوْجَتُهُ أَوْ تَمَادَتْ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ تَمَادَتْ الزَّوْجَةُ عَلَى الْإِنْكَارِ؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَةَ قَدْ رَجَعَتْ إلَى الْإِقْرَارِ، وَلَوْ تَمَادَتْ عَلَى الْإِنْكَارِ لَحُدَّ وَهُوَ أَشْبَهُ بِقَوْلِ عُمَرَ وَقَدْ رَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ فِي الرَّجُلِ الَّذِي خَرَجَ فِي سَفَرِهِ بِجَارِيَةِ امْرَأَتِهِ فَرَدَّهَا قَدْ حَمَلَتْ فَأَرَادَ عُمَرُ رَجْمَهُ حِينَ رَفَعَتْ ذَلِكَ إلَيْهِ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا وَهَبَتْهَا لَهُ أَسْقَطَ عَنْهُ الْحَدَّ أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِذَلِكَ الْيَوْمَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا فَرْجَهُ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ غَابَتْ عَنَّا لَا نَدْرِي مَنْ هِيَ فَقَالَ هُوَ كَانَتْ أَمَتِي، وَقَدْ بَاعَهَا وَهُوَ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ غَيْرُ ذِي أَمَةٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُصَدَّقُ، وَلَا يُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ، وَلَوْ أَخَذَتْهُ مَعَهَا كَلَّفْته الْبَيِّنَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ طَارِئًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى فِي رَجُلٍ وَطِئَ أَمَةَ رَجُلٍ، فَلَمَّا أُخِذَ مَعَهَا وَرَفَعَهَا إلَى الْإِمَامِ فَإِنْ قَالَ: قَدْ كَانَتْ وَهَبَتْهَا لِي وَصَدَّقَهَا صَاحِبُهَا، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِمَا أَنَّهُ يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ مِثْلَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَقَرَّتْ أَنَّهَا وَهَبَتْهَا لَهُ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ أَنَّهَا لَمَّا اعْتَرَفَتْ حَدَّهَا اُنْظُرْ مَا مَعْنَى ذَلِكَ، وَكَيْفَ تَكُونُ قَاذِفَةً وَهُوَ مُقِرٌّ بِالْوَطْءِ؟ وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ لَا حَدَّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ قَاذِفَةٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً ادَّعَتْ عِنْدَهُ ذَلِكَ عَلَى زَوْجِهَا فَقَالَ إنْ صَدَقْت رَجَمْنَاهُ وَإِنْ كَذَبْتُ جَلَدْنَاك، فَقَالَتْ رُدُّونِي إلَى أَهْلِي غَيْرِي غَيْرِي.
وَقَالَ عَلِيٌّ مَنْ أَتَى جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ رَجَمْته، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى لَا حَدَّ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هِبَتُهَا لَهُ الْجَارِيَةَ أَنْ تَكُونَ وَهَبَتْهُ رَقَبَتَهَا، وَظَنَّتْ أَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا فَلَمَّا وَطِئَهَا غَارَتْ وَأَرَادَتْ إنْكَارَ الْهِبَةِ، ثُمَّ ذَهَبَتْ إلَى الْإِقْرَارِ إمَّا تَحَرُّجًا مِنْ سَفْكِ دَمِهِ أَوْ إشْفَاقًا مِنْ رَجْمِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هِبَتُهَا إبَاحَةَ الْوَطْءِ فَلَمَّا حَمَلَتْ أَرَادَتْ الْقِيَامَ فِي حَقِّهَا، فَلَمَّا سُئِلَتْ عَنْ الْهِبَةِ أَقَرَّتْ بِهَا وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ يُرِيدُ قَطَعَ مَنْ سَرَقَ مِجَنًّا ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَالْأَصْلُ فِي الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» يَتَضَمَّنُ الْقَطْعَ فِي الْعُرُوضِ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهَا، فَقَالَ مَالِكٌ: يُقْطَعُ فِي جَمِيعِ الْمَنْقُولَاتِ الَّتِي يَجُوزُ بَيْعُهَا وَأَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهَا كَانَ أَصْلُهَا مُبَاحًا كَالْمَاءِ وَالصَّيْدِ وَالتُّرَابِ وَالْحَشِيشِ، أَوْ مَحْظُورًا كَالثِّيَابِ وَالْعَقَارِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَا كَانَ أَصْلُهُ مُبَاحًا فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ نَوْعُ مَالٍ يُتَمَوَّلُ مُعْتَادًا كَالثِّيَابِ وَالْعَبِيدِ، وَيُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ الْمُصْحَفَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ سَرَقَ زَيْتًا وَقَعَ فِيهِ فَأْرَةٌ فَمَاتَتْ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ يُقْطَعُ إذَا كَانَ يُسَاوِي لَوْ بِيعَ عَلَى هَذَا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ.
١ -
وَمَنْ سَرَقَ جِلْدَ مَيْتَةٍ غَيْرَ مَدْبُوغٍ لَمْ يُقْطَعْ، وَأَمَّا الْمَدْبُوغُ
стр. 2065
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ يُقْطَعُ وَقِيلَ إذَا كَانَ قِيمَةُ مَا فِيهِ مِنْ الصَّنْعَةِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ قُطِعَ، وَإِلَّا لَمْ يُقْطَعْ وَقَالَ مَالِكٌ لَا قَطْعَ فِي الْمَيْتَةِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِعَظْمِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ سَرَقَ صَلِيبًا مِنْ خَشَبَةٍ أَوْ تِمْثَالًا مِنْ كَنِيسَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ صَلِيبٍ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ قُطِعَ سَرَقَهُ مُسْلِمٌ مِنْ ذِمِّيٍّ أَوْ ذِمِّيٌّ مِنْ مُسْلِمٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ سَرَقَ كَلْبًا نُهِيَ عَنْ اتِّخَاذِهِ لَمْ يُقْطَعْ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ إذَا كَانَ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ يُقْطَعُ، وَإِنْ كُنْت أَنْهَى عَنْ بَيْعِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا قَطْعَ فِي كَلْبٍ لِصَيْدٍ وَلَا لِغَيْرِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ سَرَقَ لَحْمَ أُضْحِيَّةٍ أَوْ جِلْدَهَا فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ يُقْطَعُ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ إنْ سَرَقَهَا قَبْلَ الذَّبْحِ قُطِعَ وَإِنْ سَرَقَهَا بَعْدَ الذَّبْحِ لَمْ يُقْطَعْ لِأَنَّهَا لَا تُبَاعُ فِي فَلَسٍ وَلَا تُورَثُ مَالًا، إنَّمَا تُورَثُ لِتُؤْكَلَ، وَإِنْ سَرَقَهَا مِمَّنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ قُطِعَ؛ لِأَنَّ الْمُعْطِيَ قَدْ مَلَكَهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ سَرَقَ مِزْمَارًا أَوْ عُودًا أَوْ دُفًّا أَوْ كَبَرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمَلَاهِي فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ الْكَسْرِ رُبْعَ دِينَارٍ، وَكَانَ فِيهَا فِضَّةٌ زِنَةُ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَلِمَ بِهَا السَّارِقُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ قُطِعَ سَرَقَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ؛ لِأَنَّ عَلَى الْإِمَامِ كَسْرَهَا عَلَيْهِمْ إذَا أَظْهَرُوهَا، وَأَمَّا الدُّفُّ وَالْكَبَرُ فَإِنَّهُ يُرَاعَى قِيمَتُهُمَا صَحِيحَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَرْخَصَ فِي اللَّعِبِ بِهِمَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَيُقْطَعُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الْمَاءُ إذَا أُحْرِزَ لِوُضُوءٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْحَطَبُ وَالْعَلَفُ وَالتِّبْنُ وَالْوَرْدُ وَالْيَاسَمِينُ وَالرُّمَّانُ وَالرَّمَادُ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَسُرِقَ مِنْ حِرْزِهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» يُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ قِيمَتُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِيعَ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْعَدَدَ قِيمَتُهُ وَنِسْبَتُهُ لَقِيمَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ مُتَعَلِّقٌ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ لِذِكْرِهِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ النِّصَابَ مِنْ الْوَرِقِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَمِنْ الذَّهَبِ رُبْعُ دِينَارٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ الْحَدِيثُ الْمَنْصُوصُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ مَا طَالَ عَلَيَّ وَمَا نَسِيت الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ لِلْوَرِقِ مَدْخَلًا فِي نِصَابِ الْقَطْعِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ لَا تَعَلُّقَ لِلنِّصَابِ بِالْوَرِقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» ، وَهَذَا يُفِيدُ الِاعْتِبَارَ بِالْوَرِقِ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ أَصْلُ مَالٍ مِنْ جِنْسِ أُصُولِ الْأَثْمَانِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ فَاعْتُبِرَ بِهَا فِي نِصَابِ الْقَطْعِ كَالذَّهَبِ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعُرُوضَ تُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ دُونَ الذَّهَبِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ مَا سُرِقَ مِنْهَا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ قُطِعَ سَارِقُهُ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهُ مِنْ الذَّهَبِ رُبْعَ دِينَارٍ، وَإِذَا قَصُرَ عَنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ بَلَغَ رُبْعَ دِينَارٍ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ حَيْثُ يَجْرِي الذَّهَبُ أَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ هَذَا إذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَى نَقْدِ الْبَلَدِ الْوَرِقُ، وَإِذَا كَانَ تَعَامُلُهُمْ بِالذَّهَبِ فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ بِالذَّهَبِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الدَّرَاهِمَ هِيَ الَّتِي جَرَى الْعُرْفُ بِالتَّعَامُلِ بِهَا فِي هَذَا الْقَدْرِ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِهَا فِي قِيمَتِهِ، وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَإِنَّ نِصَابَهَا مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يُتَعَامَلَ بِهَا بِالدَّنَانِيرِ فِي بَلَدِ الذَّهَبِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي قِيمَةِ الْعُرُوضِ بِمَا تُبَاعُ بِهِ غَالِبًا فِي بَلَدِ التَّقْوِيمِ كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَا اُعْتُبِرَ بِهِ النِّصَابُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى وَزْنِهِمَا كَانَ ذَلِكَ دَنِيئًا أَوْ جَيِّدًا نَقْرَةً كَانَ أَوْ تِبْرًا قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَرُجْ بِرَوَاجِ الْعَيْنِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ أَوْ حُلِيًّا وَلَا يُنْظَرُ إلَى
стр. 2066
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ فَإِذَا أَوَاهُ الْمَرَاحُ أَوْ الْجَرِينُ فَالْقَطْعُ فِيمَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» ) .
ــ
[المنتقى]
قِيمَتِهِ يُرِيدُ إلَى مَا تَزِيدُ صِنَاعَةً؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ إذَا تَعَلَّقَتْ بِالْعَيْنِ تَتَعَلَّقُ بِوَزْنِهِ دُونَ قِيمَتِهِ وَدُونَ صِنَاعَتِهِ، وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِصِنَاعَةٍ دُونَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ تَجْرِي عَدَدًا فَكَانَتْ قَائِمَةَ الْوَزْنِ تَعَلَّقَ الْقَطْعُ مِنْهَا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَإِنْ نَقَصَ كُلُّ دِرْهَمٍ خَرُّوبَةً أَوْ ثَلَاثَ حَبَّاتٍ، وَهِيَ تَجُوزُ فَلَا قَطْعَ فِيهَا حَتَّى تَكُونَ قَائِمَةَ الْوَزْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ أَصْبَغَ فَأَمَّا مِثْلُ حَبَّتَيْنِ مِنْ كُلِّ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا جَرَتْ مَجْرَى الْوَازِنَةِ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ فِي الْعِوَضِ فَبِهَا يَتَعَلَّقُ الْقَطْعُ، وَمَا جَرَتْ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُ يَنْقُصُ عِوَضُهَا لِنَقْصِهَا فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأَنْصَافِ وَالْأَرْبَاعِ قَالَ أَشْهَبُ إذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ مَقْطُوعَةً لَمْ يُقْطَعْ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْهَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُرِيدُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَقْصُهَا، وَأَمَّا الذَّهَبُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ بَلَغَ الذَّهَبُ فِي وَزْنِهَا سِتَّةَ قَرَارِيطَ، وَذَلِكَ رُبْعُ دِينَارٍ حِسَابُ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ قِيرَاطًا فِي الدِّينَارِ قُطِعَ سَارِقُهَا، وَإِنْ سَرَقَ قِيرَاطَيْنِ أَوْ مَا دُونَ سِتَّةِ قَرَارِيطَ مِنْ الذَّهَبِ لَمْ يُقْطَعْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ سَرَقَ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ فَلَمْ يُعْلَمْ بِهِ حَتَّى سَرَقَ مَا يَكُونُ فِيهِ مَعَ الْأَوَّلِ الْقَطْعُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْرِقَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ مَا فِيهِ الْقَطْعُ قَالَ: وَلَوْ سَرَقَ قَمْحًا مِنْ بَيْتٍ فَكَانَ يَنْقُلُ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى اجْتَمَعَ مَا فِيهِ الْقَطْعُ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي السَّارِقِ يَدْخُلُ الْبَيْتَ عَشْرَ مَرَّاتٍ مِنْ لَيْلِهِ يَخْرُجُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْهُ بِقِيمَةِ دِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يُخْرِجَ فِي مَرَّةٍ مَا فِيهِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، قَالَ سَحْنُونٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَإِذَا كَانَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ قُطِعَ، وَهَذَا كُلُّهُ وَجْهُ التَّحْيِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَهَذَا عَامٌّ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إذْ الْقَطْعُ شُرِعَ لِلرَّدْعِ عَنْ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَلَوْ عَرَا هَذَا عَنْ الْقَطْعِ لَتَسَبَّبَ إلَى أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِهَذَا الْوَجْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِإِخْرَاجِ رُبْعِ دِينَارٍ مِنْ الْحِرْزِ، وَهَذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ سَرَقَ عَصًا وَشِبْهَهَا مِمَّا لَا يُفَضَّضْ وَالْفِضَّةُ فِيهَا ظَاهِرَةٌ وَهُوَ لَا يَرَى الْفِضَّةَ فَإِنْ رَأَى أَنَّهُ لَمْ يُبْصِرْ الْفِضَّةَ فَوُجِدَ فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ الْفِضَّةَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْعَصَا إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ الْعَصَا دُونَ الْفِضَّةِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَيُقْطَعُ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْفِضَّةُ دَاخِلَهَا فَسَرَقَ الْعَصَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» قَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ الصَّرْفُ حِينَ قَطَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمِجَنِّ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ فَلَا يُنْظَرُ إلَى مَا زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ نَقَصَ، يُرِيدُ أَنَّهُ يُقَرَّرُ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فَصَارَ نِصَابًا لِلْوَرِقِ لِلْمُقَوَّمَاتِ فِي الْقَطْعِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ الْجِنَايَاتِ فَدِينَارُهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا كَالدِّيَةِ وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ بَابِ الزَّكَاةِ فَدِينَارُهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَذَلِكَ أَنَّ نِصَابَ الْوَرِقِ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَنِصَابَ الذَّهَبِ عِشْرُونَ دِينَارًا فَكَانَ كُلُّ دِينَارٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالِاعْتِبَارُ بِقِيمَةِ السَّرِقَةِ حِينَ إخْرَاجِهَا مِنْ الْحِرْزِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ إنَّ الِاعْتِبَارَ يَوْمَ الْقَطْعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا نَقْصٌ حَادِثٌ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ الْقَطْعِ كَنَقْصِ الْعَيْنِ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الثَّمَرَ فِي أَشْجَارِهَا إذَا كَانَ فِي الْحَوَائِطِ وَشِبْهِهَا، وَأَمَّا مَنْ سَرَقَ مِنْ ثَمَرِ نَخْلَةٍ فِي دَارِ رَجُلٍ قَبْلَ أَنْ تُجَدَّ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ يُقْطَعُ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ رُبْعَ دِينَارٍ قَالَ: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَوَائِطِ وَالْبَسَاتِينِ لَمْ يُقْطَعْ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْبُسْتَانَ لَيْسَ بِمَسْكَنٍ وَلَا حِرْزًا لِلنَّخْلِ وَلَا مَا كَانَ مُتَّصِلًا
стр. 2067
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أُتْرُجَّةً فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ أَنْ تُقَوَّمَ فَقُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ فَقَطَعَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَدَهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ مَا طَالَ عَلَيَّ وَمَا نَسِيت الْقَطْعَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا) .
ــ
[المنتقى]
بِهَا اتِّصَالَ خِلْقَةٍ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الزَّرْعِ الْقَائِمِ لَا قَطْعَ فِيهِ، وَإِذَا كَانَتْ النَّخْلَةُ فِي الدَّارِ فَالدَّارُ مَسْكَنٌ وَحِرْزٌ لِمَا كَانَ فِيهَا مِنْ شَجَرَةٍ أَوْ ثَمَرِهَا الْمُتَّصِلِ بِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا جُدَّ التَّمْرُ وَوُضِعَ فِي وَصْلِ النَّخْلَةِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ يُقْطَعُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ حَارِسٍ، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ يُحْصَدُ فَيَجْمَعُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْحَائِطِ لِيُحْمَلَ إلَى الْجَرِينِ فَفِيهِ الْقَطْعُ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي زَرْعِ مِصْرَ يُحْصَدُ وَيُتْرَكُ فِي مَوْضِعِهِ أَيَّامًا يَيْبَسُ لَيْسَ هَذَا جَرِينًا، وَمَا هُوَ عِنْدِي بِالْبَيِّنِ أَنْ يُقْطَعَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَهَذَا أَحَبُّ إلَيْنَا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُقْطَعُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ مَا كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ يُحْرَزُ فِيهِ فَإِنْ وَضَعَهُ لِيُحْمَلَ إلَيْهِ لَيْسَ بِحِرْزٍ لَهُ كَالْمَاشِيَةِ فِي الْمَرْعَى لَيْسَ الْمَرْعَى حِرْزًا لَهَا؛ لِأَنَّهَا تُنْقَلُ مِنْهُ إلَى حِرْزِهَا وَهُوَ الْمَرَاحُ وَالْمَبِيتُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ الْمَقْثَأَةِ حَتَّى تُجْمَعَ فِي الْجَرِينِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُجْمَعُ فِيهِ لَيُحْمَلَ إلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَوْضُوعٌ لِلنَّقْلِ إلَى الْحِرْزِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَيُقْطَعُ فِي الْبَقْلِ إذَا لَمْ يَكُنْ قَائِمًا إذَا حُصِدَ وَحُرِزَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْقَلُ إلَى مَوْضِعٍ يُجْمَعُ فِيهِ، وَلَوْ نُقِلَ إلَى الْمَوْضِعِ يُجْمَعُ فِيهِ لِلْبَيْعِ لَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَقْثَأَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمَاشِيَةَ الَّتِي تَحْرُسُ فِي الْجَبَلِ رَاعِيَةً، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: حَرِيسَةُ الْجَبَلِ كُلُّ شَيْءٍ يَسْرَحُ لِلْمَرْعَى مِنْ بَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الدَّوَابِّ لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُنَا عِنْدَهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحِرْزٍ لَهَا، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْضِعُ مَشْيِهَا وَرَعْيِهَا وَالْمَوْضِعُ مُشْتَرَكٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا أَوَى الْمَاشِيَةَ الْمَرَاحُ فَفِيهَا الْقَطْعُ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ دُورٍ وَلَا تَحْظِيرٍ وَلَا غَلْقٍ وَأَهْلُهَا فِي مُدُنِهِمْ، قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّاعِي يَبْعُدُ بِغَنَمِهِ فَيُدْرِكُهُ اللَّيْلُ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَرَاحًا فَيَجْمَعُهَا، ثُمَّ يَبِيتُ فَيُسْرَقُ مِنْهَا قَالَ يُقْطَعُ السَّارِقُ وَهُوَ كَمَرَاحِهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَوْضِعَ حِرْزًا لَهَا وَمُسْتَقَرًّا فِي مَبِيتِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا جَمَعَ الرَّاعِي غَنَمَهُ فَسَاقَهَا إلَى الْمَرَاحِ فَسُرِقَ مِنْهَا فِي طَرِيقِهَا عَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ فِي الَّذِي يَسُوقُ غَنَمَهُ مِنْ مَرَاحِهَا إلَى سَرْحِهَا فَسَرَقَ مِنْهَا أَحَدٌ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَكَذَلِكَ إذَا رَدَّهَا مِنْ مَسْرَحِهَا إلَى مَرَاحِهَا فَسُرِقَ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ دَخَلَتْ الْقَرْيَةَ فَفِيهَا الْقَطْعُ، وَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ الْمَرَاحَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الْقَرْيَةِ فَهِيَ بَعْدُ مُجْتَمِعَةٌ غَيْرُ سَارِحَةٍ، وَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ أَخَذَتْ فِي السَّرْحِ فَكَانَ لَهَا حُكْمُ السَّارِحَةِ فِي الْجَبَلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِقَوْلِهِ فَجَمَعَهَا وَسَاقَهَا لِلْمَرَاحِ أَنَّهُ أَدْخَلَهَا بُيُوتَ الْقَرْيَةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَجْمَعُهَا غَالِبًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِذَا أَوَى إلَى الْمَرَاحِ وَالْجَرِينِ فَالْقَطْعُ يُرِيدُ إذَا أَوَى إلَى الْمَرَاحِ الْمَاشِيَةَ وَالْجَرِينِ التَّمْرَ فَعَلَّقَ بِهَا الْقَطْعَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حِرْزٌ وَمُسْتَقَرٌّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَوْلُهُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ سَارِقًا سَرَقَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أُتْرُجَّةً فِي الْمُزَنِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ كَانَتْ أُتْرُجَّةً تُؤْكَلُ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ سَمْعَانَ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ ذَهَبٍ كَالْحِمَّصَةِ
стр. 2068
(ص) : (عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ إلَى مَكَّةَ وَمَعَهَا مَوْلَاتَانِ لَهَا وَمَعَهَا غُلَامٌ لِبَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَبَعَثَتْ مَعَ الْمَوْلَاتَيْنِ بِبُرْدٍ مُرَجَّلٍ قَدْ خِيطَ عَلَيْهِ خِرْقَةٌ خَضْرَاءُ قَالَتْ فَأَخَذَ الْغُلَامُ الْبُرْدَ فَفَتَقَ عَنْهُ فَاسْتَخْرَجَهُ، وَجَعَلَ مَكَانَهُ لِبْدًا أَوْ فَرْوَةً وَخَاطَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَدِمَتْ الْمَوْلَاتَانِ الْمَدِينَةَ دَفَعَتَا ذَلِكَ إلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا فَتَقُوا عَنْهُ وَجَدُوا فِيهِ اللِّبْدَ، وَلَمْ يَجِدُوا الْبُرْدَ فَكَلَّمُوا الْمَرْأَتَيْنِ فَكَلَّمَتَا عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ كَتَبَتَا إلَيْهَا، وَاتَّهَمَتَا الْعَبْدَ فَسُئِلَ الْعَبْدُ عَنْ ذَلِكَ فَاعْتَرَفَ فَأَمَرَتْ بِهِ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ فَقُطِعَتْ يَدُهُ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا وَقَالَ مَالِكٌ أَحَبُّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ إلَيَّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَإِنْ ارْتَفَعَ الصَّرْفُ أَوْ اتَّضَعَ ذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» ، وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَطَعَ فِي أُتْرُجَّةٍ قُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ)
ــ
[المنتقى]
قَالَ مَالِكٌ: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا قُوِّمَتْ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ ذَهَبٍ لَمْ تُقَوَّمْ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ إذَا سُرِقَا أَنْ لَا يُقَوَّمَا، وَإِنْ كَانَا مَصُوغَيْنِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ الْأُتْرُجَّةِ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الثَّمَرَةِ الَّتِي تُؤْكَلُ كَمَا يَنْطَلِقُ لَفْظُ الثَّمَرِ وَالْعِنَبِ وَسَائِرِ الْمَطْعُومَاتِ عَلَى الْمَأْكُولِ دُونَ التَّمَاثِيلِ وَهَذَا يَقْتَضِي الْقَطْعَ فِي الْفَوَاكِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَنْ تُقَوَّمَ فَقُوِّمَتْ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُقَوِّمُ السَّرِقَةَ رَجُلٌ وَلَكِنْ رَجُلَانِ عَدْلَانِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ الْإِمَامُ إلَى تَقْوِيمِهِ مِنْ عِتْقِ شِقْصٍ وَغَيْرِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا شَهَادَةٌ تُؤَدَّى عِنْدَ الْحَاكِمِ بِمَا يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ غَالِبًا كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ اجْتَمَعَ عَدْلَانِ عَلَى قِيمَةٍ نُفِّذَ الْحُكْمُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ: وَلَا يُنْظَرُ إلَى مَنْ خَالَفَهُمَا.
وَقَالَ أَيْضًا: إذَا اجْتَمَعَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَرْبَعَةٌ فَشَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى قِيمَةٍ، وَشَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى قِيمَةٍ نَظَرَ الْقَاضِي إلَى أَقْرَبِ الْقِيمَتَيْنِ إلَى السَّدَادِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي أَمَرَ بِذَلِكَ رَجُلَيْنِ فَقَوَّمَا بِمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ أَنْفَذَ الْحُكْمَ، وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى خِلَافِ مَنْ خَالَفَهُمَا وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ سَأَلَ عَنْهَا أَرْبَعَةٌ فَاخْتَلَفُوا شَهِدَ اثْنَانِ بِمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ وَآخَرَانِ بِمَا يَنْفِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ نَظَرَ الْقَاضِي إلَى أَقْرَبِ الْقِيمَتَيْنِ إلَى السَّدَادِ يُرِيدُ أَعَادَ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ وَالسُّؤَالَ عَنْهُ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ إنْ اخْتَلَفُوا أَخَذَ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ ثَمَنُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ إنْ كَانَا عَدْلَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ السَّرِقَةِ لَا يَوْمَ الْقَطْعِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ مَا طَالَ عَلَيَّ وَلَا نَسِيت تُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا رَأَتْ مِنْ حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ تُرِدْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَتْ قَوْلَ غَيْرِهِ لَمْ تَصِفْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مَا نَسِيَ؛ لِأَنَّ نَظَرَهَا الْيَوْمَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهَا الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ يُرِيدُ فِي الذَّهَبِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَقْوِيمًا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُ عَمْرَةَ أَنَّهَا خَرَجَتْ عَائِشَةُ وَمَعَهَا مَوْلَاتَانِ لَهَا تُرِيدُ مُعْتَقَانِ، وَلَا يُسَمَّى مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ مَوْلًى حَتَّى يُعْتَقَ، وَقَوْلُهَا فَبَعَثَتْ مَعَ الْمَوْلَاتَيْنِ بِبُرْدٍ مُرَجَّلٍ فَفَتَقَ الْغُلَامُ الْخِرْقَةَ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْبُرْدِ فَاسْتَخْرَجَ الْبُرْدَ وَجَعَلَ مَكَانَهُ لِبْدًا أَوْ فَرْوَةً، وَخَاطَ عَلَيْهِ فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ بِقَطْعِهِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدْخُلُ عَلَى عَائِشَةَ وَلَا يَنْزِلُ مَعَهَا وَلَا تَأْذَنُ لَهُ فِي الدُّخُولِ إلَى مَوْضِعِهَا، وَإِنَّ الْمَوْلَاتَيْنِ كَانَتَا مَعَهَا فِي مَنْزِلٍ وَاحِدٍ فَأَخَذَ الْغُلَامُ الْبُرْدَ مِنْ مَنْزِلِ عَائِشَةَ وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ فِي الدُّخُولِ إلَيْهِ، وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ حِرْزٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْغُلَامُ كَانَ يُؤْذَنُ لَهُ فِي الدُّخُولِ عَلَى عَائِشَةَ أَوْ عَلَى الْمَوْلَاتَيْنِ إنْ كَانَتَا قَدْ نَزَلَتَا فِي مَوْضِعِ عَائِشَةَ لَكِنَّهُ كَانَ الْمَنْزِلُ مَنْزِلًا لَا تَسْكُنُ فِيهِ عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا
стр. 2069
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مُشْتَرَكًا وَلِعَائِشَةَ ﵂ أَوْ لِلْمَوْلَاتَيْنِ مَوْضِعٌ مُنْفَرِدٌ لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ الْغُلَامُ وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ، فَسَرَقَ مِنْهُ فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ الْقَطْعُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِي الزَّوْجَيْنِ يَسْرِقُ أَحَدُهُمَا مِنْ مَتَاعِ صَاحِبِهِ مِنْ بَيْتٍ قَدْ حَجَرَهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِيهِ إذَا كَانَتْ الدَّارُ غَيْرَ مُشْتَرَكَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا سَاكِنٌ غَيْرُهُمَا فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَكَذَلِكَ مَمَالِيكُهُمَا إذَا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ فَلَا يُقْطَعُ فِيمَا سَرَقَ مِمَّا حُجِرَ عَلَيْهِ مِنْ بُيُوتِهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَضَافَ رَجُلًا فِي دَارِهِ وَهِيَ غَيْرُ مُشْتَرَكَةٍ فَيَسْرِقُ الضَّيْفُ مِنْ بَعْضِ بُيُوتِهَا مِمَّا حُجِرَ عَنْهُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَقَّ خِزَانَةً فِي الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَوْ تَابُوتًا كَبِيرًا فَسَرَقَ مِنْهُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَنْ أَدْخَلَ رَجُلًا مَنْزِلَهُ فَسَرَقَ مَا فِي كُمِّهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ لَوْ سَرَقَ ذَلِكَ أَجِيرُهُ وَلَا زَوْجَتُهُ، وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ سَحْنُونٍ فِي الضَّيْفِ يَسْرِقُ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ الَّذِي قَدْ أُغْلِقَ عَنْهُ أَوْ خِزَانَةٍ فِي الْبَيْتِ مُغْلَقَةٍ أَوْ تَابُوتٍ كَبِيرٍ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ إذَا أَخْرَجَ ذَلِكَ مِمَّا حُجِرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ وُجِدَ فِي الدَّارِ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ صَاحِبِهِ مِنْ بَيْتٍ قَدْ أَغْلَقَهُ عَنْهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ قَدْ أُذِنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ فِيهِ فَفَتَحَهُ لِمَا فِيهِ كَأَخْذِهِ مِنْ مَوْضِعٍ مَسْتُورٍ أَوْ وِعَاءٍ مُغَطًّى أَوْ خَرِيطَةٍ مَخْتُومَةٍ أَوْ احْتِمَالِهِ لِلصُّنْدُوقِ، وَذَلِكَ يَنْفِي الْقَطْعَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ مَوْضِعٍ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْخِيَانَةِ لَا مِنْ بَابِ السَّرِقَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ أَخَذَ السَّرِقَةَ وَأَخْرَجَهَا مِنْ مَوْضِعٍ مُنِعَ مِنْهُ، وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ الدَّارُ مُشْتَرَكَةً.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ دَخَلَ قَوْمٌ إلَى صَنِيعٍ فَيَسْرِقُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَيْتٍ هُمْ فِيهِ أَوْ يُطِرُّ بَعْضُهُمْ مِنْ كُمِّ بَعْضٍ أَوْ يَحِلَّ مِنْ كُمِّهِ أَوْ يَسْرِقَ رِدَاءَهُ أَوْ نَعْلَهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ يُعَاقَبُ وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكُمَّ لَيْسَ بِحِرْزٍ يُرِيدُ أَنَّ الْبَيْتَ قَدْ أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِهِ، وَالْكُمَّ لَيْسَ بِحِرْزٍ فَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ بِالْإِخْرَاجِ مِنْهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَدْخَلَ رَجُلًا دَارِهِ لِعَمَلٍ يَعْمَلُ لَهُ فِيهِ مِنْ خِيَاطَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَيَذْهَبُ وَيَدَعُهُ فَيَسْرِقُ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ أَوْ مِنْ خِزَانَةٍ فِيهِ أَوْ تَابُوتٍ فِيهِ كَبِيرٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُعَاقَبُ وَلَا يُقْطَعُ عَلَيْهِ وَهِيَ خِيَانَةٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّارِ مَعَهُ سَاكِنٌ غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ إذَا كَانَ فِي الدَّارِ سَاكِنٌ مَعَهُ إذَا سَرَقَ مِنْ بَيْتٍ فِي الدَّارِ مُغْلَقٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إنَّمَا يَخْتَصُّ الْإِذْنُ بِالْبَيْتِ الَّذِي صَارَ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سَاكِنٌ فَالْإِذْنُ مُتَعَلِّقٌ بِالدَّارِ كُلِّهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ دَخَلَ حَانُوتَ رَجُلٍ يَسُومُ فِيهِ بَزًّا فَسَرَقَ مِنْهُ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ إنَّمَا دَخَلَ الْمَوْضِعَ بِإِذْنٍ فَإِنَّهُ قَدْ ائْتَمَنَهُ فَلَا يُقْطَعُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ يَدْخُلُهُ النَّاسُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ فَلَيْسَ هَذَا عَلَى الِائْتِمَانِ فَلْيُقْطَعْ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَدْخُلُهُ جَمِيعُ النَّاسِ بِغَيْرِ إذْنٍ لَيْسَ بِحِرْزٍ لِمَا فِيهِ، وَإِنَّمَا حِرْزُ مَا فِيهِ مَوْضِعُهُ فَعَلَى مَنْ أَخَذَهُ وَأَزَالَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ الْقَطْعُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يُدْخَلُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنٍ فَأَذِنَ لِلدَّاخِلِ فَقَدْ ائْتَمَنَهُ وَصَارَ الْمَوْضِعُ الْمَأْذُونُ فِيهِ هُوَ الْحِرْزُ، فَلَا يُقْطَعُ الْمُؤْتَمَنُ وَلَا غَيْرُهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْحَوَانِيتِ الَّتِي فِي السُّوقِ تُدْخَلُ بِغَيْرِ إذْنٍ لَيْسَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْهَا الْقَطْعُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَسُئِلَ الْعَبْدُ عَنْ ذَلِكَ فَاعْتَرَفَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا اعْتَرَفَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ الْبُرْدَ لِصَاحِبِهِ أَوْ أَقَرَّ بِهِ سَيِّدُ الْغُلَامِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِالْبُرْدِ وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ سَيِّدُ الْغُلَامِ، وَإِنَّمَا أَقَرَّ بِهِ الْعَبْدُ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ الْعَبْدُ وَلَا يُقْضَى بِالْبُرْدِ لِمَنْ يَدَّعِيهِ وَيُقِرُّ لَهُ بِهِ الْعَبْدُ، وَيَبْقَى لِلسَّيِّدِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا يَعْرِفُ لِهَذَا فِيهِ حَقًّا، وَلَوْ قَالَ هُوَ بِيَدِ عَبْدِي وَلَا أَدْرِي لِمَنْ هُوَ لِعَبْدِي أَوْ لِغَيْرِهِ فَهُوَ لِلْعَبْدِ أَبَدًا، وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِهِ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا يُقْبَلُ مِنْ إقْرَارِ الْعَبْدِ إلَّا مَا يَنْصَرِفُ إلَى جَسَدِهِ
стр. 2070
(مَا جَاءَ فِي قَطْعِ الْآبِقِ وَالسَّارِقِ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّ عَبْدًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ سَرَقَ وَهُوَ آبِقٌ فَأَرْسَلَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ لِيَقْطَعَ يَدَهُ فَأَبَى سَعِيدٌ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ وَقَالَ لَا تُقْطَعُ يَدُ الْآبِقِ السَّارِقِ إذَا سَرَقَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فِي أَيِّ كِتَابِ اللَّهِ وَجَدْت هَذَا؟ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زُرَيْقِ بْنِ حَكِيمٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَخَذَ عَبْدًا آبِقًا قَدْ سَرَقَ قَالَ فَأَشْكَلَ عَلَيَّ أَمْرُهُ فَكَتَبْت فِيهِ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْوَالِي يَوْمَئِذٍ، قَالَ فَأَخْبَرْته أَنَّنِي كُنْت أَسْمَعُ أَنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ إذَا سَرَقَ وَهُوَ آبِقٌ لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ فَكَتَبَ إلَيَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَقِيضَ كِتَابِي يَقُولُ كَتَبْت إلَيَّ أَنَّكَ كُنْت تَسْمَعُ أَنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ إذَا سَرَقَ لَمْ تُقْطَعُ يَدُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] فَإِنْ بَلَغَتْ سَرِقَتُهُ رُبْعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا فَاقْطَعْ يَدَهُ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانُوا يَقُولُونَ إذَا سَرَقَ الْعَبْدُ الْآبِقُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ قُطِعَ قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ إذَا سَرَقَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ قُطِعَ)
تَرْكُ الشَّفَاعَةِ لِلسَّارِقِ إذَا بَلَغَ السُّلْطَانَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ «أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قِيلَ لَهُ إنَّهُ إنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ فَقَدِمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ الْمَدِينَةَ فَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ فَجَاءَ سَارِقٌ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ فَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَمَرَتْ بِهِ عَائِشَةُ فَقُطِعَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ حُمِلَ إلَى الْأَمِيرِ فَثَبَتَ اعْتِرَافُهُ عِنْدَهُ فَقَطَعَهُ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا تُرِيدُ أَنَّ الْبُرْدَ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَقْصُرُ قِيمَتُهُ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ أَحَبُّ مَا يَجِبُ إلَيَّ فِيهِ الْقَطْعُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ارْتَفَعَ الصَّرْفُ أَوْ اتَّضَعَ يُرِيدُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْوِيمٍ مِمَّا لَيْسَ بِذَهَبٍ وَلَا بِوَرِقٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ إنَّمَا أَوْرَدَتْ ذَلِكَ عَلَى مَا حَفِظَتْ فِي نِصَابِ الذَّهَبِ لَا أَنَّهَا قَصَدَتْ إلَى تَقْوِيمِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهَا لَمَّا عَلِمَتْ أَنَّ الْبُرْدَ يُسَاوِي فَوْقَ رُبْعِ دِينَارٍ، وَأَنَّ الدِّينَارَ صَرْفُهُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا كَانَ ذِكْرُهَا لِلنِّصَابِ مِنْ الذَّهَبِ كَذِكْرِهَا مِنْ الْوَرِقِ، وَآثَرَتْ ذِكْرَ مَا رَأَتْ مِنْ السُّنَّةِ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَحَبُّ إلَيَّ لَمَّا احْتَمَلَ قَوْلُ عَائِشَةَ أَنَّ النِّصَابَ مُقَدَّرٌ بِرُبْعِ دِينَارٍ فِيمَا يَعُودُ إلَى الْقِيمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ عَلَى قَوْلِهِ بِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» وَالْمِجَنُّ مِمَّا يُقَوَّمُ فَلَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ الْقَطْعُ تَعَلَّقَ بِقِيمَتِهِ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ الْوَرِقِ دُونَ قِيمَتِهِ مِنْ الذَّهَبِ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ عُثْمَانُ فَقُوِّمَتْ الْأُتْرُجَّةُ فِي زَمَنِهِ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ فَإِنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى عُرْفِ التَّعَامُلِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[مَا جَاءَ فِي قَطْعِ الْآبِقِ وَالسَّارِقِ]
(هَذَا الْبَابُ لَمْ نَعْثُرْ عَلَى شَرْحٍ لَهُ فِي نُسَخِ الشَّارِحِ الَّتِي بِأَيْدِينَا اهـ) .
[تَرْكُ الشَّفَاعَةِ لِلسَّارِقِ إذَا بَلَغَ السُّلْطَانَ]
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ «أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قِيلَ لَهُ إنَّهُ إنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ فَقَدِمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ الْمَدِينَةَ فَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ فَجَاءَ سَارِقٌ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ فَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
следующие страницы →