← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُرِيدُ صَلَاةُ الْعِيدِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَقْصُودَةُ مِنْ الْيَوْمِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ شَهِدْت الْجُمُعَةَ فَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَأَخْبَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَصَرَّحَ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ ثُمَّ أَخْبَرَ عَمَّا ذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ مِنْ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ وَهَذِهِ سُنَّةٌ فِي أَنَّ الْإِمَامَ يُعَلِّمُ النَّاسَ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ أَحْكَامِ أَيَّامِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ لِيَعْلَمَ النَّاسُ عِلْمَ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَحَبُّ إلَيَّ إنْ كَانَ فِي الْفِطْرِ أَنْ يَذْكُرَ فِي خُطْبَةِ الْفِطْرِ وَسُنَّتِهِ وَيَحُضَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَإِنْ كَانَ فِي أَضْحَى ذَكَرَ الْأُضْحِيَّةَ وَسُنَّتَهَا وَأَمَرَ بِالزَّكَاةِ وَعَلَّمَهُمْ فَرْضَهَا وَحَذَّرَهُمْ تَضْيِيعَهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَالْآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ بَيَّنَ الْيَوْمَيْنِ وَأَضَافَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَكْلًا مَشْرُوعًا فِيهِ يَمْنَعُ صَوْمَهُ فَقَالَ إنَّ يَوْمَ الْفِطْرِ هُوَ يَوْمٌ سُنَّ فِيهِ الْفِطْرُ مِنْ صَوْمِ رَمَضَانَ وَهَذَا يَمْنَعُ صَوْمَهُ، وَيَوْمُ الْأَضْحَى يَوْمٌ يُسَنُّ فِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ نُسُكِهِ وَهُوَ أَيْضًا يَمْنَعُ مِنْ صَوْمِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَجَاءَ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ إنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ يَعْنِي أَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ صَادَفَ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ فَلْيَنْتَظِرْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْت لَهُ، الْعَالِيَةُ مِنْ الْعَوَالِي قَالَ مَالِكٌ بَيْنَ أَبْعَدِ الْعَوَالِي وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَهِيَ مَنَازِلُ حَوَالِي الْمَدِينَةِ سُمِّيَتْ الْعَوَالِي لِإِشْرَافِ مَوَاضِعِهَا وَأَهْلُ الْعَوَالِي يَلْزَمُهُمْ حُضُورُ الْجُمُعَةِ إلَّا أَنَّ عُثْمَانَ رَأَى أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ عِيدَانِ فِي يَوْمٍ جَازَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجُمُعَةِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَدًا أَذِنَ لِأَهْلِ الْعَوَالِي غَيْرُ عُثْمَانَ. وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَأَنَّ الْجُمُعَةَ تَلْزَمُهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَالصَّوَابُ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ الْإِمَامُ كَمَا أَذِنَ عُثْمَانُ وَأَنْكَرُوا رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةُ وَالشَّافِعِيُّ. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَلَمْ يَخُصَّ عِيدًا مِنْ غَيْرِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْفَرَائِضَ لَيْسَ لِلْأَئِمَّةِ الْإِذْنُ فِي تَرْكِهَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِحَسْبِ الْعُذْرِ فَمَتَى أَسْقَطَهَا الْعُذْرُ سَقَطَتْ وَلَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ الْمُطَالَبَةُ وَإِنْ ثَبَتَتْ لِعَدَمِ الْعُذْرِ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ إسْقَاطُهَا. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا يَلْحَقُ النَّاسَ مِنْ الْمَشَقَّةِ بِالتَّكْرَارِ وَالتَّأَخُّرِ وَهِيَ صَلَاةٌ يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِطُولِ الْمَسَافَةِ وَبِالْمَشَقَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكُمُ، وَمِنْ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ عُثْمَانَ خَطَبَ بِذَلِكَ يَوْمَ عِيدٍ وَهُوَ وَقْتُ احْتِفَالِ النَّاسِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ عُثْمَانَ ﵁ قَدْ أَذِنْت لَهُ يُرِيدُ أَعْلَمْت النَّاسَ أَنِّي أُجِيزُهُ وَآخُذُ بِهِ وَلَا أُنْكِرُ عَلَى مَنْ عَمِلَ بِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخْذُ النَّاسِ بِالْمَجِيءِ إلَى الْجُمُعَةِ وَالْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا إلَّا لِعُذْرٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ لَزِمَ النَّاسَ اتِّبَاعُ رَأْيِ الْإِمَامِ إذَا كَانَ مِثْلَ عُثْمَانَ ﵁. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ إقَامَةِ الْعِيدِ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا كَانَ لِلْإِمَامِ عُذْرٌ لِأَنَّ عَلِيًّا فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ إمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَثَبَتَ إجْمَاعُهُمْ عَلَيْهِ وَمُوَافَقَتُهُمْ لَهُ فِيهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَسْتَفْتِحُ خُطْبَتَهُ بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ تِبَاعًا فَإِذَا مَضَتْ كَلِمَاتٌ كَبَّرَ ثَلَاثًا وَكَذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ إلَّا أَنَّهُ يَفْتَتِحُهَا بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ قَالَ وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ يَفْتَتِحُ بِالتَّكْبِيرِ وَيُكَبِّرُ بَيْنَ أَضْعَافِ خُطْبَتِهِ وَلَمْ يَحُدَّهُ قَالَ

стр. 317

الْأَمْرُ بِالْأَكْلِ قَبْلَ الْغُدُوِّ فِي الْعِيدِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ) . مَا جَاءَ فِي التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ فَقَالَ كَانَ يَقْرَأُ بِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] ، وَ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] » ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ شَهِدْت الْأَضْحَى وَالْفِطْرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَفِي الْأَخِيرَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ــ [المنتقى] ابْنُ حَبِيبٍ وَبِمَا قُلْنَا قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ، وَوَجْهُ مَا قَالُوهُ اسْتِحْسَانٌ وَمَا زَادَ أَوْ نَقَصَ فَلَا حَرَجَ. (مَسْأَلَةٌ) : هَلْ يُكَبِّرُ النَّاسُ مَعَهُ إذَا كَبَّرَ فِي خُطْبَتِهِ قَالَ مَالِكٌ يُكَبِّرُونَ مَعَهُ وَمَنَعَ مِنْهُ الْمُغِيرَةُ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا مُخَالِفَ لَهُ وَلِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَشْرُوعٌ لِلْكَافَّةِ فَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ كَانَ ذَلِكَ اسْتِدْعَاءً لَهُ مِنْ النَّاسِ وَوَجْهُ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ شُرُوعَ الْإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ يَمْنَعُ الْكَلَامَ وَيُوجِبُ الْإِنْصَاتَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي خُطْبَتِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ تَمَادَى عَلَيْهَا وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ مَنْ يُتِمُّهَا لِأَنَّهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ وَمَنْ أَحْدَثَ مِنْ النَّاسِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلَا يَنْصَرِفُ أَيْضًا قَالَهُ مَالِكٌ وَالْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [الْأَمْرُ بِالْأَكْلِ قَبْلَ الْغُدُوِّ فِي الْعِيدِ] (ش) : هَذَا الِاسْمُ يَخْتَصُّ بِأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ وَإِنْ كَانَ الْأَضْحَى أَيْضًا يَوْمَ فِطْرٍ لَا يَحِلُّ فِيهِ الصَّوْمُ إلَّا أَنَّ هَذَا الِاسْمَ مُخْتَصٌّ بِهِ فِي الشَّرْعِ وَقَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ يُرِيدُ إلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ هُوَ الْغُدُوُّ الْمَعْرُوفُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يُؤْكَلَ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ عَلَيْهِ يَوْمَ الْفِطْرِ إخْرَاجُ حَقٍّ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الصَّلَاةِ فَكَانَتْ سُنَّةٌ أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ إخْرَاجِ ذَلِكَ الْحَقِّ كَمَا أَنَّ يَوْمَ الْأَضْحَى عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ حَقًّا وَهُوَ الْأُضْحِيَّةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَكَانَ سُنَّةٌ أَنْ يَأْكُلَ ذَلِكَ الْوَقْتَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِطْرُهُ عَلَى تَمْرٍ إنْ وَجَدَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا» (ص) : (مَالِكُ بْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُؤْمَرُونَ بِالْأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ) (ش) : قَوْلُهُ إنَّ النَّاسَ كَانُوا يُؤْمَرُونَ إشَارَةٌ إلَى عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ إلَى عَصْرِ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ وَأَنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ سُنَّةٌ مَأْمُورٌ بِهَا إمَّا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِهِ أَوْ لِأَنَّ أَئِمَّةَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَأْمُرُونَ بِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ شَائِعًا فِيهِمْ دُونَ نَكِيرٍ وَلَا مُخَالِفٍ وَلَا تَغْيِيرٍ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا أَرَى ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ فِي الْأَضْحَى) . (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ عَلَى النَّاسِ الْأَكْلُ فِي الْأَضْحَى قَبْلَ الْغُدُوِّ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتِ إخْرَاجِ الْحَقِّ فِيهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَهُوَ وَقْتُ نَحْرِ أُضْحِيَّتِهِ وَهُوَ إخْرَاجُ الْحَقِّ الْمُخْتَصِّ بِذَلِكَ الْيَوْمِ. [مَا جَاءَ فِي التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] (ش) : لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى التَّخْيِيرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِبَارِ لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ نَسِيَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَذَكَّرَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] » وَحَدِيثُ مَالِكٍ أَسْنَدُ.

стр. 318

قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ وَجَدَ النَّاسَ قَدْ انْصَرَفُوا مِنْ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْعِيدِ أَنَّهُ لَا يَرَى عَلَيْهِ صَلَاةً فِي الْمُصَلَّى وَلَا فِي بَيْتِهِ وَأَنَّهُ إنْ صَلَّى فِي الْمُصَلَّى أَوْ فِي بَيْتِهِ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا وَيُكَبِّرُ سَبْعًا فِي الْأُولَى قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ فَكَبَّرَ فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي ثَوْرٍ إلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الْأُولَى سَبْعُ تَكْبِيرَاتٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ التَّكْبِيرُ فِي الْأُولَى ثَلَاثٌ غَيْرُ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ» وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِثَابِتٍ وَلَمْ يَبْلُغْ عِنْدِي مَبْلَغَ الِاحْتِجَاجِ بِهِ إلَّا أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ بِهِ وَمِمَّا رُوِيَ فِي مَعْنَاهُ الْمَذْهَبُ إذْ لَمْ يَرْوِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ ذَلِكَ وَقَدْ اتَّصَلَ الْعَمَلُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ قُلْنَا إنَّ نَقْلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِلصَّلَوَاتِ وَالْأَذَانِ عَلَى التَّوَاتُرِ وَإِذَا اتَّصَلَ بِمَا قُلْنَاهُ الْعَمَلُ بِالْمَدِينَةِ كَانَ حُجَّةً يُقْطَعُ بِهَا وَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ صَحِيحِ الْأَسَانِيدِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعْتَدُّ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فِي السَّبْعِ تَكْبِيرَاتٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ سَبْعُ تَكْبِيرَاتٍ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْأَخْبَارُ الْمُتَقَدِّمَةُ بِذَلِكَ وَاتِّصَالُ الْعَمَلِ بِالْمَدِينَةِ وَإِطْلَاقُ اللَّفْظِ فَإِنَّهُ كَبَّرَ سَبْعًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ جَمِيعُ مَا كَبَّرَ (مَسْأَلَةٌ) : وَالتَّكْبِيرُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ خَمْسٌ غَيْرُ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ خَمْسٌ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ هِيَ فِي نَفْسِ الْقِيَامِ وَلَا يُعْتَدُّ مِنْ التَّكْبِيرِ إلَّا بِمَا يَكُونُ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ خَيَّرَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ مِنْ الزَّوَائِدِ وَعَنْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَرَوَى عَنْهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ كِنَانَةَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ فِي الْعِيدَيْنِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا يَقْرَبُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فِي الْآخِرَةِ خَمْسُ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ لَمْ يَخْتَلِفْ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَأَمَّا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ التَّكْبِيرَ عِنْدَ مَالِكٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ أَيْضًا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْقِرَاءَةُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُتَّصِلِ بِذَلِكَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهَا إحْدَى رَكْعَتَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ فَكَانَ مَحَلُّ زَوَائِدِ التَّكْبِيرِ فِيهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ كَالرَّكْعَةِ الْأُولَى. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ فَلْيُكَبِّرْ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ لِأَنَّهُ تَكْبِيرٌ فِي الصَّلَاةِ يَفْعَلُهُ الْمَأْمُومُ مَعَ الْإِمَامِ فَلَزِمَهُ فِعْلُهُ إنْ لَمْ يَسْمَعْهُ كَتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ مَحَلٌّ لِلدُّعَاءِ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَذْكَارِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ مِقْدَارًا مُتَوَسِّطًا يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُهَلِّلُهُ وَيُكَبِّرُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَيْنِ ذِكْرَانِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لَيْسَا مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ يُفْعَلَانِ فِي حَالٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يُسَنَّ بَيْنَهُمَا ذِكْرُ غَيْرِهِمَا كَالتَّسْبِيحِ حَالَ السُّجُودِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ إنَّمَا سُنَّتْ لِلْجَمَاعَةِ وَتِلْكَ الْجَمَاعَةُ هُمْ عِنْدَ مَالِكٍ الرِّجَالُ الْأَحْرَارُ فَمَنْ فَاتَتْهُ تِلْكَ الْجَمَاعَةُ لَمْ يَلْزَمْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ فَإِنْ شَاءَ صَلَّاهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هِيَ سُنَّةٌ لَازِمَةٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالْمُسَافِرِينَ وَمَنْ عَقَلَ الصَّلَاةَ مِنْ الصِّبْيَانِ يُصَلُّونَهَا فِي بُيُوتِهِمْ وَحَيْثُ كَانُوا وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوهَا فِي الْجَمَاعَةِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ عِيدٍ فَلَمْ تَلْزَمْ الْمُفْرَدَ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ لَا تَسْقُطُ عَنْ

стр. 319

تَرْكُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدَيْنِ وَبَعْدَهُمَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَانَ يَغْدُو إلَى الْمُصَلَّى بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) . ــ [المنتقى] الرِّجَالِ فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْ النِّسَاءِ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ كَسَائِرِ الْفُرُوضِ. (فَرْعٌ) وَإِذَا صَلَّاهَا مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ الْجَمَاعَةِ هَلْ يُصَلِّيهَا فِي جَمَاعَةٍ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ يَخْرُجُ إلَيْهَا مِنْ النِّسَاءِ لَا يُجْمِعُ بِهِنَّ أَحَدٌ وَإِنْ صَلَّيْنَ صَلَّيْنَ أَفْذَاذًا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُجْمِعَ الرَّجُلُ صَلَاةَ الْعِيدِ إذَا تَخَلَّفَ عَنْهَا مَعَ أَهْلِهِ أَوْ مَعَ نَفَرٍ يَكُونُونَ عِنْدَهُ أَوْ فِي مَسْجِدِهِمْ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ عِيدٍ فَلَا يَجْمَعُهَا مَنْ فَاتَتْهُ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ مَسْنُونَةٌ يَلْحَقُهَا التَّغْيِيرُ فَجَازَ أَنْ تُجْمَعَ مَعَ غَيْرِ الْإِمَامِ وَإِنْ جَمَعَ فِيهَا الْإِمَامُ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ (مَسْأَلَةٌ) وَفِي أَيِّ الْمَوَاضِعِ يَلْزَمُ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ وَأَشْهَبُ أَنَّ صَلَاتَهَا لَيْسَتْ إلَّا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَلْزَمُ الْقَرْيَةَ فِيهَا عِشْرُونَ رَجُلًا وَالنُّزُولُ إلَيْهَا مِنْ ثَلَاثِ أَمْيَالٍ كَالْجُمُعَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَوْلُهُ إنْ صَلَّى فِي الْمُصَلَّى أَوْ فِي بَيْتِهِ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ حِينَ فَاتَتْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاتِهِ وَحْدَهُ بَعْدَ الْإِمَامِ افْتِيَاتٌ عَلَيْهِ وَلَا إظْهَارٌ لِمُخَالَفَتِهِ وَلِذَلِكَ جَوَّزَ لِمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ أَوْ فِي بَيْتِهِ وَمَنَعَاهُ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِيهِ بِجَمَاعَةٍ أُخْرَى. [تَرْكُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدَيْنِ وَبَعْدَهُمَا] (ش) : صَلَاةُ الْعِيدِ تُقَامُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمَوْضِعُ الْمُخْتَصُّ بِهَا، وَالْآخَرُ الْجَامِعُ فَأَمَّا الْمَوْضِعُ الْمُخْتَصُّ بِهَا فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّنَفُّلِ فِيهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ فِيهِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ يَنْتَفِلُ بَعْدَهَا وَلَا يَنْتَفِلُ قَبْلَهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَنْتَفِلُ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ لَحِقَهَا التَّغْيِيرُ سُنَّ لَهَا الْبُرُوزُ فَلَمْ تُسَنَّ الصَّلَاةُ قَبْلَهَا فِي مُصَلَّاهَا كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ صُلِّيَتْ فِي الْجَامِعِ فَهَلْ يُصَلِّي قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا فِيهِ أَوَّلًا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إجَازَةُ ذَلِكَ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ مَنْعَهُ قَبْلَهَا وَإِبَاحَتَهُ بَعْدَهَا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أُحِبُّ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الْعِيدِ حَظَّهُ مِنْ النَّافِلَةِ ذَلِكَ الْيَوْمَ إلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَالصَّوَابُ جَوَازُ النَّافِلَةِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ بَعْدَ طُولِ الْمُكْثِ فِيهِ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ تَأْخِيرُ التَّنَفُّلِ لِأَنَّهَا صَلَاةُ عِيدٍ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ. (ش) : تَأْخِيرُ غُدُوِّهِ إلَى الْمُصَلَّى حِينَ يُصَلِّي الصُّبْحَ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الصُّبْحِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْغُدُوُّ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَمَّا الْغُدُوُّ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلِمَنْ أَرَادَ التَّبْكِيرَ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ وَمَنْ غَدَا إلَيْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَذَلِكَ أَنَّ الرُّكُوعَ لَيْسَ بِمَسْنُونٍ قَبْلَ الْجُلُوسِ بِالْمُصَلَّى فَيَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْهُ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَتَقَدَّمَ جُلُوسُهُ لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ عَمَلُ بِرٍّ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ وَالْخُرُوجُ إلَيْهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَمَلُ الْفُقَهَاءِ عِنْدَنَا وَهُوَ الْأَمْرُ الْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَيُقْبِلَ عَلَى الذِّكْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ قُرْبَ ذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ حُكْمُ الْمَأْمُومِ فَأَمَّا الْإِمَامُ فَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ غَدَا الْغَادِي إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَا يُكَبِّرُ فِي طَرِيقِهِ وَلَا جُلُوسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَإِنْ غَدَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلْيُكَبِّرْ فِي طَرِيقِهِ إلَى الْمُصَلَّى وَإِذَا جَلَسَ حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ

стр. 320

الرُّخْصَةُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدَيْنِ وَبَعْدَهُمَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَبَاهُ الْقَاسِمَ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إلَى الْمُصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) . غُدُوُّ الْإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ وَانْتِظَارُ الْخُطْبَةِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَضَتْ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا فِي وَقْتِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى أَنَّ الْإِمَامَ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ قَدْرَ مَا يَبْلُغُ مُصَلَّاهُ وَقَدْ حَلَّتْ الصَّلَاةُ) . (ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ يَوْمَ الْفِطْرِ هَلْ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ الْخُطْبَةَ ــ [المنتقى] مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّكْبِيرَ شِعَارُ الْخَارِجِ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَصِّ بِهَا وَأَمَّا قَبْلُ ذَلِكَ فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ هَذَا الذِّكْرُ وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِهِ ذِكْرُ غَيْرِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْفِطْرُ وَالْأَضْحَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُكَبِّرُ فِي الْأَضْحَى وَلَا يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ لَا يَتَكَرَّرُ فِي الْعَامِ فَسَنَّ فِيهِ التَّكْبِيرَ فِي الْخُرُوجِ إلَيْهِ كَالْأَضْحَى. [الرُّخْصَةُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدَيْنِ وَبَعْدَهُمَا] (ش) : حُكْمُ هَذَا الْبَابِ غَيْرُ حُكْمِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ الْبَابَ الْأَوَّلَ فِي مَنْعِ الصَّلَاةِ بِالْمُصَلَّى قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا وَهَذَا فِي الرُّخْصَةِ فِي التَّنَفُّلِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ لِمَنْ تَأَخَّرَ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَيَتَنَفَّلُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَنَحْوَهَا ثُمَّ يَغْدُو إلَى الْمُصَلَّى. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ) . ش وَهَذَا عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَتَقْدِيرُهُ إنْ كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِهِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمُصَلَّى. [غُدُوُّ الْإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ وَانْتِظَارُ الْخُطْبَةِ] (ش) : قَوْلُهُ مَضَتْ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا يُرِيدُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ عَمَلِ الْأَئِمَّةِ فِي الْعِيدَيْنِ وَعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ فَذَكَرْنَا أَنَّهُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَقَوْلُهُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى آخَرِ الْمَسْأَلَةِ فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: إحْدَاهَا وَقْتُ خُرُوجِ الْإِمَامِ إلَى الْعِيدِ. وَالثَّانِي: وَقْتُ صَلَاةِ الْعِيدِ. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ الْفِطْرَ وَالْأَضْحَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. فَأَمَّا وَقْتُ خُرُوجِ الْإِمَامِ إلَى الْعِيدِ فَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ قَدْرَ مَا يَصِلُ إلَى الْمُصَلَّى وَقَدْ بَرَزَتْ الشَّمْسُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ هَذَا عِيدٌ فَلَمْ يُشْرَعْ لِلْإِمَامِ الْجُلُوسُ فِي مُصَلَّاهُ كَالْجُمُعَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا وَقْتُ صَلَاةِ الْعِيدِ فَأَوَّلُهُ إذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ وَحَلَّتْ السُّبْحَةُ وَفَوْقَ ذَلِكَ قَلِيلًا وَوَجْهُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ صَلَاةُ نَافِلَةٍ فَيَجِبُ أَنْ يَتَخَيَّرَ لَهَا جَوَازَ التَّنَفُّلِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيُزَادُ عَلَى ذَلِكَ بِقَدْرِ تَمَكُّنِ الْوَقْتِ وَاجْتِمَاعِ النَّاسِ وَوُرُودِ مَنْ بَعُدَ وَلَهُ عُذْرٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْفِطْرُ وَالْأَضْحَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُعَجِّلُ الْأَضْحَى وَيُؤَخِّرُ الْفِطْرَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْأَضْحَى صَلَاةُ عِيدٍ يُبْرَزُ لَهَا كَصَلَاةِ الْفِطْرِ. (فَرْعٌ) وَآخِرُ وَقْتِهَا إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ لَا وَقْتَ لِمَا غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّوَافِلَ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْأَوْقَاتِ أَوْقَاتُهَا إلَى الزَّوَالِ كَصَلَاةِ الْخُسُوفِ وَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ قَدْرَ مَا يَبْلُغُ مُصَلَّاهُ يُرِيدُ يَبْلُغُ الْإِمَامُ مُصَلَّاهُ لِلْعِيدِ لِأَنَّ النُّزُولَ لِلْعِيدِ سُنَّةٌ وَتَعَيُّنَ مَوْضِعِهِ سُنَّةٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْدُو إلَى الْمُصَلَّى وَالْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ بِالْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إلَيْهَا» . فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْمُصَلَّى لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ وَذَلِكَ يُفِيدُ أَنْ يَكُونَ مُصَلَّى الْعِيدِ مَعْرُوفًا مَعْهُودًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكُمُ.

стр. 321

قَالَ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ) . صَلَاةُ الْخَوْفِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَمَّنْ «صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَصَفَّتْ طَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ فَصَلَّى بِاَلَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» ) ــ [المنتقى] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ وَتَوَابِعِهَا مِمَّنْ شَهِدَ الصَّلَاةَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ أَوْ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ امْرَأَةٍ وَعَبْدٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ حُضُورَ سُنَّتِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ طَوَافُ النَّفْلِ لَمَّا كَانَ الرُّكُوعُ مِنْ تَوَابِعِهِ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ تَنَفَّلَ بِهِ أَنْ يَتْرُكَ الرُّكُوعَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا انْصَرَفَ فَلَا يُكَبِّرُ فِي انْصِرَافِهِ لِأَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ تَكْبِيرَهُ يَنْقَطِعُ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي غَدَا مِنْهُ لِمَا رَوَاهُ عَنْ جَابِرٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ» قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَذَلِكَ لِلْإِمَامِ أَلْزَمُ مِنْهُ لِلنَّاسِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَسُئِلَ مَالِكٌ أَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِأَخِيهِ إذَا انْصَرَفَ مِنْ الْعِيدِ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْك وَغَفَرَ لَنَا وَلَك وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَخُوهُ مِثْلُ ذَلِكَ قَالَ لَا يُكْرَهُ. [صَلَاةُ الْخَوْفِ] (ش) : غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَقَوْلُهُ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ أَضَافَ الْيَوْمَ إلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ الرِّقَاعُ فِيهِ بَيَاضٌ وَحُمْرَةٌ وَسَوَادٌ وَقِيلَ إنَّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إبِلٌ تَحْمِلُهُمْ فَكَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشَاةً فَتَخَرَّقَتْ نِعَالُهُمْ فَلَفُّوا الرِّقَاعَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ نَزَلَتْ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مَنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ يُرِيدُ أَنَّ لِصَلَاةِ الْخَوْفِ صِفَةً تَخْتَصُّ بِهَا وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي عَمَّ النَّاسَ مَعْرِفَةُ صِفَاتِهَا. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِفَتِهَا فَرُوِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَهُوَ الَّذِي صَلَّاهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَالرِّوَايَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً ثُمَّ تَصِيرُ فِي وِجَاهِ الْعَدُوِّ وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهَا الْإِمَامُ رَكْعَةً أُخْرَى ثُمَّ يُسَلِّمُ ثُمَّ تَقُومُ كُلُّ طَائِفَةٍ فَتُتِمُّ وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَزَادَ أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى تَأْتِي بِالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ وِجَاهَ الْعَدُوِّ فَإِذَا انْصَرَفَتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى وَقَفَتْ وِجَاهَ الْعَدُوِّ ثُمَّ قَضَتْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ رَكْعَتَهَا الثَّانِيَةَ، وَالْخِلَافُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: جَوَازُهَا. وَالثَّانِي: صِفَتُهَا فَأَمَّا جَوَازُهَا فَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ غَيْرَ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ قَالَ لَا تُصَلَّى صَلَاةُ الْخَوْفِ بِإِمَامٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ وَقَدْ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ بَلْ أَفْعَالُهُ عِنْدَهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي جُيُوشٍ عَظِيمَةٍ وَمَحَافِلَ مُخْتَلِفَةٍ مِثْلُهَا تَذِيعُ وَتَسْلَمُ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفٌ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ ضَرْبٌ مِنْ الْعُذْرِ يُغَيَّرُ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُنَا فِيهِ حُكْمَ النَّبِيِّ ﷺ كَالْمَرَضِ وَالسَّفَرِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الصِّفَةَ الْمُخْتَلِفَةَ عَلَى صِفَةِ ظَاهِرِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فَقَالَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَهِيَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ أَنْ يَقِفَ الْجَيْشُ وَرَاءَ الْإِمَامِ صَفَّيْنِ فَيُكَبِّرُ الْإِمَامُ وَيُكَبِّرُ الصَّفَّانِ فَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ رَكْعَةً وَالصَّفُّ الْآخَرُ وِجَاهَ

стр. 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْعَدُوِّ ثُمَّ يَذْهَبُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ إلَى وِجَاهِ الْعَدُوِّ وَيَأْتِي الصَّفُّ الثَّانِي فَيُصَلِّي بِهِمْ الْإِمَامُ رَكْعَةً ثُمَّ يَقْضِي الَّذِينَ صَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مَكَانَهُمْ ثُمَّ يَذْهَبُونَ إلَى مَصَافِّ أَصْحَابِهِمْ وَيَأْتِي أُولَئِكَ فَيَقْضُونَ رَكْعَةً. وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَسْنَدُ رَوَاهُ عَنْهُ صَالِحُ بْنُ خَوَّاتٍ وَسَمَاعُهُ مِنْهُ صَحِيحٌ وَخَبَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقَدْ صَغُرَ عَنْ السَّمَاعِ مِنْهُ وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُمَا لَوْ تَسَاوَيَا فِي الْإِسْنَادِ لَوَجَبَ الْأَخْذُ بِحَدِيثِ سَهْلٍ لِمُوَافَقَتِهِ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ طَائِفَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَقُومُ مَعَ الْإِمَامِ وَعَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ يَقُومُونَ مَعَهُ وَقَوْلُهُ فَإِذَا سَجَدُوا وَهَذَا يَقْتَضِي إفْرَادَهُمْ بِالسُّجُودِ وَلَوْ سَجَدَ بِهِمْ الْإِمَامُ لَقَالَ فَإِذَا سَجَدْتُمْ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] . وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي إفْرَادَ الطَّائِفَةِ الْأُولَى بِالسُّجُودِ ثُمَّ تَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فِي صَلَاةٍ وَعَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَلَا تَنْفَرِدُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى بِالسُّجُودِ دُونَ الْإِمَامِ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ صَلَاتِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] وَعَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيْسَ طَائِفَةٌ لَمْ تُصَلِّ لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ كَبَّرَ بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ. وَدَلِيلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَيْنِ لَوْ تَسَاوَيَا وَلَمْ يَكُنْ يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ لَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ وَيَرْجِعَ إلَى سَائِرِ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَإِذَا رَجَعْنَا إلَيْهَا فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ أَوْلَى لِأَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ إنَّمَا شُرِعَتْ لِحِفْظِ الْمُسْلِمِينَ وَلِحِمَايَتِهِمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ وَمَا قُلْنَاهُ هُوَ الَّذِي يَقَعُ بِهِ التَّحَرُّزُ لِأَنَّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ تَكُونُ أَبَدًا فِي غَيْرِ صَلَاةٍ لِتَحْفَظَ الطَّائِفَةَ الْمُصَلِّيَةَ وَعَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ تَكُونُ الطَّائِفَتَانِ أَبَدًا مُصَلِّيَتَيْنِ فَلَا تَبْقَى طَائِفَةٌ تَحْفَظُ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ تَغَيُّرُ صَلَاةِ الْخَوْفِ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ وَإِنَّمَا دَخَلَهَا التَّغْيِيرُ لِفَائِدَةِ التَّحَرُّزِ وَالْحِفْظِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. (فَصْلٌ) : ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى تَفْسِيرِ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ فَقَوْله إنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ يَعْنِي أَنَّهَا تُصَلِّي مَعَهُ وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ يَعْنِي تَحْرُسُ الْمُصَلِّينَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَوْلُهُ فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا يَعْنِي أَنَّهُ أَتَمَّ بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجْدَتَهَا وَهِيَ الرَّكْعَةُ الْكَامِلَةُ وَإِنَّمَا ثَبَتَ قَائِمًا لِأَنَّ قِيَامَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى لَا يَكُونُ إلَّا إلَى قِيَامٍ فَثَبَتَ فَإِنَّمَا وَهَذَا إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ أَرْبَعًا فَهَلْ يَثْبُتُ لِانْتِظَارِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا؟ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ كِنَانَةَ أَنَّهُ يَنْتَظِرُهُمْ جَالِسًا وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إذَا أَكْمَلَ التَّشَهُّدَ قَامَ فَأَتَمَّتْ حِينَئِذٍ الطَّائِفَةُ الْأُولَى صَلَاتَهَا وَانْتَظَرَ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ قَائِمًا وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفُ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَاوَاةِ مَا أَمْكَنَ وَمِنْ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ أَنْ يَبْدَأَ الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا ابْتَدَأَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لِقُعُودِهِ وَلَا أَمَارَةَ تَعْلَمُ بِهَا الطَّائِفَةُ الَّتِي يُصَلِّي مَعَهَا انْقِضَاءَ تَشَهُّدِهِ لِتَقُومَ لِلْقَضَاءِ إلَّا بِإِشَارَةٍ وَهِيَ زِيَادَةٌ فِي الصَّلَاةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا قُلْنَاهُ فَإِنَّ بِقِيَامِهِ يُعْلَمُ ذَلِكَ فَكَانَ انْتِظَارُهُ إيَّاهُمْ قَائِمًا. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ يَنْتَظِرُهُمْ جَالِسًا فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَسْكُتَ أَوْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى تَأْتِيَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَإِذَا قُلْنَا يَنْتَظِرُهُمْ قَائِمًا فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَسْكُتَ أَوْ يَدْعُوَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ تُحْرِمَ الطَّائِفَةُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ حَتَّى تُحْرِمَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ لِأَنَّهُ لَا يَقْرَأُ فِي هَذِهِ الرَّكْعَةِ إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَرُبَّمَا أَكْمَلَهَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ وَإِذَا كَانَ انْتِظَارُهُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ فِي صَلَاةِ سَفَرٍ قَائِمًا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: السُّكُونُ وَالدُّعَاءُ وَالْقِرَاءَةُ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُتِمُّهُ حَتَّى تُكَبِّرَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ وَتُدْرِكُ مَعَهُ الْقِرَاءَةَ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ يَعْنِي أَكْمَلُوا صَلَاتَهُمْ لِيَتَفَرَّغُوا لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ وَحِفْظِ النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 323

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ وَمَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَطَائِفَةٌ مُوَاجَهَةَ الْعَدُوِّ فَيَرْكَعُ الْإِمَامُ رَكْعَةً وَيَسْجُدُ بِاَلَّذِينَ مَعَهُ ثُمَّ يَقُومُ فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا ثَبَتَ وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُونَ وَيَنْصَرِفُونَ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ فَيَكُونُ وِجَاهَ الْعَدُوِّ ثُمَّ يُقْبِلُ الْآخَرُونَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُكَبِّرُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَيَرْكَعُ بِهِمْ وَيَسْجُدُ ثُمَّ يُسَلِّمُ فَيَقُومُونَ فَيَرْكَعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُونَ) ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ فَيُصَلِّي بِهِمْ الْإِمَامُ رَكْعَةً وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ لَمْ يُصَلُّوا فَإِذَا صَلَّى الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا وَلَا يُسَلِّمُونَ وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُ الْإِمَامُ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَتَقُومُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فَيُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً رَكْعَةً بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ خَوْفًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ ــ [المنتقى] وَحِفْظِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ أَفْذَاذًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ صَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ يَقْتَضِي أَنَّهَا صَلَاةُ سَفَرٍ أَوْ صَلَاةُ صُبْحٍ فِي حَضَرٍ وَقَوْلُهُ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ اخْتَلَفَ فِي هَذَا الْفِعْلِ رِوَايَةُ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ وَرِوَايَةُ الْقَاسِمِ وَهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي صَلَاةِ السَّفَرِ وَصَلَاةِ الْحَضَرِ وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ عَلَى حُكْمِ الْخَوْفِ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَبِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ رَكْعَةً. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً وَبِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ مَا أَمْكَنَ فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّمَامُ وَالْكَمَالُ فِي أَوَّلِ صَلَاتِهِ لِأَنَّ أَوَّلَ الصَّلَاةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَمَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي أَوَّلِ صَلَاتِهِ دُونَ آخِرِهَا وَيُطَوِّلُ فِي أَوَّلِهَا مَا لَا يُطَوِّلُ فِي آخِرِهَا فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ قَسْمُ الرَّكْعَةِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ لِتَعَذُّرِ قَسْمِهَا وَجَبَ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ وَمَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَطَائِفَةٌ مُوَاجَهَةَ الْعَدُوِّ فَيَرْكَعُ الْإِمَامُ رَكْعَةً وَيَسْجُدُ بِاَلَّذِينَ مَعَهُ ثُمَّ يَقُومُ فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا ثَبَتَ وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُونَ وَيَنْصَرِفُونَ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ فَيَكُونُ وِجَاهَ الْعَدُوِّ ثُمَّ يُقْبِلُ الْآخَرُونَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُكَبِّرُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَيَرْكَعُ بِهِمْ وَيَسْجُدُ ثُمَّ يُسَلِّمُ فَيَقُومُونَ فَيَرْكَعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُونَ) (ش) : حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ فِي قَوْلِهِ ثُمَّ قَعَدَ حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ صَلَّوْا رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ فَأَمَّا حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ جَعَلَ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْإِمَامَ يُسَلِّمُ إذَا كَمُلَتْ صَلَاتُهُ ثُمَّ تَقُومُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَتَقْضِي بَعْدَ سَلَامِهِ رَكْعَةً وَقَدْ تَرَجَّحَ مَالِكٌ ﵀ فِي الْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ فَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَابْنُ وَهْبٍ وَالْقَعْنَبِيُّ أَنَّهُ قَالَ أَحَبُّ مَا فِي ذَلِكَ إلَيَّ حَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ ابْنُ بُكَيْر أَنَّهُ قَالَ مَالِكٌ ثُمَّ رَجَعَ إلَى حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِثْرِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَحَبُّ إلَيَّ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ وَبِهِ أَخَذَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ مَالِكٍ إلَّا أَشْهَبَ فَإِنَّهُ أَخَذَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَوَجْهُ تَعَلُّقِ مَالِكٍ بِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ أَنَّهُ مُسْنَدٌ وَحَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مَوْقُوفٌ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِنَصِّ الْكِتَابِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَفْعَلَ الصَّلَاةَ فِي حُكْمِهِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا حَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ وَوَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ التَّغْيِيرَ إنَّمَا يَلْحَقُ صَلَاةَ الْخَوْفِ لِلضَّرُورَةِ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ أُجْرِيَتْ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَا ضَرُورَةَ بِنَا إلَى انْتِظَارِ الْإِمَامِ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ حَتَّى يُتِمُّوا صَلَاتَهُمْ وَلَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ يُتِمُّ صَلَاتَهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَلَا مَعْنَى لِانْتِظَارِهِ إيَّاهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي صَلَاةٍ لَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهَا وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لَهَا ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ فَيُصَلِّي بِهِمْ الْإِمَامُ رَكْعَةً وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ لَمْ يُصَلُّوا فَإِذَا صَلَّى الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا وَلَا يُسَلِّمُونَ وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُ الْإِمَامُ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَتَقُومُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فَيُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً رَكْعَةً بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ خَوْفًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا قَالَ مَالِكٌ قَالَ نَافِعٌ لَا أَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) .

стр. 324

صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا قَالَ مَالِكٌ قَالَ نَافِعٌ لَا أَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ «مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ» ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي أَكْثَرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ خَوْفًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ يَعْنِي خَوْفًا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْمُقَامُ فِي مَوْضِعٍ وَلَا إقَامَةَ صَفٍّ صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّ الْخَوْفَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ يُمْكِنُ فِيهِ الِاسْتِقْرَارُ وَإِقَامَةُ الصَّفِّ لَكِنْ يَخَافُ مِنْ ظُهُورِ الْعَدُوِّ بِالِاشْتِغَالِ بِالصَّلَاةِ فَهَاهُنَا لَا يَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَرْجُوَ أَنْ يَأْمَنَ فِي الْوَقْتِ فَهَذَا يَنْتَظِرُ أَنْ يَأْمَنَ مَا لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَرْجُوَ ذَلِكَ فَهَذَا يُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى حَسْبِ مَا قَدَّمْنَاهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْخَوْفِ. فَهَذَا أَنْ لَا يُمْكِنَ مَعَهُ اسْتِقْرَارٌ وَلَا إقَامَةُ صَفٍّ مِثْلُ الْمُنْهَزِمِ الْمَطْلُوبِ فَهَذَا يُصَلِّي كَيْفَ أَمْكَنَهُ رَاجِلًا أَوْ رَاكِبًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا تَأَكَّدَ أَمْرُهَا وَلَمْ يَجُزْ الْإِخْلَالُ بِهَا وَلَا تَرْكُهَا بِوَجْهٍ وَجَبَ أَنْ يَفْعَلَ فِي كُلِّ وَقْتٍ عَلَى حَسْبِ مَا أَمْكَنَ مِنْ فِعْلِهَا لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا عَلَى وَجْهِهَا يُؤَدِّي إلَى تَرْكِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ ذَلِكَ فِيهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ رِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ يُرِيدُ أَنَّ رُكُوعَهُمْ وَسُجُودَهُمْ إيمَاءٌ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ حَالَ الْقِيَامِ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ وَكُلُّ مَنْ مَنَعَهُ عَدُوٌّ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنَّ حُكْمَهُ الْإِيمَاءُ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَرُكْبَانًا فَيُرِيدُ عَلَى رَوَاحِلِهِمْ لِأَنَّ فَرْضَ النُّزُولِ إلَى الْأَرْضِ يَسْقُطُ بِالْخَوْفِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ لُصُوصٍ أَوْ سِبَاعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ وَكَانَ أَحَبُّ إلَيْهِ إنْ أَمِنَ فِي الْوَقْتِ أَنْ يُعِيدَ وَلَمْ يَرَهُ كَالْعَدُوِّ فَقَوْلُهُ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْمَمْنُوعِ مِنْ الْوُقُوفِ وَحَاجَتِهِ إلَى الْفِرَارِ وَفَرْقٌ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ أَنْ يَكُونَ خَوْفُ هَؤُلَاءِ غَيْرَ مُتَيَقِّنٍ وَلَوْ اسْتَوَى تَيَقُّنُ الْخَوْفَيْنِ أَوْ ظَنُّهُمَا لَاسْتَوَى حُكْمُهُمَا وَلَكِنَّهُ حَكَمَ فِي كُلِّ قِسْمٍ بِأَغْلَبِ أَحْوَالِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَ مَطْلُوبًا فَإِنْ كَانَ طَالِبًا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يُصَلِّي إلَّا بِالْأَرْضِ صَلَاةَ الْأَمْنِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ طَالِبًا لِأَنَّ أَمْرَهُ إلَى الْآنِ مَعَ عَدُوِّهِ لَمْ يَنْقَضِ وَلَا يَأْمَنُ رُجُوعَهُ إلَيْهِ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ رَأَى أَنَّ الَّذِي قَدْ بَلَغَ بِعَدُوِّهِ مَبْلَغًا أَمِنَ رُجُوعَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ الطَّالِبَ بِكُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّ أَشَدَّ أَحْوَالِهِ أَنْ يُمْكِنَهُ إقَامَةَ الصَّفِّ وَمُدَافَعَةَ الْعَدُوِّ وَهَذِهِ حَالَةٌ لَا تُبِيحُ الصَّلَاةَ عَلَى الدَّابَّةِ وَإِنَّمَا تُبِيحُ بِالْأَرْضِ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكُمُ. (ش) : قَوْلُهُ مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَأْخِيرُهُ لِلصَّلَاتَيْنِ نِسْيَانًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْخَوْفِ وَالشُّغْلِ بِحَرْبِ الْمُشْرِكِينَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ صَلَاةِ الْخَوْفِ مَا هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ ثُمَّ نُسِخَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِصَلَاةِ الْخَوْفِ وَفِيهِ أَنَّهُ قَضَاهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ وَقْتِهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَحَدِيثُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ) . (ش) : قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ وَقَدْ يَخْتَلِفُ حَدِيثُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَيَزِيدَ بْنِ رُومَانَ فِي مَسَائِلَ مِنْ السَّهْوِ نُشِيرُ مِنْهَا إلَى مَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ سَهَا فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ تُصَلِّي الطَّائِفَةُ الْأُولَى بَاقِيَ صَلَاتِهِ وَتَسْجُدُ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَتُصَلِّي مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ يَجْلِسُ الْإِمَامُ حَتَّى تُتِمَّ بَقِيَّةَ صَلَاتِهَا ثُمَّ تَسْجُدَ مَعَهُ

стр. 325

الْعَمَلُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: «خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَتَصَدَّقُوا ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» ) ــ [المنتقى] لِسَهْوِهِ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ وَهَذَا عَلَى حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، وَأَمَّا عَلَى حَدِيثِ الْقَاسِمِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ رَكْعَةً ثُمَّ يُسَلِّمُ فَإِنْ كَانَ سُجُودُهُ قَبْلَ السَّلَامِ يَسْجُدُ مَنْ مَعَهُ مَعَهُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ السَّلَامِ لَمْ يَسْجُدُوا مَعَهُ وَلْيَسْجُدُوا بَعْدَ أَنْ يُسَلِّمُوا مِنْ تَمَامِ صَلَاتِهِمْ. [الْعَمَلُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ] (ش) : اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي صِفَةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَصَحُّهَا حَدِيثُ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ فَرُوَاتُهُ أَئِمَّةٌ هِشَامٌ وَالزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَقَدْ تَابَعَهَا عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَبِهِ أَخَذَ الْفُقَهَاءُ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَقَوْلُ عَائِشَةَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ السَّلَفِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ كَسَفَتْ وَإِنَّمَا يُقَالُ خَسَفَتْ الشَّمْسُ وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ الْكُسُوفُ فِي الْقَمَرِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُرْوَةَ وَقَالَ آخَرُونَ يُقَالُ كَسَفَتْ وَخَسَفَتْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَيُسْتَعْمَلَانِ جَمِيعًا فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَعْنَى الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ ذَهَابُ ضَوْئِهِمَا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ قَالَ مَالِكٌ صَلَاةُ الْخُسُوفِ سُنَّةٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَمَنْ عَقَلَ الصَّلَاةَ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمُسَافِرِينَ وَالْعَبِيدِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ مَسْنُونَةٌ لَمْ تُشْرَعْ لَهَا خُطْبَةٌ فَكَانَتْ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ كَالْوَتْرِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَذَلِكَ لِطُولِ الْقِرَاءَةِ وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ ابْنُ شِهَابٍ فِي حَدِيثِهِ فَقَالَ فَكَبَّرَ فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً وَيَسْتَفْتِحُ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ وَالرَّابِعَةُ فَإِنَّهُ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِالسُّورَةِ وَهَلْ يَسْتَفْتِحُ قِرَاءَتَهُمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟ قَالَ مَالِكٌ يَسْتَفْتِحُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ لَا يَقْرَأُ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا قِرَاءَةٌ بِرَكْعَةٍ فَوَجَبَ أَنْ تُسْتَفْتَحَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ كَالْأُولَى وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إنَّمَا يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَمَّا قَرَأَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ أُخْرَى ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الرَّكْعَةِ الْمُفْرَدَةِ فِي الْقِرَاءَةِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْقِرَاءَةَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِيهَا. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ فِي حُكْمِ الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَأْمُومَ يُجْزِيه إدْرَاكُ إحْدَاهُمَا وَأَنَّ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي حُكْمِ الْقِرَاءَةِ الْوَاحِدَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ فِيهِمَا قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا صِفَةُ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَإِنَّهَا سِرٌّ وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ بَعْدَ هَذَا فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ افْتَقَرَ إلَى التَّقْدِيرِ لَمَّا لَمْ يَعْلَمْ مَا قَرَأَ بِهِ وَلَوْ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ لَعَلِمَ مَا قَرَأَ بِهِ وَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى التَّقْدِيرِ وَلَذَكَرَ الْمَقْرُوءَ بِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مِقْدَارُ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَإِنَّ مَالِكًا ﵀ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى

стр. 326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِآلِ عُمْرَانَ وَفِي الثَّالِثَةِ بِسُورَةِ النِّسَاءِ وَفِي الرَّابِعَةِ بِسُورَةِ الْمَائِدَةِ وَإِلَى نَحْوِ ذَلِكَ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ وَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي جَمِيعِ الْقِيَامِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ يَعْنِي أَنَّهُ خَالَفَ فِيهِ عَادَتَهُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ كَمَا خَالَفَ عَادَتَهُ فِي الْقِيَامِ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ دَخَلَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ مَالِكٌ وَيَكُونُ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ وَقِرَاءَتِهِ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَطْوِيلِ السُّجُودِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُطَوِّلُ السُّجُودَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُطِيلُ السُّجُودَ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْإِطَالَةَ نَوْعٌ مِنْ التَّغْيِيرِ فَلَمْ يَلْحَقْ السُّجُودَ كَالتَّكْرَارِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا رَوَتْ عَمْرَةُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا وَذَكَرَتْ مِنْ تَدْرِيجِ السُّجُودِ فِي الطُّولِ عَلَى حَسْبِ مَا ذَكَرَتْ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ يَتَكَرَّرُ فَرْضًا فَدَخَلَهُ التَّغْيِيرُ كَالرُّكُوعِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ ذَلِكَ يَعْنِي مِنْ التَّغْيِيرِ بِالتَّكْرَارِ وَالتَّطْوِيلِ وَقَوْلُهُ ثُمَّ انْصَرَفَ يَعْنِي الِانْصِرَافَ عَنْ الصَّلَاةِ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ يَحْتَمِلُ أَنَّ انْصِرَافَهُ مِنْ الصَّلَاةِ كَانَ عِنْدَ تَجَلِّي الشَّمْسِ مِنْ الْكُسُوفِ وَهِيَ السُّنَّةُ وَلِذَلِكَ تُطَالُ الْقِرَاءَةُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ لِيَكُونَ انْقِضَاءُ الصَّلَاةِ بِقَدْرِ مَا عُهِدَ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ دَوَامِ الْكُسُوفِ فَإِنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ قَبْلَ انْجِلَائِهِ فَإِنَّهُ لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ وَلَكِنَّهُ يُصَلِّي مَنْ شَاءَ لِنَفْسِهِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ انْصَرَفَ وَقَدْ كَانَتْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ قَبْلَ ذَلِكَ وَهَذَا مُخْتَلِفٌ فَإِنْ تَجَلَّتْ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا كَمَّلَهَا وَإِنْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَسَجْدَتَيْنِ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ إنَّهُ يُصَلِّي الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِثْلَ الْأُولَى. وَقَالَ سَحْنُونٌ يُصَلِّيهَا رَكْعَةً وَاحِدَةً بِسَجْدَتَيْنِ عَلَى سُنَّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ لَزِمَهُ إتْمَامُهَا عَلَى حَسْبِ مَا دَخَلَ فِيهِ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ عِلَّةَ التَّغْيِيرِ فِي الصَّلَاةِ الْكُسُوفُ فَإِذَا زَالَ الْكُسُوفُ زَالَ التَّغْيِيرُ وَوَجَبَ إتْمَامُ الصَّلَاةِ عَلَى سُنَّةِ النَّوَافِلِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّهُ أَتَى بِكَلَامٍ عَلَى نَظْمِ الْخُطَبِ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَحَمْدُهُ وَثَنَاءٌ وَوَعْظٌ لِلنَّاسِ وَلَيْسَ بِخُطْبَتَيْنِ يَرْقَى لَهُمَا الْمِنْبَرَ وَيَجْلِسُ فِي أَوَّلِهِمَا وَبَيْنَهُمَا هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ﵀. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ الْخُطْبَةُ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ كَالْخُطْبَةِ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ نَفْلٍ لَمْ يُجْهَرْ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهَا الْخُطْبَةُ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، الْآيَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْعَلَامَةُ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِهِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُمَا مِنْ عَلَامَاتِ تَخْوِيفِهِ وَتَحْذِيرِهِ بِآيَاتِهِ وَسَطْوَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَتَصَدَّقُوا أَمْرٌ عِنْدَ الْخُسُوفِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّصْرِيحِ بِالتَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَصَرْفِ الْبَلَاءِ وَأَمْرٌ بِالتَّكْبِيرِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْهِ وَيُسْتَجْلَبُ بِهِ رِضَاهُ وَيُسْتَدْفَعُ بَأْسُهُ وَسَطْوَتُهُ، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ لِأَنَّهَا مِنْ أَقْرَبِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يُمْكِنُ اسْتِعْجَالُهَا وَأَمَّا الصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالْجِهَادُ فَإِنَّهَا مِمَّا يَتَأَخَّرُ أَمْرُهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاَللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ

стр. 327

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ «خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا قَالَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَالَ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ فَقَالَ إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّه لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاك تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ فَقَالَ إنِّي رَأَيْت الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْته لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا وَرَأَيْت النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ وَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِكُفْرِهِنَّ قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاَللَّهِ قَالَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْت إلَى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْك شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْت مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ» ) . ــ [المنتقى] وَعَظَهُمْ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِأَعْمَالِ الْبِرِّ وَنَهَاهُمْ عَنْ الْمَعَاصِي وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنْ اللَّهِ وَإِذَا كَانَ الْوَاحِدُ مِنَّا يَغَارُ عَلَى أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ أَمَتُهُ وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنْ الْبَارِي تَعَالَى فَيَجِبُ أَنْ يُجَدِّدَ عُقُوبَتَهُ فِي مُوَاقَعَةِ الزِّنَا، وَأَقْسَمَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْفُصُولِ وَإِنْ كَانَ لَا يُرْتَابُ فِي صِدْقِهِ عَلَى مَعْنَى التَّأْكِيدِ وَالْإِبْلَاغِ وَنَادَاهُمْ بِيَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى مَعْنَى إظْهَارِ الْإِشْفَاقِ عَلَيْهِمْ وَالتَّذْكِيرِ لَهُمْ بِمَا يَعْمَلُونَ بِهِ إشْفَاقًا عَلَيْهِمْ وَرَحْمَةً لَهُمْ كَمَا يُخَاطِبُ الرَّجُلُ وَلَدَهُ يَا بُنَيَّ وَأَخَاهُ يَا أَخِي وَغَيْرَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ « ﷺ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» يُرِيدُ أَنَّهُ ﷺ قَدْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمٍ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ وَنَوَّرَ بِهِ قَلْبَهُ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ مَا أَرَاهُ فِي عَرْضِ الْحَائِطِ مِنْ النَّارِ فَرَأَى مِنْهَا مَنْظَرًا شَنِيعًا لَوْ عَلِمَتْ أُمَّتُهُ مِنْ ذَلِكَ مَا عَلِمَ لَكَانَ ضَحِكُهُمْ قَلِيلًا وَبُكَاؤُهُمْ كَثِيرًا إشْفَاقًا وَخَوْفًا. (ش) : قَوْلُهُ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجْهَرْ بِالْقِرَاءَةِ وَلَوْ جَهَرَ بِهَا لَكَانَ تَبْلِيغُ مَا قَرَأَ بِهِ أَبْلَغَ فِي تَقْدِيرِ صَلَاتِهِ وَقَوْلُهُ فِي وَصْفِ الْقِيَامِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ وَاَلَّذِي يَلِيهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ وَصْفَهُ بِأَنَّهُ دُونَ الْقِيَامِ الَّذِي يَلِيهِ أَبْيَنُ فِي وَصْفِهِ لِأَنَّنَا إنْ صَرَفْنَاهُ إلَى أَوَّلِ قِيَامِهِ لَمْ يُعْلَمْ إنْ كَانَ تَقْدِيرُ الثَّانِي أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَقَلَّ فَكَانَتْ إضَافَتُهُ إلَى الَّذِي يَلِيهِ أَوْلَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ لِأَنَّ يَسِيرَ الْعَمَلِ لَا يُفْسِدُهَا وَقَوْلُهُ ﷺ رَأَيْت الْجَنَّةَ وَالنَّارَ ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّهُ رَآهُمَا حَقِيقَةً يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا يَعْنِي أَنَّهُ مَدَّ يَدَهُ لِيَأْخُذَهُ وَهُوَ التَّنَاوُلُ الَّذِي رَأَوْهُ يَفْعَلُهُ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَخْلُقَ الْبَارِي تَعَالَى إدْرَاكًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يُدْرَكُ بِهِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فِي جِهَةِ الْحَائِطِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَلَوْ أَخَذْته لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا يُرِيدُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَأْكُلُ مِنْهُ مَنْ بَعْدَهُمْ حَتَّى تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَفِنِي وَلَا تَنْقَطِعُ ثَمَرَتُهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ عَنْ تَنَاوُلِهِ وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ تَكَعْكُعِهِ فَقَالَ رَأَيْت النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ كَمَنْظَرٍ رَآهُ فِي الْيَوْمِ مَنْظَرًا فَحَذَفَ الْمَرْئِيَّ وَأَدْخَلَ حَرْفَ التَّشْبِيهِ عَلَى الْيَوْمِ وَأَرَادَ بِذَلِكَ الْإِخْبَارَ عَنْ شَنَاعَةِ مَا رَأَى وَفَظَاعَتِهِ وَبُعْدِهِ عَنْ الْمَنَاظِرِ الْمُرِيبَاتِ. ١ -

стр. 328

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ «عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا فَقَالَتْ أَعَاذَكَ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَائِذًا بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا فَخَسَفَتْ الشَّمْسُ فَرَجَعَ ضُحًى فَمَرَّ بَيْنَ ظَهْرَيْ الْحَجَرِ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» ) . ــ [المنتقى] فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ وَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ صِفَةِ النَّارِ وَوَعَظَ النِّسَاءَ وَزَجَرَهُنَّ عَنْ الْأَعْمَالِ الْمُوجِبَةِ لِذَلِكَ فَقَالُوا لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِكُفْرِهِنَّ فَأَطْلَقَ اسْمَ الْكُفْرِ عَلَى فِعْلِهِنَّ وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي فِي الشَّرْعِ الْكُفْرَ بِاَللَّهِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ السَّامِعِ أَنَّهُ أَرَادَ جِنْسَ النِّسَاءِ وَأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُنَّ كَافِرَاتٍ إلَّا أَنْ يَرِدْ بِذَلِكَ شَرْعٌ فَيُكَذِّبُ إقْرَارَهُنَّ بِالْإِيمَانِ وَالْعَشِيرُ الزَّوْجُ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ عَشِيرُ الْمَرْأَةِ زَوْجُهَا. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ ﷺ وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ الزَّوْجَ سُمِّيَ عَشِيرًا لِأَنَّهُ يُعَاشِرُهَا وَتُعَاشِرُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ، وَقَالَ مَكِّيٌّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣] أَيْ الْخَلِيطُ وَالصَّاحِبُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْعَشِيرُ يَعْنِي الْوَلِيَّ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُومُ لَهُ مَقَامَ الْعَشِيرِ وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ يُقَالُ هَذَا عَشِيرُكَ وَشَعِيرُكَ عَلَى الْقَلْبِ فَعَلَى هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ الْعَشِيرَ الزَّوْجَ خَاصَّةً بِمَعْنَى أَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ كُلَّ مَنْ يُعَاشِرَهَا مِنْ زَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ : لَوْ أَحْسَنْت إلَى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْك شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْت مِنْك خَيْرًا قَطُّ وَعْظٌ وَزَجْرٌ عَنْ كُفْرِ الْإِحْسَانِ وَجَحْدِهِ عِنْدَ بَعْضِ التَّغْيِيرِ وَمُوَاقَعَةِ شَيْءٍ مِنْ الْإِسَاءَةِ فَإِنَّهُ لَا يَسْلَمُ أَحَدٌ مَعَ طُولِ الْمُؤَالَفَةِ إسَاءَةً أَوْ مُخَالَفَةً فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَلَا يُجْحَدُ لِذَلِكَ كَثِيرُ إحْسَانِهِ وَمُتَقَدِّمُ أَفْضَالِهِ. (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا تُرِيدُ عَطَاءً فَقَالَتْ أَعَاذَك اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ تَدْعُو لَهَا بِذَلِكَ وَلَعَلَّ الْيَهُودِيَّةَ سَمِعَتْهُ فِي التَّوْرَاةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ كُتُبِهِمْ فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّا سَمِعَتْهُ لَمَّا لَمْ تَعْلَمْ حَقِيقَتَهُ وَإِنَّمَا كَانَتْ تَسْمَعُ أَنَّ الْعَذَابَ وَالثَّوَابَ يَكُونُ بَعْدَ الْبَعْثِ وَلَمْ تَكُنْ سَمِعْت قَبْلَ ذَلِكَ بِعَذَابِ الْقَبْرِ فَقَالَ ﷺ عَائِذًا بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ تَعَوَّذَ بِاَللَّهِ مِنْ أَنْ يُعَذَّبَ النَّاسُ فِي الْقُبُورِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أُخْبِرَ بِذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ تَعَوَّذَ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَإِنْ كَانَ النَّاسُ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا فَخَسَفَتْ الشَّمْسُ فَرَجَعَ ضُحًى فِي ذَلِكَ مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا وَقْتُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ. وَالثَّانِي: مَوْضِعُهَا فَأَمَّا وَقْتُهَا فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ صَلَّاهَا ضُحًى وَلِهَذِهِ الصَّلَاةِ وَقْتٌ مُخْتَصٌّ بِهَا أَوَّلُهُ وَقْتُ جَوَازِ النَّافِلَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَخِلَافٌ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا آخِرُهُ فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إحْدَاهَا أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا زَوَالُ الشَّمْسِ رَوَاهَا ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ. وَالثَّانِيَةُ: آخِرُ وَقْتِهَا امْتِنَاعُ صَلَاةِ النَّافِلَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ رَوَاهَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ. وَالثَّالِثَةُ: تُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ وَفِي كُلِّ وَقْتٍ رَوَاهَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْجَلَّابِ

стр. 329

مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ أَتَيْت عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي فَقُلْت مَا لِلنَّاسِ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ فَقُلْت آيَةٌ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ نَعَمْ قَالَتْ فَقُمْت حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ وَجَعَلْت أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي الْمَاءَ فَحَمِدَ اللَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْت لَمْ أَرَهُ إلَّا وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَلَقَدْ أَوْحَى إلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مَثَلًا أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ مَا عِلْمُك بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوْ الْمُوقِنُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيَقُولُ هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا فَيُقَالُ لَهُ نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إنْ كُنْت لَمُؤْمِنًا وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوْ الْمُرْتَابُ لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي سَمِعْت النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْته) . ــ [المنتقى] وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهَا صَلَاةُ نَفْلٍ شُرِعَتْ ضُحًى فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ وَقْتُهَا مَا لَمْ تَزُلْ الشَّمْسُ كَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ نَافِلَةٌ لَمْ يُشْرَعْ لَهَا خُطْبَةٌ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ قَوْلُهُ ﷺ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ بِهِمَا فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ شُرِعَتْ لِعِلَّةٍ غَيْرِ بَاقِيَةٍ فَوَجَبَ أَنْ تَخْتَصَّ بِوُجُودِ تِلْكَ الْعِلَّةِ دُونَ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ كَصَلَاةِ الْخَوْفِ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ سُنَّتُهَا أَنْ تُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ دُونَ الْمُصَلَّى حَكَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ تُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ إنْ شَاءُوا أَوْ فِي صَحْنِهِ أَوْ يَبْرُزُوا لَهَا إلَى الْبَرَازِ كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ وَجْهُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ نَافِلَةٌ لَا يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَلَمْ يُسَنَّ لَهَا الْبُرُوزُ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ سُنَّ لَهَا الْبَذَاذَةُ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْبُرُوزِ لَهَا كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ يَقْصِدُ بِهِ تَعْظِيمَ كَلَامِهِ وَمُبَالَغَتَهُ فِيمَا قَصَدَ إلَى الْكَلَامِ بِهِ، وَقَوْلُهَا ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَقَدَّمَ عِلْمُهُ بِذَلِكَ وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ شَمَلَ ذَلِكَ أَصْحَابَهُ فَلَمَّا رَأَى سُؤَالَ عَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ احْتَاجَ إلَى أَنْ يُذَكِّرَهُمْ بِهِ وَيَأْمُرَهُمْ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قَبْلَ ذَلِكَ عِلْمُهُ فَكَانَ سُؤَالُ عَائِشَةَ سَبَبًا أَنْ يَعْلَمَ بِهِ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْهُ. [مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ] (ش) : قَوْلُهَا أَتَيْت عَائِشَةَ فَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي فَقُلْت مَا لِلنَّاسِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِجَازَتِهَا سُؤَالَ الْمُصَلِّي وَمُخَاطَبَتَهُ بِالْأَمْرِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَشْغَلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ الْجَوَابُ بِالْإِشَارَةِ عَلَى حَسْبِ مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَشَارَتْ بِيَدِهَا إلَى السَّمَاءِ وَقَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ النِّسَاءِ كَانَ عِنْدَهُمْ حُكْمَ الرِّجَالِ فِي التَّسْبِيحِ دُونَ التَّصْفِيقِ وَقَوْلُهَا فَقُمْت حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ دَلِيلٌ عَلَى طُولِ الْقِيَامِ. وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ وَلَعَلَّهَا لِذَلِكَ كَانَتْ صَبَّتْ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهَا لِتُزِيلَ أَلَمَ الْحَرِّ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِفْتَاحِهِ ﷺ كَلَامَهُ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَلِذَلِكَ وَصَفَ كَلَامَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ بِأَنَّهُ خُطْبَةٌ ثُمَّ قَالَ مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ رَأَيْته إلَّا وَقَدْ رَأَيْته فِي مَقَامِي هَذَا

стр. 330

الْعَمَلُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يَقُولُ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الْمَازِنِيَّ يَقُولُ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» . ــ [المنتقى] يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مِمَّا يَصِفُ النَّاسُ إلَيْهِ وَفِي ذَلِكَ وَعْظٌ لِلنَّاسِ حِينَ يُخْبِرُ عَنْ عِيَانٍ وَقَوْلُهُ حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ لِأَنَّهُمَا غَايَةُ مَصِيرِ النَّاسِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَقَدْ أُوحَى إلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ بَيَانٌ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالْفِتْنَةُ الِاخْتِبَارُ وَلَيْسَ الِاخْتِبَارُ بِالْقَبْرِ بِمَنْزِلَةِ التَّكْلِيفِ وَالْعِبَادَةِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ إظْهَارُ الْعَمَلِ وَإِعْلَامٌ بِالْمَآلِ وَالْعَاقِبَةِ كَاخْتِبَارِ الْحِسَابِ لِأَنَّ الْعَمَلَ وَالتَّكْلِيفَ قَدْ انْقَطَعَا بِالْمَوْتِ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ مَاتَ فَقَدْ انْقَطَعَ عَمَلُهُ وَفِتْنَةُ الدَّجَّالِ بِمَعْنَى التَّكْلِيفِ وَالتَّعَبُّدِ لَكِنَّهُ شَبَّهَهَا بِهَا لِصُعُوبَتِهَا وَعِظَمِ الْمِحْنَةِ فِيهَا وَقِلَّةِ الثَّبَاتِ مَعَهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ مَا عِلْمُك بِهَذَا الرَّجُلِ إشَارَةً إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوْ الْمُوقِنُ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي عَنْ أَسْمَاءَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ الْمُؤْمِنُ لِقَوْلِهِ فَآمَنَّا وَلَمْ يَقُلْ فَأَيْقَنَّا فَيُقَالُ لَهُ نَمْ صَالِحًا النَّوْمُ هَاهُنَا الْعَوْدَةُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَوَصْفُهُ بِالنَّوْمِ وَإِنْ كَانَ مَوْتًا لِمَا يَصْحَبُهُ مِنْ الرَّاحَةِ وَصَلَاحِ الْحَالِ وَقَوْلُهُ قَدْ عَلِمْنَا إنْ كُنْت لَمُؤْمِنًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْمُؤْمِنُ الْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ لَا الْمُوقِنُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوْ الْمُرْتَابُ وَالْمُنَافِقُ الَّذِي يُبْطِنُ خِلَافَ مَا يُظْهِرُ وَالْمُرْتَابُ وَالشَّاكُّ وَمَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ فِي الْكُفْرِ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي سَمِعْت النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الْمَعْنَى. [الْعَمَلُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ] (ش) : هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الصَّلَاةَ وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَذَكَرَ فِيهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَقَوْلُهُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمُصَلَّى نَصٌّ فِي الْبُرُوزِ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَبْرُزُ إلَيْهَا وَصِفَةُ الْبُرُوزِ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ غَيْرَ مُظْهِرٍ لِلزِّينَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى وَجْهِ التَّضَرُّعِ وَالتَّذَلُّلِ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الصَّلَاةِ لَهُ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ يُصَلِّي لَهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُصَلِّي لِلِاسْتِسْقَاءِ وَإِنَّمَا سُنَّ فِيهِ الْبُرُوزُ لِلدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ خَاصَّةً وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي قَالَ فَحَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ خُطْبَةٌ مَشْرُوعَةٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَعْرَى مِنْ صَلَاةٍ كَسَائِرِ الْخُطَبِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا تَكْبِيرَ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُكَبِّرُ فِيهَا كَتَكْبِيرِ الْعِيدَيْنِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ سُنَّ لَهَا الْبَذَاذَةُ وَالْخُشُوعُ فَلَمْ يَلْحَقْهَا تَغْيِيرٌ بِالتَّكْبِيرِ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَاسْتَسْقَى يُرِيدُ اسْتَدْعَى السَّقْيَ وَتَضَرَّعَ فِيهِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ جَمِيعًا فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ لَفْظُ الِاسْتِسْقَاءِ عَلَيْهِمَا وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ خُصَّ ذَلِكَ بِالْمُصَلَّى وَلَا يُخْتَصُّ إلَّا بِصَلَاةٍ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنْ خُطْبَةٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَقْتَضِي أَنَّهُ سُنَّةٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ الْحَدِيثُ الْمَنْصُوصُ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ

стр. 331

(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ كَمْ هِيَ فَقَالَ رَكْعَتَانِ وَلَكِنْ يَبْدَأُ الْإِمَامُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَخْطُبُ قَائِمًا وَيَدْعُو وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ حِينَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَجْهَرُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِالْقِرَاءَةِ وَإِذَا حَوَّلَ رِدَاءَهُ جَعَلَ الَّذِي عَلَى يَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ وَاَلَّذِي عَلَى شِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ وَيُحَوِّلُ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ إذَا حَوَّلَ الْإِمَامُ رِدَاءَهُ وَيَسْتَقْبِلُونَ الْقِبْلَةَ وَهُمْ قُعُودٌ) . ــ [المنتقى] الْخِلَافِ وَقَدْ حَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِنَا أَنَّ تَحْوِيلَ الرِّدَاءِ عَلَى مَعْنَى التَّفَاؤُلِ لِلِانْتِقَالِ مِنْ حَالِ الْجَدْبِ إلَى حَالِ الْخَصْبِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَصِفَةُ تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ أَنْ يَجْعَلَ مَا عَلَى يَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ وَمَا عَلَى شِمَالِهِ عَنْ يَمِينِهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ بِالْعِرَاقِ وَقَالَ بِمِصْرَ يُنَكِّسُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَزَادَ فِيهِ سُفْيَانُ وَحَدَّثَنِي الْمَسْعُودِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ جَعَلَ الْيُمْنَى عَلَى الشِّمَالِ وَقَوْلُهُ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ أَظْهَرُ فِيمَا قُلْنَاهُ لِأَنَّ التَّنْكِيسَ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ التَّحْوِيلِ فِي الْأَظْهَرِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَقْتَضِي أَنَّ قَلْبَ الرِّدَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ مَتَى يَكُونُ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ إذَا فَرَغَ مِنْ الْخُطْبَةِ. وَقَالَ عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ خُطْبَتِهِ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَدْعُو مَا شَاءَ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَسْتَقْبِلُ النَّاسَ وَيُتِمُّ خُطْبَتَهُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ اخْتَارَ ذَلِكَ، وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذِهِ خُطْبَةٌ مَشْرُوعَةٌ فَلَمْ يُسَنَّ قَطْعُهَا بِذِكْرٍ كَخُطْبَتَيْ الْعِيدَيْنِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ خُطْبَتَانِ لَا زِيَادَةَ عَلَيْهِمَا فَإِذَا أَتَى بِالدُّعَاءِ مُفْرَدًا كَانَ ذَلِكَ كَالْخُطْبَةِ الثَّالِثَةِ لِأَنَّ الدُّعَاءَ حِينَئِذٍ مُنْفَرِدٌ لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ وَإِذَا أَتَى بِهِ فِي نَفْسِ الْخُطْبَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْخُطْبَةِ. (ش) : قَوْلُهُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ كَمْ هِيَ فَقَالَ إنَّ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَانِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَقَوْلُهُ إنَّهُ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فَكَانَ يَقُولُ زَمَانًا إنَّ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ فَقَالَ الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ «أَنَّهُ ﷺ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» وَثُمَّ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ لَمْ يَلْحَقْهَا تَغْيِيرٌ فَإِذَا سُنَّتْ لَهَا خُطْبَةٌ كَانَ الْقِيَاسُ الْإِتْيَانَ بِهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ نَافِلَةٌ شُرِعَتْ لَهَا خُطْبَةٌ فَكَانَتْ سُنَّتُهَا تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ كَالْعِيدَيْنِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَخْطُبُ قَائِمًا هُوَ سُنَّةُ خُطْبَةِ الصَّلَاةِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ» كَمَا يَفْعَلُونَ الْآنَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يَجْهَرُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ هُوَ السُّنَّةُ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ شُرِعَتْ لَهَا الْخُطْبَةُ فَكَانَ مِنْ سُنَّتِهَا الْجَهْرُ كَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا يَوْمُ عَرَفَةَ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ لَيْسَتْ لِلصَّلَاةِ وَإِنَّمَا هِيَ تَعْلِيمٌ لِلْحَجِّ فَبَيَّنَ ذَلِكَ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَمَّا كَانَتْ الْخُطْبَةُ لَهَا قُدِّمَ الْأَذَانُ قَبْلَهَا وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ الْخُطْبَةُ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ أَجْزَأَ الْأَذَانُ بَعْدَهَا وَجُعِلَ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ عَلَى سُنَّتِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَيَسْتَقْبِلُونَ الْقِبْلَةَ وَهُمْ قُعُودٌ وَهَذَا أَيْضًا سُنَّةُ النَّاسِ فِي تَحْوِيلِهِمْ أَرْدِيَتَهُمْ لِأَنَّ الْإِمَامَ سُنَّتُهُ الْقِيَامُ فِي دُعَائِهِ فَكَانَ تَحْوِيلُهُ رِدَاءَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَفْعَلُهُ فِي نَفْسِ الدُّعَاءِ وَلِأَنَّ النَّاسَ

стр. 332

مَا جَاءَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا اسْتَسْقَى قَالَ اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهِيمَتَكَ وَانْشُرْ رَحْمَتَك وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيِّتَ» ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ وَأَدْرَكَ الْخُطْبَةَ فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي بَيْتِهِ إذَا رَجَعَ قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ فِي سِعَةٍ إنْ شَاءَ فَعَلَ أَوْ تَرَكَ) . ــ [المنتقى] بَيْنَ قَائِلَيْنِ: قَائِلٌ يَقُولُ يُحَوِّلُ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَقَائِلٌ يَقُولُ لَا يُحَوِّلُ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ يُحَوِّلُ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ قِيَامًا. [مَا جَاءَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ] (ش) : الدُّعَاءُ الَّذِي يُدْعَى بِهِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ رَجَاءَ بَرَكَتِهِ دُعَاءُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ يَحْفَظُ فِيهِ دُعَاءً دَعَا بِمَا أَمْكَنَهُ ص (مَالِكٌ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمُطِرْنَا مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتْ الْبُيُوتُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ وَهَلَكَتْ الْمَوَاشِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ ظُهُورَ الْجِبَالِ وَالْآكَامِ وَبُطُونَ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتَ الشَّجَرِ قَالَ فَانْجَابَ عَنْ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ» ) . (ش) : قَوْلُهُ هَلَكَتْ الْمَوَاشِي إخْبَارٌ عَنْ قِلَّةِ الْكَلَأِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ الْمَطَرِ، وَقَوْلُهُ وَتَقَطَّعَتْ السُّبُلُ يُرِيدُ أَنَّهُ ضَعُفَتْ الْإِبِلُ لِقِلَّةِ الْكَلَأِ أَنْ يُسَافَرَ بِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا لَا تَجِدُ مِنْ الْكَلَأِ مَا تَبْلُغُ بِهِ فِي أَسْفَارِهَا فَادْعُ اللَّهَ اسْتِشْفَاعٌ بِمَنْ تُرْجَى بَرَكَةُ دُعَائِهِ وَفَضْلُهُ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمُطِرْنَا مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : الِاسْتِسْقَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: يُبْرَزُ لَهُ وَيُجْتَمَعُ بِسَبَبِهِ وَهُوَ الَّذِي سُنَّتْ فِيهِ الصَّلَاةُ وَالْخُطْبَةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَضَرْبٌ لَا يُبْرَزُ وَلَا يُجْتَمَعُ بِسَبَبِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الِاجْتِمَاعُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَجِيءُ الرَّجُلِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الِاسْتِسْقَاءِ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا هُوَ تَبَعٌ لَهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَالْخُطَبِ لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرَ دُعَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتْ الْبُيُوتُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ وَهَلَكَتْ الْمَوَاشِي إخْبَارٌ عَنْ كَثْرَةِ الْمَطَرِ وَضَرَرِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ ظُهُورَ الْجِبَالِ وَالْآكَامِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ الْآكَامُ الْجِبَالُ الصِّغَارُ قَالَ الْبَرْقِيُّ هِيَ شَيْءٌ مُجْتَمِعٌ مِنْ تُرَابٍ أَكْبَرُ مِنْ الْكُدَيَّةِ، الْوَاحِدَةُ أَكَمَةٌ، وَقَوْلُهُ: وَبُطُونَ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتَ الشَّجَرِ يُرِيدُ شَجَرَ الرَّعْيِ رَغْبَةً مِنْهُ ﷺ أَنْ تَكُونَ الْأَمْطَارُ بِحَيْثُ لَا تَضُرُّ بِأَحَدٍ كَثْرَتُهَا وَهَذَا أَصْلٌ فِي الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى الْمَنَابِرِ عِنْدَ كَثْرَةِ الْمَطَرِ وَيَدْعُو بِذَلِكَ الْإِمَامُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَانْجَابَتْ عَنْ الْمَدِينَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ مَعْنَاهُ تَدَوَّرَتْ عَنْ الْمَدِينَةِ كَمَا يَدُورُ جَيْبُ الْقَمِيصِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يَعْنِي تَقَطَّعَتْ عَنْ الْمَدِينَةِ كَانْقِطَاعِ الثَّوْبِ الْخَلِقِ وَقَالَهُ سَحْنُونُ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي خُطْبَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَكَذَلِكَ هَذَا الِاسْتِسْقَاءُ الَّذِي لَا يُجْتَمَعُ بِسَبَبِهِ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ يُفْعَلُ فِي كُلِّ وَقْتٍ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ مُجَرَّدٌ وَأَمَّا الِاسْتِسْقَاءُ الَّذِي يُبْرَزُ لَهُ وَيُجْتَمَعُ بِسَبَبِهِ فَإِنَّ وَقْتَهُ وَقْتُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ مِنْ ضَحْوَةٍ إلَى الزَّوَالِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ وَقْتَهُ لَا يَكُونُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ النَّهَارِ. (ش) : قَوْلُهُ فِي رَجُلٍ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ خَصَّ الرِّجَالَ

стр. 333

الِاسْتِمْطَارُ بِالنُّجُومِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ «زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» ) (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ ــ [المنتقى] بِذَلِكَ لِأَنَّ الرِّجَالَ هُمْ الْمَنْدُوبُونَ إلَى ذَلِكَ وَالْمَأْمُورُونَ بِهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْرُجَ مَنْ شَاءَ مِنْ النِّسَاءِ أَوْ الْمُتَجَالَّاتِ وَلَا يُمْنَعْنَ مِنْ مُشَاهَدَةِ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ وَيُكْرَهُ خُرُوجُ الشَّوَابِّ إلَيْهِ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَيْهِنَّ فِتْنَةٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يَخْرُجُ إلَيْهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ رُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ مَنْعُهُمْ مِنْ الْخُرُوجِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُمْ دَاعُونَ مُظْهِرُونَ لِلدُّعَاءِ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ دُعَاءَهُمْ لَيْسَ فِيهِ إخْلَاصٌ لِلْبَارِي تَعَالَى فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ إظْهَارِهِ. (فَرْعٌ) وَهَلْ يَخْرُجُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مَعَنَا مُظْهِرِينَ شِعَارَهُمْ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ يَخْرُجُونَ وَيُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ صُلُبِهِمْ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْأَسْوَاقِ وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحَارِيِ وَالْخَلَوَاتِ وَلَا يُمْنَعُونَ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ إظْهَارِ التَّضَرُّعِ وَالْعَجِيجِ وَالْبُكَاءِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إنَّهُ فِي سَعَةٍ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي بَيْتِهِ إنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ مَعْنَاهُ أَنَّ مَا اجْتَمَعَ لَهُ النَّاسُ مِنْ الصَّلَاةِ قَدْ قَصَدَهُ وَفَاتَهُ حُضُورُهُ فَإِنْ شَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَهِيَ نَافِلَةٌ لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ وَلَا زَمَانٍ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [الِاسْتِمْطَارُ بِالنُّجُومِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي أَخْبَرَ أَنَّ مِنْ عِبَادِهِ مُؤْمِنًا بِهِ وَهُوَ مَنْ أَضَافَ الْمَطَرَ إلَى فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَأَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِالْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى دُونَ سَبَبٍ وَلَا تَأْثِيرٍ لِكَوْكَبٍ وَلَا لِغَيْرِهِ فَهَذَا الْمُؤْمِنُ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُكَذِّبُ قُدْرَتَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَيَجْحَدُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ تَأْثِيرٌ وَأَنَّ مِنْ عِبَادِهِ مَنْ أَصْبَحَ كَافِرًا بِهِ وَهُوَ مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَأَضَافَ الْمَطَرَ إلَى النَّوْءِ وَجَعَلَ لَهُ فِي ذَلِكَ تَأْثِيرًا وَلِلْكَوْكَبِ فِعْلًا. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَا يُدَّعَى لِلْكَوْكَبِ مِنْ التَّأْثِيرِ فِي ذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْكَوْكَبُ فَاعِلًا لِلْمَطَرِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَيْهِ وَإِذَا حَمَلْنَا لَفْظَ الْحَدِيثِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ لِاحْتِمَالِهِ لَهُمَا اقْتَضَى ظَاهِرُهُ تَكْفِيرَ مَنْ قَالَ بِأَحَدِهِمَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ وَالْإِنْشَاءِ. وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلَا وَجَلَّ: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣] وَأَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِعِلْمِ مَا يَكُونُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] . وَقَدْ اعْتَرَضَ مَنْ ذَهَبَ إلَى تَصْحِيحِ ذَلِكَ مِنْ الْجُهَّالِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْإِخْبَارِ عَنْ الْغَيْبِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُخْبِرُ بِمَا يَظْهَرُ إلَيْهِ مِنْ أَدِلَّةِ النُّجُومِ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ لَا يَعْلَمُ مَعْنَى الْغَيْبِ لِأَنَّ الْغَيْبَ هُوَ الْمَعْدُومُ وَمَا غَابَ عَنْ النَّاسِ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ هَذَا الْقَائِلُ لَمَا تُصُوِّرَ أَنْ يَكُونَ غَيْبٌ يَنْفَرِدُ الْبَارِي تَعَالَى بِعِلْمِهِ لِأَنَّ عَلَى قَوْلِهِمْ الْفَاسِدِ مَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ وَيَكُونُ إلَّا وَالنُّجُومُ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَقَالَ يَتَمَدَّحُ تَعَالَى بِأَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِعِلْمِ الْغَيْبِ فَقَالَ تَبَارَكَ اسْمُهُ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٦٥] . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ «إذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةً ثُمَّ تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ» )

стр. 334

بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ «إذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةً ثُمَّ تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ» ) . النَّهْيُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالْإِنْسَانُ عَلَى حَاجَتِهِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ رَافِعِ بْنِ إِسْحَاقَ مَوْلًى لِآلِ الشِّفَاءِ وَكَانَ يُقَالُ أَنَّهُ مَوْلَى أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ «سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمِصْرَ يَقُولُ وَاَللَّهِ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ بِهَذِهِ الْكَرَايِيسِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ أَوْ الْبَوْلَ فَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا بِفَرْجِهِ» مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةُ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ» ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَعِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَإِذَا نَشَأَتْ سَحَابَةٌ ثُمَّ تَشَاءَمَتْ يَقُولُ إذَا نَشَأَتْ السَّحَابَةُ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِ ثُمَّ اسْتَدَارَتْ فَصَارَتْ نَاحِيَةَ الشَّامِ فَذَلِكَ سَحَابٌ يَكُونُ مِنْهُ الْمَطَرُ الْغَزِيرُ وَالْغَدَقُ الْغَزِيرُ. وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ مَعْنَى ذَلِكَ إذَا ضَرَبَتْ رِيحٌ بَحْرِيَّةٌ فَأَنْشَأَتْ سَحَابًا ثُمَّ ضَرَبَتْ رِيحٌ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ فَتِلْكَ عَلَامَةُ الْمَطَرِ الْغَزِيرِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا قَوْلُهُ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ الْعَيْنُ مَطَرُ أَيَّامٍ لَا يُقْلِعُ وَأَهْلُ بَلَدِنَا يَرَوْنَ غُدَيْقَةٌ عَلَى التَّصْغِيرِ. وَقَدْ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّنُوبَرِيُّ الْحَافِظُ وَضَبَطَهُ بِخَطِّهِ غَدِيقَةٌ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَقَالَ هَكَذَا حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْحَافِظُ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيِّ الْحَافِظِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ لِابْنِهِ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ مَا يَفُورُ مِنْ الْعَيْنِ وَإِنَّمَا أَدْخَلَ مَالِكٌ ﵀ هَذَا الْحَدِيثَ بِأَثَرِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ لِيُبَيِّنَ مَا يَجُوزُ لِلْقَائِلِ أَنْ يَقُولَ لِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِثْلُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْبِلَادِ بِأَنْ يُمْطَرُوا بِالرِّيحِ الْغَرْبِيَّةِ وَفِي بِلَادٍ بِالرِّيحِ الشَّرْقِيَّةِ فَيَسْتَبْشِرُ مُنْتَظِرُ الْمَطَرِ إذَا رَأَى الرِّيحَ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ ذَلِكَ الْبَلَدِ أَنْ يُمْطَرُوا بِهَا مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ الرِّيحَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي ذَلِكَ وَلَا فِعْلَ وَلَا سَبَبَ وَإِنَّمَا اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُنَزِّلُ لِلْغَيْثِ وَقَدْ أَجْرَى الْعَادَاتِ بِإِنْزَالِهِ عِنْدَ أَحْوَالٍ يُرِيهَا عِبَادَهُ وَلَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِنُزُولِ الْمَطَرِ عِنْدَ نَوْءٍ مِنْ الْأَنْوَاءِ فَاسْتَبْشَرَ أَحَدٌ لِنُزُولِهِ عِنْدَ ذَلِكَ النَّوْءِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ النَّوْءَ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي نُزُولِ الْمَطَرِ وَلَا هُوَ فَاعِلٌ لَهُ وَلَا أَثَرَ لَهُ فِيهِ وَأَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِإِنْزَالِهِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى لَمَا كَفَرَ بِذَلِكَ بَلْ يَعْتَقِدُ الْحَقَّ، وَإِنَّمَا كَفَرَ مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا لِإِضَافَةِ الْمَطَرِ إلَى النَّوْءِ وَاعْتِقَادِهِ أَنَّ لَهُ فِيهِ تَأْثِيرًا أَوْ فِعْلًا مَعَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ بِوَجْهٍ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ قَائِلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِالْمَنْعِ مِنْهُ وَلِمَا فِيهِ مِنْ إيهَامِ السَّامِعِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَبَانَ بِذَلِكَ فَضْلُ مَالِكٍ وَعِلْمُهُ بِالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ إذَا أَصْبَحَ وَقَدْ مُطِرَ النَّاسُ مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْفَتْحِ ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] ) . (ش) : كَانَ يَقُولُ مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْفَتْحِ مُضَادَّةً لِقَوْلِ أَهْلِ الْإِلْحَادِ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا فَيَقُولُ هُوَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْفَتْحِ يُرِيدُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا نَوْءَ يُنْزِلُ الْمَطَرَ وَلَا يَنْزِلُ بِهِ وَأَنَّ الَّذِي بِهِ يَنْزِلُ الْمَطَرُ هُوَ فَتْحُ اللَّهِ تَعَالَى الرَّحْمَةَ لِلنَّاسِ. [النَّهْيُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالْإِنْسَانُ عَلَى حَاجَتِهِ] (ش) : وَقَوْلُهُ مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ بِهَذِهِ الْكَرَايِيسِ يَعْنِي الْمَرَاحِيضَ وَاحِدُهَا كِرْيَاسٌ يَعْنِي أَنَّهُ يَجِدُ مِنْهَا مَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ أَوْ يَسْتَدْبِرُهَا وَكَانَ يَحْمِلُ النَّهْيَ فِي ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ أَوْ الْبَوْلَ وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغَائِطَ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الرَّجِيعِ خَاصَّةً وَهُوَ أَكْثَرُ مَا يَذْهَبُ إلَى الْغَائِطِ، وَأَمَّا الْبَوْلُ فَكَانُوا لَا يُبْعِدُونَ لَهُ ذَلِكَ الْإِبْعَادَ وَلَا

стр. 335

(الرُّخْصَةُ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إذَا قَعَدْت عَلَى حَاجَتِكَ فَلَا تَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ قَالَ «عَبْدُ اللَّهُ لَقَدْ ارْتَقَيْت عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ» ثُمَّ قَالَ لَعَلَّكَ مِنْ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ قَالَ قُلْت لَا أَدْرِي وَاَللَّهِ قَالَ مَالِكٌ يَعْنِي الَّذِي يَسْجُدُ وَلَا يَرْتَفِعُ عَنْ الْأَرْضِ يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالْأَرْضِ) ــ [المنتقى] يُشِيرُونَ لَهُ بِغَائِطٍ وَلَا غَيْرِهِ وَكَانَ الرَّجُلُ يُوَلِّي الرَّجُلَ ظَهْرَهُ لِأَنَّ الرَّجِيعَ يَحْتَاجُ لَهُ مِنْ التَّكَشُّفِ إلَى مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْبَوْلُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ الْغَائِطَ أَوْ الْبَوْلَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي فِي أَيِّ اللَّفْظَيْنِ قَالَ الْمُحَدِّثُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا بِفَرْجِهِ حَمَلَ أَبُو أَيُّوبَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ وَكَانَ يَمْنَعُ مِنْهُ فِي الصَّحَارِي وَالْبُيُوتِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحَارِي دُونَ الْمَبَانِي وَذَهَبَ دَاوُد إلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ فِيهِمَا وَالدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ دَاوُد الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ جَوَازِ ذَلِكَ فِي الْمَبَانِي قَوْلُ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَقَدْ ارْتَقَيْت عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ» . [الرُّخْصَةُ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ] (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَقُولُ إنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إذَا قَعَدْت عَلَى حَاجَتِك فَلَا تَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنْكَرَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلَ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى عُمُومِهِ وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي الصَّحَارِي دُونَ الْبُنْيَانِ وَبِذَلِكَ أَوْرَدَ الْحُجَّةَ فِي إبَاحَتِهِ فَقَالَ لَقَدْ رَقِيت عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ارْتَقَى مِنْ ظَهْرِ بَيْتِهِ مَوْضِعًا يَطَّلِعُ مِنْهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي خَلَاءٍ وَلَا يَجُوزُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الِاطِّلَاعِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ فِي دَارٍ عَهِدَهَا ابْنُ عُمَرَ غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فَدَخَلَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ. وَقَدْ رَوَى فِي الْمَبْسُوطِ نَافِعٌ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ قَالَ حَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَخْدَعِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ» فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَقْصِدْ النَّظَرَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مُسْتَقْبِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ وَكَذَلِكَ رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ وَذَكَرَ عُمَرُ الْمَنْعَ فِيهِمَا جَمِيعًا فَقَالَ إنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إذَا قَعَدْت عَلَى حَاجَتِك فَلَا تَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَالصَّحَارِي لِأَنَّ الْبُنْيَانَ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ وَضِيقٍ لَيْسَ كُلُّ مَنْ بَنَى خَلَاءً يُمْكِنُ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ، وَالصَّحَارِي مَوْضِعُ اتِّسَاعٍ وَتَمَكُّنٍ وَيُمْكِنُهُ فِي الْأَغْلَبِ أَنْ يَنْحَرِفَ فِي جُلُوسِهِ عَنْ الْقِبْلَةِ إذْ لَيْسَ هُنَاكَ مَانِعٌ يَمْنَعُهُ. ١ - (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِي الْوَطْءِ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إبَاحَتَهُ وَعَنْ ابْنِ حَبِيبٍ كَرَاهِيَتَهُ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ سُئِلَ أَيُجَامِعُ الرَّجُلُ إلَى الْقِبْلَةِ فَقَالَ لَا أَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَرَى بِالْمَرَاحِيضِ بَأْسًا فِي الْمُدُنِ وَهَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ جَوَابَهُ إنَّمَا كَانَ فِي الْبُنْيَانِ، وَأَمَّا فِي الصَّحَارِيِ فَلَمْ

стр. 336

النَّهْيُ عَنْ الْبُصَاقِ فِي الْقِبْلَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى» ) ــ [المنتقى] يَجِبُ عَنْهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مَا تَأَوَّلَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا كَانَ لِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ فِي الصَّحَارِي إكْرَامًا لِلْقِبْلَةِ لِعَدَمِ السُّتْرَةِ فَإِذَا سَتَرَ الْبُنْيَانُ الْقِبْلَةَ جَازَ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ الْوَطْءُ الْمُبَاحُ لَا يَكُونُ إلَّا تَحْتَ سُتْرَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِفَرْجٍ فَجَازَ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لَعَلَّك مِنْ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ عَلَى وَجْهِ التَّحْذِيرِ لَهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَالْعَيْبُ عَلَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَمَعْنَى الصَّلَاةِ عَلَى الْأَوْرَاكِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ فِي سُجُودِهِ عَنْ الْأَرْضِ يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالْأَرْضِ وَلَا يُقِيمُ وِرْكَهُ وَإِنَّمَا يَفْتَحُ رُكْبَتَيْهِ وَيُفَرِّجُهُمَا حَتَّى يَصِيرَ كَالْمُعْتَمِدِ عَلَى وِرْكَيْهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يَعْنِي الَّذِي يَسْجُدُ وَلَا يَرْتَفِعُ إلَى آخَرِ الْكَلَامِ مِنْ لَفْظِ مَالِكٍ فَسَرَدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ وَأَدْخَلَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ الرُّخْصَةِ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ وَإِنَّمَا فِي الْحَدِيثِ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ فَإِذَا اسْتَقْبَلَ بِالْمَدِينَةِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَقَدْ اسْتَدْبَرَ مَكَّةَ فَشَمَلَ النَّهْيُ عَنْهُ الِاسْتِدْبَارَ فَرَاعَى مَالِكٌ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْقِبْلَةِ مَكَّةَ دُونَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَيَكُونُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحَارِي يَتَعَلَّقُ بِمَكَّةَ. وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنْ تَكُونَ الْقِبْلَةُ فِي التَّرْجَمَةِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِأَنَّهَا قَدْ كَانَتْ قِبْلَةً وَإِنْ نُسِخَتْ الصَّلَاةُ إلَيْهَا فَإِنَّ سَائِرَ أَحْكَامِهَا بَاقِيَةٌ وَحُرْمَتَهَا ثَابِتَةٌ عَلَى حَسْبِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ النَّسْخِ فَيَكُونُ الْمَنْعُ مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ مَنْعًا مِنْ اسْتِقْبَالِ مَكَّةَ وَمِنْ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ كَانَ قِبْلَةً وَعَلَى هَذَا فَالْمَنْعُ بَاقٍ فِي اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ فِي الصَّحَارِيِ عَلَى حَسْبِ مَا هُوَ فِي اسْتِقْبَالِ مَكَّةَ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ تُسْتَقْبَلَ وَاحِدَةٌ مِنْ الْقِبْلَتَيْنِ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إسْنَادُهُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ الْمَنْعَ مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بَعْدَ النَّسْخِ وَأَنْ يَكُونَ حُرْمَةُ بَيْتِ الْمُقَدَّسِ بَاقِيَةً فِي هَذَا الْبَابِ بَعْدَ النَّسْخِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ نَهَى عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ حِينَ كَانَتْ تُسْتَقْبَلُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ نَهَى عَنْ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ حِينَ صُرِفَتْ الْقِبْلَةُ إلَيْهَا فَيَعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ مَمْنُوعٌ بَعْدَ النَّسْخِ وَيَنْظُرُ فِي اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى مَا يَقْتَضِي غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [النَّهْيُ عَنْ الْبُصَاقِ فِي الْقِبْلَةِ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ ظَاهِرًا فِيهِ وَلِذَلِكَ رَآهُ ﷺ فَاكْتَفَى بِحَكِّ عَيْنِهِ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى غَسْلِهِ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ حَالَ الصَّلَاةِ وَيَحْتَمِلُ مَعَانِي: أَحَدُهَا: أَنَّهُ نَصَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْبُصَاقِ قِبَلَ وَجْهِهِ حَالَ الصَّلَاةِ لِفَضِيلَةِ تِلْكَ الْحَالِ عَلَى سَائِرِ الْأَحْوَالِ فَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ وَوَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ خَصَّ بِذَلِكَ حَالَ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَفِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ قَدْ تَكُونُ الْقِبْلَةُ عَنْ يَسَارِهِ وَهِيَ الْجِهَةُ الَّتِي أُمِرَ بِالْبُصَاقِ إلَيْهَا أَوْ أَمَامَهُ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى حَالَةِ الصَّلَاةِ لِجَوْزِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ تَوَجَّهَ إلَى سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَإِنَّ

стр. 337

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ بُصَاقًا أَوْ مُخَاطًا أَوْ نُخَامَةً فَحَكَّهُ» ) . مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ» ) ــ [المنتقى] حَالَ الصَّلَاةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَ فِيهَا إلَى شَيْءٍ وَلْيَبْصُقْ كَيْفَ تَيَسَّرَ لَهُ فِي قِبْلَتِهِ وَغَيْرِهَا فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا مِنْ إكْرَامِ الْقِبْلَةِ وَتَنْزِيهِهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قِبَلَ وَجْهِهِ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ثَوَابَهُ وَإِحْسَانَهُ وَتَفَضُّلَهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَيَجِبُ أَنْ يُنَزِّهَ تِلْكَ الْجِهَةَ عَنْ الْبُصَاقِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَارِي تَعَالَى أَمَرَنَا بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَتَعْظِيمِهَا وَتَنْزِيهِهَا وَلَا سِيَّمَا فِي حَالِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ بِمَعْنَى أَنَّ مَا أَمَرَهُ بِتَنْزِيهِهِ وَتَعْظِيمِهِ قِبَلَ وَجْهِهِ وَأَنَّ فِي تَعْظِيمِهِ تِلْكَ الْجِهَةَ تَعْظِيمُ اللَّهِ وَطَاعَتُهُ وَهَذَا كَمَا يُقَالُ إذَا وَرَدَ عَلَيْكَ فُلَانٌ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ فَأَكْرِمْهُ فَإِنَّ الْأَمِيرَ يَرُدُّ عَلَيْكَ بِوُرُودِهِ وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ بَصَقَ بُصَاقًا ظَاهِرًا وَالْبُصَاقُ فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ لَا يَتَهَيَّأُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ سَتْرُهُ إلَّا بِإِزَالَتِهِ وَحَكِّهِ كَمَا فَعَلَ ﷺ وَهَذَا الْبُصَاقُ فِيهِ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ وَخَصَّ جِهَةَ الْقِبْلَةِ لِفَضِيلَتِهَا عَلَى سَائِرِ الْجِهَاتِ وَلِأَنَّهَا الْجِهَةُ الَّتِي يَتَّجِهُ الْبُصَاقُ إلَيْهَا فِي الْأَغْلَبِ لَا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ يُصَلِّي. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا مَنْ بَصَقَ فِي الْمَسْجِدِ وَسَتَرَ بُصَاقَهُ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» وَذَلِكَ لِطَهَارَةِ الْبُصَاقِ، وَأَمَّا الدَّمُ وَمَا كَانَ نَجِسًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ مَنْ دَمِيَ فُوهُ فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَنْصَرِفْ حَتَّى يَزُولَ عَنْهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الدَّمَ نَجَسٌ فَيَجِبُ أَنْ يُنَزِّهَ الْمَسْجِدَ عَنْهُ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا وَالْبُصَاقُ لَيْسَ بِنَجِسٍ وَلَكِنَّهُ كَرِيهُ الْمَنْظَرِ وَالْأَثَرُ يَمْنَعُ مِنْ ظُهُورِهِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ إذَا سُتِرَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي الْبُصَاقِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ أَنْ يَبْصُقَ أَمَامَهُ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ «أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ كُنْت عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ نِصْفَ شَهْرٍ فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي وَعَلَيْهِ نَعْلَاهُ وَرَأَيْتُهُ يَبْصُقُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ» . (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَسَارِهِ وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقُ أَمَامَهُ فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لِيَدْفِنَهَا» فَبَيَّنَ ﷺ أَنَّ هَذِهِ الْجِهَةَ أَوْلَى بِالْبُصَاقِ إلَيْهَا لِمَا ذَكَرَهُ وَلِأَنَّ التَّيَاسُرَ فِي الْأَقْذَارِ مَشْرُوعٌ وَلِذَلِكَ أَمَرَ الْمُكَلَّفَ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِشِمَالِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ بُصَاقًا أَوْ مُخَاطًا أَوْ نُخَامَةً فَحَكَّهُ» ) (ش) : الْبُصَاقُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْفَمِ وَالنُّخَامَةُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَلْقِ وَالْمُخَاطُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَنْفِ وَقَوْلُهُ فَحَكَّهُ يُرِيدُ أَزَالَهُ وَذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ سَتْرِهِ وَإِخْفَاءِ عَيْنِهِ وَلَا يُمْكِنُ فِي الْحَائِطِ مِنْ سَتْرِهِ غَيْرَ ذَلِكَ وَلَوْ أَرَادَ يَبْصُقُ فِي الْأَرْضِ وَيَحُكُّهُ بِرَجُلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ سَتْرَهُ فِي الْأَرْضِ يُمْكِنُهُ بِغَيْرِ هَذَا الْفِعْلِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَقْذِيرِ الْمَوْضِعِ لِمَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ فِيهِ. [مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَةِ] (ش) : قَوْلُهُ بَيْنَمَا النَّاسُ فِي قُبَاءَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ هَكَذَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا إلَى الْكَعْبَةِ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا إلَى الْكَعْبَةِ الْعَصْرُ عَلَى مَا رَوَى الْبَرَاءُ وَأَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ

стр. 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] لَمْ يَبْلُغْهُمْ ذَلِكَ إلَّا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلِذَلِكَ قَالَ هَذَا الْمُخْبِرُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ قَالَ أَبُو بِشْرٍ الدُّولَابِيُّ «زَارَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ بِشْرٍ فِي بَنِي سَلِمَةَ وَصَلَّى الظُّهْرَ فِي مَسْجِدِ الْقِبْلَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إلَى الشَّامِ ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَاسْتَدَارَ وَدَارَتْ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ فَصَلَّى الْبَقِيَّةَ إلَى مَكَّةَ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ يَعْنِي فِي صَلَاتِهِ لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ إنَّمَا هُوَ فِيهَا وَأَمْرُهُ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ نَسْخٌ لِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالصَّلَاةِ وَنَهْيٌ عَنْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ عَمَلٌ بِإِخْبَارِ الْآحَادِ مَعَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا فِي شُهْرَتِهِ لَا يَخْفَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَقَرَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالْعِبَادَةِ مُتَوَجِّهٌ إلَيْنَا مِنْ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ وَلِذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ رَجَعُوا إلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي صُرِفَ إلَيْهَا وَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ بَنَوْا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَلَاتِهِمْ وَلَوْ شَرَعَ أَحَدٌ فِي صَلَاةٍ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ يَظُنُّهَا إلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ صَلَاتَهُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ فَإِنْ كَانَ مُنْحَرِفًا انْحِرَافًا يَسِيرًا رَجَعَ إلَى الْقِبْلَةِ وَبَنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ صَلَّى إلَى جِهَةٍ شُرِعَ الصَّلَاةُ إلَيْهَا مَعَ الِاجْتِهَادِ وَوُجُودِ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ مُسْتَدْبِرًا لَهَا أَوْ مُنْحَرِفًا عَنْهَا انْحِرَافًا كَثِيرًا مُشَرِّقًا أَوْ مُغَرِّبًا اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ افْتَتَحَهَا إلَى جِهَةٍ لَا يَدْخُلُهَا الِاجْتِهَادُ مَعَ إدْرَاكِ عَلَامَاتِ الْقِبْلَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ قُبَاءَ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ افْتَتَحُوا الصَّلَاةَ إلَى مَا شُرِعَ لَهُمْ مِنْ الْقِبْلَةِ فَلَمَّا طَرَأَ النَّسْخُ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ لَمْ يَجُزْ إفْسَادُ مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا عَلَى الصِّحَّةِ فَهَذَا الَّذِي افْتَتَحَ صَلَاتَهُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ لَمْ يَفْتَتِحْهَا عَلَى مَا شَرَعَ وَلَا عَلَى جِهَةٍ يَجْتَهِدُ فِيهَا مَعَ إدْرَاكِ عَلَامَاتِ الْقِبْلَةِ فَكَانَ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُهَا. (فَرْعٌ) فَإِنْ أَتَمَّ صَلَاتَهُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ تَمَامِ صَلَاتِهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَنْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ أَوْ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ مُخْطِئًا لِلْقِبْلَةِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ دُونَ مَا بَعْدَهُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ تَبَيَّنَ الْقِبْلَةَ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ فَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ لِمَا كَانَ إذَا أَتَمَّ الصَّلَاةَ أَعَادَهَا فِي الْوَقْتِ أَمَرَهُ أَنْ لَا يُتِمَّهَا عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَهَذَا الْأَصْلُ تَتَشَعَّبُ مِنْهُ مَسَائِلُ يَجِبُ أَنْ نُبَيِّنَهَا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ وَنَسِيَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ يَتَمَادَى وَيُعِيدُ وَقَالَ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ يَتَمَادَى وَيُعِيدُ وَذَلِكَ أَنَّ مَا تَرَدَّدَ الْأَمْرُ فِيهِ عِنْدَهُ بَيْنَ الْجَوَازِ وَالْفَسَادِ أَمَرَهُ بِالتَّمَامِ لِئَلَّا يُبْطِلَ عَمَلًا يَخْتَلِفُ فِيهِ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيُؤَدِّيَ الْعِبَادَةَ بِيَقِينٍ فَكَيْفَ بِصَلَاةٍ هِيَ إذَا تَمَّتْ عِنْدَهُ صَلَاةٌ يَقْضِي بِهَا الْفَرْضَ كَانَتْ أَوْلَى بِأَنْ يَتَمَادَى عَلَيْهَا ثُمَّ يُعِيدُهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُرَاعِي فِي ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ مُجْزِيَةً أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهَا مَعَ ذِكْرِهِ لِلْمَعْنَى الْمُؤَثِّرِ فِيهَا فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرُ فِي الْعِبَادَةِ يُؤَثِّرُ فِيهَا مَعَ الْيَقِينِ فَلَا يَجُوزُ مَعَهُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ مَعَ النِّسْيَانِ فَإِنَّ ذِكْرَهُ لِذَلِكَ الْمَعْنَى فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ يَمْنَعُ عِنْدَهُ إتْمَامَهَا وَيُوجِبُ إبْطَالَ مَا مَضَى مِنْهَا كَذِكْرِهِ لِصَلَاةٍ فِي صَلَاةٍ. (فَرْعٌ) وَقَوْلُ مَالِكٍ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ثُمَّ عَلِمَ بِذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ صَلَاتِهِ فَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ يُعِيدُ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَهَذَا قَوْلٌ مُجْمَلٌ وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْمُصَلِّيَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ لَا يَخْلُو أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ وُجُودِهَا وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ فَرْقًا بَيْنَهُمَا غَيْرَ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْقَصَّارِ ذَكَر عَنْ مَالِكٍ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُجْتَهِدًا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ اسْتِحْبَابًا وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي إشْرَافِهِ مَنْ عَمِيَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَصَلَّى إلَى مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا جِهَتُهَا ثُمَّ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ خِلَافًا لِلْمُغِيرَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَاَلَّذِي قَالَهُ الْمُغِيرَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ

стр. 339

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ حُوِّلَتْ الْقِبْلَةُ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ إذَا تَوَجَّهَ قِبَلَ الْبَيْتِ) . ــ [المنتقى] لَيْسَ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ إنَّمَا قَالَ الْمُغِيرَةُ فِي الْمَبْسُوطِ وَاسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ أَعَادَ أَبَدًا لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ بِشَيْءٍ مِنْ وَجْهِهِ فَإِنْ كَانَتْ قِبْلَتُهُ إلَى الْيَمِينِ فَصَلَّى إلَى شَرْقٍ أَوْ غَرْبٍ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ بَعْضَهُ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ فَأَمَّا مَنْ كَانَ انْحِرَافُهُ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَلَا يُعِيدُ فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ وَمَنْ انْحَرَفَ عَنْ الْبَيْتِ عَامِدًا أَعَادَ أَبَدًا وَإِنْ كَانَ مُسْتَقْبِلًا لَهُ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ اسْتَقْبَلَهُ فَلَمْ يَقْصِدْ الصَّلَاةَ إلَيْهِ فَهَذَا مَذْهَبُ الْمُغِيرَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ عَلَى التَّحْقِيقِ وَهُوَ كُلُّهُ فِي الْمَبْسُوطِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ عِنْدِي قَوْلٌ صَحِيحٌ وَمَحَلُّهُ عِنْدِي مَعَ ظُهُورِ عَلَامَاتِ الْقِبْلَةِ وَأَمَّا مَعَ خَفَائِهَا فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ فَعَلَى هَذَا الِانْحِرَافِ عَنْ الْقِبْلَةِ يَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ فَهَذَا يُعِيدُ أَبَدًا وَإِنْ صَلَّى إلَى جِهَتِهَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَتَحَرَّى اسْتِقْبَالَهَا مَعَ ظُهُورِ عَلَامَاتِهَا فَهَذَا حُكْمُهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَتَحَرَّى اسْتِقْبَالَهَا مَعَ عَدَمِ عَلَامَاتِهَا فَهَذَا لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ حُوِّلَتْ الْقِبْلَةُ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ» ) (ش) : قَوْلُهُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يُرِيدُ نُسِخَتْ الصَّلَاةُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَحُوِّلَ ذَلِكَ إلَى الْكَعْبَةِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي مَنْعَ الصَّلَاةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ النَّسْخِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَحْوِيلًا وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ مُشَارَكَةً وَالنَّسْخُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَأَمَّا الْمَاضِي فَقَدْ مَضَى عَلَى الْوَاجِبِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْأَمْرُ بِالِانْتِقَالِ عَنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمُسْتَقْبَلَ وَلِذَلِكَ إنَّمَا تُنْسَخُ الْعِبَادَةُ قَبْلَ فِعْلِهَا وَأَمَّا بَعْدَ فِعْلِهَا فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِيهَا. وَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ اخْتِيَارًا مِنْ غَيْرِ فَرْضٍ عَلَيْهِ لِتَأَلُّفِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ ثُمَّ صُرِفَ إلَى مَكَّةَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ الْأَمْرُ مُفَوَّضًا إلَيْهِ قَدْ خُيِّرَ فِيهِ وَالْأَظْهَرُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ تَبِعَ فِي ذَلِكَ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ مِمَّنْ كَانَتْ قِبْلَتُهُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ إلَى الْكَعْبَةِ ثُمَّ صُرِفَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ صُرِفَ إلَى الْكَعْبَةِ. (ش) : قَوْلُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هَذَا فِي كُلِّ الْبُلْدَانِ إلَّا بِمَكَّةَ عِنْدَ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ إنْ زَالَ عَنْهَا شَيْءٌ وَإِنْ قَلَّ فَقَدْ تَرَكَ الْقِبْلَةَ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ إنَّمَا ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ مِمَّنْ قِبْلَتُهُ بَيْنَ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِبِ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ مَكَّةَ فِي الْمَشْرِقِ أَوْ فِي الْمَغْرِبِ فَإِنَّ قِبْلَتَهُمْ مَا بَيْنَ الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ وَلَهُمْ مِنْ السِّعَةِ فِي ذَلِكَ مِثْلُ مَا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ بَيِّنٌ صَحِيحٌ وَلَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ مَعَ الِاجْتِهَادِ لِمَنْ تَعَيَّنَ اجْتِهَادُهُ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ دُونَ غَيْرِهَا، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: فَأَمَّا مَنْ عَايَنَ الْبَيْتَ فَإِنَّ فَرْضَهُ اسْتِقْبَالُهُ خَاصَّةً لَا يَجُوزُ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُعَايِنٌ لِلْقِبْلَةِ الَّتِي فُرِضَ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُهَا فَمَنْ لَمْ يَسْتَقْبِلْهَا تَيَقَّنَ انْحِرَافَهُ عَنْهَا وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَلَا خِلَافَ فِيهِ. وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُعَايِنْ الْقِبْلَةَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ أَوْ مِنْ أَهْلِ التَّقْلِيدِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَفَرْضُهُ الِاجْتِهَادُ فِي تَعْيِينِ سَمْتِ الْقِبْلَةِ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مَعَ التَّوَجُّهِ إلَى جِهَةِ الْبَيْتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَفَرْضُهُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ إنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الْقِبْلَةِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ عِنْدِي أَنْ لَا يُصَلِّي إلَّا فِي آخِرِ

стр. 340

مَا جَاءَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» ) . ــ [المنتقى] الْوَقْتِ لِأَنَّهُ يَرْجُو أَنْ يَجِدَ مَنْ يُقَلِّدُهُ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ فَأَمَّا الْمَدِينَةُ فَلَا يَسُوغُ لِأَحَدٍ الِاجْتِهَادُ فِيهَا إلَى قِبْلَةٍ تُخَالِفُ قِبْلَةَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَّبَ قِبْلَتَهَا وَهَذَا نَصٌّ مِنْهُ عَلَيْهَا وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ هُوَ الَّذِي أَقَامَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قِبْلَةَ مَسْجِدِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إذَا تَوَجَّهَ قِبَلَ الْبَيْتِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا اجْتِهَادَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا اجْتِهَادُهُ فِي تَعْيِينِ سَمْتِ الْقِبْلَةِ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ دُونَ سَائِرِ الْجِهَاتِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَاخْتَلَفَ مُتَأَخِّرُو أَصْحَابِنَا هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي إصَابَةِ الْجِهَةِ أَوْ الْعَيْنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ الِاجْتِهَادُ فِي إصَابَةِ الْجِهَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] وَالشَّطْرُ النَّحْوُ وَالْجِهَةُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁. وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدِي أَظْهَرَ أَنَّ الْفَرْضَ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِ الْعَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْنَا إصَابَتُهُ وَلَزِمَنَا إصَابَةُ جِهَتِهِ وَسَمْتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [مَا جَاءَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ] (ش) : قَوْلُهُ صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ يُرِيدُ أَنَّهَا أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّ صَلَاةً فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ تَفْضُلُ أَقَلَّ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ نَافِعٍ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ مَعْنَاهُ عِنْدَنَا إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّ صَلَاةً فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عِنْدَهُمْ عَلَى أَيِّ الْبَلَدَيْنِ أَفْضَلُ وَسَنُبَيِّنُ الْكَلَامَ فِيهِ فِي الْجَامِعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا الَّذِي يَقْتَضِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَأَنْ يَكُونَ حُكْمُ مَكَّةَ خَارِجًا عَنْ أَحْكَامِ سَائِرِ الْمَوَاطِنِ فِي الْفَضِيلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْخَبَرِ وَلَا يَعْلَمُ حُكْمَ مَكَّةَ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ فَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي مَكَّةَ أَفْضَلَ وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي الْمَدِينَةِ أَفْضَلَ وَيَصِحُّ أَنْ يَتَسَاوَيَا. (مَسْأَلَةٌ) : سُئِلَ مُطَرِّفٌ عَنْ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ هَلْ هِيَ فِي النَّافِلَةِ أَيْضًا قَالَ نَعَمْ رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونَ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ وَقَالَ لِي عُمَرُ حَدَّثَهُ جُمُعَةٌ خَيْرٌ مِنْ جُمُعَةٍ وَرَمَضَانُ خَيْرٌ مِنْ رَمَضَانَ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عِبَادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» ) (ش) : قَوْلُهُ مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِي بَيْنَ مِنْبَرِهِ وَبَيْتِهِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ قَالَ الدَّاوُدِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُنْقَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ إلَى الْجَنَّةِ فَيَكُونَ مِنْ رِيَاضِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ مُلَازَمَةَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَالتَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ يُؤَدِّي إلَى رِيَاضِ الْجَنَّةِ كَمَا يُقَالُ الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اتِّبَاعَ مَا يُتْلَى فِيهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ يُؤَدِّي إلَى رِيَاضِ الْجَنَّةِ فَلَا يَكُونُ فِيهَا لِلْبُقْعَةِ فَضِيلَةٌ إلَّا لِمَعْنَى اخْتِصَاصِ هَذِهِ الْمَعَانِي دُونَ غَيْرِهَا. وَالثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ أَنَّ مُلَازَمَتَهُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بِالطَّاعَةِ وَالصَّلَاةِ يُؤَدِّي إلَى رِيَاضِ الْجَنَّةِ لِفَضِيلَةِ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى سَائِرِ الْمَوَاضِعِ وَهَذَا أَبْيَنُ لِأَنَّ

стр. 341

مَا جَاءَ فِي خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى الْمَسَاجِدِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» ) ــ [المنتقى] الْكَلَامَ إنَّمَا خَرَجَ عَلَى مَعْنَى تَفْضِيلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ ﵀ تَأَوَّلَ فِيهِ هَذَا الْوَجْهَ وَلِذَلِكَ أَدْخَلَهُ فِي بَابٍ وَاحِدٍ مَعَ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ إتْيَانَهُ لِلصَّلَاةِ وَالطَّاعَاتِ وَلُزُومَهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يُؤَدِّي إلَى وُرُودِ حَوْضِهِ ﷺ وَقَدْ قِيلَ إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ذَلِكَ أَنَّ لِي مِنْبَرًا عَلَى حَوْضِي وَلَيْسَ هَذَا بِالْبَيِّنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَقْتَضِيهِ وَهُوَ قَطْعُ الْكَلَامِ عَمَّا قَبْلَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إلَى ذَلِكَ. [مَا جَاءَ فِي خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى الْمَسَاجِدِ] (ش) : قَوْلُهُ «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ مَنْعُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّ لَا خُرُوجَ لَهُنَّ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّجُلِ مَنْعُ الْمَرْأَةِ مِنْ ذَلِكَ لَخُوطِبَ النِّسَاءُ بِالْخُرُوجِ وَلَمْ يُخَاطَبْ الرِّجَالُ بِالْمَنْعِ كَمَا خُوطِبَ النِّسَاءُ بِالصَّلَاةِ وَلَمْ يُخَاطَبْ الرِّجَالُ بِأَنْ لَا يَمْنَعُوهُنَّ مِنْهَا وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُمْنَعُ النِّسَاءُ الْخُرُوجَ إلَى الْمَسَاجِدِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ لَهُنَّ عَلَى الْأَزْوَاجِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ حَضَّ الْأَزْوَاجِ عَلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ لَهُنَّ لِمَا كَانَ لَهُمْ الْمَنْعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رُوِيَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ بِاللَّيْلِ تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مَسَاجِدَ اللَّهِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لَهَا وَالتَّخْصِيصِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا أَضَافَ الْإِمَاءَ إلَيْهِ أَتَى بِإِضَافَةِ الْمَسَاجِدِ إلَيْهِ لِيُظْهِرَ وَجْهَ خُرُوجِهِنَّ إلَيْهَا وَاخْتِصَاصِهِنَّ بِهَا. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَلَا تَمَسَّنَّ طِيبًا» ) ش قَوْلُهُ إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ صَلَاةَ الْعِشَاءِ الَّتِي يُمْكِنُ مُشَاهَدَةُ النِّسَاءِ لَهَا لِأَنَّ غَالِبَ مَا يَحْضُرْنَ مِنْ الصَّلَوَاتِ مَا كَانَ فِي أَوْقَاتِ الظُّلُمَاتِ كَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهُنَّ وَأَخْفَى لِأَحْوَالِهِنَّ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إذَا اسْتَأْذَنَكُمْ بِاللَّيْلِ إلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ» فَخَصَّ بِذَلِكَ اللَّيْلَ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّتْرِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَطَيُّبَ النِّسَاءِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ إنَّمَا يَكُونُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ لِمُضَاجَعَةِ الْأَزْوَاجِ فَكُرِهَ لَهُنَّ تَعْجِيلُ التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْعِشَاءِ لِأَنَّ خُرُوجَهُنَّ مَعَ التَّطَيُّبِ وَالتَّجَمُّلِ فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ وَإِذَا بِهِ لَمَّا وُضِعَ فِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ الْمَيْلِ إلَيْهِنَّ وَالشُّغْلِ بِهِنَّ وَالتَّطَيُّبِ سَبَبٌ لِذَلِكَ وَبَاعِثٌ عَلَيْهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَاتِكَةَ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ امْرَأَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَأْذِنُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إلَى الْمَسْجِدِ فَيَسْكُتُ فَتَقُولُ وَاَللَّهِ لَأَخْرُجَنَّ إلَّا أَنْ تَمْنَعَنِي فَلَا يَمْنَعُهَا) . (ش) : اسْتِئْذَانُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابَ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَعْتَقِدُ أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِاسْتِئْذَانِهِ وَجْهٌ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْكُتُ لِتَمْتَنِعَ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْهُ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَمْرِ وَكَانَ يَكْرَهُ خُرُوجَهَا إلَى مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ لِمَا كَانَ طُبِعَ عَلَيْهِ مِنْ الْغَيْرَةِ وَكَانَتْ هِيَ تَقُولُ وَاَللَّهِ لَأَخْرُجَنَّ إلَّا أَنْ تَمْنَعَنِي لِأَنَّهَا كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَجْرُ الْخُرُوجِ إنْ خَرَجَتْ وَإِنْ مُنِعَتْ مَعَ نِيَّتِهَا فِي الْخُرُوجِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْذَانُهَا بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ بِخُرُوجِهَا لِئَلَّا يَكُونَ لَهُ إلَيْهَا حَاجَةٌ تُبِيحُ لَهُ مَنْعَهَا فَإِذَا سَكَتَ عَنْهَا عَلِمَتْ بِعَدَمِ السَّبَبِ الْمَانِعِ لَهَا مِنْ الْخُرُوجِ وَلِذَلِكَ كَانَتْ تَقُولُ وَاَللَّهِ لَأَخْرُجَنَّ إلَّا أَنْ تَمْنَعَنِي أَنَّهَا تَخْرُجُ إلَّا أَنْ يَحْدُثَ سَبَبٌ يُؤْثِرُ مِنْ

стр. 342

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ كَمَا مُنِعَهُ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ قَالَ يَحْيَى فَقُلْت لِعَمْرَةَ أَوَمُنِعَ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ الْمَسَاجِدَ قَالَتْ نَعَمْ» ) . الْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ لِمَنْ مَسَّ الْقُرْآنَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ» ) ــ [المنتقى] أَجْلِهِ مَنْعَهَا لَمَّا عَلِمَتْ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهَا ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ كَمَا مُنِعَهُ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ قَالَ يَحْيَى فَقُلْت لِعَمْرَةَ أَوَمُنِعَ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ الْمَسَاجِدَ قَالَتْ نَعَمْ» ) . (ش) : قَوْلُهَا لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ يَعْنِي التَّطَيُّبَ وَالتَّجَمُّلَ وَقِلَّةَ السَّتْرِ وَتَسَرُّعَ كَثِيرٍ مِنْهُنَّ إلَى الْمَنَاكِيرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا أَدْرَكْنَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمُلَابِسِ وَالتَّجَمُّلِ الَّذِي يُفْتَنُ بِهِ النَّاسُ وَإِنَّمَا كُنَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَلْبِسْنَ الْمُرُوطَ فَيَخْرُجْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ فِيهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ كَمَا مَنَعَهُ نِسَاءَ بَنِي إسْرَائِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي شَرِيعَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ مَنْعُ النِّسَاءِ مِنْ الْمَسَاجِدِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ إنَّمَا مُنِعْنَ بَعْدَ إبَاحَةِ ذَلِكَ لَهُنَّ لِمِثْلِ هَذَا وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهَا إلَّا بِالْخَبَرِ دُونَ النَّظَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي الْمَبْسُوطِ إنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ خُرُوجِهِنَّ الْبَيِّنَةُ الرَّائِحَةِ أَوْ الْجَمِيلَةُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي مِثْلِهَا الْفِتْنَةُ. [الْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ لِمَنْ مَسَّ الْقُرْآنَ] (ش) : قَوْلُهُ إنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَصْلٌ فِي كِتَابَةِ الْعِلْمِ وَتَحْصِينِهِ فِي الْكِتَابِ وَأَصْلٌ فِي صِحَّةِ الرِّوَايَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُنَاوَلَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِهِ فَجَازَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْعَمَلُ بِهِ وَالْأَخْذُ بِمَا فِيهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمَسَّ الْقُرْآنَ مُحْدِثٌ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يَمَسَّ الْقُرْآنَ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالْمُحْدِثُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وَهَذَا نَهْيٌ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْخَبَرِ فَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ لِأَنَّ خَبَرَ الْبَارِي تَعَالَى لَا يَكُونُ بِخِلَافِ مَخْبَرِهِ وَنَحْنُ نُشَاهِدُ مَنْ يَمَسُّهُ غَيْرَ طَاهِرٍ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ «أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّلَاةِ لِمَعْنِيٍّ فِيهِ فَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ كَالْمُشْرِكِ أَوْ كَاَلَّذِي غَمَرَتْ جَسَدَهُ النَّجَاسَةُ. (ص) : (مَالِكٌ وَلَا يَحْمِلُ أَحَدٌ الْمُصْحَفَ لَا بِعَلَّاقَتِهِ وَلَا عَلَى وِسَادَةٍ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَحَمَلَ فِي أَخْبِيَتِهِ وَلَمْ يُكْرَهْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الَّذِي يَحْمِلُهُ شَيْءٌ يُدَنِّسُ الْمُصْحَفَ وَلَكِنْ إنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ يَحْمِلُهُ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ إكْرَامًا لِلْقُرْآنِ وَتَعْظِيمًا لَهُ) . (ش) : هَذَا كَمَا قَالَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَهُ بِعَلَّاقَةٍ وَيَحْمِلَهُ عَلَى وِسَادَةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مُحْدِثٌ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ بِالْحَمْلِ وَمِنْ أَصَحِّ الِاسْتِدْلَالِ فِيهِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ ﵀ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَحَمَلَ فِي أَخْبِيَتِهِ لِأَنَّ الَّذِي يَحْمِلُهُ فِي عَلَّاقَتِهِ غَيْرُ مُبَاشِرٍ لَهُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ حَمْلِهِ إلَّا أَنَّهُ مُحْدِثٌ قَاصِدٌ لِحَمْلِهِ وَإِذَا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودًا فِيمَنْ حَمَلَهُ بِعَلَّاقَتِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْ حَمْلِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَمْ يُكْرَهْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الَّذِي يَحْمِلُهُ نَجَاسَةٌ يُدَنَّسُ بِهَا الْمُصْحَفُ رَدًّا عَلَى

стр. 343

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] إنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي فِي عَبَسَ وَتَوَلَّى قَوْلُ اللَّهِ ﵎ ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١] ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٤] ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦] . ــ [المنتقى] مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ حَمْلِهِ بِعَلَّاقَتِهِ أَوْ عَلَى وِسَادَةٍ وَبَيْنَ مُبَاشَرَتِهِ بِالْحَمْلِ وَلَكِنْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ وَمِنْ التَّعْظِيمِ لَهُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ حَمْلِهِ بِعَلَّاقَتِهِ وَأَمَّا إنْ حَمَلَهُ فِي غِرَارَةٍ بَيْنَ مَتَاعِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ لِحَمْلِهِ. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] إنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي فِي عَبَسَ وَتَوَلَّى قَوْلُ اللَّهِ ﵎ ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١] ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٤] ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦] . (ش) : ذَهَبَ مَالِكٌ ﵀ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إلَى أَنَّهَا عَلَى الْخَبَرِ عَنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمَلَائِكَةُ الْمُطَهَّرُونَ وَقَالَ إنَّ هَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ النَّهْيُ لِلْمُكَلَّفِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ عَنْ مَسِّ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَقَالُوا إنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ الْمَكْنُونِ الْمَصَاحِفُ الَّتِي بِأَيْدِي النَّاسِ وقَوْله تَعَالَى ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة: ٧٩] وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْخَبَرِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ النَّهْيُ لِأَنَّ خَبَرَ الْبَارِي تَعَالَى لَا يَكُونُ بِخِلَافِ مَخْبَرِهِ وَنَحْنُ نَرَى الْيَوْمَ مَنْ يَمَسُّهُ غَيْرَ طَاهِرٍ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّهْيُ وَجَعَلُوا هَذَا حُجَّةً عَلَى الْمَنْعِ مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَأَدْخَلَ مَالِكٌ ﵀ تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي بَابِ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لِمَنْ مَسَّ الْقُرْآنَ وَلَيْسَ يَقْتَضِي ظَاهِرُ تَأْوِيلِهِ لَهَا الْأَمْرُ بِذَلِكَ وَلَكِنْ يَصِحُّ أَنْ يُدْخِلَهُ فِي الْبَابِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَدْخَلَ هُوَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ مَا يُصَحِّحُ هُوَ الِاحْتِجَاجَ بِهِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لِمَنْ مَسَّ الْقُرْآنَ وَأَدْخَلَ فِي آخِرِ الْبَابِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ النَّاسُ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ بِحُجَّةٍ فَأَتَى بِهِ وَبَيَّنَ وَجْهَ ضَعْفِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَهَذَا مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالْإِنْصَافِ وَمَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنْ التَّعَصُّبِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ ﵀ أَدْخَلَ هَذَا التَّأْوِيلَ أَيْضًا عَلَى وَجْهِ الِاحْتِجَاجِ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ وَذَلِكَ أَنَّ الْبَارِي تَعَالَى وَصَفَ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ كَرِيمٌ وَأَنَّهُ فِي الْكِتَابِ الْمَكْنُونِ الَّذِي لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ فَوَصَفَهُ بِهَذَا تَعْظِيمًا لَهُ وَالْقُرْآنُ الْمَكْنُونُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ هُوَ الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ الَّتِي بِأَيْدِينَا وَقَدْ أَمَرَنَا بِتَعْظِيمِهَا فَيَجِبُ أَنْ تَمْتَثِلَ ذَلِكَ بِمَا وَصَفَ اللَّهُ الْقُرْآنَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَمَسُّ الْكِتَابَ الَّذِي هُوَ فِيهِ إلَّا مُطَهَّرٌ وَهَذَا وَجْهٌ صَحِيحٌ سَائِغٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَقَدْ يُبِيحُ مَسَّ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ ضَرُورَةُ التَّعَلُّمِ وَهَلْ يُبِيحُ ذَلِكَ ضَرُورَةُ التَّعْلِيمِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إبَاحَتَهُ وَكَرِهَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُعَلِّمَ يَحْتَاجُ مِنْ تَكَرُّرِ مَسِّهِ مَا تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ بِاسْتِدَامَةِ الطَّهَارَةِ لَهُ فَأَرْخَصَ لَهُ فِي ذَلِكَ كَالْمُتَعَلِّمِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ لِتَكْرَارِ مَسِّهِ لِلْحِفْظِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَعْنَى الصِّنَاعَةِ وَالْكَسْبِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا فِي الْمُصْحَفِ الْجَامِعِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُكْتَبَ الْقُرْآنُ أَسْدَاسًا وَأَسْبَاعًا فِي الْمَصَاحِفِ فِيهِ وَقَالَ قَدْ جَمَعَهُ اللَّهُ وَهَؤُلَاءِ يُفَرِّقُونَهُ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ قَالَ وَمِنْ الْمَصَاحِفِ فَلَا أَرَى أَنْ يُنَقَّطَ وَلَا يُزَادَ فِي الْمَصَاحِفِ، وَأَمَّا مَصَاحِفُ صِغَارٌ يَتَعَلَّمُ فِيهَا الصِّبْيَانُ وَأَلْوَاحُهُمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنَعَ مَالِكٌ فَقَطْ الْمُصْحَفَ الَّذِي هُوَ الْإِمَامُ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَيُكْتَبُ مِنْ الْهِجَاءِ عَلَى الْكَتَبَةِ الْأُولَى وَلَا يُكْتَبُ عَلَى مَا أَحْكَمَ النَّاسُ الْيَوْمَ مِنْ الْهِجَاءِ قَالَ يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ بَرَاءَةَ لَا يُكْتَبَ فِي أَوَّلِهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِئَلَّا يُوضَعَ شَيْءٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَيُكْتَبُ فِي الْأَلْوَاحِ فِي أَوَّلِهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَوَاءٌ بَدَأَ بِأَوَّلِ سُورَةٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَا يُجْعَلُ إمَامًا قَالَ وَإِنَّمَا كُتِبَ الْقُرْآنُ عَلَى مَا كَانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا الذِّكْرُ مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ فَلَا يَمْنَعُ الْحَدَثُ مِنْ النُّطْقِ بِهِ وَلَا مِنْ مَسِّهِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ اسْتَخَفَّ مَالِكٌ فِي الْخَاتَمِ الْمَنْقُوشِ يَكُونُ فِي الشِّمَالِ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِهِ قَالَ وَلَوْ نَزَعَهُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَفِيهِ سَعَةٌ وَلَمْ يَكُنْ مَنْ مَضَى يَتَحَفَّظُ مِنْ هَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِذَا اسْتَنْجَى بِهِ وَفِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ حَرُمَ.

стр. 344

الرُّخْصَةُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ فِي قَوْمٍ وَهُمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَقْرَأُ وَلَسْت عَلَى وُضُوءٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مَنْ أَفْتَاكَ بِهَذَا أَمُسَيْلِمَةُ) . ــ [المنتقى] [الرُّخْصَةُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ] (ش) : قَوْلُهُ كَانَ فِي قَوْمٍ يَقْرَءُونَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِمَاعِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى مَعْنَى الدَّرْسِ لَهُ وَالتَّعْلِيمِ وَالْمُذَاكَرَةِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقْرَأَ الْمُتَعَلِّمُ عَلَى الْمُعَلِّمِ أَوْ يَقْرَأُ الْمُعَلِّمُ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ أَوْ يَتَسَاوَيَا فِي الْعِلْمِ فَيَقْرَأُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْمُذَاكَرَةِ لَهُ وَالْمُدَارَسَةِ لَهُ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قُرَّاءِ مِصْرَ الَّذِينَ يَجْتَمِعُ النَّاسُ إلَيْهِمْ فَكَانَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَقْرَأُ فِي النَّفَرِ يَفْتَحُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ حَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ وَقَدْ قَالَ مَرَّةً إنَّهُ كَرِهَهُ وَعَابَهُ. وَقَالَ يَقْرَأُ ذَا وَيَقْرَأُ ذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وَلَوْ كَانَ يَقْرَأُ وَاحِدٌ وَيَسْتَثْبِتُ مَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ أَوْ يَقْرَءُونَ وَاحِدًا وَاحِدًا عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا أَنْ يَجْتَمِعُوا فَيَقْرَءُونَ فِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَهِيَ الَّتِي تُسَمِّي الْقِرَاءَةَ بِالْإِدَارَةِ فَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَقَالَ لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عَمَلِ النَّاسِ وَوَجْهُ ذَلِكَ الْكَرَاهِيَةِ لِلْمُبَارَاةِ فِي حِفْظِهِ وَالْمُبَاهَاةِ بِالتَّقَدُّمِ فِيهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْقَوْمُ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ فَيَقْرَأُ لَهُمْ الرَّجُلُ الْحَسَنُ الصَّوْتِ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ قَالَهُ مَالِكٌ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ مَشْرُوعَةٌ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ وَالِانْفِرَادُ بِذَلِكَ أَوْلَى وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَذَا صَرْفُ وُجُوهِ النَّاسِ وَالْأَكْلُ بِهِ خَاصَّةً وَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ السُّؤَالِ بِهِ وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُنَزَّهَ عَنْهُ الْقُرْآنُ. (فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ كِنَايَةً عَنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَمْ يَمْنَعْهُ حَدَثُهُ عَنْ الْقِرَاءَةِ وَالْحَدَثُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَكْبَرُ وَأَصْغَرُ فَأَمَّا الْأَكْبَرُ فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُمْكِنُ إزَالَتُهُ كَالْحَيْضِ فَلَا يَمْنَعُ الْقِرَاءَةَ عَلَى رَأْيٍ. وَالثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي تُمْكِنُ إزَالَتُهُ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ دَاوُد لَا تَمْنَعُ الْجَنَابَةُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا رُكْنٌ يَتَكَرَّرُ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْجُنُبِ فِعْلُهُ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَمَتَى ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ قِرَاءَةُ الْيَسِيرِ مِنْ الْقُرْآنِ عَلَى وَجْهِ التَّعَوُّذِ وَالتَّبَرُّكِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا حَدَّ لِذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ بَعْضَ آيَاتِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ إتْمَامُهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَقْرَأَ مِنْهُ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مِمَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ لِلتَّعَوُّذِ وَذِكْرِ اللَّهِ فَلَمْ تَمْنَعْ الْجَنَابَةُ مِنْهُ كَمَا لَمْ يَمْنَعْ الْحَدَثُ مِنْ مَسِّ الْآيَةِ وَالشَّيْءِ الْيَسِيرِ مِنْ الْقُرْآنِ فِي الرِّسَالَةِ وَالْخُطْبَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ إزَالَتُهُ وَهُوَ الْحَيْضُ فَهَلْ يَمْنَعُ الْقِرَاءَةَ أَمْ لَا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ الْحَيْضَ لَا يَمْنَعُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْحَيْضَ كَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَهُوَ لَا يَمْنَعُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا حَدَثٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ كَالْجَنَابَةِ وَأَمَّا الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْقِرَاءَةَ لِتَكَرُّرِهِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ نَعْلَمُهُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَتَقْرَأُ وَلَسْتَ عَلَى وُضُوءٍ يَحْتَمِلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ الِاسْتِفْهَامَ وَيَحْتَمِلُ الْإِنْكَارَ إلَّا أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ لَهُ مَنْ أَنْبَأَكَ بِهَذَا أَمُسَيْلِمَةُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَلَقَّى ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ وَهَذَا الْقَائِلُ لِعُمَرَ هُوَ أَبُو مَرْيَمَ الْحَنَفِيُّ إيَاسُ بْنُ صُبَيْحٍ مِنْ قَوْمِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَإِنَّمَا أَضَافَ عُمَرُ هَذَا الْقَوْلَ إلَيْهِ لَمَّا كَانَ الْقَائِلُ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ وَلِبُعْدِهِ عَنْ الصَّوَابِ عِنْدَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْوُضُوءَ مَشْرُوعٌ

стр. 345

مَا جَاءَ فِي تَحْزِيبِ الْقُرْآنِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِئِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنْ اللَّيْلِ فَقَرَأَهُ حِينَ تَزُولَ الشَّمْسُ إلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ أَوْ كَأَنَّهُ أَدْرَكَهُ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْت أَنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ حِبَّانَ جَالِسَيْنِ فَدَعَا مُحَمَّدٌ رَجُلًا فَقَالَ أَخْبَرَنِي مَا الَّذِي سَمِعْت مِنْ أَبِيك فَقَالَ الرَّجُلُ أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ أَتَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ لَهُ كَيْف تَرَى فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي سَبْعٍ قَالَ زَيْدٌ حَسَنٌ وَلَأَنْ أَقْرَأَهُ فِي نِصْفِ شَهْرٍ أَوْ عِشْرِينَ أَحَبُّ إلَيَّ وَسَلْنِي لِمَ ذَاكَ قَالَ فَإِنِّي أَسْأَلُك قَالَ زَيْدٌ لِكَيْ أَتَدَبَّرَهُ وَأَقِفَ عَلَيْهِ) . مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِئِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ «عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا وَكَانَ ــ [المنتقى] لَهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ وَيُحْتَمَلُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ أَبُو مَرْيَمَ أَنْكَرَ عَلَى عُمَرَ لَمَّا كَانَ إمَامُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتْرُكَ الْأَفْضَلَ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَأْخُذُ فِي بَعْضِ أَوْقَاتِهِ بِالْأَيْسَرِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ تَخْفِيفٌ لِلْعِبَادَةِ وَرِفْقٌ بِالنَّاسِ فِي اسْتِدَامَتِهَا مَعَ أَنَّ لَفْظَ أَبِي مَرْيَمَ ظَاهِرُهُ الْإِنْكَارُ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ دُونَ تَرْكِ الْمُسْتَحَبِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الطَّرِيقِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَمَّا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ لِمَنْ يَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي الطَّرِيقِ فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ. [مَا جَاءَ فِي تَحْزِيبِ الْقُرْآنِ] (ش) : قَوْلُهُ مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنْ اللَّيْلِ الْحِزْبُ هُوَ الْجُزْءُ مِنْ الْقُرْآنِ وَفِي هَذَا تَجْرِئَةُ الْقُرْآنِ وَتَحْزِيبُهُ أَحْزَابًا عَلَى قَدْرِ قُوَّةِ الْمُكَلَّفِ يَقْرَأُ فِي سَبْعٍ أَوْ عَشْرٍ أَوْ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَقَرَأَهُ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ إلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ نَرَى أَنَّهُ سَهْوٌ مِنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الرُّوَاةِ إنَّمَا رَوَوْهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ مَنْ قَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنْ اللَّيْلِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنْ اللَّيْلِ فَذَكَرَهُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يُصَلِّيهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ وَقْتٍ يُمْكِنُهُ فِيهِ فِعْلُهُ وَالْإِتْيَانُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : قَوْلُهُ كَيْفَ تَرَى فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي سَبْعِ لَيَالٍ فَقَالَ زَيْدٌ حَسَنٌ وَزَادَ عَلَى سُؤَالِ السَّائِلِ بِمَا فِيهِ بَيَانُ وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ وَالتَّدَبُّرُ لَهُ وَأَنَّ قِرَاءَةَ الْقَلِيلِ مَعَ ذَلِكَ أَفْضَلُ عِنْدَهُ مِنْ قِرَاءَةِ الْكَثِيرِ دُونَ تَدَبُّرٍ وَلَا وُقُوفٍ عَلَيْهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي التَّرْتِيلِ وَالْهَذِّ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى تَفْضِيلِ التَّرْتِيلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] وَكَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَوْصُوفَةً بِذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ «وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا» وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْهَذِّ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ مِنْ النَّاسِ مَنْ إذَا هَذَّ كَانَ أَخَفَّ عَلَيْهِ وَإِذَا رَتَّلَ أَخْطَأَ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُحْسِنُ يَهُذُّ وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا يَخِفُّ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ وَاسِعٌ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ إنْسَانٍ مُلَازَمَةُ مَا يُوَافِقُ طَبْعَهُ وَيُخِفُّ عَلَيْهِ فَرُبَّمَا تَكَلَّفَ مَا يُخَالِفُ طَبْعَهُ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ وَيَقْطَعُهُ ذَلِكَ عَنْ الْقِرَاءَةِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهَا وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُخَالِفُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَفْضِيلِ التَّرْتِيلِ لِمَنْ تَسَاوَى فِي حَالِهِ الْأَمْرَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

стр. 346

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْرَأَنِيهَا فَكِدْت أَنْ أُعَجِّلَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْت بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي سَمِعْت هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْسِلْهُ ثُمَّ قَالَ اقْرَأْ يَا هِشَامُ فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْته يَقْرَأُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَكَذَا أُنْزِلَتْ ثُمَّ قَالَ لِي اقْرَأْ فَقَرَأْتهَا فَقَالَ هَكَذَا أُنْزِلَتْ إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ إنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ» وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَيْف يَأْتِيك الْوَحْيُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ، قَالَتْ عَائِشَةُ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا» . وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ «أُنْزِلَتْ عَبَسَ ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ] (ش) : قَوْلُهُ سَمِعْت هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا دَلِيلٌ عَلَى تَشَدُّدِهِمْ فِي أَمْرِ الْقُرْآنِ وَاهْتِبَالِهِمْ بِحِفْظِ حُرُوفِهِ وَلُغَاتِهِ وَضَبْطِهِمْ لِقِرَاءَتِهِ الْمَنْسُوبَةِ حَتَّى بَلَغَ ذَلِكَ لَهُمْ إنْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُعَجِّلُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ أَمْهَلَهُ لِحُرْمَةِ الصَّلَاةِ ثُمَّ لَبَّبَهُ بِرِدَائِهِ وَذَهَبَ بِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا أَعْظَمَ مُخَالَفَةَ قِرَاءَتِهِ لِلْقِرَاءَةِ الَّتِي كَانَ يَقْرَؤُهَا وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ بِإِرْسَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ لِتَسْكُنَ نَفْسُهُ وَيَثْبُتَ جَأْشُهُ وَيَتَمَكَّنَ مِنْ إيرَادِ الْقِرَاءَةِ الَّتِي قَرَأَهَا لِئَلَّا يُدْرِكَهُ مِنْ الِانْزِعَاجِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ لِقِرَاءَةِ هِشَامٍ هَكَذَا أُنْزِلَتْ تَصْوِيبٌ وَتَجْوِيزٌ لِقِرَاءَتِهِ ثُمَّ أَمَرَ عُمَرَ بِالْقِرَاءَةِ لِئَلَّا يَكُونَ الْغَلَطُ وَالْخَطَأُ وَالتَّغْيِيرُ مِنْ جِهَتِهِ فَلَمَّا أَصَابَ عُمَرُ الْقِرَاءَةَ قَالَ ﷺ هَكَذَا أُنْزِلَتْ فَصَوَّبَ أَيْضًا قِرَاءَتَهُ وَأَخْبَرَ أَنَّهَا قِرَاءَةٌ مُنَزَّلَةٌ ثُمَّ أَعْلَمَهُمَا أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ تَيْسِيرًا عَلَى الْأُمَّةِ فِي تِلَاوَتِهِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ سَبْعَ قِرَاءَاتٍ وَسَبْعَةَ أَوْجُهٍ لِأَنَّ الْوَجْهَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يَكُونُ الْكَلَامُ عَلَيْهَا وَتُسَمَّى فِي اللُّغَةِ حَرْفًا وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ فُلَانٌ يَقْرَأُ بِحَرْفِ أَبِي عَمْرٍو وَيَقْرَأُ بِحَرْفِ نَافِعٍ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ قِرَاءَتَهُ وَطَرِيقَتَهُ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ إنَّمَا أَنْكَرَ عَلَى هِشَامٍ قِرَاءَةً قَرَأَ هُوَ بِخِلَافِهَا فَجَوَّزَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ إنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْحَرْفُ الْقِرَاءَةَ لَمَا كَانَ مَا قَالَهُ جَوَابًا لَهُمْ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ قِيلَ هَلْ يَقُولُونَ إنَّ جَمِيعَ هَذِهِ السَّبْعَةِ الْأَحْرُفِ ثَابِتَةٌ فِي الْمُصْحَفِ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ بِجَمِيعِهَا جَائِزَةٌ قِيلَ لَهُمْ كَذَلِكَ نَقُولُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وَلَا يَصِحُّ انْفِصَالُ الذِّكْرِ الْمُنَزَّلِ مِنْ قِرَاءَتِهِ فَيُمْكِنُ حِفْظُهُ دُونَهَا وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ تَيَسُّرًا عَلَى مَنْ أَرَادَ قِرَاءَتَهُ لِيَقْرَأَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِمَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ وَبِمَا هُوَ أَخَفُّ عَلَى طَبْعِهِ وَأَقْرَبُ إلَى لُغَتِهِ لِمَا يَلْحَقُ مِنْ الْمَشَقَّةِ بِذَلِكَ الْمَأْلُوفِ مِنْ الْعَادَةِ فِي النُّطْقِ وَنَحْنُ الْيَوْمَ مَعَ عُجْمَةِ أَلْسِنَتِنَا وَبُعْدِنَا عَنْ فَصَاحَةِ الْعَرَبِ أَحْوَجُ إلَى.

стр. 347

وَتَوَلَّى فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ يَا مُحَمَّدُ اسْتَدْنِينِي وَعِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْرِضُ عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ وَيَقُولُ يَا أَبَا فُلَانٍ هَلْ تَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا فَيَقُولُ لَا وَالدِّمَاءِ مَا أَرَى بِمَا تَقُولُ بَأْسًا فَأُنْزِلَتْ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: ١] ﴿أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس: ٢] » . وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ فَقَالَ عُمَرُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ عُمَرُ نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُك قَالَ عُمَرُ فَحَرَّكْت بَعِيرِي حَتَّى إذَا كُنْت أَمَامَ النَّاسِ وَخَشِيت أَنْ يَنْزِلَ فِي قُرْآنٌ فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي قَالَ فَقُلْتُ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ أُنْزِلَ فِي قُرْآنٌ قَالَ فَجِئْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَقَالَ لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا طَلَعْت عَلَيْهِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَالَ: إنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا» . وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَلَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمْيَةِ تَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا تَرَى شَيْئًا وَتَنْظُرُ فِي الْقَدَحِ فَلَا تَرَى شَيْئًا وَتَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلَا تَرَى شَيْئًا وَتَتَمَارَى فِي الْفَوْقِ» وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مَكَثَ عَلَى سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثَمَانِ سِنِينَ يَتَعَلَّمُهَا) . ــ [المنتقى] (ش) : بَيَاضٌ لِأَنَّهُ لَا غِنَاءَ فِيهِمْ وَإِنَّمَا يَسْتَدْعِي الْعَدَدَ الْكَثِيرَ وَسُؤَالُهُمْ فِي الْقَتْلَى أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإِذَا أُشِيرُ إلَى أَحَدِهِمْ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ تَفْضِيلًا لَهُ وَتَحْذِيرُهُ مِنْ نِسْيَانِهِ بِقَوْلِهِ ﷺ اسْتَدْرِكُوا الْقُرْآنَ فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ قُلُوبِ الرِّجَالِ مِنْ النَّعَمِ مِنْ عُقُلِهَا فَكَيْف يُظَنُّ بِالصَّحَابَةِ الْفُضَلَاءِ وَبِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَعَ اقْتِفَائِهِ لِآثَارِ النَّبِيِّ ﷺ الزُّهْدُ فِي تَعَلُّمِ مِثْلِ هَذَا وَالتَّشَاغُلُ عَنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ إنَّ هَذَا لَمِنْ أَقْبَحِ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ وَأَبْعَدِهَا عَنْ الصَّوَابِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَمَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ وَجْهٌ يُعْرَفُ لَوَجَبَ رَدُّهُ إذْ الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ بِالْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ يُوجِبُ رَدَّ مَا ظَنَّهُ فَكَيْفَ وَمَعْنَى ذَلِكَ ظَاهِرٌ وَاضِحٌ فَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ أَرْبَعَةِ فَإِنَّ الْمُرَادَ لَمْ يَسْتَوْعِبْ تَلَقِّي جَمِيعِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ وَأَمَّا سَائِرُ الصَّحَابَةِ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُلَقِّنُ الرَّجُلَ السُّورَةَ وَالسُّورَتَيْنِ وَيُلَقِّنُهَا هُوَ أَصْحَابَهُ فَمِنْهُمْ مَنْ تَلَقَّنَ مِنْهُ نِصْفَ الْقُرْآنِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَلَقَّنَ مِنْهُ ثُلُثَهُ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ وَتَلَقَّنَ سَائِرَهُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ فَخْرٌ عَلَى نُظَرَائِهِ بِأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ فِي النَّبِيِّ ﷺ سَبْعِينَ سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَلِكَ فَعَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ كَانَ يَأْخُذُ الْآيَةَ مِنْ الْقُرْآنِ عَنْ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ تَلَقَّنَهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ وَجَدَ آلَافًا مِمَّنْ يَقْرَؤُهَا وَيَحْفَظُهَا وَتَلَقَّنَهَا عَنْ الصَّحَابَةِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ لِتَلَقُّنِهَا

стр. 348

مَا جَاءَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَرَأَ لَهُمْ إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ فَسَجَدَ فِيهَا فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ فِيهَا» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنَ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ سُورَةَ الْحَجِّ فَسَجَدَ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَتْ بِسَجْدَتَيْنِ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَسْجُدُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ) . ــ [المنتقى] عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قِرْبَةٌ وَدَرَجَةٌ. وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْفِقْهُ فِي أَحْكَامِهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ عُلُومِهَا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ كَرَاهِيَةُ التَّسَرُّعِ فِي حِفْظِ الْقُرْآنِ دُونَ التَّفَقُّهِ فِيهِ فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ الْعِرَاقِ يُخْبِرُونَهُ أَنَّ رِجَالًا قَدْ جَمَعُوا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ افْرِضْ لَهُمْ فِي الدِّيوَانِ قَالَ فَكَثُرَ مَنْ يَطْلُبُ الْقُرْآنَ فَكَتَبَ إلَيْهِ مِنْ قَابِلٍ أَنَّهُ جَمَعَ الْقُرْآنَ سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ فَقَالَ عُمَرُ إنِّي لَأَخْشَى أَنْ يُسْرِعُوا إلَى الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ فَكَتَبَ أَنْ لَا يُعْطِيَهُمْ شَيْئًا سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ صَبِيٍّ ابْنِ سَبْعِ سِنِينَ جَمَعَ الْقُرْآنَ فَقَالَ مَا أَرَى هَذَا يَنْبَغِي وَهُوَ مَعْنَى مَا عَابَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الزَّمَنَ الْآخِرَ أَنَّ قُرَّاءَهُ كَثِيرٌ وَفُقَهَاءَهُ قَلِيلٌ وَقَدْ مَدَحَ زَمَنَهُ أَنَّ فُقَهَاءَهُ كَثِيرٌ وَقُرَّاءَهُ قَلِيلٌ وَقَدْ بَيَّنْت مَعْنَاهُ هُنَاكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي قَوْلِ عُمَرَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَتَأَوَّلَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ خَلَطَ مَعَ ذَلِكَ مَنْ يَعْلَمُ غَيْرَهَا مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ وَدَرْسِهِ وَسَائِرِ الْقُرْآنِ وَأَعْمَالِ الْبِرِّ مِنْ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ الْكَثِيرُ وَلَكِنَّهُ كَانَ بَيَّنَ أَوَّلَ ابْتِدَائِهِ بِهَا وَآخِرَ إتْمَامِهِ لَهَا هَذِهِ الْمُدَّةَ وَلَعَلَّهُ حَفِظَ تِلَاوَتَهَا وَأَكْثَرَ أَحْكَامِهَا فِي أَيْسَرِ مُدَّةٍ ثُمَّ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهَا وَأُشْكِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا فِيهَا فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ مُرَادُهُ وَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْهِ فَهْمُهُ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [مَا جَاءَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ] (ش) : قَوْلُهُ قَرَأَ لَهُمْ إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي صَلَاةٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا وَقَوْلُهُ فَسَجَدَ فِيهَا كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَرَى السُّجُودَ فِي إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا هِيَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَاَلَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إلَى الْمَدِينَةِ» . وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ صَلَّيْت خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ يَعْنِي الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ فَسَجَدَ فِيهَا فَلَمَّا فَرَغَ قُلْت يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا كُنَّا نَسْجُدُهَا قَالَ سَجَدَهَا أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ وَأَنَا خَلْفَهُ فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُهَا حَتَّى أَلْقَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ وَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ بِهَا فِي الْمَدِينَةِ فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ إنَّمَا أَسْلَمَ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ. (ش) : السَّجْدَتَانِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ أَوَلَاهُهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] وَهِيَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَالثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وَهِيَ الَّتِي اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا فَمَنَعَ مَالِكٌ أَنْ تَكُونَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هِيَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجْهُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّ إثْبَاتَ السُّجُودِ طَرِيقَةُ الشَّرْعِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ فَمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ بَيَانُهُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إنَّمَا لَفْظُ السُّجُودِ إذَا اقْتَرَنَ

стр. 349

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْأَعْرَجِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ بِ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] فَسَجَدَ فِيهَا ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَرَأَ سَجْدَةً وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ ثُمَّ قَرَأَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ عَلَى رِسْلِكُمْ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إلَّا أَنْ نَشَاءَ فَلَمْ يَسْجُدْ وَمَنَعَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْإِمَامُ إذَا قَرَأَ السَّجْدَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَيَسْجُدُ) . ــ [المنتقى] بِالرُّكُوعِ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] . وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ مَا رُوِيَ عَنْ «عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ قُلْت لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ قَالَ نَعَمْ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا» وَالتَّعَلُّقُ بِمِثْلِهِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ لِضَعِيفِ إسْنَادِهِ وَأَظْهَرُ مَا فِي الْأَمْرِ سُجُودُ الصَّحَابَةِ فِيهِ. (ش) : وَهَذِهِ السَّجْدَةُ أَيْضًا مِمَّا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهَا فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ حَبِيبٍ إلَى أَنَّهَا مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجْهُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مَالِكٌ مَا رُوِيَ عَنْ «زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَرَأْت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» . وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ فِيهَا فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ الْقَوْمِ إلَّا سَجَدَ فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصَى وَتُرَابٍ فَرَفَعَهُ إلَى وَجْهِهِ وَقَالَ يَكْفِينِي هَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْته بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا» وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ ابْنُ وَهْبٍ أَجْرَى عَلَى أُصُولِهَا لِأَنَّ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُمْسِكَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ السُّجُودِ حِينَ رَآهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ تَرَكَ السُّجُودَ لِيَرَى جَوَازَ تَرْكِ السُّجُودِ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَهَارَةٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا سَجَدَ فِي آخِرِ السُّورَةِ قَامَ فَاسْتَأْنَفَ قِرَاءَةً يَتَّصِلُ بِهَا الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ الَّذِي بِالصَّلَاةِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِيمَنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ سَجْدَةً فَسَجَدَ لَهَا ثُمَّ قَامَ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَرْكَعَ أَوْ يَقْرَأَ مِنْ سُورَةٍ أُخْرَى شَيْئًا ثُمَّ يَرْكَعُ وَالسُّورَةُ الَّتِي قَرَأَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ هِيَ إذَا زُلْزِلَتْ رَوَاهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ صَلَاةَ الْفَجْرِ فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِسُورَةِ يُوسُفَ ثُمَّ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ بِالنَّجْمِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ إذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَكَرِهَ مَالِكٌ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْرَأَ بِالسَّجْدَةِ فِي فَرِيضَةٍ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ عَنْ أَشْهَبَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْ وَرَاءَهُ عَدَدٌ قَلِيلٌ لَا يَخَافُ أَنْ يُخْلَطَ عَلَيْهِمْ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ الْإِمَامُ بِالسَّجْدَةِ فِي فَرِيضَةٍ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَقْرَأُ الْإِمَامُ بِالسَّجْدَةِ فِيمَا يُسِرُّ فِيهِ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ مَا احْتَجَّا بِهِ مِنْ أَنَّهُ يُخْلَطُ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ فِي الصَّلَاةِ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ التَّخْلِيطَ إنَّمَا يَحْصُلُ عِنْدَ الْإِسْرَارِ بِالْقِرَاءَةِ وَأَمَّا مَعَ الْجَهْرِ فَأَكْثَرُ مَنْ وَرَاءَهُ يَعْلَمُ بِمَوْضِعِ السَّجْدَةِ فَيَتَأَهَّبُ لَهَا وَلَا يُنْكِرُ السُّجُودَ فِيهَا فَإِنْ قَرَأَ بِالسَّجْدَةِ فِي فَرِيضَةٍ فَلْيَسْجُدْ لَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ مَنْ قَرَأَهَا فَإِنْ قَرَأَهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَلَمْ يَسْجُدْ لَهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَقْرَؤُهَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَيَسْجُدُ لَهَا قَالَ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجْهُ قَوْلِنَا بِإِعَادَتِهَا أَنَّهُ لَمَّا قَرَأَ بِهَا قَدْ لَزِمَهُ حُكْمُهَا فَإِذَا تَرَكَ السُّجُودَ لَهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ قِرَاءَتَهَا فَيَسْتَدِرْك مَا فَاتَهُ مِنْ السُّجُودِ لَهَا. وَأَمَّا وَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي فَإِنَّ الْمَنْعَ مِنْ إعَادَتِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ تَعَمُّدِ قِرَاءَتِهَا فَلَمَّا تَرَكَ السُّجُودَ لَهَا حِينَ قِرَاءَتِهَا وَكَانَتْ قِرَاءَتُهَا الْأُولَى مَمْنُوعَةً مُنِعَتْ إعَادَتُهَا. (ش) : قَوْلُهُ قَرَأَ بِسَجْدَةٍ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَ النَّاسَ

стр. 350

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ الْقُرْآنِ إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ) . ــ [المنتقى] مَا عِنْدَهُ مِنْ أَمْرِ السُّجُودِ وَإِنَّ فِعْلَهُ وَتَرْكَهُ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ يُخَالِفُهُ فِي رَأْيِهِ أَمْ لَا وَلَمْ يَجِدْ مَجْلِسًا أَجْمَلَ مِنْ اجْتِمَاعِ النَّاسِ عِنْدَ خُطْبَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقَرَأَهَا عَلَى الْمِنْبَرِ فَسَجَدَ قَالَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَأَضَافَ الْخَطَّابُ إلَيْهِ لِمَا كَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَإِلَّا فَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابَ وَإِنَّمَا وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَأَكْثَرُ مَا يَذْكُرُ حِصَارَ عُثْمَانَ. وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ عَنْهُ أَنْ يَنْزِلَ الْإِمَامُ عَنْ الْمِنْبَرِ لِيَسْجُدَ سَجْدَةً قَرَأَهَا وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ لَا يَقْرَأُ بِهَا فَإِنْ فَعَلَ فَلْيَنْزِلْ فَلْيَسْجُدْهَا وَيَسْجُدُ النَّاسُ مَعَهُ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُتَّبَعُ عَلَيْهِ عُمَرُ وَلَا عَمِلَ أَحَدٌ بَعْدَهُ وَلَعَلَّ عُمَرَ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَعْلِيمًا لِلنَّاسِ وَخَافَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ فَيُبَادِرُ إلَى حَسْمِهِ وَكَانَ ذَلِكَ الْوَقْتُ لَمْ يَعُمَّ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ النَّاسَ وَقَدْ تَقَرَّرَتْ الْآنَ الْأَحْكَامُ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهَا وَعُرِفَ الْخِلَافُ السَّائِغُ فِي سِوَاهَا فَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ التَّخْلِيطِ عَلَى النَّاسِ بِالْفَرَاغِ مِنْ الْخُطْبَةِ وَالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمَّا وَضَعَ الْمِنْبَرَ صَلَّى عَلَيْهِ بِالنَّاسِ فَكَانَ يَقُومُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَإِذَا أَرَادَ السُّجُودَ نَزَلَ ثُمَّ إذَا قَامَ أَرْقَى الْمِنْبَرَ فَقَامَ عَلَيْهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ أَنِّي فَعَلْت ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا صَلَاتِي» وَلَا يُفْعَلُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ عَمَّهُمْ عِلْمُ ذَلِكَ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْحَاضِرِينَ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ إنَّمَا سَجَدُوا مَعَهُ لِأَنَّهُمْ اسْتَمَعُوا قِرَاءَتَهُ وَهَذَا حُكْمُ مَنْ جَلَسَ إلَى الْقَائِمِ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ أَنْ يَسْجُدَ بِسُجُودِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ حَتَّى مَا يَجِدَ أَحَدُنَا مَوْضِعًا لِجَبْهَتِهِ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمَّا جَلَسُوا إلَيْهِ لِهَذَا الْمَعْنَى لَزِمَهُمْ أَنْ يُنْصِتُوا لِقِرَاءَتِهِ وَمَنْ لَزِمَهُ الْإِنْصَاتُ لِقِرَاءَةِ الْقَارِئِ لَزِمَهُ أَنْ يَسْجُدَ لِسُجُودِ تِلَاوَتِهِ كَالْمُصَلِّي. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ عَلَى رِسْلِكُمْ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إلَّا أَنْ نَشَاءَ بَيَانٌ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الصَّحَابَةُ حِينَ تَرَكُوا الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ، وَإِجْمَاعُهُمْ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَاجِبٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فِي خَبَرِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا سُجُودٌ يُفْعَلُ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا كَسُجُودِ النَّوَافِلِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ فَإِنَّهُ مُؤَكَّدٌ وَكَرِهَ مَالِكٌ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ السَّجْدَةَ وَلَا يَسْجُدُ دُونَ مَانِعٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَكَرِهَ أَنْ يُخَطْرَفَ مَوْضِعُ السَّجْدَةِ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ وَفِي وَقْتِ سُجُودٍ كَمَا كَرِهَ أَنْ يَقْرَأَهَا وَلَا يَسْجُدُ لَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْوُجْهَتَيْنِ تَرْكٌ لِسُجُودَيْهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَكَرِهَ أَنْ يَقْرَأَ مَوْضِعَ السَّجْدَةِ خَاصَّةً لِيَسْجُدَ وَلَا يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا وَلَا مَا بَعْدَهَا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَسُجُودُ تِلَاوَةٍ وَإِنَّمَا شُرِعَ لِلتَّالِي فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مَوْضِعِهِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ ﵀ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَزَائِمُ سُجُودِ الْقُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فَأَثْبَتَ مَعَ مَا قَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ فِي الْمُفَصَّلِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَزَائِمُ السُّجُودِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فَزَادَ إلَيْهَا الْآخِرَةَ مِنْ الْحَجِّ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَزَائِمُ سُجُودِ الْقُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً أَثْبَتَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّجُودِ وَأَسْقَطَ سَجْدَةً وَقَالَ سَجْدَةُ شُكْرٍ وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَرَأَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَسْجُدْ فَإِنْ سَجَدَ فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَوْ لَا لِأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ. وَقَدْ أَجَابَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَمَّا رُوِيَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ فِي سُجُودِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُفَصَّلِ أَنَّ مَالِكًا لَا يَمْنَعُ السُّجُودَ فِي الْمُفَصَّلِ وَإِنَّمَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَزَائِمِ

стр. 351

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ يَقْرَأُ مِنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَعَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» وَالسَّجْدَةُ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ سَجْدَةً فِي تِينِكَ السَّاعَتَيْنِ) . ــ [المنتقى] السُّجُودِ وَإِنَّمَا وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِلْعَزْمِ عَلَى النَّاسِ فِي السُّجُودِ فِيهَا وَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ تَرْكُ النَّبِيِّ ﷺ السُّجُودَ فِيهَا بِالْمَدِينَةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْقُرْآنُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ مِنْهُ مَا لَا بُدَّ مِنْ السُّجُودِ فِيهِ وَهِيَ عَزَائِمُ سُجُودِ الْقُرْآنِ وَمِنْهُ مَا لَا يَجُوزُ السُّجُودُ فِيهِ جُمْلَةً عَلَى مَعْنَى سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَمِنْهُ مَا خُيِّرَ فِيهِ وَهِيَ الْمَوَاضِعُ الْمُتَكَلَّمُ فِيهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَقَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ أَظْهَرُ عِنْدِي. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ مَوَاضِعَ سُجُودِ الْقُرْآنِ فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وَفِي الرَّعْدِ قَوْله تَعَالَى ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] وَفِي النَّحْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] وَفِي سُبْحَانَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] وَفِي مَرْيَمَ قَوْله تَعَالَى ﴿سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وَفِي الْحَجِّ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وَفِي الْفُرْقَانِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] وَفِي النَّمْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦] . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ أَوْلَى لِإِتْمَامِ الْكَلَامِ وَفِي الم تَنْزِيلٌ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥] وَفِي ص قَوْله تَعَالَى ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] وَفِي حم فُصِّلَتْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يَسْأَمُونَ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَاسِعٌ وَفِي النَّجْمِ خَاتِمَتُهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَكَذَلِكَ فِي انْشَقَّتْ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] وَهُوَ أَظْهَرُ لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِذِكْرِ السُّجُودِ وَفِي سُورَةِ الْعَلَقِ آخِرُهَا. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ لَمَّا كَانَتْ صَلَاةً وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَقْتٌ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي وَقْتِهَا فَقَالَ فِي الْمُوَطَّأِ لَا يَقْرَأُ بِهَا بَعْدَ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَهَذَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ السُّجُودِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالْمَنْعَ مِنْ قِرَاءَتِهَا مَعَ تَرْكِ السُّجُودِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَسْجُدُ لِمَا بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ وَبَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَسْجُدُ لَهَا بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ وَلَا يُرَخَّصُ فِي السُّجُودِ لَهَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَإِنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى إنَّ هَذِهِ صَلَاةُ نَافِلَةٍ فَمُنِعَتْ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا صَلَاةٌ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهَا فَجَازَ فِعْلُهَا بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ وَبَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ قِيَاسِ هَذَا عَلَى الطَّائِفِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ وَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَإِنْ لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَإِنَّمَا فَرَّقَ مَا بَيْنَ قَبْلِ الْإِسْفَارِ وَمَا بَيْنَ الْإِسْفَارِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى وَقْتَ الْإِسْفَارِ لِلصُّبْحِ وَقْتَ ضَرُورَةٍ لَا وَقْتَ اخْتِيَارٍ كَاصْفِرَارِ الشَّمْسِ لِلْعَصْرِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ قَرَأَهَا فِي وَقْتٍ يَمْنَعُ مِنْ سُجُودٍ أَوْ قَرَأَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ قَالَ مَالِكٌ يَخْطِرُ فِيهَا وَلَا يَقْرَؤُهَا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ السُّجُودِ وَمَمْنُوعٌ مِنْ قِرَاءَتِهَا وَتَرْكِ السُّجُودِ فَلَزِمَهُ أَنْ يَتَعَدَّى مَوْضِعَ السُّجُودِ فَلَا يَقْرَؤُهَا. وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ يَتَعَدَّى مَوْضِعَ السُّجُودِ خَاصَّةً وَلَا يَتَعَدَّى الْآيَةَ كُلَّهَا (ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ قَرَأَ بِسَجْدَةٍ وَامْرَأَةٌ حَائِضٌ تَسْمَعُ هَلْ لَهَا أَنْ تَسْجُدَ قَالَ مَالِكٌ لَا يَسْجُدُ الرَّجُلُ وَلَا الْمَرْأَةُ إلَّا وَهُمَا طَاهِرَانِ) ش وَهَذَا كَمَا قَالَ ﵀ لِأَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ صَلَاةٌ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَمَّا كَانَتْ الْحَائِضُ غَيْرَ طَاهِرَةٍ

стр. 352

(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ امْرَأَةٍ قَرَأَتْ بِسَجْدَةٍ وَرَجُلٌ مَعَهَا يَسْمَعُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهَا قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهَا إنَّمَا تَجِبُ السَّجْدَةُ عَلَى الْقَوْمِ يَكُونُونَ مَعَ الرَّجُلِ يَأْتَمُّونَ بِهِ فَيَقْرَأُ السَّجْدَةَ فَيَسْجُدُونَ مَعَهُ وَلَيْسَ عَلَى مَنْ سَمِعَ سَجْدَةً مِنْ إنْسَانٍ يَقْرَؤُهَا لَيْسَ لَهُ بِإِمَامٍ أَنْ يَسْجُدَ تِلْكَ السَّجْدَةَ) . مَا جَاءَ فِي قِرَاءَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] (ص) : «مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَتَقَالُّهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ مَوْلَى آلِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت «أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ أَقْبَلْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَبَتْ فَسَأَلْتُهُ مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ الْجَنَّةُ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَرَدْت أَنْ أَذْهَبَ إلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ ثُمَّ فَرَقْتُ ــ [المنتقى] لَمْ يَكُنْ مِنْ حُكْمِهَا السُّجُودُ إذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ كَانَ طَاهِرًا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي التَّكْبِيرِ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ فَقَالَ مَرَّةً يُكَبِّرُ وَقَالَ مَرَّةً لَا يُكَبِّرُ وَخَيَّرَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ سُجُودُ تِلَاوَةٍ فَشُرِعَ التَّكْبِيرُ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ لَهُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَمْ يُشْرَعْ لَهَا تَحْلِيلٌ فَلَمْ يُشْرَعْ لَهَا إحْرَامٌ كَالصَّوْمِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ سَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَأْتَمَّ بِهِ وَالِائْتِمَامُ بِأَنْ يَجْلِسَ لِلِاسْتِمَاعِ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهُ سَوَاءٌ كَانَ مَارًّا أَوْ جَالِسًا وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ الِائْتِمَامُ بِهَا فَلَا يَصِحُّ السُّجُودُ مَعَهَا فِيمَا يَكُونُ لَهَا فِيهِ حُكْمُ الْإِمَامَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ جَلَسَ لِلِاسْتِمَاعِ مِنْ الْقَارِئِ فَقَدْ ائْتَمَّ بِهِ وَلَزِمَهُ حُكْمُهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ فَسَجَدَ كَانَ عَلَى مَنْ جَلَسَ إلَيْهِ السُّجُودُ مَعَهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ فَنَزْدَحِمُ حَتَّى مَا يَجِدَ أَحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ» . ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْقَارِئُ فَهَلْ يَسْجُدُ الْمُسْتَمِعُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَسْجُدُ الْمُسْتَمِعُ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يَسْجُدُ الْمُسْتَمِعُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ يَلْزَمُ الْقَارِئَ وَالْمُسْتَمِعَ فَإِذَا تَرَكَ الْقَارِئُ مَا نُدِبَ إلَيْهِ فَعَلَى الْمُسْتَمِعِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْقَارِئَ إمَامٌ فَلَا تَصِحُّ مُخَالَفَتُهُ. [مَا جَاءَ فِي قِرَاءَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ] (ش) : قَوْلُهُ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْغَادِي هُوَ الرَّجُلُ فَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ تَهَجَّدَ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَأَخْبَرَهُ ﷺ أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَكَانَ الرَّجُلُ يَتَقَالُّهَا يَعْنِي يَرَاهَا قَلِيلًا مِنْ الْقُرْآنِ وَيَتَأَسَّفُ إذْ لَا يُحْسِنُ غَيْرَهَا لِيَتَهَجَّدَ بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْغَادِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ قَسَمٌ عَلَى مَعْنَى التَّأْكِيدِ مَعَ أَنَّهُ صَدَقَ بِالْخَبَرِ وَقَوْلُهُ ﷺ إنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ لِلْقَارِئِ بِهَا مِنْ الْأَجْرِ مَا لِلْقَارِئِ بِثُلُثِ الْقُرْآنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ لِمَنْ لَا يُحْسِنُ غَيْرَهَا وَمَنَعَهُ مِنْ تَعَلُّمِهَا عُذْرٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ أَجْرَهَا مَعَ التَّضْعِيفِ يَعْدِلُ أَجْرَ ثُلُثِ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ تَضْعِيفٍ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْأَجْرَ عَلَيْهَا لِذَلِكَ الْقَارِئِ أَوْ لِقَارِئٍ عَلَى صِفَةِ مَا مِنْ الْخُشُوعِ وَالتَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ وَإِحْضَارِ الْفَهْمِ وَتَجْدِيدِ الْإِيمَانِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَاَللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ مَوْلَى آلِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت «أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ أَقْبَلْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَبَتْ فَسَأَلْتُهُ مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ الْجَنَّةُ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَرَدْت أَنْ أَذْهَبَ إلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ ثُمَّ فَرَقْتُ أَنْ يَفُوتَنِي الْغَدَاءُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَآثَرْت الْغَدَاءَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ ذَهَبْتُ إلَى الرَّجُلِ فَوَجَدْتُهُ قَدْ ذَهَبَ» )

стр. 353

أَنْ يَفُوتَنِي الْغَدَاءُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَآثَرْت الْغَدَاءَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ ذَهَبْتُ إلَى الرَّجُلِ فَوَجَدْتُهُ قَدْ ذَهَبَ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثُلُثُ الْقُرْآنِ وَأَنَّ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا) . مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ ﵎ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ وَذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» مَالِكٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ سَبَّحَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبَّرَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَحَمِدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَخَتَمَ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَقَوْلُهُ ﷺ وَجَبَتْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ تَنْبِيهَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ عَلَى فَضْلِهَا وَكَثْرَةِ الثَّوَابِ لِقَارِئِهَا وَقَوْلُهُ ثُمَّ فَرَقْتُ أَنْ يَفُوتَنِي الْغَدَاءُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ الْغَدَاءُ هَاهُنَا صَلَاةُ الْغَدَاةِ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَإِنَّمَا الْغَدَاءُ مَا يُؤْكَلُ بِالْغَدَاةِ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِشِبَعِ بَطْنِهِ فَكَانَ يَتَغَدَّى مَعَهُ وَيَتَعَشَّى فَخَافَ إنْ مَرَّ إلَى الرَّجُلِ يُبَشِّرُهُ أَنْ يَغِيبَ عَنْ الْغَدَاءِ مَعَهُ فَيَفُوتَهُ. (ش) : قَوْلُهُ إنَّ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا قِيلَ مَعْنَاهُ تُجَادِلُ عَنْهُ فِي الْقَبْرِ رَوَى زَادٌ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ هِيَ الْمَانِعَةُ تَمْنَعُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ إذَا تُوُفِّيَ الرَّجُلُ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ فَتَقُولُ رِجْلَاهُ إنَّهُ لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَى مَا قِبَلِي إنَّهُ قَدْ وَعَى بِي سُورَةَ الْمُلْكِ وَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَيَقُولُ وَاَللَّهِ لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَى مَا قِبَلِي إنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ قَالَ وَهِيَ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبَةٌ سُورَةُ الْمُلْكِ مَنْ قَرَأَهَا فِي لَيْلَةٍ فَقَدْ أَكْثَرَ وَأَطْنَبَ وَقَوْلُهُ فَيَقُولُ بَطْنُهُ وَهِيَ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بَاطِنَ ظَهْرِهِ فَيَدْخُلَ فِيهِ الصَّدْرُ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ الصَّدْرَ هُوَ الَّذِي حَوَى السُّورَةَ وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ الرَّأْسِ إنَّهُ قَدْ قَرَأَ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ وَإِنَّمَا قَرَأَهَا بِالْفَمِ لَكِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الرَّأْسِ. [مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ ﵎] (ش) : قَوْلُهُ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ مَعْنَاهُ أَنَّ ثَوَابَهَا يَعْدِلُ ثَوَابَ عِتْقِ عَشْرِ رِقَابٍ وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ إلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ هَذَا غَايَةٌ فِي ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ قَلَّ مَا يَزِيدُ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ قَالَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ وَلَوْ لَمْ يَفِدْ ذَلِكَ لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ الْكَلَامِ لِأَنَّ كُلَّ مَا أَتَى إنْسَانٌ بِبَعْضِهِ فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَأْتِي بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا مَنْ جَاءَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ أَفَادَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا غَايَةٌ فِي بَابِهِ ثُمَّ قَالَ إلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَظُنَّ السَّامِعُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ مَمْنُوعَةٌ كَتَكْرَارِ الْعَمَلِ فِي الْوُضُوءِ، وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لَا يَأْتِي أَحَدٌ مِنْ سَائِرِ أَبْوَابِ الْبِرِّ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا رَجُلٌ عَمِلَ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» مَالِكٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ سَبَّحَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبَّرَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَحَمِدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَخَتَمَ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ)

стр. 354

كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ يُرِيدُ أَنَّهُ يَكُونُ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ، وَقَوْلُهُ مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ التَّسْبِيحُ وَهُوَ التَّنْزِيهُ لِلَّهِ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُهُ الظَّالِمُونَ، وَقَوْلُهُ ثُمَّ خَتَمَ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يُرِيدُ أَنَّ التَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ وَالتَّحْمِيدَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا فَإِذَا هَلَّلَ أَكْمَلَ الْمِائَةَ وَذَلِكَ مِمَّا يَغْفِرُ ذُنُوبَهُ وَالْغُفْرَانُ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ السَّتْرُ وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ يُرِيدُ فِي كَثْرَتِهَا فَإِنَّ مَا قَالَهُ يَعْدِلُ ذَلِكَ ص (مَالِكٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ صَيَّادٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ فِي الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ إنَّهَا قَوْلُ الْعَبْدِ اللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) (ش) : قَوْلُهُ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦] وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِفَهَا بِذَلِكَ لِأَنَّهَا بَاقِيَاتٌ لِصَاحِبِهَا وَصَالِحَاتٌ لِجَزِيلِ ثَوَابِهَا فِي الْمَعَادِ وَحِينَ الْحَاجَةِ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَتَجَمَّلُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ الْمَالِ وَالْبَنِينَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لَيْسَ يَبْقَى لَهُمْ وَلَا يَعُودُ بِمَصْلَحَةٍ عَلَيْهِمْ فَأَخْبَرَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ هِيَ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْخَمْسُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ لَكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى) . (ش) : قَوْلُهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: ذِكْرٌ بِاللِّسَانِ. وَالثَّانِي: ذِكْرٌ عِنْدَ الْأَوَامِرِ بِامْتِثَالِهَا وَعِنْدَ الْمَعَاصِي بِاجْتِنَابِهَا وَهُوَ ذِكْرٌ. وَالذِّكْرُ بِاللِّسَانِ عَلَى ضَرْبَيْنِ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ إلَيْهِ فَالْوَاجِبُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّسَلُّمِ فِيهَا وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ وَالْمَنْدُوبُ إلَيْهِ سَائِرُ الْأَذْكَارِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَأَمَّا الْوَاجِبُ مِنْ الذِّكْرِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْضُلَ عَلَى سَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ مِنْ الْجِهَادِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا فَيُقَالُ إنَّ ثَوَابَ الْمُصَلِّي أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ غَيْرِهِ إمَّا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِمَّا فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ أَوْ عَلَى حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ وَأَمَّا الْمَنْدُوبُ إلَيْهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْضُلَ عَلَى سَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الثَّوَابَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ وَهَذَا طَرِيقَةُ الْخَبَرِ. وَالثَّانِي: كَثْرَةُ تَكَرُّرِهِ وَهَذَا يُعْرَفُ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالنَّظَرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ مِنْ عَمَلٍ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) . ش يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ هَاهُنَا بِذِكْرِ اللَّهِ الذَّاكِرِينَ جَمِيعًا بِالْقَلْبِ عِنْدَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَالذِّكْرِ بِاللِّسَانِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فَإِذَا قُلْت إنَّهُ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الذِّكْرَ فِي الصَّلَاةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فَضْلِهَا عَلَى غَيْرِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ سَائِرَ الْأَذْكَارِ لِتَكَرُّرِهَا وَخِفَّتِهَا عَلَى اللِّسَانِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ «كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ وَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا فَقَالَ الرَّجُلُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَقَدْ رَأَيْت بِضْعًا وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهُنَّ أَوَّلٌ» ) . (ش) : قَوْلُهُ ﷺ مَنْ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا يَعْنِي قَبْلَ هَذَا وَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا يَقْرَبُ وَقَوْلُ الْمُتَكَلِّمِ أَنَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ الْكَلَامِ فِي

стр. 355

مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِيَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ إذَا دَعَا اللَّهَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْت لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ» ) . ــ [المنتقى] ذَلِكَ الْوَقْتَ لِمَا عُلِمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ لِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِكَلَامٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ وَقَوْلُهُ ﷺ لَقَدْ رَأَيْت بِضْعًا وَثَلَاثِينَ مَلَكًا الْبِضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إلَى التِّسْعِ وَقَوْلُهُ يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلَ دَلِيلٌ عَلَى عَظِيمِ ثَوَابِهَا وَرِفْعَةِ دَرَجَةِ صَاحِبِهَا وَأَنَّ لِكَاتِبِهَا أَوَّلًا مَزِيَّةً وَإِنْ كَانَ جَمِيعُهُمْ يَكْتُبُهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ الْعَمَلَ عَلَى هَذَا وَكَرِهَ أَنْ يَقُولَهَا الْمُصَلِّي. وَوَجْهُ ذَلِكَ لِمَنْ يَتَّخِذُهَا مِنْ الْأَقْوَالِ الْمَشْرُوعَةِ كَالتَّكْبِيرِ وَسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. [مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ] (ش) : قَوْلُهُ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا يُرِيدُ بِذَلِكَ مُجَابَةً قَدْ وُعِدَ الْإِجَابَةَ فِيهَا وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَبَّأَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ إلَى الْآخِرَةِ لِيُشَفَّعَ بِهَا فِيهِمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الشَّفَاعَةِ لَهُ فِي الْآخِرَةِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فَيَقُولُ اللَّهُمَّ فَالِقَ الْإِصْبَاحِ وَجَاعِلَ اللَّيْلِ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنْ الْفَقْرِ وَأَمْتِعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي وَقُوَّتِي فِي سَبِيلِكَ» ) . (ش) : قَوْلُهُ ﷺ اللَّهُمَّ فَالِقَ الْإِصْبَاحِ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي قَوْلِهِ : ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] وَمَعْنَى فَالِقِ الْإِصْبَاحِ الَّذِي خَلَقَهُ وَابْتَدَأَهُ وَأَظْهَرَهُ وَالْفَلَقُ الْبَحْرُ وَقَوْلُهُ وَجَاعِلَ اللَّيْلِ سَكَنًا الْجَعَلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى الْخَلْقِ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وَأَمَّا إذَا تَعَدَّى إلَى مَفْعُولَيْنِ فَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْحُكْمِ وَالتَّسْمِيَةِ وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْخَلْقِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] مَعْنَاهُ سَمَّوْهُمْ وَوَصَفُوهُمْ بِأَنَّهُمْ إنَاثٌ. وَأَمَّا الثَّانِي فَمِنْ قَوْلِهِمْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي مُسْلِمًا مَعْنَاهُ خَلَقَنِي مُسْلِمًا فَقَوْلُهُ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. (فَصْلٌ) : وقَوْله تَعَالَى ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] يَعْنِي أَنَّهُ يُسْكَنُ فِيهِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦] بِمَعْنَى يَحْسُبُ بِهِمَا الْأَيَّامَ وَالشُّهُورَ وَالْأَعْوَامَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥] . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَقُوَّتِي فِي سَبِيلِك يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ جِهَادَ الْعَدُوِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ سَائِرَ أَعْمَالِ الْبِرِّ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ قَالَ مَالِي هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ سُبُلُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وَلَكِنْ يُوضَعُ فِي بَابِ الْغَزْوِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ إذَا أُطْلِقَتْ فَإِنَّ عُرْفَهَا الْجِهَادُ وَالْغَزْوُ وَإِنْ جَازَ أَنْ تُطْلَقَ عَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ بِقَرِينَةٍ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت مَعْنَاهُ لَا يَشْتَرِطُ مَشِيئَتَهُ بِاللَّفْظِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مَعْلُومٌ مُتَيَقَّنٌ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَلَا يَصِحُّ غَيْرُ هَذَا فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ الْمَشِيئَةِ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُشْتَرَطُ فِيمَنْ يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ دُونَ أَنْ يَشَاءَ بِالْإِكْرَاهِ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَنَزَّهَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ﷺ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ أَيْ يُعْرِي دُعَاءَهُ وَسُؤَالَهُ مِنْ لَفْظِ الْمَشِيئَةِ وَيَسْأَلُ سُؤَالَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ إنْ شِئْت نَوْعًا مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ
следующие страницы →