← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَوْ رَأَيْت الظِّبَاءَ بِالْمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يُونُسَ بْنِ يُوسُفَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ وَجَدَ غِلْمَانًا قَدْ أَلْجَئُوا ثَعْلَبًا إلَى زَاوِيَةٍ فَطَرَدَهُمْ عَنْهُ قَالَ مَالِكٌ لَا أَعْلَمُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ أَفِي حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصْنَعُ هَذَا مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ قَالَ دَخَلَ عَلَيَّ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَنَا بِالْأَسْوَاقِ، وَقَدْ اصْطَدْت نُهَسًا فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِي فَأَرْسَلَهُ) . مَا جَاءَ فِي وَبَاءِ الْمَدِينَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ قَالَ فَدَخَلْت عَلَيْهِمَا فَقُلْت: يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُك وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُك قَالَتْ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ كُلُّ امْرِئٍ مُصْبِحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَكَانَ بِلَالٌ إذَا أُقْلِعَ عَنْهُ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ فَيَقُولُ أَلَّا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إذْخِرٌ وَجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ قَالَتْ عَائِشَةُ فَجِئْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا» يُرِيدُ حَرَّتَيْهَا، وَاللَّابَةُ الْحَرَّةُ قَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ قَالَ وَالْحَرَّتَانِ إحْدَاهُمَا الَّتِي يَنْزِلُ بِهَا الْحَاجُّ، وَالْأُخْرَى تُقَابِلُهَا مِنْ نَاحِيَةِ شَرْقِيِّ الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَيْضًا فِي أَقْصَى الْعُمْرَانِ خَارِجَةً عَنْهُ. وَقَالَ وَحَرَّتَانِ أُخْرَيَانِ أَيْضًا مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ وَالْجَوْفِ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَهُمَا أَيْضًا فِي طَرَفِ الْعُمْرَانِ مِنْ جَانِبَيْ الْمَدِينَةِ جَمِيعًا عَلَى مِثْلِ الْآخَرَيْنِ، قَالَ ابْنُ نَافِعٍ فَمَا بَيْنَ هَذِهِ الْحَرَّاتِ فِي الدُّورِ كُلِّهِ مُحَرَّمٌ أَنْ يُصَادَ فِيهِ صَيْدٌ، وَمَنْ عَصَى فَاسْتَحَلَّ فَقَدْ اسْتَحَلَّ مَا قَدْ نُهِيَ عَنْهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ جَزَاءٌ، وَحُرِّمَ قَطْعُ الشَّجَرِ مِنْهَا عَلَى بَرِيدٍ مِنْ كُلِّ شَقٍّ حَوْلَهَا كُلِّهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ مُقْتَضَى تَفْضِيلِ مَالِكٍ الْمَدِينَةَ عَلَى مَكَّةَ أَنَّ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ فِيمَا أَصَابَ مِنْ الصَّيْدِ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَوْ رَأَيْت الظِّبَاءَ بِالْمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ» ) . (ش) : قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ لَوْ رَأَيْت الظِّبَاءَ تَرْتَعُ بِالْمَدِينَةِ مَا ذَعَرْتهَا يُرِيدُ مَا نَفَّرْتهَا. وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» قَالَ عِكْرِمَةُ مَعْنَى يُنَفَّرُ صَيْدُهَا أَنْ يُنَحِّيَهُ مِنْ الظِّلِّ فَيُقِيلَ مَكَانَهُ، فَهَذَا مَعْنَى الذُّعْرِ الَّذِي ذَكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ» يَقْتَضِي أَنَّ ذَعْرَ الصَّيْدِ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ تَحْرِيمُ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ يَعْنِي مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا مَا بَيْنَ حَرَّتَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ الْحَرَّةُ هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي تَعْلُوهَا حِجَارَةٌ سَوْدَاءُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يُونُسَ بْنِ يُوسُفَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ وَجَدَ غِلْمَانًا قَدْ أَلْجَئُوا ثَعْلَبًا إلَى زَاوِيَةٍ فَطَرَدَهُمْ عَنْهُ قَالَ مَالِكٌ لَا أَعْلَمُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ أَفِي حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصْنَعُ هَذَا مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ قَالَ دَخَلَ عَلَيَّ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَنَا بِالْأَسْوَاقِ، وَقَدْ اصْطَدْت نُهَسًا فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِي فَأَرْسَلَهُ) . (ش) : قَوْلُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ لِلَّذِينَ أَلْجَئُوا ثَعْلَبًا إلَى زَاوِيَةٍ أَفِي حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصْنَعُ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا اسْتِبَاحَةٌ لِحُرَمِهِ ﷺ وَيُنْكِرُ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ، وَلِذَلِكَ طَرَدَهُمْ عَنْهُ، وَالنُّهَسُ الَّذِي اصْطَادَ الرَّجُلُ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ هُوَ طَائِرٌ يُقَالُ لَهُ النُّهَسُ، وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْأَسْوَاقُ عَلَى هَذَا مَوْضِعًا بِبَعْضِ أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2102

أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ» ) . (قَالَ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَقُولُ قَدْ رَأَيْت الْمَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ ... إنَّ الْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ» ) . ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي وَبَاءِ الْمَدِينَةِ] (ش) : قَوْلُهَا ﵂ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ الْوَعْكُ إزْعَاجُ الْحُمَّى الْمَرِيضَ وَتَحْرِيكُهَا إيَّاهُ، يُقَالُ وَعَكَتْهُ وَعْكًا وَدُخُولُ عَائِشَةِ ﵂ عَلَى أَبِيهَا وَبِلَالٍ عَلَى وَجْهِ الْعِيَادَةِ لَهُمَا وَهِيَ مِنْ الْقُرَبِ. وَقَدْ رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَتْبَعَ الْجَنَائِزَ وَنَعُودَ الْمَرْضَى وَنُفْشِيَ السَّلَامَ» ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ وَقَوْلُهَا: وَكَانَ بِلَالٌ إذَا أُقْلِعَ عَنْهُ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ يُرِيدُ تَذْهَبُ عَنْهُ الْحُمَّى فَأَفَاقَ، وَقَوْلُهَا ﵂ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَعِيسَى بْنُ دِينَارٍ تُرِيدُ صَوْتَهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى وَالْإِذْخِرُ وَالْجَلِيلُ شَجَرَتَانِ طَيِّبَتَانِ تَكُونَانِ بِأَوْدِيَةِ مَكَّةَ، وَأَرَاهُ يُرِيدُ الْعُنَّابَ فَإِنَّ الْإِذْخِرَ وَالْجَلِيلَ إنَّمَا هُمَا نَبْتٌ وَلَيْسَا بِشَجَرٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَشَامَةٌ وَطَفِيلٌ جَبَلَانِ مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ. (فَصْلٌ) : وَمَعْنَى إنْشَادِ بِلَالٍ الْبَيْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى مَعْنَى التَّمَنِّي لِمَكَّةَ وَنَوَاحِيهَا، وَالتَّأَسُّفِ لِمَا فَاتَهُ مِمَّا أَلِفَ مِنْهَا، وَالتَّوَجُّعِ بِالْمُقَامِ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي لَمْ يَعْهَدْ حَالَهَا وَلَا أَلِفَ هَوَاهَا. وَقَدْ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ «أَنَّ أُنَاسًا مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ، وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَوْدٍ وَبِرَاعٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ فَجِئْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْته بِذَلِكَ تُرِيدُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَبِلَالٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، دُعَاءٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُذْهِبَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ الْإِشْفَاقَ عَنْ مُفَارَقَةِ مَكَّةَ وَسُكْنَى الْمَدِينَةِ، وَالدُّعَاءُ فِي أَنْ يُحَبِّبَ اللَّهُ إلَيْهِمْ الْمَدِينَةَ كَحُبِّهِمْ مَكَّةَ فَيَكْرَهُونَ الِانْتِقَالَ عَنْهَا كَمَا كَرِهُوا الِانْتِقَالَ مِنْ مَكَّةَ. (فَصْلٌ) : وَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ ﷺ إنْشَادَ الشِّعْرِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَبِلَالٍ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ، وَقَدْ أَنْشَدَهُ حَسَّانُ وَكَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ وَمَدَحَهُ الْأَعْشَى وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا الشِّعْرُ كَلَامٌ فَحَسَنُهُ كَحَسَنِ الْكَلَامِ وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِ الْكَلَامِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» ، فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مَعْنَاهُ مِنْ الشِّعْرِ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ أَنْ يُحْفَظُ بَيْتٌ وَاحِدٌ مِنْهُ وَلَا إنْشَادُهُ وَلَا إصْغَاءٌ إلَيْهِ إلَّا لِمَنْ يُرِيدُ الرَّدَّ عَلَى قَائِلِهِ وَالِانْتِصَارَ مِنْهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ، وَمَنَعَهُ مِنْ التَّحَفُّظِ عَلَى الشَّرِيعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ إنْشَادِ الشِّعْرِ فَقَالَ: مَا يَخِفُّ مِنْهُ وَلَا يَكْثُرُ وَمِنْ عَيْبِهِ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] قَالَ مَالِكٌ وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ اجْمَعْ الشُّعَرَاءَ وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الشِّعْرِ وَهَلْ بَقِيَتْ مَعَهُمْ مَعْرِفَتُهُ وَأَحْضِرْ لَبِيدًا ذَلِكَ قَالَ فَجَمَعَهُمْ وَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا: إنَّا لَنَعْرِفُهُ وَنَقُولُهُ. وَقَالَ لَبِيدٌ مَا قُلْت بَيْتَ شِعْرٍ مُنْذُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ قَوْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «وَصَحِّحْهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا إلَى الْجُحْفَةِ» يُرِيدُ أَنْ يُذْهِبَ عَنْهَا الْوَخَامَةَ الَّتِي

стр. 2103

مَا جَاءَ فِي إجْلَاءِ الْيَهُودِ مِنْ الْمَدِينَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ كَانَ مِنْ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ قَالَ «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ» مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ» قَالَ مَالِكٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَفَحَّصَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى أَتَاهُ الثَّلْجُ وَالْيَقِينُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» فَأَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَهُودَ نَجْرَانَ وَفَدَكَ، فَأَمَّا يَهُودُ خَيْبَرَ فَخَرَجُوا مِنْهَا لَيْسَ لَهُمْ مِنْ الثَّمَرِ وَلَا مِنْ الْأَرْضِ شَيْءٌ، وَأَمَّا يَهُودُ فَدَكَ فَكَانَ لَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ وَنِصْفُ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ صَالَحَهُمْ عَلَى نِصْفِ الثَّمَرِ وَنِصْفِ الْأَرْضِ فَأَقَامَ لَهُمْ عُمَرُ نِصْفَ الثَّمَرِ وَنِصْفَ الْأَرْضِ قِيمَةً مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ وَإِبِلٍ وَحِبَالٍ وَأَقْتَابٍ، ثُمَّ أَعْطَاهُمْ الْقِيمَةَ وَأَجَلَاهُمْ مِنْهَا) . ــ [المنتقى] أَضَرَّتْ بِهِمْ، وَالْحُمَّى الَّتِي وُعِكُوا بِهَا، وَيَنْقُلَ ذَلِكَ إلَى الْجُحْفَةِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ الْجُحْفَةَ وَهِيَ مَهْيَعَةٌ كَانُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمِنْ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ صَارَتْ الْجُحْفَةُ وَبِئَةً، قَلَّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ عَيْنِهَا، وَيُقَالُ لَهُ حُمَّ الْأَحَمُّ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ» قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى هِيَ الْفِجَاجُ الَّتِي حَوْلَهَا خَارِجًا مِنْهَا، وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ» يَقْتَضِي مَنْعَ الْمَلَائِكَةِ الدَّجَّالَ مِنْ دُخُولِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا أَيْضًا قَدْ وُكِّلُوا بِمَنْعِ الطَّاعُونِ مِنْ دُخُولِهَا. وَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ عَنْ الدَّجَّالِ قَالَ «يَأْتِي الدَّجَّالُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ أَنْقَابَ الْمَدِينَةِ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ فَيَخْرُجُ إلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ فَيَقُولُ أَشْهَدُ إنَّك الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » حَدِيثَهُ. [مَا جَاءَ فِي إجْلَاءِ الْيَهُودِ مِنْ الْمَدِينَةِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» إظْهَارًا لِقُبْحِ مَا صَنَعُوهُ وَعِظَمِ مَا ابْتَدَعُوهُ مِمَّا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَرْضِ الَّتِي كَانَتْ مُخْتَصَّةً بِسُكْنَى الْعَرَبِ وَتَقَلُّبِهِمْ عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَنُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مِنْ أَقْصَى عَدَنٍ أَبْيَنَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ كُلِّهَا إلَى رِيفِ الْعِرَاقِ فِي الطُّولِ، وَأَمَّا الْعَرْضُ فَمِنْ جُدَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ إلَى أَطْوَارِ الشَّامِ وَمِصْرَ فِي الْغَرْبِ، وَفِي الشَّرْقِ مَا بَيْنَ يَثْرِبَ إلَى مُنْقَطَعِ السَّمَاوَةِ، وَقَالَ مَالِكٌ: جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَنْبَتُ الْعَرَبِ قِيلَ لَهَا جَزِيرَةُ الْعَرَبِ لِإِحَاطَةِ الْبَحْرِ وَالْأَنْهَارِ بِهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَبْقَى فِيهَا غَيْرُ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ يُخْرَجَ مِنْهَا كُلُّ مَنْ يَتَدَيَّنُ بِغَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ قَالَ مَالِكٌ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْبُلْدَانِ كُلُّ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ ذِمِّيٍّ كَانَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَا مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ دُخُولِهِمْ إيَّاهَا مُسَافِرِينَ، فَقَدْ كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يَجْلِبُ النَّصَارَى مِنْ الشَّامِ إلَى الْمَدِينَةِ الْحِنْطَةَ وَالزَّيْتَ وَالْأَمْتِعَةَ

стр. 2104

جَامِعُ مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْمَدِينَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ زَارَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ الْمَخْزُومِيَّ فَرَأَى عِنْدَهُ نَبِيذًا، وَهُوَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ أَسْلَمُ إنَّ هَذَا لَشَرَابٌ يُحِبُّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَحَمَّلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ قَدَحًا عَظِيمًا فَجَاءَ بِهِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَضَعَهُ فِي يَدَيْهِ فَقَرَّبَهُ عُمَرُ إلَى فِيهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ هَذَا لَشَرَابٌ طَيِّبٌ فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ رَجُلًا عَنْ يَمِينِهِ فَلَمَّا أَدْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ نَادَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ أَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَقُلْت: هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَقُولُ فِي بَيْتِ اللَّهِ وَلَا فِي حَرَمِهِ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ أَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ قَالَ فَقُلْت هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ فَقَالَ عُمَرُ لَا أَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَلَا فِي بَيْتِهِ شَيْئًا، ثُمَّ انْصَرَفَ) . ــ [المنتقى] فَيَأْخُذُ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَ الْعُشْرِ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس إذَا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ أَيُضْرَبُ لَهُمْ أَجَلٌ؟ قَالَ: نَعَمْ يُضْرَبُ لَهُمْ أَجَلٌ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَسْتَقُونَ وَيَنْظُرُونَ فِي حَوَائِجِهِمْ، وَقَدْ ضَرَبَ لَهُمْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ فَفَحَّصَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ مَعْنَاهُ كَشَفَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ هَلْ يَصِحُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ جَاءَهُ الثَّلْجُ قَالَ مَعْنَاهُ الْيَقِينُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، يُرِيدُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ فَأَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَهُودَ خَيْبَرَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا الْإِجْلَاءُ إنَّمَا هُوَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ سَوَاءٌ وُجِدَ مِنْهُمْ غَدْرٌ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، وَأَمَّا إنْ وُجِدَ مِنْهُمْ غَدْرٌ بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ فَارِسَ وَظَهَرَتْ لَهُمْ عُهُودٌ كَثِيرَةٌ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَسُلَيْمَانَ أَتَرَى أَنْ يُجْلَوْا مِنْهَا إنْ عُرِفَ مِنْهُمْ غَدْرٌ؟ قَالَ نَعَمْ إذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْإِجْلَاءُ فِي غَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ إلَّا لِلْغَدْرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَعِنْدِي أَنَّهُمْ يُجْلَوْنَ إذَا خِيفَ مِنْهُمْ الْمَيْلُ إلَى أَهْلِ مِلَّتِهِمْ لِمُجَاوَرَتِهِمْ أَهْلَ الْحَرْبِ فَيُنْقَلُونَ إلَى حَيْثُ يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَهُودَ نَجْرَانَ وَفَدَكَ، قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ فَأَمَّا يَهُودُ نَجْرَانَ فَخَرَجُوا مِنْهَا لَيْسَ لَهُمْ مِنْ الثَّمَرِ وَلَا مِنْ الْأَرْضِ شَيْءٌ، وَأَمَّا يَهُودُ فَدَكَ فَكَانَ لَهُمْ نِصْفُ الْأَرْضِ وَنِصْفُ الثَّمَرِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ صَالَحَهُمْ عَلَى نِصْفِ النَّخْلِ وَنِصْفِ الْأَرْضِ فَأَقَامَ لَهُمْ عُمَرُ نِصْفَ ذَلِكَ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالْإِبِلِ وَالْحِبَالِ وَالْأَقْتَابِ فَأَعْطَاهُمْ ذَلِكَ وَأَجْلَاهُمْ مِنْهَا. [جَامِعُ مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْمَدِينَةِ] (ش) : قَوْلُ أَسْلَمَ فِي النَّبِيذِ أَنَّ هَذَا لَشَرَابٌ يُحِبُّهُ عُمَرُ حَثٌّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ إلَيْهِ مِنْهُ، وَتَنْبِيهُهُ عَلَى ذَلِكَ لِمَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْقَرَابَةِ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ مِنْ أَخْوَالِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَكَانَ مِمَّنْ يَقْبَلُ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَبَعْدَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَجَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ «مَا أَتَاكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَخُذْهُ» مَعَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَا كَانَ يُهْدَى إلَيْهِ فَإِنَّمَا كَانَ كَشَيْءٍ يُهْدَى إلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَنَاوَلُ مِنْهُ الْيَسِيرَ وَيُنَاوِلُ الْبَاقِيَ جُلَسَاءَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَضَعَهُ فِي يَدِ عُمَرَ وَقَرَّبَهُ إلَى فِيهِ، لَعَلَّهُ يُرِيدُ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِبَارِ لَهُ وَمَعْرِفَةِ حَالِهِ بِرَائِحَتِهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: إنَّ هَذَا لَشَرَابٌ طَيِّبٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ حَلَالًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ لَذِيذًا مَعَ كَوْنِهِ حَلَالًا فَشَرِبَهُ يُرِيدُ شَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ رَجُلًا عَنْ يَمِينِهِ، وَهُوَ الْمَشْرُوعُ بِأَنْ يُنَاوِلَ الْإِمَامُ بَعْدَهُ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

стр. 2105

مَا جَاءَ فِي الطَّاعُونِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إلَى الشَّامِ حَتَّى إذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنْ الْوَبَاء قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَمَّا أَدْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ نَادَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ أَأَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ كَأَنَّهُ كَرِهَ تَفْضِيلَهُ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ دَارِ الْهِجْرَةِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَلَوْ أَقَرَّهُ بِذَلِكَ لَضَرَبَهُ يُرِيدُ لَأَدَّبَهُ عَلَى تَفْضِيلِهِ مَكَّةَ، وَهَذَا مِنْ عُمَرَ ﵁ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ إنْكَارَ تَفْضِيلِ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ لِاعْتِقَادِهِ تَفْضِيلَ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ، أَوْ هُوَ يَرَى تَرْكَ الْأَخْذِ فِي تَفْضِيلِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، إلَّا أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ لِمَا شُهِرَ مِنْ أَخْذِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ دُونَ نَكِيرٍ، وَمَعْنَى أَفْضَلُ أَنَّ لِسَاكِنِهَا الْعَامِلِ فِيهَا بِالطَّاعَةِ مِنْ الثَّوَابِ أَكْثَرَ مِمَّا لِلسَّاكِنِ وَالْعَامِلِ بِذَلِكَ فِي الْأُخْرَى، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ كَانَ السُّكْنَى بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا مَمْنُوعًا، وَالِانْتِقَالَ إلَى الْمَدِينَةِ مُفْتَرَضًا قَبْلَ الْفَتْحِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الْفَتْحِ فِي حَقِّ مَنْ تَقَدَّمَتْ هِجْرَتُهُ قَبْلَ الْفَتْحِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إنَّ ذَلِكَ بَقِيَ فِي حَقِّهِمْ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إنَّ لِمَنْ هَاجَرَ قَبْلَ الْفَتْحِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ إلَّا أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُقَامَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ أَفْضَلَ، وَلِذَلِكَ أَقَامَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُهَاجِرُونَ. وَقَدْ انْتَقَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، وَلَمْ يَرْجِعْ مِنْهُمْ مَشْهُورٌ بِالْفَضْلِ إلَى سُكْنَى مَكَّةَ، وَإِنَّمَا رَجَعَ إلَيْهَا مَنْ صَغَرَ سِنُّهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمُ الْهِجْرَةِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ لَهُ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ هِجْرَةٌ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ سُكْنَى مَكَّةَ وَسُكْنَى الْمَدِينَةِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ أَنَّ سُكْنَى الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ سُكْنَى مَكَّةَ أَفْضَلُ لَهُ، وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا» . قَالَ يَخُصُّ بِذَلِكَ الْمَدِينَةَ وَبِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أُمِرْت بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى» قَالَ: فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ تَأْكُلُ الْقُرَى إلَّا عَلَى تَرْجِيحِ فَضْلِهَا عَلَى غَيْرِهَا وَزِيَادَتِهَا عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ ﷺ «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ» وَلَا يَدْعُو ﷺ فِي أَنْ يُحَبِّبَ إلَيْنَا سُكْنَى الْمَدِينَةِ وَسُكْنَى غَيْرِهَا أَفْضَلُ، وَوَجْهُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اخْتَارَ سُكْنَاهَا بَعْدَ الْفَتْحِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ، فَلَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ السُّكْنَى إلَّا فِي أَفْضَلِ الْبِقَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُفْتَرَضًا عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ فَلَا يَخْتَارُ لِاسْتِيطَانِهِ وَاسْتِيطَانِ الْإِمَامَةِ وَفُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ إلَّا أَفْضَلَ الْبِقَاعِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مَكَّةَ وَبَكَّةَ فَقَالَ بَكَّةُ مَوْضِعُ الْبَيْتِ وَمَكَّةُ غَيْرُ ذَلِكَ يُرِيدُ الْقَرْيَةَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ، وَفِيهَا بَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى إظْهَارِ مَا عِنْدَهُ مِنْ فَضِيلَةِ مَكَّةَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ لَضَرَبَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِتَفْضِيلِ مَكَّةَ، وَإِنَّمَا أَقَرَّ لَهُ بِفَضْلِ مَكَّةَ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁ لَا أَقُولُ فِي بَيْتِ اللَّهِ وَلَا فِي حَرَمِهِ شَيْئًا مَعْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنِّي لَا أُنْكِرُ فَضِيلَتَهُ، وَلَكِنْ أَأَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ مَا مَعْنَاهُ أَنِّي لَا أُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْك، وَإِنَّمَا أُنْكِرُ عَلَيْك مَا بَلَغَنِي عَنْك مِنْ تَفْضِيلِهَا عَلَى الْمَدِينَةِ فَهَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْك؟ فَعَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ إلَى قَوْلِهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ وَلَا أَظْهَرَ إلَيْهِ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ رَأَى عُمَرُ إقْرَارَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إذَا أَمْسَكَ عَمَّا سِوَاهُ غَيْرَ مَمْنُوعٍ.

стр. 2106

فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ اُدْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ خَرَجْت لِأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَك بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَقَالَ ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ قَالَ: اُدْعُ لِي الْأَنْصَارَ فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ فَقَالَ ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ اُدْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ فَدَعَاهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلَانِ، فَقَالُوا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ إنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ لَوْ غَيْرُك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إلَى قَدَرِ اللَّهِ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَك إبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إحْدَاهُمَا مُخْصِبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إنْ رَعَيْت الْمُخْصِبَةَ رَعَيْتهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْت الْجَدْبَةَ رَعَيْتهَا بِقَدَرِ اللَّهِ «، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ غَائِبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ: إنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ) ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي الطَّاعُونِ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ خَرَجَ إلَى الشَّامِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَقْصِدَهَا لِيُطَالِعَ أَحْوَالَهَا فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَغْرَ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى الْإِمَامِ إذَا بَعُدَ عَهْدُهُ بِالثُّغُورِ أَنْ يَتَطَلَّعَهَا بِالْمُشَاهَدَةِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ حَتَّى إذَا كَانَ بِسَرْغَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ سَرْغٌ قَرْيَةٌ بِوَادِي تَبُوكَ فِي طَرِيقِ الشَّامِ، وَقِيلَ سَرْغٌ مِنْ أَدْنَى الشَّامِ إلَى الْحِجَازِ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ يُرِيدُ جُنْدَ الشَّامِ، إمَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُقْبِلِينَ إلَى جِهَةٍ فَلَقُوهُ هُنَاكَ، أَوْ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ الْوَبَاءِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُمْ، أَوْ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا يَتَلَقَّوْنَهُ مِنْ قُرْبٍ مِنْهُمْ مِنْ طَرِيقِهِ بِمَوْضِعِهِ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ الْوَبَاءُ هُوَ الطَّاعُونُ، وَهُوَ مَرَضٌ يَعُمُّ الْكَثِيرَ مِنْ النَّاسِ فِي جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ دُونَ غَيْرِهَا بِخِلَافِ الْمُعْتَادِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ وَأَمْرَاضِهِمْ، وَيَكُونُ مَرَضُهُمْ غَالِبًا مَرَضًا وَاحِدًا بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ فَإِنَّ أَمْرَاضَ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ اُدْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ مَنْ صَلَّى إلَى الْقِبْلَتَيْنِ وَمَنْ لَمْ يُسَلِّمْ إلَّا بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ فَلَيْسَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ عُمَرُ فِي ذَلِكَ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ خَرَجْت لِأَمْرٍ يُرِيدُونَ لِمُطَالَعَةِ الثُّغُورِ وَالنَّظَرِ فِيهَا لَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ يُرِيدُونَ تَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ وَتَيَقُّنًا أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُمْ إلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَك بَقِيَّةُ النَّاسِ يُرِيدُونَ فُضَلَاءَ النَّاسِ وَأَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرَوْنَ بِذَلِكَ إظْهَارَ فَضْلِهِمْ لِيَحُضُّوهُ بِذَلِكَ عَلَى الْإِشْفَاقِ عَلَيْهِمْ، وَيُعْظِمَ حَالَ التَّغْرِيرِ بِهِمْ وَإِقْدَامِهِمْ عَلَى الْوَبَاءِ الَّذِي يُخَافُ اسْتِئْصَالُهُ لَهُمْ، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَرْتَفِعُوا عَنْهُ، ثُمَّ دَعَا الْأَنْصَارَ فَاسْتَشَارَهُمْ كَمَا اسْتَشَارَ الْمُهَاجِرِينَ فَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ فَأَمَرَهُمْ أَيْضًا أَنْ يَرْتَفِعُوا، ثُمَّ قَالَ اُدْعُوا إلَيَّ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ يُرِيدُ مَنْ هَاجَرَ بِقُرْبِ الْفَتْحِ فَثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْهِجْرَةِ أَوْ هَاجَرَ بَعْدَ الْفَتْحِ فَثَبَتَ لَهُ اسْمُ الْهِجْرَةِ دُونَ حُكْمِهَا، فَشَاوَرَهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا، وَقَالُوا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ فَرَأَى عُمَرُ رَأْيَهُمْ. وَقَالَ: إنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ يُرِيدُ السَّفَرَ وَصَفَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ وَمَتَاعَهُ يَصِيرُ عَلَى ظَهْرِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَرَنَ بِذَلِكَ مَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ عَنْ

стр. 2107

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّاعُونِ، فَقَالَ أُسَامَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إلَى الشَّامِ فَلَمَّا جَاءَ سَرْغٌ بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدُمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ فَرَجَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ سَرْغٍ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ــ [المنتقى] الشَّامِ، أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ مَوْضِعَ إقَامَتِهِ بِالشَّامِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَلَغَ بَعْدُ مَوْضِعَ الْوَبَاءِ، فَلَوْ كَانَ مَوْضِعُهُ يُرِيدُ أَنْ يُقِيمَ بِهِ وَلَا وَبَاءَ بِهِ لَمَا احْتَاجَ إلَى الرُّجُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ﵁ أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَارِ لِانْصِرَافِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ يَنْجُو بِذَلِكَ وَيُنْجِي الصَّحَابَةَ مِنْ الْوَبَاءِ الَّذِي لَا يُصِيبُ إلَّا مَنْ قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَنْجُو مِنْهُ مَنْ قُدِّرَ لَهُ أَنْ لَا يُصِيبَهُ فَقَالَ عُمَرُ لَوْ غَيْرُك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى: وَكَانَ عُمَرُ يُحِبُّ مُوَافَقَتَهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَيَكْرَهُ مُخَالَفَتَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَا تَحَقَّقَ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَانَتِهِ فَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَمِينَ هَذِهِ الْأُمَّةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لَوْ غَيْرُك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى يُرِيدُ عُمَرُ ﵁ بِذَلِكَ لَنَكَّلْته نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إلَى قَدَرِ اللَّهِ، يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ أَنَّهُ بِالْفِرَارِ يَنْجُو مِمَّا قُدِّرَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَمَّا يَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قُدِّرَ عَلَيْهِ مِنْ الْوَبَاءِ إنْ وَصَلَ إلَى مَا يَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ قُدِّرَ لَهُ مِنْ السَّلَامَةِ إنْ رَجَعَ، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَّخِذَ الدِّرْعَ وَالْمِجَنَّ وَيَفِرَّ مِنْ الْعَدُوِّ الَّذِي يَجُوزُ الْفِرَارُ مِنْهُ لِكَثْرَتِهِ وَيَجْتَنِبَ الْغَرَرَ وَالْمَخَاوِفَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْجُوَ بِهِ مِمَّا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ أَكْثَرُهُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَقَدْ مَثَّلَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ تَمْثِيلًا صَحِيحًا بِمَا سَلَّمَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَهُوَ أَنَّ مِنْ كَانَتْ لَهُ إبِلٌ يُرِيدُ حِفْظَهَا، وَحُسْنَ الْقِيَامِ عَلَيْهَا فَهَبَطَ بِهَا وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إحْدَاهُمَا خِصْبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إنْ رَعَى الْخِصْبَةَ رَعَاهَا بِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ رَعَى الْجَدْبَةَ رَعَاهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، يُرِيدُ أَنَّهُ مِثْلُ أَمْرَهُ إنْ انْصَرَفَ بِهِمْ إلَى مَوْضِعٍ يَأْمَنُ بِهِ الْوَبَاءَ انْصَرَفَ بِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ أَقْدَمَهُمْ عَلَى مَا يَخَافُهُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْوَبَاءِ أَقْدَمَهُمْ عَلَيْهِ بِقَدَرِ اللَّهِ، فَكَمَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الْإِبِلِ أَنْ يَنْزِلَ بِهَا الْجَانِبَ الْخِصْبَ، وَلَا يُعَدُّ بِذَلِكَ أَنَّهُ فَارٌّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ بَلْ مُصِيبًا مَحَبَّتَنَا مُمْتَثِلًا لِمَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَمُسَلِّمًا لِقَدْرِهِ وَرَاجِيًا خَيْرَهُ، فَكَذَلِكَ الْإِمَامُ بِالْمُسْلِمِينَ إذَا انْصَرَفَ بِهِمْ عَنْ بِلَادِ الْوَبَاءِ إلَى بِلَادِ الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَقَالَ إنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا يَقْتَضِي أَنَّ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا كَانَ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ الرَّأْيِ فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ صَحَّحَهُ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ وَجَبَ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ مِنْ جَمِيعِهِمْ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَالَ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَثَرٌ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ وَلَا غَيْرُهُ مَعَ أَنَّ الْقَضِيَّةَ شَاعَتْ وَانْتَشَرَتْ فِي جَمِيعِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ» يُرِيدُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ اسْتِسْلَامًا لِلْأَقْدَارِ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ إذْ وَافَقَ رَأْيُهُ الَّذِي اخْتَارَهُ مَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّاعُونِ، فَقَالَ أُسَامَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إلَى الشَّامِ فَلَمَّا جَاءَ سَرْغٌ بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدُمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ فَرَجَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ سَرْغٍ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ

стр. 2108

أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إنَّمَا رَجَعَ بِالنَّاسِ مِنْ سَرْغٍ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَبَيْتٌ بِرُكْبَةٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ بِالشَّامِ قَالَ مَالِكٌ يُرِيدُ لِطُولِ الْأَعْمَارِ وَالْبَقَاءِ وَلِشِدَّةِ الْوَبَاءِ بِالشَّامِ) . ــ [المنتقى] أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إنَّمَا رَجَعَ بِالنَّاسِ مِنْ سَرْغٍ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) . (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ، أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَا نَزَلَ إلَى الْأَرْضِ وَحَدَثَ بِالنَّاسِ حَدَثَ بِهِمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِي بَلَدٍ عَلَى أَنَّهُ غَرِيبٌ، وَأَنَّهُ تَكَرَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا لِأُولَئِكَ وَرَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لِمَنْ ظَهَرَ بِبَلَدِهِ أَوْ قَامَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا فَأُصِيبَ بِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» وَرَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» وَرَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَمْنَعُ الطَّاعُونَ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» خَصَّ بِالْمَنْعِ الْخُرُوجَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَجَوَّزَ لِمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهِ مِنْ حَاجَةٍ تَنْزِلُ بِهِ إلَى السَّفَرِ مِنْهُ أَوْ الِانْتِقَالِ عَنْهُ، وَيَجُوزُ لِمَنْ اسْتَوْخَمَ أَرْضًا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا إلَى بَلَدٍ يُوَافِقُ جِسْمَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ نَاسًا مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ، وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَوْدٍ وَبِرَاعٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ سَالِمٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ إنَّمَا رَجَعَ بِالنَّاسِ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَبْلُغْهُ مَا نَادَى بِهِ عُمَرُ فِي النَّاسِ أَنَّهُ مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ، وَمَا رَاجَعَهُ بِهِ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ إنْكَارِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَلَغَهُ ذَلِكَ فَتَأَوَّلَ فِي قَوْلِهِ إنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ أَيْ عَلَى سَفَرٍ أَبْهَمَهُ، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، وَإِنَّمَا أَبْقَى الِاسْتِخَارَةَ فِيهِ وَمُعَاوَدَةَ الْمُشَاوَرَةِ إلَى الْغَدِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ لَهُ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الِارْتِيَاءَ فِي مِثْلِ هَذَا وَالتَّوَقُّفِ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَبَيْتٌ بِرُكْبَةٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ بِالشَّامِ قَالَ مَالِكٌ يُرِيدُ لِطُولِ الْأَعْمَارِ وَالْبَقَاءِ وَلِشِدَّةِ الْوَبَاءِ بِالشَّامِ) . (ش) : قَوْلُهُ لَبَيْتٌ بِرُكْبَةٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ بِالشَّامِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى رُكْبَةُ هِيَ أَرْضُ بَنِي عَامِرٍ، وَهِيَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْعِرَاقِ. وَقَالَ ابْنُ قَعْنَبٍ رُكْبَةُ مِنْ أَرْضِ الطَّائِفِ فِي أَرْضٍ مُصَحَّحَةٍ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَهِيَ أَرْضٌ صَحْرَاوِيَّةٌ فَأَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ سَاكِنِيهَا أَطْوَلُ أَعْمَارًا وَأَصَحُّ أَبْدَانًا مِنْ الْوَبَاءِ وَالْمَرَضِ مِمَّنْ سَكَنَ الشَّامَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْبُلْدَانِ قَالَ عِيسَى، وَلَمْ يُرِدْ بِهَذَا أَنَّ سُكْنَى الْأَرْضِ يَزِيدُ فِي أَعْمَارِهِمْ، وَلَكِنْ لَمَّا قَدَّرَ اللَّهُ أَعْمَارَهُمْ طَوِيلَةً أَسْكَنَهُمْ تِلْكَ الْبَلْدَةَ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يُرِيدُ صِحَّةَ رُكْبَةَ وَوَبَاءَ الشَّامِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَجْرَى الْعَادَةَ بِصِحَّةِ مَنْ سَكَنَ رُكْبَةَ وَطَوَّلَ أَعْمَارَهُمْ، وَأَمْرَضَ مَنْ سَكَنَ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَرَادَ مِنْ الشَّامِ وَقَصَّرَ أَعْمَارَهُمْ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ رُكْبَةَ وَمَا قَارَبَهَا كَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ مَنْ تَنَاوَلَ نَوْعًا مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ صَحَّ جِسْمُهُ، وَمَنْ تَنَاوَلَ نَوْعًا آخَرَ كَثُرَتْ أَمْرَاضُهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَمْرَاضُ مُعَلَّقَةً بِالْقَدَرِ تَعَلُّقَ الْمَوْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

стр. 2109

النَّهْيُ عَنْ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «تَحَاجَّ آدَم وَمُوسَى فَحَجَّ آدَم مُوسَى قَالَ لَهُ مُوسَى أَنْتَ آدَم الَّذِي أَغْوَيْت النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ آدَم أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ، وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ «عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ اللَّهَ ﵎ خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ حَتَّى اسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ الْعَمَلُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ اللَّهَ إذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ ــ [المنتقى] [النَّهْيُ عَنْ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «تَحَاجَّ آدَم وَمُوسَى» يَقْتَضِي صِحَّةَ جَوَازِ الْمُحَاجَّةِ لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا وَقَوْلُ مُوسَى ﵇ لِآدَمَ أَنْتَ الَّذِي أَغْوَيْت النَّاسَ وَأَخْرَجْتهمْ مِنْ الْجَنَّةِ مَعْنَى أَغْوَيْت، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ عَرَّضْتَهُمْ لِلْإِغْوَاءِ لَمَّا كُنْت سَبَبَ خُرُوجِهِمْ مِنْ الْجَنَّةِ وَتَعْرِيضِهِمْ لِلتَّكْلِيفِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ جَعَلْتهمْ غَاوِينَ لِكَوْنِهِمْ مِنْ ذُرِّيَّتِك حِينَ غَوَيْت مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] وَقَوْلُ آدَمَ ﵇ لَهُ أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ يُرِيدُ أَعْلَمَهُ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مِمَّا أَعْلَمَ بِهِ الْبَشَرَ، وَقَوْلُهُ وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ آثَرَهُ بِإِرْسَالِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يُرْسِلْهُ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيرِ لَهُ عَلَى فَضْلِهِ الَّذِي لَا يَقْتَضِي الْإِصَابَةَ فِي مُحَاجَّتِهِ، وَأَنْ لَا يَلُومَ أَبَاهُ عَلَى مَا يَعِي وَاسِعُ عِلْمِهِ وَفَضْلِهِ، وَلَوْمُهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَالَ مُوسَى نَعَمْ لَزِمَهُ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْمُنَاظَرَةِ وَالْمُحَاجَّةِ لَا عَلَى وَجْهِ الْفَخْرِ وَالْمُبَاهَاةِ. وَقَالَ لَهُ آدَم أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ بِمَعْنَى أَنَّ لَوْمَك لِي عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ سَائِغٍ، وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «فَحَجَّ آدَم مُوسَى مَعْنَاهُ ظَهَرَ عَلَيْهِ فِي الْحُجَّةِ» وَاحْتِجَاجُ آدَمَ بِالْقَدَرِ عَلَى نَفْيِ اللَّوْمِ عَنْهُ يَجِبُ أَنْ يُبَيَّنَ، فَإِنَّ الْعَاصِيَ إذَا عَصَى يَسْتَحِقُّ اللَّوْمَ، وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ قُدِّرَتْ عَلَيْهِ الْمَعْصِيَةُ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ وَلَا حُجَّةَ لَهُ عَلَى مَنْ لَامَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ بِأَنْ يَقُولَ إنَّ ذَلِكَ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا بِمُجَرَّدِهِ حُجَّةً لَمَا وَجَبَ أَنْ يُلَامَ أَحَدٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَلَا يُنْكَرَ عَلَيْهِ وَلَا يُتَوَعَّدَ عَلَيْهَا بِعَذَابٍ فِي دُنْيَا وَلَا آخِرَةٍ، وَلَكِنَّ آدَمَ ﵇ إنَّمَا أَنْكَرَ عَلَى مُوسَى أَنْ لَامَهُ فَقَالَ أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ وَآدَمُ ﵇ قَدْ كَانَ تَابَ مِنْ مَعْصِيَتِهِ قَالَ اللَّهُ ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢] التَّائِبُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ إذَا تَابَ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُلَامَ عَلَيْهِ. وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ آدَمَ أَبٌ لِمُوسَى وَلَمْ يَسُغْ لِلِابْنِ لَوْمَ أَبِيهِ فِي مَعْصِيَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ ﵇ لِأَبِيهِ لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ الْإِيمَانِ ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] فَهَذَا بَيَّنَ حُجَّةَ آدَمَ ﵇ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2110

اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُدْخِلُهُ رَبُّهُ الْجَنَّةَ، وَإِذَا خُلِقَ الْعَبْدُ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ رَبُّهُ النَّارَ» ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَتْ تَتَكَلَّمُ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ، وَتَبْحَثُ عَنْ حَقَائِقِهَا وَتَعْتَنِي بِذَلِكَ حَتَّى تُظْهِرَهُ وَتَسْأَلُ عَنْهُ الْأَئِمَّةَ وَالْخُلَفَاءَ لِتَقِفَ عَلَى الصَّوَابِ مِنْهُ، وَتَنْقُلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ مَا حَفِظَتْهُ عَنْهُ، وَأَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْكَلَامَ فِيمَا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَتَوَجَّهَ الْمَنْعُ فِي ذَلِكَ إلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ يَخَافُ أَنْ تَزِلَّ قَدَمُهُ وَيَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِشُبْهَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهَا قَالَ مَالِكٌ ﵀: كَانَ يُقَالُ لَا تُمَكِّنْ زَائِغَ الْقَلْبِ مِنْ أُذُنِك فَإِنَّك لَا تَدْرِي مَا يُقْلِقُك مِنْ ذَلِكَ، وَلَقَدْ سَمِعَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ شَيْئًا مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْقَدَرِ فَعَلَقَ قَلْبَهُ فَكَانَ يَأْتِي إخْوَانَهُ الَّذِينَ يَسْتَصْحِبُهُمْ فَإِذَا نَهَرَهُ قَالَ فَكَيْفَ بِمَا عَلَقَ قَلْبِي لَوْ عَلِمْت أَنَّ اللَّهَ رَضِيَ أَنْ أُلْقِيَ نَفْسِي مِنْ فَوْقِ هَذِهِ الْمَنَارَةِ فَعَلْت، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَتَوَجَّهَ الْمَنْعُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ بِمَذَاهِبِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَمُخَالِفِي السُّنَّةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِأَنَّ لَهُ يَمِينًا قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] » وَرَوَى أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ» وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا شَيْءٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِمَّا فِي يَدِهِ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ أَوْ الْفَيْضُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ» ، وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «فِي الَّذِي يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ. وَقَالَ اللَّهُ ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] » . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أَوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمَ خَلَقَهُ فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» وَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ يَدَيْهِ صِفَةٌ وَلَيْسَتْ بِجَوَارِحَ كَجَوَارِحِ الْمَخْلُوقِينَ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ «جَاءَ جِبْرِيلُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ يَضَعُ السَّمَاوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ وَالْأَرْضِينَ عَلَى أُصْبُعٍ وَالْجِبَالَ عَلَى أُصْبُعٍ وَالشَّجَرَ عَلَى أُصْبُعٍ وَالْأَنْهَارَ عَلَى أُصْبُعٍ وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى أُصْبُعٍ، ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَجُّبًا مِنْهُ وَتَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَالَ ﷺ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ» . وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْأُصْبُعُ النِّعْمَةُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ يَقْتَضِي» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَلَقَ هَؤُلَاءِ لِيُدْخِلَهُمْ الْجَنَّةَ، وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِيُدْخِلَهُمْ النَّارَ، وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِيَعْمَلُوا بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِيَعْمَلُوا بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ «حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ أَنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَهُ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهِ الْمَلَكَ فَيُؤَذِّنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُكْتَبُ رِزْقُهُ وَأَجَلُهُ وَعَمَلُهُ

стр. 2111

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «تَرَكْت فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ » ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ «عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَدْرَكْت نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ قَالَ طَاوُسٌ وَسَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ أَوْ الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ» ) . ــ [المنتقى] وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلَ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ سَبَقَ الْكِتَابُ بِمَا يَعْمَلُ وَبِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ، وَأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ الْكِتَابُ بِأَنْ يَعْمَلَ فِي أَوَّلِ عُمُرِهِ عَمَلًا صَالِحًا، ثُمَّ فِي آخِرِهِ عَمَلًا سَيِّئًا، ثُمَّ يَمُوتُ عَلَيْهِ وَيَنْقَلِبُ إلَيْهِ وَقَدْ سَبَقَ الْكِتَابُ بِأَنْ يَعْمَلَ فِي أَوَّلِ عُمُرِهِ عَمَلًا سَيِّئًا وَفِي آخِرِهِ عَمَلًا صَالِحًا، ثُمَّ يَمُوتُ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ إلَيْهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ الْعَمَلُ» مَعْنَاهُ فَإِذَا كَانَ قَدْ يَسْبِقُ الْكِتَابُ بِمَكَانِ أَحَدِنَا مِنْ الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ، وَأَنَّهُ لَا مَحِيدَ عَنْهُ وَلَا بُدَّ مِنْهُ فَلِمَ نَتَكَلَّفُ الْعَمَلَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِذَا خَلَقَهُ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ» يُرِيدُ ﷺ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ الْكِتَابُ بِمَا عَمِلَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ كَمَا قَدْ سَبَقَ الْكِتَابُ بِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ قَالَ أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦] الْآيَةَ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُدْخِلُهُ رَبُّهُ الْجَنَّةَ، وَفِي أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ رَبُّهُ النَّارَ» يَقْتَضِي أَنَّ آخِرَ الْإِنْسَانِ أَحَقُّ بِهِ، وَعَلَيْهِ يُجَازَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ أَوَّلُ عَمَلِهِ سَيِّئًا، وَآخِرُهُ حَسَنًا فَقَدْ تَابَ مِنْ السَّيِّئِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ التَّائِبِينَ وَمَنْ انْتَقَلَ مِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ إلَى السَّيِّئِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ، وَالْمُنْتَقِلِ إلَى الْفُسُوقِ عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ جَزَاؤُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «تَرَكْت فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا» عَلَى سَبِيلِ الْحَضِّ عَلَى تَعَلُّمِهَا أَوْ التَّمَسُّكِ بِهِمَا وَالِاقْتِدَاءِ بِمَا فِيهِمَا وَبَيَّنَ ﷺ الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ «كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ ﷺ » يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا سَنَّهُ وَشَرَّعَهُ، وَأَنْبَأَنَا عَنْ تَحْلِيلِهِ وَتَحْرِيمِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سُنَنِهِ، وَهَذَا فِيمَا كَانَ فِيهِ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ فَمَرْدُودٌ إلَيْهِمَا وَمُعْتَبَرٌ بِهِمَا. وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ الْحُكْمُ عَلَى وَجْهَيْنِ فَاَلَّذِي يَحْكُمُ بِالْقُرْآنِ فَذَلِكَ الصَّوَابُ، وَاَلَّذِي يُجْهِدُ الْعَالِمُ نَفْسَهُ فِيهِ فِيمَا لَمْ يَأْتِ فِيهِ شَيْءٌ فَلَعَلَّهُ يُوَفَّقُ، وَثَالِثٌ مُتَكَلِّفٌ بِمَا لَا يَعْلَمُ فَمَا أَشْبَهَ أَنْ لَا يُوَفَّقَ مُقْتَضَى هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُقَدَّمٌ فِيمَا فِيهِ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ، وَمَا عُدِمَ ذَلِكَ فِيهِ اجْتَهَدَ الْعَالِمُ فِيهِ بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ وَالرَّدِّ إلَى مَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَمَّا الْجَاهِلُ فَلَا يَتَعَرَّضُ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ مُتَكَلِّفٌ بِمَا لَا يَعْلَمُ وَبِمَا لَمْ يُكَلِّفْهُ، وَيُوشِكُ أَنْ لَا يُوَفَّقَ. (ش) : قَوْلُ طَاوُسٍ أَدْرَكْت نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ عَلَى وَجْهِ التَّصْحِيحِ لِمَا حَكَاهُ لِفَضْلِ الْقَابِلِينَ لَهُ وَعِلْمِهِمْ وَدِينِهِمْ، وَأَنَّهُمْ

стр. 2112

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: إنَّ اللَّهَ هُوَ الْهَادِي وَالْفَاتِنُ) . ــ [المنتقى] الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلِمُوا مَا جَاءَ بِهِ، وَتَكَرَّرَ أَخْذُهُمْ وَسَمَاعُهُمْ لِمَا قَالَهُ وَفَهَّمَهُمْ الْمُرَادَ وَسُؤَالِهِمْ النَّبِيَّ ﷺ عَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ، وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى صِحَّةِ النَّقْلِ عَنْهُ فَسَمِعَهُمْ يَقُولُونَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وَيُحْتَمَلُ مِنْ جِهَةِ مُقْتَضَى لِسَانِ الْعَرَبِ مَعَانِيَ أَحَدِهَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ خَلَقْنَا مِنْهُ شَيْئًا مُقَدَّرًا لَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ، الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ خَلَقْنَاهُ عَلَى قَدَرِ مَا لَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ، قَالَ اللَّهُ ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ نُقَدِّرُهُ عَلَيْهِ قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤] الرَّابِعُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بِقَدَرٍ أَنْ نَخْلُقَهُ فِي وَقْتِهِ فَقَدَّرَ لَهُ وَقْتًا يَخْلُقُهُ فِيهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ أَمْلَى عَلَيَّ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ سَأَلْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ عَنْ الْقَدَرِ فَقَالَ كُلُّ شَيْءٍ بِالْقَدَرِ وَالطَّاعَةُ وَالْمَعْصِيَةُ بِقَدَرٍ، وَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ مَنْ قَالَ إنَّ الْمَعَاصِيَ لَيْسَتْ بِقَدَرٍ. وَقَالَ وَالْعِلْمُ وَالْقَدَرُ وَالْكِتَابُ سَوَاءٌ، وَعَرَضْت كَلَامَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ فِي الْجُمْلَةِ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَعْنَى الْحَدِيثِ غَيْرَ أَنَّ الْعِلْمَ وَالْقَدَرَ وَالْكِتَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا رَاجِعٌ إلَى مَعْنًى مُخْتَصٍّ بِهِ غَيْرَ أَنَّهَا مَعَانٍ مُتَقَارِبَةٌ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ مِنْ طَرِيقِ تَقَارُبِهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ إنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﵎ لَعِلْمًا بَيِّنًا عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ يَقُولُ اللَّهُ ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ﴿إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] . وَقَالَ نُوحٌ ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧] ، وَأَخْبَرَ نُوحٌ عَمَّنْ لَمْ يَكُنْ بِأَنَّهُ فَاجِرٌ كَفَّارٌ بِمَا سَبَقَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ ﵎ وَقُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ مَالِكٌ وَمَا رَأَيْت أَهْلَهُ مِنْ النَّاسِ إلَّا أَهْلَ سَخَافَةِ عُقُولٍ وَخِفَّةٍ وَطَيْشٍ، وَقَدْ اعْتَمَدْت فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى إيرَادِ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ وَالْحَدِيثِ لِمَا فِي أَقْوَالِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْغُمُوضِ، وَمَا فِي احْتِجَاجِهِمْ مَعَ الْمُخَالِفِ مِنْ التَّطْوِيلِ، وَقَدْ بَلَغَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ الْمَالِكِيُّ فِي كُتُبِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَلَا حَاجَةَ بِالطَّالِبِ إلَّا الْيَسِيرُ مِنْهُ، وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْهَرَوِيُّ مَالِكِيًّا، وَكَانَ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَمِمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ، وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ حَاجٍّ الْفَاسِيُّ قَدْ رَحَلَ إلَيْهِ وَأَخَذَ عَنْهُ وَتَبِعَهُ، وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ وَالشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَابِسِيُّ يَتْبَعَانِ مَذْهَبَهُ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَصْرٍ، وَهُوَ مِمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ وَاتَّبَعَهُ وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْت عُلَمَاءَ شُيُوخِنَا بِالْمَشْرِقِ وَأَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ هُمْ الَّذِينَ يُشَارُ إلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَقُولُ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ أَوْ الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ» عَلَى وَجْهِ الشَّكِّ مِنْ الرَّاوِي، وَمَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، وَأَنَّ الْعَاجِزَ قَدْ قُدِّرَ عَجْزُهُ وَالْكَيِّسُ قَدْ قُدِّرَ كَيْسُهُ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْعَجْزَ عَنْ الطَّاعَةِ وَالْكَيْسَ فِيهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ ﵁ فِي خُطْبَتِهِ إنَّ اللَّهَ هُوَ الْهَادِي وَالْفَاتِنُ يُرِيدُ الرَّاوِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فَاشِيًا عِنْدَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ مُتَدَاوَلًا النُّطْقُ وَالْحَضُّ عَلَى الْأَخْذِ فِيهِ وَالِاعْتِقَادِ لَهُ وَالْإِشَاعَةِ لِلَفْظِهِ، وَمَعْنَاهُ وَلِذَلِكَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يُعْلِنُ فِي خُطْبَتِهِ وَفِي الْمَحَافِلِ وَمُجْتَمَعِ النَّاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ إخْبَارًا عَنْ كَلِيمِهِ مُوسَى ﵇ فِي مُنَاجَاتِهِ لَهُ ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] وَالْهِدَايَةُ تَكُونُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى الْإِيضَاحِ وَالْإِرْشَادِ يُقَالُ أَهْدَيْت فُلَانًا الطَّرِيقَ أَيْ أَرْشَدْته إلَيْهِ

стр. 2113

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْت أَسِيرُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ مَا رَأْيُك فِي هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ قَالَ فَقُلْت رَأْيِي أَنْ تَسْتَتِيبَهُمْ فَإِنْ قَبِلُوا وَإِلَّا عَرَضْتهمْ عَلَى السَّيْفِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَذَلِكَ رَأْيِي قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ رَأْيِي) ــ [المنتقى] وَالْآخَرُ بِمَعْنَى التَّوْفِيقِ قَالَ اللَّهُ ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ﴾ [القصص: ٥٦] مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا تُوَفِّقُ مَنْ أَحْبَبْت، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ هَاهُنَا الْإِرْشَادَ وَالْإِيضَاحَ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَرْشَدَ وَبَيَّنَ وَأَوْضَحَ وَبَلَّغَ مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَأَمَّا الْفِتْنَةُ فَمَعْنَاهَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الِاخْتِبَارُ إلَّا أَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي عُرْفِ التَّخَاطُبِ بِمَعْنَى الْخِذْلَانِ، يُقَالُ فُتِنَ فُلَانٌ إذَا أُخْذِلَ وَضَلَّ وَفُلَانٌ مَفْتُونٌ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ قَالَ الْهَادِي بِمَعْنَى الْمُوَفِّقِ فَمَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ الْمُوَفِّقُ بِفَضْلِهِ، وَالْخَاذِلُ لِمَنْ شَاءَ بِعَدْلِهِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ. (ش) : قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ مَا رَأْيُك فِي هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا سُمُّوا بِهِ قَدَرِيَّةً، فَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ نَفَوْا الْقَدَرَ كَمَا سُمِّيَ دَاوُد بْنُ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ الْقِيَاسِيُّ لِأَنَّهُ نَفَى الْقِيَاسَ. وَقَالَ قَوْمٌ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ ادَّعَوْا أَنَّ لَهُمْ قُدْرَةً عَلَى خَلْقِ أَفْعَالِهِمْ، وَنَفَوْا قُدْرَةَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ عَلَيْهَا قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونَ: وَيَدَّعِي الْقَدَرِيُّ أَنَّ الْأَمْرَ إلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ فَعَلَ وَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَعْصِيَ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرِيدُ أَنْ يُطِيعَ فَيَكُونُ مَا أَرَادَ هُوَ، وَلَا يَكُونُ مَا أَرَادَ اللَّهُ وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ كَانَ يَلْزَمُ مَجْلِسَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ثُمَّ أَنَّهُ قَالَ بِالْقَدَرِ وَمَعَانٍ خَالَفَ فِيهَا الْحَسَنَ، ثُمَّ اعْتَزَلَ هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ مَجْلِسَ الْحَسَنِ، فَسُمُّوا بِذَلِكَ مُعْتَزِلَةً، وَقِيلَ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانَ جَمِيعُهُمْ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقُولُونَ أَنَّ الْمُذْنِبِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْمَشِيئَةِ، ثُمَّ حَدَّثَ الْخَوَارِجُ فَكَفَرُوا بِالذُّنُوبِ، ثُمَّ حَدَّثْت الْمُعْتَزِلَةُ فَاعْتَزَلُوا الطَّائِفَتَيْنِ بِأَنْ قَالُوا إنَّ الْمُرْتَكِبَ لِلْكَبَائِرِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ فَاسِقٌ لَكِنَّهُ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ. وَأَمَّا الْمُرْجِئَةُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هُمْ الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ يُرِيدُونَ أَنَّ بِنَفْسِ الْإِيمَانِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ يَسْتَحِقُّ النَّجَاةَ مِنْ النَّارِ وَدُخُولَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، يُرِيدُونَ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ النَّجَاةَ مِنْ النَّارِ وَدُخُولَ الْجَنَّةِ، فَسَمُّوا الْأَعْمَالَ إيمَانًا وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ شَرَائِعُ الْإِيمَانِ الَّتِي تُنَجِّي مِنْ النَّارِ بِامْتِثَالِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْهَا، وَالْإِيمَانُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ التَّصْدِيقُ لَكِنَّهُ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الْإِيمَانُ دُونَ شَرَائِعِهِ فَلَا يُقْطَعُ بِأَنَّهُ يَنْجُو مِنْ النَّارِ، وَإِنَّمَا يُقْطَعُ بِأَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إمَّا بِأَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ ابْتِدَاءً فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ أَوْ يُعَاقِبُهُ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ، ثُمَّ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، قَالَ اللَّهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ إنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَأَرَى أَنْ تَسْتَتِيبَهُمْ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي الْقَدَرِيَّةِ أَرَى أَنْ يُسْتَتَابُوا فَإِنْ تَابُوا، وَإِلَّا قُتِلُوا وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْإِبَاضِيَّةِ وَالْحَرُورِيَّةِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ كُلُّهُمْ يُسْتَتَابُونَ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا، وَذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَى أَنَّهُمْ مِنْ الْخَوَارِجِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُسْتَتَابُ سَائِرُ الْخَوَارِجِ وَالْإِبَاضِيَّةِ وَالصُّفْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَيُسْتَتَابُ الْمُرْجِئَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ. وَأَمَّا الشِّيعَةُ مِنْهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْهُمْ عَلِيًّا وَلَمْ يَغْلُ فَهَذَا دِينُنَا، وَمَنْ غَلَا إلَى بُغْضِ عُثْمَانَ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ أُدِّبَ أَدَبًا شَدِيدًا، وَمَنْ زَادَ غُلُوُّهُ إلَى بُغْضِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مَعَ عُثْمَانَ وَشَتَمَهُمْ فَالْعُقُوبَةُ عَلَيْهِ أَشَدُّ، وَيُكَرَّرُ ضَرْبُهُ وَيَطُولُ سِجْنُهُ حَتَّى يَمُوتَ، وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْقَتْلَ إلَّا فِي سَبِّ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَمَّا مَنْ تَجَاوَزَ مِنْهُمْ

стр. 2114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] إلَى الْإِلْحَادِ فَزَعَمَ أَنَّ عَلِيًّا رُفِعَ، وَلَمْ يَمُتْ وَسَيَنْزِلُ إلَى الْأَرْضِ، وَأَنَّهُ دَابَّةُ الْأَرْضِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَانَ الْوَحْيُ يَأْتِيهِ وَبَعْدَهُ ذُرِّيَّتُهُ مُفْتَرَضَةٌ طَاعَتُهُمْ وَنَحْوُهُ مِنْ الْإِلْحَادِ فَهَذَا كُفْرٌ يُسْتَتَابُ قَائِلُهُ وَيُقْتَلُ إنْ لَمْ يَتُبْ، ذُكِرَ أَنَّ قَوْمًا بِالْغَرْبِ اتَّخَذُوا نَبِيًّا سَمَّوْهُ صَالِحًا أَظْهَرَ لَهُمْ كِتَابًا بِلِسَانِ الْبَرْبَرِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ نَبِيُّ الْعَرَبِ فَأَكَلُوا رَمَضَانَ وَصَامُوا رَجَبَ وَاسْتَحَلُّوا تَزْوِيجَ تِسْعِ نِسْوَةٍ وَشِبْهَهُ فَهَؤُلَاءِ مُرْتَدُّونَ يُقْتَلُونَ، وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا وَيُجَاهِدُونَ وَلَا تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ كَالْمُرْتَدِّينَ وَمِيرَاثُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ. وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ فِي الْحَرُورِيِّ إذَا لَمْ يَخْرُجْ عَلَى الْإِمَامِ الْعَدْلِ فَيَدْعُ إلَى بِدْعَتِهِ أَوْ يَقْتُلْ أَحَدًا لَمْ يَقْتُلْهُ فَأَمَّا إنْ قَتَلَ أَحَدًا عَلَى دِينِهِ ذَلِكَ، أَوْ خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ الْعَدْلِ فَلْيُسْتَتَبْ فَإِنْ تَابَ قُبِلَ مِنْهُ وَإِلَّا قُتِلَ، وَكَذَلِكَ الْجَمَاعَةُ مِنْهُمْ. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ أَمَّا مَنْ كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَفِي جَمَاعَتِنَا فَلَا يُقْتَلُ وَلْيُضْرَبْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَيُحْبَسُ وَيُنْهَى عَنْ مُجَالَسَتِهِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ تَأْدِيبًا لَهُ. وَقَدْ ضَرَبَ عُمَرُ ﵁ ضُبَيْعًا وَنَهَى عَنْ كَلَامِهِ حَتَّى حَسُنَتْ تَوْبَتُهُ فَأَمَّا مَنْ بَانَ مِنْهُمْ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَدَعَوْا إلَى بِدْعَتِهِمْ وَمَنَعُوا فَرِيضَةً مِنْ الْفَرَائِضِ فَلْيَدْعُهُمْ الْإِمَامُ الْعَدْلُ إلَى السُّنَّةِ وَالرُّجُوعِ إلَى الْجَمَاعَةِ فَإِنْ أَبَوْا قَاتَلَهُمْ كَمَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ بِمَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، وَكَمَا فَعَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِالْحَرُورِيَّةِ فَفَارَقُوهُ وَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ فَلَمْ يَهْجِمْ حَتَّى خَرَجُوا وَنَزَلُوا بِالنَّهْرِ، فَأَقَامُوا شَهْرًا فَلَمْ يَهْجِمْ حَتَّى سَفَكُوا الدِّمَاءَ وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ فَقَاتَلَهُمْ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُسْتَتَابُونَ فَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا عَلَى وَجْهِ النَّهْيِ فَمَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ ﵁ هَذَا وَمَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ ﵀ إنَّمَا هُوَ مَنْ خَرَجَ وَبَانَ بِدَارِهِ، وَخَرَجَ عَنْ سُلْطَانِ الْإِمَامِ فَأَمَّا مَنْ هُوَ فِي سُلْطَانِهِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ مِمَّنْ يَتَبَرَّأُ مِنْ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا ﵄ أَوْ يُظْهِرُ بِدْعَةَ الْقَدَرِ أَنَّ الْأَمْرَ إلَيْهِ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ، وَاَللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُطِيعَهُ فَيَكُونَ مَا أَرَادَ هُوَ دُونَ مَا أَرَادَ اللَّهُ فَاسْتَتِبْهُ فَإِنْ تَابَ فَأَوْجِعْهُ ضَرْبًا فِيمَا مَضَى، وَكَذَلِكَ مَنْ كَفَّرَ عَلِيًّا أَوْ عُثْمَانَ أَوْ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَأَوْجِعْهُ ضَرْبًا. ١ - وَرُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ مَنْ كَفَّرَ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ يُقْتَلُ وَيُؤَدَّبُ فِي غَيْرِهِمْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيُّ رَوَى مَعْنُ بْنُ عِيسَى سَمِعْت مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ لَيْسَ لِمَنْ سَبَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الْفَيْءِ حَقٌّ قَدْ قَسَّمَ اللَّهُ الْفَيْءَ فَقَالَ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] الْآيَةَ. وَقَالَ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] وَإِنَّمَا الْفَيْءُ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ الْأَصْنَافِ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ سَمِعْت مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ جُلِدَ وَمَنْ سَبَّ عَائِشَةَ قُتِلَ قِيلَ لَهُ وَلِمَ يُقْتَلُ فِي عَائِشَةَ قَالَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧] فَمَنْ رَمَاهَا فَقَدْ خَالَفَ الْقُرْآنَ، وَمَنْ خَالَفَ الْقُرْآنَ قُتِلَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ فِي الْخَوَارِجِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِكُفَّارٍ، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ مِنْهُمْ فَقُتِلَ يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ غَيْرُ الْإِمَامِ وَيَرِثُهُ وَرَثَتُهُ وَتَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ الْإِيمَانِ بِبِدْعَتِهِمْ. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فَمِيرَاثُهُ لِوَرَثَتِهِ أَسَرَّ ذَلِكَ أَوْ أَعْلَنَهُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَلَا الْإِبَاضِيَّةِ فَإِنْ قُتِلُوا بِذَلِكَ أَحْرَى قَالَ سَحْنُونٌ يَعْنِي أَدَبًا لَهُمْ فَإِنْ ضَاعُوا فَلْيُصَلَّ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ ابْنُ دَاوُد عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ قَالَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ أَهْلُ بِدَعٍ وَضَلَالَةٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِاَلَّذِي يُخْرِجُهُمْ عِنْدَنَا مِنْ الْإِسْلَامِ، وَتَأْوِيلُ سَحْنُونٍ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عِنْدَ مَالِكٍ مُؤْمِنِينَ لَمْ يَرِثْهُمْ وَرَثَتُهُمْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا تُعَادُ الصَّلَاةُ خَلْفَ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ وَالْمُغِيرَةِ وَابْنِ كِنَايَةَ وَغَيْرِهِمْ

стр. 2115

جَامِعُ مَا جَاءَ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا وَلِتَنْكِحَ فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ» مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ «قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّهُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ اللَّهُ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْهُ الْجَدُّ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، ثُمَّ قَالَ سَمِعْت هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَذِهِ الْأَعْوَادِ» . مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ كَمَا يَنْبَغِي الَّذِي لَا يُعَجَّلُ شَيْءٌ أَنَاهُ وَقَدَّرَهُ حَسْبِي اللَّهُ وَكَفَى سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ دَعَا لَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ مَرْمَى مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ أَنَّ أَحَدًا لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ فَأَجْمِلُوا الطَّلَبَ) . ــ [المنتقى] وَلَيْسَ بِكَافِرٍ وَلَيْسَ يُخْرِجُهُ ذَنْبُهُ مِنْ الْإِيمَانِ، وَمَنْ كَفَّرَهُمْ رَكِبَ قَوْلَ الْحَرُورِيَّةِ فِي التَّكْفِيرِ بِالذُّنُوبِ، وَذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ الَّذِينَ كَفَّرُوا النَّاسَ بِالذُّنُوبِ كُفَّارٌ، وَأَنَّهُ يُسْتَتَابُ مَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَيَّامًا وَيُسْجَنُ خَرَجُوا لِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَخْرُجُوا إذَا أَظْهَرُوا ذَلِكَ فَمَنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ وَمَنْ تَابَ تُرِكَ، وَمَنْ رَدَّ هَذَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مُعَانِدٌ كَافِرٌ وَلَا يَحِلُّ سَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْخَوَارِجِ مِنْ الْإِبَاضِيَّةِ وَالصُّفْرِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَكَذَلِكَ تُسْتَتَابُ الْمُرْجِئَةُ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ، وَأَمَّا الشِّيعَةُ فَلَا يَبْلُغُ بِهِمْ الْقَتْلُ إلَّا أَنْ يَرْقَى إلَى سَبِّ نَبِيٍّ، وَأَمَّا مَنْ قَرَنَ بِذَلِكَ شَيْئًا مِنْ الْإِلْحَادِ فَقَدْ كَفَرَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ قُلْت لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ خَطَبَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ أَفَأُزَوِّجُهُ فَقَالَ لَا قَالَ اللَّهُ: : ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] . وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ قَالَ مَالِكٌ لَا أَرَى أَنْ يُصَلَّى وَرَاءَ الْقَدَرِيِّ وَمَنْ صَلَّى وَرَاءَهُ رَأَيْت أَنْ يُعِيدَ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يُسَلَّمُ عَلَى أَهْلِ الْقَدَرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَأَنِّي رَأَيْته يَرَى ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ كُلِّهِمْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ رَأْيِي لَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا تُجَالِسْ الْقَدَرِيَّ وَلَا تُكَلِّمْهُ إلَّا أَنْ تَجْلِسَ إلَيْهِ بِغِلَظٍ عَلَيْهِ يَقُولُ اللَّهُ ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فَلَا تُوَادُّوهُمْ. (فَرْعٌ) وَتَوْبَةُ الْقَدَرِيِّ فِيمَا قَالَ مَالِكٌ تَرْكُهُ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إنْ خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ الْعَدْلِ يُقْتَلُ مُنْهَزِمُهُمْ وَيُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَمَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ الْحَرْبُ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ بِنَفْسٍ فَلَا يُقْتَلُ، وَيُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ وَلَمْ يَرْجِعْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يُقْتَلُ وَلْيُؤَدَّبْ إنْ لَمْ يَتُبْ. [جَامِعُ مَا جَاءَ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لَا تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا» نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبَغْيِ وَالْأَذَى وَالظُّلْمِ لِلَّتِي تَشْتَرِطُ طَلَاقَهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ ﷺ مَا يَشْتَرِطُ النِّسَاءُ عِنْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ مِنْ أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ مَعَهُ طَالِقٌ، وَأَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَلَا يَتَسَرَّى مَعَهَا وَلَا يَتَّخِذَ أُمَّ وَلَدٍ وَيُبَيِّنُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلِتَنْكِحَ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلِتُنْكَحَ وَلَا تَسْأَلْ طَلَاقَ غَيْرِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ النَّهْيَ عَنْ أَنْ تَفْعَلَهُ الْمَرْأَةُ ابْتِدَاءً إذَا عَلِمْت إيثَارَ الزَّوْجِ لَهَا أَنْ تَسْأَلَهُ طَلَاقَ صَاحِبَتِهَا، أَوْ قَالَ أُخْتَهَا وَإِنَّمَا أَرَادَ أُخْتَهَا فِي الدِّينِ وَوَصَفَهَا بِذَلِكَ لِيُذَكِّرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْحُرْمَةِ الَّتِي تُوجِبُ إشْفَاقَهَا عَلَيْهَا وَتَرْكَ مُضَارَّتِهَا بِأَنْ تَسْأَلَ طَلَاقَهَا، وَقَوْلُهُ ﷺ «لِتَسْتَفْرِغَ إنَاءَهَا» يُحْتَمَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنْ تَنْفَرِدَ بِنَفَقَةِ الزَّوْجِ وَمَالِهِ وَلَا تُشْرِكَهَا بِذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «وَلِتَنْكِحَ فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» يُرِيدُ أَنَّهُ مَا قُدِّرَ لَهَا أَنْ تَنَالَهُ مِنْ خَيْرِ

стр. 2116

مَا جَاءَ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ (ص) : (مَالِكٌ «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ آخِرُ مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ وَضَعْت رِجْلِي فِي الْغَرْزِ أَنْ قَالَ أَحْسِنْ خُلُقَك لِلنَّاسِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» ) ــ [المنتقى] الزَّوْجِ وَنَفَقَتِهِ لَا بُدَّ أَنْ تَصِلَ إلَيْهِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ بِفِرَاقِهِ الزَّوْجَةَ وَلَا النَّقْصِ مِنْهُ بِإِمْسَاكِهِ لَهَا، وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ الرِّزْقَ مُقَدَّرٌ وَالْإِجْمَالَ فِي الطَّلَبِ مَشْرُوعٌ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ اللَّهُ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَا أَعْطَى اللَّهُ مِنْ خَيْرِ دِينٍ أَوْ دُنْيَا فَلَا مَانِعَ لَهُ، وَمَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا مُعْطِيَ لَهُ وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْهُ الْجَدُّ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَعْنَاهُ لَا يَنْفَعُ ذَا الْغِنَى مِنْهُ غِنَاهُ إنَّمَا تَنْفَعُهُ طَاعَتُكَ وَالْعَمَلُ بِمَا يُقَرِّبُهُ مِنْك، يُقَالُ جَدَّ الرَّجُلُ يَجِدُّ إذَا صَارَ لَهُ جَدٌّ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا يَنْفَعُ ذَا الْجِدِّ مِنْك الْجِدُّ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْجِدَّ الِانْكِمَاشُ يُرِيدُ الِاجْتِهَادَ وَمُحَالٌ أَنْ لَا يَنْفَعَ النَّاسَ الِاجْتِهَادُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِيهِ نَظَرٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ ذَلِكَ الِاجْتِهَادُ مِنْك اجْتِهَادٌ فِي اجْتِلَابِ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ مَا قُدِّرَ لَهُ اجْتَهَدَ أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْفِقْهَ فِي الدِّينِ يَقْتَضِي إرَادَةَ اللَّهِ الْخَيْرَ لِعَبِيدِهِ وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ الْخَيْرَ فَقَّهَهُ فِي دِينِهِ وَالْخَيْرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ دُخُولُ الْجَنَّةِ وَالسَّلَامَةُ مِنْ النَّارِ قَالَ اللَّهُ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ سَمِعْت هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَذِهِ الْأَعْوَادِ يُرِيدُ بِذَلِكَ بَيَانَ صِحَّةِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَخَصَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ لِأَنَّهَا مِمَّا قَالَهُ نَبِيُّهُمْ ﵇ عَلَى الْمِنْبَرِ وَبَلَّغَهُ إلَى الْأُمَّةِ تَبْلِيغًا شَائِعًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ ﵀ كَانَ يُقَالُ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَئِمَّةِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا أَدْخَلَهُ فِي كِتَابِهِ لِيَعْتَقِدَ صِحَّتَهُ وَيَحْمَدَ اللَّهَ بِهِ، وَقَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ كَمَا يَنْبَغِي يُرِيدُ أَنَّهُ أَحْسَنَهُ، وَأَتَى بِهِ عَلَى أَفْضَلِ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ قَوْلَهُ إلَى الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ عَلَى تَأْوِيلِ مَنْ قَالَ خَلَقَهُ حَسَنًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ خَلَقَهُ عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَإِرَادَتِهِ لَهُ وَعِلْمِهِ بِهِ وَبِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصَالِحِ لِخَلْقِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ الَّذِي لَا يُعَجَّلُ شَيْءٌ أَنَاهَ وَقَدَّرَهُ، وَمَعْنَاهُ لَا يَسْبِقُ وَقْتُهُ الَّذِي وُقِّتَ لَهُ قَالَ الْأَخْفَشُ: أَنَا الشَّيْءَ وَقْتَ بُلُوغِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْأَنَا التَّأْخِيرُ وَالِانْتِظَارُ قَالَ الشَّاعِرُ وَآنَيْت الْعِشَاءَ إلَى سُهَيْلٍ ... أَوْ الشِّعْرَى فَطَالَ بِي الْإِنَاءُ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَسْبِقُ وَقْتَهُ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ قَالَ اللَّهُ ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ حَسْبِي اللَّهُ وَكَفَى وَقَوْلُهُ سَمِعَ لِمَنْ دَعَاهُ مَعْنَاهُ اسْتَجَابَ اللَّهُ لِمَنْ دَعَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْخَبَرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الدُّعَاءَ، وَقَوْلُهُ لَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ مَرْمَى يُرِيدُ لَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ غَايَةٌ يُرْمَى إلَيْهَا أَيْ يُقْصَدُ بِدُعَاءٍ أَوْ أَمَلٍ أَوْ رَجَاءٍ يُقَالُ هَذِهِ الْغَايَةُ الَّتِي يَرْمِي إلَيْهَا أَيْ يَقْصِدُ شُبِّهَتْ بِغَايَةِ السِّهَامِ الَّتِي تُرْمَى وَيُقْصَدُ بِهَا. [مَا جَاءَ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ] (ش) : قَوْلُ مُعَاذٍ ﵁ آخِرُ

стр. 2117

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَمْرَيْنِ قَطُّ إلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إثْمًا فَإِنْ كَانَ إثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةٌ لِلَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا» ) . ــ [المنتقى] مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَنْبِيهٌ عَلَى تَأْكِيدِ مَا أَوْصَاهُ بِهِ وَاهْتِبَالِهِ ﷺ بِوَلَائِهِ وَلَا يُهْتَبَلُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْوَصِيَّةِ مَنْ يُوَدِّعُ الْمُسَافِرَ إلَّا بِأَوْكَدِ مَا يُوصِيهِ بِهِ، وَقَوْلُهُ حِينَ وَضَعْت رِجْلِي فِي الْغَرْزِ الْغَرْزُ لِلرَّاحِلَةِ بِمَنْزِلَةِ الرِّكَابِ لِلدَّابَّةِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى تَأْخِيرِ الْحَالِ الَّتِي أَوْصَاهُ عَلَيْهَا، وَأَنَّهَا حِينَ مُفَارَقَتِهِ لَهُ وَبَعْدَ تَوْدِيعِهِ إيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى تَأْكِيدِ مَا أَوْصَاهُ بِهِ وَمُبَالَغَتِهِ فِي وَصِيَّتِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» تَحْسِينُ خُلُقِهِ أَنْ يُظْهِرَ مِنْهُ لِمَنْ يُجَالِسُهُ أَوْ وَرَدَ عَلَيْهِ الْبِشْرَ وَالْحِلْمَ وَالْإِشْفَاقَ وَالصَّبْرَ عَلَى التَّعْلِيمِ وَالتَّوَدُّدَ إلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَالْغِلَظُ مَكْرُوهٌ لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «لِلنَّاسِ» وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ عَامًّا إلَّا أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ مَنْ يَسْتَحِقُّ تَحْسِينَ الْخُلُقِ لَهُ فَأَمَّا أَهْلُ الْكُفْرِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الْكَبَائِرِ وَالتَّمَادِي عَلَى ظُلْمِ النَّاسِ، فَلَا يُؤْمَرُ بِتَحْسِينِ خُلُقِهِ لَهُمْ بَلْ يُؤْمَرُ بِأَنْ يُغْلِظَ عَلَيْهِمْ قَالَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] . وَقَالَ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ «سُئِلَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنْ خُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ كَانَ خُلُقُهُ وَأَمْرُهُ الْقُرْآنَ وَاتِّبَاعَهُ» . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَمْرَيْنِ قَطُّ إلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إثْمًا فَإِنْ كَانَ إثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةٌ لِلَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا» ) . (ش) : قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ مَا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مِنْ الْأَعْمَالِ مِمَّا يُكَلِّفُهُ أُمَّتَهُ إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا وَأَرْفَقَهُمَا بِأُمَّتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَا خَيَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ عُقُوبَتَيْنِ يُنْزِلُهُمَا بِمَنْ عَصَاهُ وَخَالَفَهُ إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ مَا خَيَّرَهُ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي طَاعَتِهِ وَلَا آمَنَ بِهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا مُوَادَعَةٌ وَمُسَالَمَةٌ وَفِي الْآخَرِ مُحَارَبَةٌ أَوْ مُشَاقَةٌ إلَّا اخْتَارَ مَا فِيهِ الْمُوَادَعَةُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْمُجَاهَدَةِ وَمَنْعِ الْمُوَادَعَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ جَمِيعَ أَوْقَاتِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُخَيِّرَهُ بَيْنَ الْحَرْبِ وَأَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَإِنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ بِالْأَيْسَرِ فَقَبِلَ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ أُمَّتَهُ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يُخَيِّرُوهُ بَيْنَ الْتِزَامِ الشِّدَّةِ فِي الْعِبَادَةِ وَبَيْنَ الْأَخْذِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ إلَّا اخْتَارَ لَهُمْ أَيْسَرَهُمَا رِفْقًا بِهِمْ وَنَظَرًا لَهُمْ وَخَوْفًا أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِمْ أَشَقُّهُمَا فَيَعْجَزُوا عَنْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مَا لَمْ يَكُنْ إثْمًا إنْ كَانَ الْمُخَيِّرُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى لَا يُخَيِّرُ بَيْنَ الْإِثْمِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُخَيِّرُ لَهُ الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ مِمَّنْ بُعِثَ إلَيْهِمْ فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَيْسَرُ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ خُيِّرَ فِيهِمَا إثْمًا فَإِنَّهُ يَكُونُ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَلَا يَخْتَارُهُ، وَإِنَّمَا يَخْتَارُ الْأَيْسَرَ إذَا خُيِّرَ بَيْنَ جَائِزَيْنِ مَشْرُوعَيْنِ وَإِنْ كَانَ الْمُخَيِّرُ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أُمَّتِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّهُمْ أَيْضًا لَا يُخَيِّرُونَهُ بَيْنَ الْتِزَامِ فِعْلِ طَاعَةٍ وَالْتِزَامِ فِعْلِ مَعْصِيَةٍ، وَيَجُوزُ عَلَى بُعْدِ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا بِمَعْنَى أَنْ يُخَيِّرُوهُ بَيْنَ الْتِزَامِ مَا يَجُوزُ وَالْتِزَامِ مَا لَا يَجُوزُ، وَهُمْ يَعْتَقِدُونَهُ مِمَّا يَجُوزُ فَيَكُونَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ أَنْ يُبِيحَ لَهُمْ مَا لَا يَجُوزُ بَلْ يُبَيِّنُ لَهُمْ الْمَنْعَ مِنْهُ وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ إتْيَانِهِ وَيَعْدِلُ بِهِمْ إلَى الْجَائِزِ، وَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا ﵂ «وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ

стр. 2118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] لَا يَصِلُ إلَيْهِ أَذًى مِنْ مُخَالَفَةِ إرَادَةِ رَبِّهِ فِيمَا يَخُصُّهُ فَيَنْتَقِمُ بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ قَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّ يُوسُفَ ﵇ قَالَ مَا انْتَقَمْت لِنَفْسِي مِنْ شَيْءٍ فَذَلِكَ الْيَوْمُ زَادِي مِنْ الدُّنْيَا، وَإِنَّ عَمَلِي قَدْ لَحِقَ بِعَمَلِ آبَائِي فَأَلْحِقُوا قَبْرِي بِقُبُورِهِمْ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مَالِكٌ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْفُو عَمَّنْ شَتَمَهُ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا ﵂ «إلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةٌ لِلَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُؤْذَى أَذًى فِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَى الدِّينِ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ انْتِهَاكًا لِحُرُمَاتِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ بِذَلِكَ إعْظَامًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ قَالَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْذَى النَّبِيُّ ﷺ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ النَّاسِ فَيَجُوزُ أَنْ يُؤْذَى بِمُبَاحٍ وَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ مِنْهُ وَلَا يَأْثَمُ فَاعِلُ الْمُبَاحِ، وَإِنْ وَصَلَ بِذَلِكَ أَذًى إلَى غَيْرِهِ قَالَ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إذْ أَرَادَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ إنَّمَا فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي وَإِنِّي وَاَللَّهِ لَا أُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَلَكِنْ وَاَللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَابْنَةُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَبَدًا» فَجَعَلَ حُكْمَهَا فِي ذَلِكَ، حُكْمُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْذَى بِمُبَاحٍ وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] فَشَرَطَ فِي الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُؤْذُوا بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا وَأَطْلَقَ الْأَذَى فِي خَاصَّةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَحَصَلَ عَلَى إطْلَاقِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَسُبَّهُ كَافِرٌ أَوْ مُسْلِمٌ فَإِنْ سَبَّهُ مُسْلِمٌ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ، قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ عَابَهُ أَوْ تَنَقَّصَهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ كَالزِّنْدِيقِ لَا تُؤْمَنُ تَوْبَتُهُ وَقَدْ افْتَرَضَ اللَّهُ تَعْزِيرَهُ وَتَوْقِيرَهُ قَالَ اللَّهُ ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فَمَنْ شَتَمَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَدْرَكَهُ فَلَمْ يُعَزِّرْهُ وَلَمْ يَنْصُرْهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ لَمْ يَنْصُرْهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ وَمَنْ سَبَّ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قُتِلَ قَالَ سَحْنُونٌ وَأَصْبَغُ إنْ انْتَقَصَهُ قُتِلَ، وَلَمْ يُسْتَتَبْ كَمَنْ شَتَمَ نَبِيَّنَا ﷺ قَالَ اللَّهُ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦] قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ سَبَّ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ. ١ - (فَرْعٌ) وَمَنْ شَتَمَ نَبِيَّنَا ﷺ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ حَرْبِيًّا أَوْ ذِمِّيًّا فَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا فَحُكْمُهُ إذَا ظُفِرَ بِهِ حُكْمُ سَائِرِ الْكُفَّارِ، وَالْإِمَامُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْتُلَ الْمُسْرِفَ فِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ شُهِرَ بِهِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ابْنِ خَطَلٍ وَفِي مِقْيَسِ بْنِ صَبَابَةَ وَفِي الْقَيْنَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَتَا تُغَنِّيَانِ بِسَبِّهِ ﷺ فَإِنْ سَبَقَ وَنَادَى بِالْإِسْلَامِ لَمْ يُقْتَلْ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ . (فَرْعٌ) وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا وَذَلِكَ إذَا شَتَمَ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ قَالَ سَحْنُونٌ وَفَرَّقْنَا بَيْنَ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ مَنْ سَبَّهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنْ دِينِنَا إلَى غَيْرِهِ فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا فَحَدُّهُ عِنْدَنَا الْقَتْلُ وَلَا عَفْوَ فِيهِ لِأَحَدٍ كَالزِّنْدِيقِ الَّذِي لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إذَا لَمْ يَنْتَقِلْ مِنْ ظَاهِرٍ إلَى ظَاهِرٍ وَالْكِتَابِيُّ الَّذِي كَانَ عَلَى الْكُفْرِ لَمَّا انْتَقَلَ إلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ أَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ غُفِرَ لَهُ مَا قَدْ سَلَفَ فَلَمْ يُقْتَلْ قَالَ اللَّهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] كَسَائِرِ الْحُدُودِ الَّتِي لِلَّهِ إذَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ، وَإِذَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ سَقَطَ عَنْهُ بِالْإِسْلَامِ قَالَ سَحْنُونٌ فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ قَتَلْت الذِّمِّيَّ بِذَلِكَ وَمَنْ دِينُهُ سَبُّ النَّبِيِّ ﷺ وَتَكْذِيبُهُ قِيلَ لِأَنَّا لَمْ نُعْطِهِمْ الْعَهْدَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا عَلَى قَتْلِنَا وَأَخْذِ أَمْوَالِنَا فَلَوْ قَتَلَ وَاحِدًا مِنَّا لَقَتَلْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ دِينِهِ اسْتِحْلَالُ دِمَائِنَا فَكَذَلِكَ سَبُّ النَّبِيِّ ﷺ إذَا أَظْهَرَهُ قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ بَذَلَ لَنَا أَهْلُ الْحَرْبِ الْجِزْيَةَ عَلَى أَنْ نُقِرَّهُمْ عَلَى إظْهَارِ سَبِّ النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 2119

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ) . ــ [المنتقى] لَمْ يَجُزْ لَنَا ذَلِكَ فَثَبَتَ أَنَّ الْعَهْدَ يُنْتَقَضُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ بِسَبِّهِ النَّبِيَّ ﷺ وَيَحِلُّ لَنَا دَمُهُ فَإِنْ قِيلَ لَوْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ أَسْلَمَ لَسَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ، وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا ثُمَّ أَسْلَمَ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ قِيلَ الْقِصَاصُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَلَا يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ، وَهَذَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ مِنْ دِينِهِ إلَى دِينِنَا فَظَاهِرُ لَفْظِ سَحْنُونٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُ كَافِرٍ وَأَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا، وَظَاهِرُ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُقْتَلُ كُفْرًا وَلَا يُسْتَتَابُ مِنْهُ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قَالَ الْمَجُوسِيُّ إنَّ مُحَمَّدًا النَّبِيَّ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْنَا، وَإِنَّمَا أُرْسِلَ إلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا نَبِيُّنَا مُوسَى أَوْ عِيسَى أَوْ نَحْوُهُمَا فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَقَرَّهُمْ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ وَأَمَّا إنْ سَبَّهُ فَقَالَ لَيْسَ بِنَبِيٍّ وَلَمْ يُرْسَلْ أَوْ لَمْ يُنَزَّلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ، وَإِنَّمَا هُوَ نَبِيٌّ بِقَوْلِهِ وَنَحْوَهُ فَهَذَا يُقْتَلُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: إنَّهُ نَبِيٌّ إنَّمَا أُرْسِلَ إلَى قَوْمِهِ فَلَمْ يُكَذِّبْهُ، وَإِنَّمَا يُكَذِّبُ النَّاقِلَ عَنْهُ لِلرِّسَالَةِ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَجْوِيزَ الْكَذِبِ وَإِذَا نَفَى عَنْهُ النُّبُوَّةَ فَقَدْ كَذَّبَهُ، وَذَلِكَ وَجْهٌ شَدِيدٌ مِنْ السَّبِّ. (فَرْعٌ) وَلَوْ قَالَ نَصْرَانِيٌّ لِمُسْلِمٍ دِينُنَا خَيْرٌ مِنْ دِينِكُمْ، وَإِنَّمَا دِينُكُمْ الْخَمْرُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْقَوْلِ، أَوْ يَقُولُ لِلْمُؤَذِّنِ إذَا قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَبْت لَعَنَكُمْ اللَّهُ فَقَدْ رَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا فِيهِ الْأَدَبُ الْوَجِيعُ وَالسِّجْنُ الطَّوِيلُ. ١ - (فَرْعٌ) وَمَنْ تَقَاضَى دَيْنَهُ مِنْ رَجُلٍ فَأَغْضَبَهُ فَقَالَ لَهُ صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْت مِنْ وَجْهِ الْغَضَبِ وَالضِّيقِ فَلَيْسَ هُوَ كَمَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ ﷺ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْقِيُّ وَأَصْبَغُ لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شَتَمَ النَّاسَ يُرِيدُ أَنَّهُ شَتَمَ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَغْضَبَهُ وَذَهَبَ الْحَارِثُ وَغَيْرُهُ فِي مِثْلِ هَذَا إلَى الْقَتْلِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ لَعْنَهُ تَوَجَّهَ إلَى كُلِّ مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ. ١ - (فَرْعٌ) وَلَوْ قَالَ نَبَطِيٌّ مِسْكِينٌ مُحَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّكُمْ فِي الْجَنَّةِ فَهُوَ الْآنَ فِي الْجَنَّةِ فَمَا لَهُ لَمْ يُغْنِ عَنْ نَفْسِهِ حَيْثُ كَانَتْ الْكِلَابُ تَأْكُلُ سَاقَيْهِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا أَرَى أَنْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ. (فَرْعٌ) وَمَنْ تَعَجَّبَ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ قَالَ سَحْنُونٌ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إلَّا عَلَى وَجْهِ الِاحْتِسَابِ وَرَجَاءِ الثَّوَابِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ شَتَمَ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ فَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَنْ شَتَمَ أَحَدًا مِنْهُمْ أَبَا بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ أَوْ عُثْمَانَ أَوْ مُعَاوِيَةَ أَوْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَإِنْ قَالَ إنَّهُمْ كَانُوا عَلَى ضَلَالٍ وَكُفْرٍ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ وَلَوْ شَتَمَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَشَاتِمِ النَّاسِ فَلْيُنَكَّلْ نَكَالًا شَدِيدًا. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ مَنْ كَفَّرَ عَلِيًّا أَوْ عُثْمَانَ أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ فَأَوْجِعْهُ جَلْدًا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ رَأَيْت فِي مَسَائِلَ رَوَيْت عَنْ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ مُوسَى أَنْ قَالَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى ضَلَالَةٍ وَكُفْرٍ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، وَمَنْ شَتَمَ غَيْرَ هَؤُلَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ بِمِثْلِ هَذَا فَعَلَيْهِ النَّكَالُ الشَّدِيدُ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» الْإِسْلَامُ هُوَ الِاسْتِسْلَامُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَسْلَمَ فُلَانٌ لِلَّهِ إذَا انْقَادَ لَهُ، وَالْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] فَكُلُّ إيمَانٍ إسْلَامٌ، وَلَيْسَ كُلُّ إسْلَامٍ إيمَانًا؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ اسْتَسْلَمَ لِلَّهِ وَانْقَادَ لَهُ بِإِيمَانِهِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢] فَالْإِسْلَامُ يُؤْتَى بِهِ عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِهِ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُنْكَرَاتِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى ذَلِكَ إذَا عَرَا مِنْ الِاجْتِنَابِ بِالطَّاعَاتِ، وَمِنْ حُسْنِهِ أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانُ مَا لَا

стр. 2120

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: «اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ عَائِشَةُ وَأَنَا مَعَهُ فِي الْبَيْتِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ عَائِشَةُ فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ سَمِعْت ضَحِكَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْت فِيهِ مَا قُلْت، ثُمَّ لَمْ تَنْشَبْ أَنْ ضَحِكْت مَعَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ اتَّقَاهُ النَّاسُ لِشَرِّهِ» ) . ــ [المنتقى] يَعْنِيهِ فَيَشْتَغِلُ بِهِ وَرُبَّمَا شَغَلَهُ عَمَّا يَعْنِيهِ أَوْ أَدَّاهُ إلَى مَا يَلْزَمُهُ اجْتِنَابُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. وَقَدْ قَالَ حَمْزَةُ الْكِنَانِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ ثُلُثُ الْإِسْلَامِ، وَالثُّلُثُ الْآخَرُ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَالثُّلُثُ الثَّالِثُ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ فَمَنْ تَرَكَ مَا تَشَابَهَ كَانَ أَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي رَجُلٍ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوْ أَلْقَيْت هَذَا النَّعْلَ، وَأَخَذْت آخَرَ جَدِيدًا فَقَالَ لَهُ نَعْلِي جَاءَتْ بِك هَاهُنَا أَقْبِلْ عَلَى حَاجَتِك. (ش) : قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْمُسْتَأْذِنِ «بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ» قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيّ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْأَحْمَقُ الْمُطَاعُ فَقَالَ ﷺ فِيهِ بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ يُرِيدُ عَشِيرَتَهُ وَتَصِفُ الْعَرَبُ الرَّجُلَ بِأَنَّهُ ابْنُ الْعَشِيرَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ ابْنٌ مِنْهَا أَوْ وَصَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ لِيَعْلَمَ بِحَالِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْغَيْبَةِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَعْلَمَ بِحَالِهِ لِيَحْذَرَ أَمْرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ ضَحِكَ مَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْلَافِ لَهُ وَدَفْعِ مَضَرَّتِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ إذَا أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا مَا لِلْعَبْدِ عِنْدَ رَبِّهِ فَانْظُرُوا مَاذَا يَتْبَعُهُ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنِي «أَنَّ الْمَرْءَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الْقَائِمِ بِاللَّيْلِ الظَّامِئِ بِالْهَوَاجِرِ» ) . (ش) : قَوْلُهُ إذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا مَا لِلْعَبْدِ عِنْدَ رَبِّهِ أَرَادَ بِهِ مِنْ الْغُفْرَانِ أَوْ الْعِقَابِ أَوْ الرِّضَى عَنْهُ أَوْ السَّخَطِ عَلَيْهِ فَانْظُرُوا مَا يَتْبَعُهُ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ يُرِيدُ فِي الْحَيَاةِ، وَفِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى يُرِيدُ مَا يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ مِنْ ذِكْرِهِ فَإِنْ أَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى لَهُ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ الثَّنَاءَ الْجَمِيلَ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صَلَاحِ مَا يَصِيرُ إلَيْهِ، وَإِنْ أَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ الذِّكْرَ الْقَبِيحَ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى شَدِيدِ مَا يَصِيرُ إلَيْهِ، وَهَذَا إنَّمَا يُرِيدُ بِهِ الذِّكْرَ الشَّائِعَ عَنْهُ مِنْ جُمْهُورِ النَّاسِ وَأَهْلِ الدِّينِ وَالْخَيْرِ، وَأَمَّا مَا يَنْفَرِدُ بِهِ الْوَاحِدُ وَأَهْلُ الضَّلَالِ وَالْفِسْقِ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْإِنْسَانِ الْعَدُوُّ فَيَتْبَعُهُ بِالذِّكْرِ الْقَبِيحِ، وَأَمَّا أَهْلُ الضَّلَالِ فَلَا يَذْكُرُونَ أَهْلَ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ إلَّا بِالشَّرِّ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ عَلَى مَا قَدَّمْته وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «أَنَّ الرَّجُلَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الْقَائِمِ بِاللَّيْلِ الظَّامِئِ بِالْهَوَاجِرِ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الْمُتَنَفِّلِ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ لِصَبْرِهِ عَلَى الْأَذَى وَكَفِّهِ عَنْ أَذَى غَيْرِهِ وَالْمُعَارَضَةِ عَلَيْهِ مَعَ سَلَامَةِ صَدْرِهِ مِنْ الْغِلِّ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ مُجَامَلَةُ الزَّوْجَةِ وَالْأَهْلِ وَمُعَاشَرَتِهِمْ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَيْهِمْ قَالَ مَالِكٌ يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُحْسِنَ إلَى أَهْلِ دَارِهِ حَتَّى يَكُونَ أَحَبَّ النَّاسِ إلَيْهِمْ، قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ طَعَامٍ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ عِيَالُهُ، وَيَلْبَسَ ثِيَابًا لَا يَكْسُوهُمْ مِثْلَهَا، وَلَكِنْ يَكْسُوهُمْ وَيُطْعِمُهُمْ مِنْهُ وَأَكْرَهُ أَنْ يُسْأَلَ الرَّجُلُ عَمَّا أَدْخَلَ دَارِهِ مِنْ الطَّعَامِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَاحِشَ الْمَرْأَةَ وَلَا يُكْثِرَ مُرَاجَعَتَهَا وَلَا تَرْدَادَهَا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْمَرْأَةُ كَالضَّبُعِ إنْ أَقَمْتهَا كَسَرْتهَا، وَإِنْ اسْتَمْتَعْت بِهَا اسْتَمْتَعْت بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ» ، وَرَوَى أَبُو حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ

стр. 2121

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ قَالُوا بَلَى قَالَ إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَإِيَّاكُمْ وَالْبِغْضَةَ فَإِنَّهَا هِيَ الْحَالِقَةُ) . مَا جَاءَ فِي الْحَيَاءِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ سَلَمَةَ الزُّرَقِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ رُكَانَةَ يَرْفَعُهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ» مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ» ) . ــ [المنتقى] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلْعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلْعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهُ كَسَرْته وَإِنْ تَرَكْته لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» . (ش) : قَوْلُ سَعِيدٍ إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ صَلَاحُ الْحَالِ الَّذِي بَيْنَ النَّاسِ فَذَكَرَ أَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ النَّوَافِلَ فَيَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا أَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ إكْثَارِ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَهُوَ أَيْضًا رَاجِعٌ إلَى النَّافِلَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا أَنَّهَا خَيْرٌ وَأَكْثَرُ ثَوَابًا بِمَا يُسْدِيهِ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ مَعَ مَا فِي إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ مِنْ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَالْمُنَاصَحَةِ وَالتَّعَاوُنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ كَثْرَةَ الثَّوَابِ تَكُونُ بِاحْتِسَابِ الْأَذَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِيَّاكُمْ وَالْبِغْضَةَ فَإِنَّهَا هِيَ الْحَالِقَةُ قَالَ الْأَخْفَشُ: أَصْلُ الْحَالِقَةِ مِنْ حَلَقَ الشَّعْرَ، وَإِذَا وَقَعَ الْفَسَادُ بَيْنَ قَوْمٍ مِنْ حَرْبٍ أَوْ تَبَاغُضٍ حَلَقَهُمْ عَنْ الْبِلَادِ أَيْ أَجْلَتْهُمْ وَفَرَّقَتْهُمْ حَتَّى يُخْلُوهَا، وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا لَا تُبْقِي شَيْئًا مِنْ الْحَسَنَاتِ حَتَّى يَذْهَبَ بِهَا كَمَا يَذْهَبُ الْحَلْقُ بِالشَّعْرِ مِنْ الرَّأْسِ حَتَّى يَتْرُكَهُ عَارِيًّا. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «بُعِثْت لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ» ) . (ش) : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بُعِثْت بِالْإِسْلَامِ لِأُتَمِّمَ شَرَائِعَهُ، وَحُسْنُ هَدْيِهِ وَزِيِّهِ وَسَمْتِهِ حُسْنُ الْأَخْلَاقِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ وَإِنْ كَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ أَخْلَاقًا بِمَا بَقِيَ عِنْدَهُمْ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ الشَّرَائِعِ قَبْلَهُمْ، فَقَدْ كَانُوا أَضَلُّوا بِالْكُفْرِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا وَمِنْهَا مَا خُصَّ بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ فَتَتِمُّ بِالْأَمْرَيْنِ مَحَاسِنُ الْأَخْلَاقِ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ وَمَنْ تَخَلَّقَ بِأَوَامِرِ الْقُرْآنِ أَوْ نَوَاهِيهِ كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ حُسْنِ الْأَخْلَاقِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ امْتِثَالَهُ إلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ فَكَيْفَ سَائِرُ مَا تَضَمَّنَهُ الْقُرْآنُ وَسُنَّةُ النَّبِيِّ ﵇. [مَا جَاءَ فِي الْحَيَاءِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ» يُرِيدُ سَجِيَّةً شُرِعَتْ فِيهِ، وَخَصَّ أَهْلَ ذَلِكَ الدِّينِ بِهَا وَكَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ أَعْمَالِهِمْ الَّتِي يُثَابُونَ عَلَيْهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ سَجِيَّةً تَشْمَلُ أَهْلَ ذَلِكَ الدِّينِ أَوْ أَكْثَرَهُمْ أَوْ تَشْمَلُ أَهْلَ الصَّلَاحِ مِنْهُمْ وَتَزِيدُ بِزِيَادَةِ الصَّلَاحِ، وَتَقِلُّ بِقِلَّتِهِ، وَإِنَّ خُلُقَ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ وَالْحَيَاءُ يَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ أَوْ عَلَيْهِمَا، وَالْمُرَادُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْحَيَاءُ فِيمَا شُرِعَ الْحَيَاءُ فِيهِ فَأَمَّا حَيَاءٌ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ «، وَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ لَا يَتَعَلَّمُ مُسْتَحٍ وَلَا مُتَكَبِّرٍ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَرِدْ شَرْعٌ بِالْحَيَاءِ الْمَانِعِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْحُكْمِ بِالْحَقِّ وَالْقِيَامِ بِهِ وَأَدَاءِ الشَّهَادَاتِ

стр. 2122

مَا جَاءَ فِي الْغَضَبِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَعِيشُ بِهِنَّ وَلَا تُكْثِرْ عَلَيَّ فَأَنْسَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَغْضَبْ» مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» ) . ــ [المنتقى] عَلَى وَجْهِهَا وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ يُرِيدُ لَامَهُ عَلَى كَثْرَةِ الْحَيَاءِ يَقُولُ لَهُ إنَّك لَتَسْتَحْيِي حَتَّى قَدْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِك، وَمَنَعَك مِنْ بُلُوغِ حَاجَتِك، وَقَوْلُهُ ﷺ «دَعْهُ» يُرِيدُ الْإِمْسَاكَ عَنْ وَعْظِهِ فِي ذَلِكَ «فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ» ، يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ شَرَائِعِ الْإِيمَانِ، وَلِذَلِكَ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا» ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ مُرَافِقٌ لِلْإِيمَانِ كَمَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنْتَ مِنِّي» . [مَا جَاءَ فِي الْغَضَبِ] (ش) : قَوْلُ السَّائِلِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَعِيشُ بِهِنَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنْتَفِعُ بِهَا مُدَّةَ عَيْشِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى عَيْشِي، وَلَا تُكْثِرُ عَلَيَّ فَأَنْسَى، وَلَعَلَّهُ عَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ قِلَّةَ الْحِفْظِ فَأَرَادَ الِاخْتِصَارَ الَّذِي يَحْفَظُهُ وَلَا يَنْسَاهُ فَجَمَعَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ الْخَيْرَ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ فَقَالَ لَهُ «لَا تَغْضَبْ» وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْغَضَبَ يُفْسِدُ كَثِيرًا مِنْ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يُؤْذِيَ وَيُؤْذَى، وَأَنْ يَأْتِيَ فِي وَقْتِ غَضَبِهِ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَا يَأْثَمُ بِهِ وَيُؤْثِمُ غَيْرَهُ وَيُؤَدِّي الْغَصْبُ إلَى الْبِغْضَةِ الَّتِي قُلْنَا إنَّهَا الْحَالِقَةُ وَالْغَضَبُ أَيْضًا يَمْنَعُهُ كَثِيرًا مِنْ مَنَافِعِ دُنْيَاهُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «لَا تَغْضَبْ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا تُمْضِ مَا يَبْعَثُك عَلَيْهِ غَضَبُك وَامْتَنِعْ مِنْهُ وَكُفَّ عَنْهُ، وَأَمَّا نَفْسُ الْغَضَبِ فَلَا يَمْلِكُ الْإِنْسَانُ دَفْعَهُ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُ مَا يَدْعُوهُ إلَيْهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ لَسْتُ بِحَلِيمٍ وَلَكِنِّي أَتَحَالَمُ. (فَرْعٌ) وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ امْتِنَاعَهُ مِنْ الْغَضَبِ فِي مَعَانِي دُنْيَاهُ وَمُعَامَلَتِهِ، وَأَمَّا فِيمَا يُعَادُ إلَى الْقِيَامِ بِالْحَقِّ فَالْغَضَبُ فِيهِ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا وَهُوَ الْغَضَبُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمْ بِالْجِهَادِ وَكَذَلِكَ الْغَضَبُ عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ وَإِنْكَارُهُ عَلَيْهِمْ بِمَا يَجُوزُ. وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا إلَيْهِ، وَهُوَ الْغَضَبُ عَلَى الْمُخْطِئِ إذَا عَلِمْت أَنَّ فِي إبْدَاءِ غَضَبِك عَلَيْهِ رَدْعًا لَهُ وَبَاعِثًا عَلَى الْحَقِّ. وَقَدْ رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ غَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ أَوْ احْمَرَّ وَجْهُهُ» «وَقَالَ مَالِكٌ وَلَهَا وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا شَكَا إلَيْهِ رَجُلٌ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَنَّهُ يُطَوِّلُ بِهِمْ فِي الصَّلَاةِ» ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا تَغْضَبْ» قَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْغَضَبِ قَلِيلَ الْمِلْكِ لِنَفْسِهِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ مَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ نَقْصٌ فِي دِينِهِ وَحَالِهِ مِنْ جِهَةِ الْغَضَبِ فَخَصَّهُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ» الصُّرَعَةُ الَّذِي يَصْرَعُ النَّاسَ وَيَكْثُرُ مِنْهُ ذَلِكَ كَمَا يُقَالُ لِلَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ الضَّحِكُ ضُحَكَةً، وَاَلَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ النَّوْمُ نُوَمَةً فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ» لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الشِّدَّةِ عَنْ الصُّرَعَةِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ شِدَّتَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ ﷺ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالنِّهَايَةِ فِي الشِّدَّةِ وَأَشَدُّ مِنْهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ

стр. 2123

مَا جَاءَ فِي الْمُهَاجَرَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ» قَالَ مَالِكٌ لَا أُحِبُّ التَّدَابُرَ إلَّا الْإِعْرَاضَ عَنْ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ فَتُدْبِرُ عَنْهُ بِوَجْهِك مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَنَافَسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا» ) . ــ [المنتقى] عِنْدَ الْغَضَبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهَا شِدَّةٌ لَيْسَ لَهَا كَثِيرُ مَنْفَعَةٍ، وَإِنَّمَا الشِّدَّةُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا الشِّدَّةُ الَّتِي يَمْلِكُ بِهَا نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَلِهَذَا يُقَالُ لَا كَرِيمَ إلَّا يُوسُفُ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ الْكَرَمِ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ إثْبَاتَ مَزِيَّةٍ لَهُ فِي الْكَرَمِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ لَا سَيْفَ إلَّا ذُو الْفَقَارِ وَلَا شُجَاعَ إلَّا عَلِيٌّ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَنُدِبَ بِهَذَا إلَى مِلْكِ الرَّجُلِ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ عَنْ إمْضَاءِ مَا يَقْتَضِيهِ الْغَضَبُ مِنْ أَذَى مَنْ يَمْلِكُ أَذَاهُ أَوْ مُنَازَعَةِ مَنْ يُنَازِعُهُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] . [مَا جَاءَ فِي الْمُهَاجَرَةِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ» نَصٌّ فِي الْمَنْعِ مِمَّا زَادَ عَلَى ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَأَمَّا الثَّلَاثُ لَيَالٍ فَمَنْ قَالَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ اقْتَضَى ذَلِكَ عِنْدَهُ إبَاحَةَ الْهِجْرَةِ فِيهَا، وَمَنْ مَنَعَ دَلِيلَ الْخِطَابِ احْتَمَلَ ذَلِكَ الْإِبَاحَةَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَصَدَ إلَى تَقْدِيرِ الْمَنْعِ، وَأَمَّا مَا قَصَرَ عَنْهُ فِي حُكْمِ الْمُبَاحِ إذْ لَا يَخْلُو النَّاسُ مِنْ يَسِيرِ الْمُهَاجَرَةِ وَقْتَ الْغَضَبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ نَصٌّ عَلَى مَنْعِهِ وَنَفْيُ الْبَاقِي يُطْلَبُ دَلِيلُ حُكْمِهِ فِي الشَّرْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُعْرِضُ عَنْ صَاحِبِهِ مُهَاجَرَةً لَهُ فَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَلَا يُكَلِّمُهُ فَهَذَا الْمِقْدَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ مِنْ الْمُهَاجَرَةِ، وَأَمَّا الْأَذَى فَلَا يَحِلُّ قَلِيلُهُ وَلَا كَثِيرُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا سَلَّمَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَا يُكَلِّمُهُ بِهَذَا الْمِقْدَارِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ مِنْ الْمُهَاجَرَةِ فَقَدْ قَطَعَ الْهِجْرَةَ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّةِ فِي الَّذِي يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ وَلَا يُكَلِّمُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ بَلْ يَجْتَنِبُ كَلَامَهُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُؤْذٍ لَهُ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ الشَّحْنَاءِ، وَإِنْ كَانَ مُؤْذِيًا لَهُ فَلَا يَتَبَرَّأُ مِنْهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ «الْحَدِيثُ وَفِيهِ خَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» فَلَوْلَا أَنَّ السَّلَامَ يَقْطَعُ الْهِجْرَةَ لَمَا كَانَ أَفْضَلُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يُؤْذِيهِ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ الْهِجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى مِنْ الْمُوَاصَلَةِ بِمَا لَا أَذًى فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يُؤْذِيهِ فَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْمُهَاجَرَةِ؛ لِأَنَّ الْأَذَى أَشَدُّ مِنْ الْمُهَاجَرَةِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ الْهِجْرَةُ مِنْ الْغِلِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا اعْتَزَلَ كَلَامَهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُؤْذٍ لَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَكْثَرُ ثَوَابًا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَبْدَأُ بِالْمُوَاصَلَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَتَرْكِ الْمُهَاجَرَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مَعَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِهَا أَشَدُّ مِنْ الْمُسَاعَدَةِ عَلَيْهَا. (ش) : قَوْلُهُ «لَا تَبَاغَضُوا» عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَهْيِهِ ﷺ عَنْ الْبِغْضَةِ، وَهُوَ أَنْ يَبْغُضَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ

стр. 2124

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبْ الشَّحْنَاءُ» ) . ــ [المنتقى] بَعْضًا لِغَيْرِ مَعْنًى مُوجِبٍ لِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَفِي الْمُزَنِيَّةِ لِعِيسَى بْنِ دِينَارٍ مَعْنَى لَا تَبَاغَضُوا لَا يَبْغُضْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَلَا يُبَغِّضْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا إلَى بَعْضٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «وَلَا تَحَاسَدُوا» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَحْسُدُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ عَلَى نِعْمَةٍ خَوَّلَهُ اللَّهُ إيَّاهَا وَأَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نَقُولَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ الْحَاسِدِ فَقَالَ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥] . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] وَذَلِكَ مِنْ وَجْهِ التَّحَاسُدِ، وَهَذَا يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَتَمَنَّى لِنَفْسِك مِثْلَ مَا عِنْدَ أَخِيك مِنْ أَمْرِ دِينٍ أَوْ عَمَلٍ صَالِحٍ، وَلَا تُرِيدُ أَنْ يَزُولَ مَا عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ فَهَذَا غَيْرُ مَذْمُومٍ، وَفَاعِلُهُ غَيْرُ مَذْمُومٍ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ تَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَةٍ عِنْدَ أَخِيك الْمُسْلِمِ سَوَاءً أَرَدْت انْتِقَالَهَا إلَيْك أَوْ لَمْ تُرِدْ فَهَذَا الْحَسَدُ الْمَذْمُومُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ بَلَغَنِي أَنَّ أَوَّلَ مَعْصِيَةٍ كَانَتْ الْحَسَدُ وَالْكِبْرُ وَالشُّحُّ حَسَدَ إبْلِيسُ وَتَكَبَّرَ عَلَى آدَمَ وَشَحَّ آدَم فَقِيلَ لَهُ كُلْ مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ كُلِّهَا إلَّا الَّتِي نَهَى عَنْهَا، فَشَحَّ فَأَكَلَ مِنْهَا وَفِي الْمُزَنِيَّةِ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «وَلَا تَحَاسَدُوا» أَنْ تُنَافِسَ أَخَاك فِي الشَّيْءِ حَتَّى تَحْسُدَهُ عَلَيْهِ فَيَجُرَّ ذَلِكَ إلَى الطَّعْنِ وَالْعَدَاوَةِ فَذَلِكَ الْحَسَدُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «وَلَا تَدَابَرُوا» قَالَ فِي الْمُزَنِيَّةِ يَقُولُ لَا تُعْرِضْ بِوَجْهِك عَنْ أَخِيك تُوَلِّهِ دُبُرَكَ اسْتِثْقَالًا لَهُ وَبُغْضًا بَلْ أَقْبِلْ عَلَيْهِ وَأَبْسِطْ لَهُ وَجْهَك مَا اسْتَطَعْت قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزَنِيَّةِ يُرِيدُ ظَنَّ السُّوءِ وَمَعْنَاهُ أَنْ تُعَادِيَ أَهْلَكَ وَصَدِيقَكَ عَلَى ظَنٍّ تَظُنُّهُ بِهِ دُونَ تَحْقِيقٍ، أَوْ تُحَدِّثُ بِأَمْرٍ عَلَى مَا تَظُنُّهُ فَتَنْقُلُهُ عَلَى أَنَّك قَدْ عَلِمْته، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَحْكُمَ فِي دِينِ اللَّهِ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ دُونَ إعْمَالِ نَظَرٍ وَلَا اسْتِدْلَالٍ بِدَلِيلٍ. وَقَدْ قَالَ ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦] . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مِنْهُ مَا لَيْسَ بِإِثْمٍ، وَهُوَ مَا يُوصَلُ إلَى الْحُكْمِ فِيهِ بِالنَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «وَلَا تَجَسَّسُوا» رَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ «وَلَا تَجَسَّسُوا» لَا يَلِ أَحَدُكُمْ اسْتِمَاعَ مَا يَقُولُ فِيهِ أَخُوهُ أَوْ يُقَالُ فِي أَخِيهِ وَلَا تَحَسَّسُوا أَيْ لَا تُرْسِلْ مَنْ يَسْأَلُ لَك عَمَّا يُقَالُ فِي أَخِيك مِنْ الشَّرِّ، وَمَا يُقَالُ فِيك. وَقَالَ فِي الْمُزَنِيَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى مِثْلَهُ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ هِيَ كَلِمَةٌ مُتَصَرِّفَةٌ يُرِيدُ بِهَا أَنْ لَا يَتَجَسَّسَ الْإِنْسَانُ عَلَى أُمُورِ أَخِيهِ الَّتِي يَخَافُ أَنْ يَعِيبَهُ وَيَسُبَّهُ وَلَا يُكْثِرَ السُّؤَالَ عَمَّا يَكْرَهُ أَخُوهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ مِنْ حَالِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ وَكُونُوا عَبِيدًا لِلَّهِ إخْوَانًا يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مُتَوَاخِينَ مُتَوَادِّينَ. (ش) : مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمُصَافَحَةَ بِالْأَيْدِي. وَقَدْ «قَالَ عَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ مِنْ تَمَامِ التَّحِيَّةِ الْمُصَافَحَةُ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فَصَافَحَهُ مَالِكٌ. وَقَالَ لَوْلَا أَنَّهَا بِدْعَةٌ لَعَانَقْتُك فَقَالَ سُفْيَانُ عَانَقَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَمِنْك النَّبِيُّ ﷺ لِجَعْفَرٍ حِينَ قَدِمَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ خَاصٌّ قَالَ سُفْيَانُ بَلْ هُوَ عَامٌّ مَا يَخُصُّ جَعْفَرًا يَخُصُّنَا وَمَا يَعُمُّهُ يَعُمُّنَا إذَا كُنَّا صَالِحِينَ» ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ الْمُصَافَحَةَ وَالْمُعَانَقَةَ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُحْتَمَلُ

стр. 2125

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا إلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» مَالِكٌ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إلَّا عَبْدًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: اُتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا اُتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا» ) . ــ [المنتقى] أَنْ يُرِيدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي الْحَدِيثِ بِالْمُصَافَحَةِ أَنْ يُصْفِحَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ مِنْ الصَّفْحِ وَهُوَ التَّجَاوُزُ وَالْغُفْرَانُ وَهُوَ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُذْهِبُ الْغِلَّ فِي الْأَغْلَبِ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ لِمَنْعِ الْمُصَافَحَةِ بِالْيَدِ لِقَوْلِهِ ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] وَلَمْ يَذْكُرْ مُصَافَحَةً، وَقَوْلُهُ ﷺ «يُذْهِبُ الْغِلَّ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْعَدَاوَةَ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا صَفَحَ عَنْ أَخِيهِ، وَصَفَحَ عَنْهُ أَخُوهُ ذَهَبَ مَا فِي أَنْفُسِهِمَا مِنْ الْغِلِّ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا إذَا تَصَافَحَا بِالْأَيْدِي لِأَنَّهَا نِهَايَةُ مَا يَتَوَدَّدُ بِهِ الْمُسْلِمُ وَالْمُوَاصِلُ عَلَى قَوْلِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ أَسْبَابِ التَّوَاصُلِ الَّتِي تُؤَكِّدُ الْمَوَدَّةَ. وَقَدْ «قَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ الْهَدِيَّةَ. وَقَالَ لَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْت» ، وَهَذَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَانَ يُثِيبُ عَلَى الْهِدَايَةِ، وَالثَّانِي أَنَّ فَضْلَهُ وَعِصْمَتَهُ ثَبَتَتْ بِالْبَرَاهِينِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي وَقَعَ بِهَا الْعِلْمُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ مِمَّنْ إلَيْهِ النَّظَرُ فِي أُمُورِ النَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ أَوْ حَاكِمٍ فَلَا. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يُصْفَحُ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ، وَيَثْبُتُ فِيهَا لِكَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ الدَّرَجَةُ الرَّفِيعَةُ فَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ فَتْحِ أَبْوَابِهَا، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِفَتْحِ الْأَبْوَابِ عَنْ الْإِقْبَالِ عَلَى الْأَمْرِ وَالْإِنْعَامِ فَيُقَالُ فَتَحَ فُلَانٌ بَابَ طَعَامِهِ وَبَابَ عَطَائِهِ فَلَا يُغْلِقُهُ عَنْ أَحَدٍ، وَيُقَالُ فِي مُشَاهَدَةِ حَرْبِ الْعَدُوِّ قَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وُجِدَتْ أَسْبَابُ دُخُولِهَا وَغُفْرَانُ الذُّنُوبِ الْمَانِعَةِ مِنْهَا وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ تُعْرَضُ أَعْمَالُ الْعِبَادِ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إلَّا عَبْدًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ عَرْضَ أَعْمَالِ الْمُؤْمِنِ بِمَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ الْغُفْرَانِ لَهُ فَهُوَ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِأَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ قَدْ فُتِحَتْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَتْحُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ عَلَامَةً عَلَى الْغُفْرَانِ وَالْإِحْسَانِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَيُبَيِّنُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ ﷺ «فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْغُفْرَانَ الَّذِي يَكُونُ بِمَعْنَى فَتْحِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَيَكُونُ فَتْحُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ عَلَامَةً عَلَيْهِ تَعُمُّ كُلَّ مُسْلِمٍ إلَّا مَنْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ تَحْذِيرًا مِنْ بَقَاءِ الشَّحْنَاءِ، وَهِيَ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَحَضًّا عَلَى الْإِقْلَاعِ عَنْ ذَلِكَ وَالرُّجُوعِ عَنْهُ إلَى التَّوَدُّدِ وَالْمُؤَاخَاةِ قَالَ اللَّهُ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «فَقَالَ أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَخِّرُوا الْغُفْرَانَ لَهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ اُتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا أَيْ يَرْجِعَا إلَى الصُّلْحِ، أَوْ اُتْرُكُوا هَذَيْنِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَبْيِينًا مِنْ الرَّاوِي وَمَعْنَى اُتْرُكُوا أَخِّرُوا يُقَالُ تَرَكْت الشَّيْءَ أَخَّرْته وَتَرَكْت فِي الْأَمْرِ أَخَّرْت قَالَهُ صَاحِبُ الْأَفْعَالِ.

стр. 2126

مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ لِلْجَمَالِ بِهَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَنِي أَنْمَارٍ قَالَ جَابِرٌ فَبَيْنَا أَنَا نَازِلٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ إذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْبَلَ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلُمَّ إلَى الظِّلِّ قَالَ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُمْت إلَى غِرَارَةٍ لَنَا فَالْتَمَسْت فِيهَا شَيْئًا فَوَجَدْت فِيهَا جِرْوَ قِثَّاءٍ فَكَسَّرْته ثُمَّ قَرَّبْته إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟ قَالَ فَقُلْت خَرَجْنَا بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ الْمَدِينَةِ قَالَ جَابِرٌ وَعِنْدَنَا صَاحِبٌ لَنَا نُجَهِّزُهُ يَذْهَبُ يَرْعَى قَالَ فَجَهَّزْته، ثُمَّ أَدْبَرَ يَذْهَبُ فِي الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ لَهُ قَدْ خَلُقَا قَالَ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِ فَقَالَ أَمَا لَهُ ثَوْبَانِ غَيْرَ هَذَيْنِ فَقُلْت: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُ ثَوْبَانِ فِي الْعَيْبَةِ كَسَوْته إيَّاهُمَا قَالَ فَادْعُهُ فَمُرْهُ فَلْيَلْبَسْهُمَا قَالَ فَدَعْوَته فَلَبِسَهُمَا، ثُمَّ وَلَّى يَذْهَبُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا لَهُ ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا لَهُ قَالَ فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ فَقُتِلَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) . ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ لِلْجَمَالِ بِهَا] (ش) : قَوْلُ جَابِرٍ ﵁ فَقُمْت إلَى غِرَارَةٍ لَنَا فَالْتَمَسْت فِيهَا شَيْئًا فَوَجَدْت فِيهَا جِرْوُ قِثَّاءٍ وَالْجِرْوُ الْقِثَّاءَةُ الصَّحِيحَةُ، وَقِيلَ الْمُسْتَطِيلَةُ وَقِيلَ الصَّغِيرَةُ، حَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيُّ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْجِرْوُ صَغِيرُ الْقِثَّاءِ وَالرُّمَّانِ وَجَمْعُهُ أَجْرَاءُ وَجَمْعُ الْجَمْعِ أُجَرٌ، وَقَوْلُهُ فَكَسَّرْته ثُمَّ قَرَّبْته إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعْنَى كَسَّرَهُ لَهُ أَنْ يَسْهُلَ تَنَاوُلُهُ وَيَكْثُرَ عَدَدُهُ، وَهُوَ فِي الْأَغْلَبِ مِمَّا يَفْعَلُهُ الْآكِلُ بِالْكَبِيرِ مِنْهَا فَلَعَلَّ جَابِرًا أَسْمَاهُ بِاسْمِ الصَّغِيرِ تَحْقِيرًا لِمَا قَدَّمَهُ فَكَفَاهُ مُؤْنَةَ الْعَمَلِ، ثُمَّ قَرَّبَهُ إلَيْهِ لِيَأْكُلَهُ فَقَالَ لِجَابِرٍ مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا لَمَّا عَلِمَ مِنْ عَدَمِهِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَتَعَذُّرِ وُجُودِهِ فِيهِ فَقَالَ جَابِرٌ: خَرَجْنَا بِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَوْلُ جَابِرٍ وَعِنْدَنَا صَاحِبٌ لَنَا نُجَهِّزُهُ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ نُهَيِّئُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي تَوَجُّهِهِ لِحِفْظِ الظَّهْرِ يُرِيدُ الْإِبِلَ الَّتِي يَرْكَبُونَ ظُهُورَهَا وَيَحْمِلُونَ عَلَيْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵁ ثُمَّ أَدْبَرَ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ لَهُ قَدْ خَلِقَا يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُمَا قَدْ بَلَغَا مِنْ ذَلِكَ مَبْلَغًا تَمُجُّهُ الْعَيْنُ وَيَخْرُجُ عَنْ عَادَةِ لِبَاسِ النَّاسِ مَعَ مَا قَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ سَعَةِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَى مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالَةِ النَّاسِ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ مِثْلِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ لِمَا يَخَافُ أَنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ شَرْعًا أَوْ مُبَاحًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اللِّبَاسِ الْمُعْتَادِ، وَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَاسَ غَيْرِ الْمُعْتَادِ وَمَا يَشْتَهِرُ بِهِ لَابِسُهُ مِنْ دُونِ الْمَلْبَسِ كَمَا كَرِهَ مَا يُشْهَرُ بِهِ صَاحِبُهُ فِي رِفْعَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي غَزْوٍ وَلَعَلَّهُ كَانَ بِقُرْبِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عَلَى أَصْحَابِهِمْ عُيُونٌ فَيَرَوْنَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ هَذَا الْمَلْبَسِ فَيَعْتَقِدُونَ فِيهِمْ مِنْ ضَعْفِ الْحَالِ مَا يُقَوِّي نُفُوسَهُمْ وَيُؤَكِّدُ طَمَعَهُمْ فِي الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ فَيَكْرَهُ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَرَادَ إظْهَارَ الْقُوَّةِ وَصَلَاحَ الْحَالِ لِتَضْعُفَ نُفُوسُهُمْ وَيَقِلَّ طَمَعُهُمْ، وَرُوِيَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «أَمَا لَهُ ثَوْبَانِ غَيْرَ هَذَيْنِ» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ يَعْرِفُ لِيَعْلَمَ هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ عَدَمٍ فَيَعْذُرُهُ أَوْ يُعِينُهُ، أَوْ يَعْلَمَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَلْبَسِ الصَّالِحِ فَيُنْكِرَ عَلَيْهِ وَيَأْمُرَ بِمَا هُوَ أَفْضَلُ لَهُ فَأَعْلَمَ جَابِرٌ أَنَّ لَهُ ثَوْبَيْنِ فِي الْعَيْبَةِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حُضُورِهِمَا، وَلَعَلَّ سُؤَالَهُ إنَّمَا تَوَجَّهَ إلَى مَا يَحْضُرُهُ مِنْ الثِّيَابِ فَأَمَرَهُ ﷺ فَلَبِسَهُمَا امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ وَأَخْذًا بِهَدْيِهِ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا لَهُ ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا لَهُ؟» وَهَذِهِ كَلِمَةٌ

стр. 2127

(ص) : (عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إذَا أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَنْظُرَ إلَى الْقَارِئِ أَبْيَضَ الثِّيَابِ) . ــ [المنتقى] تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ إنْكَارِ أَمْرٍ وَلَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الدُّعَاءَ عَلَى مَنْ يُقَالُ لَهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَعَلِمَ أَنَّ دُعَاءَ النَّبِيِّ ﷺ غَالِبًا يُسْتَجَابُ اعْتَقَدَ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ أَوْ خَافَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِ لَمَّا أَتَاهُ وَقَدْ أُخْرِجَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ إذَا عَلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّ مَا يَقُولُهُ يَكُونُ عَلَى حَسَبِ مَا يَقُولُهُ فَقَالَ لِلرَّجُلِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ قَوْلُ مَنْ تَيَقَّنَ وُقُوعَ مَا قَالَهُ ﷺ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا مِمَّا عَلِمَ مِنْ تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى لَا يَقَعَ مِنْهُ خِلَافُهُ، وَهَذَا مِنْ عَظِيمِ الْآيَاتِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف: ٩] فَأَرَادَ الرَّجُلُ أَنَّهُ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ سَيُقْتَلُ أَنْ يَكُونَ قَتْلُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَعْنَى تَوْجِيهِ قَوْلِهِ أَوْ دُعَائِهِ إلَى مَا اخْتَارَهُ الرَّجُلُ مِنْ الشَّهَادَةِ لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْخَيْرِ لَهُ وَكَانَ ﷺ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا. (فَصْلٌ) : وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَضِّ عَلَى التَّجَمُّلِ فِي الْمَلْبَسِ وَالزَّجْرِ عَنْ تَرْكِهِ، وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي لَوْنِ الْمَلْبُوسِ وَحُسْنِهِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالثَّانِي فِي الْمَلْبُوسِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ أَنَّ أَفْضَلَ زِيٍّ مَا يُلْبَسُ فِي الرَّأْسِ الْعَمَائِمُ وَهِيَ تِيجَانُ الْعَرَبِ قَالَ مَالِكٌ الْعِمَّةُ وَالِاحْتِبَاءُ وَالِانْتِعَالُ مِنْ عَمَلِ الْعَرَبِ، وَكَانَتْ الْعِمَّةُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ لَمْ تَزَلْ حَتَّى كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يُرِيدُ وُلَاةَ بَنِي هَاشِمٍ فَتَرَكْنَاهَا خَوْفًا مِنْ خِلَافِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْبَسُوهَا، وَلَمْ أُدْرِكْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ إلَّا وَهُمْ يَتَعَمَّمُونَ كُنْت أَرَى فِي حَلْقَةِ رَبِيعَةَ أَحَدًا وَثَلَاثِينَ رَجُلًا مُتَعَمِّمِينَ وَأَنَا مِنْهُمْ، وَكَانَ رَبِيعَةُ لَا يَدَعُهَا حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا قَالَ رَبِيعَةُ وَإِنِّي لَأَجِدُهَا تَزِيدُ فِي الْعَقْلِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الِاقْتِعَاطَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَهُوَ أَنْ يَتَعَمَّمَ وَلَا يَجْعَلَ تَحْتَ ذَقَنِهِ مِنْهَا شَيْئًا وَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٌ ﵀. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ الِاقْتِعَاطِ» وَفَسَّرَهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ مَالِكٌ إلَّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ وَعِنْدَ اغْتِسَالِهِ وَفِي مَرَضِهِ لَا بَأْسَ بِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يُرْخِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ الذُّؤَابَةَ أَوْ يُرْسِلُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ مَالِكٌ: لَمْ أُدْرِكْ أَحَدًا إلَّا يُرْسِلُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ إلَّا مَا كَانَ مِنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ كَانَ يُرْخِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ رَبِيعَةُ وَابْنُ هُرْمُزَ يُسْدِلَانِهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، وَلَسْت أَكْرَهُ إرْخَاءَهَا مِنْ خَلْفِهِ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ، وَلَكِنَّ هَذَا أَجْمَلُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا عِنْدِي يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ بِهِ أَظْهَرَ فَإِنَّ مُوَافَقَةَ الْجُمْهُورِ أَوْلَى وَأَصْوَبُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي الْعُتْبِيَّةِ سَأَلَ مَالِكٌ عَنْ الْقَلَانِسِ هَلْ كَانَتْ قَدِيمَةً فَقَالَ كَانَتْ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَبْلَ ذَلِكَ فِيمَا أَرَى، وَكَانَتْ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَلَنْسُوَةٌ. (ش) : قَوْلُهُ ﵁ إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَنْظُرَ إلَى الْقَارِئِ أَبْيَضَ الثِّيَابِ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ قَارِئَ الْقُرْآنِ الْمَعْرُوفَ بِذَلِكَ وَالْمَشْهُورَ بِهِ وَهُمْ كَانُوا أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ فِي زَمَنِهِ فَكَانَ ﵁ يَرْغَبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ صِفَتَهُمْ وَيَكُونَ هَذَا رَأْيَهُمْ وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ لُبْسُ الْبَيَاضِ دُونَ لُبْسِ الْمُصَبَّغَاتِ مِنْ الْمُعَصْفَرِ الْمُشَبَّعِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «خَيْرُ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضُ» . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ بِهِ نَقَاءَ ثِيَابِهِ وَسَلَامَتَهَا مِنْ الْوَضَرِ، وَأَنْ لَا تُدَنَّسَ أَلْوَانُ الثِّيَابِ وَيُغَيَّرَ بَيَاضُهَا؛ لِأَنَّ نَقَاءَ الثَّوْبِ مِنْ حُسْنِ الزِّيِّ

стр. 2128

مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ وَالذَّهَبِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ بِالْمِشْقِ وَالثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ بِالزَّعْفَرَانِ) . ــ [المنتقى] وَدَلِيلٌ عَلَى تَوَقِّي لَابِسِهِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْقَارِئِ الْعَابِدَ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ مَنْ لَمْ يُحْسِنْ يُتْقِنْ لَمْ يُحْسِنْ يَقْرَأُ يُرِيدُ وَلَمْ يَتَعَبَّدْ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ لَمْ يَسْتَحْسِنْ لِلْعِبَادِ الْخُرُوجَ عَنْ حُسْنِ الزِّيِّ إلَى الْمَلْبَسِ الْمُسْتَخْشَنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خُرُوجٌ عَنْ الْعَادَةِ وَمَدْخَلٌ فِيمَا يُشَوِّهُ. وَقَدْ قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ لِرَجُلٍ تَنَسَّكَ فَلَبِسَ الصُّوفَ رَأَيْته نَسَكَ نُسُكًا أَعْجَمِيًّا فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ عَادَةِ مِثْلِهِ، وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ لِبَاسِ الصُّوفِ الْغَلِيظِ فَقَالَ لَا خَيْرَ فِي الشُّهْرَةِ، وَلَوْ كَانَ يَلْبَسُهُ تَارَةً وَيَتْرُكُهُ تَارَةً لَرَجَوْت، وَلَا أُحِبُّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَشْتَهِرَ وَمِنْ غَلِيظِ الْقُطْنِ مَا هُوَ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ، وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ قَالَ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِذَلِكَ الرَّجُلِ فَلْيُرَ عَلَيْك مَالُكَ، وَكَانَ عُمَرُ يَكْسُو الْحُلَلَ وَقَالَ عُمَرُ: أُحِبُّ أَنْ أَرَى الْقَارِئَ أَبْيَضَ الثِّيَابِ قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا لِمَنْ وَجَدَ غَيْرَهُ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فَلَا أَكْرَهُهُ لَهُ وَاسْتَحْسَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ حُسْنَ الزِّيِّ وَالتَّجَمُّلَ بِالثِّيَابِ الْمُبَاحَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» وَسَأَلَ مَالِكٌ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] فَقَالَ أَنْ يَعِيشَ وَيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ غَيْرَ مُضَيِّقٍ عَلَيْهِ فِي رَأْيٍ، وَقَدْ شُرِعَ فِي الصَّلَاةِ التَّجَمُّلُ وَحُسْنُ الزِّيِّ وَالْهَيْئَةِ، وَمُنِعَ الِاحْتِزَامُ وَتَشْمِيرُ الْكُمَّيْنِ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِمَّا يُنَافِي زِيَّ الْوَقَارِ، وَكَذَلِكَ شُرِعَ فِي أَيَّامِ الْجُمَعِ التَّجَمُّلُ بِالْمَلْبَسِ وَالتَّطَيُّبُ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فَالْعَالِمُ مِمَّنْ يَجْتَمِعُ إلَيْهِ النَّاسُ وَيَرِدُونَ عَلَيْهِ فَشُرِعَ لَهُ التَّجَمُّلُ بِالْمَلْبَسِ دُونَ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ عَادَةِ مِثْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ إذَا أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَى الرَّجُلِ فِي مَالِهِ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَلْبَسِهِ فَيَحْمِلُ نَفْسَهُ عَلَى عَادَةِ مِثْلِهِ، وَلَا يَخْلُ بِحَالِهِ حَتَّى يُكْرَهَ النَّظَرُ إلَيْهِ وَإِلَى زِيِّهِ وَيَبْشَعُ بِذَلِكَ ذِكْرُهُ، وَقَوْلُهُ جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا اللَّفْظُ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ فَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ وَمَعْنَى جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ صَلَّى فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ أَيُّوبُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مُحَمَّدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ صَلَّى رَجُلٌ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ أَوْ فِي إزَارٍ وَقَمِيصٍ فِي إزَارٍ وَقَبَاءٍ فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ، وَأَحْسَبُهُ قَالَ فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ فَآثَرَ لِبَاسَ الثَّوْبَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ أَجْمَلُ فِي اللِّبَاسِ وَأَشْبَهُ بِزِيِّ الْوَقَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ وَالذَّهَبِ] (ش) : قَوْلُهُ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ الْمَصْبُوغَ بِالْمِشْقِ، وَهُوَ الْمُغَرَّى وَالْمَصْبُوغُ بِالزَّعْفَرَانِ يَقْتَضِي اسْتِبَاحَةَ ذَلِكَ فَأَمَّا الْمَصْبُوغُ بِالْمِشْقِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَصْبُوغُ بِالزَّعْفَرَانِ فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵁ إلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَكَرِهَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ الزَّعْفَرَانَ إنْ طُيِّبَ لَا يُحَرَّمُ عَلَى النِّسَاءِ فَلِمَ يُحَرَّمُ عَلَى الرِّجَالِ كَالْمِسْكِ وَمَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُزَعْفِرَ الرَّجُلُ» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمُحْرِمَ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ»

стр. 2129

(ص) : «قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ يَلْبَسَ الْغِلْمَانُ شَيْئًا مِنْ الذَّهَبِ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ، فَأَنَا أَكْرَهُهُ لِلرِّجَالِ لِلْكَبِيرِ مِنْهُمْ وَالصَّغِيرِ» ) . (ص) : (قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الْمَلَاحِفِ الْمُعَصْفَرَةِ فِي الْبُيُوتِ لِلرِّجَالِ وَفِي الْأَقْبِيَةِ قَالَ لَا أَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا حَرَامًا، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ اللِّبَاسِ أَحَبُّ إلَيَّ) . مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَزِّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا كَسَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ مِطْرَفَ خَزٍّ كَانَتْ عَائِشَةُ تَلْبَسُهُ) ــ [المنتقى] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالزَّعْفَرَانِ اسْتِعْمَالَهُ فِي جَسَدِهِ بِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْبِيهِ بِالنِّسَاءِ، وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ غَالِبًا فِيمَا يَعُودُ إلَى ذَاتِ الْإِنْسَانِ كَالتَّعَاظُمِ وَالتَّعَاطُرِ وَالتَّزَيُّنِ فَيُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِ إطْلَاقِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا فِيهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَطَعَنَهُ بِقَدَحٍ كَانَ مَعَهُ» ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَبَلَغَنِي أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ كَانَ يَلْبَسُ الثَّوْبَيْنِ الرِّدَاءَ وَالْإِزَارَ بِالزَّعْفَرَانِ، وَإِنِّي لَأَلْبَسُهُ وَأَسْتَحْسِنُهُ وَأَرَاهُ حَسَنًا وَلِلْأَشْيَاءِ وُجُوهٌ، وَأَمَّا السَّرَفُ فَلَا أُحِبُّهُ قَالَ مَالِكٌ وَرَأَيْت ابْنَ الْمُنْكَدِرِ يَلْبَسُ الْمَلْبَسَ بِالزَّعْفَرَانِ وَرَأَيْت ابْنَ هُرْمُزَ يَلْبَسُ الثَّوْبَيْنِ بِالزَّعْفَرَانِ. (ش) : قَوْلُ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَلْبَسَ الْغِلْمَانُ شَيْئًا مِنْ الذَّهَبِ يُرِيدُ خَاتَمًا أَوْ غَيْرَهُ وَعَلَّقَ الْمَنْعَ فِي ذَلِكَ بِالْكَرَاهَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ، وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدَهُمَا أَنْ يَكْرَهَ ذَلِكَ لِمَنْ يُلْبِسُهُمْ إيَّاهُ أَوْ يَتْرُكُ مَنْعَهُمْ مِنْهُ مِمَّنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَنْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ حَدَّ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُكْرَهَ ذَلِكَ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ وَمَنْهِيُّونَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ، وَلِذَلِكَ يُعَاقَبُونَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْأَفْعَالِ وَبِذَلِكَ قَالَ وَأَنَا أَكْرَهُ ذَلِكَ لِلْكَبِيرِ مِنْهُمْ وَالصَّغِيرِ فَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَتَعَلَّقُ بِهِمْ دُونَ أَوْلِيَائِهِمْ، وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ ﵀ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ» ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ نَهْيَهُ يَتَوَجَّهُ عَلَى الْعُمُومِ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِهِ فِي الْمُضْمَرِ وَالْمُقَدَّرِ فَكَأَنَّهُ قَالَ نَهَى النَّاسَ عَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ فَتَوَجَّهَ إلَى الْمُكَلَّفِينَ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ، وَتَوَجَّهَ إلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهَةِ ثُمَّ خَصَّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ النِّسَاءِ فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ نَهْيَهُ تَوَجَّهَ إلَى الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الرِّجَالِ خَاصَّةً فَكَرِهَ ذَلِكَ لِلصِّبْيَانِ لَمَّا كَانُوا مِنْ جِنْسِهِمْ لِئَلَّا يَعْتَادُوا ذَلِكَ عِنْد التَّكْلِيفِ كَمَا يُؤْخَذُونَ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَيُضْرَبُونَ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ لِئَلَّا يَعْتَادُوا تَرْكَهَا عِنْدَ التَّكْلِيفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ فِي الْمَلَاحِفِ الْمُعَصْفَرَةِ فِي الْبُيُوتِ وَالْأَقْبِيَةِ لِلرِّجَالِ لَا أَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا حَرَامًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: دَخَلَ عَبَّادٌ الْبَصْرِيُّ عَلَى ابْنِ هُرْمُزَ فِي بَيْتِهِ فَرَأَى فِيهَا أَسِرَّةً ثَلَاثَةً عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ فُرُشٍ وَمُسَانِدُ وَمَجَالِسُ مُعَصْفَرَةٌ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا هَذَا فَقَالَ لَهُ ابْنُ هُرْمُزَ لَيْسَ بِهَذَا بَأْسٌ، وَلَيْسَ الَّذِي يَقُولُ شَيْءٌ أَدْرَكْت النَّاسَ عَلَى هَذَا. [مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَزِّ] (ش) : قَوْلُهُ ﵁ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَسَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ مِطْرَفَ خَزٍّ يَقْتَضِي أَنَّهَا أَعْطَتْهُ إيَّاهُ لِيَلْبَسَهُ، وَلَوْ لَمْ تُرِدْ أَنْ يَلْبَسَهُ لَقَالَ أَعْطَتْهُ أَوْ وَهَبَتْهُ فَأَمَّا لَفْظُ كَسَتْ فَإِنَّمَا يَقْتَضِي وَجْهَ اللِّبَاسِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهَا تَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ وَالْخَزُّ بَزٌّ يُتَّخَذُ مِنْهُ الثِّيَابُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي إجَازَةِ لُبْسِهِ وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ تَابِعِيًّا وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَكْسُو بَنِيهِ الْخَزَّ، وَأَمَّا كُلُّ ثَوْبٍ سُدَاهُ حَرِيرٌ وَلُحْمَتُهُ وَبَرٌّ أَوْ قُطْنٌ أَوْ كَتَّانٌ أَوْ صُوفٌ فَيُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى

стр. 2130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] إبَاحَتِهِ لِلرِّجَالِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كَرَاهِيَتَهُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّمَا كَرِهَهُ لِسُدَى الْحَرِيرِ فِيهِ، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ تَحْرِيمِهِ، وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَرِيرَ أَقَلُّ أَجْزَائِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مُسْتَهْلَكٌ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ تَخْلِيصُهُ لِلِانْتِفَاعِ، وَمُمَازَجَةُ الْحَرِيرِ لِغَيْرِهِ مِنْ الْكَتَّانِ أَوْ الصُّوفِ أَوْ الْقُطْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَالثَّانِي الْعِلْمُ وَنَحْوُهُ أَنْ يُخَاطَ الثَّوْبُ بِالْحَرِيرِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ بِالْعِلْمِ مِنْ الْحَرِيرِ فِي الثَّوْبِ، وَإِنْ عَظُمَ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي الرُّخْصَةِ فِيهِ وَالصَّلَاةِ بِهِ وَرُوِيَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أُصْبُعٍ إلَى أَرْبَعٍ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ كَرِهَ مَالِكٌ لِبَاسَ الْمَلَاحِفِ فِيهَا أُصْبُعٌ أَوْ أُصْبُعَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ مِنْ حَرِيرٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ مِنْ عِلْمِ الْحَرِيرِ فِي الثَّوْبِ إلَّا الْخَيْطَ الرَّقِيقَ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ مَا رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إلَّا هَكَذَا، وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ اللَّتَيْنِ يَلِيَانِ الْإِبْهَامَ» قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَذَلِكَ فِيمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ يَعْنِي بِهَا الْإِعْلَامَ وَرَوَى سُوَيْد بْنُ غَفَلَةَ عَنْ عُمَرَ إلَّا مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ» ، وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ فِيهِ قَدْرُ أُصْبُعٍ مِنْ حَرِيرٍ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ إبَاحَةَ الْأُصْبُعِ فَمَا دُونَهُ، وَالْمَنْعُ مِمَّا زَادَ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رِوَايَةً عَنْهُ فِي إبَاحَةِ الْعِلْمِ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ حَدِيثُ عُمَرَ ﵁، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ مِنْهُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ وَإِبَاحَتِهِ عَلَى مَعْنَى نَفْيِ التَّحْرِيمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ رَأَيْت رَبِيعَةَ يَلْبَسُ الْقَلَنْسُوَةَ وَظِهَارَتُهَا وَبِطَانَتُهَا خَزٌّ، وَكَانَ إمَامًا يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ الْخَزِّ الْمَحْضِ أَوْ سُدَاهُ قُطْنٌ أَوْ كَتَّانٌ أَوْ أَنَّ رَبِيعَةَ كَانَ مِمَّنْ يَرَاهُ مُبَاحًا وَإِنَّهُ كَانَ إمَامًا يُقْتَدَى بِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا كَانَ مَحْضًا مِنْ الْحَرِيرِ فَلَا يَجُوزُ مِنْهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا يُجْعَلُ مِنْ الْحَرِيرِ جَيْبٌ لَا فِي فَرْوٍ وَلَا ثَوْبٍ قَالَ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَلَا يُصَلَّى بِقَلَنْسُوَةٍ حَرِيرٍ قَالَ مَالِكٌ قَوْمٌ يَكْرَهُونَ لِبَاسَ الْخَزِّ وَيَلْبَسُونَ قَلَانِسَ الْخَزِّ تَعَجُّبًا مِنْ اخْتِلَافِ رَأْيِهِمْ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ «رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ أَخْرَجْت إلَى أَسْمَاءَ جُبَّةً طَيَالِسِيَّةً كِسْرَوَانِيَّةً رَأَيْت لَهَا لَبِنَةَ دِيبَاجٍ وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ، فَقَالَتْ هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ حَتَّى قُبِضَتْ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى تَسْتَشْفِي بِهَا فَإِنَّ» الْحَدِيثَ إسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَمِثْلُهُ لَا يَحْتَمِلُ الِانْفِرَادَ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ مِمَّا يُخَالِفُ أَحَادِيثَ الْأَئِمَّةِ، وَلَوْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ فَإِنَّمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صُنِعَ بِهِ بَعْدَ لُبْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَرِيرَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ حَرَامٌ فَلَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ لُبْسُهُ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ فَإِنَّهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» وَرَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» فَالْمَعَانِي تَقْتَضِي مَنْعَ اللُّبْسِ لِلْحَرِيرِ، فَلَا يُلْبَسُ ثَوْبٌ مَخِيطٌ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا يُلْتَحَفُ بِهِ وَلَا يُفْتَرَشُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُتَّكَأُ عَلَيْهِ وَلَا يُتَنَقَّبُ بِهِ، وَكَذَلِكَ مَا بُطِّنَ بِحَرِيرٍ أَوْ حُشِيَ بِهِ مِثْلَ الصُّوفِ أَوْ رُقِّمَ بِهِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ الْحَرِيرُ فِيهِ كَثِيرًا. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونَ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَمَّا مَا بُسِطَ مِنْ الْحَرِيرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ قَدْ فَعَلَهُ النَّاسُ، وَأَمَّا مَا يُلْبَسُ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ وَاللِّحَافُ مِنْ اللِّبَاسِ وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ الْمَنْعُ مِمَّا يُبْسَطُ. وَقَدْ رَوَى حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ﵁ «نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ

стр. 2131

مَا يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ لُبْسُهُ مِنْ الثِّيَابِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا قَالَتْ دَخَلَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى ــ [المنتقى] أَنْ نَلْبَسَ الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْحَرِيرِ لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ «أُهْدِيَ النَّبِيُّ ﷺ ثَوْبَ حَرِيرٍ فَجَعَلْنَا نَلْمَسُهُ وَنَعْجَبُ مِنْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا» ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا مِنْ الِانْتِفَاعِ الْمُعْتَادِ، وَلِذَلِكَ جَازَ لُبْسُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لُبْسُهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا سِتْرُ الْحَرِيرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ أَنْ يُعَلَّقَ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى «جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَمَّا تَزَوَّجْت قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اتَّخَذْت أَنْمَاطًا قُلْت: وَأَنَّى لَنَا أَنْمَاطٌ فَقَالَ أَمَا أَنَّهَا سَتَكُونُ قَالَ جَابِرٌ وَعِنْدَ امْرَأَتِي نَمَطٌ فَأَنَا أَقُولُ نَحِّهِ عَنِّي وَتَقُولُ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَتَكُونُ» فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ جَابِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْمَاطًا تُعَلَّقُ بِمَعْنَى السُّتُورِ، وَأَمَّا اللِّحَافُ يَرْتَدِي فِيهِ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَلَمْ يَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَأْسًا أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهُ رَايَةٌ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِلِبَاسٍ مُعْتَادٍ. (فَصْلٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهَذَا فِي حَالِ السَّلْمِ فَأَمَّا لِبَاسُهُ فِي الْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ بِهِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ أَنَّهُ اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ. وَقَالَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِرْهَابِ عَلَى الْعَدُوِّ وَالْمُبَاهَاةِ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ لَيْسَ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ صَحِيحٌ، وَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ الْمَنْعُ مِنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ عُمُومُ قَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ» فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا لُبْسُهُ لِلْحَكَّةِ وَالْجَرَبِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ «وَأَرْخَصَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَلِلزُّبَيْرِ ﵄ فِي الْحَرِيرِ لِحَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا» ، وَهَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ «رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَكَّةٍ بِهِمَا» وَرَوَاهُ هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ «أَنَّهُمَا شَكَوْا إلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقَمْلَ فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ فِي غُزَاةٍ لَهُمَا» ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ أَرْخَصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ فِي السَّفَرِ مِنْ حَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا أَوْ وَجَعٍ كَانَ بِهِمَا فَاخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ الْإِبَاحَةِ، وَزَادَ هَمَّامُ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بِتِلْكَ الْغُزَاةِ، وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ﵀ فِي مُخْتَصَرِ أَبِي مُحَمَّدٍ لَا يُلْبَسُ الْحَرِيرُ فِي غَزْوٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا يُقْتَدَى بِهِ فِي لُبْسِهِ فِي الْغَزْوِ وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَلَغَهُ لَكِنَّهُ أَخَذَ بِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَا تَلْبِسُوا الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ فَإِنَّهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَخْتَلِفْ رُوَاتُهُ فِيهِ، وَحَدِيثُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَدْ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِيهِ عَنْ قَتَادَةَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْحَصْرِ لَا سِيَّمَا مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَخْصِيصِ كُلِّ طَائِفَةٍ بِمُدَّةٍ، وَذَلِكَ يَنْفِي مُشَارَكَتَهُمَا لِغَيْرِهِمَا فِي مُدَّتِهِمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ بِالْحَدِيثَيْنِ فَيُحْمَلُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ فِي مُدَّةِ الدُّنْيَا، وَيُحْمَلُ حَدِيثُ أَنَسٍ عَلَى الرُّخْصَةِ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ خَاصَّةً، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَنَّهُ لَبِسَهُ لُبْسًا مُسْتَمِرًّا فِي غَزْوٍ وَغَيْرِهِ، وَلَعَلَّهُ قَدْ كَانَ لَبِسَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرُ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاوِي عَلَى قَوْلِ مَنْ رَأَى التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا لَبِسَاهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ لِعَدَمِ غَيْرِهِ مِمَّا يُوَازِيهِ فَأَرْخَصَ لَهُمَا فِي لُبْسِهِ لِذَلِكَ، وَهَذَا مُبَاحٌ بِإِجْمَاعٍ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ جَازَ.

стр. 2132

عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى حَفْصَةَ خِمَارٌ رَقِيقٌ فَشَقَّتْهُ عَائِشَةُ وَكَسَتْهَا خِمَارًا كَثِيفًا مَالِكٌ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَرِيحُهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ» مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَنَظَرَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ فَقَالَ مَاذَا فُتِحَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْخَزَائِنِ؟ وَمَاذَا وَقَعَ مِنْ الْفِتَنِ كَمْ مِنْ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْقِظُوا صَوَاحِبَ الْحُجَرِ» ) . ــ [المنتقى] [مَا يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ لُبْسُهُ مِنْ الثِّيَابِ] (ش) : قَوْلُهَا دَخَلَتْ حَفْصَةُ عَلَى عَائِشَةَ وَعَلَى حَفْصَةَ خِمَارٌ رَقِيقٌ يُحْتَمَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ أَنْ يَكُونَ مَعَ رِقَّتِهِ مِنْ الْخِفَّةِ مَا يَصِفُ مَا تَحْتَهُ مِنْ الشَّعْرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ رَقِيقًا لَا يَسْتُرُ الْأَعْضَاءَ وَإِنْ كَانَ صَفِيقًا لِشِدَّةِ رِقَّتِهِ وَلُصُوقِهِ بِالْأَعْضَاءِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فِي الْخِمَارِ فَكَرِهَتْ لَهَا عَائِشَةُ ﵂ ذَلِكَ، وَشَقَّتْهُ لِتَمْنَعَهَا الِاخْتِمَارَ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَأَعْطَتْهَا مَا تَخْتَمِرُ بِهِ خِمَارًا كَثِيفًا تَتَّخِذُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِثْلَهُ، وَتَرَيْهَا الْجِنْسَ الَّذِي شُرِعَ لَهَا الِاخْتِمَارُ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ تَعْوِيضَهَا مِمَّا شَقَّتْهُ مِنْ خِمَارِهَا تَطْيِيبًا لِنَفْسِهَا وَرِفْقًا بِهَا. (فَصْلٌ) : وَمَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ «نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ» الْحَدِيثَ، وَقَدْ أَسْنَدَهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ «كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ» قَالَ يَلْبَسْنَ ثِيَابًا رِقَاقًا فَهُنَّ كَالْكَاسِيَاتِ بِلُبْسِهِنَّ تِلْكَ الثِّيَابَ، وَهُنَّ عَارِيَّاتٌ لِأَنَّ تِلْكَ الثِّيَابَ لَا تُوَارِي مِنْهُنَّ مَا يَنْبَغِي لَهُنَّ أَنْ يَسْتُرْنَهُ مِنْ أَجْسَادِهِنَّ، وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ مِثْلَهُ. وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَارِيَّاتٌ تَلْبَسْنَ الرَّقِيقَ، وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْخِفَّةُ فَيَشِفُّ عَمَّا تَحْتَهُ، فَيُدْرِكُ الْبَصَرُ مَا تَحْتَهُ مِنْ الْمَحَاسِنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الثَّوْبَ الرَّقِيقَ الصَّفِيقَ الَّذِي لَا يَسْتُرُ الْأَعْضَاءَ بَلْ يَبْدُو حَجْمُهَا. (فَرْعٌ) قَالَ مَالِكٌ ﵀ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ نَهَى النِّسَاءَ أَنْ يَلْبَسْنَ الْقَبَاطِيَّ قَالَ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَشِفُّ فَإِنَّهَا تَصِفُ قَالَ مَالِكٌ مَعْنَى تَصِفُ أَيْ تَلْصَقُ بِالْجِلْدِ، وَسَأَلَ مَالِكٌ عَنْ الْوَصَائِفِ يَلْبَسْنَ الْأَقْبِيَةَ فَقَالَ مَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ، وَإِذَا شَدَّتْهَا عَلَيْهَا ظَهَرَ عَجُزُهَا، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لِضِيقِهِ يَصِفُ أَعْضَاءَهَا عَجُزَهَا وَغَيْرَهَا مِمَّا شُرِعَ سِتْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَرْعٌ) وَهَذَا فِي النِّسَاءِ وَأَمَّا الرِّجَالُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ السَّاتِرُ كُلُّهُ يَصِيرُ إلَى الْإِزَارِ فَإِنْ كَانَ الْإِزَارُ رَقِيقًا وَالْقَمِيصُ رَقِيقًا فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَثِيفًا فَلَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ سَرَفًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ» قَالَ فِي الْمُزَنِيَّةِ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعْنَاهُ مَائِلَاتٌ عَنْ الْحَقِّ مُمِيلَاتٌ عَنْهُ. وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ زَادَ فِي الْعُتْبِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ لِمَنْ أَطَاعَهُنَّ مِنْ الْأَزْوَاجِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَعْنَاهُ يَتَمَايَلْنَ فِي مَشْيِهِنَّ وَيَتَبَخْتَرْنَ حَتَّى يَفْتِنَّ مَنْ يَمُرَّنَّ بِهِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ نَافِعٍ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ التَّمَايُلَ فِي الْمَشْيِ إنَّمَا يُقَالُ فِيهِ مُتَمَايِلَاتٌ، وَقَوْلُهُ «لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ بِأَعْمَالِهِنَّ وَتَرْكِهِنَّ مَا نُهِينَ عَنْهُ، وَإِنْ دَخَلْنَهَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَعَفْوِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ ابْتِدَاءَ وَقْتِ دُخُولِ مَنْ نَجَا مِنْ النَّارِ وَإِنْ دَخَلْنَ الْجَنَّةَ بِمَا وَافَيْنَ مِنْ الْإِيمَانِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ النَّارِ إنْ عَاقَبَهُنَّ اللَّهُ بِمَا اكْتَسَبْنَ مِنْ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُنَّ يُمْنَعْنَ الرَّاحَةَ بِوُجُودِ رِيحِ الْجَنَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيهِ رَاحَةٌ وَتَنَعُّمٌ وَهُنَّ مَمْنُوعَاتٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ رِيحُ الْجَنَّةِ يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ يَقْتَضِي أَنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ يُنْتَفَعُ بِهِ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ مَنْ تَفَضَّلَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ يَبْعُدُ عَنْهُ مَنْ حَرَمَهُ مِنْ أَهْلِ

стр. 2133

مَا جَاءَ فِي إسْبَالِ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ ﵎ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ يَجُرُّ إزَارَهُ بَطَرًا» مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ كُلُّهُمْ يُخْبِرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ» ) ــ [المنتقى] الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي إمَّا بِبُعْدِ الْمَسَافَةِ فَلَا يَصِلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُوجَدُ مِنْهُ رِيحُهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ يُمْنَعُ إدْرَاكُهُ فَلَا يَجِدُهُ بِأَنْ كَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَنَالُ فِيهِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يُحْتَمَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ فِي حِينِ قِيَامِهِ لِلتَّهَجُّدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَامَ بِمَعْنَى رَآهُ أَوْ أَوْحَى إلَيْهِ فَنَظَرَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ اعْتِبَارًا إنَّمَا يَرَاهُ لَعَلَّهُ امْتَثَلَ قَوْلَ اللَّهِ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] وقَوْله تَعَالَى ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «مَاذَا فُتِحَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْخَزَائِنِ» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ فُتِحَ مِنْ خَزَائِنِهَا مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَا قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ لَا يَنْزِلَ إلَى الْأَرْضِ شَيْئًا مِنْهَا إلَّا بَعْدَ فَتْحِ تِلْكَ الْخَزَائِنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ فُتِحَ مِنْ خَزَائِنِ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا هُوَ سَبَبٌ لِلْفِتَنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ فُتِحَ مِنْ خَزَائِنِ الْفِتَنِ فَوَقَعَ بَعْضُ مَا كَانَ فِيهَا بِمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ أَوْ وَصَلَ إلَى مَوْضِعٍ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَالْفِتَنُ فِي هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا يُفْتَتَنُ بِهِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْفِتَنَ الَّتِي حَدَثَتْ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَانْتِهَاكِ الْحُرَمِ وَالْأَمْوَالِ وَإِفْسَادِ أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَّةٍ فِي الْآخِرَةِ» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَنْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا مُكْسَيَةً ذَاتَ حَالٍ صَالِحَةٍ وَدُنْيَا وَاسِعَةٍ، وَهِيَ فِي الْآخِرَةِ عَارِيَّةٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إذَا كُسِيَ غَيْرُهَا مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهَا كَاسِيَةٌ فِي الدُّنْيَا بِلِبَاسِ مَا قَدْ نُهِيَتْ عَنْهُ فَهِيَ تَعْرَى مِنْ أَجْلِهِ فِي الْآخِرَةِ إذَا كُسِيَ غَيْرُهَا مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «أَيْقِظُوا صَوَاحِبَ الْحُجَرِ» قَالَ فِي الْمُزَنِيَّةِ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ أَمَرَ بِإِيقَاظِ نِسَائِهِ لِلصَّلَاةِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَعْنَاهُ أَيْقِظُوا نِسَائِي يَسْمَعْنَ يُرِيدُ مَا ظَهَرَ إلَيْهِ مِنْ وُقُوعِ الْفِتَنِ وَيُحَذِّرُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ فَيَفْزَعْنَ إلَى الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ مِمَّا يُرْجَى أَنَّهُ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْهُنَّ الْفِتَنَ، وَهَذِهِ سُنَّةٌ فِي أَنْ يَفْزَعَ الْإِنْسَانُ إلَى الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَمَا يَطْرَأُ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأُمُورِ الْمُخَوِّفَةِ قَالَ اللَّهُ ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْكُسُوفِ «فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ» . [مَا جَاءَ فِي إسْبَالِ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ» يُرِيدُ كِبْرًا. وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْخُيَلَاءُ الَّذِي يَتَبَخْتَرُ فِي مَشْيِهِ، وَيَخْتَالُ فِيهِ وَيُطِيلُ ثِيَابَهُ بَطَرًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى أَنْ يُطِيلَهَا وَلَوْ اقْتَصَدَ فِي ثِيَابِهِ وَمَشْيِهِ لَكَانَ أَفْضَلَ لَهُ، قَالَ اللَّهُ ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] . وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي الْخُيَلَاءِ فِي الْحَرْبِ، وَقَالَ إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ» وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَاظُمِ عَلَى

стр. 2134

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ «سَأَلْت أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ عَنْ الْإِزَارِ فَقَالَ أَنَا أُخْبِرُك بِعِلْمٍ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إزَارَةُ الْمُؤْمِنِ إلَى إنْصَافِ سَاقَيْهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا» ) . مَا جَاءَ فِي إسْبَالِ الْمَرْأَةِ ثَوْبَهَا (ص) : (مَالِكٌ «عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ حِينَ ذَكَرَ الْإِزَارَ فَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُرْخِيهِ شِبْرًا قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ إذَا يَنْكَشِفُ عَنْهَا قَالَ فَذِرَاعًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ» ) . ــ [المنتقى] أَهْلِ الْكُفْرِ وَالِاسْتِحْقَارِ لَهُمْ وَالتَّصْغِيرِ لِشَأْنِهِمْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ» يَقْتَضِي تَعَلُّقَ هَذَا الْحُكْمِ بِمَنْ جَرَّهُ خُيَلَاءَ أَمَّا مَنْ جَرَّهُ لِطُولِ ثَوْبٍ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ أَوْ عُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْوَعِيدُ. وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ لَمَّا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَحَدَ شِقَّيْ إزَارِي يَسْتَرْخِي إلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَسْت مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلَاءَ» وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ «خَسَفَتْ الشَّمْسُ وَنَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ مُسْتَعْجِلًا حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَيْهِ» مَعْنَى ذَلِكَ لَا يَرْحَمُهُ قَالَ اللَّهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ «سَأَلْت أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ عَنْ الْإِزَارِ فَقَالَ أَنَا أُخْبِرُك بِعِلْمٍ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إزَارَةُ الْمُؤْمِنِ إلَى إنْصَافِ سَاقَيْهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا» ) . (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «إزَارَةُ الْمُؤْمِنِ إلَى إنْصَافِ سَاقَيْهِ» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ صِفَةُ لِبَاسِهِ الْإِزَارَ؛ لِأَنَّهُ يَلْبَسُ لُبْسَ الْمُتَوَاضِعِ الْمُقْتَصِدِ الْمُقْتَصِرِ عَلَى بَعْضِ الْمُبَاحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ الْمَشْرُوعَ لَهُ وَيُبَيِّنُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ ﷺ «لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَوْ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْمُسْتَحَبِّ مُبَاحٌ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لِبَاسٌ يُوَصِّلُ إلَى النَّارِ وَرَوَى أَصْبَغُ أَنَّ نَافِعًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ ﷺ «مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ» أَذَلِكَ مِنْ الْإِزَارِ فَقَالَ بَلْ مِنْ الرِّجْلَيْنِ قَالَ أَصْبَغُ قَالَ بَعْضُهُمْ مَا ذَنْبٌ لِإِزَارٍ. وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ مَا غَطَّى تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ سَاقَيْهِ بِالْإِزَارِ يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ تُصِيبَهُ النَّارُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ وَقَالَ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى وَأَصْبَغُ مِثْلَهُ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ لِهَذَا اللِّبَاسِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ إلَى نِصْفِ السَّاقِ وَالْمُبَاحُ أَنْ يَكُونَ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَالْمَحْظُورُ مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ قَصْرُ الثَّوْبِ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ الطُّولِ وَالسَّعَةِ مِمَّا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهُ لِلرَّجُلِ سَعَةَ الثَّوْبِ فِي نَفْسِهِ وَأَكْرَهُ طُولَهُ عَلَيْهِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الزَّائِدَ عَلَى الطُّولِ الْمُبَاحِ وَالزَّائِدَ عَلَى السَّعَةِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الثَّوْبُ لِبَقَاءِ الثَّوْبِ وَحِفْظِهِ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ يُسْرِعُ تَخَرُّقُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [مَا جَاءَ فِي إسْبَالِ الْمَرْأَةِ ثَوْبَهَا] (ش) : قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ حِينَ ذَكَرَ الْإِزَارَ يَعْنِي مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ وَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ تَحْتَاجُ إلَى أَنْ تُرْخِيَ إزَارَهَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ لِتَسْتُرَ بِذَلِكَ قَدَمَيْهَا وَأَسْفَلَ سَاقَيْهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَوْرَةٌ مِنْهَا فَقَالَ تُرْخِيهِ شِبْرًا يُرِيدُ تُرْخِيهِ عَلَى الْأَرْضِ شِبْرًا لِيَسْتُرَ قَدَمَيْهَا وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مِنْ سَاقَيْهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ نِسَاءَ الْعَرَبِ لَمْ يَكُنْ مِنْ

стр. 2135

مَا جَاءَ فِي الِانْتِعَالِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ وَلْتَكُنْ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ» ) . ــ [المنتقى] زِيِّهِنَّ خُفٌّ وَلَا جَوْرَبٌ كُنَّ يَلْبَسْنَ النِّعَالَ أَوْ يَمْشِينَ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَيَقْتَصِرْنَ مِنْ سَتْرِ أَرْجُلِهِنَّ عَلَى إرْخَاءِ الذَّيْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا ﵂ فِي إرْخَاءِ الذَّيْلِ شِبْرًا إذَا يَنْكَشِفُ عَنْهَا يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَكْفِيهَا فِيمَا تَسْتَتِرُ بِهِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيكَ رِجْلَيْهَا لَهُ فِي سُرْعَةِ مَشْيِهَا وَقِصَرِ الذَّيْلِ يَكْشِفُهُ عَنْهَا فَلَمَّا تَبَيَّنَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ «فَذِرَاعًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ» ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا أَبَاحَ مِنْهُ مَا أَبَاحَ لِلضَّرُورَةِ إلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ افْعَلْ وَأَرَادَ بَعْدَ الْحَظْرِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ إرْخَاءِ الذَّيْلِ ثُمَّ أَمَرَ الْمَرْأَةَ بِإِسْبَالِ مَا يَسْتُرُهَا مِنْهُ، وَذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ وَلَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتْرُكَ مَا تَسْتَتِرُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [مَا جَاءَ فِي الِانْتِعَالِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ لَا يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ نَصٌّ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُثْلَةِ وَالْمُفَارَقَةِ لِلْوَقَارِ وَمُشَابَهَةِ زِيِّ الشَّيْطَانِ كَالْأَكْلِ بِالشِّمَالِ وَهَذَا مَعَ الِاخْتِيَارِ فَأَمَّا مَعَ الضَّرُورَةِ فَذَلِكَ مُبَاحٌ وَمَنْ انْقَطَعَ شِسْعُ إحْدَى نَعْلَيْهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يَمْشِ فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ حَتَّى يُصْلِحَهَا لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيَقِفْ وَبَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا نَعْلَمُهُ أَنَّهُ مَشَى فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى أَصْلَحَ الْأُخْرَى وَلَا يَثْبُتُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَمْشِي فِي خُفٍّ وَاحِدَةٍ وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهَا لَحُمِلَ عَلَى ضَرُورَةٍ دَعَتْهَا إلَى ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَمْشِيَ فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ الْمَشْيَ الْخَفِيفَ إذَا كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ وَهُوَ أَنْ يَمْشِيَ فِي إحْدَاهُمَا مُتَشَاغِلًا بِالْإِصْلَاحِ لِلْأُخْرَى وَإِنْ كَانَ الِاخْتِيَارُ أَنْ يَقِفَ إلَى الْفَرَاغِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ حِينَئِذٍ إلَى شَيْءٍ مِمَّا يُنْكَرُ وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ لَهُ الْعَجَلَةَ وَالْإِسْرَاعَ إلَى مَا يُؤْمَنُ فَوْتُهُ فَيَكُونُ عُذْرًا لَهُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ لِأَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْحَدِيثُ إنَّمَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمَشْيِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقِفَ حَتَّى يُصْلِحَ الْأُخْرَى وَقَالَ أَصْبَغُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُطِلْ فَإِنْ طَالَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَشْيِ عِنْدِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ وَإِذَا انْتَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ مَعْنَاهُ أَنَّ التَّيَامُنَ مَشْرُوعٌ فِي ابْتِدَاءِ الْأَعْمَالِ وَاللِّبَاسِ وَأَنَّ التَّيَاسُرَ مَشْرُوعٌ فِي خَلْعِ الْمَلْبُوسِ وَتَرْكِ الْعَمَلِ وَكَانَ ﷺ يُحِبُّ التَّيَامُنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي طَهُورِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَتَرَحُّلِهِ وَشَأْنِهِ كُلِّهِ وَقَوْلُهُ ﷺ : وَلْتَكُنْ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ عَلَى مَعْنَى إيثَارِ الْيُمْنَى بِاللُّبْسِ فَتَكُونُ أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ رَجُلًا نَزَعَ نَعْلَيْهِ فَقَالَ: لِمَ خَلَعْت نَعْلَيْك لَعَلَّك تَأَوَّلْت هَذِهِ الْآيَةَ ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] قَالَ: ثُمَّ قَالَ كَعْبٌ لِلرَّجُلِ: أَتَدْرِي مَا كَانَتْ نَعْلَا مُوسَى قَالَ مَالِكٌ لَا أَدْرِي مَا أَجَابَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ كَعْبٌ كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ) . (ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَجُلًا نَزَعَ نَعْلَيْهِ فَقَالَ لَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لِمَ خَلَعْت نَعْلَيْك عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَارِ لِفِعْلِهِ، أَوْ تَوَقُّعِ أَنْ يَفْعَلَهُ عَلَى وَجْهٍ مَمْنُوعٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ خَلْعَ نَعْلَيْهِ لِصَلَاةٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَهَا مِنْ دُخُولِ مَسْجِدٍ، أَوْ دُخُولِ حَرَمٍ.

стр. 2136

مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَعَنْ الْمُنَابَذَةِ وَعَنْ أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ وَعَنْ أَنْ يَشْتَمِلَ الرَّجُلُ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ تُبَاعُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْت هَذِهِ الْحُلَّةَ فَلَبِسْتهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إذَا قَدِمُوا عَلَيْك فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّه أَكَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْت فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ــ [المنتقى] وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ لَعَلَّك تَأَوَّلْت هَذِهِ الْآيَةَ ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ خَلْعَ نَعْلَيْهِ حَالَ الْجُلُوسِ إيثَارًا لِلُبْسِهِمَا عَلَى كُلِّ الْأَحْوَالِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ فَأَمَّا دُخُولُ الْحَرَمِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِالنَّعْلَيْنِ فَمُبَاحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا وِطَاءَ عَلَيْهِمَا وَإِنَّمَا فِيهِمَا تُرَابٌ، أَوْ حَصْبَاءُ وَكَذَلِكَ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَسُئِلَ مَالِكٌ ﵀ عَنْ الطَّوَافِ فِي النَّعْلَيْنِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ اللَّهِ ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] يَقُولُ طَأْ الْأَرْضَ بِقَدَمَيْك حَافِيًا قَالَهُ مُجَاهِدٌ فَذَهَبَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ إلَى أَنَّهُ أُمِرَ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ لَمَّا كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ فَأُمِرَ أَنْ لَا يَطَأَ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ بِهِمَا لِنَجَاسَتِهِمَا وَبِذَلِكَ قَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ لَمْ تَكُونَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ ﵎ مِنْهُ أَنْ يُبَاشِرَ بِقَدَمَيْهِ بَرَكَةَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ وَهِيَ الطَّاهِرَةُ وَقِيلَ الْمُبَارَكَةُ وَقَالَ الْحَسَنُ كَانَتَا مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَيْضًا أُمِرَ مُوسَى ﷺ أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ وَلِيُبَاشِرَ الْقُدْسَ بِقَدَمَيْهِ فَجَمَعَ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ] (ش) : نَهْيُهُ ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ الِاحْتِبَاءُ هُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالثَّوْبِ عَلَى حَقْوَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَفَرْجُهُ بَادٍ وَهُوَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ تَرْتَفِقُ فِي جُلُوسِهَا وَالِاحْتِبَاءُ بِالرِّدَاءِ لِمَنْ كَانَ عَلَيْهِ إزَارٌ وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ لِمَنْ احْتَبَى بِثَوْبٍ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى فَرْجِهِ شَيْءٌ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إبْدَاءِ عَوْرَتِهِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِسَتْرِهَا وَأَمَّا الِاشْتِمَالُ فَاشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ هُوَ أَنْ يَشْتَمِلَ الرَّجُلُ بِالثَّوْبِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَيُخْرِجَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِنْ تَحْتِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِئْزَرٌ وَاشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ عِنْدَ الْعَرَبِ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا فَأَمَّا إخْرَاجُ الْيَدِ مِنْ الثَّوْبِ فَهُوَ الَّذِي يَتَّقِي مِنْهُ فِيهِ مِنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ اللَّفْظَ فَقَدْ سَمَّاهُ فِي الْحَدِيثِ اشْتِمَالًا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ أَنْ يَشْتَمِلَ الرَّجُلُ بِثَوْبٍ فَيُجَلِّلَ بِهِ جَسَدَهُ كُلَّهُ وَلَا يَرْفَعَ مِنْهُ جَانِبًا يُخْرِجُ مِنْهُ يَدَهُ قَالَ: وَرُبَّمَا اضْطَجَعَ فِيهِ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يُصِيبُهُ شَيْءٌ يُرِيدُ الِاحْتِرَاسَ مِنْهُ وَالِاتِّقَاءَ بِيَدَيْهِ فَلَا يَقْدِرُ؛ لِأَنَّهُمَا تَحْتَ ثَوْبِهِ فَهَذَا كَلَامُ الْعَرَبِ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْعَ لَا يَخْتَصُّ بِحَالِ الصَّلَاةِ بَلْ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ وَالِاضْطِبَاعُ أَنْ يُدْخِلَ الثَّوْبَ تَحْتَ يَدِهِ الْيُمْنَى فَيُلْقِيَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ مِنْ نَاحِيَةِ الصَّمَّاءِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ يَدَهُ الْيُسْرَى بَدَتْ عَوْرَتُهُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَهَذَا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِئْزَرٌ فَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَيْهِ مِئْزَرٌ فَأَجَازَهُ مَالِكٌ، ثُمَّ كَرِهَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَيْسَ بِضَيِّقٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

стр. 2137

- ﷺ لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ» ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ ﵁ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ الْحُلَّةُ ثَوْبَانِ رِدَاءٌ وَإِزَارٌ وَالسِّيَرَاءُ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ هُوَ ثَوْبٌ مُسَيَّرٌ فِيهِ خُطُوطٌ تُعْمَلُ مِنْ الْقَزِّ. وَقَالَ الْخَلِيلُ السِّيَرَاءُ الضِّلْعُ بِالْحَرِيرِ وَمَعْنَى ذَلِكَ كَثْرَةُ الْحَرِيرِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ جَمِيعُ سَدَاهُ حَرِيرًا وَبَعْضُ لُحْمَتِهِ حَرِيرًا كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِ ثُلُثِهِ فَهَذَا الَّذِي يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ السِّيَرَاءَ مَعْنًى يَعُودُ عَلَى اخْتِلَافِ أَلْوَانِهِ وَهَيْئَتِهَا وَأَنَّ الْحُلَّةَ كَانَتْ مِنْ حَرِيرٍ وَلِذَلِكَ رَوَى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُلَّةَ إسْتَبْرَقٍ وَهُوَ غَلِيظُ الْحَرِيرِ وَرَوَى نَافِعٌ حُلَّةَ حَرِيرٍ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ وَشْيٌ مِنْ حَرِيرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵁ فَلَبِسْتهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَقْتَضِي أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ شُرِعَ فِيهِ التَّجَمُّلُ وَقَوْلُهُ وَلِلْوَفْدِ إذَا قَدِمُوا عَلَيْك يَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّهُ قَدْ شُرِعَ التَّجَمُّلُ لِلْوَارِدِينَ وَالْوَافِدِينَ فِي الْمَحَافِلِ الَّتِي تَكُونُ لِغَيْرِ آيَةٍ مَخُوفَةٍ كَالزَّلَازِلِ وَالْكُسُوفِ وَعِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى التَّضَرُّعِ وَالرَّغْبَةِ كَالِاسْتِسْقَاءِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَرَّهُ عَلَى مَا دَعَا إلَيْهِ مِنْ التَّجَمُّلِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ لُبْسَ هَذَا النَّوْعِ فَثَبَتَ أَنَّ التَّجَمُّلَ إنَّمَا شُرِعَ بِالْجَمِيلِ مِنْ الْمُبَاحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَاضِحٌ فِي تَحْرِيمِهِ وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى لِبَاسِهِ وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ لَمَّا أَرْسَلَ إلَيْهِ حُلَّةً مِنْهَا كَسَوْتنِيهَا وَقَدْ قُلْت فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْت إشْفَاقًا أَنْ يَكُونَ لَحِقَهُ الْوَعِيدُ بِاللُّبْسِ وَالْوَصْفُ بِأَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَمِثْلُ عُمَرَ عَلَى فَضْلِهِ وَدِينِهِ يُشْفِقُ وَلَعَلَّهُ رَجَا أَنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ قَدْ نُسِخَ وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ أَهْدَى إلَيْهِ بِهَا لِيَلْبَسَهَا فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَكْسُهُ إيَّاهَا لِيَلْبَسَهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَعْنَى كَسَاهُ إذَا أَعْطَاهُ كِسْوَةً وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُهَا وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ ثِيَابُ الْحَرِيرِ مِمَّا يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ لُبْسُهَا جَازَ اتِّخَاذُهَا لِلُبْسِ النِّسَاءِ وَجَازَ بَيْعُهَا وَشِرَاؤُهَا وَالتِّجَارَةُ فِيهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ قِيلَ إنَّهُ كَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ، وَإِنَّهُ كَانَ مُشْرِكًا وَقَدْ أَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَسْمَاءِ أَنْ تَصِلَ أُمَّهَا وَقَدْ قَدِمَتْ عَلَيْهَا مُشْرِكَةً رَاغِبَةً فَقَالَ لَهَا صِلِي أُمَّك قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] الْآيَةُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ وَقَدْ رَقَّعَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِرِقَاعٍ ثَلَاثٍ لُبِّدَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) . (ش) : قَوْلُهُ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ يُرِيدُ الْحَالَةَ الَّتِي تَحْسُنُ فِيهَا مَلَابِسُ النَّاسِ وَيَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ فِي جَمَالِ الْمَلْبَسِ فَرَأَى فِي تِلْكَ الْحَالِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ ثَوْبًا يُرَقِّعُهُ فِي أَظْهَرِ مَوَاضِعِهِ وَهُوَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِرِقَاعٍ كَثِيرَةٍ قَدْ لُبِّدَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ رَقَّعَ الثَّوْبَ، ثُمَّ تَخَرَّقَ ذَلِكَ التَّرَقُّعُ فَأَعَادَ عَلَيْهِ آخَرَ وَهُوَ مَعْنَى تَلْبِيدِ الرِّقَاعِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ ﵁ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا بِبَيْتِهِ وَيَلْبَسُ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ بَيْنَ النَّاسِ لِقَوْلِهِ «إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ» وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ فَاشِيًا فِي أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ فَلَا يَشْتَهِرُ بِهِ مَنْ لَبِسَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَتَّسِعُ مَالُهُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُقَلِّلَ مَا يَأْخُذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ أَوْصَى إلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا كَثِيرًا لَا يَفِي بِهِ مَالُهُ وَلِيَسْتَعِينَ عَلَى أَدَائِهِ بِبَنِي عَدِيٍّ وَهُمْ رَهْطُهُ فَإِنْ تَأَدَّى بِذَلِكَ وَإِلَّا فَبِقُرَيْشٍ وَلَا يَعْدُوهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَأْخُذَ فِي نَفْسِهِ بِهَذَا؛ لِأَنَّ قَدْ شُهِرَتْ بِالْخِلَافَةِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الدِّينِ

стр. 2138

مَا جَاءَ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ - (ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ وَلَا بِالْآدَمِ وَلَا بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبْطِ بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ ﷺ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) . ــ [المنتقى] وَإِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَتَرْتَفِعُ عَنْ مِثْلِهِ السُّمْعَةُ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِثْلُ هَذَا لِمَنْ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ مَخَافَةَ الشُّهْرَةِ عَلَيْهِ. [مَا جَاءَ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ ] (ش) : قَوْلُهُ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ الطَّوِيلُ الْبَائِنُ هُوَ الَّذِي يَضْطَرِبُ مِنْ طُولِهِ وَهُوَ عَيْبٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْأَخْفَشُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُرَادَ بِهِ وَصْفُهُ بِغَيْرِ الطُّولِ فَقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَبِينُ بِالطُّولِ حَتَّى يُوصَفَ بِهِ وَلَكِنَّهُ كَانَ لَهُ مِنْ طُولِ الْقَامَةِ مَا لَا يَبِينُ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ أَيْضًا مِمَّنْ يُوصَفُ بِالْقِصَرِ وَالْأَمْهَقُ الشَّدِيدُ الْبَيَاضِ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ حُمْرَةٌ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَشُوبًا بِحُمْرَةٍ. وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ الْأَمْهَقُ الْأَبْيَضُ بَيَاضًا لَيْسَ مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ يَخَالُهُ النَّاظِرُ إلَيْهِ بَرَصًا وَالْآدَمُ فَوْقَ الْأَسْمَرِ يَعْلُوهُ سَوَادٌ قَلِيلٌ فَوُصِفَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَهُوَ الَّذِي صَارَ لِشِدَّةِ الْجُعُودَةِ كَالْمُحْتَرِقِ كَشُعُورِ السُّودِ أَنْ يُقَالَ رَجُلٌ جَعْدٌ وَامْرَأَةٌ جَعْدَةٌ وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِالسَّبْطِ وَهُوَ الْمُسْتَرْسِلُ الشَّعْرَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَكَسُّرٌ يَنْفِي عَنْهُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَهِيَ الصِّفَةُ الْحَسَنَةُ وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ رَجِلَ الشَّعْرِ لَيْسَ بِالْجَعْدِ وَلَا بِالسَّبْطِ وَالرَّجِلُ الَّذِي كَأَنَّهُ رُجِّلَ بِالْمُشْطِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ «عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ كُنْت أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ يَعْنِي تُمَشِّطُهُ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ «مَا رَأَيْت أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ قَالَ: إنَّ جُمَّتَهُ لَتَضْرِبُ قَرِيبًا مِنْ مَنْكِبَيْهِ» قَالَ: شُعْبَةُ تَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «كَانَ شَعْرُهُ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ» وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ضَخْمَ الْقَدَمَيْنِ ضَخْمَ الرَّأْسِ وَالْيَدَيْنِ حَسَنَ الْوَجْهِ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَكَانَ سَبْطَ الْكَفَّيْنِ» وَرُوِيَ هَلْ كَانَ وَجْهُهُ ﷺ مِثْلَ السَّيْفِ فَقَالَ: مِثْلُ الْقَمَرِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَأَوْقَفَهُ عَلَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَجَمَاعَةٌ وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ بُعِثَ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَاخْتُلِفَ فِي مُقَامِهِ بِمَكَّةَ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ شِهَابٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّهُ وُلِدَ عَامَ الْفِيلِ وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً وَتُوُفِّيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً» قَالَ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ رَبِيعَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ تُوُفِّيَ ابْنُ سِتِّينَ سَنَةً وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ تُوُفِّيَ ابْنَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَتُوُفِّيَ ﷺ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ يُرِيدُ بِذَلِكَ

стр. 2139

مَا جَاءَ فِي صِفَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ وَالدَّجَّالِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رَأَيْتنِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَرَأَيْت رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ، أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَسَأَلْت مَنْ هَذَا قِيلَ هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ: إذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ فَسَأَلْت مَنْ هَذَا فَقِيلَ لِي هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ» ) . مَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ فِي الْفِطْرَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَالِاخْتِتَانُ) ــ [المنتقى] تَقْلِيلَ شَيْبِهِ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ «سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ خِضَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مَا يَخْضِبُ لَوْ شِئْت أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتِهِ فِي لَحْيَيْهِ» . وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يُسْدِلُونَ أَشْعَارَهُمْ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرَقُونَ رُءُوسَهُمْ فَسَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ سَدَلَ بَعْدَ ذَلِكَ» . [مَا جَاءَ فِي صِفَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ وَالدَّجَّالِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ أَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ يُرِيدُ فِي مَنَامِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَرَأَيْت رَجُلًا آدَمَ يُرِيدُ إلَى السُّمْرَةِ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ الرِّجَالِ يُرِيدُ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ تَرَى مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَهُ لِمَّةٌ وَهِيَ الشَّعْرَةُ تَلُمُّ بِالْمَنْكِبَيْنِ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ رَجَّلَهَا بِالْمَاءِ فَلِذَلِكَ كَانَتْ تَقْطُرُ الْمَاءَ وَلَعَلَّهُ قَدْ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِطَوَافِ الْقُدُومِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ : فَسَأَلْت مَنْ هَذَا فَقِيلَ هَذَا الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ سُمِّيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَسِيحًا لِسِيَاحَتِهِ فِي الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرَارٌ كَانَ يَمْسَحُ لِكُلِّ مَوْضِعٍ وَقِيلَ إنَّهُ مُسِحَ بِالْبَرَكَةِ وَقِيلَ لِحُسْنِ وَجْهِهِ وَمِنْ قَوْلِهِمْ عَلَى وَجْهِ فُلَانٍ مَسْحَةُ جَمَالٍ وَسُمِّيَ الدَّجَّالُ مَسِيحًا؛ لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيُّ سُمِّيَ ابْنُ مَرْيَمَ مَسِيحًا؛ لِأَنَّهُ مُسِحَ بِالْبَرَكَةِ حِينَ وُلِدَ وَسُمِّيَ الدَّجَّالُ مَسِيحًا بِالتَّخْفِيفِ مِنْ سِيَاحَتِهِ وَبِالتَّثْقِيلِ؛ لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ تِلْكَ إذْ يَسْعَوْنَ الْإِقَامَةَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فَتَغْشَاهُمْ غَمَامَةٌ فَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَدْ نَزَلَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ ثُمَّ إذَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ وَأَحَادِيثُهُ عَنْهُ فِي بَعْضِهَا نَظَرٌ وَإِنْ كَانَ رَاوِيهَا قَتَادَةَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ شَبَّهَهَا بِحَبَّةِ عِنَبٍ قَدْ فُضِخَتْ فَذَهَبَ مَاؤُهَا فَصَارَتْ طَافِيَةً وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيُّ طَافِيَةٌ أَيْ مُمْتَلِئَةٌ تَكَادُ تُفْقَأُ وَكَذَلِكَ عَيْنُهُ طَافِيَةٌ قَدْ ظَهَرَتْ كَمَا يَظْهَرُ الشَّيْءُ فَوْقَ الْمَاءِ وَهُوَ عِنْدِي أَشْبَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الطَّافِيَةِ أَنَّهَا بَارِزَةٌ مِثْلَ الْعِنَبَةِ الَّتِي قَدْ طَفَتْ عَلَى الْمَاءِ وَاسْمُ الْعِنَبَةِ تَقَعُ عَلَى الْمُمْتَلِئَةِ فَيَكُونُ مَعْنَى الطَّافِيَةِ أَنَّهَا غَلَبَ عَلَى مَا يُجَاوِرُهَا مِنْ الْجِسْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [مَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ فِي الْفِطْرَةِ] (ش) : قَوْلُهُ خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ يُرِيدُ

стр. 2140

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ إبْرَاهِيمُ أَوَّلَ النَّاسِ ضَيَّفَ الضَّيْفَ وَأَوَّلَ النَّاسِ اخْتَتَنَ وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ الشَّارِبَ وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ فَقَالَ: يَا رَبِّ مَا هَذَا فَقَالَ اللَّهُ ﵎: وَقَارٌ يَا إبْرَاهِيمُ فَقَالَ: يَا رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِبِ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَهُوَ الْإِطَارُ وَلَا يَجُزُّهُ فَيُمَثِّلَ بِنَفْسِهِ) . ــ [المنتقى] وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ سُنَّةِ الدِّينِ الَّذِي يُوصَفُ بِأَنَّهُ الْفِطْرَةُ قَالَ اللَّهُ : " فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ " يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الدِّينَ الَّذِي وُلِدُوا عَلَيْهِ وَخُلِقُوا عَلَيْهِ وَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَقَصُّ الشَّارِبِ قَالَ مَالِكٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَقَوْلُهُ وَنَتْفُ الْإِبْطِ يُرِيدُ الشَّعْرَ الَّذِي تَحْتَ الْإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ يُرِيدُ شَعْرَ السُّرَّةِ وَهُوَ الِاسْتِمْدَادُ وَلَيْسَ لِقَصِّ الْأَظْفَارِ وَأَخْذِ الشَّارِبِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ حَدٌّ إذَا انْتَهَى إلَيْهِ أَعَادَهُ وَلَكِنْ إذَا طَالَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ شَعْرُ الرَّأْسِ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ حَدًّا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَالِاخْتِتَانُ الِاخْتِتَانُ هُوَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ السُّنَنِ كَقَصِّ الْأَظْفَارِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ وَاجِبٌ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِهِ بِأَنَّهُ قَرَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالْقَرَائِنِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا قَطْعُ جُزْءٍ مِنْ الْجَسَدِ ابْتِدَاءً فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ كَقَصِّ الْأَظْفَارِ وَالْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ مَوْقُوفٌ وَأَسْنَدَهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ خُولِفَ فِيهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ. (فَرْعٌ) وَاخْتُلِفَ فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ يُسْلِمُ فَيَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الِاخْتِتَانِ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ لَهُ تَرْكُهُ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَتْرُكُهُ وَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ كَاَلَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ قَطْعُهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يُخَافُ عَلَى نَفْسِهِ وَهَذَا مِنْ سَحْنُونٍ يَقْتَضِي كَوْنَهُ وَاجِبًا مُتَأَكِّدَ الْوُجُوبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا عِلَّةٍ لَمْ تَجُزْ إمَامَتُهُ وَلَا شَهَادَتُهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ تَرْكَ الْمُرُوءَةِ مُؤَثِّرٌ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ وَمَنْ تَرَكَ الِاخْتِتَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ تَرَكَ الْمُرُوءَةَ فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ وَقْتَ الِاخْتِتَانِ الصِّبَا عَلَى مَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ وَقْتُ الْإِثْغَارِ وَقِيلَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ سَبْعِ سِنِينَ إلَى الْعَشَرَةِ قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَجِّلَ قَبْلَ الْإِثْغَارِ، أَوْ يُؤَخِّرَهُ وَكُلَّمَا عَجَّلَ بَعْدَ الْإِثْغَارِ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَكُرِهَ أَنْ يَخْتَتِنَ الصَّبِيُّ ابْنَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ وَقَالَ: هَذَا مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ وَكَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُفْعَلَ لَعَلَّهُ يَخَافُ عَلَى الصَّبِيِّ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا وَقْتٌ يُفْهَمُ وَيُمْكِنُ مِنْهُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَهُوَ أَوَّلُ مَا يُؤْخَذُ بِالشَّرَائِعِ وَلِذَلِكَ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْخِفَاضُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ أُحِبُّ لِلنِّسَاءِ قَصَّ الْأَظْفَارِ وَحَلْقَ الْعَانَةِ وَالِاخْتِتَانَ مِثْلَ مَا هُوَ عَلَى الرِّجَالِ قَالَ: وَمِنْ ابْتَاعَ أَمَةً فَلْيَخْفِضْهَا إنْ أَرَادَ حَبْسَهَا وَإِنْ كَانَتْ لِلْبَيْعِ فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ وَالنِّسَاءُ يَخْفِضْنَ الْجَوَارِيَ قَالَ غَيْرُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُبَالِغَ فِي قَطْعِ الْمَرْأَةِ. وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأُمِّ عَطِيَّةَ وَكَانَتْ تَخْفِضُ اخْفِضِي وَلَا تُنْهِكِي فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ» قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ أَكْثَرُ لِمَاءِ الْوَجْهِ وَدَمِهِ وَأَحْسَنُ فِي جِمَاعِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَحْكَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ إبْرَاهِيمُ أَوَّلَ النَّاسِ ضَيَّفَ الضَّيْفَ وَأَوَّلَ النَّاسِ اخْتَتَنَ وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ الشَّارِبَ وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ فَقَالَ: يَا رَبِّ مَا هَذَا فَقَالَ اللَّهُ ﵎: وَقَارٌ يَا إبْرَاهِيمُ فَقَالَ: يَا رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِبِ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَهُوَ الْإِطَارُ وَلَا يَجُزُّهُ فَيُمَثِّلَ بِنَفْسِهِ) . (ش) : قَوْلُهُ ﵁ كَانَ إبْرَاهِيمُ أَوَّلَ مَنْ ضَيَّفَ الضَّيْفَ وَأَوَّلَ مَنْ اخْتَتَنَ وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ شَارِبَهُ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵇ اخْتَتَنَ بِالْقَدُّومِ وَهُوَ مَوْضِعٌ وَيُخَفَّفُ فَيُقَالُ الْقَدُومُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ
следующие страницы →