← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ وَالْإِنْسَانُ يُرِيدُ حَاجَتَهُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأَرْقَمِ كَانَ يَؤُمُّ أَصْحَابَهُ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ يَوْمًا فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلْيَبْدَأْ بِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ» ) ــ [المنتقى] عِنْدِي أَنْ يُسَمَّى قُنُوتًا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: يُسَمَّى قُنُوتًا بِمَعْنَى الطَّاعَةِ لِلَّهِ تَعَالَى بِاتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَيُسَمَّى قُنُوتًا بِمَعْنَى الدُّعَاءِ وَيُسَمَّى قُنُوتًا بِاسْمِ الْقِيَامِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ وَيُسَمَّى قُنُوتًا بِالسُّكُوتِ لِأَنَّ الْقَانِتَ يَسْكُتُ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي مَحَلِّهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقُنُوتِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ الْقُنُوتَ مَشْرُوعٌ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَأَنَّهُ مِنْ فَضَائِلِ الصُّبْحِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ لَا يَقْنُتُ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا رُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ الْقُنُوتِ فَقَالَ إنَّهُ كَانَ الْقُنُوتُ قُلْت قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَ قَبْلَهُ قَالَ فَإِنَّ فُلَانًا أَخْبَرَنِي عَنْك أَنَّك قُلْت بَعْدَ الرُّكُوعِ فَقَالَ كَذَبَ إنَّمَا «قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا أَرَاهُ كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمْ الْقُرَّاءُ زُهَاءَ سَبْعِينَ رَجُلًا إلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَأُصِيبُوا دُونَ أُولَئِكَ وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ» . (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْقُنُوتُ عِنْدَ مَالِكٍ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَفْضَلُ وَاخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ الْقُنُوتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ خَبَرُ أَنَسٍ الْمَذْكُورُ وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْلَى لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِدْرَاكِ صَلَاةِ بَعْضِ مَنْ يَأْتِي مِمَّنْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ وَإِذَا جُعِلَ بَعْدَ الرُّكُوعِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ فِي الْقُنُوتِ دُعَاءٌ مُوَقَّتٌ وَلْيَدْعُ فِي الْقُنُوتِ بِمَا شَاءَ مِنْ حَوَائِجِهِ رَوَاهُ عَلِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَيَخْتَصُّ عِنْدَ مَالِكٍ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ زَادَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ وَفِي الْوِتْرِ مِنْ النِّصْفِ الْآخَرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ الْمَنْعَ مِنْهُ فِي رَمَضَانَ. [النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ وَالْإِنْسَانُ يُرِيدُ حَاجَتَهُ] (ش) : قَوْلُهُ فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ يُرَادُ بِهَا مَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إلَيْهِ مِنْ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْحَاجَةِ وَاقِعًا عَلَى كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إلَّا أَنَّ عُرْفَ اللُّغَةِ جَرَى بِاسْتِعْمَالِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِيمَا ذَكَرْنَا يُقَالُ ذَهَبَ فُلَانٌ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ أَيْ أَتَى الْغَائِطَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلْيَبْدَأْ بِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِيَتَفَرَّغَ لَهَا وَيَخْلُو سِرُّهُ لِلْإِقْبَالِ عَلَيْهَا فَإِنْ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ يَجِدُ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى إتْيَانِ الْغَائِطِ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ الَّذِي لَا يَشْغَلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ وَيُعْجِلُهُ عَنْهَا وَيَجِدُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشْغَلُهُ وَيُعْجِلُهُ فَإِنْ وَجَدَ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشْغَلُهُ وَيُعْجِلُهُ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ يَنْصَرِفُ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَقْدِيمِ الْغَائِطِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِمَعْنَى التَّفَرُّغِ لَهَا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا إلَّا بِقَطْعِ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنْهَا. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ لَمْ يَنْصَرِفْ وَتَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ وَبِهِ مِنْ الْحَقْنِ مَا يُعْجِلُهُ وَيَشْغَلُهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ قَالَ مَالِكٌ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إنْ فَعَلَ فَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَقْدِيمِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَفِيهِ نَهْيٌ عَنْ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَعْنَى عَنْهُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ اسْتِدَامَتَهُ لِمُدَافِعَةِ الْحَدَثِ عَمَلٌ كَثِيرٌ فِي الصَّلَاةِ شَاغِلٌ عَنْهَا يَمْنَعُ اسْتِدَامَتَهَا فَوَجَبَ أَنْ

стр. 282

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ضَامٌّ بَيْنَ وَرِكَيْهِ) . انْتِظَارُ الصَّلَاةِ وَالْمَشْيُ إلَيْهَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» قَالَ مَالِكٌ لَا أَرَى قَوْلَهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ إلَّا الْحَدَثَ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَزَالُ ــ [المنتقى] يَكُونَ مُفْسِدًا لَهَا كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إلَّا بِاسْتِدَامَةِ ضَمٍّ شَدِيدٍ لِوِرْكَيْهِ وَتَكَلُّفِ إمْسَاكِهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَحْمِلُ فِي الصَّلَاةِ حِمْلًا ثَقِيلًا لَا يَسْتَطِيعُهُ إلَّا بِتَكَلُّفٍ وَعَمَلٍ مُتَتَابِعٍ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ. وَقَدْ رَوَى مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ صَلَّى بِكِيسٍ كَبِيرٍ تَحْتَ إبْطِهِ يَخَافُ أَنْ يَضَعَهُ فِي الْأَرْضِ أَنْ يُخْتَطَفَ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى وَضْعِ كَفَّيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَلَا فِي الْأَرْضِ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي مُمْسِكِ عِنَانِ فَرَسِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ ضَرُورَةَ حِفْظِ الْمَالِ جَوَّزَتْ لَهُ ذَلِكَ كَمَا أَبَاحَتْ لِلْخَائِفِ عَلَى فَرَسِهِ إمْسَاكَهُ وَإِنْ مَنَعَهُ ذَلِكَ مِنْ إتْمَامِ فَرْضِهِ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ فِي سُجُودِهِ وَلَوْ تَرَكَ وَضْعَ يَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ فِي سُجُودِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لَمَا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ وَلَا عَادَ إلَيْهِ أَبَدًا وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْحَامِلُ لِكِيسٍ تَحْتَ إبْطِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا مَخَافَةَ فَكَذَلِكَ الضَّامُّ لِوِرْكَيْهِ لِأَجْلِ ثِقَلِ الْحَقْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّ مَا يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا فَهَذَا يُصَلِّي بِهِ وَلَا يَقْطَعُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ضَامًّا بَيْنَ وَرِكَيْهِ فَهَذَا يَقْطَعُ فَإِنْ تَمَادَى صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَشْغَلَهُ وَيُعْجِلَهُ عَنْ اسْتِيفَائِهَا فَهَذَا يَقْطَعُ فَإِنْ تَمَادَى أَعَادَ أَبَدًا. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقَرْقَرَةُ بِمَنْزِلَةِ الْحَقْنِ وَأَمَّا الْغَثَيَانُ فَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ عِنْدِي لَا تَقْطَعُ لَهُ الصَّلَاةَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقْنِ أَنَّ الْحَقْنَ يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهِ وَأَمَّا الْغَثَيَانُ فَمَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ لَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهِ فَلَا مَعْنَى لِقَطْعِ الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ضَامٌّ بَيْنَ وَرِكَيْهِ) . (ش) : قَوْلُهُ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ضَامٌّ بَيْنَ وَرِكَيْهِ نَهْيٌ عَنْ الصَّلَاةِ فِي حَالِ الْحَقْنِ الَّذِي يَبْلُغُ بِالْمُصَلِّي أَنْ يَضُمَّ وَرِكَيْهِ مِنْ شِدَّةِ حَقْنِهِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ وَلَا يُمْكِنُهُ مِنْ اسْتِيفَائِهَا وَلْيَبْدَأْ أَوَّلًا بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ صَلَاتَهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مَنْ أَصَابَهُ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ خَرَجَ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ كَالرَّاعِفِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَحْمِلُهُ خَجَلُهُ مِنْ الْخُرُوجِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ التَّمَادِي عَلَى صَلَاتِهِ فَإِذَا خَرَجَ عَلَى صِفَةِ الرَّاعِفِ سَهُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَبَادَرَ إلَى الْخُرُوجِ. [انْتِظَارُ الصَّلَاةِ وَالْمَشْيُ إلَيْهَا] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ يُرِيدُ تَدْعُو لَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُنَا إنَّ الصَّلَاةَ تَكُونُ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ وَقَوْلُهُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ يَعْنِي مَوْضِعَ صَلَاتِهِ وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَدْعُو لَهُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ إلَّا أَنْ يُحْدِثَ قَبْلَ صَلَاتِهِ فَيَجِبَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ لِلْوُضُوءِ فَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لِجُلُوسِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ جَالِسًا بَعْدَ صَلَاتِهِ فِيهِ إلَّا أَنَّ جُلُوسَهُ فِيهِ يَكُونُ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا لِلذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَإِمَّا لِانْتِظَارِ صَلَاةٍ أُخْرَى وَهَذَا يَعُودُ إلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ يُبَيِّنُ مَعْنَى الصَّلَاةِ الَّتِي أَضَافَهَا إلَى الْمَلَائِكَةِ وَقَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ مَعْنَى الْحَدَثِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُ ذَلِكَ وَقَالَ الْحَدَثُ فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إلَى أَهْلِهِ إلَّا الصَّلَاةُ» ) .

стр. 283

أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إلَى أَهْلِهِ إلَّا الصَّلَاةُ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ إسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْمَكَارِهِ وكَثْرَةُ الْخُطَى إلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ» ) . ــ [المنتقى] ش قَوْلُهُ ﷺ لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ يُرِيدُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ هُوَ فِي صَلَاةٍ فِي كَثْرَةِ ثَوَابِهِ إذَا نَوَى بِمُقَامِهِ فِي مَوْضِعِهِ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ لَا يَكُونُ لِمُقَامِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ الِانْقِلَابِ إلَى أَهْلِهِ مَعْنًى غَيْرُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ يَكُونُ انْتِظَارُ الصَّلَاةِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْتَظِرَ وَقْتَهَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَنْتَظِرَ إقَامَتَهَا فِي الْجَمَاعَةِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ بِمَوْضِعِهِ يَنْتَظِرُ صَلَاةً أُخْرَى أَتَرَاهُ فِي صَلَاةٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ قَالَ نَعَمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ أَنَّ مَوْلَاهُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ يَقُولُ مَنْ غَدَا أَوْ رَاحَ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ لِيُعَلِّمَهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَجَعَ غَانِمًا) . (ش) : قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَنْ غَدَا أَوْ رَاحَ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ إلَى الْمَسْجِدِ خَاصَّةً لَا يَقْصِدُ غَيْرَهُ فَيَمُرَّ بِالْمَسْجِدِ وَقَوْلُهُ لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ لِيُعَلِّمَهُ تَبْيِينٌ لِمَعْنَى قَصْدِهِ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْخَبَرُ يَشْتَمِلُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَأَدْخَلَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ جُمْلَةِ الْخَيْرِ فَمَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِيَتَعَلَّمَ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ فَهُوَ مِمَّنْ مَشَى إلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ قَالَ إذَا رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَجَعَ غَانِمًا وَلَمْ يَذْكُرْ هَلْ تَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ عَلَّمَهُ وَإِنَّمَا ذَكَرَ قَصْدَهُ إلَى ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ بِقَصْدِهِ قَدْ حَصَلَ لَهُ الْأَجْرُ فَصَارَ إذَا رَجَعَ بِمَا تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي رَجَعَ بِالْغَنِيمَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ شَبَّهَ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِالْغَنِيمَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِلْمُجَاهِدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ مَا رَجَعَ بِهِ مِنْ الْأَجْرِ كَأَجْرِ الْمُجَاهِدِ وَغَنِيمَتِهِ مَا يَعْلَمُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ ثُمَّ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ فَإِنْ قَامَ مِنْ مُصَلَّاهُ فَجَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ لَمْ يَزَلْ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ) . (ش) : قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ ثُمَّ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ فِي مُصَلَّاهُ لِلذِّكْرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِانْتِظَارِ صَلَاةٍ أُخْرَى وَقَوْلُهُ لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ عَلَى نَحْوِ مَا رَوَى عَنْهُ أَبُو الزِّنَادِ مُسْنَدًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنْ قَامَ مِنْ مُصَلَّاهُ فَجَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ لَمْ يَزَلْ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَى نَحْوِ مَا رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ عَنْهُ مُسْنَدًا أَنَّ مَنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ غَيْرَ أَنَّهُ بَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ انْتِظَارَهُ لِلصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَجْلِسٍ فِي صَلَاتِهِ الْأُولَى بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ وَأَنَّ جُلُوسَهُ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ مِمَّا يَقْتَضِي صَلَاةَ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ وَلَعَلَّهُ إنْ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ يَجْتَمِعُ لَهُ الْأَمْرَانِ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا كِنَايَةٌ عَنْ غُفْرَانِهَا وَالْعَفْوِ عَنْهَا وَقَدْ يَكُونُ مَحْوُهَا مِنْ كِتَابِ الْحَفَظَةِ الْكِرَامِ دَلِيلًا عَلَى عَفْوِهِ تَعَالَى عَمَّنْ كُتِبَتْ عَلَيْهِ بِاكْتِسَابِهِ لَهَا وَقَوْلُهُ يَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمَنَازِلَ فِي الْجَنَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْفَعَ دَرَجَتَهُ فِي الدُّنْيَا بِالذِّكْرِ الْجَمِيلِ وَفِي الْآخِرَةِ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ ثُمَّ بَيَّنَ ﷺ الْأَعْمَالَ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا لِلْمُكَلَّفِ مَا ذَكَرَ مِنْ الْفَضِيلَةِ فَقَالَ إسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْمَكَارِهِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ اسْتِيعَابُهُ وَالْمَكَارِهُ عَلَى أَنْوَاعِهِنَّ مِنْ شِدَّةِ بَرْدٍ وَأَلَمِ جِسْمٍ وَقِلَّةِ مَاءٍ وَحَاجَةٍ إلَى النَّوْمِ وَعَجَلَةٍ وَتَحَفُّزٍ إلَى أَمْرٍ مُهِمٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ

стр. 284

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ يُقَالُ لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ إلَّا أَحَدٌ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إلَيْهِ إلَّا مُنَافِقٌ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» ) ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَكَثْرَةُ الْخُطَى إلَى الْمَسَاجِدِ وَهُوَ يَكُونُ بِبُعْدِ الدَّارِ عَنْ الْمَسْجِدِ وَيَكُونُ بِكَثْرَةِ التَّكْرَارِ عَلَيْهِ وَأَمَّا انْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ يَجْلِسَ فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ الَّتِي تَلِيهَا وَهَذَا يَكُونُ فِي صَلَاتَيْنِ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ فَيَنْتَظِرَ بَعْدَهَا الْعَصْرَ أَوْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ فَيَنْتَظِرَ بَعْدَهَا الْعِشَاءَ وَأَمَّا انْتِظَارُ الصُّبْحِ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ يَتَكَرَّرُ فِيهِ الْحَدَثُ وَكَذَلِكَ انْتِظَارُ الظُّهْرِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَأَمَّا انْتِظَارُ الْمَغْرِبِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَلَا أَذْكُرُ الْآنَ فِيهِ نَصًّا وَحُكْمُهُ عِنْدِي حُكْمُ انْتِظَارِ الصُّبْحِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَحُكْمُ انْتِظَارِ الظُّهْرِ بَعْدَ الصُّبْحِ كَاَلَّذِي يَنْتَظِرُ صَلَاةً لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي صَلَّى اشْتِرَاكٌ فِي وَقْتٍ وَاَلَّذِي يَتَقَرَّرُ فِي نَفْسِي أَنِّي قَدْ رَأَيْت رِوَايَةً فِيهِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ وَلَا أَذْكُرُ مَوْضِعَهَا الْآنَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ الرِّبَاطِ الْمُرَغَّبِ فِيهِ لِأَنَّهُ قَدْ رَبَطَ نَفْسَهُ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ وَحَبَسَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﷺ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ التَّفْضِيلَ لِهَذَا الرِّبَاطِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الرِّبَاطِ فِي الثُّغُورِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ يُرِيدُ أَنَّهُ أَفْضَلُ أَنْوَاعِهِ وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْقَائِلُ جِهَادُ النَّفْسِ هُوَ الْجِهَادُ يُرِيدُ أَنَّهُ أَفْضَلُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ الرِّبَاطُ الْمُمْكِنُ الْمُتَيَسِّرُ. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ إنَّ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَصْرِ وَإِنَّمَا تَكَرَّرَ قَوْلُهُ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ عَلَى مَعْنَى التَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَرَّرَ ذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِ ﷺ فِي تَكْرَارِ كَلَامِهِ ثَلَاثًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْلُو فِي ذَلِكَ مِنْ فَائِدَةِ التَّعْظِيمِ وَالْإِفْهَامِ أَوْ غَيْرِهِمَا. (ش) : قَوْلُهُ لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ إخْبَارٌ عَنْ تَعَلُّقِ مَنْعِ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ بِالنِّدَاءِ لِمَا رُوِيَ وَلِأَنَّ النِّدَاءَ دُعَاءٌ إلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَاسْتِجْلَابٌ لِلْمُسْلِمِينَ إلَيْهَا فَمَنْ خَرَجَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ الْمَسْجِدِ فَظَاهِرُهُ قَصْدُ خِلَافِهِمْ وَتَفْرِيقُ جَمَاعَتِهِمْ وَهَذَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إلَّا أَحَدٌ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إلَيْهِ اسْتِثْنَاءٌ لِمَنْ نَزَلَتْ بِهِ ضَرُورَةٌ مِنْ حَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ فَخَرَجَ لِيُزِيلَ الضَّرُورَةَ وَيَرْجِعَ فَيُدْرِكَ الصَّلَاةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ فَإِنْ كَانَتْ الضَّرُورَةُ ظَاهِرَةً كَالرُّعَافِ وَنَحْوِهِ فَفِي ذَلِكَ بَيَانٌ لِحَاجَتِهِ وَإِزَالَةُ اللُّبْسِ فِي أَمْرِهِ وَمَانِعٌ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ ضَرُورَةً بَاطِنَةً فَيُظْهِرُ أَمْرًا يَقُومُ بِهِ عُذْرُهُ مِنْ قَبْضِهِ عَلَى أَنْفِهِ كَهَيْئَةِ الرَّاعِفِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إلَّا مُنَافِقٌ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ الْمُنَافِقِينَ وَقَوْلُهُ لَا يُرِيدُ الرُّجُوعَ إلَيْهِ وَالْإِرَادَةُ مِنْ أَفْعَالِ النَّفْسِ فَلَا يُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا فِيمَنْ لَمْ يُصَلِّ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَأَمَّا مَنْ صَلَّاهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ فَيَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ عِنْدَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ وَأَمَّا إنْ كَانَ صَلَّاهَا فَذًّا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ مَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فَإِذَا أُقِيمَتْ عَلَيْهِ لَزِمَهُ أَنْ يُعِيدَهَا فِي الْجَمَاعَةِ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ لَفْظُهُ لَفْظُ الْأَمْرِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مِنْ الصَّلَوَاتِ غَيْرُ الْخَمْسِ وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ إنَّمَا بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ وَإِنَّمَا تُقْصَدُ لِلصَّلَاةِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ مَا يُبْدَأُ بِهِ فِيهَا مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ فَوَاتَ مَا قُصِدَ لَهُ بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَعْلَمَنَا أَنَّ الْمُنْتَظِرَ لِلصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ وَأَنَّ الْقَاعِدَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ تُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ ثُمَّ يَجْلِسَ فَيَحْصُلَ لَهُ أَحَدُ

стр. 285

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ لَمْ أَرَ صَاحِبَك إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَجْلِسُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ قَالَ أَبُو النَّضْرِ يَعْنِي بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَيَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْلِسَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) . ــ [المنتقى] الْأَمْرَيْنِ أَوْ يَكُونُ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ فَيَحْصُلَانِ لَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالدَّاخِلُ لِلْمَسْجِدِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ يَدْخُلُهُ لِلصَّلَاةِ أَوْ لِغَيْرِ صَلَاةٍ فَإِنْ دَخَلَهُ لِصَلَاةٍ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ وَقَالَ فِيمَنْ أَتَى لِلْمُصَلَّى فِي صَلَاةِ الْعِيدِ يَجْلِسُ وَلَا يَرْكَعُ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيمَنْ أَتَى الْجَامِعَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ يَرْكَعُ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ لَا يَرْكَعُ وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدِ لِأَجْلِ الْمَكَانِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ لِأَجْلِ الْمَكَانِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي الْجَامِعِ لِمَنْ أَتَى الْعِيدَ غَيْرُ مَمْنُوعَةٍ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُصَلًّى مُتَّخَذٌ لِصَلَاةٍ سُنَّ لَهَا الْبُرُوزُ فَلَمْ يُسَنَّ الرُّكُوعُ لِمَنْ دَخَلَهُ كَمُصَلِّي الْجِنَازَةِ. وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْمَنْعَ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ قَدْ لَحِقَهَا التَّغَيُّرُ وَسُنَّ لَهَا الْبُرُوزُ فَلَمْ يُشْرَعْ لِمَنْ جَاءَ الرُّكُوعُ قَبْلَهَا كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ لَا يَرْكَعُ مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِلْعِيدِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَرْكَعَ فِي الْمُصَلَّى مَنْ خَرَجَ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ يَرْكَعُ فِي الْمُصَلَّى مَنْ جَاءَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ وَبَعْدَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَهَذَا حُكْمُ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ فَأَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَأَمَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فَرْضَهُ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ وَقْتِهِ أَنْ يُصَلِّيَ فَرْضَهُ وَلَهُ أَنْ يَرْكَعَ قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَ فِي ضِيقٍ مِنْ وَقْتِ فَرْضِهِ لَزِمَهُ تَقْدِيمُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) وَهَذَا إنْ كَانَ فِي وَقْتِ نَافِلَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ نَافِلَةٍ عَلَى الضَّرُورَةِ كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فَمَرَّةً قَالَ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ رَوَاهُ عَنْهُ أَشْهَبُ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَرْكَعُ. وَوَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّهُ يَرْكَعُ أَنَّ هَذَا وَقْتٌ يُؤْتَى فِيهِ بِالنَّوَافِلِ عَلَى وَجْهٍ مَا فَاسْتُحِبَّ أَنْ يُؤْتَى فِيهِ مِنْ النَّوَافِلِ بِمَا لَهُ سَبَبٌ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا وَقْتٌ مُنِعَ فِيهِ مِنْ النَّوَافِلِ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ فِيهِ مِنْ رَكْعَتَيْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ كَمَا بَعْدَ الْعَصْرِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ الْجُلُوسَ أَوْ الْجَوَازَ فَإِنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ «فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» وَإِنْ أَرَادَ الْجَوَازَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْكَعَ. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ يَرْكَعُ لِدُخُولِهِ الْمَسْجِدَ. وَجْهُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّ الْأَمْرَ إنَّمَا تَوَجَّهَ لِمَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ «فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ لِمَنْ لَا يُرِيدُ الْجُلُوسَ وَأَمَّا الْمَارُّ فَلَمْ يَتَوَجَّهْ إلَيْهِ الْأَمْرُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الدَّاخِلَ لِلْمَسْجِدِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ رَكْعَتَيْ الْمَسْجِدِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ فَإِذَا قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ أَجْزَأَهُ. (فَرْعٌ) وَهَذَا فِي مَسَاجِدِ الْآفَاقِ فَأَمَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَبْدَأُ بِالطَّوَافِ قَبْلَ الرُّكُوعِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهَذَا الْمَسْجِدِ فَلِذَلِكَ ابْتَدَأَ بِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِهِ بَلْ يُشَارِكُهُ فِيهَا سَائِرُ الْمَسَاجِدِ عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ لَا بُدَّ بَعْدَهُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَيَجْتَمِعُ لَهُ الْأَمْرَانِ وَأَمَّا مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَبْدَأُ بِالرُّكُوعِ أَحَبُّ إلَيَّ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ لَمْ أَرَ صَاحِبَك إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَجْلِسُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ قَالَ أَبُو النَّضْرِ يَعْنِي بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَيَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْلِسَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) . (ش) : أَنْكَرَ أَبُو سَلَمَةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ تَرْكَهُ السُّنَّةَ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَعْلَامِ النَّاسِ وَأَشْرَافِهِمْ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ بِالسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ فَتَرَكَهَا فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَوْ يَكُونَ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا فَعَابَ عَلَيْهِ جَهْلَهُ بِمِثْلِ هَذَا مَعَ شُهْرَتِهِ وَتَكَرُّرِ الْعَمَلِ بِهِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ أَبُو سَلَمَةَ إلَّا بِتَكَرُّرِهِ مِنْ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مِرَارًا جَمَّةً

стр. 286

وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الْوَجْهُ فِي السُّجُودِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا سَجَدَ وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى الَّذِي يَضَعُ عَلَيْهِ جَبْهَتَهُ قَالَ نَافِعٌ وَلَقَدْ رَأَيْته فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْبَرْدِ وَإِنَّهُ لَيُخْرِجُ كَفَّيْهِ مِنْ تَحْتِ بُرْنُسٍ لَهُ حَتَّى يَضَعَهُمَا عَلَى الْحَصْبَاءِ) . ــ [المنتقى] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي جَمِيعِهَا مَانِعٌ مِنْ حَدَثٍ أَوْ قِيَامِهِ إلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ جُلُوسِهِ دُونَ تَجْدِيدِ طَهَارَةٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ وَذَلِكَ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ يُرِيدُ أَنَّ الرُّكُوعَ حِينَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَعَلَى ذَلِكَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَذَهَبَ دَاوُد إلَى وُجُوبِ ذَلِكَ، الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ «قَوْلُهُ ﵇ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ فَقَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» . [وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الْوَجْهُ فِي السُّجُودِ] (ش) : قَوْلُهُ إذَا سَجَدَ وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى الَّذِي يَضَعُ عَلَيْهِ وَجْهَهُ هُوَ السُّنَّةُ وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ لِأَنَّ الْيَدَيْنِ مِمَّا تُرْفَعُ وَتُوضَعُ فِي السُّجُودِ كَالْوَجْهِ وَبِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمَا حُكْمَ الْوَجْهِ فِيمَا يُوضَعَانِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ الْأَصَابِعُ يَعْنِي غِشَاءً مُتَّخَذًا لِلْأَصَابِعِ مِنْ الْجِلْدِ فَلَا يُصَلِّي بِهَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَصَابِعَ مِنْ الْيَدِ فَلَزِمَ أَنْ يُبَاشِرَ بِهَا مَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ فِي السُّجُودِ وَكَانَتْ الْأَصَابِعُ فِي يَدَيْهِ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَأَمَّا الْجَبْهَةُ وَالْأَنْفُ فَهُمَا كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ وَالْأَنْفُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ تَبَعٌ لِلْجَبْهَةِ فَإِنْ سَجَدَ عَلَى الْجَبْهَةِ دُونَ الْأَنْفِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ سَجَدَ عَلَى الْأَنْفِ دُونَ الْجَبْهَةِ لَمْ يُجْزِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هُمَا سَوَاءٌ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ عَلَيْهِمَا لَمْ يُجْزِهِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْأَنْفَ لَيْسَ مَعَ الْجَبْهَةِ عَظْمًا وَاحِدًا وَإِنَّمَا هُوَ مُضَافٌ إلَى الْوَجْهِ وَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ فِيهِ مُوضِحَةٌ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ مَعَ الْوَجْهِ عَلَى مَعْنَى التَّبَعِ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ مَا رَوَى عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلَا أَكُفَّ الشَّعْرَ وَلَا الثِّيَابَ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ وَالْيَدَانِ وَالرُّكْبَتَانِ وَالْقَدَمَانِ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُبَاشِرَ بِجَبْهَتِهِ الْأَرْضَ فِي السُّجُودِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنْ سَجَدَ عَلَى الْعِمَامَةِ أَجْزَأَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَتْ الْعِمَامَةُ طَاقًا أَوْ طَاقَيْنِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ كَانَتْ كَثِيفَةً اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ وَاسْتُحِبَّ لِلْمُومِئِ أَنْ يَحْسُرَ الْعِمَامَةَ عَنْ جَبْهَتِهِ إذَا أَوْمَأَ لِلسُّجُودِ لِيَكُونَ عَلَى هَيْئَةِ السُّجُودِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الرُّكْبَتَانِ وَالْقَدَمَانِ فَلَيْسَ مِنْ سُنَّتِهِمَا مُبَاشَرَةُ الْأَرْضِ بِهِمَا فِي السُّجُودِ لِأَنَّهُمَا لَا يُرْفَعَانِ وَيُوضَعَانِ فِي السُّجُودِ وَلِأَنَّهُمَا مَسْتُورَتَانِ فِي الْغَالِبِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ وَلَا أَكُفَّ الشَّعْرَ وَلَا الثِّيَابَ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَقَدْ رَأَيْته فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْبَرْدِ وَأَنَّهُ لَيُخْرِجُ كَفَّيْهِ مِنْ تَحْتِ بُرْنُسٍ لَهُ حَتَّى يَضَعَهُمَا عَلَى الْحَصْبَاءِ إخْبَارٌ عَنْ تَشَدُّدِهِ ﵁ وَأَخْذِهِ بِالْأَفْضَلِ عَلَى شِدَّةِ الْبَرْدِ وَلَوْ تَوَقَّى الْبَرْدَ بِفَضْلِ ثَوْبِهِ لَأَجْزَأَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنْ الْأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ» . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ مَنْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ بِالْأَرْضِ فَلْيَضَعْ كَفَّيْهِ عَلَى الَّذِي يَضَعُ عَلَيْهِ جَبْهَتَهُ ثُمَّ إذَا رَفَعَ فَلْيَرْفَعْهُمَا فَإِنَّ الْيَدَيْنِ يَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ) . (ش) : قَوْلُهُ إذَا وَضَعَ جَبْهَتَهُ بِالْأَرْضِ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ وَإِذَا رَفَعَ فَلْيَرْفَعْهُمَا أَنَّ حُكْمَ الْيَدَيْنِ فِي السُّجُودِ فِي الْوَضْعِ وَالرَّفْعِ حُكْمُ الْوَجْهِ وَلَا يُشَارِكُهُمَا فِي الْوَضْعِ وَالرَّفْعِ سَائِرُ الْأَعْضَاءِ فَمَنْ كَانَتْ جَبْهَتُهُ أَوْ يَدَاهُ بِالْأَرْضِ لِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي لَمْ يُجْزِهِ سُجُودُهُ إلَّا بَعْدَ

стр. 287

الِالْتِفَاتُ وَالتَّصْفِيقُ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ وَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالَ أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمُ قَالَ نَعَمْ فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ مِنْ التَّصْفِيقِ الْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ اُمْكُثْ مَكَانَك فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَك أَنْ تَثْبُتَ إذْ أَمَرْتُك فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَالِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ مِنْ التَّصْفِيقِ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إذَا سَبَّحَ اُلْتُفِتَ إلَيْهِ وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» ) ــ [المنتقى] رَفْعِهَا وَوَضْعِهَا لِلسُّجُودِ ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ رَفْعِهَا عِنْدَ كَمَالِ السُّجُودِ بِخِلَافِ الرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ فَإِنَّهُمَا يُجْتَزَأُ فِيهِمَا بِكَوْنِهِمَا فِي الْأَرْضِ وَلَا يُشْتَرَطُ وَضَعْهُمَا بِالْأَرْضِ لِلسُّجُودِ وَلَا رَفْعُهُمَا بَعْدَ السُّجُودِ عَنْ الْأَرْضِ. [الِالْتِفَاتُ وَالتَّصْفِيقُ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إصْلَاحِ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ بَيْنَ النَّاسِ وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ الْحَاكِمَ قَدْ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ فِيمَا احْتَاجَ إلَى مُشَاهَدَتِهِ مِنْ الْقَضَايَا وَالْأَحْكَامِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَحَانَتْ الصَّلَاةُ وَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ يُرِيدُ بِلَالًا وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَجِيئَهُ إلَى أَبِي بَكْرٍ إنَّمَا كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ وَقْتِهَا وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَلِذَلِكَ آثَرُوا التَّعْجِيلَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ مَعَ ظَنِّهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ فَأُقِيمُ قَالَ نَعَمْ بَيَانٌ أَنَّ الْإِقَامَةَ مُتَّصِلَةٌ بِالصَّلَاةِ وَلِذَلِكَ اسْتَفْهَمَهُ هَلْ يُصَلِّي لِيَكُونَ يُقِيمُ إنْ أَجَابَهُ إلَى الصَّلَاةِ أَوْ يَتْرُكُ الْإِقَامَةَ إنْ لَمْ يُجِبْهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ فِي الْأَذَانِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ بِالصَّلَاةِ وَلِذَلِكَ رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ «كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ إذَا دَحَضَتْ الشَّمْسُ فَلَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِذَا خَرَجَ أَقَامَ الصَّلَاةَ حِينَ يَرَاهُ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ يُرِيدُ أَنَّهُ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ وَدَخَلَ فِيهَا إثْرَ الْإِقَامَةِ وَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَاوَزَ الصُّفُوفَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ لِأَنَّهُ لَوْ يَشُقُّ مِنْ الصُّفُوفِ مَا قَبْلَهُ لَمْ يَقُلْ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ إلَّا بِمَا يُوصَفُ أَنَّهُ تَخَلَّصَ مِنْهُ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الصَّفِّ لِلْعَهْدِ يُرِيدُ الصَّفَّ الْأَفْضَلَ وَهَذَا أَصْلٌ فِيمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ النَّاسَ يُصَلُّونَ فَرَأَى فُرْجَةً فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ أَنَّهُ يَشُقُّ الصُّفُوفَ إلَيْهَا رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَخْرِقَ صَفًّا إلَى فُرْجَةٍ يَرَاهَا بِصَفٍّ آخَرَ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا رَأَى فُرْجَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا صَفَّانِ فَإِنْ كَانَتْ وِجَاهَهُ فَلْيَنْهَضْ إلَيْهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَإِنْ كَانَتْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ فَلْيَدَعْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا مَمْنُوعِينَ مِنْ الْكَلَامِ وَرَأَوْا مَا اسْتَعْظَمُوهُ وَكَبُرَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ أَرَادُوا إعْلَامَهُ فَرَامُوا ذَلِكَ بِالتَّصْفِيقِ

стр. 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ مُقْبِلًا عَلَيْهَا مُشْتَغِلًا بِهَا لَا يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ وَلَا عَنْ شِمَالِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ بَصَرُهُ فِي قِبْلَتِهِ وَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ فَعَلَ ذَلِكَ وَدَاوَمَ عَلَيْهِ حَتَّى وُصِفَ بِهِ وَعُرِفَ مِنْ حَالِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ «الْتِفَاتِ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بَصَرُهُ فِي قِبْلَتِهِ حَيْثُ وَجْهُهُ» . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَلَغَنِي أَنَّهُ يَضَعُ بَصَرَهُ أَمَامَ قِبْلَتِهِ وَأَنْكَرَ مَالِكٌ أَنْ يُنَكِّسَ رَأْسَهُ وَلَا يَتَكَلَّفُ رَفْعَ رَأْسِهِ وَلَا خَفْضَهُ وَلَكِنَّ حَالَتَهُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا إذَا اسْتَرْسَلَ وَتَرَكَ الِاشْتِغَالَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ مِنْ التَّصْفِيقِ يُرِيدُ صَفَّقَ مِنْهُمْ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ أَكْثَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ التَّصْفِيقَ فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ لِيَنْظُرَ مَا أَوْجَبَ كَثْرَةَ تَصْفِيقِهِمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ الْتَفَتَ فِي صَلَاتِهِ لَمْ يَقْطَعْهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ مَنْ الْتَفَتَ بِجَمِيعِ جَسَدِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ الْمَنْعِ وَالْكَرَاهِيَةِ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ سَبَبٍ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَأَمَّا النَّظَرُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَمْنُوعٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْحَظُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلِمَ أَنَّ التَّصْفِيقَ كَانَ مِنْ أَجْلِهِ وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى أَنْ يَتَأَخَّرَ إلَى الصَّفِّ أَوْ أَخَذَ فِي ذَلِكَ فَأَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ اُمْكُثْ مَكَانَك وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِي الصَّلَاةِ لِلْعُذْرِ وَالْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ لَا تُبْطِلُهَا وَلَا تَنْقُصُهَا «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ» وَمِنْهُ رَدُّ السَّلَامِ بِالْإِشَارَةِ بِالْيَدِ وَالرَّأْسِ لِأَنَّهُمَا مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْإِشَارَةِ بِهِمَا قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلَا بَأْسَ بِالْمُصَافَحَةِ فِي الصَّلَاةِ وَالْإِشَارَةِ بِرَدِّ السَّلَامِ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُشِيرَ فِي الصَّلَاةِ بِنَعَمْ أَوْ لَا قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَمَّا أَنْ يُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْمَشْيِ وَيُعْطِيَهُ إيَّاهُ فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُخْطِئُ مَوْضِعَهُ فَتَرُدُّ عَلَيْهِ الْإِشَارَةُ حَتَّى يُفْهِمَ وَذَلِكَ شُغْلٌ عَنْ الصَّلَاةِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا إشَارَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَمْكُثَ فَكَأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ إمَامًا. وَالثَّانِي: أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ مَأْمُومًا بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ . وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَقَدْ رُوِيَ مُفَسَّرًا مِنْ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إلَيْكَ، وَرَفْعُ أَبِي بَكْرٍ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ لِلدُّعَاءِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي مَوْضِعِ الدُّعَاءِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَمْدُهُ عَلَى أَنْ لَمْ يَكُنْ أَخْطَأَ فِي تَقَدُّمِهِ بِالنَّاسِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَأْمَنُ فِيهِ وُرُودَ النَّبِيِّ ﷺ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا فَضَّلَهُ بِهِ وَأَهَّلَهُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تَقَدُّمِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَصَلَاتِهِ بِهِ. وَقَدْ رَوَى مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ أُخْبِرَ فِي الصَّلَاةِ بِمَا يَسُرُّهُ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ بِمُصِيبَةٍ فَاسْتَرْجَعَ أَوْ خُبِّرَ بِشَيْءٍ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَوْ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتِ لَا يُعْجِبُنِي وَصَلَاتُهُ مُجْزِئَةٌ قَالَ أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ قَطْعَ الصَّلَاةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ دُخُولًا فِي جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ الْمُؤْتَمِّينَ وَخُرُوجًا

стр. 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] لِلنَّبِيِّ ﷺ عَنْ رُتْبَةِ الْمَأْمُومِ فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي إلَى مَوْضِعِ الْإِمَامَةِ وَفِي ذَلِكَ مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: تَأَخُّرُ أَبِي بَكْرٍ ﵁. وَالثَّانِيَةُ: تَقَدُّمُ النَّبِيِّ ﷺ . فَأَمَّا تَأَخُّرُ الْإِمَامِ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ إتْمَامُ صَلَاتِهِ وَلَزِمَ النَّاسَ الِائْتِمَامُ بِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إبْطَالُ مَا دَخَلَ فِيهِ وَالْتَزَمَهُ وَلَا إبْطَالُ صَلَاةِ مَنْ قَدْ ائْتَمَّ بِهِ. (فَرْعٌ) وَهَلْ يُبْطِلُ ذَلِكَ صَلَاتَهُ وَصَلَاةَ مَنْ خَلْفَهُ أَمْ لَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي إمَامٍ أَحْدَثَ فَاسْتَخْلَفَ ثُمَّ أَتَى فَأَخَّرَ الْمُسْتَخْلَفَ وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ أَنَّ ذَلِكَ مَاضٍ وَاسْتَدَلَّ بِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ تَأَخَّرَ وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَذَلِكَ يُفِيدُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ الْمَانِعِ لَهُ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ إذْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَظْهَرَ بِذَلِكَ الْعِلَّةَ الَّتِي لَهَا تَأَخَّرَ وَهَذَا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَلَوْ قَالَ مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ لَجَازَ الْيَوْمَ أَنْ يَتَأَخَّرَ لِإِمَامٍ يَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا تَأَخُّرُ الْإِمَامِ لِعُذْرٍ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ وَالْأَعْذَارُ عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا مَا يُوجِبُ لِلْإِمَامِ كَوْنَهُ مَأْمُومًا وَذَلِكَ إذَا عَجَزَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَتَأَخَّرُ وَيُقَدِّمُ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ وَيَأْتَمُّ هُوَ بِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَحْدُثَ بِهِ مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ كَالْحَدَثِ وَمَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ أَحَدَ الْمُصَلِّينَ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ وَيَنْصَرِفُ هُوَ لِإِزَالَةِ مَا مَنَعَهُ إتْمَامَ الصَّلَاةِ. [وَفِي الِاسْتِخْلَافِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي حُكْمِ الِاسْتِخْلَافِ وَالْمُسْتَخْلَفِ] ١ وَفِي الِاسْتِخْلَافِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: فِي حُكْمِ الِاسْتِخْلَافِ وَالْمُسْتَخْلَفِ. وَالْبَابُ الثَّانِي: فِي عَمَلِ الْبَابُ الْمُسْتَخْلَفِ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ. وَالْبَابُ الثَّالِثُ: فِي عَمَلِ مَنْ اُسْتُخْلِفَ لِلصَّلَاةِ بِهِمْ. وَالْبَابُ الرَّابِعُ: فِي عَمَلِهِمْ بَعْدَ إتْمَامِ صَلَاةِ الْإِمَامِ. مِنْ حُكْمِ الْإِمَامِ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ مَا يَمْنَعُهُ التَّمَادِي فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُتِمُّ بِالْقَوْمِ الصَّلَاةَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ تَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ فَصَلَّى بِهِمْ بَقِيَّةَ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِم فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا صَلَاةُ جَمَاعَةٍ تُؤَدَّى فَكَانَ مِنْ حُكْمِهَا أَنْ تَسْتَوْعِبَ الْإِمَامَةُ جَمِيعَهَا كَمَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ بَاقِيًا عَلَى إمَامَتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَدَّمَ الْمُحْدِثُ رَجُلًا فَلَمْ يَتَقَدَّمْ حَتَّى تَقَدَّمَ غَيْرُهُ فَصَلَّى بِهِمْ فَقَدْ رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ تُجْزِئُهُمْ صَلَاتُهُمْ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ لَا يَكُونُ إمَامًا إلَّا بَعْدَ أَخْذِهِ فِي الْإِمَامَةِ وَأَخْذِ النَّاسِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَلَمَّا عُدِمَ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَخْلَفِ لَمْ يَكُنْ إمَامًا وَلَمَّا وُجِدَ ذَلِكَ فِي الَّذِي تَقَدَّمَ صَحَّ ائْتِمَامُهُمْ بِهِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ يَكُونُ إمَامًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَوْضِعَ الْإِمَامِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ إلَّا مَنْ أَحْرَمَ وَلَوْ اسْتَخْلَفَ مَنْ لَمْ يُحْرِمْ فَأَحْرَمَ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ بَطَلَتْ صَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ بِمَنْزِلَةِ قَوْمٍ أَحْرَمُوا قَبْلَ إمَامِهِمْ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَقَبْلَ السُّجُودِ فَلَا يَسْتَخْلِفُ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ تِلْكَ الرَّكْعَةَ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ فَإِنْ اسْتَخْلَفَ فَلْيُقَدِّمْ هَذَا مَنْ أَدْرَكَهَا وَيَتَأَخَّرْ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ السُّجُودِ وَالْإِمَامُ لَا يَأْتِي مِنْ الصَّلَاةِ بِمَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمَأْمُومُ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ لِلْإِمَامِ وَهَذَا لَمَّا اُسْتُخْلِفَ قَدْ صَارَ إمَامًا فَلَا يَشْتَغِلُ عَنْ الصَّلَاةِ بِمَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ جُنُبًا وَلَا سَكْرَانَ وَلَا مَجْنُونًا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ إمَامٌ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ

стр. 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بِصِفَةِ مَنْ تَصِحُّ إمَامَتُهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ اُسْتُخْلِفَ أَحَدٌ مِمَّنْ ذَكَرْنَا فَائْتَمُّوا بِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ إذَا كَانَ الْجُنُبُ ذَاكِرًا لِجَنَابَتِهِ وَحُكْمُهُمْ أَنْ يُقَدِّمُوا غَيْرَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ الْإِمَامُ أَحَدًا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ الْإِمَامُ أَحَدًا وَقَدَّمَتْ طَائِفَةٌ رَجُلًا صَلَّتْ بِصَلَاتِهِ وَقَدَّمَتْ طَائِفَةٌ رَجُلًا صَلَّتْ بِصَلَاتِهِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ قَالَهُ سَحْنُونَ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ أَشْهَبُ وَقَدْ أَسَاءَتْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ بِمَنْزِلَةِ جَمَاعَةٍ وَجَدُوا فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً يُصَلُّونَ بِإِمَامٍ فَقَدَّمُوا رَجُلًا مِنْهُمْ وَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ أَوْ مَنْ تَقَدَّمَ إنَّمَا تَلْزَمُ إمَامَتُهُ مَنْ شَرَعَ فِي الِائْتِمَامِ بِهِ دُونَ مَنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي ذَلِكَ وَلَوْ قَدَّمُوا رَجُلًا مِنْهُمْ إلَّا وَاحِدًا مِنْهُمْ صَلَّى فَذَّا فَقَدْ أَسَاءَ وَتُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ وَجَدَ جَمَاعَةً تُصَلِّي بِإِمَامٍ فَصَلَّى فَذًّا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ لَمْ يُقَدِّمْ الْإِمَامُ أَحَدًا فَصَلَّوْا أَفْذَاذًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلُوا أَجْزَأَتْهُمْ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مَنْ ابْتَدَأَ صَلَاةً مَعَ إمَامٍ فَأَتَمَّهَا وَحْدَهُ فَلْيَعُدْ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ عِنْدَهُ صَلَاةً تَصِحُّ مِنْ الْفَذِّ وَالْإِمَامُ الْأَوَّلُ قَدْ زَالَ حُكْمُهُ بِمَا أَحْدَثَ فَصَحَّ أَنْ تَتِمَّ هَذِهِ الصَّلَاةُ عَلَى حُكْمِ الْفَذِّ كَمَا لَوْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِرَكْعَةٍ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْإِمَامِ الَّذِي أَحْدَثَ غَيْرُ مَأْمُومٍ وَاحِدٍ لَكَانَ يَقْضِي فَذًّا. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ لَمَّا لَزِمَهُ حُكْمُ الْإِمَامَةِ بِالدُّخُولِ مَعَ الْإِمَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِالِانْفِرَادِ عَنْ الْإِمَامِ الَّذِي لَمْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ كَمَا لَوْ فَارَقَ الْإِمَامَ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى حُكْمِ الْإِمَامَةِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَدْ قَالَ إنَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِيهَا لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا بِإِمَامٍ يُرِيدُ أَنْ يَؤُمَّ فِي جَمِيعِهَا أَدَاءً وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْفَذِّ فَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَقْضِي مَا فَاتَهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْإِمَامِ تَنْفَضُّ عَنْهُ الْجَمَاعَةُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ رَكْعَةٍ فَقَالَ أَشْهَبُ يُصَلِّي رَكْعَةً وَتُجْزِئُهُ جُمُعَتُهُ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ. وَقَالَ سَحْنُونَ لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ وَلَا تَكُونُ لَهُ جُمُعَةٌ فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ سَحْنُونٍ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَسْأَلَتِنَا وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ أَشْهَبَ تَصِحُّ جُمُعَتُهُ فَالظَّاهِرُ فِي مَسْأَلَتِنَا الْجَوَازُ وَأَلَّا نُفَرِّقَ بَيْنَ انْفِرَادِ الْإِمَامِ وَالْفَذِّ فِي الْجُمُعَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مِنْ الصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ وَأَقَلُّ لِعَمَلِ الْمُسْتَخْلَفِ فِي التَّقَدُّمِ إلَى مَوْضِعِ الْإِمَامِ وَلِذَلِكَ شُرِعَ أَنْ يَلِيَ الْإِمَامَ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ لِيَسْتَخْلِفَ مِنْهُمْ إنْ احْتَاجَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لِيَلِنِي مِنْكُمْ ذَوُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» . (مَسْأَلَةٌ) : وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ بِالْإِشَارَةِ وَيَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ فِي خُرُوجِهِ يُرِي أَنَّ مَا أَصَابَهُ رُعَافٌ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَكَلَّمَ لَمْ يُفْسِدْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَإِنْ أَحْدَثَ رَاكِعًا فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يَرْفَعُ بِهِمْ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ فَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يَرْفَعُ بِهِمْ وَقِيلَ يَسْتَخْلِفُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ لِئَلَّا يَرْفَعُوا بِرَفْعِهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَحْدَثَ خَرَجَ عَنْ الْإِمَامَةِ فَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يَرْفَعُ بِهِمْ لِأَنَّ الرَّفْعَ بِالرُّكُوعِ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْإِمَامِ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الِاسْتِخْلَافِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ لَهُ فِي تَنَاوُلِ الِاسْتِخْلَافِ بِالْإِشَارَةِ وَالنَّظَرِ إلَى مَنْ يَسْتَخْلِفُهُ وَيَتْرُكُ التَّكْبِيرَ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ الصَّلَاةِ وَلِئَلَّا يُتَّبَعَ فِي التَّكْبِيرِ فَيُقْتَدَى بِهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِحَدَثِهِ وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ. وَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ قَالَ يَسْتَخْلِفُ عَلَى حَالَةِ الرُّكُوعِ أَنَّ ذَلِكَ تَوَقُّعٌ مِنْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ مَنْ وَرَاءَهُ فِي رَفْعِهِ رَأْسَهُ فَكَانَ حُكْمُهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي أَحْدَثَ عَلَيْهَا. [الْبَابُ الثَّانِي فِي عَمَلِ الْمُسْتَخْلَفِ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ] ١ ِ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ. فَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ اسْتَخْلَفَهُ بَعْدَ أَنْ قَرَأَ بَعْضَ الْقِرَاءَةِ فَقَدْ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ

стр. 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فِي الْعُتْبِيَّةِ يَقْرَأُ الْمُقَدَّمُ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى إلَيْهِ الْإِمَامُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ اسْتَخْلَفَهُ بَعْدَ تَمَامِ الْقِرَاءَةِ فَلَا يُعِيدُهَا وَيَرْكَعُ وَقَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ أَحْدَثَ رَاكِعًا اسْتَخْلَفَ مَنْ يَدِبُّ رَاكِعًا يُرِيدُ إلَى مَوْضِعِ الْإِمَامِ وَيَرْفَعُ بِهِمْ وَرَوَى مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمُسْتَخْلَفُ فِي الْجُلُوسِ يَدِبُّ جَالِسًا وَفِي الْقِيَامِ يَتَقَدَّمُ قَائِمًا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ مِنْ حُكْمِهِ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِ الْإِمَامِ وَيَتَقَدَّمَ إلَى مَوْضِعِهِ لِيَتِمَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ عَلَى سُنَّتِهِ، وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ تَقَدُّمُهُ لِلْإِمَامَةِ فَرُبَّمَا قَدْ يُعَضِّدُهُ الِاقْتِدَاءُ بِغَيْرِهِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فَيَتَقَدَّمُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي اُسْتُخْلِفَ عَلَيْهَا فَيَتَقَدَّمُ بِهِ فِي إتْمَامِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَعَلَى الْمُسْتَخْلَفِ أَنْ يُتِمَّ بِهِمْ صَلَاةَ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِصَلَاتِهِ فَلَوْ فَاتَهُ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ رَكْعَةٌ ثُمَّ رَكَعَ مَعَهُ الثَّانِيَةَ ثُمَّ أَحْدَثَ فَاسْتَخْلَفَهُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ سُجُودَهُ فَإِنَّهُ يُتِمُّ بِهِمْ تِلْكَ الرَّكْعَةَ وَيَجْلِسُ لِأَنَّهَا ثَانِيَةُ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُصَلِّيهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا مَعَ الْإِمَامِ فَإِذَا أَكْمَلَ صَلَاةَ الْإِمَامِ أَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُنَبِّهَهُمْ عَلَى انْتِظَارِهِ لِئَلَّا يَتْبَعُوهُ فِيمَا يَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ الْقَضَاءِ فَإِذَا أَتَمَّ مَا فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ سَلَّمَ بِهِمْ. (فَرْعٌ) وَلَوْ صَلَّى رَجُلٌ وَحْدَهُ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ ثُمَّ دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ فَرَكَعَ مَعَهُ ثُمَّ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فَاسْتَخْلَفَهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يُتِمُّ رَكْعَتَهُ وَيَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْضِي الْأَوَّلُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ حُكْمُ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ حَتَّى يَبْلُغَ مَحَلَّ السَّلَامِ ثُمَّ يَقُومَ فَيَقْضِيَ مَا فَاتَهُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ يُسَلِّمَ فَتَتِمَّ صَلَاتُهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا أَحْدَثَ إمَامُهُمْ فَخَرَجَ وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ وَصَلَّوْا أَفْذَاذًا فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إنَّمَا يَبْنِي عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ مَنْ فَاتَهُ مِنْهُمْ بَعْضُ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَمَنْ لَمْ يَفُتْ. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي عَمَلِ مَنْ اُسْتُخْلِفَ لِلصَّلَاةِ] وَحُكْمُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَتْبَعُ الْمُسْتَخْلَفَ فِيمَا يَبْنِي عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَخْلِفُ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ ابْتِدَاءَ رَكْعَةٍ أَوْ لَمْ يُدْرِكْهَا مَعَهُ فَإِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ الرَّكْعَةَ وَكَانَتْ أَوَّلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَإِنَّ صَلَاتَهُمْ بَاقِيَةٌ عَلَى سُنَّتِهَا لَا يَلْحَقُهَا تَغْيِيرٌ وَلَوْ فَاتَهُ رَكْعَةٌ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ ثُمَّ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ الثَّانِيَةَ فَإِنَّهُ يُتِمُّ بِهِمْ صَلَاةَ الْإِمَامِ حَتَّى يَبْلُغَ مَحَلَّ السَّلَامِ فَإِذَا بَلَغَهُ أَشَارَ إلَيْهِمْ فَقَامَ فَقَضَى مَا فَاتَهُ مِنْ أَوَّلِ صَلَاةِ الْإِمَامِ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ قَدْ فَاتَتْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونَ فِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ يَقُومُ الْمُسْتَخْلَفُ وَحْدَهُ لِلْقَضَاءِ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيُسَلِّمُ مَعَهُ مَنْ كَمُلَتْ صَلَاتُهُ وَيَقُومُ مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْهَا فَيَقْضِيهِ بَعْدَ سَلَامِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إذَا قَامَ يَقْضِي قَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُونَ بِسَلَامِهِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا فَاتَهُمْ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَيْهِمْ قَضَاؤُهُ وَالْقَضَاءُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا أَتَمَّ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ فَإِنَّ مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ صَلَاتِهِ لَا يَقْضِي إلَّا بَعْدَ سَلَامِهِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ تَأْخِيرَ السَّلَامِ لِقَضَاءِ الْمُسْتَخْلَفِ مُدَّةً لَا عَمَلَ عَلَى الْمَأْمُومِ فِيهَا غَيْرَ انْتِظَارِ تَمَامِهِ فَجَازَ أَنْ يُتِمُّوا فِيهَا صَلَاتَهُمْ كَالطَّائِفَةِ الْأُولَى فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ تُتِمُّ صَلَاتَهَا فِي مُدَّةٍ يَنْتَظِرُ فِيهَا الْإِمَامُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ. وَقَدْ قَالَ سَحْنُونَ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي الْمُسْتَخْلَفِ يُتِمُّ صَلَاةَ الْإِمَامِ ثُمَّ قَامَ يَقْضِي لِنَفْسِهِ فَضَحِكَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ الْقَوْمُ احْتِيَاطًا وَكَأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهُ وَهَذَا عِنْدِي يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ أَتَمَّ مَعَهُ صَلَاةَ الْإِمَامِ قَدْ خَرَجُوا عَنْ حُكْمِ إمَامَتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُومُوا وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُمْ فِي حُكْمِ إمَامَتِهِ لَزِمَتْهُمْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ إذَا أَفْسَدَهَا بِضَحِكٍ أَوْ غَيْرِهِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّ الْمَأْمُومَ يَقْضِي مَا فَاتَهُ قَبْلَ سَلَامِ الْمُسْتَخْلَفِ فَقَدْ حَكَى سَحْنُونَ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا إنْ ائْتَمَّ بِالْمُسْتَخْلَفِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ تُجْزِئُهُ قَالَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ يُعِيدُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ ائْتَمَّ بِهِ فِيمَا مِنْ حُكْمِهِ أَنْ يُصَلِّيَهُ فَذًّا كَمَا لَوْ

стр. 292

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ مَالِكٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِي أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ أُصَلِّي وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَرَائِي وَلَا أَشْعُرُ بِهِ فَالْتَفَتُّ فَغَمَزَنِي) . ــ [المنتقى] سَلَّمَ الْإِمَامُ وَقَامَ لِلْقَضَاءِ مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ صَلَاتِهِ، فَائْتَمَّ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَإِنَّهُ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يُنَافِي حُكْمَ الْجَمْعِ وَالِائْتِمَامِ وَلِذَلِكَ لَا يَأْتَمُّ الْقَاضِي فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا لَا تَتِمُّ إلَّا فِي جَمَاعَةٍ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ لَا يُتِمَّ صَلَاةً مَعَ إمَامٍ إلَّا مَنْ ابْتَدَأَهَا مَعَهُ وَلِذَلِكَ مَنْ ابْتَدَأَ صَلَاتَهُ فَذًّا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُتِمَّهَا مَعَ الْإِمَامِ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَا نَقَصَ مِنْ الصَّلَاةِ لَهُ حُكْمُ الِائْتِمَامِ بِالْإِمَامِ الْأَوَّلِ فَجَازَ أَنْ يَقْتَدِيَ فِيهِ بِالْمُسْتَخْلَفِ أَصْلُ ذَلِكَ الْبِنَاءُ. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِي عَمَلِهِمْ بَعْدَ إتْمَامِ صَلَاةِ الْإِمَامِ] ١ وَإِذَا اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ وَلَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ وَقَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْهَا سَجْدَةٌ وَتَمَادَى الْمُسْتَخْلَفُ عَلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَتْبَعُوهُ فِي سَجْدَتِهَا لِأَنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ وَلَا يَعْتَدُّونَ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ فَإِنْ اتَّبَعُوهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ رَوَاهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَقَدْ قِيلَ تُجْزِئُهُمْ إنْ سَجَدُوهَا مَعَهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ تِلْكَ السَّجْدَةَ نَافِلَةٌ لِلْمُسْتَخْلَفِ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِهَا وَإِنَّمَا يَأْتِي بِهَا اتِّبَاعًا لِصَلَاةِ الْإِمَامِ فَمَنْ اتَّبَعَهُ فِيهَا لَمْ يَقْضِ بِهَا فَرْضَهُ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي فَرْضَهُ بِاتِّبَاعِ إمَامٍ مُتَنَفِّلٍ وَإِذَا لَمْ يَجْزِهِ فِي صَلَاتِهِ وَجَبَ أَنْ تَبْطُلَ صَلَاتُهُ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ إنَّمَا يَأْتِي بِهَذِهِ السَّجْدَةِ نِيَابَةً عَنْ الْإِمَامِ وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَتْبَعَهُ فِيهَا الْمَأْمُومُ لَمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهَا لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي فِعْلِهَا إلَّا اتِّبَاعَ الْمَأْمُومِ لَهُ فِيهَا فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يَلْزَمُ الْإِمَامَ فِعْلُهَا اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يُجْزِئَ الْإِمَامَ اتِّبَاعُهُ فِيهَا وَلَا يُقَالُ إنَّهَا نَافِلَةٌ لِلْمُسْتَخْلَفِ بَلْ هِيَ فَرْضُهُ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ عَنْ الْإِمَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مَالِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ مِنْ التَّصْفِيقِ إنْكَارٌ لِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ عَلَّقَ حُكْمَ الْإِنْكَارِ بِالْإِكْثَارِ وَالْمُرَادُ إنْكَارُ جَمِيعِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْإِنْكَارُ لِلْإِكْثَارِ مِنْهُ أَكْثَرَ قَصَدَ إلَيْهِ وَعَلَّقَ الْإِنْكَارَ بِهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ هَذَا عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَإِنَّ مَنْ تَقَعُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَعْقِلُ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ هَذَا حُكْمُ الرِّجَالِ فَأَمَّا النِّسَاءُ فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ حُكْمَ النِّسَاءِ التَّسْبِيحُ كَالرِّجَالِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ حُكْمَ النِّسَاءِ إذَا نَابَهُنَّ شَيْءٌ التَّصْفِيقُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ» فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّ هَذَا الْخَبَرَ إنَّمَا وَرَدَ بِسَبَبِ الْقَوْمِ الَّذِينَ صَفَّقُوا خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَيَجِبُ أَنْ يُقْصَرَ عَلَيْهِمْ. فَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ فَلَا يُقْصَرُ عَلَى سَبَبِهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُقْصَرْ حُكْمُ الظِّهَارِ عَلَى سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ وَلَا آيَةُ اللِّعَانِ عَلَى هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» لَيْسَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُهُنَّ وَلَكِنْ عَلَى مَعْنَى الْعَيْبِ لِلْفِعْلِ بِإِضَافَتِهِ إلَى النِّسَاءِ كَمَا يُقَالُ كُفْرَانُ الْعَشِيرِ مِنْ أَفْعَالِ النِّسَاءِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ حُكْمَ التَّسْبِيحِ أَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ فَإِنْ قَالَ سَبَّحَ سَبَّحَ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونَ فِي نَوَازِلِهِ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا وَإِنَّمَا كَانَ الْقَوْلُ سُبْحَانَ اللَّهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ فَإِنَّهُ إذَا سَبَّحَ الْتَفَتَ إلَيْهِ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ لِلْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ لِيَعْلَمَ سَبَبَ التَّسْبِيحِ هَلْ هُوَ مِنْ أَجْلِ صَلَاتِهِ أَمْ مِنْ أَجْلِ غَيْرِهَا فَيَعْمَلَ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ مَالِكٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِي أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ أُصَلِّي وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَرَائِي وَلَا أَشْعُرُ بِهِ فَالْتَفَتُّ فَغَمَزَنِي) . (ش) : وَإِنَّمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ لِإِقْبَالِهِ عَلَى صَلَاتِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِهَا وَإِعْرَاضِهِ عَنْ غَيْرِهَا وَقَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ وَلَا أَشْعُرُ بِهِ يَعْنِي لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَرَاءَهُ فَلَمَّا الْتَفَتَ غَمَزَهُ ابْنُ عُمَرَ يُرِيدُ أَشَارَ إلَيْهِ مُنْكِرًا لِفِعْلِهِ وَآمِرًا لَهُ بِالْإِقْبَالِ عَلَى

стр. 293

مَا يَفْعَلُ مَنْ جَاءَ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ قَالَ دَخَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ النَّاسَ رُكُوعًا فَرَكَعَ ثُمَّ دَبَّ حَتَّى وَصَلَ الصَّفَّ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَدِبُّ رَاكِعًا) . ــ [المنتقى] صَلَاتِهِ وَلَعَلَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ وَإِنَّمَا كَانَ جَالِسًا وَرَاءَهُ وَأَبُو جَعْفَرٍ يَتَنَفَّلُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الِالْتِفَاتَ وَلَوْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ فِي صَلَاةٍ لَاشْتَغَلَ بِهَا عَنْ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ. [مَا يَفْعَلُ مَنْ جَاءَ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ] (ش) : قَوْلُهُ فَوَجَدَ النَّاسَ رُكُوعًا يُرِيدُ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ لَمَّا خَافَ أَنْ يَسْبِقَهُ الْإِمَامُ بِالرَّكْعَةِ ثُمَّ دَبَّ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الصَّفِّ، وَتَحْرِيرُ هَذَا أَنَّ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَخَافَ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الصَّفَّ وَخَافَ إنْ كَبَّرَ لَا يَصِلُ أَوَّلَ الصَّفِّ حَتَّى يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ فَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَرْكَعْ وَلْيَمْشِ عَلَى هَيِّنَتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الصَّفَّ فَيُكَبِّرَ وَيُصَلِّيَ مَا أَدْرَكَ فَهَذَا حُكْمُهُ إذَا كَانَ بِمَوْضِعِ ائْتِمَامِهِ مُصَلُّونَ قَلِيلٌ لَيْسُوا مِمَّنْ يَقُومُ بِهِمْ صَفٌّ وَلَا جُزْءٌ مِنْهُ لَهُ بَالٌ وَلَوْ أَدْرَكَ صَفًّا أَوْ جُزْءًا لَهُ بَالٌ مِنْ الصَّفِّ رَكَعَ بِهِ ثُمَّ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ كَانَ فِي صَفٍّ فَرَأَى بَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةً. (فَرْعٌ) فَإِنْ كَبَّرَ قَبْلَ الصَّفِّ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُخِلَّ بِشَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا تَرَكَ الْأَفْضَلَ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ كَبَّرَ دُونَ الصَّفِّ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ رَوَى أَبُو الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ دُونَ الصَّفِّ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُكَبِّرُ وَلَا يَرْكَعُ حَتَّى يَأْخُذَ مُقَامَهُ مِنْ الصَّفِّ أَوْ يُقَارِبَهُ وَأَمَّا مَا كَانَ بَعِيدًا فَلَا أُحِبُّهُ، وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ مُرَغَّبٌ فِيهَا وَهُوَ مُضَعَّفٌ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَهُ الْإِمَامُ بِرَفْعِ رَأْسِهِ فَتَفُوتُهُ بِذَلِكَ فَاسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ يَدْخُلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الصَّفِّ فَهُوَ أَمْرٌ لَا يَفُوتُهُ فَيَجِبُ أَنْ يُقَدِّمَ مَا يَخَافُ فَوَاتَهُ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ مَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَجْلَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ فَلَا يَرْكَعُ دُونَ الصَّفِّ حَتَّى يَأْخُذَ مَكَانَهُ» . (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ مَعَ الْإِمَامِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنْ يُمَكِّنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ هُوَ الْفَرْضُ فَمَنْ أَدْرَكَهُ مَعَ الْإِمَامِ فَقَدْ ائْتَمَّ بِهِ فِي الرُّكُوعِ فَكَانَ مُدْرِكًا لَهُ مَعَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَبَّرَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الصَّفِّ فَمَتَى يَدِبُّ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ قَالَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَرَكَعَ ثُمَّ دَبَّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ انْحَطَّ لِلرُّكُوعِ ثُمَّ دَبَّ رَاكِعًا فَيَكُونُ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ أَكْمَلَ الرُّكُوعَ ثُمَّ دَبَّ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُخَالِفًا لَهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ مَالِكٍ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ وَيَدِبُّ رَاكِعًا وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ لَا يَدِبُّ إلَى الصَّفِّ حَتَّى يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ فَرُوِيَ عَنْهُ الْوَجْهَانِ جَمِيعًا وَلَعَلَّهُ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ لِمَا احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ مِنْ التَّأْوِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الصَّفِّ مَأْمُورٌ بِهَا وَالصَّلَاةُ دُونَ الصَّفِّ مَنْهِيٌّ عَنْهَا وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ التَّكْبِيرُ دُونَ الصَّفِّ خَوْفَ الْفَوَاتِ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَا يَفْعَلُهَا دُونَ الصَّفِّ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إدْرَاكِ الصَّفِّ وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ فِي دَبِيبِهِ فِي نَفْسِ الرُّكُوعِ اشْتِغَالًا عَنْ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ عَلَى هَيِّنَتِهِ ثُمَّ يَدِبَّ بَعْدَ ذَلِكَ لِإِدْرَاكِ الصَّفِّ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمِقْدَارُ الْقَرِيبِ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ فِيهِ هَذَا رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ إنَّمَا يَرْكَعُ إذَا كَانَ قَرِيبًا يَدِبُّ بَعْدَ ذَلِكَ صَفَّيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَأَمَّا إذَا بَعُدَ فَلَا أُحِبُّهُ.

стр. 294

مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ - (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُمْ «قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك فَقَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ» ) ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ] (ش) : قَوْلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك؛ الصَّلَاةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الدُّعَاءُ وَالصَّلَاةُ الرَّحْمَةُ إلَّا أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أُمِرْنَا بِهَا هِيَ الدُّعَاءُ وَإِنَّمَا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمَرُونَ بِالرَّحْمَةِ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُونَ بِالدُّعَاءِ إلَّا أَنَّ الدُّعَاءَ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ وَعَلَى صِفَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَسَأَلُوا هَلْ لِذَلِكَ صِفَةٌ تَخْتَصُّ بِهِ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي ذَلِكَ صِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ وَهِيَ أَنْ يُدْعَى اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ أَمَّا الْأَزْوَاجُ فَهُنَّ مَعْرُوفَاتٌ وَأَمَّا الذُّرِّيَّةُ فَمَنْ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ وِلَادَةً مِنْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ مِمَّنْ تَبِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَطَاعَهُ. وَقَدْ قَالَ إبْرَاهِيمُ ﵇ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ أَيْ كَمَا رَحِمْت آلَ إبْرَاهِيمَ وَآلُ إبْرَاهِيمَ أَتْبَاعُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَتْبَاعَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَتْبَاعَهُ مِنْ كُلِّ مَنْ اتَّبَعَهُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] يُرِيدُ أَتْبَاعَهُ مِنْ رَهْطِهِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي مِنْ الْكَلَامِ أَنَّ الْآلُ الْأَتْبَاعُ مِنْ الرَّهْطِ وَالْعَشِيرَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ الْبَرَكَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ التَّكْثِيرُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمَبَرَّةِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ تَكْثِيرَ الثَّوَابِ لَهُمْ وَرَفْعَ دَرَجَاتِهِمْ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] وَيَحْتَمِلُ بِذَلِكَ تَكْثِيرَ عَدَدِهِمْ مَعَ تَوْفِيقِهِمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَبَارَكَ اسْمُكَ تَقَدَّسَ أَيْ تَطَهَّرَ، فَعَلَى هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ طُهْرَهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ «أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ ثُمَّ قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ» ) . (ش) : قَوْلُهُ أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَخُصَّ رُؤَسَاءَ النَّاسِ وَفُضَلَاءَهُمْ بِالزِّيَارَةِ فِي مَجَالِسِهِمْ وَالتَّأْنِيسِ لَهُمْ وَقَوْلُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْك يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] وَهَذَا الْأَمْرُ لَنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ لَا يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ وَلَا زَمَانٍ هَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ ذَلِكَ فَرِيضَةٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ فَرِيضَةً لَيْسَتْ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْآخَرِ مِنْ الصَّلَاةِ

стр. 295

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ رَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقِفُ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) . الْعَمَلُ فِي جَامِعِ الصَّلَاةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» ) ــ [المنتقى] وَهُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ هَذَا ذِكْرُ نَبِيٍّ فَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ كَذِكْرِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك سُؤَالٌ عَنْ صِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَسُكُوتُ النَّبِيِّ ﷺ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ نَصٌّ فَأُوحِيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ عِنْدَ السُّؤَالِ فَكَانَ سُكُوتُهُ لِأَجْلِ الْوَحْيِ إلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَصْرُوفًا إلَيْهِ فَسَكَتَ مُخْتَارًا وَإِنَّمَا تَمَنَّوْا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَأَلَهُ لَمَّا خَافُوا أَنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ السُّؤَالَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵊ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] وَأَنَّ صِفَةَ هَذَا التَّسْلِيمِ قَدْ عَرَفُوهَا مِنْ قَوْلِهِمْ فِي التَّشَهُّدِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ رَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقِفُ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) . (ش) : هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَتَابَعَهُ غَيْرُهُ وَقَالَ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَدْعُو لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَعْنَبِيُّ وَغَيْرُهُ وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُسْتَعْمَلُ عَلَى أَحَدٍ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَذَهَبَ غَيْرُهُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ مِنْ مَذَاهِبِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] وَقَوْلُهُ ﷺ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» وَفِي الْجُمْلَةِ إنَّ اسْتِعْمَالَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ إنْ خِيفَ مِنْهُ الْإِبْهَامُ اُمْتُنِعَ مِنْهُ وَإِنْ أُمِنَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يُمْنَعْ بِتَوْقِيفٍ أَوْ اتِّفَاقٍ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَخَرَجَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَقِفَ بِالْقَبْرِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى الْغُرَبَاءِ إذَا دَخَلُوا وَخَرَجُوا وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَأَيْت أَهْلَ الْمَدِينَةِ إذَا أَرَادُوا الْخُرُوجَ مِنْهَا أَتَوْا الْقَبْرَ فَسَلَّمُوا وَإِذَا دَخَلُوا الْمَدِينَةَ فَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ رَأْيٌ وَفَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْغُرَبَاءِ لِأَنَّ الْغُرَبَاءَ قَصَدُوا لِذَلِكَ وَأَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَهُمْ مُقِيمُونَ بِهَا لَمْ يَقْصِدُوهَا مِنْ أَجْلِ الْقَبْرِ وَالْمَسْجِدِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَاَلَّذِي شُرِعَ لِمَنْ وَقَفَ بِالْقَبْرِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَدْعُو لِلنَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ وَوَجَدْت لِابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُسَلِّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَدْنُو فَيُسَلِّمُ وَلَا يَمَسُّ الْقَبْرَ بِيَدِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الدُّعَاءُ عِنْدَ الْقَبْرِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ لَا أَرَى أَنْ يَقِفَ الرَّجُلُ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَدْعُو وَلَكِنْ يُسَلِّمُ ثُمَّ يَمْضِي وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي غَيْرِ الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ يَدْعُو مُسْتَقْبِلَ الْقَبْرِ وَلَا يَدْعُو وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ وَظَهْرُهُ إلَى الْقَبْرِ. [الْعَمَلُ فِي جَامِعِ الصَّلَاةِ] (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ يُرِيدُ يَتَنَفَّلُ بِهِمَا وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِمَا وَكَذَلِكَ الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَتَرَكَ ذِكْرَهَا قَبْلَ الْعَصْرِ وَبَعْدَهَا فَأَمَّا.

стр. 296

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَتَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا فَوَاَللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ إنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» ) . ــ [المنتقى] التَّنَفُّلُ قَبْلَهَا فَمُبَاحٌ وَفِيمَا بَعْدَهَا فَمَمْنُوعٌ وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَمَّا قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «كُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقُلْت لَهُ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّاهُمَا قَالَ كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَا يَأْمُرُنَا وَلَا يَنْهَانَا» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُسْتَحَبُّ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ تَقْدِيمَهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا قُدِّمَ ذَلِكَ عَلَى التَّنَفُّلِ قَبْلَهَا وَلَوْ تَنَفَّلَ مُتَنَفِّلٌ ذَلِكَ الْوَقْتَ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا التَّنَفُّلُ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَجَائِزٌ وَلَا اخْتِصَاصَ لَهَا بِبَيْتٍ وَلَا غَيْرِهِ أَكْثَرُ مِنْ سُرْعَةِ انْصِرَافِهِ إمَّا لِلْفِطْرِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ إنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّيهَا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ فِي الْجُمُعَةِ إنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَهَا حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ يُرِيدُ بِذَلِكَ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ الِانْصِرَافَ إلَى مَنْزِلِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الِانْصِرَافَ مِنْ مَكَانِهِ فَأَمَّا فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا فَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ إلَى مَنْزِلِهِ قَالَهُ مَالِكٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا صَلَاةُ فَرْضٍ رَكْعَتَانِ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا فَكَانَ لِلْمَنْعِ تَأْثِيرٌ فِي التَّنَفُّلِ بَعْدَهَا كَصَلَاةِ الصُّبْحِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَإِنْ شَاءَ رَكَعَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْكَعْ وَاخْتَارَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ لَا يَرْكَعَ وَوَجْهُ ذَلِكَ الْقِيَاسُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ وَالْمَأْمُومِ أَنَّ الْإِمَامَ شُرِعَ لَهُ سُرْعَةُ الْقِيَامِ مِنْ مَوْضِعِ مُصَلَّاهُ وَلَا يُقِيمُ بِهِ وَلَمْ يُشْرَعْ لِلْمَأْمُومِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَتَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا فَوَاَللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ إنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» ) . (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «أَتَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا» يَعْنِي حَيْثُ يَسْتَقْبِلُ بِوَجْهِهِ «فَوَاَللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ» يَعْنِي ﷺ أَنَّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ إلَيْهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ حَضَّهُمْ عَلَى الْخُشُوعِ وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَقَوْلُهُ «إنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» ذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّ مَعْنَاهُ لَا عِلْمَ بِأَفْعَالِكُمْ فَإِنَّ الرُّؤْيَةَ تَكُونُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] مَعْنَاهُ أَلَمْ تَعْلَمْ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِهِ الْعِلْمَ مَا كَانَ لِقَوْلِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي فَائِدَةٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ أَوْ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ إعْلَامَهُمْ بِأَنَّهُ يَرَى مَعَ إقْبَالِهِ عَلَى قِبْلَتِهِ مَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إنَّ ذَلِكَ مِمَّا خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ وَلَا يَبْعُدُ ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ يَرَى مَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ مِمَّنْ يُدْرِكُهُ نَظَرُهُ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ أَوْ مَعَ الْتِفَاتٍ يَسِيرٍ فِي نَادِرِ الْأَوْقَاتِ وَيُوصَفُ مَنْ يَقِفُ هُنَاكَ بِأَنَّهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ كَمَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ وَرَاءَهُ وَخَلْفَهُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا) . ش قَوْلُهُ كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ رَاكِبًا يُرِيدُ مَسْجِدَ قُبَاءَ وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَتِهِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءَ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَفْعَلُهُ فَبَيَّنَ الْمُرَادَ بِالْقَصْدِ إلَى قُبَاءَ وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ لَعُلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَأْتِي الْمَسْجِدَ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْجُمُعَةِ الْمَقْصُودَةِ مَوْضِعٌ مَقْصُودٌ ثُمَّ وَصَفَ الْقَصْدَ إلَى الْجُمُعَةِ وَأَطْلَقَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى قَصْدِ الْمَوْضِعِ الْمَقْصُودِ كَمَا يُقَالُ خَرَجَ فُلَانٌ إلَى الْمَدِينَةِ فَيُفْهَمُ مِنْهُ تَوَجُّهُهُ إلَى الْمَسْجِدِ وَإِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ قَصْدُهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ تَوَجَّهَ فُلَانٌ إلَى مَكَّةَ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ تَوَجُّهُهُ إلَى الْمَكَانِ الْمَقْصُودِ لِلْعَمَلِ الْمَقْصُودِ فِيهَا وَلَيْسَ فِي قُبَاءَ مَوْضِعٌ مَقْصُودٌ غَيْرُ مَسْجِدِهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى فَذَهَبَ مُجَاهِدٌ وَعُرْوَةُ وَقَتَادَةُ إلَى أَنَّهُ مَسْجِدُ قُبَاءَ وَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ

стр. 297

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ مُرَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا تَرَوْنَ فِي الشَّارِبِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي قَالَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ فَقَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ هُنَّ فَوَاحِشُ وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ قَالُوا وَكَيْفَ يَسْرِقُ صَلَاتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» ) ــ [المنتقى] إلَى أَنَّهُ مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَهُ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْهُ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ هُوَ مَسْجِدِي. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ أَنْ تُعْمَلَ الْمَطِيُّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِهِ ﷺ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ إيلِيَاءَ لِأَنَّ إتْيَانَ قُبَاءَ مِنْ الْمَدِينَةِ لَيْسَ مِنْ بَابِ إعْمَالِ الْمَطِيِّ لِأَنَّ إعْمَالَ الْمَطِيِّ مِنْ صِفَاتِ الْأَسْفَارِ الْبَعِيدَةِ وَقَطْعِ الْمَسَافَاتِ الطِّوَالِ وَلَا يُقَالُ لِمَنْ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ مِنْ دَارِهِ رَاكِبًا أَنَّهُ أَعْمَلَ الْمَطِيَّ وَإِنَّمَا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمَنْعِ مِنْ إعْمَالِ الْمَطِيِّ أَنْ يَرْكَبَ إنْسَانٌ إلَى مَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ الْقَرِيبَةِ مِنْهُ فِي جُمُعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ فِي أَوْقَاتٍ كَثِيرَةٍ فَإِنَّ الَّذِي مُنِعَ مِنْهُ أَنْ يُسَافِرَ السَّفَرَ الْبَعِيدَ إلَى غَيْرِ الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ وَلَوْ أَنَّ آتِيًا أَتَى قُبَاءَ وَقَصَدَ مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ وَتَكَلَّفَ فِيهِ مِنْ السَّفَرِ مَا يُوصَفُ مِنْ إعْمَالِ الْمَطِيِّ لَكَانَ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ عَنْهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي الْمَبْسُوطِ مَنْ قَدَرَ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ قُبَاءَ فَيُصَلِّيَ فِيهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَكْثَرُ. (ش) : قَوْلُهُ «مَا تَرَوْنَ فِي الشَّارِبِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي» اخْتِبَارٌ مِنْهُ ﷺ بِمَسَائِلِ الْعِلْمِ عَلَى حَسَبِ مَا يَخْتَبِرُ بِهِ الْعَالِمُ أَصْحَابَهُ وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ تَقْرِيبَ التَّعْلِيمِ عَلَيْهِمْ فَقَرَّرَ مَعَهُمْ حُكْمَ قَضَايَا يُسَهِّلُ عَلَيْهِمْ مَا أَرَادَ تَعْلِيمَهُمْ إيَّاهُ لِأَنَّهُ ﷺ إنَّمَا قَصَدَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الْإِخْلَالَ بِإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَبِيرَةٌ مِنْ الْكَبَائِرِ وَهِيَ أَسْوَأُ مِمَّا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ فَاحِشَةٌ. (فَصْلٌ) : وَسُؤَالُهُ ﷺ أَصْحَابَهُ عَنْ حُكْمِ الشَّارِبِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ صَرِيحٌ فِي جَوَازِ الْحُكْمِ بِالرَّأْيِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ حُكْمٌ مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَسَعُهُمْ أَنْ يَقُولُوا بِآرَائِهِمْ وَفِي قَوْلِهِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ حَدٌّ بَعْدَ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ تَأَدُّبٌ مِنْهُمْ وَرَدٌّ لِلْعِلْمِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ وَقَوْلُهُ «هُنَّ فَوَاحِشُ وَفِيهِنَّ عُقُوبَةُ الْفَوَاحِشِ» جَمْعُ فَاحِشَةٍ وَهِيَ مَا فَحُشَ مِنْ الذُّنُوبِ يُقَالُ هَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ وَعَيْبٌ فَاحِشٌ أَيْ كَبِيرٌ شَدِيدٌ وَأَمَّا الْعُقُوبَةُ فَإِنَّهَا مُطْلَقَةٌ عَلَى مَا يُعَاقِبُ عَلَيْهِ الْمُعْتَدِي وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِجِنْسٍ مِنْهَا وَلَا بِقَدْرٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ» السَّرِقَةُ تَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْرِقَهَا مِنْ الْحَفَظَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِحِفْظِهِ وَكَتْبِ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْهَا وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ فَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ وُجُودُ مَا أَرَادُوا أَنْ يَكْتُبُوهُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ فِيهَا. وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ السَّرِقَةُ فِيهَا بِمَعْنَى الْخِيَانَةِ وَذَلِكَ أَنْ يُؤْتَمَنَ عَلَيْهَا فَيَخُونَ فِيهَا وَلَا يَأْتِي فِيهَا عَلَى حَسَبِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ أَدَائِهَا وَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الرُّكُوعِ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ فِي رُكْبَتَيْهِ وَيُسَوِّيَ ظَهْرَهُ حَتَّى يَسْتَقِرَّ كَذَلِكَ وَمِنْ السُّجُودِ أَنْ يَضَعَ جَبْهَتَهُ وَيَدَيْهِ وَسَائِرَ أَعْضَاءِ سُجُودِهِ عَلَى مَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ وَيَسْتَقِرَّ كَذَلِكَ فَلَوْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ سَرَقَ صَلَاتَهُ

стр. 298

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ» ) .. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ الْمَرِيضُ السُّجُودَ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ إيمَاءً وَلَمْ يَرْفَعْ إلَى جَبْهَتِهِ شَيْئًا) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ الرَّجُلُ كَلَامًا فَرَجَعَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ إذَا سُلِّمَ عَلَى أَحَدِكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَا يَتَكَلَّمْ وَلْيُشِرْ بِيَدِهِ) . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُمْ «كَيْفَ يَسْرِقُ صَلَاتَهُ» سُؤَالٌ عَنْ تَفْسِيرِ مَا أَجْمَلَهُ فَقَالَ ﷺ مُفَسِّرًا لِذَلِكَ أَنْ لَا يُتِمَّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا وَإِنَّمَا خَصَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ لِأَنَّ الْإِخْلَالَ فِي الْغَالِبِ إنَّمَا يَقَعُ بِهِمَا. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ» ) . ش قَوْلُهُ «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ» ذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ بَعْضَ فَرْضِهِ فِي بَيْتِهِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ أَهْلُهُ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ أَنَّهُ قَدْ أَنْكَرَ التَّخَلُّفَ عَنْ حُضُورِ الْجَمَاعَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالنِّسَاءُ كُنَّ يَخْرُجْنَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إلَى الْمَسَاجِدِ فَيَتَعَلَّمْنَ وَيَقْتَدِينَ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَيْضًا فَقَدْ كَانَ يَقْدِرُ أَنْ يُعَلِّمَ أَهْلَهُ بِالْقَوْلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ صَلَاةَ النَّافِلَةِ كَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ إتْيَانَهُ بِالنَّافِلَةِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِي مَسْجِدِهِ وَهَذَا حُكْمُ النَّوَافِلِ كُلِّهَا التَّسَتُّرُ بِهَا أَفْضَلُ يُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» . (ش) : قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ الْمَرِيضُ السُّجُودَ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ وَيَقُومُ مَقَامَ السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يَسْتَطِيعُ مِنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْإِيمَاءِ وَحُكْمِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا جَاءَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّى النَّاسُ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا شَيْئًا) . (ش) : قَوْلُهُ إذَا جَاءَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّى النَّاسُ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ يُرِيدُ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي جَاءَ لَهَا وَحَضَرَ وَقْتُهَا وَصَلَّاهَا النَّاسُ دُونَهُ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا شَيْئًا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لِضِيقِ الْوَقْتِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مَعَ سَعَتِهِ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ يُصَلِّي وَحْدَهُ صَلَاةَ فَرْضٍ فِي وَقْتِهَا لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ أَوْ يَكُونَ فِي سَعَةٍ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ ضَيِّقٍ عَنْ تِلْكَ الْفَرِيضَةِ وَعَنْ نَافِلَةٍ قَبْلَهَا بَدَأَ بِالْفَرِيضَةِ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَهَا نَافِلَةً لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي فَوَاتَ الْفَرِيضَةِ فِي وَقْتِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ الْوَقْتِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَبْدَأَ بِالنَّافِلَةِ ثُمَّ بِالْفَرِيضَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَصَفَ فِعْلَهُ بِتَقَدُّمِ صَلَاةِ النَّاسِ قَبْلَهُ وَلَوْ كَانَ فِي ضِيقٍ مِنْ الْوَقْتِ لَقَصَدَ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ إنَّمَا يَقْصِدُ مِنْ نَقْلِ فِعْلِهِ مَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ وَيَفْعَلَ ضِدَّهُ فَأَمَّا مَا لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ فَنَقْلُهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَحَمْلُ مَا نُقِلَ عَنْهُ وَأُضِيفَ إلَيْهِ عَلَى فَائِدَةٍ أَوْلَى. (ش) : السَّلَامُ عَلَى الْمُصَلِّي جَائِزٌ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ أَدْرَكْته وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَأَشَارَ إلَيَّ فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي فَقَالَ إنَّك سَلَّمْت عَلَيَّ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي. فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أَظْهَرَ الْمَانِعَ لَهُ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِ نُطْقًا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَرُدُّ بِالْكَلَامِ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ قَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ فَرَدُّ السَّلَامِ كَلَامٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وَمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ «كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَيَرُدُّ عَلَيْنَا فَلَمَّا أَتَيْنَا الْجَيْشَ فَرَجَعْنَا سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ إنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلْيُشِرْ بِيَدِهِ لَمَّا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ الْكَلَامِ كَانَ حُكْمُهُ رَدَّ السَّلَامِ بِالْإِشَارَةِ وَأَمَّا الْمُؤَذِّنُ

стр. 299

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ فَلْيُصَلِّ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ ثُمَّ لِيُصَلِّ بَعْدَهَا الْأُخْرَى) . ــ [المنتقى] وَالْمُلَبِّي فَلَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِ فَإِنَّ سُلِّمَ عَلَيْهِ لَمْ يَرُدَّ إشَارَةً وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُصَلِّي أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقْطَعُ الْكَلَامُ صَلَاتَهُ وَالْمُؤَذِّنُ وَالْمُلَبِّي لَا يَقْطَعُ عِبَادَتَهُمَا الْكَلَامُ فَلِذَلِكَ كَانَ لِلْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ بَدَلٌ وَلَمْ يَكُنْ لِلْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ وَالتَّلْبِيَةِ بَدَلٌ وَهَذَا كَمَا قُلْنَا إنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَغُسْلَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَهُمَا مَشْرُوعَانِ فَكَانَ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ بَدَلٌ وَهُوَ التَّيَمُّمُ وَلَمْ يَكُنْ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ بَدَلٌ مِنْ تَيَمُّمٍ وَلَا غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ وَرَاءَ إمَامٍ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ يَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يُصَلِّي الَّتِي ذَكَرَ ثُمَّ يُصَلِّي الَّتِي كَانَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَتَمَادَى لِئَلَّا تَفُوتَهُ فَضِيلَةُ صَلَاةِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ لَا يَقْطَعُ بِفَسَادِ صَلَاتِهِ مَعَ الْإِمَامِ فَيَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يُعِيدُ صَلَاتَهُ تِلْكَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَعْتَدُّ بِصَلَاتِهِ تِلْكَ وَيَقْضِي الْفَائِتَةَ خَاصَّةً وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ فِي الصَّلَاةِ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ صَلَوَاتٍ فَائِتَةً فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً فَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً فَلَا يَخْلُو أَنْ يَذْكُرَهَا فِي صَلَاةٍ أَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فَإِنْ ذَكَرَهَا فِي صَلَاةٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا وَفَذًّا فَإِنْ كَانَ إمَامًا قَطَعَ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْفَوَائِتِ وَسَنَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (فَرْعٌ) وَهَلْ تَبْطُلُ تِلْكَ الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ مِنْ الْمَأْمُومِينَ أَوْ لَا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ رَوَاهُمَا ابْنُ الْقَاسِمِ إحْدَاهُمَا تَبْطُلُ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّرْتِيبَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَلَا يُتَصَوَّرُ انْفِصَالُهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَإِذَا فَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ لِعَدَمِهِ تَعَدَّى ذَلِكَ إلَى صَلَاةِ الْمَأْمُومِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ إنَّ صَلَاتَهُمْ صَحِيحَةٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مَعْنَى لَوْ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ مَعَ عَدَمِهِ فَإِذَا ذَكَرَهُ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ لَمْ تَفْسُدْ بِذَلِكَ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ كَالْحَدَثِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ الذَّاكِرُ لِلصَّلَاةِ مَأْمُومًا فَإِنَّهُ يَتَمَادَى عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَقْضِي الْفَائِتَةَ ثُمَّ يُعِيدُ الَّتِي صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ ذَكَرَ فِي الْعَصْرِ ظُهْرَ يَوْمِهِ قَطَعَ عَلَى شَفْعٍ أَوْ وِتْرٍ وَكَذَلِكَ إنْ ذَكَرَ مَغْرِبَ لَيْلَتِهِ فِي الْعِشَاءِ وَإِنَّمَا يَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ ذَاكِرًا لِصَلَاةٍ خَرَجَ وَقْتُهَا وَأَمَّا مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ فِي خِنَاقٍ مِنْ وَقْتِهَا فَاسْتِدْرَاكُهُ لِوَقْتِهَا أَوْلَى مِنْ صَلَاةِ نَافِلَةٍ لَا تُجْزِئُهُ وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ صَلَاةٍ فِي صَلَاةٍ لَا يُفْسِدُهَا وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لِلذَّاكِرِ وَحْدَهُ أَنْ يَقْطَعَهَا وَيَبْدَأَ بِاَلَّتِي ذَكَرَ وَلَوْ بَطَلَتْ الَّتِي هُوَ فِيهَا بِذِكْرِ غَيْرِهَا لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ وَرَاءَ إمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ. (فَرْعٌ) وَبِمَاذَا يَحْتَسِبُ الَّتِي تَمَادَى فِيهَا مَعَ الْإِمَامِ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا فَرْضُهُ وَإِنَّمَا يُعِيدُ بَعْدَ الَّتِي ذَكَرَهَا لِفَضِيلَةِ التَّرْتِيبِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هِيَ نَافِلَةٌ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا قُلْنَا يَقْطَعُ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْفَوَائِتِ وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ وَقْتِ الصَّلَاةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ يَتَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحُبِسْنَا عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيَّ فَقُلْت نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَالًا فَأَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِنَا ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ طَافَ عَلَيْنَا فَقَالَ مَا عَلَى الْأَرْضِ عِصَابَةٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ غَيْرُكُمْ» . فَوَجْهُ الدَّلِيلُ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ حُبِسْنَا عَنْ الصَّلَوَاتِ وَذَكَرَ الْعِشَاءَ وَأَنَّهَا مِمَّا حُبِسُوا عَنْهَا وَذَلِكَ يَقْتَضِي مَنْعَهُمْ مِنْ صَلَاتِهَا فِي وَقْتِهَا وَلَوْ كَانَ وَقْتُهَا بَاقِيًا لَمَا كَانُوا مَحْبُوسِينَ عَنْهَا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ بَدَأَ بِالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ قَبْلَهَا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا تَرْتِيبٌ مَشْرُوعٌ فِي الْوَقْتِ فَلَمْ يَبْطُلْ

стр. 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بِفَوَاتِ الْوَقْتِ كَتَرْتِيبِ الرَّكَعَاتِ. (فَرْعٌ) وَهَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ الَّتِي كَانَ فِيهَا بِمَا ذَكَرَ فِيهَا مِنْ الْفَائِتَةِ أَمْ لَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا أَبَدًا وَقَالَ سَحْنُونَ لَا يُعِيدُهَا بَعْدَ الْوَقْتِ وَالْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ مُرَاعًى فِي الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ وَهَلْ التَّرْتِيبُ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إلَى أَنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَرَوَى مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ مَعْنَاهُ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ ذَكَرَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ مِنْ يَوْمِهِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ فَجَهِلَ فَبَدَأَ بِالْعَصْرِ أَنَّهُ يُعِيدُهَا إنْ عَلِمَ مَكَانَهُ وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَنَحْوَهُ رَأَيْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ مَعْنَى لَا يُتَصَوَّرُ انْفِصَالُهُ مِنْ الصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي تَقْدِيمِ مَا هُوَ فِي وَقْتِهَا أَكْثَرُ مِنْ تَأْخِيرِ الثَّانِيَةِ عَنْ وَقْتِهَا وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا كَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ صَلَاةِ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَقْتٍ لَهَا وَتَقَدُّمُ الْأُخْرَى عَلَيْهَا لَا يَكُونُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَوَاتُ الَّتِي ذَكَرَ كَثِيرَةً فَلَا يَبْطُلُ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَلْيَقْضِ مَا ذَكَرَ مِنْ الْفَوَائِتِ بَعْدَ إتْمَامِهَا وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَحْدِيدِ ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَلِيلَةَ خَمْسٌ فَمَا دُونَ ذَلِكَ وَحَكَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْخَمْسَ فَمَا فَوْقَهَا مِنْ حَيِّزِ الْكَثِيرِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا عَدَدٌ لَا تُنْكَرُ فِيهِ صَلَاةٌ فَكَانَ فِي حَيِّزِ الْقَلِيلِ كَالِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثِ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَيْسَ فِيهِ الْمُوَالَاةُ إلَّا فِي أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الصَّلَوَاتِ مَقِيسٌ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الرَّكَعَاتِ وَأَكْثَرُهَا أَرْبَعُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ ذَكَرَ الْفَذُّ صَلَاةَ فَرْضٍ فِي صَلَاةِ فَرْضٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فَلْيَقْطَعْهَا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً فَلْيُضِفْ إلَيْهَا أُخْرَى يَجْعَلُهَا نَافِلَةً وَيُسَلِّمُ وَيُصَلِّي الَّتِي ذَكَرَ ثُمَّ يُصَلِّي الَّتِي كَانَ شَرَعَ فِيهَا وَإِنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُضِيفُ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْطَعَ إذَا ذَكَرَ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ لِذِكْرِ الصَّلَاةِ تَأْثِيرٌ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِيهَا وَلِذَلِكَ إذَا ذَكَرَهَا بَعْدَ رَكْعَةٍ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يُتِمَّهَا أَرْبَعًا فَأَثَرُ الذِّكْرِ فِيهَا الِاخْتِصَارُ مِنْهَا عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَصَرْفُهَا عَنْ الْفَرْضِ إلَى النَّفْلِ فَلَوْ أَتَمَّ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ لَمَا كَانَ لِلذِّكْرِ فِيهَا تَأْثِيرٌ لِأَنَّهُ أَتَمَّهَا عَلَى حَسَبِ مَا ابْتَدَأَهَا بِهِ فَاسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ لِيُظْهِرَ بِذَلِكَ تَأْثِيرَ ذِكْرِ الصَّلَاةِ فِي صَلَاتِهِ وَعَلَى هَذَا يَجِبُ إذَا ذَكَرَهَا فِي الصُّبْحِ بَعْدَ رَكْعَةٍ أَنْ يَقْطَعَ وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ الْمُتَقَدِّمِ يُضِيفُ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ افْتَتَحَ صَلَاةً عَلَى شَفْعٍ فَأَتَى مِنْهَا بِوِتْرٍ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَبْلِيغُهَا الشَّفْعَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ كَمَا لَوْ ذَكَرَ بَعْدَ رَكْعَةٍ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ ذَكَرَ صَلَاةَ فَرْضٍ فِي نَافِلَةٍ قَطَعَهَا إنْ كَانَ لَمْ يُصَلِّ مِنْهَا شَيْئًا وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فَقَالَ مَرَّةً يَقْطَعُ. وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى لَا يَقْطَعُ بَلْ يُتِمُّ نَافِلَةً وَاخْتَارَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يُتِمَّ نَافِلَتَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ الَّتِي ذَكَرَ بَعْدَ ثَلَاثٍ مِنْ الْفَرِيضَةِ. وَقَدْ اخْتَارَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا الْقَطْعَ إنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا هُوَ لِيُظْهِرَ تَأْثِيرَ الذِّكْرِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا إذَا كَانَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ تَرْتِيبٌ وَلَمَّا كَانَ التَّرْتِيبُ مَشْرُوعًا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لِذِكْرِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْمُتَأَخِّرَةِ تَرْتِيبٌ وَأَمَّا الْفَرْضُ وَالنَّفَلُ فَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ لِذِكْرِ الْفَرْضِ فِي النَّفْلِ بَعْدَ رَكْعَةٍ تَأْثِيرٌ. وَوَجْهُ اخْتِيَارِ مَالِكٍ الْقَطْعَ فِي النَّافِلَةِ أَنَّهُ ذَاكِرٌ لِصَلَاةِ فَرْضٍ فِي صَلَاةِ نَفْلٍ فَاسْتُحِبَّ لَهُ قَطْعُ النَّفْلِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا ذَكَرَ الْفَرِيضَةَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ مِنْ النَّافِلَةِ فَإِنْ اُعْتُرِضَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إنْ ذَكَرَ صَلَاةً فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ مِنْ النَّافِلَةِ أَنْ لَا يَقْطَعَ

стр. 301

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ قَالَ كُنْت أُصَلِّي وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إلَى جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَلَمَّا قَضَيْت صَلَاتِي انْصَرَفْت إلَيْهِ مِنْ قِبَلِ شِقِّي الْأَيْسَرِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مَا مَنَعَك أَنْ تَنْصَرِفَ عَنْ يَمِينِك قَالَ فَقُلْت رَأَيْتُك فَانْصَرَفْت إلَيْك قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَإِنَّك قَدْ أَصَبْت إنَّ قَائِلًا يَقُولُ انْصَرِفْ عَنْ يَمِينِك فَإِذَا كُنْت تُصَلِّي فَانْصَرِفْ حَيْثُ شِئْت إنْ شِئْت عَنْ يَمِينِك وَإِنْ شِئْت عَنْ يَسَارِك) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أُصَلِّي فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَا وَلَكِنْ صَلِّ فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ) . ــ [المنتقى] وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ يَقْطَعُ فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ هَذَا لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّ النَّافِلَةَ إذَا لَمْ يَعْقِدْ مِنْهَا رَكْعَةً فَإِنَّهَا لَمْ تَسْتَحِقَّ الْوَقْتَ فَكَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي ذَكَرَ أَحَقَّ مِنْهَا بِالْوَقْتِ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» وَيُدْرِكُ بِذَلِكَ وَقْتَهَا فَلَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي ذَكَرَ تَسْتَحِقُّ الْوَقْتَ دُونَ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا لَزِمَهُ قَطْعُهَا وَالشُّرُوعُ فِي الَّتِي تَسْتَحِقُّ بِالْوَقْتِ وَأَمَّا مَنْ عَقَدَ رَكْعَةً مِنْ النَّافِلَةِ فَقَدْ اسْتَحَقَّتْ تِلْكَ النَّافِلَةُ الْوَقْتَ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» فَلَمَّا اسْتَحَقَّتْ الْوَقْتَ بِالْإِدْرَاكِ لَمْ تُقْطَعْ لِفَرِيضَةٍ إنَّمَا تَسْتَحِقُّ الْوَقْتَ بِالذِّكْرِ فَيُتِمُّ نَافِلَةً ثُمَّ يُصَلِّي فَرِيضَتَهُ. (ش) : قَوْلُهُ كُنْت أُصَلِّي وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إلَى جِدَارِ الْقِبْلَةِ بَيَّنَ بَعْدَ هَذَا بِقَوْلِهِ فَانْصَرَفْت إلَيْهِ مِنْ قِبَلِ شِقِّي الْأَيْسَرِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي قِبْلَتِهِ وَإِنَّمَا كَانَ عَنْهُ فِي جَانِبٍ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى مَنْ يَسْتَقْبِلُهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ عَنْ الصَّلَاةِ وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَنْصَرِفَ عَنْ يَمِينِك عَلَى وَجْهِ الِاخْتِبَارِ لِوَاسِعٍ لَمَّا رَآهُ قَدْ أَصَابَ فِي انْصِرَافِهِ عَنْ يَسَارِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ أَكَانَ قَصَدَ ذَلِكَ أَوْ أَتَاهُ سَهْوًا، وَقَوْلُ وَاسِعٍ رَأَيْتُك فَانْصَرَفْت إلَيْك يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الِانْصِرَافَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الشِّقِّ وَإِنَّمَا انْصَرَفَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي كَانَتْ تَلِيهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَصَبْت يَعْنِي حَيْثُ رَأَيْت الِانْصِرَافَ عَنْ يَسَارِكَ جَائِزًا لِأَنَّ قَائِلًا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيَقُولُ إنَّ الِانْصِرَافَ مِنْ الصَّلَاةِ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ يَمِينِ الْمُصَلِّي وَأَرَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ بِتَعْلِيمِ صَوَابِ مَنْ انْصَرَفَ عَلَى أَيِّ شِقٍّ شَاءَ لِئَلَّا يَتْبَعَ قَوْلَ ذَلِكَ الْقَائِلِ فَيَعْمَلَ بِهِ إذْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ عِلْمٌ وَلَا أَتَاهُ عَنْ قَصْدٍ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ عَلَى حَسَبِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ وَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَدْ كَانَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَثَرٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ «لَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إلَّا عَنْ يَمِينِهِ لَقَدْ رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ» . (ش) : نَهْيُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ وَإِبَاحَتُهُ لِلصَّلَاةِ فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ جَوَابٌ لِلسَّائِلِ عَمَّا سَأَلَهُ وَزَادَهُ مَعَ ذَلِكَ عِلْمًا لَعَلَّهُ خَافَ أَنْ لَا يُدْرِكَ السَّائِلُ السُّؤَالَ عَنْهُ وَلَعَلَّهُ خَافَ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ مُرَاحَ الْغَنَمِ مِثْلُهُ فَأَخْبَرَهُ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَعَطَنُ الْإِبِلِ مَبَارِكُهَا عِنْدَ الْمَاءِ وَمُرَاحُ الْغَنَمِ مُجْتَمَعُهَا مِنْ آخَرِ النَّهَارِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي عَطَنِ الْإِبِلِ وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ عِلَلًا مُخْتَلِفَةً فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ لِأَنَّهَا يُسْتَتَرُ بِهَا لِلْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فَلَا تَكَادُ تَسْلَمُ مَبَارِكُهَا مِنْ النَّجَاسَةِ وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي مَبَارِكِهَا إذَا أُمِنَتْ النَّجَاسَةُ بِبَسْطِ ثَوْبٍ أَوْ تَيَقُّنِ طَهَارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ رَوَى فِي ذَلِكَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابُنَا إنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ فَقَالَ

стр. 302

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ مَا صَلَاةٌ يُجْلَسُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ سَعِيدٌ هِيَ الْمَغْرِبُ إذَا فَاتَتْكَ مِنْهَا رَكْعَةٌ قَالَ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ سُنَّةُ الصَّلَاةِ كُلِّهَا) . ــ [المنتقى] تَوَضَّئُوا مِنْهَا وَسُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ لَحْمِ الْغَنَمِ فَقَالَ لَا تَتَوَضَّئُوا مِنْهَا وَسُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ فَقَالَ لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا مِنْ الشَّيَاطِينِ وَسُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ فَقَالَ صَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ» وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِهَا بِكُلِّ وَجْهٍ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يُصَلِّي فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا وَإِنْ بَسَطَ ثَوْبًا. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ نِفَارَهَا جَنَابَةٌ وَأَنَّ نِفَارَهَا ذَلِكَ يَمْنَعُ إتْمَامَ الصَّلَاةِ فَعَلَى هَذَا أَيْضًا لَا يُصَلَّى فِي مَبَارِكِهَا مَا دَامَتْ فِيهَا وَإِنْ تُيُقِّنَتْ طَهَارَتُهَا يُصَلَّى فِيهَا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ عَنْهَا إذَا تُيُقِّنَتْ طَهَارَتُهَا وَيَجِبُ أَنْ تَجْرِي الْبَقَرُ مَجْرَاهَا لِأَنَّ نِفَارَهَا أَيْضًا جَنَابَةٌ وَلَا يُؤْمَنُ قَطْعُهَا لِلصَّلَاةِ بِنِفَارِهَا. وَقَالَ قَوْمٌ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ لِزُفُورَتِهَا وَثِقَلِ رَائِحَتِهَا وَالصَّلَاةُ قَدْ سُنَّتْ النَّظَافَةُ لَهَا وَتَطِيبُ الْمَسَاجِدِ بِسَبَبِهَا وَأَشْبَهُ هَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّهُ يُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي مَعَاطِنِهَا لِمَا يَتَكَرَّرُ مِنْ النَّجَاسَةِ فِيهَا فَإِذَا تُيُقِّنَتْ الطَّهَارَةُ جَازَتْ لِمَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي إلَى بَعِيرِهِ فَقَالَ رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ. (فَرْعٌ) فَمَنْ صَلَّى فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ صَلَّى فِيهَا عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا أَعَادَ أَبَدًا كَمَنْ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصَبْغَ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِسَلَامَتِهَا مِنْ الْعِلَلِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْإِبِلِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ نَعْلَمُهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ» وَيَدُلُّ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ عَلَى طَهَارَةِ أَبْوَالِهَا وَبَعْرِهَا وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ أَبْوَالُهَا نَجِسَةٌ وَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ فَإِنَّ مَرَابِضَ الْبَقَرِ بِمَثَابَتِهَا فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ بِهَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ طَهَارَةِ أَبْوَالِهَا وَأَرْوَاثِهَا. (ش) : قَوْلُ سَعِيدٍ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِبَارِ لِأَصْحَابِهِ وَتَدْرِيبِهِمْ فِي الْمَسَائِلِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ مَا تَرَوْنَ فِي الشَّارِبِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي وَقَوْلُ سَعِيدٍ هِيَ الْمَغْرِبُ إذَا فَاتَتْك مِنْهَا رَكْعَةٌ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ فَجَلَسَ مَعَ الْإِمَامِ فِيهَا ثُمَّ يَأْتِي هُوَ بِالرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَجْلِسَ فِيهَا لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا جُلُوسًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ سُنَّةُ الصَّلَاةِ كُلِّهَا يَعْنِي أَنَّ مَنْ فَاتَهُ مِنْ الصَّلَاةِ أَيِّ صَلَاةٍ كَانَتْ رَكْعَةٌ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ فِيهَا لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتِهِ وَمَحَلٌّ لِجُلُوسِهِ لِسَلَامِهِ وَأَمَّا مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهَا تَصِيرُ أَيْضًا جُلُوسًا كُلُّهَا لِأَنَّهُ جَلَسَ مَعَ الْإِمَامِ فِي آخِرِ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ يُصَلِّي الثَّانِيَةَ فَيَجْلِسُ فِيهَا لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الثَّانِيَةِ الْجُلُوسَ ثُمَّ يُصَلِّي الثَّالِثَةَ فَيَجْلِسُ فِيهَا لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتِهِ. وَلَيْسَ هَذَا حُكْمَ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ لِمَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً فَإِنَّهُ يَجْلِسُ فِي الثَّانِيَةِ وَيَقُومُ فِي الثَّالِثَةِ وَإِنَّمَا تَصِيرُ الرُّبَاعِيَّةُ جُلُوسًا كُلُّهَا إذَا فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ ثُمَّ أَدْرَكَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ فَاتَتْهُ بَقِيَّةُ الصَّلَاةِ بِرُعَافٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِذَا أَدْرَكَ الْمُقِيمُ مِنْ صَلَاةِ مُسَافِرٍ رَكْعَةً فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ تَصِيرُ جُلُوسًا كُلُّهَا لِأَنَّهُ جَلَسَ مَعَ الْإِمَامِ فِي ثَانِيَةِ الْإِمَامِ وَهِيَ أُولَاهُ ثُمَّ جَلَسَ فِي ثَانِيَةٍ ثُمَّ جَلَسَ فِي ثَالِثَةٍ لِأَنَّ مِنْهَا يَقُومُ إلَى الْقَضَاءِ وَلَا يُقَامُ إلَى الْقَضَاءِ إلَّا مِنْ جُلُوسٍ ثُمَّ يَجْلِسُ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهَا رَابِعَةٌ وَقَالَ سَحْنُونَ يَقُومُ فِي الثَّالِثَةِ وَلَا يَجْلِسُ.

стр. 303

جَامِعُ الصَّلَاةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي الْعَاصِي بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَفِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» ) . ــ [المنتقى] [جَامِعُ الصَّلَاةِ] (ش) : رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي النَّوَافِلِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّوَافِلَ قَدْ يُتَرَخَّصُ فِيهَا بِيَسِيرِ الْعَمَلِ وَأَمْرُ الْفَرْضِ آكَدُ فَيَجِبُ أَنْ يَتَفَرَّغَ لَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ وَوَضْعُ أُمَامَةَ عِنْدَ السُّجُودِ وَحَمْلُهَا عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ الْعَمَلِ الَّذِي يُسْتَبَاحُ مِثْلُهُ فِي النَّوَافِلِ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ فَقَالَ ذَلِكَ عِنْدِي عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ وَإِنَّمَا كَانَ الرَّجُلُ لَا يَجِدُ مَنْ يَكْفِيهِ وَلَمْ يُفَرَّقْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَهَذَا عَلَى مَا قَالَهُ وَجْهٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُ لِلرَّجُلِ الِاشْتِغَالَ فِي فَرْضِهِ بِكَثِيرٍ مِمَّا لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ مَعَ الْكِفَايَةِ وَرُبَّمَا كَانَ الصَّبِيُّ يَضِيعُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُمْسِكٌ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِلضَّرُورَةِ أَنَّ فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ فِي الصَّلَاةِ بِمَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ مِنْ بَوْلِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَفْهَمُ الزَّجْرَ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ فَقَالَا فِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ» الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِهِمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَذَلِكَ عِنْدِي يَنْقَسِمُ عَلَى قِسْمَيْنِ فَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَحْمِلُ الرَّجُلُ الصَّبِيَّ عَلَى مَعْنَى الْكِفَايَةِ لِأُمِّهِ أَوْ لِاشْتِغَالِهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَهُمُّهَا أَوْ يَحْمِلُهُ عَنْ الْمَرْأَةِ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ بِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إلَّا فِي النَّافِلَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفَرِيضَةِ أَنَّ مُدَّةَ الْفَرِيضَةِ يَسِيرَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يَتَفَرَّغَ لَهَا وَيُسَلِّمَ الصَّبِيَّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَبَدًا إلَى مَنْ يَقُومُ بِهِ وَيَخِفُّ عَلَيْهِ إمْسَاكُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَمُدَّةُ النَّفْلِ طَوِيلَةٌ وَلِذَلِكَ أُبِيحَ فِيهَا مَا لَمْ يُبَحْ فِي الْفَرِيضَةِ مِنْ الْجُلُوسِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ يَخَافُ عَلَى الصَّبِيِّ هَلَاكًا أَوْ أَمْرًا شَدِيدًا وَلَا يَجِدُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِ فَإِنَّ إمْسَاكَهُ لَهُ جَائِزٌ فِي الْفَرْضِ وَغَيْرِهِ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ مَمْنُوعٌ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ إلَّا أَنْ تَدْعُوَ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ فَإِنَّهُ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ وَقَدْ اسْتَوْعَبْنَا ذَلِكَ فِي الِاسْتِيفَاءِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي حَمْلِ الْمَرْأَةِ وَلَدَهَا تَرْكَعُ بِهِ وَتَسْجُدُ فِي الْفَرْضِ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَتْ وَلَمْ يَشْغَلْهَا عَنْ الصَّلَاةِ لَمْ تُعِدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ إمْسَاكُهَا حَالَ الْقِيَامِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَشْغَلُهَا وَلَا تَتَكَلَّفُ إمْسَاكَهُ بِيَدِهَا وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى عَاتِقِهَا أَوْ فِي ثَوْبٍ مُعَلَّقٍ مِنْهَا وَأَمَّا إنْ كَانَتْ تَمْسِكُهُ بِيَدَيْهَا أَوْ تَحْمِلُهُ فِي ذِرَاعَيْهَا فَإِنَّهُ عَمَلٌ مُتَّصِلٌ كَثِيرٌ فِي الصَّلَاةِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّتَهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَهُوَ عِنْدِي مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَمْ يَشْغَلْهَا، وَأَمَّا فِي حَالِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ عَلَى عَاتِقِهَا وَضَعَتْهُ حَتَّى تُكْمِلَ ذَلِكَ وَتَأْخُذَهُ عِنْدَ قِيَامِهَا فَيَكُونَ مِنْ الْعَمَلِ الْمُتَفَرِّقِ فِي الصَّلَاةِ وَذَلِكَ مِنْ حَيِّزِ الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَعْنَاهُ تَأْتِي طَائِفَةٌ عَقِيبَ أُخْرَى وَتَعَاقُبُهُمْ أَيْ تَأْتِي مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَتُعَاقِبَهُمْ مَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يَتَدَاوَلُونَ فَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَتَعْرُجُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَتَبْقَى مَلَائِكَةُ

стр. 304

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ إنَّ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إذَا قَامَ فِي مَقَامِكِ لَمْ يُسْمِعْ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ قَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْت لِحَفْصَةَ قُولِي لَهُ إنَّ أَبَا بَكْرٍ إذَا قَامَ فِي مَقَامِك لَمْ يُسْمِعْ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ مَا كُنْت لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا» ) . ــ [المنتقى] النَّهَارِ ثُمَّ تَنْزِلُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ فَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ تَعْرُجُ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ وَتَبْقَى مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَهُوَ مِنْ تَفَضُّلِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ جَعَلَ اجْتِمَاعَهُمْ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَتَكُونُ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ وَآخِرِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّعَاقُبِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فِي جُمْلَةِ النَّاسِ فَتَكُونُ الصَّلَاةُ الَّتِي يَتَعَاقَبُونَ فِيهَا وَقْتَ صَلَاةِ النَّاسِ وَوَقْتَ إقَامَتِهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْمَلَائِكَةُ هُمْ الْحَفَظَةُ الْكِرَامُ وَأَنْ يَكُونَ التَّعَاقُبُ فِيمَا يَخُصُّ كُلَّ إنْسَانٍ مِمَّا فِي وَقْتِ صَلَاتِهِ. (فَصْلٌ) : وَسُؤَالُهُ لَهُمْ تَعَالَى وَهُوَ أَعْلَمُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَعَبُّدًا لِلْمَلَائِكَةِ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبُوا وَيُحْصُوا أَعْمَالَ الْعِبَادِ وَهُوَ عَالِمٌ بِسِرِّهِمْ وَجَهْرِهِمْ. (ش) : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ لِلنَّاسِ لِأَنَّهُ كَانَ أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ وَأَعْلَمَهُمْ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ أَحَقَّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَفْضَلُهُمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فَقَالَ مَالِكٌ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَفْقَهُهُمْ إذَا كَانَتْ لَهُ حَالٌ حَسَنَةٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا يَكُونُ عَالِمًا حَتَّى يَكُونَ قَارِئًا وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ. وَقَالَ أَصْحَابُ الظَّاهِرِ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَكْبَرُهُمْ وَمَعْنَى الْخِلَافِ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ فَقِيهًا عَالِمًا وَيَقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا يُقِيمُ بِهِ صَلَاتَهُ وَلَا يَقْرَؤُهُ كُلَّهُ وَيَكُونُ الْآخَرُ قَارِئًا لِجَمِيعِ الْقُرْآنِ حَسَنَ التِّلَاوَةِ وَيَعْلَمُ إقَامَةَ الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهِهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَفْقَهُ فِي أَحْكَامِهَا وَلَا يَعْلَمُ دَقَائِقَ أَحْكَامِ السَّهْوِ فِيهَا فَيَكُونُ أَحَقُّهُمَا الْفَقِيهَ إذَا كَانَتْ لَهُ حَالٌ حَسَنَةٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ تَقْدِيمُ النَّبِيِّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا كَانَ أَعْلَمَ الصَّحَابَةِ وَأَفْضَلَهُمْ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَقْرَأُ مِنْهُ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ أُبَيٌّ أَقْرَؤُنَا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمِقْدَارَ الَّذِي تَفْتَقِرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ مِنْ الْقِرَاءَةِ قَدْ اسْتَوَيَا فِيهِ وَالصَّلَاةُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَطْرَأَ فِيهَا عَلَى الْإِمَامِ مَا لَا يَعْلَمُ حُكْمَهُ الْقَارِئُ فَيُفْسِدُهَا لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَنْفَرِدُ بِهِ الْفَقِيهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَائِشَةَ إنَّ أَبَا بَكْرٍ إذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعْ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنْ الصَّلَوَاتِ مَا حُكْمُهَا الْجَهْرُ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبُكَاءَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ وَلِذَلِكَ أَقَرَّهَا عَلَى اعْتِرَاضِهَا عَلَيْهِ بِالرَّأْيِ بَعْدَ نَصِّهِ عَلَى الْحُكْمِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ جَوَابًا لِعَائِشَةَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ دَلِيلٌ عَلَى تَرْكِ اعْتِبَارِ شَيْءٍ مِمَّا اعْتَرَضَتْ بِهِ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ الصَّلَاةِ وَقَوْلُ عَائِشَةَ لِحَفْصَةَ قُولِي لَهُ إنَّ أَبَا بَكْرٍ إذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعْ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ إلَى آخِرِ الْفَصْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّكْرَارِ وَالتَّأْكِيدِ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ مَرَضُ النَّبِيِّ ﷺ وَشِدَّةُ وَجَعِهِ قَدْ مَنَعَهُ مِنْ اسْتِيفَاءِ قَوْلِهَا فَهَابَتْ عَائِشَةُ أَنْ تُرَاجِعَهُ فِي الْقَوْلِ وَأَرَادَتْ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِذَلِكَ غَيْرُهَا وَيَتَكَرَّرُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقَوْلُ مِنْ جَمَاعَةٍ فَيَكُونُ أَدْعَى إلَى الْإِصْغَاءِ إلَيْهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ إنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ يُرِيدُ جِنْسَ النِّسَاءِ أَنَّهُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ وَأَتَى بِلَفْظِ الْجَمْعِ عَلَى مَعْنَى الْجِنْسِ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ يَمِيلُ إلَى النِّسَاءِ

стр. 305

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّهُ قَالَ «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ النَّاسِ إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَارَّهُ فَلَمْ نَدْرِ مَا سَارَّهُ بِهِ حَتَّى جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ جَهَرَ أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ الرَّجُلُ بَلَى وَلَا شَهَادَةَ لَهُ قَالَ أَلَيْسَ يُصَلِّي قَالَ بَلَى وَلَا صَلَاةَ لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» ) . ــ [المنتقى] وَلَعَلَّهُ إنَّمَا مَالَ إلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ اللَّاتِي قَطَعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ مَا هَذَا بَشَرًا إنْ هَذَا إلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ إنْكَارَ مُرَاجَعَتِهِنَّ إيَّاهُ فِي تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ بِأَمْرٍ قَدْ تَكَرَّرَ سَمَاعُهُ وَلَمْ يَرَهُ فَذَكَّرَهُمَا بِفَسَادِ رَأْيِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ جِنْسِهِنَّ وَأَنَّهُنَّ قَدْ دَعَوْنَ إلَى غَيْرِ صَوَابٍ وَأَنَّ هَذَا الَّذِي دَعَتْ إلَيْهِ غَيْرُ صَوَابٍ أَيْضًا. (ش) : قَوْلُهُ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ ظَهْرَيْ النَّاسِ هَكَذَا الرِّوَايَةُ فِيهِ وَالْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ ظَهْرَانَيْ النَّاسِ وَقَوْلُهُ إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ يُقَالُ أَنَّهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مُسَارَّةِ الْإِمَامِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مَمْنُوعًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إلَّا لِمَنْ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ صَدَقَةً. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِإِبَاحَتِهِ دُونَ تَقْدِيمِ صَدَقَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المجادلة: ١٣] . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَمْ نَدْرِ مَا سَارَّهُ حَتَّى جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ جَهْرِ مَنْ أُسِرَّ إلَيْهِ بِالسِّرِّ إذَا أَوْجَبَ ذَلِكَ الشَّرْعُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِذَا هُوَ يَسْتَأْذِنُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ يُقَالُ إنَّهُ مَالِكٌ بْنُ الدُّخْشُمِ بْنِ غَنْمٍ شَهِدَ بَدْرًا وَيُخْتَلَفُ فِي شُهُودِهِ الْعَقَبَةَ كَانَ يُتَّهَمُ بِالنِّفَاقِ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ حُسْنِ إسْلَامِهِ مَا يَنْفِي ذَلِكَ عَنْهُ اسْتَأْذَنَهُ هَذَا الرَّجُلُ وَلَمْ يَذْكُرْ لِمَاذَا شَهِدَ عَلَيْهِ بِالنِّفَاقِ وَلَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ أَظْهَرَ الشَّهَادَتَيْنِ وَأَقَامَ الصَّلَوَاتِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُمْ اسْتَدَلُّوا عَلَى نِفَاقِهِ بِمَيْلِهِ إلَى أَهْلِ الْكُفْرِ وَنُصْحِهِ لَهُمْ فَلَمْ يُرِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ يُبِيحُ دَمَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ السَّائِلُ بَلَى وَلَا شَهَادَةَ لَهُ وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ فَقَصَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِسُؤَالِهِ الْمَعَانِيَ الْمُبِيحَةَ لِدَمِهِ مِنْ تَرْكِ إظْهَارِ الشَّهَادَتَيْنِ وَتَأَبِّيهِ عَنْ الصَّلَاةِ فَلَمَّا قَالَ إنَّهُ يُظْهِرُ الشَّهَادَتَيْنِ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ قَالَ ﷺ «أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ» وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى قَوْلِهِ وَلَا شَهَادَةَ لَهُ وَلَا صَلَاةَ لَهُ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِذَلِكَ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا فِي قَلْبِهِ وَلَا يَعْرِفُ هَلْ لَهُ شَهَادَةٌ أَوْ صَلَاةٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا اعْتَقَدَ فِيهِ لَمَّا رَأَى مِنْ مَيْلِهِ إلَى أَقَارِبِهِ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ يَعْنِي نَهَاهُ عَنْ قَتْلِهِمْ لِمَعْنَى الْآيَاتِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَلْزَمَهُمْ الْقَتْلُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا يَلْزَمُ سَائِرَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ وَالْحُدُودِ. (ش) : دُعَاؤُهُ ﷺ أَنْ لَا يُجْعَلَ قَبْرُهُ وَثَنًا يُعْبَدُ تَوَاضُعًا وَالْتِزَامًا لِلْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِقْرَارًا بِالْعِبَادَةِ وَكَرَاهِيَةً أَنْ يُشْرِكَهُ أَحَدٌ فِي عِبَادَتِهِ. وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لِذَلِكَ كَرِهَ أَنْ يُدْفَنَ فِي الْمَسْجِدِ وَهَذَا وَجْهٌ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا دُفِنَ فِي الْمَسْجِدِ كَانَ ذَرِيعَةً إلَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا فَرُبَّمَا صَارَ مِمَّا يُعْبَدُ

стр. 306

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ «عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالْمَطَرُ وَاللَّيْلُ وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فَأَشَارَ إلَى مَكَان مِنْ الْبَيْتِ فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى» مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ) . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ يُرِيدُ أَنَّهُ أَرَادَ عَذَابَ قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ وَإِنَّمَا قَالَ ﷺ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ تَحْذِيرًا مِمَّا صَنَعَهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مِنْ ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ فَغَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْمَقَابِرِ الَّتِي دُرِسَتْ وَغُيِّرَتْ قَالَ وَإِنَّمَا هِيَ مِثْلُ غَيْرِهَا مِنْ الْأَرْضِينَ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَا يُصَلَّى فِي الْمَقَابِرِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا النَّبْشُ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ فَقَدْ نَصَّ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا بُقْعَةٌ خُصَّتْ بِأَهْلِ الْعَذَابِ وَسَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى فَشُرِعَ اجْتِنَابُهَا كَمَا شُرِعَ تَحَرِّي مَوَاضِعِ الصَّالِحِينَ وَلِذَلِكَ كَانَ يَتَحَرَّى عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالنَّاسُ بَعْدَهُ مَوْضِعَ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُصَلُّونَ فِيهِ. (ش) : قَوْلُهُ إنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إمَامَةِ الْأَعْمَى لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَعَ تَكَرُّرِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالْمَطَرُ وَالسَّيْلُ وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ مَوَانِعُ لَهُ عَنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي يَؤُمُّ فِيهِ وَعَنْ شُهُودِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ مَكَانًا يَتَّخِذُهُ مُصَلًّى يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِهِ فِي مَكَان يَخُصُّهُ بِصَلَاتِهِ لِبَرَكَةِ النَّبِيِّ فِيهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ يَسْأَلُهُ عَنْ الْمَكَانِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يَتَّخِذَهُ مُصَلًّى إمَّا لِطَهَارَتِهِ أَوْ تَمَكُّنِهِ مِنْ إفْرَادِهِ لِذَلِكَ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي فَأَشَارَ لَهُ عِتْبَانُ إلَى مَكَان مِنْ الْبَيْتِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِشَارَةِ قَوْلُهُ هَذَا الْمَكَانُ الَّذِي أُحِبُّهُ فَنَقَلَ الرَّاوِي الْإِشَارَةَ دُونَ الْقَوْلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عِتْبَانُ اكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ خَاصَّةً لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعْيِينًا لِمَوْضِعِ اخْتِيَارِهِ. (ش) : قَدْ رَوَى اللَّيْثُ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ» . وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ وَلَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ فِيهِمَا فَيَقْتَضِي بِأَنَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ لِلْآخَرِ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْتَصُّ بِجَوَازِ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَنَهَى عَنْهُ غَيْرَهُ لِأَنَّ نَهْيَهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا أَنَّ فِعْلَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَكَرُّرَ ذَلِكَ مِنْهُمَا مَعَ عَدَمِ الْخِلَافِ عَلَيْهِمَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَوَجْهٌ ثَانٍ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ مُتَوَجِّهٌ إلَى صِفَةٍ وَهُوَ أَنْ يُقِيمَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَيَضَعَ عَلَيْهَا الْأُخْرَى لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَسْتَبِدُّ مُؤْتَزِرٌ بِفِعْلِ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ التَّحَذُّرِ وَإِنَّ فِعْلَ مَنْ يَفْعَلُ فِعْلَهُ إنَّمَا كَانَ بِأَنْ يَبْسُطَ إحْدَى رِجْلَيْهِ يَمُدَّهَا وَيَضَعَ عَلَيْهَا الْأُخْرَى، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنِهِمَا وَهُوَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ مَنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى كَشْفِ عَوْرَتِهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَخْتَصَّ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ بِالْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ لِمَنْ

стр. 307

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لِإِنْسَانٍ إنَّك فِي زَمَانٍ كَثِيرٌ فُقَهَاؤُهُ قَلِيلٌ قُرَّاؤُهُ تُحْفَظُ فِيهِ حُدُودُ الْقُرْآنِ وَتُضَيَّعُ حُرُوفُهُ قَلِيلٌ مَنْ يَسْأَلُ كَثِيرٌ مَنْ يُعْطِي يُطِيلُونَ فِيهِ الصَّلَاةَ وَيَقْصُرُونَ فِيهِ الْخُطْبَةَ يَبْدَؤُنَ أَعْمَالَهُمْ قَبْلَ أَهْوَائِهِمْ وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ كَثِيرٌ قُرَّاؤُهُ تُحْفَظُ فِيهِ حُرُوفُ الْقُرْآنِ وَتُضَيَّعُ حُدُودُهُ كَثِيرٌ مَنْ يَسْأَلُ قَلِيلٌ مَنْ يُعْطِي يُطِيلُونَ فِيهِ الْخُطْبَةَ وَيَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ يَبْدَؤُنَ فِيهِ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ أَعْمَالِهِمْ) . ــ [المنتقى] كَانَ عَلَيْهِ مَا لَا تَبْدُو عَوْرَتُهُ مَعَ فِعْلِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَكَانَ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ أَوْلَى لِأَنَّ رِوَايَتَهُ أَثْبُتُ وَأَخْذُ الْجَمَاعَةِ بِهِ وَاتِّصَالُ الْعَمَلِ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَبَقَاءِ حُكْمِهِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا نَاسِخًا لِلْآخَرِ فَخَبَرُ الْإِبَاحَةِ هُوَ النَّاسِخُ لِلْإِجْمَاعِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى جَوَازِهِ. (ش) : قَوْلُهُ إنَّك فِي زَمَانٍ كَثِيرٌ فُقَهَاؤُهُ قَلِيلٌ قُرَّاؤُهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَانَ قَلِيلًا فِي زَمَانِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَكُونُ حَظُّهُ مِنْهُ قِرَاءَتَهُ دُونَ الْفِقْهِ فِيهِ قَلِيلٌ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ إنَّمَا قَصَدَ إلَى مَدْحِ الزَّمَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَهُوَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ ﵃ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ بِكَثْرَةِ الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَجُلُّ فِقْهِ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ إنَّمَا كَانَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُ وَلَمْ يَكُونُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَلَا دَوَاوِينَ وَلَا ضَمَّنُوا الْقَرَاطِيسَ الْعِلْمَ وَإِنَّمَا كَانَ عِلْمُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ وَاسْتِنْبَاطُهُمْ مِنْ مَحْفُوظِهِمْ وَمُحَالٌ أَنْ يَسْتَنْبِطَ مِنْ الْقُرْآنِ مَنْ لَا يَحْفَظُهُ وَأَصْلُ الْفِقْهِ وَمُعْظَمُهُ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ تَعَالَى ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ - وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٨ - ٨٩] فَمُحَالٌ أَنْ يُوصَفَ بِالْفِقْهِ وَالْعِلْمِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الدِّينِ مَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ حَالِ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي اقْتِصَارِهِمْ فِي الْعِلْمِ عَلَى الْقُرْآنِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَعَ فَضْلِهِ وَمَحَلِّهِ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَكَوْنِهِ أَحَدَ الْأَئِمَّةِ فِيهِ إلَى أَنْ يَمْدَحَ زَمَنَ الصَّحَابَةِ وَصَدْرَ الْأُمَّةِ بِقِلَّةِ الْقُرْآنِ فِيهِ لِأَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الْعَصْرِ كَانُوا أَلْهَجَ النَّاسِ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَتَلَقِّيهِ مِنْ الرُّكْبَانِ وَتَدَارُسِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ لَمَّا رَأَوْا مِنْ تَفْضِيلِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ وَتَقْدِيمِهِ فِي اللَّحْدِ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ وَدُعَائِهِ أَصْحَابَهُ فِي مَوَاطِنِ الشَّدَائِدِ أَيْنَ أَصْحَابُ الْبَقَرَةِ بِأَفْضَلِ مَا يُدْعَوْنَ بِهِ حَضًّا لَهُمْ عَلَى الرُّجُوعِ وَتَذْكِيرًا لَهُمْ بِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ مِنْ أَفْضَلِ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الَّتِي يَجِلُّ عَنْ الْفِرَارِ صَاحِبُهَا وَلَا يَدْعُو بِذَلِكَ وَاحِدًا وَلَا اثْنَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِمْ وَإِنَّمَا يَدْعُو بِمِثْلِ ذَلِكَ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ وَمَعْلُومٌ فِي الْعَادَةِ أَنَّهُ لَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إلَّا مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَأَكْثَرَهُ وَإِنَّمَا ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ وَحِفْظَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَنَاقِبِ وَأَرْفَعِ الْمَرَاتِبِ وَأَنَّهُ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَابَ بِهِ أَحَدٌ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ الْعِلْمِ وَحُسْنِ الظَّنِّ فَيُجْعَلَ مَدْحُهُ لِزَمَانِ الصَّحَابَةِ بِكَثْرَةِ الْفُقَهَاءِ وَقِلَّةِ الْقُرَّاءِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّ مِمَّنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِيهِ وَلَا يَفْقَهُهُ قَلِيلًا وَأَنَّ الْفُقَهَاءَ فِيهِ مِنْ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ الْمُسْتَنْبِطِينَ الْأَحْكَامَ مِنْهُ كَثِيرٌ وَهَذَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ حَالِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَحُشِرْنَا مَعَهُمْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ تُحْفَظُ فِيهِ حُدُودُ الْقُرْآنِ وَتُضَيَّعُ حُرُوفُهُ مِنْ قَبِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى إطْلَاقِهِ لِمَا عُرِفَ مِنْ حَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْقَائِلِ لِذَلِكَ وَحَالِ الصَّحَابَةِ الْمَوْصُوفِينَ بِذَلِكَ لِأَنَّ تَرْكَ الْحُرُوفِ لَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ بِهَا حُرُوفَ الْقُرْآنِ مِنْ أَلْفٍ وَلَامٍ وَمِيمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُرُوفِ التَّهَجِّي أَوْ يُرِيدَ بِهِ لُغَاتِهِ وَفِي تَضْيِيعِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مَنْعٌ مِنْ تَحَفُّظِهِ وَإِطْرَاحُ تِلَاوَتِهِ وَهَذَا مَا لَا يَسْتَجِيزُهُ مُسْلِمٌ أَنْ يَؤُمَّ بِهِ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّهُ بِأَنَّهُمْ خَيْرُ أَمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْدَحَ الزَّمَانَ بِتَضْيِيعِ حُرُوفِ الْقُرْآنِ

стр. 308

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ أَوَّلَ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ عَمَلِ الْعَبْدِ الصَّلَاةُ فَإِنْ قُبِلَتْ مِنْهُ نُظِرَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عَمَلِهِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ لَمْ يُنْظَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ) ــ [المنتقى] فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ بِلَفْظِهِ فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَصَدَ صِفَةَ الزَّمَانِ بِإِظْهَارِ الْحَقِّ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِ وَإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْقُرْآنُ وَأَنَّ ذَلِكَ عَامٌّ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنْ بَيْنِ رَاغِبٍ فِيهِ وَمَحْمُودٍ عَلَيْهِ مِمَّنْ يَخْشَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُسْرِفِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ ﷺ وَأَنَّ هَذَا الصِّنْفَ لَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيُضَيِّعُونَ حُرُوفَهُ وَتِلَاوَتَهُ وَإِنْ أَظْهَرُوا الْتِزَامَ أَحْكَامِهِ وَحُدُودِهِ خَوْفًا مِنْ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَفُضَلَاءَ الصَّحَابَةِ يُضَيِّعُونَ حُرُوفَ الْقُرْآنِ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَوْ ضَيَّعُوا حُرُوفَ الْقُرْآنِ لَمْ يَصِلْ أَحَدٌ إلَى مَعْرِفَةِ حُدُودِهِ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا يَتَضَمَّنُ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالْحُدُودِ إلَّا مَنْ قَرَأَ الْحُرُوفَ وَعَرَفَ مَعَانِيَهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ قَلِيلٌ مَنْ يَسْأَلُ كَثِيرٌ مَنْ يُعْطِي يَعْنِي أَنَّ الْمُتَصَدِّقِينَ كَثِيرٌ وَأَنَّ الْمُتَعَفِّفِينَ عَنْ الصَّدَقَةِ مِنْ الْفُقَرَاءِ كَثِيرٌ وَأَنَّ السَّائِلِينَ مِنْهُمْ قَلِيلٌ وَهَذَا وَصْفٌ لِأَغْنِيَاءِ ذَلِكَ الزَّمَانِ بِالصَّدَقَةِ وَالْفَضْلِ وَالْمُوَاسَاةِ وَوَصْفٌ لِفُقَرَائِهِمْ بِالصَّبْرِ وَغِنَى النَّفْسِ وَالْقَنَاعَةِ وَهَذِهِ صِفَةُ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ﵃. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يُطِيلُونَ فِيهِ الصَّلَاةَ وَيَقْصُرُونَ فِيهِ الْخُطْبَةَ يَعْنِي مُلَازَمَتَهُمْ لِلسُّنَّةِ وَإِنَّ أَكْثَرَ مَنْ يَفْعَلُ الْخُطْبَةَ وَالصَّلَاةَ لِلنَّاسِ أَهْلُ الْعِلْمِ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَشْرُوعُ فِي الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يَبْدَؤُنَ أَعْمَالَهُمْ قَبْلَ أَهْوَائِهِمْ الْأَعْمَالُ هَاهُنَا وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ وَاقِعًا فِي أَصْلِ كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ مِنْ بِرٍّ وَفِسْقٍ إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هَاهُنَا الْبِرُّ وَهَذَا يَقْتَضِي إطْلَاقَهُ فِي الشَّرْعِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا عُرِضَ لَهُمْ عَمَلُ بِرٍّ وَهَوًى بَدَءُوا بِعَمَلِ الْبِرِّ وَقَدَّمُوهُ عَلَى مَا يَهْوُونَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ يَعْنِي أَنَّ مَنْ يَفْقَهُهُ مِمَّنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَلِيلٌ وَإِنَّ أَكْثَرَ مَنْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يَفْقَهُ فِيهِ وَهَذَا إخْبَارٌ مِنْهُ بِأَنَّ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ لَا تَقِلُّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَ بِحِفْظِهِ وَأَمَّنَ مِنْ نِسْيَانِهِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ كَثْرَةَ الْقُرَّاءِ عَيْبٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَإِنَّمَا عَابَهُ بِقِلَّةِ الْفُقَهَاءِ فِيهِ وَأَنَّ قُرَّاءَهُ لَا يَفْقَهُونَ وَلَا يَعْلَمُونَ بِهِ وَإِنَّمَا غَايَتُهُمْ مِنْهُ تَحَفُّظُهُ وَهَذَا نَقْصٌ وَعَيْبٌ فِيهِمْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ تُحْفَظُ فِيهِ حُرُوفُ الْقُرْآنِ وَتُضَيَّعُ حُدُودُهُ يَعْنِي أَنَّ التَّالِينَ لِكِتَابِ اللَّهِ كَثِيرٌ لَا يَعْلَمُونَ بِهِ وَلَا لِلنَّاسِ إمَامٌ وَلَا رُؤَسَاءُ يَحْمِلُونَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ فَتُضَيَّعُ لِذَلِكَ حُدُودُهُ وَأَحْكَامُهُ وَبِهَذَا خَالَفَ الزَّمَانَ الْأَوَّلَ الْمَمْدُوحَ فَإِنَّ أَئِمَّتَهُ كَانُوا يَقْضُونَ بِالْقُرْآنِ وَيَحْمِلُونَ النَّاسَ عَلَيْهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ كَثِيرٌ مَنْ يَسْأَلُ قَلِيلٌ مَنْ يُعْطِي يَعْنِي أَنَّ الْحِرْصَ وَالرَّغْبَةَ تُلْقَى فِي نُفُوسِ فُقَرَائِهِمْ وَالشُّحُّ وَالْمَنْعُ فِي نُفُوسِ أَغْنِيَائِهِمْ فَيَكْثُرُ السَّائِلُ وَيَقِلُّ الْمُعْطِي. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يُطِيلُونَ الْخُطْبَةَ وَيَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ يَعْنِي أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ مَعْنَاهَا الْوَعْظُ وَالصَّلَاةُ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ وَعْظَهُمْ يَكْثُرُ وَعَمَلَهُمْ يَقِلُّ وَقَوْلُهُ يَبْدَؤُنَ فِيهِ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ أَعْمَالِهِمْ يَعْنِي أَنَّهُمْ إذَا عَرَضَ لَهُمْ هَوًى وَعَمَلُ بِرٍّ بَدَءُوا بِعَمَلِ الْهَوَى. (ش) : قَوْلُهُ أَوَّلُ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ عَمَلِ الْعَبْدِ الصَّلَاةُ يَقْتَضِي تَأْكِيدَهَا وَشِدَّةَ مُرَاعَاتِهَا لِأَنَّهُ يُبْدَأُ بِالنَّظَرِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ لِمَزِيَّتِهَا عَلَيْهَا وَمِنْ هَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْمُتَقَدِّمُ أَنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ فَفِي هَذَا حَضٌّ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الصَّلَاةِ وَتَخْصِيصُهَا بِمَزِيَّةٍ

стр. 309

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ» ) . ــ [المنتقى] مِنْ الْمُرَاعَاةِ لِأَنَّهَا إنْ قُبِلَتْ مِنْهُ نُظِرَ فِي سَائِرِ أَعْمَالِهِ وَنَفَعَهُ مَا عَمِلَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ لَمْ يَنْفَعْهُ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِ وَلَمْ يُنْظَرْ لَهُ فِيهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ» ) . (ش) : الْمُدَاوَمَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِالنِّيَّةِ. وَالثَّانِي: بِتَكَرُّرِ الْعَمَلِ فَأَمَّا بِالنِّيَّةِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَكَرُّرُهَا قَبْلَ وَقْتِ الْعَمَلِ. وَالثَّانِي: تَكَرُّرُهَا مَعَ الْعَجْزِ عَنْ الْعَمَلِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ مَتَى أَمْكَنَ وَأَمَّا تَكْرَارُ الْعَمَلِ فَهُوَ أَنْ تَكُونَ لَهُ نَافِلَةُ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ صَدَقَةٍ فَيُدَاوِمُهَا فَكَانَتْ هَذِهِ النَّافِلَةُ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إلَيْهِ وَإِنْ قَلَّتْ وَيَرَاهَا أَفْضَلَ مِنْ كَثِيرِ النَّافِلَةِ الَّتِي لَا يُدَاوِمُ عَلَيْهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ يَسِيرَ الْعَمَلِ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ يَكُونُ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْعُمُرِ أَكْثَرَ مِنْ الْكَثِيرِ الَّذِي يُفْعَلُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يَتْرُكُهُ وَيَتْرُكُ الْعَزْمَ عَلَيْهِ وَالْعَزْمُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ يُثَابُ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي يُدَاوَمُ عَلَيْهِ هُوَ الْمَشْرُوعُ وَأَنَّ مَا تُوُغِّلَ فِيهِ بِعُنْفٍ ثُمَّ قُطِعَ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَجُلَانِ أَخَوَانِ فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَذُكِرَتْ فَضِيلَةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَلَمْ يَكُنْ الْآخَرُ مُسْلِمًا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَانَ لَا بَأْسَ بِهِ فَقَالَ ﷺ وَمَا يُدْرِيكُمْ مَا بَلَغَتْ بِهِ صَلَاتُهُ إنَّمَا مَثَلُ الصَّلَاةِ كَمَثَلِ نَهْرٍ غَمْرٍ عَذْبٍ بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَقْتَحِمُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَمَا تَرَوْنَ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا بَلَغَتْ بِهِ صَلَاتُهُ» ) . (ش) : قَوْلُهُ فَذُكِرَتْ فَضِيلَةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ بِمَا فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ وَالْإِخْبَارِ عَنْهُ بِالذِّكْرِ لِفَضِيلَةٍ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «مَرُّوا بِجِنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَبَتْ ثُمَّ مَرُّوا بِجِنَازَةٍ أُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ وَجَبَتْ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَمَا وَجَبَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ» وَمَا يَجُوزُ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ وَلَا يُخْبَرُ عَمَّا يَصِيرُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُغَيَّبٌ عَنَّا وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ «أُمِّ الْعَلَاءِ أَنَّهَا قَالَتْ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْك أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْك لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ» وَأَمَّا الْحَيُّ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ بِذِكْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْمَحَاسِنِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ. وَرُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي الْمَدْحِ فَقَالَ أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ» وَإِنْ لَمْ تُخَفْ الْفِتْنَةُ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لِعُمَرَ إيهٍ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَك الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّك» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ أَلَمْ يَكُنْ الْآخَرُ مُسْلِمًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَعْرِفْ فَسَأَلَهُمْ مُسْتَفْهِمًا عَنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ فَأَتَى بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ وَمَعْنَاهُ التَّقْرِيرُ فَقَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَانَ لَا بَأْسَ بِهِ يَعْنُونَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ إسْلَامِهِ لَا بَأْسَ بِهِ وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي التَّخَاطُبِ فِيمَا يَقْرُبُ مَعْنَاهُ وَلَا يُرَاعَى الْمُبَالَغَةُ فِي تَفْضِيلِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَمَا يُدْرِيكُمْ مَا بَلَغَتْ بِهِ صَلَاتُهُ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ صَلَاةَ هَذَا الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ الَّتِي يُرْفَعُ صَاحِبُهَا وَقَدْ عَمِلَ مِنْهَا بَعْدَ أَخِيهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَا تَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتُ فَلَا يَدْرُونَ لَعَلَّهَا قَدْ بَلَّغَتْهُ أَرْفَعَ مِنْ دَرَجَةِ أَخِيهِ ثُمَّ فَسَّرَ ﷺ فَقَالَ إنَّمَا مَثَلُ الصَّلَاةِ كَمَثَلِ نَهْرٍ عَذْبٍ غَمْرٍ خَصَّ الْعَذْبَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِنْقَاءِ، وَالْغَمْرُ الْكَثِيرُ، وَقَوْلُهُ بِبَابِ أَحَدِكُمْ يُرِيدُ قُرْبَ

стр. 310

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ كَانَ إذَا مَرَّ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَبِيعُ فِي الْمَسْجِدِ دَعَاهُ فَسَأَلَهُ مَا مَعَك وَمَا تُرِيدُ فَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ قَالَ عَلَيْك بِسُوقِ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا هَذَا سُوقُ الْآخِرَةِ) . ــ [المنتقى] مَوْضِعِهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَكَلَّفُ فِيهِ طُولَ الْمَسَافَةِ فَيَقْتَحِمُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ يُرِيدُ بِذَلِكَ عَدَدَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِ غَيْرِهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَمَا تَرَوْنَ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ الدَّرَنُ الْوَسَخُ عَلَى الْبَدَنِ وَمَعْنَى ذَلِكَ التَّقْرِيرُ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الِاسْتِفْهَامِ وَإِذَا كَانَ هَذَا حُكْمَ الصَّلَوَاتِ فِي أَنَّهَا لَا تُبْقِي سَيِّئَةً وَلَا ذَنْبًا إلَّا كَفَّرَتْهُ فَمَا عِلْمُكُمْ أَيْنَ بَلَغَتْ بِالثَّانِي صَلَاتُهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ بَعْدَ أَخِيهِ. (ش) : قَوْلُ عَطَاءٍ لِمَنْ مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ مَا مَعَك لِئَلَّا يَكُونَ مَا مَعَهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْبَيْعَ أَوْ مِمَّا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فَإِذَا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ بَيْعَهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ بَيْعَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَقَالَ عَلَيْكَ بِسُوقِ الدُّنْيَا وَأَعْلَمُهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا هُوَ سُوقُ الْآخِرَةِ لَمْ يُتَّخَذْ إلَّا لِلصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: قُرْبَةٌ وَغَيْرُ قُرْبَةٍ فَأَمَّا الْقُرْبَةُ الَّتِي بُنِيَتْ لَهَا الْمَسَاجِدُ فَالصَّلَاةُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنُ وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فَأَفْعَالٌ وَأَقْوَالٌ الْأَفْعَالُ فَكَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْأَكْلِ وَعَمَلِ الصَّنَائِعِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَأَمَّا الْبَيْعُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي الْمَسْجِدِ دِينًا فَأَمَّا مَا كَانَ بِمَعْنَى التِّجَارَةِ وَالصَّرْفِ فَلَا أُحِبُّهُ فَأُرَخِّصُ فِي الْقَضَاءِ لِخِفَّتِهِ وَقِلَّةِ مَا يَحْظُرُ مِنْهُ فَأَمَّا الْمُصَارِفَةُ فَيَحْظُرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ بِمَا يُعَاوَضُ بِهِ وَتَكْثُرُ الْمُرَاجَعَةُ وَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ هُمَا الْمُؤَثِّرَانِ فِي الْمَنْعِ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ كَثْرَةَ اللَّغَطِ وَلَمْ يَحْظُرْ فِيهِ يَسِيرَ الْعَمَلِ وَلَوْ كَانَ قَضَاءُ الْمَالِ جَسِيمًا تَتَكَلَّفُ الْمُؤْنَةُ فِي اسْتِجْلَابِهِ وَوَزْنِهِ وَانْتِقَادِهِ وَيَكْثُرُ الْعَمَلُ فِيهِ لِكَثْرَتِهِ لَكَانَ مَكْرُوهًا وَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُظْهِرَ سِلْعَةً فِي الْمَسْجِدِ لِلْبَيْعِ فَأَمَّا أَنْ يُسَاوِمَ رَجُلًا بِثَوْبٍ عَلَيْهِ أَوْ سِلْعَةٍ تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ لَهَا وَمَعْرِفَتُهُ بِهَا فَيُوَاجِبُهُ الْبَيْعَ فِيهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَبِيعَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَشْتَرِيَ شَيْئًا حَاضِرًا وَلَا غَائِبًا أَمَّا الْحَاضِرُ فَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلسِّلَعِ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ صَارَ الْمَسْجِدُ سُوقًا وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِحَاضِرٍ كَالدُّورِ وَالْأُصُولِ وَبَيْعِ الصِّفَةِ وَشَبَهِهِ فَلِمَا فِيهِ مِنْ اللَّغَطِ وَاللَّغْوِ. وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ مَا هُوَ أَخَفُّ مِنْ هَذَا فَاعْتَبَرَ مَالِكٌ إحْضَارَ الْعَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ مِنْ النَّاسِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَثْرَةَ الْمُرَاجَعَةِ الْمُبَلِّغَةِ إلَى اللَّغَطِ وَاعْتَبَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَعِنْدِي أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ رَاجِعٌ إلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ كِلَا الْوَجْهَيْنِ الْيَسِيرُ إذَا انْفَرَدَ وَلَعَلَّهُ إذَا اجْتَمَعَا فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الْيَسِيرَ مِنْهُمَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الصَّرْفِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَالَ مَالِكٌ فِي السُّؤَالِ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ وَيَقُولُونَ قَدْ وَقَفْنَا مُنْذُ يَوْمَيْنِ وَيَذْكُرُونَ حَاجَتَهُمْ أَرَى أَنْ يُنْهَوْا عَنْ ذَلِكَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْكِتَابَةُ فِي الْمَسْجِدِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي ذِكْرِ الْحَقِّ يُكْتَبُ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ أَمَّا الشَّيْءُ الْخَفِيفُ فَنَعَمْ وَأَمَّا شَيْءٌ يَطُولُ فَلَا أُحِبُّهُ وَلَمْ أَرَ لَهُ شَيْئًا فِي كَتَبَةِ الْمَصَاحِفِ فِي الْمَسْجِدِ. وَقَدْ كَرِهَ سَحْنُونَ تَعْلِيمَ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَعَلَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ لِقِلَّةِ تَوَقِّيهِمْ فِيهِ وَأَمَّا الرَّجُلُ الْمُتَوَقِّي الَّذِي يَصُونَ الْمَسْجِدَ وَيَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ فَظَاهِرُهُ الْجَوَازُ وَإِنْ كَانَ مَنَعَهُ سَحْنُونَ لِأَنَّهُ عَمَلٌ ظَاهِرٌ عَلَى صُورَةِ الصَّنَائِعِ فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا مَنْعُ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ فِيهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْخِيَاطَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الْأَعْمَالِ الطَّاهِرَةِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِالْقُرَبِ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونَ لَا يَجْلِسُ فِيهِ لَلْخِيَاطَةِ وَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ سَائِرُ الْأَعْمَالِ الَّتِي تُشْبِهُ الْخِيَاطَةَ عَلَى ذَلِكَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْأَكْلُ فِي الْمَسْجِدِ فَفِي الْمَبْسُوطِ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَكْلَ الْأَطْعِمَةِ اللَّحْمِ وَنَحْوِهِ فِي الْمَسْجِدِ زَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَوْ رِحَابِهِ وَأَمَّا الصَّائِمُ يَأْتِيهِ مِنْ دَارِهِ السَّوِيقُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَوْ الطَّعَامُ الْخَفِيفُ فَلَا بَأْسَ بِهِ زَادَ

стр. 311

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَنَى رَحْبَةً فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ تُسَمَّى الْبُطَيْحَاءَ وَقَالَ مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَلْغَطَ أَوْ يُنْشِدَ شِعْرًا أَوْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ فَلْيَخْرُجْ إلَى هَذِهِ الرَّحْبَةِ) . ــ [المنتقى] ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَلَوْ خَرَجَ إلَى بَابِهِ فَشَرِبَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ يَسِيرَ الْعَمَلِ خَفِيفٌ وَكَثِيرَهُ مَكْرُوهٌ وَيُرَاعَى مَعَ ذَلِكَ عَيْنُ الطَّعَامِ فَيُكْرَهُ إحْضَارُ الْكَثِيرِ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ وَخَفَّفَ فِي إحْضَارِ يَسِيرِهِ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي الْقَوْمِ يُفْطِرُونَ فِيهِ عَلَى كَعْكٍ وَتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى ثُمَّ يَخْرُجُونَ فَيَتَمَضْمَضُونَ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَأُرَخِّصُ لِبَعِيدِ الدَّارِ أَنْ يَأْتِيَهُ فِيهِ طَعَامُهُ قَالَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ وَالْمُعْتَكِفُ وَالْمُضْطَرُّ وَالْمُجْتَازُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ الْمَسَاجِدُ تُتَّخَذُ فِي الْقُرَى لِلْأَضْيَافِ فَيَبِيتُونَ وَيَأْكُلُونَ خُفِّفَ فِيهَا فَاتَّفَقَتْ أَقْوَالُهُمْ عَلَى الْمَنْعِ عَلَى وَجْهَيْنِ الْإِكْثَارِ وَإِحْضَارِ كَثِيرِ الطَّعَامِ وَالْغِنَى عَنْ ذَلِكَ وَتَجْوِيزِهِ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ كَشُرْبِ الْمَاءِ وَالسَّوِيقِ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَتَجْوِيزِهِ فِي الْمُتَوَسِّطِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَكَرِهَهُ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فَجَوَّزَهُ مَالِكٌ لِلْغُرَبَاءِ دُونَ الرَّجُلِ الْحَاضِرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِلْحَاضِرِ الضَّيْفِ دُونَ مَنْ لَهُ مَنْزِلٌ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ وَهْبٍ لَا تُوقَدُ نَارٌ فِي الْمَسْجِدِ وَجَوَّزَ مَالِكٌ التَّعْزِيرَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَسْوَاطَ الْيَسِيرَةَ دُونَ مَا كَثُرَ مِنْ الضَّرْبِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : هَذِهِ الْبُطَيْحَاءُ بِنَاءٌ يُرْفَعُ عَلَى الْأَرْضِ أَزَيْدَ مِنْ الذِّرَاعِ وَيُحْدَقُ حَوَالَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ جِدَارٍ قَصِيرٍ وَيُوَسَّعُ كَهَيْئَةِ الرَّحْبَةِ وَيُبْسَطُ بِالْحَصْبَاءِ يُجْتَمَعُ فِيهَا لِلْجُلُوسِ وَلَمَّا رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ كَثْرَةَ جُلُوسِ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ وَتَحَدُّثَهُمْ فِيهِ وَرُبَّمَا أَخْرَجَهُمْ ذَلِكَ إلَى اللَّغَطِ وَهُوَ الْمُخْتَلِطُ مِنْ الْقَوْلِ وَارْتِفَاعِ الْأَصْوَاتِ وَرُبَّمَا جَرَى فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ إنْشَادُ شِعْرٍ بَنَى هَذِهِ الْبَطْحَاءَ إلَى جَانِبِ الْمَسْجِدِ وَجَعَلَهَا لِذَلِكَ لِيَتَخَلَّصَ الْمَسْجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا يَحْسُنُ مِنْ الْقَوْلِ وَيُنَزَّهُ مِنْ اللَّغَطِ وَإِنْشَادِ الشِّعْرِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ فِيهِ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ فِيهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى الْكَرَاهِيَةِ وَتَنْزِيهِ الْمَسَاجِدِ لَا سِيَّمَا مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَجِبُ لَهُ مِنْ التَّعَظُّمِ وَالتَّنْزِيهِ مَا لَا يَجِبُ لِغَيْرِهِ. وَقَدْ رَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ كُنْت قَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ فَنَظَرْت فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ اذْهَبْ فَأْتِينِي بِهَذَيْنِ فَجِئْته بِهِمَا فَقَالَ مَنْ أَنْتُمَا فَقَالَا مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ قَالَ لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَزَادَ ابْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إنَّ مَسْجِدَنَا هَذَا لَا يُرْفَعُ فِيهِ الصَّوْتُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَبْسُوطِ قَدْ رَأَيْت مَالِكًا يَعِيبُ عَلَى أَصْحَابِهِ رَفْعَ أَصْوَاتِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ عَلَّلَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ بِعِلَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُنَزَّهَ الْمَسْجِدُ مِنْ مِثْلِ هَذَا وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْمَسْجِدَ مِمَّا أُمِرْنَا بِتَعْظِيمِهِ وَتَوْقِيرِهِ. وَالثَّانِيَةُ: لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلصَّلَاةِ وَقَدْ أُمِرْنَا أَنْ نَأْتِيَهَا وَعَلَيْنَا السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فَبِأَنَّ لِمُلْتَزِمٍ ذَلِكَ بِمَوْضِعِهَا الْمُتَّخِذِ لَهَا أَوْلَى. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ فِي الَّذِي يَنْشُدُ الضَّالَّةَ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَقُومُ رَافِعًا صَوْتَهُ وَأَمَّا أَنْ يَسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ جُلَسَاءَهُ غَيْرَ رَافِعٍ لِصَوْتِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ مَمْنُوعٌ فِي الْمَسَاجِدِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فَأَمَّا سُؤَالُهُ جَلِيسَهُ فَمِنْ جِنْسِ الْمُحَادِثَةِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مَا لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ اللَّغَطُ مِنْ الْإِكْثَارِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ رَفْعُ الْأَصْوَاتِ مَمْنُوعٌ فِي الْمَسَاجِدِ إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ وَالْخُصُومَةِ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْمَسْجِدَ يَجْمَعُ النَّاسَ وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مِثْلِ هَذَا. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَعِنْدِي إنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يُحْتَجَّ فِيهِ بِمَا جَوَّزَهُ مَالِكٌ مِنْ جُلُوسِ الْحَاكِمِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ وَلَا بُدَّ لِلْمُتَخَاصِمِينَ مِنْ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ فَعَلَى هَذَا يُبَاحُ فِيهِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لِلضَّرُورَةِ مِنْ الْمُرَاجَعَةِ

стр. 312

جَامِعُ التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ قَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ قَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ وَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ» ) . ــ [المنتقى] اللَّازِمَةِ وَلِذَلِكَ شُرِعَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْخُطَبِ فِي الْمَسَاجِدِ لِلْأَمْرِ يَأْمُرُ بِهِ الْإِمَامُ أَوْ الْخَبَرِ يُخْبِرُ بِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالنَّظَرِ لِلنَّاسِ فِيهَا. (فَرْعٌ) وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ كَالْإِمَامِ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ وَحْدَهُ وَأَمَّا رَفْعُ النَّاسِ أَصْوَاتَهُمْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا لَا لَغْوَ فِيهِ مِنْ الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ صَوْتٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ وَيَجْلِسُ إلَيْهِ رِجَالٌ فَيُحَدِّثُهُمْ عَنْ الْأَجْنَادِ وَيُحَدِّثُونَهُ بِالْأَحَادِيثِ وَلَا يَقُولُونَ لَهُ كَيْفَ تَقُولُ كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ هَذَا الزَّمَانِ. [جَامِعُ التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ] (ش) : ثَائِرُ الرَّأْسِ يَعْنِي أَنَّهُ قَدْ قَامَ شَعْرُ رَأْسِهِ وَلَمْ يُرَجَّلْ بِمُشْطٍ وَلَا دُهْنٍ وَلَا غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ جَهَارَةَ صَوْتِهِ وَلَا يَبِينُ كَلَامُهُ إبَانَةً يُفْهَمُ بِهِ أَوْ لِبُعْدِ مَكَانِهِ عَمَّنْ يَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ حَتَّى دَنَا وَقَرُبَ فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ يَدُلُّ عَلَى قُرْبِ طَلْحَةَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلِذَلِكَ لَمَّا دَنَا الْأَعْرَابِيُّ مِنْهُ وَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْإِسْلَامِ عَرَفَ طَلْحَةُ مَا يَقُولُ وَأَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْإِسْلَامُ وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَالتَّذَلُّلُ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ أَسْلَمَ فُلَانٌ الْأَمْرَ فَكَانَ أَيْ انْقَادَ لَهُ فَكَانَ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ يَسْأَلُ عَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَيَكُونُ بِفِعْلِهَا مُسْلِمًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ لِأَنَّهَا عُمْدَةُ الدِّينِ وَآكَدُ أَفْعَالِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِيمَانَ وَإِظْهَارَ الشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّ السَّائِلَ قَدْ كَانَ أَقَرَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا السَّائِلَ قَدْ رَأَى الصَّلَاةَ وَعَرَفَ صِفَتَهَا وَلَمْ يَعْرِفْ حُكْمَ الْوَاجِبِ مِنْهَا وَلَا مِقْدَارَهَا فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَمَّا سَأَلَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ حَالِهَا فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِجُمْلَةِ الْوَاجِبِ ثُمَّ يُفَسِّرُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ يَعْنِي مِنْ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ مِنْ الصَّلَوَاتِ غَيْرَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَا وَتْرٌ وَلَا غَيْرُهُ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ الْأَوَّلِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ مَعَ سُؤَالِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ لَكَانَ ظَاهِرُهُ أَنَّهَا جَمِيعُ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ السَّائِلَ أَرَادَ رَفْعَ الْإِشْكَالِ وَالتَّجْوِيزَ بِسُؤَالِهِ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ يُرِيدُ ﷺ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا إلَّا أَنْ يَطَّوَّعَ الرَّجُلُ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِدُخُولِهِ فِيهَا، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرَّجُلِ يَشْرَعُ فِي النَّافِلَةِ هَلْ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا أَمْ لَا فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي نَافِلَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْطَعَهَا عَمْدًا وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَإِنْ غَلَبَهُ عَلَى قَطْعِهَا غَالِبٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي الْعَمْدِ وَالْعُذْرِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَهُ أَنْ يَقْطَعَهَا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ قَوْلُهُ ﷺ إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ لِأَنَّ السَّائِلَ سَأَلَ هَلْ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ فَقَالَ ﷺ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ تَقْدِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا أَنْ

стр. 313

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ ــ [المنتقى] تَطَوَّعَ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَيْكَ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ التَّطَوُّعُ بِالدُّخُولِ فِيهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ يَعْنِي أَنَّ هَذَا مِنْ الصِّيَامِ الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ وَقَوْلُ الْأَعْرَابِيِّ هَلْ عَلَيَّ غَيْرَهُ وَقَوْلُهُ ﷺ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا صَوْمَ عَلَى الْمُكَلَّفِ غَيْرُ صَوْمِ رَمَضَانَ إلَّا أَنْ يَطَّوَّعَ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِالنَّذْرِ أَوْ بِالدُّخُولِ فِيهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَّرَ لَهُ الزَّكَاةَ وَأَخْبَرَهُ بِمَا يَجِبُ مِنْهَا فِي الْعَيْنِ وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ فَسَأَلَهُ هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَقَادِيرِ الَّتِي ذَكَرَ لَهُ مِنْهَا فَقَالَ لَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ عَلَيْهِ زَكَاةً لَهَا مِقْدَارٌ يَنْتَهِي إلَيْهِ وَحَقٌّ فِي مَالِهِ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ جِنْسُهَا وَلَا قَدْرُهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ زِيَادَةٌ عَلَى هَذَا الْحَقِّ فَقَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ بِالْتِزَامِ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ وَإِخْرَاجِهِ عَنْ يَدِك إلَى يَدِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ يَعْنِي السَّائِلَ وَهُوَ يَقُولُ وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ وَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ تَطَوُّعًا وَنَفْلًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لَا أَزِيدُ عَلَى اعْتِقَادِ وُجُوبِ غَيْرِ هَذَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لَا أَزِيدُ فِي الْبَلَاغِ إلَى قَوْمِي عَلَى هَذَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ لَا أَزِيدُ فِي الْفِعْلِ عَلَى هَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْمَنْعِ مِنْ الْفَهْمِ عَلَى أَنْ لَا يَتَطَوَّعَ بِخَيْرٍ وَعَمَلِ بِرٍّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] «وَقَالَ ﷺ لِلَّذِي سَأَلَهُ غَرِيمُهُ أَنْ يَحُطَّهُ فَأَقْسَمَ أَنْ لَا يَفْعَلَ تَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا» عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ لِفِعْلِهِ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ فَقَالَ «وَاَلَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ» وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ أَصَحُّ لِأَنَّ مَالِكًا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ. وَقَدْ تَابَعَهُ الرُّوَاةُ عَلَى قَوْلِهِ وَأَرَى إسْمَاعِيلَ بْنَ جَعْفَرٍ نَقَلَهُ عَلَى الْمَعْنَى بِغَيْرِهِ وَلَوْ صَحَّ لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَا أَتَطَوَّعُ بِشَيْءٍ أَلْتَزِمُهُ وَأُوجِبُ غَيْرَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيَّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ بِمِثْلِ هَذَا فِي أَوَّلِ إسْلَامِهِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَجَمِيِّ يُسْلِمُ وَلَا يَفْقَهُ الْإِسْلَامَ فَيَأْكُلُ فِي رَمَضَانَ لَا يَضِيقُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ الْفَلَاحُ الْبَقَاءُ وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الشَّرْعِ الْبَقَاءُ فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّهَا الْبَقَاءُ الدَّائِمُ فِي الْخَيْرِ الدَّائِمِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ فَازَ إنْ صَدَقَ فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْفَلَاحُ الْفَوْزُ وَقَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١] أَنَّ مَعْنَاهُ الْفَائِزُونَ وَأَمَّا الصِّدْقُ فَاسْتَعْمَلَهُ ﷺ فِي الْخَبَرِ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ إنَّ الْكَذِبَ فِي مُخَالَفَةِ الْخَبَرِ عَنْ الْمَاضِي وَالْخُلْفُ وَمُخَالَفَتُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَيَجِبُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الصِّدْقُ فِي الْخَبَرِ عَنْ الْمَاضِي وَالْوَفَاءُ فِي الْخَبَرِ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ. (فَصْلٌ) : أَدْخَلَ مَالِكٌ ﵀ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ جَامِعِ التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَعْنَى قَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ فَيَكُونَ تَرْغِيبُهُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ فَيَكُونَ التَّرْغِيبُ فِي النَّافِلَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ قَوْلَهُ ﷺ : أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ فَيَكُونَ التَّرْغِيبُ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ.

стр. 314

عُقْدَةٌ فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» ) . الْعَمَلُ فِي غُسْلِ الْعِيدَيْنِ وَالنِّدَاءِ فِيهِمَا وَالْإِقَامَةِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ يَقُولُ لَمْ يَكُنْ فِي عِيدِ الْفِطْرِ وَلَا فِي عِيدِ الْأَضْحَى نِدَاءٌ وَلَا إقَامَةٌ مُنْذُ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الْيَوْمِ قَالَ مَالِكٌ وَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إلَى الْمُصَلَّى) . ــ [المنتقى] (ش) : وَقَوْلُهُ ﷺ يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَقْدُ بِمَعْنَى السِّحْرِ لِلْإِنْسَانِ وَالْمَنْعِ لَهُ مِنْ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وَالْقَافِيَةُ مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ هُوَ الْقَفَا وَقَافِيَّةُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ قَافِيَةُ الْبَيْتِ مِنْ الشِّعْرِ لِأَنَّهَا آخِرُهُ وَلَمَّا قَالَ ﷺ إذَا هُوَ نَامَ كَانَ ظَاهِرُهُ إنْ عَقَدَهُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ النَّوْمِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ يَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ عَلَيْك لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ إنَّ ذَلِكَ مَقْصُودُ ذَلِكَ الْعَقْدِ وَمُرَادُ الشَّيْطَانِ مِنْهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ تَسْوِيفُهُ بِالْقِيَامِ وَالْإِلْبَاسِ عَلَيْهِ لِأَنَّ فِي بَقِيَّةِ اللَّيْلِ مِنْ الطُّولِ مَا لَهُ فِيهِ فُسْحَةٌ، وَقَوْلُهُ ﷺ فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ يُرِيدُ أَنَّ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِالْوُضُوءِ وَبِالصَّلَاةِ تَنْحَلُّ عُقَدُ الشَّيْطَانِ كُلُّهَا وَيَنْجُو الْمُسْلِمُ مِنْ كَيْدِهِ وَمِنْ شَرِّ عُقَدِهِ فَيُصْبِحُ نَشِيطًا قَدْ انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقَدُ الشَّيْطَانِ الَّتِي تُكَسِّلُهُ طَيِّبَ النَّفْسِ بِمَا عَمِلَ فِي لَيْلِهِ مِنْ عَمَلِ الْبِرِّ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ يُرِيدُ مُتَغَيِّرًا قَدْ تَمَكَّنَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ وَثَبَّتَ عَلَيْهِ عُقَدَهُ وَكَسَّلَهُ عَنْ النَّشَاطِ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي» وَلَيْسَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ اخْتِلَافٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى الْمُسْلِمَ أَنْ يَقُولَ خَبُثَتْ نَفْسِي لَمَّا كَانَ خُبْثُ النَّفْسِ بِمَعْنَى فَسَادِ الدِّينِ وَالنَّبِيُّ ﷺ وَصَفَ بَعْضَ الْأَفْعَالِ بِذَلِكَ تَحْذِيرًا عَنْهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَافِلَةَ اللَّيْلِ مَشْرُوعَةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا وَأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ مَقْصُودٌ لَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْدِيدُهُ وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْهَاجِرَةِ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَرَاحَةٍ وَبُعْدٍ عَمَّا تَقَدَّمَ مِنْ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ. وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ النَّفْلِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَقَالَ إنَّمَا كَانَتْ صَلَاةُ الْقَوْمِ بِالْهَاجِرَةِ وَاللَّيْلِ وَلَمْ تَكُنْ بَعْدَهُ. [الْعَمَلُ فِي غُسْلِ الْعِيدَيْنِ وَالنِّدَاءِ فِيهِمَا وَالْإِقَامَةِ] (ش) : هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ لَمْ يُسْنِدْهُ مَالِكٌ إلَّا أَنَّهُ يَجْرِي عِنْدَهُ مَجْرَى الْمُتَوَاتِرِ مِنْ الْأَخْبَارِ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْمُسْنَدِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَلَا يَقُولُ ذَلِكَ إلَّا مَنْ سَمِعَهُ مِنْ عَدَدٍ كَثِيرٍ، وَالْعُلَمَاءُ الَّذِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ هُمْ التَّابِعُونَ الَّذِينَ شَاهَدُوا الصَّحَابَةَ وَصَلَّوْا مَعَهُمْ وَأَخَذُوا عَنْهُمْ وَسَمِعُوا مِنْهُمْ وَقَدْ قَالُوا إنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُنْذُ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الْيَوْمِ فَأَضَافُوهُ إلَى زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُمْ حَقَّقُوا الْخَبَرَ بِذَلِكَ وَأَثْبَتُوهُ بِاتِّصَالِ الْعَمَلِ بِهِ إلَى وَقْتِ إخْبَارِهِمْ بِهِ ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ مَالِكٌ بِأَنْ قَالَ وَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَهُ وَأَفْعَالُ الصَّلَوَاتِ الْمُتَكَرِّرِ نَقْلُهَا بِالْمَدِينَةِ نَقْلَ الْمُتَوَاتِرِ إذَا اتَّصَلَ الْعَمَلُ بِهَا وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا بَيْنَ فُقَهَاء الْأَمْصَارِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ لَا أَذَانَ فِي نَافِلَةٍ وَلَا عِيدٍ وَلَا خُسُوفٍ وَلَا اسْتِسْقَاءٍ وَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ إنَّمَا شُرِعَا لِلْفَرَائِضِ فَأَمَّا النَّوَافِلُ فَلَا يُؤَذَّنُ لَهَا وَلَا يُقَامُ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ نَافِلَةٌ لَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ فَكَانَ ذَلِكَ حُكْمَهَا. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ إنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ لَهَا هِشَامٌ. (ش) : الْغُسْلُ لِلْعِيدَيْنِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ جَمَاعَةِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ. وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَقَالَ غَيْرُهُمْ إنَّ فِعْلَهُ لَحَسَنٌ وَالطَّيِّبُ يَجِيءُ مِنْهُ وَرَوَى مَالِكٌ فِي ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ

стр. 315

الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ فِي الْعِيدَيْنِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى قَبْلَ الْخُطْبَةِ» مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ أَنَّهُ قَالَ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ إنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَالْآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ثُمَّ شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَجَاءَ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ فَقَالَ إنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ فَلْيَنْتَظِرْهَا وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ فَجَاءَ فَصَلَّى ــ [المنتقى] مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ. وَقَدْ رَوَى أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ مَا رَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اغْتَسَلَ لِلْعِيدِ قَطُّ كَانَ يَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ وَيَغْدُو مِنْهُ إذَا صَلَّى الصُّبْحَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رِوَايَةُ أَيُّوبَ فِي فِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ اعْتِكَافِهِ بَيَّنَ ذَلِكَ مَبِيتَهُ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا عِنْدَ اعْتِكَافِهِ وَيُحْمَلُ رِوَايَةُ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى غَيْرِ وَقْتِ اعْتِكَافِهِ وَلَوْ تَعَارَضَ الْخَبَرَانِ تَعَارُضًا لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَكَانَتْ رِوَايَةُ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَوْلَى، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا يَوْمٌ يُسَنُّ فِيهِ الطِّيبُ وَالتَّجَمُّلُ فَسُنَّ فِيهِ الْغُسْلُ كَالْجُمُعَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ مَالِكٌ وَلَا أُوجِبُ غُسْلَ الْعِيدِ كَغُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَجْهُ ذَلِكَ الِاتِّفَاقُ عَلَى غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالِاخْتِلَافُ فِي غُسْلِ الْعِيدَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ غُسْلُهُ مُتَّصِلًا بِغُدُوِّهِ إلَى الْمُصَلَّى قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَفْضَلُ أَوْقَاتِ الْغُسْلِ لِلْعِيدِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ فَإِنْ اغْتَسَلَ لِلْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ فَوَاسِعٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ مِنْ سُنَّتِهِ الِاتِّصَالَ بِالْغُدُوِّ إلَيْهَا فَلِذَلِكَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَإِنْ قَدَّمَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ فَوَاسِعٌ لِقُرْبِ ذَلِكَ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ لَا تَذْهَبُ آثَارُهُ قَبْلَ الْغُدُوِّ وَلَا تَتَغَيَّرُ نَظَافَتُهُ. [الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ فِي الْعِيدَيْنِ] (ش) : لَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَرُوِيَ عَنْ يُوسُفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمَّا رَأَى النَّاسَ يَنْفُضُونَ إذَا صَلَّى حَبَسَهُمْ لِلْخُطْبَةِ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ فِي الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الصَّلَاةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ قَالَ مَالِكٌ وَالسُّنَّةُ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَبِذَلِكَ عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءَ أَنَّهُ قَالَ لَا أَدْرِي أَوَّلَ مَنْ بَدَأَ بِذَلِكَ إلَّا أَنِّي أَدْرَكْت النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَقَدُّمَ الْعَمَلِ بِهِ وَاتِّصَالَهُ وَقِلَّةَ الْإِنْكَارِ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدِ إنْكَارُهُ لِمَا شَاهَدَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنْكَارُهُ إنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ وَلِذَلِكَ شَهِدَ مَعَ مَرْوَانَ الْعِيدَ وَلَوْ كَانَ أَمْرًا مُحَرَّمًا أَوْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ لَمَا شَهِدَهُ وَلَعَلَّهُ لَمَّا ذَكَرَ لَهُ مَرْوَانُ الْعَدَدَ تَبَيَّنَ لَهُ وَجْهٌ وَلِذَلِكَ اتَّصَلَ الْعَمَلُ بِهِ دُونَ إنْكَارٍ مِنْ جُمْهُورِ النَّاسِ لَهُ حَتَّى أَخْبَرَ عَطَاءُ أَنَّهُ وَجَدَ الْعَمَلَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَعَادَهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ وَقَدْ أَسَاءَ قَالَهُ أَشْهَبُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَأْخِيرَهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ كُلُّ خُطْبَةٍ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي صِحَّتِهَا وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا مَا يُقَدَّمُ عَلَيْهَا وَلَكِنَّ السُّنَّةَ فِي الْعِيدَيْنِ أَنْ يُؤْتَى بِهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَخْطُبْ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ وَقَدْ أَسَاءَ فِي تَرْكِ الْخُطْبَةِ.

стр. 316

ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُرِيدُ صَلَاةُ الْعِيدِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَقْصُودَةُ مِنْ الْيَوْمِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ شَهِدْت الْجُمُعَةَ فَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَأَخْبَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَصَرَّحَ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ ثُمَّ أَخْبَرَ عَمَّا ذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ مِنْ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ وَهَذِهِ سُنَّةٌ فِي أَنَّ الْإِمَامَ يُعَلِّمُ النَّاسَ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ أَحْكَامِ أَيَّامِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ لِيَعْلَمَ النَّاسُ عِلْمَ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَحَبُّ إلَيَّ إنْ كَانَ فِي الْفِطْرِ أَنْ يَذْكُرَ فِي خُطْبَةِ الْفِطْرِ وَسُنَّتِهِ وَيَحُضَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَإِنْ كَانَ فِي أَضْحَى ذَكَرَ الْأُضْحِيَّةَ وَسُنَّتَهَا وَأَمَرَ بِالزَّكَاةِ وَعَلَّمَهُمْ فَرْضَهَا وَحَذَّرَهُمْ تَضْيِيعَهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَالْآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ بَيَّنَ الْيَوْمَيْنِ وَأَضَافَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَكْلًا مَشْرُوعًا فِيهِ يَمْنَعُ صَوْمَهُ فَقَالَ إنَّ يَوْمَ الْفِطْرِ هُوَ يَوْمٌ سُنَّ فِيهِ الْفِطْرُ مِنْ صَوْمِ رَمَضَانَ وَهَذَا يَمْنَعُ صَوْمَهُ، وَيَوْمُ الْأَضْحَى يَوْمٌ يُسَنُّ فِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ نُسُكِهِ وَهُوَ أَيْضًا يَمْنَعُ مِنْ صَوْمِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَجَاءَ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ إنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ يَعْنِي أَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ صَادَفَ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ فَلْيَنْتَظِرْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْت لَهُ، الْعَالِيَةُ مِنْ الْعَوَالِي قَالَ مَالِكٌ بَيْنَ أَبْعَدِ الْعَوَالِي وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَهِيَ مَنَازِلُ حَوَالِي الْمَدِينَةِ سُمِّيَتْ الْعَوَالِي لِإِشْرَافِ مَوَاضِعِهَا وَأَهْلُ الْعَوَالِي يَلْزَمُهُمْ حُضُورُ الْجُمُعَةِ إلَّا أَنَّ عُثْمَانَ رَأَى أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ عِيدَانِ فِي يَوْمٍ جَازَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجُمُعَةِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَدًا أَذِنَ لِأَهْلِ الْعَوَالِي غَيْرُ عُثْمَانَ. وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَأَنَّ الْجُمُعَةَ تَلْزَمُهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَالصَّوَابُ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ الْإِمَامُ كَمَا أَذِنَ عُثْمَانُ وَأَنْكَرُوا رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةُ وَالشَّافِعِيُّ. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَلَمْ يَخُصَّ عِيدًا مِنْ غَيْرِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْفَرَائِضَ لَيْسَ لِلْأَئِمَّةِ الْإِذْنُ فِي تَرْكِهَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِحَسْبِ الْعُذْرِ فَمَتَى أَسْقَطَهَا الْعُذْرُ سَقَطَتْ وَلَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ الْمُطَالَبَةُ وَإِنْ ثَبَتَتْ لِعَدَمِ الْعُذْرِ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ إسْقَاطُهَا. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا يَلْحَقُ النَّاسَ مِنْ الْمَشَقَّةِ بِالتَّكْرَارِ وَالتَّأَخُّرِ وَهِيَ صَلَاةٌ يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِطُولِ الْمَسَافَةِ وَبِالْمَشَقَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكُمُ، وَمِنْ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ عُثْمَانَ خَطَبَ بِذَلِكَ يَوْمَ عِيدٍ وَهُوَ وَقْتُ احْتِفَالِ النَّاسِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ عُثْمَانَ ﵁ قَدْ أَذِنْت لَهُ يُرِيدُ أَعْلَمْت النَّاسَ أَنِّي أُجِيزُهُ وَآخُذُ بِهِ وَلَا أُنْكِرُ عَلَى مَنْ عَمِلَ بِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخْذُ النَّاسِ بِالْمَجِيءِ إلَى الْجُمُعَةِ وَالْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا إلَّا لِعُذْرٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ لَزِمَ النَّاسَ اتِّبَاعُ رَأْيِ الْإِمَامِ إذَا كَانَ مِثْلَ عُثْمَانَ ﵁. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ إقَامَةِ الْعِيدِ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا كَانَ لِلْإِمَامِ عُذْرٌ لِأَنَّ عَلِيًّا فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ إمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَثَبَتَ إجْمَاعُهُمْ عَلَيْهِ وَمُوَافَقَتُهُمْ لَهُ فِيهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَسْتَفْتِحُ خُطْبَتَهُ بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ تِبَاعًا فَإِذَا مَضَتْ كَلِمَاتٌ كَبَّرَ ثَلَاثًا وَكَذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ إلَّا أَنَّهُ يَفْتَتِحُهَا بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ قَالَ وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ يَفْتَتِحُ بِالتَّكْبِيرِ وَيُكَبِّرُ بَيْنَ أَضْعَافِ خُطْبَتِهِ وَلَمْ يَحُدَّهُ قَالَ

стр. 317

الْأَمْرُ بِالْأَكْلِ قَبْلَ الْغُدُوِّ فِي الْعِيدِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ) . مَا جَاءَ فِي التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ فَقَالَ كَانَ يَقْرَأُ بِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] ، وَ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] » ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ شَهِدْت الْأَضْحَى وَالْفِطْرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَفِي الْأَخِيرَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ــ [المنتقى] ابْنُ حَبِيبٍ وَبِمَا قُلْنَا قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ، وَوَجْهُ مَا قَالُوهُ اسْتِحْسَانٌ وَمَا زَادَ أَوْ نَقَصَ فَلَا حَرَجَ. (مَسْأَلَةٌ) : هَلْ يُكَبِّرُ النَّاسُ مَعَهُ إذَا كَبَّرَ فِي خُطْبَتِهِ قَالَ مَالِكٌ يُكَبِّرُونَ مَعَهُ وَمَنَعَ مِنْهُ الْمُغِيرَةُ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا مُخَالِفَ لَهُ وَلِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَشْرُوعٌ لِلْكَافَّةِ فَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ كَانَ ذَلِكَ اسْتِدْعَاءً لَهُ مِنْ النَّاسِ وَوَجْهُ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ شُرُوعَ الْإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ يَمْنَعُ الْكَلَامَ وَيُوجِبُ الْإِنْصَاتَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي خُطْبَتِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ تَمَادَى عَلَيْهَا وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ مَنْ يُتِمُّهَا لِأَنَّهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ وَمَنْ أَحْدَثَ مِنْ النَّاسِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلَا يَنْصَرِفُ أَيْضًا قَالَهُ مَالِكٌ وَالْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [الْأَمْرُ بِالْأَكْلِ قَبْلَ الْغُدُوِّ فِي الْعِيدِ] (ش) : هَذَا الِاسْمُ يَخْتَصُّ بِأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ وَإِنْ كَانَ الْأَضْحَى أَيْضًا يَوْمَ فِطْرٍ لَا يَحِلُّ فِيهِ الصَّوْمُ إلَّا أَنَّ هَذَا الِاسْمَ مُخْتَصٌّ بِهِ فِي الشَّرْعِ وَقَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ يُرِيدُ إلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ هُوَ الْغُدُوُّ الْمَعْرُوفُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يُؤْكَلَ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ عَلَيْهِ يَوْمَ الْفِطْرِ إخْرَاجُ حَقٍّ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الصَّلَاةِ فَكَانَتْ سُنَّةٌ أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ إخْرَاجِ ذَلِكَ الْحَقِّ كَمَا أَنَّ يَوْمَ الْأَضْحَى عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ حَقًّا وَهُوَ الْأُضْحِيَّةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَكَانَ سُنَّةٌ أَنْ يَأْكُلَ ذَلِكَ الْوَقْتَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِطْرُهُ عَلَى تَمْرٍ إنْ وَجَدَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا» (ص) : (مَالِكُ بْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُؤْمَرُونَ بِالْأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ) (ش) : قَوْلُهُ إنَّ النَّاسَ كَانُوا يُؤْمَرُونَ إشَارَةٌ إلَى عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ إلَى عَصْرِ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ وَأَنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ سُنَّةٌ مَأْمُورٌ بِهَا إمَّا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِهِ أَوْ لِأَنَّ أَئِمَّةَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَأْمُرُونَ بِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ شَائِعًا فِيهِمْ دُونَ نَكِيرٍ وَلَا مُخَالِفٍ وَلَا تَغْيِيرٍ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا أَرَى ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ فِي الْأَضْحَى) . (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ عَلَى النَّاسِ الْأَكْلُ فِي الْأَضْحَى قَبْلَ الْغُدُوِّ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتِ إخْرَاجِ الْحَقِّ فِيهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَهُوَ وَقْتُ نَحْرِ أُضْحِيَّتِهِ وَهُوَ إخْرَاجُ الْحَقِّ الْمُخْتَصِّ بِذَلِكَ الْيَوْمِ. [مَا جَاءَ فِي التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] (ش) : لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى التَّخْيِيرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِبَارِ لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ نَسِيَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَذَكَّرَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] » وَحَدِيثُ مَالِكٍ أَسْنَدُ.

стр. 318

قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ وَجَدَ النَّاسَ قَدْ انْصَرَفُوا مِنْ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْعِيدِ أَنَّهُ لَا يَرَى عَلَيْهِ صَلَاةً فِي الْمُصَلَّى وَلَا فِي بَيْتِهِ وَأَنَّهُ إنْ صَلَّى فِي الْمُصَلَّى أَوْ فِي بَيْتِهِ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا وَيُكَبِّرُ سَبْعًا فِي الْأُولَى قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ فَكَبَّرَ فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي ثَوْرٍ إلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الْأُولَى سَبْعُ تَكْبِيرَاتٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ التَّكْبِيرُ فِي الْأُولَى ثَلَاثٌ غَيْرُ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ» وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِثَابِتٍ وَلَمْ يَبْلُغْ عِنْدِي مَبْلَغَ الِاحْتِجَاجِ بِهِ إلَّا أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ بِهِ وَمِمَّا رُوِيَ فِي مَعْنَاهُ الْمَذْهَبُ إذْ لَمْ يَرْوِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ ذَلِكَ وَقَدْ اتَّصَلَ الْعَمَلُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ قُلْنَا إنَّ نَقْلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِلصَّلَوَاتِ وَالْأَذَانِ عَلَى التَّوَاتُرِ وَإِذَا اتَّصَلَ بِمَا قُلْنَاهُ الْعَمَلُ بِالْمَدِينَةِ كَانَ حُجَّةً يُقْطَعُ بِهَا وَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ صَحِيحِ الْأَسَانِيدِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعْتَدُّ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فِي السَّبْعِ تَكْبِيرَاتٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ سَبْعُ تَكْبِيرَاتٍ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْأَخْبَارُ الْمُتَقَدِّمَةُ بِذَلِكَ وَاتِّصَالُ الْعَمَلِ بِالْمَدِينَةِ وَإِطْلَاقُ اللَّفْظِ فَإِنَّهُ كَبَّرَ سَبْعًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ جَمِيعُ مَا كَبَّرَ (مَسْأَلَةٌ) : وَالتَّكْبِيرُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ خَمْسٌ غَيْرُ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ خَمْسٌ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ هِيَ فِي نَفْسِ الْقِيَامِ وَلَا يُعْتَدُّ مِنْ التَّكْبِيرِ إلَّا بِمَا يَكُونُ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ خَيَّرَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ مِنْ الزَّوَائِدِ وَعَنْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَرَوَى عَنْهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ كِنَانَةَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ فِي الْعِيدَيْنِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا يَقْرَبُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فِي الْآخِرَةِ خَمْسُ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ لَمْ يَخْتَلِفْ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَأَمَّا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ التَّكْبِيرَ عِنْدَ مَالِكٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ أَيْضًا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْقِرَاءَةُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُتَّصِلِ بِذَلِكَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهَا إحْدَى رَكْعَتَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ فَكَانَ مَحَلُّ زَوَائِدِ التَّكْبِيرِ فِيهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ كَالرَّكْعَةِ الْأُولَى. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ فَلْيُكَبِّرْ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ لِأَنَّهُ تَكْبِيرٌ فِي الصَّلَاةِ يَفْعَلُهُ الْمَأْمُومُ مَعَ الْإِمَامِ فَلَزِمَهُ فِعْلُهُ إنْ لَمْ يَسْمَعْهُ كَتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ مَحَلٌّ لِلدُّعَاءِ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَذْكَارِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ مِقْدَارًا مُتَوَسِّطًا يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُهَلِّلُهُ وَيُكَبِّرُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَيْنِ ذِكْرَانِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لَيْسَا مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ يُفْعَلَانِ فِي حَالٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يُسَنَّ بَيْنَهُمَا ذِكْرُ غَيْرِهِمَا كَالتَّسْبِيحِ حَالَ السُّجُودِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ إنَّمَا سُنَّتْ لِلْجَمَاعَةِ وَتِلْكَ الْجَمَاعَةُ هُمْ عِنْدَ مَالِكٍ الرِّجَالُ الْأَحْرَارُ فَمَنْ فَاتَتْهُ تِلْكَ الْجَمَاعَةُ لَمْ يَلْزَمْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ فَإِنْ شَاءَ صَلَّاهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هِيَ سُنَّةٌ لَازِمَةٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالْمُسَافِرِينَ وَمَنْ عَقَلَ الصَّلَاةَ مِنْ الصِّبْيَانِ يُصَلُّونَهَا فِي بُيُوتِهِمْ وَحَيْثُ كَانُوا وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوهَا فِي الْجَمَاعَةِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ عِيدٍ فَلَمْ تَلْزَمْ الْمُفْرَدَ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ لَا تَسْقُطُ عَنْ

стр. 319

تَرْكُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدَيْنِ وَبَعْدَهُمَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَانَ يَغْدُو إلَى الْمُصَلَّى بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) . ــ [المنتقى] الرِّجَالِ فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْ النِّسَاءِ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ كَسَائِرِ الْفُرُوضِ. (فَرْعٌ) وَإِذَا صَلَّاهَا مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ الْجَمَاعَةِ هَلْ يُصَلِّيهَا فِي جَمَاعَةٍ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ يَخْرُجُ إلَيْهَا مِنْ النِّسَاءِ لَا يُجْمِعُ بِهِنَّ أَحَدٌ وَإِنْ صَلَّيْنَ صَلَّيْنَ أَفْذَاذًا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُجْمِعَ الرَّجُلُ صَلَاةَ الْعِيدِ إذَا تَخَلَّفَ عَنْهَا مَعَ أَهْلِهِ أَوْ مَعَ نَفَرٍ يَكُونُونَ عِنْدَهُ أَوْ فِي مَسْجِدِهِمْ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ عِيدٍ فَلَا يَجْمَعُهَا مَنْ فَاتَتْهُ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ مَسْنُونَةٌ يَلْحَقُهَا التَّغْيِيرُ فَجَازَ أَنْ تُجْمَعَ مَعَ غَيْرِ الْإِمَامِ وَإِنْ جَمَعَ فِيهَا الْإِمَامُ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ (مَسْأَلَةٌ) وَفِي أَيِّ الْمَوَاضِعِ يَلْزَمُ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ وَأَشْهَبُ أَنَّ صَلَاتَهَا لَيْسَتْ إلَّا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَلْزَمُ الْقَرْيَةَ فِيهَا عِشْرُونَ رَجُلًا وَالنُّزُولُ إلَيْهَا مِنْ ثَلَاثِ أَمْيَالٍ كَالْجُمُعَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَوْلُهُ إنْ صَلَّى فِي الْمُصَلَّى أَوْ فِي بَيْتِهِ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ حِينَ فَاتَتْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاتِهِ وَحْدَهُ بَعْدَ الْإِمَامِ افْتِيَاتٌ عَلَيْهِ وَلَا إظْهَارٌ لِمُخَالَفَتِهِ وَلِذَلِكَ جَوَّزَ لِمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ أَوْ فِي بَيْتِهِ وَمَنَعَاهُ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِيهِ بِجَمَاعَةٍ أُخْرَى. [تَرْكُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدَيْنِ وَبَعْدَهُمَا] (ش) : صَلَاةُ الْعِيدِ تُقَامُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمَوْضِعُ الْمُخْتَصُّ بِهَا، وَالْآخَرُ الْجَامِعُ فَأَمَّا الْمَوْضِعُ الْمُخْتَصُّ بِهَا فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّنَفُّلِ فِيهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ فِيهِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ يَنْتَفِلُ بَعْدَهَا وَلَا يَنْتَفِلُ قَبْلَهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَنْتَفِلُ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ لَحِقَهَا التَّغْيِيرُ سُنَّ لَهَا الْبُرُوزُ فَلَمْ تُسَنَّ الصَّلَاةُ قَبْلَهَا فِي مُصَلَّاهَا كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ صُلِّيَتْ فِي الْجَامِعِ فَهَلْ يُصَلِّي قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا فِيهِ أَوَّلًا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إجَازَةُ ذَلِكَ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ مَنْعَهُ قَبْلَهَا وَإِبَاحَتَهُ بَعْدَهَا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أُحِبُّ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الْعِيدِ حَظَّهُ مِنْ النَّافِلَةِ ذَلِكَ الْيَوْمَ إلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَالصَّوَابُ جَوَازُ النَّافِلَةِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ بَعْدَ طُولِ الْمُكْثِ فِيهِ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ تَأْخِيرُ التَّنَفُّلِ لِأَنَّهَا صَلَاةُ عِيدٍ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ. (ش) : تَأْخِيرُ غُدُوِّهِ إلَى الْمُصَلَّى حِينَ يُصَلِّي الصُّبْحَ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الصُّبْحِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْغُدُوُّ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَمَّا الْغُدُوُّ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلِمَنْ أَرَادَ التَّبْكِيرَ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ وَمَنْ غَدَا إلَيْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَذَلِكَ أَنَّ الرُّكُوعَ لَيْسَ بِمَسْنُونٍ قَبْلَ الْجُلُوسِ بِالْمُصَلَّى فَيَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْهُ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَتَقَدَّمَ جُلُوسُهُ لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ عَمَلُ بِرٍّ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ وَالْخُرُوجُ إلَيْهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَمَلُ الْفُقَهَاءِ عِنْدَنَا وَهُوَ الْأَمْرُ الْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَيُقْبِلَ عَلَى الذِّكْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ قُرْبَ ذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ حُكْمُ الْمَأْمُومِ فَأَمَّا الْإِمَامُ فَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ غَدَا الْغَادِي إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَا يُكَبِّرُ فِي طَرِيقِهِ وَلَا جُلُوسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَإِنْ غَدَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلْيُكَبِّرْ فِي طَرِيقِهِ إلَى الْمُصَلَّى وَإِذَا جَلَسَ حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ

стр. 320

الرُّخْصَةُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدَيْنِ وَبَعْدَهُمَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَبَاهُ الْقَاسِمَ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إلَى الْمُصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) . غُدُوُّ الْإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ وَانْتِظَارُ الْخُطْبَةِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَضَتْ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا فِي وَقْتِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى أَنَّ الْإِمَامَ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ قَدْرَ مَا يَبْلُغُ مُصَلَّاهُ وَقَدْ حَلَّتْ الصَّلَاةُ) . (ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ يَوْمَ الْفِطْرِ هَلْ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ الْخُطْبَةَ ــ [المنتقى] مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّكْبِيرَ شِعَارُ الْخَارِجِ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَصِّ بِهَا وَأَمَّا قَبْلُ ذَلِكَ فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ هَذَا الذِّكْرُ وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِهِ ذِكْرُ غَيْرِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْفِطْرُ وَالْأَضْحَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُكَبِّرُ فِي الْأَضْحَى وَلَا يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ لَا يَتَكَرَّرُ فِي الْعَامِ فَسَنَّ فِيهِ التَّكْبِيرَ فِي الْخُرُوجِ إلَيْهِ كَالْأَضْحَى. [الرُّخْصَةُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدَيْنِ وَبَعْدَهُمَا] (ش) : حُكْمُ هَذَا الْبَابِ غَيْرُ حُكْمِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ الْبَابَ الْأَوَّلَ فِي مَنْعِ الصَّلَاةِ بِالْمُصَلَّى قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا وَهَذَا فِي الرُّخْصَةِ فِي التَّنَفُّلِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ لِمَنْ تَأَخَّرَ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَيَتَنَفَّلُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَنَحْوَهَا ثُمَّ يَغْدُو إلَى الْمُصَلَّى. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ) . ش وَهَذَا عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَتَقْدِيرُهُ إنْ كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِهِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمُصَلَّى. [غُدُوُّ الْإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ وَانْتِظَارُ الْخُطْبَةِ] (ش) : قَوْلُهُ مَضَتْ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا يُرِيدُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ عَمَلِ الْأَئِمَّةِ فِي الْعِيدَيْنِ وَعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ فَذَكَرْنَا أَنَّهُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَقَوْلُهُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى آخَرِ الْمَسْأَلَةِ فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: إحْدَاهَا وَقْتُ خُرُوجِ الْإِمَامِ إلَى الْعِيدِ. وَالثَّانِي: وَقْتُ صَلَاةِ الْعِيدِ. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ الْفِطْرَ وَالْأَضْحَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. فَأَمَّا وَقْتُ خُرُوجِ الْإِمَامِ إلَى الْعِيدِ فَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ قَدْرَ مَا يَصِلُ إلَى الْمُصَلَّى وَقَدْ بَرَزَتْ الشَّمْسُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ هَذَا عِيدٌ فَلَمْ يُشْرَعْ لِلْإِمَامِ الْجُلُوسُ فِي مُصَلَّاهُ كَالْجُمُعَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا وَقْتُ صَلَاةِ الْعِيدِ فَأَوَّلُهُ إذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ وَحَلَّتْ السُّبْحَةُ وَفَوْقَ ذَلِكَ قَلِيلًا وَوَجْهُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ صَلَاةُ نَافِلَةٍ فَيَجِبُ أَنْ يَتَخَيَّرَ لَهَا جَوَازَ التَّنَفُّلِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيُزَادُ عَلَى ذَلِكَ بِقَدْرِ تَمَكُّنِ الْوَقْتِ وَاجْتِمَاعِ النَّاسِ وَوُرُودِ مَنْ بَعُدَ وَلَهُ عُذْرٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْفِطْرُ وَالْأَضْحَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُعَجِّلُ الْأَضْحَى وَيُؤَخِّرُ الْفِطْرَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْأَضْحَى صَلَاةُ عِيدٍ يُبْرَزُ لَهَا كَصَلَاةِ الْفِطْرِ. (فَرْعٌ) وَآخِرُ وَقْتِهَا إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ لَا وَقْتَ لِمَا غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّوَافِلَ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْأَوْقَاتِ أَوْقَاتُهَا إلَى الزَّوَالِ كَصَلَاةِ الْخُسُوفِ وَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ قَدْرَ مَا يَبْلُغُ مُصَلَّاهُ يُرِيدُ يَبْلُغُ الْإِمَامُ مُصَلَّاهُ لِلْعِيدِ لِأَنَّ النُّزُولَ لِلْعِيدِ سُنَّةٌ وَتَعَيُّنَ مَوْضِعِهِ سُنَّةٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْدُو إلَى الْمُصَلَّى وَالْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ بِالْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إلَيْهَا» . فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْمُصَلَّى لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ وَذَلِكَ يُفِيدُ أَنْ يَكُونَ مُصَلَّى الْعِيدِ مَعْرُوفًا مَعْهُودًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكُمُ.
следующие страницы →