Полный текст (2 236 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ فَإِذَا أَوَاهُ الْمَرَاحُ أَوْ الْجَرِينُ فَالْقَطْعُ فِيمَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» ) .
ــ
[المنتقى]
قِيمَتِهِ يُرِيدُ إلَى مَا تَزِيدُ صِنَاعَةً؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ إذَا تَعَلَّقَتْ بِالْعَيْنِ تَتَعَلَّقُ بِوَزْنِهِ دُونَ قِيمَتِهِ وَدُونَ صِنَاعَتِهِ، وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِصِنَاعَةٍ دُونَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ تَجْرِي عَدَدًا فَكَانَتْ قَائِمَةَ الْوَزْنِ تَعَلَّقَ الْقَطْعُ مِنْهَا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَإِنْ نَقَصَ كُلُّ دِرْهَمٍ خَرُّوبَةً أَوْ ثَلَاثَ حَبَّاتٍ، وَهِيَ تَجُوزُ فَلَا قَطْعَ فِيهَا حَتَّى تَكُونَ قَائِمَةَ الْوَزْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ أَصْبَغَ فَأَمَّا مِثْلُ حَبَّتَيْنِ مِنْ كُلِّ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا جَرَتْ مَجْرَى الْوَازِنَةِ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ فِي الْعِوَضِ فَبِهَا يَتَعَلَّقُ الْقَطْعُ، وَمَا جَرَتْ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُ يَنْقُصُ عِوَضُهَا لِنَقْصِهَا فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأَنْصَافِ وَالْأَرْبَاعِ قَالَ أَشْهَبُ إذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ مَقْطُوعَةً لَمْ يُقْطَعْ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْهَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُرِيدُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَقْصُهَا، وَأَمَّا الذَّهَبُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ بَلَغَ الذَّهَبُ فِي وَزْنِهَا سِتَّةَ قَرَارِيطَ، وَذَلِكَ رُبْعُ دِينَارٍ حِسَابُ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ قِيرَاطًا فِي الدِّينَارِ قُطِعَ سَارِقُهَا، وَإِنْ سَرَقَ قِيرَاطَيْنِ أَوْ مَا دُونَ سِتَّةِ قَرَارِيطَ مِنْ الذَّهَبِ لَمْ يُقْطَعْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ سَرَقَ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ فَلَمْ يُعْلَمْ بِهِ حَتَّى سَرَقَ مَا يَكُونُ فِيهِ مَعَ الْأَوَّلِ الْقَطْعُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْرِقَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ مَا فِيهِ الْقَطْعُ قَالَ: وَلَوْ سَرَقَ قَمْحًا مِنْ بَيْتٍ فَكَانَ يَنْقُلُ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى اجْتَمَعَ مَا فِيهِ الْقَطْعُ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي السَّارِقِ يَدْخُلُ الْبَيْتَ عَشْرَ مَرَّاتٍ مِنْ لَيْلِهِ يَخْرُجُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْهُ بِقِيمَةِ دِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يُخْرِجَ فِي مَرَّةٍ مَا فِيهِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، قَالَ سَحْنُونٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَإِذَا كَانَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ قُطِعَ، وَهَذَا كُلُّهُ وَجْهُ التَّحْيِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَهَذَا عَامٌّ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إذْ الْقَطْعُ شُرِعَ لِلرَّدْعِ عَنْ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَلَوْ عَرَا هَذَا عَنْ الْقَطْعِ لَتَسَبَّبَ إلَى أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِهَذَا الْوَجْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِإِخْرَاجِ رُبْعِ دِينَارٍ مِنْ الْحِرْزِ، وَهَذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ سَرَقَ عَصًا وَشِبْهَهَا مِمَّا لَا يُفَضَّضْ وَالْفِضَّةُ فِيهَا ظَاهِرَةٌ وَهُوَ لَا يَرَى الْفِضَّةَ فَإِنْ رَأَى أَنَّهُ لَمْ يُبْصِرْ الْفِضَّةَ فَوُجِدَ فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ الْفِضَّةَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْعَصَا إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ الْعَصَا دُونَ الْفِضَّةِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَيُقْطَعُ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْفِضَّةُ دَاخِلَهَا فَسَرَقَ الْعَصَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» قَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ الصَّرْفُ حِينَ قَطَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمِجَنِّ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ فَلَا يُنْظَرُ إلَى مَا زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ نَقَصَ، يُرِيدُ أَنَّهُ يُقَرَّرُ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فَصَارَ نِصَابًا لِلْوَرِقِ لِلْمُقَوَّمَاتِ فِي الْقَطْعِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ الْجِنَايَاتِ فَدِينَارُهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا كَالدِّيَةِ وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ بَابِ الزَّكَاةِ فَدِينَارُهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَذَلِكَ أَنَّ نِصَابَ الْوَرِقِ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَنِصَابَ الذَّهَبِ عِشْرُونَ دِينَارًا فَكَانَ كُلُّ دِينَارٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالِاعْتِبَارُ بِقِيمَةِ السَّرِقَةِ حِينَ إخْرَاجِهَا مِنْ الْحِرْزِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ إنَّ الِاعْتِبَارَ يَوْمَ الْقَطْعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا نَقْصٌ حَادِثٌ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ الْقَطْعِ كَنَقْصِ الْعَيْنِ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الثَّمَرَ فِي أَشْجَارِهَا إذَا كَانَ فِي الْحَوَائِطِ وَشِبْهِهَا، وَأَمَّا مَنْ سَرَقَ مِنْ ثَمَرِ نَخْلَةٍ فِي دَارِ رَجُلٍ قَبْلَ أَنْ تُجَدَّ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ يُقْطَعُ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ رُبْعَ دِينَارٍ قَالَ: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَوَائِطِ وَالْبَسَاتِينِ لَمْ يُقْطَعْ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْبُسْتَانَ لَيْسَ بِمَسْكَنٍ وَلَا حِرْزًا لِلنَّخْلِ وَلَا مَا كَانَ مُتَّصِلًا
стр. 2067
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أُتْرُجَّةً فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ أَنْ تُقَوَّمَ فَقُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ فَقَطَعَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَدَهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ مَا طَالَ عَلَيَّ وَمَا نَسِيت الْقَطْعَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا) .
ــ
[المنتقى]
بِهَا اتِّصَالَ خِلْقَةٍ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الزَّرْعِ الْقَائِمِ لَا قَطْعَ فِيهِ، وَإِذَا كَانَتْ النَّخْلَةُ فِي الدَّارِ فَالدَّارُ مَسْكَنٌ وَحِرْزٌ لِمَا كَانَ فِيهَا مِنْ شَجَرَةٍ أَوْ ثَمَرِهَا الْمُتَّصِلِ بِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا جُدَّ التَّمْرُ وَوُضِعَ فِي وَصْلِ النَّخْلَةِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ يُقْطَعُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ حَارِسٍ، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ يُحْصَدُ فَيَجْمَعُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْحَائِطِ لِيُحْمَلَ إلَى الْجَرِينِ فَفِيهِ الْقَطْعُ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي زَرْعِ مِصْرَ يُحْصَدُ وَيُتْرَكُ فِي مَوْضِعِهِ أَيَّامًا يَيْبَسُ لَيْسَ هَذَا جَرِينًا، وَمَا هُوَ عِنْدِي بِالْبَيِّنِ أَنْ يُقْطَعَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَهَذَا أَحَبُّ إلَيْنَا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُقْطَعُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ مَا كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ يُحْرَزُ فِيهِ فَإِنْ وَضَعَهُ لِيُحْمَلَ إلَيْهِ لَيْسَ بِحِرْزٍ لَهُ كَالْمَاشِيَةِ فِي الْمَرْعَى لَيْسَ الْمَرْعَى حِرْزًا لَهَا؛ لِأَنَّهَا تُنْقَلُ مِنْهُ إلَى حِرْزِهَا وَهُوَ الْمَرَاحُ وَالْمَبِيتُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ الْمَقْثَأَةِ حَتَّى تُجْمَعَ فِي الْجَرِينِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُجْمَعُ فِيهِ لَيُحْمَلَ إلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَوْضُوعٌ لِلنَّقْلِ إلَى الْحِرْزِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَيُقْطَعُ فِي الْبَقْلِ إذَا لَمْ يَكُنْ قَائِمًا إذَا حُصِدَ وَحُرِزَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْقَلُ إلَى مَوْضِعٍ يُجْمَعُ فِيهِ، وَلَوْ نُقِلَ إلَى الْمَوْضِعِ يُجْمَعُ فِيهِ لِلْبَيْعِ لَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَقْثَأَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمَاشِيَةَ الَّتِي تَحْرُسُ فِي الْجَبَلِ رَاعِيَةً، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: حَرِيسَةُ الْجَبَلِ كُلُّ شَيْءٍ يَسْرَحُ لِلْمَرْعَى مِنْ بَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الدَّوَابِّ لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُنَا عِنْدَهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحِرْزٍ لَهَا، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْضِعُ مَشْيِهَا وَرَعْيِهَا وَالْمَوْضِعُ مُشْتَرَكٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا أَوَى الْمَاشِيَةَ الْمَرَاحُ فَفِيهَا الْقَطْعُ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ دُورٍ وَلَا تَحْظِيرٍ وَلَا غَلْقٍ وَأَهْلُهَا فِي مُدُنِهِمْ، قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّاعِي يَبْعُدُ بِغَنَمِهِ فَيُدْرِكُهُ اللَّيْلُ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَرَاحًا فَيَجْمَعُهَا، ثُمَّ يَبِيتُ فَيُسْرَقُ مِنْهَا قَالَ يُقْطَعُ السَّارِقُ وَهُوَ كَمَرَاحِهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَوْضِعَ حِرْزًا لَهَا وَمُسْتَقَرًّا فِي مَبِيتِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا جَمَعَ الرَّاعِي غَنَمَهُ فَسَاقَهَا إلَى الْمَرَاحِ فَسُرِقَ مِنْهَا فِي طَرِيقِهَا عَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ فِي الَّذِي يَسُوقُ غَنَمَهُ مِنْ مَرَاحِهَا إلَى سَرْحِهَا فَسَرَقَ مِنْهَا أَحَدٌ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَكَذَلِكَ إذَا رَدَّهَا مِنْ مَسْرَحِهَا إلَى مَرَاحِهَا فَسُرِقَ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ دَخَلَتْ الْقَرْيَةَ فَفِيهَا الْقَطْعُ، وَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ الْمَرَاحَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الْقَرْيَةِ فَهِيَ بَعْدُ مُجْتَمِعَةٌ غَيْرُ سَارِحَةٍ، وَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ أَخَذَتْ فِي السَّرْحِ فَكَانَ لَهَا حُكْمُ السَّارِحَةِ فِي الْجَبَلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِقَوْلِهِ فَجَمَعَهَا وَسَاقَهَا لِلْمَرَاحِ أَنَّهُ أَدْخَلَهَا بُيُوتَ الْقَرْيَةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَجْمَعُهَا غَالِبًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِذَا أَوَى إلَى الْمَرَاحِ وَالْجَرِينِ فَالْقَطْعُ يُرِيدُ إذَا أَوَى إلَى الْمَرَاحِ الْمَاشِيَةَ وَالْجَرِينِ التَّمْرَ فَعَلَّقَ بِهَا الْقَطْعَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حِرْزٌ وَمُسْتَقَرٌّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَوْلُهُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ سَارِقًا سَرَقَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أُتْرُجَّةً فِي الْمُزَنِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ كَانَتْ أُتْرُجَّةً تُؤْكَلُ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ سَمْعَانَ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ ذَهَبٍ كَالْحِمَّصَةِ
стр. 2068
(ص) : (عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ إلَى مَكَّةَ وَمَعَهَا مَوْلَاتَانِ لَهَا وَمَعَهَا غُلَامٌ لِبَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَبَعَثَتْ مَعَ الْمَوْلَاتَيْنِ بِبُرْدٍ مُرَجَّلٍ قَدْ خِيطَ عَلَيْهِ خِرْقَةٌ خَضْرَاءُ قَالَتْ فَأَخَذَ الْغُلَامُ الْبُرْدَ فَفَتَقَ عَنْهُ فَاسْتَخْرَجَهُ، وَجَعَلَ مَكَانَهُ لِبْدًا أَوْ فَرْوَةً وَخَاطَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَدِمَتْ الْمَوْلَاتَانِ الْمَدِينَةَ دَفَعَتَا ذَلِكَ إلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا فَتَقُوا عَنْهُ وَجَدُوا فِيهِ اللِّبْدَ، وَلَمْ يَجِدُوا الْبُرْدَ فَكَلَّمُوا الْمَرْأَتَيْنِ فَكَلَّمَتَا عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ كَتَبَتَا إلَيْهَا، وَاتَّهَمَتَا الْعَبْدَ فَسُئِلَ الْعَبْدُ عَنْ ذَلِكَ فَاعْتَرَفَ فَأَمَرَتْ بِهِ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ فَقُطِعَتْ يَدُهُ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا وَقَالَ مَالِكٌ أَحَبُّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ إلَيَّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَإِنْ ارْتَفَعَ الصَّرْفُ أَوْ اتَّضَعَ ذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» ، وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَطَعَ فِي أُتْرُجَّةٍ قُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ)
ــ
[المنتقى]
قَالَ مَالِكٌ: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا قُوِّمَتْ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ ذَهَبٍ لَمْ تُقَوَّمْ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ إذَا سُرِقَا أَنْ لَا يُقَوَّمَا، وَإِنْ كَانَا مَصُوغَيْنِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ الْأُتْرُجَّةِ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الثَّمَرَةِ الَّتِي تُؤْكَلُ كَمَا يَنْطَلِقُ لَفْظُ الثَّمَرِ وَالْعِنَبِ وَسَائِرِ الْمَطْعُومَاتِ عَلَى الْمَأْكُولِ دُونَ التَّمَاثِيلِ وَهَذَا يَقْتَضِي الْقَطْعَ فِي الْفَوَاكِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَنْ تُقَوَّمَ فَقُوِّمَتْ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُقَوِّمُ السَّرِقَةَ رَجُلٌ وَلَكِنْ رَجُلَانِ عَدْلَانِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ الْإِمَامُ إلَى تَقْوِيمِهِ مِنْ عِتْقِ شِقْصٍ وَغَيْرِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا شَهَادَةٌ تُؤَدَّى عِنْدَ الْحَاكِمِ بِمَا يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ غَالِبًا كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ اجْتَمَعَ عَدْلَانِ عَلَى قِيمَةٍ نُفِّذَ الْحُكْمُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ: وَلَا يُنْظَرُ إلَى مَنْ خَالَفَهُمَا.
وَقَالَ أَيْضًا: إذَا اجْتَمَعَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَرْبَعَةٌ فَشَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى قِيمَةٍ، وَشَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى قِيمَةٍ نَظَرَ الْقَاضِي إلَى أَقْرَبِ الْقِيمَتَيْنِ إلَى السَّدَادِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي أَمَرَ بِذَلِكَ رَجُلَيْنِ فَقَوَّمَا بِمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ أَنْفَذَ الْحُكْمَ، وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى خِلَافِ مَنْ خَالَفَهُمَا وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ سَأَلَ عَنْهَا أَرْبَعَةٌ فَاخْتَلَفُوا شَهِدَ اثْنَانِ بِمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ وَآخَرَانِ بِمَا يَنْفِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ نَظَرَ الْقَاضِي إلَى أَقْرَبِ الْقِيمَتَيْنِ إلَى السَّدَادِ يُرِيدُ أَعَادَ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ وَالسُّؤَالَ عَنْهُ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ إنْ اخْتَلَفُوا أَخَذَ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ ثَمَنُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ إنْ كَانَا عَدْلَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ السَّرِقَةِ لَا يَوْمَ الْقَطْعِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ مَا طَالَ عَلَيَّ وَلَا نَسِيت تُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا رَأَتْ مِنْ حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ تُرِدْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَتْ قَوْلَ غَيْرِهِ لَمْ تَصِفْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مَا نَسِيَ؛ لِأَنَّ نَظَرَهَا الْيَوْمَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهَا الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ يُرِيدُ فِي الذَّهَبِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَقْوِيمًا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُ عَمْرَةَ أَنَّهَا خَرَجَتْ عَائِشَةُ وَمَعَهَا مَوْلَاتَانِ لَهَا تُرِيدُ مُعْتَقَانِ، وَلَا يُسَمَّى مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ مَوْلًى حَتَّى يُعْتَقَ، وَقَوْلُهَا فَبَعَثَتْ مَعَ الْمَوْلَاتَيْنِ بِبُرْدٍ مُرَجَّلٍ فَفَتَقَ الْغُلَامُ الْخِرْقَةَ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْبُرْدِ فَاسْتَخْرَجَ الْبُرْدَ وَجَعَلَ مَكَانَهُ لِبْدًا أَوْ فَرْوَةً، وَخَاطَ عَلَيْهِ فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ بِقَطْعِهِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدْخُلُ عَلَى عَائِشَةَ وَلَا يَنْزِلُ مَعَهَا وَلَا تَأْذَنُ لَهُ فِي الدُّخُولِ إلَى مَوْضِعِهَا، وَإِنَّ الْمَوْلَاتَيْنِ كَانَتَا مَعَهَا فِي مَنْزِلٍ وَاحِدٍ فَأَخَذَ الْغُلَامُ الْبُرْدَ مِنْ مَنْزِلِ عَائِشَةَ وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ فِي الدُّخُولِ إلَيْهِ، وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ حِرْزٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْغُلَامُ كَانَ يُؤْذَنُ لَهُ فِي الدُّخُولِ عَلَى عَائِشَةَ أَوْ عَلَى الْمَوْلَاتَيْنِ إنْ كَانَتَا قَدْ نَزَلَتَا فِي مَوْضِعِ عَائِشَةَ لَكِنَّهُ كَانَ الْمَنْزِلُ مَنْزِلًا لَا تَسْكُنُ فِيهِ عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا
стр. 2069
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مُشْتَرَكًا وَلِعَائِشَةَ ﵂ أَوْ لِلْمَوْلَاتَيْنِ مَوْضِعٌ مُنْفَرِدٌ لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ الْغُلَامُ وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ، فَسَرَقَ مِنْهُ فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ الْقَطْعُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِي الزَّوْجَيْنِ يَسْرِقُ أَحَدُهُمَا مِنْ مَتَاعِ صَاحِبِهِ مِنْ بَيْتٍ قَدْ حَجَرَهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِيهِ إذَا كَانَتْ الدَّارُ غَيْرَ مُشْتَرَكَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا سَاكِنٌ غَيْرُهُمَا فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَكَذَلِكَ مَمَالِيكُهُمَا إذَا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ فَلَا يُقْطَعُ فِيمَا سَرَقَ مِمَّا حُجِرَ عَلَيْهِ مِنْ بُيُوتِهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَضَافَ رَجُلًا فِي دَارِهِ وَهِيَ غَيْرُ مُشْتَرَكَةٍ فَيَسْرِقُ الضَّيْفُ مِنْ بَعْضِ بُيُوتِهَا مِمَّا حُجِرَ عَنْهُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَقَّ خِزَانَةً فِي الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَوْ تَابُوتًا كَبِيرًا فَسَرَقَ مِنْهُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَنْ أَدْخَلَ رَجُلًا مَنْزِلَهُ فَسَرَقَ مَا فِي كُمِّهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ لَوْ سَرَقَ ذَلِكَ أَجِيرُهُ وَلَا زَوْجَتُهُ، وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ سَحْنُونٍ فِي الضَّيْفِ يَسْرِقُ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ الَّذِي قَدْ أُغْلِقَ عَنْهُ أَوْ خِزَانَةٍ فِي الْبَيْتِ مُغْلَقَةٍ أَوْ تَابُوتٍ كَبِيرٍ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ إذَا أَخْرَجَ ذَلِكَ مِمَّا حُجِرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ وُجِدَ فِي الدَّارِ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ صَاحِبِهِ مِنْ بَيْتٍ قَدْ أَغْلَقَهُ عَنْهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ قَدْ أُذِنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ فِيهِ فَفَتَحَهُ لِمَا فِيهِ كَأَخْذِهِ مِنْ مَوْضِعٍ مَسْتُورٍ أَوْ وِعَاءٍ مُغَطًّى أَوْ خَرِيطَةٍ مَخْتُومَةٍ أَوْ احْتِمَالِهِ لِلصُّنْدُوقِ، وَذَلِكَ يَنْفِي الْقَطْعَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ مَوْضِعٍ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْخِيَانَةِ لَا مِنْ بَابِ السَّرِقَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ أَخَذَ السَّرِقَةَ وَأَخْرَجَهَا مِنْ مَوْضِعٍ مُنِعَ مِنْهُ، وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ الدَّارُ مُشْتَرَكَةً.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ دَخَلَ قَوْمٌ إلَى صَنِيعٍ فَيَسْرِقُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَيْتٍ هُمْ فِيهِ أَوْ يُطِرُّ بَعْضُهُمْ مِنْ كُمِّ بَعْضٍ أَوْ يَحِلَّ مِنْ كُمِّهِ أَوْ يَسْرِقَ رِدَاءَهُ أَوْ نَعْلَهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ يُعَاقَبُ وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكُمَّ لَيْسَ بِحِرْزٍ يُرِيدُ أَنَّ الْبَيْتَ قَدْ أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِهِ، وَالْكُمَّ لَيْسَ بِحِرْزٍ فَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ بِالْإِخْرَاجِ مِنْهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَدْخَلَ رَجُلًا دَارِهِ لِعَمَلٍ يَعْمَلُ لَهُ فِيهِ مِنْ خِيَاطَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَيَذْهَبُ وَيَدَعُهُ فَيَسْرِقُ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ أَوْ مِنْ خِزَانَةٍ فِيهِ أَوْ تَابُوتٍ فِيهِ كَبِيرٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُعَاقَبُ وَلَا يُقْطَعُ عَلَيْهِ وَهِيَ خِيَانَةٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّارِ مَعَهُ سَاكِنٌ غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ إذَا كَانَ فِي الدَّارِ سَاكِنٌ مَعَهُ إذَا سَرَقَ مِنْ بَيْتٍ فِي الدَّارِ مُغْلَقٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إنَّمَا يَخْتَصُّ الْإِذْنُ بِالْبَيْتِ الَّذِي صَارَ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سَاكِنٌ فَالْإِذْنُ مُتَعَلِّقٌ بِالدَّارِ كُلِّهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ دَخَلَ حَانُوتَ رَجُلٍ يَسُومُ فِيهِ بَزًّا فَسَرَقَ مِنْهُ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ إنَّمَا دَخَلَ الْمَوْضِعَ بِإِذْنٍ فَإِنَّهُ قَدْ ائْتَمَنَهُ فَلَا يُقْطَعُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ يَدْخُلُهُ النَّاسُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ فَلَيْسَ هَذَا عَلَى الِائْتِمَانِ فَلْيُقْطَعْ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَدْخُلُهُ جَمِيعُ النَّاسِ بِغَيْرِ إذْنٍ لَيْسَ بِحِرْزٍ لِمَا فِيهِ، وَإِنَّمَا حِرْزُ مَا فِيهِ مَوْضِعُهُ فَعَلَى مَنْ أَخَذَهُ وَأَزَالَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ الْقَطْعُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يُدْخَلُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنٍ فَأَذِنَ لِلدَّاخِلِ فَقَدْ ائْتَمَنَهُ وَصَارَ الْمَوْضِعُ الْمَأْذُونُ فِيهِ هُوَ الْحِرْزُ، فَلَا يُقْطَعُ الْمُؤْتَمَنُ وَلَا غَيْرُهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْحَوَانِيتِ الَّتِي فِي السُّوقِ تُدْخَلُ بِغَيْرِ إذْنٍ لَيْسَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْهَا الْقَطْعُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَسُئِلَ الْعَبْدُ عَنْ ذَلِكَ فَاعْتَرَفَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا اعْتَرَفَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ الْبُرْدَ لِصَاحِبِهِ أَوْ أَقَرَّ بِهِ سَيِّدُ الْغُلَامِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِالْبُرْدِ وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ سَيِّدُ الْغُلَامِ، وَإِنَّمَا أَقَرَّ بِهِ الْعَبْدُ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ الْعَبْدُ وَلَا يُقْضَى بِالْبُرْدِ لِمَنْ يَدَّعِيهِ وَيُقِرُّ لَهُ بِهِ الْعَبْدُ، وَيَبْقَى لِلسَّيِّدِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا يَعْرِفُ لِهَذَا فِيهِ حَقًّا، وَلَوْ قَالَ هُوَ بِيَدِ عَبْدِي وَلَا أَدْرِي لِمَنْ هُوَ لِعَبْدِي أَوْ لِغَيْرِهِ فَهُوَ لِلْعَبْدِ أَبَدًا، وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِهِ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا يُقْبَلُ مِنْ إقْرَارِ الْعَبْدِ إلَّا مَا يَنْصَرِفُ إلَى جَسَدِهِ
стр. 2070
(مَا جَاءَ فِي قَطْعِ الْآبِقِ وَالسَّارِقِ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّ عَبْدًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ سَرَقَ وَهُوَ آبِقٌ فَأَرْسَلَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ لِيَقْطَعَ يَدَهُ فَأَبَى سَعِيدٌ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ وَقَالَ لَا تُقْطَعُ يَدُ الْآبِقِ السَّارِقِ إذَا سَرَقَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فِي أَيِّ كِتَابِ اللَّهِ وَجَدْت هَذَا؟ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زُرَيْقِ بْنِ حَكِيمٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَخَذَ عَبْدًا آبِقًا قَدْ سَرَقَ قَالَ فَأَشْكَلَ عَلَيَّ أَمْرُهُ فَكَتَبْت فِيهِ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْوَالِي يَوْمَئِذٍ، قَالَ فَأَخْبَرْته أَنَّنِي كُنْت أَسْمَعُ أَنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ إذَا سَرَقَ وَهُوَ آبِقٌ لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ فَكَتَبَ إلَيَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَقِيضَ كِتَابِي يَقُولُ كَتَبْت إلَيَّ أَنَّكَ كُنْت تَسْمَعُ أَنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ إذَا سَرَقَ لَمْ تُقْطَعُ يَدُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] فَإِنْ بَلَغَتْ سَرِقَتُهُ رُبْعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا فَاقْطَعْ يَدَهُ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانُوا يَقُولُونَ إذَا سَرَقَ الْعَبْدُ الْآبِقُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ قُطِعَ قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ إذَا سَرَقَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ قُطِعَ)
تَرْكُ الشَّفَاعَةِ لِلسَّارِقِ إذَا بَلَغَ السُّلْطَانَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ «أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قِيلَ لَهُ إنَّهُ إنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ فَقَدِمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ الْمَدِينَةَ فَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ فَجَاءَ سَارِقٌ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ فَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَمَرَتْ بِهِ عَائِشَةُ فَقُطِعَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ حُمِلَ إلَى الْأَمِيرِ فَثَبَتَ اعْتِرَافُهُ عِنْدَهُ فَقَطَعَهُ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا تُرِيدُ أَنَّ الْبُرْدَ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَقْصُرُ قِيمَتُهُ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ أَحَبُّ مَا يَجِبُ إلَيَّ فِيهِ الْقَطْعُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ارْتَفَعَ الصَّرْفُ أَوْ اتَّضَعَ يُرِيدُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْوِيمٍ مِمَّا لَيْسَ بِذَهَبٍ وَلَا بِوَرِقٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ إنَّمَا أَوْرَدَتْ ذَلِكَ عَلَى مَا حَفِظَتْ فِي نِصَابِ الذَّهَبِ لَا أَنَّهَا قَصَدَتْ إلَى تَقْوِيمِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهَا لَمَّا عَلِمَتْ أَنَّ الْبُرْدَ يُسَاوِي فَوْقَ رُبْعِ دِينَارٍ، وَأَنَّ الدِّينَارَ صَرْفُهُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا كَانَ ذِكْرُهَا لِلنِّصَابِ مِنْ الذَّهَبِ كَذِكْرِهَا مِنْ الْوَرِقِ، وَآثَرَتْ ذِكْرَ مَا رَأَتْ مِنْ السُّنَّةِ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَحَبُّ إلَيَّ لَمَّا احْتَمَلَ قَوْلُ عَائِشَةَ أَنَّ النِّصَابَ مُقَدَّرٌ بِرُبْعِ دِينَارٍ فِيمَا يَعُودُ إلَى الْقِيمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ عَلَى قَوْلِهِ بِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» وَالْمِجَنُّ مِمَّا يُقَوَّمُ فَلَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ الْقَطْعُ تَعَلَّقَ بِقِيمَتِهِ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ الْوَرِقِ دُونَ قِيمَتِهِ مِنْ الذَّهَبِ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ عُثْمَانُ فَقُوِّمَتْ الْأُتْرُجَّةُ فِي زَمَنِهِ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ فَإِنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى عُرْفِ التَّعَامُلِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[مَا جَاءَ فِي قَطْعِ الْآبِقِ وَالسَّارِقِ]
(هَذَا الْبَابُ لَمْ نَعْثُرْ عَلَى شَرْحٍ لَهُ فِي نُسَخِ الشَّارِحِ الَّتِي بِأَيْدِينَا اهـ) .
[تَرْكُ الشَّفَاعَةِ لِلسَّارِقِ إذَا بَلَغَ السُّلْطَانَ]
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ «أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قِيلَ لَهُ إنَّهُ إنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ فَقَدِمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ الْمَدِينَةَ فَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ فَجَاءَ سَارِقٌ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ فَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 2071
أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: إنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» مَالِكٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ لَقِيَ رَجُلًا قَدْ أَخَذَ سَارِقًا، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ إلَى السُّلْطَانِ فَشَفَعَ لَهُ الزُّبَيْرُ لِيُرْسِلَهُ فَقَالَ لَا حَتَّى أَبْلُغَ بِهِ إلَى السُّلْطَانِ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ إذَا بَلَغْت بِهِ إلَى السُّلْطَانِ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفَّعَ)
ــ
[المنتقى]
أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: إنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قِيلَ لَهُ إنَّهُ إنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ مَنْ عَلِمَ وُجُوبَ الْهِجْرَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ فَاعْتَقَدَ بَقَاءَ حُكْمِهَا لِمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَالْهِجْرَةُ مِنْ مَكَّةَ إنَّمَا كَانَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ لِأَنَّهَا كَانَتْ دَارَ كُفْرٍ فَكَانَ الْمُهَاجِرُ يُهَاجِرُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ يُهَاجِرُ لِيَقُومَ بِنُصْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْمَقَامِ مَعَهُ فَلَمَّا اُفْتُتِحَتْ مَكَّةُ وَأَسْلَمَ أَهْلُهَا وَكَثُرَ الْإِسْلَامُ صَارَتْ مَكَّةُ دَارَ إسْلَامٍ فَلَمْ تَلْزَمْ الْمُهَاجَرَةُ مِنْهَا، وَاسْتَغْنَى النَّبِيُّ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَقَدِمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ» مُؤَدِّيًا لِمَا اعْتَقَدَ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ مِنْ فَرْضِ الْهِجْرَةِ «فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ فَأَخَذَهُ سَارِقٌ» ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي مَعَ مَا رُوِيَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِقَطْعِهِ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ حِرْزِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَجَبَ فِيهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ كَانَ مَعَهُ وَحَارِسًا لَهُ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْحِرْزِ لَهُ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ سَرَقَ مِنْ بُسُطِ الْمَسْجِدِ الَّتِي تُطْرَحُ فِيهِ فِي رَمَضَانَ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ صَاحِبُهُ قُطِعَ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي مَحَارِسِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يُعَلِّقُ النَّاسُ فِيهَا السُّيُوفَ وَالْمَتَاعَ فَتُسْرَقُ إنْ كَانَ صَاحِبُهُ مَعَهُ قُطِعَ سَارِقُهُ قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّ صَفْوَانَ لَمْ يَقُمْ عَنْ رِدَائِهِ وَلَا تَرَكَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السَّارِقُ دَخَلَ لَيْلًا مِنْ غَيْرِ الْبَابِ فَسَرَقَهُ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي مَحَارِسِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة يُعَلِّقُ النَّاسُ فِيهَا السُّيُوفَ وَالْمَتَاعَ فَيَنْقُبُ سَارِقٌ وَلَا يَدْخُلُ مِنْ مَدْخَلِ النَّاسِ فَيَسْرِقُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقْطَعُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ حَارِسٌ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ بَيْتٌ نَزَلَ فِيهِ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَسْجِدِ يَكُونُ فِيهِ بَيْتٌ لِحُصُرِهِ أَوْ بَيْتُ زَكَاةِ الْفِطْرِ، أَوْ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ فَمَنْ دَخَلَ فِيهِ بِإِذْنٍ لَمْ يُقْطَعْ إنْ سَرَقَ مِنْهُ، وَمَنْ دَخَلَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ فَسَرَقَ مِنْهُ مُسْتَتِرًا قُطِعَ إذَا خَرَجَ بِهِ مِنْ الْبَيْتِ إلَى الْمَسْجِدِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ سَرَقَ حُصُرَ الْمَسْجِدِ قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُقْطَعُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَسْجِدِ بَابٌ، وَمَنْ سَرَقَ الْأَبْوَابَ قُطِعَ قَالَ أَصْبَغُ وَيُقْطَعُ سَارِقُ حُصُرِ الْمَسْجِدِ وَقَنَادِيلِهِ وَبَلَاطِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: كَمَا لَوْ سَرَقَ بَابَهُ مُسْتَتِرًا أَوْ خَشَبَةً مِنْ سَقْفِهِ أَوْ جَوَائِزَهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا قَطْعَ فِي شَيْءٍ مِنْ حُصُرِ الْمَسْجِدِ وَقَنَادِيلِهِ وَبَلَاطِهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَقِرُّهُ فَكَانَ حِرْزًا لَهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ وَمَوْضِعُ الِانْتِقَاعِ بِهِ مَعَ إبَاحَةِ الْوُصُولِ إلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يُقْطَعُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُقْطَعُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَرُوِيَ عَنْهُ إنْ سَرَقَ الْحُصُرَ نَهَارًا لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ سَرَقَهَا لَيْلًا قُطِعَ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: إنْ سَرَقَ الْحُصُرَ وَقَدْ خِيطَ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ قُطِعَ وَإِلَّا لَمْ يُقْطَعْ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ حُصُرَ الْمَسْجِدِ أَوْ قَنَادِيلَهُ أَوْ بَلَاطَهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَإِنْ أَخَذَ فِي الْمَسْجِدِ وَحِرْزُهَا مَوْضِعُهَا، وَكَذَلِكَ الطَّنْفَسَةُ يَبْسُطُهَا الرَّجُلُ فِي الْمَسْجِدِ لِجُلُوسِهِ إذَا كَانَتْ تُتْرَكُ فِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَقَالَهُ مَالِكٌ وَأَمَّا طَنَافِسُ تُحْمَلُ وَتُرَدُّ فَرُبَّمَا نَسِيَهَا صَاحِبُهَا فَتَرَكَهَا فَلَا يُقْطَعُ فِي هَذِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَسْجِدِ غَلْقٌ؛ لِأَنَّ الْغَلْقَ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَصْلِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ سَرَقَ مِنْ الْحَمَّامِ إذَا دَخَلَ مِنْ بَابِهِ لَمْ يُقْطَعْ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْبَابِ حَارِسٌ يَحْرُسُهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ مَالِكٍ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ إذَا سَرَقَ مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ مِنْ ثِيَابِ النَّاسِ فَإِنْ كَانَ مَعَهَا حَارِسٌ، أَوْ كَانَتْ
стр. 2072
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِي بَيْتٍ تُحْرَزُ فِيهِ بِغَلْقٍ فَفِيهَا الْقَطْعُ، وَأَمَّا مَا وُضِعَ فِي بَعْضِ مَجَالِسِ الْحَمَّامِ بِغَيْرِ حَارِسٍ لِلْحَمَّامِ وَلَا غَلْقٍ عَلَيْهِ فَلَا قَطْعَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَسْرِقَهُ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ مِنْ مَدْخَلِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا نَقَبَ وَاحْتَالَ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ مَا فِي الْحَمَّامِ مِنْ مَتَاعِ النَّاسِ لَا حَارِسَ لَهُ قَطْعٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِثْلُ مَا يُوضَعُ بِالْأَسْوَاقِ مِنْ مَتَاعٍ وَيَذْهَبُ عَنْهُ رَبُّهُ فَفِي هَذَا الْقَطْعُ.
(فَرْقٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ سَارِقَ الْحَمَّامِ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَخْطَأَ الرَّجُلُ، وَرُبَّمَا غَفَلَ قَالَ سَحْنُونٌ يُرِيدُ أَنَّهُ قَالَ ظَنَنْته ثَوْبِي.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَتَاعَ يَقْصِدُ وَضْعَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَإِحْرَازَهُ فِيهِ لِنَفْسِهِ فَلِذَلِكَ قَصَرَ الْقَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ فَسُرِقَ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ سُرِقَ رِدَاؤُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَكُنْ تَحْتَ رَأْسِهِ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ يُقْطَعُ إنْ كَانَ مُنْتَبِهًا وَكَالنَّعْلَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَحَيْثُ يَكُونَانِ مِنْهُ فَقِيلَ لَهُ قَدْ قُطِعَ فِي رِدَاءِ صَفْوَانَ وَهُوَ نَائِمٌ فَقَالَ ذَلِكَ كَانَ تَحْتَ رَأْسِهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي النَّعْلَيْنِ وَفِي ثَوْبِ النَّائِمِ يُسْرَقُ يُرِيدُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ يُقْطَعُ فَفَرَّقَ بَيْنَ النَّائِمِ وَغَيْرِهِ فِيمَا لَا يَكُونُ تَحْتَ رَأْسِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَلَى حَسْبِ مَا يَكُونُ مِمَّنْ يَحْرُسُهُ، وَيُقَالُ إنَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَعَهُ، وَأَمَّا مَا كَانَ تَحْتَ رَأْسِهِ فَيُقْطَعُ فِي النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَا كَانَ تَحْتَ رَأْسِهِ يَحْرُسُهُ غَالِبًا النَّائِمُ وَالْيَقْظَانُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُخِذَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ يَسْتَيْقِظُ بِهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَحْرُسُهُ إلَّا الْيَقْظَانُ وَلِلْحَارِسِ تَأْثِيرٌ فِي الْقَطْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ الَّتِي تُوضَعُ فِي الْمَسْجِدِ مَنْ سَرَقَ مِنْهَا لَا يُقْطَعُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا حَارِسٌ فَيُقْطَعُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ كَمَا قُطِعَ سَارِقُ رِدَاءِ صَفْوَانَ، وَقَدْ أُخِذَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَوْ كَانَتْ الْفِطْرَةُ فِي بَيْتِ الْمَسْجِدِ لَقُطِعَ إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ جَعَلَ ثَوْبَهُ قَرِيبًا مِنْهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَسَرَقَ سَارِقٌ أَنَّهُ يُقْطَعُ إذَا أَخَذَ، وَقَدْ قَبَضَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَوَجَّهَ بِهِ قَالَ: وَلَوْ قُلْت لَا يُقْطَعُ حَتَّى يَتَوَجَّهَ بِهِ لَقُلْت لَا يُقْطَعُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ يُقْطَعُ كَانَ مَعَهُ حَارِسٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَقَنَادِيلِ الْمَسْجِدِ وَحُصُرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَيْسَ ذَلِكَ كَقَنَادِيلِهِ وَحُصُرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْضِعُهَا وَمِنْ مَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا الْفِطْرَةُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْضِعُهَا وَلَا جُعِلَتْ فِيهِ لِلْمَسْجِدِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ صَفْوَانَ لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِهِ: «لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ» يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ الْقَطْعَ، وَأَنَّهُ قَدْ وَهَبَهُ الثَّوْبَ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْقَطْعَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَهَبَهُ ذَلِكَ لَمَّا اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ يُسْقِطُ عَنْهُ الْقَطْعَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اعْتَقَدَ أَنَّ الْحَقَّ مِنْ حُقُوقِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَسْقَطَهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ لَا يُسْقِطُ الْقَطْعَ عَنْ السَّارِقِ بَعْدَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ وَهَبَهُ إيَّاهُ قَبْلَ التَّرَافُعِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُسْقِطُ ذَلِكَ الْقَطْعَ، وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ قَبْلِ التَّرَافُعِ وَبَعْدَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَحَدِيثُ صَفْوَانَ الْمُتَقَدِّمُ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ انْتِقَالُ مِلْكٍ بَعْدَ السَّرِقَةِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي إسْقَاطِ الْقَطْعِ كَمَا لَوْ وَهَبَهُ لِأَجْنَبِيٍّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ سَرَقَ مَتَاعًا وَقَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ فَقَالَ كُنْت أَوْدَعْته عِنْدَ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُقْطَعُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ صَاحِبُ الْمَتَاعِ.
وَقَالَ عِيسَى أَحَبُّ إلَيَّ إنْ صَدَّقَهُ أَنْ لَا يُقْطَعَ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْقَطْعَ قَدْ وَجَبَ بِسَرِقَةٍ ثَبَتَتْ فَلَا يَسْقُطُ بِتَمَلُّكِ السَّارِقِ لِمَا سَرَقَ أَصْلُ ذَلِكَ لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ عِيسَى أَنَّ إقْرَارَ صَاحِبِ الْمَتَاعِ مَعْنًى يَثْبُتُ بِهِ تَقَدُّمُ مِلْكِهِ فَمَنَعَ ذَلِكَ وُجُوبَ الْقَطْعِ
стр. 2073
جَامِعُ الْقَطْعِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَشَكَا إلَيْهِ أَنَّ عَامِلَ الْيَمَنِ قَدْ ظَلَمَهُ فَكَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ وَأَبِيك مَا لَيْلُك بِلَيْلِ سَارِقٍ، ثُمَّ إنَّهُمْ فَقَدُوا عِقْدًا لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي عُمَيْسٍ امْرَأَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَطُوفُ مَعَهُمْ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ عَلَيْك بِمَنْ بَيَّتَ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِ فَوَجَدُوا الْحُلِيَّ عِنْدَ صَائِغٍ زَعَمَ أَنَّ الْأَقْطَعَ جَاءَهُ بِهِ فَاعْتَرَفَ بِهِ الْأَقْطَعُ، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِهِ فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاَللَّهِ لَدُعَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَشَدُّ عِنْدِي عَلَيْهِ مِنْ سَرِقَتِهِ)
ــ
[المنتقى]
أَصْلُ ذَلِكَ لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ، وَيَكُونُ الْمَتَاعُ لَهُ قَالَ أَشْهَبُ فِي قِيَامِ الْبَيِّنَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ وَوَرِثَهُ السَّارِقُ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَطْعُ قَالَهُ أَشْهَبُ وَرَوَاهُ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ أَشْهَبُ: وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ وَدِيعَةً أَوْ غَيْرَهَا فَجَحَدَهُ فَأَخَذَهَا مِنْ بَيْتِهِ عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ إلَّا أَنَّهُ يُقِيمُ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَوْدَعَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِمِلْكِهِ لَهَا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ مَالِكٍ فِي السَّارِقِ يُؤْخَذُ فِي اللَّيْلِ قَدْ أَخَذَ مَتَاعًا مِنْ دَارِ رَجُلٍ فَزَعَمَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ فَصَدَّقَهُ الرَّجُلُ قَالَ: إنْ كَانَ يُشْبِهُ مَا قَالَ وَلَهُ إلَيْهِ الْقَطْعُ لَمْ يُقْطَعْ، قَالَ أَصْبَغُ فَمَعْنَى قَوْلِهِ يُشْبِهُ مَا قَالَ أَنْ يَدْخُلَهُ مِنْ مَدْخَلِهِ غَيْرَ مُسْتَتِرٍ بِهِ وَفِي وَقْتٍ يَجُوزُ أَنْ يُرْسِلَهُ فِيهِ فَأَمَّا إنْ أَخَذَهُ مُسْتَتِرًا، أَوْ دَخَلَ مِنْ غَيْرِ مَدْخَلٍ أَوْ فِي حِينٍ لَا يُعْرَفُ فَلْيُقْطَعْ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» وَيَقْتَضِي تَجْوِيزَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إلَى الْإِمَامِ، وَامْتِنَاعَهُ بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِهِ إلَيْهِ، وَإِنَّ لِوُصُولِهِ إلَى الْإِمَامِ تَأْثِيرًا فِي الْمَنْعِ مِنْ التَّرْكِ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ مَعْنَاهُ فَهَلَّا تَرَكْتَهُ قَبْلُ يَقُولُ تَتَارَكُوا الْحُدُودَ فِيمَا إذَا بَلَغَتْ إلَيَّ فَقَدْ وَجَبَ الْحَدُّ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا أُحِبُّ أَنْ يُشْفَعَ لِأَحَدٍ وَقَعَ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْإِمَامِ أَوْ الْحَرَسِ وَهُمْ الشُّرَطُ، وَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ فِي أَيْدِي هَؤُلَاءِ فَالشَّفَاعَةُ حِينَئِذٍ لِلرَّجُلِ إذَا كَانَتْ مِنْهُ فَلْتَةٌ، وَلَمْ يُشْهِدْ وَأَخَذَهُ عِنْدَ الْحَرَسِ فَأَمَّا مَنْ عُرِفَ شَرُّهُ وَأَذَاهُ لِلنَّاسِ، قَالَ مَالِكٌ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يُشْفَعَ لَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنَّ الزُّبَيْرَ ﵁ لَقِيَ رَجُلًا أَخَذَ سَارِقًا، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ إلَى السُّلْطَانِ فَشَفَعَ لَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَوَازِ الشَّفَاعَةِ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْإِمَامَ الَّذِي يُقِيمُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْحُدُودِ إلَى الْإِمَامِ يُوجِبُ عَلَيْهِ إقَامَتَهَا فَلَا تَجُوزُ الشَّفَاعَةُ حِينَئِذٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السَّارِقُ إنَّمَا كَانَ مَعَ رَجُلٍ أَخَذَهُ دُونَ حَرَسٍ وَلَا شُرَطٍ؛ لِأَنَّ الْحَرَسَ وَالشُّرَطَ نَائِبَانِ عَنْ الْإِمَامِ فَلَا تَصِحُّ الشَّفَاعَةُ فِي حَدٍّ ظَهَرَ إلَيْهِمْ، وَقَوْلُ الزُّبَيْرِ ﵁ فَإِذَا بَلَغَ السُّلْطَانَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفَّعَ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ مَحْظُورٌ عِنْدَهُ يَأْثَمُ مَنْ فَعَلَهُ مِنْ شَافِعٍ أَوْ مُشَفَّعٍ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[جَامِعُ الْقَطْعِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ الْأَقْطَعَ الَّذِي وَرَدَ مِنْ الْيَمَنِ نَزَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنْزَلَهُ فِي مَوْضِعٍ يَسْكُنُهُ، وَيَكُونُ فِيهِ بِأَمْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنْزَلَهُ فِي دَارٍ يَسْكُنُهَا أَبُو بَكْرٍ فِي بَيْتٍ فِيهَا إمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْتَ الَّذِي يَسْكُنُهُ أَبُو بَكْرٍ أَوْ بَيْتٌ آخَرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنْزَلَهُ الدَّارَ لَا يَسْكُنُهَا غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَسْكُنُهَا مَعَهُ غَيْرُهُ وَشَكَا الْأَقْطَعُ إلَى أَبِي بَكْرٍ أَنَّ عَامِلَ الْيَمَنِ قَدْ ظَلَمَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ فِي قَطْعِهِ يَدَهُ، فَكَانَ الْأَقْطَعُ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا يَرَى مِنْ صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ وَأَبِيك مَا لَيْلُك بِلَيْلِ سَارِقٍ، يُرِيدُ أَنَّ لَيْلَ السَّارِقِ إنَّمَا هُوَ لِلنَّوْمِ الْمُتَّصِلِ أَوْ لِلْمَشْيِ وَالتَّسَبُّبِ إلَى سَرِقَةِ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ
стр. 2074
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
بِاللَّيْلِ فَلَيْسَتْ مِنْ أَفْعَالِ السَّارِقِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ وَأَبِيك عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي تَخَاطُبِهَا وَتَرَاجُعِهَا دُونَ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الْقَسَمَ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنَّهُمْ فَقَدُوا عِقْدًا لِأَسْمَاءِ زَوْجِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَأَخَذُوا يَطْلُبُونَهُ وَيَبْحَثُونَ عَنْهُ، وَهُوَ يَمْشِي مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَيَدْعُو عَلَى مَنْ سَرَقَهُ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ عَلَيْك بِمَنْ بَيَّتَ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِ يُرِيدُ سَرَقَهُمْ لَيْلًا أَوْ صَيَّرَهُمْ فِي لَيْلِهِمْ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْحَالِ مِنْ التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ، ثُمَّ إنَّ الْحُلِيَّ وُجِدَ عِنْدَ صَائِغٍ زَعَمَ أَنَّ الْأَقْطَعَ جَاءَهُ بِهِ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ عَلَى الصَّائِغِ قَطْعًا لَوْ أَنْكَرَ الْأَقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ مَنْ وُجِدَ عِنْدَهُ مَتَاعٌ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَهُ أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ فَاسْتَحَقَّهُ مِنْهُ مُسْتَحِقٌّ زَعَمَ أَنَّهُ سَرَقَ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ أَوْ مُتَّهَمًا فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تُوجَدُ مَعَهُ السَّرِقَةُ فَيَقُولُ ابْتَعْتهَا مِنْ السُّوقِ، وَلَا يَعْرِفُ بَائِعَهَا وَهِيَ ذَاتُ بَالٍ أَوْ لَا بَالَ لَهَا، أَوْ ادَّعَى الْمُسْتَحِقُّ أَنَّهَا أَكْثَرُ مِمَّا وُجِدَ مَعَهُ أَنَّهَا تُرَدُّ إلَى مَنْ اسْتَحَقَّهَا بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ فَإِنْ كَانَ مَنْ وُجِدَتْ بِيَدِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّحَّةِ خَلَّى سَبِيلَهُ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْبَرَاءَةِ أُدِّبَ الْمُدَّعِي.
وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُؤَدَّبُ إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ طَلَبًا لِحَقِّهِ، وَإِنْ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُشَاتَمَةِ نُكِلَ لَهُ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ لَا أَدَبَ عَلَى الْمُدَّعِي إلَّا أَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ عَيْبَهُ وَسَبَّهُ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَدْ أَضَافَ إلَيْهِ السَّرِقَةَ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْأَدَبُ كَمَا لَوْ قَصَدَ شَتْمَهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى أَنْ يَقُومَ بِدَعْوَاهُ فَكَانَ لَهُ مَخْرَجٌ يَصْرِفُ عَنْهُ الْأَدَبَ كَالْقَاذِفِ لِزَوْجَتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا أَدَبَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ هُوَ الْيَمِينُ وَفِي الْمُوَاضَحَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُخَلَّى سَبِيلُهُ دُونَ يَمِينٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا مَوْصُوفًا بِذَلِكَ هُدِّدَ وَسُجِنَ وَأُحْلِفَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يُعْرَضْ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ أُدِّبَ لَهُ الْمُدَّعِي، وَالْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى ثُبُوتِ يَمِينِ التُّهْمَةِ أَوْ نَفْيِهَا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ مَنْ سُرِقَ لَهُ مَتَاعٌ فَاتَّهَمَ مِنْ جِيرَانِهِ رَجُلًا غَيْرَ مَعْرُوفٍ أَوْ اتَّهَمَ رَجُلًا غَرِيبًا أَنَّهُ يُسْجَنُ حَتَّى يَكْشِفَ عَنْ حَالِهِ، وَلَا يُطَالُ حَبْسُهُ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا اتَّهَمَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ بِسَرِقَةٍ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ صَحِبَهُ فِي السَّفَرِ» قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَقَدْ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا كَانَ مُتَّهَمًا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ يُمْتَحَنُ بِالسَّجْنِ وَالْأَدَبِ، وَيُجْلَدُ بِالسَّوْطِ مُجَرَّدًا قَالَ أَصْبَغُ: لَا يُعَذَّبُ وَظَاهِرُهُ نَفْيُ الضَّرْبِ، وَأَمَّا الْحَبْسُ فَيُحْبَسُ بِقَدْرِ رَأْيِ الْإِمَامِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُسْجَنُ حَتَّى يَمُوتَ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يَمُوتَ يُسْجَنُ حَتَّى يَمُوتَ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ فِيمَنْ سُرِقَ لَهُ مَتَاعٌ فَاتَّهَمَ رَجُلًا مَعْرُوفًا بِذَلِكَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ السَّجْنَ تَعْزِيرٌ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَصْرُوفًا إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ السَّجْنَ إنَّمَا هُوَ لِقَبْضِ أَذَاهُ عَنْ النَّاسِ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ لِتَكَرُّرِهِ مِنْهُ مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ وَإِتْلَافِ أَمْوَالِ النَّاسِ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَضَ عَنْهُمْ بِالسَّجْنِ، وَلَيْسَ بَعْضُ الْأَوْقَاتِ بِأَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ بَعْضٍ مَعَ تَسَاوِي حَالِهِ فِيهَا.
(فَرْعٌ) وَهَلْ عَلَيْهِ يَمِينٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْأَدَبِ وَالسَّجْنِ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ يُهَدَّدُ وَيُسْجَنُ وَيَحْلِفُ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَجْهُ إثْبَاتِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ أَنَّ الْيَمِينَ تَلْزَمُهُ لِمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الْمَالِ، وَوَجْهُ نَفْيِ الْيَمِينِ أَنَّ الدَّعْوَى إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِالسَّرِقَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ بِسَبَبِهَا مِنْ الْعُقُوبَةِ مَا يُنَافِي الْيَمِينَ كَمَا يُنَافِيهَا الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَطَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى لَمَّا كَانَتْ
стр. 2075
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يَدُهُ الْيُمْنَى قَدْ عُدِمَتْ بِقَطْعِ عَامِلِ الْيَمَنِ لَهَا فِي سَرِقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَرَّرَ أَنَّهُ إنَّمَا تُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ الْيُمْنَى لِمَنْ كَانَتْ يَدَاهُ سَالِمَتَيْنِ فَمَنْ كَانَتْ يُمْنَاهُ نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ أَوْ أُصْبُعَيْنِ لَمْ تُقْطَعْ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: لِأَنَّ بَقَاءَ أَكْثَرِ الْأَصَابِعِ يَبْقَى مَعَهُ أَكْثَرُ الْمَنَافِعِ، وَبَقَاءَ الْأَكْثَرِ كَبَقَاءِ الْجَمِيعِ وَذَهَابَ أَكْثَرِهَا يَذْهَبُ مَعَهُ أَكْثَرُ الْمَنَافِعِ فَكَانَ كَذَهَابِ الْجَمِيعِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى شَلَّاءَ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ كَانَ الشَّالُّ يَمِينًا لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا، وَلَوْ أَخْطَأَ الَّذِي قَطَعَهُ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى أَوَّلًا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُجْزِئُ ذَلِكَ، فَإِنْ سَرَقَ ثَانِيَةً فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّةِ تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُمْنَى، وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَاحْتَجَّ عِيسَى بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَمَّا أَجْزَأَهُ قَطْعُ الْيُسْرَى أَوَّلَ مَرَّةٍ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ تَعَلَّقَ بِهَا أَوَّلًا، وَشُرِعَتْ الْمُخَالَفَةُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فَلَزِمَ أَنْ تُقْطَعَ رِجْلُهُ الْيُمْنَى، وَاحْتَجَّ ابْنُ نَافِعٍ بِقَوْلِهِ بِأَنَّ قَطْعَ الْيُسْرَى أَوَّلًا إنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْخَطَأِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَمَّدَ مُوَاقَعَةَ الْخَطَأِ فِي الْقَطْعِ الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) وَإِذَا عُدِمَتْ الْيَدُ الْيُمْنَى فَإِنْ عُدِمَتْ بِقَطْعِهَا فِي سَرِقَةٍ فَإِنَّ الْقَطْعَ يَنْتَقِلُ فِي سَرِقَةٍ ثَانِيَةٍ لِرِجْلِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ فِي سَرِقَةٍ ثَالِثَةٍ بِيَدِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ فِي رَابِعَةٍ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى فَإِنْ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ عُوقِبَ، وَلَا يُقْتَلُ هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إلَّا أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] فَجَعَلَ الْعُقُوبَةَ عَلَى السَّرِقَةِ مُخْتَصَّةً بِقَطْعِ الْيَدِ فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي مُصْعَبٍ أَنَّ هَذِهِ سَرِقَةٌ فَتَعَلَّقَ بِهَا قَطْعُ عُضْوٍ كَالْأُولَى، قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُقْطَعُ يُمْنَى يَدَيْهِ ثُمَّ يُسْرَى رِجْلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الثَّالِثَةِ فَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُقْطَعُ بَعْدَ الثَّانِيَةِ وَلَكِنْ يُحْبَسُ وَيُعَاقَبُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهَا يَدٌ تُقْطَعُ فِي الْقِصَاصِ فَجَازَ أَنْ تُقْطَعَ فِي السَّرِقَةِ كَالْيُمْنَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ عُدِمَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى بِشَلَلٍ أَوْ كَانَ خُلِقَ بِغَيْرِ يُمْنَى فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ يُنْقَلُ الْقَطْعُ إلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ اُمْحُهَا ثُمَّ قَالَ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَأَصْبَغُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا سَرَقَ وَلَا يُمْنَى لَهُ، فَوَجَبَ أَنْ تُقْطَعَ رِجْلُهُ الْيُسْرَى كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى فِي سَرِقَةٍ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا قَطْعٌ تَعَلَّقَ بِالسَّارِقِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِيَدِهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ لَهُ يَمِينٌ.
(فَرْعٌ) وَلَمَّا قُطِعَتْ يُمْنَاهُ فِي قِصَاصٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَتْ شَلَّاءَ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، وَإِنْ قُطِعَتْ فِي قِصَاصٍ قُطِعَتْ فِي السَّرِقَةِ رِجْلُهُ الْيُسْرَى.
وَقَالَ أَصْبَغُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى فِي الْوَجْهَيْنِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إنَّمَا قَطَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّهُ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى فِي سَرِقَةٍ فَرَأَى فِي ذَلِكَ رَأْيَ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا إذَا قُطِعَتْ فِي غَيْرِ سَرِقَةٍ تَعَلَّقَ قَطْعُ السَّرِقَةِ بِيُسْرَاهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ اتَّبَعَ صَاحِبُ السَّرِقَةِ السَّارِقَ فَضَرَبَ يَدَهُ بِسَيْفٍ فَقَطَعَهَا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَيْسَ عَلَيْهِ إنْ أَخَذَ غَيْرَ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقَطْعِ أَنْ يَأْمُرَ بِذَلِكَ السُّلْطَانُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حُكْمَهُ وَمَنْ تَعَدَّى عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَطْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْقَطْعِ وَعُوقِبَ الْقَاطِعُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ قَطَعَ السَّارِقُ يَمِينَ رَجُلٍ قَبْلَ أَنْ يَسْرِقَ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ يَمِينَهُ تُقْطَعُ لِلسَّرِقَةِ وَلَا قِصَاصَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مَحَلٌّ لِحَقَّيْنِ لَا مَحَلَّ لَهُمَا مَعَ كَوْنِهِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ غَيْرَهُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ أَحَدٌ مِنْهُمَا بِغَيْرِهِ، وَلَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ لِلسَّرِقَةِ ثُمَّ قَطَعَ يُمْنَى رَجُلٍ لَكَانَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَ قَطَعَ يَمِينَ الرَّجُلِ لَمْ تَكُنْ لَهُ يَمِينٌ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ مِمَّا يَكُونُ الْقَطْعُ فِيهِ حَتْفًا، وَيُقْطَعُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَلَيْسَ بِمُتْلِفٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ الْخَوْفِ رَوَاهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ
стр. 2076
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَسْرِقُ مِرَارًا، ثُمَّ يُسْتَعْدَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ لِجَمِيعِ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَرَقَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ قُطِعَ أَيْضًا) .
ــ
[المنتقى]
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَرَى أَنْ يُؤَخَّرَ فِي الْحَرِّ إذَا خِيفَ فِيهِ مَا يُخَافُ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَأَمَّا الْمَرَضُ الْمَخُوفُ فَلَا يُقْطَعُ فِيهِ وَلَا يُجْلَدُ لِحَدٍّ وَلَا لِنَكَالٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَحَدُّ الْقَطْعِ فِي الْيَدِ الْكُوعُ وَفِي الرِّجْلِ مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبَيْنِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] وَمَفْصِلُ الْكُوعِ أَوَّلُ مَفْصِلٍ يَقَعُ عَلَى مَا قُطِعَ مِنْهُ اسْمُ الْيَدِ، وَكَذَلِكَ مَفْصِلُ الْكَعْبَيْنِ هُوَ أَوَّلُ مَفْصِلٍ يَسْتَوْعِبُ بِقَطْعِهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الرِّجْلِ وَالْقَدَمِ، وَلَمَّا تَعَلَّقَ بِالْقَدَمِ كَمَا تَعَلَّقَ بِالْيَدِ بِأَوَّلِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَالْيَدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَتُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ ثُمَّ يُحْسَمُ مَوْضِعُ الْقَطْعِ بِالنَّارِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْ مَالِكٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُحْرَقَ بِالنَّارِ لِيُقْطَعَ جَرْيُ الدَّمِ لِئَلَّا يَتَمَادَى جَرْيُهُ حَتَّى يَنْزِفَ فَيَمُوتَ، فَإِذَا أُحْرِقَتْ أَفْوَاهُ الْعُرُوقِ رَقَأَ وَمَنَعَ ذَلِكَ جَرْيَ الدَّمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ الْقَتْلُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ فَيَجِبُ أَنْ يُدْفَعَ عَنْهُ مَا يُفْضِي إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى الْقَطْعِ مِنْ الْمَوْتِ أَوْ ذَهَابِ سَائِرِ أَعْضَائِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَاعْتَرَفَ بِهِ الْأَقْطَعُ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَمَّا اعْتِرَافُهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ تَهْدِيدٍ وَتَشَدُّدٍ عَلَيْهِ، فَأَمَّا مَنْ اعْتَرَفَ بِهَا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالسَّرِقَةِ عَلَى وَجْهِ التَّوْبَةِ، وَهُوَ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُسْقِطُ الْحُدُودَ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ رَوَى الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ إنْ رَجَعَ إلَى شُبْهَةٍ سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ، وَلَزِمَهُ الْغُرْمُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَا لَمْ يَأْتِ مِنْ ذَلِكَ مَا يُشْبِهُ الْبَيِّنَةَ مِنْ ظُهُورِ بَعْضِ الْمَتَاعِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ التُّهَمِ فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَنْ اعْتَرَفَ بِسَرِقَةٍ مِنْ غَيْرِ مِحْنَةٍ وَلَا تَرْوِيعٍ لَمْ يُقْبَلْ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا أَنَّهُ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ إلَى شُبْهَةٍ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ إنْ رَجَعَ إلَى شُبْهَةٍ وَكَذَبَ عَلَى نَفْسِهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا يَسْقُطُ الْقَطْعُ، وَالْأُخْرَى يَلْزَمُ الْقَطْعُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ بِمِثْلِ هَذَا فِي حَدِّ الزِّنَا، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُرْمُ إذَا سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْمَالِ لَازِمٌ لَيْسَ لِلْمُقِرِّ الرُّجُوعُ عَنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ اعْتَرَفَ بِمِحْنَةٍ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا أَقَرَّ بِهَا عَلَى الضَّرْبِ وَعَيَّنَهَا فَلَا يُقْطَعُ إذَا نَزَعَ قَالَ عَنْهُ عِيسَى إذَا اعْتَرَفَ بَعْدَ ضَرْبِ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ أَوْ حَبْسِ لَيْلَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إقْرَارُهُ كَانَ الْوَالِي عَدْلًا أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، وَرُبَّمَا أَخْطَأَ الْعَدْلُ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا أَقَرَّ فِي مِحْنَتِهِ، وَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ قُطِعَ إلَّا أَنْ يَقُولَ دَفَعَهُ إلَيَّ فُلَانٌ، وَإِنَّمَا أَقْرَرْت لِلضَّرْبِ فَلَا يُقْطَعُ يُرِيدُ فِيمَا عُيِّنَ، قَالَ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُعَيَّنْ فَلَا يُقْطَعُ بِحَالٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا أَخْرَجَ السَّرِقَةَ فَيَعْتَرِفُ أَنَّهَا الْمَسْرُوقَةُ فَهَذَا يُقْطَعُ، وَإِنْ أَقَرَّ بَعْدَ سَجْنٍ وَقَيْدٍ وَوَعِيدٍ وَإِنْ نَزَعَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُقِرِّ عَنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى تُبْرَزَ السَّرِقَةُ، وَقَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
(ش) : قَوْلُهُ فِي الَّذِي يَسْرِقُ مِرَارًا لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قَطْعُ يَدِهِ لِجَمِيعِ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ لَهُ إلَّا يَدٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ سَرَقَ مِائَةَ مَرَّةٍ لِوَاحِدٍ أَوْ لِجَمَاعَةٍ قَبْلَ أَنْ يُقْطَعَ فَإِنَّ قَطْعَ يَدِهِ يُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ دُونَ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُطِعَتْ يَدُهُ لِسَرِقَةِ شَيْءٍ وَاحِدٍ أَوْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، ثُمَّ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ أَيْضًا كَشَارِبِ الْخَمْرِ يَشْرَبُ مِائَةَ مَرَّةٍ فَلَا يُجْلَدُ عَلَيْهِ إلَّا جَلْدٌ وَاحِدٌ كَمَا لَوْ شَرِبَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ إنْ جُلِدَ لِشُرْبِ مَرَّةٍ أَوْ مِرَارًا فَإِنَّهُ يُسْتَأْنَفُ حَدُّهُ فَيُجْلَدُ كَمَا جُلِدَ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَلَوْ سَرَقَ لِجَمَاعَةٍ فَقَامَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَقَطَعَ وَلَا يُعْلَمُ بِغَيْرِهِمْ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ
стр. 2077
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّ أَبَا الزِّنَادِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَذَ نَاسًا فِي حِرَابَةٍ وَلَمْ يَقْتُلُوا أَحَدًا فَأَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ أَوْ يَقْتُلَ فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي ذَلِكَ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَوْ أَخَذَتْ بِأَيْسَرَ ذَلِكَ)
ــ
[المنتقى]
مَالِكٍ ذَلِكَ لِكُلِّ سَرِقَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ قِيَمَ فِيهَا أَوْ لَمْ يُقَمْ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَذَ نَاسًا فِي حِرَابَةٍ، الْمُحَارِبُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاطِعُ لِلطَّرِيقِ الْمُخِيفُ لِلسَّبِيلِ الشَّاهِرُ لِلسِّلَاحِ لِطَلَبِ الْمَالِ فَإِنْ أُعْطَى وَإِلَّا قَاتَلَ عَلَيْهِ كَانَ فِي الْمِصْرِ أَوْ خَارِجًا عَنْ الْمِصْرِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَقَدْ يَكُونُ مُحَارِبًا وَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ سِلَاحٍ وَفَعَلَ فِعْلَ الْمُحَارِبِينَ مِنْ التَّلَصُّصِ وَأَخْذِ الْمَالِ مُكَابَرَةً، وَقَدْ يَكُونُ الْوَاحِدُ مُحَارِبًا، وَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ سِلَاحٍ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ مَنْ خَرَجَ لِقَطْعِ السَّبِيلِ لِغَيْرِ مَالٍ فَهُوَ مُحَارِبٌ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَا أَدَعُ هَؤُلَاءِ يَخْرُجُونَ إلَى الشَّامِ أَوْ إلَى مِصْرَ أَوْ إلَى مَكَّةَ فَهَذَا مُحَارِبٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ حَمَلَ السِّلَاحَ عَلَى النَّاسِ وَأَخَافَهُمْ لِغَيْرِ عَدَاوَةٍ وَلَا نَائِرَةٍ فَهُوَ مُحَارِبٌ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَاطِعٌ لِلسَّبِيلِ مُفْسِدٌ فِي الْأَرْضِ قَالَ اللَّهُ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَتْلُ الْغِيلَةِ أَيْضًا مِنْ الْمُحَارَبَةِ أَنْ يَغْتَالَ رَجُلًا أَوْ صَبِيًّا فَيَخْدَعَهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ مَوْضِعًا فَيَأْخُذَ مَا مَعَهُ فَهُوَ كَالْحِرَابَةِ، وَكُلُّ مَنْ قَتَلَ أَحَدًا عَلَى مَا مَعَهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَهُوَ مُحَارِبٌ فَعَلَ ذَلِكَ بِحُرٍّ أَوْ عَبْدٍ وَمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا بِعَصًا لِيَأْخُذَ مَا مَعَهُ فَمَاتَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ قَتْلَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحِرَابَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِيَأْخُذَ مَا مَعَهُ لَكِنْ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمْ وَشَرٍّ فَفِيهِ الْقِصَاصُ أَوْ الْعَفْوُ وَقَالَهُ كُلَّهُ مَالِكٌ وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ لَقِيَ رِجَالًا فَأَطْعَمَهُمْ السَّوِيقَ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ وَأَبْسَطَ بِالْبَاقِينَ فَلَمْ يُفِيقُوا إلَى مِثْلِهَا فَقَالَ مَا أَرَدْت قَتْلَهُمْ، وَإِنَّمَا أَرَدْت أَخْذَ مَا مَعَهُمْ، وَإِنَّمَا أَعْطَانِي السَّوِيقَ رَجُلٌ وَقَالَ يُسْكِرُ فَقَالَ مَالِكٌ يُقْتَلُ قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَلَوْ قَالَ لَمْ أُرِدْ قَتْلَهُمْ وَلَا أَخْذَ أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ سَوِيقٌ لَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا مَاتُوا أَخَذْت أَمْوَالَهُمْ قَالَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرَ رَدِّ الْمَالِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمُعْلِنُ وَالْمُسْتَخْفِي مِنْ الْمُحَارِبِينَ سَوَاءٌ إذَا أَخَذَ الْأَمْوَالَ وَالرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَالْأَحْرَارَ وَالْعَبِيدَ، وَالْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا أَخَذَ السَّارِقُ الْمَتَاعَ لَيْلًا فَطَلَبَ رَبُّ الْمَالِ الْمَتَاعَ مِنْهُ فَكَابَرَهُ عَلَيْهِ بِالسِّلَاحِ أَوْ بِالسِّكِّينِ أَوْ بِالْعَصَا حَتَّى خَرَجَ بِهِ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ هُوَ مُحَارِبٌ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِي الْحِرَابَةِ إخْرَاجُ الْمَتَاعِ مِنْ الْحِرْزِ وَلَوْ أَدْرَكَهُ رَبُّ الْمَتَاعِ فَجَاءَ بِهِ إيَّاهُ حَتَّى أَخَذَهُ فَهُوَ مُحَارِبٌ، وَإِنْ حَارَبَهُ كَمَا يَفْعَلُ الْمُخْتَلِسُ فَلَيْسَ بِمُحَارِبٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ لَقِيَ رَجُلٌ رَجُلًا مَعَهُ طَعَامٌ فَسَأَلَهُ طَعَامًا فَأَبَى عَلَيْهِ فَكَتَّفَهُ وَنَزَعَ مِنْهُ الطَّعَامَ وَنَزَعَ ثَوْبَهُ فَقَالَ هَذَا يُشْبِهُ الْمُحَارِبَ يُرِيدُ أَنَّهُ مُغَالِبٌ عَلَى أَخْذِ الْمَالِ مُكَابَرَةً وَصِفَتُهُ صِفَةُ الْمُحَارِبِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْمُحَارِبُ فِي الْمِصْرِ وَغَيْرِ الْمِصْرِ سَوَاءٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ هُمْ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَكُونُ مُحَارِبًا إلَّا بِقَطْعِهِ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبَرِّيَّةِ النَّائِيَةِ عَنْ الْبَلَدِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَكُونُونَ مُحَارِبِينَ فِي الْقَرْيَةِ إلَّا أَنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ الْقَرْيَةَ كُلَّهَا فَأَمَّا الْمُخْتَفِي فِي الْقَرْيَةِ لَا يُؤْذِي إلَّا الْوَاحِدَ وَالْمُسْتَضْعَفَ، فَلَيْسَ فِي الْقُرَى مُحَارَبَةٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مُحَارِبٌ فِي الْقَرْيَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] وَهَذَا عَامٌّ فِي الْحَضَرِ وَغَيْرِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ مِنْهُ إخَافَةُ السَّبِيلِ وَقَطْعُ الطَّرِيقِ وَقَتْلُهُ لِأَخْذِ الْمَالِ فَاسْتَحَقَّ اسْمَ الْمُحَارِبِ، وَحُكْمُهُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ وَلِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ يُوجِبُ حَدًّا فِي الصَّحْرَاءِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ مِثْلَهُ فِي الْحَضَرِ كَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَسْتَحِقُّ الْمُحَارِبُ بِأَخْذِ الْمَالِ الْيَسِيرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ
стр. 2078
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
بِأَخْذِ الْكَثِيرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَمْ يَخْتَلِفْ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي إجَازَةِ قَتْلِ الْمُحَارِبِينَ وَإِنَّ مَنْ قُتِلَ فِي ذَلِكَ خَيْرُ قَتِيلٍ، قَالَ مَالِكٌ وَيُنَاشِدُهُ اللَّهَ ثَلَاثًا فَإِنْ عَاجَلَهُ قَاتَلَهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يَدْعُوهُ وَلْيُبَادِرْ إلَى قَتْلِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ يُوعَظُ وَيُذَكَّرُ فَعَسَى أَنْ يَتُوبَ وَيَنْصَرِفَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ فَيَكُونَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ مُعَاجَلَتِهِ بِالْمُقَاتَلَةِ الَّتِي رُبَّمَا أَدَّتْ إلَى قَتْلِ أَحَدِهِمَا، وَرُبَّمَا غَلَبَ الْمُحَارِبُ فَاسْتَأْصَلَ النَّفْسَ وَالْمَالَ، وَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ حُكْمَ الْحِرَابَةِ بِخُرُوجِهِ فَالصَّوَابُ إذَا وَثِقَ بِالظُّهُورِ عَلَيْهِ أَنْ يُعَاجِلَ مُدَافَعَتَهُ وَالْقَتْلَ لَهُ مَا لَمْ يَظْفَرْ بِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ فَإِنْ ظَفَرَ بِهِ فَلَا يَقْتُلْهُ وَلْيَدْفَعْهُ إلَى الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ لَا يُقِيمَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ فَلْيَلِ هُوَ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ يَلِيهِ الْإِمَامُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ طَلَبَ اللِّصُّ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ مِنْ الْمَالِ كَالْإِطْعَامِ وَالثَّوْبِ وَمَا خَفَّ قَالَ مَالِكٌ يُعْطَاهُ، وَلَا يُقَاتَلُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا لَا يُعْطَى شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ، وَلْيُقَاتَلْ وَلِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِطَمَعِهِمْ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَا يُعْطَى اللُّصُوصُ شَيْئًا طَلَبُوهُ وَإِنْ قَلَّ، وَهَذَا فِي الْعَدَدِ الْمُنَاصِفِ لَهُمْ وَالرَّاجِي لِقَتْلِهِمْ، وَأَمَّا مَنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَا قُوَّةَ لَهُ بِهِمْ وَلَا عُدَّةَ وَلَا مُنَاصَفَةَ فَهُوَ كَالْأَسِيرِ، وَعَسَى أَنْ يُعْذَرَ فِيمَا يُعْطِيهِمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُقَاتَلُ اللُّصُوصُ إذَا أَبَوْا إلَّا الْقِتَالَ أَوْ يَطْلُبُوا مَا لَا يَجِبُ أَنْ يُعْطَوْهُ، قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ جِهَادُهُمْ، وَقَالَ عَنْهُ أَشْهَبُ مِنْ أَفْضَلِ الْجِهَادِ وَأَعْظَمِهِ أَجْرًا قَالَ مَالِكٌ فِي أَعْرَابٍ قَطَعُوا الطَّرِيقَ: جِهَادُهُمْ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ جِهَادِ الرُّومِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» وَإِذَا قُتِلَ دُونَ مَالِهِ وَمَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ أَعْظَمُ لِأَجْرِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَمَّنَ الْمُحَارِبُ إذَا طَلَبَ الْأَمْنَ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِ إذَا أَمَّنْته عَلَى حَالِهِ وَبِيَدِهِ أَمْوَالُ النَّاسِ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَمِّنَ الْمُحَارِبَ وَيُنْزِلَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا أَمَانَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي سُلْطَانِك وَعَلَى دِينِك، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِعِزَّةٍ لَا لِدِينٍ وَلَا مِلَّةٍ، رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا امْتَنَعَ الْمُحَارِبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى أُعْطِيَ الْأَمَانَ فَأُخِذَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ يُتَمُّ لَهُ ذَلِكَ، وَقِيلَ لَهُ لَيْسَ ذَلِكَ وَيُؤْخَذُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَهُ أَصْبَغُ سَوَاءٌ امْتَنَعَ فِي حِصْنٍ أَوْ مَرْكَبٍ أَوْ فَرَسٍ سَوَاءٌ أَمَّنَهُ السُّلْطَانُ أَوْ غَيْرُهُ قَالَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يُزَالُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِتَجْوِيزِ الْأَمَانِ لَهُ أَنَّهُ فَاسِقٌ مُمْتَنِعٌ فَإِذَا عُوهِدَ لَزِمَ الْأَمَانُ كَالْكَافِرِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ ارْتَدَّ الْمُحَارِبُ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَقَاتَلَنَا مَعَهُمْ فَأُسِرَ اسْتَتَابَهُ الْإِمَامُ فَإِنْ تَابَ سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ بِالرِّدَّةِ، وَأُخِذَ بِأَحْكَامِ الْحِرَابَةِ قَبْلَ الرِّدَّةِ فِي حَقِّ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُزِيلُ عَنْهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ وَالْحِرَابَةِ قَالَهُ سَحْنُونٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَرَوَاهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَرَبِيعَةَ وَأَبِي الزِّنَادِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُسْقِطُ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ الثَّابِتَةَ عَلَيْهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ كَمَا لَوْ دَايَنَ أَوْ غَصَبَ أَمْوَالَ النَّاسِ، ثُمَّ ارْتَدَّ لَمَا سَقَطَ عَنْهُ بِرِدَّتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا تَعَلَّقَتْ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ لَمْ تَسْقُطْ بِالرِّدَّةِ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ مِنْهَا مَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْآدَمِيِّينَ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ فَرَّ الْمُحَارِبُ فَدَخَلَ حِصْنًا مِنْ حُصُونِ الرُّومِ فَحَاصَرَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَنَزَلَ أَهْلُهُ بِعَهْدٍ وَنَزَلَ الْمُحَارِبُ بِأَمَانٍ أَمَّنَهُ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ قَالَ سَحْنُونٌ: لَا أَمَانَ لَهُ وَلَا يُزِيلُ حُكْمَ الْحِرَابَةِ عَنْهُ جَهْلُ مَنْ أَمَّنَهُ، وَقَدْ ظَفَرَ قَبْلَ التَّوْبَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حُقُوقَ النَّاسِ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنْ قِصَاصٍ وَإِتْلَافِ أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَاهَدَ عَلَى إسْقَاطِهَا، وَلَوْ عَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ إسْقَاطُ الْإِمَامِ لَهَا عَنْهُ أَصْلَ ذَلِكَ الْغَاصِبِ وَالْقَاتِلِ بِغَيْرِ الْمُحَارِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا فَرَّ اللُّصُوصُ فَقَدْ رَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ قَتَلَ أَحَدًا فَلْيُتَّبَعْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَتَلَ أَحَدًا فَمَا أُحِبُّ أَنْ يُتَّبَعَ وَلَا يُقْتَلَ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ يُتَّبَعُونَ وَلَوْ بَلَغُوا بِرَكَ الْغَمَا.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُتَّبَعُ مُنْهَزِمُهُمْ، وَيُقْتَلُونَ
стр. 2079
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ وَمُنْهَزِمِينَ، وَلَيْسَ هُرُوبُهُمْ تَوْبَةً، وَأَمَّا التَّذْفِيفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ هَزِيمَتَهُمْ وَخِيفَ كَرَّتُهُمْ ذُفِّفَ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَإِنْ اسْتَحَقَّتْ الْهَزِيمَةُ فَجَرِيحُهُمْ أَسِيرٌ وَالْحُكْمُ فِيهِ إلَى الْإِمَامِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلَمْ يَرَهُ سَحْنُونٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَإِذَا أُخِذَ اللُّصُوصُ قَبْلَ التَّوْبَةِ لَزِمَهُمْ الْحَدُّ وَهُوَ الْقَتْلُ وَالصَّلْبُ أَوْ قَطْعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ وَالنَّفْيُ وَالْحَبْسُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَاكَ عَلَى التَّخْيِيرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ حَدُّهُمْ عَلَى التَّرْتِيبِ فَلَا يُقْتَلُ مَنْ لَمْ يَقْتُلْ، وَلَا يُصْلَبُ وَلَا يُقَطَّعُ، فَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا قُتِلَ فَقَطْ، وَلَمْ يُصْلَبْ وَلَمْ يُقَطَّعْ وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِّعَ، وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ جَمَعَ الْقَتْلَ وَالْقَطْعَ، وَإِنْ شَاءَ جَمَعَ الْقَتْلَ وَالصَّلْبَ ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ الصَّلْبِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَقْتُلُهُمْ حَتْفًا ثُمَّ يَصْلُبُهُمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] وَلَفْظُهُ أَوْ ظَاهِرُهَا التَّخْيِيرُ وَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ يَكُونُوا قَتَلُوا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ عَلَى التَّخْيِيرِ فَإِنَّهُ تَخْيِيرٌ مُتَعَلِّقٌ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَمَصْرُوفٌ إلَى نَظَرِهِ وَمَشُورَةِ الْفُقَهَاءِ بِمَا يَرَاهُ أَتَمَّ لِلْمَصْلَحَةِ وَأَذَبَّ عَنْ الْفَسَادِ، قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى هَوَى الْإِمَامِ وَلَكِنْ عَلَى الِاجْتِهَادِ يُرِيدُ بِقَدْرِ مَا خَبَرَهُ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ الْمُحَارِبَ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ وَلَا أَخَذَ مَالًا وَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ طَالَ أَمْرُهُ وَأَخَاف السَّبِيلَ أَوْ أُخِذَ بِحَضْرَةِ خُرُوجِهِ، فَإِنْ كَانَ طَالَ أَمْرُهُ وَأَخَاف السَّبِيلَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَا أَخَذَ مَالًا فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ أَوْ قَطْعِهِ مِنْ خِلَافٍ أَوْ ضَرْبِهِ وَنَفْيِهِ، وَذَلِكَ بِقَدْرِ ذَنْبِهِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ إذَا أُخِذَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَ طُولِ زَمَانٍ قَالَ أَشْهَبُ فِي الَّذِي أُخِذَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ فَهَذَا الَّذِي قَالَ فِيهِ مَالِكُ لَوْ أَخَذَ فِيهِ بِأَيْسَرِ ذَلِكَ قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُجْلَدَ وَيُنْفَى وَيُحْبَسَ حَيْثُ نُفِيَ إلَيْهِ، قَالَ أَشْهَبُ فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ يَقْطَعَهُ مِنْ خِلَافٍ فَذَلِكَ لَهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِيهِ فَيَقْتَضِي هَذَا أَنَّهُ عَلَى التَّخْيِيرِ بِشَرْطِ الِاجْتِهَادِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَصْرُوفًا إلَى نَظَرِ الْإِمَامِ فَمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ كَانَ لَهُ إنْفَاذُهُ وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ مِنْ اخْتِيَارِهِ لِكُلِّ جِنَايَةٍ نَوْعًا مِنْ الْعُقُوبَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَيُذْكَرُ بَعْدَ هَذَا فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهٍ يُبَيِّنُ وَجْهَ الِاجْتِهَادِ وَالْإِرْشَادِ إلَى الصَّوَابِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَاَلَّذِي طَالَ أَمْرُهُ وَأَخَافَ السَّبِيلَ وَشَهَرَ ذِكْرُهُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ أَمْوَالًا فَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَمُحَمَّدٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ طَالَ أَمْرُهُ وَأَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يُقْتَلُ وَلَا يَخْتَارُ الْإِمَامُ فِيهِ غَيْرَ الْقَتْلِ قَالَ أَشْهَبُ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ أَوْ قَطْعِهِ مِنْ خِلَافٍ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ إذَا أَخَافَ السَّبِيلَ وَأَعْظَمَ الْفَسَادَ وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا فَلْيَقْتُلْهُ الْإِمَامُ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ قَالَ: وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ أَوْ قَطْعِ الْخِلَافِ أَوْ النَّفْيِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنَّ عَامِلًا لَهُ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَذَ نَاسًا فِي حِرَابَةٍ فَأَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ أَوْ يَقْتُلَ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَوْ أَخَذْت بِأَيْسَرِ ذَلِكَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعَامِلَ رَأَى قَتْلَهُمْ أَوْ قَطْعَ أَيْدِيهِمْ وَلَا يَعْلَمُ مَا بَلَغَتْ وَأَعْلَمُهُ، وَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَوْ أَخَذْت بِأَيْسَرِ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْحَضِّ وَالنَّدْبِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ لَوْ أَخَذْت بِأَيْسَرِ ذَلِكَ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ أُخِذُوا بِأَثَرِ خُرُوجِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُخِيفُوا سَبِيلًا أَوْ يَقْتُلُوا أَحَدًا أَوْ يَأْخُذُوا مَالًا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ
стр. 2080
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَوْ أَخَذَ فِيهِمْ بِالْأَيْسَرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْجَلْدُ وَالنَّفْيُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ قَالَ: الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ وَيَقْتَضِي مِنْ قَوْلِ عُمَرَ أَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِاجْتِهَادِهِ، وَإِنْ رَأَى خِلَافَ رَأْيِ الْإِمَامِ إذَا كَانَ مِمَّا يُسْرِعُ فِيهِ الِاجْتِهَادَ.
وَقَالَ بِهِ الْعُلَمَاءُ، وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَلَزِمَ الْعَامِلَ أَنْ لَا يُنَفِّذَ إلَّا رَأْيَ الْإِمَامِ لَقُدِّمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إذَا رَآهُ الْأَفْضَلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ شَاوَرَهُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ لَهُ فِيهِ اعْتِقَادُ صِحَّتِهِ مِنْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ وَأَعْلَمَ عُمَرَ بِمَا ظَهَرَ إلَيْهِ لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ مُوَافَقَتَهُ لَهُ أَوْ لِيُظْهِرَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْحُكْمِ الَّذِي يَخْتَارُهُ دَلِيلًا يَرَى الرُّجُوعَ إلَيْهِ وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْحَكَمَيْنِ أَنَّ لَهُمَا أَنْ يَحْكُمَا بِمَا أَدَّاهُمَا اجْتِهَادُهُمَا إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِرَأْيِ مَنْ أَرْسَلَهُمَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْقَتْلُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْآيَةِ وَاخْتَارَهُ مَالِكٌ فِيمَنْ طَالَتْ إخَافَتُهُ السَّبِيلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا أَنْ يُقْتَلَ فَقَطْ، وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ وَلَا يُجْلَدُ بِالسِّيَاطِ قَبْلَ الْقَتْلِ قَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَلَا تُقْطَعُ يَدُهُ وَلَا رِجْلُهُ مَعَ الْقَتْلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الصَّلْبُ فَهُوَ الرَّبْطُ عَلَى الْجُذُوعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] قَالَ مُحَمَّدٌ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] أَيْ يُصَلِّبَهُ ثُمَّ يَقْتُلَهُ مَصْلُوبًا بِطَعْنَتِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ ثُمَّ يَصْلُبُهُ وَلَهُ أَنْ يَصْلُبَهُ ثُمَّ يَقْتُلُهُ مَصْلُوبًا، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَهُوَ الَّذِي يَرْوِيهِ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ يُقْتَلُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ يُصْلَبُ أَنَّ التَّغْلِيظَ بِالْقَتْلِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي نَفْسِ الْمُحَارِبِ وَلَا غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا التَّغْلِيظُ بِمَا يُفْعَلُ بِهِ حِينَ الْمَوْتِ مِنْ الصَّلْبِ وَالتَّشْنِيعِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْقَتْلَ فِي الْحُدُودِ يَمْنَعُ مَا قَبْلَهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِذَلِكَ لَا يُقْطَعُ وَلَا يُضْرَبُ قَبْلَ الْقَتْلِ، ثُمَّ يُقْتَلُ فَلَمَّا امْتَنَعَ التَّغْلِيطُ بِالضَّرْبِ قَبْلَ الْقَتْلِ وَوَرَدَ بِهِ النَّصُّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْقَتْلِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَلَوْ حَبَسَهُ الْإِمَامُ لَيَصْلُبَهُ فَمَاتَ فِي السِّجْنِ فَإِنَّهُ لَا يُصْلَبُ وَلَوْ قَتَلَهُ أَحَدٌ فِي السِّجْنِ أَوْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ فَلْيَصْلُبْهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ فَقَدْ فَاتَتْ الْعُقُوبَةُ فِيهِ فَلَا مَعْنَى لِصَلْبِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْقَتْلِ أَوْ تَشْنِيعٌ لِلْقَتْلِ بَعْدَ وُقُوعِهِ فَإِذَا فَاتَ الْقَتْلُ بِالْمَوْتِ سَقَطَتْ صِفَتُهُ وَتَوَابِعُهُ، وَإِنَّمَا يُصْلَبُ لَيَظْهَرَ قَتْلُهُ وَلِيَبْقَى فَيُنْظَرَ إلَيْهِ فَيُزْدَجَرَ بِهِ، وَإِذَا مَاتَ فَلَا مَعْنَى لِصَلْبِهِ لِيَبْقَى عَلَى هَذِهِ الْحَالِ؛ لِأَنَّهَا حَالُ كُلِّ نَفْسٍ، وَأَمَّا إذَا قُتِلَ فِي السِّجْنِ فَقَدْ وَجَبَ الْقَتْلُ فَثَبَتَ تَوَابِعُهُ.
(فَرْعٌ) وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي بَقَائِهِ عَلَى الْجِذْعِ فَقَالَ أَصْبَغُ لَا بَأْسَ أَنْ يُخَلَّى لِمَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ إنْزَالَهُ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ، وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ إذَا صُلِبَ وَقُتِلَ نَزَلَ تِلْكَ السَّاعَةَ يُدْفَعُ إلَى وَلِيِّهِ يَدْفِنُهُ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْهُ أَهْلُهُ وَلَا غَيْرُهُمْ حَتَّى تَفْنَى الْخَشَبَةُ وَتَأْكُلَهُ الْكِلَابُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَيِّتٌ عَلَى الْإِسْلَامِ قُتِلَ فِي عُقُوبَةٍ فَثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالدَّفْنِ كَسَائِرِ مَنْ قُتِلَ فِي حَدٍّ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إنَّمَا صُلِبَ لِتَشْنِيعِ أَمْرِهِ وَيَبْقَى مَعْنَى الِازْدِجَارِ بِهِ، وَذَلِكَ يُنَافِي إنْزَالَهُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يُنْزَلُ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ يُنْزَلُ فَيُغَسِّلُهُ أَهْلُهُ، وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إنْ رَأَى إعَادَتَهُ إلَى الْخَشَبَةِ فَعَلَ، وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِمَنْ سَأَلَهُ مِنْ الْأَنْدَلُسِ قَالَ: وَأَمَّا الَّذِي قَالَ لِي أَنَا فَلَا يُعَادُ إلَى الْخَشَبَةِ وَلَا يُتْرَكُ عَلَيْهَا بَعْدَ الْقَتْلِ، وَلَكِنْ يُنْزَلُ وَيُدْفَعُ إلَى أَهْلِهِ فَمَعْنَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى الْخَشَبَةِ لِيَبْقَى وَجْهُ الِازْدِجَارِ بِهِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ يُقْتَلُ بَعْدَ الصَّلْبِ لِتَشْنِيعِ صِفَةِ قَتْلِهِ خَاصَّةً وَلَيْسَ الصَّلْبُ لِبَقَاءِ حَالِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا رَأَى الْإِمَامُ قَطْعَهُ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]
стр. 2081
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَذَلِكَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَلَوْ كَانَ أَقْطَعَ الْيُمْنَى أَوْ كَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى شَلَّاءَ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْقَطْعَ أَوَّلَ مَرَّةٍ مُتَعَلِّقٌ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَالرِّجْلِ الْيُسْرَى فَإِذَا مَنَعَ مِنْ قَطْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى مَانِعٌ انْتَقَلَ إلَى الْيَدِ الْيُسْرَى وَبَقِيَ الْقَطْعُ فِي الرِّجْلِ الْيُسْرَى عَلَى مَا كَانَ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْخِلَافَ مَشْرُوعٌ فِي قَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِقَطْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى وَالرِّجْلِ الْيُسْرَى وَانْتَقَلَ إلَى الْيُسْرَى وَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ قَطْعُ الرِّجْلِ إلَى الْيُمْنَى، وَبِذَلِكَ يُوجَدُ الْخِلَافُ قَالَ مُحَمَّدٌ وَلَا يُجْلَدُ مَعَ الْقَطْعِ مِنْ خِلَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَرْعٌ) وَالْقَطْعُ فِي الْيَدَيْنِ مِنْ الْكُوعِ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ ﴿وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] .
وَقَالَ فِي السَّرِقَةِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] فَكَانَ الْقَطْعُ فِي الْحِرَابَةِ كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ إلَّا أَنَّ الْمُحَارِبَ يُقْطَعُ فِي يَسِيرِ مَا يَأْخُذُهُ وَكَثِيرِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ نِصَابٌ وَالسَّرِقَةُ يُعْتَبَر فِيهَا النِّصَابُ؛ لِأَنَّ آيَاتِهَا مَخْصُوصَةٌ بِالسُّنَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُقْطَعُ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحِرْزُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ النِّصَابُ كَإِسْقَاطِ الْعَدَالَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا النَّفْيُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ يُؤْخَذُ بِأَيْسَرِ ذَلِكَ، وَهُوَ الْجَلْدُ وَالنَّفْيُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ النَّفْيُ الْمُرَادُ بِهِ فِي آيَةِ الْمُحَارِبِينَ هُوَ إخْرَاجُهُمْ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ إلَى غَيْرِهِ وَحَبْسُهُمْ فِيهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: وَإِنَّ جَلْدَهُ مَعَ النَّفْيِ لَضَعِيفٌ، وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنَهُ لِمَا خُفِّفَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ قَالَهُ قَائِلٌ لَمْ أَعِبْهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يُنْفَى وَيُحْبَسُ حَيْثُ يُنْفَى إلَيْهِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، قَالَ أَصْبَغُ يُكْتَبُ إلَى عَامِلِ الْبَلَدِ الَّذِي نُفِيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَلَيْسَ لِجِلْدِهِ حَدٌّ إلَّا اجْتِهَادُ الْإِمَامِ فِيهِ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ إذَا اسْتَحَقَّ عِنْدَهُ النَّفْيَ فَلْيَضْرِبْهُ وَيَسْجُنْهُ بِبَلَدِهِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، فَذَلِكَ عِنْدَنَا نَفْيٌ وَتَغْرِيبٌ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ عِنْدَنَا النَّفْيُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُنْفَى مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ يُسْجَنُ بِهَا، وَإِنَّمَا يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ مَعْنَاهُ أَنْ يُطْلَبُوا فَيَخْتَفُونَ، وَأَنْتُمْ تَطْلُبُونَهُمْ لِتُقَامَ عَلَيْهِمْ الْعُقُوبَةُ فَإِذَا ظَفَرَ بِهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ إحْدَى ثَلَاثِ عُقُوبَاتٍ الْقَتْلُ وَالصَّلْبُ أَوْ الْقَطْعُ هُوَ فِي ذَلِكَ مُخَيَّرٌ قَالَ وَهَكَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالْمُغِيرَةُ وَابْنُ دِينَارٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ.
وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَبِهِ أَقُولُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ نَفْيٌ وَجَلْدٌ أُقِيمَ مَقَامَ الْقَتْلِ فَكَانَ نَفْيًا وَتَغْرِيبًا إلَى بَلَدٍ آخَرَ كَتَغْرِيبِ الزَّانِي.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ حُكْمُ النَّفْيِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْأَحْرَارِ، وَأَمَّا الْعَبِيدُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ لَا نَفْيَ عَلَى الْعَبِيدِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ اعْتِبَارًا بِالزِّنَا.
وَقَالَ رَبِيعَةُ لَا يُنْفَى الْمُسْلِمُ الْمُحَارِبُ مِنْ بَلَدٍ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ وَلَكِنْ يُسْجَنُ فِي أَرْضِ الْقَرْيَةِ.
(فَصْلٌ) :
إذَا أُخِذَ الْمُحَارِبُ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ أَنْ لَا عَفْوَ فِيهِ لِإِمَامٍ وَلَا وَلِيِّ قَتِيلٍ وَلَا لِرَبِّ مَتَاعٍ، وَهُوَ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى لَا شَفَاعَةَ فِيهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا رَأَى الْقَاضِي فِي مُحَارِبٍ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَى أَوْلِيَاءِ مَنْ قَتَلَ فَعَفَوْا عَنْهُ فَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ هُوَ حُكْمٌ قَدْ نَفَذَ لَا يُنْقَضُ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ، وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ.
وَقَالَ أَشْهَبُ يُنْقَضُ وَيُقْتَلُ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا عَفْوَ فِيهِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي النَّوَادِرِ يُرِيدُ أَشْهَبُ أَنَّ الشَّاذَّ لَا يُعَدُّ خِلَافًا، وَإِذَا قَتَلَ وَاحِدٌ مِنْ اللُّصُوصِ قَتِيلًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَدْ اسْتَوْجَبَ جَمِيعُهُمْ الْقَتْلَ، وَلَوْ كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَقَالَ إذَا قَتَلَ أَحَدُهُمْ وَكَانَ سَائِرُهُمْ رِدْءًا وَأَعْوَانًا لَمْ يُبَاشِرُوا الْقَتْلَ فَإِنَّ جَمِيعَهُمْ يُقْتَلُونَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ لَا يُقْتَلُ إلَّا الْقَاتِلُ
стр. 2082
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُ أَنَّ مَنْ حَضَرَ الْوَقِيعَةَ يُشَارِكُ فِي الْغَنِيمَةِ وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ فَكَذَلِكَ هَذَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
لَا يُرَاعَى فِي الْقَتْلِ بِالْحِرَابَةِ تَكَافُؤُ الدِّمَاءِ فَيُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ وَالْحُرُّ بِالْعَبْدِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لَا يُقْتَلُ إلَّا مَنْ يُكَافِئُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا قَتْلٌ لَا يَسْقُطُ بِالْعَفْوِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِعَدَمِ التَّكَافُؤِ، أَصْلُ ذَلِكَ الْقَتْلُ بِالرِّدَّةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِ قِصَاصٍ وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْحِرَابَةِ لِلْإِمَامِ تَرْكُهُ إذَا رَأَى غَيْرَهُ أَفْضَلَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْقَتْلِ إذَا كَانَ قَدْ قَتَلَ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّينَ تَغَلَّظَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ قَتْلٌ عَلَى وَجْهِ الْحِرَابَةِ فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَإِذَا تَابَ الْمُحَارِبُ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ مَالِكٌ فِي تَوْبَةِ الْمُحَارِبِ مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنْ يَأْتِيَ لِلسُّلْطَانِ، وَإِنْ أَظْهَرَ تَوْبَتَهُ عِنْدَ جِيرَانِهِ وَأَخْلَدَ إلَى الْمَسَاجِدِ حَتَّى يُعْرَفَ ذَلِكَ مِنْهُ فَجَائِزٌ أَيْضًا، قَالَ أَصْبَغُ: وَكَذَلِكَ إنْ قَعَدَ فِي بَيْتِهِ وَعُرِفَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ تَرْكٌ مَعْرُوفٌ بَيِّنٌ يَبُوحُ بِهِ وَبِالتَّوْبَةِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ لَمْ تَكُنْ تَوْبَتُهُ إلَّا إتْيَانَهُ السُّلْطَانَ وَقَوْلَهُ جِئْتُك تَائِبًا لَمْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ حَتَّى يُظْهِرَ تَوْبَتَهُ قَبْلَ مَجِيئِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] ، يُرِيدُ أَنَّ هَذَا قَدْ قُدِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ إتْيَانَهُ السُّلْطَانَ عَلَى وَجْهِ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ لِلْحَقِّ هُوَ نَفْسُ التَّوْبَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] إظْهَارُ التَّوْبَةِ وَاعْتِقَادُهَا بِالْقَلْبِ فَلَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهَا، وَإِذَا أَتَى الْمُحَارِبُ السُّلْطَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ تَوْبَةَ الْمُحَارِبِ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ تُسْقِطُ عَنْهُ مَا كَانَ لِلَّهِ مِنْ حَدِّ الْحِرَابَةِ وَيُتَّبَعُ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ بِحَسْبِ مَا لَوْ فَعَلَهَا بِغَيْرِ حِرَابَةٍ فَإِنْ قَتَلَ فِي حِرَابَتِهِ قُتِلَ بِهِ قَتْلَ قِصَاصٍ فَاعْتُبِرَتْ الْمُكَافَأَةُ فَلَا يُقْتَلُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ بِعَبْدٍ وَلَا بِذِمِّيٍّ، وَعَلَيْهِ دِيَةُ النَّصْرَانِيِّ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ فِي مَالِهِ، وَيُقْتَلُ بِالْحُرِّ الْمُسْلِمِ إنْ شَاءَ ذَلِكَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ وَيَجُوزُ عَفْوُهُمْ، وَإِذَا سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ لِعَدَمِ مُكَافَأَةٍ أَوْ لِعَفْوٍ ضُرِبَ مِائَةَ سَوْطٍ وَيُسْجَنُ سَنَةً، حَكَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ حُقُوقَ الْبَارِي قَدْ سَقَطَتْ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ وَبَقِيَتْ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَاعْتُبِرَ فِيهَا مَا يُعْتَبَرُ فِي حُقُوقِهِمْ إذَا تَجَرَّدَتْ.
وَقَدْ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ أَشْهَبَ إذَا تَابَ الْمُحَارِبُ، وَقَدْ كَانَ زَنَى أَوْ سَرَقَ فِي حِرَابَتِهِ لَمْ يُوضَعْ ذَلِكَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذْنٌ سَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الْحِرَابَةِ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ الْحُدُودِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا قَتَلَ أَحَدُ الْمُتَحَارِبِينَ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ إذَا وَلِيَ أَحَدُ الْمُحَارِبِينَ قَتْلَ رَجُلٍ مِمَّنْ قَطَعُوا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُعَاوِنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قُتِلُوا أَجْمَعِينَ وَلَا عَفْوَ فِيهِمْ لِإِمَامٍ وَلَا لِوَلِيٍّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ تَابُوا كُلُّهُمْ فَإِنَّ لِلْوَلِيِّ قَتْلَهُمْ أَجْمَعِينَ وَلَهُمْ قَتْلُ مَنْ شَاءُوا وَالْعَفْوُ عَمَّنْ شَاءُوا عَلَى دِيَةٍ أَوْ دُونَ دِيَةٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ تَابُوا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ سَقَطَ عَنْهُمْ حَدُّ الْحِرَابَةِ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ وَلِيَ الْقَتْلَ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ، أَوْ أَمْسَكَهُ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ وَلَا يُقْتَلُ الْآخَرُونَ وَيُضْرَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةً وَيُسْجَنُ عَامًا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا أَخَذَ الْمُحَارِبُونَ مَالًا فَقُدِرَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ التَّوْبَةِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ أَخَذَ الْمَالَ أَحَدُهُمْ فَقُدِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ وَقَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ غُرْمُ جَمِيعِ ذَلِكَ الْمَالِ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ حِصَّةً أَوْ لَمْ يَأْخُذْ، وَلَوْ تَابَ أَحَدُهُمْ وَقَدْ اقْتَسَمُوا الْمَالَ فَإِنَّ هَذَا التَّائِبَ يَغْرَمُ جَمِيعَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ إنَّمَا قَوِيَ بِهِمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا نَرَى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا مَا أَخَذَ فَعَلَى هَذَا سَلَّمَ أَشْهَبُ فِي الْمَالِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَتْلِ وَسَوَّى بَيْنَهُمَا ابْنُ الْقَاسِمِ فِي
стр. 2083
مَا جَاءَ فِي الَّذِي يَسْرِقُ أَمْتِعَةَ النَّاسِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَسْرِقُ أَمْتِعَةَ النَّاسِ الَّتِي تَكُونُ مَوْضُوعَةً بِالْأَسْوَاقِ وَمُحْرَزَةً قَدْ أَحْرَزَهَا أَهْلُهَا فِي أَوْعِيَتِهِمْ، وَضَمُّوا بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ أَنَّهُ مَنْ سَرَقَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ حِرْزِهِ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ عِنْدَ مَتَاعِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَيْلًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ نَهَارًا)
ــ
[المنتقى]
أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُؤْخَذُ بِمَا جَنَى أَصْحَابُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا أُقِيمَ عَلَى الْمُحَارِبِ حَدُّ الْحِرَابَةِ فَقُتِلَ أَوْ قُطِعَ أَوْ نُفِيَ لَمْ يُتَّبَعْ بِشَيْءٍ مِمَّا جَنَاهُ فِي عَدَمِهِ، وَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِذَا تَابَ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ اُتُّبِعَ فِي عَدَمِهِ بِأَمْوَالِ النَّاسِ كَالسَّارِقِ، وَيُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الَّذِينَ قُطِعَ عَلَيْهِمْ الطَّرِيقُ عَلَى اللُّصُوصِ أَنَّهُمْ قَطَعُوا عَلَيْهِمْ الطَّرِيقَ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ قَالُوا لِأَنَّهُ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا أَخَذَ لَهُمْ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِابْنِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَنَّ هَذَا قَتَلَ ابْنَهُ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِالْحِرَابَةِ لَا بِالْقِصَاصِ إذْ لَا عَفْوَ فِيهِ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَابَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فِي الْعَفْوِ وَالْقِصَاصِ قَالَ سَحْنُونٌ: لِأَنَّ الْمُحَارِبِينَ إنَّمَا يَقْطَعُونَ بِالْمَفَاوِزِ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ إلَّا مَنْ قَطَعُوا عَلَيْهِ وَيُقْضَى عَلَى الْمُحَارِبِينَ بِرَدِّ مَا أَخَذُوا، وَإِنْ كَانُوا أَمْلِيَاءَ، قَالَ وَذَلِكَ إذَا كَانُوا عُدُولًا فَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا أَوْ نَصَارَى أَوْ غَيْرَ عُدُولٍ لَمْ يُقْبَلُوا، وَلَكِنْ إذَا اسْتَفَاضَ ذَلِكَ مِنْ الذِّكْرِ وَكَثْرَةِ الْقَوْلِ أَدَّبَهُمْ الْإِمَامُ وَيَنْفِيهِمْ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ إذَا بَلَغَ مِنْ شُهْرَةِ الْمُحَارِبِ بِاسْمِهِ مَا تَأَكَّدَ تَوَاتُرُهُ فَأَتَى مَنْ يَشْهَدُ أَنَّ هَذَا فُلَانٌ، وَقَالُوا لَمْ نَشْهَدْ قَطْعَهُ لِلطَّرِيقِ أَوْ قَطْعَهُ عَلَى النَّاسِ وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ إلَّا أَنَّا نَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ، وَقَدْ اسْتَفَاضَ عِنْدَنَا وَاشْتَهَرَ قَطْعُهُ لِلطَّرِيقِ أَوْ قَطْعُهُ لِلنَّاسِ أَوْ أَخْذُ أَمْوَالِهِمْ وَمَا شُهِرَ بِهِ مِنْ الْقَتْلِ وَأَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَالْفَسَادِ قَالَ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقْتُلُهُ بِهَذِهِ الشُّهْرَةِ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ شَاهِدَيْنِ عَلَى الْعِيَانِ أَرَأَيْت دبوطا أَيَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ عَايَنَهُ يَقْطَعُ وَيَقْتُلُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَا وُجِدَ بِأَيْدِي اللُّصُوصِ فَادَّعَوْا أَنَّهُ مَالٌ لَهُمْ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ هُوَ لَهُمْ، وَإِنْ كَثُرَ حَتَّى يُقِيمَ مُدَّعُوهُ الْبَيِّنَةَ، وَأَمَّا إذَا أَقَرُّوا أَنَّهُ مِمَّا أَخَذُوهُ بِالْحِرَابَةِ فَيُقْبَلُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ الرُّفْقَةِ أَهْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَلَا يَجُوزُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَكِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ يُدْفَعُ إلَيْهِ بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ وَبَعْدَ أَنْ يَفْشُوَ ذَلِكَ وَلَا يَطُولَ جِدًّا بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ مُدَّعُوهُ وَيَضْمَنُوا ذَلِكَ، وَلَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ حُمَلَاءُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ ادَّعَاهُ رَجُلَانِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا حَلَفَا، وَكَانَ بَيْنَهُمَا وَمَنْ نَكَلَ مِنْهُمَا فَهُوَ لِصَاحِبِهِ إنْ حَلَفَ فَإِنْ نَكَلَا لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْيَمِينَ هَاهُنَا لَا بُدَّ لِلسُّلْطَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي الَّذِي يَسْرِقُ أَمْتِعَةَ النَّاسِ]
(ش) : قَوْلُهُ الَّذِي يَسْرِقُ أَمْتِعَةَ النَّاسِ الْمَوْضُوعَةَ بِالْأَسْوَاقِ مُحْرَزَةً أَنَّهَا وُضِعَتْ فِي السُّوقِ عَلَى وَجْهِ الْإِحْرَازِ لَهَا عَلَى مَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَقْصِدُ السُّوقَ، فَيَنْزِلُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَانُوتٍ فَيَضَعُ مَتَاعَهُ فِي مَوْضِعٍ يَتَّخِذُهُ لِنَفْسِهِ مَوْضِعًا وَحِرْزًا لِمَتَاعِهِ يَضَعُهُ فِيهِ لِلْبَيْعِ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَا وُضِعَ فِي السُّوقِ لِلْبَيْعِ مِنْ مَتَاعٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ حَانُوتٍ وَلَا تَحْصِينٍ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مَوْضِعٌ أَحْرَزَ فِيهِ مَتَاعَهُ كَالْحَانُوتِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَكَذَلِكَ الشَّاةُ تُوقَفُ بِالسُّوقِ لِلْبَيْعِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَرْبُوطَةً قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَكَذَلِكَ الْبَعِيرُ يَعْقِلُهُ صَاحِبُهُ فِي السُّوقِ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ الْإِبِلُ الْمُنَاخَةُ بِمَوْضِعٍ يُرْتَادُ فِيهِ الْكِرَاءُ قَدْ عُرِفَ لِذَلِكَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَوْقِفَ الشَّاةِ لِلتَّسْوِيقِ حِرْزٌ لَهَا، وَلِذَلِكَ وَقَفَتْ بِهِ
стр. 2084
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَكَذَلِكَ مُنَاخُ الْبَعِيرِ حِرْزٌ لَهُ فَمَنْ أَخْرَجَهُ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ لَهُ حُكْمُ السَّارِقِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْغَسَّالُ يَغْسِلُ الثِّيَابَ فَيَنْشُرُهَا عَلَى الشَّجَرِ فَيَسْرِقُ مِنْهَا أَوْ يَسْرِقُ مَا عَلَى حِبَالِ الصَّبَّاغِينَ مِنْ الثِّيَابِ الْمَنْشُورَةِ فِي الطَّرِيقِ رَوَى فِي الْمَوَّازِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ لَا قَطْعَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ الْقَطْعُ فِيهَا وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ وَأَصْبَغَ فِيمَنْ سَرَقَ حِبَالَ الْغَسَّالِ أَوْ سَرَقَ لِلْغَسَّالِ ثِيَابًا يُقْطَعُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا اُحْتُجَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا تُوضَعُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الْحِفْظِ لَهَا، وَإِنَّمَا تُوضَعُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ مَعَ كَوْنِهِ مُبَاحًا فِي الْأَصْلِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاشِيَةِ فِي الْمَرْعَى لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَهَا، وَيُقْطَعُ مَنْ سَرَقَهَا مِنْ حِرْزِهَا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الْحِفْظِ، وَلَيْسَ مَا قُصِدَ مِنْ تَجْفِيفِهَا بِمَانِعٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حِرْزًا لَهَا كَالثِّيَابِ الَّتِي تُوضَعُ فِي السُّوقِ لِلْبَيْعِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَانِعٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ حِرْزًا لَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ كَانَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ عِنْدَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ حِرْزٌ لَهُ بِانْفِرَادِهِ وَمِنْ الْمَوْضِعِ مَا لَا يَكُونُ حِرْزًا إلَّا بِشَهَادَةِ صَاحِبِ الْمَتَاعِ أَوْ قُرْبِهِ مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ ذِكْرِ ذَلِكَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَا اتَّخَذَهُ صَاحِبُهُ مُسْتَقَرًّا فَإِنَّهُ يَكُونُ حِرْزًا، وَإِنْ غَابَ صَاحِبُهُ عَنْهُ وَمَا لَمْ يَتَّخِذْهُ مَنْزِلًا وَلَا قَرَارًا وَإِنَّمَا وَضَعَ فِيهِ مَا ثَقُلَ عَلَيْهِ مِنْ أَسْبَابِهِ لِذَهَابِهِ إلَى مَوْضِعٍ أَوْ مُحَاوَلَةَ أَمْرٍ حَتَّى تَفْرُغَ فَيَأْخُذَهُ، أَوْ وَضَعَهُ مِنْ يَدِهِ إلَى أَنْ يَقُومَ فَيَحْمِلَهُ فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ حِرْزًا إلَّا مَعَ كَوْنِهِ مَعَهُ وَحِفْظِهِ لَهُ هُوَ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا،.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ فِي مَطَامِيرَ بِالْفَلَاةِ يُحْرَزُ فِيهَا الطَّعَامُ، وَتُعَمَّى حَتَّى لَا تُعْرَفَ فَهَذَا لَا يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَهُ، وَلَوْ كَانَ الْمَطْمَرُ بَيْتًا مَعْرُوفًا بِحَضْرَةِ أَهْلِهِ، قُطِعَ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي أَخْفَى مَكَانَهُ لَمْ يَجْعَلْهُ حِرْزًا وَلَا اعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ عَلَى إخْفَائِهِ وَسَتْرِهِ، وَاَلَّذِي تُرِكَ ظَاهِرًا أَوْ كَانَ بِقُرْبِ مَنْزِلِهِ إنَّمَا اعْتَمَدَ فِي حِفْظِهِ طَعَامَهُ عَلَى مَوْضِعِهِ مَعَ قُرْبِهِ مِنْ مُرَاعَاتِهِ فَثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْحِرْزِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ طَرَحَ ثَوْبًا بِالصَّحْرَاءِ، وَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فَسَرَقَ فَإِنْ كَانَ مَنْزِلًا يَنْزِلُهُ قُطِعَ سَارِقُهُ وَإِلَّا لَمْ يُقْطَعْ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ طَرَحَهُ بِمَوْضِعِ ضَيْعَةٍ فَلَا قَطْعَ فِيهِ، وَإِنْ طَرَحَهُ بِقُرْبٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ خِبَائِهِ أَوْ مِنْ خِبَاءِ أَصْحَابِهِ لَقُطِعَ مَنْ سَرَقَهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْخِبَاءِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا طَرَحَهُ بِالْفَلَاةِ، وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ مَنْزِلًا لَهُ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى الْمَوْضِعِ فِي حِفْظِهِ، وَلَا ثَبَتَ لِلْمَوْضِعِ حُكْمُ الْحِرْزِ وَإِنْ نَزَلَ بِمَوْضِعٍ اتَّخَذَهُ مَحَلًّا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْحِرْزِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى حِفْظِ أَسْبَابِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ وَضَعَهُ بِقُرْبِهِ أَوْ بِقُرْبِ خِبَائِهِ أَوْ بِقُرْبِ خِبَاءٍ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ اعْتَمَدَ فِي حِفْظِهِ عَلَى مَوْضِعِهِ، وَجَعَلَهُ حِرْزًا لَهُ لِيُمْكِنَهُ مِنْ مُرَاعَاتِهِ أَوْ لِمُرَاعَاةِ أَهْلِ الْخِبَاءِ بِهِ فَمَنْ سَرَقَهُ مِمَّنْ لَا يُشَارِكُهُ فِي مَوْضِعِهِ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ الْقَطْعُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ صَبِيٌّ عَلَى دَابَّةٍ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَسَرَقَ رَجُلٌ رِكَابَيْ سَرْجِهَا فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ إنْ لَمْ يَكُنْ الصَّبِيُّ نَائِمًا وَكَانَ مُسْتَيْقِظًا فَعَلَى سَارِقِهَا الْقَطْعُ، وَإِنْ كَانَ نَائِمًا فَيُشْبِهُ أَنْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ كَانَ نَائِمًا فَلَا قَطْعَ عَلَى السَّارِقِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَوْضِعَ لَمْ يَنْزِلْهُ صَاحِبُ الدَّابَّةِ فَلَيْسَ بِحِرْزٍ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ حِرْزًا يَحْفَظُ الصَّبِيَّ مَا دَامَ يَقْظَانَ فَإِذَا نَامَ مَعَ كَوْنِهِ صَبِيًّا زَالَ عَنْ الْمَوْضِعِ حُكْمُ الْحِرْزِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ فِيمَنْ نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ وَتَرَكَهَا تَرْعَى، فَسَرَقَ رَجُلٌ سَرْجَهَا مِنْ عَلَيْهَا فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ كَمَنْ سَرَقَ شَيْئًا كَانَ مَعَ صَبِيٍّ لَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ سَرَقَ قُرْطًا مِنْ أُذُنِ صَبِيٍّ أَوْ سِوَارًا عَلَيْهِ وَمَعَهُ، فَأَمَّا الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَلَا يُحْرِزُ مَا عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَحَدٌ يَحْفَظُهُ قُطِعَ السَّارِقُ، وَإِنْ لِمَ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ يَخْدُمُهُ أَوْ يَصْحَبُهُ فَلَا قَطْعَ عَلَى السَّارِقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ فِي حِرْزٍ فَيُقْطَعُ سَارِقُ مَا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ يَعْقِلُ وَيُحْرِزُ
стр. 2085
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَسْرِقُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْقَطْعُ، ثُمَّ يُوجَدُ مَعَهُ مَا سَرَقَ فَيَرُدُّ عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ تُقْطَعُ يَدُهُ، وَقَدْ أُخِذَ الْمَتَاعُ مِنْهُ وَدُفِعَ إلَى صَاحِبِهِ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّارِبِ يُوجَدُ مِنْهُ رِيحُ الشَّرَابِ الْمُسْكِرِ وَلَيْسَ بِهِ سُكْرٌ فَيُجْلَدُ الْحَدُّ، قَالَ: وَإِنَّمَا يُجْلَدُ الْحَدُّ فِي الْمُسْكِرِ إذَا شَرِبَهُ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا شَرِبَهُ لِيُسْكِرَهُ، فَكَذَلِكَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي السَّرِقَةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا وَرَجَعَتْ إلَى صَاحِبِهَا، وَإِنَّمَا سَرَقَهَا حِينَ سَرَقَهَا لِيَذْهَبَ بِهَا) .
ــ
[المنتقى]
مَا عَلَيْهِ قُطِعَ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حِرْزٍ وَلَا مَعَهُ حَافِظٌ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُ عَلَى خَدِيعَةٍ بِمَعْرِفَةٍ مِنْ الصَّبِيِّ لَمْ يُقْطَعْ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا لَمْ يَكُنْ يَعْقِلُ فَلَا يَثْبُتُ بِمَوْضِعِهِ وَلَا لَهُ حُكْمُ الْحِرْزِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَنْ يَحْفَظُهُ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْحِرْزِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ هُوَ يَعْقِلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ الَّذِي حَلَّ فِيهِ مَنْزِلًا، وَلَوْ اتَّخَذَهُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مَنْزِلًا لَثَبَتَ لِلْمَوْضِعِ حُكْمُ الْحِرْزِ، وَقُطِعَ سَارِقُ مَا عَلَى الصَّبِيِّ وَإِنْ لَمْ يَعْقِلْ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ حَافِظٌ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إنَّمَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ مِمَّنْ يُحْرِزُ مَا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مَا عَلَيْهِ، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ فِيمَنْ سَرَقَ خَلْخَالَ صَبِيٍّ أَوْ قُرْطَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْ حُلِيِّهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا عَلَيْهِ الْقَطْعُ إذَا كَانَ فِي دَارِ أَهْلِهِ أَوْ فِنَائِهِمْ وَالْأُخْرَى لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فَأَوْرَدَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَفْصِيلًا غَيْرَ أَنَّهُ يَقْتَضِي قَوْلُهُ إذَا كَانَ فِي دَارِ أَهْلِهِ أَوْ فِي فِنَائِهِمْ أَنَّهُ صَغِيرٌ لَا يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَنَّ مُسَافِرِينَ ضَرَبُوا أَقْبِيَتَهُمْ أَوْ أَنَاخُوا إبِلَهُمْ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ الْقَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ بَعْضَ مَتَاعِهِمْ مِنْ الْخِبَاءِ أَوْ خَارِجِهِ، أَوْ سَرَقَ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ مُعَقَّلَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُعَقَّلَةٍ إنْ كَانَتْ قُرْبَ صَاحِبِهَا مَعْنَاهُ أَنْ تُنَاخَ فِي مَنْزِلِهَا الَّذِي تَأْوِي إلَيْهِ بِقُرْبِ خِبَائِهِ، وَأَمَّا إنْ أَنَاخَهَا عَلَى أَنْ يَنْقُلَهَا إلَى مَوْضِعِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِحِرْزٍ لَهَا بِانْفِرَادِهِ قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ إبِلِهِمْ فِي الْمَرْعَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ سَرَقَ مَرْكَبًا فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الْقَطْعُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ إنْ كَانَتْ فِي الْمَرْسَى عَلَى وَتَدِهَا أَوْ بَيْنَ السُّفُنِ أَوْ مَوْضِعٍ هُوَ لَهَا حِرْزٌ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَهَا أَحَدٌ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَحَدٌ أَوْ كَانَتْ مُخْلَاةً أَوْ افْتَلَتَتْ وَلَا أَحَدَ مَعَهَا فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَهَا، وَإِنْ كَانَ بِهَا مُسَافِرُونَ فَأَرْسَوْا بِهَا فِي مَرْسًى وَرَبَطُوهَا وَنَزَلُوا كُلُّهُمْ وَتَرَكُوهَا فِيهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَهَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ رَبَطُوهَا فِي غَيْرِ مَرْبِطٍ لَمْ يُقْطَعْ كَالدَّابَّةِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ يَصْلُحُ أَنْ يُرْسَى بِهَا فِيهِ قُطِعَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُقْطَعْ فَالْأَقْوَالُ كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يَنْزِلُ لَهَا فَهِيَ حِرْزُهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ مَنْزِلٍ لَهَا فَلَيْسَ بِحِرْزٍ بِانْفِرَادِهِ حَتَّى يَنْضَافَ إلَى ذَلِكَ مَنْ يُحْرِزُهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ الَّذِي يَسْرِقُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ، وَيُرَدُّ إلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ يَقْطَعُ يُرِيدُ أَنَّهُ وُجِدَ مَعَهُ الْمَتَاعُ خَارِجَ الْحِرْزِ، قَالَ أَشْهَبُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِرَدِّهِ إلَى صَاحِبِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَدَّهُ إلَى الْحِرْزِ بَعْدَ إخْرَاجِهِ مِنْهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ مَا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْقَطْعِ بِرَدِّ الْمَتَاعِ إلَى الْحِرْزِ.
(فَرْعٌ) وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقَطْعُ بِإِخْرَاجِ السَّرِقَةِ مِنْ الْحِرْزِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِسْرَارِ وَالسَّرِقَةِ، فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ لِيَسْرِقَ فَاتَّزَرَ بِإِزَارٍ ثُمَّ شُعِرَ بِهِ فَخُدَّ فَانْفَلَتَ، وَالْإِزَارُ عَلَيْهِ فَقَدْ رَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ عَلِمَ أَهْلُ الْبَيْتِ أَنَّ الْإِزَارَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الْحِرْزِ عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِلَاسِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ رَأَى صَاحِبُ الْمَتَاعِ السَّارِقَ يَسْرِقُ مَتَاعَهُ فَتَرَكَهُ، وَأَتَى بِشَاهِدَيْنِ فَرَأَيَاهُ وَرَبَّ الْمَتَاعِ يَخْرُجُ بِالسَّرِقَةِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ لِأَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ زَادَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَمْنَعَهُ مَنَعَهُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ أَصْبَغُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ خَرَجَ بِالْمَتَاعِ بِعِلْمِ صَاحِبِهِ فَلَمْ يَكُنْ سَارِقًا؛ لِأَنَّ تَسْوِيغَهُ ذَلِكَ
стр. 2086
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْقَوْمِ يَأْتُونَ إلَى الْبَيْتِ فَيَسْرِقُونَ مِنْهُ جَمِيعًا، فَيَخْرُجُونَ بِالْعِدْلِ يَحْمِلُونَهُ جَمِيعًا أَوْ الصُّنْدُوقِ أَوْ الْخَشَبَةِ أَوْ بِالْمِكْتَلِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْمِلُهُ الْقَوْمُ جَمِيعًا أَنَّهُمْ إذَا أَخْرَجُوا ذَلِكَ مِنْ حِرْزِهِ وَهُمْ يَحْمِلُونَهُ جَمِيعًا فَبَلَغَ ثَمَنَ مَا خَرَجُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا فَعَلَيْهِمْ الْقَطْعُ جَمِيعًا قَالَ: وَإِنْ خَرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَتَاعٍ عَلَى حِدَتِهِ فَمَنْ خَرَجَ بِمَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَمَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ بِمَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ إذَا كَانَتْ دَارُ رَجُلٍ مُغْلَقَةً عَلَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ فِيهَا غَيْرُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْهَا شَيْئًا الْقَطْعُ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ مِنْ الدَّارِ كُلِّهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّارَ هِيَ حِرْزُهُ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي الدَّارِ سَاكِنٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ يُغْلِقُ عَلَيْهِ بَابَهُ وَكَانَتْ حِرْزًا لَهُمْ جَمِيعًا فَمَنْ سَرَقَ مِنْ بُيُوتِ تِلْكَ الدَّارِ شَيْئًا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ، فَخَرَجَ بِهِ إلَى الدَّارِ فَقَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ إلَى غَيْرِ حِرْزِهِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ الْقَطْعُ)
ــ
[المنتقى]
كَالْإِذْنِ لَهُ وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّهُ خَرَجَ بِهِ مُسْتَسِرًّا فَكَانَ سَارِقًا؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ كَوْنِهِ سَارِقًا إنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إلَى صِفَةِ فِعْلِهِ دُونَ صِفَةِ فِعْلِ غَيْرِهِ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا اشْتَرَكُوا فِي إخْرَاجِ السَّرِقَةِ مِنْ الْحِرْزِ وَمَبْلَغُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَعَلَيْهِمْ الْقَطْعُ، وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَسْتَطِيعُوا إخْرَاجَهُ إلَّا بِالتَّعَاوُنِ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: إنَّمَا مَثَلُ الْجَمَاعَةِ تَسْرِقُ مَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَيُقْطَعُونَ كَالْجَمَاعَةِ يَقْطَعُونَ يَدَ الرَّجُلِ خَطَأً فَإِنَّهُ يَلْزَمُ ذَلِكَ عَوَاقِلُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ كُلَّ عَاقِلَةٍ إلَّا عُشْرُ الدِّيَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ اشْتِرَاكُهُمْ فِي إخْرَاجِهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّعَاوُنِ، وَهُمْ مِمَّا يُمْكِنُ أَحَدُهُمْ الِانْفِرَادَ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ مَشَقَّةٍ كَالثَّوْبِ أَوْ الصُّرَّةِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنَّمَا يُقْطَعُ مَنْ أَخْرَجَ مِنْهُمْ نِصَابًا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ كَانَتْ السَّرِقَةُ إذَا قُسِّطَتْ عَلَيْهِمْ أَصَابَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابٌ فَعَلَيْهِمْ الْقَطْعُ كَانَتْ خَفِيفَةً أَوْ ثَقِيلَةً، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إذَا كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى تَعَاوُنٍ قَطَعُوا إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ رُبُعَ دِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّعَاوُنِ فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ لَا قَطْعَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إلَّا إنْ كَانَ يُصِيبُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رُبُعُ دِينَارٍ، قَالَ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَيْهِمْ الْقَطْعُ سَوَاءً كَانَتْ سَرِقَتُهُمْ يُمْكِنُ الِانْفِرَادُ بِهَا أَوْ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهَا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَالَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] وَهَذَا عَامٌّ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِيمَا لَوْ انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمْ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَإِذَا اشْتَرَكُوا فِيهِ وَجَبَ عَلَى جَمِيعِهِمْ الْحَدُّ كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ؛ وَلِأَنَّهُمْ سَرَقُوا مَتَاعًا فَحَمَلُوهُ عَلَى دَابَّةٍ إلَى خَارِجِ الْحِرْزِ فَإِنَّ الْقَطْعَ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى رَأْيِ مَنْ رَأَى الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا أَنْ مَا نُقِلَ مِنْ الْمَتَاعِ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدُهُمْ أَنْ يُخْرِجَهُ بِانْفِرَادِهِ، وَإِنَّمَا يُخْرِجُونَهُ بِاجْتِمَاعِهِمْ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُخْرِجًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَاهُ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ الْآخَرُ فَلَمْ يَنْفَرِدْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِ جَمَّتِهِ وَلَا جُزْءٍ مِنْهُ مَعَ كَوْنِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَكَانَ إخْرَاجُهُ مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ إلَّا جَمِيعُهُمْ، وَإِذَا كَانَ الثَّوْبُ الْخَفِيفُ الَّذِي يُخْرِجُهُ أَحَدُهُمْ دُونَ تَكَلُّفٍ فَإِخْرَاجُ جَمَاعَتِهِمْ لَهُ إنَّمَا هُوَ مَنْزِلَةُ الْقَبْضِ لَهُ، وَالِانْفِرَادُ بِهِ فَقَدْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِإِخْرَاجِ أَقَلَّ مِنْ النِّصَابِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ خَرَجَ أَحَدُهُمْ بِالسَّرِقَةِ وَلَمْ يُخْرِجْ غَيْرُهُمْ شَيْئًا فَالْقَطْعُ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ النِّصَابَ دُونَ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا اُعْتُبِرَ بِمَا أَخْرَجَ دُونَ مَا أَخْرَجَ غَيْرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْحِرْزِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحِرْزَ إذَا كَانَ
стр. 2087
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
دَارًا فَإِنَّهُ حِرْزٌ لِسَاكِنِهِ دُونَ مَالِكِهِ فَمَنْ اسْتَعَارَ بَيْتًا فَأَحْرَزَ فِيهِ مَتَاعَهُ، وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَنَقَبَ عَلَيْهِ مَالِكُ الْبَيْتِ الْبَيْتَ وَسَرَقَ الْمَتَاعَ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ مُكَلَّفٌ سَرَقَ نِصَابًا لَا شُبْهَةَ فِيهِ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، فَلَزِمَهُ الْقَطْعُ كَالْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْحِرْزِ مِلْكًا لَهُ لَا يَنْفِي عَنْهُ الْقَطْعَ كَمَا لَوْ كَانَتْ دَارُهُ فَأَكْرَاهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ أَحْرَزَ مَتَاعَهُ فِي بَيْتٍ مِنْ دَارِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الدَّارُ غَيْرَ مُبَاحَةٍ أَوْ مُبَاحَةً فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ غَيْرَ مُبَاحَةٍ فَسَاكِنُ الدَّارِ وَاحِدٌ أَوْ سَكَنَهَا جَمَاعَةٌ سُكْنَى مَشَاعًا، فَإِنَّ جَمِيعَ الدَّارِ حِرْزٌ وَاحِدٌ لَا يُقْطَعُ إلَّا مَنْ أَخْرَجَ السَّرِقَةَ عَنْ جَمِيعِهَا، وَإِنْ كَانَ سَكَنَ الدَّارَ جَمَاعَةٌ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْفَرِدُ بِسُكْنَاهُ وَيُغْلِقُهُ عَنْ الْآخَرِ فَإِنَّ كُلَّ مَسْكَنٍ مِنْهَا حِرْزٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، فَمَنْ سَرَقَ مِنْ مَسْكَنٍ مِنْهَا فَإِنَّهُ يُقْطَعُ إذَا أَخْرَجَ السَّرِقَةَ مِنْهُ، وَإِنْ وُجِدَ فِي الدَّارِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ تُدْخَلُ بِغَيْرِ إذْنٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَنْفَرِدَ سَاكِنُهَا أَوْ يَسْكُنُهَا جَمَاعَةٌ فَإِنْ سَكَنَهَا وَاحِدٌ مُنْفَرِدٌ قَدْ حَجَرَ عَلَى نَفْسِهِ فِي بَعْضِهَا.
فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الدَّارِ الَّتِي هَذِهِ صِفَتُهَا وَلَا بَابَ لَهَا أَنَّهُ مَنْ سَرَقَ مِنْ بَعْضِ بُيُوتِهَا فَيُوجَدُ قَدْ خَرَجَ بِهِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنٍ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الدَّارِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ سَاكِنٌ آخَرُ فَلْيُقْطَعْ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الدَّارِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَمَّا الدَّارُ الْمُبَاحَةُ الَّتِي هِيَ طُرُقٌ لِلْمَارَّةِ الْمُشْتَرَكَةُ النَّافِذَةُ فَهِيَ عِنْدِي كَالْمِقْيَاسِ بِالْفُسْطَاطِ لَيْسَ الْحِرْزُ فِيهَا إلَّا مَنْ أَحْرَزَ مَتَاعَهُ عَلَى حِدَةٍ، فَمَنْ نَزَلَ مِنْهَا مَوْضِعًا وَوَضَعَ مَتَاعَهُ وَتَابُوتَهُ فَلَا يَنْقَلِبُ بِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَيْسَتْ أَبْوَابُهَا حِرْزًا لِمَا فِيهَا، وَهِيَ كَالدُّورِ تُغْلَقُ بِاللَّيْلِ وَتُبَاحُ بِالنَّهَارِ فَعَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ ذَلِكَ الْحِرْزِ فِيهَا الْقَطْعُ، وَإِنْ أَخَذَ فِي الدَّارِ فَإِذَا جَمَعْنَا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فَإِنَّ الْإِذْنَ الْعَامَّ فِي الدَّارِ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ أَنْ تَكُونَ دَارًا حَتَّى تَكُونَ طَرِيقًا لِلْمَارَّةِ نَافِذًا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حِينَئِذٍ حُكْمُ الْحِرْزِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَالرَّبَضِ لَا يَكُونُ الْحِرْزُ فِيهِ إلَّا بِاِتِّخَاذِهِ مُسْتَقَرًّا فَهَذَا حُكْمُ الدَّارِ الَّتِي يَنْفَرِدُ بِسُكْنَاهَا السَّاكِنُ أَوْ حُكْمُ مَسَاكِنِ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَأَمَّا سَاحَتُهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَلَوْ نَشَرَ فِي الدَّارِ بَعْضُ السَّاكِنِينَ ثَوْبًا فَسَرَقَهُ أَجْنَبِيٌّ قُطِعَ وَلَا يُقْطَعُ إنْ سَرَقَهُ بَعْضُ أَهْلِ الدَّارِ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا حُكْمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْضِعِ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْحِرْزِ بِاخْتِلَافِ مَا يَكُونُ فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا ذُكِرَ لِأَصْحَابِنَا فِي أَمْتِعَةِ الْبُيُوتِ فَأَمَّا الدَّابَّةُ تَكُونُ الدَّارُ الْمُشْتَرَكَةُ فِيهَا الْبُيُوتُ يَسْكُنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيْتَهُ، وَيُغْلِقُ عَلَيْهِمْ وَيَرْبِطُ بَعْضُهُمْ فِي الدَّارِ دَابَّتَهُ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ مَنْ خَلَعَ بَابَهَا أَوْ نَقَبَهَا فَأَخَذَ مِنْ قَاعَتِهَا دَابَّةً فَيُؤْخَذُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ بِهَا مِنْ الدَّارِ فَالْقِيَاسُ أَنْ يُقْطَعَ إذَا حَلَّهَا وَبَانَ بِهَا عَنْ مِذْوَدِهَا بِالْأَمْرِ الْبَيِّنِ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ الْبَابِ، وَكَذَلِكَ رِزْمَةُ الثِّيَابِ يَكُونُ ذَلِكَ مَوْضِعَهَا مِثْلَ الْأَعْكَامِ وَالْأَعْدَالِ وَالشَّيْءِ الثَّقِيلِ قَدْ جُعِلَ فِي مَوْضِعِهِ فَهُوَ كَالدَّابَّةِ عَلَى مِذْوَدِهَا إذَا أَبْرَزَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ قُطِعَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا سَاكِنٌ وَاحِدٌ أَوْ لَا سَاكِنَ فِيهَا فَلَا يُقْطَعُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْخَشَبِ الْمُلْقَاةِ وَالْعَمُودِ، وَأَمَّا مَا لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ، وَإِنَّمَا وُضِعَ لِيُحْمَلَ إلَى مَخْزَنِهِ كَالثَّوْبِ وَالْعَيْبَةِ وَنَحْوِهِ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ وَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ بَابِ الدَّارِ إذَا كَانَتْ مُشْتَرَكَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُشْتَرَكَةً فَإِنَّمَا يُقْطَعُ إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ بَابِ الدَّارِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مَوْضِعُهُ حِرْزًا لَهَا فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِنَقْلِهِ عَنْهُ فِي الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَهُ حِرْزٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ غَيْرَ مُشْتَرَكَةٍ فَجَمِيعُهَا حِرْزٌ لَهُ، وَأَمَّا مَا وُضِعَ فِي غَيْرِ حِرْزِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ لِيُنْقَلَ إلَى حِرْزِهِ فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ مُشْتَرَكَةً فَلَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حِرْزِهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُشْتَرَكَةٍ فَجَمِيعُهَا حِرْزٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْقَلُ عَنْهَا، وَإِنَّمَا يُنْقَلُ فِيهَا مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ فَيَتَعَلَّقُ الْقَطْعُ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ جَمِيعِهِ دُونَ نَقْلِهِ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 2088
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَسْرِقُ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ خَدَمِهِ وَلَا مِمَّنْ يُؤْمَنُ عَلَى بَيْتِهِ، ثُمَّ دَخَلَ سِرًّا فَسَرَقَ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ أَنَّهُ قَطْعٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ إذَا سَرَقَتْ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهَا لَا قَطْعَ عَلَيْهَا.
قَالَ مَالِكٌ وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي عَبْدِ الرَّجُلِ يَسْرِقُ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ إنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ خَدَمِهِ وَلَا مِمَّنْ يُؤْمَنُ عَلَى بَيْتِهِ، ثُمَّ دَخَلَ سِرًّا فَسَرَقَ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ لَا يَكُونُ مِنْ خَدَمِهِ وَلَا مِمَّنْ يَأْمَنُ عَلَى بَيْتِهِ فَدَخَلَ سِرًّا فَسَرَقَ مِنْ مَتَاعِ امْرَأَةِ سَيِّدِهِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ.
قَالَ وَكَذَلِكَ أَمَةُ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ لَيْسَتْ بِخَادِمٍ لَهَا وَلَا لِزَوْجِهَا وَلَا مِمَّنْ تَأْمَنُ عَلَى بَيْتِهَا، ثُمَّ دَخَلَتْ سِرًّا فَسَرَقَتْ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدَتِهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهَا، قَالَ وَكَذَلِكَ أَمَةُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَكُونُ مِنْ خَدَمِهَا وَلَا مِمَّنْ تُؤْمَنُ عَلَى بَيْتِهَا فَدَخَلَتْ سِرًّا فَسَرَقَتْ مِنْ مَتَاعِ زَوْجِ سَيِّدَتِهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ أَنَّهَا تُقْطَعُ يَدُهَا.
قَالَ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَسْرِقُ مِنْ مَتَاعِ امْرَأَتِهِ أَوْ الْمَرْأَةُ تَسْرِقُ مِنْ مَتَاعِ زَوْجِهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ إنْ كَانَ الَّذِي سَرَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ مَتَاعِ صَاحِبِهِ فِي بَيْتٍ سِوَى الْبَيْتِ الَّذِي يُغْلِقَانِ عَلَيْهِمَا، وَكَانَ فِي حِرْزٍ سِوَى الْبَيْتِ الَّذِي يَسْكُنَانِهِ فَإِنَّ مَنْ سَرَقَ مِنْهُمَا مِنْ مَتَاعِ صَاحِبِهِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ فِيهِ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَبِيدَ وَالْإِمَاءَ يُقْطَعُونَ فِي السَّرِقَةِ مُسْلِمِينَ كَانُوا أَوْ كَافِرِينَ مَلَكَهُمْ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ إذَا سَرَقُوا مِنْ مَالِ أَجْنَبِيٍّ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُمْ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ خَدَمِهِ وَلَا مِمَّنْ يَأْمَنُهُ عَلَى بَيْتِهِ وَإِنْ سَرَقَ عَبْدُك وَدِيعَةً عِنْدَك لِأَجْنَبِيٍّ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ عَنْهُ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ إذَا سَرَقَ عَبْدُك مِنْ مَالٍ لَك فِيهِ شِرْكٌ مِنْ مَوْضِعٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ قُطِعَ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ سَرَقَ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِ سَيِّدِهِ يُرِيدُ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ قُطِعَ قَالَ مُحَمَّدٌ وَهَذَا إذَا كَانَ شَرِيكُ سَيِّدِهِ أَحْرَزَهُ عَنْ سَيِّدِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحْرَزَهُ عَنْ سَيِّدِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ سَرَقَ وَدِيعَةً عِنْدَ سَيِّدِهِ قَدْ أُحْرِزَتْ عَنْ الْعَبْدِ، وَإِطْلَاقُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ يَقْتَضِي قَطْعَ الْعَبْدِ فِي سَرِقَةِ وَدِيعَةٍ عِنْدَ سَيِّدِهِ أُحْرِزَتْ عَنْهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ رَبِيعَةَ وَهُوَ عِنْدِي قَوْلٌ مُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ فِيهِ أَنَّهُ مَالٌ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ، وَقَدْ أُحْرِزَ عَنْهُ وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الدُّخُولِ إلَيْهِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ جَمَعَ شَيْئًا مِنْ الزَّكَاةِ لِيَقْسِمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَدْخَلَهُ بَيْتَهُ، وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ فَسَرَقَ مِنْهُ عَبْدُهُ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، قَالَ: وَبَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْبَيْتِ مَا لَمْ يَأْتَمِنْهُ مَوْلَاهُ عَلَى دُخُولِهِ، وَلَوْ كَانَ يَأْتَمِنُهُ عَلَى دُخُولِهِ وَفَتْحِهِ لَمْ يُقْطَعْ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعَبْدَ يُقْطَعُ فِي مَالٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ سَيِّدِهِ وَأَجْنَبِيٍّ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْأَصْلِ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ سَرَقَ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِ سَيِّدِهِ يُرِيدُ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ قُطِعَ قَالَ مُحَمَّدٌ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْأَصْلِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ إنْ سَرَقَ مَا قِيمَتُهُ سِتَّةُ دَرَاهِمَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا سُرِقَ مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ فِيهِ الْقَطْعُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حِصَّةِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ سَارِقٌ لِمَالِ سَيِّدِهِ، فَإِذَا سَرَقَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَقَدْ سَرَقَ نِصَابًا لِأَجْنَبِيِّ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَالَ مُشْتَرَكٌ وَحَقَّ سَيِّدِهِ مِنْهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى قَدْرِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَالِ فَإِذَا سَرَقَ مَا فِي حِصَّةِ الْأَجْنَبِيِّ مِنْهُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ مِنْ مَالِ الْأَجْنَبِيِّ وَإِذَا كَانَ مَا فِي حِصَّةِ الْأَجْنَبِيِّ مِنْهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ مِنْ مَالِ الْأَجْنَبِيِّ نِصَابًا وَلَا يُحْمَلُ مَا سَرَقَهُ عَلَى أَنَّ جَمِيعَهُ حِصَّةُ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَتَمَيَّزُ وَكَوْنُهُ مُشَاعًا يَقْتَضِي أَنَّهُ سَرَقَ مَالًا لِسَيِّدِهِ وَلِلْأَجْنَبِيِّ فَيُعْتَبَرُ مِنْ ذَلِكَ بِحِصَّةِ
стр. 2089
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ وَالْأَعْجَمِيِّ الَّذِي لَا يُفْصِحُ أَنَّهُمَا إذَا سُرِقَا مِنْ حِرْزِهِمَا وَغَلَقِهِمَا فَلَيْسَ عَلَى مَنْ سَرَقَهُمَا الْقَطْعُ، قَالَ وَإِنَّمَا هُمَا بِمَنْزِلَةِ حَرِيسَةِ الْجَبَلِ وَالثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَنْبُشُ الْقُبُورَ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ مَا أَخْرَجَ مِنْ الْقَبْرِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ فَعَلَيْهِ فِيهِ الْقَطْعُ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ الْقَبْرَ حِرْزٌ لِمَا فِيهِ كَمَا أَنَّ الْبُيُوتَ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا قَالَ: وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَطْعٌ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ مِنْ الْقَبْرِ) .
ــ
[المنتقى]
الْأَجْنَبِيِّ مِنْهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا سَرَقَ عَبْدُ الْخُمْسِ وَعَبْدُ الْفَيْءِ مِنْ الْفَيْءِ فَإِنَّهُمْ يُقْطَعُونَ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ وَأَطْلَقَ فِي الصَّبِيِّ أَنَّهُ مَنْ سَرَقَهُ مِنْ الْحِرْزِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَرَبِيعَةُ وَاللَّيْثُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا: لَا يُقْطَعُ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ سَرَقَ نَفْسًا مَضْمُونَةً فَتَعَلَّقَ بِهِ الْقَطْعُ كَالْبَهِيمَةِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: وَذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ الْحُرَّ لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَعْقِلَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ فَلَا قَطْعَ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ يُمَيِّزُ مِثْلَ هَذَا وَيَفْهَمُهُ وَيَمْنَعُ مِنْهُ قَالَ أَشْهَبُ وَمَنْ دَعَا الصَّبِيَّ فَخَرَجَ إلَيْهِ مِنْ حِرْزِهِ فَمَضَى بِهِ قُطِعَ بِخِلَافِ الْأَعْجَمِيِّ يُرَاطِنُهُ فَيَخْرُجُ إلَيْهِ فَيَذْهَبُ بِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ خُرُوجَ الْأَعْجَمِيِّ بِقَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ فَلَا قَصْدَ لَهُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَشَارَ إلَى شَاةٍ بِعَلَفٍ فَخَرَجَتْ إلَيْهِ لَمْ يُقْطَعْ كَمَا لَوْ جَعَلَ مَنْ أَخْرَجَهَا لَهُ، قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَشَارَ بِلَحْمٍ عَلَى بَازٍ أَوْ إلَى صَبِيٍّ أَوْ أَعْجَمِيٍّ حَتَّى خَرَجَ لَمْ يُقْطَعْ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُقْطَعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَلَا يُعْجِبُنَا، فَتَقَرَّرَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فِي ذَلِكَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالْأَعْجَمِيِّ عَائِدٌ إلَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَعْنَى الْحِرْزِ أَنْ يَكُونَ فِي دَارِ أَهْلِهِ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُ مَنْ يَخْدُمُهُ أَوْ يَحْفَظُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ حِرْزٌ لَهُ فَمَنْ سَرَقَهُ مِنْ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ قُطِعَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْأَعْجَمِيُّ الَّذِي لَا يُفْصِحُ يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَهُ، فَالْخِلَافُ فِيهِ كَالْخِلَافِ فِي الصَّبِيِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ مِثْلُ الْأَسْوَدِ وَالصَّقَلِّيِّ الَّذِي يُؤْتَى بِهِ وَلَا يَعْرِفُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَعْجَمِيُّ الْمُسْتَعْرِبُ يُرِيدُ الَّذِي قَدْ عَرَفَ وَمَيَّزَ فَلَا يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَهُ، وَرَوَى فِي الْمَزنِيَّةِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ كَانَ يُفْصِحُ وَلَا يَفْقَهُ مَا يُقَالُ لَهُ، فَمَنْ سَرَقَهُ مِنْ حِرْزٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ وَلَوْ رَاطَنَهُ بِلِسَانِهِ فَخَرَجَ إلَيْهِ فَذَهَبَ لَمْ يُقْطَعْ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ النَّبَّاشَ يُقْطَعُ إذَا أَخْرَجَ مِنْ الْقَبْرِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَطَاءٌ وَرَبِيعَةُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] وَهَذَا سَارِقٌ، وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ سَارِقُ مَوْتَانَا كَسَارِقِ أَحْيَائِنَا، فَسَمَّتْهُ سَارِقًا فِي اللُّغَةِ وَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ سَارِقٍ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ تَنَاوَلَهُ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَبْرَ حِرْزٌ لِمَا فِيهِ كَمَا أَنَّ الْبُيُوتَ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا يُرِيدُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ الْإِخْرَاجَ مِنْ الْحِرْزِ، وَالْقَبْرُ حِرْزٌ لِمَا وُضِعَ فِيهِ كَمَا أَنَّ الْبَيْتَ حِرْزٌ لِمَا وُضِعَ فِيهِ وَمَعْنَى الْحِرْزِ مَا يُوضَعُ فِيهِ الشَّيْءُ عَلَى وَجْهِ الْحِفْظِ لَهُ وَالْمَنْعِ مِنْهُ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِيمَا وُضِعَ مِنْ الْكَفَنِ فِي الْقَبْرِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَطْعٌ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ مِنْ الْقَبْرِ يُرِيدُ أَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِإِخْرَاجِ السَّرِقَةِ مِنْ الْحِرْزِ فَإِذَا وَجَدُوا السَّرِقَةَ بَعْدُ فِي الْقَبْرِ لَمْ يُخْرِجْهَا فَلَا قَطْعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ سَرِقَةً مِنْ حِرْزٍ فَلَمْ تَتِمَّ السَّرِقَةُ فِيهَا وَلَا اسْتَحَقَّ بَعْدُ اسْمَ سَارِقٍ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَمَى بِالْمَتَاعِ خَارِجًا مِنْ الْقَبْرِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ إخْرَاجُ السَّرِقَةِ مِنْ حِرْزِهَا كَمَا لَوْ خَرَجَ وَأَخْرَجَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا ثُمَّ يَخْرُجَ فَيَأْخُذَهَا، وَبَيْنَ أَنْ يُخْرِجَهَا فِي مَعْنَى السَّرِقَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 2090
مَا لَا قَطْعَ فِيهِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ أَنَّ عَبْدًا سَرَقَ وَدِيًّا مِنْ حَائِطِ رَجُلٍ فَغَرَسَهُ فِي حَائِطِ سَيِّدِهِ، فَخَرَجَ صَاحِبُ الْوَدِيِّ يَلْتَمِسُ وَدِيَّهُ فَوَجَدَهُ فَاسْتَعْدَى عَلَى الْعَبْدِ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فَسَجَنَ مَرْوَانُ الْعَبْدَ، وَأَرَادَ قَطْعَ يَدِهِ فَانْطَلَقَ صَاحِبُ الْعَبْدِ إلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ وَالْكَثَرُ الْجُمَّارُ فَقَالَ الرَّجُلُ: فَإِنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أَخَذَ غُلَامًا لِي وَهُوَ يُرِيدُ قَطْعَ يَدِهِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَمْشِيَ مَعِي إلَيْهِ فَتُخْبِرَهُ بِاَلَّذِي سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَشَى مَعَهُ رَافِعٌ إلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَقَالَ أَخَذْتَ غُلَامًا لِهَذَا فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ: مَا أَنْتَ صَانِعٌ بِهِ؟ قَالَ: أَرَدْتُ قَطْعَ يَدِهِ فَقَالَ لَهُ رَافِعٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» فَأَمَرَ مَرْوَانُ بِالْعَبْدِ فَأُرْسِلَ)
ــ
[المنتقى]
[مَا لَا قَطْعَ فِيهِ]
ِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ أَنَّ عَبْدًا سَرَقَ وَدِيًّا مِنْ حَائِطِ رَجُلٍ فَغَرَسَهُ فِي حَائِطِ سَيِّدِهِ، فَخَرَجَ صَاحِبُ الْوَدِيِّ يَلْتَمِسُ وَدِيَّهُ فَوَجَدَهُ فَاسْتَعْدَى عَلَى الْعَبْدِ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فَسَجَنَ مَرْوَانُ الْعَبْدَ، وَأَرَادَ قَطْعَ يَدِهِ فَانْطَلَقَ صَاحِبُ الْعَبْدِ إلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ وَالْكَثَرُ الْجُمَّارُ فَقَالَ الرَّجُلُ: فَإِنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أَخَذَ غُلَامًا لِي وَهُوَ يُرِيدُ قَطْعَ يَدِهِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَمْشِيَ مَعِي إلَيْهِ فَتُخْبِرَهُ بِاَلَّذِي سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَشَى مَعَهُ رَافِعٌ إلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَقَالَ أَخَذْتَ غُلَامًا لِهَذَا فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ: مَا أَنْتَ صَانِعٌ بِهِ؟ قَالَ: أَرَدْتُ قَطْعَ يَدِهِ فَقَالَ لَهُ رَافِعٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» فَأَمَرَ مَرْوَانُ بِالْعَبْدِ فَأُرْسِلَ) (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عَبْدًا سَرَقَ وَدِيًّا مِنْ حَائِطِ رَجُلٍ فَغَرَسَهُ فِي حَائِطِ سَيِّدِهِ فَأَرَادَ مَرْوَانُ قَطْعَ يَدِهِ وَالْوَدِيُّ هُوَ الْفَسِيلُ وَهُوَ صِغَارُ النَّخْلِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ نَخْلَةً صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا قَطْعَ فِي الْجُمَّارِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» وَالْكَثَرُ الْجُمَّارُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: فِي الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ لَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضَعْهُ عِنْدَك مَنْ يَقْصِدُ إحْرَازَهُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الثَّمَرَ فِي الشَّجَرِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ عَلَى وَجْهِ الْإِحْرَازِ، وَكَذَلِكَ النَّخْلَةُ وَالْوَدِيُّ لَوْ وُضِعَا فِي مَنْبَتِهِمَا لِلْإِحْرَازِ، وَإِنَّمَا وُضِعَتْ لِلنَّمَاءِ فَلَمْ يَكُنْ حِرْزًا يُؤَثِّرُ فِي إثْبَاتِ الْقَطْعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ اقْتَلَعَ النَّخْلَةَ مِنْ مَوْضِعِهَا وَهِيَ مَقْطُوعَةُ الرَّأْسِ، وَخَرَجَ بِهَا لَمْ يُقْطَعْ وَلَوْ كَانَتْ خَشَبَةً مُلْقَاةً تُرِكَتْ فِي الْحَائِطِ لَكَانَ فِيهَا الْقَطْعُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إذَا قَطَعَهَا رَبُّهَا وَوَضَعَهَا فِي الْجِنَانِ قُطِعَ سَارِقُهَا، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الشَّجَرِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَظُنُّهُ لَا حِرْزَ لَهَا إلَّا حَيْثُ أُلْفِيَتْ فِيهِ، وَلَوْ وُضِعَتْ فِيهِ لِتُحْمَلَ إلَى حِرْزٍ لَهَا لَمْ يُقْطَعْ حَتَّى تُضَمَّ إلَيْهِ، وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ وَأَحْسَبُ فِيهِ اخْتِلَافًا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا قَطْعَ فِي الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ رَوَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ ذَلِكَ مَا كَانَ فِي الْحَوَائِطِ وَالْبَسَاتِينِ فَأَمَّا مَنْ سَرَقَ مِنْ ثَمَرَةِ نَخْلَةٍ فِي دَارِ رَجُلٍ وَمَنْزِلِهِ، فَهَذَا يُقْطَعُ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ رُبُعَ دِينَارٍ فَجَعَلَ لِلدَّارِ تَأْثِيرًا فِي حِرْزٍ مِثْلِ هَذَا يَكُونُ صَاحِبُ الدَّارِ سَاكِنًا مَعَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا جَدَّ التَّمْرُ أَوْ وُضِعَ فِي أَصْلِ النَّخْلَةِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ الْقَطْعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ حَارِسٌ كَمَا لَا يُرَاعَى فِي الْحِرْزِ حَارِسٌ وَيَقْتَضِي مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي مَسْأَلَةِ الزَّرْعِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ وَاحْتَجَّ أَشْهَبُ بِأَنَّ بَقَاءَهُ يَطُولُ هُنَاكَ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحِرْزٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْضِعٌ يَنْتَقِلُ مِنْهُ إلَى الْجَرِينِ، وَإِذَا آوَاهُ الْجَرِينُ قُطِعَ سَارِقُهُ رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُقْطَعُ فِي الْأَشْيَاءِ الرَّطْبَةِ، وَمَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ مَالٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ كَمَا لَوْ سَرَقَ يَابِسًا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الزَّرْعُ يُحْصَدُ وَيُرْبَطُ يَابِسًا وَيُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ لِيُحْمَلَ إلَى الْجَرِينِ فَيُسْرَقَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ يُقْطَعُ سَارِقُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حَارِسٌ، وَلَيْسَ كَالزَّرْعِ الْقَائِمِ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَمَوْضِعُهُ لَهُ حِرْزٌ وَرُبَّمَا طَالَ مَقَامُهُ فِيهِ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُقْطَعُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ حَائِطٌ فَيُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ سَرَقَ مِنْ ثَمَرِ الْمَقْثَأَةِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ حَتَّى يُجْمَعَ فِي الْجَرِينِ، وَهُوَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ لِيُحْمَلَ إلَى الْبَيْعِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ
стр. 2091
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَخَرَجَ صَاحِبُ الْوَدِيِّ يَلْتَمِسُ وَدِيَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ وَجَدَهُ مَغْرُوسًا فِي حَائِطِ سَيِّدِ الْعَبْدِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَجَدَهُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُعَلَّقَ أَوْ بَعْدَ مَا عُلِّقَ، وَيُمْكِنُ إذَا اقْتَلَعَ أَنْ يُعَلَّقَ أَوْ بَعْدَ أَنْ يَفُوتَ ذَلِكَ فِيهِ وَعَلَى الْحَالَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ صَاحِبُ الْوَدِيِّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَنَقْلُ الْوَدِيِّ إلَى الْمَوْضِع الْقَرِيبِ الَّذِي لَا مَشَقَّةَ فِي رَدِّهِ وَلَا قِيمَةَ لِحَمْلِهِ لَا يُفِيتُ اسْتِرْجَاعَهُ فَإِنْ نَقَلَهُ إلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ تَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ بِرَدِّهِ وَلِحَمْلِهِ قِيمَةٌ كَثِيرَةٌ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ سَرَقَ طَعَامًا فَنَقَلَهُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَلَقِيَهُ رَبُّهُ فَلَيْسَ لِرَبِّهِ أَخْذُهُ، وَإِنَّمَا لَهُ أَخْذُهُ بِمِثْلِهِ فِي بَلَدٍ سَرَقَهُ بِهِ، إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى مَا يَجُوزُ فِي السَّلَفِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ إنَّمَا لَهُ مِثْلُهُ بِبَلَدِ سَرِقَتِهِ لَا قِيمَتِهِ وَلَا أَخَذَهُ حَيْثُ وَجَدَهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ هُوَ مُخَيَّرٌ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمَّا أَلْزَمَهُ مِثْلَهُ فِي بَلَدِ سَرِقَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ حَيْثُ وَجَدَهُ إلَّا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ إنْ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ حَيْثُ وَجَدَهُ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَقْلِهِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْمُسْتَحِقَّ مِنْ أَخْذِ عَيْنِ مَالِهِ كَمَا لَوْ أَحْدَثَ فِيهِ عَمَلًا يُغَيِّرُ عَيْنَهُ وَهَذَا أَبْيَنُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتَغَيَّرُ عَيْنُهُ بِالنَّقْلِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا تَغْيِيرُ السَّارِقِ لِلْمَتَاعِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْحِرْزِ أَوْ خَارِجًا مِنْ الْحِرْزِ فَإِنْ وَجَدَهُ دَاخِلَ الْحِرْزِ كَالشَّاةِ يَذْبَحُهَا أَوْ الطِّيبِ يَتَطَيَّبُ بِهِ أَوْ الثَّوْبِ يَقْطَعُهُ فَإِنْ بَلَغَ قِيمَتُهُ مَا خَرَجَ بِهِ مِنْهُ النِّصَابَ لَزِمَهُ الْقَطْعُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ مِنْ الْحِرْزِ نِصَابًا فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَطْعُ وَمَا أَتْلَفَهُ فِي الْحِرْزِ فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُ السَّرِقَةِ، وَإِنَّمَا لَهُ حُكْمُ الْإِتْلَافِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَكَلَ طَعَامًا فِي الْحِرْزِ يَبْلُغُ النِّصَابَ لَمْ يَجِبْ بِهِ الْقَطْعُ وَلَوْ ابْتَلَعَ دَنَانِيرَ ثُمَّ خَرَجَ لَزِمَهُ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ لَمْ تَتْلَفْ بِابْتِلَاعِهِ وَالطَّعَامُ قَدْ تَلِفَ بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَلَوْ غَيَّرَ ذَلِكَ بَعْدَ إخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ وَجَبَ عَلَيْهِ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ قُطِعَ السَّارِقُ وَوَجَدَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَلَهُ أَخْذُهُ، وَإِنْ أَتْلَفَ السَّارِقُ الشَّيْءَ الْمَسْرُوقَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا اُتُّبِعَ بِقِيمَتِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُجْمَعُ عَلَيْهِ الْغُرْمُ وَالْقَطْعُ، وَكَانَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ مُخَيَّرًا إنْ شَاءَ أَغْرَمَهُ وَلَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ شَاءَ أَقْطَعَهُ وَلَمْ يُغَرِّمْهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلِأَنَّ الْغُرْمَ وَالْقَطْعَ لَا يَتَنَافَيَانِ لِاخْتِلَافِ سَبَبِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْغُرْمِ إتْلَافُ الْمَالِ وَالْمُوجِبَ لِلْقَطْعِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَتْكِ الْحِرْزِ، وَإِذَا لَمْ يَتَنَافَيَا جَازَ أَنْ يَجْتَمِعَا كَالْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ فِيهِ الْحَدُّ وَالْقِيمَةُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّقٍ عَلَيْهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي هَتْكِ الْحِرْزِ، وَإِذَا لَمْ يَتَنَافَيَا جَازَ أَنْ يَجْتَمِعَا كَمَا لَوْ غَصَبَ أَمَةً فَوَطِئَهَا، وَهَلَكَتْ عِنْدَهُ لَلَزِمَهُ الْغُرْمُ وَالْحَدُّ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا كَانَ مُعْسِرًا قُطِعَ وَلَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلِأَنَّ إتْلَافَ الْمَالِ لَا تَجِبُ فِيهِ عُقُوبَتَانِ وَالِاتِّبَاعُ بِالْغُرْمِ عُقُوبَةٌ فَلَمَّا تَعَاقَبَ بِالْقَطْعِ لَمْ يُجْعَلْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ أُخْرَى وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ إحْدَى الْمُطَالَبَتَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وَالثَّانِيَةَ مُنْفَصِلَةٌ عَنْهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَالِهِ فَلِذَلِكَ اجْتَمَعَتَا.
(فَرْعٌ) وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْقَطْعِ مَا أَتْلَفَهُ خَارِجَ الْحِرْزِ وَإِذَا مَا أَتْلَفَهُ دَاخِلَ الْحِرْزِ فَلَا يُسْقِطُهُ عَنْهُ بِالْقَطْعِ فِي يُسْرِهِ وَعُسْرِهِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا يَجِبُ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ، وَأَمَّا مَا أَتْلَفَهُ دَاخِلَ الْحِرْزِ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ قَطْعٌ فَلَزِمَهُ قِيمَتُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَاسْتَعْدَى عَلَى الْعَبْدِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْوَدِيِّ إنَّمَا اسْتَعْدَى عَلَى الْعَبْدِ فِي أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِ وَدِيَّهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَعْدَاهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ طَلَبَهُ بِأَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ فَيَكُونَ مَعْنَاهُ أَعْلَمَهُ مِنْهُ بِمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ عَلَيْهِ، وَكَانَ سَبَبًا لِثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَهُ إمَّا لِأَنَّهُ أَقَامَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ بَيِّنَةً أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبًا لِإِقْرَارِ
стр. 2092
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ جَاءَ بِغُلَامٍ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ اقْطَعْ يَد غُلَامِي هَذَا فَإِنَّهُ سَرَقَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مَاذَا سَرَقَ فَقَالَ سَرَقَ مِرْآةً لِامْرَأَتِي ثَمَنُهَا سِتُّونَ دِرْهَمًا فَقَالَ عُمَرُ: أَرْسِلْهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ خَادِمُكُمْ سَرَقَ مَتَاعَكُمْ) .
ــ
[المنتقى]
الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ بَلَغَ ذَلِكَ مَرْوَانَ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ صَاحِبِ الْوَدِيِّ لَكَانَ لَهُ قَطْعُهُ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى مُطَالَبَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَيُقْطَعُ غَابَ أَوْ حَضَرَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يُحْبَسُ إلَى أَنْ يَحْضُرَ وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً﴾ [المائدة: ٣٨] ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلِمَ يَفْتَقِرْ إلَى حُضُورِ مَنْ لَهُ حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أَصْلُ ذَلِكَ الزَّانِي.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَنَّ مَرْوَانَ سَجَنَ الْعَبْدَ، وَأَرَادَ قَطْعَ يَدِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَجَنَهُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تَتِمَّ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُنْكِرًا يَسْجُنُهُ لِتَتِمَّ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ وَيَكُونَ مَعْنَى أَرَادَ قَطْعَهُ أَنَّهُ اعْتَقَدَ ذَلِكَ إنْ تَمَّتْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَاعْتَقَدَ هُوَ وُجُوبَ الْقَطْعِ وَلَكِنَّهُ سَجَنَهُ إلَى أَنْ يُشَاوِرَ فِي ذَلِكَ أَهْلَ الْعِلْمِ فَيَعْلَمَ مُوَافَقَتَهُمْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَمُخَالَفَتَهُمْ فِيهِ، وَلَعَلَّهُ اعْتَقَدَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ عُمُومِ الْآيَةِ أَوْ مِنْ جِهَةِ نَظَرٍ فَيُوقَفُ طَلَبًا أَوْ نَظَرًا أَوْ لِطَلَبِ نَصٍّ أَوْ ظَاهِرِ مُخَالَفَةِ نَظَرِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَذَهَبَ سَيِّدُ الْعَبْدِ إلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ مَا يَجِبُ ذَلِكَ فَإِنْ وَجَبَ الْقَطْعُ اسْتَسْلَمَ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمَّا لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ رَفَعَهُ عَنْ عَبْدِهِ بِإِظْهَارِهِ إلَى مَرْوَانَ أَوْ لَعَلَّهُ رَجَا أَنْ يَجِدَ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْعُدُولِ عَنْ الْقَطْعِ فَأَخْبَرَهُ رَافِعٌ بِأَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» وَالْكَثَرُ الْجُمَّارُ وَهَذَا خَاصٌّ يَخْتَصُّ بِمَوْضِعِ الْخِلَافِ، وَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ سَيِّدُ الْعَبْدِ سَأَلَهُ أَنْ يَبْلُغَ مَعَهُ إلَى مَرْوَانَ وَيُعْلِمَهُ بِمَا عِنْدَهُ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَعْلَمَهُ بِمَا يُرِيدُ مِنْ قَطْعِ يَدِهِ بِمَا اعْتَقَدَهُ مِنْ خِلَافِ مَا عِنْدَ رَافِعٍ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ مَعَهُ رَافِعٌ إلَى مَرْوَانَ قِيَامًا بِالْحَقِّ وَإِظْهَارًا لَهُ لَا سِيَّمَا فِي مَوْضِعٍ يَخَافُ أَنْ يُنْفِذَ غَيْرُهُ خِلَافَهُ فَلَمَّا عَلِمَ مَرْوَانُ بِمَا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ عَنْ رَأْيِهِ وَمَا اعْتَقَدَهُ مِنْ قَطْعِ يَدِ الْعَبْدِ، وَأَمَرَ بِهِ فَأُرْسِلَ يُرِيدُ إلَى صَاحِبِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَاقْطَعْ يَدَ غُلَامِي يَقْتَضِي أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَطْعُ يَدِهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ بِخِلَافِ الْجَلْدِ فِي الزِّنَا وَالْخَمْرِ، فَإِنَّ لِلسَّيِّدِ إقَامَتَهُ عَلَى عَبْدِهِ، وَأَمَّا مَا فِيهِ قَطْعُ عُضْوٍ أَوْ قَتْلٌ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِأَحَدٍ إقَامَتُهُ إلَّا الْإِمَامَ فَأَخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَسَبَبُ مَا دَعَاهُ إلَيْهِ مِنْ قَطْعِ يَدِهِ هُوَ أَنَّهُ سَرَقَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَعْنَى السَّرِقَةِ لَمَّا لَمْ يَخْتَلِفْ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَلَمَّا اخْتَلَفَ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ سَأَلَهُ عَمَّا سَرَقَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَهُ لِتَقْدِيرِ النِّصَابِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَهُ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى مَا تَوَصَّلَ إلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَالِكِ لِمَا سُرِقَ مِنْ مَعْرِفَةِ صِفَةِ الْحِرْزِ الَّذِي مِنْهُ سَرَقَ فَأَجَابَهُ عَنْ النِّصَابِ بِأَنَّ قِيمَتَهُ سِتُّونَ دِرْهَمًا وَهِيَ أَمْثَالُ النِّصَابِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ مَا سَرَقَ هُوَ مِرْآةٌ وَالْمِرْآةُ مِمَّا يُقْطَعُ سَارِقُهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَثْمُونٍ كَانَ أَصْلُهُ مُبَاحًا أَوْ غَيْرَ مُبَاحٍ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ حَتَّى الْمَاءِ إذَا أُحْرِزَ لِوُضُوءٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ إذَا سَرَقَ مِنْهُ مَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ سَارِقُهُ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ الْمِرْآةَ كَانَتْ لِامْرَأَتِهِ فَرَأَى عُمَرُ أَنْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ خَادِمُكُمْ سَرَقَ مَتَاعَكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ فُهِمَ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ كَانَ يَخْدُمُهُمْ وَيَدْخُلُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ مَتَاعُ امْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ فِيهِ مِثْلُ هَذَا مِمَّا يَحْتَاجُ أَنْ تَسْتَعْمِلَهُ لَهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَوْقَاتِهَا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا سَرَقَ مِنْ مَتَاعِ زَوْجَةِ سَيِّدِهِ مِنْ بَيْتٍ أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَإِنْ سَرَقَهُ مِنْ بَيْتٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي دُخُولِهِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، وَكَذَلِكَ عَبْدُ الزَّوْجَةِ يَسْرِقُ مِنْ مَالِ الزَّوْجَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُقْطَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِسَرِقَةِ مَالِ الْآخَرِ إذَا سَرَقَهُ مِنْ مَوْضِعٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ
стр. 2093
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أُتِيَ بِإِنْسَانٍ قَدْ اخْتَلَسَ مَتَاعًا فَأَرَادَ قَطْعَ يَدِهِ فَأَرْسَلَ إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لَيْسَ فِي الْخِلْسَةِ قَطْعٌ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ أَخَذَ نَبَطِيًّا قَدْ سَرَقَ خَوَاتِمَ مِنْ حَدِيدٍ فَحَسَبَهُ لِيَقْطَعَ يَدَهُ فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَاةً لَهَا يُقَالُ لَهَا أُمَيَّةُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَتْنِي وَأَنَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ النَّاسِ فَقَالَتْ تَقُولُ لَك خَالَتُك عَمْرَةُ يَا ابْنَ أُخْتِي أَخَذْتُ نَبَطِيًّا فِي شَيْءٍ يَسِيرٍ ذُكِرَ لِي فَأَرَدْتُ قَطْعَ يَدَهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَتْ فَإِنَّ عَمْرَةَ تَقُولُ لَك لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَرْسَلَتْ النَّبَطِيَّ) .
ــ
[المنتقى]
خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا لَا قَطْعَ فِي ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ مُكَلَّفٌ سَرَقَ مَا لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يُقْطَعُ الْأَبُ بِسَرِقَةِ مَالِ ابْنِهِ وَاخْتُلِفَ فِي الْحَدِّ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُقْطَعُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يُقْطَعُ وَيُقْطَعُ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْقَرَابَاتِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مُدْلٍ بِأَبِيهِ كَالْأَبِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى لَهُ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ فَقُطِعَ لِسَرِقَةِ مَالِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَيُقْطَعُ الِابْنُ بِسَرِقَةِ مَالِ أَبَوَيْهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ الِابْنَ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي مَالِ الْأَبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ زَنَى بِأَمَتِهِ حُرٌّ فَهُوَ كَالْأَخِ وَالْأَجْنَبِيِّ وَإِذَا سَرَقَ الْعَبْدُ مِنْ مَالِ ابْنِ سَيِّدِهِ قُطِعَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ مَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَلَا نَفَقَةَ لَهُ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِمَالٍ لِسَيِّدِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ كَمَا لَوْ سَرَقَ مَالَ الْأَجْنَبِيِّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ خَادِمُكُمْ سَرَقَ مَتَاعَكُمْ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَادِمَ لَوْ سَرَقَ مَالَ مَنْ هُوَ خَادِمٌ لَهُ فَلَا يُقْطَعُ عَلَيْهِ وَهَذَا إذَا كَانَ جَمِيعُهُ مِلْكًا لَهُ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُشْتَرَكًا فَسَرَقَ مَالَ بَعْضِ مَنْ لَهُ فِيهِ حِصَّةٌ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَرَقَ عَبْدُك أَوْ مُكَاتَبُك أَوْ مُدَبَّرُك مِنْ مَالِ سَيِّدِك أَوْ مُكَاتَبِك أَوْ مُدَبَّرِك مِمَّا حُجِرَ عَنْهُ لَمْ يُقْطَعْ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ مَرْوَانَ أُتِيَ بِسَارِقٍ قَدْ اخْتَلَسَ مَتَاعًا فَأَرَادَ قَطْعَ يَدِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمَّاهُ سَارِقًا لِسَرِقَةٍ تَقَدَّمَتْ لَهُ قَبْلَ هَذَا الِاخْتِلَاسِ مِنْ حُكْمِ السَّرِقَةِ، وَلِذَلِكَ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ ظَهَرَ ذَلِكَ إلَيْهِ مِنْ حُكْمِهِ لَكِنَّهُ أَرَادَ الِاسْتِظْهَارَ عَلَى مَا ظَهَرَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ تَحَقُّقَهُ إنْ كَانَ لَمْ يَتَحَقَّقْهُ بِسُؤَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَغَيْرُهُ لَيْسَ فِي الْخِلْسَةِ قَطْعٌ، وَالْخِلْسَةُ أَنْ يَأْخُذَ الشَّيْءَ مُسَارِعًا وَيُبَادِرَ بِأَخْذِهِ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الِاسْتِسْرَارِ، وَالسَّرِقَةُ إنَّمَا هِيَ أَخْذُهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِسْرَارِ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَاسٍ وَلَا مُبَادَرَةٍ وَقَالَ عَطَاءٌ تُقْطَعُ الْيَدُ الْمُخْتَفِيَةُ وَلَا تُقْطَعُ الْمُخْتَلِسَةُ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ أُتِيَ بِنَبَطِيٍّ قَدْ سَرَقَ خَوَاتِمَ حَدِيدٍ النَّبَطِيُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَسْلَمَ وَعَلَى كِلَا الْحَالَتَيْنِ يُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ، وَكَذَلِكَ الْمُعَاهِدُ الْمُسْتَعْلِنُ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَهَذَا عَامٌّ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْعَهْدُ كَحَدِّ الْقَذْفِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يَحْبِسُهُ لِيَقْطَعَ يَدَهُ يُحْتَمَلُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ اعْتَقَدَ وُجُوبَ الْقَطْعِ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَظْهِرَ بِفَتْوَى الْعُلَمَاءِ فَسَجَنَهُ إلَى أَنْ يَتَفَرَّغَ لِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَجَنَهُ لِيَأْتِيَ مَنْ يُسْتَوْفَى ذَلِكَ مِنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَجَنَهُ لِشِدَّةِ وَقْتٍ خَافَ مِنْهُ عَلَيْهِ فَسَجَنَهُ إلَى أَنْ يَزُولَ الْمَانِعُ مِنْ شِدَّةِ بَرْدٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَخَذَ نَبَطِيًّا فِي شَيْءٍ يَسِيرٍ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ النِّصَابِ، وَإِنَّ قِيمَةَ الْخَوَاتِمِ تَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا يَثْبُتُ النِّصَابُ بِقَوْلِهَا، وَذَلِكَ رُبُعُ دِينَارٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(فَرْعٌ) وَإِرْسَالُهُ النَّبَطِيَّ عِنْدَ مَا انْتَهَى إلَيْهِ مِنْ قَوْلِهَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ فَتْوَى النِّسَاءِ وَصِحَّةِ الْأَخْذِ بِأَقْوَالِهِنَّ إذَا كُنَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ
стр. 2094
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي اعْتِرَافِ الْعَبِيدِ أَنَّهُ مَنْ اعْتَرَفَ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ بِشَيْءٍ يَقَعُ الْحَدُّ فِيهِ أَوْ الْعُقُوبَةُ فِيهِ فِي جَسَدِهِ فَإِنَّ اعْتِرَافَهُ جَائِزٌ عَلَيْهِ، وَلَا يُتَّهَمُ عَلَى أَنْ يُوقِعَ عَلَى نَفْسِهِ هَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَمَّا مَنْ اعْتَرَفَ مِنْهُمْ بِأَمْرٍ يَكُونُ غُرْمًا عَلَى سَيِّدِهِ فَإِنَّ اعْتِرَافَهُ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى سَيِّدِهِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَى الْأَجِيرِ وَلَا عَلَى الرَّجُلِ يَكُونَانِ مَعَ الْقَوْمِ يَخْدِمَانِهِمْ إنْ سَرَقَاهُمْ قُطِعَ؛ لِأَنَّ حَالَهُمَا لَيْسَتْ بِحَالِ السَّارِقِ، وَإِنَّمَا حَالُهُمَا حَالُ الْخَائِنِ وَلَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ قَطْعٌ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَسْتَعِيرُ الْعَارِيَّةَ فَيَجْحَدُهَا إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَجَحَدَهُ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيمَا جَحَدَهُ قَطْعٌ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي السَّارِقِ يُوجَدُ فِي الْبَيْتِ قَدْ جَمَعَ الْمَتَاعَ، وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ خَمْرًا لِيَشْرَبَهَا فَلَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ حَدٌّ، وَمَثَلُ ذَلِكَ رَجُلٌ جَلَسَ مِنْ امْرَأَةٍ مَجْلِسًا، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُصِيبَهَا حَرَامًا فَلَمْ يَفْعَلْ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ مِنْهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ حَدٌّ، قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخِلْسَةِ قَطْعٌ بَلَغَ ثَمَنُهَا مَا يُقْطَعُ فِيهِ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ) .
ــ
[المنتقى]
الْوَاحِدَةَ تُجْزِئُ فِي ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ مَنْ اعْتَرَفَ مِنْ الْعَبِيدِ بِشَيْءٍ يُوجِبُ عُقُوبَةً فِي جِسْمِهِ كَالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحُدُودِ فَإِنَّ إقْرَارَهُ نَافِذٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ يُوجِبُ إقْرَارُهُ نَقْلَ رَقَبَتِهِ إلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ مِثْلَ أَنْ يُقِرَّ بِجِنَايَةٍ خَطَأً، أَوْ يُقِرَّ بِمَا يُوجِبُ غُرْمًا عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ أَوْ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ سَيِّدُهُ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ يُتَّهَمُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَنْفُذُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَيِّدِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ إذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ بِالسَّرِقَةِ وَأَنْكَرَ سَيِّدُهُ قُطِعَتْ يَدُ الْعَبْدِ وَالْمَالُ لِلسَّيِّدِ دُونَ الْمُقَرِّ لَهُ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ: إنَّ الْأَجِيرَ وَالْخَادِمَ الْمُؤْتَمَنَ عَلَى الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ لَا قَطْعَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ أَخْذَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْخِيَانَةِ وَالْخَائِنُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَتَاعِ قَدْ ائْتَمَنَهُمْ عَلَى الْوُصُولِ إلَى مَا سَرَقُوهُ فَأَشْبَهَ الْمُودَعَ يَجْحَدُ وَيَخُونُ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ مِنْ شُرُوطِهَا الْحِرْزُ، وَمَنْ أُبِيحَ لَهُ الْوُصُولُ إلَى مَوْضِعٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ حِرْزًا.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِي جَحْدِ الْعَارِيَّةِ خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مُؤْتَمَنٌ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَطْعُ بِجَحْدِ مَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ كَالْمُودَعِ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ السَّارِقَ إذَا دَخَلَ الْحِرْزَ فَوَجَدَ الْمَتَاعَ فَأَخَذَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ سَرِقَتَهُ لَمْ تَتِمَّ بَعْدُ بِإِخْرَاجِ الْمَتَاعِ مِنْ الْحِرْزِ وَنَقْلِهِ عَنْهُ، وَلَوْ قَرُبَ الْمَتَاعُ إلَى بَابِ الْحِرْزِ فَنَاوَلَهُ آخَرَ خَارِجًا مِنْ الْحِرْزِ قُطِعَ الَّذِي دَخَلَ بِهَا، وَعُوقِبَ الْمُقَرِّبُ لِلْمَتَاعِ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الَّذِي يُقَرِّبُ الْمَتَاعَ إلَى النَّقْبِ يَتْرُكُهُ فَيُدْخِلُ صَاحِبُهُ مِنْ خَارِجِ الْحِرْزِ يَدَهُ فَيَأْخُذُهُ أَنَّ الْقَطْعَ عَلَى الَّذِي أَخَذَهُ، وَحُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ يُقْطَعُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يُقْطَعُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُقْطَعُ وَاحِدٌ مِنْهَا وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَدَلِيلُنَا أَنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ بِهَتْكِ حُرْمَةِ الْحِرْزِ وَإِخْرَاجِ السَّرِقَةِ مِنْهُ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْ الْخَارِجِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ الْقَطْعُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ الْخَارِجُ إلَى الْحِرْزِ فَنَاوَلَهُ الدَّاخِلُ قُطِعَا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذَ الدَّاخِلُ فِي الْحِرْزِ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَوْ اجْتَمَعَتْ أَيْدِيهِمَا فِي الْبَيْتِ فِي الْمُنَاوَلَةِ قُطِعَا جَمِيعًا فَيَحْتَمِلُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْوِفَاقَ لِقَوْلِ أَشْهَبَ وَأَنَّهُ إذَا قَرَّبَهُ إلَى النَّقْبِ وَلَمْ يُنَاوِلْهُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ فَإِنْ تَنَاوَلَهُ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الدَّاخِلِ يَرْبِطُ الْمَتَاعَ لِيُخْرِجَهُ الْخَارِجُ فَالْحَقُّ أَنَّهُمَا
стр. 2095
(ص) : (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (كِتَابُ الْجَامِعِ) الدُّعَاءُ لِلْمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ النَّاسُ إذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي
ــ
[المنتقى]
يُقْطَعَانِ جَمِيعًا وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْقَطْعُ عَلَى الْمُخْرِجِ وَحْدَهُ، وَدَلِيلُنَا عَلَى وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَيْهِمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَارِقٌ قَدْ هَتَكَ الْحِرْزَ بِإِخْرَاجِ الْمَتَاعِ مِنْهُ فَاَلَّذِي رَبَطَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ جَعَلَهُ عَلَى ظَهْرِ دَابَّةٍ فَخَرَجَتْ بِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَطْعُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ رَمَى أَحَدُهُمَا بِالْمَتَاعِ مِنْ الْحِرْزِ إلَى خَارِجِهِ ثُمَّ يُؤْخَذُ هُوَ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ الْحِرْزِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ فِي خُرُوجِ الْمَتَاعِ لَا فِي خُرُوجِ السَّارِقِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ أَحَدُ السَّارِقَيْنِ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ وَالْآخَرُ أَسْفَلَهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ أَدْلَى لَهُ حَبْلًا فَرَبَطَ بِهِ الْأَسْفَلُ الْمَتَاعَ وَرَمَى بِهِ إلَيْهِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَرَفَعَهُ الْأَعْلَى فَإِنَّهُمَا يُقْطَعَانِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ لِتَعَاوُنِهِمَا عَلَى إخْرَاجِهِ مَعَ حَاجَتِهِمَا إلَى التَّعَاوُنِ وَكَاَلَّذِي يَحْمِلُ عَلَى الْآخَرِ مَا يَخْرُجُ بِهِ، وَبِهَذَا أَخَذَ أَشْهَبُ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، وَلَوْ نَاوَلَ الَّذِي أَسْفَلَ الْبَيْتِ وَاَلَّذِي عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ دُونَ الَّذِي فِي الطَّرِيقِ، وَقَالَهُ رَبِيعَةُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقَطْعُ عَلَى مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ إلَى الطَّرِيقِ، أَوْ أَخْرَجَهُ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي أَسْفَلَهُ دُونَ الَّذِي يُنَاوِلُهُ مِنْ أَسْفَلَ الدَّارِ، قَالَ وَأَحْسَبُ أَنَّ فِي الْأَسْفَلِ رِوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي أَسْفَلَهُ، وَإِنَّمَا الْإِخْرَاجُ مِنْ الْحِرْزِ بِطَرْحِهِ فِي الطَّرِيقِ وَمَا دَامَ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ فَلَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ عَنْ الْحِرْزِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِنَفْيِ الْقَطْعِ عَنْ الْمُنَاوِلِ مِنْ أَسْفَلِ الدَّارِ أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا مِنْ الْحِرْزِ، وَإِنَّمَا نَاوَلَهُ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْحِرْزِ فَالْقَطْعُ عَلَى مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ لَوْ أَخْرَجَ الَّذِي دَاخِلَ الْحِرْزِ يَدَهُ بِالسَّرِقَةِ فَيَتَنَاوَلُهَا مِنْهُ أَحَدٌ خَارِجَ الْحِرْزِ فَالْقَطْعُ عَلَى الدَّاخِلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُخْرِجُ لَهَا مِنْ الْحِرْزِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[كِتَابُ الْجَامِعِ]
[الدُّعَاءُ لِلْمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا]
(ش) : دُعَاؤُهُ ﷺ أَنْ يُبَارِكَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي مِكْيَالِهِمْ وَصَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ لَهَا وَحِرْصًا عَلَى الرِّفْقِ بِمَنْ يَسْكُنُهَا لِمَا اُفْتُرِضَ عَلَى النَّاسِ فِي زَمَنِ الْهِجْرَةِ مِنْ سُكْنَاهَا، ثُمَّ زَالَ حُكْمُ الْفَرْضِ وَبَقِيَ النَّدْبُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْمِكْيَالِ الصَّاعَ وَالْمُدَّ فَذَكَرَهُمَا أَوَّلًا بِاللَّفْظِ الْعَامِّ، ثُمَّ أَكَّدَ بِاللَّفْظِ الْخَاصِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمَكَايِيلِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ الْأَوْسُقِ وَغَيْرِهَا، وَمَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهَا كَنِصْفِ الْمُدِّ وَغَيْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْبَرَكَةِ أَنْ يُبَارِكَ بَرَكَةَ دُنْيَا وَآخِرَةٍ فَفِي الدُّنْيَا أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ الَّذِي يُكْتَالُ بِهَذَا الْكَيْلِ لِاخْتِصَاصِهِ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ تَكْثُرُ بَرَكَتُهُ بِأَنْ يُجْزِئَ مِنْهُ الْعَدَدُ مَا لَا يُجْزِئُ مَا كِيلَ بِغَيْرِهِ، أَوْ يُبَارِكَ فِي التَّصَرُّفِ بِهِ عَلَى وَجْهِ التِّجَارَةِ بِمَعْنَى الْأَرْبَاحِ، أَوْ يُرِيدُ بِهِ الْمَكِيلَ فَيَكُونُ ذَلِكَ دُعَاءً فِي كَثْرَةِ ثِمَارِهِمْ وَغَلَّاتِهِمْ وَتِجَارَاتِهِمْ، وَأَمَّا الْبَرَكَةُ الدِّينِيَّةُ فَإِنَّهَا بِهَذَا الْكَيْلِ يَتَعَلَّقُ بِكَثِيرٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ مِنْ أَدَاءِ زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ وَالْكَفَّارَاتِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ النَّاسُ إذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي
стр. 2096
صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ عَبْدُك وَخَلِيلُك وَنَبِيُّك، وَإِنِّي عَبْدُك وَنَبِيُّك وَإِنَّهُ دَعَا لِمَكَّةَ وَإِنِّي أَدْعُوك لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاك بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ، ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ رَآهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ» ) .
مَا جَاءَ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ قَطَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ الْأَجْدَعِ أَنَّ يُحَنَّسَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الْفِتْنَةِ فَأَتَتْهُ مَوْلَاةٌ لَهُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: إنِّي أَرَدْت الْخُرُوجَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ اشْتَدَّ عَلَيْنَا الزَّمَانُ فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: اُقْعُدِي لُكَعُ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا وَشَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» )
ــ
[المنتقى]
صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ عَبْدُك وَخَلِيلُك وَنَبِيُّك، وَإِنِّي عَبْدُك وَنَبِيُّك وَإِنَّهُ دَعَا لِمَكَّةَ وَإِنِّي أَدْعُوك لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاك بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ، ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ رَآهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ كَانَ النَّاسُ إذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ يُرِيدُ أَوَّلَ ثَمَرِ النَّخْلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ مَقْصُودُ ثِمَارِهِمْ أَتَوْا بِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ تَبَرُّكًا بِدُعَائِهِ وَإِعْلَامًا لَهُ بِبُدُوِّ صَلَاحِ الثِّمَارِ إمَّا لِمَا كَانَ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ إرْسَالِ الْخَرَّاصِ إلَى ثِمَارِهِمْ لِيَسْتَحِلُّوا أَكْلَهَا وَبَيْعَهَا وَالتَّصَرُّفَ فِيهَا، وَإِمَّا لِيُعْلِمُوهُ جَوَازَ بَيْعِ ثِمَارِهِمْ لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ بَيْعِهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا» يُرِيدُ أَخَذَهُ لِيَنْظُرَ إلَيْهِ وَيَدْعُوَ لَهُمْ فِيهِ، ثُمَّ دَعَا لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ فِي مَدِينَتِهِمْ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَرَافِقِهَا وَمَنَافِعِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ : «اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ عَبْدُك وَخَلِيلُك وَنَبِيُّك وَإِنِّي عَبْدُك وَنَبِيُّك» يُرِيدُ إظْهَارَ وَسِيلَتِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَذِكْرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ كَمَا أَنْعَمَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، ثُمَّ قَالَ وَإِنَّ إبْرَاهِيمَ دَعَا لِمَكَّةَ يُرِيدُ ﷺ قَوْلَهُ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦] وَقَوْلُهُ ﷺ «وَإِنِّي أَدْعُوك لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاك بِهِ لِمَكَّةَ» وَمِثْلِهِ مَعَهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ قَالَ: لِأَنَّ تَضْعِيفَ الدُّعَاءِ لَهَا إنَّمَا هُوَ لِفَضْلِهَا عَلَى مَا قَصَرَ عَنْهَا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ وَجْهَ الدَّلِيلِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵇ دَعَا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِمَا يَخْتَصُّ بِدُنْيَاهُمْ فَقَالَ وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ وَقَالَ وَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَبِدُعَاءٍ آخَرَ مَعَهُ وَهُوَ لِأَمْرِ آخِرَتِهِمْ فَتَكُونُ الْحَسَنَاتُ تُضَاعَفُ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا تُضَاعَفُ بِمَكَّةَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى فَضِيلَةِ إحْدَى الْبُقْعَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى فِي تَضْعِيفِ الْحَسَنَاتِ وَغُفْرَانِ السَّيِّئَاتِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ أَيْضًا دَعَا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِأَمْرِ آخِرَتِهِمْ، وَعَلِمَ هُوَ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَبِمِثْلِهِ مَعَهُ فَيَعُودُ إلَى مِثْلِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﷺ دَعَا لِأَهْلِ مَكَّةَ فِي ثَمَرَاتِهِمْ بِبَرَكَةٍ قَدْ أَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ فِيهِ، وَأَنَّهُ ﷺ دَعَا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي ثَمَرَاتِهِمْ أَيْضًا بِمِثْلِ ذَلِكَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ فَلَا يَكُونُ هَذَا دَلِيلًا عَلَى فَضْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي ثِمَارِهِمْ مِثْلُ الْبَرَكَةِ فِي ثِمَارِ مَكَّةَ إمَّا لِقُرْبِ تَنَاوُلِهَا أَوْ لِكَثْرَتِهَا أَوْ لِفَضْلِهَا أَوْ لِلْبَرَكَةِ فِي الِاقْتِيَاتِ بِهَا، أَوْ لِيُوصَلَ مَنْ يَقْتَاتُ بِهَا مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مِثْلَيْ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ مَنْ يَقْتَاتُ فِي مَكَّةَ بِثِمَارِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ يَرَاهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ عِظَمَ الْأَجْرِ فِي إدْخَالِ الْمَسَرَّةِ عَلَى مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ لِصِغَرِهِ، فَإِنَّ سُرُورَ ذَلِكَ بِهِ أَعْظَمُ مِنْ سُرُورِ الْكَبِيرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا]
(ش) : قَوْلُ الْمَرْأَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁: إنِّي أَرَدْت الْخُرُوجَ تُرِيدُ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَقَوْلُهَا اشْتَدَّ عَلَيْهَا الزَّمَانُ تُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِقِلَّةِ الْأَقْوَاتِ وَلِضِيقِ التَّصَرُّفِ بِهَا مِنْ أَجْلِ الْفِتْنَةِ، وَلَعَلَّهُ قَدْ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ مِنْ مَنْعِ
стр. 2097
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالْمَدِينَةِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا)
ــ
[المنتقى]
جَلْبِ الْأَقْوَاتِ إلَيْهَا مَا أَغْلَى الْأَقْوَاتِ بِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ اُقْعُدِي لُكَعُ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهَا وَالتَّبَسُّطِ بِالسَّبِّ عَلَى وَجْهِ النُّصْحِ لَهَا وَالْإِشْفَاقِ عَلَيْهَا لِخَطَئِهَا فِيمَا تُرِيدُ مِنْ الِانْتِقَالِ عَنْ الْمَدِينَةِ مَا فِي مُلَازَمَتِهَا وَالصَّبْرِ عَلَى شِدَّتِهَا مِنْ الْأَجْرِ الْجَزِيلِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ» اللَّأْوَاءُ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ هُوَ الْجُوعُ وَتَعَذُّرُ التَّكَسُّبِ وَالشِّدَّةُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا اللَّأْوَاءَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا كُلَّ مَا يَشْتَدُّ بِهِ سُكْنَاهَا، وَتَعْظُمُ مَضَرَّتُهُ، وَقَوْلُهُ ﷺ : «إلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنْ ابْنِ عُمَرَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنْ الرَّاوِي عَنْهُ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: هُوَ شَكٌّ مِنْ الْمُحَدِّثِ وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى وَالشَّفَاعَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَهِيَ شَفَاعَةٌ فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ لِمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَشَفَاعَةٌ فِي الْخُرُوجِ مِنْ النَّارِ خَاصَّةً، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِشَفَاعَتِهِ لِمُذْنِبِي أُمَّتِهِ وَخُرُوجِهِمْ مِنْ النَّارِ بِشَفَاعَتِهِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذِهِ الشَّفَاعَةِ أَهْلُ السُّنَّةِ فَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْحَدِيثِ كُنْت لَهُ شَفِيعًا، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الشَّفَاعَةَ لِمُذْنِبِهِمْ فِي الْخُرُوجِ مِنْ النَّارِ، وَالشَّفَاعَةَ لِمُحْسِنِهِمْ فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا مِنْ النَّارِ إنْ اُمْتُحِنَ بِهَا، أَوْ شَفِيعًا فِي زِيَادَةِ دَرَجَاتِهِ فِي الْجَنَّةِ إنْ سَلِمَ مِنْهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ إلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا فِي الْخُرُوجِ مِنْ النَّارِ إنْ احْتَاجَ ذَلِكَ فَتَخْتَصُّ شَفَاعَتُهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بِالْمُذْنِبِينَ، وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ، وَقَوْلُهُ أَوْ شَهِيدًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ شَهِيدٌ لَهُ بِالْمَقَامِ الَّذِي فِيهِ الْأَجْرُ، وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ لِشَهَادَتِهِ فَضْلًا فِي الْأَجْرِ وَإِحْبَاطًا لِلْوِزْرِ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ سُكْنَاهُ فِي الْمَدِينَةِ يَثْبُتُ وَيُوجَدُ ثَابِتًا فِي جُمْلَةِ حَسَنَاتِهِ إلَّا أَنَّ لِشَهَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ زِيَادَةَ أَجْرٍ وَمَزِيَّةً، وَلِذَلِكَ «قَالَ ﷺ فِي قَتْلَى أُحُدٍ هَؤُلَاءِ أَنَا شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ فَضِيلَةَ اسْتِيطَانِ الْمَدِينَةِ وَالْبَقَاءِ بِهَا بَاقِيَةٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالْمَدِينَةِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا) .
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ طَلَبَ أَنْ يُقِيلَهُ بَيْعَتَهُ لَمَّا وُعِكَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ حِينَئِذٍ الْهِجْرَةُ إلَى الْمَدِينَةِ عَلَى الْمُقَامِ بِهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّ ذَلِكَ تَضَمَّنَتْهُ بَيْعَتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَلِذَلِكَ كَانَ سَأَلَهُ أَنْ يُقِيلَهُ بَيْعَتَهُ يُؤَيِّدُ هَذَا التَّأَوُّلَ أَنَّهُ نَقَضَ ذَلِكَ بِالْخُرُوجِ، وَهُوَ الَّذِي نُقِلَ إلَيْنَا مِنْ حَالِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَمَدِ فَرْضِ الْهِجْرَةِ، وَإِنَّمَا بَايَعَهُ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ ثُمَّ جَاءَ يَسْأَلُهُ أَنْ يُقِيلَهُ فِي ذَلِكَ لَمَّا اسْتَجَازَ الْكُفْرَ وَلَمْ يَسْتَجِزْ نَقْضَ الْعَهْدِ، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ تَسُوغُ إقَالَتُهُ فِيهِ لَمْ يُقِلْهُ النَّبِيُّ ﷺ ؛ لِأَنَّ إقَالَتَهُ تَتَضَمَّنُ إبَاحَةَ الْكُفْرِ، وَاَللَّهُ يَعْصِمُ نَبِيَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ سَبَّبَ لَهُ ذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَوْخَمَ الْمَدِينَةَ لَمَّا وُعِكَ بِهَا كَمَا فَعَلَ الْعُرَنِيُّونَ الَّذِينَ اجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَأَذِنَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكُونُوا مَعَ نِعَمِهِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ مُرْتَدِّينَ عَنْ الْإِسْلَامِ فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَى بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ لَمَّا خَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ إنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا
стр. 2098
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «أُمِرْت بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى» يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْ الْمَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْهَا إلَّا أَبْدَلَهَا اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «يُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَيُفْتَحُ الشَّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ
ــ
[المنتقى]
يَقْتَضِي أَنَّهُ خَرَجَ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ وَالْمَدِينَةُ لَا يَبْقَى عَلَى شِدَّتِهَا إلَّا مَنْ أَخْلَصَ إيمَانَهُ، وَأَمَّا مَنْ خَبُثَتْ سَرِيرَتُهُ فَإِنَّهَا تَنْفِيهِ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ، وَهُوَ مَا يُخَلِّصُ بِهِ الْحَدَّادُ حَدِيدَهُ، فَالْمَدِينَةُ تَنْفِي مَنْ لَمْ يُخَلِّصْ إيمَانَهُ وَيَبْقَى مَنْ خَلَّصَ إيمَانَهُ، وَمَعْنَى يَنْصَعُ طِيبُهَا يَخْلُصُ وَفِي كِتَابِ أَبِي الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيِّ يَنْصَعُ طِيبُهَا أَيْ يَبْقَى وَيَظْهَرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ يَخْلُصُ لِلْبَقَاءِ بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ الْإِيمَانِ وَأَهْلُ الْفَضْلِ.
وَقَدْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ تَنْفِي أَهْلَ الْخَبَثِ مِنْ النَّاسِ، وَالْخَبَثُ الرَّدِيءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَمَا يُفْسِدُهُ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ فَالْتَفَتَ إلَى مُزَاحِمَ مَوْلَاهُ فَقَالَ يَا مُزَاحِمُ أَتَخْشَى أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ نَفَتْهُ الْمَدِينَةُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «أُمِرْت بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى» يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «أُمِرْت بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى» قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ أُمِرْت بِالْخُرُوجِ إلَيْهَا، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَعْنَاهُ فِي رَأْيِي تَفْتَحُ الْقُرَى قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَدِينَةِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ الْمَدِينَةَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَمَعْنَى أَكْلِهَا الْقُرَى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّهُ مِنْهَا يَغْلِبُ عَلَى سَائِرِ الْقُرَى، وَيَفْتَحُ جَمِيعَهَا وَيَأْخُذُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَكْثَرَ أَمْوَالِهَا، وَيَنْتَقِلُ حُكْمُهُمْ إلَى أَمِيرٍ سَاكِنٍ الْمَدِينَةَ وَتَعُودُ طَاعَةً لَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ» قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ يُسَمُّونَهَا يَثْرِبَ، وَأَنَا أُسَمِّيهَا الْمَدِينَةَ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَيُقَالُ أَنَّ مَنْ سَمَّاهَا يَثْرِبَ كُتِبَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةً، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ يَثْرِبَ فَقَالَ: إنَّمَا الْقُرْآنُ عَلَى مَا يَعْرِفُ النَّاسُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّهُ يُشِيرُ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣] وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إخْبَارٌ عَنْ الْمُنَافِقِينَ؛ لِأَنَّ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ثُمَّ قَالَ ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣] وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُ الْمُنَافِقِينَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَارْجِعُوا، فَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ مَنْ كَانَ يُرِيدُ رَدَّ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ نُصْرَتِهِ وَالْمُقَامِ مَعَهُ، فَهَؤُلَاءِ إنَّمَا كَانُوا يُسَمُّونَهَا يَثْرِبَ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَتْ تُسَمَّى عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَأَمَّا بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ اسْمَهَا طَيْبَةُ وَطَابَةُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْ الْمَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْهَا إلَّا أَبْدَلَهَا اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْ الْمَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْهَا» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ ﷺ رَغْبَةً عَنْ ثَوَابِ السَّاكِنِ فِيهَا، وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ لِضَرُورَةِ شِدَّةِ زَمَانٍ أَوْ فِتْنَةٍ فَلَيْسَ مِمَّنْ يَخْرُجُ رَغْبَةً عَنْهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْخُرُوجَ عَنْ اسْتِيطَانِهَا إلَى اسْتِيطَانِ غَيْرِهَا، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُسْتَوْطِنًا غَيْرَهَا فَقَدِمَ عَلَيْهَا طَالِبًا لِلْقُرْبَةِ بِإِتْيَانِهَا أَوْ مُسَافِرًا فَخَرَجَ عَنْهَا رَاجِعًا إلَى وَطَنِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَسْفَارِهِ، فَلَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا رَغْبَةً عَنْهَا، وَقَوْلُهُ ﷺ «إلَّا أَبْدَلَهَا اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَبْدَلَهَا اللَّهُ مُسْتَوْطِنًا بِهَا خَيْرًا مِنْهُ، إمَّا بِمُنْتَقِلٍ يَنْتَقِلُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا أَوْ مَوْلُودٍ يُولَدُ فِيهَا.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «يُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَيُفْتَحُ الشَّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ
стр. 2099
يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَيُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ حَمَاسٍ عَنْ عَمِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَتُتْرَكَنَّ الْمَدِينَةُ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَتْ حَتَّى يَدْخُلَ الْكَلْبُ أَوْ الذِّئْبُ فَيُعَدِّي عَلَى بَعْضِ سَوَارِي الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَلِمَنْ تَكُونُ الثِّمَارُ ذَلِكَ الزَّمَانَ قَالَ لِلْعَوَافِي الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ» ) (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ الْتَفَتَ
ــ
[المنتقى]
يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَيُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «يُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ» مَعْنَى يَبُسُّونَ يُقَالُ فِي زَجْرِ الدَّابَّةِ إذَا سَبَقَتْ بِسْ بِسْ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ يُقَالُ بَسَسْت وَأَبْسَسْت قَالَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى يَبُسُّونَ يَسُوقُونَ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] أَيْ سِيقَتْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى يَبُسُّونَ يَسِيرُونَ عَنْهَا سَيْرًا أَفْوَاجًا، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسًّا قَالَ: سُيِّرَتْ الْجِبَالُ سَيْرًا قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَقَوْلُهُ يَبُسُّونَ مَعْنَاهُ يُؤَلِّفُونَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إلَى غَيْرِهَا وَيُزَيِّنُونَ لَهُمْ الْخُرُوجَ مِنْهَا وَقَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَبُسُّونَ يَدَعُونَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ» يُرِيدُ مَنْ يَخْتَصُّ بِهِمْ مِنْ الْأَهْلِ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ بِرَحِيلِهِ، وَمَنْ أَطَاعَهُ مِمَّنْ لَا يَرْحَلُ بِرَحِيلِهِ وَقَوْلُهُ ﷺ «وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَا يَفُوتُهُمْ مِنْ الْأَجْرِ بِالِانْتِقَالِ عَنْهَا أَعْظَمُ وَأَفْضَلُ مِمَّا يَنَالُونَهُ مِنْ الْخِصْبِ وَسَعَةِ الْعَيْشِ حَيْثُ يَنْتَقِلُونَ إلَيْهِ مِنْ الْيَمَنِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ حَمَاسٍ عَنْ عَمِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَتُتْرَكَنَّ الْمَدِينَةُ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَتْ حَتَّى يَدْخُلَ الْكَلْبُ أَوْ الذِّئْبُ فَيُعَدِّي عَلَى بَعْضِ سَوَارِي الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَلِمَنْ تَكُونُ الثِّمَارُ ذَلِكَ الزَّمَانَ قَالَ لِلْعَوَافِي الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لَتُتْرَكَنَّ الْمَدِينَةُ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَتْ» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ فِي وَقْتٍ تَكُونُ فِيهِ أَحْسَنَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي أَمْرِ دِينٍ أَوْ دُنْيَا أَوْ فِيهِمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ حُسْنَ ثِمَارِهَا وَنَمَاءَهَا، وَلِذَلِكَ قَالُوا لَهُ فَلِمَنْ تَكُونُ الثِّمَارُ يَوْمَئِذٍ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حُسْنِهَا فِي وَقْتِ صَلَاحِهَا وَعِمَارَةِ الْمُسْلِمِينَ لَهَا، فَيَكُونُ أَحْسَنَ بِمَعْنَى الْحُسْنِ كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] مَعْنَاهُ وَهُوَ هَيِّنٌ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «لَتُتْرَكَنَّ الْمَدِينَةُ» ظَاهِرُهُ تَرْكُ سُكْنَاهَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَانِعٍ يَمْنَعُ سُكْنَاهَا مِنْ فِتْنَةٍ أَوْ شِدَّةِ حَالٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِإِيثَارِهِمْ غَيْرَهَا عَلَيْهَا لِخِصْبٍ أَوْ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَوْلُهُ ﷺ : «حَتَّى يَدْخُلَ الْكَلْبُ أَوْ الذِّئْبُ فَيُعَدِّي عَلَى بَعْضِ سَوَارِي الْمَسْجِدِ» يَقْتَضِي إخْلَاءَهَا جُمْلَةً حَتَّى لَا يَكُونَ بِهَا مِنْ سُكَّانِهَا مَنْ لَا يَمْنَعُ هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَعْنَى يُعَدِّي عَلَى سَوَارِي الْمَسْجِد قَالَ ابْنُ بُكَيْر مَعْنَاهُ يَبُولُ، وَعِنْدِي أَنَّ حَقِيقَةَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَنَّهُ يَقْطَعُ بَوْلَهُ دَفْعَةً دَفْعَةً، يُقَالُ عَدَا بِبَوْلِهِ إذَا دَفَعَهُ دَفْعَةً.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدِ وَمِنْهُ عَدَا الْعِرْقُ وَغَيْرُهُ يُعَدِّي وَمِنْهُ قِيلَ الْبَعِيرُ يَعْدُو بِبَوْلِهِ إذَا رَمَى بِهِ مُتَقَطِّعًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُمْ فَلِمَنْ تَكُونُ الثِّمَارُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ سُؤَالٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدُوا بِهِ الِاسْتِفْهَامَ عَنْ انْقِطَاعِ النَّاسِ عَنْهَا جُمْلَةً، وَهَلْ يَكُونُونَ مِنْهَا عَلَى حَالٍ مِنْ شَأْنِهَا فِي وَقْتِ الثِّمَارِ؟ فَقَالَ ﷺ : «تَكُونُ لِلْعَوَافِي الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ» .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ الْعَوَافِي مِنْ الْوَحْشِ وَالسِّبَاعِ وَالطَّيْرِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِك عَفَوْت فُلَانًا أَعْفُوهُ إذَا أَتَيْته تَطْلُبُ مَعْرُوفَهُ، وَيُقَالُ فُلَانٌ كَثِيرُ الْغَاشِيَةِ وَالْعَافِي أَيْ يَغْشَاهُ السُّؤَالُ وَالطَّالِبُونَ فَاقْتَضَى ذَلِكَ انْقِطَاعَ أَهْلِهَا عَنْهَا وَتَرْكَ ثِمَارِهَا حَتَّى لَا تَكُونَ إلَّا لِلطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِضَافَتُهَا إلَيْهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهَا تَعِيشُ مِنْهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهَا تَنْفَرِدُ بِهَا دُونَ أَرْبَابِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ الْتَفَتَ
стр. 2100
إلَيْهَا فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ يَا مُزَاحِمُ أَتَخْشَى أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ نَفَتْ الْمَدِينَةُ) .
مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ وَمَوْلَى الْمُطَّلِبِ «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا» )
ــ
[المنتقى]
إلَيْهَا فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ يَا مُزَاحِمُ أَتَخْشَى أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ نَفَتْ الْمَدِينَةُ) .
(ش) : يُرِيدُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا تَنْفِي خَبَثَهَا، فَخَافَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ نَفَتْهُ الْمَدِينَةُ لِكَوْنِهِ مِنْ الْخَبَثِ لِمُخَالَفَةِ سُنَّةٍ أَوْ ضَلَالٍ عَنْ هُدًى، وَمِثْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَدْرَكْت ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ مَا خَافَهُ إلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إلَّا مُنَافِقٌ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ التَّمِيمِيُّ: مَا عَرَضْت قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إلَّا خَشِيت أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا فَعَلَى هَذَا أَهْلُ الدِّينِ وَالْعِلْمِ وَالْفَضْلِ مِنْ الْخَوْفِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَالِاتِّهَامِ لَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ]
(ش) : قَوْلُ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ» قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ بَدَا لَهُ، فَقَالَ ﷺ : «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» قَالَ مَعْنَاهُ يُحِبُّنَا أَهْلُهُ وَنُحِبُّهُمْ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ انْتِفَاعُنَا بِهِ انْتِفَاعُنَا بِمَنْ يُحِبُّنَا فِي الْحِمَايَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمَنَافِعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَحَبَّتَنَا لَهُ مَحَبَّتُنَا لِمَنْ يَعْتَقِدُ فِيهِ أَنَّهُ يُحِبُّنَا فَهُوَ آكَدُ لِلْمَحَبَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ» وَرَوَى يَحْيَى بْنُ مُزَيْنٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ حَرَّمَ مَكَّةَ مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ نَحْوَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ دَنَا شَيْئًا نَحْوَ التَّنْعِيمِ، وَمِمَّا يَلِي طَرِيقَ الْعِرَاقِ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ، وَمِمَّا يَلِي طَرِيقَ نَجْدٍ سَبْعَةَ أَمْيَالٍ، وَمِمَّا يَلِي طَرِيقَ الْيَمَنِ سَبْعَةَ أَمْيَالٍ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ أَضَاءَةُ وَمِمَّا يَلِي جُدَّةَ عَشْرَةَ أَمْيَالٍ بِالْحُدَيْبِيَةِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِ نَظَرٌ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ بَيْنَ مَكَّةَ وَعَرَفَةَ نَحْوَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، وَهُوَ نَحْوَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْحُدَيْبِيَةِ وَبَيْنَ مَكَّةَ وَالْجِعْرَانَةِ وَبَيْنَ مَكَّةَ وَحُنَيْنٍ هَذِهِ مَسَافَاتٌ مُتَقَارِبَةٌ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْحُدَيْبِيَةِ تِسْعَةُ أَمْيَالٍ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ مَا تَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إنَّ بَيْنَهُمَا ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا، وَتُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الْوَهْمُ مَعَ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْحِرْزِ فِي قَدْرِ الْمِيلِ، وَاَلَّذِي حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ أَلْفَ بَاعٍ كُلُّ بَاعٍ مِنْ ذِرَاعَيْنِ، وَأَهْلُ الْحِسَابِ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مُعْتَمِدُونَ عَلَى أَنَّ كُلَّ بَاعٍ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ فَتَفَاوَتَ الْأَمْرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَأَمَّا التَّنْعِيمُ فَإِنِّي أَقَمْت بِمَكَّةَ مُدَّةً وَسَمِعْت أَكْثَرَ النَّاسِ يَذْكُرُونَ أَنَّهَا خَمْسَةُ أَمْيَالٍ، وَلَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا مُدَّةَ مَقَامِي بِهَا، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالتَّنْعِيمِ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ دُونَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ قَرِيبٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا فَإِنَّهَا أَزْيَدُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْثَالِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ» وَقَدْ رَوَى ابْنُ شُرَيْحٍ الْعَدَوِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا إبْرَاهِيمُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ» ، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ قَوْلَهُ إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ دَعَا فِي تَحْرِيمِهَا، وَأَنَّ الْبَارِئَ تَعَالَى أَجَابَ دُعَاءَهُ وَحَرَّمَهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ إبْرَاهِيمَ كُلِّفَ أَنْ يَحْكُمَ بِاجْتِهَادِهِ، وَأَنَّهُ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى تَحْرِيمِهَا فَأُضِيفَ ذَلِكَ إلَى تَحْرِيمِ اللَّهِ لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ حُرِّمَتْ، وَيُضَافُ تَحْرِيمُهَا إلَى إبْرَاهِيمَ ﵇ لِأَنَّهُ الَّذِي حَكَمَ بِذَلِكَ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ أَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْهَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُ تَحْرِيمُهُ، وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُسَوَّغْ لَهُ التَّحْرِيمُ فَلَا يَلْزَمُ النَّاسَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَحَرَّمَهُ
стр. 2101
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَوْ رَأَيْت الظِّبَاءَ بِالْمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يُونُسَ بْنِ يُوسُفَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ وَجَدَ غِلْمَانًا قَدْ أَلْجَئُوا ثَعْلَبًا إلَى زَاوِيَةٍ فَطَرَدَهُمْ عَنْهُ قَالَ مَالِكٌ لَا أَعْلَمُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ أَفِي حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصْنَعُ هَذَا مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ قَالَ دَخَلَ عَلَيَّ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَنَا بِالْأَسْوَاقِ، وَقَدْ اصْطَدْت نُهَسًا فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِي فَأَرْسَلَهُ) .
مَا جَاءَ فِي وَبَاءِ الْمَدِينَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ قَالَ فَدَخَلْت عَلَيْهِمَا فَقُلْت: يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُك وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُك قَالَتْ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ
كُلُّ امْرِئٍ مُصْبِحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وَكَانَ بِلَالٌ إذَا أُقْلِعَ عَنْهُ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ فَيَقُولُ
أَلَّا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
قَالَتْ عَائِشَةُ فَجِئْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا» يُرِيدُ حَرَّتَيْهَا، وَاللَّابَةُ الْحَرَّةُ قَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ قَالَ وَالْحَرَّتَانِ إحْدَاهُمَا الَّتِي يَنْزِلُ بِهَا الْحَاجُّ، وَالْأُخْرَى تُقَابِلُهَا مِنْ نَاحِيَةِ شَرْقِيِّ الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَيْضًا فِي أَقْصَى الْعُمْرَانِ خَارِجَةً عَنْهُ.
وَقَالَ وَحَرَّتَانِ أُخْرَيَانِ أَيْضًا مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ وَالْجَوْفِ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَهُمَا أَيْضًا فِي طَرَفِ الْعُمْرَانِ مِنْ جَانِبَيْ الْمَدِينَةِ جَمِيعًا عَلَى مِثْلِ الْآخَرَيْنِ، قَالَ ابْنُ نَافِعٍ فَمَا بَيْنَ هَذِهِ الْحَرَّاتِ فِي الدُّورِ كُلِّهِ مُحَرَّمٌ أَنْ يُصَادَ فِيهِ صَيْدٌ، وَمَنْ عَصَى فَاسْتَحَلَّ فَقَدْ اسْتَحَلَّ مَا قَدْ نُهِيَ عَنْهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ جَزَاءٌ، وَحُرِّمَ قَطْعُ الشَّجَرِ مِنْهَا عَلَى بَرِيدٍ مِنْ كُلِّ شَقٍّ حَوْلَهَا كُلِّهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ مُقْتَضَى تَفْضِيلِ مَالِكٍ الْمَدِينَةَ عَلَى مَكَّةَ أَنَّ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ فِيمَا أَصَابَ مِنْ الصَّيْدِ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَوْ رَأَيْت الظِّبَاءَ بِالْمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ» ) .
(ش) : قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ لَوْ رَأَيْت الظِّبَاءَ تَرْتَعُ بِالْمَدِينَةِ مَا ذَعَرْتهَا يُرِيدُ مَا نَفَّرْتهَا.
وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» قَالَ عِكْرِمَةُ مَعْنَى يُنَفَّرُ صَيْدُهَا أَنْ يُنَحِّيَهُ مِنْ الظِّلِّ فَيُقِيلَ مَكَانَهُ، فَهَذَا مَعْنَى الذُّعْرِ الَّذِي ذَكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ» يَقْتَضِي أَنَّ ذَعْرَ الصَّيْدِ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ تَحْرِيمُ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ يَعْنِي مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا مَا بَيْنَ حَرَّتَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ الْحَرَّةُ هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي تَعْلُوهَا حِجَارَةٌ سَوْدَاءُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يُونُسَ بْنِ يُوسُفَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ وَجَدَ غِلْمَانًا قَدْ أَلْجَئُوا ثَعْلَبًا إلَى زَاوِيَةٍ فَطَرَدَهُمْ عَنْهُ قَالَ مَالِكٌ لَا أَعْلَمُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ أَفِي حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصْنَعُ هَذَا مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ قَالَ دَخَلَ عَلَيَّ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَنَا بِالْأَسْوَاقِ، وَقَدْ اصْطَدْت نُهَسًا فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِي فَأَرْسَلَهُ) .
(ش) : قَوْلُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ لِلَّذِينَ أَلْجَئُوا ثَعْلَبًا إلَى زَاوِيَةٍ أَفِي حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصْنَعُ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا اسْتِبَاحَةٌ لِحُرَمِهِ ﷺ وَيُنْكِرُ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ، وَلِذَلِكَ طَرَدَهُمْ عَنْهُ، وَالنُّهَسُ الَّذِي اصْطَادَ الرَّجُلُ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ هُوَ طَائِرٌ يُقَالُ لَهُ النُّهَسُ، وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْأَسْوَاقُ عَلَى هَذَا مَوْضِعًا بِبَعْضِ أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2102
أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ» ) .
(قَالَ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَقُولُ
قَدْ رَأَيْت الْمَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ ... إنَّ الْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ
مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ» ) .
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي وَبَاءِ الْمَدِينَةِ]
(ش) : قَوْلُهَا ﵂ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ الْوَعْكُ إزْعَاجُ الْحُمَّى الْمَرِيضَ وَتَحْرِيكُهَا إيَّاهُ، يُقَالُ وَعَكَتْهُ وَعْكًا وَدُخُولُ عَائِشَةِ ﵂ عَلَى أَبِيهَا وَبِلَالٍ عَلَى وَجْهِ الْعِيَادَةِ لَهُمَا وَهِيَ مِنْ الْقُرَبِ.
وَقَدْ رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَتْبَعَ الْجَنَائِزَ وَنَعُودَ الْمَرْضَى وَنُفْشِيَ السَّلَامَ» ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ وَقَوْلُهَا: وَكَانَ بِلَالٌ إذَا أُقْلِعَ عَنْهُ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ يُرِيدُ تَذْهَبُ عَنْهُ الْحُمَّى فَأَفَاقَ، وَقَوْلُهَا ﵂ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَعِيسَى بْنُ دِينَارٍ تُرِيدُ صَوْتَهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى وَالْإِذْخِرُ وَالْجَلِيلُ شَجَرَتَانِ طَيِّبَتَانِ تَكُونَانِ بِأَوْدِيَةِ مَكَّةَ، وَأَرَاهُ يُرِيدُ الْعُنَّابَ فَإِنَّ الْإِذْخِرَ وَالْجَلِيلَ إنَّمَا هُمَا نَبْتٌ وَلَيْسَا بِشَجَرٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَشَامَةٌ وَطَفِيلٌ جَبَلَانِ مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ.
(فَصْلٌ) :
وَمَعْنَى إنْشَادِ بِلَالٍ الْبَيْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى مَعْنَى التَّمَنِّي لِمَكَّةَ وَنَوَاحِيهَا، وَالتَّأَسُّفِ لِمَا فَاتَهُ مِمَّا أَلِفَ مِنْهَا، وَالتَّوَجُّعِ بِالْمُقَامِ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي لَمْ يَعْهَدْ حَالَهَا وَلَا أَلِفَ هَوَاهَا.
وَقَدْ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ «أَنَّ أُنَاسًا مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ، وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَوْدٍ وَبِرَاعٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ فَجِئْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْته بِذَلِكَ تُرِيدُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَبِلَالٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، دُعَاءٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُذْهِبَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ الْإِشْفَاقَ عَنْ مُفَارَقَةِ مَكَّةَ وَسُكْنَى الْمَدِينَةِ، وَالدُّعَاءُ فِي أَنْ يُحَبِّبَ اللَّهُ إلَيْهِمْ الْمَدِينَةَ كَحُبِّهِمْ مَكَّةَ فَيَكْرَهُونَ الِانْتِقَالَ عَنْهَا كَمَا كَرِهُوا الِانْتِقَالَ مِنْ مَكَّةَ.
(فَصْلٌ) :
وَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ ﷺ إنْشَادَ الشِّعْرِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَبِلَالٍ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ، وَقَدْ أَنْشَدَهُ حَسَّانُ وَكَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ وَمَدَحَهُ الْأَعْشَى وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا الشِّعْرُ كَلَامٌ فَحَسَنُهُ كَحَسَنِ الْكَلَامِ وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِ الْكَلَامِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» ، فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مَعْنَاهُ مِنْ الشِّعْرِ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ أَنْ يُحْفَظُ بَيْتٌ وَاحِدٌ مِنْهُ وَلَا إنْشَادُهُ وَلَا إصْغَاءٌ إلَيْهِ إلَّا لِمَنْ يُرِيدُ الرَّدَّ عَلَى قَائِلِهِ وَالِانْتِصَارَ مِنْهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ، وَمَنَعَهُ مِنْ التَّحَفُّظِ عَلَى الشَّرِيعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ إنْشَادِ الشِّعْرِ فَقَالَ: مَا يَخِفُّ مِنْهُ وَلَا يَكْثُرُ وَمِنْ عَيْبِهِ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] قَالَ مَالِكٌ وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ اجْمَعْ الشُّعَرَاءَ وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الشِّعْرِ وَهَلْ بَقِيَتْ مَعَهُمْ مَعْرِفَتُهُ وَأَحْضِرْ لَبِيدًا ذَلِكَ قَالَ فَجَمَعَهُمْ وَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا: إنَّا لَنَعْرِفُهُ وَنَقُولُهُ.
وَقَالَ لَبِيدٌ مَا قُلْت بَيْتَ شِعْرٍ مُنْذُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ قَوْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَصَحِّحْهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا إلَى الْجُحْفَةِ» يُرِيدُ أَنْ يُذْهِبَ عَنْهَا الْوَخَامَةَ الَّتِي
стр. 2103
مَا جَاءَ فِي إجْلَاءِ الْيَهُودِ مِنْ الْمَدِينَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ كَانَ مِنْ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ قَالَ «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ» مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ» قَالَ مَالِكٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَفَحَّصَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى أَتَاهُ الثَّلْجُ وَالْيَقِينُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» فَأَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَهُودَ نَجْرَانَ وَفَدَكَ، فَأَمَّا يَهُودُ خَيْبَرَ فَخَرَجُوا مِنْهَا لَيْسَ لَهُمْ مِنْ الثَّمَرِ وَلَا مِنْ الْأَرْضِ شَيْءٌ، وَأَمَّا يَهُودُ فَدَكَ فَكَانَ لَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ وَنِصْفُ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ صَالَحَهُمْ عَلَى نِصْفِ الثَّمَرِ وَنِصْفِ الْأَرْضِ فَأَقَامَ لَهُمْ عُمَرُ نِصْفَ الثَّمَرِ وَنِصْفَ الْأَرْضِ قِيمَةً مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ وَإِبِلٍ وَحِبَالٍ وَأَقْتَابٍ، ثُمَّ أَعْطَاهُمْ الْقِيمَةَ وَأَجَلَاهُمْ مِنْهَا) .
ــ
[المنتقى]
أَضَرَّتْ بِهِمْ، وَالْحُمَّى الَّتِي وُعِكُوا بِهَا، وَيَنْقُلَ ذَلِكَ إلَى الْجُحْفَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ الْجُحْفَةَ وَهِيَ مَهْيَعَةٌ كَانُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمِنْ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ صَارَتْ الْجُحْفَةُ وَبِئَةً، قَلَّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ عَيْنِهَا، وَيُقَالُ لَهُ حُمَّ الْأَحَمُّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ» قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى هِيَ الْفِجَاجُ الَّتِي حَوْلَهَا خَارِجًا مِنْهَا، وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ» يَقْتَضِي مَنْعَ الْمَلَائِكَةِ الدَّجَّالَ مِنْ دُخُولِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا أَيْضًا قَدْ وُكِّلُوا بِمَنْعِ الطَّاعُونِ مِنْ دُخُولِهَا.
وَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ عَنْ الدَّجَّالِ قَالَ «يَأْتِي الدَّجَّالُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ أَنْقَابَ الْمَدِينَةِ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ فَيَخْرُجُ إلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ فَيَقُولُ أَشْهَدُ إنَّك الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » حَدِيثَهُ.
[مَا جَاءَ فِي إجْلَاءِ الْيَهُودِ مِنْ الْمَدِينَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» إظْهَارًا لِقُبْحِ مَا صَنَعُوهُ وَعِظَمِ مَا ابْتَدَعُوهُ مِمَّا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَرْضِ الَّتِي كَانَتْ مُخْتَصَّةً بِسُكْنَى الْعَرَبِ وَتَقَلُّبِهِمْ عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
وَقَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَنُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مِنْ أَقْصَى عَدَنٍ أَبْيَنَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ كُلِّهَا إلَى رِيفِ الْعِرَاقِ فِي الطُّولِ، وَأَمَّا الْعَرْضُ فَمِنْ جُدَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ إلَى أَطْوَارِ الشَّامِ وَمِصْرَ فِي الْغَرْبِ، وَفِي الشَّرْقِ مَا بَيْنَ يَثْرِبَ إلَى مُنْقَطَعِ السَّمَاوَةِ، وَقَالَ مَالِكٌ: جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَنْبَتُ الْعَرَبِ قِيلَ لَهَا جَزِيرَةُ الْعَرَبِ لِإِحَاطَةِ الْبَحْرِ وَالْأَنْهَارِ بِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَبْقَى فِيهَا غَيْرُ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ يُخْرَجَ مِنْهَا كُلُّ مَنْ يَتَدَيَّنُ بِغَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ قَالَ مَالِكٌ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْبُلْدَانِ كُلُّ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ ذِمِّيٍّ كَانَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَا مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ دُخُولِهِمْ إيَّاهَا مُسَافِرِينَ، فَقَدْ كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يَجْلِبُ النَّصَارَى مِنْ الشَّامِ إلَى الْمَدِينَةِ الْحِنْطَةَ وَالزَّيْتَ وَالْأَمْتِعَةَ
стр. 2104
جَامِعُ مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْمَدِينَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ زَارَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ الْمَخْزُومِيَّ فَرَأَى عِنْدَهُ نَبِيذًا، وَهُوَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ أَسْلَمُ إنَّ هَذَا لَشَرَابٌ يُحِبُّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَحَمَّلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ قَدَحًا عَظِيمًا فَجَاءَ بِهِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَضَعَهُ فِي يَدَيْهِ فَقَرَّبَهُ عُمَرُ إلَى فِيهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ هَذَا لَشَرَابٌ طَيِّبٌ فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ رَجُلًا عَنْ يَمِينِهِ فَلَمَّا أَدْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ نَادَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ أَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَقُلْت: هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَقُولُ فِي بَيْتِ اللَّهِ وَلَا فِي حَرَمِهِ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ أَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ قَالَ فَقُلْت هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ فَقَالَ عُمَرُ لَا أَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَلَا فِي بَيْتِهِ شَيْئًا، ثُمَّ انْصَرَفَ) .
ــ
[المنتقى]
فَيَأْخُذُ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَ الْعُشْرِ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس إذَا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ أَيُضْرَبُ لَهُمْ أَجَلٌ؟ قَالَ: نَعَمْ يُضْرَبُ لَهُمْ أَجَلٌ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَسْتَقُونَ وَيَنْظُرُونَ فِي حَوَائِجِهِمْ، وَقَدْ ضَرَبَ لَهُمْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ فَفَحَّصَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ مَعْنَاهُ كَشَفَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ هَلْ يَصِحُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ جَاءَهُ الثَّلْجُ قَالَ مَعْنَاهُ الْيَقِينُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، يُرِيدُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ فَأَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَهُودَ خَيْبَرَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا الْإِجْلَاءُ إنَّمَا هُوَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ سَوَاءٌ وُجِدَ مِنْهُمْ غَدْرٌ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، وَأَمَّا إنْ وُجِدَ مِنْهُمْ غَدْرٌ بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ فَارِسَ وَظَهَرَتْ لَهُمْ عُهُودٌ كَثِيرَةٌ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَسُلَيْمَانَ أَتَرَى أَنْ يُجْلَوْا مِنْهَا إنْ عُرِفَ مِنْهُمْ غَدْرٌ؟ قَالَ نَعَمْ إذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْإِجْلَاءُ فِي غَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ إلَّا لِلْغَدْرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَعِنْدِي أَنَّهُمْ يُجْلَوْنَ إذَا خِيفَ مِنْهُمْ الْمَيْلُ إلَى أَهْلِ مِلَّتِهِمْ لِمُجَاوَرَتِهِمْ أَهْلَ الْحَرْبِ فَيُنْقَلُونَ إلَى حَيْثُ يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَهُودَ نَجْرَانَ وَفَدَكَ، قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ فَأَمَّا يَهُودُ نَجْرَانَ فَخَرَجُوا مِنْهَا لَيْسَ لَهُمْ مِنْ الثَّمَرِ وَلَا مِنْ الْأَرْضِ شَيْءٌ، وَأَمَّا يَهُودُ فَدَكَ فَكَانَ لَهُمْ نِصْفُ الْأَرْضِ وَنِصْفُ الثَّمَرِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ صَالَحَهُمْ عَلَى نِصْفِ النَّخْلِ وَنِصْفِ الْأَرْضِ فَأَقَامَ لَهُمْ عُمَرُ نِصْفَ ذَلِكَ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالْإِبِلِ وَالْحِبَالِ وَالْأَقْتَابِ فَأَعْطَاهُمْ ذَلِكَ وَأَجْلَاهُمْ مِنْهَا.
[جَامِعُ مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْمَدِينَةِ]
(ش) : قَوْلُ أَسْلَمَ فِي النَّبِيذِ أَنَّ هَذَا لَشَرَابٌ يُحِبُّهُ عُمَرُ حَثٌّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ إلَيْهِ مِنْهُ، وَتَنْبِيهُهُ عَلَى ذَلِكَ لِمَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْقَرَابَةِ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ مِنْ أَخْوَالِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَكَانَ مِمَّنْ يَقْبَلُ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَبَعْدَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَجَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ «مَا أَتَاكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَخُذْهُ» مَعَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَا كَانَ يُهْدَى إلَيْهِ فَإِنَّمَا كَانَ كَشَيْءٍ يُهْدَى إلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَنَاوَلُ مِنْهُ الْيَسِيرَ وَيُنَاوِلُ الْبَاقِيَ جُلَسَاءَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَضَعَهُ فِي يَدِ عُمَرَ وَقَرَّبَهُ إلَى فِيهِ، لَعَلَّهُ يُرِيدُ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِبَارِ لَهُ وَمَعْرِفَةِ حَالِهِ بِرَائِحَتِهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: إنَّ هَذَا لَشَرَابٌ طَيِّبٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ حَلَالًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ لَذِيذًا مَعَ كَوْنِهِ حَلَالًا فَشَرِبَهُ يُرِيدُ شَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ رَجُلًا عَنْ يَمِينِهِ، وَهُوَ الْمَشْرُوعُ بِأَنْ يُنَاوِلَ الْإِمَامُ بَعْدَهُ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 2105
مَا جَاءَ فِي الطَّاعُونِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إلَى الشَّامِ حَتَّى إذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنْ الْوَبَاء قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَمَّا أَدْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ نَادَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ أَأَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ كَأَنَّهُ كَرِهَ تَفْضِيلَهُ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ دَارِ الْهِجْرَةِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَلَوْ أَقَرَّهُ بِذَلِكَ لَضَرَبَهُ يُرِيدُ لَأَدَّبَهُ عَلَى تَفْضِيلِهِ مَكَّةَ، وَهَذَا مِنْ عُمَرَ ﵁ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ إنْكَارَ تَفْضِيلِ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ لِاعْتِقَادِهِ تَفْضِيلَ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ، أَوْ هُوَ يَرَى تَرْكَ الْأَخْذِ فِي تَفْضِيلِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، إلَّا أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ لِمَا شُهِرَ مِنْ أَخْذِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ دُونَ نَكِيرٍ، وَمَعْنَى أَفْضَلُ أَنَّ لِسَاكِنِهَا الْعَامِلِ فِيهَا بِالطَّاعَةِ مِنْ الثَّوَابِ أَكْثَرَ مِمَّا لِلسَّاكِنِ وَالْعَامِلِ بِذَلِكَ فِي الْأُخْرَى، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ كَانَ السُّكْنَى بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا مَمْنُوعًا، وَالِانْتِقَالَ إلَى الْمَدِينَةِ مُفْتَرَضًا قَبْلَ الْفَتْحِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الْفَتْحِ فِي حَقِّ مَنْ تَقَدَّمَتْ هِجْرَتُهُ قَبْلَ الْفَتْحِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إنَّ ذَلِكَ بَقِيَ فِي حَقِّهِمْ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إنَّ لِمَنْ هَاجَرَ قَبْلَ الْفَتْحِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ إلَّا أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُقَامَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ أَفْضَلَ، وَلِذَلِكَ أَقَامَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُهَاجِرُونَ.
وَقَدْ انْتَقَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، وَلَمْ يَرْجِعْ مِنْهُمْ مَشْهُورٌ بِالْفَضْلِ إلَى سُكْنَى مَكَّةَ، وَإِنَّمَا رَجَعَ إلَيْهَا مَنْ صَغَرَ سِنُّهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمُ الْهِجْرَةِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ لَهُ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ هِجْرَةٌ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ سُكْنَى مَكَّةَ وَسُكْنَى الْمَدِينَةِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ أَنَّ سُكْنَى الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ سُكْنَى مَكَّةَ أَفْضَلُ لَهُ، وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا» .
قَالَ يَخُصُّ بِذَلِكَ الْمَدِينَةَ وَبِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أُمِرْت بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى» قَالَ: فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ تَأْكُلُ الْقُرَى إلَّا عَلَى تَرْجِيحِ فَضْلِهَا عَلَى غَيْرِهَا وَزِيَادَتِهَا عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ ﷺ «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ» وَلَا يَدْعُو ﷺ فِي أَنْ يُحَبِّبَ إلَيْنَا سُكْنَى الْمَدِينَةِ وَسُكْنَى غَيْرِهَا أَفْضَلُ، وَوَجْهُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اخْتَارَ سُكْنَاهَا بَعْدَ الْفَتْحِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ، فَلَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ السُّكْنَى إلَّا فِي أَفْضَلِ الْبِقَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُفْتَرَضًا عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ فَلَا يَخْتَارُ لِاسْتِيطَانِهِ وَاسْتِيطَانِ الْإِمَامَةِ وَفُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ إلَّا أَفْضَلَ الْبِقَاعِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مَكَّةَ وَبَكَّةَ فَقَالَ بَكَّةُ مَوْضِعُ الْبَيْتِ وَمَكَّةُ غَيْرُ ذَلِكَ يُرِيدُ الْقَرْيَةَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ، وَفِيهَا بَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى إظْهَارِ مَا عِنْدَهُ مِنْ فَضِيلَةِ مَكَّةَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ لَضَرَبَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِتَفْضِيلِ مَكَّةَ، وَإِنَّمَا أَقَرَّ لَهُ بِفَضْلِ مَكَّةَ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁ لَا أَقُولُ فِي بَيْتِ اللَّهِ وَلَا فِي حَرَمِهِ شَيْئًا مَعْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنِّي لَا أُنْكِرُ فَضِيلَتَهُ، وَلَكِنْ أَأَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ مَا مَعْنَاهُ أَنِّي لَا أُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْك، وَإِنَّمَا أُنْكِرُ عَلَيْك مَا بَلَغَنِي عَنْك مِنْ تَفْضِيلِهَا عَلَى الْمَدِينَةِ فَهَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْك؟ فَعَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ إلَى قَوْلِهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ وَلَا أَظْهَرَ إلَيْهِ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ رَأَى عُمَرُ إقْرَارَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إذَا أَمْسَكَ عَمَّا سِوَاهُ غَيْرَ مَمْنُوعٍ.
следующие страницы →