← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ يَقْرَأُ مِنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَعَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» وَالسَّجْدَةُ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ سَجْدَةً فِي تِينِكَ السَّاعَتَيْنِ) . ــ [المنتقى] السُّجُودِ وَإِنَّمَا وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِلْعَزْمِ عَلَى النَّاسِ فِي السُّجُودِ فِيهَا وَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ تَرْكُ النَّبِيِّ ﷺ السُّجُودَ فِيهَا بِالْمَدِينَةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْقُرْآنُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ مِنْهُ مَا لَا بُدَّ مِنْ السُّجُودِ فِيهِ وَهِيَ عَزَائِمُ سُجُودِ الْقُرْآنِ وَمِنْهُ مَا لَا يَجُوزُ السُّجُودُ فِيهِ جُمْلَةً عَلَى مَعْنَى سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَمِنْهُ مَا خُيِّرَ فِيهِ وَهِيَ الْمَوَاضِعُ الْمُتَكَلَّمُ فِيهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَقَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ أَظْهَرُ عِنْدِي. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ مَوَاضِعَ سُجُودِ الْقُرْآنِ فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وَفِي الرَّعْدِ قَوْله تَعَالَى ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] وَفِي النَّحْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] وَفِي سُبْحَانَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] وَفِي مَرْيَمَ قَوْله تَعَالَى ﴿سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وَفِي الْحَجِّ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وَفِي الْفُرْقَانِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] وَفِي النَّمْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦] . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ أَوْلَى لِإِتْمَامِ الْكَلَامِ وَفِي الم تَنْزِيلٌ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥] وَفِي ص قَوْله تَعَالَى ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] وَفِي حم فُصِّلَتْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يَسْأَمُونَ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَاسِعٌ وَفِي النَّجْمِ خَاتِمَتُهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَكَذَلِكَ فِي انْشَقَّتْ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] وَهُوَ أَظْهَرُ لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِذِكْرِ السُّجُودِ وَفِي سُورَةِ الْعَلَقِ آخِرُهَا. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ لَمَّا كَانَتْ صَلَاةً وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَقْتٌ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي وَقْتِهَا فَقَالَ فِي الْمُوَطَّأِ لَا يَقْرَأُ بِهَا بَعْدَ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَهَذَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ السُّجُودِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالْمَنْعَ مِنْ قِرَاءَتِهَا مَعَ تَرْكِ السُّجُودِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَسْجُدُ لِمَا بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ وَبَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَسْجُدُ لَهَا بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ وَلَا يُرَخَّصُ فِي السُّجُودِ لَهَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَإِنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى إنَّ هَذِهِ صَلَاةُ نَافِلَةٍ فَمُنِعَتْ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا صَلَاةٌ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهَا فَجَازَ فِعْلُهَا بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ وَبَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ قِيَاسِ هَذَا عَلَى الطَّائِفِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ وَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَإِنْ لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَإِنَّمَا فَرَّقَ مَا بَيْنَ قَبْلِ الْإِسْفَارِ وَمَا بَيْنَ الْإِسْفَارِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى وَقْتَ الْإِسْفَارِ لِلصُّبْحِ وَقْتَ ضَرُورَةٍ لَا وَقْتَ اخْتِيَارٍ كَاصْفِرَارِ الشَّمْسِ لِلْعَصْرِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ قَرَأَهَا فِي وَقْتٍ يَمْنَعُ مِنْ سُجُودٍ أَوْ قَرَأَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ قَالَ مَالِكٌ يَخْطِرُ فِيهَا وَلَا يَقْرَؤُهَا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ السُّجُودِ وَمَمْنُوعٌ مِنْ قِرَاءَتِهَا وَتَرْكِ السُّجُودِ فَلَزِمَهُ أَنْ يَتَعَدَّى مَوْضِعَ السُّجُودِ فَلَا يَقْرَؤُهَا. وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ يَتَعَدَّى مَوْضِعَ السُّجُودِ خَاصَّةً وَلَا يَتَعَدَّى الْآيَةَ كُلَّهَا (ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ قَرَأَ بِسَجْدَةٍ وَامْرَأَةٌ حَائِضٌ تَسْمَعُ هَلْ لَهَا أَنْ تَسْجُدَ قَالَ مَالِكٌ لَا يَسْجُدُ الرَّجُلُ وَلَا الْمَرْأَةُ إلَّا وَهُمَا طَاهِرَانِ) ش وَهَذَا كَمَا قَالَ ﵀ لِأَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ صَلَاةٌ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَمَّا كَانَتْ الْحَائِضُ غَيْرَ طَاهِرَةٍ

стр. 352

(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ امْرَأَةٍ قَرَأَتْ بِسَجْدَةٍ وَرَجُلٌ مَعَهَا يَسْمَعُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهَا قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهَا إنَّمَا تَجِبُ السَّجْدَةُ عَلَى الْقَوْمِ يَكُونُونَ مَعَ الرَّجُلِ يَأْتَمُّونَ بِهِ فَيَقْرَأُ السَّجْدَةَ فَيَسْجُدُونَ مَعَهُ وَلَيْسَ عَلَى مَنْ سَمِعَ سَجْدَةً مِنْ إنْسَانٍ يَقْرَؤُهَا لَيْسَ لَهُ بِإِمَامٍ أَنْ يَسْجُدَ تِلْكَ السَّجْدَةَ) . مَا جَاءَ فِي قِرَاءَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] (ص) : «مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَتَقَالُّهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ مَوْلَى آلِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت «أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ أَقْبَلْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَبَتْ فَسَأَلْتُهُ مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ الْجَنَّةُ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَرَدْت أَنْ أَذْهَبَ إلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ ثُمَّ فَرَقْتُ ــ [المنتقى] لَمْ يَكُنْ مِنْ حُكْمِهَا السُّجُودُ إذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ كَانَ طَاهِرًا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي التَّكْبِيرِ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ فَقَالَ مَرَّةً يُكَبِّرُ وَقَالَ مَرَّةً لَا يُكَبِّرُ وَخَيَّرَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ سُجُودُ تِلَاوَةٍ فَشُرِعَ التَّكْبِيرُ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ لَهُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَمْ يُشْرَعْ لَهَا تَحْلِيلٌ فَلَمْ يُشْرَعْ لَهَا إحْرَامٌ كَالصَّوْمِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ سَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَأْتَمَّ بِهِ وَالِائْتِمَامُ بِأَنْ يَجْلِسَ لِلِاسْتِمَاعِ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهُ سَوَاءٌ كَانَ مَارًّا أَوْ جَالِسًا وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ الِائْتِمَامُ بِهَا فَلَا يَصِحُّ السُّجُودُ مَعَهَا فِيمَا يَكُونُ لَهَا فِيهِ حُكْمُ الْإِمَامَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ جَلَسَ لِلِاسْتِمَاعِ مِنْ الْقَارِئِ فَقَدْ ائْتَمَّ بِهِ وَلَزِمَهُ حُكْمُهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ فَسَجَدَ كَانَ عَلَى مَنْ جَلَسَ إلَيْهِ السُّجُودُ مَعَهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ فَنَزْدَحِمُ حَتَّى مَا يَجِدَ أَحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ» . ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْقَارِئُ فَهَلْ يَسْجُدُ الْمُسْتَمِعُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَسْجُدُ الْمُسْتَمِعُ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يَسْجُدُ الْمُسْتَمِعُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ يَلْزَمُ الْقَارِئَ وَالْمُسْتَمِعَ فَإِذَا تَرَكَ الْقَارِئُ مَا نُدِبَ إلَيْهِ فَعَلَى الْمُسْتَمِعِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْقَارِئَ إمَامٌ فَلَا تَصِحُّ مُخَالَفَتُهُ. [مَا جَاءَ فِي قِرَاءَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ] (ش) : قَوْلُهُ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْغَادِي هُوَ الرَّجُلُ فَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ تَهَجَّدَ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَأَخْبَرَهُ ﷺ أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَكَانَ الرَّجُلُ يَتَقَالُّهَا يَعْنِي يَرَاهَا قَلِيلًا مِنْ الْقُرْآنِ وَيَتَأَسَّفُ إذْ لَا يُحْسِنُ غَيْرَهَا لِيَتَهَجَّدَ بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْغَادِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ قَسَمٌ عَلَى مَعْنَى التَّأْكِيدِ مَعَ أَنَّهُ صَدَقَ بِالْخَبَرِ وَقَوْلُهُ ﷺ إنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ لِلْقَارِئِ بِهَا مِنْ الْأَجْرِ مَا لِلْقَارِئِ بِثُلُثِ الْقُرْآنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ لِمَنْ لَا يُحْسِنُ غَيْرَهَا وَمَنَعَهُ مِنْ تَعَلُّمِهَا عُذْرٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ أَجْرَهَا مَعَ التَّضْعِيفِ يَعْدِلُ أَجْرَ ثُلُثِ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ تَضْعِيفٍ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْأَجْرَ عَلَيْهَا لِذَلِكَ الْقَارِئِ أَوْ لِقَارِئٍ عَلَى صِفَةِ مَا مِنْ الْخُشُوعِ وَالتَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ وَإِحْضَارِ الْفَهْمِ وَتَجْدِيدِ الْإِيمَانِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَاَللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ مَوْلَى آلِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت «أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ أَقْبَلْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَبَتْ فَسَأَلْتُهُ مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ الْجَنَّةُ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَرَدْت أَنْ أَذْهَبَ إلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ ثُمَّ فَرَقْتُ أَنْ يَفُوتَنِي الْغَدَاءُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَآثَرْت الْغَدَاءَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ ذَهَبْتُ إلَى الرَّجُلِ فَوَجَدْتُهُ قَدْ ذَهَبَ» )

стр. 353

أَنْ يَفُوتَنِي الْغَدَاءُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَآثَرْت الْغَدَاءَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ ذَهَبْتُ إلَى الرَّجُلِ فَوَجَدْتُهُ قَدْ ذَهَبَ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثُلُثُ الْقُرْآنِ وَأَنَّ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا) . مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ ﵎ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ وَذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» مَالِكٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ سَبَّحَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبَّرَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَحَمِدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَخَتَمَ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَقَوْلُهُ ﷺ وَجَبَتْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ تَنْبِيهَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ عَلَى فَضْلِهَا وَكَثْرَةِ الثَّوَابِ لِقَارِئِهَا وَقَوْلُهُ ثُمَّ فَرَقْتُ أَنْ يَفُوتَنِي الْغَدَاءُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ الْغَدَاءُ هَاهُنَا صَلَاةُ الْغَدَاةِ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَإِنَّمَا الْغَدَاءُ مَا يُؤْكَلُ بِالْغَدَاةِ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِشِبَعِ بَطْنِهِ فَكَانَ يَتَغَدَّى مَعَهُ وَيَتَعَشَّى فَخَافَ إنْ مَرَّ إلَى الرَّجُلِ يُبَشِّرُهُ أَنْ يَغِيبَ عَنْ الْغَدَاءِ مَعَهُ فَيَفُوتَهُ. (ش) : قَوْلُهُ إنَّ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا قِيلَ مَعْنَاهُ تُجَادِلُ عَنْهُ فِي الْقَبْرِ رَوَى زَادٌ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ هِيَ الْمَانِعَةُ تَمْنَعُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ إذَا تُوُفِّيَ الرَّجُلُ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ فَتَقُولُ رِجْلَاهُ إنَّهُ لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَى مَا قِبَلِي إنَّهُ قَدْ وَعَى بِي سُورَةَ الْمُلْكِ وَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَيَقُولُ وَاَللَّهِ لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَى مَا قِبَلِي إنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ قَالَ وَهِيَ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبَةٌ سُورَةُ الْمُلْكِ مَنْ قَرَأَهَا فِي لَيْلَةٍ فَقَدْ أَكْثَرَ وَأَطْنَبَ وَقَوْلُهُ فَيَقُولُ بَطْنُهُ وَهِيَ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بَاطِنَ ظَهْرِهِ فَيَدْخُلَ فِيهِ الصَّدْرُ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ الصَّدْرَ هُوَ الَّذِي حَوَى السُّورَةَ وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ الرَّأْسِ إنَّهُ قَدْ قَرَأَ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ وَإِنَّمَا قَرَأَهَا بِالْفَمِ لَكِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الرَّأْسِ. [مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ ﵎] (ش) : قَوْلُهُ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ مَعْنَاهُ أَنَّ ثَوَابَهَا يَعْدِلُ ثَوَابَ عِتْقِ عَشْرِ رِقَابٍ وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ إلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ هَذَا غَايَةٌ فِي ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ قَلَّ مَا يَزِيدُ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ قَالَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ وَلَوْ لَمْ يَفِدْ ذَلِكَ لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ الْكَلَامِ لِأَنَّ كُلَّ مَا أَتَى إنْسَانٌ بِبَعْضِهِ فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَأْتِي بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا مَنْ جَاءَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ أَفَادَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا غَايَةٌ فِي بَابِهِ ثُمَّ قَالَ إلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَظُنَّ السَّامِعُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ مَمْنُوعَةٌ كَتَكْرَارِ الْعَمَلِ فِي الْوُضُوءِ، وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لَا يَأْتِي أَحَدٌ مِنْ سَائِرِ أَبْوَابِ الْبِرِّ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا رَجُلٌ عَمِلَ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» مَالِكٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ سَبَّحَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبَّرَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَحَمِدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَخَتَمَ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ)

стр. 354

كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ يُرِيدُ أَنَّهُ يَكُونُ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ، وَقَوْلُهُ مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ التَّسْبِيحُ وَهُوَ التَّنْزِيهُ لِلَّهِ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُهُ الظَّالِمُونَ، وَقَوْلُهُ ثُمَّ خَتَمَ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يُرِيدُ أَنَّ التَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ وَالتَّحْمِيدَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا فَإِذَا هَلَّلَ أَكْمَلَ الْمِائَةَ وَذَلِكَ مِمَّا يَغْفِرُ ذُنُوبَهُ وَالْغُفْرَانُ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ السَّتْرُ وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ يُرِيدُ فِي كَثْرَتِهَا فَإِنَّ مَا قَالَهُ يَعْدِلُ ذَلِكَ ص (مَالِكٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ صَيَّادٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ فِي الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ إنَّهَا قَوْلُ الْعَبْدِ اللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) (ش) : قَوْلُهُ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦] وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِفَهَا بِذَلِكَ لِأَنَّهَا بَاقِيَاتٌ لِصَاحِبِهَا وَصَالِحَاتٌ لِجَزِيلِ ثَوَابِهَا فِي الْمَعَادِ وَحِينَ الْحَاجَةِ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَتَجَمَّلُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ الْمَالِ وَالْبَنِينَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لَيْسَ يَبْقَى لَهُمْ وَلَا يَعُودُ بِمَصْلَحَةٍ عَلَيْهِمْ فَأَخْبَرَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ هِيَ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْخَمْسُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ لَكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى) . (ش) : قَوْلُهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: ذِكْرٌ بِاللِّسَانِ. وَالثَّانِي: ذِكْرٌ عِنْدَ الْأَوَامِرِ بِامْتِثَالِهَا وَعِنْدَ الْمَعَاصِي بِاجْتِنَابِهَا وَهُوَ ذِكْرٌ. وَالذِّكْرُ بِاللِّسَانِ عَلَى ضَرْبَيْنِ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ إلَيْهِ فَالْوَاجِبُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّسَلُّمِ فِيهَا وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ وَالْمَنْدُوبُ إلَيْهِ سَائِرُ الْأَذْكَارِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَأَمَّا الْوَاجِبُ مِنْ الذِّكْرِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْضُلَ عَلَى سَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ مِنْ الْجِهَادِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا فَيُقَالُ إنَّ ثَوَابَ الْمُصَلِّي أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ غَيْرِهِ إمَّا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِمَّا فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ أَوْ عَلَى حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ وَأَمَّا الْمَنْدُوبُ إلَيْهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْضُلَ عَلَى سَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الثَّوَابَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ وَهَذَا طَرِيقَةُ الْخَبَرِ. وَالثَّانِي: كَثْرَةُ تَكَرُّرِهِ وَهَذَا يُعْرَفُ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالنَّظَرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ مِنْ عَمَلٍ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) . ش يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ هَاهُنَا بِذِكْرِ اللَّهِ الذَّاكِرِينَ جَمِيعًا بِالْقَلْبِ عِنْدَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَالذِّكْرِ بِاللِّسَانِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فَإِذَا قُلْت إنَّهُ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الذِّكْرَ فِي الصَّلَاةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فَضْلِهَا عَلَى غَيْرِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ سَائِرَ الْأَذْكَارِ لِتَكَرُّرِهَا وَخِفَّتِهَا عَلَى اللِّسَانِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ «كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ وَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا فَقَالَ الرَّجُلُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَقَدْ رَأَيْت بِضْعًا وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهُنَّ أَوَّلٌ» ) . (ش) : قَوْلُهُ ﷺ مَنْ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا يَعْنِي قَبْلَ هَذَا وَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا يَقْرَبُ وَقَوْلُ الْمُتَكَلِّمِ أَنَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ الْكَلَامِ فِي

стр. 355

مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِيَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ إذَا دَعَا اللَّهَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْت لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ» ) . ــ [المنتقى] ذَلِكَ الْوَقْتَ لِمَا عُلِمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ لِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِكَلَامٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ وَقَوْلُهُ ﷺ لَقَدْ رَأَيْت بِضْعًا وَثَلَاثِينَ مَلَكًا الْبِضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إلَى التِّسْعِ وَقَوْلُهُ يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلَ دَلِيلٌ عَلَى عَظِيمِ ثَوَابِهَا وَرِفْعَةِ دَرَجَةِ صَاحِبِهَا وَأَنَّ لِكَاتِبِهَا أَوَّلًا مَزِيَّةً وَإِنْ كَانَ جَمِيعُهُمْ يَكْتُبُهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ الْعَمَلَ عَلَى هَذَا وَكَرِهَ أَنْ يَقُولَهَا الْمُصَلِّي. وَوَجْهُ ذَلِكَ لِمَنْ يَتَّخِذُهَا مِنْ الْأَقْوَالِ الْمَشْرُوعَةِ كَالتَّكْبِيرِ وَسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. [مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ] (ش) : قَوْلُهُ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا يُرِيدُ بِذَلِكَ مُجَابَةً قَدْ وُعِدَ الْإِجَابَةَ فِيهَا وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَبَّأَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ إلَى الْآخِرَةِ لِيُشَفَّعَ بِهَا فِيهِمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الشَّفَاعَةِ لَهُ فِي الْآخِرَةِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فَيَقُولُ اللَّهُمَّ فَالِقَ الْإِصْبَاحِ وَجَاعِلَ اللَّيْلِ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنْ الْفَقْرِ وَأَمْتِعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي وَقُوَّتِي فِي سَبِيلِكَ» ) . (ش) : قَوْلُهُ ﷺ اللَّهُمَّ فَالِقَ الْإِصْبَاحِ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي قَوْلِهِ : ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] وَمَعْنَى فَالِقِ الْإِصْبَاحِ الَّذِي خَلَقَهُ وَابْتَدَأَهُ وَأَظْهَرَهُ وَالْفَلَقُ الْبَحْرُ وَقَوْلُهُ وَجَاعِلَ اللَّيْلِ سَكَنًا الْجَعَلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى الْخَلْقِ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وَأَمَّا إذَا تَعَدَّى إلَى مَفْعُولَيْنِ فَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْحُكْمِ وَالتَّسْمِيَةِ وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْخَلْقِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] مَعْنَاهُ سَمَّوْهُمْ وَوَصَفُوهُمْ بِأَنَّهُمْ إنَاثٌ. وَأَمَّا الثَّانِي فَمِنْ قَوْلِهِمْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي مُسْلِمًا مَعْنَاهُ خَلَقَنِي مُسْلِمًا فَقَوْلُهُ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. (فَصْلٌ) : وقَوْله تَعَالَى ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] يَعْنِي أَنَّهُ يُسْكَنُ فِيهِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦] بِمَعْنَى يَحْسُبُ بِهِمَا الْأَيَّامَ وَالشُّهُورَ وَالْأَعْوَامَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥] . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَقُوَّتِي فِي سَبِيلِك يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ جِهَادَ الْعَدُوِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ سَائِرَ أَعْمَالِ الْبِرِّ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ قَالَ مَالِي هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ سُبُلُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وَلَكِنْ يُوضَعُ فِي بَابِ الْغَزْوِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ إذَا أُطْلِقَتْ فَإِنَّ عُرْفَهَا الْجِهَادُ وَالْغَزْوُ وَإِنْ جَازَ أَنْ تُطْلَقَ عَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ بِقَرِينَةٍ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت مَعْنَاهُ لَا يَشْتَرِطُ مَشِيئَتَهُ بِاللَّفْظِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مَعْلُومٌ مُتَيَقَّنٌ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَلَا يَصِحُّ غَيْرُ هَذَا فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ الْمَشِيئَةِ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُشْتَرَطُ فِيمَنْ يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ دُونَ أَنْ يَشَاءَ بِالْإِكْرَاهِ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَنَزَّهَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ﷺ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ أَيْ يُعْرِي دُعَاءَهُ وَسُؤَالَهُ مِنْ لَفْظِ الْمَشِيئَةِ وَيَسْأَلُ سُؤَالَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ إنْ شِئْت نَوْعًا مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ

стр. 356

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» ) . ــ [المنتقى] عَنْ مَغْفِرَتِهِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ إنْ شِئْت أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا فَافْعَلْ لَا يُسْتَعْمَلُ هَذَا إلَّا مَعَ الْغِنَى عَنْهُ وَأَمَّا الْمُضْطَرُّ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يَعْزِمُ مَسْأَلَتَهُ وَيَسْأَلُ سُؤَالَ فَقِيرٍ مُضْطَرٍّ إلَى مَا سَأَلَهُ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ يُسْتَجَابُ الْإِخْبَارَ عَنْ وُجُوبِ وُقُوعِ الْإِجَابَةِ. وَالثَّانِي: الْإِخْبَارُ عَنْ جَوَازِ وُقُوعِهَا فَإِذَا كَانَتْ فِي مَعْنَى الْإِخْبَارِ عَنْ الْوُجُوبِ فَإِنَّ الْإِجَابَةَ تَكُونُ لِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ أَشْيَاءَ: إمَّا أَنْ يُعَجِّلَ مَا سَأَلَ فِيهِ: وَإِمَّا أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ بِهِ: وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَ لَهُ. فَإِذَا قَالَ قَدْ دَعَوْت فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي بَطَلَ وُجُوبُ أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَشْيَاءِ وَعَرَى الدُّعَاءُ مِنْ جَمِيعِهَا وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى جَوَازِ الْإِجَابَةِ فَإِنَّ الْإِجَابَةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ بِفِعْلِ مَا دَعَا بِهِ خَاصَّةً وَيَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الدَّاعِي قَدْ دَعَوْت فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْقُنُوطِ وَضَعْفِ الْيَقِينِ وَالسَّخَطِ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا إخْبَارٌ عَنْ إجَابَةِ الدُّعَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِعْطَاءِ السَّائِلِينَ مَا سَأَلُوهُ وَغُفْرَانِهِ لِلْمُسْتَغْفِرَيْنِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى فَضِيلَةِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَحَضٌّ عَلَى كَثْرَةِ الدُّعَاءِ وَالسُّؤَالِ وَالِاسْتِغْفَارِ فِيهِ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي شِبْرًا تَقَرَّبْت إلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِذَا تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ بَاعًا وَإِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُ إلَيْهِ هَرْوَلَةً» وَلَمْ يُرِدْ بِهِ التَّقَرُّبَ فِي الْمَسَافَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَلَا مَوْجُودٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّقَرُّبَ بِالْعَمَلِ مِنْ الْعَبْدِ وَالْقُرْبَ مِنْهُ تَعَالَى بِالْإِجَابَةِ وَالْقَبُولِ وَمِنْ ذَلِكَ يُقَالُ فُلَانٌ قَرِيبٌ مِنْ فُلَانٍ وَيَقُولُونَ فِي الرَّئِيسِ هُوَ قَرِيبٌ مِنْ النَّاسِ إذَا كَانَ كَثِيرَ الْإِسْعَافِ لَهُمْ وَالتَّرْحِيبَ بِهِمْ وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ فِي جِنَازَةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْعَرْشِ فَقَالَ لَا يَتَحَدَّثْنَ بِهِ وَمَا يَدْعُو الْإِنْسَانَ إلَى أَنْ يَتَحَدَّثَ بِهِ وَهُوَ يَرَى مَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ، وَحَدِيثِ إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، وَحَدِيثِ السَّاقِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَتَّقِي اللَّهَ أَنْ يُحَدِّثَ بِمِثْلِ هَذَا قِيلَ لَهُ فَالْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ضَحِكَ فَلَمْ يَرَهُ مِنْ هَذَا وَأَجَازَهُ، وَقَالَ وَحَدِيثِ التَّنَزُّلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَدِيثَ التَّنَزُّلِ وَالضَّحِكِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ لَمْ يُطْعَنْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا وَحَدِيثَ اهْتِزَازِ الْعَرْشِ قَدْ تَقَدَّمَ الْإِنْكَارُ لَهُ وَالْمُخَالَفَةُ فِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَحَدِيثَ الصُّورَةِ وَالسَّاقِ لَيْسَتْ أَسَانِيدُهَا تَبْلُغُ فِي الصِّحَّةِ دَرَجَةَ حَدِيثِ التَّنَزُّلِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ التَّأْوِيلَ فِي حَدِيثِ التَّنَزُّلِ أَقْرَبُ وَأَبْيَنُ وَالْغَرَرُ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ فِيهَا أَبْعَدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ «أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ كُنْت نَائِمَةً إلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفَقَدْتُهُ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَسْتُهُ بِيَدِي فَوَضَعْت يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَبِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» ) . ش قَوْلُهَا فَلَمَسْته بِيَدِي فَوَضَعْتهَا عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّمْسَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَلَوْ كَانَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ لَمَنَعَهُ ذَلِكَ مِنْ اسْتِدَامَةِ السُّجُودِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا عَرِيَ عَنْ اللَّذَّةِ لَمْ يَنْقُضْ الطَّهَارَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَقَوْلُهُ ﷺ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ لَا أُحْصِي شَيْئًا مِنْ

стр. 357

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْت أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» ) ــ [المنتقى] الثَّنَاءِ عَلَيْكَ فَيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْمَدْحِ مِنْ قَوْلِهِ لَا أُحْصِي الثَّنَاءَ عَلَيْكَ. (ش) : قَوْلُهُ أَفْضَلُ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ يَعْنِي أَكْثَرَ الذِّكْرِ بَرَكَةً وَأَعْظَمَهُ ثَوَابًا وَأَقْرَبَهُ إجَابَةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْحَاجَّ خَاصَّةً لِأَنَّ مَعْنَى دُعَاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ فِي حَقِّهِ يَصِحُّ وَبِهِ يَخْتَصُّ وَإِنْ وَصَفَ الْيَوْمَ فِي الْجُمْلَةِ بِيَوْمِ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ يُوصَفُ بِفِعْلِ الْحَاجِّ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمْ السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» ) (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمْ السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ دَلِيلٌ عَلَى تَأَكُّدِهِ وَمَا نَدَبَ إلَيْهِ مِنْ تَحَفُّظِ أَلْفَاظِهِ، وَقَوْلُهُ ﷺ وَأَعُوذُ بِك مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ سُمِّيَ الدَّجَّالُ الْمَسِيحَ لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى وَسُمِّيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ مَسِيحًا لِسِيَاحَتِهِ فِي الْأَرْضِ وَقِيلَ لِحُسْنِهِ، وَقَوْلُهُ ﷺ وَأَعُوذُ بِك مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْدَ الْمَوْتِ فِتْنَةً وَهِيَ فِتْنَةُ الْقَبْرِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَقُولُ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُك الْحَقُّ وَوَعْدُك الْحَقُّ وَلِقَاؤُك حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَك أَسْلَمْتُ وَبِك آمَنْت وَعَلَيْك تَوَكَّلْت وَإِلَيْك أَنَبْت وَبِك خَاصَمْت وَإِلَيْك حَاكَمْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَأَخَّرْت وَأَسْرَرْت وَأَعْلَنْت أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ» ) (ش) : قَوْله ﷺ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قِيلَ مَعْنَاهُ ذُو نُورِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ هَادِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ مَعْنَاهُ مُدَبِّرُهُمَا شَمْسُهُمَا وَقَمَرُهُمَا وَنَحْوُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيْ مُنِيرُهُمَا كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ مُغِيثٌ بِمَعْنَى مُغِيثِنَا فَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ ذُو نُورِ السَّمَوَاتِ وَذُو نُورِهِ الْقُرْآنُ قَالَ كَعْبٌ النُّورُ مُحَمَّدٌ ﷺ فَهُوَ يَعُودُ إلَى أَنَّهُ ذُو النُّورِ الَّذِي أَصَابَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَإِذَا قُلْنَا إنَّ مَعْنَاهُ هَادِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْهَدْيَ الَّذِي يَهْدِي بِهِ مُنِيرٌ بَيِّنٌ فِي نَفْسِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ يُنِيرُ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا قُلْنَا مَعْنَاهُ مُدَبِّرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ بِهِ يَكُونُ وَمِنْ خَلْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ الَّتِي تُنِيرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ النُّورَ الَّذِي بِمَعْنَى الْهِدَايَةِ وَأَنَّهُ هَادٍ يَهْتَدِي بِهِ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُقَالُ فِيهِ قَيَّامٌ وَقَيُّومٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْقَيَّامُ الَّذِي لَا يَزُولُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ مَعْنَاهُ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قُلْنَا مَعْنَى الْقَيُّومِ الَّذِي لَا يَزُولُ مِنْ قَيُّومِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيْ الدَّائِمُ حُكْمُهُ فِيهِمَا وَتَدْبِيرُهُ لَهُمَا وَإِنَّهُ لَا قَائِمَ يُضَافُ تَدْبِيرُهُمَا إلَيْهِ غَيْرُهُ تَعَالَى وَإِذَا قُلْنَا مَعْنَى الْقَيُّومِ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] قِيلَ مَعْنَاهُ أَفَمَنْ هُوَ حَافِظٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ لَا يَغْفُلُ وَلَا يَمُوتُ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ حَافِظٌ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ

стр. 358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ» وَمَنْ فِيهِنَّ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ الرَّبُّ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ الرَّبُّ الْمَالِكُ وَالرَّبُّ السَّيِّدُ الْمُطَاعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١] مَعْنَاهُ سَيِّدُهُ وَيَكُونُ الرَّبُّ الْمُصْلِحَ مِنْ قَوْلِهِمْ رَبُّ الشَّيْءِ إذَا أَصْلَحَهُ فَعَلَى هَذَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ مَعْنَاهُ مَالِكُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَيَحْتَمِلُ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى سَيِّدَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ. وَقَدْ أَنْكَرَ مَالِكٌ الدُّعَاءَ بِسَيِّدِي فَلِعِلَّةٍ إنَّمَا كَرِهَ اللَّفْظَ دُونَ الْمَعْنَى، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إنَّ صَلَاحَهُمَا بِهِ وَلَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ صَلَاحُهُمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِمَّنْ يَدَّعِي الْمُشْرِكُونَ أَنَّهُ إلَهٌ وَمِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢] وَظَاهِرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي هَذَا الْحَقِّ يَعُودُ إلَى مَعْنَى الصِّدْقِ وَيَتَعَلَّقُ بِتَسْمِيَتِهِ إلَهًا بِمَعْنَى أَنَّ مَنْ سَمَّاهُ إلَهًا وَأَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ إلَهٌ فَقَدْ صَدَقَ وَقَالَ الْحَقُّ وَمَنْ سُمِّيَ سِوَاهُ إلَهًا وَأُخْبِرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ إلَهٌ فَقَدْ كَذَبَ وَأَبْطَلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَوَعْدُك حَقٌّ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَعْدُهُ يَفِي بِهِ وَلَا يَخْلُفُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩] وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] أَيْ وَعَدَ الْجَنَّةَ مَنْ أَطَاعَهُ وَوَعَدَ النَّارَ مَنْ كَفَرَ بِهِ فَوَفَّى بِوَعْدِهِ فَكَأَنَّهُ عَائِدٌ إلَى مَعْنَى الصِّدْقِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ وَعْدَهُ حَقٌّ بِمَعْنَى إثْبَاتِ أَنَّهُ قَدْ وَعَدَ بِالْبَعْثِ وَالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ إنْكَارَ الْقَوْلِ مَنْ أَنْكَرَ وَعْدَهُ بِذَلِكَ وَكَذَّبَ الرُّسُلَ ﵈ فِيمَا بَلَّغُوهُ مِنْ وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ خَبَرَهُ تَعَالَى بِذَلِكَ حَقٌّ لَا يَدْخُلُهُ بَاطِلٌ وَلَا كَذِبٌ وَلَا تَحْرِيفٌ وَلَا تَغْيِيرٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ خَبَرَ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ بِذَلِكَ وَبَلَغَهُ حَقٌّ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ لَك أَسْلَمْتُ مَعْنَاهُ انْقَدْت وَأَطَعْت مِنْ قَوْلِهِمْ أَسْلَمَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ إذَا انْقَادَ لَهُ وَعُطِفَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ وَبِك آمَنْت فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ بِحَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْإِيمَانُ الْمَعْرِفَةُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] مَعْنَاهُ وَمَا أَنْتَ بِمُصَدِّقٍ لَنَا إلَّا أَنَّ الْإِسْلَامَ إذَا كَانَ بِمَعْنَى الِانْقِيَادِ وَالطَّاعَةِ فَقَدْ يَنْقَادُ الْمُكَلِّفُ بِالْإِيمَانِ فَيَكُونُ مُؤْمِنًا مُسْلِمًا وَقَدْ يَنْقَادُ بِغَيْرِ الْإِيمَانِ فَيَكُونُ مُسْلِمًا وَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] فَأَثْبَتَ لَهُمْ الْإِسْلَامَ وَنَفَى عَنْهُمْ الْإِيمَانَ فَتَقَرَّرَ أَنَّ مَا أَثْبَتَ لَهُمْ غَيْرَ مَا نَفَاهُ عَنْهُمْ. وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ شُيُوخِنَا إنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْإِسْلَامُ فَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ مَعَهُمْ رَجَعَ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِلَيْك أَنَبْت يُرِيدُ تُبْت وَقَوْلُهُ ﷺ وَفِيك خَاصَمْت يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَنْ خَاصَمَ فِيهِ بِلِسَانٍ أَوْ سَيْفٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ [غافر: ٣٥] وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: ٥] . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِلَيْك حَاكَمْت ظَاهِرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُحَاكِمُهُمْ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يَرْضَى إلَّا بِحُكْمِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] وَقَوْلُهُ ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا﴾ [الأنعام: ١١٤] . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ مِمَّا مَضَى وَيَحْتَمِلُ أَنْ

стр. 359

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ أَنَّهُ قَالَ «جَاءَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِي بَنِي مُعَاوِيَةَ وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْأَنْصَارِ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِكُمْ هَذَا فَقُلْت لَهُ نَعَمْ أَشَرْت لَهُ إلَى نَاحِيَةٍ مِنْهُ فَقَالَ هَلْ تَدْرِي مَا الثَّلَاثُ الَّتِي دَعَا بِهِنَّ فِيهِ فَقُلْت نَعَمْ قَالَ فَأَخْبَرَنِي بِهِنَّ فَقُلْت دَعَا بِأَنْ لَا يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَا يُهْلِكَهُمْ بِالسِّنِينَ فَأُعْطِيَهُمَا وَدَعَا بِأَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمُنِعَهَا قَالَ صَدَقْتَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَلَنْ يَزَالَ الْهَرْجُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إلَّا كَانَ بَيْنَ إحْدَى ثَلَاثٍ إمَّا أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ وَإِمَّا أَنْ يُكَفَّرَ عَنْهُ) . الْعَمَلُ فِي الدُّعَاءِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ رَآنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَأَنَا أَدْعُو وَأُشِيرُ بِأُصْبُعَيْنِ أُصْبُعٍ مِنْ كُلِّ يَدٍ فَنَهَانِي) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ١١٠] فِي الدُّعَاءِ) ــ [المنتقى] يُرِيدَ بِمَا قَدَّمَ مَا مَضَى وَبِمَا أَخَّرَ مَا يَسْتَقْبِلُ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ حَمَلَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ الْغُفْرَانَ تَنَاوَلَ مِنْ أَفْعَالِهِ الْمَاضِيَ وَالْمُسْتَقْبَلَ. (ش) : سُؤَالُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حِرْصًا مِنْهُ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا دَعَا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِبَارِ لِلْمَسْئُولِ عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ وَإِلَّا أَعْلَمَهُ، وَقَوْلُهُ هَلْ تَدْرِي مَا الثَّلَاثُ الَّتِي دَعَا بِهِنَّ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَقَوْلُهُ أَنْ لَا يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] وَقَوْلُهُ أَنْ لَا يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يُهْلِكُهُمْ بِالسِّنِينَ يُرِيدُ الشَّدَائِدَ وَالْمَحَلُّ يُقَالُ عَامُ سِنَةٍ أَيْ عَامُ جَدْبٍ وَمَجَاعَةٍ، وَقَوْلُهُ وَدَعَا بِأَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمُنِعَهَا يَعْنِي أَنْ لَا يَجْعَلَ الْحَرْبَ وَالْهَرْجَ بَيْنَهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] وَقَوْلُهُ فَلَنْ يَزَالَ الْهَرْجُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَعْنِي الْحَرْبَ وَالْفِتَنَ وَالِاخْتِلَافَ. (ش) : هَذَا إنَّمَا يَكُونُ لِلدَّاعِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا دَعَا فِيمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ فِيهِ فَذَلِكَ الَّذِي لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ فِيمَا دَعَا فِيهِ أَوْ يُدَّخَرُ لَهُ أَجْرٌ بِدُعَائِهِ وَإِخْلَاصِهِ وَذِكْرِهِ لِلَّهِ وَإِقْرَارِهِ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَإِمَّا أَنْ يُكَفِّرَ لَهُ بَعْضَ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ بَلَغَنِي أَنَّهُ مَا مِنْ دَاعٍ إلَّا كَانَ عَلَى إحْدَى ثَلَاثٍ إمَّا أَنْ يُعْطَى الدَّعْوَةَ الَّتِي دَعَا بِهَا أَوْ يُدَّخَرَ لَهُ أَوْ يُصْرَفَ عَنْهُ بِهَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ يُصْرَفُ عَنْهُ إثْمُ ذُنُوبِهِ وَهُوَ فِي مَعْنَى التَّكْفِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْعَمَلُ فِي الدُّعَاءِ] (ش) : إنَّمَا نَهَاهُ أَنْ يُشِيرَ بِأُصْبُعَيْنِ لِأَنَّ الدُّعَاءَ إنَّمَا يُحَبُّ أَنْ يَكُونَ إمَّا بِالْيَدَيْنِ وَبَسْطِهِمَا عَلَى مَعْنَى التَّضَرُّعِ وَالرَّغْبَةِ وَإِمَّا بِالْإِشَارَةِ بِالْوَاحِدَةِ عَلَى مَعْنَى التَّوْحِيدِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَانَ يَقُولُ إنَّ الرَّجُلَ لَيُرْفَعُ بِدُعَاءِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَقَالَ بِيَدَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ فَرَفَعَهُمَا) (ش) : قَوْلُهُ وَقَالَ بِيَدَيْهِ بِهِ نَحْوَ السَّمَاء رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَمُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى يَرْفَعُهُمَا يَدْعُو لِأَبَوَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ رَفَعَهُمَا إشَارَةً بِيَدِهِ وَقَالَ هَكَذَا يَرْفَعُ إلَى فَوْقٍ وَقَوْلُهُ وَقَالَ بِيَدِهِ نَحْوَ السَّمَاءِ يُرِيدُ إشَارَةً بِيَدَيْهِ وَسَمَّى ذَلِكَ قَوْلًا لِأَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ فِي النَّفْسِ فَتَارَةً يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاللَّفْظِ وَتَارَةً بِالْإِشَارَةِ وَتَارَةً بِالْكِتَابَةِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ كُلُّهُ كَلَامًا وَقَوْلًا لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : قَالَ ابْنُ نَافِعٍ ذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ فَمَنْ دَعَا فَلَا يَجْهَرْ بِدُعَائِهِ وَلَا يُخَافِتْ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ وَقَالَ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي ذَلِكَ لَا تَجْهَرْ بِقِرَاءَتِك فِي صَلَاةِ

стр. 360

(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ فِيهَا) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فَيَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَإِذَا أَرَدْت فِي النَّاسِ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إلَيْك غَيْرَ مَفْتُونٍ» ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إلَى هُدًى إلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ اتَّبَعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إلَى ضَلَالَةٍ إلَّا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِهِمْ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا» ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَقُومُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَيَقُولُ نَامَتْ الْعُيُونُ وَغَارَتْ النُّجُومُ وَأَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) . ــ [المنتقى] النَّهَارِ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَزَلْت هَذِهِ الْآيَةُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ كَانَ إذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ فَإِذَا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] أَيْ بِقِرَاءَتِك فَيَسْمَعُ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا عَنْ أَصْحَابِك فَلَا تُسْمِعُهُمْ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا. (ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ فِيهَا) . (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ يَدْعُو بِمَا شَاءَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ إلَّا بِمَا كَانَ مِنْ الْقُرْآنِ فَإِنْ دَعَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أَبْطَلَ صَلَاتَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «غِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ» قَالَ الرَّاوِي فَهَذَا كُلُّهُ فِي الصَّحِيحِ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ اللَّهُمَّ أَنِّي أَسْأَلُك فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ يَقْتَضِي أَنَّ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ إنَّمَا هُوَ بِفَضْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ وَعِصْمَتِهِ وَقَوْلُهُ ﷺ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي فِعْلِ الْخَيْرَاتِ إلَّا أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِفِعْلِ الْقَلْبِ وَمَعَ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالتَّوَاضُعِ وَالْبُعْدِ عَنْ الْكِبْرِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَإِذَا أَرَدْت فِي النَّاسِ فِتْنَةً يَقْتَضِي أَنَّ الْبَارِي تَعَالَى مَرِيدٌ لِوُقُوعِ مَا يَقَعُ مِنْهَا وَأَنَّهَا تَكُونُ بِإِرَادَتِهِ دُونَ إرَادَةِ غَيْرِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى ﵇ إنَّهُ دَعَا رَبَّهُ فَقَالَ إنْ هِيَ إلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ وَلِذَلِكَ دَعَا نَبِيُّنَا ﷺ رَبَّهُ أَنْ يَقْبِضَهُ غَيْرَ مَفْتُونٍ إذَا أَرَادَهَا وَلَوْ كَانَ يَقَعُ بِإِرَادَةِ غَيْرِهِ لَمَا كَانَ فِي دُعَائِهِ أَنْ يَقْبِضَهُ عِنْدَ إرَادَتِهِ بِغَيْرِهِ الْفِتْنَةَ فَائِدَةٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَسْلَمُ بِذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْفِتَنِ وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ بِإِرَادَةِ اللَّهِ دُونَ مَا يَكُونُ مِنْ إرَادَةِ غَيْرِهِ. (ش) : قَوْلُهُ مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إلَى هُدًى إلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ اتَّبَعَهُ هَذَا فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ إنَّ مَنْ دَعَا مِنْهُمْ إلَى خَيْرٍ أُثِيبَ مِثْلَ ثَوَابِ جَمِيعِ مَنْ عَمَلِ بِهِ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا لِأَنَّ ذَلِكَ ثَوَابٌ عَلَى الدُّعَاءِ إلَى الْهُدَى وَالْخَيْرِ وَلِلْعَامِلِينَ ثَوَابُ الْعَمَلِ وَمَنْ دَعَا إلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِ الْعَامِلِينَ بِهَا عُقُوبَةً عَلَى الدُّعَاءِ إلَيْهَا وَلِلْعَامِلِينَ بِهَا أَوْزَارُ الْعَمَلِ عَدْلًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ) (ش) : قَوْلُهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الِاقْتِدَاءَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا وَقَدْ يَدْعُو بِهَذَا لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَدْعُو فِي الْخَيْرِ فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أَجْرِ الْعَامِلِينَ بِهِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَجْرِ كُلِّ عَامِلٍ بِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِمَامَ أَفْضَلُ الْجَمَاعَةِ فَكَأَنَّهُ دَعَا أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمُتَّقِينَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَعَدَ اللَّهُ الْمُتَّقِينَ مِنْ الْخَيْرِ بِمَا وَعَدَهُمْ فَكَيْفُ بِأَئِمَّتِهِمْ. (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَقُومُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يُرِيدُ لِلتَّهَجُّدِ وَذِكْرِ اللَّهِ فَكَانَ يُشْعِرُ نَفْسَهُ بِهَذَا

стр. 361

النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا ثُمَّ إذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ» ) ــ [المنتقى] النَّظَرِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا وَأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِهَا دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ تُوجَدُ فِيهِ صِفَاتُ الْحُدُوثِ وَذَلِكَ أَنَّ عُيُونَ الْخَلَائِقِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ نَائِمَةٌ وَالنُّجُومَ الَّتِي شَأْنُهَا أَنْ تَكُونَ طَالِعَةً غَائِرَةٌ وَالنَّوْمُ فِي الْعُيُونِ وَالْغَوْرُ فِي النُّجُومِ دَلِيلٌ عَلَى الْحُدُوثِ وَبِذَلِكَ اسْتَدَلَّ إبْرَاهِيمُ ﷺ عَلَى حُدُوثِ الْكَوَاكِبِ فَقَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ وَقَوْلُهُ وَأَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ يُرِيدُ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ حَيًّا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّوْمُ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ حَيٌّ قَيُّومٌ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْأُفُولُ وَلَا التَّغْيِيرُ وَلَا الْعَدَمُ تَبَارَكَ رَبَّنَا وَتَعَالَى. [النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ إنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ ذَهَبَ الدَّاوُدِيُّ إلَى أَنَّ لَهُ قَرْنًا عَلَى الْحَقِيقَةِ يَطْلُعُ مَعَ الشَّمْسِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْطَانًا تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَيْنَ قَرْنَيْهِ وَتَغْرُبُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ قَرْنُهُ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى إضْلَالِ النَّاسِ وَلِذَلِكَ يَسْجُدُ لِلشَّمْسِ حِينَئِذٍ الْكُفَّارُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَبَائِلَ مِنْ النَّاسِ يَسْتَعِينُ بِهِمْ الشَّيْطَانُ عَلَى كُفْرِهِ فَيَكُونُ طُلُوعُهَا عَلَيْهِمْ أَوَّلًا بِمَنْزِلَةِ طُلُوعِهَا مَعَهُمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ «أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَ فَارِسٍ إلَى أَنَّ الْإِيمَانَ هَا هُنَا وَأَنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَنَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ عَامٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ مُقَارَنَةِ قَرْنِ الشَّيْطَانِ لِلشَّمْسِ عِنْدَ الطُّلُوعِ إلَى الِاسْتِوَاءِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَعِنْدَ الْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ. وَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ النَّوَافِلِ الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا بَعْدَ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَأَمَّا عِنْدَ الزَّوَالِ فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ إبَاحَةُ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ فَقَالَ أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ نِصْفَ النَّهَارِ. وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ فَأَنَا لَا أَنْهَى عَنْهُ لِلَّذِي أَدْرَكْتُ النَّاسَ عَلَيْهِ وَلَا أُحِبُّهُ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ بَعْضُ الْكَرَاهِيَةِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إجْمَاعُ النَّاسِ عَلَى التَّهْجِيرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَاسْتِدَامَتُهُمْ الصَّلَاةَ إلَى أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ لِلْخُطْبَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَالنَّاسُ بَيْنَ مُصَلٍّ وَنَاظِرٍ إلَى مُصَلٍّ وَغَيْرِ مُنْكِرٍ وَمُجْمَلُ النَّهْيِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْأَمْرَ بِالْإِبْرَادِ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَوَجَّهَ النَّهْيُ إلَى تَحَرِّي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ بِالنَّافِلَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ مَنْسُوخًا وَيَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى جَوَازِ التَّنَفُّلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ رَاحَ قَبْلُ وَيُصَلِّ ذَلِكَ إلَى بَعْدِ الزَّوَالِ هَذَا إنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ النَّافِلَةِ وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْفَرِيضَةِ فَلَهُ وَجْهٌ صَحِيحٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي مَنْعِ تَأْخِيرِ الصُّبْحِ إلَى أَنْ تَطْلُعَ وَفِي مَنْعِ تَقْدِيمِ الظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ حِينَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ وَفِي مَنْعِ تَأْخِيرِ الْعَصْرِ إلَى الْغُرُوبِ وَفِي مَنْعِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ حِينَ الْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ أَيْضًا تَحَرِّي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ بِالْفَرِيضَةِ فَقَدْ رُوِيَ

стр. 362

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ» ) ــ [المنتقى] عَنْ عُمَرَ ﵁ لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا فَكَذَلِكَ اسْتِوَاؤُهَا. وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ لَا أَكْرَهُ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ نِصْفَ النَّهَارِ كَمَا لَا أَكْرَهُ التَّنَفُّلَ حِينَئِذٍ وَلَمْ يَثْبُتْ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ وَثَبَتَ النَّهْيُ عَنْهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وَقَوْلُ أَشْهَبَ هَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَهُ غَيْرُ ثَابِتٍ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ وَلَا يُحْتَجُّ بِالْمَرَاسِيلِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ تَأْوِيلَ الْمَنْعِ عِنْدَهُ لَا يَصِحُّ وَإِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ وَلَكِنَّهُ يَتَأَوَّلُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ فَظَاهِرُهَا التَّوَقُّفُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ وَلَا يَرَى فِي الْحَدِيثِ التَّأْوِيلَ وَلَا يُحِبُّهُ يُرِيدُ لَا يَأْمُرُ بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِمَا أَدْرَكَ عَلَيْهِ النَّاسَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَخُصَّ النَّهْيَ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ وَزَمَنٍ دُونَ زَمَنٍ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا التَّنَفُّلُ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ دَاوُد لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَقْرَبْ الشَّمْسُ مِنْ الْغُرُوبِ وَالدَّلِيلُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ» ) . (ش) : قَوْلُهُ ﷺ إذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ إلَخْ قَالَ الْعُتْبِيُّ قَرْنُ الشَّمْسِ أَعْلَاهَا وَحَوَاجِبُهَا نَوَاحِيهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ حَاجِبَ الشَّمْسِ هُوَ أَوَّلُ مَا يَبْدُو مِنْهَا وَهُوَ أَعْلَاهَا نَهَى عَنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَوَقْتَ غُرُوبِهَا مُنْذُ يَبْرُزُ حَاجِبُ الشَّمْسِ إلَى أَنْ يَطْلُعَ جَمِيعُهَا وَمُنْذُ يَغِيبُ بَعْضُ الشَّمْسِ إلَى أَنْ يَغِيبَ جَمِيعُهَا هَذَا مِقْدَارُ مَا يَتَنَاوَلُهُ هَذَا الْحَدِيثُ وَيَتَنَاوَلُ حَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ وَلَا تُسَمَّى مُرْتَفِعَةً حَتَّى تَتَكَامَلَ وَحِينَئِذٍ يَنْتَشِرُ شُعَاعُهَا وَيَزِيدُ عَلَى مِقْدَارِ جُرْمِهَا وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي يُسْتَبَاحُ فِيهِ النَّافِلَةُ وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ «دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بَعْدَ الظُّهْرِ فَقَامَ يُصَلِّي الْعَصْرَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ذَكَّرْنَاهُ تَعْجِيلَ الصَّلَاةِ أَوْ ذَكَرَهَا فَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ أَوْ عَلَى قَرْنِ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا» ) . (ش) : قَوْلُهُ دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بَعْدَ الظُّهْرِ فَقَامَ يُصَلِّي الْعَصْرَ مُتَّصِلًا بِفَرَاغِهِ مِنْ الظُّهْرِ أَوْ بِقُرْبِ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَعَلَى ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ تَعْجِيلِ أَنَسٍ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ وَلَوْ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى مُقْتَضَاهُ لَمَا كَانَ فِيهِ إخْبَارٌ عَنْ تَعْجِيلِ أَنَسٍ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ لِأَنَّ مَا بَعْدَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظُ حَقِيقَةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْعَلَاءُ صَلَّى الظُّهْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا قَالَ الْعَلَاءُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ذَكَرْنَا تَعْجِيلَ الصَّلَاةِ يُرِيدُ أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا تَعْجِيلَ أَنَسٍ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ إذْ صَلَّاهَا قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ أَنْ صَلَّوْا هُمْ الظُّهْرَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ يُرِيدُ أَنَّ التَّعْجِيلَ هُوَ الْمَشْرُوعُ وَأَنَّ التَّأْخِيرَ مَمْنُوعٌ فَأَسْنَدَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْبَرَ أَنَّ التَّأْخِيرَ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ عِنْدَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ مِنْ أَفْعَالِ الْمُنَافِقِينَ فَقَدَّمَ التَّأْخِيرَ هَذَا تَعْجِيلًا وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ ذَمَّ التَّأْخِيرَ كُلَّهُ وَأَضَافَهُ إلَى وَقْتِ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ وَقَوْلُهُ يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ

стр. 363

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَتَحَرَّ أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا» ) ــ [المنتقى] أَنَّ تَأْخِيرَهُمْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَا شُغْلٍ وَأَنَّهُ لَوْ أَوْجَبَ تَأْخِيرَهُ نِسْيَانٌ أَوْ غَلَبَهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ الْمُنَافِقِينَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ حَتَّى إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ أَوْ عَلَى قَرْنِ الشَّيْطَانِ أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ يَكُونُ وَقْتَ مَنْعِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهَا بِمُقَارَنَةِ قَرْنِ الشَّيْطَانِ لَهَا وَقَوْلُهُ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا عَبَّرَ بِالنَّقْرِ إشَارَةً لِقِلَّةِ خُشُوعِهِ وَتَسَرُّعِهِ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ فَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ قَلِيلُ ذِكْرِ اللَّهِ فِيهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْخُشُوعَ بِالْقَلْبِ وَالذِّكْرِ بِاللِّسَانِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ ذِكْرَهُ بِالْقَلْبِ وَالْإِخْبَارَ عَنْ قِلَّةِ إقْبَالِهِ عَلَى صَلَاتِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَتَحَرَّ أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا» ) . (ش) : قَوْلُهُ لَا يَتَحَرَّ أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مَنْعٌ مِنْ تَحَرِّي ذَلِكَ وَقَصْدِهِ وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَنْعَ مِنْ النَّافِلَة فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ مِنْ تَأْخِيرِ الْفَرْضِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَعَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» ) . ش قَوْلُهُ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ لَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ صَلَاةَ الْعَصْرِ أَوْ بَعْدَ وَقْتِ الْعَصْرِ فَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِهِ وَقْتَ الْعَصْرِ فَإِنَّ هَذَا نَهْيٌ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ وَقْتِ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ لِأَنَّ مَا بَعْدَ انْقِضَاءِ وَقْتِ الْعَصْرِ إنْ كَانَ قَدْ صَلَّى الْعَصْرَ مُنِعَتْ النَّافِلَةُ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ لَزِمَهُ تَقْدِيمُ الْعَصْرِ لِفَوَاتِ وَقْتِهَا وَلَمْ يَجُزْ الِاشْتِغَالُ بِالنَّافِلَةِ عَنْهَا وَفِي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ أَنْ فَعَلَ صَلَاةَ الْعَصْرِ بِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ وَثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ وَقْتِهَا إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِالْحَدِيثَيْنِ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ ثَبَتَ النَّهْيُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِالْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ نَهْيٌ عَنْ الصَّلَاةِ لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى عُمُومِهِ لَمَنَعَ كُلَّ صَلَاةٍ غَيْرَ أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُ صَلَاةِ الْيَوْمِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا لِمَنْ فَاتَتْهُ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ» (مَسْأَلَةٌ) فَأَمَّا الْفَوَائِتُ فَقَالَ مَالِكٌ ﵀ أَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا صَلَاةُ الْجَنَائِزِ فَلَا يُمْنَعُ فِي وَقْتٍ مُخْتَارٍ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَا لِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ لَهُمَا إلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ أَوْ يُسْفِرَ الصُّبْحُ مُنِعَ مِنْهَا وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ يَجْرِي مَجْرَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَفِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُطْلِعُ قَرْنَاهُ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيَغْرُبَانِ مَعَ غُرُوبِهَا وَكَانَ يَضْرِبُ النَّاسَ عَلَى تِلْكَ الصَّلَاةِ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَضْرِبُ الْمُنْكَدِرَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ) (ش) : قَوْلُهُ يَضْرِبُ النَّاسُ عَلَى تِلْكَ الصَّلَاةِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ الَّتِي يُتَحَرَّى بِهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ

стр. 364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَغُرُوبُهَا وَلَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَةِ الْمُصَلِّي بِذَلِكَ أَوْ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ وَقْتَ الطُّلُوعِ وَوَقْتَ الْغُرُوبِ فَيَقُومُ عِنْدَهُ ذَلِكَ مَقَامَ التَّحَرِّي وَفِي حَدِيثِ السَّائِبِ أَنَّهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَضْرِبُ الْمُنْكَدِرَ عَلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَهَذَا مَنْ لَا يَتَحَرَّى غُرُوبَ الشَّمْسِ وَمَنْ لَا يُصَلِّي حِينَ الْغُرُوبِ وَضَرَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْمُنْكَدِرَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسُوغُ الِاجْتِهَادَ فِي مِثْلِ هَذَا لَمَّا صَحَّ عِنْدَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَنْعِهِ هَذَا إنْ كَانَ الْمُنْكَدِرُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 365

كِتَابُ الْجَنَائِزِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غُسِّلَ فِي قَمِيصٍ» ) . ــ [المنتقى] [كِتَابُ الْجَنَائِزِ] (ش) : قَوْلُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غُسِّلَ فِي قَمِيصٍ» ذَهَبَ مَالِكٌ إلَى ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ أَشْبَهَ مَا نُقِلَ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَمْ يُخَرِّجْ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْئًا، وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يُجَرَّدُ عَنْ قَمِيصِهِ لِلْغُسْلِ وَلَا يُغَسَّلُ عَلَى قَمِيصِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُجَرَّدُ الْمَيِّتُ وَيُغَسَّلُ عَلَى قَمِيصِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ عَوْرَةً مِنْ الْحَيِّ فَلَيْسَ بِعَوْرَةٍ مِنْ الْمَيِّتِ كَالْوَجْهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ جَسَدُ الْمَيِّتِ عَوْرَةً فَلَا مَعْنَى لِسَتْرِهِ بِالْقَمِيصِ؛ لِأَنَّ تَجْرِيدَهُ مِنْهُ أَمْكَنُ لِغُسْلِهِ وَأَبْلُغُ فِي تَنْقِيَتِهِ قَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ، وَإِذَا جُرِّدَ لِلْغُسْلِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا الْغَاسِلُ وَمَنْ يَلِيه. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا حَالَةٌ لَا يَجُوزُ لِلْحَيِّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ فِيهَا غَالِبًا إلَّا لِضَرُورَةٍ وَحُسْنُ الزِّيِّ فَلَا يُطَّلَعُ عَلَى الْمَيِّتِ مَا دَامَ عَلَيْهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ عَوْرَةَ الْمَيِّتِ كَمَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ وَقَدْ تَعَلَّقَ الْفُقَهَاءُ بِذَلِكَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ وَلَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ بَاقِيَةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلِذَلِكَ يُسْتَرُ بِالْكَفَنِ فَكَمَا لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَى عَوْرَتِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ فَكَذَلِكَ بَعْدَهُ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ بِمِئْزَرٍ وَيَجْعَلُ عَلَى صَدْرِهِ وَوَجْهِهِ

стр. 366

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ بْن سِيرِينَ «عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ فَقَالَ اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي قَالَتْ فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ فَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إيَّاهُ تَعْنِي بِحِقْوِهِ إزَارَهُ» ) . ــ [المنتقى] خِرْقَةً أُخْرَى وَظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُسْتَرُ مِنْهُ غَيْرَ عَوْرَتِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَيَجْعَلُ الْغَاسِلُ عَلَى يَدَيْهِ خِرْقَةً كَثِيفَةً مَطْوِيَّةً مِرَارًا يَتَنَاوَلُ بِهَا غَسْلَ عَوْرَةِ الْمَيِّتِ لِيَصِلَ إلَى غُسْلِهِ وَلَا يُبَاشِرُ عَوْرَتَهُ بِيَدِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا كَالنَّظَرِ إلَيْهَا فَإِنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إلَى مُبَاشَرَةِ ذَلِكَ بَاشَرَهَا بِيَدِهِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُ النَّظَرَ إلَى عَوْرَةِ الْحَيِّ لِلْمُدَاوَاةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهَذَا إذَا غَسَّلَ الرِّجَالُ الرَّجُلَ وَالنِّسَاءُ الْمَرْأَةَ، وَكَذَلِكَ إذَا غَسَّلَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ فَأَمَّا غَسْلُ ذَوِي الْمَحَارِمِ الْمَرْأَةَ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (فَصْلٌ) : وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غُسِّلَ فِي قَمِيصٍ» فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا لَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ لَمَّا أَرَادُوا غُسْلَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا، وَاَللَّهِ مَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَوْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلَّا وَذَقَنُهُ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ اغْسِلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ فَقَامُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَسَّلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يَصُبُّونَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيُدَلِّكُونَ دُونَ أَيْدِيهِمْ وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا غَسَّلَهُ إلَّا نِسَاؤُهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» يَقْتَضِي مُرَاعَاةَ الْوِتْرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَصْلُ ذَلِكَ بَابُ الطِّهَارَاتِ الْمَشْرُوعَةِ كَالْوُضُوءِ وَغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا غُسِّلَ الْمَيِّتُ ثَلَاثًا كَانَتْ وِتْرًا فَإِنْ زَادَ الْغَاسِلُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُرَاعِ الْوِتْرَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ قَوْلُهُ «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا» فَجَعَلَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالْخَمْسِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْأَرْبَعِ فَإِنْ قِيلَ فَفِي لَفْظِ الْحَدِيثِ مَا يُسَوِّي بَيْنَ مَا يُزَادُ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّمَا يَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي ذَلِكَ رَاجِعًا إلَى الْخَمْسَةِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى الْوِتْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَالْخَمْسَةِ وَيُحْمَلُ عَلَى الْوِتْرِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ «ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْوِتْرُ. وَالثَّانِي: الْإِجْمَاعُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ وَالسِّتَّةِ فَإِذَا حُمِلَ قَوْلُهُ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْأَرْبَعِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ السِّتَّةُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا. وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ «اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا» وَهَذَا يُبَيِّنُ جَمِيعَ مَا قُلْنَاهُ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ مِنْ حَدَثٍ فَكَانَ الْوِتْرُ مَشْرُوعًا فِيهَا كَالْوُضُوءِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» عَلَى مَعْنَى تَفْوِيضِ هَذَا الْأَمْرِ إلَى اجْتِهَادِ الْغَاسِلِ وَقَدْ رَوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْغُسْلِ ثَلَاثًا فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَخَمْسًا فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَسَبْعًا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «بِمَاءٍ» الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ الْمَاءُ الطَّاهِرُ الْمُطَهِّرُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ

стр. 367

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حِينَ تُوُفِّيَ، ثُمَّ خَرَجَتْ فَسَأَلَتْ مَنْ حَضَرَهَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَتْ إنِّي صَائِمَةٌ، وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ شَدِيدُ الْبَرْدِ فَهَلْ عَلِيَّ مِنْ غُسْلٍ فَقَالُوا لَا) . ــ [المنتقى] إنَّمَا يُكْرَهُ غُسْلُ الْمَيِّتِ بِمَاءِ الْوَرْدِ وَمَاءِ الْقُرُنْفُلِ لِلسَّرَفِ وَإِلَّا فَهُوَ جَائِزٌ إذْ لَا يُغَسَّلُ لِيَطْهُرَ، وَإِنَّمَا هُوَ إكْرَامٌ لَهُ لِلِقَاءِ الْمَلَكَيْنِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمَاءِ الْقَرَاحِ فَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ لَا يُغَسَّلُ بِمَاءِ زَمْزَمَ مَيِّتٌ وَلَا نَجَاسَةٌ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ لَا وَجْهَ لِهَذَا الْقَوْلِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» عَلَى مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْغُسْلِ وَالتَّنْظِيفِ؛ لِأَنَّ السِّدْرَ غَاسُولٌ وَهَذَا إذَا وُجِدَ فَإِنْ عُدِمَ فَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِمَّا يُعِينُ عَلَى التَّنْظِيفِ وَالْغُسْلِ كَالْأُشْنَانِ وَالنَّطْرُونِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِالْمَاءِ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا. فَأَمَّا الْأُولَى فَإِنَّمَا تَكُونُ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ فَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ يُغَسَّلُ أَوَّلًا بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ، ثُمَّ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ وَيُحْتَسَبُ بِذَلِكَ غَسْلَةً وَاحِدَةً وَقَوْلُ مَالِكٍ إنَّ الْغُسْلَ أَوَّلًا هُوَ الْفَرْضُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّنْظِيفِ وَالتَّطْيِيبِ فَلَا يَضُرُّهُ مَا خَالَطَهُ مِمَّا يَزِيدُ فِي تَنْظِيفِهِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ فَرْضَ الْغُسْلِ إنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ فِي تَنْظِيفِهِ مِنْ الْأَقْذَارِ وَغَيْرِهَا كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا» يُرِيدُ بِذَلِكَ تَطْيِيبَ الرَّائِحَةِ وَبَقَاءَ الطِّيبِ فِي أَنْ يُجْعَلَ فِي آخَرِ غَسْلَةٍ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْكَافُورَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى الْأَرَائِحِ الطَّيِّبَةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ التَّجْمِيرِ وَمَنْعِ مَا فِي الْمَيِّتِ مِنْ النَّتْنِ. وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ إنْ عُدِمَ أَوْ عَظُمَتْ مُؤْنَتُهُ طُيِّبَ الْمَيِّتُ بِغَيْرِهِ أَوْ تُرِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي» يُرِيدُ إذَا فَرَغْنَ مِنْ غُسْلِهَا أَنْ يُعْلِمْنَهُ وَيُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ لِقُرْبِ عَهْدِ الْحِقْوِ بِجِسْمِهِ وَيَكُونُ نَقْلُهُ مِنْهُ إلَى الْمَغْسُولَةِ رَجَاءَ الْخَيْرِ لَهَا فِي ذَلِكَ وَالْبَرَكَةَ بِإِشْعَارِهَا بِثَوْبٍ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِجِسْمِهِ ﷺ . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا «فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ» وَأَرَادَتْ بِحِقْوِهِ الْإِزَارَ، وَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إيَّاهُ يُرِيدُ ﷺ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي جَسَدَهَا مِنْ الثِّيَابِ وَهُوَ الشِّعَارُ، وَاَلَّذِي فَوْقَهُ الدِّثَارُ. (ش) : قَوْلُهُ إنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ امْرَأَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ غَسَّلَتْهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ غَسْلِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ وَمَوْضِعٌ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ فِي الْأَغْلَبِ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَمِثْلُ هَذَا مِمَّا يُجْزِي فِيهِ أَنْ يُتَحَدَّثَ بِهِ وَيَنْتَشِرَ وَلَا سِيَّمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَوْصَى بِذَلِكَ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخَالِفٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ قَالَ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ هُوَ أُخْتَهَا غَسَّلَهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيُغَسِّلُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ وَالْمَيِّتُ مِنْهُمَا عُرْيَانٌ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَلَا يَطَّلِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى عَوْرَةِ الْآخَرَ بَلْ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ انْقَضَتْ عِدَّةُ الزَّوْجَةِ بِالْوَضْعِ قَبْلَ غُسْلِ زَوْجِهَا لَجَازَ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ كَالْمَوَارِيثِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا غُسْلُ الزَّوْجِ زَوْجَهُ فَقَالَ مَالِكٌ يَجُوزُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ زَوْجِيَّةٌ كَمَّلَتْ الْمَوْتَ فَلَمْ تَمْنَعْ الْغُسْلَ كَمَا لَوْ مَاتَ الزَّوْجُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ رَجْعِيَّةً أَوْ بَائِنًا فَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ لَهُ غُسْلُهَا. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ لَهُ غُسْلُهَا وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحَاوِي وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ هَذِهِ مُطَلَّقَةٌ فَلَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ غُسْلُهَا كَالْبَائِنِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا امْرَأَةٌ يَرِثُهَا الزَّوْجُ فَكَانَ لَهُ غُسْلُهَا كَاَلَّتِي لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنْ كَانَتْ مَبْتُوتَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ غُسْلُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ

стр. 368

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ وَلَيْسَ مَعَهَا نِسَاءٌ يُغَسِّلْنَهَا وَلَا مِنْ ذَوِي الْمَحْرَمِ أَحَدٌ يَلِي ذَلِكَ مِنْهَا وَلَا زَوْجٌ يَلِي ذَلِكَ مِنْهَا يُمِّمَتْ فَمُسِحَ بِوَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا مِنْ الصَّعِيدِ) . (ص) : (مَالِكٌ، وَإِذَا هَلَكَ الرَّجُلُ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ إلَّا نِسَاءٌ يَمَّمْنَهُ ــ [المنتقى] قِيَاسُ هَذَا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْحَيِّ لَا يَرَاهَا حَتَّى يَرْتَجِعَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَسَأَلَتْ مَنْ حَضَرَهَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَتْ إنِّي صَائِمَةٌ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِخْبَارِ بِأَفْعَالِ النَّفْلِ إنْ كَانَ نَفْلًا أَوْ الْإِخْبَارُ عَنْ قَضَاءِ الْوَاجِبِ إنْ كَانَ وَاجِبًا إذَا تَعَلَّقَ بِذَلِكَ حُكْمٌ يَحْتَاجُ إلَى السُّؤَالِ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَسْمَاءُ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ فَحُكْمُهَا التَّقْلِيدُ لِلصَّحَابَةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَسْأَلَ عَنْهُ لِخَوْفِ فَوَاتِ الْحَادِثَةِ إذَا لَمْ يُبَيَّنْ لَهَا الْحُكْمُ أَوْ لِيَقْوَى فِي نَفْسِهَا مَا ظَهَرَ إلَيْهَا مِنْهُ إنْ كَانَتْ عَلِمَتْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا إنَّ هَذَا يَوْمٌ شَدِيدُ الْبَرْدِ فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ غُسْلٍ أَخْبَرَتْ بِالْعِلَّةِ الْمَانِعَةِ لَهَا مِنْ الْغُسْلِ أَوْ السَّبَبِ الَّذِي تَخَافُ الضَّرَرَ بِهِ وَقَوْلُهُمْ لَهَا لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لَهَا مِنْ أَنَّ الْغُسْلَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ وُجُوبَهُ أَسْقَطَتْهُ عَنْهَا شِدَّةُ الْبَرْدِ إلَّا أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» لَيْسَ بِثَابِتٍ. وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَوْ ثَبَتَ لَحُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِيَكُونَ الْعَازِمُ عَلَى الِاغْتِسَالِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ يُبَالِغُ فِي غُسْلِهِ وَيَنْبَسِطُ وَلَا يَتَحَفَّظُ وَلَا يَتَقَبَّضُ إذَا لَمْ يَبْنِ عَلَى الِاغْتِسَالِ وَأَمْرُ الْحَامِلِ لِلْمَيِّتِ أَنْ يَتَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَحْمِلَهُ لِيَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ إذَا صَلَّى عَلَيْهِ فَيُصَلِّي مَعَ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يَنْجَسُ الْمَاءُ الَّذِي يُغَسَّلُ بِهِ الْمَيِّتُ وَالثَّوْبُ الَّذِي يُجَفَّفُ بِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُرْوَى أَنَّهُ يَنْجَسُ ذَلِكَ الثَّوْبُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ لَا يُرَى أَنْ يُصَلَّى بِهِ حَتَّى يُغْسَلَ وَلَا بِاَلَّذِي يُصِيبُهُ مِنْ مَائِهِ شَيْءٌ، وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَنْجَسُ الثَّوْبُ وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى نَجَاسَةِ الْإِنْسَانِ بِالْمَوْتِ فَمَنْ قَالَ أَنَّهُ يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ قَالَ بِنَجَاسَةِ ذَلِكَ وَمَنْ قَالَ لَا يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ حَكَمَ بِطَهَارَتِهِمَا وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا تُوُفِّيَتْ وَكَانَ مَعَهَا نِسَاءٌ يَلِينَ ذَلِكَ مِنْهَا غَسَّلْنَهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نِسَاءٌ وَكَانَ مَعَهَا رِجَالٌ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهَا فَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَلَا مِنْ ذَوِي الْمَحْرَمِ أَحَدٌ يَقْتَضِي أَنَّ ذَا الْمَحْرَمِ يُغَسِّلُهَا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُغَسِّلُهَا فِي قَمِيصِهَا، وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ يُيَمِّمُهَا، وَإِذَا غَسَّلَتْ ذَاتُ الْمَحْرَمِ الرَّجُلَ غَطَّتْ عَوْرَتَهُ؛ لِأَنَّ جَسَدَهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يُغَسِّلُهَا ذُو الْمَحْرَمِ فَصِفَةُ غُسْلِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنْ تُغَسَّلَ فِي قَمِيصِهَا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ تُغَسَّلُ وَعَلَيْهَا ثَوْبٌ يُجَافِيه عَنْهَا وَيَصُبُّ الْمَاءَ مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ لِئَلَّا يَلْصَقَ الثَّوْبُ بِجَسَدِهَا فَيَصِفَهَا وَقَوْلُ مَالِكٍ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ رَاعَى لَمْسَ جَسَدِهَا بِيَدِهِ وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى مُرَاعَاةِ بَصَرِهِ وَمَنْعِهِ مِنْ أَنْ يُدْرِكَ شَيْئًا مِنْ حَجْمِ جَسَدِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْأَفْضَلُ عِنْدِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فَيُلْقِيَ الْمَاءَ مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَيُجَافِي الثَّوْبَ عَنْ جَسَدِهَا وَيَكُونُ عَلَى يَدَيْهِ خِرْقَةٌ يَغْسِلُ بِهَا جَسَدَهَا تَمْنَعُ يَدَهُ مِنْ مُبَاشَرَةِ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهَا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يُمِّمَتْ فَمُسِحَ بِوَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا مِنْ الصَّعِيدِ عَلَى مَا قَالَهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَنْ يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهَا فَبَاشَرَ غُسْلَهَا مِنْ النِّسَاءِ أَوْ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهَا يُمِّمَتْ بِالصَّعِيدِ؛ لِأَنَّ هَذَا الطَّهُورَ عَلَى مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي جَسَدِ الْإِنْسَانِ فَكَانَ بَدَلُهُ التَّيَمُّمَ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ وَيَخْتَصُّ التَّيَمُّمُ بِوَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ مِمَّا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ وَلَيْسَ بِعَوْرَةٍ مِنْ الْمَرْأَةِ وَأَمَّا الذِّرَاعُ فَعَوْرَةٌ وَفَرْضُ التَّيَمُّمِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّرَاعِ فَقَصَرَ عَلَى الْفَرْضِ الَّذِي لَيْسَ بِعَوْرَةٍ.

стр. 369

أَيْضًا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ لِغُسْلِ الْمَيِّتِ عِنْدَنَا شَيْءٌ مَوْصُوفٌ وَلَا لِذَلِكَ صِفَةٌ مَعْلُومَةٌ وَلَكِنْ يُغَسَّلُ فَيَطْهُرُ) . ــ [المنتقى] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْمَرْأَةَ لَمَّا مُنِعَ الرِّجَالُ مِنْ النَّظَرِ إلَى جَسَدِهَا وَمُبَاشَرَتِهِ بِأَيْدِيهِمْ فَكَذَلِكَ يُمْنَعُ النِّسَاءُ مِنْ النَّظَرِ إلَى جَسَدِ الرَّجُلِ وَمُبَاشَرَتِهِ بِأَيْدِيهِنَّ إلَّا أَنْ يَكُنَّ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهِ فَيُغَسِّلْنَهُ عُرْيَانَ وَيَسْتُرْنَ عَوْرَتَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ حَبِيبٍ. وَقَالَ سَحْنُونٌ يُغَسِّلْنَهُ فِي قَمِيصِهِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ فَتُفْلِيهِ وَتُطْعِمُهُ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ جَسَدَ الرَّجُلِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَلِذَلِكَ أُبِيحَ لَهُ كَشْفُ جَسَدِهِ بِحَضْرَةِ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ مِنْ النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِسِتْرِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ جَسَدَهَا عَوْرَةٌ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ لَمْسَ الْمَرْأَةِ الرَّجُلَ مَمْنُوعٌ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كُنَّ أَجْنَبِيَّاتٍ يَمَّمْنَهُ عَلَى مَا ذَكَرَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَمَّمْنَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ؛ لِأَنَّ ذِرَاعَيْ الرَّجُلِ لَيْسَتَا بِعَوْرَةٍ فَتُوَصَّلُ إلَيْهِمَا الطَّهَارَةُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَيْسَ لِغُسْلِ الْمَيِّتِ صِفَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ تُتَعَدَّى فَتَكُونَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ غُسْلِهِ وَلَكِنَّ الْغَرَضَ مِنْ ذَلِكَ تَطْهِيرُهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى مِنْ غُسْلِهِ فَيَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَيَبْدَأَ بِغَسْلِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، ثُمَّ بِجَسَدِهِ يَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ بِالْأَيْسَرِ لِمَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» . ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَضِّئَهُ الْغَاسِلُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَبْدَأْنَ بِمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا عِنْدَ الْغُسْلِ الَّذِي هُوَ مَحْضُ الْعِبَادَةِ لَا فِي غَسْلِ الْجَسَدِ مِمَّا بِهِ أَذًى أَوْ غَيْرُهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ تُوَضَّأُ فِي الْغَسْلَةِ الْأُولَى، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الثَّانِيَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْغَسْلَةُ الْأُولَى لِإِزَالَةِ مَا بِهِ مِنْ أَذًى أَوْ غَيْرِهِ أَنْ تُوَضَّأَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا وَهُوَ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الثَّانِيَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا غُسْلُ الْجَسَدِ لِغَيْرِ نَجَاسَةٍ فَشُرِعَ فِيهِ الْوُضُوءُ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَالَ أَشْهَبُ يُعَادُ وُضُوءُهُ فِي الثَّانِيَةِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ وَيَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ أَنْ لَا يُكَرِّرَ وُضُوءَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ ثَلَاثًا فَيُعَادُ الْوُضُوءُ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَكْرَارَهُ وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يُعَادُ وُضُوءُهُ اقْتَضَى أَنْ يُوَضَّأَ ثَلَاثًا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَيُمَضْمَضُ الْمَيِّتُ وَيُدْخَلُ الْمَاءُ فِي فِيهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ وَيَأْخُذُ عَلَى أُصْبُعِهِ خِرْقَةً وَيُدْخِلُهَا فِي فَمِهِ لِتُنَظَّفَ أَسْنَانُهُ وَيُنَقَّى أَنْفُهُ. وَوَجْهُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ طَهَارَةِ الْحَيِّ فَجَازَ أَنْ يُفْعَلَ بِالْمَيِّتِ كَسَائِرِ الْوُضُوءِ. (فَصْلٌ) : وَإِنْ كَانَ الْمَغْسُولُ امْرَأَةً فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُضَفَّرَ شَعْرُهَا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُعْمَلُ فِي شَعْرِ الْمَرْأَةِ بِمَا شَاءُوا مِنْ لَفِّهِ وَأَمَّا الضَّفْرُ فَمَا أَعْرِفُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ لَا أَعْرِفُهُ مِنْ أَحْكَامِ الْغُسْلِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي غُسْلِ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَ قُرُونٍ فَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا وَلَعَلَّ ابْنَ الْقَاسِمِ تَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ يُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يُقَلَّمُ لِلْمَيِّتِ ظُفُرٌ وَلَا يُحْلَقُ لَهُ شَعْرٌ وَلَا يُنْتَفُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَبِقَوْلِنَا قَالَ الْمُزَنِيّ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا قَطْعُ جُزْءٍ مُتَّصِلٍ بِالْمَيِّتِ فَلَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا أَصْلُ ذَلِكَ الْخِتَانُ وَيُزَالُ الْوَسَخُ مِنْ أَظْفَارِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ ظَاهِرِ جَسَدِهِ؛ لِأَنَّهَا نَظَافَةٌ لَهُ دُونَ قَطْعِ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَمَا سَقَطَ مِنْ جَسَدِهِ مِنْ شَعْرٍ أَوْ غَيْرِهِ جُعِلَ فِي أَكْفَانِهِ.

стр. 370

مَا جَاءَ فِي كَفَنِ الْمَيِّتِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ) . ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي كَفَنِ الْمَيِّتِ] (ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ الْمُسْتَحَبُّ مِنْ الْكَفَنِ الْوِتْرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ فَكُرِهَ أَنْ يُقَصَّرَ عَنْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا أَوْ يُزَادَ عَلَيْهَا إلَّا إلَى وِتْرٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَثَوْبَانِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ ثَوْبٍ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الثَّلَاثَةِ إنَّمَا هُوَ لِلِاحْتِيَاطِ وَالْمُبَالَغَةِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا مَعَ الْوِتْرِ الَّذِي هُوَ فَضْلٌ وَالنُّقْصَانُ مِنْ الثَّلَاثَةِ إنَّمَا يَكُونُ لِلضَّرُورَةِ وَالتَّقْصِيرِ عَنْ الْكِفَايَةِ فَلَا يُقَصِّرُ عَمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْهُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ " بِيضٍ " الْبَيَاضُ أَفْضَلُ أَلْوَانِ الْكَفَنِ اسْتِنَانًا بِكَفَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ أَشْهَبُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا أَطْهُرُ وَأَطْيَبُ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُكَفَّنَ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ فِي مُعَصْفَرٍ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ غَيْرُهُ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ زِيَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَبِالْمُزَعْفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَجْهُ الْكَرَاهِيَةِ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْوَانَ إنَّمَا هِيَ لِلْجَمَالِ وَلَيْسَ الْكَفَنُ بِمَوْضِعِ تَجَمُّلٍ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي زِيَادٍ أَنَّ مَا جَازَ مِنْ اللِّبَاسِ حَالَ الْحَيَاةِ فَإِنَّهُ يُكَفَّنُ فِيهِ بَعْدَ الْمَمَاتِ كَالْأَبْيَضِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ سُحُولِيَّةٍ ابْنُ بِكِيرٍ هِيَ مَنْسُوبَةٌ إلَى سُحُولٍ بَلَدٍ بِالْيَمَنِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إلَى الْقُطْنِ؛ لِأَنَّ السُّحُولَ ثِيَابُ الْقُطْنِ وَالْأَمْرَانِ رَاجِعَانِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ ثِيَابَ الْيَمَنِ إنَّمَا هِيَ مِنْ الْقُطْنِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ السُّحُولُ قُطْنٌ لَيْسَ بِالْجَيِّدِ وَأَفْضَلُ الْكَفَنِ الْقُطْنُ وَالْكَتَّانُ اسْتِنَانًا فِي الْقُطْنِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالْكَتَّانُ يَجْرِي مَجْرَاهُ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ وَمِمَّا يُلْبَسُ غَالِبًا لِغَيْرِ مَعْنَى الْمُبَاهَاةِ، وَأَمَّا الْحَرِيرُ فَإِنَّ مَالِكًا كَرِهَهُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ بِهِ لِلنِّسَاءِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَرِيرَ إنَّمَا هُوَ لِلْمُبَاهَاةِ وَالْجَمَالِ وَلَيْسَ الْكَفَنُ بِمَوْضِعِ مُبَاهَاةٍ وَلَا تَجَمُّلٍ. وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ هَذَا مِنْ لِبَاسِهَا الْمُبَاحِ لَهَا كَالْقُطْنِ وَكُرِهَتْ الْمُغَالَاةُ فِي الْكَفَنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُبَاهَاةِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الْكَفَنِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي كَفَنِهِ جُمْلَةُ قَمِيصٍ وَلَا عِمَامَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ جَمِيعُ مَا كُفِّنَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَثْوَابٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ لَمْ يَعْتَدَّ فِيهَا بِقَمِيصِ وَلَا عِمَامَةٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا كُفِّنَ بِهِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمَيِّتَ يُقَمَّصُ وَيُعَمَّمُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ لَا يُقَمَّصَ وَلَا يُعَمَّمَ وَنَحَا بِهِ نَحْوَ الْمَنْعِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي جَوَازُهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا» . (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُسْتَحَبَّ عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ الْكَفَنِ خَمْسَةُ أَثْوَابٍ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ وَمِئْزَرٌ وَثَوْبَانِ يُدْرَجُ فِيهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ أَنْ يُضَافَ الْمِئْزَرُ إلَى الثَّوْبَيْنِ فِي الْعَدَدِ؛ لِأَنَّهُ

стр. 371

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِعَائِشَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ فِي كَمْ كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ خُذُوا هَذَا الثَّوْبَ لِثَوْبٍ عَلَيْهِ قَدْ أَصَابَهُ مُشْتَقٌّ أَوْ زَعْفَرَانٌ فَاغْسِلُوهُ، ثُمَّ كَفِّنُونِي فِيهِ مَعَ ثَوْبَيْنِ آخَرَيْنِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَمَا هَذَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْحَيُّ أَحْوَجُ إلَى الْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ، وَإِنَّمَا هَذَا لِلْمُهْلَةِ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ الْمَيِّتُ يُقَمَّصُ وَيُؤَزَّرُ وَيُلَفُّ بِالثَّوْبِ الثَّالِثِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ كُفِّنَ فِيهِ) . ــ [المنتقى] مِنْ جِنْسِهِمَا وَالْمَرْأَةُ مِثْلُ ذَلِكَ مِئْزَرٌ وَثَوْبَانِ وَدِرْعٌ وَخِمَارٌ وَالزِّيَادَةُ فِي كَفَنِ الْمَيِّتِ عَلَى الْخَمْسَةِ إلَى السَّبْعَةِ لَا بَأْسَ بِهِ لِحَاجَةٍ مَا إلَى السَّتْرِ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فَأَمَّا عَلَى رَأْيِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّ الرَّجُلَ يُدْرَجُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَثْوَابِ إدْرَاجًا وَتُزَادُ الْمَرْأَةُ عَلَى ذَلِكَ مِئْزَرًا وَخِمَارًا لِحَاجَةٍ مَا إلَى السَّتْرِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَعِمَامَةُ الْمَيِّتِ عَلَى حَسَبِ عِمَامَةِ الْحَيِّ رَوَاهُ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ يُجْعَلُ مِنْهَا تَحْتَ لِحْيَتِهِ وَيُتْرَكُ مِنْهَا قَدْرَ الذِّرَاعِ ذُؤَابَةٌ تُطْرَحُ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ مِنْ خِمَارِ الْمَيِّتَةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعِمَامَةِ لِلرِّجَالِ. (ش) : سُؤَالُهُ ﵁ عَائِشَةَ لَمَّا كَانَتْ أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَمْرِهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ فِي يَوْمِهَا وَفِي بَيْتِهَا وَوَلِيَتْ أَمْرَهُ وَاهْتَبَلَتْ بِهِ فَكَانَ يَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَيْهَا وَسَأَلَهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي مَرَضِهِ اسْتِعْدَادًا لِلْمَوْتِ وَلْتَنْظُرْ فِي كَفَنِهِ وَأَمْرِهِ وَيَجْرِي ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى اخْتِيَارِهِ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلُهُ خُذُوا هَذَا الثَّوْبَ لِثَوْبٍ عَلَيْهِ وَصِيَّةٌ مِنْهُ بِأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبٍ لَبِيسٍ وَهُوَ جَائِزٌ فِي الْكَفَنِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّكْفِينِ فِي خَلَقَ الثِّيَابِ إذَا كَانَتْ لَهَا لَمَّةٌ مِنْ الْقَطْعِ وَسَاتِرَةً لَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَوْصَى أَنْ يُكَفَّنَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَبِسَهُ فِي مَوَاطِنِ الْحُرُوبِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ أَحْرَمَ فِيهِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّ مِثْلَ هَذَا مُسْتَحَبٌّ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى حِقْوَهُ أُمَّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةَ وَأَمَرَهَا أَنْ تُشْعِرَهُ ابْنَتَهُ» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ وَصِيَّةَ الْمَيِّتِ مُعْتَبَرَةٌ فِي كَفَنِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ إذَا وَافَقَ سُنَّةً وَصَوَابًا فَإِنْ أَوْصَى بِسَرَفٍ فَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ يُكَفَّنُ مِنْهُ بِالْقَصْدِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ إذَا تَعَدَّتْ إلَى مَا نُهِيَ اُقْتُصِرَ مِنْهَا عَلَى الْمُبَاحِ الْجَائِزِ كَالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ لَمْ يُوصِ الْمَيِّتُ بِشَيْءٍ وَتَشَاحَّ الْوَرَثَةُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ مِنْ جِنْسِ مَا كَانَ يَلْبَسُ فِي حَيَاتِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا وَالنَّقْصَ مِنْهَا خُرُوجٌ بِهِ عَنْ عَادَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَاغْسِلُوهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِشَيْءٍ عَلِمَهُ فِيهِ وَإِلَّا فَإِنَّ الثَّوْبَ اللَّبِيسَ لَا يَقْتَضِي لُبْسُهُ وُجُوبَ غَسْلِهِ قَالَهُ سَحْنُونٌ وَرُبَّمَا كَانَ الْجَدِيدُ أَحَقَّ بِالْغَسْلِ مِنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِالْغَسْلِ لِلْحُمْرَةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ لَمَّا أُخْبِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ وَقَوْلُ عَائِشَةَ وَمَا هَذَا تُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ الثَّوْبَ لَمْ يَصْلُحْ عِنْدَهَا لِكَفَنِهِ وَأَرَادَتْ أَنْ يُكَفَّنَ فِي جَدِيدٍ أَوْ فِي غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ أَفْضَلُ، فَقَالَ ﵁ إنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ لِمَا يَلْزَمُهُ فِي طُولِ عُمْرِهِ مِنْ اللِّبَاسِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَأَمَّا الْمَيِّتُ فَإِنَّ تَغَيُّرَهُ سَرِيعٌ وَلِذَلِكَ قَالَ إنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ يُرِيدُ الصَّدِيدَ وَالْقَيْحَ يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ لِتَجَمُّلٍ وَلَا لِاسْتِدَامَةٍ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ عَنْ قَرِيبٍ إلَى التَّغَيُّرِ بِالصَّدِيدِ فَلَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ جَدِيدًا هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى لِلْمُهْلَةِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَيُرْوَى لِلْمُهْلِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ لَا يُقَالُ الْمِهْلَةُ بِالْكَسْرِ وَرَوَاهُ ابْنُ عُبَيْدٍ، وَإِنَّمَا هُمَا لِلْمُهْلِ وَالتُّرَابِ وَالْمَهْلُ الصَّدِيدُ. (ش) : قَوْلُهُ يُقَمَّصُ يُرِيدُ يُلْبَسُ الْقَمِيصَ وَيُشَدُّ عَلَيْهِ الْمِئْزَرُ وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْقَمِيصِ وَالْمِئْزَرِ، وَقَوْلُهُ وَيُلَفُّ فِي الثَّوْبِ الثَّالِثِ يَقْتَضِي أَنَّ كَفَنَهُ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ وَأَنَّ الثَّالِثَ مِنْهَا يُلَفُّ بِهِ.

стр. 372

الْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ وَالْخُلَفَاءُ هَلُمَّ جَرًّا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَدِيرِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقْدُمُ النَّاسَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ فِي جِنَازَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) ــ [المنتقى] فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ كُفِّنَ فِيهِ يُرِيدُ أَنَّ مَا ذُكِرَ أَوَّلًا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ عِنْدَهُ لِمَنْ وَجَدَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا اجْتَزَأَ بِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ قَالَ قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إلَّا بُرْدَةٌ وَخَلَقُ نَمِرَةٍ وَرَجُلٌ آخَرُ خَيْرٌ مِنِّي فَلَمْ يُوجَدْ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إلَّا بُرْدَةٌ. [الْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ] (ش) : قَوْلُهُ «كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ الْمَشْيُ مَعَهَا؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا يَتَكَرَّرُ وَيُسْتَدَامُ وَيُوَاظَبُ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ بَعْدِهِ ثَبَتَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِقَوْلٍ لَأَحَدٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ بَيْنَ قَائِلَيْنِ: قَائِلٌ يَقُولُ إنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مَشْرُوعَةٌ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَقَائِلٌ يَقُولُ إنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ، وَإِنَّ السُّنَّةَ الْمَشْيُ خَلْفَهَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ. وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ مَعَانِيَ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ مِنْهَا أَنَّ النَّاسَ شُفَعَاءُ لَهُ وَالشَّفِيعُ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْ الْمَشْفُوعِ وَهَذَا حُكْمُ الرِّجَالِ فَأَمَّا النِّسَاءُ فَيَمْشِينَ مِنْ وَرَاءِ الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهُنَّ قَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَيُكْرَهُ الرُّكُوبُ فِي الْمَشْيِ مَعَ الْجِنَازَةِ قَالَهُ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الِانْصِرَافِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْه ذَلِكَ أَنَّ الْمَشْيَ مَعَ الْجِنَازَةِ فِعْلُ بِرٍّ وَمَوْضِعُ تَوَاضُعٍ، وَمَشْيٌ إلَى صَلَاةٍ كَالْمَشْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَالرُّجُوعِ فَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ فِي نَفْسِهِ وَالرُّكُوبُ فِيهِ مُطْلَقٌ كَالرُّكُوبِ لِلْمُنْصَرِفِ مِنْ الْجُمُعَةِ (فَرْعٌ) فَإِنْ رَكِبَ إلَى الْجِنَازَةِ فَحُكْمُهُ أَنْ يَمْشِيَ خَلْفَ الْجِنَازَةِ وَالنِّسَاءُ خَلْفَهُ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ فِي مَسِيرِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُمَاشِيَ مَنْ عَلَى السُّنَّةِ فَيُظْهِرَ مُخَالَفَتَهُ وَأَذِيَّتَهُ بِدَابَّتِهِ فَكَانَ مَوْضِعُ سَيْرِهِ خَلْفَ الْجِنَازَةِ وَأَمَامَ النِّسَاءِ لِيَسْتَتِرْنَ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ إنَّهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقْدُمُ النَّاسَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ وَزَادَ فِي هَذَا أَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّهُ مِمَّا كَانَ يَأْمُرُ بِهِ وَيَأْخُذُ النَّاسَ بِالْتِزَامِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ جِنَازَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا أَحَدٌ إلَّا لِعُذْرٍ، ثُمَّ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ إنْكَارٌ مِنْ أَحَدٍ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ مَا رَأَيْتُ أَبِي قَطُّ فِي جِنَازَةٍ إلَّا أَمَامَهَا قَالَ ثُمَّ يَأْتِي الْبَقِيعَ فَيَجْلِسُ حَتَّى يَمُرُّوا عَلَيْهِ) . (ش) : قَوْلُهُ مَا رَأَيْت أَبِي قَطُّ فِي جِنَازَةٍ إلَّا أَمَامَهَا يَقْتَضِي مُدَاوَمَةَ عُرْوَةَ عَلَى ذَلِكَ اقْتِدَاءً بِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَأَخْبَرَ هِشَامٌ أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَبَاهُ قَطُّ فِي جِنَازَةٍ إلَّا أَمَامَهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِمَادِهِ ذَلِكَ وَقَصْدِهِ إلَيْهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي الْبَقِيعَ يُرِيدُ مَقْبَرَةَ الْمَدِينَةِ فَيَجْلِسُ حَتَّى يَمُرُّوا عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّ جُلُوسَهُ كَانَ عَلَى طَرِيقِهِمْ إلَى الْقَبْرِ إذْ كَانَ يَتَقَدَّمُهُمْ لِسُرْعَةِ سَيْرِهِ وَإِبْطَائِهِمْ وَسُرْعَةُ السَّيْرِ بِالْجِنَازَةِ مُسْتَحَبٌّ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أَسْرِعُوا بِجَنَائِزِكُمْ فَإِنَّمَا هُوَ خَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ أَوْ شَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَيَجْلِسُ حَتَّى يَمُرُّوا عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَجْلِسُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَلَوْ كَانَ يَجْلِسُ

стр. 373

(ص) :. (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ الْمَشْيُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ مِنْ خَطَأِ السُّنَّةِ) . . النَّهْيُ عَنْ تَتَبُّعِ الْجِنَازَةِ بِنَارٍ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ لِأَهْلِهَا أَجْمِرُوا ثِيَابِي إذَا مِتَّ، ثُمَّ حَنِّطُونِي وَلَا تَذُرُّوا عَلَى كَفَنِي حِنَاطًا وَلَا تَتْبَعُونِي بِنَارٍ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ ــ [المنتقى] بِمَوْضِعِ الْقَبْرِ لَقَالَ فَيَجْلِسُ حَتَّى يَلْحَقُوا بِهِ. وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْمَنْعُ مِنْ الْجُلُوسِ حَتَّى تُوضَعَ الْجِنَازَةُ» ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَعَدَ» (ص) :. (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ الْمَشْيُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ مِنْ خَطَأِ السُّنَّةِ) . ش قَوْلُهُ مِنْ خَطَإِ السُّنَّةِ السُّنَّةُ مَا رُسِمَ لِيُجْرَى عَلَيْهِ وَلَا يُطْلَقُ فِي الشَّرْعِ إلَّا عَلَى جَوَابِ الْفِعْلِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مِنْ مُخَالِفَةِ السُّنَّةِ وَأَنَّ الْفَاعِلَ لِذَلِكَ قَدْ أَخْطَأَ السُّنَّةَ وَخَالَفَهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ مِنْ خَطَأِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَنَّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مَنْ قَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ. [النَّهْيُ عَنْ تَتَبُّعِ الْجِنَازَةِ بِنَارٍ] (ش) : قَوْلُهَا أَجْمِرُوا ثِيَابِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيمِ بِالسُّنَّةِ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ بِبُلُوغِهَا وَالتَّحْذِيرِ مِنْ التَّقْصِيرِ عَنْهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ قَدْ عَلِمَ جَوَازَ ذَلِكَ وَجَوَازَ غَيْرِهِ وَتُرِيدُ بِقَوْلِهَا أَجْمِرُوا ثِيَابِي تَجْمِيرَهَا بِالْعُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَبَخَّرُ بِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَيِّتَ يَحْتَاجُ إلَى تَطْيِيبِ رِيحِهِ وَرِيحِ كَفَنِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ إكْرَامِهِ وَصِيَانَتِهِ لِئَلَّا تَظْهَرَ مِنْهُ رِيحٌ مَكْرُوهَةٌ وَلِذَلِكَ شُرِعَ فِي غُسْلِهِ الْكَافُورُ لِيُطَيِّبَ رِيحَهُ وَلِتَخْفَى رِيحٌ كَرِيهَةٌ إنْ كَانَتْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا، ثُمَّ حَنِّطُونِي الْحَنُوطُ مَا يُجْعَلُ فِي جَسَدِ الْمَيِّتِ وَكَفَنِهِ مِنْ الطَّيِّبِ وَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَالْكَافُورِ وَكُلِّ مَا الْغَرَضُ مِنْهُ رِيحُهُ دُونَ لَوْنِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الرَّائِحَةِ دُونَ التَّجَمُّلِ بِاللَّوْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَوْضِعُ الْحَنُوطِ قَالَ أَشْهَبُ إنْ جُعِلَ الْحَنُوطُ فِي لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ فَوَاسِعٌ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُجْعَلُ الْكَافُورُ عَلَى مَسَاجِدِهِ وَوَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ وَيُجْعَلُ فِي مَسَامِّهِ وَعَيْنَيْهِ وَفَمِهِ وَأُذُنَيْهِ وَمِنْخَرَيْهِ وَعَلَى الْقُطْنِ الَّذِي يَجْعَلُهُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ وَيُجْعَلُ بَيْنَ أَكْفَانِهِ كُلِّهَا وَلَا يُجْعَلُ عَلَى ظَاهِرِ كَفَنِهِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَنُوطَ يُجْعَلُ مِنْ أَعْضَائِهِ فِيمَا يُكَرَّمُ وَهُوَ مَوَاضِعُ السُّجُودِ وَفِيمَا تُيُقِّنَ مِنْهُ خُرُوجُ أَذًى وَهُوَ جَمِيعُ مَسَامِّهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مَعَ قُطْنٍ لِيَمْنَعَ مَا تُيُقِّنَ خُرُوجُهُ مِنْ الْأَذَى وَلِيَرُدَّ رِيحُ الْحَنُوطِ مَا تُيُقِّنَ مِنْ رِيحٍ مَكْرُوهَةٍ وَلَا يُجْعَلُ عَلَى ظَاهِرِ الْكَفَنِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَنُوطَ إنَّمَا هُوَ لِمَعْنَى الرِّيحِ لَا لِلَّوْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيُفْعَلُ هَذَا بِكُلِّ مَنْ يُغْسَلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ مُحْرِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَقْرَبُ الْمُحْرِمُ الطِّيبَ وَلَا يُغَطِّي رَأْسَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْحَجِّ فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ بِالْمَوْتِ كَالطَّوَافِ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي مُحْرِمٍ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَاتَ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُجْمِرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» فَلَيْسَ بِمَانِعٍ مِنْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّنَا لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى أَنْ نَعْلَمَ نَحْنُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَاتِ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا وَتَعْلِيلُ النَّبِيِّ ﷺ الْحُكْمَ بِمَا لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ مَخْصُوصٌ بِهِ وَلَوْ كَانَ حُكْمًا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ لَعَلَّلَهُ بِمَا لَنَا طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَتِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا وَلَا تَتْبَعُونِي بِنَارٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّمَا ذَلِكَ لِلتَّفَاؤُلِ بِالنَّارِ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ فَشُرِعَتْ مُخَالَفَتُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ مَقْصُودٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُمْنَعَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُفْعَلُ عَلَى وَجْهِ الظُّهُورِ وَالتَّعَالِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .

стр. 374

أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُتْبَعَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِنَارٍ قَالَ يَحْيَى سَمِعَتْ مَالِكًا يَكْرَهُ ذَلِكَ) . التَّكْبِيرُ عَلَى الْجِنَازَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ لِلنَّاسِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ نَهَى أَنْ يُتْبَعَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِنَارٍ وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَنْهَى فَاعِلِيهِ وَيُوصِيهِمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَاتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي أَمْرِهِ وَغُسْلِهِ وَكَفَنِهِ وَدَفْنِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِ. [التَّكْبِيرُ عَلَى الْجِنَازَةِ] (ش) : قَوْلُهُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ لِلنَّاسِ» يُرِيدُ أَخْبَرَهُمْ بِمَوْتِهِ، وَقَدْ «أَخْبَرَ بِقَتْلِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرَ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ» وَهَذَا النَّعْيُ غَيْرُ مَحْظُورٍ فَأَمَّا النَّعْيُ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ الصِّيَاحُ وَالضَّجِيجُ فَإِنَّهُ مَحْظُورٌ وَلِذَلِكَ كَرِهَ مَالِكٌ إلَّا أَنْ تُدَارَ بِالْجَنَائِزِ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ النَّعْيِ قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ الْإِنْذَارُ بِالْجَنَائِزِ مِنْ النَّعْيِ وَالنَّعْيُ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ. (فَصْلٌ) : فَأَمَّا النَّجَاشِيِّ فَمَلِكُ الْحَبَشَةِ وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ وَكَانَ آمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَأَخَذَ الْإِيمَانَ بِهِ عَمَّنْ هَاجَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَمَنَعَ عَنْهُمْ وَآوَاهُمْ وَأَسَرَّ إيمَانَهُ لِمُخَالَفَةِ جَمِيعِ الْحَبَشَةِ لَهُ فَلَمَّا مَاتَ نَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ إذْ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ لِمَنْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ إلَّا بِوَحْيٍ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. . [اتِّخَاذ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَهُمْ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَفِي ذَلِكَ بَابَانِ] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ وَتَمْيِيزِهِ مِنْ غَيْرِهِ] ١ (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «وَخَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى» يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَهُمْ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَفِي ذَلِكَ بَابَانِ: أَحَدُهُمَا - فِي صِفَةِ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ وَتَمْيِيزِهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَالثَّانِي - فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ وَتَمْيِيزِهِ مِنْ غَيْرِهِ) اعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَازِمَةٌ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَوَانِعُ نُبَيِّنُهَا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَلَاتِهِ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فَقَالَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا إنَّهَا وَاجِبَةٌ. وَقَالَ أَصْبَغُ هِيَ سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إنَّ أَخًا لَكُمْ قَدْ مَاتَ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ» وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّجَاشِيِّ وَغَيْرِهِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ هَذَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ يُفْعَلُ مُفْرَدًا لِغَيْرِ إصْلَاحِ صَلَاةٍ فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا أَصْلُ ذَلِكَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَهِيَ فَرْضٌ مِنْ فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا تَلْزَمُ الصَّلَاةُ عَلَى مَيِّتٍ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّهُ إذَا صَلَّى بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ فَقَدْ أُدِّيَ فَرْضُ الصَّلَاةِ وَسَقَطَ وُجُوبُهُ عَنْ سَائِرِهِمْ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ عَامٌّ وَخَاصٌّ فَأَمَّا الْعَامُّ فَلِمَعْنًى فِي الْمَيِّتِ وَيَكُونُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ فَضِيلَةٌ فِي الْمَيِّتِ وَنَقِيصَةٌ فَأَمَّا الْفَضِيلَةُ فَإِنَّهَا الشَّهَادَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُسْقِطُ فَرْضَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةَ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُغَسَّلُ وَلَكِنْ لَا يُعَرَّى مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يَمْنَعُ فَرْضَ الْغُسْلِ فَمَنْعُ فَرْضِ الصَّلَاةِ كَعَدَمِ الِاسْتِهْلَالِ فِي السَّقْطِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا النَّقْصُ فَالْكُفْرُ وَعَدَمُ الِاسْتِهْلَالِ فِي السَّقْطِ فَأَمَّا

стр. 375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْكُفْرُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] ، وَأَمَّا الِاسْتِهْلَالُ فَإِنَّ بِهِ تُعْرَفُ الْحَيَاةُ، وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ حَيَّاتُهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا مُسْتَوْعَبًا فِي الْفَرَائِضِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ عَلَى هَيْئَتِهِ فَإِنْ كَانَ مُقَطَّعًا فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنَّ أَكْثَرَ الْبَدَنِ يُغْسَلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ مُجْتَمِعًا كَانَ أَوْ مُقَطَّعًا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ مُجْتَمِعًا صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُقَطَّعًا لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ تَقْطِيعَهُ لَا يُبْطِلُ حُرْمَتَهُ وَلَا يُسْقِطُ حُكْمَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ تَقْطِيعَهُ مَنَعَ غُسْلَهُ، وَإِذَا مُنِعَ غُسْلُهُ يَبْطُلُ حُكْمُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَالشَّهِيدِ، وَلِأَنَّ فِي غُسْلِهِ انْتِهَاكَ الْحُرْمَةِ وَمُتَابَعَةً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّمْثِيلِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إلَّا رَأْسٌ أَوْ رِجْلٌ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يُوجَدَ أَكْثَرُهُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُنْوَى بِهِ الْجُمْلَةُ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْأَقَلَّ تَابِعٌ لِلْأَكْثَرِ فَإِذَا غَابَ الْأَكْثَرُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَغِيبِ جَمِيعِهِ وَلَا يُصَلَّى عَلَى غَائِبٍ وَمَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا - تَجْوِيزُ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ. وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَمَّا وُجِدَ الْبَعْضُ لَزِمَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُمْكِنْ إفْرَادُهُ بِالصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْوِيَ جَمِيعَهُ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ] ١ (الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ) أَمَّا صِفَتُهَا فَأَنْ يُكَبِّرَ فِيهَا أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ عَلَى حَسَبِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّجَاشِيِّ ﵀. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مِمَّنْ يُكَبِّرُ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَالِكٌ: يَقْطَعُ الْمَأْمُومُ وَلَا يَتْبَعُهُ وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ يَسْكُتُ وَلَا يُكَبِّرُ مَعَهُ فَإِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ مَعَهُ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَمُطَرِّفٌ. فَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ هَذَا أَصْلٌ قَدْ صَارَ شِعَارًا لِأَهْلِ الْبِدَعِ فَيَجِبُ إظْهَارُ الْخِلَافِ عَلَيْهِمْ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ كَثِيرٌ فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ إذَا كَانَ الْإِمَامُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالسُّنَّةِ، وَالْخَطَأُ إنَّمَا هُوَ مِنْهُ فِي زِيَادَةِ التَّكْبِيرِ فَلَا يَتْبَعُهُ فِيهَا وَزِيَادَةُ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ وَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ فَيَقُومُ حَتَّى يُسَلِّمَ بِسَلَامِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْإِمَامُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُصَلَّى مَعَهُ وَلَا يُقْتَدَى بِهِ كَبَّرَ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا وَرِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ انْعَقَدَ عَلَى بُطْلَانِ الْخَامِسَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يَقِفُ الْإِمَامُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ لِلدُّعَاءِ؟ (قَالَ) سَحْنُونٌ: يَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَيَدْعُو كَمَا يَدْعُو بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ. وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِهِ: لَا يَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَيُسَلِّمُ بِأَثَرِهَا. وَجْهُ مَا قَالَهُ سَحْنُونٌ التَّكْبِيرَةُ الْآخِرَةُ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَكَانَ الدُّعَاءُ مَشْرُوعًا بَعْدَهَا أَصْلُ ذَلِكَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الدُّعَاءَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِمَنْزِلَةِ الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِهَا فَلَوْ دَعَا بَعْدَ الرَّابِعَةِ لَاحْتَاجَ إلَى تَكْبِيرَةٍ تَفْصِلُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالسَّلَامِ كَمَا يَفْصِلُ الرُّكُوعُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْلِيمِ. (فَرْعٌ) وَهَلْ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ لَا يَرْفَعُ فِيمَا بَعْدَ الْأُولَى، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَرْفَعُ فِي الْأُولَى وَلَا فِي غَيْرِهَا وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ فَاتَهُ بَعْضُ التَّكْبِيرِ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ مَا أَدْرَكَ عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ وَأَخَذَ فِي الْقَضَاءِ فَهَلْ يُوَالِي التَّكْبِيرَ أَوْ يَدْعُو بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ؟ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ يَدْعُو بَيْنَ التَّكْبِيرِ إنْ لَمْ يَخَفْ رَفْعَ الْجِنَازَةِ قَبْلَ فَرَاغِهِ، وَإِنْ خَافَ الرَّفْعَ وَالَى التَّكْبِيرِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُكَبِّرُ مَا سَبَقَهُ بِهِ الْإِمَامُ تِبَاعًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ خَوْفَ رَفْعِ الْجِنَازَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خِلَافًا وَجْهُ مَا رَوَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ مَقْصُودُهَا الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ فَإِذَا خَافَ الْفَوَاتَ وَالَى التَّكْبِيرَ لِئَلَّا يُصَلِّي عَلَى

стр. 376

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ «أَنَّ مِسْكِينَةً مَرِضَتْ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَرَضِهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُ الْمَسَاكِينَ وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا مَاتَتْ فَآذِنُونِي بِهَا فَخَرَجَ بِجِنَازَتِهَا لَيْلًا فَكَرِهُوا أَنْ يُوقِظُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُخْبِرَ بِاَلَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِهَا فَقَالَ أَلَمْ آمُرْكُمْ أَنْ تُؤْذِنُونِي بِهَا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَرِهْنَا أَنْ نُخْرِجَك لَيْلًا وَنُوقِظَك فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى صَفَّ بِالنَّاسِ عَلَى قَبْرِهَا وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» ) ــ [المنتقى] الْجِنَازَةِ بَعْدَ رَفْعِهَا. وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ حَمَلْنَاهَا عَلَى الْخِلَافِ أَنَّ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ هِيَ التَّكْبِيرُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ حَمَلَ عَنْهُ الدُّعَاءَ حِينَ لَمْ يُدْرِكْ مَحِلَّهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَمَاهَلَ فِي الدُّعَاءِ وَحْدَهُ كَانَ مُصَلَّيَا عَلَى الْجِنَازَةِ صَلَاةً مُفْرَدَةً بَعْدَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. ١ - (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ " فَصَفَّ بِهِمْ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَّةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ الصَّفُّ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَيَتَقَدَّمُهُمْ إمَامُهُمْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ سُنَّةُ كُلِّ صَلَاةٍ شُرِعَ الصَّفُّ لَهَا وَلِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأَمَّهُمْ وَصَلَّوْا خَلْفَهُ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ الصَّلَاةِ وَصَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَثُلَ لَهُ فَرَآهُ دُونَ أَنْ يَرَاهُ غَيْرُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَازَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ عَلِمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَقْتِ مَوْتِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ «نَعَى النَّجَاشِيَّ لِلنَّاسِ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ» وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَصَلَّوْا عَلَيْهِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَمْ يُحْفَظْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ غَابَ عَنْهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ غَرِقَ فِي الْبَحْرِ أَوْ قُتِلَ وَلَمْ يُتَمَكَّنُ مِنْ غُسْلِهِ أَوْ أَكَلَهُ السَّبُعُ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّجَاشِيِّ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ إنَّمَا شُرِعَتْ عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ، وَأَمَّا إذَا بَعُدَ مَوْتُهُ أَوْ طَالَتْ مُدَّتُهُ فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا لَا يُصَلَّى الْيَوْمَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ مِمَّنْ قُتِلَ ظُلْمًا وَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ أَوْ مِمَّنْ غَرِقَ فِي الْبَحْرِ فَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ فِيمَنْ عُرِفَ أَمَرَهُ وَعُويِنَ غَرَقُهُ أَوْ أَكْلُ السَّبُعِ لَهُ فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَيَّامٍ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ. (ش) : قَوْلُهُ «إنَّ مِسْكِينَةً مَرِضَتْ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَرَضِهَا» دَلِيلٌ عَلَى اهْتِبَالِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَخْبَارِ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَتَفَقُّدِهِ لَهُمْ وَلِذَلِكَ كَانَ يُخْبَرُ بِمَرْضَاهُمْ، وَقَدْ أُخْبِرَ أَنَّهُ كَانَ يَعُودُ ضُعَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ وَذَلِكَ إخْبَارٌ عَنْ كَرِيمِ خُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَوَاضُعِهِ وَاهْتِبَالِهِ بِالضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَعِيَادَتِهِ لَهُمْ وَتَأْنِيسِهِ إيَّاهُمْ وَرِفْقِهِ بِهِمْ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﷺ تَسْلِيمًا وَمِنْ ذَلِكَ أَمْرُهُ ﷺ أَنْ يُؤْذَنَ بِهَا إذَا مَاتَتْ لِئَلَّا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُهَا وَلِيُشَاهِدْ جِنَازَتَهَا وَيُصَلِّي عَلَيْهَا وَلِيَسْتَغْفِرَ لَهَا؛ لِأَنَّ لَهَا مِنْ الْحَقِّ فِي دُعَائِهِ وَبَرَكَتِهِ كَحَقِّ الْأَغْنِيَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَخَرَجَ لِجِنَازَتِهَا لَيْلًا» الْخُرُوجُ بِالْجِنَازَةِ مِنْ اللَّيْلِ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ تَرْكَ ذَلِكَ إلَى النَّهَارِ لِيَحْضُرَهَا مَنْ أَمْكَنَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دُونَ مَشَقَّةٍ وَلَا تَكَلُّفِ خُرُوجٍ بِاللَّيْلِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ رَوَى ذَلِكَ عَلِيُّ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَكَرِهُوا أَنْ يُوقِظُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ » تَعْظِيمًا مِنْهُمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ -

стр. 377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَإِجْلَالًا لَهُ وَإِشْفَاقًا عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُوقِظُوهُ فِي وَقْتِ رَاحَتِهِ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يُوقَظُ مِنْ نَوْمِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَدْرُونَ مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ تَعْجِيلُهُمْ بِالْجَنَائِزِ وَظَنُّوا أَنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ آكَدُ مِنْ أَمْرِهِ بِأَنْ يُؤْذِنُوهُ. وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُمْشَى بِالْجِنَازَةِ الْهُوَيْنَى وَلَكِنْ مِشْيَةَ الرَّجُلِ الشَّابِّ وَهَذَا إذَا كَانَتْ فِي الْبَرِّ فَإِنْ كَانَتْ فِي الْبَحْرِ فَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ يُرْجَ الْبَرُّ قَبْلَ التَّغَيُّرِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَرُمِيَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «أَلَمْ آمُرْكُمْ أَنْ تُؤْذِنُونِي» تَذْكِيرًا لَهُمْ بِأَمْرِهِ إيَّاهُمْ وَنَهْيًا لَهُمْ عَنْ اسْتِدَامَةِ مِثْلِ هَذَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَأَنَّ أَمْرَهُ لَهُمْ بِذَلِكَ كَانَ مُؤَكَّدًا وَأَنَّ اهْتِبَالَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ مِنْ الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ شَدِيدٌ فَاعْتَذَرُوا إلَيْهِ بِأَنَّ الْمَانِعَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْإِشْفَاقُ مِنْ إخْرَاجِهِ فِي اللَّيْلِ وَإِيقَاظِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ إلَى مَوْضِعِ قَبْرِهَا حَتَّى صَفَّ النَّاسَ عَلَى قَبْرِهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الصُّفُوفَ عَلَى الْجِنَازَةِ مَسْنُونَةٌ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَأَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ جَمَاعَةٌ وَلِذَلِكَ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهَا وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ مَنْ يُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ النِّسَاءُ فَقَطْ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُصَلِّينَ أَفْذَاذًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ فَلَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ فِيهَا إمَامًا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَقَالَ أَشْهَبُ تَؤُمُّهُنَّ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ أَيْمَنَ عَنْ مَالِكٍ فِي إمَامَةِ الْمَرْأَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَصَفَّ بِالنَّاسِ عَلَى قَبْرِهَا وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» بَيَّنَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا غَيْرِ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ فَإِنَّهُمَا قَالَا إنْ نَسِيَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ فَلَا يُصَلِّ عَلَى قَبْرِهِ وَلْيَدْعُ لَهُ قَالَ سَحْنُونٌ وَلَا أَجْعَلُهُ ذَرِيعَةً إلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ فِي الْقُبُورِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إذَا فَاتَتْ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَمَّا إذَا لَمْ تَفُتْ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ فِيمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ يَجِبُ فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَكَرَّر مَعَ بَقَاءِ حُكْمِ الْأَصْلِ كَالْغُسْلِ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ وَالشَّافِعِيِّ تَعَلُّقُهَا بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ امْتِثَالُهُ لَمَعَانٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّلَ صَلَاتَهُ عَلَى الْقُبُورِ بِمَا لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ حُكْمَ غَيْرِهِ فِيهِ كَحُكْمِهِ فَقَالَ إنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مُمْتَلِئَةٌ ظُلْمَةً، وَاَللَّهُ يُنَوِّرُهَا بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَالْوَلِيُّ فِيهَا فَإِذَا صَلَّى غَيْرُهُ لَمْ يَسْقُطْ فَرْضُ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ وَلَا تُعَادُ الصَّلَاةُ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ دَفَنَهَا حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ إنْ مَاتَتْ فَلَا تَدْفِنُوهَا حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «لَا يَمُوتَنَّ فِيكُمْ مَيِّتٌ مَا دُمْت بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ إلَّا آذَنْتُمُونِي بِهِ فَإِنَّ صَلَاتِي لَهُ رَحْمَةٌ» رَوَى ذَلِكَ فِي الْوَجْهَيْنِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَوِيُّ فَلَمَّا كَانَ قَدْ نَهَى أَنْ تُدْفَنَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُمْ دُونَهُ تُسْقِطُ فَرْضَ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّنَا لَا نَقُولُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى قَبْرٍ بِوَجْهٍ فَيُحْتَجُّ عَلَيْنَا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ، وَإِنَّمَا نَقُولُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِ مَنْ قَدْ صُلِّيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الدَّفْنِ فَيَجِبُ أَنْ يُحْتَجَّ عَلَيْنَا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ كَانَ قَدْ صُلِّيَ عَلَى مَنْ دُفِنَ فِيهِ وَلَا طَرِيقَ لَهُمْ إلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا إنَّ هَذِهِ الْمِسْكِينَةَ قَدْ صُلِّيَ عَلَيْهَا إلَّا وَلَنَا أَنْ نَقُولَ لَمْ يَكُنْ صُلِّيَ عَلَيْهَا، وَإِذَا تَسَاوَى الدَّعْوَتَانِ لَمْ يَصِحَّ الِاحْتِجَاجُ بِخَبَرِهَا عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ «لَمَّا دُفِنَ الرَّجُلُ لَيْلًا نَهَى النَّبِيُّ

стр. 378

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الرَّجُلِ يُدْرِكُ بَعْضَ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَيَفُوتُهُ بَعْضُهُ فَقَالَ يَقْضِي مَا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ) . ــ [المنتقى] ﷺ أَنْ يُدْفَنَ أَحَدٌ لَيْلًا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ» وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ دُفِنَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ وَلَوْ دُفِنَ بَعْدَ أَنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ لَمَّا نَهَى أَنْ يُدْفَنَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا أَنَّهُ لَمَّا كُفِّنَ وَغُسِّلَ لَمْ يُؤَخَّرْ عَنْ أَنْ يُدْفَنَ حَتَّى يُكَفَّنَ وَيُغَسَّلَ وَلَكِنَّهُ لَمَّا قَصَدَ فِي كَفَنِهِ قَالَ «مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ» ، وَإِنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ لَهُمْ الْإِمَامُ إنِّي لَمْ أَدْعُ لِهَذَا الْمَيِّتِ فَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ تُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَلَوْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ وَنَسِيَ بَعْضَ التَّكْبِيرِ وَذَكَرَهُ قَبْلَ الدَّفْنِ فَإِنْ كَانَ بِقُرْبِ رَفْعِهَا أُعِيدَتْ وَأَتَمَّ بَقِيَّةَ التَّكْبِيرِ فَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ اُسْتُؤْنِفَ فَإِنْ دُفِنَتْ تُرِكَتْ وَلَمْ تُكْشَفْ وَلَمْ تُعَدْ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا، وَذُكِرَ فِي الْعُتْبِيَّةِ نَحْوُهُ فَأَمَّا إتْمَامُ الصَّلَاةِ بِالْقُرْبِ وَابْتِدَاؤُهَا إذَا تَطَاوَلَ فَوَجْهٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الْعَمَلِ لَا يَمْنَعُ الْبِنَاءَ عَلَى تَقَدُّمٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَيَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرُهُ، وَأَمَّا الْمَنْعُ مِنْ إعَادَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الدَّفْنِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيًّا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ بِوَجْهٍ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إذَا لَمْ تَكْمُلْ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ أَنْ تَفُوتَ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَفُوتُ ذَلِكَ قَالَ أَشْهَبُ تَفُوتُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ خَارِجَ الْقَبْرِ بِأَنْ يُهَالَ عَلَيْهِ التُّرَابُ وَيُخْرَجُ، وَإِنْ وُضِعَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ مَا لَمْ يُهَلْ التُّرَابُ عَلَيْهِ، وَقَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا سُوِّيَ التُّرَابُ فَقَدْ فَاتَ إخْرَاجُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَفُوتُ حَتَّى يُخَافَ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ وَأَنْ يُخْرَجَ مَا لَمْ يُخَفْ التَّغْيِيرُ عَلَيْهِ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ إنَّ وَضْعَ اللَّبِنِ هُوَ مِنْ بُنَيَّانِ دَاخِلِ الْقَبْرِ، وَأَمَّا إهَالَةُ التُّرَابِ فَهُوَ الشُّرُوعُ فِي الدَّفْنِ وَالتَّغْطِيَةِ، وَإِنَّمَا يَفُوتُ بِالدَّفْنِ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْفَرَاغَ مِنْ الدَّفْنِ تَسْوِيَةُ التُّرَابِ وَبِهِ يَقَعُ الْفَرَاغُ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلتُّرَابِ وَتَسْوِيَتِهِ إذْ لَا مَضَرَّةَ عَلَى الْمَيِّتِ فِي إزَالَتِهِ وَلَا هَتْكَ فِي ذَلِكَ لِحُرْمَتِهِ مَا لَمْ يُخَفْ التَّغْيِيرُ عَلَيْهِ فَإِنْ خِيفَ التَّغْيِيرُ عَلَيْهِ امْتَنَعَ إخْرَاجُهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ. (ش) : التَّكْبِيرَاتُ الْأَرْبَعُ هِيَ أَرْكَانُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ كَرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ وَبِهَا شَبَّهَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ كَأَطْوَلِ صَلَاةِ الْفَرْضِ فَمَنْ جَاءَ فَوَجَدَ الْإِمَامَ قَدْ كَبَّرَ بَعْضَ التَّكْبِيرِ فَلَا يَخْلُوَ أَنْ يَجِدَهُ فِي حَالِ تَكْبِيرٍ أَوْ فِي حَالِ دُعَاءٍ فَإِنْ وَجَدَهُ فِي حَالِ تَكْبِيرٍ كَبَّرَ مَعَهُ مَا أَدْرَكَهُ مِنْ التَّكْبِيرِ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي حَالِ دُعَاءٍ فَهَلْ يُكَبِّرُ وَيَدْعُو رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُكَبِّرُ وَيَشْرَعُ فِي الدُّعَاءِ. وَرُوِيَ عَنْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَنْتَظِرُ حَتَّى يُكَبِّرَ أُخْرَى فَيُكَبِّرَ مَعَهُ وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ شُبِّهَتْ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ وَمَنْ فَاتَهُ فِي الْفَرْضِ بَعْضُ صَلَاةِ الْإِمَامِ دَخَلَ مَعَهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ وَجَدَهُ وَلَمْ يَنْتَظِرْ أَنْ يَشْرَعَ فِي غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ هَذَا. وَوَجْهُ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ كَالرُّكُوعِ فِي غَيْرِهَا فَمَنْ فَاتَهُ رَكْعَةٌ مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ لَمْ يُقَدِّمْهَا، ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ بَلْ كَانَ يُؤَخِّرُ قَضَاءَهَا حَتَّى يُكَمِّلَ مَا أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَكَذَلِكَ هَذَا يَبْدَأُ بِمَا أَدْرَكَ مِنْ التَّكْبِيرِ مَعَ الْإِمَامِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁. وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا بُنِيَ عَلَى فَوَاتِ اتِّبَاعِ الْمَأْمُومِ الْإِمَامَ فِي التَّكْبِيرِ فَعَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَتْبَعَ الْإِمَامَ فِي التَّكْبِيرِ مَا لَمْ تَكْمُلْ التَّكْبِيرَةُ الَّتِي تَلِيهَا وَعَلَى رِوَايَةِ عَلِيٍّ يَفُوتُ اتِّبَاعُهُ بِالشُّرُوعِ فِي الدُّعَاءِ فَإِنْ شَرَعَ فِي الدُّعَاءِ فَقَدْ فَاتَهُ اتِّبَاعُهُ وَلَيْسَ مِنْ حُكْمِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَنْ يَعْمَلَ مِنْهَا مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ فَلِذَلِكَ لَزِمَ الْمَأْمُومَ انْتِظَارُ الْإِمَامِ حَتَّى يُكَبِّرَ فَيَتْبَعُهُ فِي تَكْبِيرَتِهِ تِلْكَ إذْ قَدْ فَاتَهُ اتِّبَاعُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا بِالشُّرُوعِ فِي الدُّعَاءِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا تَمَّ مَا أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ قَضَى مَا فَاتَهُ مِنْ التَّكْبِيرِ خِلَافًا لِلْحَسَنِ عَلَى مَا يَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ

стр. 379

مَا يَقُولُ الْمُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ كَيْف نُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَا لَعَمْرُ اللَّهِ أُخْبِرُك اتَّبِعْهَا عَنْ أَهْلِهَا فَإِذَا وُضِعَتْ كَبَّرْت وَحَمِدْت اللَّهَ وَصَلَّيْت عَلَى نَبِيِّهِ، ثُمَّ أَقُولُ اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك وَرَسُولُك وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ صَلَّيْت وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى صَبِيٍّ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ فَسَمِعْته يَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ) . الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَائِزِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حُوَيْطِبٍ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ تُوُفِّيَتْ وَطَارِقٌ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فَأُتِيَ بِجِنَازَتِهَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَوُضِعَتْ بِالْبَقِيعِ قَالَ وَكَانَ طَارِقٌ يُغَلِّسُ بِالصُّبْحِ قَالَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ فَسَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ لِأَهْلِهَا إمَّا أَنْ تُصَلُّوا عَلَى جِنَازَتِكُمْ الْآنَ وَإِمَّا أَنْ تَتْرُكُوهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ) ــ [المنتقى] صَلَاةٌ فَإِذَا فَاتَ الْمَأْمُومَ بَعْضُ أَرْكَانِهَا قَضَاهُ بَعْدَ تَمَامِ مَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ كَصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ. [مَا يَقُولُ الْمُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ] (ش) : سُؤَالُهُ أَبَا هُرَيْرَةَ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ اسْتِخْبَارٌ عَنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ خَاصَّةً وَجَاوَبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بِالِاتِّبَاعِ مِنْ أَهْلِهَا فَعَمَلُهُ بِذَلِكَ إذَا تَبِعَهَا مَشْرُوعٌ وَقَوْلُهُ فَإِذَا وُضِعَتْ كَبَّرْت يُرِيدُ أَنَّ الصَّلَاةَ مُتَّصِلَةٌ بِالْوُصُولِ وَالْوَضْعِ فِي الْأَرْضِ إلَّا أَنْ يَتَلَوَّى لِلنَّاسِ الْوَارِدِينَ شَيْئًا يَسِيرًا. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ وَحَمِدْت اللَّهَ وَصَلَّيْت عَلَى نَبِيِّهِ إعْلَامٌ بِأَنَّ اسْتِفْتَاحَ الصَّلَاةِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نُطْقٌ مُعَيَّنٌ لَا يَحْدُثُ غَيْرُهُ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا دَعَا بِهِ. (ش) : قَوْلُهُ صَلَّى عَلَى صَبِيٍّ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ الصَّلَاةُ عَلَى الصَّبِيِّ قُرْبَةٌ لَهُ وَرَغْبَةٌ فِي إلْحَاقِهِ بِصَالِحِ السَّلَفِ وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ اعْتَقَدَهُ لِشَيْءٍ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ عَامٌّ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَأَنَّ الْفِتْنَةَ فِيهِ لَا تَسْقُطُ عَنْ الصَّغِيرِ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنَّ الْعَبْدَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ مَا كُنْت تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيَقُولَانِ لَهُ اُنْظُرْ إلَى مَقْعَدِك مِنْ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَك اللَّهُ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كُنْت تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي كُنْت أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَا دَرَيْت وَلَا تَلَيْتَ وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ» . (ش) : قَوْلُهُ كَانَ لَا يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ خَاصَّةً وَيَدْعُو فِي سَائِرِهَا وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ، وَقَالَ الْحَسَنُ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ. [الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَائِزِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ] (ش) : قَوْلُهُ أُتِيَ بِجِنَازَتِهَا يَعْنِي أُتِيَ بِهَا إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا، وَقَدْ

стр. 380

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ إذَا صُلِّيَتَا لِوَقْتِهِمَا) . الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَائِزِ فِي الْمَسْجِدِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضِرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ «عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ عَلَيْهَا بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ مَاتَ لِتَدْعُوَ لَهُ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ عَلَيْهَا فَقَالَتْ عَائِشَةُ مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» ) ــ [المنتقى] صَلَّى طَارِقٌ الصُّبْحَ وَهَذَا قَبْلَ الْإِسْفَارِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُغَلِّسُ بِصَلَاتِهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَهْلِهَا إمَّا أَنْ تُصَلُّوا عَلَى جِنَازَتِكُمْ الْآنَ يُرِيدُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ قَبْلَ الْإِسْفَارِ وَإِمَّا أَنْ تَتْرُكُوا حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ فَتَجُوزَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَيَخْرُجَ وَقْتُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْمَنْعِ عِنْدَهُ هُوَ مِنْ أَوَّلِ الْإِسْفَارِ إلَى أَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ وَتَجُوزُ النَّوَافِلُ وَفِي هَذَا مَسْأَلَتَانِ: أَحَدُهُمَا: جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا بَعْدَ الصُّبْحِ. وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِسْفَارِ إلَى أَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ فَرْضٍ فَلَمْ يُمْنَعُ فِعْلُهَا قَبْلَ الْإِسْفَارِ كَسَائِرِ الْفَرَائِضِ. وَوَجْهُ الْمَنْعِ مِنْ فِعْلِهَا بَعْدَ الْإِسْفَارِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَتَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ فَتُصَلُّوا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا» . فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّ الصَّلَوَاتِ فِي الْجُمْلَةِ مَمْنُوعَةٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِعْلُ صَلَاةِ الْوَقْتِ فِيهَا خَوْفَ فَوَاتِ وَقْتِهَا، وَأَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهُ لَا يُخَافُ فَوَاتُ وَقْتِهَا وَلَوْ خِيفَ فَوَاتُ وَقْتِهَا بِالضَّرُورَةِ إلَى الدَّفْنِ خَوْفَ تَغَيُّرِهِ أَوْ غَيْرِهِ لَجَازَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا ذَلِكَ الْوَقْتَ وَغَيْرَهُ خَوْفَ الْفَوَاتِ كَصَلَاةِ الصُّبْحِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ إذَا صُلِّيَتَا لِوَقْتِهِمَا) . (ش) : قَوْلُهُ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ يُرِيدُ بَعْدَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ وَقَوْلُهُ إذَا صُلِّيَتَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُرِيدَ بِهِ إذَا صُلِّيَتْ الصَّلَاتَانِ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَصَلَاةُ الْعَصْرِ لِوَقْتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تُصَلَّى الصَّلَاتَانِ فِي آخِرِ وَقْتِهِمَا وَلَا يُصَلَّى بَعْدَهُمَا عَلَى الْجِنَازَةِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ إذَا صُلِّيَتَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهِمَا وَهُوَ تَكَلُّفٌ مِنْ التَّأْوِيلِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لِوَقْتِهِمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ لِوَقْتِ الصَّلَاتَيْنِ وَهُوَ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ لَهُمَا فِي الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَفِي الصُّبْحِ إلَى الْإِسْفَارِ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْمُخْتَصَرِ يُصَلَّى عَلَيْهَا إلَّا عِنْدَمَا تَهُمُّ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ وَعِنْدَمَا تَهُمُّ أَنْ تَغْرُبَ وَيَصْفَرُّ أَثَرُهَا فِي الْأَرْضِ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ هَذَا فِي الصُّبْحِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَقْتَ الْمُخْتَارَ لِلصُّبْحِ جَمِيعُ وَقْتِهَا وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ وَرِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ لَهَا وَقْتَ ضَرُورَةٍ وَهُوَ مِنْ الْإِسْفَارِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ إذَا صُلِّيَتَا لِوَقْتِهِمَا لِوَقْتِ صَلَاتَيْ الْجِنَازَتَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ يَبْدَأُ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ وَذَلِكَ لِضِيقِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ أَوْ لِفَضِيلَةِ تَقَدُّمِهَا، وَأَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَلَيْسَ بَعْضُ الْأَوْقَاتِ أَخُصَّ بِهَا مِنْ بَعْضٍ فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهَا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ وَجَدَ سَعَةً وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَائِزِ فِي الْمَسْجِدِ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّهَا أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ عَلَيْهَا بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْجِدِ يُرِيدُ أَنَّ حُجْرَتَهَا كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَلِذَلِكَ كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ يُمَرَّ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ لِتَصِلَ هِيَ إلَى الدُّعَاءِ لَهُ بِحَضْرَتِهِ؛ لِأَنَّ مُشَاهَدَتَهُ تَدْعُو إلَى الْإِشْفَاقِ عَلَيْهِ وَتَمْنَعُ تَأْخِيرَ الدُّعَاءِ لَهُ وَتَحُثُّ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَلِذَلِكَ يُسْعَى إلَى الْجَنَائِزِ وَلَا يَجْتَزِئُ مَنْ يُرِيدُ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا وَالدُّعَاءَ لَهَا بِمَا يَأْتِي مِنْ ذَلِكَ فِي مَنْزِلِهِ. (فَصْلٌ) : وَإِنَّمَا أَمَرَتْ عَائِشَةُ أَنْ يُمَرَّ عَلَى حُجْرَتِهَا بِهِ لِتَدْعُوَ لَهُ لِامْتِنَاعِهَا هِيَ وَسَائِرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 381

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ صُلِّيَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْمَسْجِدِ) . جَامِعُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ ــ [المنتقى] مِنْ الْخُرُوجِ مَعَ النَّاسِ إلَى جِنَازَتِهِ لِكَرَاهِيَةِ خُرُوجِهِنَّ إلَى الْجَنَائِزِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُكْرَهُ خُرُوجُ النِّسَاءِ فِي الْجَنَائِزِ، وَإِنْ كُنَّ غَيْرَ نَوَائِحَ وَلَا بِوَاكِي فِي جِنَازَةِ الْخَاصِّ مِنْ قَرَابَتِهِنَّ وَغَيْرِهِ وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ مَنْعُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يُوَسِّعُ لِلنِّسَاءِ فِي الْخُرُوجِ مَعَ الْجَنَائِزِ وَجْهُ الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَدْ كَانَ النِّسَاءُ يَخْرُجْنَ قَدِيمًا وَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا إلَّا فِي الْأَمْرِ الْمُسْتَنْكَرِ وَجْهُ رِوَايَةِ الْكَرَاهِيَةِ مَا رُوِيَ «عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ» وَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْنَا. وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْإِبَاحَةِ إبَاحَةُ الْخُرُوجِ لَهُنَّ إلَى الْمَسَاجِدِ وَهَذَا خُرُوجٌ إلَى صَلَاةٍ سُنَّ لَهَا الْبَرَازَةُ كَالْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْإِبَاحَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ فَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ وَمَنْ قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ فَلْتَخْرُجْ عَلَى الْقَرِيبِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا الشَّابَّةُ فَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ تَتْبَعُ جِنَازَةَ وَلَدِهَا وَوَالِدِهَا وَمِثْلِ زَوْجِهَا وَأُخْتِهَا مِمَّنْ يَخْرُجُ مِثْلُهَا عَلَى مِثْلِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ يُرِيدُ بِذَلِكَ عِنْدِي قُرْبَ الْقَرَابَةِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَؤُلَاءِ فَيُكْرَهُ أَنْ تَخْرُجَ الشَّابَّةُ لِجِنَازَتِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَبْسُوطِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّابَّةَ خُرُوجُهَا فِتْنَةٌ لَهَا وَلِغَيْرِهَا فَلَا تَخْرُجُ فِي الْمَحَافِلِ إلَّا فِي الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا لِتَدْعُوَ لَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِذَلِكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهَا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِهِ الدُّعَاءَ خَاصَّةً فَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي صَلَاةَ النِّسَاءِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَهَذَا الَّذِي يَقْتَضِيه مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُصَلِّي النِّسَاءُ عَلَى الْجَنَائِزِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ يَصِحُّ أَنْ يَفْعَلَهَا الرِّجَالُ فَصَحَّ أَنْ يَفْعَلَهَا النِّسَاءُ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهَا النِّسَاءُ دُونَ الرِّجَالِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِمَا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ عَلَيْهَا يُرِيدُ أَنْكَرُوا عَلَيْهَا إدْخَالَ الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ لَا يُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِنَازَةُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَيُصَلِّي مَنْ فِي الْمَسْجِدِ عَلَيْهَا لِضِيقِ الْمَوْضِعِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَجَازَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ لِهَذِهِ الصَّلَاةِ مَوْضِعًا يَخْتَصُّ بِهَا وَلَا يُفْعَلُ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ سُنَّ لَهَا الْجَمَاعَةُ فَجَازَ أَنْ تُفْعَلَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَأَمَّا مَنْعُ إدْخَالِ الْمَيِّتِ الْمَسْجِدَ فَإِنَّهُ تَغْرِيرٌ بِالْمَسْجِدِ وَامْتِهَانٌ لَهُ لِئَلَّا يَتَفَتَّقَ فَيَسِيلَ مِنْهُ مَا يُؤْذِي الْمَسْجِدَ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ طَاهِرٌ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ نَجِسٌ فَلَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ لِنَجَاسَتِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا مَا أَسْرَعَ النَّاسَ يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِهِ مَا أَسْرَعَهُمْ إلَى الْإِنْكَارِ وَالْعَيْبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ مَا أَسْرَعَ نِسْيَانَهُمْ لِحُكْمِ مَا أَنْكَرُوهُ عَلَيْهَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ مَا أَسْرَعَ النَّاسَ تُرِيدُ إلَى الطَّعْنِ وَالْعَيْبِ قَالَ وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ يَعْنِي مَا أَسْرَعَ مَا نَسُوهُ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِمْ ﷺ . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا «مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» تُرِيدُ بِذَلِكَ الْحُجَّةَ لِمَا أَنْكَرُوهُ وَيُحْتَمَلُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا وَهِيَ فِي الْمَسْجِدِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُصَلَّى وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَالْجِنَازَةُ خَارِجُ الْمَسْجِدِ وَعَلَى هَذَا حَمَلَهُ مَنْ أَنْكَرَ إدْخَالَهَا فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ صُلِّيَ عَلَيْهَا وَهِيَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ قَالَ الدَّاوُدِيُّ تَمْضِي الصَّلَاةُ وَيَسْقُطُ الْفَرْضُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ صُلِّيَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْمَسْجِدِ) (ش) : مَعْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنْ يَكُونَ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَهُوَ خَارِجُ الْمَسْجِدِ وَالْمُصَلُّونَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي

стр. 382

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الْجَنَائِزِ بِالْمَدِينَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَيَجْعَلُونَ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَالنِّسَاءَ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ) . ــ [المنتقى] دُفِنَ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَهُ الْآنَ حُكْمُ الْمَقَابِرِ، وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ إذَا كَانَ فِيهِ مَقْبَرَةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلَّى فِي مَوْضِعِ الْمَقَابِرِ مِنْهُ عَلَى الْمَيِّتِ. [جَامِعُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ] (ش) : قَوْلُهُ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الْجَنَائِزِ بِالْمَدِينَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يُصَلِّيَانِ عَلَيْهَا لِلْإِمَارَةِ وَأَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهَا إمَّا لِصَلَاحِهِ وَخَيْرِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَتْ لَهُ جِنَازَةٌ فِي الْجُمْلَةِ وَالْجِنَازَةُ يُصَلَّى عَلَيْهَا بِثَلَاثَةِ مَعَانٍ: الْوِلَايَةُ وَهِيَ الْإِمَارَةُ. وَالثَّانِي: الْوَلَاءُ وَالتَّعْصِيبُ. وَالثَّالِثُ: التَّعْصِيبُ وَالدِّينُ فَإِذَا انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي، مِثْلُ أَنْ يَمُوتَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَكُونُ لَهُ وَلِيٌّ وَلَا يَحْضُرُ مَنْ يُشَارُ إلَيْهِ بِصَلَاحٍ وَيَحْضُرُ الْوَالِي فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ يَحْضُرُهَا الْوَالِي فَكَانَ أَحَقَّ بِالتَّقَدُّمِ عَلَيْهَا كَصَلَاةِ الْفَرْضِ، وَإِنْ حَضَرَهُ وَلِيٌّ وَلَمْ يَحْضُرْهُ وَالٍ وَلَا رَجُلٌ مَشْهُورٌ بِالصَّلَاحِ فَإِنَّ الْوَلِيَّ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ مِنْ حُقُوقِ الْمَيِّتِ وَمِنْ حُقُوقِ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِالْقِيَامِ بِهَا مِنْ الْأَجَانِبِ كَسَائِرِ أُمُورِهِ مِنْ مُوَارَاتِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ حَضَرَهُ رَجُلٌ مَشْهُورٌ بِالصَّلَاحِ وَلَمْ يَحْضُرْهُ وَالٍ وَلَا وَلِيٌّ فَإِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ لِمَا يُرْجَى مِنْ بَرَكَةِ دُعَائِهِ وَفَضْلِهِ وَصَلَاتِهِ لِلْمَيِّتِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ ثَلَاثَتُهُمْ فِي جِنَازَةٍ فَأَحَقُّهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ الْوَالِي وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ شَهِدْت حُسَيْنًا حِينَ مَاتَ الْحَسَنُ وَهُوَ يَدْفَعُ فِي قَفَا سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ يَقُولُ تَقْدَمَ فَلَوْلَا السُّنَّةُ مَا قَدَّمْنَاك وَسَعِيدٌ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ سُنَّ لَهَا الْجَمَاعَةُ فَكَانَ الْوَالِي أَحَقَّ بِإِمَامَتِهَا كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ الْوَالِي الَّذِي يَسْتَحِقُّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ وَيَكُونُ أَوْلَى بِهَا مِنْ الْوَلِيِّ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ مَنْ إلَيْهِ الصَّلَاةُ مِنْ وَالٍ أَوْ قَاضٍ أَوْ صَاحِبِ شُرْطَةٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ إنَّمَا ذَلِكَ إلَى الْأَمِيرِ الَّذِي تُؤَدَّى إلَيْهِ الطَّاعَةُ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ الْأَئِمَّةِ وَالْحُكَّامِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ ذَلِكَ لِلْقَاضِي وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَتْ إلَيْهِ الصَّلَاةُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَالٍ فَأَحَقُّ النَّاسِ بِالتَّقْدِيمِ الْوَلِيُّ إذَا كَانَ مِمَّنْ تَصِحُّ إمَامَتُهُ وَيَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِالتَّعْصِيبِ فَأَقْوَى عَصَبَتِهِ تَعْصِيبًا وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ أَحَقُّهُمْ بِذَلِكَ كَالْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا اجْتَمَعَ جِنَازَتَانِ فَأَكْثَرُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلِيٌّ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إنَّ أَحَقَّهُمْ بِالصَّلَاةِ أَفْضَلُهُمْ، وَإِنْ كَانَ وَلِيَّ امْرَأَةٍ وَغَيْرُهُ وَلِيُّ رَجُلٍ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَحَقُّهُمْ وَلِيُّ الرَّجُلِ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُمَا قَدْ تَشَارَكَا فِي الْوِلَايَةِ لِاسْتِحْقَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَلِكَ بِسَبَبِ وَلِيِّهِ وَلِلْفَاضِلِ مَزِيَّةُ الْفَضْلِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ التَّقْدِيمَ بِسَبَبِ وَلِيِّهِ الْمَيِّتِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَقَدَّمَ مَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ الرَّجُلِ كَمَا يُقَدَّمُ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الْجَنَائِزِ بِالْمَدِينَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يُرِيدُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ الْجَنَائِزَ فَيُصَلُّونَ عَلَيْهَا صَلَاةً وَاحِدَةً تُجْزِئُ عَنْ أَفْرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِصَلَاةٍ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، وَتَرَادُفُ الْجَنَائِزِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَأْتِيَ جِنَازَةٌ بَعْدَ أَنْ يُشْرَعَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهَا فَهَذِهِ قَدْ فَاتَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَيُتِمُّ الصَّلَاةَ عَلَى الْأُولَى، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ عَلَى الثَّانِيَةِ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي:

стр. 383

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا صَلَّى عَلَى الْجَنَائِزِ يُسَلِّمُ حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيه) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ عَلَى الْجِنَازَةِ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ) . (ص) : (مَالِكٌ لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ أَنْ صَلَّى عَلَى وَلَدِ الزِّنَا وَأُمِّهِ) . ــ [المنتقى] أَنْ تَأْتِيَ جِنَازَةٌ قَبْلَ أَنْ يُشْرَعَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهَا فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ جَمْعِهَا وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا مَا كَانَتْ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَيَجْعَلُونَ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَالنِّسَاءَ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ هَذَا نَوْعٌ مِنْ تَرْتِيبِ الْجَنَائِزِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَهُوَ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرَهُ أَنْ يُقَدَّمَ مُسْتَحَقُّ الْفَضِيلَةِ إلَى جِهَةِ الْإِمَامِ وَيُجْعَلُ غَيْرُهُ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَهِيَ الْجِهَةُ الَّتِي تَبْعُدُ عَنْ الْإِمَامِ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَجْعَلُوا صَفًّا وَاحِدًا، وَيَقُومُ الْإِمَامُ وَسَطَ ذَلِكَ فَيُجْعَلُ مُسْتَحَقُّ الْفَضِيلَةِ هَذَا الْإِمَامَ وَيُجْعَلُ غَيْرُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُ رِجَالٍ وَصِبْيَانٍ وَنِسَاءٍ وَأَحْرَارٍ وَعَبِيدٍ فَإِنَّهُ يَلِي الْإِمَامَ الْأَحْرَارُ مِنْ الرِّجَالِ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ الْأَحْرَارُ، ثُمَّ الرِّجَالُ الْعَبِيدُ، ثُمَّ النِّسَاءُ الْحَرَائِرُ ثُمَّ إنَاثُ الصِّبْيَانِ، ثُمَّ إمَاءُ النِّسَاءِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَهَكَذَا قَالَ لِي مَنْ لَقِيت مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْفَضَائِلَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي النَّاسِ بِالْأَحْوَالِ وَالتَّقَدُّمِ هِيَ الذُّكُورَةُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ كَمَا أَنَّ النَّقَائِصَ ثَلَاثَةٌ وَهِيَ الْأُنُوثَةُ وَالصِّغَرُ وَالرِّقُّ فَيَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ مَنْ كَمُلَتْ لَهُ الْفَضَائِلُ وَسَلِمَ مِنْ النَّقَائِصِ وَهُوَ الذَّكَرُ الْحُرُّ الْبَالِغُ وَالْأُنُوثَةُ أَبْعَدُ مِنْ هَذَا مِنْ الصِّغَرِ وَالْعُبُودِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا يَزُولَانِ وَالْأُنُوثَةُ مَعْنًى ثَابِتٌ فَلِذَلِكَ قُدِّمَ الصَّغِيرُ وَالْعَبْدُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَقُدِّمَ الصَّغِيرُ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ حَالًا؛ لِأَنَّ رُتْبَتَهُ مِنْ صِغَرِهِ رُتْبَةُ الْحُرِّ الْبَالِغِ، وَلِأَنَّ الصَّغِيرَ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ زَوَالِ هَذَا النَّقْصِ وَبُلُوغِ حَالِ الْكَمَالِ، وَالْعَبْدُ يُسْتَطَاعُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ وَعَلَى حَسَبِ هَذَا يَتَوَجَّهُ تَرْتِيبُ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ عَلَى بَعْضٍ. (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُسَلِّمُ سَلَامَ التَّحْلِيلِ مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَ لَهَا تَكْبِيرٌ يَدْخُلُ بِهِ فِيهَا فَوَجَبَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا بِتَسْلِيمٍ كَصَلَاةِ الْفَرْضِ وَقَوْلُهُ حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيه يُرِيدُ مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُ مِنْ الْمُصَلَّيْنَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إذْنٌ لَهُمْ بِتَمَامِ الصَّلَاةِ وَهِيَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى يُسِرُّ السَّلَامَ فِي نَفْسِهِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ فَرْضٍ فِي جَمَاعَةٍ فَكَانَ مِنْ سُنَّةِ الْإِمَامِ الْإِعْلَانُ بِالسَّلَامِ مِنْهَا كَصَلَاةِ الْفَرْضِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا رُكْنٌ مُنْفَرِدٌ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِ الْإِعْلَانُ بِالسَّلَامِ كَسُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ الْمَأْمُومِينَ يَعْلَمُونَ بِحَالِ الْإِمَامِ بِانْصِرَافِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْمَأْمُومُونَ يُسَلِّمُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَحْتَاجُونَ إلَى الْإِعْلَانِ وَهَلْ يَرُدُّونَ عَلَى الْإِمَامِ أَمْ لَا رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ عَلَيْهِمْ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى الْإِمَامِ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ غَانِمٍ أَنَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْإِمَامَ يُسَلِّمُ وَلَا يَثْبُتُ فِي مَوْضِعِهِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ غَانِمٍ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ فَرْضٍ فَشُرِعَ فِيهَا رَدُّ السَّلَامِ عَلَى الْإِمَامِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ مَبْنِيَّتَيْنِ عَلَى جَهْرِ الْإِمَامِ بِالسَّلَامِ فَإِذَا قُلْنَا يَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالسَّلَامِ قُلْنَا يَرُدُّ عَلَيْهِ الْمَأْمُومُ، وَإِذَا قُلْنَا لَا يَجْهَرُ بِالسَّلَامِ وَلَمْ يَلْزَمْ الْمَأْمُومَ الرَّدُّ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : مَنْعُهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ إلَّا الشَّعْبِيَّ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ وَلَدَ الزِّنَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُوَالَاةُ لَا تَنْقَطِعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَكَيْفَ وَلَا ذَنْبَ لِوَلَدِ الزِّنَا فِي أَمْرِهِ وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إلَّا قَتَادَةَ فَقَالَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مُسْلِمٌ مَاتَ فِي غَيْرِ الْمُعْتَرَكِ فَوَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَوَلَدِ الرَّشْدَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا أُمُّهُ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهَا أَيْضًا غَيْرَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْتَنِبَ

стр. 384

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَصَلَّى عَلَيْهِ النَّاسُ أَفْذَاذًا لَا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ فَقَالَ نَاسٌ يُدْفَنُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَقَالَ آخَرُونَ يُدْفَنُ بِالْبَقِيعِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا دُفِنَ نَبِيٌّ قَطُّ إلَّا فِي مَكَانِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَحُفِرَ لَهُ فِيهِ فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ غُسْلِهِ أَرَادُوا نَزْعَ قَمِيصِهِ فَسَمِعُوا صَوْتًا يَقُولُ لَا تَنْزِعُوا الْقَمِيصَ فَلَمْ يُنْزَعْ الْقَمِيصُ وَغُسِّلَ وَهُوَ عَلَيْهِ ﷺ » ) . ــ [المنتقى] الصَّلَاةَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ النَّقَائِصَ الْمَانِعَةَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِي الْعَامَّةِ وَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي الْخَاصَّةِ وَهُوَ كُلُّ نَقْصٍ لَا يُخْرِجُ عَنْ الْإِيمَانِ كَأَهْلِ الْكَبَائِرِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ الْمُسْتَمْسِكِينَ بِالْإِيمَانِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ لِيَكُونَ ذَلِكَ رَدْعًا وَزَجْرًا لِغَيْرِهِمْ عَنْ مِثْلِ حَالِهِمْ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سُمْرَةَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إلَى إبْطَالِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَإِنْ خِيفَ ذَلِكَ صَلَّوْا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ لَازِمٌ بِسَبَبِهِمْ وَلَا يُسْقِطُهُ كَبَائِرُهُمْ وَبِدَعُهُمْ مَا تَمَسَّكُوا بِالْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ الْمَقْتُولُ فِي الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ فَلَمْ تَمْنَعْهُ مَعْصِيَتُهُ مِنْ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا أُتِيَ بِمَيِّتٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً لَهُ يُصَلِّ عَلَيْهِ، وَقَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَنْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ فِي قِصَاصٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ اعْتَرَفَ بِالزِّنَا وَالْإِحْصَانِ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرًا وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» . (ش) : قَوْلُهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ دَلِيلٌ عَلَى التَّأْخِيرِ إلَى الْغَدِ مِنْ يَوْمِ الْوَفَاةِ وَقَوْلُهُ " صَلَّى عَلَيْهِ النَّاسُ أَفْذَاذًا لَا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ " قَدْ اُخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَأْتِي الرَّجُلُ وَالرِّجَالُ فَيَدْعُونَ وَيَتَرَحَّمُونَ وَلِهَذَا وَجْهٌ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ شَهِيدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا أَنَّ الشَّهِيدَ يُغْنِيه فَضْلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ فَلَأَنْ يُغْنِي النَّبِيَّ ﷺ فَضْلُهُ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى، وَإِنَّمَا فَارَقَ الشَّهِيدَ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ عَلَى الشَّهِيدِ مِنْ الدَّمِ مَا هُوَ طِيبٌ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَعِنْوَانٌ لِشَهَادَتِهِ وَلَيْسَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا يُكْرَهُ إزَالَتُهُ عَنْهُ فَافْتَرَقَا لِذَلِكَ فِي الْغُسْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقِيلَ إنَّ النَّاسَ صَلُّوا عَلَيْهِ أَفْذَاذًا لَا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ وَلِهَذَا أَيْضًا وَجْهٌ وَذَلِكَ لِئَلَّا تَفُوتَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَفُوزَ بِالْإِمَامَةِ وَالْخِلَافَةِ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اتِّفَاقٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَكُنْ تَقَرَّرَ بَعْدُ أَنَّ الْخِلَافَةَ لَا تَكُونُ فِي غَيْرِ قُرَيْشٍ وَلِذَلِكَ ادَّعَاهَا الْأَنْصَارُ، وَقَالُوا مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، ثُمَّ ثَبَتَتْ النُّصُوصُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَقَالَ نَاسٌ يُدْفَنُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَقَالَ آخَرُونَ يُدْفَنُ بِالْبَقِيعِ وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ دَفْنِهِ إخْبَارًا مِنْهُمْ عَنْ رَأْيِهِمْ فِي ذَلِكَ وَمَبْلَغِ اجْتِهَادِهِمْ حَتَّى ذَكَرَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ فَرَجَعُوا إلَيْهِ وَأَخَذُوا بِهِ وَهَذَا حُكْمُ الِاجْتِهَادِ إذَا ظُهِرَ عَلَى النَّصِّ وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الِاجْتِهَادُ مُوَافِقًا لِلنَّصِّ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «مَا دُفِنَ نَبِيٌّ قَطُّ إلَّا فِي مَكَانِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ» إخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى حُكْمِهِ هُوَ ﷺ ، وَكَذَلِكَ احْتَجَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَأَخَذَ بِهِ سَائِرُ الصَّحَابَةِ فَحَفَرُوا لَهُ فِيهِ يُرِيدُ مَوْضِعَ وَفَاتِهِ وَدُفِنَ فِيهِ وَصِفَةُ الدَّفْنِ أَنْ يُنْزَلَ فِي قَبْرِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهَا الْجِهَةُ الَّتِي كَانَ يُعَظِّمُهَا الْمُسْلِمُ فِي حَيَّاتِهِ وَيُجْعَلُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» . ١ -

стр. 385

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَلْحَدُ وَالْآخَرُ لَا يَلْحَدُ فَقَالُوا أَيُّهُمَا جَاءَ أَوَّلَ عَمِلَ عَمَلَهُ فَجَاءَ الَّذِي يَلْحَدُ فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) . ــ [المنتقى] فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ غُسْلِهِ أَرَادُوا نَزْعَ قَمِيصِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ سُنَّةَ الْغُسْلِ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ عَشْرَةَ أَعْوَامٍ وَلَا بُدَّ لِاتِّصَالِ الْمَوْتِ عِنْدَهُمْ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِنْ أَنْ يَعْرِفُوا حُكْمَ الْغُسْلِ وَمُحَالٌ أَنْ يَجْهَلَ جَمِيعُهُمْ حُكْمَ الْغُسْلِ حِينَ أَرَادُوا اسْتِعْمَالَ الْمَحْظُورَ مِنْهُ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ نَزْعُ الْقَمِيصِ وَإِبْقَاؤُهُ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ كَمَا ذَهَبُوهُ فِي اللَّحْدِ لَهُ وَلَوْ كَانَ أَمْرًا لَمْ يَتَقَرَّرْ بَيْنَهُمْ حُكْمُهُ لَاخْتَلَفُوا فِيهِ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي مَوْضِعِ دَفْنِهِ فَثَبَتَ أَنَّ نَزْعَ الْقَمِيصِ هُوَ سُنَّةُ الْغُسْلِ وَلِذَلِكَ أَرَادُوا أَنْ يَسْتَعْمِلُوهُ فِي النَّبِيِّ ﷺ حِينَ سَمِعُوا صَوْتًا يَقُولُ لَا تَنْزِعُوا الْقَمِيصَ وَهَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ الظَّاهِرَةِ بِسَبَبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ تَكْرِمَةً لَهُ وَتَفْضِيلًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ فِيهِ وَلِيَكُونَ ذَلِكَ الْأَمْرُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ ﷺ مَعْصُومٌ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ مَمْنُوعٌ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ وَلِذَلِكَ امْتَثَلَتْ الصَّحَابَةُ مَا سَمِعَتْ مِنْ الصَّوْتِ فَلَمْ يُنْزَعْ الْقَمِيصُ وَغُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ ﷺ . (ش) : قَوْلُهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَلْحَدُ وَالْآخِرُ لَا يَلْحَدُ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَيْنِ جَائِزَانِ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَحْظُورًا لَمَا اسْتَدَامَ عَمَلُهُ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْفَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ عَمِلَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ لَا سِيَّمَا، وَاَلَّذِي كَانَ لَا يَلْحَدُ مِنْ أَفْضَلِ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرِهِمْ اخْتِصَاصًا بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَاَلَّذِي كَانَ يَلْحَدُ هُوَ أَبُو طَلْحَةَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ اللَّحْدُ وَالشَّقُّ كُلٌّ وَاسِعٌ وَاللَّحْدُ أَحَبُّ إلَيَّ. وَوَجْهُ ذَلِكَ التَّبَرُّكُ بِمَا فُعِلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَاللَّحْدُ هُوَ مَا كَانَ الشَّقُّ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ وَالضَّرِيحُ مَا كَانَ فِي وَسَطِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَغْمَقُ الْقَبْرُ جِدًّا وَلَكِنْ قَدْرَ عِظَمِ الذِّرَاعِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الشَّقَّ الَّذِي هُوَ نَفْسُ اللَّحْدِ، وَأَمَّا نَفْسُ الْقَبْرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ مِنْهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ اللَّبِنَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَكَذَلِكَ فُعِلَ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي التَّابُوتِ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ الطُّوبُ قَالَ أَشْهَبُ لَا بَأْسَ بِاللَّوْحِ وَالْآجُرِّ وَالْقَصَبِ وَاللَّبِنِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ السَّرَفِ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الدَّفْنَ فِي الْأَرْضِ وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الَّتِي تَلِي الْإِنْسَانَ وَتَكُونُ بَاقِيَةً عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ لَمْ يَتَغَيَّرْ إلَى أَنْ يَصِيرَ أَجْزَاءً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ السُّنَّةِ تَسْنِيمُ الْقَبْرِ وَلَا بِرَفْعٍ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا، فَأَمَّا بُنْيَانُهُ وَرَفْعُهُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَاهَاةِ فَمَمْنُوعٌ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يُرَصَّصُ عَلَى الْقَبْرِ بِالْحِجَارَةِ وَالطِّينِ أَوْ الطُّوبِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَرَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ تُرْفَعَ الْقُبُورُ أَوْ يُبْنَى عَلَيْهَا وَأَمَرَ بِهَدْمِهَا وَتَسْوِيَتِهَا بِالْأَرْضِ وَفَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ تُسَوَّى تَسْوِيَةَ تَسْنِيمٍ» قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُسَوِّي نَفْسَ الْقَبْرِ بِالْأَرْضِ وَيَرْفَعَ رَفْعَ تَسْنِيمٍ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ أَصْلَهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا بَأْسَ بِالْمَشْيِ عَلَى الْقَبْرِ إذَا عَفَا، وَأَمَّا وَهُوَ مُسَنَّمٌ وَالطَّرِيقُ دُونَهُ فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا يَكْسِرُ تَسْنِيمَهُ وَيُبِيحُهُ طَرِيقًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ السَّنَامَ يَحْفَظُهُ عَلَى أَهْلِهِ يَعْرِفُونَهُ بِهِ وَيَمْنَعُ مِنْ ابْتِذَالِهِ بِالْمَشْيِ عَلَيْهِ وَتَعْفِيَةِ أَثَرِهِ فَأَمَّا الْبُنْيَانُ الْمُتَّخَذُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَاهَاةِ فَمَمْنُوعٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا تَقْصِيصُهَا يُقَالُ تَجْصِيصُهَا وَهُوَ تَبْيِيضُهَا بِالْجِيرِ أَوْ التُّرَابِ الْأَبْيَضِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ وَالنَّقْشُ عَلَى الْقَبْرِ كَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ بَلَاطَةٌ وَيَكْتُبُ فِيهَا وَلَمْ يَرَ

стр. 386

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تَقُولُ مَا صَدَّقْت بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى سَمِعْت وَقْعَ الْكَرَازِينِ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ تُوُفِّيَا بِالْعَقِيقِ وَحُمِلَا إلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَا بِهَا) . ــ [المنتقى] بِالْعَمُودِ وَالْخَشَبَةِ وَالْحَجَرِ يُعْرَفُ بِهَا الْقَبْرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكْتَبَ فِيهَا بَأْسًا. وَوَجْهُ ذَلِكَ مَنْعُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْمُبَاهَاةِ وَإِبَاحَةِ مَا عَرَا مِنْهَا، وَأَمَّا الْفُسْطَاطُ يُضْرَبُ عَلَى الْقَبْرِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ ضَرْبُهُ عَلَى قَبْرِ الْمَرْأَةِ أَفْضَلُ مِنْ ضَرْبِهِ عَلَى قَبْرِ الرَّجُلِ لِمَا يَسْتُرُ مِنْهَا عِنْدَ إقْبَارِهَا، وَقَدْ ضَرَبَهُ عُمَرُ عَلَى قَبْرِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَكَرِهَ ضَرْبَهُ عَلَى قَبْرِ الرَّجُلِ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَضَرَبَتْهُ عَائِشَةُ عَلَى قَبْرِ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَضَرَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَبْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَرَاهُ وَاسِعًا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَيُبَاتُ فِيهِ إنْ خِيفَ مِنْ نَبْشٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا كَرِهَهُ مَنْ كَرِهَهُ لِمَنْ ضَرَبَهُ عَلَى وَجْهِ السُّمْعَةِ وَالْمُبَاهَاةِ. (ش) : قَوْلُهَا مَا صَدَّقْت بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ تُكَذِّبُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَكَانَ أَشَدُّ النَّاسِ فِيهِ عُمَرَ حَتَّى جَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَحَقَّقَ مَوْتَهُ، وَقَوْلُهَا حَتَّى سَمِعْت وَقْعَ الْكَرَازِينَ تُرِيدُ وَقْعَ الْمَسَّاحِي يَحْثِي التُّرَابَ عَلَيْهِ ﷺ وَشَرُفَ وَكَرُمَ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ رَأَيْت ثَلَاثَةَ أَقْمَارٍ سَقَطْنَ فِي حُجْرَتِي فَقَصَصْت رُؤْيَايَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ قَالَ فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدُفِنَ فِي بَيْتِهَا قَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ هَذَا أَحَدُ أَقْمَارِك وَهُوَ خَيْرُهَا) (ش) : قَوْلُهَا رَأَيْت ثَلَاثَةَ أَقْمَارٍ سَقَطْنَ فِي حُجْرَتِي فَقَصَصْت رُؤْيَايَ تُرِيدُ أَنَّهَا رَأَتْ فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَةَ أَقْمَارٍ سَقَطَتْ فِي حُجْرَتِهَا وَأَنَّهَا قَصَّتْ رُؤْيَاهَا تِلْكَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ لِاعْتِقَادِهَا فِيهَا أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ وَأَنَّ الرُّؤْيَا أَمْرٌ صَحِيحٌ وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ فَأَمْسَكَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ تَعْبِيرِهَا إذْ تَبَيَّنَ لَهُ مِنْهَا مَوْتُ النَّبِيِّ ﷺ لِاجْتِمَاعِ دَلَالَةِ الرُّؤْيَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقَمَرَ قَدْ يَدُلُّ عَلَى السُّلْطَانِ وَالرَّئِيسِ وَيَدُلُّ عَلَى الْعَالِمِ الَّذِي يُهْتَدَى بِهِ وَيَدُلُّ عَلَى الزَّوْجِ وَالْوَلَدِ وَسُقُوطُهَا فِي حُجْرَتِهَا دَلِيلٌ عَلَى دَفْنِهِمْ فِي حُجْرَتِهَا، وَسُنَّةُ الْعِبَارَةِ إذَا رَأَى الْمُعَبِّرَ فِيهَا مَا يُكْرَهُ أَنْ لَا يُعَبِّرَهَا لَهُ فَصَدَقَتْ رُؤْيَا عَائِشَةَ بِدَفْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهَا فَتَأَوَّلَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ حِينَئِذٍ الرُّؤْيَا إذْ رَآهَا قَدْ خَرَجَتْ، وَقَالَ لَهَا هَذَا أَحَدُ أَقْمَارِك وَهُوَ خَيْرُهَا فَدُفِنَ فِي بَيْتِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. (ش) : قَوْلُهُ تُوُفِّيَا بِالْعَقِيقِ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ وَحُمِلَا إلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَا بِهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُون فَعَلَ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَتَوَلَّوْا الصَّلَاةَ عَلَيْهِمَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِفَضْلٍ اعْتَقَدُوهُ فِي الدَّفْنِ بِالْبَقِيعِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِيَقْرُبَ عَلَى مَنْ لَهُمْ مِنْ الْأَصْلِ زِيَارَةُ قُبُورِهِمْ وَالدُّعَاءُ لَهُمْ (ص) . (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ مَا أُحِبُّ أَنَّ أُدْفَنَ بِالْبَقِيعِ لَأَنْ أُدْفَنَ فِي غَيْرِهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنَّ أُدْفَنَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ إمَّا ظَالِمٌ فَلَا أُحِبُّ أَنْ أُدْفَنَ مَعَهُ وَإِمَّا صَالِحٌ فَلَا أُحِبُّ أَنْ تُنْبَشَ لِي عِظَامُهُ) (ش) : كَرِهَ عُرْوَةُ الدَّفْنَ بِالْبَقِيعِ لَا لِكَرَاهِيَةِ الْبُقْعَةِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ فِيهِ مَوْضِعٌ إلَّا قَدْ دُفِنَ فِيهِ فَكَرِهَ الدَّفْنَ بِهِ لِهَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تُنْبَشَ لَهُ عِظَامُ مَنْ دُفِنَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَبْلَهُ فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا كَرِهَ مُجَاوَرَتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَالِحًا كَرِهَ أَنْ يُنْبَشَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يُعَظَّمُ نَبْشُ عِظَامِ الصَّالِحِ مِنْ أَجْلِهِ لِحُرْمَتِهِ وَصَلَاحِهِ وَأَنْ يَكُونَ لِلظَّالِمِ حُرْمَةٌ أَيْضًا إلَّا أَنَّ كَرَاهِيَتَهُ لِمُجَاوِرَتِهِ أَعْظَمُ فَلِذَلِكَ عَلَّقَ الْكَرَاهِيَةَ لِمُجَاوِرَتِهِ وَلَا تُكْرَهُ مُجَاوِرَةُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكْرَهْ إلَّا نَبْشَ عِظَامِهِ لَهُ.

стр. 387

الْوُقُوفُ لِلْجَنَائِزِ وَالْجُلُوسُ عَلَى الْمَقَابِرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُومُ فِي الْجَنَائِزِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدُ» ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْقُبُورَ وَيَضْطَجِعُ عَلَيْهَا قَالَ مَالِكٌ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ الْقُعُودِ عَلَى الْقُبُورِ فِيمَا نَرَى لِلذَّاهِبِ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ يَقُولُ كُنَّا نَشْهَدُ الْجَنَائِزَ فَمَا يَجْلِسُ آخَرُ النَّاسِ حَتَّى يُؤْذَنُوا) . ــ [المنتقى] [الْوُقُوفُ لِلْجَنَائِزِ وَالْجُلُوسُ عَلَى الْمَقَابِرِ] (ش) : قَوْلُهُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُومُ فِي الْجَنَائِزِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ الْقِيَامِ» وَالْجُلُوسِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِمَنْ مَرَّتْ بِهِ. وَالثَّانِي: لِمَنْ يَتْبَعُهَا فَهَلْ يَقُومُ لَهَا حَتَّى تُوضَعَ؟ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْقِيَامُ لَهَا فِي مَوْضِعَيْنِ: رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى تُوضَعَ» . ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَدِيثٌ عَلَى الْمَذْكُورِ فِيهِ «أَنَّهُ جَلَسَ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَقُومُ» اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ جُلُوسَهُ نَاسِخٌ لِقِيَامِهِ وَاخْتَارُوا أَنْ لَا يَقُومَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ حَبِيبٍ: إنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّوْسِعَةِ وَإِنَّ الْقِيَامَ فِيهِ أَجْرٌ وَحُكْمُهُ بَاقٍ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَوْلَى لِحَدِيثِ عَلِيٍّ الَّذِي فِيهِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ. (ش) : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَتَوَسَّدُ عَلَى الْقُبُورِ وَيَضْطَجِعُ عَلَيْهَا وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ الْجُلُوسِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعَطَاءُ فِي مَنْعِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقُبُورِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابِهِ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» فَتَأَوَّلَ مَالِكٌ ﵀ هَذَا عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْقُبُورِ إنَّمَا تَنَاوَلَ الْجُلُوسَ عَلَيْهَا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَقَدْ قَالَ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ زَارَ الْقُبُورَ وَأَبَاحَ زِيَارَتَهَا» وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي جَوَازِ الْجُلُوسِ عَلَيْهَا عِنْدَ الدَّفْنِ فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى ذَلِكَ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ وَفِعْلِهِ. (ش) : قَوْلُهُ فَمَا يَجْلِسُ آخَرُ النَّاسِ حَتَّى يُؤْذَنُوا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَاعَ بِالْجِنَازَةِ مَشْرُوعٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ حَتَّى يُؤْذَنُوا يُرِيدُ يُؤْذَنُوا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مَعْنَاهُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُمْ بِالِانْصِرَافِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَبْنُونَ الْقُبُورَ، وَإِنَّمَا كَانَ إدْلَاؤُهُ وَرَدُّ التُّرَابِ، وَهَذَا لَا يَلْبَثُ النَّاسُ فِيهِ وَمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فَلَا يَجْلِسُ آخِرُ النَّاسِ حَتَّى يُؤْذَنُوا وَلَا يُقَالُ آخِرُ النَّاسِ فِيمَنْ صَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ وَانْتَظَرَ أَنْ يُؤْذَنَ؛ لِأَنَّهُمْ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِيمَنْ يَأْتِي بَيْنَ يَدَيْ الْجِنَازَةِ فَيَصِلُ أَوَّلُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ آخِرُهُمْ فَرُبَّمَا لَمْ يَجْلِسْ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يُدْرِكَ آخِرُهُمْ فَتُوضَعَ الْجِنَازَةُ وَيُؤْذَنُوا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّرَبُّصِ حَتَّى يُدَلَّى فِي الْقَبْرِ وَيُرَدَّ التُّرَابُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مُدَّةٍ يَجْلِسُ فِيهَا أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ إنْ صَحَّ أَنْ يُوصَفُوا بِأَوَّلٍ وَآخِرٍ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ فِيهَا جَمِيعُ النَّاسِ إلَّا مَنْ يَتَنَاوَلُ دَفْنَهُ أَوْ يَتَكَلَّفُ الْقِيَامَ مُدَّةً طَوِيلَةً إلَى أَنْ يَتِمَّ أَمْرُهُ، وَأَمَّا الِانْقِلَابُ عَنْهَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ لَا يَنْصَرِفُ عَنْهَا إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ أَهْلَ الْجِنَازَةِ لَوْ شَاءُوا أَنْ يُمْسِكُوا النَّاسَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ فَلَمْ يُعْتَبَرْ بِإِذْنِهِمْ فِي انْصِرَافِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ الْإِمْسَاكُ فَإِنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِإِذْنِهِ كَسَائِرِ النَّاسِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا بَأْسَ بِالِانْصِرَافِ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَكْمُلَ دَفْنُهَا إذَا بَقِيَ مَعَهَا مَنْ يَلِي ذَلِكَ مِنْهَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيَنْصَرِفُ لِعِلَّةٍ

стр. 388

النَّهْيُ عَنْ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ عَنْ عَتِيكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَتِيكٍ وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ أَبُو أُمِّهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ غُلِبْنَا عَلَيْك يَا أَبَا الرَّبِيعِ فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ فَجَعَلَ جَابِرٌ يُسْكِتُهُنَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعْهُنَّ فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوُجُوبُ قَالَ إذَا مَاتَ فَقَالَتْ ابْنَتُهُ، وَاَللَّهِ إنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا فَإِنَّك قَدْ كُنْتَ قَضَيْتَ جَهَازَكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ، وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟ قَالُوا الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ وَالْحَرِقُ شَهِيدٌ، وَاَلَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ» ) ــ [المنتقى] وَلِغَيْرِ عِلَّةٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَذَلِكَ إذَا قَامَ بِهَا غَيْرُهُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْفَرْضَ إنَّمَا هُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا الْبَقَاءُ حَتَّى تُدْفَنَ فَإِنَّمَا هُوَ فَضِيلَةٌ فَمَنْ أَقَامَ لَهَا فَحَسَنٌ وَيَنْصَرِفُ إنْ شَاءَ بَعْدَ كَمَالِ الدَّفْنِ دُونَ إذْنٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حُكْمِ أَحَدٍ فَيُؤْذَنَ لَهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ، قِيلَ وَمَا الْقِيرَاطُ؟ قَالَ مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ» فَجَعَلَ لِشَاهِدِ فَرْضِ الْجِنَازَةِ قِيرَاطًا وَلِمُشَاهَدَةِ فَضْلِ الْمُوَارَاةِ قِيرَاطًا وَلَعَلَّهُمَا إنَّمَا تَسَاوَيَا فِي الِاسْمِ دُونَ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [النَّهْيُ عَنْ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ] (ش) : قَوْلُهُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ» إخْبَارٌ عَنْ تَفْضِيلِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُوَاصَلَتِهِ أَصْحَابَهُ وَعِيَادَتِهِ مَرَضَاهُمْ وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ «قَدْ غُلِبَ أَنَّ الْأَلَمَ وَالْمَرَضَ الَّذِي كَانَ بِهِ غَلَبَ عَلَيْهِ حَتَّى مَنَعَهُ مِنْ مُجَاوَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ صَاحَ عَلَيْهِ فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » لِمَا أُصِيبَ فِيهِ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ فَقَالَ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] وَكَانَ ﷺ مُشْفِقًا عَلَى أَصْحَابِهِ مُحِبًّا فِيهِمْ فَإِذَا أُصِيبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ اسْتَرْجَعَ كَمَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَعْنَى ذَلِكَ تَصَبُّرٌ لِنَفْسِهِ وَاشِعَارٌ لَهُ أَنَّ الْكُلَّ لِلَّهِ وَأَنَّ الْكُلَّ رَاجِعٌ إلَيْهِ وَيَجِبُ أَنْ يُقْتَدَى بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ عِنْدَمَا يُصَابُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَحْوَالِهِ وَإِخْوَانِهِ وَمَالِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «غُلِبْنَا عَلَيْك يَا أَبَا الرَّبِيعِ» يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ التَّصْرِيحَ بِمَعْنَى اسْتِرْجَاعِهِ وَتَأَسُّفِهِ، فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بُكَاؤُهُنَّ لِمَا رَأَيْنَ مِنْ حَالِهِ وَتَيَقُّنٍ مِنْ مَوْتِهِ وَلَعَلَّهُ حَرَّكَهُنَّ لِذَلِكَ مَا سَمِعْنَ مِنْ اسْتِرْجَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَجَعَلَ جَابِرٌ يُسْكِتُهُنَّ لِمَا عَرَفَ مِنْ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ رَفْعِ النِّسَاءِ أَصْوَاتَهُنَّ بِالْبُكَاءِ وَنِيَاحِهِنَّ وَلَمْ يَكُنْ صِيَاحُ النِّسَاءِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ اسْتِرْجَاعًا وَبُكَاءً مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ بِقُبْحٍ وَلَا نِيَاحَةٍ «فَقَالَ ﷺ دَعْهُنَّ» يُرِيدُ ﷺ إطْلَاقَ الْبُكَاءِ وَالِاسْتِرْجَاعِ لَهُنَّ وَبِهَذَا اسْتَبَاحَ النَّاسُ الْبُكَاءَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ مَا لَمْ يُرْفَعْ بِهِ الصَّوْتُ وَيَكُونُ مَعَهُ كَلَامٌ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا الْبُكَاءُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ

стр. 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَهْلِهِ فَقَالَ قَدْ قَضَى؟ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بَكَوْا فَقَالَ أَلَا تَسْمَعُونَ إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ» فَأَمَّا قَوْلُهُ «فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ» وَفَسَّرَ الْوُجُوبَ ﷺ بِالْمَوْتِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ مَنَعَ مِنْ بُكَاءٍ مَخْصُوصٍ عِنْدَ الْوُجُوبِ وَهُوَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ الصِّيَاحِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ فَتَوَجَّهَ نَهْيُهُ إلَى ذَلِكَ الْبُكَاءِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَمْرٌ بِتَوْجِيهِهِ إلَى الْقِبْلَةِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ وُجِّهَ إلَى الْقِبْلَةِ وَلَا أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَا عَلِمْتُ التَّوْجِيهَ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ فَوُجِّهَ فَأَفَاقَ فَأَنْكَرَ فِعْلَهُمْ بِهِ، وَقَالَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَيِيتُ وَعَلَيْهِ أَمُوتُ لِيَكُنْ مَضْجَعِي مَا كُنْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَأَرَاهُ إنَّمَا كَرِهَ عَجَلَتَهُمْ بِذَلِكَ قَبْلَ الْحَقِيقَةِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مُخَالِفٌ لِهَذَا التَّأْوِيلِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ يَنْبَغِي أَنْ يُوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآثَارِ الصِّحَاحِ وَلَمْ يُذْكَرْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا التَّوْجِيهُ بَلْ الظَّاهِرُ مِنْهَا عَدَمُ التَّوْجِيهِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الْحَالَ وُجِدَتْ فِيهَا أَسْبَابُ الْوَفَاةِ فَشُرِعَ فِيهَا التَّوْجِيهُ كَالْحَمْلِ وَالدَّفْنِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالتَّوْجِيهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُوَجَّهُ إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ فَعَلَى ظَهْرِهِ وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ صِفَاتُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ كَاسْتِقْبَالِهَا فِي الصَّلَاةِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَكُونُ التَّوْجِيهُ إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ بِإِحْدَادِ نَظَرِهِ وَإِشْخَاصِ بَصَرِهِ وَيُلَقَّنُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ لَا بَأْسَ أَنْ تُغْمِضَهُ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ، وَقَالَ غَيْرُهُ الْإِغْمَاضُ سُنَّةٌ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ عِنْدَهُ ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ وَيُقَالُ عِنْدَ إغْمَاضِهِ اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَسَهِّلْ مَوْتَهُ وَأَسْعِدْهُ بِلِقَائِك وَاجْعَلْ مَا خَرَجَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ عَنْهُ قَالَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَجْلِسَ عِنْدَهُ إلَّا أَفْضَلُ أَهْلِهِ وَأَحْسَنُهُمْ هَدْيًا وَقَوْلًا وَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ وَلَا قُرْبَهُ ثَوْبٌ غَيْرُ طَاهِرٍ وَلَا يَحْضُرُهُ كَافِرٌ وَلَا حَائِضٌ وَهَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ حَبِيبٍ إنَّمَا أَوْرَدَهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ فَإِنْ فُعِلَتْ فَحَسَنٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ عِنْدَهُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ الْقِرَاءَةُ عِنْدَهُ وَالْإِجْمَارُ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ يس، وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَّخَذَ سُنَّةً وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَرَّبَ إلَيْهِ الرَّوَائِحُ الطَّيِّبَةُ مِنْ بَخُورٍ وَغَيْرِهِ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ وَاتَّصَلَ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ فَالْعَمَلُ بِهِ مُخَالِفٌ لِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ «ابْنَتِهِ إنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا فَإِنَّك قَدْ كُنْتَ قَضَيْتَ جِهَازَك» أَخْبَرَتْ عَنْ قُوَّةِ رَجَائِهَا فِي الشَّهَادَةِ لَهُ لِمَا كَانَتْ تَرَى مِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْجِهَادِ وَمُبَادَرَتِهِ إلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ قَضَى جِهَازَهُ لِلْغَزْوِ فَأَشْفَقَتْ مِمَّا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ «فَقَالَ ﷺ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ» وَهَذَا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَجْرَهُ قَدْ جَرَى لَهُ بِمِقْدَارِ الْعَمَلِ الَّذِي نَوَاهُ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَكُونُ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ أَنْ لَوْ عَمِلَهُ فَتَكُونُ النِّيَّةُ بِمَعْنَى الْمَنْوِيِّ. وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّهُ أُوقِعَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا يَجِبُ لِنِيَّتِهِ. إلَّا أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ ﷺ قَصْدَ إلَى تَسْلِيَتِهَا وَإِخْبَارِهَا بِأَنَّ مَا نَوَاهُ لَمْ يَفُتْهُ وَأَنَّ أَجْرَهُ قَدْ جَرَى لَهُ بِحَسَبِ نِيَّتِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ إلَّا بِقَدْرِ النِّيَّةِ لَمَا كَانَ لَهَا فِي ذَلِكَ رَاحَةٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ اسْتَفَادَتْ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ مِنْ

стр. 390

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ وَذُكِرَ لَهَا «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ فَقَالَتْ عَائِشَةُ يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ إنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ إنَّكُمْ لَتَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا» ) . الْحِسْبَةُ فِي الْمُصِيبَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ» ) ــ [المنتقى] هَذَا الْحَدِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَهُ مِنْ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟» سُؤَالٌ لَهُمْ عَنْ مَعْنَى الشَّهَادَةِ لِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ عِلْمَهُمْ وَيُفِيدَهُمْ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ قَالُوا الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا سَأَلَهُمْ عَنْ جِنْسِ جَمِيعِ الشَّهَادَةِ فَأَخْبَرُوهُ عَنْ بَعْضِهَا وَهُوَ جَمِيعُ مَا كَانَ يُسَمَّى عِنْدَهُ شَهَادَةً فَقَالُوا الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَخْبَرَهُمْ ﷺ أَنَّ الشَّهَادَةَ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَإِخْبَارًا لَهُمْ بِتَفَضُّلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ وَإِنَّ شُهَدَاءَ أَمَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا يَعْتَقِدُهُ الْحَاضِرُونَ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ وَالْمَطْعُونُ هُوَ الْمُصَابُ بِالطَّاعُونِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا فِي الْجَامِعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ وَهُوَ مَنْ مَاتَ غَرَقًا فِي الْمَاءِ وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ دَاءٌ مَعْرُوفٌ، وَكَذَلِكَ الْمَبْطُونُ وَالْحَرِقُ شَهِيدٌ وَهُوَ مَنْ يَمُوتُ بِالنَّارِ، وَاَلَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ قِيلَ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ تَمُوتُ بِالْوِلَادَةِ وَقِيلَ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تَمُوتَ جَمْعَاءَ بِكْرًا غَيْرَ ثَيِّبٍ لَمْ يَنَلْهَا أَحَدٌ وَهَذِهِ مِيتَاتٌ فِيهَا شِدَّةُ الْأَمْرِ فَتَفَضَّلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِأَنْ جَعَلَهَا تَمْحِيصًا لِذُنُوبِهِمْ زِيَادَةً فِي أَجْرِهِمْ حَتَّى بَلَّغَهُمْ بِهَا مَرَاتِبَ الشُّهَدَاءِ. (ش) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ هَذَا الْمَعْنَى قَدْ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. وَقَدْ ذَكَرَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ وُجُوهًا: أَحَدَهَا: أَنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا يُبْكَى عَلَيْهِ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ شَأْنِ نِسَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَنْدُبْنَ الْمَيِّتَ وَيَمْدَحْنَهُ لِقَتْلِهِ النَّاسَ وَظُلْمِهِ لَهُمْ وَتَسَلُّطِهِ عَلَيْهِمْ وَهَذَا مِمَّا يُعَذَّبُ بِهِ فَقَالَ إنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ إذْ كَانَ مِنْ سَبَبِهِ النَّوْحُ وَالْبُكَاءُ، وَإِذَا أَمَرَ بِهِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَقَدْ أَنْكَرَتْ رِوَايَتَهُ عَائِشَةُ وَحَمَلَتْ الْقَوْلَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاحْتَجَّتْ فِي رَدِّهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّأْوِيلِ خَرَجَ عَنْ مَعْنَى مَا أَنْكَرَتْهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ بِنَوْحِهِمْ، وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ بِفِعْلِهِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ لَهُمْ بِالنِّيَاحَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَائِشَةَ «إنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ إنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا» وَعَلَى هَذَا لَا يَتَعَلَّقُ عَذَابُهَا بِالْبُكَاءِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا فِيهِ إخْبَارٌ عَنْ حَالِهَا حِينَ الْبُكَاءِ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْحِسْبَةُ فِي الْمُصِيبَةِ] (ش) : قَوْلُهُ «لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ» شَرْطُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَجَاةَ لِلْكَافِرِ مِنْ النَّارِ بِمَوْتِ أَوْلَادِهِ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُنَجَّى مِنْهَا بِالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ الْمَعَاصِي أَوْ الْمَغْفِرَةِ لَهَا بِأَنْ يَمُوتَ لِلْمُؤْمِنِ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ وَيُحْتَمَلُ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَجْرُهُ عَلَى مُصَابِهِ بِهِمْ يُكَفِّرُ عَنْهُ ذُنُوبَهُ فَلَا تَمَسُّهُ النَّارُ الَّتِي يُعَاقَبُ بِهَا أَهْلُ الذُّنُوبِ فَفِي هَذَا تَسْلِيَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي مُصَابِهِمْ بِأَوْلَادِهِمْ إذْ فِي ذَلِكَ سَتْرٌ لَهُمْ مِنْ النَّارِ وَنَجَاةٌ مِنْ الْعَذَابِ وَقَوْلُهُ «إلَّا تَحِلَّةَ
следующие страницы →