← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

كَانَا يَقُولَانِ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ قَالَ مَالِكٌ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) . الرُّخْصَةُ فِي الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ» ) ــ [المنتقى] عَبَّاسٍ كَانَا يَقُولَانِ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ قَالَ مَالِكٌ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) . (ش) : رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ كُنَّا نَرَى الصَّلَاةَ الْوُسْطَى الصُّبْحَ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ يَقُولُ مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ» وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى يَوْمَئِذٍ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ ﵁ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ وَإِنَّمَا بَلَغَهُ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ فَرَجَعَ عَنْ رِوَايَتِهِ فِي ذَلِكَ لَمَّا سَمِعَ حَدِيثَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ أَوْ يَكُونَ أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ حَتَّى سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا سَمِعَهُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ أَوْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْهُ مَا سَمِعَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ فَلَمْ يَتَأَوَّلْهُ وَلَا حَقَّقَ النَّظَرَ فِيهِ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ فَرَجَعَ إلَيْهِ. (فَصْلٌ) : قَالَ مَالِكٌ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ اخْتِيَارَ مَالِكٍ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهَا صَلَاةُ الصُّبْحِ وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّرْجِيحِ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَلَى سَائِرِ الْأَقْوَالِ عَلَى احْتِمَالِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [الرُّخْصَةُ فِي الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ] (ش) : قَوْلُهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ لِبَاسُهُ فِي صَلَاتِهِ تِلْكَ ثَوْبًا وَاحِدًا وَإِنَّمَا عَنَى بِنَقْلِ ذَلِكَ لِأَنَّ اللِّبَاسَ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي بَابَيْنِ: أَحَدِهِمَا: فِي مِقْدَارِ الْمَلْبُوسِ. وَالْآخَرِ: فِي صِفَةِ الْمَلْبُوسِ وَاللِّبَاسِ. (بَابٌ) فَأَمَّا الْمَلْبُوسُ فَإِنَّ لَهُ مِقْدَارَيْنِ مِقْدَارَ الْفَرْضِ وَمِقْدَارَ الْفَضْلِ فَأَمَّا الْفَرْضُ لِلرِّجَالِ فَهُوَ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ فَرْضٌ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ هُوَ فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ إنَّهُ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ بُكَيْر وَالشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَنَّنَا إذَا قُلْنَا إنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ بِعَدَمِ ذَلِكَ وَإِذَا قُلْنَا لَيْسَتْ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ أَثِمَ التَّارِكُ وَلَمْ تَبْطُلْ. وَجْهُ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالنِّيَّةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْطِهَا سَتْرُ الْعَوْرَةِ كَالطَّوَافِ فَإِنْ سَلَّمُوا وَإِلَّا دَلَلْنَا عَلَيْهِمْ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَعَثَهُ فِي مُؤَذِّنِينَ يُنَادِي بِمِنًى أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ لَاخْتَصَّ بِهَا وَلَمَّا كَانَ مَشْرُوعًا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فُرُوضِهَا فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا يَبْطُلُ بِالْإِيمَانِ فَإِنَّهُ فَرْضٌ فِي الْجُمْلَةِ ثُمَّ هُوَ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَوْرَةَ الَّتِي يَجِبُ سَتْرُهَا هِيَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ هَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ الْعَوْرَةُ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ وَالْفَخْذَانِ وَيُرْوَى عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ الْعَوْرَةُ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ خَاصَّةً وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ الْحَدِيثُ الَّذِي

стр. 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] يَأْتِي بَعْدَ هَذَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِجَرْهَدٍ غَطِّ فَخْذَك فَإِنَّ الْفَخْذَ عَوْرَةٌ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا مَوْضِعٌ يَسْتُرُهُ الْمِئْزَرُ غَالِبًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَوْرَةِ كَالْقُبُلِ وَالدُّبُرِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ الْعَوْرَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُغَلَّظَةٌ وَمُخَفَّفَةٌ فَالْمُغَلَّظَةُ هِيَ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ وَالْمُخَفَّفَةُ سَائِرُ مَا ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ مِنْ الْعَوْرَةِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ لَيْسَ بِبَعِيدٍ عِنْدِي هَذَا الْقَوْلُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ مَا يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ قَالَ مَنْ صَلَّى وَفَخِذُهُ مَكْشُوفَةٌ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَدْ يَسْقُطُ فَرْضُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ مَعَ عَدَمِ مَا تُسْتَرُ بِهِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ صَلَّى قَائِمًا وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُصَلِّي جَالِسًا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ فَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ أَرْكَانِهَا بِالْعَجْزِ عَنْهُ كَالْوُضُوءِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مِقْدَارُ الْفَضِيلَةِ لِلرِّجَالِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى كَتِفَيْهِ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُمَا وَيُكْرَهُ أَنْ لَا يُلْقِي عَلَى كَتِفَيْهِ مِنْ ثَوْبِهِ شَيْئًا إذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا عَنْ الْوَقَارِ الْمَشْرُوعِ فِي الصَّلَاةِ. [بَابٌ صِفَةُ الْمَلْبُوسِ وَاللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ] ١ بَابٌ وَأَمَّا صِفَةُ الْمَلْبُوسِ وَاللِّبَاسِ فَإِنَّ الْمَلْبُوسَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ثَوْبًا وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ ثَوْبًا وَاحِدًا فَإِنَّ مِنْ صِفَتِهِ الْجَامِعَةِ لِأَنْوَاعِهِ أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ الْعَوْرَةِ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ الصَّفَاقَةِ وَالْمَتَانَةِ بِحَيْثُ لَا يَصِفُ وَلَا يَشِفُّ فَإِنْ كَانَ خَفِيفًا يَشِفُّ أَوْ رَقِيقًا يَصِفُ فَقَدْ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ وَمَنْ صَلَّى فِيهِ أَعَادَ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِسَاتِرِ الْعَوْرَةِ وَسَتْرُهَا هُوَ الْمَشْرُوعُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ صَلَّى وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ وَرِدَاءٌ أَوْ رِدَاءٌ وَإِزَارٌ فَقَدْ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَطْرَحَ الرِّدَاءَ عَنْ مَنْكِبَيْهِ لِلْحَرِّ فِي الْفَرِيضَةِ وَخَفَّفَ فِي النَّافِلَةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُرَاعَى فِي الْمَكْتُوبَةِ مَا لَا يُرَاعَى فِي النَّافِلَةِ لِأَنَّهَا أَهَمُّ وَالْحِرْصُ عَلَى إتْمَامِهَا آكَدُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَلْبَسَ الْمُصَلِّي ثِيَابَهُ عَلَى أَفْضَلِ هَيْئَاتِهَا مِنْ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ لِأَنَّ السَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ خَالَفَ هَذِهِ الصِّفَةَ بِأَنْ يُشَمِّرَ كُمَّهُ أَوْ يَشُدَّ ثِيَابَهُ بِحِزَامٍ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِشُغْلٍ هُوَ فِيهِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُزِيلَ ذَلِكَ عَنْهُ وَيُصَلِّيَ الصَّلَاةَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ فَإِنْ صَلَّى عَلَى حَالِ التَّشْمِيرِ أَجْزَأَهُ وَلَمْ يَخْرُجْ وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِصَلَاتِهِ فَقَدْ أَسَاءَ وَخَالَفَ السُّنَّةَ لِأَنَّهُ قَصَدَ الصَّلَاةَ بِمَا يُخَالِفُهَا وَتَهَيَّأَ لَهَا بِمَا يُضَادُّ هَيْئَاتِهَا إلَّا أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مُشْتَمِلًا بِهِ قَالَ الْأَخْفَشُ الِاشْتِمَالُ أَنْ يَلْتَحِفَ مِنْ رَأْسِهِ إلَى قَدَمَيْهِ وَالتَّوَشُّحُ أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ مِنْ تَحْتِ يَمِينِهِ فَيَرُدَّهُ عَلَى مَنْكِبِهِ مِنْ يَمِينِهِ وَهَذَا الَّذِي قَالَ الْأَخْفَشُ لَيْسَ هَذَا هُوَ الِاشْتِمَالُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا هُوَ نَوْعٌ مِنْ الِاشْتِمَالِ وَالِاشْتِمَالُ عَلَى أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: التَّوَشُّحُ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ الْمُبَاحُ فِي الصَّلَاةِ. وَالثَّانِي: اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ وَهُوَ الَّذِي «أَنْكَرَهُ ﷺ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ حِينَ قَالَ لَهُ مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ» وَقَدْ وَرَدَ الْمَنْعُ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ أَنْ يَشْتَمِلَ فِي الثَّوْبِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَتَكُونَ يَدَاهُ تَحْتَ الثَّوْبِ فَهَذَا مُنِعَ فِي الصَّلَاةِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إزَارٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يُبَاشِرَ الْأَرْضَ بِيَدِهِ لِلسُّجُودِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ أَوْ يُخْرِجَ يَدَيْهِ لِذَلِكَ فَتَبْدُوَ عَوْرَتُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ إزَارُ غَيْرِ الثَّوْبِ الَّذِي يَشْتَمِلُ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَأْمَنُ حِينَئِذٍ مِنْ كَشْفِ عَوْرَتِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا الْكَرَاهِيَةُ وَبِهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَوَجْهُ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ مِنْ الِاشْتِمَالِ هُوَ الِاضْطِبَاعُ قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ أَنْ يَرْتَدِيَ وَيُخْرِجَ ثَوْبَهُ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ الْيُمْنَى فَيَرُدَّهُ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى

стр. 248

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ» ) ــ [المنتقى] وَيَأْتِيَ بِالثَّوْبِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ فَوْقَ يَدِهِ الْيُسْرَى فَهُوَ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ الِاضْطِبَاعُ مِنْ نَاحِيَةِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إخْرَاجُ يَدِهِ الْيُسْرَى لِسُجُودٍ وَلَا لِغَيْرِهِ إلَّا لَحِقَهُ فِيهِ مَا يَلْحَقُهُ فِي اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ يُرِيدُ أَنَّهُ أَخَذَ طَرْفَ ثَوْبِهِ تَحْتَ يَدِهِ الْيُمْنَى فَوَضَعَهُ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى وَأَخَذَ الطَّرْفَ الْآخَرَ تَحْتَ يَدِهِ الْيُسْرَى فَوَضَعَهُ عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الِاشْتِمَالِ يُسَمَّى التَّوَشُّحَ وَيُسَمَّى الِاضْطِبَاعَ وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ إخْرَاجُ يَدَيْهِ لِلسُّجُودِ وَغَيْرِهِ دُونَ كَشْفِ عَوْرَتِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ» ) . ش قَوْلُهُ ﷺ أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ مَعَ سُؤَالِ السَّائِلِ إبَاحَةٌ لِلصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ سُمِعَ إلَى نَفْيِ الْحَرَجِ اللَّاحِقِ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ إذْ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ وَلَيْسَ فِي عُدْمِ الرَّجُلِ الثَّوْبَيْنِ يَلْبَسُهُمَا فِي صَلَاتِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ إذَا وَجَدَهُمَا كَمَا أَنَّ عُدْمَهُ لِلثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَا يَدُلُّ عَلَى إجْزَاءِ صَلَاتِهِ عُرْيَانًا مَعَ وُجُودِهِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ قَوْلُهُ أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ عَلَى اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الثَّوْبَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَالَ أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ فَأَشَارَ إلَى أَنَّ عَدَمَ أَكْثَرَ مِنْ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ أَمْرٌ شَائِعٌ كَثِيرٌ وَالضَّرُورَةُ إذَا كَانَتْ شَائِعَةً كَثِيرَةً كَانَتْ الرُّخْصَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهَا عَامَّةً يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِ السَّفَرِ التَّعَبَ وَالْمَشَقَّةَ كَانَتْ رُخْصَةُ الْفِطْرِ فِيهِ عَامَّةً وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ فِي سَفَرِهِ وَلَمَّا كَانَتْ فِي الْحَضَرِ نَادِرَةً لَمْ تُدْرِكْ الرُّخْصَةُ فِيهَا مَنْ يُدْرِكُهُ التَّعَبُ وَلَا أَحَدَ يَسْلَمُ مِنْهُ فَلَمَّا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِ النَّاسِ فِي وَقْتِ مُخَاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَدَمَ مَا زَادَ عَلَى الثَّوْبِ كَانَتْ الرُّخْصَةُ عَامَّةً فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ بِهِ لِلْوَاجِدِ وَالْعَادِمِ وَلَمَّا كَانَ عَدَمُ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ نَادِرًا لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ دُونَهُ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا فَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى إجْزَاءِ الصَّلَاةِ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَهَذَا الَّذِي أَبَاحَهُ ﷺ هُوَ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ وَالثَّوْبَانِ أَفْضَلُ لِمَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ صَلَّى فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ فِي إزَارٍ وَقَمِيصٍ فِي إزَارٍ وَقَبَاءٍ فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ السَّائِلَ لَمَّا سَأَلَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَكَانَ مَعْنَاهُ السُّؤَالَ عَنْ إجْزَاءِ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ ﷺ بِأَنَّ غَالِبَ حَالِ النَّاسِ عَدَمُ مَا زَادَ عَلَيْهِ وَأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَقِرٌّ فِي عِلْمِهِ كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْ ذَلِكَ إبَاحَةَ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ هَلْ يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ هَلْ تَفْعَلُ أَنْتَ ذَلِكَ فَقَالَ نَعَمْ إنِّي لَأُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَإِنَّ ثِيَابِي لَعَلَى الْمِشْجَبِ) . (ش) : قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ إنِّي لَأُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَإِنَّ ثِيَابِي لَعَلَى الْمِشْجَبِ مَعَ رِوَايَتِهِ عَنْ عُمَرَ إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا اقْتِصَارٌ مِنْهُ عَلَى الْجَائِزِ دُونَ الْأَفْضَلِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَفْعَلُ ذَلِكَ يُبَيِّنُ جَوَازَهُ فَيُقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ مِمَّنْ لَا يَجِدُ ثَوْبَيْنِ فَأَرَادَ أَنْ يُطَيِّبَ نَفْسَهُ وَيُعْلِمَهُ بِصِحَّةِ إبَاحَتِهِ وَأَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الثَّوْبَيْنِ فَكَيْفَ مَنْ لَا يَجِدُ إلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا وَأَخْبَرَهُ عَنْ فِعْلِهِ فِي النَّادِرِ دُونَ الْأَغْلَبِ وَأَخْبَرَهُ عَمَّا يَفْعَلُهُ فِي مَنْزِلِهِ دُونَ الْمَسَاجِدِ

стр. 249

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ) . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنَّ ثِيَابِي لَعَلَى الْمِشْجَبِ إخْبَارٌ عَنْ قُرْبِ تَنَاوُلِهَا وَتَمَكُّنِهِ مِنْ لُبْسِهَا وَالْمِشْجَبُ عُودٌ تُنْشَرُ عَلَيْهِ الثِّيَابُ قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ) . (ش) : هَذَا الَّذِي بَلَغَ مَالِكًا مِنْ فِعْلِ جَابِرٍ يَحْتَمِلُ مِنْ الْوُجُوهِ مَا ذَكَرْتُهُ فِي فِعْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَيَحْتَمِلُ مَعَ ذَلِكَ عَدَمَ الثَّوْبِ الثَّانِي غَيْرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ مُلْتَحِفًا بِهِ وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ تُصَلِّي فَبَيْنُ مَوْضُوعٌ قَالَ نَعَمْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَ الْجُهَّالَ أَمْثَالَكُمْ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي كَذَا» فَقَدْ نَصَّ جَابِرٌ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ إعْلَامَ جَوَازِهِ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي كَذَا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ لِيُبَيِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَوَازَهُ فَاعْتَقَدَ جَابِرٌ فِعْلَ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَابِرٌ فَعَلَ ذَلِكَ لَمَّا صَلَّى وَحْدَهُ فِي مَنْزِلِهِ وَأَنَّهُ اعْتَقَدَ فِي فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ وَفِي الْمَبْسُوطِ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يَلْبَسَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ الْوَاحِدَ فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ فَكَيْفَ بِالْمَسْجِدِ وَهُوَ مَوْضِعُ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَمَوْضِعُ تَجَمُّلٍ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] . وَقَالَ السُّدِّيَّ الزِّينَةُ مَا يُوَارِي الْعَوْرَةَ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ الزِّينَةَ مَا يُتَجَمَّلُ بِهِ مِنْ الثِّيَابِ وَهُوَ الرِّدَاءُ وَمَا أَشْبَهَهُ وَلِذَلِكَ خَصَّ ذَلِكَ بِالْمَسَاجِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ص (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةِ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ كَانَ يُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ) . (ش) : وَهُوَ يَقْتَضِي مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا فِي فِعْلِ جَابِرٍ إلَّا أَنَّهُ أَتَمُّ فِي اللِّبَاسِ لِأَنَّ الْقَمِيصَ أَتَمُّ ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُصَلِّي فِيهِ الرَّجُلُ وَآمَنُ مِنْ التَّكَشُّفِ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبَيْنِ فَلْيُصَلِّ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُلْتَحِفًا بِهِ فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ قَصِيرًا فَلْيَتَّزِرْ بِهِ» ) . (ش) : قَوْلُهُ ﷺ مَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبَيْنِ فَلْيُصَلِّ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ أَمْرٌ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبَيْنِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ فِيهِ حُكْمُ مَنْ وَجَدَ ثَوْبَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ جَوَازُ الصَّلَاةِ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ لِمَنْ وَجَدَ ثَوْبَيْنِ وَيَحْتَمِلُ لِمَنْ قَالَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مَنْ وَجَدَ ثَوْبَيْنِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الصَّلَاةَ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ أَفْضَلُ فَيَتَعَلَّقُ الْمَنْعُ الْمَفْهُومُ مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ بِالتَّفْضِيلِ دُونَ التَّحْرِيمِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مُلْتَحِفًا بِهِ قَالَ الْبُخَارِيُّ قَالَ الزُّهْرِيُّ الْمُلْتَحِفُ الْمُتَوَشِّحُ وَهُوَ الْمُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ وَهُوَ الِاشْتِمَالُ عَلَى عَاتِقَيْهِ فَجَعَلَ الِالْتِحَافَ هُوَ التَّوَشُّحُ وَالْمَشْهُورُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّ الِالْتِحَافَ هُوَ الِالْتِفَافُ فِي الثَّوْبِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ التَّوَشُّحُ وَالِاشْتِمَالُ وَقَدْ خَصَّ مِنْهُ اشْتِمَالَ الصَّمَّاءِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ قَصِيرًا فَلْيَتَّزِرْ بِهِ يَعْنِي إنْ قَصُرَ عَنْ سَتْرِ جَسَدِهِ فَلْيَسْتُرْ بِهِ عَوْرَتَهُ لِأَنَّ سَتْرَهَا آكَدُ مِنْ سَتْرِ سَائِرِ جَسَدِهِ لِأَنَّ سَتْرَ جَسَدِهِ سُنَّةٌ وَفَضِيلَةٌ وَسَتْرُ عَوْرَتِهِ فَرِيضَةٌ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالِالْتِحَافِ بِالثَّوْبِ الْكَامِلِ لِيَجْمَعَ فِي اللِّبَاسِ بَيْنَ الْفَضْلِ وَالْفَرْضِ فَإِذَا قَصَرَ الثَّوْبُ عَنْ ذَلِكَ أَمَرَهُ بِالِاتِّزَارِ بِهِ لِأَنَّهُ الْفَرْضُ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْعَلَ الَّذِي يُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ عَلَى عَاتِقَيْهِ ثَوْبًا أَوْ عِمَامَةً) . (ش) : وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ عُمَرَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى نَفْسِهِ وَيُحْسِنُ زِيَّهُ فِي الصَّلَاةِ مَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الرِّدَاءَ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ سُنَّةَ الصَّلَاةِ الْوَقَارُ وَالرِّدَاءُ مِنْ زِيِّ الْوَقَارِ فَاسْتُحِبَّ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ.

стр. 250

الرُّخْصَةُ فِي صَلَاةِ الْمَرْأَةِ فِي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تُصَلِّي فِي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُنْقِذٍ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ ــ [المنتقى] [الرُّخْصَةُ فِي صَلَاةِ الْمَرْأَةِ فِي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ] (ش) : قَوْلُهُ كَانَتْ تُصَلِّي فِي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ تَقْتَصِرُ عَلَيْهِمَا وَالنِّسَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ فَأَمَّا الْحُرَّةُ فَجَسَدُهَا كُلُّهُ عَوْرَةٌ غَيْرَ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهَا أَنْ تَسْتُرَ جَمِيعَ جَسَدِهَا وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قَالُوا إنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهَا الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا عُضْوٌ يَجِبُ كَشْفُهُ بِالْإِحْرَامِ فَلَمْ يَكُنْ عَوْرَةً كَوَجْهِ الرَّجُلِ وَسَائِرِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَسَدِ الْحُرَّةِ يَجْرِي مَجْرَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ فِي وُجُوبِ سَتْرِهِ فِي الصَّلَاةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ فَالدِّرْعُ الَّذِي يَسْتُرُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا وَالْخِمَارُ الَّذِي تَتَقَنَّعُ بِهِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الثَّوْبِ مِئْزَرٌ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ أَجْزَأَهَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فَإِنْ صَلَّتْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُلْتَحِفَةً بِهِ وَسَتَرَ مِنْهَا مَا يَجِبُ سَتْرُهُ وَلَمْ تَشْتَغِلْ بِإِمْسَاكِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ اشْتَغَلَتْ بِذَلِكَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا الْأَمَةُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ يَسْتُرُ الْأَمَةَ فِي الصَّلَاةِ مَا يَسْتُرُ الرَّجُلَ وَعَوْرَتُهَا مِنْ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَسْتُرُ الْمَرْأَةُ فِي الصَّلَاةِ جَمِيعَ جَسَدِهَا. وَجْهُ قَوْلِ أَصَبْغَ أَنَّ مَا لَا يَكُونُ مِنْهَا عَوْرَةً خَارِجَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْهَا عَوْرَةً فِي الصَّلَاةِ كَالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا امْرَأَةٌ فَكَانَتْ مَأْمُورَةً بِتَغْطِيَةِ جَمِيعِ جَسَدِهَا فِي الصَّلَاةِ كَالْحُرَّةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّجُلِ أَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِتَغْطِيَةِ جَسَدِهَا إذَا بَرَزَتْ لِأَنَّ النَّظَرَ فِيهِ يَفْتِنُ بِخِلَافِ الرَّجُلِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ تَخْتَمِرُ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ وَتُجْزِئُهَا. وَقَالَ سَحْنُونَ تَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَكَذَلِكَ الْعُرْيَانُ يَجِدُ الثَّوْبَ فِي الصَّلَاةِ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَإِذَا عُدِمَ حِينَ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُهَا وُجُودُهُ كَالْوُضُوءِ بِالْمَاءِ. وَوَجْهُ مَا قَالَهُ سَحْنُونَ أَنَّ الصَّلَاةَ غَيْرُ مُسْقِطَةٍ فَإِذَا لَزِمَ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ فِي بَعْضِهَا لَزِمَ فِي جَمِيعِهَا وَلَمَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهَا تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ وَإِنَّ تَرْكَ ذَلِكَ يُبْطِلُ صَلَاتَهَا فَكَذَلِكَ يُبْطِلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَتَمَادِيهَا عَلَى صَلَاتِهَا فَلَمْ تَفْعَلْ جَهْلًا أَوْ لَمْ يُمْكِنْهَا مَنْ يُنَاوِلُهَا خِمَارَهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تُعِيدُ مَا دَامَتْ فِي الْوَقْتِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ تَجِدْ مَنْ يُنَاوِلُهَا الْخِمَارَ وَلَا وَصَلَتْ إلَيْهِ لَمْ تُعِدْ وَإِنْ قَدَرَتْ عَلَى أَخْذِهِ فَلَمْ تَأْخُذْهُ أَعَادَتْ فِي الْوَقْتِ وَكَذَلِكَ الْعُرْيَانُ. وَقَالَ أَصَبْغُ لَا تُعِيدُ فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ وَإِنْ تَرَكَتْ ذَلِكَ عَمْدًا. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَمَّا اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهَا اُسْتُحِبَّ لَهَا الْإِتْيَانُ بِهَا فِي الْوَقْتِ عَلَى وَجْهٍ مُجْمَعٍ عَلَى صِحَّتِهَا. وَوَجْهُ مَا قَالَهُ أَصَبْغُ أَنَّهَا دَخَلَتْ فِي الصَّلَاةِ بِمَا يَجُوزُ لَهَا فَلَا يُخْرِجُهَا عَنْهَا وُجُودُ مَا عَدِمَتْهُ قَبْلَهَا كَالْمُتَيَمِّمِ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ يَجِدُ الْمَاءَ. (فَصْلٌ) : فَأَمَّا الدِّرْعُ فَهُوَ الْقَمِيصُ وَالْخِمَارُ مَا تَخْتَمِرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَا خَصِيفَيْنِ يَسْتُرَانِ مَا تَحْتَهُمَا فَإِنْ كَانَا خَفِيفَيْنِ يَصِفَانِ مَا تَحْتَهُمَا لَمْ يُجْزِئْ لِأَنَّ السَّتْرَ لَمْ يَقَعْ بِهِمَا وَيُكْرَهُ الرَّقِيقُ الصَّفِيقُ مِنْ الثِّيَابِ لِأَنَّهُ يَلْصَقُ بِالْجَسَدِ فَيَبْدُو حَجْمُ مَا تَحْتَهُ وَفِيهِ بَعْضُ الْوَصْفِ لِمَا تَحْتَهُ. (فَصْلٌ) : وَمِنْ صِفَةِ الْقَمِيصِ أَنْ يَكُونَ سَابِغًا يَسْتُرُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا وَيَسْتُرُ الْخِمَارُ عُنُقَهَا وَقُصَّتَهَا وَدَلَّالَيْهَا وَلَا يُظْهِرُ مِنْهَا غَيْرَ دُورِ وَجْهِهَا وَذَلِكَ أَقَلُّ الْمُجْزِئِ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الْقِيَاسِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ مِئْزَرٌ لِأَنَّهُ أَبْلُغُ فِي السَّتْرِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُنْقِذٍ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ مَاذَا تُصَلِّي فِيهِ الْمَرْأَةُ مِنْ الثِّيَابِ فَقَالَتْ تُصَلِّي فِي الْخِمَارِ وَالدِّرْعِ السَّابِغِ إذَا غَيَّبَ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا) .

стр. 251

النَّبِيِّ ﷺ مَاذَا تُصَلِّي فِيهِ الْمَرْأَةُ مِنْ الثِّيَابِ فَقَالَتْ تُصَلِّي فِي الْخِمَارِ وَالدِّرْعِ السَّابِغِ إذَا غَيَّبَ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا) . الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي سَفَرِهِ إلَى تَبُوكَ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي سَفَرِهِ إلَى تَبُوكَ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي سَفَرِهِ إلَى تَبُوكَ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي سَفَرِهِ إلَى تَبُوكَ» ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهَا مَاذَا تُصَلِّي فِيهِ الْمَرْأَةُ مِنْ الثِّيَابِ سُؤَالٌ عَنْ مِقْدَارِ مَا يَكْفِيهَا مِنْ الثِّيَابِ فِي الصَّلَاةِ لِتُعَرِّفَهَا بِمَا لَا يُجْزِئُ وَيَحْتَمِلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ سُؤَالًا عَنْ جِنْسِ مَا يُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ لَكِنَّ الْجَوَابَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَنْ الْمِقْدَارِ وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ فُهِمَ بِشَاهِدِ الْحَالِ وَلَوْ فُهِمَ أَنَّهُ كَانَ عَنْ الْجِنْسِ لَوَجَبَ أَنْ نَصِفَهُ بِالْكَثَافَةِ وَالسَّتْرِ فَلَمَّا قَالَتْ إنَّهَا تُصَلِّي فِي الْخِمَارِ وَالدِّرْعِ السَّابِغِ الْمُغَيِّبِ لِظُهُورِ قَدَمَيْهَا عُلِمَ أَنَّهَا أَجَابَتْهَا عَنْ مِقْدَارِ ذَلِكَ وَأَنَّهَا رَاعَتْ فِي مِقْدَارِ مَقَاسِ السُّبُوغِ أَنْ يُغَيِّبَ الدِّرْعُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا عُضْوٌ لَا يُكْشَفُ لِلْإِحْرَامِ فَوَجَبَ عَلَى الْمُصَلِّيَةِ الْحُرَّةِ أَنْ تَسْتُرَهُ كَالذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ صَلَّتْ بَادِيَةَ الشَّعْرِ أَوْ الصَّدْرِ أَوْ ظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ اُسْتُحِبَّ لَهَا أَنْ تُعِيدَ فِي الْوَقْتِ وَقَدْ أَثِمَتْ لِمُخَالَفَتِهَا السُّنَّةَ إنْ قَصَدَتْ ذَلِكَ وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ رَأَى إعَادَةَ الصَّلَاةِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فِي الْوَقْتِ وَقَدْ سَلَّمَ ابْنُ الْقَصَّارِ أَنْ تُعَادَ الصَّلَاةُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ مَعَ كَوْنِهِ عِنْدَهُ فَرْضًا. وَالثَّانِي: ذَلِكَ أَخَفُّ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَرْأَةِ يَكُونُ بِجَسَدِهَا عَيْبٌ أَنَّهُ يُبْقَرُ عَنْهُ فَيَنْظُرُ إلَيْهِ أَهْلُ الْبَصَرِ وَإِنْ كَانَ فِي الْعَوْرَةِ لَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ وَيَصِفْنَهُ لِأَهْلِ الْبَصَرِ مِنْ الرِّجَالِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ الثِّقَةِ عِنْدَهُ عَنْ بُكَيْر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْخَوْلَانِيِّ وَكَانَ فِي حِجْرِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ مَيْمُونَةَ كَانَتْ تُصَلِّي فِي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ لَيْسَ عَلَيْهَا إزَارٌ) . (ش) : قَوْلُهُ كَانَ فِي حِجْرِ مَيْمُونَةَ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يَظْهَرُ إلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ ابْنَ أُخْتِهَا وَمَعَ وَذَلِكَ فَقَدْ كَانَ مَعَهَا وَمُضْطَرًّا إلَى كَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ عَلَيْهَا فَكَانَ يَرَاهَا تُصَلِّي فِي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ دُونَ إزَارٍ وَالْإِزَارُ مَا تَتَّزِرُ بِهِ الْمَرْأَةُ وَلَيْسَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ إذَا كَانَ عَلَى الْجَسَدِ دِرْعٌ يَسْتُرُهُ. ص (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً اسْتَفْتَتْهُ فَقَالَتْ إنَّ الْمِنْطَقَ يَشُقُّ عَلَيَّ أَفَأُصَلِّي فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ فَقَالَ نَعَمْ إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا) . (ش) : الْمِنْطَقُ هُوَ الْإِزَارُ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ الْمِنْطَقُ إزَارٌ فِيهِ تِكَّةٌ تَتَنَطَّقُ بِهِ الْمَرْأَةُ وَالْمِنْطَقَةُ مَا يُشَدُّ بِهِ الْوَسَطُ وَقَوْلُهَا يَشُقُّ عَلَيَّ تُرِيدُ أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهَا لُبْسُهُ وَذَلِكَ أَنَّهَا تَتَأَذَّى مِنْ لُبْسِهِ وَلَمْ تَعْتَدْهُ فَاسْتَفْتَتْ عُرْوَةَ إنْ كَانَ لَهَا رُخْصَةٌ فِي تَرْكِ لُبْسِ الْمِنْطَقِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهَا لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ الدِّرْعُ يَسْتُرُ مَا يَسْتُرُهُ الْإِزَارُ لِسُبُوغِهِ وَتَمَامِهِ. [الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ] (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي سَفَرِهِ إلَى تَبُوكَ يَعْنِي أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ بِالْمُصَلِّي وَذَلِكَ عَلَى حَدِّ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: السَّفَرُ. وَالثَّانِي: الْمَرَضُ. وَالثَّالِثُ: الْمَطَرُ وَاللَّيْلُ. وَالرَّابِعُ: الْخَوْفُ. وَالْجَمْعُ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكٌ فِي الْوَقْتِ وَهُمَا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَأَمَّا كُلُّ صَلَاتَيْنِ لَا اشْتِرَاكَ بَيْنَهُمَا فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَأَمَّا السَّفَرُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ قَالَ إنِّي لَأَكْرَهُ جَمْعَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ. وَرُوِيَ عَنْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي غَزْوٍ وَلَا حَجٍّ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَجِدَّ بِهِ السَّيْرُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَجْهُ كَرَاهَةِ مَالِكٍ إنَّمَا هُوَ عَلَى إتْيَانِ الْأَفْضَلِ لِئَلَّا يَتْرُكَ ذَلِكَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ دُونَ مَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُ وَأَمَّا إبَاحَتُهُ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ فَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا عَجَّلَ بِهِ

стр. 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] السَّيْرُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَجَمِيعُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَمْعِ إنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ فِعْلِهِ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَالْفِعْلُ لَا يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَإِنَّمَا يَقَعُ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ السَّيْرِ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَأَمَّا الْجَمْعُ لِغَيْرِ عُذْرٍ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَصْحَابِنَا وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فِي الْحَضَرِ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ أَعَادَ الثَّانِيَةَ أَبَدًا يُرِيدُ إنْ صَلَّاهَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ. وَقَالَ أَشْهَبُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ إلَّا بِعَرَفَةَ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ لِلْمُسَافِرِ فِي جَمْعِهَا مَا لَيْسَ لِلْمُقِيمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدَّ بِهِ السَّيْرُ وَلَهُ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ مِنْ الرُّخْصَةِ مَا لَيْسَ لَهُ إذَا لَمْ يَجِدَّ بِهِ وَلِلْمُقِيمِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ رُخْصَةٌ وَإِنْ كَانَ الْفَضْلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّ لَهُ الرُّخْصَةَ لِأَنَّهُ صَلَّى فِي أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ اللَّذَيْنِ وَقَّتَ جِبْرِيلُ ﵇ وَقَدْ مَنَعَ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَإِنْ رَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ إلَى الْعَصْرِ وَفِي الْمَغْرِبِ مِثْلُ ذَلِكَ إنْ غَابَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَإِنْ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ سَفَرٌ تُقْصَرُ بِهِ الصَّلَاةُ فَجَازَ أَنْ يَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَهُمَا فَالْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاكِ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْوَقْتِ فَهُوَ وَقْتُ اخْتِيَارٍ لِلظُّهْرِ وَوَقْتُ ضَرُورَةٍ لِلْعَصْرِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْجَمْعَ فِي السَّفَرِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنْ يَرْتَحِلَ عِنْدَ الزَّوَالِ فَيَجْمَعَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَرْتَحِلَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَيُؤَخِّرَ الظُّهْرَ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا فَيُصَلِّيَهَا ثُمَّ يُصَلِّيَ بَعْدَهَا الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ الْمُتَقَدِّمُ. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إنَّمَا شُرِعَ لِلرِّفْقِ بِالْمُسَافِرِ لِمَشَقَّةِ النُّزُولِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهِ وَالتَّأَخُّرِ عَنْ أَصْحَابِهِ وَلَمْ يَجُزْ أَدَاءُ الْفَرِيضَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَخَفَّفَ عَلَيْهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِهِمَا وَلِلصَّلَاةِ وَقْتَانِ وَقْتُ اخْتِيَارٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَوَقْتُ ضَرُورَةٍ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي مَبْسُوطِهِ أَنَّ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ بِمِقْدَارِ مَا تُؤَدَّى فِيهِ الظُّهْرُ وَقْتٌ يَخْتَصُّ بِالظُّهْرِ وَمَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِمِقْدَارِ مَا تُؤَدَّى فِيهِ الْعَصْرُ وَقْتٌ يَخْتَصُّ بِالْعَصْرِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَقْتٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَلِذَلِكَ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ» فَإِنْ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَسَارَ قَبْلَ الزَّوَالِ شُرِعَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ لَهُمَا وَهُوَ إذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لِأَنَّ مَشَقَّةَ النُّزُولِ لَا بُدَّ مِنْهَا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ فِي أَوْلَى الْوَقْتِ بِالصَّلَاتَيْنِ وَهُوَ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ لَهُمَا أَنْ يَبْتَدِئَ الظُّهْرَ وَالْفَيْءُ قَامَةٌ أَوْ تَنْقَضِي وَالْفَيْءُ قَامَةٌ ثُمَّ يُصَلِّي بِإِثْرِهَا الْعَصْرَ وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ عِنْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ لِأَنَّهُ وَقْتٌ لَهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ فِيهِمَا أَنْ تَنْقَضِيَ الْمَغْرِبُ وَقَدْ غَابَ الشَّفَقُ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ حِينَئِذٍ ثُمَّ يُصَلِّي بِإِثْرِهَا الْعِشَاءَ وَذَلِكَ فِي الظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ أَجْوَزُ لِأَنَّ الْمَغْرِبَ إنَّمَا ذُكِرَ لَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَإِنَّمَا يَسْتَوِيَانِ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ لِلْمَغْرِبِ وَقْتَيْنِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا رَكِبَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَبَعْدَ أَنْ حَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ جُوِّزَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَيُصَلِّيَ الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ وَالْعَصْرَ فِي وَقْتِ ضَرُورَتِهَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَانَ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي الرِّفْقِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى النُّزُولِ فَكَانَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ وَإِذَا رَحَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ النُّزُولِ فَكَانَ نُزُولُهُ فِي الْوَقْتِ

стр. 253

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ تَبُوكَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَالَ فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا ثُمَّ قَالَ إنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ تَبُوكَ وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يَضْحَى النَّهَارُ فَمَنْ جَاءَهَا فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِيَ فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إلَيْهَا رَجُلَانِ وَالْعَيْنُ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا فَقَالَا نَعَمْ فَسَبَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا فَجَرَتْ الْعَيْنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ فَاسْتَقَى النَّاسُ ثُمَّ ــ [المنتقى] الَّذِي يُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا فِي وَقْتِهِمَا الْمُخْتَارِ لَهُمَا أَوْلَى وَهَذَا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِثْلَ مَا ذَكَرَ عِنْدَ الرَّحِيلِ مِنْ الْمَنْهَلِ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُمَا فِي ذَلِكَ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَقْتِ ارْتِحَالٍ مِنْ الْمَنْهَلِ فِي جَرْيِ الْعَادَةِ فَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ الرُّخْصَةُ كَتَعَلُّقِهَا بِمَنْ ارْتَحَلَ بَعْدَ الزَّوَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ مُعْتَادٌ لِلرَّحِيلِ. وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ ارْتَحَلَ مِنْ النُّزُولِ فِي سَفَرِهِ وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِاشْتِرَاكِ وَقْتَيْهِمَا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ ارْتَحَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَنَزَلَ عِنْدَ الزَّوَالِ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ يُعِيدُ الْعَصْرَ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ خَالَفَ سُنَّةَ الْجَمْعِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُسْتَحَبِّ وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إذَا لَمْ يَجِدَّ بِهِ السَّيْرُ عِنْدَ مَنْ شَرَطَ ذَلِكَ وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَحَدُّ الْإِسْرَاعِ الَّذِي شُرِعَ مَعَهُ الْجَمْعُ هُوَ مُبَادَرَةُ مَا يَخَافُ فَوَاتَهُ وَالْإِسْرَاعُ إلَى مَا يُهِمُّهُ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ الْجَمْعُ إذَا جَدَّ فِي السَّفَرِ لِقَطْعِ سَفَرِهِ خَاصَّةً لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ. وَوَجْهُ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ «كَانَ إذَا عَجَّلَ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» . (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْمَرِيضُ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنْ يَخَافَ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ إنْ أَخَّرَ الْعَصْرَ إلَى وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ أَوْ يَخَافَ مَانِعًا مِنْ فِعْلِهَا أَوْ حُمَّى فِي وَقْتِهَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَأْمَنَ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ الطَّهَارَةِ وَالْقِيَامُ مَرَّتَيْنِ وَيَخَافُ مِنْ ذَلِكَ زِيَادَةَ أَلَمٍ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ خَافَ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إذَا غَرَبَتْ وَنَحْوُهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ خَافَ نَافِضًا عَرَفَ وَقْتَهُ. وَقَالَ سَحْنُونَ لَا يَجْمَعُ الَّذِي يَخَافُ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ وَلَا يُصَلِّي الْعَصْرَ إلَّا فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ. وَجْهُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّ هَذَا احْتِيَاطٌ لِلصَّلَاةِ لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا رُبَّمَا أَدَّى إلَى تَضْيِيعِهَا وَإِذَا جَازَ أَنْ يُقَدِّمَ الْعَصْرَ مَعَ الظُّهْرِ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ فَبِأَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ إذَا خَافَ عَلَى عَقْلِهِ أَوْلَى. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ وَالتَّحَرُّكُ لِلصَّلَاةِ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَشَقَّةَ الَّتِي تَلْحَقُهُ بِمَا ذَكَرَ أَشَدُّ مِنْ الْمَشَقَّةِ الَّتِي تَلْحَقُ الْمُسَافِرَ عِنْدَ النُّزُولِ وَالرُّكُوبِ فَإِذَا جَازَ لِلْمُسَافِرِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِمَشَقَّةِ السَّفَرِ فَبِأَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ لِمَشَقَّةِ الْمَرَضِ أَوْلَى. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِلْجَمْعِ فَهُوَ الْمَطَرُ وَاللَّيْلُ وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.

стр. 254

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إنْ طَالَتْ بِك حَيَاةٌ أَنْ تَرَى مَا هَاهُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا» ) ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ إنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ تَبُوكَ أَضَافَ الْعَامَ إلَى تَبُوكَ وَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ مَوْجُودًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْعَامِ وَإِنَّمَا أَرَادَ غَزْوَةَ عَامِ تَبُوكَ إلَّا أَنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ وَشُهِرَ وَعُرِفَ الْمَقْصِدُ فِيهِ فَاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ الْغَزْوَةِ وَتَعَيَّنَ الْعَامُ بِعَامِ تَبُوكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِتَبُوكَ قِصَّةٌ تُشْهَرُ وَيُتَحَدَّثُ بِهَا إلَّا فِيهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ فَسَّرَ بَعْضَ ذَلِكَ فَقَالَ فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا جَمَعَ فِي هَذَا بَيْنَ فَصْلَيْنِ: أَحَدِهِمَا: الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ عَلَى وَجْهِ تَأْخِيرِ الظُّهْرِ لَا عَلَى وَجْهِ تَقْدِيمِ الْعَصْرِ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُقِيمٌ غَيْرُ مُسَافِرٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَعْمِلُ فِي الدُّخُولِ إلَى الْمَنْزِلِ أَوْ الْخِبَاءِ أَوْ الْخُرُوجِ مِنْهُمَا وَهَذَا غَالِبُ الِاسْتِعْمَالِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الطَّرِيقِ إلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ دَخَلَهُ لِلسَّيْرِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ فِي مِثْلِ هَذَا فَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْخُرُوجِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الطَّرِيقِ وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا بِالْأَرْضِ وَلَكِنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ مَطَرٍ وَقَدْ تَعَلَّقَ أَشْهَبُ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَقَالَ إنَّ لِلْمُقِيمِ رُخْصَةً فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِغَيْرِ عُذْرِ مَطَرٍ وَلَا مَرَضٍ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ إنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ تَبُوكَ وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يَضْحَى النَّهَارُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ ذَلِكَ مِنْ خَبَرِ الْعَيْنِ وَخَبَرِ أَنْ يَمْتَلِئَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ جِنَانًا وَقَوْلُهُ عَلَى هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَعَلَى التَّأَدُّبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى التَّقْدِيرِ لِسَيْرِهِمْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ فَمَنْ جَاءَهَا فَلَا يَمَسَّ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَ هَذَا مُبَيَّنٌ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ كَالْمِيَاهِ وَالْكَلَأِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَنَافِعِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ لِمَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ ﷺ ظُهُورَ بَرَكَتِهِ فِي مَائِهَا إذَا سَبَقَ إلَيْهَا وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يُوحَى إلَيْهِ أَنَّهُ إنْ سَبَقَ إلَيْهَا أَوْ إلَى الْوُضُوءِ مِنْ مَائِهَا فَسَيَكْثُرُ مَاؤُهَا وَيَكْفِي الْمُؤْمِنِينَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَالْعَيْنُ تَبِضُّ بِشَيْءٍ فَمَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُوَطَّأِ تَبِصُّ بِالصَّادِ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ وَمَعْنَاهُ تَبْرُقُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ يُقَالُ بَصَّ الشَّيْءُ يَبِصُّ بَصِيصًا وَوَبَصَ يَبِصُ وَبِيصًا إذَا بَرِقَ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْقَعْنَبِيُّ تَبِضُّ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَمَعْنَاهُ يَنْشَعُ مِنْهَا الْمَاءُ يُقَالُ بَضَّ الْمَاءُ إذَا قَطَرَ وَسَالَ وَضَبَّ أَيْضًا بِمَعْنَاهُ وَهُوَ مِنْ الْمَقْلُوبِ وَالْوَجْهَانِ جَمِيعًا صَحِيحَانِ وَقَوْلُهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ يُشِيرُ إلَى تَقْلِيلِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ سَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ سَأَلَهُمَا لَمَّا رَأَى مِنْ قِلَّةِ الْمَاءِ وَلَعَلَّهُ قَدْ كَانَ أُوحِيَ إلَيْهِ أَنَّهُ يَكْثُرُ إذَا سَبَقَ إلَيْهِ فَأَنْكَرَ قِلَّتَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْأَلَهُمَا لَمَّا رَآهُمَا قَدْ سَبَقَا إلَيْهِ مَخَافَةَ أَنْ يَفُوتَهُ فِيهَا مِنْ كَثْرَةِ الْمَاءِ إذَا مَسَّ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ مَائِهَا مَا قَدْ كَانَ أُوحِيَ إلَيْهِ بِهِ مِنْ أَنَّهُ يَكْثُرُ مَاؤُهَا إذَا تَوَضَّأَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهُ غَيْرُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُمَا نَعَمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا لَمْ يُقْدِمَا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمَا نَهْيَهُ ﷺ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا مِمَّنْ عَلِمَ بِنَهْيِهِ ﷺ وَأَقْدَمَا عَلَى ذَلِكَ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنْ يَكُونَا مُؤْمِنَيْنِ صَحِيحَيْ الْإِيمَانِ فَحَمَلَا نَهْيَهُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ أَوْ نَسِيَا نَهْيَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا نَعَمْ لِيَصْرِفَاهُ عَنْ أَنْفُسِهِمَا

стр. 255

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا عَجَّلَ بِهِ السَّيْرُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ جَمِيعًا فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ» قَالَ مَالِكٌ أَرَى ذَلِكَ كَانَ فِي مَطَرٍ) ــ [المنتقى] وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَأَرَادَا أَنْ يَمْنَعَاهُ مِنْ مُرَادِهِ بِإِظْهَارِ بَرَكَتِهِ وَمُعْجِزَتِهِ فِيهَا فَقَالَا نَعَمْ لِيُدْخِلَا عَلَيْهِ الْمَشَقَّةَ بِامْتِنَاعِ مُرَادِهِ. وَقَدْ رَوَى الدُّولَابِيُّ أَنَّهُمَا كَانَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِرُسُلٍ بِوَادٍ مِنْ الْمُنْتَفَقِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَسَبَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ فَأَمَّا وَجْهُ سَبِّهِ لَهُمَا إنْ كَانَا مُنَافِقَيْنِ أَوْ عَالِمَيْنِ بِنَهْيِهِ حَامِلَيْنِ لَهُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا إنْ كَانَا يَعْلَمَا بِنَهْيِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسُبَّهُمَا مَا إذَا كَانَ سَبَبًا لِفَوَاتِ مَا أَرَادَهُ مِنْ إظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ وَلِإِدْخَالِهِمَا الْمَشَقَّةَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ كَمَا يَسُبُّ السَّاهِيَ وَالنَّاسِيَ وَيَلْحَقُهُمَا اللَّوْمُ إذَا كَانَا سَبَبًا لِفَوَاتِ أَمْرٍ مَفْرُوضٍ عَلَيْهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ غَرَفُوا مِنْ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ يُرِيدُ أَنَّهُمْ جَمَعُوا مِنْ مَاءِ الْعَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ مَا أَمْكَنَهُمْ إلَى أَنْ اجْتَمَعَ مِنْهُ قَدْرُ مَا غَسَلَ مِنْهُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَهَذَا نِهَايَةٌ فِي الْقِلَّةِ وَقَوْلُهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهِ فَجَرَتْ الْعَيْنُ إخْبَارٌ عَنْ الْمُعْجِزِ الْعَظِيمِ وَعَمَّا أَظْهَرَ اللَّهُ مِنْ بَرَكَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَوْبِيخًا وَتَقْرِيعًا لِلْمُنَافِقَيْنِ وَتَصْدِيقًا لِمَا عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَاسْتَغْنَى النَّاسُ أَيْضًا عَنْ كَثْرَةِ الْمَاءِ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْهُ النَّاسُ وَهُمْ أَهْلُ الْجَيْشِ عَلَى كَثْرَةِ عَدَدِهِ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إنْ طَالَتْ بِك حَيَاةٌ أَنْ تَرَى مَا هَاهُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا إخْبَارٌ لِمُعَاذٍ بِمَا أُوحِيَ إلَيْهِ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ الَّذِي لَا طَرِيقَ لِأَحَدٍ إلَى مَعْرِفَتِهِ، وَإِخْبَارُهُ بِذَلِكَ لِمُعَاذٍ أَنَّ مُعَاذًا كَانَ مِمَّنْ اسْتَوْطَنَ الشَّامَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَاتَ بِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا خَصَّهُ بِالْإِخْبَارِ عَنْ ذَلِكَ لَمَّا عَلِمَ بِالْوَحْيِ أَنَّهُ يَرَى ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَقَدْ مُلِئَ جِنَانًا وَلَعَلَّهُ ﷺ قَدْ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ سَيَمْتَلِئُ جِنَانًا بِمَاءِ تِلْكَ الْعَيْنِ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي هَذَا الْخَبَرِ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالدَّلَالَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ مَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ مُعْجِزَةٌ غَيْرَهَا لَظَهَرَتْ حُجَّتُهُ وَتَبَيَّنَ صِدْقُهُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا عَجَّلَ بِهِ السَّيْرُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» ) . (ش) : قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ وَإِنَّمَا خَصَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِي خَبَرِهِ هَذَا ذِكْرَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِأَنَّهُ جَرَى لَهُ ذَلِكَ فِي سَفَرٍ اسْتَعْجَلَ فِيهِ بِسَبَبِ زَوْجِهِ صَفِيَّةِ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ اسْتَصْرَخَ عَلَيْهَا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَذَكَرَ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ . (ش) : قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِعُذْرِ السَّفَرِ وَالْمَرَضِ وَيَعْنِي الْكَلَامَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِعُذْرِ الْمَطَرِ وَأَمَّا الْخَوْفُ فَهَلْ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِخَوْفِ الْعَدُوِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَمْ أَسْمَعْهُ لِأَحَدٍ وَلَوْ فَعَلَهُ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا عُذْرٌ تَلْحَقُ بِهِ الْمَشَقَّةُ وَمَشَقَّتُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَشَقَّةِ السَّفَرِ وَالْمَرَضِ وَالْمَطَرِ فَإِذَا كَانَ الْجَمْعُ يَجُوزُ فِي السَّفَرِ وَالْمَطَرِ وَالْمَرَضِ فَبِأَنْ يَجُوزُ لِلْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ أَوْلَى وَقَدْ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] . (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا لِأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِعُذْرِ الْخَوْفِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ كَالْمَرَضِ فَإِنْ كَانَ خَوْفًا يُتَوَقَّعُ مَعَ آخِرِ الصَّلَاةِ جَمَعَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَإِنْ كَانَ خَوْفًا يَمْنَعُ مِنْ تَكْرَارِ الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَالِانْفِرَادِ بِهَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِهِمَا الْمُخْتَارِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ إنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَطَرٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ فِي سَفْرَةٍ سَافَرَهَا فَأَمَّا الْمَطَرُ وَالطِّينُ فَلَيْسَا مِمَّا يُبِيحُ الْجَمْعَ فِي صَلَوَاتِ النَّهَارِ وَإِنَّمَا يُبِيحُهَا فِي

стр. 256

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى رَسُول اللَّه ﷺ «الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ جَمِيعًا فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ» قَالَ مَالِكٌ أَرَى ذَلِكَ كَانَ فِي مَطَرٍ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى رَسُول اللَّه ﷺ «الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ جَمِيعًا فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ» قَالَ مَالِكٌ أَرَى ذَلِكَ كَانَ فِي مَطَرٍ) . ــ [المنتقى] صَلَاةِ اللَّيْلِ لِلظُّلْمَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَجْمَعُ فِي الْوَحْلِ وَالْمَطَرِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ظُلْمَةٌ يُرِيدُ فِي اللَّيْلِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فِي حَضَرٍ لِمَطَرٍ وَلَا لِغَيْرِهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَا يَقْرَبُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي الْحَضَرِ لِغَيْرِ مَرَضٍ أَعَادَ الْعِشَاءَ أَبَدًا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ إنْ كَانَ صَلَّاهَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ. وَقَدْ رَوَى زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ إلَّا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ لِفَضْلِهِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَسْجِدٌ غَيْرَهُ فَيَنْتَابُهَا عَلَى بُعْدٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أَشْهَبَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا مَعْنَى يَلْحَقُ بِهِ الْمَشَقَّةُ غَالِبًا فَكَانَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ. (فَصْلٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ وَتَفْسِيرَ مَالِكٍ لَهُ يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِضَرُورَةِ الْمَطَرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا كَرِهَهُ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ تَصَرُّفُهُمْ فِي مَعَايِشِهِمْ وَأَسْوَاقِهِمْ وَزِرَاعَاتِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُتَصَرِّفَاتِهِمْ فِي وَقْتِ الْمَطَرِ وَالطِّينِ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِسَبَبِهِمَا فَكَرِهَ أَنْ يَمْتَنِعَ مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَهِيَ عِمَادُ الدِّينِ فِي أَوْقَاتِهَا الْمُخْتَارَةِ لَهَا وَلَا يَمْتَنِعُ لِأَجْلِهِ مِنْ السَّعْيِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتِ تَصَرُّفٍ وَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَى السُّكُونِ فِي مَنْزِلِهِ وَالرَّاحَةِ فِيهِ مَعَ أَنَّ مَشَقَّتَهُ بِالنَّهَارِ أَخَفُّ لِأَنَّ لَهُ مِنْ ضَوْءِ النَّهَارِ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْمَشْيِ وَتَوَقِّي الطِّينِ وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ مَعَ ظَلَامِ اللَّيْلِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُرِيَ اشْتِرَاكَ الْوَقْتِ. وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَا أَرَادَ إلَى ذَلِكَ قَالَ أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَنْ صَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ وَلَيْسَ هَذَا الْجَمْعُ الَّذِي كَرِهَهُ مَالِكٌ وَإِنَّمَا كَرِهَ الْجَمْعَ بِتَقْدِيمِ الْعَصْرِ عَلَى وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ عَلَى حَسَبِ مَا أَجَازَهُ فِي الْعِشَاءِ وَيَحْتَمِلُ عَلَى رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَالِكٍ أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْفَضِيلَةِ فَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ الْجَمْعُ بَيْنَ صَلَاتَيْ نَهَارٍ وَلَا لَيْلٍ وَيَجُوزُ ذَلِكَ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَسْتَوِي صَلَاةُ النَّهَارِ وَصَلَاةُ اللَّيْلِ فِي مَنْعِ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ وَرُوِيَ عَنْهُ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ كَانَ ذَلِكَ فِي سَفْرَةٍ سَافَرَهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي أَوْقَاتٍ مُتَغَايِرَةٍ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ صِفَةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُنَادَى بِالْمَغْرِبِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ. وَوَجْهُ ذَلِكَ الْإِعْلَامُ بِوَقْتِهَا لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ لِمَنْ لَا يَجْمَعُ مَعَهُمْ مِنْ الْمُصَلِّينَ وَالْمُفْطِرِينَ وَيَتَعَلَّقُ بِالْأَذَانِ بِالْمَغْرِبِ فِي الْمَنَارِ لِمَا ذَكَرْنَا لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ شَيْءٌ مِنْ التَّغْيِيرِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لَهَا بِإِثْرِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ أَذَانًا لَيْسَ بِالْعَالِي قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَالَ بَعْضَهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْأَذَانَ إنَّمَا يَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْمَسْجِدِ لِمَا شُرِعَ مِنْ الْأَذَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَلِمَا فِي الْإِعْلَانِ بِهِ مِنْ التَّلْبِيسِ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ مَعَهُمْ فَإِنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ لِمَنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ لَمْ يَدْخُلْ فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا اخْتَصَّ بِهِ أَهْلُ الْمَسْجِدِ وَلَا يَحْتَاجُ ذَلِكَ إلَى صُعُودِ الْمَنَارِ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْإِسْمَاعِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْأَذَانِ لِلْمَغْرِبِ فَهَلْ يُؤَخِّرُ قَلِيلًا أَمْ لَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُؤَخِّرُ قَلِيلًا ثُمَّ يُصَلِّي وَقَالَ

стр. 257

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا جَمَعَ الْأُمَرَاءُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي الْمَطَرِ جَمَعَ مَعَهُمْ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ هَلْ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَلَمْ تَرَ إلَى صَلَاةِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ) . ــ [المنتقى] ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يُؤَخِّرُ قَلِيلًا وَيُصَلِّي الْمَغْرِبَ بِإِثْرِ الْأَذَانِ لَهَا وَحُكِيَ أَنَّهُ اخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ قَلِيلًا لِيَقْرَبَ وَقْتُ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارِ مَا لَمْ يَخَفْ اجْتِمَاعَ الظُّلْمَةِ وَإِضْرَارَ ذَلِكَ بِالنَّاسِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْجَمْعَ مُرْفِقٌ بِالنَّاسِ لِسُرْعَةِ الْعَوْدَةِ قَبْلَ اجْتِمَاعِ الظُّلْمَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يُدْرَكُ بِهِ رِفْقُ الرُّجُوعِ فِي بَقِيَّةِ الْوُضُوءِ لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ الْمَقْصُودِ وَهَذَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَعْجِيلِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إثْرَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَشَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْأَذَانِ لِلْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَهَلْ يَتَنَفَّلُ أَحَدٌ مِمَّنْ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ شَاءَ تَنَفَّلَ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَتَنَفَّلُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى وَجْهِ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ بَعْدَ الْأَذَانِ لَهُمَا لِيَتَنَفَّلَ مَنْ يُرِيدُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ التَّنَفُّلِ وَتَقْدِيمِ الْعِشَاءِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الرِّفْقِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى فِي أَهْلِهِ الْمَغْرِبَ فَهَلْ يُصَلِّي مَعَهُمْ الْعِشَاءَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُصَلِّيهَا مَعَهُمْ. وَرُوِيَ عَنْهُ فِي الْمَبْسُوطِ لَا يُصَلِّيهَا مَعَهُمْ. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْمَغْرِبَ تُؤَدَّى فِي وَقْتِهَا بِلَا تَأْثِيرٍ لَهَا فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ الْعِشَاءِ لِأَنَّ الْعِشَاءَ إنَّمَا تَقَدَّمَ لِلتَّخْفِيفِ وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ كَاَلَّذِي صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْمَسْجِدِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ تَقْدِيمَ الْعِشَاءِ إنَّمَا أُبِيحَ لِحُكْمِ الْجَمْعِ فَكَانَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي ذَلِكَ وَلِذَلِكَ وُصِفَ بِالْجَمْعِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِيرٌ لَوُصِفَ بِتَقْدِيمِ الْعِشَاءِ خَاصَّةً فَإِذَا فَاتَ مَعْنَى الْجَمْعِ امْتَنَعَ تَقْدِيمُ الْعِشَاءِ فَإِنْ صَلَّاهَا مَعَهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَدْ قَالَ أَصَبْغُ وَابْنُ الْحَكَمِ لَا يُعِيدُهَا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا عِنْدَهُمْ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ اشْتِرَاكِ الْوَقْتِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ وَجَدَهُمْ قَدْ صَلَّوْا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يُصَلِّيهَا وَحْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ الشَّفَقِ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّتِي أُبِيحَ لَهَا تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الشَّفَقِ قَدْ فَاتَتْهُ فَيَجِبُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فَيُصَلِّيهَا بَعْدَ الْجَمَاعَةِ قَبْلَ الشَّفَقِ لِأَنَّ إدْرَاكَ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ أَعْظَمُ مِنْ إدْرَاكِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ. (ش) : جَمْعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَعَ الْأُمَرَاءِ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْجَمْعَ فِي الْمَطَرِ فَلِذَلِكَ كَانَ يَجْمَعُ مَعَهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي جَوَازِهِ وَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي تَكْرَارَ ذَلِكَ مِنْهُ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إلَّا مَرَّةً يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ السَّفَرَ وَكَانَ يَجْمَعُ فِي الْمَطَرِ لِئَلَّا تَفُوتَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي الطِّينِ وَالظُّلْمَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَطَرٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْجَمْعُ جَائِزٌ إذَا كَانَ الْمَطَرُ وَالْوَحْلُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ظُلْمَةٌ أَوْ كَانَ الْمَطَرُ الْمُضِرُّ وَلَمْ يَكُنْ وَحْلٌ وَلَا ظُلْمَةٌ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مَشَاقُّ تَمْنَعُ التَّعْتِيمَ بِالصَّلَاةِ فَأُبِيحَ أَدَاءُ الصَّلَاةِ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ الِانْصِرَافُ مِنْهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ ضَوْءِ الشَّفَقِ مَا يُخَفِّفُ الْمَشَقَّةَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيَجْمَعُ مَعَهُمْ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الدَّارِ جِدًّا وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عَمْرٍو يَجْمَعُ مَعَهُمْ الْمُنْعَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَمْعَ إنَّمَا هُوَ لِإِدْرَاكِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَيَسْتَوِي فِي فَوَاتِ ذَلِكَ مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ وَمَنْ قَرُبَتْ وَمَنْ هُوَ مُقِيمٌ فِي الْمَسْجِدِ. (ش) : قَوْلُ سَالِمٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السَّفَرِ وَتَمْثِيلُهُ ذَلِكَ بِصَلَاةِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ جَوَابٌ هَلْ إلَّا أَنْ يَكُونَ اخْتَصَرَ بَعْضَ السُّؤَالِ وَلَعَلَّ السَّائِلَ إنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِإِثْرِ الزَّوَالِ لِمَعْنًى يَقْتَضِي ذَلِكَ مِنْ الرَّحِيلِ مِنْ الْمَنْزِلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَأَعْلَمُهُ سَالِمٌ بِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ جَائِزٌ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَقْتُ الْعَصْرِ عَلَى وَجْهِ

стр. 258

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسِيرَ يَوْمَهُ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسِيرَ لَيْلَهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» ) . قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَصَلَاةَ الْحَضَرِ فِي الْقُرْآنِ وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ السَّفَرِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَا ابْنَ أَخِي إنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا فَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ» ) ــ [المنتقى] الضَّرُورَةِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا كَمَا لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الزَّوَالِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا لِلضَّرُورَةِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ إلَى وَقْتِهَا عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ وَعِلَّةُ الْجَمْعِ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِعَرَفَةَ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى الِاشْتِغَالِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّفَرُّغِ لَهُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَشُرِعَ تَقْدِيمُهَا لِذَلِكَ وَلَمَّا كَانَتْ الْعِلَّةُ عَامَّةً وَأَصْلُهَا لِلشَّرِيعَةِ لَحِقَتْ بِالْوَاجِبِ وَأَمَّا عِلَّةُ الْمُسَافِرِ بِمَعْنَى الْمَشَقَّةِ الَّتِي تَلْحَقُهُ بِالنُّزُولِ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ وَهِيَ عِلَّةٌ غَيْرُ عَامَّةٍ وَلَكِنَّهَا شَائِعَةٌ وَهِيَ الرِّفْقُ بِالْإِنْسَانِ دُونَ التَّفَرُّغِ لِلشَّرِيعَةِ فَأَوْجَبَتْ الْإِبَاحَةَ. (ش) : قَوْلُهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسِيرَ يَوْمَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ نِهَايَةُ سَفَرِهِ الَّذِي يُبِيحُ لَهُ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ بَعِيدًا فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ إلَّا إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ وَاسْتَوْعَبَ يَوْمَهُ بِالسَّيْرِ وَأَقْوَالُ أَصْحَابِنَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ شِدَّةِ السَّيْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَفَرَ قَصْرٍ لِأَنَّ الْجَمْعَ لَا يَخْتَصُّ بِسَفَرِ الْقَصْرِ. [قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ] (ش) : قَوْلُهُ إنَّمَا نَجِدُ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَالْحَضَرِ فِي الْقُرْآنِ وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ السَّفَرِ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا نَصُّ الْقُرْآنِ وَذَلِكَ أَنَّ السَّائِلَ إمَّا أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ أَصْلَ الصَّلَاةِ الْقَصْرُ ثُمَّ طَرَأَ نَسْخُ ذَلِكَ بِالتَّمَامِ أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ أَصْلَهَا التَّمَامُ ثُمَّ طَرَأَ نَسْخُ ذَلِكَ بِالْقَصْرِ فَأَمَّا اعْتِقَادُهُ أَنَّ الْأَصْلَ التَّمَامُ فَبَيِّنٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ وَأَنَّ النَّسْخَ طَرَأَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فَعَلَّقَ حُكْمَ الْقَصْرِ بِالْخَوْفِ وَبَقِيَتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ وَصَلَاةُ سَفَرِ الْأَمْنِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فَسَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ أَيْنَ أَخَذُوا قَصْرَهَا وَأَمَّا وَجْهُ ذَلِكَ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ أَصْلَ الصَّلَاةِ الْقَصْرُ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُمِلَ النَّسْخُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْعُمُومِ ثُمَّ خَصَّ بِالْقَصْرِ لِلْخَوْفِ ذَلِكَ الْعُمُومَ فَبَقِيَتْ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ الْآمَنِ عَلَى حُكْمِ عُمُومِ الْإِتْمَامِ. (فَصْلٌ) : وَصَلَاةُ الْخَوْفِ الَّتِي عَنَاهَا السَّائِلُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إنَّمَا هِيَ صَلَاةُ السَّفَرِ لِلْخَائِفِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فَوَجَدَ قَصْرَ الصَّلَاةِ لِلْخَائِفِ الْمُسَافِرِ فِي الْآيَةِ وَلَمْ يَجِدْ قَصْرَ الصَّلَاةِ لِلْآمَنِ الْمُسَافِرِ وَفِي الْوَاضِحَةِ لِابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] أَنَّ مَعْنَى قَصْرِهَا فِي الْخَوْفِ التَّرْتِيبُ وَتَخْفِيفُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِرَاءَةِ. (قَالَ) الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي الْآيَةِ الْقَصْرُ الْمَعْرُوفُ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ «يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ قُلْتُ لِعُمَرَ إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ فَقَالَ عُمَرُ عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» فَتَأْوِيلُ عُمَرَ وَابْنِهِ

стр. 259

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُرْوَةِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ» ) . ــ [المنتقى] عَبْدِ اللَّهِ وَالسَّائِلِينَ لَهُمَا أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى الْقَصْرِ الَّذِي هُوَ رَدُّ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ إلَى رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أُقِرَّ عَلَيْهِ فِي حَالِ الْأَمْنِ. (فَصْلٌ) : وَإِنَّمَا سَمَّاهَا السَّائِلُ صَلَاةَ الْخَوْفِ لِتَعَلُّقِ حُكْمِ الْقَصْرِ عِنْدَهُ بِالْخَوْفِ وَلَمْ يَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى صَلَاةَ السَّفَرِ الْمُطْلَقِ فَلِذَلِكَ طَلَبَ حُكْمَهُ وَهَذَا عَلَى تَأْوِيلِنَا فِي الْآيَةِ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فَإِنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهَا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلَيْنَا مُحَمَّدًا وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا يُرِيدُ وَلَا نَعْلَمُ وُجُوبَ شَيْءٍ مِنْ الشَّرَائِعِ وَلَا مَا يَجِبُ مِنْ صِفَاتِهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالشَّرْعِ دُونَ الْفِعْلِ وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ يُرِيدُ أَنَّ قَصْرَهُمْ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ آمِنِينَ مِمَّا ائْتَسَوْا فِيهِ «بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ » وَإِنْ لَمْ تَكُنْ آيَةُ الْقَصْرِ تَتَنَاوَلُهُ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُرْوَةِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ» ) . (ش) : قَوْلُهَا فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ كَانَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ بِمَا نَزَلَ بِمَكَّةَ ثُمَّ طَرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ النَّسْخُ بِالتَّمَامِ فِي الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ وَبَقِيَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْقَصْرِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ أَوْ مُبَاحٌ وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَنَّهُ فَرْضٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَوَى أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَرَوَى نَحْوَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُونَ إنَّهُ عَلَى التَّخْيِيرِ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْقَصْرَ وَاجِبٌ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ رُبَاعِيَّةٌ رُدَّتْ بِالتَّغْيِيرِ إلَى رَكْعَتَيْنِ فَكَانَ ذَلِكَ فَرْضَهَا كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَدْخُلُ خَلْفَ الْمُقِيمِ فَيُتِمُّ صَلَاتَهُ فَلَوْ كَانَ فَرْضُهُ الْقَصْرَ لَمَا جَازَ لَهُ الْإِتْمَامُ قَالَ أَبُو بِشْرٍ الدُّولَابِيُّ «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُوَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نَزَلَ تَمَامُ صَلَاةِ الْمُقِيمِ فِي الظُّهْرِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ بَعْدَ مَقْدِمِهِ بِشَهْرٍ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِذَلِكَ النَّسْخَ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا زِيدَ فِيهَا فَبَلَغَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقَدْ مَنَعَتْ زِيَادَةُ الرَّكْعَتَيْنِ أَنْ تَكُونَ الرَّكْعَتَانِ صَلَاةً بِانْفِرَادِهِمَا فَكَانَ ذَلِكَ نَسْخًا لَهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ تُرِيدُ أَنَّهَا بَقِيَتْ عَلَى مَا كَانَتْ قَبْلَ النَّسْخِ مِنْ وُجُوبِ كَوْنِهَا رَكْعَتَيْنِ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْقَصْرَ هُوَ الْفَرْضُ وَأَمَّا مَنْ قَالَ إنَّ الْقَصْرَ سُنَّةٌ فَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَهُ إنَّمَا أُقِرَّتْ صَلَاةُ الْقَصْرِ بِمَعْنَى أَنَّهَا أَقَلُّ مَا يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ فَيَكُونُ إقْرَارُهَا بِمَعْنَى الِاجْتِزَاءِ وَالْجَوَازِ لَا بِمَعْنَى الْوُجُوبِ وَيَكُونُ الْوُجُوبُ مَنْسُوخًا وَيَكُونُ الْقَصْرُ فِي الْحَضَرِ مَنْسُوخًا وُجُوبُهُ وَجَوَازُهُ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ إذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ جَازَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ فِي الْجَوَازِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَهُوَ عِنْدِي ظَاهِرٌ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْأَسْفَارُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: سَفَرُ عِبَادَةٍ كَالْغَزْوِ وَالْحَجِّ وَسَفَرٌ مُبَاحٌ كَسَفَرِ التِّجَارَاتِ وَسَفَرٌ مَكْرُوهٌ كَسَفَرِ الصَّيْدِ لِلَذَّةٍ وَسَفَرُ الْمَعْصِيَةِ، فَأَمَّا سَفَرُ الْغُرْبَةِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْقَصْرَ فِيهِ مَشْرُوعٌ وَأَمَّا السَّفَرُ الْمُبَاحُ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْقَصْرَ مَشْرُوعٌ فِيهِ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَنْعُ ذَلِكَ إلَّا فِي سَفَرِ الْعِبَادَةِ

стр. 260

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ لِسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَا أَشَدَّ مَا رَأَيْتَ أَبَاكَ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ فِي السَّفَرِ فَقَالَ سَالِمٌ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَنَحْنُ بِذَاتِ الْجَيْشِ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ بِالْعَقِيقِ) . مَا يَجِبُ فِيهِ قَصْرُ الصَّلَاةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا قَصَرَ الصَّلَاةَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ) ــ [المنتقى] وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا سَفَرٌ لَمْ يُحْظَرْ فِي مَسِيرِهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَشُرِعَ فِيهَا الْقَصْرُ كَسَفَرِ الْعِبَادَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا السَّفَرُ الْمَكْرُوهُ فَقَالَ مَالِكٌ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْقَصْرِ فِي سَفَرِ الْمُتَصَيِّدِ لِلَذَّةٍ أَنَا لَا آمُرُهُ بِالْخُرُوجِ فَكَيْفَ آمُرُهُ بِالْقَصْرِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ سَفَرٌ غَيْرُ مُبَاحٍ فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِ الْقَصْرُ كَسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَرَوَى زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ سَفَرَ الْمَعْصِيَةِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ مَأْمُورٌ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ فَلَا يَصِحُّ تَنَاوُلُ النِّيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لِمَسَافَةِ الْقَصْرِ فِيهِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا مَعْنَى يُتَرَخَّصُ بِهِ فِي سَفَرِ الطَّاعَةِ فَجَازَ أَنْ يُتَرَخَّصَ بِهِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ رِوَايَتِهَا لِهَذَا الْحَدِيثِ تُتِمُّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ قَالَ الزُّهْرِيُّ قُلْتُ لِعُرْوَةِ فَمَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ قَالَ تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ ﵀. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَقِيلَ تَأَوَّلَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْخَلِيفَةُ وَأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ يَمُرُّ فِيهِ فَهُوَ قُطْرُهُ وَأَنَّ مَنْ فِيهِ مُلْتَزِمٌ لِطَاعَتِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اسْتِيطَانِهِ فِيهِ فَحُكْمُهُ لِذَلِكَ أَنْ يُتِمَّ وَتَأَوَّلَتْ عَائِشَةُ أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّ كُلَّ نُزُلٍ تَنْزِلُهُ فَهُوَ مَنْزِلٌ لِمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا بِالْبُنُوَّةِ كَانَ حُكْمُهَا لِذَلِكَ أَنْ تُتِمَّ. وَوَجْهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عُثْمَانُ فِي ذَلِكَ أَنَّ لِلْإِمَامَةِ تَأْثِيرًا فِي أَحْكَامِ الْإِتْمَامِ كَمَا لَهَا تَأْثِيرٌ فِي إمَامَةِ الْجُمُعَةِ وَلِذَلِكَ كَانَ حُكْمُ الْإِمَامِ يَمُرُّ بِمَوْضِعِ جُمُعَةٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ وَهُوَ مُسَافِرٌ غَيْرَ أَنَّ «عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ ﵄ سَافَرَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى مَكَّةَ وَغَيْرِهَا وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ وَعَائِشَةُ اعْتَقَدَا فِي ذَلِكَ التَّخْيِيرَ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَآثَرَا الْإِتْمَامَ وَتَأَوَّلَا أَفْعَالَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقَصْرِ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ التَّخْفِيفَ عَنْ أُمَّتِهِ كَالْفِطْرِ. وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ عُثْمَانَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِمِنًى ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ السُّنَّةَ سُنَّةُ مُحَمَّدٍ ﵇ ثُمَّ سُنَّةُ صَاحِبَيْهِ» وَلَكِنْ حَدَثَ طَغَامٌ مِنْ النَّاسِ فَخِفْتُ أَنْ يَنْسَوْا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ وَعَائِشَةُ ﵄ إنَّمَا أَتَمَّا بِمِنًى بَعْدَ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ مُدَّةَ الْإِتْمَامِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْخُرُوجِ إلَى عَرَفَةَ مَسَافَةُ قَصْرٍ لِمَنْ احْتَسَبَ فِي الْقَصْرِ بِالْخُرُوجِ خَاصَّةً دُونَ الرُّجُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا غَيْرُ هَذَا مِنْ وُجُوهِ الْإِتْمَامِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (ش) : سُؤَالُهُ عَنْ أَشَدِّ مَا رَآهُ أَخَّرَ أَبُوهُ الْمَغْرِبَ مِنْ الْوَقْتِ لِيَعْرِفَ بِذَلِكَ آخِرَ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ فَأَخْبَرَهُ سَالِمٌ بِمَا شَاهَدَ مِنْ فِعْلِهِ وَعَلِمَ ذَلِكَ بِمَوْضِعَيْنِ لَا يَعْرِفُ مِقْدَارَ التَّأْخِيرِ إلَّا مَنْ عَرَفَ مَا بَيْنَهُمَا وَحَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ سَيْرِ مَنْ جَدَّ فِي السَّيْرِ. [مَا يَجِبُ فِيهِ قَصْرُ الصَّلَاةِ] (ش) : قَوْلُهُ كَانَ إذَا خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا خَصَّ سَفَرَهُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِأَنَّهُمَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ فِيهِ وَقَوْلُهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَدْرُ السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ. وَالثَّانِي: قَدْرُ الْمَسَافَةِ الَّتِي يَشْرَعُ فِي الْقَصْرِ

стр. 261

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَكِبَ إلَى رِيمٍ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ قَالَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَكِبَ إلَى ذَاتِ النُّصْبِ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَبَيْنَ ذَاتِ النُّصْبِ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ) ــ [المنتقى] مِنْهَا فَأَمَّا قَدْرُ السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ السَّفَرَ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى الْحَجِّ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَقَلِّ مَقَادِيرِ سَفَرِ الْقَصْرِ فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَقَلَّ سَفَرِ الْقَصْرِ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَرُوِيَ عَنْهُ مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ مَالِكًا رَجَعَ عَنْهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَوْلَهُ مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَسِيرَةُ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ وَاحِدٌ وَأَنَّ الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ فِي الْغَالِبِ هُوَ مَا يُسَارُ فِيهِ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ تَرْكَ التَّحْدِيدِ بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ اللَّفْظَ إلَى لَفْظٍ هُوَ بَيِّنٌ مِنْهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَتُقْصَرُ فِي أَرْبَعِينَ مِيلًا وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ الْقَصْرُ فِي خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ قَصَرَ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ فَإِنْ قَصَرَ فِي أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ أَعَادَ أَبَدًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي أَقَلَّ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَقَالَ دَاوُد إنْ سَافَرَ لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ قَصَرَ الصَّلَاةَ فِي قَصِيرِ السَّفَرِ وَطَوِيلِهِ وَدَلِيلُنَا عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ لِهَذَا الْمِقْدَارِ وَجَعَلَهُ سَفَرًا وَلَا خِلَافَ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ الْخُرُوجَ إلَى الْمَوْضِعِ الْقَرِيبِ دُونَ ذِي مَحْرَمٍ فَإِذَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَدًّا لِلسَّفَرِ وَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ هَذَا الْحُكْمُ وَيُحَدَّدُ مِنْهُ قِيَاسًا فَنَقُولُ إنَّهُ سَفَرٌ لَا تَخْرُجُ فِيهِ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ فَجَازَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ الْقَصْرِ أَصْلُهُ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَدَلِيلُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي الْمِيلِ وَالْمِيلَيْنِ أَنَّ هَذِهِ مَسَافَةٌ لَا تَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ بِقَطْعِهَا غَالِبًا فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حُكْمُ الْقَصْرِ كَالْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ وَالسُّوقِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مُرَاعَاةِ الْمَسَافَةِ فِي الْبَرِّ فَإِنَّ حُكْمَ الْبَحْرِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْبَرِّ فَإِنْ كَانَ السَّفَرُ فِي بِرٍّ وَبَحْرٍ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَ فِي أَقْصَاهُ بِاتِّصَالِ الْبَرِّ مَعَ الْبَحْرِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ قَصَرَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَرِّ مَسَافَةُ قَصْرٍ وَكَانَ الْمَرْكَبُ لَا يَبْرَحُ إلَّا بِالرِّيحِ فَلَا يَقْصُرُ فِي الْبَرِّ حَتَّى يَرْكَبَ فِي الْبَحْرِ وَيَبْرُزَ عَنْ الْمَرْسَى وَإِنْ كَانَ يَجْرِي بِالرِّيحِ وَغَيْرِهَا فَلْيَقْصُرْ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ بِالْبِرِّ فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى مَسِيرَةِ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَحُكْمُهُ الْقَصْرُ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِتَغَيُّرِ عَزْمِهِ وَهَذَا مُتَيَقَّنٌ لِلسَّفَرِ عَازِمٌ عَلَيْهِ فَلَا يَمْنَعُهُ الْقَصْرَ انْتِظَارُ الرِّيحِ كَمَا لَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ فِي الْبَحْرِ وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ حَتَّى يُمْكِنَهُ الْعَزْمُ عَلَى اتِّصَالِ السَّيْرِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَكِبَ إلَى رِيمٍ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ قَالَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَكِبَ إلَى ذَاتِ النُّصْبِ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَبَيْنَ ذَاتِ النُّصْبِ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ) . (ش) : قَدْ رَوَى عُقَيْلٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ رِيمَ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى نَحْوِ ثَلَاثِينَ مِيلًا وَكَذَلِكَ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ وَمَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ أَوْلَى وَهُوَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ لِتَكَرُّرِهِ عَلَيْهِ وَنَشْأَتِهِ بِهِ وَإِخْبَارِهِ بِمَسَافَتِهِ إخْبَارَ مَنْ يَرُوحُ إلَيْهِ وَيَغْدُو مِنْهُ وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَقَلِّ مَقَادِيرِ الْقَصْرِ وَإِنَّمَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقَصْرِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمَسَافَةِ وَإِنَّمَا يُخْبِرُ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ بِمَا يُشَاهِدُ مِنْ ذَلِكَ وَتَخْتَلِفُ عِبَارَاتُهُمْ فَبَعْضُهُمْ يَحُدُّ مَا رَوَاهُ بِالْمَسَافَةِ وَبَعْضُهُمْ بِالزَّمَانِ وَبَعْضُهُمْ بِالْأَمْيَالِ وَيَعُودُ ذَلِكَ كُلُّهُ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ إلَى خَيْبَرَ فَيَقْصُرُ الصَّلَاةَ) . (ش) : وَهَذَا عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ خَيْبَرَ وَبَيْنَ مُبْتَدَأِ سَفَرِهِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُبْتَدَأَ سَفَرِهِ

стр. 262

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ الْيَوْمِ التَّامِّ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا يَقْصُرُ الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ وَلَا يُتِمُّ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلَ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ أَوْ يُقَارِبَ ذَلِكَ) . ــ [المنتقى] وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ اسْتِيطَانِهِ وَالْقَصْرُ حُكْمٌ مُخْتَصٌّ بِالسَّفَرِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ مَرَضٍ وَلَا سِوَاهُ وَرَوَاهُ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي مَبْسُوطِهِ عَنْ مَالِكٍ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ الْيَوْمِ التَّامِّ) . (ش) : وَهَذَا عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَسَافَةِ لِأَنَّ الْيَوْمَ التَّامَّ هُوَ أَنْ يَقْطَعَ جَمِيعَهُ بِجَدِّ السَّيْرِ وَلَا يُقَالُ فِي عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَإِنْ مَشَاهَا فِي جَمِيعِ يَوْمِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْيَوْمِ التَّامِّ أَنَّ ذَلِكَ فِي الصَّيْفِ لِلرَّجُلِ الْمُجِدِّ وَإِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ الْإِشَارَةَ إلَى اسْتِكْمَالِ الْمَسَافَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْبَرِيدَ فَلَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ) . (ش) : وَهَذَا عَلَى نَحْوِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ قَصِيرَ الْمَسَافَةِ كَالْبَرِيدِ وَنَحْوِهِ لَا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ وَإِنَّمَا وَصَفَ خُرُوجَهُ مَعَهُ إلَى الْبَرِيدِ وَنَحْوِهِ سَفَرًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَالْإِمْتَاعِ فَأَمَّا أَنْ يَنْطَلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ حَقِيقَةً فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَلَا وَإِنَّمَا يَنْطَلِقُ عِنْدَهُمْ اسْمُ السَّفَرِ عَلَى طَوِيلِ الْمَسَافَةِ لِأَنَّ الْقَائِلَ لَوْ قَالَ سَافَرَ زَيْدٌ لَمَا فُهِمَ مِنْهُ الْخُرُوجُ إلَى مَسِيرَةِ الْمِيلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَلَا فُهِمَ مِنْهُ إلَّا السَّفَرُ وَهُوَ الْخُرُوجُ إلَى طَوِيلِ الْمَسَافَةِ مَعَ أَنَّ هَذَا لَفْظُ نَافِعٍ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْعَرَبِ فَيُحْتَجَّ بِلَفْظِهِ فِي اللُّغَةِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَتْ فِي نُطْقِهِ لُكْنَةٌ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٌ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ إلَيَّ) . (ش) : وَهَذَا عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسَافَاتِ الَّتِي ذَكَرَ هِيَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ أَوْ نَحْوُهَا وَإِنَّمَا أَرَادَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ أَفْعَالَ الصَّحَابَةِ وَكَثَّرَ مِنْهَا لَمَّا لَمْ يَصِحَّ فِيهِ تَوْقِيتٌ عِنْدَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَاقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ وَشُهْرَةِ الْأَمْرِ بَيْنَهُمْ وَتَكَرُّرِهِ مِنْهُمْ وَعَدَمِ الْخِلَافِ فِيهِ وَلَعَلَّهُ اعْتَقَدَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِنَا إلَى أَنَّ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ فِي اعْتِبَارِ مَسَافَةٍ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ دُونَهَا وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ الْمَسَافَةَ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ. (ش) : قَوْلُهُ لَا يَقْصُرُ الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ مَعْنَاهُ أَنْ يَنْوِيَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ بِنِيَّةِ عَزْمٍ فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَزْمُهُ عَلَى نِيَّةِ السَّفَرِ مِثْلَ أَنْ يَمُرَّ بِمَنْزِلِ رَفِيقِهِ فَإِنْ خَرَجَ سَافَرَ مَعَهُ وَإِنْ أَقَامَ لَمْ يُسَافِرْ فَهَذَا لَا يَقْصُرُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْعَزْمُ عَلَى السَّفَرِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ نَوَى مَسَافَةَ الْقَصْرِ بِسَيْرٍ مُتَّصِلٍ قَصَرَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ سَيْرًا مُتَّصِلًا وَنَوَى فِي أَثْنَائِهِ مُقَامًا لَا يُتِمُّ فِيهِ الصَّلَاةَ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي جَمِيعِ سَفَرِهِ وَإِنْ نَوَى مُقَامًا يُتِمُّ فِيهِ الصَّلَاةَ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ ذَلِكَ كَوَطَنِهِ يُرَاعَى مَا قَبْلَ الْمُقَامِ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ بِنَفْسِهِ وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ لَا يَقْصُرُ إلَّا فِي مُقَامِهِ وَجَعَلَ مَا قَبْلَ مُقَامِهِ وَمَا بَعْدَهُ مَسَافَةً وَاحِدَةً. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ قَدْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا مَا تَتِمُّ فِيهِ الصَّلَاةُ كَمَنْ مَرَّ بِوَطَنِهِ فَأَتَمَّ فِيهِ الصَّلَاةَ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَسَافَةَ كُلَّهَا مَسَافَةُ قَصْرٍ فِي حَقِّهِ هَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُجَاوِزَ بُيُوتَ الْقَرْيَةِ وَلَا يَكُونُ عَنْ يَمِينِهِ وَلَا عَنْ يَسَارِهِ مِنْهَا شَيْءٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ وَرَوَى عَنْهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ الْمُدُنِ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَ بُيُوتَ الْقَرْيَةِ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ الْقُرَى الَّتِي لَا يُجْمَعُ فِيهَا فَحَتَّى يُجَاوِزَ بَسَاتِينَهَا وَلَا يَنْظُرُ إلَى مَزَارِعِهَا. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَا كَانَ خَارِجَ الْقَرْيَةِ فَلَيْسَ مِنْ مَوَاضِعِ الِاسْتِيطَانِ وَإِنَّمَا مَوْضِعُ الِاسْتِيطَانِ الْبُيُوتُ فَيَجِبُ أَنْ يَعْتَبِرَ بِهَا فِي الْمُقَامِ وَيَعْتَبِرَ بِالْخُرُوجِ عَنْهَا فِي السَّفَرِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا مَوْضِعٌ يَجِبُ النُّزُولُ مِنْهُ إلَى الْجُمُعَةِ فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْوَطَنِ أَصْلُ ذَلِكَ مَا بَيْنَ

стр. 263

صَلَاةُ الْمُسَافِرِ مَا لَمْ يُجْمِعْ مُكْثًا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ أُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِ مَا لَمْ أُجْمِعْ مُكْثًا وَإِنْ حَبَسَنِي ذَلِكَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً) ــ [المنتقى] الْبُيُوتِ فِي الْبَرِّ وَأَمَّا فِي الْبَحْرِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إذَا جَاوَزَ الْبُيُوتَ وَرَفَعَ فَلْيَقْصُرْ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ خَرَجَ فِي سَفَرٍ فَقَصَرَ فَلَمَّا سَارَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ أَوْ بَرِيدًا مِنْ مَنْزِلِهِ رَجَعَ لِحَاجَةٍ فِي مَنْزِلِهِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَمَمَرُّهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْزِلِهِ قَالَ مَالِكٌ يُتِمُّ مِنْ حِينِ أَخَذَ فِي الرُّجُوعِ إلَى أَنْ يَدْخُلَ مَسْكَنَهُ ثُمَّ يَنْفَصِلُ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَجْمُوعَةِ يَقْصُرُ حَتَّى يَدْخُلَ أَهْلَهُ وَهُوَ كَمَنْ رَدَّتْهُ الرِّيحُ. وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدْ أَرَادَ الدُّخُولَ إلَى مَسْكَنِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُقِيمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ مَسْكَنِهِ وَمَوْضِعٍ نَوَى مِنْهُ الرُّجُوعَ إلَيْهِ مَا تَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةُ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا يُتِمُّ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلَ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ أَوْ يُقَارِبَ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهُ يَقْصُرُ حَتَّى يَدْخُلَ بُيُوتَ الْقَرْيَةِ فَيُتِمُّ الصَّلَاةَ فَجَعَلَ الْإِتْمَامَ يَثْبُتُ فِي الرُّجُوعِ بِمَا لَا يَثْبُتُ بِهِ التَّقْصِيرُ فِي الْخُرُوجِ لِأَنَّهُ جَعَلَ فِي الْخُرُوجِ حُكْمَ الْقَصْرِ بِالْخُرُوجِ عَنْ الْبُيُوتِ ثُمَّ جَعَلَ حُكْمَ الْقَصْرِ فِي الرُّجُوعِ بِقُرْبِ الْبُيُوتِ قَبْلَ الدُّخُولِ إلَى الْبُيُوتِ وَهَذَا آخِرُ الْمَوْضِعِ الَّذِي فَارَقَ فِيهِ حُكْمَ الْإِتْمَامِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْإِتْمَامِ مُغَلَّبٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعِ سَفَرِهِ أَتَمَّ الصَّلَاةَ وَانْتَقَلَ مِنْ حُكْمِ السَّفَرِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَإِذَا نَوَى السَّفَرَ فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ لَمْ تَنْتَقِلْ نِيَّتُهُ عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَقْصُرُ حَتَّى يَدْخُلَ بُيُوتَ الْقَرْيَةِ أَوْ يُقَارِبَهَا وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ يَقْصُرُ حَتَّى يَدْخُلَ مَنْزِلَهُ وَرَوَى مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يَقْصُرُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أُمِرَ بِالْقَصْرِ مِنْهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَوْ يُقَارِبَ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَارِبَ الدُّخُولَ. وَالثَّانِي: أَنْ يُقَارِبَ الْبُيُوتَ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّ مُقَارِبَ الْبُيُوتِ هُوَ الَّذِي لَهُ حُكْمُ الْإِقَامَةِ وَأَمَّا مُقَارَبَةَ الدُّخُولِ فَلَا تَأْثِيرَ لَهَا لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ بِالْوُصُولِ إلَى مَوْضِعِهِ وَإِنْ تَأَخَّرَ دُخُولُهُ لِمَعْنًى يُوجِبُ بَقَاءَهُ بِهَا وَيُؤَخِّرُ دُخُولَهُ. [صَلَاةُ الْمُسَافِرِ مَا لَمْ يُجْمِعْ مُكْثًا] (ش) : وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسَافِرَ الَّذِي يَقْصُرُ الصَّلَاةَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُبْتَدِئًا لِسَفَرِهِ أَوْ مُسْتَدِيمًا لَهُ فَإِنْ كَانَ مُبْتَدِئًا لِسَفَرِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَالْعَمَلِ فَأَمَّا النِّيَّةُ فَأَنْ يَنْوِيَ الْبُلُوغَ إلَى غَايَةٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مُبْتَدَإِ سَفَرِهِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اتِّصَالِ السَّيْرِ وَانْفِصَالِهِ وَأَمَّا الْعَمَلُ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنْ يَبْرُزَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَتَجَاوَزَهَا بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَأَمَّا الْمُسْتَدِيمُ لِسَفَرِهِ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْمَاضِي مِنْ سَفَرِهِ وَالْمُسْتَقْبَلِ مِنْهُ فَاصِلٌ مُتَيَقَّنٌ وَالْفَاصِلُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرِدَ عَلَى مَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِ فَيَنْزِلَ فِيهِ أَوْ يَشُقَّ بُيُوتَهُ فَيَجِبَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا وَيَفْصِلُ بَيْنَ مَاضِي سَفَرِهِ وَمُسْتَقْبَلِهِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَدِيمًا لِسَفَرِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُجْمِعَ عَلَى مُقَامِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِ فَإِنَّهُ فَاصِلٌ بَيْنَ الْمَاضِي مِنْ سَفَرِهِ وَمُسْتَقْبَلِهِ وَمُخْرِجٌ لَهُ عَنْ حُكْمِ الْمُسَافِرِ وَمَانِعٌ لَهُ مِنْ الْقَصْرِ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ سَفَرَ قَصْرٍ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَهَذَا أَخَذْتُهُ مِنْ اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ نَوَى سَفَرَ قَصْرٍ عَلَى أَنْ يُقِيمَ فِي أَثْنَائِهِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فِي اخْتِلَافِ قَوْلِ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيهِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ فِيهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَقَامَ بِمَوْضِعٍ مُدَّةَ الْإِتْمَامِ فَهَلْ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ حُكْمُ الْوَطَنِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً فَأَوْطَنَهَا ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْجُحْفَةِ

стр. 264

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ لَيَالٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إلَّا أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ فَيُصَلِّيَهَا بِصَلَاتِهِ) . ــ [المنتقى] مُعْتَمِرًا فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَقَامَ بِهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ قَالَ مَالِكٌ يُتِمُّ الصَّلَاةَ كَأَنَّ مَكَّةَ صَارَتْ لَهُ وَطَنًا وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَهُوَ أَعْجَبُ إلَيَّ وَمَعْنَى اسْتِيطَانِهِ لَهَا أَنَّهُ أَقَامَ بِهَا بِنِيَّةِ الْإِتْمَامِ مُدَّةَ الْإِتْمَامِ وَلَمْ يَقُمْ تِلْكَ الْمُدَّةَ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ فَقَالَ فِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ يُتِمُّ إذَا عَادَ إلَيْهَا لِأَقَلَّ مِنْ مُدَّةِ الْقَصْرِ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ يُتِمُّ إذَا عَادَ إلَيْهَا لِأَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ بِهَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ إلَيْهَا فَصَارَتْ كَالْوَطَنِ لَهُ يُتِمُّ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ وَقَالَ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ لَا يُتِمُّ فِيهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْهَا وَطَنًا وَإِنَّمَا أَتَمَّ بِهَا أَوَّلًا لِطُولِ الْمُقَامِ بِهَا فَبِخُرُوجِهِ عَنْهَا إلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ يَبْطُلُ حُكْمُ الْمُقَامِ الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ الرُّجُوعَ إلَيْهَا وَلَوْ خَرَجَ إلَى مَسَافَةٍ لَا يَقْصُرُ فِيهَا لَبَقِيَ عَلَى حُكْمِ الْإِتْمَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْأَيَّامِ الْمَانِعَةِ مِنْ الْقَصْرِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُرَاعِي فِيهَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ كَامِلَةٍ قَالَ عَنْهُ عِيسَى وَلَا يَعْتَدُّ بِيَوْمِ دُخُولِهِ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي أَوَّلِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ إذَا نَوَى مُقَامَ زَمَانٍ تَجِبُ فِيهِ عِشْرُونَ صَلَاةٍ فَإِنَّهُ يُتِمُّ. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْخَبَرَ الْمُسْتَفَادَ مِنْهُ حُكْمُ الْمُقَامِ إنَّمَا وَرَدَ بِلَفْظِ الْأَيَّامِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِهَا. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَيَّامِ مِنْ أَجْلِ الصَّلَوَاتِ فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ بِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذْ نَوَى الْمُقَامَ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ أَوْ بَعْدَ أَنْ يَرْكَعَ فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا نَافِلَةً رَكْعَتَيْنِ وَيَسْتَأْنِفُ فَرْضَهُ أَرْبَعًا لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَفْتَتِحَ صَلَاتَهُ بِنِيَّةٍ تَسْتَوْعِبُ جَمِيعَهَا وَهَذَا إنَّمَا أَحْرَمَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ تَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ وَصَلَّاهَا أَرْبَعًا أَجْزَأَتْهُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَاخْتَارَ قَوْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ أَنَّهُ يَتَمَادَى عَلَى إحْرَامِهِ وَيُصَلِّيهَا أَرْبَعًا وَتُجْزِئُهُ لِأَنَّ نِيَّةَ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمُقِيمُ خَلْفَ الْمُسَافِرِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَ أَنْ عَقَدَ رَكْعَةً فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَشْفَعَهَا بِرَكْعَةٍ وَيَجْعَلَهَا نَافِلَةً ثُمَّ يُصَلِّي فَرْضَهُ أَرْبَعًا. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يُضِيفُ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى تَكُونُ فَرْضَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا عَقَدَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاتِهِ عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ لَزِمَهُ حُكْمُ السَّفَرِ فَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ يُضِيفُ إلَيْهَا رَكْعَةً وَيَجْعَلُهَا نَافِلَةً وَلَوْ بَدَا لَهُ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَهَا وَظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ وَظَاهِرُ قَوْلِ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ وَإِنْ تَمَادَى عَلَيْهَا. (فَرْعٌ) فَإِنْ نَوَى السَّفَرَ بَعْدَ أَنْ نَوَى الْمُقَامَ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ أَوْ بَعْدَ أَنْ أَقَامَ فَقَدْ أَجْزَأَهُ مَا صَلَّى مِنْ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْإِتْمَامِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتَنِفَ الْقِصَارَ بِرُجُوعِ نِيَّتِهِ إلَى السَّفَرِ مِنْ مَوْضِعِهِ ذَلِكَ. وَقَالَ سَحْنُونَ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يَظْعَنَ مِنْ مَوْضِعِهِ ذَلِكَ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ إنَّمَا كَانَ عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ وَإِنَّمَا رَجَعَ عَنْهُ بِمَا نَوَى مِنْ الْمُقَامِ فَإِذَا نَوَى السَّفَرَ رَجَعَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ إلَى حُكْمِ الْأَصْلِ وَهُوَ السَّفَرُ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ نِيَّةَ السَّفَرِ بِمُجَرَّدِهَا عَامِلَةٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاسْتِيطَانِ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى اقْتِرَانِ الْعَمَلِ بِهَا فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ لِوُجُودِ النِّيَّةِ وَالْمَوْضِعِ فِي الْمُقَامِ. وَوَجْهُ مَا قَالَهُ سَحْنُونَ أَنَّ نِيَّةَ السَّفَرِ لَا تُوجِبُ الْقَصْرَ حَتَّى يُقَارِنَهَا الْعَمَلُ وَالْخُرُوجُ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ السَّفَرَ. (فَصْلٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِ مَا لَمْ أُجْمِعْ مُكْثًا يُرِيدُ مَا لَمْ أَنْوِ الْمُقَامَ مُدَّةً تَمْنَعُ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ وَأَمَّا مَنْ أَقَامَ بِمَنْزِلٍ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَنْوِي فِي كُلِّ يَوْمٍ الِانْتِقَالَ ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ مَانِعٌ وَلَا يَدْرِي مَتَى يَنْتَقِلُ فَإِنَّ هَذَا يَقْصُرُ أَبَدًا مَا لَمْ يُجْمِعْ مُكْثًا. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ لَيَالٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إلَّا أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ فَيُصَلِّيَهَا بِصَلَاتِهِ) . (ش) : وَهَذَا عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ هَذِهِ الْعَشَرَةَ الْأَيَّامِ وَهُوَ يَنْوِي إقَامَتَهَا وَإِنَّمَا كَانَ يَنْوِي كُلَّ يَوْمٍ السَّفَرَ وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى ذَلِكَ

стр. 265

صَلَاةُ الْمُسَافِرِ إذَا أَجْمَعَ مُكْثًا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ مَنْ أَجْمَعَ عَلَى إقَامَةٍ أَرْبَعَ لَيَالٍ وَهُوَ مُسَافِرٌ أَتَمَّ الصَّلَاةَ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إلَيَّ) . صَلَاةُ الْمُسَافِرِ إذَا كَانَ إمَامًا وَوَرَاءَ إمَامٍ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ إذَا قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلَ ذَلِكَ) ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَرَاءَ إمَامٍ فَيُصَلِّيَهَا بِصَلَاتِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ وَرَاءَ الْإِمَامِ الْمُقِيمِ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا. وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُصَلِّيَ وَرَاءَ الْمُقِيمِ إلَّا لِمَعَانٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ لِأَنَّ فِي ائْتِمَامِهِ بِهِ تَغْيِيرَ صَلَاتِهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ فَإِنْ ائْتَمَّ بِهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُعِيدُهُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ لَا يُتِمُّ الْمُسَافِرُ وَحْدَهُ وَلَا خَلْفَ إمَامٍ فَإِنْ فَعَلَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ إلَّا فِي جَوَامِعِ الْمُدُنِ وَأُمَّهَاتِ الْحَوَاضِرِ. وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلِ أَنَّ الْقَصْرَ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ آكَدُ مِنْهَا لِأَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْضِيلِ الْقَصْرِ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي تَفْضِيلِ الْجَمَاعَةِ وَلَا تُعَادُ صَلَاةٌ أُدِّيَتْ بِفَضِيلَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا لِفَضِيلَةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْإِتْمَامَ بِالْإِمَامِ مُسْتَحَبٌّ مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى تَغْيِيرِ الصَّلَاةِ فِي الْعَدَدِ فَإِنْ أَدَّى إلَى ذَلِكَ كَانَ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلَ وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ جُمُعَةٌ أَنْ يَأْتَمَّ بِمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى الْأُمَرَاءَ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ طَاعَتِهِمْ وَالِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِمْ فَكَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ الِانْفِرَادِ بِالصَّلَاةِ دُونَهُمْ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إظْهَارَ الْخِلَافِ عَلَيْهِمْ. (فَرْعٌ) وَمِنْ الْمَعَانِي الَّتِي تُبِيحُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَأْتَمَّ بِالْمُقِيمِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حُضُورِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي جَوَامِعِ الْأَمْصَارِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْزِلُ لِلْمُقِيمِ أَوْ يَكُونَ أَسَنَّهُمْ وَأَفْضَلَهُمْ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ حَضَرَ جَمَاعَةٌ مُسَافِرُونَ وَحَاضِرُونَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَؤُمَّ الْمُسَافِرِينَ أَحَدُهُمْ وَالْحَاضِرِينَ أَحَدُهُمْ فَإِنْ أَمَّهُمْ كُلَّهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَقَدَّمَهُمْ مُسَافِرٌ وَهَذَا فِي غَيْرِ مَوَاضِعِ الْأُمَرَاءِ وَحَيْثُ يَكُونُ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْمُسَافِرِ لَا يُوجِبُ تَغْيِيرَ صَلَاةِ مَنْ وَرَاءَهُ وَتَقْدِيمُ الْمُقِيمِ يُوجِبُ تَغْيِيرَ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ مِنْ الْمُسَافِرِينَ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ. [صَلَاةُ الْمُسَافِرِ إذَا أَجْمَعَ مُكْثًا] (ش) : وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا أَجْمَعَ إقَامَةً أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ مُقِيمٌ لِأَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ مِنْ الْإِقَامَةِ لِمَنْ نَوَاهَا مَا بَيْنَ الْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُتِمُّ الصَّلَاةَ حَتَّى يُجْمِعَ مُقَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْمُهَاجِرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مُنِعَ مِنْ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ وَأُبِيحَ لَهُ الْمُقَامُ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ مَا زَادَ عَلَيْهَا فِي الْمُقَامِ. وَقَدْ رَوَى الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «ثَلَاثٌ لِلْمُهَاجِرِ بَعْدَ الصَّدْرِ» . (ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ صَلَاةِ الْأَسِيرِ فَقَالَ مِثْلُ صَلَاةِ الْمُقِيمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا) . (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّهُ مُسْتَوْطِنٌ وَظَاهِرُ أَمْرِهِ الْمُقَامُ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْطَعُ بِمُقَامِهِ وَإِنَّمَا يُتِمُّ الصَّلَاةَ عَلَى مَا يَظْهَرُ إلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ وَقَدْ يَطْرَأُ مَا يُوجِبُ غَيْرَ ذَلِكَ وَأَمَّا الْأَسِيرُ فَإِنَّمَا مُقَامُهُ وَسَفَرُهُ بِاخْتِيَارِ مَنْ يَمْلِكُهُ فَكَانَتْ نِيَّتُهُ مُعْتَبَرَةً فِي إتْمَامِهِ وَقَصْرِهِ بِمَا يَظْهَرُ إلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ فِي بَلَدِ الْمُسْلِمِينَ. [صَلَاةُ الْمُسَافِرِ إذَا كَانَ إمَامًا وَوَرَاءَ إمَامٍ] (ش) : قَوْلُهُ إذَا قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ يُرِيدُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يَسْتَوْطِنُ مَكَّةَ وَإِنْ أَقَامَ بِهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ لِأَنَّ الْمُهَاجِرَ مَمْنُوعٌ مِنْ اسْتِيطَانِهَا لِأَنَّهَا قَدْ

стр. 266

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي وَرَاءَ الْإِمَامِ بِمِنًى أَرْبَعًا فَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) ــ [المنتقى] هَجَرَهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَكَانَ حُكْمُهُ فِيهَا حُكْمَ الْمُسَافِرِ وَكَانَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْتَحِقَّ لِلصَّلَاةِ فَكَانَ يَأْتِي مِنْهَا بِمَا شُرِعَ فِي حَقِّهِ وَكَانَ يُلْزِمُ الْجَمِيعَ اتِّبَاعُهُ فِيهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ طَاعَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ عَلَيْهِ وَتَرْكِ الْخِلَافِ لَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ، أَمْرٌ لِلْمُقِيمِينَ خَاصَّةً بِأَنْ يُتِمُّوا صَلَاتَهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضُهُمْ وَإِعْلَامٌ لَهُمْ وَلِمَنْ مَعَهُمْ مِنْ الْمُسَافِرِينَ بِأَنَّ حُكْمَهُمْ الْقَصْرُ لِأَجْلِ سَفَرِهِمْ وَكَذَا الْمُسَافِرُ إذَا صَلَّى بِمُسَافِرِينَ وَمُقِيمِينَ صَلَّى صَلَاةَ مُسَافِرٍ فَإِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ مَعَهُ الْمُسَافِرُونَ ثُمَّ يَقُومُ الْمُقِيمُونَ فَيُتَيِّمُونَ بَعْدَهُ أَفْذَاذًا كَمَا لَوْ سَبَقَهُمْ الْإِمَامُ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي وَرَاءَ الْإِمَامِ بِمِنًى أَرْبَعًا فَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) . (ش) : وَهَذَا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ كَمَا يَجِبُ مِنْ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ وَتَرْكِ إظْهَارِ الْخِلَافِ لَهُ وَإِنْ اعْتَقَدَ مُعْتَقِدٌ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْخِلَافِ لَهُ وَإِنَّمَا يُتِمُّ الْمُسَافِرُ بِإِتْمَامِ إمَامِهِ إذَا أَدْرَكَ مِنْ صَلَاتِهِ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً وَدَخَلَ مَعَهُ فِي جُلُوسٍ أَوْ سُجُودٍ مِنْ آخِرِ رَكْعَةٍ لَمْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ وَكَانَ عَلَيْهِ قَصْرُهَا وَالْإِمَامُ الَّذِي كَانَ يُتِمُّ بِمَكَّةَ هُوَ عُثْمَانُ ﵁ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ صَحِبْتُ عُثْمَانَ ﵁ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بِالسَّفَرِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إتْمَامَ عُثْمَانَ بِمِنًى حَمَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى أَنَّ وَرَاءَهُ مُقَامًا يَمْنَعُهُ الْقَصْرَ وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ عُثْمَانُ بِأَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ يُقِيمُ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى مِنًى مُدَّةً تُوجِبُ الْإِتْمَامَ وَأَقَامَ بِهَا عُثْمَانُ مُدَّةً تُوجِبُ الْإِتْمَامَ وَاعْتَقَدَ أَنَّ مَسَافَةَ الْخُرُوجِ إلَى عَرَفَةَ إذَا انْفَصَلَتْ مِمَّا قَبْلَهَا مِنْ السَّفَرِ لَا تُبِيحُ الْقَصْرَ وَلَا شَكَّ أَنَّ عُثْمَانَ لَا يَتَعَمَّدُ خِلَافَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ قِيلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ عُثْمَانَ تَأَهَّلَ بِمِنًى فَلَزِمَهُ الْإِتْمَامُ لِهَذَا الْوَجْهِ وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ إنَّمَا أَتَمَّ لِأَنَّهُ أَزْمَعَ الْمُقَامَ بَعْدَ الْحَجِّ وَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ أَمْرٌ أَوْجَبَ مُقَامَهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ لِضَرُورَةٍ دَفَعَتْهُ إلَى ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الَّذِي يُقِيمُ بِمِنًى لِيَخِفَّ النَّاسُ فَلْيُتِمَّ بِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرُ هَذَا مِنْ وُجُوهِ الْإِتْمَامِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَحُكْمُ جَمِيعِ الْحَاجِّ بِمِنًى الْقَصْرُ غَيْرَ أَهْلِهَا وَكَذَلِكَ عَرَفَةُ يَقْصُرُ بِهَا جَمِيعُ الْحَاجِّ غَيْرَ أَهْلِهَا وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَى الْمَكِّيِّ الْقَصْرُ بِمِنًى وَعَرَفَةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِنًى وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ عَرَفَةَ مَا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ أَحَدِهَا أَنَّ عَمَلَ الْحَاجِّ لَا يَنْقَضِي إلَّا فِي أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَعَ الِانْتِقَالِ اللَّازِمِ فِيهِ وَالْمَشْيِ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ فَجَرَى فِي ذَلِكَ مَجْرَى الْمَشْيِ الدَّائِمِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الِانْتِقَالِ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ بِمَسَافَةٍ قَصِيرَةٍ يَلْحَقُهُ بِهَا مِنْ التَّعَبِ أَكْثَرُ مِنْ مَشَقَّةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِأَنَّ تِلْكَ أُمُورٌ لَا يَلْزَمُ التَّمَادِي فِيهَا بِالشُّرُوعِ وَأَفْعَالُ الْحَجِّ يَلْزَمُ التَّمَادِي فِيهَا بِالشُّرُوعِ وَوَجْهٌ ثَانٍ أَنَّ مِنْ مَكَّةَ إلَى عَرَفَةَ ثُمَّ الرُّجُوعُ مِنْ عَرَفَةَ إلَى مَكَّةَ مِقْدَارَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَيَلْزَمُ بِالدُّخُولِ فِيهِ الْقَصْرُ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا مَنْ خَرَجَ إلَى سَفَرِ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ مِيلًا أَوْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ مِيلًا لِأَنَّ رُجُوعَهُ هُنَاكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَرُجُوعَهُ إلَى مَكَّةَ فِي الْحَجِّ لَازِمٌ فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ فِيهَا بِمَسَافَةِ سَفَرِهِ. وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّ الْحَاجَّ مِنْ مَكَّةَ لَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ إلَّا بِأَنْ يَنْوِيَ الرُّجُوعَ إلَى مَكَّةَ لِلطَّوَافِ فَصَارَ سَفَرُهُ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِأَنْ يَجْمَعَ عَلَى مَسِيرِهِ مِقْدَارَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ سَائِرُ الْأَسْفَارِ كَانَ سَفَرُ الْخَارِجِ فِيهَا يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الرُّجُوعَ فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ بِالرُّجُوعِ فِي سَفَرِ الْحَجِّ دُونَ غَيْرِهِ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ لَا يَدْخُلُ فِيهِمَا الْعَرَفِيُّ إذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَتَوَجَّهَ إلَى مِنًى وَمَكَّةَ فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْوِي مَسَافَةَ قَصْرٍ وَلَا يَلْزَمُهُ. وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَهْلِ مِنًى وَعَرَفَةَ يُفِيضُونَ يَقْصُرُ الْعَرَفِيُّ وَيُتِمُّ الْمُنَاوِيُّ إلَى مِنًى. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُنَاوِيَّ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ يَرْجِعُ إلَى وَطَنِهِ فِي

стр. 267

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ أَنَّهُ قَالَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقُمْنَا فَأَتْمَمْنَا) . صَلَاةُ النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ بِالنَّهَارِ وَاللَّيْلِ وَالصَّلَاةُ عَلَى الدَّابَّةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي مَعَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ فِي السَّفَرِ شَيْئًا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا إلَّا مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْأَرْضِ وَعَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ) ــ [المنتقى] مَسَافَةِ الْإِتْمَامِ وَالْعَرَفِيُّ يَفِيضُ مِنْ مَكَّةَ إلَى غَيْرِ وَطَنِهِ لِإِتْمَامِ حَجِّهِ فَيَقْصُرُ فَإِذَا دَفَعَ مِنْ مِنًى بَعْدَ انْقِضَاءِ حَجِّهِ لَمْ يَقْصُرْ إلَى عَرَفَةَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ مِنْ الْمَكِّيِّينَ وَالْمَنْوِيِّينَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى مَكَّةَ بِالْمُحَصَّبِ أَوْ تَأَخَّرُوا بِمِنًى لِزِحَامٍ وَنَحْوِهِ فَلْيُتِمُّوا ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِلَى آخِرِ الْقَوْلَيْنِ رَجَعَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ إلَى الْإِتْمَامِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَعِنْدِي إنَّمَا اخْتَلَفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ لِاخْتِلَافِ قَوْلَيْهِمَا فِي التَّحْصِيبِ فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ مَشْرُوعٌ فَحُكْمُهُمَا الْقَصْرُ لِأَنَّهُمَا قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ وَهُمَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِمَا وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعِ فَحُكْمُهُمَا الْإِتْمَامُ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ وَكَانَ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَقْصُرَ الْمُنَاوِيُّ فِي رُجُوعِهِ إلَى مِنًى مِنْ مَكَّةَ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ عَمَلٌ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ أَنَّهُ قَالَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقُمْنَا فَأَتْمَمْنَا) . (ش) : قَوْلُهُ فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدَّمَهُ صَفْوَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ لِلصَّلَاةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَنْزِلَ مَنْزِلُهُ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَلِيلِ أَنَّهُ يُعَادُ فِي مَنْزِلِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدَّمَهُ لِلصَّلَاةِ لِفَضْلِهِ خَاصَّةً مَعَ تَمَكُّنِ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الصَّلَاةِ بِهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قَدَّمَهُ مَعَ ذَلِكَ لِعَجْزِهِ عَنْ الصَّلَاةِ بِهِمْ وَالْأَصْلُ فِي الْإِمَامَةِ فِي الْمَنْزِلِ أَنَّهَا لِصَاحِبِ الْمَنْزِلِ وَلَوْ كَانَ عَبْدًا وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَيْضًا أَنْ يُقَدِّمَ غَيْرَهُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ. وَقَدْ صَلَّى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ مُسَافِرٌ بِقَوْمٍ مُقِيمِينَ. وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا زَارَ الْمُقِيمِينَ فِي رِحَالِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُقَدِّمُوهُ. [صَلَاةُ النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ بِالنَّهَارِ وَاللَّيْلِ وَالصَّلَاةُ عَلَى الدَّابَّةِ] (ش) : وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ التَّنَفُّلَ بِالنَّهَارِ فِي السَّفَرِ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ وَبَعْدَهَا وَيَقُولُ لَوْ كُنْت مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْت يَعْنِي لَوْ كَانَ التَّنَفُّلُ مُطْلَقًا لَكَانَ الْإِتْمَامُ أَوْلَى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِمَّنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ فِي السَّفَرِ وَكَانَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ اقْتِدَاءً بِهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ «لَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ» فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ تَنَفَّلَ بِالنَّهَارِ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَرَآهُ يَتَنَفَّلُ بِاللَّيْلِ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَكَانَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ تَنَفُّلِ الْمُسَافِرِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَعَلَى الْأَرْضِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمْ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ «حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ أَنَّهَا رَأَتْهُ يُصَلِّي فِي فَتْحِ مَكَّةَ ضُحًى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ» وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا زَمَانٌ يَجُوزُ التَّنَفُّلُ فِيهِ فِي الْحَضَرِ فَجَازَ التَّنَفُّلُ فِيهِ فِي السَّفَرِ كَزَمَانِ اللَّيْلِ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانُوا يَتَنَفَّلُونَ فِي السَّفَرِ) . (ش) : لَيْسَ فِي ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى مُخَالَفَتِهِمْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَلَا مُوَافَقَتِهِمْ لَهُ لِأَنَّ إطْلَاقَ تَنَفُّلِهِمْ فِي السَّفَرِ لَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ مَعِينٍ وَإِنَّمَا نَفَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ التَّنَفُّلَ فِي وَقْتٍ مَعِينٍ غَيْرَ أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ جَمِيعِ السَّلَفِ جَوَازُ ذَلِكَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَإِدْخَالُهُ لِذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى التَّنَفُّلِ بِالنَّهَارِ. (ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنْ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) . (ش) : وَهَذَا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَوَازِ التَّنَفُّلِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَقَوْلُهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ

стр. 268

(ص) : (مَالِكٌ قَالَ بَلَغَنِي عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَتَنَفَّلُ فِي السَّفَرِ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى خَيْبَرَ» ) ــ [المنتقى] أَهْلِ الْعِلْمِ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ إظْهَارًا مِنْهُ لِاقْتِدَائِهِ فِيهِ بِغَيْرِهِ وَأَنَّهُ لَمَّا عَمِلَ بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَرَوَاهُ قَبِلَهُ. (ص) : (مَالِكٌ قَالَ بَلَغَنِي عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَتَنَفَّلُ فِي السَّفَرِ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ) . (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَرَى ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَتَنَفَّلُ فِي السَّفَرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِاللَّيْلِ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ لِجَوَازِهِ، هَذَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالنَّهَارِ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ مَنْ خَالَفَهُ فِيهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِنَقْلِ الْخَبَرِ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُنْقَلُ فِي الْغَالِبِ إلَّا فِيمَا فِيهِ خِلَافٌ مِنْ الْمَسَائِلِ وَسَمِعَ بِإِنْكَارٍ عَلَى فَاعِلِهِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي جَوَازِ التَّنَفُّلِ بِاللَّيْلِ فِي السَّفَرِ وَعَلَى هَذَا الظَّاهِرِ أَدْخَلَهُ مَالِكٌ فِي بَابِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ بِالنَّهَارِ. (ش) : قَوْلُهُ يُصَلِّي وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى خَيْبَرَ ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ لَا يَخُصُّ صَلَاةَ فَرِيضَةٍ مِنْ صَلَاةِ نَافِلَةٍ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالْإِجْمَاعِ الْمَنْعُ مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ عَلَى غَيْرِ الْأَرْضِ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ وَصَلَاةُ الْفَرِيضَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لِضَرُورَةٍ أَوْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لِمَخَافَةٍ وَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ الْخَوْفِ أَوْ لِمَرَضٍ أَوْ طِينٍ فَإِنْ كَانَ لِمَرَضٍ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْهُ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُصَلِّي الْمَرِيضُ عَلَى مَحْمِلِهِ الْمَكْتُوبَةَ وَإِنْ اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَكَانَ يُومِئُ. وَقَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ إنْ كَانَ لَا يُصَلِّي فِي الْأَرْضِ إلَّا إيمَاءً فَيُصَلِّي فِي مَحْمِلِهِ. وَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَهَذَا عَامٌّ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ مُبَاشَرَةَ الْأَرْضِ بِالصَّلَاةِ لَيْسَتْ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمَا جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي عُلْوٍ وَلَا عَلَى حَائِلٍ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ السُّجُودُ فَإِذَا تَعَذَّرَ السُّجُودُ وَصَارَ إلَى الْإِيمَاءِ سَقَطَ فَرْضُ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونَ مَنْ صَلَّى عَلَى الْمَحْمِلِ لِشِدَّةِ مَرَضٍ أَعَادَ أَبَدًا. وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْأَرْضِ عِنْدَهُ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى السَّرِيرِ وَالدُّكَّانِ فَجَائِزٌ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ هُوَ جَائِزٌ لِلصَّحِيحِ وَوَجْهُهُ أَنَّ هَذَا جُزْءٌ مِنْ الْأَرْضِ ثَابِتٌ فِيهَا فَأَشْبَهَ الْجَبَلَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ فَنَقُولُ إنَّهُ مَوْضُوعٌ فِي الْأَرْضِ فَأَشْبَهَ الْفِرَاشَ وَالْبُنْيَانَ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا صَلَاةُ النَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ فِي سَفَرِ الْقَصْرِ وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ ذَلِكَ فِيمَا عَدَاهُ فَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَجَوَّزَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي الْحَضَرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ فَلَا يَجُوزُ الْإِتْيَانُ بِهَا فِي الْحَضَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ كَالْفَرْضِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْحَضَرِ فَهَلْ يَجُوزُ فِي سَفَرٍ لَا تَقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَوْ لَا؟ مَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَصِيرِ السَّفَرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِسَفَرِ الْقَصْرِ أَصْلُ ذَلِكَ الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) ش قَوْلُهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ غَيْرَ أَنَّهُ أَفَادَ حَدِيثُ ابْنِ دِينَارٍ تَكْرَارَ ذَلِكَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ كَانَ يُصَلِّي لِأَنَّا قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا إلَّا فِيمَا يَتَكَرَّرُ وَقَوْلُهُ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُرِيدُ إلَى الْقِبْلَةِ وَإِلَى دُبُرِهَا وَإِلَى الْمَشْرِقِ وَإِلَى الْمَغْرِبِ. وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي مَحْمِلِهِ مُشَرِّقًا أَوْ مُغَرِّبًا لَا يَنْحَرِفُ إلَى الْقِبْلَةِ وَإِنْ كَانَ

стр. 269

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ رَأَيْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي السَّفَرِ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ إيمَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضَعَ وَجْهَهُ عَلَى شَيْءٍ) . ــ [المنتقى] يَسِيرًا وَلْيُصَلِّ قِبَلَ وَجْهِهِ. وَجْهُ ذَلِكَ الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ وَمَفْهُومُ ذَلِكَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهَا عَلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي يَرْكَبُهَا عَلَيْهَا غَالِبًا وَيَسْتَقْبِلَ بِوَجْهِهِ مَا اسْتَقْبَلَتْهُ الرَّاحِلَةُ فَتَقْدِيرُهُ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ إلَى حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ وَقَدْ كَانَ يَحْتَمِلُ غَيْرَ هَذَا التَّقْدِيرِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَهِيَ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِقَوْلِهِ يُصَلِّي وَعَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ عَلَى رَاحِلَتِهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ رُوِيَ مُفَسَّرًا وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الرَّحْلِ يُسَبِّحُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ» . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِ قَوْلِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ إذَا كَانَ يَنْحَرِفُ إلَى الْقِبْلَةِ إلَّا مَا فِي قَوْلِهِ عَنْ رَاحِلَتِهِ إلَّا أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إلَى حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ مَعَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ انْعَقَدَ عَلَى تَجْوِيزِ ذَلِكَ وَعَلَى حَمْلِ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ وَأَمَّا افْتِتَاحُهَا فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الِافْتِتَاحَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ إلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ يُصَلِّي كَيْفَ أَمْكَنَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ النَّافِلَةِ فَجَازَ أَنْ يَفْعَلَ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَى حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ تَنَفَّلَ فِي السَّفِينَةِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ يَتَنَفَّلُ فِيهَا حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ كَالدَّابَّةِ. وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَتَنَفَّلُ إلَّا إلَى الْقِبْلَةِ بِخِلَافِ الرَّاحِلَةِ. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهَا كَثِيرَةُ التَّحَرُّفِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ فَكَانَتْ الْمَشَقَّةُ تَلْحَقُ بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِيهَا كَالرَّاحِلَةِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا وَاسِعَةُ الِانْحِرَافِ فِيهَا كَالْأَرْضِ بِخِلَافِ الرَّاحِلَةِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ رَأَيْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي السَّفَرِ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ إيمَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضَعَ وَجْهَهُ عَلَى شَيْءٍ) . (ش) : ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَوَجُّهَ أَنَسٍ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَظَاهِرُهُ مِنْ طَرِيقِ الْعَادَةِ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَقْبِلَ غَيْرَ الْقِبْلَةِ وَيَحْتَمِلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ رَاجِعًا إلَى الْحِمَارِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مُفَسَّرًا. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ اسْتَقْبَلْنَا «أَنَسًا حِينَ قَدِمَ مِنْ الشَّامِ فَلَقِيَنَا بِعَيْنِ التَّمْرِ فَرَأَيْته يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ. وَوَجْهُهُ مِنْ ذِي الْجَانِبِ يَعْنِي مِنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ فَقُلْت رَأَيْتُك تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ فَقَالَ لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ لَمْ أَفْعَلْهُ» وَقَوْلُهُ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ إيمَاءً يُرِيدُ أَنَّهُ يُشِيرُ إلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلَا يَأْتِي بِهِ عَلَى هَيْئَتِهِ وَهَذِهِ سُنَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ رَبِيعَةَ الْمُتَقَدِّمُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ إيمَاءً قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ بِوَجْهِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ إيمَاءُ سُجُودِهِ أَخْفَضَ مِنْ إيمَاءِ رُكُوعِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَةٍ فَجِئْت وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَيُومِئُ إيمَاءَ السُّجُودِ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ» . (فَرْعٌ) وَهَذَا لِمَنْ كَانَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ فَتَنَفَّلَ يَجُوزُ أَنْ يُومِئَ فِي النَّافِلَةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُومِئُ الْجَالِسُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. قَالَ عِيسَى فِي النَّوَافِلِ وَغَيْرِهَا وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَهُ أَنْ يُومِئَ فِي النَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَمَالُهُ أَنْ يَدَعَ الْقِيَامَ فِي النَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ. وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ أَوْمَأَ فِي النَّوَافِلِ أَجْزَأَهُ وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى الْكَرَاهِيَةِ وَظَاهِرُ قَوْلِ عِيسَى الْمَنْعُ وَجْهُهُ أَنَّ الْإِيمَاءَ لَيْسَ بِهَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ فَلَا يَكُونُ بَدَلًا مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ مِنْ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ الْقِيَامِ فِي النَّافِلَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الْكُورِ وَلَا عَلَى الْقَرَبُوسِ وَإِنَّمَا سُنَّتُهُ أَنْ يُومِئَ إيمَاءً قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ سُنَّتَهُ الْإِيمَاءُ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُبَاشَرَةِ الْأَرْضِ وَلَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا بِالسُّجُودِ كَالْمُضْطَجِعِ وَوَجْهٌ

стр. 270

صَلَاةُ الضُّحَى (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبِ أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَتْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَامَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ» ) ــ [المنتقى] آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الرُّخْصَةُ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ دُونَ الْجَوَازِ كَاسْتِقْبَالِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ. [صَلَاةُ الضُّحَى] (ش) : قَوْلُهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَامَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ تُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّاهَا نَافِلَةً وَلَمْ تُبَيِّنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَسَيَرِدُ بَيَانُهُ بَعْدَ هَذَا وَلَيْسَتْ صَلَاةُ الضُّحَى مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَحْصُورَةِ بِالْعَدَدِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا وَلَكِنَّهَا مِنْ الرَّغَائِبِ الَّتِي يَفْعَلُ الْإِنْسَانُ مِنْهَا مَا أَمْكَنَهُ وَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ ﷺ فَلْيُصَلِّهَا ثَمَانِي رَكَعَاتٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ حَدًّا وَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَيْسَ مَا صَلَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا يَوْمَ رَأَتْهُ أُمُّ هَانِئٍ حَدًّا لِذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ إيمَاءٌ إلَى أَنَّهُ مِقْدَارُ مَا صَلَّاهُ النَّبِيُّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي فِيهَا ذَلِكَ الْوَقْتَ رُبَّمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ وَرُبَّمَا زَادَ وَلَعَلَّهُ كَانَ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ الَّذِي كَانَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ إذَا صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِحَدٍّ وَلَا تَقْدِيرَ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِقْدَارُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ مَا اخْتَارَ لِنَفْسِهِ مَعَ مَا رُزِقَ مِنْ الْقُوَّةِ عَلَى ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَلَيْسَ فِي قَوْلِهَا ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَلَا أَنَّهُ صَلَّاهَا كُلَّهَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ وَإِنَّمَا قَصَدَتْ إلَى ذِكْرِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ «أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ» . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ «أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ ذَهَبْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدَتْهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقُلْت أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ وَذَلِكَ ضُحًى» ) . ش قَوْلُهَا ذَهَبْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ ذَهَابُهَا هَذَا كَانَ بِمَكَّةَ وَقَوْلُهَا فَوَجَدَتْهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ فِيهِ سَتْرُ ذَوِي الْمَحَارِمِ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ مِنْ الرِّجَالِ وَقَوْلُهَا فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهَا بِنُطْقِهَا بِالسَّلَامِ وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهَذَا بَعْضُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ شَهَادَةَ الْأَعْمَى لَا تَجُوزُ عَلَى أَنَّ الْأَصْوَاتَ لَا يَقَعُ التَّمْيِيزُ بِهَا وَلَيْسَ فِيهِ تَعَلُّقٌ لِأَنَّ مَنْ يُجِيزُ ذَلِكَ لَا يَقُولُ إنَّ كُلَّ مَنْ سَمِعَ مُتَكَلِّمًا يُمَيِّزُ صَوْتَهُ وَلَكِنَّهُ يَقُولُ إنَّ مِنْهَا مَا يَقَعُ بِهِ التَّمْيِيزُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ مِنْ كَرَمِ الْأَخْلَاقِ التَّرْحِيبُ بِالْأَهْلِ وَالتَّأْنِيسُ لَهُمْ وَتَأْخِيرُهَا سُؤَالَ حَاجَتِهَا حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ مِنْ حُسْنِ التَّسَاؤُلِ وَجَمِيلِ الْأَدَبِ أَنَّهَا تَرَكَتْهُ حَتَّى تَفَرَّغَ لِحَاجَتِهَا وَخَلَا لِسَمَاعِ شَفَاعَتِهَا وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا: زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ - إخْبَارٌ عَنْ قُرْبِ مَحَلِّهِ مِنْهَا مَعَ مَا يُرِيدُ مِنْ مُخَالِفَتِهَا أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَارَتْهُ فُلَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَهَذَا جَدُّهُ وَكَانَتْ أُمُّ هَانِئٍ أَجَارَتْهُ لِمَوْضِعِهِ مِنْهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَأْمِينِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ يُجَوِّزُ ذَلِكَ مَالِكٌ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَيْسَ فِي هَذَا

стр. 271

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ «عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ وَإِنِّي لَأَسْتَحِبُّهَا وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ» ) . ــ [المنتقى] الْحَدِيثِ بَيَانٌ لِجَوَازِ جِوَارِ الْمَرْأَةِ إلَّا مِنْ حَيْثُ أَقَرَّهَا عَلَى قَوْلِهَا قَدْ أَجَرْتُهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا وَذَلِكَ ضُحًى تُبَيِّنُ أَنَّ دُخُولَهَا عَلَيْهِ وَصَلَاتَهُ كَانَتْ ضُحًى وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَقْتِ صَلَاةِ فَرْضٍ وَهَذَا أَصْلٌ فِي صَلَاةِ الضُّحَى عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ تِلْكَ تَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ لَمَّا اغْتَسَلَ وَجَدَّدَ طَهَارَتَهُ لَا لِقَصْدِهِ لِلْوَقْتِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهَا سَأَلَتْهُ فَقَالَتْ لَهُ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ فَقَالَ صَلَاةُ الضُّحَى فَأَجَابَهَا إلَى الْوَقْتِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الضُّحَى يَوْمًا بِرَجُلٍ ضَخْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَكَانَ لَا يَسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَهُ فَدَعَاهُ إلَى بَيْتِهِ وَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَصَلَّى عِنْدَهُ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ لِأَنَسٍ أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى قَالَ لَمْ أَرَهُ صَلَّاهَا إلَّا يَوْمَئِذٍ» . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعْهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ» . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ «عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ وَإِنِّي لَأَسْتَحِبُّهَا وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ» ) . (ش) : «قَوْلُهَا مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ هَذَا صَحِيحٌ عَنْهَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا مِنْ» حَدِيثِ مُعَاذَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ كَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى قَالَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَرَوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَسَّامُ وَقَالَ خَالَفَهَا عُرْوَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَهَبَا إلَيْهِ لِأَنَّ عُرْوَةَ إنَّمَا رَوَى عَنْهَا نَفْيَ صَلَاةِ الضُّحَى لِغَيْرِ سَبَبٍ وَاَلَّذِي رَوَتْهُ مُعَاذَةُ عَنْهَا أَنَّهُ صَلَّاهَا لِسَبَبٍ وَذَلِكَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ سَأَلْتُ عَائِشَةَ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى فَقَالَتْ نَعَمْ إذَا جَاءَ مِنْ سَفَرٍ فَيَحْتَمِلُ عَلَى هَذَا رِوَايَةُ عُرْوَةَ عَلَى نَفْيِ صَلَاتِهَا لِغَيْرِ سَبَبٍ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ فِي رِوَايَةٍ قَالَ قُلْت لِعَائِشَةَ هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى قَالَتْ لَا إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا وَإِنِّي لَأَسْتَحِبُّ هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ وَرَوَاهُ غَيْرُهُ وَإِنِّي لَأَسْتَحِبُّهَا تَعْنِي أَنَّهَا تَتَنَفَّلُ بِهَا وَأَنَّهَا كَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَتُؤْثِرُهَا عَلَى النَّوَافِلِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ لَهَا لِحَدِيثِ أُمِّ مُعَاذٍ وَإِمَّا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَعَلَّهَا قَدْ سَمِعَتْ مِنْهُ الْحَضَّ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ ﷺ إنَّمَا تَرَكَ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا لِمَا ذَكَرَتْهُ وَهُوَ قَوْلُهَا وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ تَعْنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كَانَ عَلِمَ مِنْ مُتَابَعَةِ أَصْحَابِهِ لَهُ وَاقْتِدَائِهِمْ بِصَلَاتِهِ مَا إنْ دَاوَمَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ الْأَعْمَالِ دَاوَمُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَتْرُكُوهُ وَكَانَ يَخْشَى إذَا دَاوَمُوا عَلَى عِبَادَةٍ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ وَكَانَ يُحِبُّ التَّخْفِيفَ عَنْهُمْ مِنْ الْفُرُوضِ لِأَنَّ بِتَرْكِهَا يَقَعُ الْعِصْيَانُ وَعَلَى هَذَا تَرَكَ مُدَاوَمَةَ الْقِيَامِ لِرَمَضَانَ فِي جَمَاعَةٍ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى النَّاسِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا وَإِنَّمَا أَمَرَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِصَلَاةِ الضُّحَى عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَفْرَدَهُ بِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يُثَابِرُ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ لِمُدَاوَمَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ فَأَمِنَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَوْصَاهُ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَذَلِكَ وَقْتٌ لَا يُفْتَرَضُ عَلَى النَّاسِ شَيْءٌ بِمُدَاوَمَتِهِمْ عَلَيْهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ تَقُولُ لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكَتْهُنَّ) . (ش) : قَوْلُهُ أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِخَبَرٍ مَنْقُولٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ كَخَبَرِ أُمِّ هَانِئٍ وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَتْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ وَيَحْتَمِلُ

стр. 272

جَامِعُ سُبْحَةِ الضُّحَى (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جِدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكُمْ قَالَ أَنَسٌ فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ» ) ــ [المنتقى] أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمِقْدَارُ هُوَ الَّذِي كَانَ يُمْكِنُهَا الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ وَقَوْلُهَا لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكَتْهُنَّ أَيْ لَوْ بُعِثَا وَأُحْيِيَا مَا تَرَكَتْهُنَّ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ فَضِيلَتِهَا عِنْدَهَا وَتَأَكُّدِ أَمْرِهَا. [جَامِعُ سُبْحَةِ الضُّحَى] (ش) : إجَابَةُ النَّبِيِّ ﷺ مُلَيْكَةَ لِطَعَامِهَا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ التَّوَاضُعِ وَقُرْبِهِ مِنْ الْمَسَاكِينِ وَمُخَالَطَتِهِ لَهُمْ وَرِفْقِهِ بِهِمْ وَقَوْلُهُ ﷺ قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَخُصَّهُمْ بِبَرَكَةِ صَلَاتِهِ وَدُعَائِهِ أَوْ يُرِيدُ أَنْ يُعْلِمَهُمْ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْقُرْبِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ أَنَسٍ فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ يَقْتَضِي قِلَّةَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْحُصْرِ وَإِلَّا فَلَمْ يَكُونُوا يَخُصُّونَ النَّبِيَّ ﷺ إلَّا بِأَفْضَلِ مَا عِنْدَهُمْ مِمَّا يَصْلُحُ لِلصَّلَاةِ وَإِنَّمَا نَضَحَهُ بِالْمَاءِ عَلَى سَبِيلِ تَجْدِيدِ نَظَافَتِهِ وَطَهَارَتِهِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا وَقَعَ فِي النَّفْسِ مِنْ طُولِ لُبْسِهِ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ أَنْ يَنَالَهُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ فَنَضَحَهُ لِيُذْهِبَ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ النَّضْحُ طَهُورًا لَمَّا لَمْ يَتَيَقَّنْ طُهْرَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا نَضَحَ لَمَّا خِيفَ أَنْ يَنَالَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَلْبَسُونَهُ وَمَعَهُمْ صَبِيٌّ فَطِيمٌ اسْمُهُ أَبُو عُمَيْرٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ حَدِيثًا عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ قَالَ أَحْسِبُهُ فَطِيمًا وَكَانَ إذَا جَاءَ قَالَ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ نُغَيْرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلَاةَ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا» فَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ أَمَرَ بِالنَّضْحِ وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَهُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ طُولِ لُبْسِهِمْ لِلْبِسَاطِ مَعَ تَصَرُّفِ الطِّفْلِ الَّذِي لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ فِيهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ إنَّمَا غَسَلَهُ لِيَلِينَ وَهَذَا لَيْسَ بِبَيِّنٍ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَضْحَهُ لَمْ يَكُنْ لِجَسَاوَتِهِ وَإِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ لَوْنِهِ وَطُولِ لُبْسِهِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّضْحُ بِمَعْنَى الْغَسْلِ وَأَنْ يَكُونَ غَسْلُهُ لِنَجَاسَةٍ فِيهِ أَوْ لِلَوْنِهِ وَالْأَوَّلُ هُوَ أَظْهَرُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَا كَانَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ وَقَدْ أُلْحِقَ بِذَلِكَ فِي جَوَازِ الْقِيَامِ أَنْوَاعٌ مِنْ الثِّيَابِ وَغَيْرِهِ كَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالْكَتَّانِ وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ الْيَتِيمُ هُوَ ضُمَيْرَةُ وَهُوَ جَدُّ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْيَتِيمُ مِمَّنْ يَعْقِلُ الصَّلَاةَ وَإِلَّا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ فِي جَمَاعَةِ الْمُؤْتَمِّينَ وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَيْنِ وَرَاءَ الْإِمَامِ يَقِفَانِ وَرَاءَهُ وَقَوْلُهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا دَلِيلٌ عَلَى تَأَخُّرِ النِّسَاءِ عَنْ صُفُوفِ الرِّجَالِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُفْرَدَةَ إذَا صَلَّتْ خَلْفَ الصَّفِّ صَحَّتْ صَلَاتُهَا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ نَعْلَمُهُ وَأَمَّا الرَّجُلُ يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مَقَامٌ لَوْ صَلَّتْ فِيهِ الْمَرْأَةُ صَحَّتْ صَلَاتُهَا فَإِذَا صَلَّى فِيهِ الرَّجُلُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ كَالصَّفِّ

стр. 273

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ دَخَلْت عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْهَاجِرَةِ فَوَجَدْتُهُ يُسَبِّحُ فَقُمْتُ وَرَاءَهُ فَقَرَّبَنِي حَتَّى جَعَلَنِي حِذَاءَهُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَمَّا جَاءَ يَرْفَأُ تَأَخَّرْت فَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ) . التَّشْدِيدُ فِي أَنْ يَمُرَّ أَحَدٌ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» ) ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ يَقْتَضِي فِي الْأَغْلَبِ أَنَّهَا نَافِلَةٌ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ إنَّمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي مَسْجِدِهِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ صَلَاةَ الضُّحَى وَقَدْ أَدْخَلَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ سُبْحَةِ الضُّحَى وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى إلَّا مَرَّةً فِي دَارِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ لِيَتَّخِذَ مَكَانَهُ مُصَلًّى وَلَكِنَّهُ يَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّ صَلَاتَهُ فِي دَارِ مُلَيْكَةَ كَانَتْ ضُحًى وَأَنَّهُ لَمَّا اعْتَقَدَ فِيهَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا التَّعْلِيمُ دُونَ الْوَقْتِ لَمْ يَعْتَقِدْهَا صَلَاةَ الضُّحَى. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ لَمْ يَبْلُغْهُ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الضُّحَى عِنْدَهُ نَافِلَةً مَحْضَةً نَابَ ذِكْرُ هَذِهِ النَّافِلَةِ عَنْ ذِكْرِهَا وَقَامَ مَقَامَهَا. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ دَخَلْت عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْهَاجِرَةِ فَوَجَدْتُهُ يُسَبِّحُ فَقُمْتُ وَرَاءَهُ فَقَرَّبَنِي حَتَّى جَعَلَنِي حِذَاءَهُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَمَّا جَاءَ يَرْفَأُ تَأَخَّرْت فَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ) . (ش) : قَوْلُهُ دَخَلْت عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْهَاجِرَةِ فَوَجَدَتْهُ يُسَبِّحُ إدْخَالُ مَالِكٍ ﵀ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ سُبْحَةِ الضُّحَى يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنَّهُ أَدْخَلَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ حُكْمُ هَذِهِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ حُكْمَ صَلَاةِ الضُّحَى فِي أَنَّهَا نَافِلَةٌ مَحْضَةٌ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ هَذَا وَقْتَ صَلَاةِ الضُّحَى عِنْدَهُ وَالْهَاجِرَةُ هُوَ وَقْتُ قُوَّةِ الْحَرِّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرَقْمَ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنْ الضُّحَى فَقَالَ أَمَا لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ أَفْضَلُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَقُمْت وَرَاءَهُ فَقَرَّبَنِي حَتَّى جَعَلَنِي حِذَاءَهُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِمَامَةِ فِي النَّافِلَةِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَهَذَا لَا بَأْسَ أَنْ يَفْعَلَهُ النَّاسُ الْيَوْمَ فِي الْخَاصَّةِ وَلَيْسَ مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي تَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِالنَّفَرِ فِي سُبْحَةِ الضُّحَى وَغَيْرِهَا مِنْ النَّافِلَةِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي غَيْرِ نَافِلَةِ رَمَضَانَ إلَّا إذَا كَانَ النَّفَرُ قَلِيلًا الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَنَحْوَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَثِيرًا مَشْهُورًا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَقَرَّبَنِي حَتَّى جَعَلَنِي حِذَاءَهُ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَنَّ مَوْقِفَ الْمُصَلِّي بِصَلَاةِ الْإِمَامِ عَنْ يَمِينِهِ فَإِذَا خَالَفَ ذَلِكَ فَمِنْ سُنَّةِ الْإِمَامِ أَنْ يُعْلِمَهُ بِالْإِشَارَةِ وَأَنْ يُقِيمَهُ عَنْ يَمِينِهِ «وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِابْنِ عَبَّاسٍ حِينَ قَامَ عَنْ يَسَارِهِ فَأَدَارَهُ عَنْ يَمِينِهِ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَمَّا جَاءَ يَرْفَأُ تَأَخَّرْت فَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُؤْتَمَّيْنِ بِالْإِمَامِ يَقِفَانِ خَلْفَهُ وَفِيهِ انْتِقَالُ الْمَأْمُومِ عَنْ مَحَلِّهِ إذَا دَخَلَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ مَنْ يَنْتَفِلُ مِنْ أَجْلِهِ عَنْ ذَلِكَ الْمَقَامِ إلَى غَيْرِهِ وَلَا يُقِيمُ عَلَى الْوُقُوفِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَزِمَهُ الْوُقُوفُ فِيهِ أَوَّلَ صَلَاتِهِ. [التَّشْدِيدُ فِي أَنْ يَمُرَّ أَحَدٌ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي] (ش) : قَوْلُهُ إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ هَذَا يَكُونُ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ الْمُصَلِّي بِهِ عَاصِيًا. وَالثَّانِي: لَا يَكُونُ الْمُصَلِّي عَاصِيًا. فَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ الْمُصَلِّي بِهِ عَاصِيًا بِأَنْ يُصَلِّي إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ فِي مَوْضِعٍ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَهَذَا قَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِمَا لَا يَجُوزُ مِنْ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَتَى مَرَّ أَحَدٌ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فَقَدْ أَثِمَ الْمَارُّ وَالْمُصَلِّي أَمَّا إثْمُ الْمَارِّ فَلِأَنَّهُ ارْتَكَبَ

стр. 274

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَرْسَلَهُ إلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» قَالَ أَبُو النَّضْرِ لَا أَدْرِي أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً) ــ [المنتقى] الْمَحْظُورَ وَأَمَّا إثْمُ الْمُصَلِّي فَلِأَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِذَلِكَ وَأَمَّا مَا لَا يَكُونُ الْمُصَلِّي بِهِ عَاصِيًا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُصَلِّيَ إلَى سُتْرَةٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يُصَلِّيَ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَظُنُّ أَنْ يَمُرَّ أَحَدٌ فِيهِ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالْبَرَارِيِ وَالْقِفَارِ. وَفِي هَذَا اخْتِلَافٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى سُتْرَةٍ حَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ أَحَدٌ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ شَأْنِ الْمُصَلِّي أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا إلَى سُتْرَةٍ أَمِنَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ أَحَدٌ أَوْ لَمْ يَأْمَنْ. وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ الْحُكْمُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ. وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ الِاحْتِيَاطُ وَالتَّحَرُّزُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَمَنْ صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ أَوْ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ دُونَهَا فَمَرَّ أَحَدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَدْ أَثِمَ الْمَارُّ وَلَا يَأْثَمُ الْمُصَلِّي لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ وَلَا يَخْلُو الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي أَنْ يَمُرَّ بِالْقُرْبِ مِنْهُ حَيْثُ يُمْكِنُهُ رَدُّهُ دُونَ أَنْ يَتَكَلَّفَ خَطْوًا وَلَا كَبِيرَ عَمَلٍ أَوْ يَمُرُّ بِالْبُعْدِ حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إلَّا بِالْمَشْيِ إلَيْهِ وَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ دُونَ مَشْيٍ وَلَا تَكَلُّفِ عَمَلٍ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِرَدِّهِ وَدَرْئِهِ مَا اسْتَطَاعَ بِمَا خَفَّ فَإِنْ رَجَعَ وَإِلَّا فَلَا يُنَازِعُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ أَشَدُّ مِنْ مُرُورِهِ وَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ فَإِنْ أَبَى فَلْيَقْتُلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ فَلْيَلْعَنْهُ فَإِنَّ الْمُقَاتَلَةَ تَكُونُ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ بِمَعْنَى اللَّعْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] وَقَالَ ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] قِيلَ مَعْنَاهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ فَلْيُؤَاخِذْهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ صَلَاتِهِ وَيَدْفَعْهُ عَلَى فِعْلِهِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ فَلْيَدْفَعْهُ دَفْعًا أَشَدَّ مِنْ الدَّرْءِ مُنْكِرًا عَلَيْهِ وَمُغَلِّظًا وَقَدْ يُسَمَّى ذَلِكَ مُقَاتَلَةً عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ وَيَعْدِلُ عَنْ ظَاهِرِ الْمُقَاتَلَةِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلَهُ الْمُقَاتَلَةَ الَّتِي تُفْسِدُ صَلَاتَهُ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ يَمْنَعُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَقَدْ دَرَأَ رَجُلٌ رَجُلًا فَكَسَرَ أَنْفَهُ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ لَوْ تَرَكْتَهُ فَيَمُرُّ لَكَانَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَصِلُ إلَى دَرْئِهِ إلَّا بِالْمَشْيِ إلَيْهِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ يَرُدُّ بِالْإِشَارَةِ فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا تَرَكَهُ فَهَذَا وَجْهٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ عَمَلٌ يَسِيرٌ فِي الصَّلَاةِ وَالْمَشْيُ عَمَلٌ كَثِيرٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا الرَّدُّ كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ مُرُورُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَمَّا إذَا مَرَّ فَلَا يَرُدُّهُ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لِأَنَّ رَدَّهُ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَهُ مُرُورٌ ثَانٍ بَيْنَ يَدَيْهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَرْسَلَهُ إلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» قَالَ أَبُو النَّضْرِ لَا أَدْرِي أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً) . (ش) : قَوْلُهُ أَرْسَلَهُ إلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مِنْ بَابِ طَلَبِ الْعِلْمِ وَالسُّؤَالِ عَنْهُ وَفِيهِ اسْتِنَابَةُ غَيْرِهِ فِي السُّؤَالِ إمَّا لِشُغُلٍ أَوْ غَيْرِهِ وَفِيهِ قَوْلُهُ لِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَنْ الْوَاحِدِ وَتَسَامُحِهِ بِالنُّزُولِ فِي الرِّوَايَةِ وَسَمَاعِ الْحَدِيثِ مِنْ التَّابِعِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْ الصَّحَابِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَهُ لِيَعْلَمَ هَلْ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمٌ فَيَلْقَاهُ فَيَأْخُذُهُ عَنْهُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ سَأَلَهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ أَوْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمٌ لَأَرْسَلَهُ إلَيْهِ يَسْأَلُهُ هَلْ يَسْمَعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي شَيْئًا أَمْ لَا لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَسْتَعْمِلُهُ مَنْ شَكَّ فِي السَّمَاعِ وَاللَّفْظُ الْأَوَّلُ يَسْتَعْمِلُهُ مَنْ تَيَقَّنَ السَّمَاعَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ يَعْنِي مِنْ الْوِزْرِ وَالْإِثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ لَاخْتَارَ وُقُوفَ أَرْبَعِينَ عَلَى مُرُورِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ لَكَانَ وُقُوفُهُ خَيْرًا لَهُ وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ

стр. 275

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يُخْسَفَ بِهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) . الرُّخْصَةُ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ أَقْبَلْت رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْت الِاحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي لِلنَّاسِ بِمِنًى فَمَرَرْت بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْت فَأَرْسَلْت الْأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْت فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ» ) ــ [المنتقى] بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ خَيْرًا لَهُ وَعِظَمُ الْإِثْمِ فِي مُرُورِهِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي أَنْ لَا يَقِفَ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَارِّ بِقَدْرِهِ وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ لَكَانَ وُقُوفُهُ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ عِنْدَهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يُؤْثِرُهُ عَلَى الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ أَبِي النَّضْرِ لَا أَدْرِي أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ نَصَّ لَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَشَكَّ أَبُو النَّضْرِ فِيمَا ذَكَرَ بُسْرٌ مِنْ ذَلِكَ وَالْغَرَضُ بِهِ مَعْلُومٌ وَهُوَ التَّغْلِيظُ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَإِشَارَةٌ إلَى عَظِيمِ مَا يَرْتَكِبُهُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يُخْسَفَ بِهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) . (ش) : قَوْلُهُ لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ لَكَانَ أَنْ يُخْسَفَ بِهِ خَيْرًا لَهُ وَمَعْنَى الْخَسْفِ بِهِ أَنْ يُخْسَفَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا وَهُوَ تَهَوُّرُهَا فَيَصِيرُ هُوَ مَعَهَا فِي أَطْبَاقِ الْأَرْضِ فَلَوْ عَلِمَ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي بِمَا عَلَيْهِ لَاخْتَارَ ذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ عَلَى إثْمِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ النِّسَاءِ وَهُنَّ يُصَلِّينَ) . ش كَرَاهِيَتُهُ لِلْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ النِّسَاءِ وَهُنَّ يُصَلِّينَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ يَكْرَهُ ذَلِكَ كَمَا يَكْرَهُ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّينَ مِنْ الرِّجَالِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ خَصَّ النِّسَاءَ بِذَلِكَ لِدُخُولِهِ إلَى الْمَسْجِدِ وَخُرُوجِهِ مِنْهُ وَهُوَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ فَكَرِهَ الْمُرُورَ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ إذَا صَلَّيْنَ وَإِنْ كُنَّ فِي طَرِيقِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدٍ وَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي) . (ش) : قَوْلُهُ كَانَ لَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدٍ لِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنْ التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَقَوْلُهُ وَلَا يَدْعُ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ «أَمْرِهِ ﷺ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَدْرَأَ مَنْ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ» فَيَتَعَلَّقُ الْمَنْعُ مِنْ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي بِالْمَارِّ لِحَدِيثِ أَبِي جُهَيْمٍ وَبِالْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْأَمْرِ لَهُ بِمَنْعِهِ. (فَرْعٌ) وَمِنْ بَابِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مُنَاوَلَةُ الشَّيْءِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ وَيَقْطَعُ عَلَيْهِ الْإِقْبَالَ عَلَى صَلَاتِهِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِهَذَا الْمَعْنَى. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَنْ عَنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي وَمَنْ عَلَى يَسَارِهِ قَالَ وَحَسَنٌ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُمَا وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ مِمَّا يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ بِمَا يَجْرِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا تَأَخَّرَ عَنْهُمَا فَقَدْ صَارَ مُصَلِّيًا خَلْفَهُمَا. [الرُّخْصَةُ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي] (ش) : قَوْلُ مَالِكٍ ﵀ فِي التَّرْجَمَةِ الرُّخْصَةُ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي الرُّخْصَةُ فِي الشَّرْعِ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ لِلضَّرُورَةِ أَوْ لِلْحَاجَةِ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي إبَاحَةِ نَوْعٍ مِنْ جِنْسٍ مَمْنُوعٍ وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِاسْتِغْرَاقِ جِنْسِ الْمُصَلِّي وَتَكُونُ الرُّخْصَةُ تَنَاوَلَتْ بَعْضَ أَحْوَالِهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَأْمُومًا. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْأَلْفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ فَتَكُونَ الْإِبَاحَةُ تَنَاوَلَتْ مُصَلِّيًا مَعْهُودًا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهُوَ الْمَأْمُومُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ أَقْبَلْت رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْت الِاحْتِلَامَ أَيْ قَارَبْته

стр. 276

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي بَعْضِ الصُّفُوفِ وَالصَّلَاةُ قَائِمَةٌ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا أَرَى ذَلِكَ وَاسِعًا إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَبَعْدَ أَنْ يُحْرِمَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَجِدْ الْمَرْءُ مَدْخَلًا إلَى الْمَسْجِدِ إلَّا بَيْنَ الصُّفُوفِ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ مِمَّا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ مِمَّا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي) . ــ [المنتقى] وَوَصْفُهُ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ يُفِيدُ أَنَّ «إقْرَارَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ عَلَى الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ» دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَتِهِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَعْقِلُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَيَصِحُّ مِنْهُ امْتِثَالُهَا وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَقْرِيرِ مَنْ هُوَ دُونَ هَذَا السِّنِّ عَلَى الشَّرَائِعِ وَمَنْعِهِ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ. وَقَدْ نَزَعَ تَمْرَةً مِنْ الصَّدَقَةِ مِنْ فِي الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَقَالَ أَمَا عَلِمْت أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي لِلنَّاسِ بِمِنًى يُرِيدُ أَنَّهُ يَؤُمُّهُمْ وَلِذَلِكَ وُصِفَ بِأَنَّهُ يُصَلِّي لَهُمْ وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي فَذًّا لَمَا كَانَتْ صَلَاتُهُ لَهُمْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَمَرَرْت بَيْنَ يَدَيْهِ فِي بَعْضِ الصَّفِّ يُرِيدُ الصَّفَّ الَّذِي يَأْتَمُّونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ مُرُورُهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنْ كَوْنِهِ عَلَى الْأَتَانِ فَنَزَلَ مِنْ عَلَيْهَا وَأَرْسَلَهَا وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَهَا بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ أَوْ أَرْسَلَهَا بِحَيْثُ لَا يَأْمَنُ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَكَانَ دُخُولُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الصَّفِّ مَعَ الْمُصَلِّينَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ فِعْلِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُقِرُّ عَلَى الْمُنْكَرِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي الْأَغْلَبِ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مُرُورُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَلَى الْأَتَانِ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ لِيُخْبِرَ وَيَحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ فِعْلَهُ إلَّا لِفَائِدَةٍ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ بِفِعْلِهِ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ مَنْ يَلْزَمُ إقْرَارُهُ وَإِنْكَارُهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ سُتْرَةٌ لِمَنْ وَرَاءَهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي الْمَأْمُومِ وَكُرِهَ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ فَأَبْعَدَ وَلِذَلِكَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا صَلَّى بِالنَّاسِ يُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا يَسْتُرُهُ عَنَزَةٌ أَوْ غَيْرُهَا وَلَا يَحْتَاجُ مَنْ صَلَّى مَعَهُ إلَى ذَلِكَ» . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي بَعْضِ الصُّفُوفِ وَالصَّلَاةُ قَائِمَةٌ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا أَرَى ذَلِكَ وَاسِعًا إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَبَعْدَ أَنْ يُحْرِمَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَجِدْ الْمَرْءُ مَدْخَلًا إلَى الْمَسْجِدِ إلَّا بَيْنَ الصُّفُوفِ) . (ش) : وَهَذَا عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ مَنْ يَأْتَمُّ بِالْإِمَامِ لِأَنَّ الْإِمَامَ سُتْرَةٌ لَهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصُّفُوفِ وَالصُّفُوفُ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ وَقَوْلُهُ وَالصَّلَاةُ قَائِمَةٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ حِينَ إقَامَتِهَا وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُ مَالِكٍ إنِّي لَأَرَى ذَلِكَ وَاسِعًا إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَبَعْدَ أَنْ يُحْرِمَ الْإِمَامُ فَحَمَلَ إقَامَةَ الصَّلَاةِ عَلَى إقَامَتِهَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَجَوَّزَ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ غَيْرَ أَنَّهُ قَيَّدَ ذَلِكَ بِعَدَمِ الْمَدْخَلِ إلَى الْمَسْجِدِ إلَّا بَيْنَ الصُّفُوفِ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ أَتَى فِي الْبَرَاحِ وَالْمُتَّسَعِ مِنْ الْأَرْضِ فَمَشَى بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِهِ لِضِيقٍ وَأَنَّهُ أَتَى ذَلِكَ مُخْتَارًا وَيَحْتَمِلُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَصَدَ الِاحْتِيَاطَ بِأَنْ أَجَابَ عَمَّنْ لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا إلَّا بَيْنَ يَدَيْ النَّاسِ وَلَمْ يَجِبْ عَمَّنْ وَجَدَهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْإِبَاحَةِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ إلَّا أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَكُونُ أَوْسَعَ مِنْ الْحَاجَةِ إلَيْهِ إذَا ثَبَتَتْ الْحَاجَةُ كَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَقَدْ يُبَاحُ مِمَّنْ لَا تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ فِيهِ. (ش) : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ يَقْطَعُهَا الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مَا رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ عَدَلْتُمُونَا بِالْكِلَابِ وَالْحُمُرِ وَلَقَدْ رَأَيْتَنِي مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ فَيَجِيءُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَتَوَسَّطُ

стр. 277

سُتْرَةُ الْمُصَلِّي فِي السَّفَرِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَسْتَتِرُ بِرَاحِلَتِهِ إذَا صَلَّى) . ــ [المنتقى] السَّرِيرَ فَيُصَلِّي فَأَكْرَهُ أَنْ أُزَاحِمَهُ فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْ السَّرِيرِ حَتَّى أَنْسَلَّ عَنْ لِحَافِي» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الْإِمَامِ كَالطَّائِرِ يَطِيرُ وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ» وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّ مَعْنَى الْقَطْعِ لِلصَّلَاةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ شُغْلُ الْمُصَلِّي عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَالْبُعْدِ عَنْ الِاشْتِغَالِ عَنْهَا بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ فَنَفَى فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْقَطْعَ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى إفْسَادِ الصَّلَاةِ وَالْمَنْعِ مِنْ التَّمَادِي فِيهَا وَيَثْبُتُ بِالْحَدِيثِ الثَّانِي الْقَطْعُ عَنْ الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَالِاشْتِغَالِ بِهَا. [سُتْرَةُ الْمُصَلِّي فِي السَّفَرِ] (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَسْتَتِرُ بِرَاحِلَتِهِ إذَا صَلَّى فِيهِ مَسَائِلُ: إحْدَاهَا: أَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لِلِاسْتِتَارِ فِي الصَّلَاةِ مِمَّنْ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَالثَّانِيَةُ: صِفَةُ مَا يَقَعُ بِهِ الِاسْتِتَارُ. وَالثَّالِثَةُ: مُقَامُهُ مِمَّا يَسْتَتِرُ بِهِ. فَأَمَّا اسْتِعْمَالُهُ لِلِاسْتِتَارِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ وَلَا يُبَالِ مَنْ يَمُرُّ وَرَاءَ ذَلِكَ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا صِفَةُ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إنَّ قَدْرَ ذَلِكَ مِثْلُ عَظْمِ الذِّرَاعِ فِي جَلَّةِ الرُّمْحِ وَإِنَّمَا قَالَ إنَّهُ يَكْفِي مِنْ ارْتِفَاعِهِ مِثْلُ عَظْمِ الذِّرَاعِ لِلْخَبَرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَنَّ مُؤْخِرَةَ الرَّحْلِ يُصَلِّي إلَيْهَا وَلَا يُبَالِي بِمَنْ يَمُرُّ وَرَاءَهَا وَارْتِفَاعُهَا نَحْوٌ مِمَّا قَالَهُ مَالِكٌ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ جُلَّةِ الرُّمْحِ فَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كَانَ إذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الْأُمَرَاءُ» . (فَرْعٌ) فَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ إلَى الرُّمْحِ فَسَقَطَ فَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ يُقِيمُهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ خَفِيفًا فَإِنْ شَغَلَهُ فَلْيَتْرُكْهُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ يَسِيرَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ قَامَ لِلْقَضَاءِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ إذَا كَانَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ فِيمَا يَقْرَبُ مِنْهُ سُتْرَةٌ مَشَى إلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ وَرَاءَهُ رَجَعَ إلَيْهَا الْقَهْقَرَى فَإِنْ بَعُدَتْ عَنْهُ صَلَّى فِي مَوْضِعِهِ. (فَرْعٌ) وَلَا تَقَعُ السُّتْرَةُ بِالْخَطِّ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَأَجَازَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهِ فَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ يَخُطُّ عَرْضًا. وَقَالَ مُسَدَّدٌ يَخُطُّ طُولًا وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رَوَى طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ وَلَا يُبَالِ مَنْ يَمُرُّ وَرَاءَ ذَلِكَ» فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ ﷺ قَصَدَ إلَى الْإِخْبَارِ عَنْ يَسِيرِ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ الْمُصَلِّي وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَنُصَّ عَلَى أَقَلِّهِ إلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ. (فَصْلٌ) : فَأَمَّا اسْتِتَارُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُنَاخَةً لِأَنَّهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يُؤْمَنُ مَعَهَا مَشْيُهَا وَإِمَّا أَنْ يَسْتَتِرَ بِالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحِمَارِ فَقَدْ نَهَى عَنْهُ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِنَجَاسَةِ أَرْوَاثِهَا وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهَا فِي الْأَغْلَبِ قَائِمَةٌ لَا يُؤْمَنُ مَشْيُهَا وَانْتِقَالُهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَكَانُهُ مِمَّا يَسْتَتِرُ بِهِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَبَ مِنْهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ مِنْ الصَّوَابِ أَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ قَدْرُ صَفَّيْنِ وَالدُّنُوُّ مِنْ السُّتْرَةِ حَسَنٌ لِمَا رَوَاهُ سَهْلٌ أَنَّهُ «كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ دُنُوَّهُ مِنْ السُّتْرَةِ أَقْرَبُ لَهُ مِنْ امْتِنَاعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَإِذَا بَعُدَ عَنْهَا أَمْكَنَ الْمَارَّ مِنْ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ) . (ش) : مَا فَعَلَهُ عُرْوَةُ ﵁ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ السُّتْرَةَ

стр. 278

مَسْحُ الْحَصْبَاءِ فِي الصَّلَاةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إذَا أَهْوَى لِيَسْجُدَ مَسَحَ الْحَصْبَاءَ لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ مَسْحًا خَفِيفًا) . مَا جَاءَ فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فَإِذَا جَاءُوهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنْ قَدْ اسْتَوَتْ كَبَّرَ) . ــ [المنتقى] إنَّمَا وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي لِتَسْتُرَهُ مِمَّا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَأْمَنُ فِيهِ أَنْ يَمُرَّ أَحَدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا مَعْنَى لَهَا وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا حَيْثُ يَخَافُ أَنْ يَمُرَّ أَحَدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ شَأْنِ الْمُصَلِّي أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا إلَى سُتْرَةٍ فِي سَفَرٍ كَانَ أَوْ حَضَرٍ أَمِنَ أَنْ يَمُرَّ أَحَدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ لَمْ يَأْمَنْ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. [مَسْحُ الْحَصْبَاءِ فِي الصَّلَاةِ] (ش) : مَسَحَ الْحَصْبَاءَ فِي الصَّلَاةِ لِإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ وَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ مَمْنُوعٌ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الِاشْتِغَالُ عَنْ الصَّلَاةِ. وَالثَّانِي: تَرْكُ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ . فَإِذَا دَعَتْ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ مِنْ تُرَابٍ يُؤْذِي أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلْيَمْسَحْ مَرَّةً وَاحِدَةً لِمَا رَوَاهُ مُعَيْقِيبٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا تَمْسَحْ - يَعْنِي الْأَرْضَ - وَأَنْتَ تُصَلِّي فَإِنْ كُنْتَ وَلَا بُدَّ فَوَاحِدَةً تُسَوِّي بِهَا الْحَصْبَاءَ» . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ يَقُولُ مَسْحُ الْحَصْبَاءِ مَسْحَةً وَاحِدَةً وَتَرْكُهَا خَيْرٌ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ) . (ش) : قَوْلُهُ مَسْحُ الْحَصْبَاءِ مَسْحَةً وَاحِدَةً يَقُولُ الْمُبَاحُ مِنْ ذَلِكَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ فِي الزَّائِدِ عَلَى ذَلِكَ شُغْلًا عَنْ الصَّلَاةِ لِمَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَأَمَّا الْمَسْحَةُ الْوَاحِدَةُ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْمُصَلِّي لِيُزِيلَ شُغْلَهُ عَنْ الصَّلَاةِ بِمَا يَحْصُلُ عَلَى جَبْهَتِهِ مِنْ التُّرَابِ أَوْ يَتَأَذَّى بِهِ فَيُضْطَرُّ إلَى مَسْحِهِ مِنْ جَبْهَتِهِ فَيَحْصُلُ الِاشْتِغَالُ بِمَسْحِ الْجَبْهَةِ وَالِاشْتِغَالُ قَبْلَ ذَلِكَ بِمَا حَصَلَ عَلَيْهَا مِنْ التُّرَابِ وَالْمُتَأَذِّي بِهِ إلَى أَنْ يَمْسَحَهُ فَلِذَلِكَ أُبِيحَ لَهُ مَسْحُهُ الْحَصْبَاءَ مَرَّةً وَاحِدَةً لِأَنَّهَا أَخَفُّ مِمَّا يَئُولُ إلَيْهِ تَرْكُهَا مِنْ الشُّغْلِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَتَرْكُهَا خَيْرٌ مِنْ حُمْرِ النِّعَمِ يُرِيدُ لِمَنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَتَأَذَّ بِمَا يَحْصُلُ عَلَى جَبْهَتِهِ مِنْ التُّرَابِ وَلَا أَحْتَاجَ إلَى مَسْحِهِ وَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ صَلَّى عَلَى تُرَابٍ يُؤْذِيهِ بِنَثْرٍ عَلَى وَجْهِهِ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَمْسَحَهُ. [مَا جَاءَ فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ] (ش) : أَمْرُهُ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ يَقْتَضِي مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْمُرَ أَهْلَ الصُّفُوفِ بِذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنْ يُوَكِّلَ بِذَلِكَ مَنْ يُسَوِّي النَّاسَ فِي الصُّفُوفِ وَهَذَا يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ فَإِذَا جَاءُوهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنْ قَدْ اسْتَوَتْ الصُّفُوفُ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَأْمُورِينَ بِذَلِكَ كَانُوا يَعُودُونَ إلَيْهِ فَيُعْلِمُونَهُ بِاسْتِوَائِهَا. وَتَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ مِمَّا كَانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيَنْدُبُ إلَيْهِ. وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ» حَتَّى تَوَعَّدَ عَلَيْهَا فَقَالَ ﷺ «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بِوُجُوهِكُمْ» وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ وَهُوَ يَتَّصِلُ بِمَقَامِ الْمَأْمُومِينَ مِنْ الْإِمَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَإِذَا كَانُوا عَدَدًا لَزِمَ فِيهِمْ إقَامَةُ الصُّفُوفِ وَهُوَ تَقْوِيمُهَا وَنَمَاؤُهَا وَالتَّرَاصُّ فِيهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَأَمَّا تَسْوِيَتُهَا فَهُوَ إتْمَامُهَا فَيَجِبُ أَنْ يَكْمُلَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ فَإِنْ كَانَ نَقْصٌ فَفِي الْمُؤَخَّرِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «أَتِمُّوا الصَّفَّ الْأَوَّلَ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ فَإِنْ كَانَ نَقْصٌ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا التَّرَاصُّ فِيهَا فَلِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ

стр. 279

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ كُنْت مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَامَتْ الصَّلَاةُ وَأَنَا أُكَلِّمُهُ فِي أَنْ يَفْرِضَ لِي فَلَمْ أَزَلْ أُكَلِّمُهُ وَهُوَ يُسَوِّي الْحَصْبَاءَ بِنَعْلَيْهِ حَتَّى جَاءَهُ رِجَالٌ قَدْ كَانَ وَكَّلَهُمْ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الصُّفُوفَ قَدْ اسْتَوَتْ فَقَالَ لِي اسْتَوِ فِي الصَّفِّ ثُمَّ كَبَّرَ) . وَضْعُ الْيَدَيْنِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي الصَّلَاةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ «إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي الصَّلَاةِ يَضَعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَالِاسْتِينَاءُ بِالسُّحُورِ» ) ــ [المنتقى] وَتَرَاصُّوا فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَانْضِمَامُ الصُّفُوفِ مِنْ التَّرَاصِّ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا وَحَاذُوا بِالْمَنَاكِبِ وَبِالْأَعْنَاقِ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهُ الْخَذْفُ» . (ش) : قَوْلُهُ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَمْ أَزَلْ أُكَلِّمُهُ حَتَّى جَاءَهُ رِجَالٌ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الصُّفُوفَ قَدْ اسْتَوَتْ فَقَالَ لِي اسْتَوِ فِي الصَّفِّ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْكَلَامِ بَعْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِهَا وَبِهَذَا قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ غَيْرَ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا إنَّ الْكَلَامَ مَمْنُوعٌ بَعْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ لَهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَنَسٌ قَالَ «أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ ﵇ يُنَادِي رَجُلًا فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ فَمَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ حَتَّى قَامَ الْقَوْمُ وَإِنَّمَا كَانَ يُكَلِّمُهُ فِي أَنْ يَفْرِضَ لَهُ اغْتِنَامًا لِخَلْوَتِهِ بِهِ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَهُوَ يُسَوِّي الْحَصْبَاءَ بِنَعْلَيْهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُسَوِّيَ مَكَانَهُ لِسُجُودٍ أَوْ غَيْرِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ حَتَّى جَاءَهُ رِجَالٌ قَدْ كَانَ وَكَّلَهُمْ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ دَلِيلٌ عَلَى اهْتِبَالِ الْأَئِمَّةِ بِتَسْوِيَتِهَا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَئِمَّةَ مُرَاعَاتُهُ عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ فِعْلِ عُثْمَانَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَدْ رَأَيْت أَمِيرَ الْمَدِينَةِ وَكَّلَ رِجَالًا بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ فَمَنْ وَجَدُوهُ دُونَ الصَّفِّ وَهُوَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَارُوا بِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ إلَى السِّجْنِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنْ قَدْ اسْتَوَتْ الصُّفُوفُ كَانَ انْتِظَارُهُ لِمَجِيءِ الرِّجَالِ لِيُعْلِمُوهُ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ وَهَذَا مِمَّا يَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يَتَرَبَّصَ بَعْدَ الْإِقَامَةِ يَسِيرًا حَتَّى يَعْتَدِلَ النَّاسُ فِي صُفُوفِهِمْ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَقَالَ لِي اسْتَوِ فِي الصَّفِّ ثُمَّ كَبَّرَ أَبَاحَ لَهُ مُكَالَمَتَهُ لَمَّا كَانَ يَنْتَظِرُ الِاسْتِوَاءَ فِي الصُّفُوفِ فَلَمَّا وَجَبَ الْإِحْرَامُ بِاسْتِوَاءِ الصُّفُوفِ أَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّفِّ لِيَأْخُذَ بِحَظِّهِ مِنْ اسْتِوَاءِ الصُّفُوفِ وَتَسْوِيَتِهَا وَكَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدَّرَ أَيَّ مَكَانِهِ فِي الصَّفِّ خَالِيًا وَإِنَّ فِي مَوَاضِعِ النَّاسِ فِي الصَّفِّ مِنْ السَّعَةِ مَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَعَهُمْ ثُمَّ كَبَّرَ عُثْمَانُ لِلصَّلَاةِ بِأَثَرِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ كَمُلَ مَا كَانَ يُؤَخِّرُ التَّكْبِيرَ بِسَبَبِهِ مِنْ اسْتِوَاءِ الصُّفُوفِ. [وَضْعُ الْيَدَيْنِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي الصَّلَاةِ] (ش) : قَوْلُهُ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ يُرِيدُ أَنَّ مِمَّا بَقِيَ مِنْ حِكْمَتِهِمْ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَافْعَلْ مَا شِئْت وَقَدْ تَأَوَّلَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إذَا كُنْت مِمَّنْ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْقَبِيحِ الَّذِي يَسْتَحْيِ النَّاسُ وَأَهْلُ الصَّلَاحِ مِنْهُ فَاصْنَعْ مَا شِئْت أَيْ وَلَا مَانِعَ لَك وَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْأَمْرِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ التَّوْبِيخُ. وَالثَّانِي: إذَا كَانَ مَا تَفْعَلُهُ مِمَّا لَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ فَافْعَلْ مَا شِئْت فَإِنَّهُ لَا يَرْتَدِعُ أَهْلُ الدِّينِ إلَّا مِمَّا يُسْتَحْيَا مِنْهُ وَيَكُونُ قَوْلُهُ فَافْعَلْ مَا شِئْت عَلَى الْإِبَاحَةِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا مَوْضِعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ أُسْنِدَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طُرُقٍ

стр. 280

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ قَالَ أَبُو حَازِمٍ لَا أَعْلَمُ إلَّا أَنَّهُ يُنْمِي ذَلِكَ) . الْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ) . ــ [المنتقى] صِحَاحٍ رَوَاهُ وَائِلُ بْنُ حُجْرٌ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ ثُمَّ الْتَحَفَ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى» وَقَدْ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي النَّافِلَةِ وَالْفَرِيضَةِ وَرَوَى مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ اسْتَحْسَنَهُ وَرَوَى الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ أَصْحَابِنَا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا الِاسْتِحْسَانُ. وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي النَّافِلَةِ وَكَرِهَهُ فِي الْفَرِيضَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الِاعْتِمَادِ وَاَلَّذِي قَالَهُ هُوَ الصَّوَابُ فَإِنَّ وَضْعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى إنَّمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ مِنْ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ أَمْ لَا وَلَيْسَ فِيهِ اعْتِمَادٌ فَيُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ النَّافِلَةِ وَالْفَرِيضَةِ. وَوَجْهُ اسْتِحْسَانِ وَضْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ فِيهِ ضَرْبًا مِنْ الْخُشُوعِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا الْوَضْعَ لَمْ يَمْنَعْهُ مَالِكٌ وَإِنَّمَا مَنَعَ الْوَضْعَ عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِمَادِ وَمَنْ حَمَلَ مَنْعَ مَالِكٍ عَلَى هَذَا الْوَضْعِ اعْتَلَّ بِذَلِكَ لِئَلَّا يَلْحَقَهُ أَهْلُ الْجَهْلِ بِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ الْمُعْتَبَرِ فِي صِحَّتِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ تُوضَعُ الْيَدَانِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَيْسَ لِذَلِكَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَذْهَبُ وَضْعُهُمَا تَحْتَ الصَّدْرِ وَفَوْقَ السُّرَّةِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ السُّنَّةُ وَضْعُهُمَا تَحْتَ السُّرَّةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ مَحْكُومٌ بِأَنَّهُ مِنْ الْعَوْرَةِ فَلَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِوَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى كَالْعَجْزِ وَقَوْلُهُ وَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَالِاسْتِينَاءُ بِالسُّحُورِ سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ الصَّوْمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ قَالَ أَبُو حَازِمٍ لَا أَعْلَمُ إلَّا أَنَّهُ يُنْمِي ذَلِكَ) . (ش) : قَوْلُهُ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى يُرِيدُ أَنْ يَضَعَهَا عَلَى رَسْغِهِ لِأَنَّ يَدَهُ الْيُمْنَى لَا يَضَعُهَا عَلَى كَفِّ يَدِهِ الْيُسْرَى وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُ بِهَا عَلَى الْمِعْصَمِ وَالْكُوعِ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لَا أَعْلَمُ إلَّا أَنَّهُ يُنْمِي ذَلِكَ هَكَذَا تَقَيَّدَ فِي كِتَابِهِ بِالْإِصْلَاحِ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ لَا أَعْلَمُهُ إلَّا أَنَّهُ يُنْمِي ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إسْمَاعِيلُ يُنْمِي ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ يُنَمِّي قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ يُرِيدُ يُنْمِي ذَلِكَ يَرْفَعُ ذَلِكَ وَيُسْنِدُهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ . [الْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ] (ش) : قَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي التَّرْجَمَةِ الْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ وَلَمْ يُدْخِلْ فِي الْبَابِ مَا فِيهِ الْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ عَلَى مَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ هُوَ مِنْ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ثُمَّ أَدْخَلَ فِعْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مُخَالِفًا لِمَا يَعْتَقِدُهُ هُوَ فِي ذَلِكَ وَالْمُرَادُ هَاهُنَا بِالْقُنُوتِ الدُّعَاءُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا أَرَادَ دُعَاءً مَعْرُوفًا فِي مَكَان مِنْ الصَّلَاةِ مَعْرُوفٍ وَيُسَمَّى ذَلِكَ الدُّعَاءُ قُنُوتًا قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ قَنَتَ الرَّجُلُ أَخَذَ فِي الدُّعَاءِ وَالْقُنُوتُ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ الْقُنُوتُ الطَّاعَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦] يَعْنِي مُطِيعِينَ وَالْقُنُوتُ الْقِيَامُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الصَّلَوَاتِ أَفْضَلُ فَقَالَ طُولُ الْقُنُوتِ» مَعْنَاهُ طُولُ الْقِيَامِ قَالَ وَالْقُنُوتُ السُّكُوتُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وَالْقُنُوتُ الْأَخْذُ فِي الدُّعَاءِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَنَرَى قُنُوتُ الْوِتْرِ سُمِّيَ قُنُوتًا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَائِمٌ فِي الدُّعَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْرَأَ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَيَحْتَمِلُ

стр. 281

النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ وَالْإِنْسَانُ يُرِيدُ حَاجَتَهُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأَرْقَمِ كَانَ يَؤُمُّ أَصْحَابَهُ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ يَوْمًا فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلْيَبْدَأْ بِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ» ) ــ [المنتقى] عِنْدِي أَنْ يُسَمَّى قُنُوتًا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: يُسَمَّى قُنُوتًا بِمَعْنَى الطَّاعَةِ لِلَّهِ تَعَالَى بِاتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَيُسَمَّى قُنُوتًا بِمَعْنَى الدُّعَاءِ وَيُسَمَّى قُنُوتًا بِاسْمِ الْقِيَامِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ وَيُسَمَّى قُنُوتًا بِالسُّكُوتِ لِأَنَّ الْقَانِتَ يَسْكُتُ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي مَحَلِّهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقُنُوتِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ الْقُنُوتَ مَشْرُوعٌ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَأَنَّهُ مِنْ فَضَائِلِ الصُّبْحِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ لَا يَقْنُتُ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا رُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ الْقُنُوتِ فَقَالَ إنَّهُ كَانَ الْقُنُوتُ قُلْت قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَ قَبْلَهُ قَالَ فَإِنَّ فُلَانًا أَخْبَرَنِي عَنْك أَنَّك قُلْت بَعْدَ الرُّكُوعِ فَقَالَ كَذَبَ إنَّمَا «قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا أَرَاهُ كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمْ الْقُرَّاءُ زُهَاءَ سَبْعِينَ رَجُلًا إلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَأُصِيبُوا دُونَ أُولَئِكَ وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ» . (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْقُنُوتُ عِنْدَ مَالِكٍ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَفْضَلُ وَاخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ الْقُنُوتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ خَبَرُ أَنَسٍ الْمَذْكُورُ وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْلَى لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِدْرَاكِ صَلَاةِ بَعْضِ مَنْ يَأْتِي مِمَّنْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ وَإِذَا جُعِلَ بَعْدَ الرُّكُوعِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ فِي الْقُنُوتِ دُعَاءٌ مُوَقَّتٌ وَلْيَدْعُ فِي الْقُنُوتِ بِمَا شَاءَ مِنْ حَوَائِجِهِ رَوَاهُ عَلِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَيَخْتَصُّ عِنْدَ مَالِكٍ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ زَادَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ وَفِي الْوِتْرِ مِنْ النِّصْفِ الْآخَرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ الْمَنْعَ مِنْهُ فِي رَمَضَانَ. [النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ وَالْإِنْسَانُ يُرِيدُ حَاجَتَهُ] (ش) : قَوْلُهُ فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ يُرَادُ بِهَا مَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إلَيْهِ مِنْ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْحَاجَةِ وَاقِعًا عَلَى كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إلَّا أَنَّ عُرْفَ اللُّغَةِ جَرَى بِاسْتِعْمَالِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِيمَا ذَكَرْنَا يُقَالُ ذَهَبَ فُلَانٌ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ أَيْ أَتَى الْغَائِطَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلْيَبْدَأْ بِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِيَتَفَرَّغَ لَهَا وَيَخْلُو سِرُّهُ لِلْإِقْبَالِ عَلَيْهَا فَإِنْ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ يَجِدُ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى إتْيَانِ الْغَائِطِ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ الَّذِي لَا يَشْغَلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ وَيُعْجِلُهُ عَنْهَا وَيَجِدُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشْغَلُهُ وَيُعْجِلُهُ فَإِنْ وَجَدَ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشْغَلُهُ وَيُعْجِلُهُ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ يَنْصَرِفُ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَقْدِيمِ الْغَائِطِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِمَعْنَى التَّفَرُّغِ لَهَا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا إلَّا بِقَطْعِ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنْهَا. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ لَمْ يَنْصَرِفْ وَتَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ وَبِهِ مِنْ الْحَقْنِ مَا يُعْجِلُهُ وَيَشْغَلُهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ قَالَ مَالِكٌ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إنْ فَعَلَ فَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَقْدِيمِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَفِيهِ نَهْيٌ عَنْ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَعْنَى عَنْهُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ اسْتِدَامَتَهُ لِمُدَافِعَةِ الْحَدَثِ عَمَلٌ كَثِيرٌ فِي الصَّلَاةِ شَاغِلٌ عَنْهَا يَمْنَعُ اسْتِدَامَتَهَا فَوَجَبَ أَنْ

стр. 282

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ضَامٌّ بَيْنَ وَرِكَيْهِ) . انْتِظَارُ الصَّلَاةِ وَالْمَشْيُ إلَيْهَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» قَالَ مَالِكٌ لَا أَرَى قَوْلَهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ إلَّا الْحَدَثَ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَزَالُ ــ [المنتقى] يَكُونَ مُفْسِدًا لَهَا كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إلَّا بِاسْتِدَامَةِ ضَمٍّ شَدِيدٍ لِوِرْكَيْهِ وَتَكَلُّفِ إمْسَاكِهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَحْمِلُ فِي الصَّلَاةِ حِمْلًا ثَقِيلًا لَا يَسْتَطِيعُهُ إلَّا بِتَكَلُّفٍ وَعَمَلٍ مُتَتَابِعٍ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ. وَقَدْ رَوَى مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ صَلَّى بِكِيسٍ كَبِيرٍ تَحْتَ إبْطِهِ يَخَافُ أَنْ يَضَعَهُ فِي الْأَرْضِ أَنْ يُخْتَطَفَ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى وَضْعِ كَفَّيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَلَا فِي الْأَرْضِ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي مُمْسِكِ عِنَانِ فَرَسِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ ضَرُورَةَ حِفْظِ الْمَالِ جَوَّزَتْ لَهُ ذَلِكَ كَمَا أَبَاحَتْ لِلْخَائِفِ عَلَى فَرَسِهِ إمْسَاكَهُ وَإِنْ مَنَعَهُ ذَلِكَ مِنْ إتْمَامِ فَرْضِهِ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ فِي سُجُودِهِ وَلَوْ تَرَكَ وَضْعَ يَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ فِي سُجُودِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لَمَا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ وَلَا عَادَ إلَيْهِ أَبَدًا وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْحَامِلُ لِكِيسٍ تَحْتَ إبْطِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا مَخَافَةَ فَكَذَلِكَ الضَّامُّ لِوِرْكَيْهِ لِأَجْلِ ثِقَلِ الْحَقْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّ مَا يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا فَهَذَا يُصَلِّي بِهِ وَلَا يَقْطَعُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ضَامًّا بَيْنَ وَرِكَيْهِ فَهَذَا يَقْطَعُ فَإِنْ تَمَادَى صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَشْغَلَهُ وَيُعْجِلَهُ عَنْ اسْتِيفَائِهَا فَهَذَا يَقْطَعُ فَإِنْ تَمَادَى أَعَادَ أَبَدًا. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقَرْقَرَةُ بِمَنْزِلَةِ الْحَقْنِ وَأَمَّا الْغَثَيَانُ فَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ عِنْدِي لَا تَقْطَعُ لَهُ الصَّلَاةَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقْنِ أَنَّ الْحَقْنَ يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهِ وَأَمَّا الْغَثَيَانُ فَمَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ لَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهِ فَلَا مَعْنَى لِقَطْعِ الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ضَامٌّ بَيْنَ وَرِكَيْهِ) . (ش) : قَوْلُهُ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ضَامٌّ بَيْنَ وَرِكَيْهِ نَهْيٌ عَنْ الصَّلَاةِ فِي حَالِ الْحَقْنِ الَّذِي يَبْلُغُ بِالْمُصَلِّي أَنْ يَضُمَّ وَرِكَيْهِ مِنْ شِدَّةِ حَقْنِهِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ وَلَا يُمْكِنُهُ مِنْ اسْتِيفَائِهَا وَلْيَبْدَأْ أَوَّلًا بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ صَلَاتَهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مَنْ أَصَابَهُ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ خَرَجَ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ كَالرَّاعِفِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَحْمِلُهُ خَجَلُهُ مِنْ الْخُرُوجِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ التَّمَادِي عَلَى صَلَاتِهِ فَإِذَا خَرَجَ عَلَى صِفَةِ الرَّاعِفِ سَهُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَبَادَرَ إلَى الْخُرُوجِ. [انْتِظَارُ الصَّلَاةِ وَالْمَشْيُ إلَيْهَا] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ يُرِيدُ تَدْعُو لَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُنَا إنَّ الصَّلَاةَ تَكُونُ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ وَقَوْلُهُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ يَعْنِي مَوْضِعَ صَلَاتِهِ وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَدْعُو لَهُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ إلَّا أَنْ يُحْدِثَ قَبْلَ صَلَاتِهِ فَيَجِبَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ لِلْوُضُوءِ فَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لِجُلُوسِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ جَالِسًا بَعْدَ صَلَاتِهِ فِيهِ إلَّا أَنَّ جُلُوسَهُ فِيهِ يَكُونُ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا لِلذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَإِمَّا لِانْتِظَارِ صَلَاةٍ أُخْرَى وَهَذَا يَعُودُ إلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ يُبَيِّنُ مَعْنَى الصَّلَاةِ الَّتِي أَضَافَهَا إلَى الْمَلَائِكَةِ وَقَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ مَعْنَى الْحَدَثِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُ ذَلِكَ وَقَالَ الْحَدَثُ فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إلَى أَهْلِهِ إلَّا الصَّلَاةُ» ) .

стр. 283

أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إلَى أَهْلِهِ إلَّا الصَّلَاةُ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ إسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْمَكَارِهِ وكَثْرَةُ الْخُطَى إلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ» ) . ــ [المنتقى] ش قَوْلُهُ ﷺ لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ يُرِيدُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ هُوَ فِي صَلَاةٍ فِي كَثْرَةِ ثَوَابِهِ إذَا نَوَى بِمُقَامِهِ فِي مَوْضِعِهِ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ لَا يَكُونُ لِمُقَامِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ الِانْقِلَابِ إلَى أَهْلِهِ مَعْنًى غَيْرُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ يَكُونُ انْتِظَارُ الصَّلَاةِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْتَظِرَ وَقْتَهَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَنْتَظِرَ إقَامَتَهَا فِي الْجَمَاعَةِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ بِمَوْضِعِهِ يَنْتَظِرُ صَلَاةً أُخْرَى أَتَرَاهُ فِي صَلَاةٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ قَالَ نَعَمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ أَنَّ مَوْلَاهُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ يَقُولُ مَنْ غَدَا أَوْ رَاحَ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ لِيُعَلِّمَهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَجَعَ غَانِمًا) . (ش) : قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَنْ غَدَا أَوْ رَاحَ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ إلَى الْمَسْجِدِ خَاصَّةً لَا يَقْصِدُ غَيْرَهُ فَيَمُرَّ بِالْمَسْجِدِ وَقَوْلُهُ لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ لِيُعَلِّمَهُ تَبْيِينٌ لِمَعْنَى قَصْدِهِ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْخَبَرُ يَشْتَمِلُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَأَدْخَلَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ جُمْلَةِ الْخَيْرِ فَمَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِيَتَعَلَّمَ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ فَهُوَ مِمَّنْ مَشَى إلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ قَالَ إذَا رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَجَعَ غَانِمًا وَلَمْ يَذْكُرْ هَلْ تَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ عَلَّمَهُ وَإِنَّمَا ذَكَرَ قَصْدَهُ إلَى ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ بِقَصْدِهِ قَدْ حَصَلَ لَهُ الْأَجْرُ فَصَارَ إذَا رَجَعَ بِمَا تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي رَجَعَ بِالْغَنِيمَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ شَبَّهَ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِالْغَنِيمَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِلْمُجَاهِدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ مَا رَجَعَ بِهِ مِنْ الْأَجْرِ كَأَجْرِ الْمُجَاهِدِ وَغَنِيمَتِهِ مَا يَعْلَمُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ ثُمَّ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ فَإِنْ قَامَ مِنْ مُصَلَّاهُ فَجَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ لَمْ يَزَلْ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ) . (ش) : قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ ثُمَّ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ فِي مُصَلَّاهُ لِلذِّكْرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِانْتِظَارِ صَلَاةٍ أُخْرَى وَقَوْلُهُ لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ عَلَى نَحْوِ مَا رَوَى عَنْهُ أَبُو الزِّنَادِ مُسْنَدًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنْ قَامَ مِنْ مُصَلَّاهُ فَجَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ لَمْ يَزَلْ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَى نَحْوِ مَا رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ عَنْهُ مُسْنَدًا أَنَّ مَنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ غَيْرَ أَنَّهُ بَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ انْتِظَارَهُ لِلصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَجْلِسٍ فِي صَلَاتِهِ الْأُولَى بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ وَأَنَّ جُلُوسَهُ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ مِمَّا يَقْتَضِي صَلَاةَ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ وَلَعَلَّهُ إنْ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ يَجْتَمِعُ لَهُ الْأَمْرَانِ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا كِنَايَةٌ عَنْ غُفْرَانِهَا وَالْعَفْوِ عَنْهَا وَقَدْ يَكُونُ مَحْوُهَا مِنْ كِتَابِ الْحَفَظَةِ الْكِرَامِ دَلِيلًا عَلَى عَفْوِهِ تَعَالَى عَمَّنْ كُتِبَتْ عَلَيْهِ بِاكْتِسَابِهِ لَهَا وَقَوْلُهُ يَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمَنَازِلَ فِي الْجَنَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْفَعَ دَرَجَتَهُ فِي الدُّنْيَا بِالذِّكْرِ الْجَمِيلِ وَفِي الْآخِرَةِ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ ثُمَّ بَيَّنَ ﷺ الْأَعْمَالَ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا لِلْمُكَلَّفِ مَا ذَكَرَ مِنْ الْفَضِيلَةِ فَقَالَ إسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْمَكَارِهِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ اسْتِيعَابُهُ وَالْمَكَارِهُ عَلَى أَنْوَاعِهِنَّ مِنْ شِدَّةِ بَرْدٍ وَأَلَمِ جِسْمٍ وَقِلَّةِ مَاءٍ وَحَاجَةٍ إلَى النَّوْمِ وَعَجَلَةٍ وَتَحَفُّزٍ إلَى أَمْرٍ مُهِمٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ

стр. 284

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ يُقَالُ لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ إلَّا أَحَدٌ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إلَيْهِ إلَّا مُنَافِقٌ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» ) ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَكَثْرَةُ الْخُطَى إلَى الْمَسَاجِدِ وَهُوَ يَكُونُ بِبُعْدِ الدَّارِ عَنْ الْمَسْجِدِ وَيَكُونُ بِكَثْرَةِ التَّكْرَارِ عَلَيْهِ وَأَمَّا انْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ يَجْلِسَ فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ الَّتِي تَلِيهَا وَهَذَا يَكُونُ فِي صَلَاتَيْنِ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ فَيَنْتَظِرَ بَعْدَهَا الْعَصْرَ أَوْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ فَيَنْتَظِرَ بَعْدَهَا الْعِشَاءَ وَأَمَّا انْتِظَارُ الصُّبْحِ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ يَتَكَرَّرُ فِيهِ الْحَدَثُ وَكَذَلِكَ انْتِظَارُ الظُّهْرِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَأَمَّا انْتِظَارُ الْمَغْرِبِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَلَا أَذْكُرُ الْآنَ فِيهِ نَصًّا وَحُكْمُهُ عِنْدِي حُكْمُ انْتِظَارِ الصُّبْحِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَحُكْمُ انْتِظَارِ الظُّهْرِ بَعْدَ الصُّبْحِ كَاَلَّذِي يَنْتَظِرُ صَلَاةً لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي صَلَّى اشْتِرَاكٌ فِي وَقْتٍ وَاَلَّذِي يَتَقَرَّرُ فِي نَفْسِي أَنِّي قَدْ رَأَيْت رِوَايَةً فِيهِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ وَلَا أَذْكُرُ مَوْضِعَهَا الْآنَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ الرِّبَاطِ الْمُرَغَّبِ فِيهِ لِأَنَّهُ قَدْ رَبَطَ نَفْسَهُ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ وَحَبَسَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﷺ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ التَّفْضِيلَ لِهَذَا الرِّبَاطِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الرِّبَاطِ فِي الثُّغُورِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ يُرِيدُ أَنَّهُ أَفْضَلُ أَنْوَاعِهِ وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْقَائِلُ جِهَادُ النَّفْسِ هُوَ الْجِهَادُ يُرِيدُ أَنَّهُ أَفْضَلُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ الرِّبَاطُ الْمُمْكِنُ الْمُتَيَسِّرُ. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ إنَّ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَصْرِ وَإِنَّمَا تَكَرَّرَ قَوْلُهُ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ عَلَى مَعْنَى التَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَرَّرَ ذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِ ﷺ فِي تَكْرَارِ كَلَامِهِ ثَلَاثًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْلُو فِي ذَلِكَ مِنْ فَائِدَةِ التَّعْظِيمِ وَالْإِفْهَامِ أَوْ غَيْرِهِمَا. (ش) : قَوْلُهُ لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ إخْبَارٌ عَنْ تَعَلُّقِ مَنْعِ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ بِالنِّدَاءِ لِمَا رُوِيَ وَلِأَنَّ النِّدَاءَ دُعَاءٌ إلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَاسْتِجْلَابٌ لِلْمُسْلِمِينَ إلَيْهَا فَمَنْ خَرَجَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ الْمَسْجِدِ فَظَاهِرُهُ قَصْدُ خِلَافِهِمْ وَتَفْرِيقُ جَمَاعَتِهِمْ وَهَذَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إلَّا أَحَدٌ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إلَيْهِ اسْتِثْنَاءٌ لِمَنْ نَزَلَتْ بِهِ ضَرُورَةٌ مِنْ حَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ فَخَرَجَ لِيُزِيلَ الضَّرُورَةَ وَيَرْجِعَ فَيُدْرِكَ الصَّلَاةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ فَإِنْ كَانَتْ الضَّرُورَةُ ظَاهِرَةً كَالرُّعَافِ وَنَحْوِهِ فَفِي ذَلِكَ بَيَانٌ لِحَاجَتِهِ وَإِزَالَةُ اللُّبْسِ فِي أَمْرِهِ وَمَانِعٌ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ ضَرُورَةً بَاطِنَةً فَيُظْهِرُ أَمْرًا يَقُومُ بِهِ عُذْرُهُ مِنْ قَبْضِهِ عَلَى أَنْفِهِ كَهَيْئَةِ الرَّاعِفِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إلَّا مُنَافِقٌ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ الْمُنَافِقِينَ وَقَوْلُهُ لَا يُرِيدُ الرُّجُوعَ إلَيْهِ وَالْإِرَادَةُ مِنْ أَفْعَالِ النَّفْسِ فَلَا يُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا فِيمَنْ لَمْ يُصَلِّ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَأَمَّا مَنْ صَلَّاهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ فَيَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ عِنْدَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ وَأَمَّا إنْ كَانَ صَلَّاهَا فَذًّا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ مَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فَإِذَا أُقِيمَتْ عَلَيْهِ لَزِمَهُ أَنْ يُعِيدَهَا فِي الْجَمَاعَةِ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ لَفْظُهُ لَفْظُ الْأَمْرِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مِنْ الصَّلَوَاتِ غَيْرُ الْخَمْسِ وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ إنَّمَا بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ وَإِنَّمَا تُقْصَدُ لِلصَّلَاةِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ مَا يُبْدَأُ بِهِ فِيهَا مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ فَوَاتَ مَا قُصِدَ لَهُ بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَعْلَمَنَا أَنَّ الْمُنْتَظِرَ لِلصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ وَأَنَّ الْقَاعِدَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ تُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ ثُمَّ يَجْلِسَ فَيَحْصُلَ لَهُ أَحَدُ

стр. 285

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ لَمْ أَرَ صَاحِبَك إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَجْلِسُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ قَالَ أَبُو النَّضْرِ يَعْنِي بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَيَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْلِسَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) . ــ [المنتقى] الْأَمْرَيْنِ أَوْ يَكُونُ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ فَيَحْصُلَانِ لَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالدَّاخِلُ لِلْمَسْجِدِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ يَدْخُلُهُ لِلصَّلَاةِ أَوْ لِغَيْرِ صَلَاةٍ فَإِنْ دَخَلَهُ لِصَلَاةٍ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ وَقَالَ فِيمَنْ أَتَى لِلْمُصَلَّى فِي صَلَاةِ الْعِيدِ يَجْلِسُ وَلَا يَرْكَعُ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيمَنْ أَتَى الْجَامِعَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ يَرْكَعُ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ لَا يَرْكَعُ وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدِ لِأَجْلِ الْمَكَانِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ لِأَجْلِ الْمَكَانِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي الْجَامِعِ لِمَنْ أَتَى الْعِيدَ غَيْرُ مَمْنُوعَةٍ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُصَلًّى مُتَّخَذٌ لِصَلَاةٍ سُنَّ لَهَا الْبُرُوزُ فَلَمْ يُسَنَّ الرُّكُوعُ لِمَنْ دَخَلَهُ كَمُصَلِّي الْجِنَازَةِ. وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْمَنْعَ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ قَدْ لَحِقَهَا التَّغَيُّرُ وَسُنَّ لَهَا الْبُرُوزُ فَلَمْ يُشْرَعْ لِمَنْ جَاءَ الرُّكُوعُ قَبْلَهَا كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ لَا يَرْكَعُ مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِلْعِيدِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَرْكَعَ فِي الْمُصَلَّى مَنْ خَرَجَ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ يَرْكَعُ فِي الْمُصَلَّى مَنْ جَاءَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ وَبَعْدَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَهَذَا حُكْمُ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ فَأَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَأَمَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فَرْضَهُ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ وَقْتِهِ أَنْ يُصَلِّيَ فَرْضَهُ وَلَهُ أَنْ يَرْكَعَ قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَ فِي ضِيقٍ مِنْ وَقْتِ فَرْضِهِ لَزِمَهُ تَقْدِيمُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) وَهَذَا إنْ كَانَ فِي وَقْتِ نَافِلَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ نَافِلَةٍ عَلَى الضَّرُورَةِ كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فَمَرَّةً قَالَ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ رَوَاهُ عَنْهُ أَشْهَبُ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَرْكَعُ. وَوَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّهُ يَرْكَعُ أَنَّ هَذَا وَقْتٌ يُؤْتَى فِيهِ بِالنَّوَافِلِ عَلَى وَجْهٍ مَا فَاسْتُحِبَّ أَنْ يُؤْتَى فِيهِ مِنْ النَّوَافِلِ بِمَا لَهُ سَبَبٌ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا وَقْتٌ مُنِعَ فِيهِ مِنْ النَّوَافِلِ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ فِيهِ مِنْ رَكْعَتَيْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ كَمَا بَعْدَ الْعَصْرِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ الْجُلُوسَ أَوْ الْجَوَازَ فَإِنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ «فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» وَإِنْ أَرَادَ الْجَوَازَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْكَعَ. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ يَرْكَعُ لِدُخُولِهِ الْمَسْجِدَ. وَجْهُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّ الْأَمْرَ إنَّمَا تَوَجَّهَ لِمَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ «فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ لِمَنْ لَا يُرِيدُ الْجُلُوسَ وَأَمَّا الْمَارُّ فَلَمْ يَتَوَجَّهْ إلَيْهِ الْأَمْرُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الدَّاخِلَ لِلْمَسْجِدِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ رَكْعَتَيْ الْمَسْجِدِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ فَإِذَا قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ أَجْزَأَهُ. (فَرْعٌ) وَهَذَا فِي مَسَاجِدِ الْآفَاقِ فَأَمَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَبْدَأُ بِالطَّوَافِ قَبْلَ الرُّكُوعِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهَذَا الْمَسْجِدِ فَلِذَلِكَ ابْتَدَأَ بِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِهِ بَلْ يُشَارِكُهُ فِيهَا سَائِرُ الْمَسَاجِدِ عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ لَا بُدَّ بَعْدَهُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَيَجْتَمِعُ لَهُ الْأَمْرَانِ وَأَمَّا مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَبْدَأُ بِالرُّكُوعِ أَحَبُّ إلَيَّ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ لَمْ أَرَ صَاحِبَك إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَجْلِسُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ قَالَ أَبُو النَّضْرِ يَعْنِي بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَيَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْلِسَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) . (ش) : أَنْكَرَ أَبُو سَلَمَةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ تَرْكَهُ السُّنَّةَ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَعْلَامِ النَّاسِ وَأَشْرَافِهِمْ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ بِالسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ فَتَرَكَهَا فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَوْ يَكُونَ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا فَعَابَ عَلَيْهِ جَهْلَهُ بِمِثْلِ هَذَا مَعَ شُهْرَتِهِ وَتَكَرُّرِ الْعَمَلِ بِهِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ أَبُو سَلَمَةَ إلَّا بِتَكَرُّرِهِ مِنْ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مِرَارًا جَمَّةً
следующие страницы →