Полный текст (2 236 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَعَنْ الْمُنَابَذَةِ وَعَنْ أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ وَعَنْ أَنْ يَشْتَمِلَ الرَّجُلُ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ تُبَاعُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْت هَذِهِ الْحُلَّةَ فَلَبِسْتهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إذَا قَدِمُوا عَلَيْك فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّه أَكَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْت فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
ــ
[المنتقى]
وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ لَعَلَّك تَأَوَّلْت هَذِهِ الْآيَةَ ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ خَلْعَ نَعْلَيْهِ حَالَ الْجُلُوسِ إيثَارًا لِلُبْسِهِمَا عَلَى كُلِّ الْأَحْوَالِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ فَأَمَّا دُخُولُ الْحَرَمِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِالنَّعْلَيْنِ فَمُبَاحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا وِطَاءَ عَلَيْهِمَا وَإِنَّمَا فِيهِمَا تُرَابٌ، أَوْ حَصْبَاءُ وَكَذَلِكَ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَسُئِلَ مَالِكٌ ﵀ عَنْ الطَّوَافِ فِي النَّعْلَيْنِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ اللَّهِ ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] يَقُولُ طَأْ الْأَرْضَ بِقَدَمَيْك حَافِيًا قَالَهُ مُجَاهِدٌ فَذَهَبَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ إلَى أَنَّهُ أُمِرَ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ لَمَّا كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ فَأُمِرَ أَنْ لَا يَطَأَ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ بِهِمَا لِنَجَاسَتِهِمَا وَبِذَلِكَ قَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ لَمْ تَكُونَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ ﵎ مِنْهُ أَنْ يُبَاشِرَ بِقَدَمَيْهِ بَرَكَةَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ وَهِيَ الطَّاهِرَةُ وَقِيلَ الْمُبَارَكَةُ وَقَالَ الْحَسَنُ كَانَتَا مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَيْضًا أُمِرَ مُوسَى ﷺ أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ وَلِيُبَاشِرَ الْقُدْسَ بِقَدَمَيْهِ فَجَمَعَ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ]
(ش) : نَهْيُهُ ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ الِاحْتِبَاءُ هُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالثَّوْبِ عَلَى حَقْوَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَفَرْجُهُ بَادٍ وَهُوَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ تَرْتَفِقُ فِي جُلُوسِهَا وَالِاحْتِبَاءُ بِالرِّدَاءِ لِمَنْ كَانَ عَلَيْهِ إزَارٌ وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ لِمَنْ احْتَبَى بِثَوْبٍ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى فَرْجِهِ شَيْءٌ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إبْدَاءِ عَوْرَتِهِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِسَتْرِهَا وَأَمَّا الِاشْتِمَالُ فَاشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ هُوَ أَنْ يَشْتَمِلَ الرَّجُلُ بِالثَّوْبِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَيُخْرِجَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِنْ تَحْتِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِئْزَرٌ وَاشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ عِنْدَ الْعَرَبِ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا فَأَمَّا إخْرَاجُ الْيَدِ مِنْ الثَّوْبِ فَهُوَ الَّذِي يَتَّقِي مِنْهُ فِيهِ مِنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ اللَّفْظَ فَقَدْ سَمَّاهُ فِي الْحَدِيثِ اشْتِمَالًا.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ أَنْ يَشْتَمِلَ الرَّجُلُ بِثَوْبٍ فَيُجَلِّلَ بِهِ جَسَدَهُ كُلَّهُ وَلَا يَرْفَعَ مِنْهُ جَانِبًا يُخْرِجُ مِنْهُ يَدَهُ قَالَ: وَرُبَّمَا اضْطَجَعَ فِيهِ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يُصِيبُهُ شَيْءٌ يُرِيدُ الِاحْتِرَاسَ مِنْهُ وَالِاتِّقَاءَ بِيَدَيْهِ فَلَا يَقْدِرُ؛ لِأَنَّهُمَا تَحْتَ ثَوْبِهِ فَهَذَا كَلَامُ الْعَرَبِ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْعَ لَا يَخْتَصُّ بِحَالِ الصَّلَاةِ بَلْ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ وَالِاضْطِبَاعُ أَنْ يُدْخِلَ الثَّوْبَ تَحْتَ يَدِهِ الْيُمْنَى فَيُلْقِيَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ مِنْ نَاحِيَةِ الصَّمَّاءِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ يَدَهُ الْيُسْرَى بَدَتْ عَوْرَتُهُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَهَذَا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِئْزَرٌ فَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَيْهِ مِئْزَرٌ فَأَجَازَهُ مَالِكٌ، ثُمَّ كَرِهَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَيْسَ بِضَيِّقٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
стр. 2137
- ﷺ لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ» ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ الْحُلَّةُ ثَوْبَانِ رِدَاءٌ وَإِزَارٌ وَالسِّيَرَاءُ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ هُوَ ثَوْبٌ مُسَيَّرٌ فِيهِ خُطُوطٌ تُعْمَلُ مِنْ الْقَزِّ.
وَقَالَ الْخَلِيلُ السِّيَرَاءُ الضِّلْعُ بِالْحَرِيرِ وَمَعْنَى ذَلِكَ كَثْرَةُ الْحَرِيرِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ جَمِيعُ سَدَاهُ حَرِيرًا وَبَعْضُ لُحْمَتِهِ حَرِيرًا كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِ ثُلُثِهِ فَهَذَا الَّذِي يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ السِّيَرَاءَ مَعْنًى يَعُودُ عَلَى اخْتِلَافِ أَلْوَانِهِ وَهَيْئَتِهَا وَأَنَّ الْحُلَّةَ كَانَتْ مِنْ حَرِيرٍ وَلِذَلِكَ رَوَى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُلَّةَ إسْتَبْرَقٍ وَهُوَ غَلِيظُ الْحَرِيرِ وَرَوَى نَافِعٌ حُلَّةَ حَرِيرٍ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ وَشْيٌ مِنْ حَرِيرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ فَلَبِسْتهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَقْتَضِي أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ شُرِعَ فِيهِ التَّجَمُّلُ وَقَوْلُهُ وَلِلْوَفْدِ إذَا قَدِمُوا عَلَيْك يَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّهُ قَدْ شُرِعَ التَّجَمُّلُ لِلْوَارِدِينَ وَالْوَافِدِينَ فِي الْمَحَافِلِ الَّتِي تَكُونُ لِغَيْرِ آيَةٍ مَخُوفَةٍ كَالزَّلَازِلِ وَالْكُسُوفِ وَعِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى التَّضَرُّعِ وَالرَّغْبَةِ كَالِاسْتِسْقَاءِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَرَّهُ عَلَى مَا دَعَا إلَيْهِ مِنْ التَّجَمُّلِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ لُبْسَ هَذَا النَّوْعِ فَثَبَتَ أَنَّ التَّجَمُّلَ إنَّمَا شُرِعَ بِالْجَمِيلِ مِنْ الْمُبَاحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَاضِحٌ فِي تَحْرِيمِهِ وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى لِبَاسِهِ وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ لَمَّا أَرْسَلَ إلَيْهِ حُلَّةً مِنْهَا كَسَوْتنِيهَا وَقَدْ قُلْت فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْت إشْفَاقًا أَنْ يَكُونَ لَحِقَهُ الْوَعِيدُ بِاللُّبْسِ وَالْوَصْفُ بِأَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَمِثْلُ عُمَرَ عَلَى فَضْلِهِ وَدِينِهِ يُشْفِقُ وَلَعَلَّهُ رَجَا أَنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ قَدْ نُسِخَ وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ أَهْدَى إلَيْهِ بِهَا لِيَلْبَسَهَا فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَكْسُهُ إيَّاهَا لِيَلْبَسَهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَعْنَى كَسَاهُ إذَا أَعْطَاهُ كِسْوَةً وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُهَا وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ ثِيَابُ الْحَرِيرِ مِمَّا يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ لُبْسُهَا جَازَ اتِّخَاذُهَا لِلُبْسِ النِّسَاءِ وَجَازَ بَيْعُهَا وَشِرَاؤُهَا وَالتِّجَارَةُ فِيهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ قِيلَ إنَّهُ كَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ، وَإِنَّهُ كَانَ مُشْرِكًا وَقَدْ أَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَسْمَاءِ أَنْ تَصِلَ أُمَّهَا وَقَدْ قَدِمَتْ عَلَيْهَا مُشْرِكَةً رَاغِبَةً فَقَالَ لَهَا صِلِي أُمَّك قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] الْآيَةُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ وَقَدْ رَقَّعَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِرِقَاعٍ ثَلَاثٍ لُبِّدَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) .
(ش) : قَوْلُهُ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ يُرِيدُ الْحَالَةَ الَّتِي تَحْسُنُ فِيهَا مَلَابِسُ النَّاسِ وَيَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ فِي جَمَالِ الْمَلْبَسِ فَرَأَى فِي تِلْكَ الْحَالِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ ثَوْبًا يُرَقِّعُهُ فِي أَظْهَرِ مَوَاضِعِهِ وَهُوَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِرِقَاعٍ كَثِيرَةٍ قَدْ لُبِّدَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ رَقَّعَ الثَّوْبَ، ثُمَّ تَخَرَّقَ ذَلِكَ التَّرَقُّعُ فَأَعَادَ عَلَيْهِ آخَرَ وَهُوَ مَعْنَى تَلْبِيدِ الرِّقَاعِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ ﵁ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا بِبَيْتِهِ وَيَلْبَسُ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ بَيْنَ النَّاسِ لِقَوْلِهِ «إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ» وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ فَاشِيًا فِي أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ فَلَا يَشْتَهِرُ بِهِ مَنْ لَبِسَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَتَّسِعُ مَالُهُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُقَلِّلَ مَا يَأْخُذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ أَوْصَى إلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا كَثِيرًا لَا يَفِي بِهِ مَالُهُ وَلِيَسْتَعِينَ عَلَى أَدَائِهِ بِبَنِي عَدِيٍّ وَهُمْ رَهْطُهُ فَإِنْ تَأَدَّى بِذَلِكَ وَإِلَّا فَبِقُرَيْشٍ وَلَا يَعْدُوهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَأْخُذَ فِي نَفْسِهِ بِهَذَا؛ لِأَنَّ قَدْ شُهِرَتْ بِالْخِلَافَةِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الدِّينِ
стр. 2138
مَا جَاءَ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ - (ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ وَلَا بِالْآدَمِ وَلَا بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبْطِ بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ ﷺ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) .
ــ
[المنتقى]
وَإِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَتَرْتَفِعُ عَنْ مِثْلِهِ السُّمْعَةُ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِثْلُ هَذَا لِمَنْ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ مَخَافَةَ الشُّهْرَةِ عَلَيْهِ.
[مَا جَاءَ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ ]
(ش) : قَوْلُهُ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ الطَّوِيلُ الْبَائِنُ هُوَ الَّذِي يَضْطَرِبُ مِنْ طُولِهِ وَهُوَ عَيْبٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْأَخْفَشُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُرَادَ بِهِ وَصْفُهُ بِغَيْرِ الطُّولِ فَقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَبِينُ بِالطُّولِ حَتَّى يُوصَفَ بِهِ وَلَكِنَّهُ كَانَ لَهُ مِنْ طُولِ الْقَامَةِ مَا لَا يَبِينُ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ أَيْضًا مِمَّنْ يُوصَفُ بِالْقِصَرِ وَالْأَمْهَقُ الشَّدِيدُ الْبَيَاضِ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ حُمْرَةٌ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَشُوبًا بِحُمْرَةٍ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ الْأَمْهَقُ الْأَبْيَضُ بَيَاضًا لَيْسَ مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ يَخَالُهُ النَّاظِرُ إلَيْهِ بَرَصًا وَالْآدَمُ فَوْقَ الْأَسْمَرِ يَعْلُوهُ سَوَادٌ قَلِيلٌ فَوُصِفَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَهُوَ الَّذِي صَارَ لِشِدَّةِ الْجُعُودَةِ كَالْمُحْتَرِقِ كَشُعُورِ السُّودِ أَنْ يُقَالَ رَجُلٌ جَعْدٌ وَامْرَأَةٌ جَعْدَةٌ وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِالسَّبْطِ وَهُوَ الْمُسْتَرْسِلُ الشَّعْرَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَكَسُّرٌ يَنْفِي عَنْهُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَهِيَ الصِّفَةُ الْحَسَنَةُ وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ رَجِلَ الشَّعْرِ لَيْسَ بِالْجَعْدِ وَلَا بِالسَّبْطِ وَالرَّجِلُ الَّذِي كَأَنَّهُ رُجِّلَ بِالْمُشْطِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ «عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ كُنْت أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ يَعْنِي تُمَشِّطُهُ» .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ «مَا رَأَيْت أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ قَالَ: إنَّ جُمَّتَهُ لَتَضْرِبُ قَرِيبًا مِنْ مَنْكِبَيْهِ» قَالَ: شُعْبَةُ تَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «كَانَ شَعْرُهُ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ» وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ضَخْمَ الْقَدَمَيْنِ ضَخْمَ الرَّأْسِ وَالْيَدَيْنِ حَسَنَ الْوَجْهِ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَكَانَ سَبْطَ الْكَفَّيْنِ» وَرُوِيَ هَلْ كَانَ وَجْهُهُ ﷺ مِثْلَ السَّيْفِ فَقَالَ: مِثْلُ الْقَمَرِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَأَوْقَفَهُ عَلَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَجَمَاعَةٌ وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ بُعِثَ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَاخْتُلِفَ فِي مُقَامِهِ بِمَكَّةَ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ شِهَابٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّهُ وُلِدَ عَامَ الْفِيلِ وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً وَتُوُفِّيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً» قَالَ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ رَبِيعَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ تُوُفِّيَ ابْنُ سِتِّينَ سَنَةً وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ تُوُفِّيَ ابْنَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَتُوُفِّيَ ﷺ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ يُرِيدُ بِذَلِكَ
стр. 2139
مَا جَاءَ فِي صِفَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ وَالدَّجَّالِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رَأَيْتنِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَرَأَيْت رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ، أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَسَأَلْت مَنْ هَذَا قِيلَ هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ: إذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ فَسَأَلْت مَنْ هَذَا فَقِيلَ لِي هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ» ) .
مَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ فِي الْفِطْرَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَالِاخْتِتَانُ)
ــ
[المنتقى]
تَقْلِيلَ شَيْبِهِ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ «سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ خِضَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مَا يَخْضِبُ لَوْ شِئْت أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتِهِ فِي لَحْيَيْهِ» .
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يُسْدِلُونَ أَشْعَارَهُمْ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرَقُونَ رُءُوسَهُمْ فَسَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ سَدَلَ بَعْدَ ذَلِكَ» .
[مَا جَاءَ فِي صِفَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ وَالدَّجَّالِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ أَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ يُرِيدُ فِي مَنَامِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَرَأَيْت رَجُلًا آدَمَ يُرِيدُ إلَى السُّمْرَةِ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ الرِّجَالِ يُرِيدُ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ تَرَى مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَهُ لِمَّةٌ وَهِيَ الشَّعْرَةُ تَلُمُّ بِالْمَنْكِبَيْنِ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ رَجَّلَهَا بِالْمَاءِ فَلِذَلِكَ كَانَتْ تَقْطُرُ الْمَاءَ وَلَعَلَّهُ قَدْ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِطَوَافِ الْقُدُومِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ : فَسَأَلْت مَنْ هَذَا فَقِيلَ هَذَا الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ سُمِّيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَسِيحًا لِسِيَاحَتِهِ فِي الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرَارٌ كَانَ يَمْسَحُ لِكُلِّ مَوْضِعٍ وَقِيلَ إنَّهُ مُسِحَ بِالْبَرَكَةِ وَقِيلَ لِحُسْنِ وَجْهِهِ وَمِنْ قَوْلِهِمْ عَلَى وَجْهِ فُلَانٍ مَسْحَةُ جَمَالٍ وَسُمِّيَ الدَّجَّالُ مَسِيحًا؛ لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيُّ سُمِّيَ ابْنُ مَرْيَمَ مَسِيحًا؛ لِأَنَّهُ مُسِحَ بِالْبَرَكَةِ حِينَ وُلِدَ وَسُمِّيَ الدَّجَّالُ مَسِيحًا بِالتَّخْفِيفِ مِنْ سِيَاحَتِهِ وَبِالتَّثْقِيلِ؛ لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ تِلْكَ إذْ يَسْعَوْنَ الْإِقَامَةَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فَتَغْشَاهُمْ غَمَامَةٌ فَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَدْ نَزَلَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ ثُمَّ إذَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ وَأَحَادِيثُهُ عَنْهُ فِي بَعْضِهَا نَظَرٌ وَإِنْ كَانَ رَاوِيهَا قَتَادَةَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ شَبَّهَهَا بِحَبَّةِ عِنَبٍ قَدْ فُضِخَتْ فَذَهَبَ مَاؤُهَا فَصَارَتْ طَافِيَةً وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيُّ طَافِيَةٌ أَيْ مُمْتَلِئَةٌ تَكَادُ تُفْقَأُ وَكَذَلِكَ عَيْنُهُ طَافِيَةٌ قَدْ ظَهَرَتْ كَمَا يَظْهَرُ الشَّيْءُ فَوْقَ الْمَاءِ وَهُوَ عِنْدِي أَشْبَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الطَّافِيَةِ أَنَّهَا بَارِزَةٌ مِثْلَ الْعِنَبَةِ الَّتِي قَدْ طَفَتْ عَلَى الْمَاءِ وَاسْمُ الْعِنَبَةِ تَقَعُ عَلَى الْمُمْتَلِئَةِ فَيَكُونُ مَعْنَى الطَّافِيَةِ أَنَّهَا غَلَبَ عَلَى مَا يُجَاوِرُهَا مِنْ الْجِسْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ فِي الْفِطْرَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ يُرِيدُ
стр. 2140
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ إبْرَاهِيمُ أَوَّلَ النَّاسِ ضَيَّفَ الضَّيْفَ وَأَوَّلَ النَّاسِ اخْتَتَنَ وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ الشَّارِبَ وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ فَقَالَ: يَا رَبِّ مَا هَذَا فَقَالَ اللَّهُ ﵎: وَقَارٌ يَا إبْرَاهِيمُ فَقَالَ: يَا رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِبِ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَهُوَ الْإِطَارُ وَلَا يَجُزُّهُ فَيُمَثِّلَ بِنَفْسِهِ) .
ــ
[المنتقى]
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ سُنَّةِ الدِّينِ الَّذِي يُوصَفُ بِأَنَّهُ الْفِطْرَةُ قَالَ اللَّهُ : " فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ " يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الدِّينَ الَّذِي وُلِدُوا عَلَيْهِ وَخُلِقُوا عَلَيْهِ وَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَقَصُّ الشَّارِبِ قَالَ مَالِكٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَقَوْلُهُ وَنَتْفُ الْإِبْطِ يُرِيدُ الشَّعْرَ الَّذِي تَحْتَ الْإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ يُرِيدُ شَعْرَ السُّرَّةِ وَهُوَ الِاسْتِمْدَادُ وَلَيْسَ لِقَصِّ الْأَظْفَارِ وَأَخْذِ الشَّارِبِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ حَدٌّ إذَا انْتَهَى إلَيْهِ أَعَادَهُ وَلَكِنْ إذَا طَالَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ شَعْرُ الرَّأْسِ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ حَدًّا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَالِاخْتِتَانُ الِاخْتِتَانُ هُوَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ السُّنَنِ كَقَصِّ الْأَظْفَارِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ وَاجِبٌ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِهِ بِأَنَّهُ قَرَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالْقَرَائِنِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا قَطْعُ جُزْءٍ مِنْ الْجَسَدِ ابْتِدَاءً فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ كَقَصِّ الْأَظْفَارِ وَالْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ مَوْقُوفٌ وَأَسْنَدَهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ خُولِفَ فِيهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ.
(فَرْعٌ) وَاخْتُلِفَ فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ يُسْلِمُ فَيَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الِاخْتِتَانِ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ لَهُ تَرْكُهُ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَتْرُكُهُ وَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ كَاَلَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ قَطْعُهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يُخَافُ عَلَى نَفْسِهِ وَهَذَا مِنْ سَحْنُونٍ يَقْتَضِي كَوْنَهُ وَاجِبًا مُتَأَكِّدَ الْوُجُوبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا عِلَّةٍ لَمْ تَجُزْ إمَامَتُهُ وَلَا شَهَادَتُهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ تَرْكَ الْمُرُوءَةِ مُؤَثِّرٌ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ وَمَنْ تَرَكَ الِاخْتِتَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ تَرَكَ الْمُرُوءَةَ فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ وَقْتَ الِاخْتِتَانِ الصِّبَا عَلَى مَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ وَقْتُ الْإِثْغَارِ وَقِيلَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ سَبْعِ سِنِينَ إلَى الْعَشَرَةِ قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَجِّلَ قَبْلَ الْإِثْغَارِ، أَوْ يُؤَخِّرَهُ وَكُلَّمَا عَجَّلَ بَعْدَ الْإِثْغَارِ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَكُرِهَ أَنْ يَخْتَتِنَ الصَّبِيُّ ابْنَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ وَقَالَ: هَذَا مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ وَكَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُفْعَلَ لَعَلَّهُ يَخَافُ عَلَى الصَّبِيِّ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا وَقْتٌ يُفْهَمُ وَيُمْكِنُ مِنْهُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَهُوَ أَوَّلُ مَا يُؤْخَذُ بِالشَّرَائِعِ وَلِذَلِكَ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْخِفَاضُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ أُحِبُّ لِلنِّسَاءِ قَصَّ الْأَظْفَارِ وَحَلْقَ الْعَانَةِ وَالِاخْتِتَانَ مِثْلَ مَا هُوَ عَلَى الرِّجَالِ قَالَ: وَمِنْ ابْتَاعَ أَمَةً فَلْيَخْفِضْهَا إنْ أَرَادَ حَبْسَهَا وَإِنْ كَانَتْ لِلْبَيْعِ فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ وَالنِّسَاءُ يَخْفِضْنَ الْجَوَارِيَ قَالَ غَيْرُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُبَالِغَ فِي قَطْعِ الْمَرْأَةِ.
وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأُمِّ عَطِيَّةَ وَكَانَتْ تَخْفِضُ اخْفِضِي وَلَا تُنْهِكِي فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ» قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ أَكْثَرُ لِمَاءِ الْوَجْهِ وَدَمِهِ وَأَحْسَنُ فِي جِمَاعِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ إبْرَاهِيمُ أَوَّلَ النَّاسِ ضَيَّفَ الضَّيْفَ وَأَوَّلَ النَّاسِ اخْتَتَنَ وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ الشَّارِبَ وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ فَقَالَ: يَا رَبِّ مَا هَذَا فَقَالَ اللَّهُ ﵎: وَقَارٌ يَا إبْرَاهِيمُ فَقَالَ: يَا رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِبِ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَهُوَ الْإِطَارُ وَلَا يَجُزُّهُ فَيُمَثِّلَ بِنَفْسِهِ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ كَانَ إبْرَاهِيمُ أَوَّلَ مَنْ ضَيَّفَ الضَّيْفَ وَأَوَّلَ مَنْ اخْتَتَنَ وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ شَارِبَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵇ اخْتَتَنَ بِالْقَدُّومِ وَهُوَ مَوْضِعٌ وَيُخَفَّفُ فَيُقَالُ الْقَدُومُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ
стр. 2141
النَّهْيُ عَنْ الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ، أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ وَأَنْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَنْ فَرْجِهِ» مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ وَيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» ) .
مَا جَاءَ فِي الْمَسَاكِينِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ قَالُوا
ــ
[المنتقى]
الْقَدُومُ بِالتَّخْفِيفِ وَهِيَ الْقَدُومُ الْمَعْرُوفَةُ وَقِيلَ إنَّ اخْتِتَانَهُ مِنْ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِهَا وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ فَقَالَ يَا رَبِّ مَا هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْبٌ حَتَّى رَآهُ إبْرَاهِيمُ ﵇ أَوَّلَ مَنْ رَآهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْبُ مُعْتَادًا عَلَى حَسَبِ مَا هُوَ الْيَوْمَ وَلَكِنْ كَانَ إبْرَاهِيمُ أَوَّلَ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الشَّيْبُ مُعْتَادًا قَدْ رَآهُ إبْرَاهِيمُ لِجَمِيعِ النَّاسِ قَبْلَهُ مَا أَنْكَرَهُ وَقَالَ: يَا رَبِّ مَا هَذَا وَلَوْ سَأَلَ عَنْ وُقُوعِهِ بِهِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِمَعْنَاهُ كَمَا رَآهُ لِغَيْرِهِ لَمْ يُفَسِّرْهُ لَهُ بِأَنَّهُ وَقَارٌ وَلَقِيلَ لَهُ هُوَ الشَّيْبُ الَّذِي رَأَيْته لِمَنْ بَلَغَ بِسِنِّك وَلَكَانَ هُوَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ مَعْنَاهُ الْوَقَارُ وَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ ﵎ أَنْ يَزِيدَهُ مِنْ الْوَقَارِ حِينَ عَلِمَ مَعْنَاهُ وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] فَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُخَاطِبَ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ، أَوْ مَنْ شَابَ مِنْ زَمَنِ إبْرَاهِيمَ ﵇ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ خُوطِبَ بِهِ جَمِيعُ الْخَلْقِ مَنْ شَابَ وَمَنْ لَمْ يَشِبْ إلَّا أَنَّهُ جَمَعَ مَعَ الضَّعْفِ الْأَخِيرِ الشَّيْبَ؛ لِأَنَّ مِنْ الْخَلْقِ مَنْ لَمْ يَشِبْ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ جَمِيعَهُمْ يَشِيبُ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّ جَمِيعَهُمْ يَضْعُفُ بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَمُوتُ فِي الضَّعْفِ الْأَوَّلِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُوتُ حَالَ الْقُوَّةِ قَبْلَ الضَّعْفِ الثَّانِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ قَالَ اللَّهُ وَقَارٌ يَا إبْرَاهِيمُ أَخْبَرَ مَا رَآهُ مِنْهُ مَعْنَاهُ الْوَقَارُ فَسَأَلَهُ ﵇ الزِّيَادَةَ مِنْهُ إذْ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الْوَقَارَ مَحْمُودٌ مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ هَدْيِ الصَّالِحِينَ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَزِيدَهُ مِنْ الشَّيْبِ الَّذِي هُوَ الْوَقَارُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[النَّهْيُ عَنْ الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ وَنَهْيُهُ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ وَقَوْلُهُ ﷺ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْأَكْلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ وَالْجِنَّ يَأْكُلُونَ مِنْ ذَلِكَ نَهْيُهُ ﷺ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ وَقَالَ: إنَّ ذَلِكَ زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَقَدْ قِيلَ إنَّ أَكْلَهُمْ تَشَمُّمٌ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ عَلَى الْمَجَازِ مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ يَأْمُرُ ابْنَ آدَمَ أَنْ يَأْكُلَ بِشِمَالِهِ وَيَدْعُوَهُ إلَيْهِ فَأُضِيفَ الْأَكْلُ إلَيْهِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ: الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيَأْكُلْ وَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ وَلَا يَأْكُلْ وَلَا يَشْرَبْ بِشِمَالِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ.
стр. 2142
فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يَفْطَنُ النَّاسُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ» ) .
مَا جَاءَ فِي مِعَى الْكَافِرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَافَهُ ضَيْفٌ كَافِرٌ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ ثُمَّ إنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» ) .
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي الْمَسَاكِينِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ هَذَا عَنْهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ غَيْرَهُ أَشَدُّ حَالًا مِنْهُ وَاَلَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ فَيُقِيمُ بِهَذَا رَمَقَهُ وَاَلَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَالِهِ لَا حَيَاةَ لَهُ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فَمَا الْمِسْكِينُ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ وَقَالَ غَيْرُهُمْ فَمَا الْمِسْكِينُ وَهُوَ أَظْهَرُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي بُجَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، ثُمَّ الْحَارِثِيِّ عَنْ جَدَّتِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رُدُّوا الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ رُدُّوا الْمَسَاكِينَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ الظِّلْفُ بِالْكَسْرِ هُوَ ظُفْرُ كُلِّ مَا اجْتَرَّ فَحَضَّ بِذَلِكَ ﷺ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ الْمِسْكِينَ شَيْئًا وَلَا يَرُدَّهُ خَائِبًا وَإِنْ كَانَ مَا يُعْطَاهُ ظِلْفًا مُحْرَقًا وَهُوَ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْطَى وَلَا يَكَادُ أَنْ يَقْبَلَهُ الْمِسْكِينُ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ إلَّا فِي وَقْتِ الْمَجَاعَةِ وَالشِّدَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي مِعَى الْكَافِرِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَافَهُ ضَيْفٌ كَافِرٌ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ كَانَ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ الْحَنَفِيِّ وَقَالَ غَيْرُهُ كَانَ جَحَّادًا الْغِفَارِيَّ وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ تَضْيِيفِ الْكَافِرِ وَهَلْ يُؤَاكَلُ أَمْ لَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ تَرْكُ مُؤَاكَلَةِ النَّصْرَانِيِّ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَا أُرَاهُ حَرَامًا وَلَا نُصَادِقُ نَصْرَانِيًّا فَنَهَى عَنْ مُؤَاكَلَتِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى الْمُصَادَقَةِ وَأَمَّا تَضْيِيفُهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَعْنَى الِاسْتِئْلَافِ لَهُ وَرَجَاءِ إسْلَامِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَا يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ الضَّيَاعِ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَهُ حَقٌّ، عَهْدٌ أَوْ غَيْرُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ شَرِبَ لَبَنَ سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ إنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ فَشَرِبَ حِلَابَ شَاةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّ حِلَابَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ «الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» قِيلَ إنَّ الْمُؤْمِنَ يَقْتَصِرُ عَلَى الْبُلْغَةِ مِنْ الْقُوتِ وَيَقْنَعُ بِالْيَسِيرِ مِنْهُ وَيُؤْثِرُ بِبَعْضِ قُوتِهِ وَالْكَافِرُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ أَكْلَ النَّهِمِ الْحَرِيصِ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ مِنْ الْأَكْلِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يُوصَفُ بِذَلِكَ فِي الْحَالَيْنِ فَإِنْ كَانَ كَثِيرَ الْأَكْلِ كَانَ أَكْلُهُ حَالَ الْكُفْرِ أَكْثَرَ مِنْ أَكْلِهِ حِينَ إيمَانِهِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْأَكْلِ فَعَلَى ذَلِكَ وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ الْكُفَّارَ بِأَكْلِهِمْ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُمْ لَا يُمْسِكُونَ عَنْ الْأَكْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَضَيَّفُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَكَلَ حَالَ كُفْرِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ النَّهْمَةِ وَالْحِرْصِ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ فَبَلَغَ سَبْعَ شِيَاهٍ، ثُمَّ لَمَّا أَسْلَمَ وَتَأَدَّبَ بِأَدَبِ الْإِسْلَامِ وَمَا رَأَى مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يُقِيمُ أَوَدَهُ فَلَمْ يَسْتَتِمَّ إلَّا حِلَابَ شَاةٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يَسْتَتِمَّ لِذَلِكَ الثَّانِيَةَ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ لِأَنَّهُ يَذْكُرُ
стр. 2143
النَّهْيُ عَنْ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالنَّفْخِ فِي الشَّرَابِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» ) .
ــ
[المنتقى]
اسْمَ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِ طَعَامِهِ وَيَحْمَدُهُ عَلَى آخِرِهِ فَلَا يَصِلُ الشَّيْطَانُ إلَى أَكْلِ طَعَامِهِ وَلَا إلَى شُرْبِ شَرَابِهِ فَإِنَّمَا يَصِيرُ طَعَامُهُ إلَى أَمْعَائِهِ خَاصَّةً.
وَالْكَافِرُ لَا يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِ طَعَامِهِ فَيَأْكُلُ مَعَهُ الشَّيْطَانُ فَلَا يُبَارِكُ اللَّهُ فِي طَعَامِهِ وَيَصِيرُ طَعَامُهُ إلَى أَمْعَاءٍ جَمَّةٍ وَلِهَذَا تَكُونُ سَبْعَةَ أَمْعَاءٍ بِمَعْنًى لَمْ نَعْلَمْهُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ بَعْضُ هَذَا وَلَعَلَّ ذَلِكَ قَدْ وَصَلَ طَعَامُهُ إلَى سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَأَعْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ بِمَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَمَلَهُ عَلَى كَثْرَةِ الْأَكْلِ وَأَنَّهُ مِنْ أَخْلَاقِ الْكُفَّارِ وَمِمَّا يَجِبُ أَنْ يُجْتَنَبَ فَاعِلُهُ فَرَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يَأْكُلُ وَحْدَهُ حَتَّى يُؤْتَى إلَيْهِ بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَدْخَلْت رَجُلًا يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَكَلَ كَثِيرًا فَقَالَ: يَا نَافِعُ لَا تُدْخِلْ عَلَيَّ هَذَا سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ فَاقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ اسْتِدَامَةِ مُؤَاكَلَتِهِ لِكَثْرَةِ أَكْلِهِ لِمَا كَانَتْ عِنْدَهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَافِرِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ الصَّاعَ مِنْ التَّمْرِ حَتَّى يَأْكُلَ حَشَفَهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِقْدَارَ أَكْلِهِ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَبْلُغُهُ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي تَرْكِ الشِّبَعِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَبْلُغُهُ غَيْرَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَقَدْ كَانَ فِيهِ مِنْ الْأَحْوَالِ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا إيمَانُهُ مَا سُمِّيَ الْفَارُوقُ وَإِنَّمَا كَانَ يُحَذِّرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مَنْ عَلِمَ هَذَا مِنْ حَالِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ الْأَحْوَالِ الْحَسَنَةِ الَّتِي تَشْهَدُ لَهُ بِالْفَضْلِ وَلَعَلَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ أَكْلِهِ وَتَرَكَ الْحَمْدَ فِي آخِرِهِ وَتَرَكَ كَثِيرًا مِنْ سُنَّةِ الْإِسْلَامِ فِي الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ.
وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ أَبُو نَهِيكٍ رَجُلًا أَكُولًا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ قَالَ: فَأَنَا أُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ» فَمَنَعَ أَبُو نَهِيكٍ أَنْ تَكُونَ كَثْرَةُ الْأَكْلِ تُنَافِي الْإِيمَانَ وَإِنْ كَانَ خُلُقًا مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الْكُفْرِ كَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَالضَّجَرِ وَاعْتَقَدَ أَنَّ هَذَا إنَّمَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا فَأَسْلَمَ فَكَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا قَلِيلًا فَذَكَرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» وَذَكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ الْأَمْرَ تَكَرَّرَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ فِي الْحَالَيْنِ وَلَا يَكَادُ أَنْ يُوجَدَ هَذَا فِي غَيْرِهِ وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ الصَّحَابَةُ مِثْلَ هَذَا لَمَّا كَانَ الْمُعْتَادُ عِنْدَهُمْ خِلَافَهُ حِينَ ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ سُؤَالًا عَنْ سَبَبِهِ وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ ﵎ قَدْ جَعَلَ هَذَا شَائِعًا فِي كُلِّ كَافِرٍ آمَنَ وَأَظْهَرَهُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ، أَوْ فِي بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ هَذَا تَمْثِيلٌ لِكَثْرَةِ الْأَكْلِ وَقِلَّتِهِ قَالَ: وَقِيلَ إنَّهُ فِي رَجُلٍ وَاحِدٍ مَخْصُوصٍ وَقِيلَ بَلْ الْكَافِرُ الْقَلِيلُ الْأَكْلِ لَوْ أَسْلَمَ لَكَانَ أَكْلُهُ أَقَلَّ لِبَرَكَةِ التَّسْمِيَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَحْتَمِلُ عِنْدِي مِنْ التَّأْوِيلِ.
[النَّهْيُ عَنْ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالنَّفْخِ فِي الشَّرَابِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّمَا يُجَرْجِرُ الْجَرْجَرَةُ صَوْتُ وُقُوعِ الْمَاءِ فِي الْجَوْفِ وَمَعْنَى ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ فِي جَهَنَّمَ وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِأَنْ يَشْرَبَ مِنْهَا مَا يُسَمَّى مُهْلًا وَجَازَ شَرَابُهَا الَّذِي يُوصَفُ بِأَنَّهُ نَارٌ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ فَيُسَمَّى الْعَصِيرُ خَمْرًا إذَا أُرِيدَ بِهِ الْخَمْرُ وَتُسَمَّى الشِّدَّةُ مَوْتًا لِمَا كَانَ تَئُولُ إلَيْهِ وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ اسْتِعْمَالِ آنِيَةِ الْفِضَّةِ فِي
стр. 2144
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «كُنْت عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ أَسَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ فَقَالَ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ نَعَمْ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَا أُرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَبِنْ الْقَدَحَ عَنْ فِيكَ، ثُمَّ تَنَفَّسْ فَقَالَ لَهُ أَرَى الْقَذَاةَ فِيهِ قَالَ: فَأَهْرِقْهَا» ) .
ــ
[المنتقى]
الشُّرْبِ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ فَقَالَ فِيهِ الَّذِي يَأْكُلُ، أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَكْلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ ابْنِ مُسْهِرٍ وَوَجْهُ تَحْرِيمِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَا فِيهِ مِنْ السَّرَفِ وَالتَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ وَأَمَّا مُجَرَّدُ الشُّرْبِ فَلَا يَحْرُمُ كَالْبَلُّورِ الَّذِي لَهُ الثَّمَنُ الْكَثِيرُ وَرَوَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى خَرَجْنَا مَعَ حُذَيْفَةَ وَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ اتِّخَاذِهَا وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ آنِيَتِهِمَا، أَوْ آنِيَةِ أَحَدِهِمَا فِي أَكْلٍ، أَوْ شُرْبٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ آنِيَةٍ فِيهَا تَضْبِيبٌ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّهُ أَيْضًا مَمْنُوعٌ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَشْرَبَ فِيهِ إذَا كَانَتْ فِيهِ حَلْقَةُ فِضَّةٍ، أَوْ تَضْبِيبُ شُعْبَتِهِ بِهَا وَكَذَلِكَ الْمِرْآةُ تَكُونُ فِيهَا الْحَلْقَةُ مِنْ الْفِضَّةِ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَنْظُرَ فِيهَا الْوَجْهَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، أَوْ آنِيَةٍ فِيهَا شَيْءٌ مِنْهُمَا وَلَيْسَ بِثَابِتٍ وَرَوَى عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ «رَأَيْت قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ قَدْ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ قَالَ أَنَسٌ لَقَدْ سَقَيْت فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا» وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ كَانَ فِيهِ حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ لَا تُغَيِّرْ شَيْئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَرَكَهُ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ سَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ بَعْدَ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَلْحَةَ الَّذِي مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : نَهَى ﷺ عَنْ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ حَمْلًا لِأُمَّتِهِ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ؛ لِأَنَّ النَّافِخَ فِي آنِيَةِ الْمَاءِ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ مِنْ رِيقِهِ فِيهَا شَيْءٌ مَعَ النَّفْخِ فَيَتَقَذَّرُهُ النَّاظِرُ وَيُفْسِدُهُ عَلَيْهِ وَقَوْلُ الرَّجُلِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَا أُرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ يَقْتَضِي أَنَّ التَّنَفُّسَ فِي الْإِنَاءِ مِنْ مَعْنَى النَّفْخِ.
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: لَا يَنْفُخْ أَحَدٌ فِي طَعَامِهِ وَلَا شَرَابِهِ وَلَا يَتَنَفَّسْ أَحَدٌ فِي إنَاءٍ يَشْرَبُ فِيهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ الرَّجُلِ لَا أُرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَكْفِيهِ مَا يَشْرَبُ مِنْ الْمَاءِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُعِيدَ التَّنَفُّسَ فَسَمَّى مَا بَيْنَ التَّنَفُّسَيْنِ نَفَسًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَبِنْ الْقَدَحَ عَنْ فِيكَ، ثُمَّ تَنَفَّسْ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الشُّرْبَ مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ بَلْ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ إبَاحَتَهُ لَهُ وَأَمَّا مَا أَمَرَهُ بِهِ ﷺ مِنْ أَنْ يَبِينَ الْقَدَحَ عَنْ فِيهِ ثُمَّ يَتَنَفَّسَ قَلِيلًا فَرُبَّمَا يَرْجِعُ إلَى الْقَدَحِ مَعَ تَنَفُّسِهِ شَيْءٌ مِنْ رِيقِهِ، أَوْ مِنْ بَقِيَّةِ مَا فِي فِيهِ مِنْ الْمَاءِ، أَوْ غَيْرِهِ فَيَتَقَذَّرُهُ مَنْ يَشْرَبُ بَعْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ جَوَّزَ مَالِكٌ ﵀ الشُّرْبَ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵃.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ وَقَالَا هُوَ شُرْبُ الشَّيْطَانِ وَمَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ أَظْهَرُ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنِّي أَرَى الْقَذَاةَ فِيهِ يُرِيدُ فِي الْإِنَاءِ عَلَى وَجْهِ السُّؤَالِ عَنْ الْمَعَانِي الَّتِي تَدْعُوهُ إلَى النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ؛ لِأَنَّهُ مَنْ رَأَى فِي شَرَابِهِ قَذَاةً يَدْفَعُهُ عَنْ مَوْضِعِ شَرَابِهِ بِالنَّفْخِ فِيهِ فَأَعْلَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِمَا يَصِلُ بِهِ إلَى إزَالَتِهِ وَدَفْعِ ضَرَرِهِ مَعَ تَرْكِ النَّفْخِ فِيهِ وَهُوَ إرَاقَةُ بَعْضِ مَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ
стр. 2145
مَا جَاءَ فِي شُرْبِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَائِمٌ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانُوا يَشْرَبُونَ قِيَامًا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَا لَا يَرَيَانِ بِ شُرْبِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ قَائِمٌ بَأْسًا مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ قَائِمًا) .
السُّنَّةُ فِي الشُّرْبِ وَمُنَاوَلَتِهِ عَنْ الْيَمِينِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ
ــ
[المنتقى]
لِكَثْرَةِ وُجُودِهِ وَقِلَّةِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ الَّذِي يُرِيقُ مِنْهُ قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ فَأَهْرِقْهَا يَعْنِي أَخِّرْ الْإِنَاءَ عَنْ شَفَتَيْك، ثُمَّ أَهْرِقْهَا وَقَالَ غَيْرُهُ الْقَذَاةُ عُودٌ، أَوْ شَيْءٌ يَقَعُ فِيهِ يَتَأَذَّى بِهِ الشَّارِبُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الْإِنَاءِ لَبَنٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِنَّهُ يُتَوَصَّلُ إلَى إزَالَتِهِ بِمَا أَمْكَنَهُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَيُكْرَهُ النَّفْخُ فِي الطَّعَامِ كَمَا يُكْرَهُ النَّفْخُ فِي الشَّرَابِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ يُتَوَقَّعُ أَنْ يُسْرِعَ إلَيْهِ مِنْ رِيقِ النَّافِخِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ مَا يَتَقَذَّرُ بِهِ ذَلِكَ الطَّعَامُ كَمَا يَتَقَذَّرُ الشَّرَابُ.
[مَا جَاءَ فِي شُرْبِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَائِمٌ]
(ش) : وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ الشُّرْبِ قَائِمًا وَقَدْ كَرِهَهُ قَوْمٌ لِأَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِيهِ فِيهَا نَظَرٌ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمٌ قَدْ أَخْرَجَهَا فِي صَحِيحِهِ وَلَمْ يُخْرِجْهَا الْبُخَارِيُّ مِنْهَا حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا» قَالَ قَتَادَةُ فَقُلْنَا فَالْأَكْلُ قَالَ ذَلِكَ أَشَرُّ وَأَخْبَثُ وَتَابَعَهُ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ قَتَادَةَ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْأَكْلِ وَخَالَفَهُمَا شُعْبَةُ فَرَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي عَبْسٍ الْأُسْوَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَتَابَعَهُ هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ مِنْ الِاضْطِرَابِ عَلَى قَتَادَةَ مَا لَا تَحْمِلُهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِمُخَالَفَةِ أَئِمَّةَ الصَّحَابَةِ.
وَالْأَحَادِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهَا مُعَارِضَةٌ لَهَا وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ حَدَّثَنَا وَكَانَ شُعْبَةُ يَتَّقِي مِنْ حَدِيثِهِ مِمَّا لَا يُصَرِّحُ فِيهِ بِحَدَّثَنَا وَأَبُو عَبْسٍ الْأُسْوَارِيُّ غَيْرُ مَشْهُورٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ أَبِي غَطَفَانَ الْمُرِّيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَا يَشْرَبُ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ» وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ وَلَا يَحْتَمِلُ مِثْلَ هَذَا وَحَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَصَحُّ إسْنَادًا وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «سَقَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ» وَعَاصِمٌ حَافِظٌ مُتْقِنٌ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ سُفْيَانَ وَهُشَيْمٌ وَشُعْبَةُ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ الْمُغِيرَةُ مَعَ عَمَلِ الْأَئِمَّةِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِقَاءُ عَلَى مَنْ شَرِبَ قَائِمًا نَاسِيًا وَلَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ لَجَازَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ نَهَى عَنْ إنَاءِ شَرَابٍ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ أَنْ يَبْدَأَ بِشُرْبِهِ قَائِمًا قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ وَلَوْ أَسْهَمَ فِيهِ وَيَكُونُ آخِرَهُمْ شُرْبًا إنْ كَانَ سَاقِيَهُمْ وَرَوَى النَّزَّالُ بْنُ سَبْرَةَ أَنَّ عَلِيًّا شَرِبَ قَائِمًا وَقَالَ أَنَسٌ يَكْرَهُونَ هَذَا وَإِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ قَائِمًا وَحَدِيثُ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَنَاوُلُ غِذَاءٍ كَالْأَكْلِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ أَكْلِ الْقَائِمِ.
وَرُوِيَ جَوَازُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ قَائِمًا وَقَالَ النَّخَعِيُّ إنَّمَا كُرِهَ الشُّرْبُ قَائِمًا لِدَاءٍ يَأْخُذُ الْبَطْنَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2146
بِمَاءٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَشَرِبَ، ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ وَقَالَ الْأَيْمَنَ الْأَيْمَنَ» مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ فَقَالَ لِلْغُلَامِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ الْأَشْيَاخَ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْك أَحَدًا قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ» ) .
جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ قَالَ: أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ «لَقَدْ سَمِعْت صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ فَهَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ فَقَالَتْ نَعَمْ فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا ثُمَّ لَفَّتْ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ رَمَتْهُ تَحْتَ يَدَيَّ وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَذَهَبْت بِهِ فَوَجَدْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَقُمْت عَلَيْهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرْسَلَك أَبُو طَلْحَةَ؟ قَالَ: فَقُلْت: نَعَمْ، قَالَ لِطَعَامٍ؟ فَقُلْت: نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا قَالَ: فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْت بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْت أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْته فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَا فَقَالَ
ــ
[المنتقى]
[السُّنَّةُ فِي الشُّرْبِ وَمُنَاوَلَتِهِ عَنْ الْيَمِينِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ يَقْتَضِي جَوَازَ ذَلِكَ لِلشُّرْبِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشَابَ لِلْبَيْعِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغِشِّ وَالْجَهْلِ بِحَالِ الْمَبِيعِ وَقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ لَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ نَزَلَ قَبْلَ صَاحِبِهِ فَقَدْ يَنْزِلُ الْأَعْرَابِيُّ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ يَأْتِي أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَلَمْ يُقِمْهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَا يُقِمْ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ مِنْ مَجْلِسٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ» .
(فَصْلٌ) :
قَوْلُهُ فَشَرِبَ، ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ وَقَالَ الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ التَّيَامُنَ مَشْرُوعٌ فِي مُنَاوَلَةِ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ مَنْ أُتِيَ بِشَرَابٍ وَمَعَهُ غَيْرُهُ فَلْيُعْطِهِ إنْ شَرِبَ الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ.
وَقَالَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: إنَّهُ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ قِيلَ إنَّهُ كَانَ عَنْ يَسَارِهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُفَسَّرًا فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الْأَشْيَاخَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حُقُوقِهِ أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ مَا اسْتَأْذَنَهُ فِيهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ حُكْمَ التَّيَامُنِ فِي الْمُنَاوَلَةِ آكَدُ مِنْ حُكْمِ السِّنِّ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵁ لَمْ يَبْلُغْ حِينَئِذٍ الْحُلُمَ وَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ التَّيَامُنَ مِنْ دُونِ الْأَشْيَاخِ وَمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كَبِّرْ كَبِّرْ» فَإِنَّمَا ذَلِكَ مَعَ تَسَاوِي الْأَحْوَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ يُسْتَحَبُّ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَنْ يَبْدَءُوا بِالْأَيْمَنِ فَالْأَيْمَنِ فِي الْكِتَابِ بِالشَّهَادَاتِ فِي الْمَجْلِسِ وَالْوُضُوءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ]
ِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ قَالَ: أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ «لَقَدْ سَمِعْت صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ فَهَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ فَقَالَتْ نَعَمْ فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا ثُمَّ لَفَّتْ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ رَمَتْهُ تَحْتَ يَدَيَّ وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَذَهَبْت بِهِ فَوَجَدْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَقُمْت عَلَيْهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرْسَلَك أَبُو طَلْحَةَ؟ قَالَ: فَقُلْت: نَعَمْ، قَالَ لِطَعَامٍ؟ فَقُلْت: نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا قَالَ: فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْت بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْت أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْته فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَا فَقَالَ
стр. 2147
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَك فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ حَتَّى أَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلًا، أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا» )
ــ
[المنتقى]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَك فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ حَتَّى أَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلًا، أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا» ) (ش) : قَوْلُ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ لِزَوْجِهِ أُمِّ سُلَيْمٍ ﵂ لَقَدْ سَمِعْت صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ قَدْ تُبْتَلَى بِالْجُوعِ وَالْآلَامِ لِيَعْظُمَ ثَوَابُهُمْ وَتُرْفَعَ دَرَجَاتُهُمْ بِمَا رُوِيَ عَنْهُمْ مِنْ الدُّنْيَا وَلَحِقَهُمْ فِيهَا مِنْ الْجُوعِ وَالشِّدَّةِ قَالَ اللَّهُ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] وَاسْتِدْلَالُ أَبِي طَلْحَةَ عَلَى مَا بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْجُوعِ بِضَعْفِ صَوْتِهِ يَدُلُّ عَلَى صَبْرِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِمَا يَجِدُهُ مِنْ ذَلِكَ أَحَدًا وَإِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنْهُ الْجَهْدَ مَا ضَعُفَ بِهِ صَوْتُهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ فَدَعَوْهُ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا وَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشْبَعُ مِنْ أَقَلِّ الْأَقْوَاتِ وَهُوَ الشَّعِيرُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ شِبَعٌ فِي يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ وَأَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتِ الْغِنَى وَالْيَسَارِ لَا يَشْبَعُ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا دُونَ الشِّبَعِ وَيُؤْثِرُ بِمَا كَانَ يُبْلِغُهُ الشِّبَعَ لَوْ تَنَاوَلَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشْبَعُ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ الشِّبَعُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَلِذَلِكَ يُقَالُ فُلَانٌ جَائِعٌ إذَا وُصِفَ بِذَلِكَ فِي غَالِبِ أَمْرِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أَبِي طَلْحَةَ فَهَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ عَلَى وَجْهِ الْتِمَاسِ مَا يُهْدِيهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُمْسِكَ بِهِ رَمَقَهُ وَيُقَلِّلَ مِنْ ضَعْفِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ مَا عِنْدَ أَبِي طَلْحَةَ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْقُوتِ لَمَا احْتَاجَ أَنْ يَسْأَلَهَا هَلْ عِنْدَهَا شَيْءٌ أَمْ لَا هَذَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ مَالًا وَنَخْلًا وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ شِدَّةٍ شَامِلَةٍ فَقَالَتْ لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ نَعَمْ وَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ وَذَلِكَ أَفْضَلُ مَا كَانَ عِنْدَهَا يُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهَا كَانَتْ لَا تُرْسِلُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَفْضَلَ مَا عِنْدَهَا؛ وَلِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَتَفَاخَرُ بِحُسْنِ الْقِرَى وَسَعَتِهِ وَأَرْسَلَتْ بِهَذَا إلَى الْمَسْجِدِ حَيْثُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِحَضْرَةِ النَّاسِ فَلَمْ يَكُنْ يُرْسِلُ إلَّا بِمَا يُمْدَحُ بِهِ دُونَ مَا يُذَمُّ بِهِ وَقَدْ تَنَاوَلَتْ ذَلِكَ بِأَفْضَلِ مَا أَمْكَنَهَا بِأَنْ لَفَّتْ أَقْرَاصَ الشَّعِيرِ بِخِمَارٍ وَرَدَّتْ أَنَسًا بِبَعْضِهِ لِأَنَّ كُلَّ مُهْدٍ يُحِبُّ أَنْ يُجَمِّلَ هَدِيَّتَهُ وَيُحَسِّنَهَا وَيُلْبِسَهَا أَفْضَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُرَدُّ إلَيْهِ وَقَدْ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزَنِيَّةِ أَرَاهُ كَانَ مِنْ صُوفٍ، أَوْ كَتَّانٍ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ حَرِيرٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَوَجَدْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ يَقْتَضِي أَنَّهَا خَصَّتْهُ بِهَذِهِ الْهَدِيَّةِ دُونَ أَنْ تُرْسِلَهَا إلَى دَارٍ مِنْ دُورِ نِسَائِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَا عَلِمَتْ مِنْ شُمُولِ الْمَجَاعَةِ لِجَمِيعِ أَزْوَاجِهِ فَوَصَلَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِيَصْرِفَ مَا فَضَلَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ شَاءَ مِنْ الْمُوَاسَاةِ أَوْ إيثَارِ مَنْ رَأَى إيثَارَهُ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِيَامَ أَنَسٍ عَلَيْهِمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ تَوَهَّمَ مَا أَتَى بِهِ فَسَأَلَ عَنْهُ تَحَقُّقًا لَهُ فَلَمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ قَالَ لِمَنْ مَعَهُ مِنْ النَّاسِ قُومُوا وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ مَا يَحْمِلُهُ أَنَسٌ تَحْتَ يَدِهِ مِنْ الْخُبْزِ لَا يَكْفِي الْعَدَدَ الْيَسِيرَ مِنْهُمْ مَعَ الْمَجَاعَةِ وَشِدَّةِ الْحَالِ فَكَيْفَ بِأَنْ يَفْضُلَ عَنْ جَمِيعِهِمْ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ الْمَعْلُومِ الْمُعْتَادِ فِي ذَلِكَ إلَّا بِوَحْيٍ يَعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ سَيَكْفِي ذَلِكَ الْيَسِيرُ جَمِيعَهُمْ وَلَوْ جَرَى فِيهِ عَلَى
стр. 2148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْمَعْهُودِ وَقَسَمَهُ بَيْنَهُمْ لَمَا أَصَابَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا قَدْرٌ يَسِيرٌ لَا يَكَادُ يَنْتَفِعُ بِهِ إلَّا الْمَنْفَعَةَ الْيَسِيرَةَ الَّتِي لَا تُذْهِبُ جُوعًا وَلَا تَرْتَجِعُ قُوَّةً.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسٍ فَقَالَ فِيهِ «فَقَامَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى الْبَابِ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا كَانَ شَيْءٌ يَسِيرٌ قَالَ: نَعْلَمُهُ فَإِنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُ فِيهِ الْبَرَكَةَ» .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنَّمَا سَاغَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْمِلَ الْقَوْمَ إلَى طَعَامِ أَبِي طَلْحَةَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ وَقَدْ دَعَاهُ أَبُو شُعَيْبٍ خَامِسَ خَمْسَةٍ لِطَعَامٍ فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إنَّ هَذَا تَبَعٌ فَإِنْ شِئْت أَذِنْت لَهُ وَإِنْ شِئْت تَرَكْته فَقَالَ أَبُو شُعَيْبٍ قَدْ أَذِنْت لَهُ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ لَمَّا عَلِمَ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ يَسُرُّهُ ذَلِكَ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا فَغَيْرُهُ أَظْهَرُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ يَسُرُّهُ أَنْ يَحْمِلَ إلَيْهِ سَبْعِينَ، أَوْ ثَمَانِينَ رَجُلًا فَقَدْ كَانَ أَبُو شُعَيْبٍ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ وَكَانَ يَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَسُرُّهُ زِيَادَةُ وَاحِدٍ كَمَا فَعَلَ لَكِنَّهُ جَرَى فِي ذَلِكَ عَلَى مَا سَنَّهُ لِأُمَّتِهِ بَعْدَهُ لَمَّا كَانَتْ حَالُهُ تُشَارِكُهُمْ فِيهَا.
وَأَمَّا قِصَّةُ أَبِي طَلْحَةَ فَتَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي الطَّعَامِ الَّتِي بِهَا كَفَى الْعَدَدَ الْكَثِيرَ لَمْ تَكُنْ مِنْ قِبَلِ أَبِي طَلْحَةَ وَإِنَّمَا كَانَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَجْرَى اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَرَكَةَ فَكَانَ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا وَمَا كَانَ لِأَبِي طَلْحَةَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِذَلِكَ بِمَنْزِلِهِ لَمَّا كَانَ سَبَبَهَا وَهَذِهِ بَرَكَةٌ خُصَّ بِهَا يُعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يَرْغَبُ فِيهَا وَيَحْرِصُ عَلَيْهَا إذَا تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهَا وَقَدْ دَعَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ وَهُمْ أَلْفٌ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ جَابِرٍ إلَى صَاعِ بَعِيرٍ وَبَهِيمَةٍ صَنَعَهَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ وَقَالَ لَهُ: تَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَك، وَأَعْلَمَهُ بِقَدْرِ مَا صَنَعَ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ فِي ذَلِكَ جَابِرًا لَمَّا كَانَ الَّذِي يَكْفِي أَهْلَ الْخَنْدَقِ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ جَابِرٍ وَإِنَّمَا هِيَ بَرَكَةٌ تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهَا وَخَصَّ بِهَا مَنْزِلَ جَابِرٍ لَمَّا كَانَ سَبَبُهَا مِنْ عِنْدِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ قِصَّةُ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ الْأَقْرَاصَ الَّتِي دَعَا إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ كَانَتْ أُهْدِيَتْ لَهُ وَمَلَكَهَا بِالْقَبُولِ فَإِنَّمَا دَعَا ﷺ أَصْحَابَهُ إلَى طَعَامٍ قَدْ مَلَكَهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى إذْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ جَشَّتْ مُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ وَجَعَلَتْ مِنْهُ قَطِيفَةً وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ عُكَّةً، ثُمَّ بَعَثَتْنِي إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَوْته قَالَ: وَمَنْ مَعِي فَجِئْت فَقُلْت: إنَّهُ يَقُولُ وَمَنْ مَعِي فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ صَنَعَتْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى فِي رِوَايَتِهِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَأَكَلُوا حَتَّى فَضَلَ ذَلِكَ الثَّمَانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَهْلُ الْبَيْتِ وَتَرَكُوا سُؤْرًا وَفِي رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا دَخَلَ فَأَكَلَ حَتَّى شَبِعَ، ثُمَّ هَيَّأَهَا فَإِذَا هِيَ مِثْلُهَا حِينَ أَكَلُوا مِنْهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أَبِي طَلْحَةَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ يَقْتَضِي إشْفَاقَهُ مِنْ قِلَّةِ طَعَامِهِ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ أَتَى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقِلَّ طَعَامُهُمْ عَنْ أَكْلِهِ فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ رَأَى قَدْرَ الطَّعَامِ وَرَأَى قَدْرَ مَنْ يَأْتِي مَعَهُ مِنْ النَّاسِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِمَعْنًى يَرْجُوهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﵎ وَتَلَقِّي أَبِي طَلْحَةَ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ حُسْنِ الْأَخْلَاقِ وَالْبِرِّ بِالضَّيْفِ الْقَادِمِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ هَلُمِّي مَا عِنْدَك يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْأَقْرَاصَ الَّتِي دَعَا بِهَا أَنَسٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَا عِنْدَهَا مِنْ إدَامٍ تَأْدِمُهُ بِهِ إلَّا أَنَّ قَوْلَ أَنَسٍ فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ ظَاهِرُهُ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَنْهُ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفُتَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ بَرَكَةَ الثَّرِيدِ وَأَنَّهُ
стр. 2149
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةَ وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةَ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَغْلِقُوا الْبَابَ وَأَوْكِئُوا السِّقَاءَ وَأَكْفِئُوا الْإِنَاءَ، أَوْ خَمِّرُوا الْإِنَاءَ وَأَطْفِئُوا الْمِصْبَاحَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ غَلْقًا وَلَا يَحِلُّ وِكَاءً وَلَا يَكْشِفُ إنَاءً وَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى النَّاسِ بَيْتَهُمْ» ) .
ــ
[المنتقى]
أَبْرَكُ مِنْ غَيْرِهِ وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ الدُّعَاءِ فِيهِ بِالْبَرَكَةِ وَالذِّكْرِ لِلَّهِ مِمَّا انْفَرَدَ بِعِلْمِهِ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَجْهَرْ بِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ لَمَّا كَانَ عَدَدُهُمْ مِنْ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ لَا يَكَادُ أَنْ يَحْمِلَهُمْ مَوْضِعٌ عَلَى حَالَةِ الْأَكْلِ لَا سِيَّمَا مِنْ صَحْفَةٍ وَاحِدَةٍ وَدَعَا مِنْ الْقَوْمِ بِعَدَدٍ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِعَشَرَةٍ حَتَّى أَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الشِّبَعِ قَالَ: وَهُمْ سَبْعُونَ، أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا وَهَذَا مِنْ الْمُعْجِزَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي فَتَحَ اللَّهُ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعَلَهَا رَحْمَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ حَضَرَ وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةَ وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةَ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةَ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مَا اتَّخَذَهُ الِاثْنَانِ لِقُوتِهِمْ الْمُعْتَادِ يَكْفِي الثَّلَاثَةَ؛ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْمُوَاسَاةِ، وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -: الْحَضُّ عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَتَخْفِيفُ أَمْرِهَا وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إتْلَافُ مَالٍ وَلَا كَبِيرُ مَشَقَّةٍ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزَنِيَّةِ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَتْ الْأَيْدِي وَكَانَتْ الْمُوَاسَاةُ وَأَكَلَ النَّاسُ عَظُمَتْ الْبَرَكَةُ وَقَدْ هَمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي سَنَةِ مَجَاعَةٍ أَنْ يَجْعَلَ مَعَ أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ مِثْلَهُمْ.
وَقَالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَنْ يَهْلِكَ عَلَى نِصْفِ قُوتِهِ وَقَدْ رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي ثَمَانِيَةً» لَعَلَّهُ أَرَادَ ﷺ عِنْدَ الْمُوَاسَاةِ فِي الشِّدَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ أَغْلِقُوا الْبَابَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - بِاللَّيْلِ إذَا نِمْتُمْ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «أَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ بِاللَّيْلِ إذَا رَقَدْتُمْ وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَأَوْكِئُوا الْأَسْقِيَةَ، أَوْ خَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ» فَأَمَرَ بِإِطْفَاءِ الْمَصَابِيحِ عِنْدَ الرُّقَادِ بِلَيْلٍ وَعَطَفَ عَلَى ذَلِكَ غَلْقَ الْأَبْوَابِ وَغَيْرَهَا فَالظَّاهِرُ مِنْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ سَائِرَ الْأَوْقَاتِ عَلَى مَا يُرِيدُ النَّاسُ حِفْظَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالطَّعَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ أَحْرَزُ لِمَا يُرَادُ حِفْظُهُ وَقَوْلُهُ ﷺ : وَأَوْكِئُوا السِّقَاءَ اُرْبُطُوهُ وَقَوْلُهُ ﷺ وَأَكْفِئُوا الْإِنَاءَ مَعْنَاهُ اقْلِبُوهُ وَقَوْلُهُ ﷺ أَوْ خَمِّرُوا الْإِنَاءَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنْ الرَّاوِي وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَفْظُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ أَكْفِئُوهُ إنْ كَانَ فَارِغًا، أَوْ خَمِّرُوهُ إنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الشَّيْطَانَ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِمَّا فِي الْمَمْلُوءِ أَوْ يَتْبَعَ شَيْئًا مِمَّا فِي الْفَارِغِ مِنْ بَقِيَّةٍ، أَوْ رَائِحَةٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو حُمَيْدٍ بِقَدَحِ لَبَنٍ مِنْ الْبَقِيعِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَا خَمَّرْته وَلَوْ أَنْ تَعْرِضَ عَلَيْهِ عُودًا وَرَوَى الْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ جَابِرٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «غَطُّوا الْإِنَاءَ فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ، أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إلَّا نَزَلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ» قَالَ اللَّيْثُ وَالْأَعَاجِمُ عِنْدَنَا يَتَّقُونَ ذَلِكَ فِي كَانُونَ الْأَوَّلِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَطْفِئُوا الْمِصْبَاحَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ غَلْقًا وَلَا يَحِلُّ وِكَاءً وَلَا يَكْشِفُ إنَاءً يُرِيدُ أَنَّ لِلشَّيْطَانِ مَضَرَّةً وَمُشَارَكَةً فِيمَا يُخْتَزَنُ وَيَكُونُ فِي الْوِعَاءِ وَأَنَّ الِاحْتِرَازَ مِنْهُ يَكُونُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِمَّا أَخْبَرَ
стр. 2150
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْده حَتَّى يُحْرِجَهُ» ) .
ــ
[المنتقى]
بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَقَوْلُهُ ﷺ وَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزَنِيَّةِ: يُرِيدُ الْفَأْرَةَ تُضْرِمُ عَلَى النَّاسِ بَيْتَهُمْ.
وَقَالَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتْ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «جَاءَتْ فَأْرَةٌ فَجَرَّتْ الْفَتِيلَةَ فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا مِثْلَ مَوْضِعِ الدِّرْهَمِ فَقَالَ ﷺ إذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ هَذِهِ وَمِثْلَهَا عَلَى هَذَا فَتُحْرِقَكُمْ» وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَطْفِئْ مِصْبَاحَك وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ وَخَمِّرْ إنَاءَك وَلَوْ بِعُودٍ تَعْرِضُهُ عَلَيْهِ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَوْكِئْ سِقَاءَك وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَزَادَ فِيهِ التَّسْمِيَةَ وَعَرْضَ الْعُودِ عَلَى الْإِنَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ اللَّيْلِ فَحَدَّثَ بِشَأْنِهِمْ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ النَّارَ إنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ هَذَا حُكْمُ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَعَلِمَ أَنَّهُ يُجَازَى فِي الْآخِرَةِ وَمِمَّا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ خَيْرًا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ، أَوْ يَصْمُتَ عَنْ شَرٍّ يُعَاقِبُ عَلَيْهِ وَأَمَّا الصَّمْتُ عَنْ الْخَيْرِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فَلَيْسَ بِمَأْمُورٍ بِهِ بَلْ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ، أَوْ نَهْيَ كَرَاهَةٍ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ خَيْرًا، أَوْ يَسْكُتَ عَنْ شَرٍّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ، أَوْ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى يَقُولُ خَيْرًا وَيَصْمُتُ عَنْ شَرٍّ وَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﵎ ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ وَالْمَعْنَيَانِ غَيْرُ مُتَنَافِيَيْنِ حَضَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى إكْرَامِ الْجَارِ وَحُسْنِ مُجَاوَرَتِهِ وَأَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الْإِيمَانِ وَأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ بِاَللَّهِ وَبِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَ هَذَا وَيَعْمَلَ بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] وَرَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ وَابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» وَرَوَى طَلْحَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي قَالَ: إلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْك بَابًا» .
١ -
(فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ ﷺ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ هَذَا مِنْ آدَابِ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ وَأَحْكَامِهِ وَالضِّيَافَةُ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ وَأَوَّلُ مَنْ ضَيَّفَ الضَّيْفَ إبْرَاهِيمُ ﵇ قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] فَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ أُكْرِمُوا، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَصَفَ ذَلِكَ بِالْكَرَامَةِ فَقَالَ: فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَلَمْ يَقُلْ: فَلْيَقْضِهِ حَقَّهُ وَالْإِكْرَامُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَقَدْ يَتَعَيَّنُ وُجُوبُهَا فِي مَوَاضِعَ لِلْمُجْتَازِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُبَلِّغُهُ وَيَخَافُ الْهَلَاكَ إنْ لَمْ يُضَيِّفْ وَتَكُونُ وَاجِبَةً عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ الْعَامِرِينَ لِأَرْضِ الْعَنْوَةِ إنْ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ.
стр. 2151
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
ــ
[المنتقى]
رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: «قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك تَبْعَثُنَا فَنَمُرُّ بِقَوْمٍ لَا يُقْرُونَنَا فَمَاذَا تَرَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنْ أَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي يَحْتَمِلُ» - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَنْ كَانَ يَجْتَازُ غَازِيًا عَلَى أَهْلِ عَهْدٍ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِصْحَابِ الزَّادِ إلَى رَأْسِ مَغْزَاتِهِ وَلَا يَصِلُ إلَى الْغَزْوِ وَالْجِهَادِ الَّذِي تَعَيَّنَ فَرْضُهُ وَوُجُوبُهُ إلَّا بِالْقِرَى فِي الطَّرِيقِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ اُفْتُتِحَتْ خَيْبَرُ وَغَيْرُهَا مِنْ بِلَادِ الْعَنْوَةِ إنْ كَانَ شُرِطَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِهَا وَأَمَّا أَهْلُ الْحَضَرِ فَقَوْلُهُ قَالَ مَالِكٌ ﵀ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْحَضَرِ ضِيَافَةٌ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى وَأَمَّا أَهْلُ الْحَضَرِ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ إذَا قَدِمَ الْحَضَرَ وَجَدَ مَنْزِلًا وَهُوَ الْفُنْدُقُ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ النَّدْبُ إلَيْهِ وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَى أَهْلِ الْحَضَرِ بِعَيْنِهِ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى لِمَعَانٍ أَحَدُهَا أَنَّ ذَلِكَ يَتَكَرَّرُ عَلَى أَهْلِ الْحَضَرِ فَلَوْ الْتَزَمَ أَهْلُ الْحَضَرِ الضِّيَافَةَ لَمَا خَلَوْا مِنْهَا وَأَهْلُ الْقُرَى يَنْدُرُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ وَيَقِلُّ فَلَا تَلْحَقُهُمْ بِذَلِكَ مَشَقَّةٌ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَجِدُ فِي الْحَضَرِ مِنْ الْمَسْكَنِ وَالطَّعَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَلَا تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ لِعَدَمِ الضِّيَافَةِ وَأَمَّا فِي الْقُرَى الصِّغَارِ فَلَا يَجِدُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَهُوَ كَالْمُضْطَرِّ إلَى مَنْ يُضَيِّفُهُ وَحُكْمُ الْقُرَى الْكِبَارِ الَّتِي تُوجَدُ فِيهَا الْفَنَادِقُ وَالْمَطَاعِمُ لِلشِّرَاءِ وَيَكْثُرُ تَرْدَادُ النَّاسِ عَلَيْهَا حُكْمُ الْحَضَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَهَذَا فِيمَنْ لَا يَعْرِفُهُ الْإِنْسَانُ وَأَمَّا مَنْ يَعْرِفُهُ مَعْرِفَةَ مَوَدَّةٍ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَعْنًى يَقْتَضِي الْمُوَاصَلَةَ وَالْمُكَارَمَةَ فَحُكْمُهُ فِي الْحَضَرِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْحَتَهُ وَعَطِيَّتَهُ؛ لِأَنَّ الْجَائِزَةَ الْعَطِيَّةُ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا يَجُوزُ وَيَمْضِي بِهِ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَهُوَ قُوتُهُ فِي مَبِيتِهِ عِنْدَهُ وَغِذَاؤُهُ فِي غَدِهِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزَنِيَّةِ مَعْنَى جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ يُتْحِفُهُ وَيُكْرِمُهُ وَيَفْعَلُ بِهِ أَفْضَلَ مَا يَسْتَطِيعُ وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ فَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْنَاهُ فَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ: وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ يُرِيدُ يُطْعِمُهُ فِيهَا مَا يَسْتَطِيعُ عَلَيْهِ وَعَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ خَصَّ الضِّيَافَةَ لِمَنْ أَرَادَ الْمُقَامَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَمَنْ أَرَادَ الْجَوَازَ فَيَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْجَائِزَةِ الْمُتَأَكِّدِ حُكْمُهَا لِلْمُجْتَازِ لَا حُكْمُ الضِّيَافَةِ الْمَشْرُوعَةِ لِلضَّيْفِ وَإِنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُعْتَرِضِ وَالْمُقِيمُ عَلَيْهَا طَالِبُ صَدَقَةٍ إلَّا أَنَّهَا صَدَقَةُ نَفْلٍ وَصَدَقَةُ النَّفْلِ تَحِلُّ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَإِنَّمَا الَّذِي يَحْرُمُ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى الْغَنِيِّ صَدَقَةٌ وَجَبَتْ لِلْفُقَرَاءِ وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقْبَلُ الضِّيَافَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ يَقُولُ لِنَافِعٍ: أَنْفِقْ فَإِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَيَقُولُ: احْبِسُوا عَنَّا صَدَقَتَكُمْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَاهُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ وَلَا يَرْضَاهُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا أَنْ يَقْبَلَ صَدَقَةً يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَيْهِ مَعَ السَّلَامَةِ وَلَوْ قَبِلَهَا حَلَّتْ لَهُ وَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ بِهِ لَا نَقْبَلُ صَدَقَةَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ نَزَلْنَا عِنْدَهُمْ وَلَوْ نَزَلَ عَلَى غَيْرِهِمْ لَقَبِلَ ضِيَافَتَهُمْ شَهْرًا؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ نَزَلَ عَلَى أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَوْ عَلَى ابْنِهِ سَالِمٍ، أَوْ عَلَى أَخِيهِ عَاصِمٍ لَمْ يَرُدَّ طَعَامَهُمْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ يُرِيدُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ يُرِيدُ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ وَيُثْقِلُهُ مِنْ الْحَرَجِ وَهُوَ الضِّيقُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ وَهُوَ أَنْ يَضُرَّ بِهِ مُقَامُهُ عِنْدَهُ حَتَّى يَقُولَ قَوْلًا، أَوْ يَفْعَلَ فِعْلًا يَأْثَمُ بِهِ مَعَ أَنَّ مَا يُعْطِيهِ بَعْدَ أَنْ يُبْرِمَ بِطُولِ مُقَامِهِ عِنْدَهُ لَا تَطِيبُ بِهِ نَفْسُهُ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَحِلُّ لِلْمُقِيمِ عِنْدَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 2152
قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إذْ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ فَخَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا فَقَالَ: فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ قَالَ: وَأَنَا فِيهِمْ قَالَ: فَخَرَجْنَا حَتَّى إذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ فَجَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ قَالَ: فَكَانَ يُقَوِّتُنَاهُ كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ وَلَمْ تُصِبْنَا إلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ فَقُلْت وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حَيْثُ فَنِيَتْ قَالَ، ثُمَّ انْتَهَيْنَا إلَى الْبَحْرِ فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلْعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَتَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا وَلَمْ تُصِبْهُمَا» قَالَ مَالِكٌ الظَّرِبُ الْجُبَيْلُ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يُقَالُ فِي الْمَاضِي لَهَثَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِهَا وَفِي الْمُسْتَقْبَلِ يَلْهَثُ بِالْفَتْحِ قَالَ اللَّهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ، أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ وَاللَّهَثُ شِدَّةُ تَوَاتُرِ النَّفَسِ مِنْ التَّعَبِ، أَوْ غَيْرِهِ وَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلْبُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ الْكَلْبُ الْمُخْتَصُّ بِهَذَا الِاسْمِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْحَيَوَانِ لَهَثًا وَلِذَلِكَ يَلْهَثُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَسَائِرُ الْحَيَوَانِ لَا تَلْهَثُ إلَّا لِسَبَبٍ وَقَوْلُ الرَّجُلِ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي بِمَعْنَى الذِّكْرِ لِلسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِإِشْفَاقِهِ عَلَيْهِ وَرَحْمَتِهِ لَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَاهُ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ لِسَبَبِهِ إلَى سَقْيِ الْكَلْبِ بِهِ وَمَا نَالَ فِيهِ مِنْ التَّعَبِ وَاسْتِعْمَالِ خُفِّهِ بِمَا يُفْسِدُهُ غَالِبًا، وَقَوْلُهُ ﷺ : فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ وَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْجَزَاءَ لَهُ بِالْغُفْرَانِ وَالثَّوَابِ وَقَدْ تُسَمِّي الْعَرَبُ الْجَزَاءَ شُكْرًا وَلِذَلِكَ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِي الَّذِي أَقْرَضَ قَرْضًا: شُقَّ الصَّحِيفَةَ فَإِنْ أَعْطَاك مِثْلَ الَّذِي لَك قَبِلْته وَإِنْ أَعْطَاك أَفْضَلَ مِنْهُ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ فَذَلِكَ شُكْرٌ شَكَرَهُ لَك وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِالشُّكْرِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْحَيَوَانِ مَا يُمْلَكُ مِنْهُ وَمَا لَا يُمْلَكُ فَإِنَّ فِي الْإِحْسَانِ إلَيْهَا أَجْرًا.
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ يُرِيدُ جَيْشًا غَازِينَ وَمُرْتَصِدِينَ لِعَابِرِ السَّبِيلِ مِنْ الْمُحَارَبِينَ وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ﵁ لِيَعُودَ أَمْرُهُمْ وَتَصَرُّفُهُمْ إلَى حُكْمِهِ لِأَنَّ رَأْيَ الْجَمَاعَةِ إذَا لَمْ يَعُدْ إلَى وَاحِدٍ كَثُرَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ الْمُؤَدِّي إلَى الْفَسَادِ وَلَمَّا فَنِيَ زَادُهُمْ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ الْجَيْشِ فَجُمِعَتْ فَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِرَأْيٍ رَآهُ وَمُوَافَقَةِ أَهْلِ الْجَيْشِ أَجْمَعَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَرِضَاهُمْ بِهِ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ أَكْثَرَ زَادًا مِنْ بَعْضٍ وَيَكُونَ فِيهِمْ مَنْ فَنِيَ زَادُهُ جُمْلَةً إلَّا أَنَّهُمْ أَرَدُوا التَّوَاسِيَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إذَا أَرْمَلُوا جَمَعُوا زَادَهُمْ فَتَوَاسَوْا فِيهِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَكَمَ بِذَلِكَ بَيْنَهُمْ حِينَ رَأَى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ فَنِيَ زَادُهُ وَخَافَ عَلَيْهِ سُرْعَةَ الْهَلَاكِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ زَادٌ يَكْفِيهِ وَلَيْسَ بِمَوْضِعِ ابْتِيَاعٍ وَلَا تَسَبُّبٍ فَأَلْزَمَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ التَّسَاوِي فِيمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الزَّادِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ ثَمَنًا وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّرَاضِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ﵁ يَقُوتُهُمْ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ يَسِيرًا يَسِيرًا اسْتِدَامَةً لِلزَّادِ وَتَسْوِيَةً بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى لَمْ يُصِبْهُمْ إلَّا تَمْرَةُ تَمْرَةُ وَفَنِيَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَفَقَدُوا
стр. 2153
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ جَدَّتِهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ إحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا وَلَوْ كُرَاعُ شَاةٍ مُحْرَقٌ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ نُهُوا عَنْ أَكْلِ الشَّحْمِ فَبَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» ) .
ــ
[المنتقى]
الِانْتِفَاعَ بِهَا وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يُضِيفُونَ إلَى ذَلِكَ مَا أَمْكَنَ مِنْ حَشِيشٍ وَوَرَقِ شَجَرٍ حَتَّى انْتَهَوْا إلَى الْبَحْرِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْيَسِيرِ فَإِذَا حُوتٌ بِمِثْلِ الظَّرِبِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ الظَّرِبُ الْجُبَيْلُ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ الظَّرِبُ مَا نَتَأَ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْجَمْعُ ظِرَابٌ وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ الظَّرِبُ صَغِيرُ الْجَبَلِ فَأَكَلَ الْجَيْشُ مِنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُوتُ لَفَظَهُ الْبَحْرُ حَيًّا فَمَاتَ، أَوْ لَفَظَهُ مَيِّتًا بَعْدَ أَنْ مَاتَ بِحَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ، أَوْ قَتْلِ غَيْرِهِ مِنْ الْحِيتَانِ لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْفِظَهُ مَيِّتًا وَقَدْ مَاتَ بِغَيْرِ سَبَبٍ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ أَكْلِ مَا مَاتَ بِغَيْرِ سَبَبٍ وَأَمَّا مَا مَاتَ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، أَوْ غَيْرِهَا فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي جَوَازِ أَكْلِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا جَوَازُ أَكْلِ الصَّيْدِ إذَا نَتِنَ فَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ مَنْ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ وَقَدْ انْقَطَعَ الْخِلَافُ فِيهِ وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كُلُوا الصَّيْدَ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ مَا لَمْ يُنْتِنْ فَإِنَّ مَعْنَاهُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ تَغَيُّرًا يَمْنَعُ أَكْلَهُ فَاسْتَثْنَى ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ وَالْمَنْعِ مِمَّا لَمْ يَسْتَضِرَّ بِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَكَلَ الْجَيْشُ مِنْهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً يَقْتَضِي عِظَمَهُ، وَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلْعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنَصَبَهُمَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا وَلَمْ تُصِبْهُمَا يُرِيدُ أَعْلَاهُمَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَعَلَ ذَلِكَ اعْتِبَارًا بِعِظَمِ مَا خَلَقَ اللَّهُ ﵎ إذْ لَمْ يَرَ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ مِثْلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ وَلِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِخْبَارِ عَنْهُ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهُ فَيَعْتَبِرَ بِهِ وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا عَظُمَ خَلْقُهُ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ مَا لَمْ يَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَسَعَى إلَى ذَلِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِ وَيَعْجَبَ غَيْرُهُ مِنْهُ فَيَعْتَبِرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ هَكَذَا قَرَأْنَاهُ وَقَدْ رَأَيْت مَنْ يَرْوِيهِ يَا نِسَاءٌ الْمُؤْمِنَاتُ بِرَفْعِ النِّسَاءِ وَرَفْعِ الْمُؤْمِنَاتِ عَلَى النَّعْتِ وَقَالَ: مَعْنَاهُ يَا أَيُّهَا النِّسَاءُ الْمُؤْمِنَاتُ وَمُنِعَ يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ بِنَصْبِ نِسَاءٍ عَلَى النِّدَاءِ الْمُضَافِ وَخَفْضِ الْمُؤْمِنَاتِ بِالْإِضَافَةِ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ أَعَمُّ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُ النِّسَاءِ وَلَا يُضَافُ الشَّيْءُ إلَى بَعْضِهِ قَالَ: الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيد ﵁ وَقَدْ يَجُوزُ هَذَا عِنْدِي عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُوصَفْنَ بِأَنَّهُنَّ نِسَاءٌ عَلَى مَعْنَى الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ فَتَقُولُ لِمَنْ تَمْدَحُهُ مِنْ النِّسَاءِ بِمَعْنَى أَنَّهُنَّ عَلَى الْمَحْمُودِ مِنْ أَحْوَالِ النِّسَاءِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْعَفَافِ وَكَمَا يَقُولُ لِمَنْ مَدَحَهُ مِنْ الرِّجَالِ هُوَ رَجُلٌ وَلِلْجَمَاعَةِ هُمْ رِجَالٌ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ عَلَى حُكْمِ الرِّجَالِ فِي النَّجْدَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْكَرَمِ وَالْفَصَاحَةِ وَالْحِلْمِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَا فَاضِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ مِنْ النِّسَاءِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ لَا تَحْقِرَنَّ إحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا وَلَوْ كُرَاعُ شَاةٍ مُحْرَقٌ " أَمْرٌ بِحُسْنِ الْأَدَبِ وَكَرِيمِ الْأَخْلَاقِ وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ عِنْدَهَا فَضْلٌ فَلَا تَحْقِرُ أَنْ تُهْدِيَهُ لِجَارَتِهَا وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ مَنْ أُهْدِيَ إلَيْهَا مِثْلُ ذَلِكَ فَلَا تَحْقِرْهُ وَلَا تُصَغِّرْهُ مِنْ مَعْرُوفِ جَارَتِهَا وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ وَلَوْ كُرَاعُ شَاةٍ مُحْرَقٌ وَالْكُرَاعُ مُؤَنَّثَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَكَانَ حُكْمُهُ عَلَى هَذَا أَنْ تَكُونَ مُحْرَقَةً إلَّا أَنَّ الرِّوَايَةَ هَكَذَا وَرَدَتْ فِي الْمُوَطَّآتِ وَغَيْرِهَا وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ بَعْضُ الْعَرَبِ يُذَكِّرُهَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ قِيلَ مَعْنَاهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ قَالَ اللَّهُ ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لُعِنُوا وَقَوْلُهُ ﷺ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الدُّعَاءَ
стр. 2154
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ كَانَ يَقُولُ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَيْكُمْ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ وَالْبَقْلِ الْبَرِّيِّ وَخُبْزِ الشَّعِيرِ وَإِيَّاكُمْ وَخُبْزَ الْبُرِّ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِهِ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا: أَخْرَجَنَا الْجُوعُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَخْرَجَنِي الْجُوعُ فَذَهَبُوا إلَى أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيْهَانِ الْأَنْصَارِيِّ فَأَمَرَ لَهُمْ بِشَعِيرٍ عِنْدَهُ يُعْمَلُ وَقَامَ يَذْبَحُ لَهُمْ شَاةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَكِّبْ عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً وَاسْتَعْذَبَ لَهُمْ مَاءً فَعَلَّقَ فِي نَخْلَةٍ، ثُمَّ أُتُوا بِذَلِكَ الطَّعَامِ فَأَكَلُوا مِنْهُ وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَتُسْئَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذَا الْيَوْمِ» ) .
ــ
[المنتقى]
عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْخَبَرَ عَمَّا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَفْظَةُ قَاتَلَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مِنْ اثْنَيْنِ وَلِذَلِكَ يُقَالُ تَلَاعَنَ الزَّوْجَانِ إذَا وُجِدَتْ الْمُلَاعَنَةُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَدْ تَجِيءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُفَاعَلَةُ مِنْ الْوَاحِدِ يُقَالُ قَاتَلَهُ اللَّهُ بِمَعْنَى فَعَلَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ وَمِنْهُ سَافَرَ الرَّجُلُ وَعَالَجْتُ الْمَرِيضَ.
(فَصْلٌ) :
ثُمَّ ذَكَرَ ﷺ فِعْلَهُمْ الَّذِي عُوقِبُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَقَالَ: نُهُوا عَنْ أَكْلِ الشَّحْمِ فَبَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ، وَالنَّهْيُ عَنْ أَكْلِ الشَّحْمِ لَا يَتَنَاوَلُ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ ثَمَنِهِ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ وَأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ مِمَّا مُعْظَمُ مَنْفَعَتِهِ الْأَكْلُ لَا يَجُوزُ أَكْلُ ثَمَنِهِ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَلَا ثَمَنِ الْخِنْزِيرِ وَلَا الْمَيْتَةِ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ وَأَمَّا مَا لَهُ مَنْفَعَةٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُ ثَمَنِهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ كَالْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَيْكُمْ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ وَهُوَ الْخَالِصُ الَّذِي لَمْ يُمَازِجْهُ شَيْءٌ وَالْبَقْلِ الْبَرِّيِّ يُرِيدُ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ فَهُوَ مُبَاحٌ كَمَاءِ الْأَنْهَارِ وَقَوْلُهُ وَخُبْزِ الشَّعِيرِ يُرِيدُ فَتَقَوَّتُوا بِهِ وَاقْتَصِرُوا عَلَيْهِ فَهُوَ أَقَلُّ مَا يُمْسِكُ الرَّمَقَ وَتَبْقَى بِهِ الْحَيَاةُ؛ لِأَنَّ الشَّعِيرَ أَقَلُّ الْأَقْوَاتِ وَإِيَّاكُمْ وَخُبْزَ الْبُرِّ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِهِ فَنَهَاهُمْ عَنْ الْبُرِّ خَاصَّةً حَضًّا عَلَى الْقَلِيلِ مِنْ الدُّنْيَا وَالزُّهْدِ فِيمَا زَادَ عَلَى يَسِيرِ الْأَقْوَاتِ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ وَلَا سِوَاهُمْ لَا يَقُومُ بِشُكْرِ الْمَاءِ وَالْبَقْلِ وَلَكِنَّهُ حَضَّهُمْ عَلَى أَقَلِّ مَا يُمْكِنُ مِنْهُ وَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَنْصَرِفَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ ﵊: فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِهِ إلَى الْبُرِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى الْمَاءِ وَالْبَقْلِ وَالشَّعِيرِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَيْسَ هَذَا مُخَالِفًا لِشَرِيعَتِنَا فَإِنَّ مِنْ النَّاس مَنْ يُصْلِحُهُ هَذَا فَيَنْدُبُ إلَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُصْلِحُهُ غَيْرُ هَذَا فَيَأْخُذُ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : سُؤَالُهُ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَعُمَرَ ﵄ مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا أَخْرَجَكُمَا وَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خُرُوجًا أَنْكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي وَقْتِ خُرُوجٍ مُعْتَادٍ، أَوْ كَانَ فِي وَقْتٍ تَخَوَّفَ عَلَيْهِمْ فِيهِ مَا أَخْبَرَا بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا مِنْ أَنَّ الَّذِي أَخْرَجَهُمَا الْجُوعُ وَأَخْبَرَهُمَا هُوَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ الْإِخْبَارِ عَمَّا يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مِنْ شِدَّةِ أَلَمِ الْجُوعِ، أَوْ الْمَرَضِ لَا سِيَّمَا إذَا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ يَعْلَمُ إشْفَاقَهُ عَلَيْهِ، أَوْ يَرْجُو مَنْفَعَةً مِنْ عِنْدِهِ مِنْ دُعَاءٍ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ مَنْ يُرِيدُ إعْلَامَهُ بِحَالِهِ لِيَأْخُذَ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَارَأْسَاهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَلْ أَنَا وَارْأَسَاهُ، وَقَالَ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ذَلِكَ بِأَنَّ لَك الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّشَكِّي وَالْجَزَعِ وَقِلَّةِ الرِّضَى عَنْ اللَّهِ فِيمَا قَضَى بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَذَهَبُوا إلَى أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيْهَانِ الْأَنْصَارِيِّ، وَأَبُو الْهَيْثَمُ هُوَ مَالِكٌ وَيَقْتَضِي أَنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَيْهِ لِيُطْعِمَهُمْ مَا بِهِ يَسُدُّ جَوْعَتَهُمْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ قَصْدِ الْمُؤْمِنِ إلَى صَدِيقِهِ الَّذِي يَعْلَمُ سُرُورَهُ
стр. 2155
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْكُلُ خُبْزًا بِسَمْنٍ فَدَعَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ وَيَتْبَعُ بِاللُّقْمَةِ وَضَرَ الصَّحْفَةِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: كَأَنَّك مُقْفِرٌ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَكَلْت سَمْنًا وَلَا لُكْت أَكْلًا بِهِ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ عُمَرُ لَا آكُلُ السَّمْنَ حَتَّى يَحْيَا النَّاسُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَحْيَوْنَ) .
ــ
[المنتقى]
بِهِ وَمُبَادَرَتَهُ إلَى مُشَارَكَتِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا لَهُ جُوعَهُمْ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ التَّعْرِيضِ لِمَعْرُوفٍ يُجْرِيهِ اللَّهُ عَلَى يَدِهِ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إنَّهُ كَانَ يَسْتَقْرِئُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵄ الْآيَةَ يَحْفَظَهَا لِيُطْعِمَهُ أَحَدُهُمَا عِنْدَ شِدَّةِ جُوعِهِ وَكَانَ يُمْسِكُ عَنْ سُؤَالِهِمْ وَإِنَّمَا هَذَا بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقْصِدَ الرَّجُلُ صَدِيقَهُ لِيُضَيِّفَهُ فَيُكْرِمَهُ وَيُطْعِمَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَمَرَ لَهُمْ بِشَعِيرٍ يُعْمَلُ وَقَامَ فَذَبَحَ شَاةً يُرِيدُ أَنَّهُ هَيَّأَ ذَلِكَ لِطَعَامِهِمْ وَجَعَلَهُ قِرًى لَهُمْ فَاسْتَعْذَبَ لَهُمْ مَاءً يُرِيدُ اجْتَلَبَهُ عَذْبًا وَعُلِّقَ فِي نَخْلَةٍ لِيَبْرُدَ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إصْلَاحِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَطْيِيبِهِ بِإِتْحَافِ الضَّيْفِ وَالصَّدِيقِ بِأَفْضَلِ مَا يَجِدُهُ مِنْهُ وَقَدْ أَخْبَرَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْ نَبِيِّهِ إبْرَاهِيمَ ﵇ وَأَنَّهُ رَاغَ إلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعَجِلٍ سَمِينٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ نَكِّبْ عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ يُرِيدُ ذَاتَ اللَّبَنِ وَالدَّرُّ اللَّبَنُ وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ النُّصْحِ لَهُ وَالتَّوْقِيرِ لَهُ مَعَ أَنَّ غَيْرَهَا مِمَّا لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا تَقُومُ مَقَامَهَا فِي صَلَاحِ تَطْيِيبِ طَعَامِهِمْ وَتَبْقَى مَنْفَعَةُ هَذِهِ لِقُوتِهِ وَصَدَقَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ لَمَّا أَكَلُوا مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ لَتُسْئَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذَا الْيَوْمِ قِيلَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -: إنَّهُ سُؤَالُ امْتِنَانٍ لَا سُؤَالُ حِسَابٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ سُؤَالَ حِسَابٍ دُونَ مُنَاقَشَةٍ وَهُوَ أَنْ يَسْأَلَهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَاذَا تَوَصَّلُوا إلَيْهِ بِوَجْهٍ مُبَاحٍ، أَوْ بِمَأْمُورٍ بِهِ، أَوْ بِمَحْظُورٍ، أَوْ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ تَنَاوَلُوهُ وَعَنْ قَدْرِ مَا تَنَاوَلُوهُ مِنْهُ، ثُمَّ يُثِيبُهُمْ اللَّهُ عَلَى مَا أَتَوْا فِي ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْعَمَلِ وَالنِّيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَصِفَةُ تَنَاوُلِهِ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ فِي أَوَّلِهِ وَيَحْمَدَهُ فِي آخِرِهِ عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَرِهَ مَالِكٌ غَسْلَ يَدِهِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَرَآهُ مِنْ فِعْلِ الْعَجَمِ قَالَ: وَيَغْسِلُ يَدَهُ بَعْدَ الطَّعَامِ وَيُمَضْمِضُ مِمَّا لَهُ دَسَمٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ شَرِبَ لَبَنًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَقَالَ: إنَّ لَهُ دَسَمًا» ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ النَّظَافَةِ مَشْرُوعَةٌ كَالسِّوَاكِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَغْسِلُ يَدَيْهِ بَعْدَ الطَّعَامِ فَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ ﵀ أَيَغْسِلُ يَدَيْهِ بِالدَّقِيقِ فَقَالَ غَيْرُهُ أَعْجَبُ إلَيَّ مِنْهُ وَلَوْ فَعَلَهُ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي الْجُلْبَانِ وَالْفُولِ وَشِبْهِ ذَلِكَ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَيَتَدَلَّكَ بِهِ فِي الْحَمَّامِ وَقَدْ يَدْهُنُ جَسَدَهُ بِالتِّينِ وَالزَّيْتِ مِنْ الشِّقَاقِ وَرَوَى أَشْهَبُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ بِالدَّقِيقِ وَالنُّخَالَةِ وَالْفُولِ قَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ إنْ أَعْيَاهُ شَيْءٌ فَلْيَتَوَضَّأْ بِالتُّرَابِ فَقَدْ قَالَ عُمَرُ إيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ وَأَمْرَ الْأَعَاجِمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَأْكُلُ جَالِسًا وَلَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَا فِيهِ مِنْ الْكِبْرِ وَالتَّعَاظُمِ وَالتَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ قِيلَ لِمَالِكٍ ﵀ أَفَيَأْكُلُ وَيَدُهُ يَضَعُهَا فِي الْأَرْضِ فَقَالَ: أَنَا أَتَّقِيهِ وَمَا سَمِعْت فِيهِ بِشَيْءٍ.
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَأْكُلُ خُبْزًا بِسَمْنٍ وَذَلِكَ يَقْتَضِي اسْتِبَاحَةَ طِيبِ الْأُدْمِ فَدَعَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ تَوَاضُعًا بِمُؤَاكَلَةِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَلَعَلَّهُ قَصَدَ تَعْلِيمَهُ آدَابَ الْأَكْلِ كَمَا عَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ مُؤَاكَلَتِهِ فَقَالَ لَهُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيك وَلَعَلَّهُ قَصَدَ أَيْضًا أَنْ يَتَعَرَّفَ بِمَا يَظْهَرُ إلَيْهِ مِنْ أَكْلِهِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ وَيَتْبَعُ بِاللُّقْمَةِ وَضَرَ الصَّحْفَةِ وَهُوَ مَا تَعَلَّقَ بِالصَّحْفَةِ مِنْ دَسَمِ الطَّعَامِ وَالْوَدَكِ قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ السَّمْنِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلَانِهِ
стр. 2156
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَوْمُئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ يُطْرَحُ لَهُ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ فَيَأْكُلَهُ حَتَّى يَأْكُلَ حَشَفَهُ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ الْجَرَادِ فَقَالَ: وَدِدْت أَنَّ عِنْدِي قَفْعَةً نَأْكُلُ مِنْهُ) .
ــ
[المنتقى]
فَتَوَسَّمْ عُمَرُ ﵁ فِيهِ بِذَلِكَ الْحَاجَةَ وَقَالَهُ لَهُ كَأَنَّك مُقْفِرٌ أَيْ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مِنْ فِعْلِ مَنْ هُوَ مُقْفِرٌ وَهُوَ الَّذِي لَا إدَامَ عِنْدَهُ قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَسَمِعْت الْعَرَبَ تَقُولُ أَكَلْت خُبْزًا قِفَارًا يُرِيدُونَ غَيْرَ مَأْدُومٍ وَيُقَالُ مَا أَقْفَرَ بَيْتٌ فِيهِ خَلٌّ أَيْ لَا يَعْدَمُونَ إدَامًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ الرَّجُلِ مَا أَكَلْت سَمْنًا وَلَا لُكْت أَكْلًا بِهِ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْهُ وَأَنَّ عَدَمَ ذَلِكَ عَامٌّ شَامِلٌ لِلنَّاسِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَرَ آكِلًا بِهِ الْمُدَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا وَقَالَ عُمَرُ لَا آكُلُ السَّمْنَ حَتَّى يَحْيَا النَّاسُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَحْيَوْنَ يُرِيدُ مُسَاوَاةَ الْمَسَاكِينِ فِي ضِيقِ عَيْشِهِمْ لِيَذْكُرَ بِذَلِكَ أَحْوَالَهُمْ وَلَا يَغْفُلَ النَّظَرَ لَهُمْ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ يُوسُفَ ﵇ قِيلَ لَهُ: أَتَجُوعُ وَبِيَدِك خَزَائِنُ الْأَرْضِ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ أَشْبَعَ فَأَنْسَى الْجِيَاعَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا أَكَلَ الزَّيْتَ وَلَمْ يَكُنْ أَلِفَهُ بَطْنُهُ فَكَانَ يُقَرْقِرُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَيَقُولُ لَتَمُرُّنَّ عَلَى أَكْلِ الزَّيْتِ مَا دَامَ السَّمْنُ يُبَاعُ بِالْأَوَاقِيِ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَسْعَدَ الرُّعَاةِ مَنْ سَعِدَتْ بِهِ رَعِيَّتُهُ، وَإِنَّ أَشْقَى الرُّعَاةِ مَنْ شَقِيَتْ بِهِ رَعِيَّتُهُ فَإِيَّاكَ أَنْ تَزِيغَ وَيَزِيغَ عُمَّالُك وَيَكُونَ مَثَلُك مَثَلُ الْبَهِيمَةِ نَظَرَتْ إلَى خُضْرَةٍ مِنْ الْأَرْضِ فَرَعَتْ فِيهَا تَبْتَغِي بِذَلِكَ السِّمَنَ وَإِنَّمَا سِمَنُهَا فِي حَتْفِهَا وَالسَّلَامُ وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا كُلَّهُ عُمَرُ ﵁؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يُحِطْهَا بِالنَّصِيحَةِ وَحُسْنِ الرِّعَايَةِ لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: حَتَّى يَحْيَا النَّاسُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَحْيَوْنَ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - يُمْطَرُونَ وَالْحَيَاءُ الْمَطَرُ فَقَالَ: حَيَّ النَّاسُ يَحْيَوْنَ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي عَامِ الرَّمَادَةِ قَالَ مَالِكٌ كَانَ الرَّمَادَةُ سِتَّةَ أَعْوَامٍ.
(ش) : قَوْلُهُ رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَوْمِئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ يُرِيدُ إذْ اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَكُنْ أَمِيرًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَهَا يُطْرَحُ لَهُ صَاعٌ مِنْ التَّمْرِ فَيَأْكُلَهُ حَتَّى يَأْكُلَ حَشَفَهُ يَقْتَضِي تَكَرُّرَ هَذَا الْفِعْلِ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً لَقَالَ: رَأَيْته طُرِحَ لَهُ صَاعُ تَمْرٍ فَأَكَلَهُ وَلَيْسَ فِي كَثْرَةِ أَكْلِهِ مَا يُنْقِصُ مِنْ حَالِهِ فَقَدْ أَكَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِرَارًا فَمَا أَنْكَرَ أَكْلَهُ وَمَا كَانَ لِيُخَالِفَ أَمْرًا قَدْ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ وَكَانَ ذَلِكَ غَايَةَ قُوتِهِ الَّذِي لَا يَقُومُ جِسْمُهُ إلَّا بِهِ وَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَةِ ذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ مِنْ تَفْسِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ وَالْحُسْنُ فِي الطَّعَامِ إنَّمَا هُوَ فِي جِنْسِهِ وَمَنْ اقْتَصَرَ عَلَى التَّمْرِ فِي طَعَامِهِ لَمْ يَأْلُ فِي الِاقْتِصَارِ لَا سِيَّمَا فِي الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا السَّلَامُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ يَأْكُلُ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَيَأْكُلُ الشَّعِيرَ فِي وَقْتٍ وَيَأْكُلُ الْبُرَّ وَاللَّحْمَ فِي وَقْتٍ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ التَّأَنُّقِ فِيهِ مَبْلَغَ الْمُتَنَعِّمِينَ وَلَكِنَّهُ قَدْ كَانَ يَبْلُغُ مِنْ قَدْرِهِ إلَى الْمَبْلَغِ الَّذِي يَرْجُو أَنْ يَبْقَى قُوتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الزَّاهِدِينَ زُهْدَهُ فِي قِلَّةِ الْأَكْلِ بَلْ قَدْ يَكُونُ فِي قِلَّةِ الْمَكْسَبِ وَفِي طِيبِهِ وَفِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ وَالتَّوَسُّطِ مَعَ الْإِقْبَالِ عَلَى الْعَادَةِ وَيَكُونُ فِي الْإِنْفَاقِ وَقِلَّةِ الِاحْتِكَارِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ كَانَ لَهُ قَدْرٌ وَهُوَ يَأْكُلُ فَلَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إنَّ الْفَتَى يُسْتَطَابُ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ وَقَدْ يَكُونُ فِي الْعَالِمِ أَمْرٌ يُعَابُ بِهِ.
(ش) : قَوْلُهُ سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ الْجَرَادِ يُرِيدُ أَنَّ السَّائِلَ سَأَلَهُ أَحَلَالٌ أَكْلُهُ؟ وَالْفُقَهَاءُ عَلَى إبَاحَةِ أَكْلِهِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي ذَكَاتِهِ هَلْ هِيَ شَرْطٌ فِي جَوَازِ أَكْلِهِ.
وَقَدْ
стр. 2157
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ مَالِكِ بْنِ خُثَيْمٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْت جَالِسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ فَأَتَاهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى دَوَابَّ فَنَزَلُوا عِنْدَهُ قَالَ حُمَيْدٍ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ اذْهَبْ إلَى أُمِّي فَقُلْ: إنَّ ابْنَك يُقْرِئُك السَّلَامَ، وَيَقُولُ: أَطْعِمِينَا شَيْئًا قَالَ: فَوَضَعَتْ لَهُ ثَلَاثَةَ أَقْرَاصٍ فِي صَحْفَةٍ وَشَيْئًا مِنْ زَيْتٍ وَمِلْحٍ، ثُمَّ وَضَعَتْهَا عَلَى رَأْسِي وَحَمَلْتهَا إلَيْهِمْ فَلَمَّا وَضَعْتهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ كَبَّرَ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَشْبَعَنَا مِنْ الْخُبْزِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ طَعَامُنَا إلَّا الْأَسْوَدَيْنِ الْمَاءَ وَالتَّمْرَ فَلَمْ يُصِبْ الْقَوْمُ مِنْ الطَّعَامِ شَيْئًا فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَحْسِنْ إلَى غَنَمِك وَامْسَحْ الرَّغَامَ عَنْهَا وَأَطِبْ مُرَاحَهَا وَصَلِّ فِي نَاحِيَتِهَا فَإِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُونُ الثُّلَّةُ مِنْ الْغَنَمِ أُحِبَّ إلَى صَاحِبِهَا مِنْ دَارِ مَرْوَانَ) .
ــ
[المنتقى]
تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَدِدْت أَنَّ عِنْدَنَا مِنْهُ قَفْعَةً نَأْكُلُ مِنْهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُبَاحٌ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَنَّى أَكْلَ مَا لَيْسَ بِمُبَاحٍ وَالْقَفْعَةُ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ شَيْءٌ شَبِيهٌ بِالْمِكْتَلِ تَمَنَّى بِهَا عُمَرُ مَمْلُوءَةً جَرَادًا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى هِيَ قُفَّةٌ أَكْبَرُ مِنْ الْمِكْتَلِ قَالَ: وَأَهْلُ الْعِرَاقِ يُسَمُّونَهَا جُلَّةً قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ وَأَهْلُ مِصْرَ يُسَمُّونَهَا زِنْبِيلًا.
(ش) : قَوْلُهُ كُنْت جَالِسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْعَقِيقِ فَأَتَاهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى دَوَابَّ فَنَزَلُوا عِنْدَهُ ظَاهِرُهُ الزِّيَارَةُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ قَصَدُوهُ لِلتَّعَلُّمِ مِنْهُ وَالْأَخْذِ عَنْهُ وَمَا أَحْضَرَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ مِنْ الطَّعَامِ عَلَى مَعْنَى إكْرَامِ الزَّائِرِ وَالضَّيْفِ وَتَقْدِيمِ مَا حَضَرَ إلَيْهِ وَلِذَلِكَ قَدَّمَ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةَ أَقْرَاصٍ وَزَيْتًا وَمِلْحًا وَكَبَّرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى مَعْنَى الذِّكْرِ لِلَّهِ وَتَعْظِيمِ نِعَمِهِ وَالشُّكْرِ لَهُ عَلَى مَا نَقَلَهُمْ اللَّهُ مِنْ حَالِ الْقِلَّةِ وَالْمَجَاعَةِ إلَى الْخِصْبِ وَالْكَثْرَةِ حَتَّى يُوجَدَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ الْخُبْزِ وَالْإِدَامِ دُونَ اسْتِعْدَادٍ وَلَا تَأَهُّبٍ فَيُطْعِمَهُ مَنْ يَزُورُهُ دُونَ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي قُوتٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ طَعَامُهُ الْأَسْوَدَيْنِ التَّمْرَ وَالْمَاءَ وَصَفَهُمَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يُوصَفُ بِالْخُضْرَةِ وَهِيَ مِنْ أَلْوَانِ السَّوَادِ وَالتَّمْرَ كَثِيرٌ وَالْكَثِيرُ مِنْهُ مَائِلٌ إلَى السَّوَادِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ إتْبَاعًا كَمَا قَالُوا الْقَمَرَانِ وَالْعُمْرَانِ وَلَمْ يُصِبْ الْقَوْمُ مِنْ الطَّعَامِ شَيْئًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا صِيَامًا مَعَ أَنَّهُمْ بِالْخِيَارِ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى لِحُسْنِ الْأَدَبِ الْإِصَابَةَ مِنْهُ فَذَلِكَ أَطْيَبُ لِنَفْسِ الْمَزُورِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمَّا انْصَرَفُوا يَا ابْنَ أَخِي أَحْسِنْ إلَى غَنَمِك وَامْسَحْ الرَّغَامَ عَنْهَا وَهُوَ مَا يَجْرِي مِنْ أُنُوفِهَا قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزَنِيَّةِ هُوَ الْمُخَاطُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِي مَنَاخِرِهَا وَقَوْلُهُ وَأَطِبْ مُرَاحَهَا يَعْنِي تَنْظِيفَ الْمَكَانِ الَّذِي تَرُوحُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُصْلِحُهَا وَيُنَظِّفُهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لَهَا حَقًّا فِي مُرَاعَاةِ مَنَافِعِهَا وَيَجْرِي ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ : «فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» وَفِي الْعُتْبِيَّةِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ وَسْمِ الْغَنَمِ فِي الْآذَانِ فَقَالَ: إنَّهُ لَيَكْرَهُ أَنْ يُوسَمَ فِي الْوَجْهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَدْ قَالَ لَنَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْآذَانِ فَنَحَا إلَى أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ الْآخَرَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا وَسْمُ الْإِبِلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ بِهِ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ فَأَمَّا فِي الْوَجْهِ فَإِنَّا نَكْرَهُهُ وَقَوْلُهُ وَصَلِّ فِي نَاحِيَتِهَا يَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ بَعْرِهَا وَبَوْلِهَا وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إلَّا أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ يَشْرَبَ نَجَسًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: فَإِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مِنْ دَوَابِّ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُونُ الثُّلَّةُ فِيهِ مِنْ الْغَنَمِ وَهِيَ الْقَلِيلَةُ مِنْ الْغَنَمِ قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى: الْمِائَةُ وَنَحْوُهَا وَقَوْلُهُ خَيْرٌ مِنْ دَارِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ لِلْفِتْنَةِ الْوَاقِعَةِ بِالْمَدِينَةِ وَتَفَرُّقِ النَّاسِ عَنْهَا إلَى التَّبَرِّي بِالْمَاشِيَةِ وَالْغَنَمِ اعْتِزَالًا لِأَهْلِ الْفِتْنَةِ
стр. 2158
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَعَامٍ وَمَعَهُ رَبِيبُهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيك» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: إنَّ لِي يَتِيمًا وَلَهُ إبِلٌ أَفَأَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ إبِلِهِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنْ كُنْت تَبْغِي ضَالَّةَ إبِلِهِ وَتَهْنَأُ جَرْبَاهَا وَتَلِيطُ حَوْضَهَا وَتَسْقِيهَا يَوْمَ وِرْدِهَا فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ وَلَا نَاهِكٍ فِي الْحَلْبِ) .
ــ
[المنتقى]
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ سَمِّ اللَّهَ يَقْتَضِي أَنَّ التَّسْمِيَةَ مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الطَّعَامِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ عَلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ يُرِيدُ عِنْدَ ابْتِدَائِهِ وَيَحْمَدَ اللَّهَ عِنْدَ تَمَامِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَكُلْ مِمَّا يَلِيك يُرِيدُ مِنْ الطَّعَامِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ لَهُ وَالْإِرْشَادِ إلَى حُسْنِ الْأَدَبِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ يَنْبَغِي لِلْآكِلِ يُرِيدُ مَعَ غَيْرِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا يَلِيهِ إنْ كَانَ طَعَامًا مُتَسَاوِيًا فَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُدِيرَ يَدَهُ فِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي آخِرِ النِّكَاحِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْكُلُ فِي بَيْتِهِ مَعَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ فَيَأْكُلُ مِمَّا يَلِيهِمْ وَيَتَنَاوَلُ مِمَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ «أَكَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ خَيَّاطٍ فَقَدَّمَ قَدِيدًا وَدُبَّاءَ فَرَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ حَوْلَ الْقَصْعَةِ» .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْقَوْمِ يَأْكُلُونَ فَيَتَنَاوَلُ بَعْضُهُمْ مِنْ يَدِ بَعْضٍ وَبَعْضُهُمْ مُتَوَسِّعٌ لِبَعْضٍ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ الَّتِي تُعْرَفُ عِنْدَنَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِنْ سُنَّةِ الْأَكْلِ أَنْ يَكُونَ جَالِسًا عَلَى الْأَرْضِ عَلَى هَيْئَةٍ يَطْمَئِنُّ عَلَيْهَا وَلَا يَأْكُلُ مُضْطَجِعًا عَلَى بَطْنِهِ وَلَا مُتَّكِئًا عَلَى جَنْبِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْبُعْدِ عَنْ التَّوَاضُعِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ وَوَقْتُ الْأَكْلِ وَقْتُ تَوَاضُعٍ وَشُكْرٍ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ.
وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا.
(فَرْعٌ) وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَأْكُلُ وَهُوَ وَاضِعٌ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى الْأَرْضِ فَقَالَ: إنِّي لَأَتَّقِيهِ وَأَكْرَهُهُ وَمَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَرِهَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الِاتِّكَاءِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُسْمَعْ فِي ذَلِكَ بِنَهْيٍ يَخُصُّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ سَمِعَ فِي الْإِتْكَاءِ مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ إنْ كُنْت تَبْغِي ضَالَّةَ إبِلِهِ أَيْ تَطْلُبُ مَا ضَلَّ مِنْهَا وَتَقْتَفِي أَثَرَهُ وَتَنْشُدُهُ يُرِيدُ عَلَى حَسَبِ مَا تَفْعَلُ بِضَالَّةِ إبِلِك؛ لِأَنَّهُ هُوَ الِابْتِغَاءُ الْمُعْتَادُ وَقَوْلُهُ وَتَهْنَأُ جَرْبَاهَا يُرِيدُ تَطْلِي الْجَرَبَةَ مِنْهَا بِالْهَنَاءِ وَهُوَ الْقَطْرَانُ وَقَوْلُهُ وَتُلِيطُ حَوْضَهَا يُرِيدُ تَرُمُّ حَوْضَهَا الَّذِي تَشْرَبُ مِنْهُ وَتَكْنُسُهُ وَتَسْقِيهَا يَوْمَ وِرْدِهَا يُرِيدُ يَوْمَ شُرْبِهَا قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى وَابْنُ نَافِعٍ وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ لُطْت الْحَوْضَ لُوطًا طَيَّنْته.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ عَلَى مَعْنَى الْإِبَاحَةِ لَهُ لِيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا عَلَى هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَضُرَّ بِأَوْلَادِهَا وَقَوْلُهُ وَلَا نَاهِكٍ فِي الْحَلَبِ يُرِيدُ مُسْتَأْصِلَ اللَّبَنِ قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ نَافِعٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى، وَالْحَلَبُ بِفَتْحِ اللَّامِ اللَّبَنُ وَبِتَسْكِينِ اللَّامِ الْفِعْلُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ شَيْئًا إلَّا مِنْ اللَّبَنِ إنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا ثَمَنَ لَهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ فَذَهَبَ عُمَرُ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ بِالْمَعْرُوفِ، ثُمَّ قَضَى رَوَاهُ حَارِثَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ قَالَ: سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ أَنْزَلْت مَالَ اللَّهِ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ وَالِي الْيَتِيمِ إنْ اسْتَغْنَيْت اسْتَعْفَفْت وَإِنْ افْتَقَرْت أَكَلْت، ثُمَّ قَضَيْت وَرَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَرَوَى مُقَسِّمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ فَلْيُقَوِّتْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِهِ وَلَا يُصِبْ مِنْ
стр. 2159
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يُؤْتَى أَبَدًا بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ حَتَّى الدَّوَاءِ فَيُطْعَمُهُ، أَوْ يَشْرَبُهُ حَتَّى يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَنَعَّمَنَا اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ أَلْفَتْنَا نِعْمَتُك بِكُلِّ شَرٍّ فَأَصْبَحْنَا مِنْهَا وَأَمْسَيْنَا بِكُلِّ خَيْرٍ فَنَسْأَلُك تَمَامَهَا وَشُكْرَهَا لَا خَيْرَ إلَّا خَيْرُك وَلَا إلَهَ غَيْرُك إلَهَ الصَّالِحِينَ وَرَبَّ الْعَالَمِينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) .
(ص) : (قَالَ يَحْيَى سُئِلَ مَالِكٌ هَلْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ، أَوْ مَعَ غُلَامِهَا فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ مَا يُعْرَفُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْكُلَ مَعَهُ
ــ
[المنتقى]
مَالِ الْيَتِيمِ شَيْئًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ: مَعْنَاهُ يَأْكُلُ مِنْ الصَّامِتِ وَغَيْرِهِ وَلَا يَقْضِي وَقَالَ عَطَاءٌ يَأْكُلُ مَعَهُمْ بِقَدْرِ خِدْمَتِهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الرَّسَلِ وَالثَّمَرَةِ دُونَ صُلْبِ الْمَالِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَمَّا أَكْلُ الْفَاكِهَةِ وَشُرْبُ اللَّبَنِ فَخَفِيفٌ وَلَا يُنْتَفَعُ بِظَهْرِ إبِلِهِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَعْنَاهُ فِي الْيَتِيمِ إذَا كَانَ فَقِيرًا أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ فَقْرِهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ غِنَاهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: يَقْضِي مَا أَكَلَ بِالْبَيِّنِ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] وَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَدْفَعُ إلَيْهِمْ مِمَّا يَبْقَى وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنْ يَأْكُلَ النَّاظِرُ مِنْهُ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا مَضَرَّةَ عَلَى الْيَتِيمِ فِيهِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَوْ اسْتَعَفَّ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ لَكِنْ إنْ احْتَاجَ النَّاظِرُ لَهُ إلَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِهِ قَدْرَ حَاجَتِهِ فَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِرَاضِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَحَاجَةٍ لَا لِتَرَفُّهٍ وَلَا تَكَسُّبٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِقَدْرِ عَمَلِهِ وَنَظَرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ النَّظَرَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْتَزَمَهُ عَلَى وَجْهِ التَّطَوُّعِ دُونَ عِوَضٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى ذَلِكَ عِوَضًا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْيَتِيمِ يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَيَأْخُذُ نَفَقَتَهُ فَيُرِيدُ أَنْ يَخْلِطَهَا بِنَفَقَتِهِ وَيَكُونَ طَعَامُهُمْ وَاحِدًا فَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ التَّفَضُّلِ عَلَى الْيَتِيمِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَنَالُ الْيَتِيمَ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ حَقِّهِ فَلَا يُعْجِبُنِي وَهَذَا مِنْ مَالِكٍ ﵀ عَلَى وَجْهِ التَّنَاهِي فِي التَّحَرُّزِ لِكَثْرَةِ مَا حَدَثَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ التَّحَامُلِ وَعِنْدِي أَنَّهُ إذَا أَكَلَ الْيَتِيمُ بِقَدْرِ حَقِّهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَفِي إفْرَادِهِ بِقُوتِهِ مَشَقَّةٌ عَلَيْهِ وَعَلَى النَّاظِرِ لَهُ فِي الْغَالِبِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ لَا يُؤْتَى بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ حَتَّى الدَّوَاءِ فَيُطْعَمُهُ، أَوْ يَشْرَبُهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَا يُنَاوَلُ مِنْ دَوَاءٍ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الطَّعَامِ، أَوْ الشَّرَابِ فَأَرَادَ مَا كَانَ مِنْ طَعَامٍ، أَوْ شَرَابٍ مُعْتَادٍ، أَوْ غَيْرِ مُعْتَادٍ فَكَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ﵁ يَقُولُ عِنْدَ تَنَاوُلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَنَعَّمَنَا إلَى آخِرِ الذِّكْرِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ قَبْلَ تَنَاوُلِهِ وَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ بِهِ كَانَ يَقُولُهُ بَعْدَ تَنَاوُلِهِ فَيَكُونُ مَعْنَى اللَّفْظِ فَيَطْعَمُهُ أَوْ يَشْرَبُهُ إلَّا قَالَ: كَذَا يُقَالُ لَا تَبِعْ مِنْ فُلَانٍ حَتَّى تَرْبَحَ مَعْنَاهُ إلَّا أَنْ تَرْبَحَ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ لَا يَكُونُ وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالثَّانِي أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ مَشْرُوعٌ فِي آخِرِ الطَّعَامِ وَالتَّسْمِيَةَ مَشْرُوعَةٌ فِي أَوَّلِ الطَّعَامِ «وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ: سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيك» وَيُجْزِئُ مِنْ التَّسْمِيَةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَيُجْزِئُ مِنْ الْحَمْدِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَحَسَنٌ فَإِنَّهُ ذِكْرٌ لِلَّهِ .
وَرُوِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵇ لَمَّا قَرَّبَ الْعِجْلَ لِلْمَلَائِكَةِ وَهُوَ يَعْتَقِدُهُمْ أَضْيَافًا مِنْ الْإِنْسِ قَالَ: أَلَا تَأْكُلُونَ قَالُوا: لَا نَأْكُلُ طَعَامًا إلَّا بِثَمَنٍ قَالَ لَهُمْ فَإِنَّ لِهَذَا الطَّعَامِ ثَمَنًا قَالُوا وَمَا ثَمَنُهُ قَالَ تُسَمُّونَ اللَّهَ فِي أَوَّلِهِ وَتَحْمَدُونَهُ فِي آخِرِهِ فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ وَقَالُوا حُقَّ لِهَذَا أَنْ يَتَّخِذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا.
стр. 2160
مِنْ الرِّجَالِ قَالَ وَقَدْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا وَمَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ تُؤَاكِلُهُ، أَوْ مَعَ أَخِيهَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْلُوَ مَعَ الرَّجُلِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةٌ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُ مَالِكٍ ﵀ لَا بَأْسَ أَنْ تَأْكُلَ الْمَرْأَةُ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ يُرِيدُ مَنْ تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ كَالْأَبِ وَالِابْنِ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْخَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مُؤَاكَلَتِهَا لَهُ أَكْثَرُ مِنْ النَّظَرِ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَيَجُوزُ لِذِي مَحْرَمٍ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إلَى مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ قَالَ اللَّهُ ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ مَعْنَاهُ مَا فَوْقَ النَّحْرِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَمَعَ غُلَامِهَا يُرِيدُ عَبْدَهَا وَذَلِكَ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْأَكْلَ لَيْسَ فِيهِ إلَّا النَّظَرُ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَذَلِكَ مُبَاحٌ لِلْعَبْدِ وَأَمَّا نَظَرُهُ إلَى شَعْرِهَا فَاخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ فَقَالَ الشَّعْبِيُّ لَا بَأْسَ أَنْ تَضَعَ الْمَرْأَةُ ثَوْبَهَا عِنْدَ مَمْلُوكِهَا وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرَى شَعْرَهَا وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ الْمَمْلُوكُ إلَى شَعْرِ مَوْلَاتِهِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ يَجُوزُ أَنْ يَرَى الْعَبْدُ مِنْ سَيِّدَتِهِ مَا يَرَاهُ ذُو الْمَحَارِمِ كَالْأَبِ وَالْأَخِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ تَحْرِيمَهُ لَيْسَ بِمُؤَبَّدٍ كَالْأَجْنَبِيِّ لَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ، أَوْ كَالْأَجْنَبِيِّ يَكُونُ زَوْجَ أُخْتِهَا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي قَوْلُ اللَّهِ ﵎ ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الْآيَةُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] إنَّمَا عَنَى بِهَا الْإِمَاءَ وَلَمْ يَعْنِ بِهَا الْعَبِيدَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَلَيْسَ مَا قَالَهُ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] عَامٌّ وَالْإِمَاءُ قَدْ دَخَلْنَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى بِأَنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَجَازَ لَهُ النَّظَرُ إلَى شَعْرِهَا كَذَوِي الْمَحَارِمِ وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إلَى شَعْرِهَا مِنْ عَبِيدِهَا إلَّا الْوَغْدُ وَهُوَ الَّذِي لَا مَنْظَرَ لَهُ وَأَمَّا الْعَبْدُ الْحَسَنُ الْمَنْظَرِ فَلَا يَرَى شَعْرَهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْظَرًا كَانَ مِمَّنْ لَا أَرَبَ لَهُ فِيهَا وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَأَمَّا الَّذِي لَهُ مَنْظَرٌ فَهُوَ مِمَّنْ لَهَا فِيهِ أَرَبٌ وَلَهُ فِي النِّسَاءِ أَرَبٌ وَتَحْرِيمُهُ غَيْرُ مُتَأَبِّدٍ.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَيْسَ عَبْدُهَا مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهَا الَّذِي يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ مَعَهُ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ مِنْهَا لَا تَدُومُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تُعْتِقَهُ فِي سَفَرِهَا فَيَحِلُّ لَهُ تَزْوِيجُهَا.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٥٨] فَأَجْرَاهُمْ مَجْرَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ مِنْ الْأَجَانِبِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: وَقَدْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا وَغَيْرِهِ مِمَّنْ تُؤَاكِلُهُ، أَوْ مَعَ أَخِيهَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ نَظَرَ الرَّجُلِ إلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ وَكَفَّيْهَا مُبَاحٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَبْدُو مِنْهَا عِنْدَ مُؤَاكَلَتِهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ ﵎ ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: الزِّينَةُ زِينَتَانِ: زِينَةٌ ظَاهِرَةٌ وَهِيَ الثِّيَابُ، وَزِينَةٌ بَاطِنَةٌ لَا يَرَاهَا إلَّا الزَّوْجُ وَهِيَ الْكُحْلُ وَالسِّوَارُ وَالْخَاتَمُ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: مَا ظَهَرَ مِنْهَا مَا فَوْقَ الدِّرْعِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] يَعْنِي الثِّيَابَ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﴿إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَذَكَرَ ابْنُ بُكَيْر أَنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَالظَّاهِرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتُرَ فِي الصَّلَاةِ كُلَّ مَوْضِعٍ مِنْهَا إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ يَجُوزُ لِلْقُرْبَى أَنْ يَرَوْهُ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ: إنَّمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ أَنْ تَأْكُلَ الْمَرْأَةُ مَعَ مَنْ تَأْمَنُ الْفِتْنَةَ فِي الْأَكْلِ مَعَهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَغُضَّ عَنْ بَعْضِ الْمَرْئِيَّاتِ
стр. 2161
مَا جَاءَ فِي أَكْلِ اللَّحْمِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إيَّاكُمْ وَاللَّحْمَ فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَدْرَكَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَمَعَهُ حَمَّالُ لَحْمٍ فَقَالَ: مَا هَذَا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَرَمْنَا إلَى اللَّحْمِ فَاشْتَرَيْتُ بِدِرْهَمٍ لَحْمًا فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَطْوِيَ بَطْنَهُ عَنْ جَارِهِ، أَوْ ابْنِ عَمِّهِ أَيْنَ تَذْهَبُ عَنْكُمْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] ) .
ــ
[المنتقى]
وَهِيَ الَّتِي لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْلُوَ مَعَ الرَّجُلِ مِمَّنْ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ حُرْمَةٌ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْت الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ» قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: الْحَمْوُ أَخُو الزَّوْجِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِبِ الزَّوْجِ ابْنُ الْعَمِّ وَنَحْوُهُ.
[مَا جَاءَ فِي أَكْلِ اللَّحْمِ]
(ش) : قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: إيَّاكُمْ وَاللَّحْمَ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ اللَّحْمِ وَيُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إيَّاكُمْ وَالْإِكْثَارَ مِنْهُ وَالْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ وَأَنْ لَا يُجْتَزَى بِشَيْءٍ مِنْ الْأُدْمِ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ يَأْكُلُ فِي بَعْضِ أَوْقَاتِهِ وَيُؤْكَلُ عِنْدَهُ وَقَوْلُهُ فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَةً يُرِيدُ عَادَةً تَدْعُو إلَيْهِ وَيَشُقُّ تَرْكُهَا لِمَنْ أَلِفَهَا وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ مَنْعَ التَّنْعِيمِ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى أَكْلِ اللَّحْمِ وَبِكُلِّ مَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ وَنَدَبَ إلَى الِاقْتِصَادِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى أَيْسَرِ الْأَقْوَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَدْرَكَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَمَعَهُ حَمَّالُ لَحْمٍ فَقَالَ: مَا هَذَا فَقَالَ: قَرَمْنَا إلَى اللَّحْمِ فَاشْتَرَيْت بِدِرْهَمٍ لَحْمًا فَقَالَ عُمَرُ أَمَا يُرِيدُ أَنْ يَطْوِيَ أَحَدُكُمْ بَطْنَهُ عَنْ جَارِهِ وَابْنِ عَمِّهِ فَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِ شِدَّةٍ عَمَّتْ النَّاسَ فَكَرِهَ لَهُ التَّنَعُّمَ بِأَكْلِ اللَّحْمِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَأَرَادَ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا امْتَنَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْ أَكْلِ السَّمْنِ حَتَّى يَعُمَّ النَّاسَ الْخِصْبُ وَيَعُودَ بِفَضْلِ قُوتِهِ عَلَى جِيرَانِهِ وَبَنِي عَمِّهِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَمَا يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَطْوِيَ بَطْنَهُ عَنْ جَارِهِ وَابْنِ عَمِّهِ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ لِذَلِكَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَلَيْسَ مَا يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَطْوِيَ بَطْنَهُ عَنْ جَارِهِ وَابْنِ عَمِّهِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ شِبَعِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى عَنْ جَارِهِ عِنْدِي مِنْ أَجْلِ جَارِهِ وَابْنِ عَمِّهِ فَيُشَارِكُهُ فِي قُوتِهِ لِيَعُودَ عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁: أَيْنَ تَذْهَبُ عَنْكُمْ هَذِهِ الْآيَةُ يُرِيدُ أَيْنَ تَذْهَبُ عَنْكُمْ فَلَا تَعْتَبِرُونَ بِهَا وَلَا تَمْتَنِعُوا عَمَّا عَابَهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] فَعَابَهُمْ اللَّهُ وَوَبَّخَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَمَعْنَى الْآيَةِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّكُمْ اسْتَوْفَيْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ وَاسْتَوْعَبْتُمُوهُ اوَلَمْ تَتْرُكُوا شَيْئًا مِنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى بَلْ اسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا وَقَطَعْتُمْ بِهَا أَعْمَارَكُمْ دُونَ أَنْ تَقْطَعُوهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ وَأَشْغَلْتُمْ بِهَا أَنْفُسَكُمْ عَنْ الْعَمَلِ لِلَّهِ فَكَرِهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا اشْتَرَى اللَّحْمَ بَعْدَ أَنْ قَرَمَ هُوَ وَأَهْلُهُ إلَيْهِ اتِّبَاعَ شَهْوَتِهِ وَإِيثَارَهَا عَلَى مُوَاسَاةِ الْجَارِ وَابْنِ الْعَمِّ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ شِئْت لَكُنْت مِنْ أَلْيَنِكُمْ طَعَامًا وَأَرَقِّكُمْ عَيْشًا وَإِنِّي - وَاَللَّهِ - مَا أَجْهَلُ كَذَا وَكَذَا وَأَسْنِمَةٌ وَصْلًا وَصْلًا وَيَوَدُّ مَنَابًا مَا وَلَكِنِّي سَمِعْت اللَّهَ عَيَّرَ قَوْمًا بِأَمْرٍ فَعَلُوهُ فَقَالَ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] .
стр. 2162
مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَبَذَهُ وَقَالَ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا قَالَ: فَنَبَذَ النَّاسُ بِخَوَاتِيمِهِمْ» مَالِكٌ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ لُبْسِ الْخَاتَمِ فَقَالَ: الْبَسْهُ وَأَخْبِرْ النَّاسَ أَنِّي أَفْتَيْتُك بِذَلِكَ) .
مَا جَاءَ فِي نَزْعِ الْمَعَالِيقِ وَالْجَرَسِ مِنْ الْعَيْنِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ «أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ قَالَ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَسُولًا فَقَالَ
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ]
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ يَقْتَضِي إبَاحَةَ ذَلِكَ حِينَ لَبِسَهُ لَهُ، ثُمَّ وَرَدَ نَسْخُ إبَاحَتِهِ بِتَحْرِيمِهِ فَنَبَذَهُ وَقَالَ: لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ الذَّهَبَ الَّتِي كَانُوا اتَّخَذُوهَا حَالَ الْإِبَاحَةِ وَأَمَّا التَّخَتُّمُ بِالْفِضَّةِ فَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لِصَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ الْبَسْهُ وَأَخْبِرْ النَّاسَ أَنِّي أَفْتَيْتُك بِذَلِكَ وَهُوَ لِمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الشَّامِ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ السُّلْطَانِ لِحَدِيثِ رُوِيَ عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ أَنَّهُ سَمِعَ «النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ عَشْرِ خِصَالٍ عَنْ الْوَشْمِ وَالْوَسْمِ وَالتَّخَتُّمِ لِغَيْرِ ذِي السُّلْطَانِ» وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ.
وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ بَعْدَ هَذَا الْقَائِلِ عَلَى جَوَازِ التَّخَتُّمِ وَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ نَبَذَهُ وَنَبَذَ النَّاسُ» وَهَذَا وَهْمٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَاَلَّذِي رَوَاهُ أَصْحَابُ أَنَسٍ ثَابِتٌ وَقَتَادَةُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمَ الذَّهَبِ، ثُمَّ نَبَذَهُ وَاِتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ وَنَقَشَ فِيهِ " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " فَكَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ فِي يَدِ عُمَرَ، ثُمَّ سَقَطَ مِنْ يَدِ عُثْمَانَ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ.
وَقَدْ رَوَى زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ نَبَذَهُ» .
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزَنِيَّةِ: وَلَا يُجْعَلُ لِخَاتَمِ الْفِضَّةِ فَصٌّ مِنْ ذَهَبٍ وَلَا يُذَهَّبُ، وَكَرِهَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ فِي فَصِّ خَاتَمِهِ مِنْ الذَّهَبِ قَدْرًا لِئَلَّا تَصْدَأَ الْفِضَّةُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى التَّخَتُّمِ فِي الشِّمَالِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَكْرَهُ التَّخَتُّمَ فِي الْيَمِينِ وَقَالَ إنَّمَا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَعْمَلُ بِيَمِينِهِ فَكَيْفَ يَبْدَأُ أَنْ يَأْخُذَ الْخَاتَمَ بِيَسَارِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ فِي يَمِينِهِ قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَ الْخَاتَمَ فِي يَمِينِهِ لِلْحَاجَةِ يَتَذَكَّرُهَا أَوْ يَرْبِطَ خَيْطًا فِي أُصْبُعِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْقُشَ فِي الْخَاتَمِ اسْمَ اللَّهِ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٌ وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ كُتُبَ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ وَسَائِرَ الْعُلُومِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَذِكْرِهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فِيهَا وَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ وَحَمْلِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَيُقَالُ كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ مَالِكٍ ﵀ حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
(فَرْعٌ) وَمَنْ لَبِسَهُ فِي يَسَارِهِ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لَهُ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِهِ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا أَرَادَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ» قَالَ أَبُو دَاوُد: وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 2163
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَقِيلِهِمْ لَا تَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةٌ إلَّا قُطِعَتْ» قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: أَرَى ذَلِكَ مِنْ الْعَيْنِ) .
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي نَزْعِ الْمَعَالِيقِ وَالْجَرَسِ مِنْ الْعَيْنِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ : لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةٌ عَلَى الشَّكِّ مِنْ الرَّاوِي أَنْ يَكُونَ خَصَّ، أَوْ عَمَّ إلَّا قُطِعَتْ وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ الْمَمْنُوعَ مِنْهَا الْأَوْتَارُ.
وَقَالَ: فِي الْعُتْبِيَّةِ مَا سَمِعْتُ بِكَرَاهِيَةٍ إلَّا فِي الْوَتَرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِهِ مِنْ غَيْرِ الْوَتَرِ وَلَعَلَّهُ كَانَ يُصْنَعُ كَثِيرًا عَلَى وَجْهٍ مَحْظُورٍ فَتَعَلَّقَ الْمَنْعُ بِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيُّ: وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يُقَلِّدُونَهُ لِلْعَيْنِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَأَمَّا لِلْجَمَالِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ أَرَى ذَلِكَ مِنْ الْعَيْنِ عَلَى وَجْهِ التَّأْوِيلِ لِلْحَدِيثِ وَالْعُدُولِ بِهِ عَنْ عُمُومِهِ بِنَظَرِهِ وَاجْتِهَادِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ فِي عُنُقِهِ الْخِطَامُ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُشَدُّ بِهِ الرَّحْلُ، وَيُزَيِّنُ ذَلِكَ بِمَا شَاءَ وَمَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَظُنُّ أَنَّ تِلْكَ الْقَلَائِدَ تَمْنَعُ أَنْ تُصِيبَ الْإِبِلَ الْعَيْنُ، أَوْ تَرُدُّ الْقَدَرَ وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَلَّقَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَالْبَهَائِمِ شَيْءٌ مِنْ الْعَلَائِقِ خَوْفَ نُزُولِ الْعَيْنِ وَإِنْ جَوَّزُوا تَعْلِيقَ ذَلِكَ عَلَى السَّقِيمِ رَجَاءً لِلْبُرْءِ وَالصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ جَوَازُ ذَلِكَ فِي الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْفُقَهَاءِ وَقَدْ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْصِدَ وَيَحْتَجِمَ خَوْفَ التَّأَذِّي بِالدَّمِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّأَذِّي بِهِ لِإِزَالَةِ ضَرَرِهِ وَكَمَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الْعَيْنِ وَبَعْدَهَا إذَا كَانَ فِيهَا حِرْزٌ، أَوْ دُعَاءٌ.
وَقَدْ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزَنِيَّةِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعَلِّقَ الرَّجُلُ عَلَى فَرَسِهِ لِلْجَمَالِ الْقِلَادَةَ الْمُلَوَّنَةَ فِيهَا خَرَزٌ وَإِنَّمَا كُرِهَ الْوَتَرُ وَمَا اُتُّخِذَ لِلْعَيْنِ وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى.
وَقَالَ مَالِكٌ: مَا سَمِعْتُ بِكَرَاهِيَةٍ فِي الْقِلَادَةِ أَوْ فِي الْوَتَرِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : قَلِّدُوا الْخَيْلَ وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ، وَلَا أَعْرِفُهُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ وَقَالَ غَيْرُهُ مَعْنَاهُ وَلَا تَرْكَبُوهَا فِي الْفِتَنِ فَمَنْ رَكِبَ فَرَسًا يَنْشَبُ أَنْ يُعَلَّقَ بِهِ وَتَرٌ يُطْلَبُ بِهِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مَا كُرِهَ مِنْ الْقَلَائِدِ فِي أَعْنَاقِ الْإِبِلِ هُوَ مِثْلُ الْجَرَسِ فَقَالَ: الْجَرَسُ أَشَدُّ قَالَ: وَإِنَّمَا كُرِهَ الْجَرَسُ فِيمَا يَقَعُ بِقَلْبِي لِصَوْتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَلِّقَ الْعُوذَةَ فِيهَا الْقُرْآنَ وَذِكْرُ اللَّهِ عَلَى الْإِنْسَانِ إذَا خُرِزَ عَلَيْهَا جِلْدٌ وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَعْقِدَ فِي الْخَيْطِ الَّذِي يَرْبِطُ بِهِ وَلَا فِي أَنْ يَكْتُبَ فِي ذَلِكَ: " خَاتَمُ سُلَيْمَانَ " قَالَهُ كُلَّهُ مَالِكٌ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعَلِّقَ الْحِرْزَ مِنْ الْحُمْرَةِ وَلَا بَأْسَ بِالنَّشْرَةِ وَالْأَسْعَارِ وَالْأَدْهَانِ وَبَلَغَنِي أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ سُحِرَتْ فَقِيلَ لَهَا فِي مَنَامِهَا: خُذِي مَاءً مِنْ ثَلَاثَةِ آبَارٍ تَجْرِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فَاغْتَسِلِي بِهِ فَفَعَلَتْ فَذَهَبَ عَنْهَا، مَا كَانَتْ تَجِدُهُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ سَأَلَ مَالِكٌ عَمَّا يُعَلَّقُ مِنْ الْكُتُبِ فَقَالَ: مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ كَلَامُ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
(فَصْلٌ) :
ذَكَرَ فِي التَّرْجَمَةِ نَزْعَ الْمَعَالِيقِ وَالْجَرَسِ مِنْ الْعَيْنِ وَلَا ذِكْرَ لَهَا فِي الْحَدِيثِ إلَّا بِمَعْنَى أَنَّهَا لَا تُعَلَّقُ فِي عُنُقِ الْبَعِيرِ إلَّا بِقِلَادَةٍ فَاقْتَضَى الْأَمْرُ بِنَزْعِ الْقَلَائِدِ أَنْ لَا يَنْزِعَهَا إلَّا أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا حُمِلَ الْأَمْرُ بِنَزْعِ الْقَلَائِدِ عَلَى عُمُومِهِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ فِي كَرَاهِيَةِ الْقَلَائِدِ فِي أَعْنَاقِ الْإِبِلِ الْجَرَسُ أَشَدُّهُ وَمَا أَرَاهُ كَرِهَ الْجَرَسَ إلَّا لِصَوْتِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الْأَكْرِيَاءِ يَجْعَلُونَ الْأَجْرَاسَ فِي الْحَمِيرِ وَالْإِبِلِ الَّتِي تَحْمِلُ الْقُرْطَ وَغَيْرَهُ قَالَ: مَا جَاءَ فِيهِ إلَّا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ لَهُ قَالَ مَالِكٌ: إنَّ سَالِمًا مَرَّ عَلَى عِيرٍ لِأَهْلِ الشَّامِ وَفِيهَا جَرَسٌ فَقَالَ لَهُمْ سَالِمٌ: إنَّ هَذَا يُنْهَى عَنْهُ قَالُوا لَهُ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْك إنَّمَا يُكْرَهُ الْجُلْجُلُ الْكَبِيرُ فَأَمَّا مِثْلُ هَذَا الصَّغِيرُ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَسَكَتَ سَالِمٌ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الْجَرَّاحِ مَوْلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْعِيرُ الَّتِي فِيهَا جَرَسٌ لَا تَصْحَبُهَا الْمَلَائِكَةُ» .
стр. 2164
الْوُضُوءُ مِنْ الْعَيْنِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ «اغْتَسَلَ أَبِي سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ بِالْخَرَّارِ فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يَنْظُرُ إلَيْهِ قَالَ: كَانَ سَهْلٌ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِلْدِ قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ عَذْرَاءَ قَالَ: فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ وَاشْتَدَّ وَعْكُهُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُخْبِرَ أَنَّ سَهْلًا وُعِكَ وَأَنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ مَعَك يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ بِاَلَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِ عَامِرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَلَّا بَرَّكْتَ إنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ تَوَضَّأْ لَهُ فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ» مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ قَالَ: «رَأَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَغْتَسِلُ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخْتَبِئَةٍ فَلُبِطَ سَهْلٌ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَك فِي سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَاَللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَقَالَ: هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ أَحَدًا قَالُوا نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ: عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَلَّا بَرَّكْتَ اغْتَسِلْ لَهُ فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ» ) .
ــ
[المنتقى]
[الْوُضُوءُ مِنْ الْعَيْنِ]
(ش) : قَوْلُهُ اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ بِالْخَرَّارِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ هُوَ مَاءٌ بِالْمَدِينَةِ وَقِيلَ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ وَقِيلَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهَا فَقَالَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ الْمُغَيَّبَةُ الْمُخَدَّرَةُ الَّتِي لَا تَظْهَرُ قَالَ: فَلُبِطَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ قَالَ حَبِيبٌ عَنْ مَالِكٍ مَعْنَاهُ وُعِكَ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ نَافِعٍ مَعْنَاهُ حُمَّ فَوَقَعَ صَرِيعًا كَالْمَرِيضِ الْمُثْبَتِ الْمُثْقَلِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وُعِكَ سَهْلٌ يُرِيدُ حُمَّ غَيْرَ أَنَّ لَفْظَ لُبِطَ عِنْدَ الْعَرَبِ بِمَعْنَى صُرِعَ وَسَقَطَ بِالْأَرْضِ مِنْ خَبَلٍ، أَوْ سُكْرٍ، أَوْ إعْيَاءٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِي حُمَّاهُ أَنَّهَا بَلَغَتْ بِهِ هَذَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ أَحَدًا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَصَابَهُ بِالْعَيْنِ وَلَعَلَّهُ كَانَ بَلَغَهُ ذَلِكَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَحَقَّقَهُ وَلَمَّا أُخْبِرَ بِمَا كَانَ مِنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَأَقَرَّ الْمُتَّهَمُ لَهُ بِذَلِكَ عَلَى تَصْحِيحِهِ لَهُ وَتَعَيُّنِهِ إيَّاهُ وَذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: الْعَيْنُ حَقٌّ وَقَدْ ذَكَرَ النَّاسُ فِي أَمْرِ الْعَيْنِ وُجُوهًا أَصَحُّهَا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ أَجْرَى الْعَادَةَ عِنْدَ تَعَجُّبِ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنُطْقِهِ بِهِ دُونَ أَنْ يُبَرِّكَ أَنْ يَمْرَضَ الْمُتَعَجَّبُ مِنْهُ، أَوْ يَتْلَفَ، أَوْ يَفْسُدَ، أَوْ يَتَغَيَّرَ، أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ وُجُودِ مَعْنًى فِي نَفْسِ الْعَائِنِ لَا يُوجَدُ فِي نَفْسِ غَيْرِهِ مِنْ حَسَدٍ مَخْصُوصٍ، أَوْ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي إلَّا أَنَّ الْعَائِنَ إذَا بَرَّكَ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ بَطَلَ الْمَعْنَى الَّذِي يُخَافُ مِنْ الْعَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِيرٌ فَإِنْ لَمْ يُبَرِّكْ وَقَعَ مَا أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْعَادَةَ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْوُضُوءِ عَلَى مَا قَالَ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ وَفِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ: اغْتَسِلْ لَهُ إلَّا أَنَّهُ فُسِّرَ الْغُسْلُ بِفِعْلِ الْوُضُوءِ وَالْوُضُوءُ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الْمَخْصُوصَةِ بِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ فِي مَعْنَى الْوُضُوءِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَغْسِلُ الَّذِي يُتَّهَمُ لِلرَّجُلِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ إنَّمَا يَغْسِلُ يَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَلَا يَغْسِلُ مَا بَيْنَ الْيَدِ وَالْمِرْفَقِ.
وَرُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْغُسْلُ
стр. 2165
الرُّقْيَة مِنْ الْعَيْنِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ أَنَّهُ قَالَ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِابْنَيْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: لِحَاضِنَتِهِمَا مَالِي أَرَاهُمَا ضَارِعَيْنِ فَقَالَتْ حَاضِنَتُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ تُسْرِعُ إلَيْهِمَا الْعَيْنُ وَلَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نَسْتَرْقِيَ لَهُمَا إلَّا أَنَّا لَا نَدْرِي مَا يُوَافِقُك مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْتَرْقُوا لَهُمَا فَإِنَّهُ لَوْ سَبَقَ شَيْءٌ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي الْبَيْتِ صَبِيٌّ يَبْكِي فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ بِهِ الْعَيْنَ قَالَ عُرْوَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَا تَسْتَرْقُونَ لَهُ مِنْ الْعَيْنِ» ) .
ــ
[المنتقى]
الَّذِي أَدْرَكْنَا عُلَمَاءَنَا يَصِفُونَهُ أَنْ يُؤْتَى الْعَائِنُ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَيُمْسِكُ مُرْتَفِعًا مِنْ الْأَرْضِ فَيُدْخِلُ فِيهِ كَفَّهُ فَيُمَضْمِضُ، ثُمَّ يَمُجُّهُ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ فِي الْقَدَحِ صَبَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى كَفِّهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى صَبَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى مِرْفَقِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فَيَصُبُّ عَلَى مِرْفَقِهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى قَدَمِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى قَدَمِهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى كُلُّ ذَلِكَ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ يُدْخِلُ دَاخِلَةَ إزَارِهِ فِي الْقَدَحِ وَلَا يُوضَعُ الْقَدَحُ فِي الْأَرْضِ فَيَصُبُّ عَلَى رَأْسِ الْمُعِينِ مِنْ خَلْفِهِ صَبَّةً وَاحِدَةً وَقِيلَ يَغْتَفِلُ وَيَصُبُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُكْفَأُ الْقَدَحُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَرَاءَهُ وَأَمَّا دَاخِلَةُ إزَارِهِ فَهُوَ الطَّرَفُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يُفْضِي مِنْ مِئْزَرِهِ إلَى جِلْدِهِ كَأَنَّهُ إنَّمَا يَمُرُّ بِالطَّرَفِ الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ حَتَّى يَشُدَّهُ بِذَلِكَ الطَّرَفِ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يَكُونُ مِنْ دَاخِلٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ: لَا يَغْسِلُ مَوْضِعَ الْحُجْزَةِ مِنْ دَاخِلِ الْإِزَارِ وَإِنَّمَا يَغْسِلُ الطَّرَفَ الْمُتَدَلِّيَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ يُرِيدُ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّا أَصَابَتْهُ عَيْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ حِينَ امْتَثَلَ فِي أَمْرِهِ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ اغْتِسَالِ عَامِرٍ لَهُ وَاغْتِسَالِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ بِذَلِكَ الْمَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَهْلًا دَخَّلَ مَاءً لِلْغُسْلِ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا كَانَ يَغْتَسِلُ بِمَا يَغْتَرِفُهُ بِيَدَيْهِ وَيَصُبُّهُ عَلَيْهِ وَلَا فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اغْتَسَلَ بِغَيْرِ إزَارٍ؛ لِأَنَّ حُسْنَ جِلْدِهِ يَظْهَرُ بِكَشْفِ مُعْظَمِ جَسَدِهِ مَعَ بَقَاءِ إزَارِهِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَدُخُولُ الْمَاءِ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ حَيْثُ لَا يَكُونُ أَحَدٌ يَنْظُرُ إلَيْهِ مُبَاحٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ؛ لِأَنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا وَاحْتَجَّ النَّسَائِيّ فِي جَوَازِ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ مُوسَى ﵇ حِينَ اغْتَسَلَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ فَجَرَى الْحَجَرُ بِثِيَابِهِ وَأَتْبَعَهُ مُوسَى ﵇ حَتَّى رَأَتْهُ بَنُو إسْرَائِيلَ فَقَالُوا مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا مَا لَمْ يَطْرَأْ نَسْخٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[الرُّقْيَة مِنْ الْعَيْنِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ فِي ابْنَيْ جَعْفَرٍ مَالِي أَرَاهُمَا ضَارِعَيْنِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى مَعْنَاهُ نَاحِلَيْنِ نَحَلَتْ أَجْسَامُهُمَا فَقَالَتْ حَاضِنَتُهُمَا وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ أُمَّهُمَا وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ كَانَتْ تَحْتَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَمُحَمَّدًا وَعَوْنًا، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَوَلَدَتْ لَهُ يَحْيَى
стр. 2166
مَا جَاءَ فِي أَجْرِ الْمَرِيضِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ بَعَثَ اللَّهُ ﵎ إلَيْهِ مَلَكَيْنِ فَقَالَ: اُنْظُرَا مَاذَا يَقُولُ لِعُوَّادِهِ فَإِنْ هُوَ إذَا جَاءُوهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ رَفَعَا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ وَهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ: لِعَبْدِي عَلَيَّ إنْ تَوَفَّيْتُهُ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَإِنْ أَنَا شَفَيْتُهُ أَنْ أُبَدِّلَ لَهُ لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ وَأَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ» ) .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ الْحَاضِنَةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ تُسْرِعُ إلَيْهِمَا الْعَيْنُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِمَّا يُحْدِثُهُ اللَّهُ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَائِنِ لِلْمَعِينِ وَقَوْلُهُ مَا يَقُولُ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ لَهُ، أَوْ التَّعَجُّبِ مِنْهُ دُونَ أَنْ يُبَرِّكَ كَمَا يُحْدِثُ اللَّهُ الْمَرَضَ عِنْدَ تَنَاوُلِ الْإِنْسَانِ مِنْ الْأَغْذِيَةِ وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ ﵎ الْعَادَةَ بِأَنْ يَبْرَأَ مِنْ ذَلِكَ بِالِاسْتِرْقَاءِ كَمَا أَجْرَى الْعَادَةَ بِأَنْ يَبْرَأَ مِنْ الْأَدْوَاءِ الْمَخْصُوصَةِ بِأَدْوِيَةٍ مَخْصُوصَةٍ.
وَقَالَ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتَرْقُوا لَهُمَا وَلَمْ يَأْمُرْ بِالِاغْتِسَالِ؛ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ الْعَائِنُ مَعْرُوفًا وَأَمَّا إذَا كَانَ مَجْهُولًا فَلَا سَبِيلَ إلَى أَنْ يُخَصَّ أَحَدٌ بِالِاغْتِسَالِ وَإِنَّمَا يَذْهَبُ أَذَاهُ بِالرُّقْيَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَكِتَابِهِ وَذِكْرِهِ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثُ.
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الرُّقَى حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَلُدِغَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَانَ آلُ حَزْمٍ يَرْقَوْنَ مِنْ الْحُمَّةِ فَلَمَّا نَهَيْتَ عَنْ الرُّقَى تَرَكُوهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اُدْعُوا إلَيَّ عُمَارَةَ فَقَالَ: اعْرِضْ عَلَيَّ رُقْيَتَكَ فَعَرَضَهَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَ بِهَا بَأْسًا وَأَذِنَ لَهُمْ فِيهَا» فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَمْنُوعَةً، ثُمَّ نُسِخَ الْمَنْعُ بِالْإِبَاحَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهَا مَا كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْكُفْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄ أَنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتُّوَلَةَ شِرْكٌ فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُمَا أَنَّهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّهْيِ وَلَمْ يَعْرِفَا النَّسْخَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا أَرَادَا بِذَلِكَ الرُّقَى بِقَوْلٍ يَتَضَمَّنُ الْكُفْرَ.
وَقَدْ رَوَى «عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ كُنَّا نُرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ فَقَالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ فَلَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَرْقِي وَيَنْشُرُ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِالْكَلَامِ الطَّيِّبِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا رُقْيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَكَرِهَهَا مَالِكٌ ﵀ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ لَا أَكْرَهُ رُقْيَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَخَذَ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ إذْ قَالَ لِلْيَهُودِيَّةِ: أَرْقِهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَمْ يَأْخُذْ بِكَرَاهِيَةِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَرْقِيَ الرَّاقِي وَبِيَدِهِ الْحَدِيدَةُ، أَوْ الْمِلْحُ، وَالْعَقْدُ فِي الْخَيْطِ أَعْظَمُ كَرَاهِيَةً عِنْدَهُ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ الْحَدِيدَةَ وَالْمِلْحَ، وَالْعَقْدُ فِي الْخَيْطِ أَشَدُّ كَرَاهِيَةً وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ وَجْهُ مَنْفَعَتِهِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ لِمَا يُضَافُ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَأَمَّا الشَّيْءُ يُنْجَمُ فَيُجْعَلُ عَلَيْهِ حَدِيدَةٌ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا وَأَنَّهُ لَيَقَعُ فِي قَلْبِي أَنَّ التَّنْجِيمَ لِطُولِ اللَّيْلِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ لَوْ سَبَقَ الْقَدَرَ شَيْءٌ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَسْبِقُ الْقَدَرَ شَيْءٌ وَأَنَّهُ مِمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ ﵎ لَكِنْ لَمَّا كَانَ تَأْثِيرُ الْعَيْنِ تَأْثِيرًا مُتَوَالِيًا بَيِّنًا قَالَ فِيهِ ﷺ هَذَا الْقَوْلَ عَلَى مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَا جَاءَ فِي أَجْرِ الْمَرِيضِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ مَعْنَاهُ عِنْدِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦] يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ ﵎ إلَيْهِ مَلَكَيْنِ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُمَا مَلَكَانِ لَا يَكُونَانِ مَعَهُ فِي غَيْرِ حِينِ الْمَرَضِ لِأَنَّهُمَا مَخْصُوصَانِ بِحِفْظِ مَا يَقُولُ لِلْعُوَّادِ؛ لِأَنَّ
стр. 2167
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي خُصَيْفَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ حَتَّى الشَّوْكَةِ إلَّا قُصَّ بِهَا أَوْ كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» لَا يَدْرِي يَزِيدُ أَيَّهُمَا قَالَ عُرْوَةُ مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ» ) .
التَّعَوُّذُ وَالرُّقْيَةُ مِنْ الْمَرَضِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ السُّلَمِيُّ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَنَّهُ «أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عُثْمَانُ وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي قَالَ: فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْسَحْهُ بِيَمِينِك سَبْعَ مَرَّاتٍ وَقُلْ أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ قَالَ: فَفَعَلْت ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ ﵎ مَا كَانَ بِي فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهَا أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ» )
ــ
[المنتقى]
الْمَلَائِكَةَ الْحَفَظَةَ الْمُلَازِمِينَ لَهُ فِي الصِّحَّةِ يَكْتُبُونَ كُلَّ شَيْءٍ فَإِنْ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى الْمَرِيضُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ رَفَعَا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ عَلَى حَسَبِ مَا يَسْتَعْمِلُهُ النَّاسُ رَفَعَ فُلَانٌ إلَى الرَّئِيسِ كَذَا وَكَذَا بِمَعْنَى أَنْهَاهُ إلَيْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: لِعَبْدِي عَلَيَّ إنْ تَوَفَّيْتُهُ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَإِنْ شَفَيْتُهُ أَنْ أُعِيدَهُ إلَى صِحَّةٍ أَفْضَلَ مِنْ صِحَّتِهِ بِأَنْ أُبْدِلَهُ لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ وَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ بِهِ خَيْرًا فِي صِحَّتِهِ وَقُوَّتِهِ وَسَلَامَتِهِ مِنْ الْأَسْقَامِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ خَيْرٌ لِمَا يُرِيدُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ اسْتِعْمَالِهِ بِالطَّاعَةِ وَإِثَابَتِهِ مِنْ عِوَضِهِ إيَّاهُ وَقَوْلُهُ وَأَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ إتْمَامُ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ بِمَا عَوَّضَهُ مِنْ صِحَّتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَإِنْ صَغُرَتْ إلَّا قُصَّ بِهِ، أَوْ كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ وَالْقَصُّ وَالتَّكْفِيرُ رَاجِعَانِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ إنَّمَا رَاعَى الرَّاوِي اللَّفْظَ فَأَعْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُكَفَّرُ بِهِ مِنْ خَطَايَاهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إذَا صَبَرَ وَاحْتَسَبَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - يُصِبْ مِنْهُ بِالْمَرَضِ الْمُؤَثِّرِ فِي صِحَّتِهِ وَأَخْذِ الْمَالِ الْمُوَثِّرِ فِي غِنَاهُ وَالْحُزْنِ الْمُؤَثِّرِ فِي سُرُورِهِ وَالشِّدَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي صَلَاحِ حَالِهِ فَإِذَا صَبَرَ وَاحْتَسَبَ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَا أَرَادَهُ اللَّهُ ﵎ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يَشَاكُهَا إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ الْمَوْتُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: رَجُلٌ هَنِيئًا لَهُ مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيْحَك وَمَا يُدْرِيكَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ ابْتَلَاهُ بِمَرَضٍ يُكَفِّرُ بِهِ عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ» ) .
(ش) : قَوْلُ الرَّجُلِ فِي الَّذِي مَاتَ هَنِيئًا لَهُ مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍ يَغْبِطُهُ بِحَالِهِ فِي سَلَامَتِهِ مِنْ الْمَرَضِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ غِبْطَةٌ فِي الدُّنْيَا خَاصَّةً فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيْحَك عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ وَالْإِغْلَاظِ لَهُ وَمَا يُدْرِيك يُرِيدُ وَمَا عَلَّمَك لَوْ أَنَّ اللَّهَ ابْتَلَاهُ بِمَرَضٍ يُكَفِّرُ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا يُدْرِيك أَنَّ هَذَا أَفْضَلُ وَأَنَّ مَا يُكَفِّرُ عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ أَفْضَلُ مِنْ سَلَامَتِهِ مِنْ الْأَمْرَاضِ مَعَ بَقَاءِ سَيِّئَاتِهِ.
[التَّعَوُّذُ وَالرُّقْيَةُ مِنْ الْمَرَضِ]
ِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ السُّلَمِيُّ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَنَّهُ «أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عُثْمَانُ وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي قَالَ: فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْسَحْهُ بِيَمِينِك سَبْعَ مَرَّاتٍ وَقُلْ أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ قَالَ: فَفَعَلْت ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ ﵎ مَا كَانَ بِي فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهَا أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ» )
стр. 2168
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ قَالَتْ فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَنَا أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا» )
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ: وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْعَلِيلِ أَنْ يَصِفَ مَا بِهِ مِنْ الْأَلَمِ لِاسْتِدْعَاءِ الدَّوَاءِ، أَوْ الرُّقْيَةِ أَوْ الشِّفَاءِ بِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَ وَقَدْ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إنَّك لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا قَالَ: أَجَلْ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ وَهَذَا مِمَّا لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّشَكِّيَ وَقِلَّةَ الصَّبْرِ كَمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ يَعُودُهُ فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا بَأْسَ طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: كَلًّا بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ فَنَعَمْ إذًا» وَقَوْلُهُ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْسَحْهُ بِيَمِينِك يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى مَعْنَى التَّبَرُّكِ بِالتَّيَامُنِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَقَدْ خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْعَدَدَ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ فَقَالَ: فِي مَرَضِهِ بَعْدَ مَا دَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ ﵂ وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ لَعَلِّي أَعْهَدُ إلَى النَّاسِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ شِهَابٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ فَقَالَ: فِيهِ «ضَعْ يَدَك عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِك وَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاَللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ : وَقُلْ أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ نَصٌّ عَلَى التَّعَوُّذِ فِيمَا نَزَلَ بِهِ مِنْ شِدَّةِ الْمَرَضِ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِرْقَاءِ وَالدُّعَاءِ لِإِذْهَابِ الْمَرَضِ وَفِي مَعْنَاهُ التَّدَاوِي بِذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ مَعَ كُلِّ مَسْحَةٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي وَقَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنِّي مَا كَانَ بِي يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ كَانَ يَأْمُرُ بِهِ أَهْلَهُ وَغَيْرَهُمْ لَمَّا جَرَّبَهُ مِنْ مَنْفَعَتِهَا وَإِذْهَابِ الْأَدْوَاءِ بِهَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ قَالَتْ فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَنَا أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا اشْتَكَى أَلَمًا يُرِيدُ إذَا مَرِضَ يُقَالُ اشْتَكَى فُلَانٌ إذَا أَصَابَهُ شَكْوَى مَرَضٍ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَقِرَاءَةُ الْمَرِيضِ عَلَى نَفْسِهِ تَكُونُ عَلَى وُجُوهٍ أَنْ يَقْرَأَ وَيُشِيرَ بِقِرَاءَتِهِ إلَى جَسَدِهِ وَرُبَّمَا كَانَتْ إشَارَتُهُ بِإِمْرَارِهِ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ الْأَلَمِ، أَوْ إلَى أَعْضَائِهِ إنْ كَانَ جَمِيعُ جَسَدِهِ أَلَمًا وَيَكُونُ بِأَنْ يَجْمَعَ يَدَيْهِ فَيَقْرَأَ فِيهِمَا ثُمَّ يَمْسَحَ بِهِمَا عَلَى مَوْضِعِ الْأَلَمِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا وَيَنْفُثُ سُنَّةٌ فِي نَفْثِ الرَّاقِي قَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ النَّفْثُ شِبْهُ الْبُزَاقِ وَلَا يُلْقِي شَيْئًا وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى عَنْ أَبِي عُيَيْنَةَ عَنْ زُفَرَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ نَفْثِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ كَانَ يَنْفُثُ كَمَا يَنْفُثُ آكِلُ الزَّبِيبِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يُلْقِي الْيَسِيرَ مِنْ الرِّيقِ فَأَمَّا التَّفْلُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَعَهُ إلْقَاءُ الرِّيقِ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا بِمَاءٍ لُدِغَ سَيِّدُ أَهْلِهِ فَرَقَاهُ رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَكَانَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفُلُ فَبَرَأَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَصِفَةُ النَّفْثِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ رَآهُ يَنْفُثُ الرُّقْيَةَ عَلَى بَعْضِ يَدَيْهِ، أَوْ أَصَابِعِهِ وَقَالَ: مَعْمَرٌ سَأَلْت الزُّهْرِيَّ كَيْفَ يَنْفُثُ فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْفُثُ عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَقَدْ رَوَاهُ يُونُسُ مُسْنَدًا «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَبِالمُعَوِّذَتَيْن ن جَمِيعًا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا ﵂ فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ تُرِيدُ ضَعُفَ عَنْ الْقِرَاءَةِ، أَوْ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي يَدَيْهِ قَالَتْ
стр. 2169
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَشْتَكِي وَيَهُودِيَّةٌ تَرْقِيهَا فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ: ارْقِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) .
تَعَالُجُ الْمَرِيضِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ «أَنَّ رَجُلًا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَصَابَهُ جُرْحٌ فَاحْتَقَنَ الْجُرْحُ الدَّمَ وَأَنَّ الرَّجُلَ دَعَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي أَنْمَارَ فَنَظَرَا إلَيْهِ فَزَعَمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَهُمَا أَيُّكُمَا أَطَبُّ فَقَالَا: أَوَفِي الطِّبِّ خَيْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَزَعَمَ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَنْزَلَ الدَّوَاءَ الَّذِي أَنْزَلَ الْأَدْوَاءَ» ) .
ــ
[المنتقى]
عَائِشَةُ فَكُنْت أَنَا أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ فَلَمَّا أُثْقِلَ كُنْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ فَلَمَّا اشْتَكَى أَمَرَنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ قَالَتْ وَكُنْت أَمْسَحُ بِيَمِينِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا إشَارَةً إلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَتَنَاوَلُ ذَلِكَ مِنْهُ لِضَعْفِهِ عَنْ الِانْفِرَادِ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَشْتَكِي وَيَهُودِيَّةٌ تَرْقِيهَا فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ: ارْقِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) .
(ش) : قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ لِلْيَهُودِيَّةِ ارْقِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّوْرَاةَ؛ لِأَنَّ الْيَهُودِيَّةَ فِي الْغَالِبِ لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ، أَوْ رُقْيَةً مُوَافِقَةً لِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَعْلَمُ صِحَّةَ ذَلِكَ بِأَنْ تَظْهَرَ رُقْيَتُهَا فَإِنْ كَانَتْ مُوَافِقَةً لِكِتَابِ اللَّهِ أَمَرَهَا بِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَفِي الْمُسْتَخْرَجَةِ عَنْ مَالِكٍ لَا: أُحِبُّ رُقَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَكَرِهَهُ وَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا لَمْ تَكُنْ رُقْيَتُهُمْ مُوَافِقَةً لِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا كَانَتْ مِنْ جِنْسِ السِّحْرِ وَمَا فِيهِ كُفْرٌ مُنَافٍ لِلشَّرْعِ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ عَنْ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَرْقِي بِالْحَدِيدَةِ وَالْمِلْحِ وَعَنْ الَّذِي يَكْتُبُ الْحِرْزَ وَيَعْقِدُ فِيمَا يُعَلِّقُهُ بِهِ عَقْدًا وَاَلَّذِي يَكْتُبُ حِرْزَ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَكَانَ الْعَقْدُ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ أَشَدَّ كَرَاهِيَةٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُشَابَهَةِ السِّحْرِ وَلَعَلَّهُ تَأَوَّلَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]- وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
(فَصْلٌ) :
وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ كَثِيرَةَ الِاسْتِرْقَاءِ قَالَ: مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ بَلَغَنِي أَنَّهَا كَانَتْ تَرَى الْبَثْرَةَ الصَّغِيرَةَ فِي يَدِهَا فَتُلِحُّ عَلَيْهَا بِالتَّعْوِيذِ فَيُقَالُ لَهَا إنَّهَا صَغِيرَةٌ فَتَقُولُ إنَّ اللَّهَ يُعَظِّمُ مَا يَشَاءُ مِنْ صَغِيرٍ وَيُصَغِّرُ مَا يَشَاءُ مِنْ عَظِيمٍ.
[تَعَالُجُ الْمَرِيضِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَجُلًا أَصَابَهُ جُرْحٌ فَاحْتَقَنَ الْجُرْحُ الدَّمَ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَأَضَرَّ ذَلِكَ بِهِ وَخِيفَ عَلَيْهِ مِنْهُ وَإِنَّ الْمَجْرُوحَ دَعَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي أَنْمَارَ لِمُعَالَجَتِهِ فَرَوَيَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَهُمَا أَيُّكُمَا أَطَبُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ ﷺ الْبَحْثَ عَنْ حَالِهِمَا وَمَعْرِفَتَهُمَا بِالطِّبِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُعَالَجَ إلَّا بِعِلَاجِ مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِالطِّبِّ قَالَ: مَالِكٌ أَرَى لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْهَى عَنْ حَالِهِمَا وَمَعْرِفَتِهِمَا بِالطِّبِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُعَالِجَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَطِبَّاءِ عَنْ الدِّمَاءِ إلَّا طَبِيبٌ مَعْرُوفٌ.
وَقَدْ قَالَ: لِي رَبِيعَةُ وَلَا تَشْرَبْ مِنْ دَوَائِهِمْ إلَّا شَيْئًا تَعْرِفُهُ قَالَ: وَإِنِّي بِذَلِكَ لَمُسْتَوْصٍ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطِّبَّ مَعْنًى صَحِيحٌ وَلِذَلِكَ سَأَلَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَفْضَلِهِمَا فِيهِ فَقَالَ: الرَّجُلَانِ أَوَفِي الطِّبِّ خَيْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَا طَبِيبَيْنِ فِي حَالِ كُفْرِهِمَا فَلَمَّا أَسْلَمَا أَمْسَكَا عَنْ ذَلِكَ شَكًّا فِي أَمْرِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَا تَحْقِيقَ مَا اعْتَقَدَا صِحَّتَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ الَّذِي أَنْزَلَ الْأَدْوَاءَ تَفْوِيضٌ لِلَّهِ ﵎ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَأَنَّهُ الْخَالِقُ لَهُ وَإِنَّمَا أَنْزَلَهُ إلَى النَّاسِ بِمَعْنَى أَعْلَمَهُمْ إيَّاهُ وَأَذِنَ لَهُمْ فِيهِ كَمَا أَعْلَمَهُمْ التَّغَذِّيَ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَأَبَاحَهُ لَهُمْ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي جَوَازِ التَّدَاوِي لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَنَافِعِ وَرَوَى عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِنْ
стр. 2170
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: بَلَغَنِي «أَنَّ سَعْدَ بْنَ زُرَارَةَ اكْتَوَى فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الذَّبْحَةِ فَمَاتَ» مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ اكْتَوَى مِنْ اللَّقْوَةِ وَرَقَى مِنْ الْعَقْرَبِ) .
الْغُسْلُ بِالْمَاءِ مِنْ الْحُمَّى (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ «أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ إذَا أُتِيَتْ
ــ
[المنتقى]
الْمُعَالَجَةِ الْجَائِزَةِ حَمِيَّةُ الْمَرِيضِ قَالَ: الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ حَمَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَرِيضًا فَقَالَ: حَمَانِي حَتَّى كُنْت أَمُصَّ النَّوَى مِنْ الْجُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ سَعْدَ بْنَ زُرَارَةَ اكْتَوَى فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الذَّبْحَةِ وَهُوَ لِمَكَانِهِ وَحَالِهِ لَا يَشُكُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَلِمَ بِهِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ كُوِيتُ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ وَشَهِدَنِي أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَسُ بْنُ النَّضْرِ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو طَلْحَةَ كَوَانِي يُرِيدُ بِذَلِكَ شُهْرَةَ الْأَمْرِ وَأَنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْهُ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إبَاحَتِهِ وَمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنْ الْكَيِّ» فَإِنَّمَا هَذَا نَهْيُ كَرَاهِيَةٍ وَحَضٌّ عَلَى الْأَخْذِ بِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ مِنْ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ ﵎ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثُمَّ قَالَ: هُمْ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» فَنَهَى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَنْ الِاسْتِرْقَاءِ وَقَدْ أَمَرَ بِهِ فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ وَقَدْ رَقَى نَفْسَهُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَاتِ وَلَمْ يَكُنْ اسْتِرْقَاءُ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا مُدَاوَاتُهُ بِمَاءِ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ تَرْكًا لِلتَّوَكُّلِ وَإِنَّمَا كَانَ يَأْخُذُ فِي نَفْسِهِ بِأَفْضَلِ الْأَحْوَالِ وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُؤْمَرَ بِذَلِكَ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ عِبَادَةٍ أَوْ طَاعَةٍ وَإِنَّمَا كَانَ التَّوَكُّلُ أَفْضَلَ مِنْ التَّعَانِي بِأَمْرٍ لَا يَتَيَقَّنُ بِهِ الْبُرْءَ وَيَكُونُ ذَلِكَ الَّذِي رَجَا لَا لِعِبَادَةٍ أُمِرَ بِهَا.
وَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا فَسَقَاهُ فَقَالَ: إنِّي سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إلَّا اسْتِطْلَاقًا فَقَالَ: ﷺ صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك» وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ جُعِلَ شِفَاؤُهُ فِي شُرْبِ الْعَسَلِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُكَرِّرَ ذَلِكَ حَتَّى يَبْرَأَ فَإِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ بُرْأَهُ فِي أَوَّلِ شُرْبِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ وَصَدَقَ اللَّهُ فِيمَا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ أَنْ يُسْقَى عَسَلًا فَيَبْرَأَ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك بِمَعْنَى أَنَّ هَذَا الَّذِي يَذْكُرُهُ عَنْهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَا صَدَقَ إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْخَبَرِ فَرُوِيَ أَنَّهُ سَقَاهُ فَبَرَأَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَغْسِلُ الْقُرْحَةَ بِالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ إذَا غَسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَاءِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ كَرِهَ التَّعَالُجَ بِالْخَمْرِ وَإِنْ غَسَلَهُ بِالْمَاءِ قَالَ: مَالِكٌ إنِّي لَأَكْرَهُ الْخَمْرَ فِي الدَّوَاءِ وَغَيْرِهِ وَبَلَغَنِي أَنَّهُ إنَّمَا يَدْخُلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَنْ يُرِيدُ الطَّعْنَ فِي الدِّينِ وَالْبَوْلُ عِنْدِي أَخَفُّ قَالَ: مَالِكٌ وَلَا يُشْرَبُ بَوْلُ الْإِنْسَانِ لِيُتَدَاوَى بِهِ وَلَا بَأْسَ بِشُرْبِ أَبْوَالِ الْأَنْعَامِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ قِيلَ أَكْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ قَالَ: لَمْ أَقُلْ إلَّا أَبْوَالَ الْأَنْعَامِ الثَّمَانِيَةِ بَلْ وَلَا خَيْرَ فِي أَبْوَالِ الْآدَمِيِّ.
(فَصْلٌ) :
وَمَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اكْتَوَى مِنْ اللَّقْوَةِ يَقْتَضِي إبَاحَةَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَكَذَلِكَ اسْتِرْقَاؤُهُ مِنْ الْعَقْرَبِ وَلَعَلَّهُ آثَرَهُ ذَلِكَ بِمَعْنَى رَجَاهُ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ كَانَ عِنْدَهُ أَفْضَلَ مِنْ تَرْكِ الِاسْتِرْقَاءِ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْ الِاكْتِوَاءِ عِنْدَهُ مُتَوَجِّهًا إلَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِإِيثَارِ الصِّحَّةِ خَاصَّةً وَصَلَاحِ الْحَيَاةِ لَا لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى عِبَادَةٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ وَقَدْ قَالَ: مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ بِالِاكْتِوَاءِ مِنْ اللَّقْوَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 2171
بِالْمَرْأَةِ وَقَدْ حُمَّتْ تَدْعُو لَهَا أَخَذَتْ الْمَاءَ فَصَبَّتْهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا وَقَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُبَرِّدَهَا بِالْمَاءِ» مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ» ) .
عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَالطِّيَرَةِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا عَادَ الرَّجُلُ الْمَرِيضَ خَاضَ الرَّحْمَةَ حَتَّى إذَا قَعَدَ عِنْدَهُ قَرَّتْ فِيهِ، أَوْ نَحْوَ هَذَا» ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ بُكَيْر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ ابْنِ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى وَلَا هَامَ وَلَا صَفَرَ وَلَا يَحُلُّ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ وَلْيَحْلُلْ الْمُصِحُّ حَيْثُ شَاءَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا ذَاكَ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّهُ أَذًى» )
ــ
[المنتقى]
[الْغُسْلُ بِالْمَاءِ مِنْ الْحُمَّى]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ أَسْمَاءَ كَانَتْ إذَا أُتِيَتْ بِالْمَرْأَةِ وَقَدْ حُمَّتْ تَدْعُو لَهَا دَلِيلٌ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَتَكَرَّرُ مِنْهَا تَبَرُّكًا مِنْ النَّاسِ بِهَا وَرَغْبَةً فِي دُعَائِهَا فَكَانَتْ تُضِيفُ إلَى ذَلِكَ أَنْ تَصُبَّ الْمَاءَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ الْمَحْمُومَةِ وَجَيْبِهَا تَبْرِيدًا لَهَا.
وَقَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ تَأْخُذُ الْمَاءَ فَتَصُبُّهُ فِيمَا بَيْنَ طَوْقِهَا وَجَسَدِهَا حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إلَى جَسَدِهَا تَرْجُو بِذَلِكَ بَرَكَةَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ وَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ حُمَّى كَانَتْ مُتَكَرِّرَةً بِالْمَدِينَةِ ذَلِكَ الْوَقْتِ شَدِيدَةَ الْحَرِّ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ أَنْ يُسْتَشْفَى مِنْهَا بِالْإِبْرَادِ وَلِذَلِكَ قَالَ: إنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ وَالْفَيْحُ سُطُوعُ الْحَرِّ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ الَّذِي أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ أَنْ يَشْفِيَ بَرْدُهُ مِنْ آذَاهُ الْحَرُّ مَرَّةً بِالتَّبْرِيدِ بِهِ وَمَرَّةً بِشُرْبِهِ وَهَذَا كُلُّهُ بِجَرْيِ الْعَادَةِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَدْوِيَةِ إنَّمَا هِيَ أَدْوِيَةٌ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ أَجْرَى الْعَادَةَ بِأَنْ يَشْفِيَ هُوَ ﵎ مَنْ تَنَاوَلَهَا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَكَذَلِكَ الْأَغْذِيَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَالطِّيَرَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ إذَا عَادَ الرَّجُلُ الْمَرِيضَ خَاضَ الرَّحْمَةَ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عِظَمَ أَجْرِ الْعِيَادَةِ لِلْمَرِيضِ وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَقَوْلُهُ ﷺ حَتَّى إذَا قَعَدَ عِنْدَهُ يُرِيدُ عِنْدَ الْمَرِيضِ قَرَّتْ فِيهِ فَمَعْنَى ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَهِيَ ثَوَابُهُ الْجَزِيلُ وَتَجَاوُزُهُ عَنْ الذُّنُوبِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْهَا مَا ثَبَتَ لِلْخَائِضِ فِي الْمَاءِ فَإِذَا قَعَدَ عِنْدَهُ تَعَلَّقَ بِهِ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقَرِّ الثَّابِتِ وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْخَائِضِ فِي الْمَاءِ وَقَوْلُهُ ﷺ قَرَّتْ فِيهِ أَوْ نَحْوُ هَذَا إنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَرَّتْ لَهُ كَمَا يَقُولُ فِيهِ رِفْقٌ بِكَذَا وَفِيهِ طَلَاقُهُ أَيْ لَهُ طَلَاقُهُ وَلَهُ رِفْقٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَقْلُوبِ فَيَكُونَ مَعْنَاهُ قَرَّ فِيهَا أَيْ ثَبَتَ فِيمَا غَمَرَهُ مِنْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ لَا عَدْوَى قَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا أَيْ لَا يَتَحَوَّلُ شَيْءٌ مِنْ الْمَرَضِ إلَى غَيْرِ الَّذِي هُوَ بِهِ قَالَ: وَسَمِعْتُهُ مِنْ ابْنِ وَهْبٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَعْتَقِدُ أَنَّ الصَّحِيحَ إذَا جَاوَرَ الْمَرِيضَ أَعْدَاهُ مَرَضُهُ أَيْ تَعَلَّقَ بِهِ، أَوْ انْتَقَلَ إلَيْهِ قَالَ: الشَّاعِرُ
تُعْدِي الصِّحَاحَ مَبَارِكُ الْجُرْبِ
فَكَذَّبَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﵎.
وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ الْإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ لَكَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيُجَرِّبُهَا فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ» وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ طُرُقِ الْحِجَاجِ وَالْإِرْشَادِ إلَى الصَّوَابِ وَإِيضَاحِ وَجْهِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الشُّبْهَةُ بِأَنَّ الْإِبِلَ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ وَهُوَ مَوْضِعٌ صَالِحٌ لَيْسَ فِيهِ مَا يُمْرِضُهَا فَتَكُونُ فِيهِ كَالظِّبَاءِ حُسْنًا وَسَلَامَةً مِنْ الْجَرَبِ وَغَيْرِهِ فَيَأْتِي بَعِيرٌ أَجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيَشْمَلُهَا الْجَرَبُ فَاعْتَقَدَ الْأَعْرَابِيُّ
стр. 2172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَنَّ ذَلِكَ الْبَعِيرَ قَدْ أَعْدَاهَا جَرَبُهُ فَقَالَ: لَهُ النَّبِيُّ ﷺ لَوْ كَانَ الْجَرَبُ بِالْعَدْوَى لَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ جَرِبًا إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ جَرَبَ هَذِهِ الْإِبِلَ بِغَيْرِ جَرَبٍ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْدِيَهُ غَيْرُهُ أَمَا إنَّ ذَلِكَ دَخَلَ الْبَعِيرَ الَّذِي دَخَلَ بَيْنَهُمَا، أَوْ غَيْرَهُ قَبْلَهُ؟ وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الدَّاءُ لَحِقَ الْأَوَّلَ مِنْ غَيْرِ عَدْوَى وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَا شَمِلَ الْإِبِلَ أَيْضًا مِنْ الْجَرَبِ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ فَلَا مَعْنَى لِاعْتِقَادِ الْعَدْوَى فَالْوَاجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﵎ لَا خَالِقَ سِوَاهُ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي بَعْضِ الْأَشْخَاصِ ابْتِدَاءً وَفِي بَعْضِهَا عِنْدَ مُجَاوَرَةِ الْجَرَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ وَلَا هَامَ قَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ لَا يَتَطَيَّرُ بِالْهَامِ قَالَهُ مَالِكٌ ﵀ وَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إذَا وَقَعَتْ هَامَةٌ عَلَى بَيْتٍ خَرَجَ مِنْهُ مَيِّتٌ فَعَلَى هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : وَلَا هَامَ النَّهْيُ أَنْ يَتَطَيَّرَ بِذَلِكَ أَحَدٌ وَقِيلَ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَقُولُ إذَا قُتِلَ قَتِيلٌ خَرَجَ مِنْ رَأْسِهِ طَائِرٌ فَلَا يَزَالُ يَقُولُ: اسْقُونِي اسْقُونِي حَتَّى يُقْتَلَ قَاتِلُهُ قَالَ: الشَّاعِرُ فِي مِثْلِ هَذَا
يَا عَمْرُو إلَّا تَدَعْ شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي ... أَضْرِبْك حَتَّى تَقُولَ الْهَامَةُ اسْقُونِي
فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ ﷺ لَا هَامَ تَكْذِيبٌ لِإِخْبَارِهِمْ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ وَلَا صَفَرَ قَالَ: مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تُحَرِّمُ صَفَرَ عَامًا وَتُؤَخِّرُ إلَيْهِ الْمُحَرَّمَ وَكَانَتْ تُحِلُّهُ عَامًا آخَرَ وَتُقَدِّمُ الْمُحَرَّمَ إلَى وَقْتِهِ فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: ابْنُ وَهْبٍ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ إنَّ الصُّفَارَ الَّتِي فِي الْجَوْفِ تَقْتُلُ صَاحِبَهَا وَهِيَ الَّتِي عَدَتْ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ فَرَدَّ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكْذَبَهُمْ فِيهِ وَقَالَ: لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إلَّا بِأَجَلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ وَلَا يَحُلُّ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ الْمُمْرِضُ ذُو الْمَاشِيَةِ الْمَرِيضَةِ وَالْمُصِحُّ ذُو الْمَاشِيَةِ الصَّحِيحَةِ قَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ: النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ بِإِبِلِهِ، أَوْ غَنَمِهِ الْجَرَبَةَ فَيَحُلَّ بِهَا عَلَى مَاشِيَةٍ صَحِيحَةٍ فَيُؤْذِيَهُ بِذَلِكَ قَالَ: وَلَكِنَّهُ عِنْدِي مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ ﷺ : لَا عَدْوَى قَالَ: الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ لَا عَدْوَى إنْ كَانَ بِمَعْنَى الْخَبَرِ وَالتَّكْذِيبِ بِقَوْلِ مَنْ يَعْتَقِدُ الْعَدْوَى فَلَا يَكُونُ نَاسِخًا وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى النَّهْيِ يُرِيدُ لَا تَكْرَهُوا دُخُولَ الْبَعِيرِ الْجَرِبِ بَيْنَ إبِلِكُمْ غَيْرَ الْجَرَبَةِ وَلَا تَمْنَعُوا ذَلِكَ وَلَا تَمْتَنِعُوا مِنْهُ فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَيَّهُمَا قَالَ: أَوَّلًا وَإِنْ تَعَلَّقْنَا بِالظَّاهِرِ فَقَوْلُهُ ﷺ : لَا عَدْوَى وَرَدَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِمَا وَرَدَ بَعْدَهُ، أَوْ لِمَا لَا يَدْرِي وَرَدَ قَبْلَهُ، أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ النَّاسِخَ إنَّمَا يَكُونُ نَاسِخًا لِحُكْمٍ قَدْ ثَبَتَ قَبْلَهُ.
وَقَالَ: يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي الْمُزَنِيَّةِ: سَمِعْت أَنَّ تَفْسِيرَهُ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ بِهِ الْجُذَامُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحِلَّ مَحَلَّهُ الصَّحِيحُ مَعَهُ وَلَا يَنْزِلَ عَلَيْهِ يُؤْذِيَهُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْدِي فَالنَّفْسُ تَنْفِرُ مِنْهُ وَقَدْ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّهُ أَذًى فَهَذَا تَنْبِيهٌ أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ لِلْأَذَى لَا لِلْعَدْوَى وَأَمَّا الصَّحِيحُ فَلْيَنْزِلْ مَحَلَّةَ الْمَرِيضُ إنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ وَاحْتَمَلَتْهُ نَفْسُهُ قِيلَ لَهُ وَلَمْ يُرِدْ بِهَذَا أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ بِإِبِلِهِ، أَوْ غَنَمِهِ الْجَرَبَةَ فَيَحِلَّ بِهَا الْمُورَدَةَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَاشِيَةَ قَالَ: لَعَلَّهُ قَدْ قِيلَ ذَلِكَ وَمَا سَمِعْته وَإِنِّي لَأَكْرُهُ لَهُ أَنْ يُؤْذِيَهُ إنْ كَانَ يَجِدُ غِنًى عَنْ ذَلِكَ الْمَوْرِدِ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَكُونُ بِهِ الْمَرَضُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَحِلَّ مُورَدَةَ الْأَصِحَّاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَجِدُ غِنًى عَنْهَا فَيَرِدُهَا.
وَقَدْ رَوَى يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -
стр. 2173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
قَالَ: لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ قَالَ: أَبُو سَلَمَةَ، ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ لَا عَدْوَى وَأَقَامَ عَلَى أَنْ يُورِدَ مُمْرِضٍ عَلَى مُصِحٍّ فَقَالَ: الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رِئَابٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَدْ كُنْت أَسْمَعُك تُحَدِّثُنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثًا آخَرَ تَقُولُ لَا عَدْوَى فَأَبَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنْ يَعْرِفَ فِي ذَلِكَ مِمَّا رَوَاهُ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَرَطَنَ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ فَقَالَ: لِلْحَارِثِ أَتَدْرِي مَاذَا قُلْت قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ قُلْت أَتَيْت قَالَ: أَبُو سَلَمَةَ وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا عَدْوَى فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَ» قَالَ: الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو سَلَمَةَ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ ﷺ لَا عَدْوَى وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ قَوْلَهُ ﷺ عَلَى وَجْهِ النَّهْيِ وَيَصِحُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَدْ عَرَفَ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا قَالَ: الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَاَلَّذِي عِنْدِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : لَا عَدْوَى إنَّمَا نَفَى بِهِ أَنْ يَكُونَ لِمُجَاوَرَةِ الْمَرِيضِ تَأْثِيرٌ فِي مَرَضِ الصَّحِيحِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ ابْتِدَاءً كَمَا فَعَلَهُ فِي الْأَوَّلِ ابْتِدَاءً وَأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَذَى عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَهَذَا الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى.
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْبَارِئُ ﵎ قَدْ أَجْرَى الْعَادَةَ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْبَارِئُ هُوَ الْخَالِقُ لِلْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ فَنَفَى بِقَوْلِهِ ﷺ لَا عَدْوَى اعْتِقَادَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ وَأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مُجَاوَرَةِ الْمَرِيضِ الصَّحِيحَ وَلَيْسَ هَذَا بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّا لَا نَجِدُ ذَلِكَ جَارِيًا عَلَى عَادَةٍ فَقَدْ يُجَاوِرُ الْمَرِيضُ الصَّحِيحَ فَلَا يَمْرَضُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنْ الْأَسَدِ» وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْتَضِرُّ بِهِ اسْتِضْرَارًا غَيْرَ التَّكَرُّهِ لِمُجَاوَرَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى مُجَاوَرَتِهِ فَلَا مَعْنَى لِنَهْيِهِ ﷺ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّك إذَا اسْتَضْرَرْت بِرَائِحَتِهِ وَكَرِهْت مُجَاوَرَتَهُ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ أَنْ تَفِرَّ مِنْهُ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ قَالَ: يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي الْقَوْمِ يَكُونُونَ فِي قَرْيَتِهِمْ شُرَكَاءَ فِي أَرْضِهَا وَمَائِهَا وَجَمِيعِ أَمْرِهَا فَيُجْذَمُ بَعْضُهُمْ فَيَرِدُونَ الْمُسْتَقَى بِآنِيَتِهِمْ فَيَتَأَذَّى بِهِمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ وَيُرِيدُونَ مَنْعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ إنْ كَانُوا يَجِدُونَ عَنْ ذَلِكَ الْمَاءِ غِنًى مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِهِمْ، أَوْ يَقْوَوْنَ عَلَى اسْتِنْبَاطِ بِئْرٍ أَوْ إجْرَاءِ عَيْنٍ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِهِمْ وَلَا فَدْحٍ بِهِمْ فَأَرَى أَنْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ وَلَا يُضَارُّوا وَإِنْ كَانَ لَا يَجِدُونَ عَنْ ذَلِكَ غِنًى إلَّا بِمَا يَضُرُّهُمْ، أَوْ يَفْدَحُهُمْ قِيلَ لِمَنْ يَتَأَذَّى بِهِمْ وَيَشْتَكِي ذَلِكَ مِنْهُمْ اسْتَنْبِطْ لَهُمْ بِئْرًا، أَوْ أَجْرِ لَهُمْ عَيْنًا، أَوْ أَقِمْ مَنْ يَسْتَقِي لَهُمْ مِنْ الْبِئْرِ إنْ كَانُوا لَا يَقْوَوْنَ عَلَى اسْتِنْبَاطِ بِئْرٍ، أَوْ إجْرَاءٍ وَيُكْفَوْنَ عَنْ الْوُرُودِ عَلَيْكُمْ وَإِلَّا فَكُلُّ امْرِئٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ وَالضَّرَرُ مِمَّنْ أَرَادَ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأً مِنْ مَالِهِ وَلَا يُقِيمُ لَهُ عِوَضًا مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا جُذِمَ الرَّجُلُ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ إنْ شَاءَتْ ذَلِكَ وَقَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطْءِ رَقِيقِهِ إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ.
وَقَالَ: سَحْنُونٌ لَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطْءِ إمَائِهِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الزَّوْجَةِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّهَا امْرَأَةٌ يَلْحَقُهَا الضَّرَرُ بِوَطْءِ الْمَجْذُومِ فَوَجَبَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَالزَّوْجَةِ.
وَقَدْ قَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّمَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّوْجَةِ إذَا حَدَثَ ذَلِكَ بِهِ لِأَجْلِ الضَّرَرِ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ الْجُذَامَ فِي الْحُرِّ لَمَّا مَنَعَ الزَّوْجِيَّةَ وَنَقَضَهَا مَنَعَ الْوَطْءَ الْمُسْتَحَقَّ بِهَا وَلَمَّا لَمْ يَمْنَعْ مِلْكَ الْيَمِينِ لَمْ يَمْنَعْ الْوَطْءَ الْمُسْتَحَقَّ بِهِ وَوَجْهٌ ثَانٍ أَنَّ هَذَا عَقْدٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَأْثِيرُ الْجُذَامِ فِي وَطْئِهِ كَتَأْثِيرِهِ فِي عَقْدِهِ كَعَقْدِ النِّكَاحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ يُخْرَجُ الْمَرْضَى مِنْ الْقُرَى وَالْحَوَاضِرِ قَالَ: مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ لَا يُخْرَجُونَ إنْ كَانُوا
стр. 2174
السُّنَّةُ فِي الشَّعْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحَى» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَامَ حَجَّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ كَانَتْ بِيَدِ حَرَسِيٍّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ وَيَقُولُ إنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ حِين اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ» ) .
ــ
[المنتقى]
يَسِيرًا، وَإِنْ كَثُرُوا رَأَيْنَا أَنْ يَتَّخِذُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَوْضِعًا كَمَا صَنَعَ مَرْضَى مَكَّةَ عِنْدَ التَّنْعِيمِ مَنْزِلُهُمْ وَبِهِ جَمَاعَتُهُمْ وَلَا أَرَى أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ الْأَسْوَاقِ لِتِجَارَتِهِمْ وَالتَّطَرُّقِ لِلْمَسْأَلَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ إمَامٌ عَدْلٌ يُجْرِي عَلَيْهِمْ الرِّزْقَ.
وَقَالَ: أَصْبَغُ لَيْسَ عَلَى مَرْضَى الْحَوَاضِرِ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا إلَى نَاحِيَةٍ بِقَضَاءٍ يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ إنْ أَجْرَى عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ مِنْ الرِّزْقِ مَا يَكْفِيهِمْ مُنِعُوا مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ بِلُزُومِ بُيُوتِهِمْ، أَوْ بِالسَّجْنِ إنْ شَاءَ وَقَالَ: ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِالسَّجْنِ إذَا كَثُرُوا أَحَبُّ إلَيَّ وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ النَّاسُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُمْنَعُ الْمَجْذُومُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْجُمُعَةِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ غَيْرِهَا قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ.
[السُّنَّةُ فِي الشَّعْرِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ يُقَالُ أَحْفَى الرَّجُلُ شَارِبَهُ إذَا قَصَّهُ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ تَفْسِيرَ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إحْفَاءِ الشَّوَارِبِ إنَّمَا هُوَ أَنْ يَبْدُوَ الْإِطَارُ وَهُوَ مَا احْمَرَّ مِنْ طَرَفِ الشَّفَةِ وَالْإِطَارُ جَوَانِبُ الْفَمِ الْمُحْدِقَةُ بِهِ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمُخْتَصَرِ عَنْ مَالِكٍ إنَّمَا الْإِحْفَاءُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ قَصُّ الْإِطَارِ وَهُوَ طَرَفُ الشَّعْرِ وَأَشَارَ إلَى الْإِطَارِ مِنْ الشَّعْرِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَإِحْفَاءُ الشَّوَارِبِ قَصُّهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ إحْفَاءُ الشَّارِبِ حَلْقَهُ وَأَرَى أَنْ يُؤَدَّبَ مَنْ حَلَقَ شَارِبَهُ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ حَلْقُهُ مِنْ الْبِدَعِ.
وَقَالَ: أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ حَلْقُ الشَّارِبِ وَاسْتِئْصَالُهُ أَفْضَلُ مِنْ قَصِّهِ وَتَقْصِيرِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ» قَالَ: صَاحِبُ الْأَفْعَالِ مَعْنَاهُ قُصُّوهَا قَالَ: مَالِكٌ ﵀ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَحْزَنَهُ أَمْرٌ فَتَلَ شَارِبَهُ وَلَوْ كَانَ مَحْلُوقًا مَا كَانَ فِيهِ مَا يُفْتَلُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَى سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ» وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ» وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ إنْهَاكَ الشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي إزَالَةَ جَمِيعِهِ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي إزَالَةَ بَعْضِهِ قَالَ: صَاحِبُ الْأَفْعَالِ نَهَكَتْهُ الْحُمَّى نَهْكًا أَثَّرَتْ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْعِبَادَةُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ أَعْفُوا اللِّحَى قَالَ: أَبُو عُبَيْدٍ مَعْنَاهُ وَفِّرُوا اللِّحَى لِتَكْثُرَ يُقَالُ مِنْهُ عَفَا بَنُو فُلَانٍ إذَا كَثُرُوا.
قَالَ: الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ أَنْ تُعْفَى اللِّحَى مِنْ الْإِحْفَاءِ؛ لِأَنَّ كَثْرَتَهَا أَيْضًا لَيْسَ بِمَأْمُورٍ بِتَرْكِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ مَا تَطَايَرَ مِنْ اللِّحْيَةِ وَشَذَّ، قِيلَ لِمَالِكٍ فَإِذَا طَالَتْ جِدًّا قَالَ: أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا وَتُقَصَّ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا كَانَا يَأْخُذَانِ مِنْ اللِّحْيَةِ مَا فَضَلَ عَنْ الْقَبْضَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: عَامَ حَجَّ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ مُسْتَوْطِنًا غَيْرَ الْمَدِينَةِ فَرَآهُ وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ وَالْقُصَّةُ هِيَ الْجُمَّةُ مِنْ الشَّعْرِ تَجْعَلُهَا الْمَرْأَةُ عَلَى شَعْرِهَا تُرِي أَنَّهَا مِنْ
стр. 2175
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: «سَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ فَرَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ» ) .
ــ
[المنتقى]
شَعْرِهَا فَكَرِهَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَجْلِ مَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ الْخِلْقَةِ وَالتَّدْلِيسِ وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَهُوَ فِي مَعْنَى اتِّخَاذِ قُصَّةِ الشَّعْرِ وَقَالَ: فِيهِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ عَلَى مُوَافَقَتِهِمْ لِقَوْلِهِ إنْ كَانُوا لَمْ يَعْرِفُوا مَنْ اتَّخَذَ ذَلِكَ، أَوْ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ إنْ كَانُوا لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ فَيَقُولُ كَيْفَ فُعِلَ هَذَا عِنْدَكُمْ مَعَ بَقَاءِ عُلَمَائِكُمْ قَالَ: مَالِكٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا بِشَعْرٍ وَلَا غَيْرِهِ.
وَقَالَ: اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَجُوزُ أَنْ تَصِلَهُ بِالصُّوفِ وَإِنَّمَا كُرِهَ الشَّعْرُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقَلُوهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» وَهَذَا عَامٌّ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ صِلَةٌ لِلشَّعْرِ مُغَيِّرَةٌ لِلْخَلْقِ كَالصِّلَةِ بِالشَّعْرِ قَالَ: مَالِكٌ وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ تَضَعَ الْجُمَّةَ عَلَى رَأْسِهَا قَالَ: مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ بِالْخِرَقِ تَجْعَلُهَا الْمَرْأَةُ فِي قَفَاهَا وَتُرْبَطُ لِلْوِقَايَةِ وَمَا مِنْ عِلَاجِهِنَّ أَخَفُّ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَنَهَى عَنْ الْقَزَعِ وَهُوَ أَنْ يَحْلِقَ بَعْضَ الرَّأْسِ وَيُبْقِيَ مَوَاضِعَ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْقَزَعِ وَمِنْ ذَلِكَ الْقُصَّةُ وَالْقَفَا وَهُوَ أَنْ يُحْلَقَ رَأْسُ الصَّبِيِّ فَيُتْرَكَ مِنْهُ مُقَدَّمُهُ وَشَعْرُ الْقَفَا قَالَ: مَالِكٌ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ فِي الْجَوَارِي وَلَا الْغِلْمَانِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْقَزَعِ.
وَقَالَ: مَالِكٌ وَلْيَحْلِقُوا جَمِيعَهُ، أَوْ يَتْرُكُوا جَمِيعَهُ وَسُئِلَ عَنْ الْقُصَّةِ وَحْدَهَا فَقَالَ: مَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْوَشْمُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ وَالْوَشْمُ النَّقْشُ فِي الْيَدِ وَالذِّرَاعِ، أَوْ الصَّدْرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ» .
وَقَالَ: ابْنُ نَافِعٍ الْوَسْمُ فِي اللِّثَةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مَعْنًى بَاقٍ كَالْخِلْقَةِ وَمِنْ ذَلِكَ التَّفَلُّجُ وَرَوَى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ:: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ» ، مَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ .
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِيمَا يَكُونُ بَاقِيًا وَأَمَّا مَا كَانَ لَا يَبْقَى وَإِنَّمَا هُوَ مَوْضِعٌ لِلْجَمَالِ يُسْرِعُ إلَيْهِ التَّغْيِيرُ كَالْكُحْلِ فَقَدْ قَالَ: مَالِكٌ ﵀ لَا بَأْسَ بِالْكُحْلِ لِلْمَرْأَةِ الْإِثْمِدِ وَغَيْرِهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَأَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ قَالَ: مَالِكٌ ﵀ أَكْرَهُ الْكُحْلَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِلرَّجُلِ إلَّا لِمَنْ بِهِ عِلَّةٌ، وَمَا أَدْرَكْت مَنْ يَكْتَحِلُ نَهَارًا إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ لَيْسَ الْكُحْلُ بِالْإِثْمِدِ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ وَلَا سَمِعْت فِيهِ بِنَهْيٍ يُرِيدُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ اسْتِحْسَانِ زِيِّ مَنْ مَضَى مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْأَخْذِ بِهَدْيِهِمْ وَأَدَبِهِمْ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي اخْتَارَهُ النَّبِيُّ ﷺ .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْحِنَّاءُ فَقَدْ قَالَ: مَالِكٌ لَا بَأْسَ أَنْ تُزَيِّنَ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا بِالْحِنَّاءِ، أَوْ تُطَرِّفَهُمَا بِغَيْرِ خِضَابٍ وَأَنْكَرَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ إمَّا أَنْ تُخَضِّبَ يَدَهَا كُلَّهَا، أَوْ تَدَعَ.
(ش) : قَوْلُهُ سَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ فَرَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ إسْدَالُ الْقُصَّةِ يُرِيدُ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْهُ قُصَّةً فِي مُقَدَّمِ الرَّأْسِ فَعَلَ ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِمُتَابَعَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسْدِلُونَ شُعُورَهُمْ وَكَانَ يُحِبُّ مُتَابَعَتَهُمْ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِمُخَالَفَةٍ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُغَيِّرُوهُ مِنْ شَرِيعَةِ أَنْبِيَائِهِمْ إمَّا بِوَحْيٍ، أَوْ بِخَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ وَقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ فَكَانَ يَتَّبِعُ أَهْلَ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ فَإِذَا طَرَأَ النَّسْخُ دَانَ بِمُخَالَفَتِهِمْ وَعَدَلَ إلَى مَا أُمِرَ بِهِ فَلِذَلِكَ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَنْ سَدَلَ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يُسْدِلُونَ شُعُورَهُمْ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُفَرِّقُونَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
следующие страницы →