← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تَقُولُ مَا صَدَّقْت بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى سَمِعْت وَقْعَ الْكَرَازِينِ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ تُوُفِّيَا بِالْعَقِيقِ وَحُمِلَا إلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَا بِهَا) . ــ [المنتقى] بِالْعَمُودِ وَالْخَشَبَةِ وَالْحَجَرِ يُعْرَفُ بِهَا الْقَبْرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكْتَبَ فِيهَا بَأْسًا. وَوَجْهُ ذَلِكَ مَنْعُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْمُبَاهَاةِ وَإِبَاحَةِ مَا عَرَا مِنْهَا، وَأَمَّا الْفُسْطَاطُ يُضْرَبُ عَلَى الْقَبْرِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ ضَرْبُهُ عَلَى قَبْرِ الْمَرْأَةِ أَفْضَلُ مِنْ ضَرْبِهِ عَلَى قَبْرِ الرَّجُلِ لِمَا يَسْتُرُ مِنْهَا عِنْدَ إقْبَارِهَا، وَقَدْ ضَرَبَهُ عُمَرُ عَلَى قَبْرِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَكَرِهَ ضَرْبَهُ عَلَى قَبْرِ الرَّجُلِ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَضَرَبَتْهُ عَائِشَةُ عَلَى قَبْرِ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَضَرَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَبْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَرَاهُ وَاسِعًا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَيُبَاتُ فِيهِ إنْ خِيفَ مِنْ نَبْشٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا كَرِهَهُ مَنْ كَرِهَهُ لِمَنْ ضَرَبَهُ عَلَى وَجْهِ السُّمْعَةِ وَالْمُبَاهَاةِ. (ش) : قَوْلُهَا مَا صَدَّقْت بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ تُكَذِّبُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَكَانَ أَشَدُّ النَّاسِ فِيهِ عُمَرَ حَتَّى جَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَحَقَّقَ مَوْتَهُ، وَقَوْلُهَا حَتَّى سَمِعْت وَقْعَ الْكَرَازِينَ تُرِيدُ وَقْعَ الْمَسَّاحِي يَحْثِي التُّرَابَ عَلَيْهِ ﷺ وَشَرُفَ وَكَرُمَ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ رَأَيْت ثَلَاثَةَ أَقْمَارٍ سَقَطْنَ فِي حُجْرَتِي فَقَصَصْت رُؤْيَايَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ قَالَ فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدُفِنَ فِي بَيْتِهَا قَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ هَذَا أَحَدُ أَقْمَارِك وَهُوَ خَيْرُهَا) (ش) : قَوْلُهَا رَأَيْت ثَلَاثَةَ أَقْمَارٍ سَقَطْنَ فِي حُجْرَتِي فَقَصَصْت رُؤْيَايَ تُرِيدُ أَنَّهَا رَأَتْ فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَةَ أَقْمَارٍ سَقَطَتْ فِي حُجْرَتِهَا وَأَنَّهَا قَصَّتْ رُؤْيَاهَا تِلْكَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ لِاعْتِقَادِهَا فِيهَا أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ وَأَنَّ الرُّؤْيَا أَمْرٌ صَحِيحٌ وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ فَأَمْسَكَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ تَعْبِيرِهَا إذْ تَبَيَّنَ لَهُ مِنْهَا مَوْتُ النَّبِيِّ ﷺ لِاجْتِمَاعِ دَلَالَةِ الرُّؤْيَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقَمَرَ قَدْ يَدُلُّ عَلَى السُّلْطَانِ وَالرَّئِيسِ وَيَدُلُّ عَلَى الْعَالِمِ الَّذِي يُهْتَدَى بِهِ وَيَدُلُّ عَلَى الزَّوْجِ وَالْوَلَدِ وَسُقُوطُهَا فِي حُجْرَتِهَا دَلِيلٌ عَلَى دَفْنِهِمْ فِي حُجْرَتِهَا، وَسُنَّةُ الْعِبَارَةِ إذَا رَأَى الْمُعَبِّرَ فِيهَا مَا يُكْرَهُ أَنْ لَا يُعَبِّرَهَا لَهُ فَصَدَقَتْ رُؤْيَا عَائِشَةَ بِدَفْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهَا فَتَأَوَّلَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ حِينَئِذٍ الرُّؤْيَا إذْ رَآهَا قَدْ خَرَجَتْ، وَقَالَ لَهَا هَذَا أَحَدُ أَقْمَارِك وَهُوَ خَيْرُهَا فَدُفِنَ فِي بَيْتِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. (ش) : قَوْلُهُ تُوُفِّيَا بِالْعَقِيقِ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ وَحُمِلَا إلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَا بِهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُون فَعَلَ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَتَوَلَّوْا الصَّلَاةَ عَلَيْهِمَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِفَضْلٍ اعْتَقَدُوهُ فِي الدَّفْنِ بِالْبَقِيعِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِيَقْرُبَ عَلَى مَنْ لَهُمْ مِنْ الْأَصْلِ زِيَارَةُ قُبُورِهِمْ وَالدُّعَاءُ لَهُمْ (ص) . (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ مَا أُحِبُّ أَنَّ أُدْفَنَ بِالْبَقِيعِ لَأَنْ أُدْفَنَ فِي غَيْرِهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنَّ أُدْفَنَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ إمَّا ظَالِمٌ فَلَا أُحِبُّ أَنْ أُدْفَنَ مَعَهُ وَإِمَّا صَالِحٌ فَلَا أُحِبُّ أَنْ تُنْبَشَ لِي عِظَامُهُ) (ش) : كَرِهَ عُرْوَةُ الدَّفْنَ بِالْبَقِيعِ لَا لِكَرَاهِيَةِ الْبُقْعَةِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ فِيهِ مَوْضِعٌ إلَّا قَدْ دُفِنَ فِيهِ فَكَرِهَ الدَّفْنَ بِهِ لِهَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تُنْبَشَ لَهُ عِظَامُ مَنْ دُفِنَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَبْلَهُ فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا كَرِهَ مُجَاوَرَتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَالِحًا كَرِهَ أَنْ يُنْبَشَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يُعَظَّمُ نَبْشُ عِظَامِ الصَّالِحِ مِنْ أَجْلِهِ لِحُرْمَتِهِ وَصَلَاحِهِ وَأَنْ يَكُونَ لِلظَّالِمِ حُرْمَةٌ أَيْضًا إلَّا أَنَّ كَرَاهِيَتَهُ لِمُجَاوِرَتِهِ أَعْظَمُ فَلِذَلِكَ عَلَّقَ الْكَرَاهِيَةَ لِمُجَاوِرَتِهِ وَلَا تُكْرَهُ مُجَاوِرَةُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكْرَهْ إلَّا نَبْشَ عِظَامِهِ لَهُ.

стр. 387

الْوُقُوفُ لِلْجَنَائِزِ وَالْجُلُوسُ عَلَى الْمَقَابِرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُومُ فِي الْجَنَائِزِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدُ» ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْقُبُورَ وَيَضْطَجِعُ عَلَيْهَا قَالَ مَالِكٌ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ الْقُعُودِ عَلَى الْقُبُورِ فِيمَا نَرَى لِلذَّاهِبِ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ يَقُولُ كُنَّا نَشْهَدُ الْجَنَائِزَ فَمَا يَجْلِسُ آخَرُ النَّاسِ حَتَّى يُؤْذَنُوا) . ــ [المنتقى] [الْوُقُوفُ لِلْجَنَائِزِ وَالْجُلُوسُ عَلَى الْمَقَابِرِ] (ش) : قَوْلُهُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُومُ فِي الْجَنَائِزِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ الْقِيَامِ» وَالْجُلُوسِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِمَنْ مَرَّتْ بِهِ. وَالثَّانِي: لِمَنْ يَتْبَعُهَا فَهَلْ يَقُومُ لَهَا حَتَّى تُوضَعَ؟ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْقِيَامُ لَهَا فِي مَوْضِعَيْنِ: رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى تُوضَعَ» . ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَدِيثٌ عَلَى الْمَذْكُورِ فِيهِ «أَنَّهُ جَلَسَ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَقُومُ» اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ جُلُوسَهُ نَاسِخٌ لِقِيَامِهِ وَاخْتَارُوا أَنْ لَا يَقُومَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ حَبِيبٍ: إنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّوْسِعَةِ وَإِنَّ الْقِيَامَ فِيهِ أَجْرٌ وَحُكْمُهُ بَاقٍ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَوْلَى لِحَدِيثِ عَلِيٍّ الَّذِي فِيهِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ. (ش) : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَتَوَسَّدُ عَلَى الْقُبُورِ وَيَضْطَجِعُ عَلَيْهَا وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ الْجُلُوسِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعَطَاءُ فِي مَنْعِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقُبُورِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابِهِ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» فَتَأَوَّلَ مَالِكٌ ﵀ هَذَا عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْقُبُورِ إنَّمَا تَنَاوَلَ الْجُلُوسَ عَلَيْهَا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَقَدْ قَالَ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ زَارَ الْقُبُورَ وَأَبَاحَ زِيَارَتَهَا» وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي جَوَازِ الْجُلُوسِ عَلَيْهَا عِنْدَ الدَّفْنِ فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى ذَلِكَ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ وَفِعْلِهِ. (ش) : قَوْلُهُ فَمَا يَجْلِسُ آخَرُ النَّاسِ حَتَّى يُؤْذَنُوا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَاعَ بِالْجِنَازَةِ مَشْرُوعٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ حَتَّى يُؤْذَنُوا يُرِيدُ يُؤْذَنُوا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مَعْنَاهُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُمْ بِالِانْصِرَافِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَبْنُونَ الْقُبُورَ، وَإِنَّمَا كَانَ إدْلَاؤُهُ وَرَدُّ التُّرَابِ، وَهَذَا لَا يَلْبَثُ النَّاسُ فِيهِ وَمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فَلَا يَجْلِسُ آخِرُ النَّاسِ حَتَّى يُؤْذَنُوا وَلَا يُقَالُ آخِرُ النَّاسِ فِيمَنْ صَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ وَانْتَظَرَ أَنْ يُؤْذَنَ؛ لِأَنَّهُمْ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِيمَنْ يَأْتِي بَيْنَ يَدَيْ الْجِنَازَةِ فَيَصِلُ أَوَّلُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ آخِرُهُمْ فَرُبَّمَا لَمْ يَجْلِسْ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يُدْرِكَ آخِرُهُمْ فَتُوضَعَ الْجِنَازَةُ وَيُؤْذَنُوا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّرَبُّصِ حَتَّى يُدَلَّى فِي الْقَبْرِ وَيُرَدَّ التُّرَابُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مُدَّةٍ يَجْلِسُ فِيهَا أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ إنْ صَحَّ أَنْ يُوصَفُوا بِأَوَّلٍ وَآخِرٍ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ فِيهَا جَمِيعُ النَّاسِ إلَّا مَنْ يَتَنَاوَلُ دَفْنَهُ أَوْ يَتَكَلَّفُ الْقِيَامَ مُدَّةً طَوِيلَةً إلَى أَنْ يَتِمَّ أَمْرُهُ، وَأَمَّا الِانْقِلَابُ عَنْهَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ لَا يَنْصَرِفُ عَنْهَا إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ أَهْلَ الْجِنَازَةِ لَوْ شَاءُوا أَنْ يُمْسِكُوا النَّاسَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ فَلَمْ يُعْتَبَرْ بِإِذْنِهِمْ فِي انْصِرَافِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ الْإِمْسَاكُ فَإِنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِإِذْنِهِ كَسَائِرِ النَّاسِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا بَأْسَ بِالِانْصِرَافِ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَكْمُلَ دَفْنُهَا إذَا بَقِيَ مَعَهَا مَنْ يَلِي ذَلِكَ مِنْهَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيَنْصَرِفُ لِعِلَّةٍ

стр. 388

النَّهْيُ عَنْ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ عَنْ عَتِيكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَتِيكٍ وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ أَبُو أُمِّهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ غُلِبْنَا عَلَيْك يَا أَبَا الرَّبِيعِ فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ فَجَعَلَ جَابِرٌ يُسْكِتُهُنَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعْهُنَّ فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوُجُوبُ قَالَ إذَا مَاتَ فَقَالَتْ ابْنَتُهُ، وَاَللَّهِ إنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا فَإِنَّك قَدْ كُنْتَ قَضَيْتَ جَهَازَكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ، وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟ قَالُوا الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ وَالْحَرِقُ شَهِيدٌ، وَاَلَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ» ) ــ [المنتقى] وَلِغَيْرِ عِلَّةٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَذَلِكَ إذَا قَامَ بِهَا غَيْرُهُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْفَرْضَ إنَّمَا هُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا الْبَقَاءُ حَتَّى تُدْفَنَ فَإِنَّمَا هُوَ فَضِيلَةٌ فَمَنْ أَقَامَ لَهَا فَحَسَنٌ وَيَنْصَرِفُ إنْ شَاءَ بَعْدَ كَمَالِ الدَّفْنِ دُونَ إذْنٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حُكْمِ أَحَدٍ فَيُؤْذَنَ لَهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ، قِيلَ وَمَا الْقِيرَاطُ؟ قَالَ مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ» فَجَعَلَ لِشَاهِدِ فَرْضِ الْجِنَازَةِ قِيرَاطًا وَلِمُشَاهَدَةِ فَضْلِ الْمُوَارَاةِ قِيرَاطًا وَلَعَلَّهُمَا إنَّمَا تَسَاوَيَا فِي الِاسْمِ دُونَ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [النَّهْيُ عَنْ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ] (ش) : قَوْلُهُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ» إخْبَارٌ عَنْ تَفْضِيلِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُوَاصَلَتِهِ أَصْحَابَهُ وَعِيَادَتِهِ مَرَضَاهُمْ وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ «قَدْ غُلِبَ أَنَّ الْأَلَمَ وَالْمَرَضَ الَّذِي كَانَ بِهِ غَلَبَ عَلَيْهِ حَتَّى مَنَعَهُ مِنْ مُجَاوَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ صَاحَ عَلَيْهِ فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » لِمَا أُصِيبَ فِيهِ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ فَقَالَ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] وَكَانَ ﷺ مُشْفِقًا عَلَى أَصْحَابِهِ مُحِبًّا فِيهِمْ فَإِذَا أُصِيبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ اسْتَرْجَعَ كَمَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَعْنَى ذَلِكَ تَصَبُّرٌ لِنَفْسِهِ وَاشِعَارٌ لَهُ أَنَّ الْكُلَّ لِلَّهِ وَأَنَّ الْكُلَّ رَاجِعٌ إلَيْهِ وَيَجِبُ أَنْ يُقْتَدَى بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ عِنْدَمَا يُصَابُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَحْوَالِهِ وَإِخْوَانِهِ وَمَالِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «غُلِبْنَا عَلَيْك يَا أَبَا الرَّبِيعِ» يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ التَّصْرِيحَ بِمَعْنَى اسْتِرْجَاعِهِ وَتَأَسُّفِهِ، فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بُكَاؤُهُنَّ لِمَا رَأَيْنَ مِنْ حَالِهِ وَتَيَقُّنٍ مِنْ مَوْتِهِ وَلَعَلَّهُ حَرَّكَهُنَّ لِذَلِكَ مَا سَمِعْنَ مِنْ اسْتِرْجَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَجَعَلَ جَابِرٌ يُسْكِتُهُنَّ لِمَا عَرَفَ مِنْ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ رَفْعِ النِّسَاءِ أَصْوَاتَهُنَّ بِالْبُكَاءِ وَنِيَاحِهِنَّ وَلَمْ يَكُنْ صِيَاحُ النِّسَاءِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ اسْتِرْجَاعًا وَبُكَاءً مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ بِقُبْحٍ وَلَا نِيَاحَةٍ «فَقَالَ ﷺ دَعْهُنَّ» يُرِيدُ ﷺ إطْلَاقَ الْبُكَاءِ وَالِاسْتِرْجَاعِ لَهُنَّ وَبِهَذَا اسْتَبَاحَ النَّاسُ الْبُكَاءَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ مَا لَمْ يُرْفَعْ بِهِ الصَّوْتُ وَيَكُونُ مَعَهُ كَلَامٌ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا الْبُكَاءُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ

стр. 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَهْلِهِ فَقَالَ قَدْ قَضَى؟ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بَكَوْا فَقَالَ أَلَا تَسْمَعُونَ إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ» فَأَمَّا قَوْلُهُ «فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ» وَفَسَّرَ الْوُجُوبَ ﷺ بِالْمَوْتِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ مَنَعَ مِنْ بُكَاءٍ مَخْصُوصٍ عِنْدَ الْوُجُوبِ وَهُوَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ الصِّيَاحِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ فَتَوَجَّهَ نَهْيُهُ إلَى ذَلِكَ الْبُكَاءِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَمْرٌ بِتَوْجِيهِهِ إلَى الْقِبْلَةِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ وُجِّهَ إلَى الْقِبْلَةِ وَلَا أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَا عَلِمْتُ التَّوْجِيهَ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ فَوُجِّهَ فَأَفَاقَ فَأَنْكَرَ فِعْلَهُمْ بِهِ، وَقَالَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَيِيتُ وَعَلَيْهِ أَمُوتُ لِيَكُنْ مَضْجَعِي مَا كُنْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَأَرَاهُ إنَّمَا كَرِهَ عَجَلَتَهُمْ بِذَلِكَ قَبْلَ الْحَقِيقَةِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مُخَالِفٌ لِهَذَا التَّأْوِيلِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ يَنْبَغِي أَنْ يُوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآثَارِ الصِّحَاحِ وَلَمْ يُذْكَرْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا التَّوْجِيهُ بَلْ الظَّاهِرُ مِنْهَا عَدَمُ التَّوْجِيهِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الْحَالَ وُجِدَتْ فِيهَا أَسْبَابُ الْوَفَاةِ فَشُرِعَ فِيهَا التَّوْجِيهُ كَالْحَمْلِ وَالدَّفْنِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالتَّوْجِيهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُوَجَّهُ إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ فَعَلَى ظَهْرِهِ وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ صِفَاتُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ كَاسْتِقْبَالِهَا فِي الصَّلَاةِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَكُونُ التَّوْجِيهُ إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ بِإِحْدَادِ نَظَرِهِ وَإِشْخَاصِ بَصَرِهِ وَيُلَقَّنُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ لَا بَأْسَ أَنْ تُغْمِضَهُ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ، وَقَالَ غَيْرُهُ الْإِغْمَاضُ سُنَّةٌ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ عِنْدَهُ ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ وَيُقَالُ عِنْدَ إغْمَاضِهِ اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَسَهِّلْ مَوْتَهُ وَأَسْعِدْهُ بِلِقَائِك وَاجْعَلْ مَا خَرَجَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ عَنْهُ قَالَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَجْلِسَ عِنْدَهُ إلَّا أَفْضَلُ أَهْلِهِ وَأَحْسَنُهُمْ هَدْيًا وَقَوْلًا وَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ وَلَا قُرْبَهُ ثَوْبٌ غَيْرُ طَاهِرٍ وَلَا يَحْضُرُهُ كَافِرٌ وَلَا حَائِضٌ وَهَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ حَبِيبٍ إنَّمَا أَوْرَدَهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ فَإِنْ فُعِلَتْ فَحَسَنٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ عِنْدَهُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ الْقِرَاءَةُ عِنْدَهُ وَالْإِجْمَارُ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ يس، وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَّخَذَ سُنَّةً وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَرَّبَ إلَيْهِ الرَّوَائِحُ الطَّيِّبَةُ مِنْ بَخُورٍ وَغَيْرِهِ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ وَاتَّصَلَ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ فَالْعَمَلُ بِهِ مُخَالِفٌ لِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ «ابْنَتِهِ إنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا فَإِنَّك قَدْ كُنْتَ قَضَيْتَ جِهَازَك» أَخْبَرَتْ عَنْ قُوَّةِ رَجَائِهَا فِي الشَّهَادَةِ لَهُ لِمَا كَانَتْ تَرَى مِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْجِهَادِ وَمُبَادَرَتِهِ إلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ قَضَى جِهَازَهُ لِلْغَزْوِ فَأَشْفَقَتْ مِمَّا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ «فَقَالَ ﷺ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ» وَهَذَا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَجْرَهُ قَدْ جَرَى لَهُ بِمِقْدَارِ الْعَمَلِ الَّذِي نَوَاهُ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَكُونُ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ أَنْ لَوْ عَمِلَهُ فَتَكُونُ النِّيَّةُ بِمَعْنَى الْمَنْوِيِّ. وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّهُ أُوقِعَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا يَجِبُ لِنِيَّتِهِ. إلَّا أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ ﷺ قَصْدَ إلَى تَسْلِيَتِهَا وَإِخْبَارِهَا بِأَنَّ مَا نَوَاهُ لَمْ يَفُتْهُ وَأَنَّ أَجْرَهُ قَدْ جَرَى لَهُ بِحَسَبِ نِيَّتِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ إلَّا بِقَدْرِ النِّيَّةِ لَمَا كَانَ لَهَا فِي ذَلِكَ رَاحَةٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ اسْتَفَادَتْ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ مِنْ

стр. 390

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ وَذُكِرَ لَهَا «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ فَقَالَتْ عَائِشَةُ يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ إنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ إنَّكُمْ لَتَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا» ) . الْحِسْبَةُ فِي الْمُصِيبَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ» ) ــ [المنتقى] هَذَا الْحَدِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَهُ مِنْ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟» سُؤَالٌ لَهُمْ عَنْ مَعْنَى الشَّهَادَةِ لِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ عِلْمَهُمْ وَيُفِيدَهُمْ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ قَالُوا الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا سَأَلَهُمْ عَنْ جِنْسِ جَمِيعِ الشَّهَادَةِ فَأَخْبَرُوهُ عَنْ بَعْضِهَا وَهُوَ جَمِيعُ مَا كَانَ يُسَمَّى عِنْدَهُ شَهَادَةً فَقَالُوا الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَخْبَرَهُمْ ﷺ أَنَّ الشَّهَادَةَ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَإِخْبَارًا لَهُمْ بِتَفَضُّلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ وَإِنَّ شُهَدَاءَ أَمَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا يَعْتَقِدُهُ الْحَاضِرُونَ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ وَالْمَطْعُونُ هُوَ الْمُصَابُ بِالطَّاعُونِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا فِي الْجَامِعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ وَهُوَ مَنْ مَاتَ غَرَقًا فِي الْمَاءِ وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ دَاءٌ مَعْرُوفٌ، وَكَذَلِكَ الْمَبْطُونُ وَالْحَرِقُ شَهِيدٌ وَهُوَ مَنْ يَمُوتُ بِالنَّارِ، وَاَلَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ قِيلَ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ تَمُوتُ بِالْوِلَادَةِ وَقِيلَ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تَمُوتَ جَمْعَاءَ بِكْرًا غَيْرَ ثَيِّبٍ لَمْ يَنَلْهَا أَحَدٌ وَهَذِهِ مِيتَاتٌ فِيهَا شِدَّةُ الْأَمْرِ فَتَفَضَّلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِأَنْ جَعَلَهَا تَمْحِيصًا لِذُنُوبِهِمْ زِيَادَةً فِي أَجْرِهِمْ حَتَّى بَلَّغَهُمْ بِهَا مَرَاتِبَ الشُّهَدَاءِ. (ش) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ هَذَا الْمَعْنَى قَدْ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. وَقَدْ ذَكَرَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ وُجُوهًا: أَحَدَهَا: أَنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا يُبْكَى عَلَيْهِ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ شَأْنِ نِسَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَنْدُبْنَ الْمَيِّتَ وَيَمْدَحْنَهُ لِقَتْلِهِ النَّاسَ وَظُلْمِهِ لَهُمْ وَتَسَلُّطِهِ عَلَيْهِمْ وَهَذَا مِمَّا يُعَذَّبُ بِهِ فَقَالَ إنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ إذْ كَانَ مِنْ سَبَبِهِ النَّوْحُ وَالْبُكَاءُ، وَإِذَا أَمَرَ بِهِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَقَدْ أَنْكَرَتْ رِوَايَتَهُ عَائِشَةُ وَحَمَلَتْ الْقَوْلَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاحْتَجَّتْ فِي رَدِّهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّأْوِيلِ خَرَجَ عَنْ مَعْنَى مَا أَنْكَرَتْهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُعَذَّبُ بِنَوْحِهِمْ، وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ بِفِعْلِهِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ لَهُمْ بِالنِّيَاحَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَائِشَةَ «إنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ إنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا» وَعَلَى هَذَا لَا يَتَعَلَّقُ عَذَابُهَا بِالْبُكَاءِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا فِيهِ إخْبَارٌ عَنْ حَالِهَا حِينَ الْبُكَاءِ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْحِسْبَةُ فِي الْمُصِيبَةِ] (ش) : قَوْلُهُ «لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ» شَرْطُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَجَاةَ لِلْكَافِرِ مِنْ النَّارِ بِمَوْتِ أَوْلَادِهِ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُنَجَّى مِنْهَا بِالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ الْمَعَاصِي أَوْ الْمَغْفِرَةِ لَهَا بِأَنْ يَمُوتَ لِلْمُؤْمِنِ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ وَيُحْتَمَلُ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَجْرُهُ عَلَى مُصَابِهِ بِهِمْ يُكَفِّرُ عَنْهُ ذُنُوبَهُ فَلَا تَمَسُّهُ النَّارُ الَّتِي يُعَاقَبُ بِهَا أَهْلُ الذُّنُوبِ فَفِي هَذَا تَسْلِيَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي مُصَابِهِمْ بِأَوْلَادِهِمْ إذْ فِي ذَلِكَ سَتْرٌ لَهُمْ مِنْ النَّارِ وَنَجَاةٌ مِنْ الْعَذَابِ وَقَوْلُهُ «إلَّا تَحِلَّةَ

стр. 391

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي النَّضْرِ السُّلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَيَحْتَسِبَهُمْ إلَّا كَانُوا لَهُ جُنَّةً مِنْ النَّارِ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ اثْنَانِ؟ قَالَ أَوْ اثْنَانِ» ) . جَامِعُ الْحِسْبَةِ فِي الْمُصِيبَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لِيُعَزِّ الْمُسْلِمِينَ فِي مَصَائِبِهِمْ الْمُصِيبَةُ بِي» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَقَالَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَعْقِبْنِي خَيْرًا مِنْهَا إلَّا ــ [المنتقى] الْقَسَمِ» قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ تَفْسِيرُهُ قَوْلَ اللَّهِ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فَإِذَا مَرَّ بِهَا وَجَاوَزَهَا فَقَدْ أَبَرَّ اللَّهُ تَعَالَى قَسَمَهُ قَالَ وَمَوْضِعُ الْقَسَمِ مَرْدُودٌ إلَى قَوْلِهِ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨] وَالْعَرَبُ تُقْسِمُ وَتُضَمِّنُ الْمُقْسَمَ بِهِ وَمِثْلَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] مَعْنَاهُ، وَإِنَّ مِنْكُمْ - وَاَللَّهِ - لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَا قَسَمَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فَيَكُونَ لَهُ تَحِلَّةً وَمَعْنَى قَوْلِهِ «إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ» إلَّا الشَّيْءَ الَّذِي لَا يَنَالُهُ مَعَهُ مَكْرُوهٌ وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ ضَرَبَهُ تَحْلِيلًا إذَا لَمْ يُبَالِغْ فِي ضَرْبِهِ وَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ أَنَّ النَّارَ لَا تَمَسُّهُ إلَّا قَدْرَ وُرُودِهِ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَنْجُو بَعْدَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي النَّضْرِ السُّلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَيَحْتَسِبَهُمْ إلَّا كَانُوا لَهُ جُنَّةً مِنْ النَّارِ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ اثْنَانِ؟ قَالَ أَوْ اثْنَانِ» ) (ش) : الْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَتْنِ كَالْكَلَامِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَقَوْلُهُ «فَيَحْتَسِبَهُمْ» بَيَانٌ لِصِفَةِ مَنْ يُؤْجَرُ بِمُصَابِهِ فِي وَلَدِهِ وَهُوَ أَنْ يَحْتَسِبَهُمْ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَحْتَسِبْهُمْ وَلَمْ يَرْضَ بِأَمْرِ اللَّهِ فِيهِمْ فَإِنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي هَذَا الْوَجْهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ الْمَرْأَةِ أَوْ اثْنَانِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَعَلُّقَ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى الثَّلَاثِ عَلَى انْتِفَائِهِ عَمَّنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُ وَلَوْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ لَمَا سَأَلَتْهُ وَلَكِنَّهَا لَمَّا جَوَّزَتْ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الِاثْنَيْنِ حُكْمَ الثَّلَاثَةِ فِي ذَلِكَ وَجَوَّزَتْ أَنْ يُخَالِفَهُ؛ لِأَنَّ أَجْرَ الْمُصِيبَةِ بِالثَّلَاثَةِ أَعْظَمُ مِنْ أَجْرِ الْمُصِيبَةِ بِالِاثْنَيْنِ سَأَلَتْهُ فَأَخْبَرَهَا أَنَّ تَفَضُّلَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ أُصِيبَ بِاثْنَيْنِ يَبْلُغُ بِهِ السَّتْرَ مِنْ النَّارِ وَالنَّجَاةَ مِنْ عَذَابِهَا. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصَابُ فِي وَلَدِهِ وَحَامَّتِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَتْ لَهُ خَطِيئَةٌ» ) (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «مَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصَابُ فِي وَلَدِهِ وَحَامَّتِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ» الْحَامَّةُ الْخَاصَّةُ وَمِنْهُ قِيلَ حَمِيمُ فُلَانٍ أَيْ خَاصَّتُهُ يَعْنِي أَنَّهُ يُفْجَعُ فِيهِمْ بِمَوْتٍ أَوْ قَتْلٍ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَتْ لَهُ خَطِيئَةٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ يُحَطُّ عَنْهُ لِذَلِكَ خَطَايَاهُ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ خَطِيئَةٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ مَا يَزِنُ جَمِيعَ ذُنُوبِهِ فَيَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَيْسَ لَهُ ذَنْبٌ يَزِيدُ عَلَى حَسَنَاتِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَإِنَّمَا هَذَا لِمَنْ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ، وَأَمَّا مَنْ سَخِطَ وَلَمْ يَرْضَ بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إلَى أَنْ يَأْثَمَ لِسَخَطِهِ فَيَكْثُرَ بِذَلِكَ سَائِرُ آثَامِهِ وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِلْحَدِيثَيْنِ الْمُتَقَدِّمِينَ. [جَامِعُ الْحِسْبَةِ فِي الْمُصِيبَةِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لِيُعَزِّ الْمُسْلِمِينَ فِي مَصَائِبِهِمْ الْمُصِيبَةُ بِي» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ ﷺ أَنَّ مُصَابَهُ أَعْظَمُ مِنْ سَائِرِ مَصَائِبِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ لَا مُصِيبَةَ أَعْظَمُ مِنْ الْمُصِيبَةِ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مُصَابٍ بِهِ لَهُ مِنْهُ عِوَضٌ وَلَا عِوَضَ مِنْهُ ﷺ فَإِذَا أُصِبْنَا بِمُصِيبَةٍ فِي غَيْرِهِ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ حَمِيمٍ فَإِنَّهَا دُونَ الْمُصَابِ بِهِ فَيُعَزَّى فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ أُصِيبَ بِأَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْمُصَابُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَصَبَرَ فَبِأَنْ يَصْبِرَ عَلَى مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْهُ وَأَخَفُّ أَوْلَى.

стр. 392

فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْت ذَلِكَ، ثُمَّ قُلْتُ وَمَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ فَأَعْقَبَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ فَتَزَوَّجَهَا» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ هَلَكَتْ امْرَأَةٌ لِي فَأَتَانِي مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ يُعَزِّينِي بِهَا فَقَالَ إنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ رَجُلٌ فَقِيهٌ عَالِمٌ عَابِدٌ مُجْتَهِدٌ وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَكَانَ بِهَا مُعْجَبًا وَلَهَا مُحِبًّا فَمَاتَتْ فَوَجَدَ عَلَيْهَا وَجْدًا شَدِيدًا وَلَقِيَ عَلَيْهَا أَسَفًا حَتَّى خَلَا فِي بَيْتٍ وَغَلَّقَ عَلَى نَفْسِهِ وَاحْتَجَبَ مِنْ النَّاسِ فَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَأَنَّ امْرَأَةً سَمِعَتْ بِهِ فَجَاءَتْهُ فَقَالَتْ إنَّ لِي إلَيْهِ حَاجَةً أَسْتَفْتِيهِ فِيهَا لَيْسَ يُجْزِينِي فِيهَا إلَّا مُشَافَهَتُهُ فَذَهَبَ النَّاسُ وَلَزِمَتْ بَابَهُ، وَقَالَتْ مَالِي مِنْهُ بُدٌ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ إنَّ هَاهُنَا امْرَأَةً أَرَادَتْ أَنْ تَسْتَفْتِيَكَ، وَقَالَتْ إنْ أَرَدْتُ إلَّا مُشَافَهَتَهُ. وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ وَهِيَ لَا تُفَارِقُ الْبَابَ فَقَالَ ائْذَنُوا لَهَا فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ إنِّي جِئْتُك أَسْتَفْتِيكَ فِي أَمْرٍ قَالَ وَمَا هُوَ قَالَتْ إنِّي اسْتَعَرْت مِنْ جَارَةٍ لِي حَلْيًا فَكُنْت أَلْبَسُهُ وَأُعِيرُهُ زَمَانًا، ثُمَّ إنَّهُمْ أَرْسَلُوا إلَيَّ فِيهِ فَأُؤَدِّيهِ إلَيْهِمْ؟ فَقَالَ نَعَمْ وَاَللَّهِ فَقَالَتْ إنَّهُ قَدْ مَكَثَ عِنْدِي زَمَانًا فَقَالَ ذَلِكَ أَحَقُّ لِرَدِّكِ إيَّاهُ إلَيْهِمْ حِينَ أَعَارُوكِيهِ زَمَانًا قَالَ فَقَالَتْ أَيْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَفَتَأْسَفُ عَلَى مَا أَعَارَكَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْكَ وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ فَأَبْصَرَ مَا كَانَ فِيهِ وَنَفَعَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهَا) . مَا جَاءَ فِي الِاخْتِفَاءِ الِاخْتِفَاءُ فِعْلُ النَّبَّاشِ وَمَعْنَاهُ الْإِظْهَارُ يُقَالُ خَفَيْت الشَّيْءَ إذَا أَخْرَجْته مِمَّا يَسْتُرُهُ وَأَظْهَرْته وَخَفَيْته إذَا سَتَرْته. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ «مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ» هَذَا اللَّفْظُ مَوْضُوعٌ فِي أُصَلِّ كَلَامِ الْعَرَبِ لِكُلِّ مَنْ نَالَهُ شَرٌّ أَوْ خَيْرٌ وَلَكِنَّهُ مُخْتَصٌّ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ بِالرَّزَايَا وَالْمَكَارِهِ وَقَوْلُهُ ﷺ «فَقَالَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] » لَمْ يُرِدْ لَفْظَ الْأَمْرِ بِهَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَرَدَ الْقُرْآنُ بِتَبْشِيرِ مَنْ قَالَهُ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشِيرَ إلَى غَيْرِ الْقُرْآنِ فَيُخْبِرَ ﷺ عَنْ أَمْرِ الْبَارِي لَنَا بِذَلِكَ وَلِذَلِكَ وَصَلَهُ بِقَوْلِهِ «اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَعْقِبْنِي خَيْرًا مِنْهَا ثُمَّ قَالَ ﷺ إلَّا فَعَلَ اللَّهُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ» يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءَهُ وَيَجْمَعُ لَهُ بَيْنَ الْأَجْرِ عَلَى مُصِيبَتِهِ وَيُعْقِبُهُ مِنْهَا يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يُعْطِيه بِعَقِبِ ذَلِكَ خَيْرًا مِمَّا أَصَابَهُ (فَصْلٌ) : قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ وَمَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ وَذَلِكَ لِمَا كَانَتْ تَعْلَمُ مِنْ فَضْلِ أَبِي سَلَمَةَ وَدِينِهِ وَخَيْرِهِ وَاسْتَبْعَدَتْ لِذَلِكَ أَنْ تُعَوَّضَ بِخَيْرٍ مِنْهُ وَلَمْ تَكُنْ تَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَزَوَّجُهَا وَلَوْ ظَنَّتْ ذَلِكَ لَمْ تَقُلْهُ فَأَعْقَبَهَا اللَّهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ. (ش) : الْمَتْنُ كُلُّهُ ظَاهِرُ الْمَعْنَى وَفِيهِ وَعْظُ الْعَالِمِ وَتَذْكِيرُهُ، وَإِنْ كَانَ الْوَاعِظُ أَوْ الْمُذَّكِّرُ دُونَهُ فِي الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَأْنَفَ الْفَاضِلُ مِنْ وَعْظِ مَنْ هُوَ دُونَهُ إذَا أَصَابَ وَجْهَ الْحَقِّ وَوُفِّقَ لِلصَّوَابِ فَقَدْ يُخْطِئُ الْفَاضِلُ فِي أَمْرٍ يُوَفَّقُ فِيهِ الْمَفْضُولُ وَالتَّعْزِيَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبْلُغَ عَنْ الرَّجُلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شِدَّةُ إشْفَاقٍ وَافِرَاطُ حُزْنٍ فَيُعَزِّيَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّذْكِيرِ وَالْوَعْظِ فَهَذَا لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَقِفَ الْمَيِّتَ عِنْدَ تَسْوِيَةِ التُّرَابِ عَلَى الْقَبْرِ فَيُعَزَّى فِيهِ فَهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ: إنَّهُ مَكْرُوهٌ.

стр. 393

سَمِعَهَا تَقُولُ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُخْتَفِيَ وَالْمُخْتَفِيَةَ يَعْنِي نَبَّاشَ الْقُبُورِ» ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تَقُولُ كَسْرُ عَظْمِ الْمُسْلِمِ مَيِّتًا كَكَسْرِهِ وَهُوَ حَيٌّ تَعْنِي فِي الْإِثْمِ) . جَامِعُ الْجَنَائِزِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ «أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَةَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إلَى صَدْرِهَا وَأَصْغَتْ إلَيْهِ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ يُقَالُ لَهُ هَذَا مَقْعَدُك حَتَّى يَبْعَثَك اللَّهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ) . ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي الِاخْتِفَاءِ] (ش) : قَوْلُهَا «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُخْتَفِيَ» اللَّعْنُ الْإِبْعَادُ فِي أَصْلِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِبْعَادِ مِنْ الْخَيْرِ فَلَعْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُخْتَفِيَ إنَّمَا هُوَ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ بِالْإِبْعَادِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْمُخْتَفِي وَالْمُخْتَفِيَةُ هُمَا النَّبَّاشُ وَالنَّبَّاشَةُ لِلْقُبُورِ لِأَخْذِ أَكْفَانِ الْمَوْتَى وَسَيَأْتِي ذِكْرُ وُجُوبِ الْقَطْعِ فِيهِ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (ش) : قَوْلُهَا كَسْرُ عَظْمِ الْمُسْلِمِ مَيِّتًا كَكَسْرِهِ وَهُوَ حَيٌّ يُرِيدُ أَنَّ لَهُ مِنْ الْحُرْمَةِ فِي حَالِ مَوْتِهِ مِثْلَ مَا لَهُ مِنْهَا حَالَ حَيَاتِهِ وَأَنَّ كَسْرَ عِظَامِهِ فِي حَالِ مَوْتِهِ يَحْرُمُ كَمَا يَحْرُمُ كَسْرُهَا حَالَ حَيَاتِهِ وَقَوْلُ مَالِكٍ ﵀ يَعْنِي فِي الْإِثْمِ يُرِيدُ أَنَّهُمَا لَا يَتَسَاوَيَانِ فِي الْقِصَاصِ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَتَسَاوَيَانِ فِي الْإِثْمِ. [جَامِعُ الْجَنَائِزِ] (ش) : قَوْلُهُ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَنْ يُرَافِقُهُ فِي الْجَنَّةِ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ. وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْهُ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَأَخَذَتْهُ غَشْيَةٌ يَقُولُ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» الْآيَةَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الرَّفِيقَ الَّذِي يُرْتَفَقُ بِهِ يُرِيدُ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى رَفِيقَ الرَّفِيقِ، وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ يُرِيدُ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى أَعْلَى مُرْتَفَقِهَا. وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَهُ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ صَحِيحٌ يَقُولُ إنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ يَحْيَا أَوْ يُخَيَّرَ فَلَمَّا اشْتَكَى وَحَضَرَهُ الْقَبْضُ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِ عَائِشَةَ غُشِيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ شَخَصَ بَصَرَهُ نَحْوَ سَقْفِ الْبَيْتِ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى فَقُلْتُ إذًا لَا يُجَاوِرُنَا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ حَدِيثُهُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهُوَ صَحِيحٌ» فَظَاهِرُ لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ الرَّفِيقَ بِمَعْنَى الْمُرْتَفَقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ الرَّفِيقُ اسْمٌ لِكُلِّ سَمَاءٍ وَأَرَادَ الْأَعْلَى مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْجَنَّةَ فَوْقَ ذَلِكَ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ذَكَرَهُ وَأَرَاهُ وَهِمَ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمُوتُ حَتَّى يُخَيَّرَ قَالَتْ فَسَمِعْته وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى فَعَرَفْت أَنَّهُ ذَاهِبٌ» ) ش قَوْلُهُ ﷺ «مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمُوتُ حَتَّى يُخَيَّرَ» يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ الثَّوَابِ فِي الْجَنَّةِ وَمَا ذَكَرَ لَهُ فِيهَا لِيُسَرَّ بِذَلِكَ وَيَتَشَوَّقَ بِهِ إلَى لِقَاءِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ «حَتَّى يُخَيَّرَ» يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْمُقَامِ فِي الدُّنْيَا وَبَيْنَ الِانْتِقَالِ إلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ، وَقَدْ بَيَّنَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ بِقَوْلِهَا فَعَلِمْت أَنَّهُ ذَاهِبٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ التَّخْيِيرَ فِي مَنَازِلِ الْآخِرَةِ فَاخْتَارَ ﷺ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى وَقَوْلُهَا فَعَرَفْت أَنَّهُ ذَاهِبٌ يُرِيدُ أَنَّهَا عَلِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ جَوَابَ التَّخْيِيرِ الَّذِي خُيِّرَ فَكَانَ ذَلِكَ انْقِضَاءَ عُمُرِهِ. (ش) : قَوْلُهُ «إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ» ، الْعَرْضُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى حَيٍّ وَلَا يَصِحُّ الْعَرْضُ عَلَى مَيِّتٍ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَعْلَمَ مَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ

стр. 394

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ إلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يُحَدِّث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ» ) . ــ [المنتقى] وَيَفْهَمَ مَا يُخَاطَبُ بِهِ وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْ الْمَيِّتِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إنَّ الْمَيِّتَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ مَا كُنْت تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيَقُولُ لَهُ اُنْظُرْ إلَى مَقْعَدِك مِنْ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَك اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا» الْحَدِيثَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إحْيَاءِ الْمَيِّتِ وَمُخَاطَبَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ كُلَّ غَدَاةٍ وَكُلَّ عَشِيٍّ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ الْإِحْيَاءُ لِجُزْءٍ مِنْهُ فَإِنَّا نُشَاهِدُ الْمَيِّتَ مَيِّتًا بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ وَذَلِكَ يَمْنَعُ إحْيَاءَ جَمِيعِهِ وَإِعَادَةَ جِسْمِهِ وَلَا يَمْنَعُ أَنْ تُعَادَ الْحَيَاةُ فِي جُزْءٍ أَوْ أَجْزَاءٍ مِنْهُ وَتَصِحُّ مُخَاطَبَتُهُ وَالْعَرْضُ عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ غَدَاةً وَاحِدَةً يَكُونُ الْعَرْضُ فِيهَا وَقَوْلُهُ «مَقْعَدُهُ» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ مِنْ قَبْرِهِ. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمِ وَيَكُونُ مَعْنَى حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ أَيْ أَنَّهُ مَقْعَدُك لَا تَصِلُ إلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَكَ. (ش) : قَوْلُهُ «كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ جَمِيعَ جِسْمِ الْإِنْسَانِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ، وَإِنْ جَازَ أَنْ لَا تَأْكُلَ الْأَرْضُ أَجْسَامًا كَثِيرَةً مِنْ النَّاسِ الْأَنْبِيَاءَ وَكَثِيرًا مِنْ الشُّهَدَاءِ عَلَى مَا رُوِيَ مِنْ الْحَدِيثِ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ وَمَا يُشَاهَدُ مِنْ أَكْلِ السِّبَاعِ وَالْوُحُوشِ مِنْ أَجْسَامِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ وَحَرْقِ بَعْضِهَا بِالنَّارِ وَعَجْبُ الذَّنَبُ لَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ مِنْ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، وَإِنْ أَكَلَتْ سَائِرَ جَسَدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا خُلِقَ الْإِنْسَانُ وَهَذَا الَّذِي يَبْقَى مِنْهُ لِيُعَادَ تَرْكِيبُ الْخَلْقِ عَلَيْهِ وَيُقَالُ عَجْبٌ وَعَجْمٌ كَمَا يُقَالُ لَازِبٌ وَلَازِمٌ. (ش) : قَوْلُهُ «إنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ» فِي كِتَابِ أَبِي الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيِّ أَنَّ النَّسَمَةَ النَّفْسُ وَالرُّوحُ وَالْبَدَنُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إنَّمَا يَعْنِي الرُّوحَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا يَكُونُ فِيهِ الرُّوحُ مِنْ الْمَيِّتِ قَبْلَ الْبَعْثِ فَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ ذَلِكَ طَيْرٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنْ يَطِيرَ وَيَعْلُقَ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - يَتَعَلَّقُ بِهَا وَيَقَعُ عَلَيْهَا تَكْرِمَةً لِلْمُؤْمِنِ وَثَوَابًا لَهُ. وَرُوِيَ يَعْلُقُ وَمَعْنَاهُ يَأْكُلُ مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: إنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ وَتَعْلُقُ أَيْ تَتَنَاوَلُ قَالَ وَالْعَلْقُ التَّنَاوُلُ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ يُرِيدُ أَنَّ إحْيَاءَ جَمِيعِ الْجَسَدِ بِإِعَادَةِ الرُّوحِ إلَيْهِ يَكُونُ يَوْمَ الْبَعْثِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ فِي الْأَرْوَاحِ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ فَأَرْوَاحُ أَهْلِ السَّعَادَةِ مُنَعَّمَةٌ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَأَرْوَاحُ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ مُعَذَّبَةٌ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، وَقَالَ اللَّهُ فِي الشُّهَدَاءِ ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آلِ فِرْعَوْنَ ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] وَهَذَا قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] ، وَقَالَ فِي الْكُفَّارِ ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] وَلَمْ يَقُلْ إنَّهُمْ يُمِيتُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَقَالَ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ الْمَوْتَى ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] هَذَا قَوْلُ الرُّوحِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا شَيْئًا مِنْ مَحَلِّ الرُّوحِ يَبْقَى فِيهِ الرُّوحُ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى نَسَمَةً وَهُوَ الَّذِي إذَا كَانَ مِنْ مُؤْمِنٍ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ وَيُرْزَقُ إنْ

стр. 395

(ص) : (مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ قَالَ اللَّهُ ﵎ إذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْت لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ إذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ ثُمَّ أَذْرَوْا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ أَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لِمَا فَعَلْتَ هَذَا قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبُّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ قَالَ فَغَفَرَ لَهُ» ) . ــ [المنتقى] كَانَ مِنْ الشُّهَدَاءِ وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ إلَى أَنَّهُ إذَا خَرَجَ مِنْ الْجَسَدِ عُدِمْت الْحَيَاةُ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ، وَإِذَا أُعِيدَ يَوْمَ الْبَعْثِ إلَى الْجَسَدِ أُعِيدَتْ الْحَيَاةُ إلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا حُكْمُ النَّسَمَةِ، وَأَمَّا الرُّوحُ وَالنَّفْسُ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ قِيلَ إنَّهُمَا اسْمَانِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَدَّادُ وَبِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَذَكَرَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحِيمِ بْنَ خَالِدٍ يَقُولُ بَلَغَنِي أَنَّ الرُّوحَ لَهُ جَسَدٌ وَيَدَانِ وَرِجْلَانِ وَرَأْسٌ وَعَيْنَانِ يُسَلُّ مِنْ الْجَسَدِ سَلًّا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَنَّ النَّفْسَ هِيَ الَّتِي لَهَا جَسَدٌ مُجَسَّدٌ قَالَ وَهِيَ فِي الْجَسَدِ كَخَلْقٍ فِي جَوْفِ خَلْقٍ يَخْرُجُ مِنْ الْجَسَدِ حِينَ الْوَفَاةِ مَيِّتًا وَيَبْقَى الْجَسَدُ حَيًّا، وَنَحْوُهُ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَزَادَ قَالَ وَالرُّوحُ هُوَ كَالْمَاءِ الْجَارِي قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالرُّوحُ هُوَ النَّفْسُ الْجَارِي يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَلَا حَيَاةَ لِلنَّفْسِ إلَّا بِهِ وَالنَّفْسُ تَأْلَمُ وَتَلْتَذُّ وَالرُّوحُ لَا يَأْلَمُ وَلَا يَلْتَذُّ. وَقَدْ بَسَطَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْهِدَايَةِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : وَمَعْنَى ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُطِيعَ لِلَّهِ إذَا عَلِمَ مَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الثَّوَابِ وَالْكَرَامَةِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ لِذَلِكَ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ لِيَجْزِيَهُ وَيُكْرِمَهُ وَأَنَّ الْكَافِرَ الْعَاصِي إذَا عَايَنَ مَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْخِزْيِ وَالْعِقَابِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَرَادَ إبْعَادَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَقَدْ وَرَدَ هَذَا مُفَسَّرًا. (ش) : قَوْلُهُ «لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ» ظَاهِرٌ أَنَّ الْعَمَلَ مَا تَعَلَّقَ بِالْجَوَارِحِ وَهُوَ حَقِيقَةُ الْعَمَلِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الِاعْتِقَادِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ فَأَخْبَرَ ﷺ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا مِنْ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تُعْمَلُ بِالْجَوَارِحِ وَلَيْسَ فِيهِ إخْبَارٌ عَنْ اعْتِقَادِ الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ اعْتَقَدَ الْإِيمَانَ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَأْتِ مِنْ شَرَائِعِهِ بِشَيْءٍ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ خَافَ تَفْرِيطَهُ فَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُحَرِّقُوهُ وَيَذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ وَنِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى وَجْهِ الْفِرَارِ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ غَيْرُ فَائِتٍ كَمَا يَفِرُّ الرَّجُلُ أَمَامَ الْأَسَدِ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ لَا يَفُوقُهُ سَبْقًا وَلَكِنَّهُ يَفْعَلُ نِهَايَةَ مَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَفْعَلَ هَذَا خَوْفًا مِنْ الْبَارِي تَعَالَى وَتَذَلُّلًا وَرَجَاءَ أَنْ يَكُونَ هَذَا سَبَبًا إلَى رَحْمَتِهِ وَلَعَلَّهُ كَانَ مَشْرُوعًا فِي مِلَّتِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِيُعَذِّبَنَّهُ» يُرِيدُ لَئِنْ ضَيِّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَاقَبَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ لِيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ. وَقَدْ يُقَالُ قَدَرَ عَلَيْهِ بِمَعْنَى ضَيَّقَ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] ، وَقَالَ ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ بِأَمْرِهِ أَنْ يُذْرَى نِصْفُهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفُهُ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ رَجَاءَ أَنْ يُعْجِزَ اللَّهَ بِذَلِكَ وَاعْتَقَدَ بِأَنَّ الْبَارِيَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إعَادَتِهِ مَعَ هَذَا الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ كَفَرَ وَالْكَافِرُ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ، وَقَدْ قِيلَ مَعْنَاهُ إنْ قَدَرَ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَنِي وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَغْفِرَ لِي لِيُعَذِّبَنِي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ

стр. 396

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولَ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ» ) . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ» يُرِيدُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَطَاعَ أَمْرَ اللَّهِ فَجَمَعَ مَا فِيهِ مِنْ هَذَا الْإِنْسَانِ، ثُمَّ أَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا يُرِيدُ مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ إحْرَاقِهِ وَتَفْرِيقِ أَجْزَائِهِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فَقَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبُّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إيمَانِهِ وَعِلْمِهِ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ بِمَقْصِدِهِ وَمُعْتَقِدِهِ فَكَيْفَ يُظَنُّ مَعَ هَذَا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إعَادَتِهِ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» وَالْفِطْرَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْخِلْقَةُ يُقَالُ فَطَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ بِمَعْنَى خَلَقَهُمْ وَهُوَ فِي الشَّرْعِ الْحَالَةُ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْهَا مِنْ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا مِنْ الْإِيمَانِ رَوَى ابْنُ وَضَّاحٍ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّ تَفْسِيرَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيِّ، وَقَدْ قِيلَ عَلَى فِطْرَةِ أَبِيهِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ وَيُؤْمَرَ الْمُسْلِمُونَ بِالْجِهَادِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَوِّدَهُ أَبَوَاهُ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ لَمْ يَتَوَارَثَا؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَهَذَا كَافِرٌ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَيْسَ بِبَيِّنٍ؛ لِأَنَّهُ بِنَفْسِ تَمَامِ الْوِلَادَةِ يَسْرِي إلَيْهِ هَذَا الْحُكْمُ مِنْهُمَا. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ» يُرِيدُ أَنَّ أَبَوَيْهِ هُمَا اللَّذَانِ يَصْرِفَانِهِ عَنْ الْفِطْرَةِ وَمَا خُلِقَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَانِ إلَى دِينِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا يُرَغِّبَانِهِ فِي الْيَهُودِيَّةِ أَوْ النَّصْرَانِيَّةِ وَيُحَبِّبَانِ ذَلِكَ إلَيْهِ حَتَّى يُدْخِلَانِهِ فِيهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ كَوْنَهُ تَبَعًا لَهُمَا فِي الدِّينِ يُوجِبُ الْحُكْمَ لَهُ بِحُكْمِهِمَا فَيَسْتَنُّ بِسُنَّتِهِمَا وَيُعْقَدُ لَهُ عَقْدُ الذِّمَّةِ بِعَقْدِهِمَا لَهُ وَيُوَارِثُهُمَا، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ كَوْنُهُ تَبَعًا لَهُمَا، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَدْيَانُهُمَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ» يُرِيدُ تَامَّةَ الْخَلْقِ «هَلْ تُحِسُّ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ» يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا جَدْعَاءَ فِيهَا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَإِنَّمَا تُجْدَعُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُغَيَّرُ خَلْقُهَا كَالْمَوْلُودِ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ يُغَيِّرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَوَاهُ فَيُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت الَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ» يُرِيدُ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ حَالِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ صَرْفَ أَبَوَيْهِ لَهُ عَنْ الْفِطْرَةِ إلَى دِينِهِمَا مَا يَكُونُ حَالُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَكَيْفَ يُعَذِّبُهُمْ بِذُنُوبِ آبَائِهِمْ وَيُخَلِّدُهُمْ فِي النَّارِ بِكُفْرِهِمْ دُونَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ كُفْرٌ فَقَالَ ﷺ «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ لَوْ أَحْيَاهُمْ حَتَّى يَعْقِلُوا وَيُمْكِنَهُمْ الْعَمَلُ، وَفِي هَذَا إخْبَارٌ عَنْ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَةِ مَصِيرِهِمْ فِي الْآخِرَةِ إلَّا مِنْ جِهَةِ إخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا وَأَنَّهُ لَا يُعَاقِبُهُمْ بِذُنُوبِ آبَائِهِمْ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ بِهِمْ مَا يُرِيدُ بِهِمْ مِنْ التَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ وَالتَّكْلِيفِ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ يَجْزِيهِمْ بِذَلِكَ أَوْ يَكُونُ جَزَاؤُهُ لَهُمْ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ يُوَفِّقُهُمْ لَهُ مِنْ الضَّلَالِ أَوْ الْهُدَى إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» أَظْهَرُ فِي أَنَّ جَزَاءَهُمْ يَكُونُ عَلَى مَا عَلِمَ تَعَالَى مِنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ لَوْ بَلَّغَهُمْ حَدَّ التَّكْلِيفِ. (ش) : هَذَا إخْبَارٌ مِنْهُ ﷺ أَنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ أُمُورًا

стр. 397

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدِّيلِيِّ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَمَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْت «عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَبِسَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجَ قَالَتْ فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي بَرِيرَةَ تَتْبَعُهُ فَتَبِعَتْهُ حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَوَقَفَ فِي أَدْنَاهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقِفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَسَبَقَتْهُ بَرِيرَةُ فَأَخْبَرَتْنِي فَلَمْ أَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ ذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ إنِّي بُعِثْت لِأَهْلِ الْبَقِيعِ لِأُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ أَسْرِعُوا بِجَنَائِزِكُمْ فَإِنَّمَا هُوَ خَيْرٌ ــ [المنتقى] يَتَمَنَّى النَّاسُ مَعَهَا الْمَوْتَ وَأَنَّهُ يَغْبِطُ الْحَيُّ صَاحِبَ الْقَبْرِ وَيَوَدُّ لَوْ أَنَّهُ مَكَانَهُ وَذَلِكَ يَكُونُ إمَّا لِفِتَنٍ لَا يَأْمَنُ الْمُؤْمِنُ أَمْرَهَا فَيَتَمَنَّى الْمَوْتَ لِلنَّجَاةِ مِنْهَا وَإِمَّا لِشِدَّةٍ مِنْ الزَّمَانِ وَفِتَنٍ مِنْ الدُّنْيَا يَهْلِكُ مَنْ شَاهَدَهَا فَيَتَمَنَّى الْمَوْتَ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ مِنْهَا وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إطْلَاقُ تَمَنِّي الْمَوْتِ مَعَ أَنَّ تَمَنِّي الْمَوْتِ خَوْفَ الْفِتْنَةِ غَيْرُ مَحْظُورٍ، وَإِنَّمَا الَّذِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِمَنْعِهِ تَمَّنِي الْمَوْتِ لِضَرَرٍ يَنْزِلُ بِالْإِنْسَانِ. (ش) : قَوْلُهُ « ﷺ لَمَّا رَأَى الْجِنَازَةَ مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ» يُرِيدُ أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ النَّاسِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ يَسْتَرِيحُ، وَضَرْبٌ يُسْتَرَاحُ مِنْهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ تَفْسِيرِ مُرَادِهِ بِذَلِكَ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُسْتَرِيحَ هُوَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَصِيرُ إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَمَا أَعَدَّ لَهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَالنِّعْمَةِ وَيَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَتَعَبِهَا وَأَذَاهَا وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ هُوَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ فَإِنَّهُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَذَاهُ لِلْعِبَادِ بِظُلْمِهِمْ وَأَذَاهُ لِلْأَرْضِ وَالشَّجَرِ بِغَصْبِهَا مِنْ حَقِّهَا وَصَرْفِهَا إلَى غَيْرِ وَجْهِهَا وَإِتْعَابِ الدَّوَابِّ بِمَا لَا يَجُوزُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ فَهَذَا مُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مَعْنَى يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ أَنَّهُمْ يَسْتَرِيحُونَ مِمَّا يَأْتِي بِهِ مِنْ الْمُنْكَرِ فَإِنْ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ نَالَهُمْ أَذَاهُ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَثِمُوا وَاسْتِرَاحَةُ الْبِلَادِ أَنَّهُ بِمَا يَأْتِي مِنْ الْمَعَاصِي تَخْرُبُ الْأَرْضُ فَيَهْلِكُ لِذَلِكَ الْحَرْثُ وَالنَّسْلُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَنْ نَالَهُ الْأَذَى مِنْ أَهْلِ الْمُنْكَرِ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ وَيَكْفِيه أَنْ يُنْكِرَهُ بِقَلْبِهِ أَوْ بِوَجْهٍ لَا يَنَالُهُ بِهِ أَذَاهُ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي الْجَامِعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ (ص) . (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَمُرَّ بِجِنَازَتِهِ ذَهَبْتَ وَلَمْ تَلَبَّسْ مِنْهَا بِشَيْءٍ» ) (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «ذَهَبْتَ وَلَمْ تَلَبَّسْ مِنْهَا بِشَيْءٍ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الدُّنْيَا فَإِنَّهُ لَمْ يَنَلْ مِنْهَا شَيْئًا لِمَوْتِهِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُفْتَحَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الدُّنْيَا فَيَتَلَبَّسُونَ بِهَا مَعَ زُهْدِهِ فِيمَا كَانَ يَنَالُهُ مِنْهَا وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَإِنَّهُ هَاجَرَ إلَى اللَّهِ فَذَهَبَ وَلَمْ يَنَلْ مِنْ الدُّنْيَا شَيْئًا فَبَقِيَ أَجْرُهُ كَامِلًا، وَقَدْ غَبِطَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ فِي ذَلِكَ. (ش) : أَمْرُهَا جَارِيَتِهَا بَرِيرَةَ بِاتِّبَاعِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَلِمَتْ إبَاحَةَ ذَلِكَ لَمَّا رَأَتْهُ خَرَجَ إلَى مَوْضِعٍ لَا يُمْكِنُ السَّتْرُ فِيهِ مِنْ النَّاسِ لِجَوَازِ تَصَرُّفِهِمْ فِي الطُّرُقَاتِ وَالصَّحَارِي فَاسْتَجَازَتْ الِاطِّلَاعَ عَلَى أَثَرِهِ وَالتَّسَبُّبَ إلَى مَعْرِفَةِ مَا خَرَجَ لَهُ لِذَلِكَ وَلَوْ دَخَلَ مَوْضِعًا يَنْفَرِدُ فِيهِ لَمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَلَا تَبِعَتْهُ فِيهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَرْسَلَتْهَا لِاتِّبَاعِهِ لِتَسْتَفِيدَ عِلْمًا مِمَّا يَفْعَلُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَةً مِنْهَا وَخَوْفًا أَنْ يَأْتِيَ بَعْضَ حُجَرِ نِسَائِهِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَوُقُوفُهُ ﷺ فِي أَدْنَى الْبَقِيعِ مَا شَاءَ اللَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلدُّعَاءِ لَهُمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ صَلَاتَهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى مَيِّتٍ بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ وَفِي هَذَا إتْيَانُ الْقُبُورِ وَالدُّعَاءُ لِأَهْلِهَا عِنْدَهَا.

стр. 398

تُقَدِّمُونَهُ إلَيْهِ أَوْ شَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ أَسْرِعُوا بِجَنَائِزِكُمْ يُرِيدُ تَعْجِيلَ أَمْرِهَا وَتَرْكَ تَأْخِيرِهَا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ فِي تَعْجِيلِ دَفْنِهَا سَتْرًا لَهَا وَمُبَادَرَةً لِسَتْرِهَا وَلَا مَانِعَ مِنْ تَعْجِيلِهَا وَلَا فَائِدَةَ فِي تَأْخِيرِهَا؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ إنْ كَانَ صَالِحًا فَتَقْدِيمُهُ خَيْرٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْدَمُ عَلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَلَا مَرْحَبًا بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرٌّ يَضَعُهُ أَهْلُهُ عَنْ رِقَابِهِمْ. وَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ يَا وَيْلَهَا أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا، يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَهُ لَصَعِقَ» تَمَّ كِتَابُ الْجَنَائِزِ. [كِتَابُ الصِّيَامِ] [مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ لِلصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ] ١ كِتَابُ الصِّيَامِ مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ لِلصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ الصِّيَامُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْإِمْسَاكُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] إلَّا أَنَّ اسْمَ الصَّوْمِ وَاقِعٌ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ عَلَى إمْسَاكٍ مَخْصُوصٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَأَمَّا الْفِطْرُ فَهُوَ قَطْعُ الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ إنَّمَا هُوَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَا يَقْطَعُ الصَّوْمَ وَيَمْنَعُهُ مِنْ الْجِمَاعِ وَالْإِنْزَالِ وَغَيْرِهِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَالْإِتْسَاعِ وَرَمَضَانُ هُوَ شَهْرُ الصَّوْمِ مَأْخُوذٌ مِنْ رَمِضَ الصَّائِمُ يَرْمَضُ إذَا حَرَّ جَوْفُهُ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ وَالرَّمْضَاءُ شِدَّةُ الْحَرِّ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لِلصِّيَامِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ الْفِطْرُ لَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ فِي زَمَانِ رَمَضَانَ لِلْفِطْرِ وَالصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ وَرُؤْيَةَ الْهِلَالِ فِي الْأَغْلَبِ فِي غَيْرِهِ. (ش) : قَوْلُهُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ رَمَضَانَ» ذَكَرَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ جَاءَ رَمَضَانُ وَلَا دَخَلَ رَمَضَانُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ. وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَقُولُوا جَاءَ رَمَضَانُ وَقُولُوا جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ رَأَيْتُ الْقَاضِي أَبَا الطَّيِّبِ الطَّبَرِيَّ قَالَ يُقَالُ صُمْتُ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مَعْرُوفٌ فَإِذَا وُصِفَ بِالْمَجِيءِ لَا يُقَالُ جَاءَ رَمَضَانُ حَتَّى يُقَالَ جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ لِلْإِشْكَالِ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَا طَرِيقٍ صَحِيحٍ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ» . (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَأَوَّلُ مَا فُرِضَ مِنْ الصِّيَامِ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ نَسَخَ وُجُوبَهُ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَهُ. ١ - (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ ﷺ «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ» يَقْتَضِي مَنْعَ الصَّوْمِ فِي آخِرِ شَعْبَانَ قَبْلَ رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْعُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى التَّلَقِّي لِرَمَضَانَ أَوْ الِاحْتِيَاطِ، وَأَمَّا صِيَامُ يَوْمِ الشَّكِّ وَغَيْرِهِ مِنْ شَعْبَانَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ لِمَنْ كَانَ فِي صَوْمٍ مُتَتَابِعٍ أَوْ لِمَنْ ابْتَدَأَ التَّنَفُّلَ فِيهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ بِوَجْهٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ

стр. 399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَامَ يَوْمُ الشَّكِّ ابْتِدَاءً، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ لَا يَصُومُهُ إلَّا مَنْ كَانَ يَسْرُدُ الصِّيَامَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا يَوْمٌ مِنْ شَعْبَانَ فَجَازَ أَنْ يُبْتَدَأَ بِصَوْمِهِ نَفْلًا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ» الرُّؤْيَةُ تَكُونُ عَامَّةً وَخَاصَّةً فَأَمَّا الْعَامَّةُ فَهِيَ أَنْ يَرَى الْهِلَالَ الْجَمُّ الْغَفِيرُ وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ حَتَّى يَقَعَ بِذَلِكَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ بِهِ لِمَنْ رَآهُ وَمَنْ لَمْ يَرَهُ. (فَرْعٌ) وَهَذَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الشَّهَادَةِ إلَى حُكْمِ الْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْقَرْيَةُ الْكَبِيرَةُ يَرَى أَهْلُهَا الْهِلَالَ فَيَرَاهُ مِنْهُمْ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ مِنْهُمْ التَّوَاطُؤُ عَلَى بَاطِلٍ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ: فِي مِثْلِ هَذَا لَا يُحْتَاجُ إلَى شَهَادَةٍ وَلَا تَعْدِيلٍ وَيَلْزَمُ النَّاسَ الصَّوْمُ بِذَلِكَ مِنْ بَابِ اسْتِفَاضَةِ الْإِخْبَارِ لَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَاتِ، وَأَمَّا الرُّؤْيَةُ الْخَاصَّةُ فَهِيَ أَنْ يَرَاهُ الْعَدَدُ الْيَسِيرُ، وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةٌ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ صَاحِيَةً فَإِنْ كَانَتْ مُغَيِّمَةً فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ، وَإِنْ كَانَتْ صَاحِيَةً ثَبَتَ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمَا عِنْدَ مَالِكٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يَثْبُتُ بِهِ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ صَاحِيَةً كَالرُّؤْيَةِ الْعَامَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَثْبُتُ هِلَالُ رَمَضَانَ بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى هِلَالٍ فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهَا أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ أَصْلُ ذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى هِلَالِ شَوَّالِ وَذِي الْحِجَّةِ. (فَرْعٌ) وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ وَشَهِدَ آخَرُ عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الشَّاهِدَ عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ لَوْ رَآهُ بَعْدَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ رُؤْيَةِ الثَّانِي لَمْ يُفْطِرْ بِشَهَادَتِهِمَا حَتَّى يَكْمُلَ رَمَضَانُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا بَعْدَ إكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الثَّانِي لَا تُصَحِّحُ شَهَادَةَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَوَّلُ رَأَى شَيْئًا وَرَأَى الثَّانِي هِلَالَ شَوَّالٍ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ. وَأَمَّا إذَا رَأَى الثَّانِي هِلَالَ شَوَّالٍ بَعْدَ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ رُؤْيَةِ الْأَوَّلِ هِلَالَ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُفْطَرَ بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الثَّانِي تُصَحِّحُ شَهَادَةَ الْأَوَّلَ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَصْدُقَ الثَّانِي وَلَا يَصْدُقَ الْأَوَّلُ، فَيَجِبُ تَأَمُّلُ هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى هِلَالِ شَعْبَانَ فَعُدَّ لِذَلِكَ ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَالسَّمَاءُ صَاحِيَةٌ فَلَا يُرَى قَالَ هَذَانِ شُهَدَاءُ سَوْءٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ وَاحِدٌ وَلَوْ كَانَا حُكْمَيْنِ لَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِلشَّاهِدَيْنِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَيَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْحَاكِمَ لَمَّا شَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يُضِفْ إلَيْهِ الَّذِي شَهِدَ عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ: إنَّ الْإِمَامَ يَرُدُّ شَهَادَتَهُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِهَا فَإِمَّا أَنْ يُبْطِلَهَا حَتَّى يَمْنَعَ مِنْ أَنْ يُضِيفَ شَهَادَةَ غَيْرِهِ إلَيْهَا فَلَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُصَامُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَلَا يُفْطَرُ بِهَا فَإِنَّهُ يُصَامُ وَيُفْطَرُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ مِنْ صِفَتِهِمَا أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ وَلَا يُعْرَفَانِ بِسَفَهٍ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُصَامُ بِشَهَادَتِهِمَا وَلَا يُفْطَرُ قَالَ أَشْهَبُ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَدْلًا وَكَانَ فِي أَحَدِهِمَا بَقِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ صَالِحًا لَمْ يُصَمْ لِشَهَادَتِهِمَا وَلَمْ يُفْطَرْ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ فَاعْتُبِرَ فِيهَا صِفَاتُ الْعَدَالَةِ كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ. ١ - (فَرْعٌ) فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ لَمْ يُعْرَفَا بِعَدَالَةٍ وَلَا غَيْرِهَا وَاحْتَاجَ الْقَاضِي إلَى أَنْ يَكْشِفَ عَنْ حَالِهِمَا، وَذَلِكَ يَتَأَخَّرُ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ

стр. 400

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] لَيْسَ عَلَى النَّاسِ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَإِنْ زُكُّوا بَعْدَ ذَلِكَ وَأُمِرَ النَّاسُ بِالصِّيَامِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِي الْفِطْرِ. (فَرْعٌ) وَإِذَا ثَبَتَ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَحُكِمَ بِذَلِكَ وَأُمِرَ بِالصِّيَامِ وَنَقَلَ ذَلِكَ إلَيْك عَنْهُ الْعَدْلُ وَنَقَلَ إلَيْك عَنْ بَلَدٍ آخَرَ فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُيَسَّرٍ الإسكندراني يَلْزَمُكَ الصَّوْمُ مِنْ بَابِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ لَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ يَنْقُلُ إلَى أَهْلِهِ وَابْنَتِهِ الْبِكْرِ مِثْلَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُمْ تَبْيِيتُ الصِّيَامِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَمَعْنَى هَذَا عِنْدِي أَنَّ الصَّوْمَ يَكُونُ ثُبُوتُهُ بِطَرِيقَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْخَبَرُ. وَالثَّانِي: الشَّهَادَةُ. فَأَمَّا طَرِيقَةُ الْخَبَرِ فَإِذَا عَمَّ النَّاسَ رُؤْيَتُهُ فَمَنْ أَخْبَرَهُ الْعَدْلُ عَنْ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ لَزِمَهُ الصِّيَامُ وَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَزَوَالِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ لِلصَّوْمِ وَالْفِطْرِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الصَّوْمِ بِالْغُرُوبِ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي الشَّهَادَةُ، وَذَلِكَ إذَا قَلَّ عَدَدُ الرَّائِينَ لَهُ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ مِنْ طَرِيقِ الشَّهَادَةِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ صِفَاتِ الشُّهُودِ وَعَدَدِهِمْ وَاخْتِصَاصِ ثُبُوتِهِ بِالْحُكَّامِ مَا يُعْتَبَرُ فِي سَائِرِ الشَّهَادَاتِ،. وَوَجْهُ ذَلِكَ اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي رُؤْيَتِهِ وَأَنَّ اخْتِصَاصَ بَعْضِ النَّاسِ بِرُؤْيَتِهِ دُونَ بَعْضٍ لِدِقَّتِهِ وَبُعْدِهِ وَاشْتِبَاهِ مَطَالِعِهِ أَمْرٌ شَائِعٌ ذَائِعٌ فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى شَائِعًا فِيهِ وَكَانَ مَا هَذِهِ سَبِيلُهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الشَّهَادَةِ لَمْ يَخْلُ مِنْ إحْدَى حَالَتَيْنِ إمَّا أَنْ يَبْطُلَ صَوْمُ كَثِيرٍ مِنْ أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ لِوُجُوبِ صَوْمِهِ أَوْ يَثْبُتَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الشَّهَادَةِ لِتَعَذُّرِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ فِيهِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى رُؤْيَتِهِ، وَيُخَالِفُ هَذَا طُلُوعَ الْفَجْرِ وَغُرُوبَ الشَّمْسِ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لِلصَّلَاةِ وَاسِعٌ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَوَّلُهُ وَلَمْ يَتَيَقَّنْهُ بَعْضُ النَّاسِ تَيَقُّنَ مَا بَعْدَهُ لَمْ يَفُتْهُ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَوَقْتُ الصَّوْمِ يَلْزَمُ اسْتِيعَابُهُ بِالْعِبَادَةِ فَإِنْ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ مِنْ أَوَّلِهِ فَاتَ صَوْمُهُ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا طُلُوعُ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ وَالْإِمْسَاكَ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُمَا قَبْلَ الْفَجْرِ فَيُمْكِنُ اسْتِيعَابُ الْوَقْتِ بِالصَّوْمِ مَعَ عَدَمِ تَيَقُّنِ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ لِلصَّوْمِ قَبْلَ تَيَقُّنِ دُخُولِ الشَّهْرِ فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِالشَّهَادَةِ فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهَا وَحُكِمَ بِالصَّوْمِ جَازَ أَنْ يُنْتَقَلَ عَنْهُ لِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِيُمْكِنَ انْتِقَالُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ إنَّمَا يُنْتَقَلُ لِلشَّهَادَةِ لِتَعَذُّرِ الرُّؤْيَةِ وَهِيَ وَجْهُ ثُبُوتِهِ فَإِذَا ثَبَتَتْ الرُّؤْيَةُ وَأَمْكَنَ أَنْ يَشِيعَ عَمَّنْ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ رَجَعَتْ إلَى حُكْمِ الْخَبَرِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا رَأَى أَهْلُ الْبَصْرَةَ هِلَالَ رَمَضَانَ، ثُمَّ بَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ فَاَلَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَزِمَهُمْ الصِّيَامُ أَوْ الْقَضَاءُ إنْ فَاتَ الْأَدَاءُ، وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إنْ كَانَ ثَبَتَ بِالْبَصْرَةِ بِأَمْرٍ شَائِعٍ ذَائِعٍ يَسْتَغْنِي عَنْ الشُّهْرَةِ وَالتَّعْدِيلِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ غَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ مِنْ الْبِلَادِ إلَّا مَنْ كَانَ يَلْزَمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ الْحَاكِمِ مِمَّنْ هُوَ فِي وِلَايَتِهِ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ يَثْبُتُ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَيَلْزَمُ الْقَضَاءُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ انْتَقَلَ إلَى الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ ثُبُوتِهِ لِتَمَكُّنِ أَخْذِ ذَلِكَ عَنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُ مَا يُنْقَلُ عَنْ الْحَاكِمِ ثُبُوتُهُ وَمَا عَمَّتْ رُؤْيَتُهُ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ عَادَا إلَى حُكْمِ الْخَبَرِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ حُكْمٌ مِنْ الْحَاكِمِ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا مَنْ تَنَالُهُ وِلَايَتُهُ وَيَلْزَمُهُ حُكْمُهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ حَاكِمٌ يَتَفَقَّدُ أَمَرَ النَّاسِ فِي الصَّوْمِ أَوْ كَانَ مِمَّنْ يُضَيِّعُ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعِي ذَلِكَ وَيَتَفَقَّدَهُ بِمَنْ يَثْبُتُ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ أَوْ بِرُؤْيَةِ مَنْ يَثِقُ بِهِ فَيَصُومَ بِذَلِكَ وَيُفْطِرُ وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ ثُبُوتَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ لَمَّا تَعَذَّرَ لِعَدَمِهِ أَوْ لِتَفْرِيطِهِ رَجَعَ إلَى أَصْلِهِ فِي ثُبُوتِهِ بِالْخَبَرِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ «وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ» يُرِيدُ تَرَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ عَلَى

стр. 401

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الشَّهْرُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» ) . ــ [المنتقى] أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي هِلَالِ شَوَّالٍ أَقَلُّ مِنْ شَاهِدَيْنِ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ الْوَاحِدُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهَا أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ أَصْلُ ذَلِكَ سَائِرُ الْحُقُوقِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» يُرِيدُ مَنَعَكُمْ مِنْ رُؤْيَتِهِ سَحَابٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ غَمَمْتُ الشَّيْءَ إذَا سَتَرْتُهُ فَاقْدُرُوا لَهُ يُرِيدُ قَدِّرُوا لِلشَّهْرِ وَتَقْدِيرُهُ إتْمَامُ الشَّهْرِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ ثَلَاثِينَ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ إنَّمَا يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا بِالرُّؤْيَةِ فَأَمَّا بِالتَّقْدِيرِ فَلَا يَكُونُ إلَّا ثَلَاثِينَ. وَقَدْ فُسِّرَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «فَقَالَ ﷺ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» وَفِي حَدِيثِ رِبْعِيٍّ بْنِ حِرَاشٍ «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» وَذَكَرَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ قِيلَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ فَاقْدُرُوا لَهُ أَيْ قَدِّرُوا الْمَنَازِلَ وَهَذَا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ إلَّا بَعْضَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَزنِيَّةِ فِي الْإِمَامِ لَا يَصُومُ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَلَا يُفْطِرُ لِرُؤْيَتِهِ، وَإِنَّمَا يَصُومُ وَيُفْطِرُ عَلَى الْحِسَابِ أَنَّهُ لَا يُقْتَدَى بِهِ وَلَا يُتَّبَعُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ فَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِمَا صَامَ مِنْهُ عَلَى الْحِسَابِ وَيَرْجِعُ إلَى الرُّؤْيَةِ وَاكَمَالِ الْعَدَدِ فَإِنْ اقْتَضَى ذَلِكَ قَضَاءَ شَيْءٍ مِنْ صَوْمِهِ قَضَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ عُدِمَتْ الرُّؤْيَةُ لَزِمَ إتْمَامُ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ كَانَ صَحْوًا أَوْ غَيْمًا وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إنْ كَانَ غَيْمًا صَامَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ احْتِيَاطًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» ، وَالدَّلِيلُ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا يَوْمُ شَكٍّ فَلَمْ يَجُزْ صَوْمُهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ السَّمَاءُ صَاحِيَةً. (ش) : قَوْلُهُ «الشَّهْرُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ» يَحْتَمِلُ أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ قَدْ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَلَا يَرِيبُكُمْ نَقْصُهُ إنْ نَقَصَ وَلَا تَشْرَعُوا فِي صَوْمِهِ حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فِي أَوَّلِهِ أَوْ رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ ثُمَّ رَأَيْتُمْ هِلَالَ الْفِطْرِ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَلَا تَرْتَابُوا بِذَلِكَ فَإِنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ " التَّنْبِيهَ عَلَى تَرَائِي الْهِلَالِ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ وَتِسْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ قَالَ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا تَصُومُوا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ حَتَّى تَرَوْهُ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا اتَّصَلَ غَمُّ الْهِلَالِ أَشْهُرًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُزَنِيَّة فِي الْقَوْمِ يَكُونُونَ فِي مَرْكَبٍ فَلَا يَرَوْنَ هِلَالَ رَجَبٍ وَلَا شَعْبَانَ وَلَا رَمَضَانَ فَقَالَ يَنْظُرُونَ أَيَّ هِلَالٍ رَأَوْهُ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ فَيَعُدُّوهُ بِثَلَاثِينَ، ثُمَّ رَجَبٌ بِثَلَاثِينَ، ثُمَّ شَعْبَانُ بِثَلَاثِينَ ثُمَّ رَمَضَانُ بِثَلَاثِينَ فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُمْ هِلَالُ شَوَّالَ قَبْلَ الثَّلَاثِينَ أَفْطَرُوا وَقَضَوْا مَا أَفْطَرُوا وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلَهُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ يَرَوْا الْهِلَالَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَوْ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ مِنْ عَدَدِهِمْ فَيُفْطِرُوا وَيَعْلَمُوا أَنَّ الْأَهِلَّةَ قَبْلَ الْهِلَالِ الَّذِي رَأَوْهُ قَدْ كَانَ مِنْهَا تِسْعًا وَعِشْرِينَ مَا اقْتَضَى أَنْ يَرَوْا الْهِلَالَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي رَأَوْهُ فِيهِ وَهَلْ بَنَوْا عَلَى أَنَّ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ فِيمَا نَقَصُوهُ مِنْهُ أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ ثَلَاثِينَ» ) (ش) : قَوْلُهُ «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ ثَلَاثِينَ» ظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَرَادَ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ الشَّهْرِ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ ثَلَاثِينَ يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْفِطْرِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ أَرَادَ إنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ هِلَالُ شَوَّالٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكْمُلَ عَدَدُ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ، وَإِنَّمَا

стр. 402

(ص) : (مَالِكٌ بَلَغَهُ أَنَّ الْهِلَالَ رُئِيَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِعَشِيٍّ فَلَمْ يُفْطِرْ عُثْمَانُ حَتَّى أَمْسَى وَغَابَتْ الشَّمْسُ) . (ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الَّذِي يَرَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ: إنَّهُ يَصُومُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْطِرَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ وَمَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَّهِمُوهُ عَلَى أَنْ يُفْطِرَ مِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ مَأْمُونًا وَيَقُولُ أُولَئِكَ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ قَدْ رَأَيْنَا الْهِلَالَ وَمَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالَ نَهَارًا فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ وَيُتِمُّ صِيَامَ يَوْمِهِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ هِلَالُ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَأْتِي) . (ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ إذَا صَامَ النَّاسُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ رَمَضَانُ فَجَاءَهُمْ ثَبْتٌ أَنَّ هِلَالَ رَمَضَانَ قَدْ رُئِيَ قَبْلَ أَنْ يَصُومُوا بِيَوْمٍ وَأَنْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ أَحَدٌ وَثَلَاثُونَ فَإِنَّهُمْ يُفْطِرُونَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَيْ سَاعَةَ جَاءَهُمْ الْخَبَرُ ــ [المنتقى] وَرَدَ هَذَا فِي النَّهْيِ عَنْ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ حَتَّى يُرَى الْهِلَالُ الْمُوجِبُ لِلصَّوْمِ أَوْ يُرَى الْهِلَالُ الْمُوجِبُ لِلْفِطْرِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْنَا أَحَدُهُمَا فَهَذَا حُكْمُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ وَارِدٌ بَعْدَهُمَا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَيْهِمَا فَيَجِبُ أَنْ يَكْمُلَ الْعَدَدُ ثَلَاثِينَ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي آخِرِ الشَّهْرِ الَّذِي يَكْمُلُ فَمَعْنَاهُ وَأَنْ يُكْمِلَ الشَّهْرَ الَّذِي هُوَ فِيهِ مَنْ غُمَّ عَلَيْهِ الْهِلَالُ ثَلَاثِينَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «فَقَالَ ﷺ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» . (ش) : قَوْلُهُ إنَّ الْهِلَالَ رُئِيَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِعَشِيٍّ الْعَشِيُّ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ إلَى آخِرِ النَّهَارِ وَقَوْلُهُ فَلَمْ يُفْطِرْ عُثْمَانُ حَتَّى أَمْسَى دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي رَمَضَانَ وَأَنَّ الْهِلَالَ الَّذِي رُئِيَ هُوَ هِلَالُ شَوَّالٍ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُ إذَا رُئِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ لِلَّيْلَةِ الْقَادِمَةِ وَأَمَّا إذَا رُئِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ وَجُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ يَقُولُونَ إنَّهُ لِلَّيْلَةِ الْقَادِمَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هُوَ لِلَّيْلَةِ الْخَالِيَةِ وَرَوَاهُ ابْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ قَدْ رُوِيَ الْقَوْلَانِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْجَهْمِ وَهَذَا لَا يَثْبُتُ عَنْ عُمَرَ رَوَاهُ شِبَاكٌ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ هَذَا هِلَالٌ رُئِيَ نَهَارًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلَّيْلَةِ الْقَادِمَةِ أَصْلُهُ إذَا رُئِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ قَالَ وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا رُئِيَ فِي يَوْمِ ثَلَاثِينَ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ مَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ صَامَ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمِصْرِ أَوْ مُنْفَرِدًا فِي صَحْرَاءَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا يَصُومُ حَتَّى يَحْكُمَ الْإِمَامُ بِأَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا لَزِمَهُ الصَّوْمُ لِرُؤْيَةِ غَيْرِهِ فَبِأَنْ يَلْزَمُهُ مِنْ رُؤْيَتِهِ وَهِيَ مُتَيَقَّنَةٌ أَوْلَى وَأَحْرَى. (فَرْعٌ) فَإِنْ أَفْطَرَ عَامِدًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَاللَّيْلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا عَامِدٌ لِلْفِطْرِ مُنْتَهِكٌ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ أَفْطَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَمَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ وَهَذَا مِمَّا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ إذَا كَانَ فِي الْمِصْرِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَوَجْهُ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ ﵀ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ لِأَهْلِ الْفِسْقِ وَالْبِدَعِ إلَى الْفِطْرِ قَبْلَ النَّاسِ بِيَوْمٍ وَيَدَّعُونَ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ أَشْهَبُ يُفْطِرُ بِالنِّيَّةِ وَيُمْسِكُ عَنْ الْأَكْلِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ عَنْ الْأَكْلِ يَخْرُجُ عَمَّا خِيفَ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ كَانَ وَحْدَهُ فِي سَفَرٍ فَلْيُفْطِرْ إذْ لَا يَدْرِي لَعَلَّ غَيْرَهُ قَدْ رَآهُ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَرَهُ لَكَانَ حُكْمُهُ الْإِمْسَاكَ كَاَلَّذِي فِي الْحَضَرِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَمَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ نَهَارًا فَلَا يُفْطِرُ وَيُتِمُّ صَوْمَهُ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ هِلَالُ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَأْتِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْهِلَالَ إذَا رُئِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ لِلَّيْلَةِ الْقَادِمَةِ فَإِنْ رَآهُ فِي آخِرِ شَعْبَانَ لَمْ يَلْزَمْ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْأَكْلِ، وَإِنْ رَآهُ فِي آخِرِ رَمَضَانَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ.

стр. 403

غَيْرُ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ صَلَاةَ الْعِيدِ إنْ كَانَ ذَلِكَ جَاءَهُمْ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ) . مَنْ أَجْمَعَ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَا يَصُومُ إلَّا مَنْ أَجْمَعَ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ زَوْجَيْ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ) ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ إذَا صَامَ النَّاسُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ مِنْ آخِرِ رَمَضَانَ فَجَاءَهُمْ ثَبْتٌ أَنَّهُ يَوْمُ الْفِطْرِ، وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ كَمَالِ عَدَدِهِ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ. وَالثَّانِي: بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ بِالْأَمْسِ. وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ يَلْزَمُ الْإِفْطَارُ سَاعَةَ يَصِحُّ الْخَبَرُ بِذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ فِي آخِرِهِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يُصَلُّوا صَلَاةَ الْعِيدِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ وَقْتُهَا وَلَا يُصَلَّى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي فِطْرٍ وَلَا أَضْحَى. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانُوا فِي آخِرِ شَعْبَانَ فِيمَا يَظُنُّونَ فَجَاءَهُمْ الثَّبَتُ أَنَّ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْإِمْسَاكُ عَنْ جَمِيعِ مَا يُمْسِكُ عَنْهُ الصَّائِمُ سَوَاءٌ كَانُوا أَكَلُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ أَوْ لَمْ يَأْكُلُوا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ لَهُمْ الْفِطْرُ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ فَإِذَا عَلِمُوا أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ كَانَ عَلَيْهِمْ الْإِمْسَاكُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ اسْتِدَامَةُ الْفِطْرِ لِمَنْ كَانَ لَهُ الْفِطْرُ لِعُذْرٍ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ فَإِذَا زَالَ الْعُذْرُ كَانَ لَهُ اسْتِدَامَةُ الْفِطْرِ بَاقِيَ يَوْمِهِ كَالْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ أَفْطَرُوا بَعْدَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ سَوَاءٌ كَانُوا أَفْطَرُوا قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُفْطِرُوا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُفْطِرَ جُرْأَةً وَعِلْمًا بِمَا عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْقِيَاسُ أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ بِالتَّعَمُّدِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ بِإِفْسَادِ الصَّوْمِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ أَفْسَدَ الصَّوْمَ بِالْأَكْلِ لَكَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلَوْ أَكَلَ مَرَّةً ثَانِيَةً فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفْسِدْ لِذَلِكَ صَوْمًا. [مَنْ أَجْمَعَ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ] (ش) : قَوْلُهُ لَا يَصُومُ إلَّا مَنْ أَجْمَعَ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ الْإِجْمَاعُ لِلصِّيَامِ هُوَ الْعَزْمُ عَلَيْهِ وَالْقَصْدُ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّوْمَ مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَاتِ فَلَا يَصِحُّ صَوْمُ رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا بِنِيَّةٍ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ تَسْتَيْقِظُ بَعْدَ الْفَجْرِ فَتَرَى الطُّهْرَ فَتَشُكُّ أَنَّ ذَلِكَ الطُّهْرَ لَيْلًا أَنَّهَا تَصُومُ وَتَقْضِي مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ الطُّهْرُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هَذِهِ رِوَايَةٌ فِي أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَقْطَعُ النِّيَّةَ الْمُتَنَاوِلَةَ لِأَوَّلِ الشَّهْرِ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّ هَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ فِي جَوَازِ الصَّوْمِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ أَصْبَحَ وَلَا يَدْرِي بِأَنَّ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ فَثَبَتَ بِرُؤْيَةٍ عَامَّةٍ لَا يَحْتَاجُ مَعَهَا إلَى شُهْرَةٍ أَوْ بِرُؤْيَةٍ خَاصَّةٍ تَشْهَدُ عِنْدَ الْإِمَامِ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى عَلِمَ بِأَنَّ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنْ صَوْمِهِ إنْ كَانَ لَمْ يَنْوِ فِيهِ صَوْمًا غَيْرَهُ رَوَاهُ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي مَبْسُوطِهِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا صَوْمٌ فَلَمْ يَصِحَّ إلَّا بِنِيَّةٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَحْتَمِلُ غَيْرَ هَذَا، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَتَصُومُ فَتُمْسِكُ عَنْ الْأَكْلِ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهَا وَيَكُونُ حُكْمُهَا فِي ذَلِكَ حُكْمَ مَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِأَنَّ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ، ثُمَّ يَقْضِي وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ أَنْ تَكُونَ رَأَتْ الطُّهْرَ وَهِيَ تَشُكُّ فِي الْفَجْرِ فَنَوَتْ الصَّوْمَ، ثُمَّ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهَا أَمْرُ الْفَجْرِ حَتَّى نَامَتْ وَاسْتَيْقَظَتْ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَقَدْ فَاتَهَا تَبَيُّنُ أَمْرِهَا فَإِنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَصُومَ ذَلِكَ الْيَوْمَ؛ لِأَنَّهَا تَجُوزُ أَنَّهَا قَدْ أَدْرَكَتْ وَقْتَ النِّيَّةِ وَتَقْضِيه؛ لِأَنَّهَا تَجُوزُ أَنَّهَا لَمْ تُدْرِكْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ -

стр. 404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فَصْلٌ) : قَوْلُهُ لَا يَصُومُ إلَّا مَنْ أَجْمَعَ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ مَنَعَ الصَّوْمَ دُونَ نِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ فَإِنْ نَوَى بَعْدَ الْفَجْرِ فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُهُ فِي فَرْضٍ وَلَا نَفْلٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ الصَّوْمِ مُعَيَّنًا كَرَمَضَانَ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ صَوْمُهُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ وَمَا كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا بِنِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ إنَّ الْفَرْضَ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالنَّفَلُ يُجْزِئُهُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا صَوْمٌ شَرْعِيٌّ فَافْتَقَرَ إلَى نِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ أَصْلُهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ وَأَصْلُهُ مَعَ الشَّافِعِيِّ الْفَرْضُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَوَقْتُ النِّيَّةِ مِنْ وَقْتِ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ يَوْمِ الْفِطْرِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْهُ إذَا كَانَ قَبْلَهُ يَوْمُ فِطْرٍ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْوِيَ صِيَامَ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ فَوَقْتُ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَتِهِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِهِ. وَوَجْهُ التَّوْسِعَةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ وَقْتَ الدُّخُولِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِلْمُكَلَّفِ وَهُوَ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ وَفِي ارْتِقَابِ ذَلِكَ مَشَقَّةٌ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ صَوْمٍ مُعَيَّنٍ زَمَنُهُ فَنَوَى ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَتِهِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ نِيَّتِهِ مَا لَمْ يَبْلُغْ فَجْرَ يَوْمِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ صَوْمٌ يَتَعَيَّنُ زَمَنُهُ فَإِنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ النِّيَّةِ أَنْ يَسْتَصْحِبَهَا إلَى وَقْتِ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ وَقْتُ الدُّخُولِ فِي الصَّوْمِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيَجُوزُ أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ جَمِيعِ رَمَضَانَ مِنْ أَوَّلِهِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ ﷺ «، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى» وَهَذَا قَدْ نَوَى جَمِيعَ الشَّهْرِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا عِبَادَةٌ تَجِبُ فِي الْعَامِ مَرَّةً فَجَازَ أَنْ تَشْمَلَهَا نِيَّةٌ كَالزَّكَاةِ. ١ - (فَرْعٌ) فَإِنْ نَوَى صَوْمًا مُتَتَابِعًا أَوْ مُعَيَّنًا غَيْرَ مُتَتَابِعٍ أَوْ كَانَ شَأْنُهُ سَرْدَ الصِّيَامِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ تَبْيِيتُ الصَّوْمِ لِكُلِّ يَوْمٍ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ ذَلِكَ فِي كُلِّ صِيَامٍ مُتَّصِلٍ مُتَتَابِعٍ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالنَّذْرِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنَّ عَلَيْهِ التَّبْيِيتَ لِجَوَازِ فِطْرِهِ، وَجْهُ مَا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ حُكْمَ نِيَّةِ الصَّوْمِ لَا تَتَقَدَّمُ عَلَى زَمَانِ صَوْمِهَا إلَّا بِزَمَانٍ لَا يَجُوزُ فِيهِ فِطْرُ نَهَارٍ وَلَا يَصِحُّ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ الصَّوْمِ وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْيَوْمَ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَمَنِ صَوْمِهَا نَهَارٌ يَجُوزُ فِطْرُهُ وَلَا صَوْمُهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ ذَلِكَ الصَّوْمِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْوِيَ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فِي يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ وَأَلْزَمَهُ نَفْسَهُ صَحَّ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ مِنْهُ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ فِيهِ وَالِالْتِزَامَ لَهُ يَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ الْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ فِي النِّيَّةِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِمَا تَخَلَّلَهُ مِنْ أَزْمِنَةِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ كَمَا لَا يُعْتَبَرُ بِمَا تَخَلَّلَهُ مِنْ زَمَنِ اللَّيْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يُجْزِئُ الْأَدَاءُ عَنْ الْقَضَاءِ؟ يَتَخَرَّجُ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ عَلَى اخْتِلَافِ أَقْوَالِ أَصْحَابِنَا فِي الْأَسِيرِ إذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الشُّهُورُ فَصَامَ شَعْبَانَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ رَمَضَانُ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُجْزِئُهُ الشَّهْرُ الثَّانِي عَنْ رَمَضَانَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَنْهُ، وَقَدْ قِيلَ لَا يُجْزِئُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا نِيَّةُ الْقَضَاءِ عَنْ نِيَّةِ الْأَدَاءِ فَيَتَخَرَّجُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا وَجْهَانِ عَلَى اخْتِلَافِ أَقْوَالِ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ صَامَ رَمَضَانَ قَضَاءً عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ عَلَيْهِ فَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُجْزِئُهُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذَا خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ فَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنْ الشَّهْرِ الَّذِي حَضَرَ وَيَقْضِي الْأَوَّلَ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ التِّلْيَانِيُّ مَعْنَاهُ يُجْزِئُ عَنْ الْمَاضِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 405

مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الْفِطْرِ . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَا يُصَلِّيَانِ الْمَغْرِبَ حِينَ يَنْظُرَانِ إلَى اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَا، ثُمَّ يُفْطِرَانِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ) . ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الْفِطْرِ] (ش) : قَوْلُهُ «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ» يُرِيدُ ﷺ لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ مَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَلَى سُنَّةٍ وَسَبِيلٍ، وَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ أَنْ لَا يُؤَخَّرَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى وَجْهِ التَّشَدُّدِ وَالْمُبَالَغَةِ وَاعْتِقَادِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْفِطْرُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى حَسِبَ مَا تَفْعَلُهُ الْيَهُودُ، وَأَمَّا مَنْ أَخَّرَ فِطْرَهُ بِاخْتِيَارِهِ لِأَمْرٍ عَنَّ لَهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ صَوْمَهُ قَدْ كَمُلَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ» ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يُوَاصِلُ أَحَدٌ مِنْ السَّحَرِ إلَى السَّحَرِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ الْأَخْذُ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْلَى وَجْهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّهُ تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ أَيُّكُمْ أَرَادَ تَأْخِيرَ الْأَكْلِ لِمَانِعٍ مَنَعَهُ مِنْ الْأَكْلِ مِنْ شُغْلٍ أَوْ مُدَاوَاةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلْيُؤَخِّرْ إلَى السَّحَرِ وَلَا يَصِلُ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ، وَإِنْ كَانَ زَمَنَ اللَّيْلِ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالصَّوْمِ دُونَ النَّهَارِ وَيَصِحُّ إفْرَادُ النَّهَارِ بِالصَّوْمِ دُونَهُ وَتَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو عَنْ أَبِي أَوْفَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا رَأَيْت اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» فَجَعَلَ مَجِيءَ اللَّيْلِ فِطْرًا. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَتَمَامُ الصَّوْمِ وَوَقْتِ الْفِطْرِ هُوَ إذَا انْقَضَى غُرُوبُ الشَّمْسِ وَكَمُلَ ذَهَابُ النَّهَارِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَهَذَا يَقْتَضِي الْإِمْسَاكَ إلَى أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إمْسَاكِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ لِيَتَيَقَّنَّ صِيَامَ جَمِيعِ أَجْزَاءِ النَّهَارِ وَبِمَاذَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ فَأَمَّا الْمُفْرَدُ أَوْ مَنْ كَانَ فِي مَكَان لَيْسَ فِيهِ مُؤَذِّنُونَ فَإِنَّهُ إذَا رَأَى الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ أَمْسَكَ لِلصَّوْمِ، وَإِذَا رَأَى الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ أَفْطَرَ، وَأَمَّا الْأَعْمَى فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ مَنْ يَثِقُهُ وَيَعْمَلُ بِهِ، وَأَمَّا الْبَصِيرُ الَّذِي يَكُونُ فِي الْحَضَرِ أَوْ فِي الْمِصْرِ فِيهِ الْمُؤَذِّنُونَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ إذَا كَانَ أَذَانُهُمْ عِنْدَ الْفَجْرِ، وَإِنْ رَأَى هُوَ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَلَا يُفْطِرُ حَتَّى يُؤَذِّنُوا، وَإِنْ رَأَى هُوَ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ؛ لِأَنَّهُمْ مُوَكَّلُونَ بِذَلِكَ وَهُمْ رُعَاتُهُ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ وَلَا يَنْتَظِرُ إلَى مُؤَذِّنٍ وَلَا مُثَوِّبٍ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَعْرِفُ الْفَجْرَ فَكَانَ فِي مَوْضِعٍ يَنْظُرُ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَرَى الْفَجْرَ فَلْيَحْتَطْ، وَكَذَلِكَ الْفِطْرُ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَلَمْ يَشُكَّ فَإِذَا شَكَّ فَلْيَحْتَطْ وَلَا يَنْتَظِرُ الْمُؤَذِّنَ كَانَ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ مُؤَذِّنُونَ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَ عِيسَى وَأَمَرَنِي أَنْ أَكْتُبَهُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْمُزَنِيَّة. (ش) : قَوْلُهُ كَانَا يُصَلِّيَانِ الْمَغْرِبَ حِينَ يَنْظُرَانِ إلَى اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ يُرِيدُ حِينَ كَانَا يَرَيَانِهِ فِي أُفُقِ الْمَشْرِقِ، وَذَلِكَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «، وَإِذَا رَأَيْتَ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» فَكَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ إذَا رَأَيَا سَوَادَ اللَّيْلِ فِي أُفْقِ الْمَشْرِقِ تَيَقَّنَا غُرُوبَ الشَّمْسِ فِي أُفْقِ الْمَغْرِبِ يَشْرَعَانِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ تَعْجِيلَهَا مَشْرُوعٌ فَكَانَا يَبْدَآنِ بِالْعِبَادَةِ فَإِذَا فَرَغَا مِنْ الصَّلَاةِ أَفْطَرَا وَلَيْسَ هَذَا بِتَأْخِيرٍ لِلْفِطْرِ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ إنَّمَا كُرِهَ مِمَّنْ أَخَّرَهُ إلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ وَلَمْ يُؤَخِّرْ لِلْمُبَادَرَةِ إلَى عِبَادَةٍ.

стр. 406

مَا جَاءَ فِي صِيَامِ الَّذِي يُصْبِحُ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَنَا أَسْمَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَقَالَ ﷺ وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَأَغْتَسِلُ وَأَصُومُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك لَسْتَ مِثْلَنَا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي» ) . ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي صِيَامِ الَّذِي يُصْبِحُ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ] (ش) : قَوْلُهُ «إنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ» مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ نَوَى الصِّيَامَ وَقْتَ تَصِحُّ نِيَّتُهُ وَيُصْبِحُ جُنُبًا فَكَانَ سُؤَالُهُ عَنْ حَدَثِ الْجَنَابَةِ هَلْ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصِّيَامِ أَمْ لَا فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ يَفْعَلُ هَذَا فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ وَلَا يَمْنَعُهُ حَدَثُ الْجَنَابَةِ مِنْ صِحَّةِ صَوْمِهِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ لِلرَّجُلِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ، وَقَدْ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ السَّائِلَ سَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنْ حَالِ نَفْسِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ ﷺ فِي ذَلِكَ حُكْمُ السَّائِلِ وَلَوْ اخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمَا جَازَ أَنْ يُجِيبَهُ بِمِثْلِ هَذَا أَنَّهُ يَفْعَلُهُ هُوَ وَيُجْزِئُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ الرَّجُلِ «لَسْتَ مِثْلَنَا قَدْ غُفِرَ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ» ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَعْنَى شِدَّةِ الْإِشْفَاقِ وَكَثْرَةِ الْخَوْفِ وَالتَّوَقِّي إلَّا أَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَنْ يَعْتَقِدَ فِي النَّبِيِّ ﷺ ارْتِكَابَ مَا شَاءَ مِنْ الْمَحْظُورِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْنَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَرَادَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُحِلَّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ فَأَتَى بِهَذَا اللَّفْظِ الَّذِي ظَاهِرُهُ أَشَدُّ مِنْ مُرَادِهِ. وَقَدْ رُوِيَ «لَسْنَا مِثْلَك يُحِلُّ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ» وَهَذَا أَيْضًا يَقْتَضِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذَا يَمْنَعُ الْأُمَّةَ أَنْ تَقْتَدِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَغَضِبَ ﷺ » يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَا ظَهَرَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمَّا مَنَعَ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ: «وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي» مَعْنَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَا غُفِرَ مِنْ ذَنْبِي لَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ بَلْ أَنَا أَخْشَاكُمْ وَمِنْ خَشْيَتِي لَهُ أَنِّي أَعْلَمُكُمْ بِمَا أَجْتَنِبُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاقْتِدَاءِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَيْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمَا قَالَتَا «كَانَ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ يَصُومُ» ) (ش) : قَوْلُهُمَا «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ يَصُومُ» عَلَى مَعْنَى الْإِبْلَاغِ فِي الْبَيَانِ وَرَفْعِ الْإِشْكَالِ لِمَا كَانَ وَقَعَ فِي ذَلِكَ مِنْ الِاخْتِلَافِ عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدُ ذَلِكَ فَاضْطُرَّتَا إلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْبَيَانِ لِزَوَالِ الشُّبْهَةِ وَوُجُوهُ الِاحْتِمَالِ وَتَخْلِيصُ الْحَدِيثِ حُجَّةٌ فِي مَوْضِعِ الِاخْتِلَافِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَحْدَاثَ كُلَّهَا لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ سَوَاءٌ كَانَتْ عَنْ عَمْدٍ أَوْ غَيْرِ عَمْدٍ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ إنَّ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ فَزَالَ ذَلِكَ الْخِلَافُ بِخَبَرِ عَائِشَةِ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَهُمَا أَعْلَمُ بِهَذَا لِمَكَانِهِمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاطِّلَاعِهِمَا فِي ذَلِكَ عَلَى حَالِهِ وَمَعْرِفَتِهِمَا بِمَا يَخْفَى عَلَى النَّاسِ مِنْ أَمْرِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا حَدَثُ الْحَيْضِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ سَوَاءٌ أَخَّرَتْ الْغُسْلَ عَمْدًا أَوْ غَيْرَ عَمْدٍ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ وَدَلِيلُنَا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ: إنْ حَدَثَ

стр. 407

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ يَقُولُ كُنْتُ أَنَا وَأَبِي عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فَذُكِرَ لَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقَالَ مَرْوَانُ وَأَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَتَذْهَبَنَّ إلَى أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ فَلْتَسْأَلْهُمَا عَنْ ذَلِكَ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَذَهَبْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إنَّا كُنَّا عِنْدَ مَرْوَانِ بْنِ الْحَكَمِ فَذُكِرَ لَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَالَتْ عَائِشَةُ لَيْسَ كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَتَرْغَبُ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَا وَاَللَّهِ «قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ» قَالَ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ قَالَ فَخَرَجْنَا حَتَّى جِئْنَا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَا قَالَتَا فَقَالَ مَرْوَانُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ لَتَرْكَبَنَّ دَابَّتِي الَّتِي بِالْبَابِ فَلْتَذْهَبَنَّ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّهُ بِأَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ فَلَتُخْبِرَنَّهُ ذَلِكَ فَرَكِبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَرَكِبْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَتَحَدَّثَ مَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَاعَةً، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ إنَّمَا أَخْبَرَنِيهِ مُخْبِرٌ مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَيْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمَا قَالَتَا إنْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ ثُمَّ يَصُومُ» ) . ــ [المنتقى] هَذَا زَالَ مُوجَبُهُ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا يَمْنَعُ بَقَاءُ حُكْمِهِ صِحَّةَ الصَّوْمِ كَحَدَثِ الْجَنَابَةِ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الَّتِي تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَتَأْخُذُ فِي الْغُسْلِ دُونَ تَوَانٍ فَلَا يَكْمُلُ غُسْلُهَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَإِنَّهَا كَالْحَائِضِ قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فَجَعَلَ مِنْ شَرْطِ جَوَازِ الصَّوْمِ إمْكَانَ الْغُسْلِ قَبْلَ الْفَجْرِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ تَصُومُ وَيُجْزِئُهَا وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ إنَّهَا تُفْطِرُ وَلَيْسَتْ كَالْجُنُبِ. (ش) : قَوْلُهُ كُنَّا عِنْدَ مَرْوَانَ فَذَكَرَ لَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ إنَّ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ دَلِيلٌ عَلَى تَذَاكُرِهِمْ بِالْعِلْمِ فِي مَجَالِسِ عُلَمَائِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ وَتَحَفُّظِهِمْ لِأَقْوَالِ النَّاسِ فِيهِ وَقَوْلُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ " أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتَذْهَبَنَّ إلَى أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ فَلْتَسْأَلْهُمَا " حِرْصٌ عَلَى مَعْرِفَةِ السُّنَّةِ وَمُوجَبِ الشَّرِيعَةِ سُؤَالُ مَنْ يُظَنُّ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِحُكْمِ الْحَادِثَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا وَلِذَلِكَ خَصَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ﵄ بِالسُّؤَالِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَائِشَةَ، وَقَدْ ذَكَرَ لَهَا قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْسَ كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ هُوَ الْوَاجِبُ مِنْ الرَّدِّ لَيْسَ فِيهِ أَذًى لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا تَقْصِيرٌ عَنْ إنْكَارِ الْبَاطِلِ لَا سِيَّمَا فِيمَا عِنْدَهَا فِيهِ النَّصُّ الَّذِي لَا تَحِلُّ مُخَالَفَتُهُ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّشْدِيدِ عَلَيْهِ، وَإِنْكَارِ التَّعَلُّقِ بِمَا أُورِدَ عَلَيْهَا مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَتَرْغَبُ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ وَهَذَا لِمَا اسْتَقَرَّ عِنْدَهُمْ وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَاجِبٌ لَازِمٌ لَا يَسُوغُ غَيْرُهُ ثُمَّ ذَكَرَتْ مَا عِنْدَهَا مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ، وَقَالَتْ «أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّهُ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ» ، وَإِنَّمَا بَيَّنَتْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، وَأَمَّا الِاحْتِلَامُ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ هُوَ وَلَا حَدَثُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ يُرِيدُ أَنَّهَا وَافَقَتْهَا فِي الْحُكْمِ

стр. 408

مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَجُلًا قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ فَوَجَدَ مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا فَأَرْسَلَ امْرَأَتَهُ تَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ فَدَخَلَتْ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهَا فَأَخْبَرَتْهَا أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ فَرَجَعَتْ فَأَخْبَرَتْ زَوْجَهَا بِذَلِكَ فَزَادَهُ ذَلِكَ شَرًّا، وَقَالَ لَسْنَا مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّهُ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَجَعَتْ امْرَأَتُهُ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَوَجَدَتْ عِنْدَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ فَأَخْبَرَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَالَ أَلَا أَخْبَرْتِيهَا أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ فَقَالَتْ قَدْ أَخْبَرْتُهَا فَذَهَبَتْ إلَى زَوْجِهَا فَأَخْبَرَتْهُ فَزَادَهُ ذَلِكَ شَرًّا، وَقَالَ لَسْنَا مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّهُ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ» ) ــ [المنتقى] وَلَعَلَّهَا لَمْ تَأْتِ بِمِثْلِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، وَقَوْلُ مَرْوَانَ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُخْبِرَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِقْصَاءِ لِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ لِيُعْلَمَ مَا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ وَرُبَّمَا كَانَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ نَصٌّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا أَوْ مَنْسُوخًا أَوْ يُوجِبُ تَخْصِيصًا أَوْ تَأْوِيلًا. (فَصْلٌ) : تَحَدُّثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ وَتَقْدِيمِ التَّأْنِيسِ، وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ تَسْلِيمٌ مِنْهُ لِلْحُكْمِ وَانْقِيَادٌ لِلْحَقِّ إذْ جَاءَهُ مِنْ النَّصِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ مِنْ عِنْدِ مَنْ لَا يَشُكُّ فِي ثِقَتِهِ وَلَا حَفِظَهُ وَعِلْمِهِ وَلَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ إنَّمَا أَخْبَرَنِيهِ مُخْبِرٌ بَعْدَ الْأَصْلِ قَوْلُهُ بِذَلِكَ وَالْمُخْبِرُ الَّذِي أَخْبَرَهُ هُوَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رُجُوعُهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ تَرَكَ فُتْيَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُؤَكِّدُ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَأَبَاحَ الْوَطْءَ إلَى تَبْيِينِ الْفَجْرِ وَمَنْ فَعَلَ هَذَا لَمْ يَكُنْ اغْتِسَالُهُ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ. [مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ] (ش) : قَوْلُهُ «فَوَجَدَ مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا» يُرِيدُ حَزِنَ وَأَشْفَقَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْظُورًا وَلَعَلَّهُ وَقْتَ أَنْ قَبَّلَ غَفَلَ عَنْ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَأَشْفَقَ مِنْ فِعْلِهِ لَهُ وَظَنَّ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ فَأَرْسَلَ امْرَأَتَهُ تَسْأَلُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ فَسَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ فَأَخْبَرَتْهَا بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ إذْ هُوَ الْقُدْوَةُ وَالْأُسْوَةُ وَإِذْ لَا يَفْعَلُ الْمَحْظُورَ وَلَا يَأْتِيه. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَزَادَهُ لِذَلِكَ شَرًّا» يَقْتَضِي أَنَّهُ اسْتَدَامَ الْأَسَفَ وَالْحُزْنَ فَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى حُزْنِهِ الْمُتَقَدِّمِ قَبْلَ السُّؤَالِ لَمْ يَأْتِهِ بِمَا يُقْنِعُهُ وَيُؤَمِّنُ خَوْفَهُ مِمَّا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ أَثِمَ بِهِ فَيَكُونُ مَعْنَى زَادَهُ هُنَا أَدَامَ لَهُ الْأَسَفَ وَالْحُزْنَ وَلَمْ يُزِلْهُ مَا سَمِعَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى زَادَهُ ذَلِكَ حُزْنًا اشْتَدَّ حُزْنُهُ لِمَا يَقْوَى عِنْدَهُ مِنْ سَنَدِ الْحَظْرِ حِينَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ الْإِبَاحَةِ غَيْرُ مَا أَخْبَرَتْهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ لَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَرَجَعَتْ امْرَأَتُهُ لِتَسْأَلَ لَهُ هَلْ هَذَا الْحُكْمُ مِمَّا يُقْتَدَى فِيهِ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَمْ لَا وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ قَدْ عَلِمْتِ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مِثْلِ هَذَا فَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُخْبِرَهَا بِذَلِكَ وَفِيهِ الْمُقْنِعُ وَلَعَلَّهُ ﷺ ظَنَّ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ لَمْ تُخْبِرْهَا بِذَلِكَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَنَبَّهَهَا عَلَى الْإِخْبَارِ بِأَفْعَالِهِ إذْ هِيَ السُّنَنُ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ أَكْثَرُ هَذِهِ الْمَعَانِي عَنْ أَزْوَاجِ

стр. 409

ص (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ إنْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَضْحَكُ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَاتِكَةَ ابْنَةَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ امْرَأَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَتْ تُقَبِّلُ رَأْسَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَا يَنْهَاهَا) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا هُنَالِكَ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهُوَ صَائِمٌ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ مَا يَمْنَعُك أَنْ تَدْنُوَ مِنْ أَهْلِكَ فَتُقَبِّلَهَا وَتُلَاعِبَهَا فَقَالَ أُقَبِّلُهَا وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَتْ نَعَمْ) ــ [المنتقى] النَّبِيِّ ﷺ وَيَجِبُ عَلَيْهِنَّ أَنْ يُخْبِرْنَ بِذَلِكَ لِيَقْتَدِيَ النَّاسُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] فَلَمَّا عِلْمَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَدْ أَعْلَمَتْهَا بِفِعْلِهِ ﷺ وَأَنَّهُ قَدْ اعْتَقَدَ أَنَّ حُكْمَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ غَضِبَ ﷺ إنْكَارًا لِقَوْلِهِ وَلِتَرْكِ التَّأَسِّي بِهِ «، وَقَالَ: إنِّي وَاَللَّهِ لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ» . ص (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ إنْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَضْحَكُ» ) (ش) : قَوْلُهَا «يُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُبْلَةَ لَا تَمْنَعُ الصَّوْمَ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ وَلَا يَمْلِكُهَا لِئَلَّا تَكُونَ سَبَبًا إلَى مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَالْمُبَاشَرَةُ تَجْرِي فِي ذَلِكَ مَجْرَى الْقُبْلَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مِمَّا يُلْتَذُّ بِهِمَا مِنْ بَابِ الِاسْتِمْتَاعِ وَرُبَّمَا سَبَّبَا مَا لَا يَمْلِكُ مِنْ مَذْيٍ أَوْ مَنِيٍّ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «، ثُمَّ تَضْحَكُ» يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ تَضْحَكُ عِنْدَ ذَلِكَ لِمَا كَانَتْ تُخْبِرُ بِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا وَلَعَلَّهَا هِيَ الْمَخْبَرُ عَنْهَا وَالنِّسَاءُ لَا يُحَدِّثْنَ الرِّجَالَ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ بِمِثْلِ هَذَا فَكَانَتْ تَتَبَسَّمُ مِنْ إخْبَارِهَا لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى مَعْرِفَةِ هَذَا الْحُكْمِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُشِيرَ بِضَحِكِهَا إلَى أَنَّهَا هِيَ الْمَخْبَرُ عَنْهَا لِتَحَقُّقِ مَعْرِفَتِهَا بِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ عَنْهُ ﷺ ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ تَضْحَكَ تَعَجُّبًا مِمَّنْ يُخَالِفُهَا فِي ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَسْتَذْكِرَ حُبَّ النَّبِيِّ ﷺ إيَّاهَا فَتَضْحَكُ سُرُورًا بِذَلِكَ وَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوْلَى وَأَظْهَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : قَوْلُهَا إنَّهَا كَانَتْ تُقَبِّلُ رَأْسَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ صَائِمٌ يَحْتَمِلُ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِالْتِذَاذِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَفْعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَامِ وَالْبِرِّ وَقَوْلُهُ وَهُوَ صَائِمٌ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا هِيَ صَائِمَةٌ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ حَائِضًا فِي وَقْتِ صَوْمِهِ فِي رَمَضَانَ أَوْ يَكُونَ صَوْمُهُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ وَلَكِنَّهُ يَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ لَا تُفْسِدُ الصَّوْمَ بِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ ذَلِكَ خَوْفًا عَلَى صَوْمِهِ لِلِالْتِذَاذِ بِمُبَاشَرَتِهَا لِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا عَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ مِلْكَهَا فِي مِثْلِ هَذَا لَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْهَهَا وَلَعَلَّهُ قَدْ الْتَذَّ بِفِعْلِهَا. (ش) : قَوْلُهَا مَا يَمْنَعُك أَنْ تَدْنُوَ مِنْ أَهْلِكَ فَتُقَبِّلَهَا وَتُلَاعِبَهَا قَصْدًا لِتَعْلِيمِهِ مِثْلَ هَذَا الْحُكْمِ وَإِعْلَامِهِ بِجَوَازِهِ وَأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَفْسُدُ بِذَلِكَ وَلَمْ تَقْصِدْ بِذَلِكَ أَمْرَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُؤْمَرُ بِمِثْلِ هَذَا، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى اخْتِيَارِ فَاعِلِهِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إبَاحَةٌ لِتَقْبِيلِهِ إيَّاهَا بِحَضْرَةِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَرَ بِهِ وَلَا يُفْعَلُ بِحَضْرَةِ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا سَأَلَتْهُ عَنْ الْمَانِعِ لَهُ مِنْ ذَلِكَ إنَّ كَانَ الصَّوْمَ أَوْ غَيْرَهُ وَلَعَلَّهُ قَدْ بَلَغَهَا ذَلِكَ عَنْهُ فَأَرَادَتْ أَنْ تُعْلِمَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أُقَبِّلُهَا وَأَنَا صَائِمٌ إظْهَارٌ لِلْأَمْرِ الَّذِي كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مَانِعُهُ مِمَّا أَبَاحَتْهُ لَهُ فَقَالَتْ لَهُ نَعَمْ وَلَمْ تُعِدْ عَلَيْهِ الْحَضَّ مِنْ الْمُلَاعَبَةِ وَالتَّقْبِيلِ بَعْدَ أَنْ كَمَّلَتْ تَعْلِيمَهُ الْحُكْمَ فَثَبَتَ إنَّهَا إنَّمَا قَصَدَتْ التَّعْلِيمَ دُونَ الْحَضِّ عَلَى الْمُلَاعَبَةِ، وَلَعَلَّ عَائِشَةَ قَدْ عَلِمَتْ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا مِلْكَهُ لِنَفْسِهِ عِنْدَ مِثْلِ هَذَا بِخَبَرِ زَوْجِهِ أَوْ غَيْرِهَا فَلِذَلِكَ أَبَاحَتْهُ لَهُ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ مَالِكٍ أَمَّا الْقُبْلَةُ فِي التَّطَوُّعِ فَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاسِعًا، وَأَمَّا فِي الْفَرِيضَةِ فَإِنَّ تَرْكَ ذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ

стр. 410

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَا يُرَخِّصَانِ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ) . مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ إذَا ذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ تَقُولُ وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لِنَفْسِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ فَأَرْخَصَ فِيهَا لِلشَّيْخِ وَكَرِهَهَا لِلشَّابِّ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى عَنْ الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ) . ــ [المنتقى] مَا يَدُلُّ عَلَى نَفْلٍ وَلَا فَرْضٍ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَا يُرَخِّصَانِ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ) (ش) : قَوْلُهُ كَانَا يُرَخِّصَانِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَابَ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْعٌ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ مُطْلَقًا مُبَاحًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ رُخْصَةً مَا يَتَعَلَّقُ بِبَابِهِ الْمَنْعُ وَأَرْخَصَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ لِأَمْرٍ مَا. [مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ] (ش) : قَوْلُهَا «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ تَقُولُ وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لِنَفْسِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْقُبْلَةَ قَدْ تَئُولُ بِصَاحِبِهَا إلَى إفْسَادِ الصَّوْمِ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنْ كَانَ يُقَبِّلُ فَإِنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ مِلْكًا لَا يَجُوزُ مَعَهُ إفْسَادُ صَوْمِهِ فَمَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ هَذَا الْمِلْكَ حَتَّى يُقْتَدَى بِهِ فِي اسْتِنَانِ الْقُبْلَةِ وَلَا تَبْقَى عَلَى نَفْسِهِ عَاقِبَتُهُ، وَأَمَّا مَنْ قَدْ وَقَعَ مِنْهُ هَذَا الْفِعْلُ فَسَلِمَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ. (ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لَمْ أَرَ الْقُبْلَةَ لِلصَّائِمِ تَدْعُو إلَى خَيْرٍ) (ش) : قَوْلُهُ لَمْ أَرَ الْقُبْلَةَ تَدْعُو إلَى خَيْرٍ يُرِيدُ أَنَّهَا مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ وَالْإِنْزَالِ وَهَذَا مِمَّا يُفْسِدُ الصَّوْمَ فَلَيْسَ فِي قَصْدِهَا وَالْفِعْلِ بِهَا لِمَنْ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ إلَّا التَّغْرِيرُ بِصَوْمِهِ، وَأَمَّا مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ وَعَرَفَ الِانْقِيَادَ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهَا لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَفِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ شَدَّدَ مَالِكٌ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ فِي الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ شَدَّدَ فِي الْقُبْلَةِ فِي الْفَرِيضَةِ وَأَرْخَصَ فِيهَا فِي التَّطَوُّعِ وَتَرْكُهَا أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضِيقٍ، وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَا يَمْنَعُ مِنْهُ صَوْمُ الْفَرْضِ يَمْنَعُ صَوْمُ التَّطَوُّعِ كَسَائِرِ الْمَوَانِعِ. (ش) : قَوْلُهُ سُئِلَ عَنْ الْقُبْلَةِ فَأَرْخَصَ فِيهَا لِلشَّيْخِ وَكَرِهَهَا لِلشَّابِّ إنَّمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ فِي الْغَالِبِ يَمْلِكُ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مِنْ الشَّهْوَةِ وَالشِّدَّةِ إلَى مَعَانِي الْجِمَاعِ مَا فِي الشَّابِّ فَهُوَ يَأْمَنُ عَاقِبَةَ الْقُبْلَةِ وَلَا يَتَيَقَّنُ أَنْ يَتَسَبَّبَ مِنْهَا مَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ، وَأَمَّا الشَّابُّ فَلَا يَقْدِرُ فِي الْغَالِبِ عَلَى مِلْكِ نَفْسِهِ لِحِدَّتِهِ وَشَرَهِهِ إلَى أَمْرِ النِّسَاءِ وَقُوَّةِ شَهْوَتِهِ فَرُبَّمَا أَفْضَى بِهِ الْأَمْرُ إلَى أَنْ يُمْنِيَ لِإِفْرَاطِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِ فَيَفْسُدَ صَوْمُهُ، وَإِنَّمَا هَذَا عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الشَّبَابِ مَنْ يَأْمَنُ هَذَا وَيَمْلِكُ نَفْسَهُ فِيهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ. (ش) : نَهْيُهُ عَنْ الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ خَوْفِ مَا يَحْدُثُ عَنْهَا فَإِنْ قَبَّلَ وَسَلِمَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ بَاشَرَ فَإِنْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فَأَنْعَظَ وَلَمْ يُخْرِجْ مِنْ قُبُلِهِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحَمْدِيسِيَّةِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْنِيَ، وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْإِنْعَاظَ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ لَذَّةٍ شَدِيدَةٍ وَيَتَيَقَّنُ مَعَهُ انْفِصَالَ الْمَاءِ عَنْ مَوْضِعِهِ فَلَا يَتَيَقَّنُ أَدَاءَ الْعِبَادَةِ وَسَلَامَتَهَا مِمَّا يُفْسِدُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ اللَّذَّةَ غَيْرُ مُرَاعَاةٍ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكَادُ يَسْتَبِدُّ مِنْهَا وَلَوْ رُوعِيَ سَلَامَةُ الصَّوْمِ مِنْهَا لَبَطَلَ أَكْثَرُ الصَّوْمِ وَلَوْ بَلَغَتْ اللَّذَّةُ مَبْلَغًا يُخَافُ مِنْهُ انْفِصَالُ الْمَاءِ لَمَا سَلِمَ مِنْ الْمَذْيِ فَإِذَا عَرَا مِنْ الْمَذْيِ عَلِمْنَا أَنَّهَا لَذَّةٌ يَسِيرَةٌ لَا يَنْفَصِلُ مَعَهَا الْمَاءُ مِنْ مُسْتَقَرِّهِ، وَسَوَّى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ عِيسَى بَيْنَ الْمُبَاشَرَةِ وَغَيْرِهَا فَقَالَ لَا يَقْضِي إلَّا أَنْ يُمْنِيَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ مَاءٌ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَذْيًا أَوْ مَنِيًّا فَإِنْ كَانَ مَذْيًا كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ

стр. 411

مَا جَاءَ فِي الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ، ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) ــ [المنتقى] وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَجْهِ ذَلِكَ فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْوُجُوبِ فَأَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهُ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ فَتَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ. (فَرْعٌ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّنَا إنَّمَا نُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ قَدْ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ لَمْ يَتَيَقَّنْ أَدَاءَ صَوْمِهِ وَلَا بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَإِنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِتَيَقُّنِ الْفِطْرِ عَلَى صِفَاتٍ مُعْتَبَرَةٍ وَنَحْنُ لَا نَتَيَقَّنُ ذَلِكَ فَلَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ أَمْنَى فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهَلْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَمْ لَا؟ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَبَّلَ قُبْلَةً وَاحِدَةً فَأَنْزَلَ أَوْ قَبَّلَ فَالْتَذَّ فَعَاوَدَ فَأَنْزَلَ فَإِنْ قَبَّلَ قُبْلَةً وَاحِدَةً أَوْ بَاشَرَ أَوْ لَمَسَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَأَنْزَلَ فَقَالَ أَشْهَبُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ حَتَّى يُكَرِّرَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا فِي النَّظَرِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ اللَّمْسَ وَالْقُبْلَةَ وَالْمُبَاشَرَةَ لَيْسَتْ بِفِطْرٍ فِي نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا تُيُقِّنَ أَنْ يَئُولَ إلَى الْأَمْرِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْفِطْرُ فَإِذَا فَعَلَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَمْ يَقْصِدْ الْإِنْزَالَ وَافَسَادَ الصَّوْمِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ كَالنَّظَرِ إلَيْهَا، وَإِذَا كَرَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ قَصَدَ إفْسَادَ صَوْمِهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ مَا لَمْ يَظُنَّ مِنْهُ وُقُوعَ الْإِنْزَالِ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذِهِ مَعَانٍ يَقَعُ بِهَا الْإِنْزَالُ كَثِيرًا وَهِيَ مِنْ دَوَاعِيهِ فَلَا تُفْعَلُ غَالِبًا إلَّا لِمَعْنَى الِاسْتِمْتَاعِ الَّذِي مِنْ صَدَدِهِ الْإِنْزَالُ فَالْفَاعِلُ لَهَا مُغَرِّرٌ بِصَوْمِهِ فَإِنْ كَانَ سَبَبَ إفْسَادِ صَوْمِهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ اسْتَدَامَ وَهَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي لِلصَّائِمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ النَّظَرُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَالَمَةِ وَهَذَا إذَا كَانَ النَّظَرُ لِغَيْرِ لَذَّةٍ فَإِنْ نَظَرَ نَظْرَةً وَاحِدَةً يَقْصِدُ بِهَا اللَّذَّةَ فَأَنْزَلَ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ إذَا قَصَدَ بِهَا الِاسْتِمْتَاعَ كَانَتْ كَالْقُبْلَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَرَوَى فِي الْمُزَنِيَّة عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مَنْ نَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ مُتَجَرِّدَةٍ فَالْتَذَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يُدِيمَ النَّظَرَ إلَيْهَا تَلَذُّذًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَفَرَّقَ ابْنُ نَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ بَيْنَ النَّظَرِ وَبَيْنَ الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَالْمُلَاعَبَةِ فَجَعَلَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْكَفَّارَةَ. [مَا جَاءَ فِي الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ] (ش) : قَوْلُهُ «خَرَجَ إلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ يُرِيدُ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ لِصَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ مِنْ الْمَدِينَةِ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ وَهَذَا مَا بَيْنَ عُسْفَانَ وَقَدِيدٍ كَذَلِكَ قَالَ الْبُخَارِيُّ «فَأَفْطَرَ بِهِ فَأَفْطَرَ النَّاسُ لِفِطْرِهِ» وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِيَتَقَوَّوْا لِعَدُوِّهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَلَعَلَّهُ لِذَلِكَ أَخَّرَ الْفِطْرَ إلَى الْكَدِيدِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي أَنَّ صِيَامَ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ يَصِحُّ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَصِحُّ وَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤] . فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤] . ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ صِحَّةُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْفِطْرِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ الْفِطْرُ أَفْضَلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ

стр. 412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الصَّوْمَ تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ فَالْمُبَادَرَةُ إلَى إبْرَائِهَا أَوْلَى لِمَا رُبَّمَا طَرَأَ مِنْ الْمَوَانِعِ وَالْأَشْغَالِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ أَنَّ الذِّمَّةَ تَبْرَأُ بِمَا يُؤْتَى بِهِ مِنْ الْقَصْرِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا الذِّمَّةُ مُشْتَغِلَةٌ بِالصَّوْمِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ مَا دَامَ يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِيمَنْ قَدِمَ فِي أَضْعَافِ سَفَرِهِ إلَى بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ فَلَهُ الْفِطْرُ حَتَّى يَعْزِمَ عَلَى مُقَامِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَيَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حُكْمٌ تَخْتَصُّ إبَاحَتُهُ بِالسَّفَرِ فَأَشْبَهَ الْقَصْرَ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَوْلَاهُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ النَّاسَ فِي سَفَرِهِ عَامَ الْفَتْحِ بِالْفِطْرِ، وَقَالَ تَقْوَوْا لِعَدُوِّكُمْ وَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ الَّذِي حَدَّثَنِي لَقَدْ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْعَرَجِ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ الْعَطَشِ أَوْ مِنْ الْحَرِّ، ثُمَّ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ طَائِفَةً مِنْ النَّاسِ قَدْ صَامُوا حِينَ صُمْت قَالَ فَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْكَدِيدِ دَعَا بِقَدَحٍ فَشَرِبَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ» ) . (ش) : قَوْلُهُ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ النَّاسَ فِي سَفَرِهِ عَامَ الْفَتْحِ بِالْفِطْرِ» ظَاهِرُ أَمْرِهِ النَّدْبُ لِمَا قَرَنَهُ بِهِ مِنْ الْعِلَّةِ الدَّاعِيَةِ لِذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ «تَقْوَوْا لِعَدُوِّكُمْ» فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ فِطْرِهِمْ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يَصِحُّ فِيهِ الصَّوْمُ وَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ السَّفَرَ لَمَا عَلَّلَ بِالتَّقَوِّي لِلْعَدُوِّ وَلَعَلَّلَ بِالسَّفَرِ فَقَالَ فَإِنَّ السَّفَرَ لَا يَحِلُّ فِيهِ الصَّوْمُ وَلَا يَصِحُّ وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ صَامَ وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ الصَّوْمِ لِمَا عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالْجَلَدَ، وَقَدْ بَلَغَ بِهِ شِدَّةُ الْعَطَشِ أَوْ الْحَرِّ أَنْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ لِيَتَقَوَّى بِذَلِكَ عَلَى صَوْمِهِ وَلِيُخَفِّفْ عَنْ نَفْسِهِ بَعْضَ أَلَمِ الْحَرِّ أَوْ الْعَطَشِ وَهَذَا أَصْلٌ فِي اسْتِعْمَالِ مَا يَتَقَوَّى بِهِ الصَّائِمُ عَلَى صَوْمِهِ مِمَّا لَا يَقَعُ بِهِ الْفِطْرُ مِنْ التَّبَرُّدِ بِالْمَاءِ وَالْمَضْمَضَةِ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُعِينُهُ عَلَى الصَّوْمِ وَلَا يَقَعُ بِهِ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَا فِي فَمِهِ مِنْ الْمَاءِ وَيَصْرِفُهُ عَلَى اخْتِيَارِهِ وَيُكْرَهُ لَهُ الِانْغِمَاسُ فِي الْمَاءِ لِئَلَّا يَغْلِبَهُ الْمَاءُ مَعَ ضِيقِ نَفَسِهِ فَيَفْسُدَ صَوْمُهُ فَإِنْ فَعَلَ فَسَلِمَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. ١ - (فَرْعٌ) وَالسَّفَرُ الَّذِي يُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ هُوَ الَّذِي يُبِيحُ لَهُ الْقَصْرَ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ، وَذَلِكَ مَسِيرَةُ الْيَوْمِ التَّامِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا قَالَ ابْنُ نَافِعٍ قَالَ مَالِكٌ وَيُنْظَرُ لِرَاكِبِ الْبَحْرِ أَنْ يَكُونَ مَسِيرُهُ فِي الْبَحْرِ قَدْرَ مَسِيرِهِ فِي الْبَرِّ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: «ثُمَّ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّ طَائِفَةً مِنْ النَّاسِ قَدْ صَامُوا حِينَ صُمْت» ، وَذَلِكَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَسُّوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ الْقُوَّةَ وَاغْتَنَمُوا الْأَجْرَ لَمَّا رَأَوْهُ صَامَ فَصَامُوا فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ بِأَحْوَالِهِمْ وَبِمَا يُطِيقُونَهُ مِنْ ذَلِكَ دَعَا بِالْكَدِيدِ بِمَاءٍ فَشَرِبَ فَأَفْطَرَ وَعَلِمُوا بِإِفْطَارِهِ فَأَفْطَرُوا، وَقَدْ كَانَ ﷺ يَتْرُكُ بَعْضَ الْعَمَلِ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ لِئَلَّا يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ وَالظَّاهِرُ مِنْ نَسْقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إنَّمَا أَفْطَرَ لِئَلَّا يَتَكَلَّفَ أَصْحَابُهُ الصَّوْمَ فَيَضْعُفُونَ عَنْ الْعَمَلِ وَعَنْ لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إفْطَارُهُ نَهَارًا لِيُرِيَهُمْ فِطْرَهُ بَعْدَ أَنْ نَوَى مِنْ لَيْلَتِهِ تِلْكَ. وَقَدْ قَالَ الدَّاوُدِيُّ إنَّهُ أَفْطَرَ بَعْدَ أَنْ بَيَّتَ الصِّيَامَ لِلضَّرُورَةِ وَلَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وَإِذَا احْتَمَلَ الْفِعْلُ الْأَمْرَيْنِ وَجَبَ أَنْ يَحْمِلَ فِعْلَهُ ﷺ عَلَى الْوَاجِبِ وَأُلْحِقَ بِهِ التَّقَوِّي لِلْعَدُوِّ فَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ضَرُورَةً تُبِيحُ الْفِطْرَ بَعْدَ انْعِقَادِهِ إلَّا بِوُجُودِ الضَّعْفِ أَوْ الْعَطَشِ بِاللِّقَاءِ وَالْحَرْبِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا أَمَرَهُمْ بِهَذَا الْفِطْرِ اسْتِعْدَادًا لِأَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ وَهَذَا لَا يُبِيحُ الْفِطْرَ بَعْدَ انْعِقَادِ الصَّوْمِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بَعْدَ أَنْ يُبَيِّتَ صِيَامَ رَمَضَانَ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِفِطْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْكَدِيدِ وَمَا قَدَّمْنَاهُ أَبْيَنُ

стр. 413

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ «سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رَجُلٌ أَصُومُ أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنْ شِئْت فَصُمْ، وَإِنْ شِئْت فَأَفْطِرْ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ وَنُسَافِرُ مَعَهُ فَيَصُومُ عُرْوَةُ وَنُفْطِرُ نَحْنُ فَلَا يَأْمُرْنَا بِالصِّيَامِ) . ــ [المنتقى] وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. وَقَدْ مَنَعَ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا لِلْمُسَافِرِ الْفِطْرَ بَعْدَ انْعِقَادِ صَوْمِهِ فِي سَفَرِهِ وَأَوْجَبَ مَالِكٌ عَلَيْهِ بِهِ الْكَفَّارَةَ، وَقَالَ مُطَّرِفٍ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ سَوَاءٌ بَيَّتَ أَوْ لَمْ يُبَيِّتْ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَحَمَلَهُ عَلَى اسْتِبَاحَةِ الْفِطْرِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالصَّوْمِ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ كِنَانَةَ يُمْنَعُ الْفِطْرُ فَإِنْ أَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُزَنِيَّة وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي تَلَبَّسَ فِيهَا بِالصَّوْمِ فَإِنَّ فِطْرَهُ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ كَالْمُقِيمِ وَبِهَذَا فَارَقَ مَنْ تَلَبَّسَ بِالصَّوْمِ فِي الْحَضَرِ، ثُمَّ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ فَإِنَّ لِمَا طَرَأَ مِنْ السَّفَرِ تَأْثِيرًا فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ يُسْقِطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةَ. وَوَجْهُ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ وَابْنِ كِنَانَةَ مَا احْتَجَّا بِهِ مِنْ أَنَّ صَوْمَهُ انْعَقَدَ فِي حَالَةٍ أُبِيحَ لَهُ تَرْكُهُ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ كَمَا لَوْ أَفْطَرَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ. (ش) : قَوْلُهُ «سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ» يُرِيدُ أَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ كَانَ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ اخْتِيَارِهِ وَبِحَسَبِ قُوَّتِهِ وَيَرَى أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ لَهُ جَائِزٌ وَلِذَلِكَ لَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ لِاعْتِقَادِهِ جَوَازَ الْفِطْرِ وَلَمْ يَعِبْ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ صَوْمَهُ لِاعْتِقَادِ جَوَازِ الصَّوْمِ. (ش) : قَوْلُهُ «إنِّي رَجُلٌ أَصُومُ أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ» سُؤَالٌ عَنْ إجْزَاءِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَجَوَازِهِ لِمَنْ فَعَلَهُ فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فَقَالَ «إنْ شِئْت فَصُمْ، وَإِنْ شِئْت فَأَفْطِرْ» وَسُؤَالُ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو عَامٌّ فَإِذَا خَرَجَ الْجَوَابُ مُطْلَقًا حُمِلَ عَلَى عُمُومِهِ فَحُمِلَ عَلَى جَوَازِ الصَّوْمِ لِلْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي السَّفَرِ وَلَا يَخُصُّ صَوْمًا دُونَ صَوْمٍ إلَّا بِدَلِيلٍ وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّطَوُّعِ وَهَذَا تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ) ش يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَمْتَنِعُ مِنْ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ لِضَعْفِهِ عَنْهُ وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَوَقْتَ ضَعْفِهِ أَوْ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ وَجَدَ فِيهَا الْعَجْزَ عَنْ الصِّيَامِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يُفْطِرُ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ الصَّوْمِ فِيهِ عَلَى مَا قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى الصَّوْمَ فِيهِ مَمْنُوعًا أَوْ غَيْرَ مُجْزِئٍ عَلَى مَا تَأَوَّلَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» ، وَإِنَّمَا حَمَلَ ذَلِكَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى سَفَرٍ مَخْصُوصٍ كَانَ الْفِطْرُ فِيهِ مَنْدُوبًا إلَيْهِ أَوْ وَاجِبًا لِمَا كَانَ يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ التَّقَوِّي لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ مَعَ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : قَوْلُهُ «إنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ» تَبْيِينٌ لِمَوْضِعِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ فَالْمُخَالِفُ يَقُولُ لَا يُجْزِئُ قَالَ هِشَامٌ فَكَانَ عُرْوَةُ يَصُومُ، وَذَلِكَ إنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ صَوْمَهُ يُجْزِيهِ وَكَانَ يُبَادِرُ إلَى إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ مِنْ الصَّوْمِ وَأَدَائِهِ لِفَرْضِهِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَجِدُ مِنْ نَفَسِهِ الْقُوَّةَ وَكَانَ لَا يُنْكِرُ عَلَى بَنِيهِ الْفِطْرَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ جَوَازَ الصَّوْمِ.

стр. 414

مَا يَفْعَلُ مَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوْ أَرَادَهُ فِي رَمَضَانَ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فِي رَمَضَانَ فَعِلْم أَنَّهُ دَاخِلٌ الْمَدِينَةَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمِهِ دَخَلَ وَهُوَ صَائِمٌ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ فِي رَمَضَانَ وَطَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ بِأَرْضِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ فَإِنَّهُ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقْدَمُ مِنْ سَفَرِهِ وَهُوَ مُفْطِرٌ وَامْرَأَتُهُ مُفْطِرَةٌ حِينَ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا فِي رَمَضَانَ أَنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَطَأَهَا إنْ شَاءَ) . ــ [المنتقى] [مَا يَفْعَلُ مَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوْ أَرَادَهُ فِي رَمَضَانَ] (ش) : قَوْلُهُ فَعَلِمَ أَنَّهُ دَاخِلٌ الْمَدِينَةَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْيَوْمِ وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ آخِرُ اللَّيْلِ فَعَلَى هَذَا كَانَ صَوْمُهُ مُسْتَحْسَنًا. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ كَانَ فِي سَفَرٍ فَعَلِمَ أَنَّهُ دَاخِلٌ أَهْلَهُ مِنْ أَوَّلِ يَوْمِهِ وَطَلَعَ لَهُ الْفَجْرُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ دَخَلَ وَهُوَ صَائِمٌ) ش وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ دَخَلَ مِنْ سَفَرِهِ إلَى أَهْلِهِ فِي أَوَّلِ يَوْمِهِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ طَلَعَ الْفَجْرُ قَبْلَ انْقِضَاءِ سَفَرِهِ بِدُخُولِهِ إلَى أَهْلِهِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الصَّوْمُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ تَذْهَبُ عَنْهُ فِي أَوَّلِ يَوْمِهِ بِدُخُولِهِ إلَى أَهْلِهِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يُبَادِرَ إلَى أَدَاءِ فَرْضِهِ فِي مَحِلِّهِ وَمَوْضِعِهِ فَإِنْ لَمْ يَصُمْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتَ الدُّخُولِ فِي الصَّوْمِ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ الَّذِينَ يَلْزَمُهُمْ الصَّوْمُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ ذَلِكَ الْخَارِجَ لِسَفَرٍ لَا يَخْلُو أَنْ يُفْطِرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ أَفْطَرَ نَهَارًا قَبْلَ خُرُوجِهِ فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّهُ يُكَفِّرُ سَوَاءٌ خَرَجَ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ خَرَجَ أَوْ أَقَامَ وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ أَفْطَرَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي أُهْبَتِهِ لِلسَّفَرِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ أَفْطَرَ بَعْدَ الْأَخْذِ فِيهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي غَيْرِ الْوَاضِحَةِ إنْ خَرَجَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَامَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ فِطْرَهُ وُجِدَ قَبْلَ سَبَبِ الْإِبَاحَةِ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ أَفْطَرَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ أَفْطَرَ بَعْدَ خُرُوجِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَخْرُجَ لِسَفَرِهِ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ انْعِقَادِ الصَّوْمِ كَانَ مُسَافِرًا فَكَانَ لَهُ الْفِطْرُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) فَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ الْفَجْرِ بَعْدَ أَنْ نَوَى الصَّوْمَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: إنَّ ذَلِكَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَهَذَا أَمْرٌ مُقْتَضَاهُ الْوُجُوبُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَإِذَا تَلَبَّسَ بِهَا فِي الْحَضَرِ، ثُمَّ سَافَرَ كَانَ عَلَيْهِ إتْمَامُهَا حَضَرِيَّةً كَالصَّلَاةِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ أَفْطَرَ فَهَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أَمْ لَا ذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ كِنَانَةٍ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ مَعْنًى لَوْ قَارَنَ أَوَّلَ الصَّوْمِ لَأَسْقَطَ الْكَفَّارَةَ فَإِذَا طَرَأَ بَعْدَ انْعِقَادِ الصَّوْمِ أَبْطَلَ حُكْمَ الْكَفَّارَةِ كَالْمَرَضِ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ بِأَنَّ هَذَا فِطْرُ عَمْدٍ صَادَفَ صَوْمًا قَبْلَ السَّفَرِ فَلَمْ يُبْطِلْ السَّفَرُ الْكَفَّارَةَ، أَصْلُ ذَلِكَ إذَا أَفْطَرَ قَبْلَ السَّفَرِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ لِإِبَاحَةِ السَّفَرِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَإِنْ دَخَلَ الْحَضَرَ وَالْمَرْأَةُ تُفْطِرُ لِأَجْلِ حَيْضَتِهَا فَإِنَّ لَهَا أَنْ تُفْطِرَ بَقِيَّةَ يَوْمِهَا، وَإِنْ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا فَإِذَا جَازَ لَهُمَا الْفِطْرُ جَازَ لَهُمَا الْجِمَاعُ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ لِعِلَّةٍ تُبِيحُ الْفِطْرَ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَسْتَدِيمُ الْفِطْرَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَإِنْ زَالَتْ الْعِلَّةُ مِثْلُ الْحَائِضِ تَطْهُرُ وَالْمَرِيضِ يُطَمْئِنُ

стр. 415

كَفَّارَةُ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَقَالَ لَا أَجِدُ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ فَقَالَ خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحْوَجَ مِنِّي فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ كُلْهُ» ) . ــ [المنتقى] وَالْمُسَافِرُ يَقْدَمُ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَتَى زَالَتْ عِلَّةُ الْفِطْرِ وَجَبَ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا الْفِطْرَ لِعِلَّةِ سَفَرٍ أَبَاحَ لَهُ الْفِطْرَ فَكَانَتْ لَهُ اسْتِدَامَةُ الْفِطْرِ كَمَا لَوْ اسْتَدَامَ السَّفَرَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ مُسْلِمَةً فَإِنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَيْسَ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ بِتَرْكِهَا الْإِسْلَامَ وَالصَّوْمَ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ مِنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ وَعَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا مَا تَقَدَّمَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ فِي النَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ بَعْدَ الْفَجْرِ إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَكُفَّ عَمَّا يَفْعَلُهُ الْمُفْطِرُ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُفْطِرُ مِنْ الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ وَهَذَا كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ، وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بِمَا يُغْنِي النَّاظِرَ عَنْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَفْطَرَ لِعَطَشٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ يَتَمَادَى عَلَى فِطْرِهِ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُفْطِرُ بَعْدَ أَنْ يَزُولَ عَطَشُهُ بِالشُّرْبِ وَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ هَذَا جَازَ لَهُ الْفِطْرُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ فَجَازَ أَنْ يَسْتَدِيمَ ذَلِكَ فِي يَوْمِهِ كَالْمَرِيضِ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ إنَّمَا جَازَ لَهُ الْفِطْرُ لِضَرُورَةِ الْعَطَشِ فَإِنْ زَالَ الْعَطَشُ رَجَعَ إلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْمُضْطَرِّ إذَا أَكَلَ الْمَيْتَةَ. [كَفَّارَةُ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ] (ش) : اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي لَفْظٍ فَقَالَ أَصْحَابُ الْمُوَطَّأِ وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ» وَخَالَفَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ الرُّوَاةِ فَقَالُوا «إنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ» وَاتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ بِلَفْظٍ وَرَوَاهُ يُونُسُ بْنُ عَقِيلٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ عَلَى «أَنَّ الْكَفَّارَةَ بِالْعِتْقِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامٌ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامٌ» . (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ «إنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ» الْفِطْرُ يَكُونُ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ بِدَاخِلٍ وَهُوَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ أَوْ إيلَاجٍ وَهُوَ مَغِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ وَهَوَائِهِ أَوْ بِخَارِجٍ وَهُوَ الْمَنِيُّ وَالْحَيْضُ فَهَذِهِ مَعَانٍ يَقَعُ بِجَمِيعِهَا الْفِطْرُ وَافَسَادُ الصَّوْمِ فَإِذَا وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فَسَدَ الصَّوْمُ سَوَاءٌ كَانَ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَأَمَّا الْمَعْذُورُ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا غَيْرُ الْمَعْذُورِ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَلْزَمُهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ فِطْرُهُ مِنْ الْعَمْدِ وَالْهَتْكِ لِحُرْمَةِ الصَّوْمِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مِثْلَ قَوْلِنَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ بِغَيْرِ إيلَاجٍ فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِإِيلَاجٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا قَصْدٌ إلَى الْفِطْرِ وَهَتْكُ حُرْمَةِ الصَّوْمِ بِمَا يَقَعُ بِهِ الْفِطْرُ فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ كَالْمُجَامِعِ. (فَصْلٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْفِطْرُ بِالدَّاخِلِ هُوَ الْوَاقِعُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمَا وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ مِنْ الْفَمِ

стр. 416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ وَالْقَصْدِ إلَى وَضْعِهِ فِي الْفَمِ وَازْدِرَادِهِ مِمَّا يَقَعُ بِهِ الِاغْتِذَاءُ فَأَمَّا مَا وَصَلَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ مَقْصُودُهُ الِاغْتِذَاءُ وَضَرْبٌ لَيْسَ مَقْصُودُهُ الِاغْتِذَاءَ فَأَمَّا مَا مَقْصُودُهُ الِاغْتِذَاءُ فَكَغُبَارِ الْمَكِيلِ يَدْخُلُ حَلْقَ مَنْ يَكِيلُهُ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَالْوَاجِبُ دُونَ التَّطَوُّعِ. وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ الْغُبَارُ أَمْرٌ غَالِبٌ فَلَا يَقَعُ بِهِ الْفِطْرُ وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ مَطْعُومٌ فَوَقَعَ بِهِ الْفِطْرُ، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا غَالِبًا كَالْمُنْغَمِسِ فِي الْمَاءِ يَغْلِبُ حَلْقَهُ مِنْ فَمِهِ أَوْ أَنْفِهِ زَادَ فِي الْوَاضِحَةِ أَوْ أُذُنِهِ فَإِنَّهُ يَقْضِي فِي الْوَاجِبِ دُونَ التَّطَوُّعِ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ. وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَا احْتَجْ بِهِ مِنْ أَنَّهُ غُبَارٌ غَالِبٌ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ مِنْهُ قَضَاءً. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا الذُّبَابُ يَدْخُلُ فِي الْحَلْقِ أَوْ فَلَقَةُ حَبَّةٍ كَانَتْ بَيْنَ الْأَسْنَانِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الذُّبَابِ وَالْحَصَاةِ وَالْعُودِ فَهَذَا يَقْضِي وَجْهَ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَمْرٌ غَالِبٌ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فَأَشْبَهَ مَنْ تَمَضْمَضَ بِالْمَاءِ فَغَلَبَهُ فَإِنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ مَطْعُومٌ وَصَلَ إلَى مَوْضِعِ الْفِطْرِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يَتَنَاوَلُ عَلَيْهَا كَالْمُكْرَهِ وَهَذَا يُفَارِقُ عِنْدَهُ غُبَارَ الدَّقِيقِ فَإِنَّهُ يُصَلِّ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يَتَنَاوَلُ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يَصِلُ عَلَى وَجْهِ الْغُبَارِ وَمَنْ ابْتَلَعَ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِنْ حَبَّةِ الْعِنَبَةِ أَوْ فِلْقَةِ حَبَّةٍ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ عَلَى عِلْمٍ بِهِ فَهُوَ سَوَاءٌ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ مِنْ الْأَرْضِ إلَى فِيهِ فَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْعَمْدِ فَجَعَلَ الْكَفَّارَةَ مُتَعَلِّقَةً بِقَصْدِ نَقْلِهِ إلَى فِيهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ كَانَتْ فِي فِيهِ حَصَاةٌ أَوْ لُؤْلُؤَةٌ أَوْ لَوْزَةٌ أَوْ نَوَاةٌ أَوْ جَوْزَةٌ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ سَبَقَ إلَى حَلْقِهِ فَفِيهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّوَاةَ قَالَ وَإِلَى هَذَا رَجَعَ فِيمَا لَا غِذَاءَ لَهُ، وَقَدْ كَانَ يَقُولُ لَا يُكَفِّرُ وَيَقْضِي، وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَرَوَى مَعْنٌ عَنْ مَالِكٍ الْحَصَاةُ خَفِيفَةٌ قَالَ سَحْنُونٌ مَعْنَاهُ حَصَاةٌ تَكُونُ بَيْنَ الْأَسْنَانِ كَقَوْلِهِ فِي فِلْقَةِ الْحَبَّةِ لِلضَّرُورَةِ، وَأَمَّا لَوْ ابْتَدَأَ أَخْذَهَا مِنْ الْأَرْضِ فَابْتَلَعَهَا عَامِدًا لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا كَانَ لَهُ غِذَاءٌ مِثْلُ النَّوَاةِ فَفِي عَمْدِهِ الْكَفَّارَةُ وَفِي سَهْوِهِ وَغَلَبَتِهِ الْقَضَاءُ وَمَا لَا غِذَاءَ لَهُ كَالْحَصَاةِ وَاللَّوْزَةِ فَفِي عَمْدِهِ الْكَفَّارَةُ وَلَا شَيْءَ فِي سَهْوِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْبَلْغَمُ يَخْرُجُ مِنْ الصَّدْرِ أَوْ الرَّأْسِ فَيَصِيرُ إلَى طَرَفِ لِسَانِهِ وَيُمْكِنُهُ طَرْحُهُ فَيَبْتَلِعُهُ فَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ عَلَيْهِ فِي سَهْوِهِ الْقَضَاءُ وَشَكَّ فِي الْكَفَّارَةِ لِلْعَامِدِ وَلَمْ يَشُكَّ فِي الْقَضَاءِ، وَقَالَ أَرَأَيْت لَوْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْأَرْضِ مُتَعَمِّدًا لَيْسَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ تَنَخَّمَ، ثُمَّ ابْتَلَعَ نُخَامَتَهُ بَعْدَ وُصُولِهَا إلَى طَرَفِ لِسَانِهِ وَإِمْكَانِ طَرْحِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَسَاءَ وَلَوْ كَانَ قَلْسًا لَقَضَى وَكَفَّرَ فِي الْعَمْدِ وَالْجَهْلِ بِخِلَافِ النُّخَامَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا طَعَامٌ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَبْتَلِعُ الْقَلْسَ نَاسِيًا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِي النُّخَامَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ سَحْنُونٌ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ أَخْذَهُ مِنْ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجْتَمِعٌ فِي فِيهِ مُعْتَادٌ كَالرِّيقِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الرِّيقُ دَائِمًا لَا يَنْفَكَّ عَنْهُ لَمْ يُكْرَهْ ابْتِلَاعُهُ وَكُرِهَ هَذَا لَمَّا أَمْكَنَ الِانْفِكَاكُ مِنْهُ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْقَلْسِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ طَعَامٌ بِخِلَافِ النُّخَامَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِطَعَامٍ. وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ فِيهِ أَنَّهُ خَارِجٌ يَصِيرُ إلَى الْفَمِ فَأَشْبَهَ النُّخَامَةَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا الْجِمَاعُ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ مِنْهُ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِ الْمُجَامِعِ فَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَمْ لَا ذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَى الْفِطْرِ فَلَمْ تَجِبْ

стр. 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْأَكْلِ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ مُلْتَذٌّ بِالْجِمَاعِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَالْمُخْتَارِ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الِالْتِذَاذَ لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ عَاصِيًا؛ لِأَنَّ الطَّائِعَ يَتْرُكُ مَا يَشْتَهِيهِ وَيُلْتَذُّ بِهِ فَإِذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ لَا يَلْتَذَّ بِهِ؛ لِأَنَّ الِالْتِذَاذَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ وَلَا مَوْقُوفًا عَلَى اخْتِيَارِهِ فَهُوَ يَأْتِي مَا لَوْلَا الْإِكْرَاهُ لَمْ يَأْتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ فَعَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ عَلَى حَسَبِ مَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَدَ مِنْهَا مَا وَجَدَتْ مِنْهُ مِنْ مُوجِبِ الْكَفَّارَةِ فَلَزِمَهَا مَا لَزِمَهُ كَالْحَدِّ، وَإِنْ كَانَ أَكْرَهَهَا فَاَلَّذِي قَالَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عَنْهَا. وَقَدْ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا وَلَا عَلَيْهِ عَنْهَا وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُزَنِيَّة وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَكْرَهَهَا عَلَى مَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فَلَزِمَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْهَا كَمَا لَوْ أَكْرَهَهَا عَلَى ذَلِكَ فِي الْحَجِّ. وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهَا فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهَا. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْهَا فَقَدْ قَالَ الْمُغِيرَةُ يُكَفِّرُ عَنْهَا بِعِتْقٍ أَوْ إطْعَامٍ وَالْوَلَاءُ لَهَا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُكَفِّرَ» يَقْتَضِي وُجُوبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَقَوْلُهُ «بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ أَوْ إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا» يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ؛ لِأَنَّ أَوْ فِي مِثْلِ هَذَا إنَّمَا هِيَ لِلْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ فِيمَا تَنَاوَلَتْهُ مِنْ حَظْرٍ أَوْ أَبَاحَةً أَوْ جَزَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلشَّكِّ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِوَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ فَيَشُكَّ فِيهِ الرَّاوِي بَلْ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَمَرَ بِجَمِيعِهَا وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِفَةِ أَمْرِهِ بِهَا فَقَالَ مَالِكٌ هِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَنَا أَقُولُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي لَمْ يَأْتِ فِيهِ تَخْيِيرٌ وَلَكِنْ بِالتَّرْتِيبِ كَالظِّهَارِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ الْحَدِيثُ وَلَفْظُهُ لَفْظُ التَّخْيِيرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى التَّخْيِيرِ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ فِدْيَةٌ يَدْخُلُهَا الْإِطْعَامُ وَتَخْتَصُّ بِإِدْخَالِ نَقْصٍ فِي الْعِبَادَةِ فَكَانَتْ عَلَى التَّخْيِيرِ كَفِدْيَةِ الْأَذَى أَوْ جَزَاءِ الصَّيْدِ. (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا إنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّخْيِيرِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ الْإِطْعَامُ أَفْضَلُ وَجَرَى عَلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِطْعَامَ أَعَمُّ نَفْعًا؛ لِأَنَّهُ يَحْيَا بِهِ جَمَاعَةٌ لَا سِيَّمَا فِي أَوْقَاتِ الشَّدَائِدِ وَالْمَجَاعَاتِ، وَأَمَّا الْعِتْقُ فَإِنَّ فِيهِ إسْقَاطَ نَفَقَةٍ وَتَكْلِيفَ الْمُعْتَقِ نَفَقَتَهُ وَمُؤْنَتَهُ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا يُرَاعُونَ فِي ذَلِكَ الْأَوْقَاتِ وَالْبِلَادَ فَإِنْ كَانَتْ أَوْقَاتِ شِدَّةٍ وَمَجَاعَةٍ فَالْإِطْعَامُ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ وَقْتَ خِصْبٍ وَرَخَاءٍ فَالْعِتْقُ أَفْضَلُ، وَاَلَّذِي احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي تَفْضِيلِ الْإِطْعَامِ أَنَّهُ الْأَمْرُ الْمَعْمُولُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ. وَقَدْ أَفْتَى الْفَقِيهُ أَبُو إبْرَاهِيمَ مَنْ اسْتَفْتَاهُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْغِنَى الْوَاسِعِ بِالصِّيَامِ لَمَّا عَلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ أَشُقُّ عَلَيْهِ مِنْ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ وَأَنَّهُ أَرْدَعُ لَهُ عَنْ انْتِهَاك حُرْمَةِ الصَّوْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي يَجِبُ مِنْ الْعِتْقِ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ وَسَيَأْتِي وَصْفُهَا مُسْتَوْعَبًا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا الصِّيَامُ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَعَلَى جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَيْسَ التَّتَابُعُ بِلَازِمٍ فِي ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْخَبَرُ الْمُتَقَدِّمُ وَفِيهِ أَوْ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَرَتَّبَ بِالشَّرْعِ كَفَّارَةً فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ التَّتَابُعُ أَصْلُ ذَلِكَ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ. ١ - (فَرْعٌ) وَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ مِنْهُ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا كُلُّ مِسْكِينٍ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ أَشْهَبُ مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ أَوْ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ وَالْإِطْعَامُ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الْغَدَاءِ وَالْعِشَاءِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْإِطْعَامُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ صَاعُ بُرٍّ أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ وَدَلِيلُنَا عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ كَفَّارَةٌ شُرِعَتْ مِنْ غَيْرِ عَوْدَةٍ وَلَا إمَاطَةِ أَذًى فَكَانَ الْإِطْعَامُ

стр. 418

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَضْرِبُ نَحْرَهُ وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ وَيَقُولُ هَلَكَ الْأَبْعَدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا ذَاكَ قَالَ أَصَبْت أَهْلِي وَأَنَا صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً فَقَالَ لَا فَقَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُهْدِيَ بَدَنَةً قَالَ لَا قَالَ فَاجْلِسْ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ مَا أَجِدُ أَحَدًا أَحْوَجَ مِنِّي فَقَالَ كُلْهُ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَ مَا أَصَبْت قَالَ مَالِكٌ قَالَ عَطَاءُ فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَمْ فِي ذَلِكَ الْعَرَقِ مِنْ التَّمْرِ فَقَالَ مَا بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا إلَى عِشْرِينَ» ) . ــ [المنتقى] فِيهَا مُدًّا وَاحِدًا كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ الرَّجُلِ «لَا أَجِدُ» يَقْتَضِي شِدَّةَ فَقْرِهِ وَضِيقَ يَدِهِ عَنْ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ وَضَعْفِهِ عَنْ الصِّيَامِ وَهَذَا يَمْنَعُ وُجُوبَ تَعْجِيلِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ حَتَّى يَجِدَ أَوْ يَقْوَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ فَقَالَ خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ» الْعَرَقُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ هُوَ الزِّنْبِيلُ الْمَضْفُورُ وَيُقَال عَرَقَةٌ أَيْضًا قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ، وَقَالَ بَعْضُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ الْعَرَقُ وَهُوَ عِنْدِي وَهْمٌ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَإِنَّمَا الْعَرْقُ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ الْعَظْمُ الَّذِي عَلَيْهِ لَحْمٌ فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ التَّمْرَ الَّذِي جَاءَهُ لِيُكَفِّرَ بِهِ الْكَفَّارَةَ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّعْجِيلِ لِإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ وَالرِّفْقِ بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحْوَجَ مِنَّا» أَعْلَمَهُ أَنَّ مَا بِهِ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى الْقُوتِ لَهُ وَلِعِيَالِهِ أَشَدُّ مِنْ حَاجَتِهِ إلَى تَعْجِيلِ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنْ قَدَرَ عَلَيْهَا بَعْدَ وَقْتِهِ أَجْزَأَتْهُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُعَاقَبْ مَعَ التَّوْبَةِ مِنْ فِعْلِهِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْهُ وَالْقُوتُ لَا يُمْكِنُهُ تَأْخِيرُهُ فَإِنْ أَخَّرَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ كَانَ مَسْئُولًا عَنْ نَفْسِهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ أَحْوَجُ مِنْ الَّذِينَ تُصْرَفُ إلَيْهِمْ الْكَفَّارَةُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ» لَعَلَّهُ ضَحِكَ مِنْهُ إذْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ يُخْرِجُهَا فَأَخَذَهَا صَدَقَةً فَحَمَلَهَا وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ آثِمٍ وَهَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّنَا وَسَعَةِ رِفْقِهِ بِنَا وَإِحْسَانِهِ إلَيْنَا وَهَلْ يَكُونُ أَكْلُهُ لِلتَّمْرِ يُجْزِئُ عَنْ كَفَّارَتِهِ أَمْ لَا الظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تُجَزِّئُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ كُلْهُ، وَرَوَى أَنَّهُ قَالَ لَهُ «أَطْعِمْهُ لِعِيَالِك» فَأَمَّا قَوْلُهُ كُلْهُ فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، وَإِنَّمَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ لِيَتَبَلَّغَ بِهِ وَتَبْقَى الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ «أَطْعِمْهُ لِعِيَالِك» فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَهُ مِنْ أَهْلِهِ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَلَعَلَّهُ لَوْ كَانَ لَأَجْزَأَ عَنْهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِذَلِكَ الرَّجُلِ يُرِيدُ أَنَّهُ يَأْكُلُهُ وَيُجْزِئُهُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الزُّهْرِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِبَقَاءِ الْكَفَّارَةِ فِي ذِمَّتِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَبْلَ هَذَا بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِهَا وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ عِنْدِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ رَأَيْت نَحْوَهُ لِلدَّاوُدِيِّ. (ش) : قَوْلُهُ «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَضْرِبُ نَحْرَهُ وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ» يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ نَدَمًا عَلَى خَطِيئَتِهِ وَإِشْفَاقًا مِمَّا أَتَى مِنْهَا وَحُزْنًا عَلَى عَظِيمِ جُرْمِهِ مِنْهَا وَقَوْلُهُ «هَلَكَ الْأَبْعَدُ» يُرِيدُ أَنَّهُ هَلَكَ بِمُوَاقَعَتِهِ الْخَطِيئَةَ وَكَنَّى الْمُحَدِّثُ عَنْهُ بِلَفْظِ الْأَبْعَدِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ إذَا حَكَتْ عَمَّنْ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا لَا يَجْمُلُ أَوْ خَاطَبَتْ بِهِ غَيْرَهُ فَلَمَّا «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَا ذَاكَ قَالَ أَصَبْت أَهْلِي وَأَنَا صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ» يُرِيدُ الْجِمَاعَ وَهَذَا اللَّفْظُ يُكَنَّى بِهِ عَنْ الْجِمَاعِ وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْهُ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ إذَا قُرِنَ بِمَحِلِّ الْجِمَاعِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً» قَدْ تَقَدَّمَ تَأْوِيلُ الْفُقَهَاءِ وَاخْتِلَافُهُمْ

стр. 419

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ سَمِعْت أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ لَيْسَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ بِإِصَابَةِ أَهْلِهِ نَهَارًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ الَّتِي تُذْكَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَنْ أَصَابَ أَهْلَهُ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ فِيهِ إلَيَّ) . مَا جَاءَ فِي حِجَامَةِ الصَّائِمِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ قَالَ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْدُ فَكَانَ إذَا صَامَ لَمْ يَحْتَجِمْ حَتَّى يُفْطِرَ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ــ [المنتقى] فِي تَرْتِيبِ ذَلِكَ أَوْ حَمْلِهِ عَلَى التَّخْيِيرِ وَقَوْلُهُ «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُهْدِيَ بَدَنَةً» انْفَرَدَ عَطَاءُ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ عَنْ سَعِيدٍ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَقَالَ كَذَبَ الْخُرَاسَانِيُّ، وَقَالَ إنَّمَا قُلْت لَهُ «فَقَالَ تَصَدَّقْ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «اجْلِسْ» يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ شَيْئًا يَأْتِيه قَدْ عَرَفَ بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَجَا لَهُ فَضْلَ اللَّهِ وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ «كُلْهُ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَ مَا أَصَبْت» عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفْسِيرِ وَأَمْرُهُ لَهُ بِقَضَاءِ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ إلَّا مَا يُحْكَى عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَمَا رَوَاهُ الْإسْفَرايِينِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ دُونَ الْقَضَاءُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِهَذَا السَّائِلِ «كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِك وَصُمْ يَوْمًا وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ» وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا أَفْسَدَ صَوْمَهُ فِي رَمَضَانَ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا قَوْلُ سَعِيدٍ فِي الْعَرَقِ مِنْ التَّمْرِ مَا بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا إلَى عِشْرِينَ صَاعًا فَقَدْ رَوَى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِخَمْسَةِ عَشَرَ صَاعًا. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فَأَتَى بِعَرَقٍ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا وَهَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْحَزْرِ وَالتَّقْدِيرِ وَاخْتِلَافِهِ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمَسَاكِينِ سِتُّونَ مِسْكِينًا وَالْكَفَّارَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مُدٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ أَوْ مُدَّيْنِ وَلَيْسَ فِيهَا مُدٌّ وَثُلُثٌ فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى صِحَّةِ الْمُدِّ اعْتِبَارًا لِسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ أَوْلَى وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْرَ الْعَرَقِ إلَّا أَنَّ الَّذِي كَانَ فِيهِ مِنْ التَّمْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ الْمِكْتَلُ يَسْعَ مَا بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا إلَى الْعِشْرِينَ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الصِّيَامِ حَاشَا رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْجُمْهُورُ أَنَّ هَذَا زَمَنٌ لَيْسَتْ لَهُ حُرْمَةٌ فَلَمْ يَجِبْ بِالْفِطْرِ فِيهِ كَفَّارَةٌ كَمَا لَوْ صَامَهُ نَذْرًا أَوْ كَفَّارَةً. [مَا جَاءَ فِي حِجَامَةِ الصَّائِمِ] (ش) : قَوْلُهُ إنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَنْ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ بَطَلَ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» وَهَذَا نَصٌّ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ جِرَاحَةٌ فَلَمْ يَجِبْ بِهَا الْفِطْرُ لِلصَّائِمِ كَالْفِصَادِ. وَقَدْ قَالَ الدَّاوُدِيُّ إنَّ تَرْكَ الْحَجَّامَةِ لِلصَّائِمِ أَحْوَطُ لِمَا رَأَى فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَدِلَّةِ الْمُخَالِفِ وَهَذَا مَيْلٌ مِنْهُ إلَى قَوْلِ أَحْمَدَ وَالصَّحِيحُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْدَ فَكَانَ إذَا صَامَ لَمْ يَحْتَجِمْ حَتَّى يُفْطِرَ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا كَبِرَ وَضَعُفَ كَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُفْطِرَ بِالضَّعْفِ مِنْ الْحَجَّامَةِ إلَى الْفِطْرِ وَلِهَذَا يُكْرَهُ لِكُلِّ مَنْ خَافَ الضَّعْفَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَحْتَجِمَ حَتَّى يُفْطِرَ؛ لِأَنَّ الْحِجَامَةَ رُبَّمَا أَدَّتْهُ إلَى إفْسَادِ صَوْمِهِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَا يَحْتَجِمَانِ وَهُمَا صَائِمَانِ) .

стр. 420

أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَا يَحْتَجِمَانِ وَهُمَا صَائِمَانِ) . صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ وَتَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» ) ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُمَا كَانَا يَحْتَجِمَانِ وَهُمَا صَائِمَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قِيلَ هَذَا إذَا كَانَا يَحُسَّانِ مِنْ أَنْفُسِهِمَا وَقُوَّتِهِمَا أَنَّ الْحِجَامَةَ مَعَ الصَّوْمِ لَا تُضْعِفُهُمَا وَيَعْلَمَانِ أَنَّهُ لَا يُدْخِلُ نَقْصًا فِي صَوْمِهِمَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ وَمَا رَأَيْته احْتَجَمَ قَطُّ إلَّا وَهُوَ صَائِمٌ) ش قَوْلُهُ إنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ بَيَّنَ أَنَّ اتِّقَاءَ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ لِمَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ الْفِطْرِ لِلضَّعْفِ الَّذِي يَحْدُثُ بِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي حَالِ صَوْمِهِ، وَإِنَّ عُرْوَةَ كَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فَكَانَ يَحْتَجِمُ فِي حَالِ صِيَامِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَمَا رَأَيْته احْتَجَمَ قَطُّ إلَّا وَهُوَ صَائِمٌ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ يَسْرُدُ صَوْمَهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ حِجَامَةٌ إلَّا وَهُوَ صَائِمٌ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كَانَ لَا يَسْرُدُ الصَّوْمَ وَلَكِنَّهُ قَصَدَ ذَلِكَ لِيُبَيِّنَ جَوَازَهُ وَلِمَنْفَعَةٍ كَانَ يَرْجُو فِي ذَلِكَ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ إلَّا وَهُوَ صَائِمٌ غَيْرَ الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَقْصِدُ أَنْ يَحْتَجِمَ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ لِقُوَّتِهِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَوْ لِمَنْفَعَةٍ كَانَ يَرْجُوهَا مِنْ الْحِجَامَةِ عَلَى الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ قُوَّتَهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. (ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ الْحِجَامَةُ إلَّا خِشْيَةً مِنْ أَنْ يَضْعُفَ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ لَوْ أَنَّ رَجُلًا احْتَجَمَ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ سَلِمَ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا أَوْ لَمْ آمُرْهُ بِالْقَضَاءِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي احْتَجَمَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْحِجَامَةَ إنَّمَا تُكْرَهُ لِلصَّائِمِ لِمَوْضِعِ التَّغْرِيرِ بِالصِّيَامِ فَمَنْ احْتَجَمَ وَسَلِمَ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ حَتَّى يُمْسِيَ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ) . ش وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْحِجَامَةَ إنَّمَا تُكْرَهُ لِلتَّغْرِيرِ بِالصِّيَامِ فَمَنْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ بِضَعْفٍ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ كُرِهَتْ لَهُ الْحِجَامَةُ فِي حَالِ صِيَامِهِ؛ لِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ بِصِيَامِهِ وَلَا يَدْرِي هَلْ يَسْلَمُ أَمْ لَا وَلَا يَجُوزُ التَّغْرِيرُ بِالْعِبَادَاتِ الَّتِي حَرُمَ الْخُرُوجُ مِنْهَا إلَّا بَعْدَ كَمَالِهَا فَإِنْ احْتَجَمَ أَحَدُ هَذَيْنِ فَاحْتَاجَ إلَى الْفِطْرِ فَقَدْ وَاقَعَ الْمَحْظُورَ وَيَكُونُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا تَكُونُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفْطِرْ مُتَعَمِّدًا، وَإِنَّمَا فَعَلَ مُتَعَمِّدًا مَا جَرَّ إلَى الْفِطْرِ ضَرُورَةً فَإِنْ سَلِمَ مِنْ الْفِطْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّرَ بِأَمْرٍ وَخَاطَرَ فِيهِ فَسَلِمَ مِنْهُ وَأَمَّا مَنْ عَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ الْحِجَامَةَ مَعَ الصَّوْمِ لَا تُضْعِفُهُ وَلَا تُخْرِجُهُ إلَى الْفِطْرِ فَإِنَّ الْحِجَامَةَ مُبَاحَةٌ لَهُ وَلِذَلِكَ كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُرْوَةُ يَحْتَجِمَانِ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَحْتَجِمُ فِي أَوَّلِ عُمْرِهِ وَقُوَّتِهِ وَشَبَابِهِ فَلَمَّا كَبِرَ وَضَعُفَ تَرَكَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُغَرِّرَ بِصَوْمِهِ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَحْتَجِمُ قَوِيٌّ وَلَا ضَعِيفٌ فِي صَوْمِهِ حَتَّى يُفْطِرَ فَرُبَّمَا ضَعُفَ بَعْدَ الْقُوَّةِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلَهُ. [صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ] (ش) : اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ فَرَوَى يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمُ

стр. 421

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِهَذَا الْيَوْمِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» ) . ــ [المنتقى] نَجَّى اللَّهُ فِيهِ بَنِي إسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى ﵇ فَقَالَ أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ» وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ قُرَيْشٌ تَصُومُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُهُ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ فَلَمَّا بُعِثَ تَرَكَ ذَلِكَ فَلَمَّا هَاجَرَ وَعَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ شَرِيعَةِ مُوسَى ﵇ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ نَسَخَ وُجُوبَهُ (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ جِهَةِ فِعْلِهِ لَهُ وَمِنْ جِهَةِ أَمْرِهِ بِهِ وَقَوْلُهُ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ وَتَرَكَ عَاشُورَاءَ يُرِيدُ أَنَّ رَمَضَانَ لَمَّا فُرِضَ وَرَدَ الشَّرْعُ بِنَسْخِ وُجُوبِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَلَيْسَ فِي الْأَمْرِ بِصَوْمِ رَمَضَانَ مَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ وُجُوبِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ إلَّا أَنَّهُ قُرِنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَمِيعُ الْفَرْضِ مِنْ الصَّوْمِ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ﷺ فِي قَوْلِهِ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ فَرِيضَةِ الصَّوْمِ فَقَالَ لَهُ شَهْرُ رَمَضَانَ فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ فَقَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَاحِقٌ بِسَائِرِ الْأَيَّامِ الَّتِي لَمْ يُمْنَعْ صَوْمُهَا وَلَا وَجَبَ وَلَكِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ بِدَلِيلِ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ وَأَنَا صَائِمٌ «فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» قَالَ أَشْهَبُ صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُسْتَحَبُّ لِمَا رُجِيَ مِنْ ثَوَابِ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِهَذَا الْيَوْمِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» ) . ش قَوْلُهُ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ اسْتِدْعَاءَهُمْ لِيَسْمَعُوا هَذَا الْحَدِيثَ مِنْهُ وَيُبَلِّغُوهُ عَنْهُ وَيَكُونُ عِنْدَهُمْ مِنْهُ عِلْمٌ فَيُوَافِقُوهُ وَيُبَلِّغُوهُ إلَى النَّاسِ مَعَهُ وَقَوْلُهُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِهَذَا الْيَوْمِ هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ لَمْ يَفْرِضْهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ وَلَا أَوْجَبَهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ قَدْ كَانَ نُسِخَ بِرَمَضَانَ وَيُحْتَمَلُ عَلَى قَوْلِهِ مَنْ قَالَ إنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَتْ شَرِيعَةً لَنَا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهُ عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَمَرْتُكُمْ أَنَا بِصِيَامِهِ رَجَاءَ الْفَضْلِ فِيهِ لِصِيَامِ مُوسَى لَهُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَأَنَا صَائِمٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَنْبِيهًا عَلَى فَضِيلَةِ الْيَوْمِ أَوْ عَلَى جَوَازِ صَوْمِهِ، ثُمَّ قَالَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ تَصْرِيحٌ بِالتَّخْيِيرِ فِي ذَلِكَ لِئَلَّا يُعْتَقَدَ فِيهِ عِنْدَ نَسْخِ صَوْمِهِ الْمَنْعُ مِنْهُ جُمْلَةً. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَرْسَلَ إلَى الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ غَدًا يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَصُمْ وَأْمُرْ أَهْلَكَ أَنْ يَصُومُوا) . ش قَوْلُ عُمَرَ إنَّ غَدًا عَاشُورَاءَ هُوَ اسْمُ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّهُ الْيَوْمُ التَّاسِعُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعَشْرِ فَكَانَ أَظْهَرُ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ بَلْ يَلْزَمُهُ وَيَخْتَصُّ بِهِ وَأَمَّا الْيَوْمُ التَّاسِعُ فَإِنَّمَا سُمِّيَ التَّاسُوعَاءُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ إرْسَالَ عُمَرَ بِذَلِكَ إنَّمَا كَانَ فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ لِيَتَمَكَّنَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ تَبْيِيتِ صِيَامِهِ لَيْلَةَ عَاشُورَاءِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ خَصَّ بِأَنْ لَمْ يُبَيِّتْ صَوْمَهُ حَتَّى أَصْبَحَ أَنْ يَصُومَهُ أَوْ بَاقِيَهُ إنْ أَكَلَ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَامَ إلَّا بِنِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ وَأَمَّا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فَإِنَّ هَذَا يَوْمَ عَاشُورَاءَ» فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ لَمَّا عَلِمَ صَوْمَ مُوسَى لَهُ فَإِنَّهُ طَرَأَ عِلْمُ الْوُجُوبِ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ فَكَانَ عَلَيْهِمْ الْإِمْسَاكُ وَلِذَلِكَ أَمَرَ مَنْ أَكَلَ بِالصِّيَامِ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِأَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنْ رَمَضَانَ بَعْدَ مُضِيِّ

стр. 422

صِيَامُ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَالدَّهْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ الْفِطْرِ» يُرِيدُ يَوْمَ فِطْرِ النَّاسِ مِنْ صِيَامِ رَمَضَانَ وَهُوَ يَوْمُ عِيدِ الْفِطْرِ (وَيَوْمِ الْأَضْحَى يُرِيدُ يَوْمَ النَّحْرِ) . ــ [المنتقى] صَدْرٍ مِنْهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ وَلَا يَدُلُّ تَرْكُهُ الْأَمْرَ عَلَى الْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يَجِبُ بِأَمْرٍ ثَانٍ وَأَيْضًا فَإِنَّ عَدَمَ أَمْرِهِ بِالْقَضَاءِ لَا يَدُلُّ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ. [صِيَامُ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَالدَّهْرِ] (ش) : وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ أَمَّا يَوْمُ الْأَضْحَى فَتَأْكُلُونَ مِنْ نُسُكِكُمْ وَأَمَّا يَوْمُ الْفِطْرِ فَفِطْرُكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَهَذَا الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ، وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ يَوْمُ الْفِطْرِ أَنَّهُ فَصْلٌ لِلصَّوْمِ الْمُفْتَرَضِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ التَّطَوُّعِ فَلَوْ جَازَ صَوْمُهُ لَاتَّصَلَ التَّطَوُّعُ بِالْفَرْضِ وَلَأَشْكَلَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ شَعْبَانَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَامَ تَطَوُّعًا شَهْرُ رَمَضَانَ وَاسْتِقْبَالُ النَّاسِ لَهُ يَمْنَعُ مِنْ اتِّصَالِهِ بِشَعْبَانَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا بَعْدَ رَمَضَانَ فَإِنَّ اسْتِقْبَالَهُ بِالصَّوْمِ لَا يُسْمَعُ وَلَا يَشِيعُ فَلَوْ لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَهُمَا بِفِطْرٍ لَأَشْكَلَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَهِيَ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي تَلِي يَوْمَ النَّحْرِ فَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَعُرْوَةَ أَنَّهُمَا كَانَا يَصُومَانِهَا وَلَعَلَّهُمَا إنَّمَا كَانَا يَصُومَانِهَا أَوْ يَأْمُرَانِ بِصِيَامِهَا عِنْدَ عَدَمِ الْهَدْيِ فَإِنَّ عُرْوَةَ يَرْوِي عَنْ عَائِشَةَ لَا يَصُومُهَا إلَّا الْمُتَمَتِّعُ لَا يَجِدُ هَدْيًا. وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِإِجْمَاعٍ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ فِي حَاوِيهِ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ اعْتَكَفَهَا فَصَامَهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ صِيَامِهَا ابْتِدَاءُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَا لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ تَصُمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ وَمِنْ وِجْهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ فَأَشْبَهَتْ الْفِطْرَ وَالْأَضْحَى، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَصُومَهَا فِي الْفِدْيَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يُجْزِئُهُ أَنْ يَصُومَهَا عَنْ ظِهَارٍ؟ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ عَنْ مَالِكٍ فِي مُبْتَدَأِ صَوْمِ الظِّهَارِ زَادَ فِي الْمُزَنِيَّة أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ نَسِيَ أَوْ غَفَلَ فَأَفْطَرَ يَوْمَ النَّحْرِ وَصَامَ أَيَّامَ مِنًى وَوَصَلَ قَضَاءَ يَوْمِ النَّحْرِ بِصِيَامِهِ رَجَوْت أَنْ يُجْزِئَهُ وَيَبْتَدِئَ أَحَبُّ إلَيَّ، وَقَالَ فِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ دَاوُد بْنِ سَعِيدٍ وَابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَرَى أَنْ يُفْطِرَ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَصُومَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَلَّمْت مَالِكًا فِيهِ فَضَعَّفَهُ، وَقَالَ أَرَى أَنْ يَبْتَدِئَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هَذَا رَأْيِي وَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي خَطَأٍ خَالَفَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ . وَقَالَ أَشْهَبُ مَنْ شَرَعَ فِي صِيَامِ شَيْءٍ مِنْ أَيَّامِ مِنًى عَنْ تَطَوُّعٍ أَوْ وَاجِبٍ فَلْيُفْطِرْ مَتَى ذَكَر فَإِنْ أَتَمَّهُ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ وَاجِبٍ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا يَوْمٌ يَصِحُّ صَوْمُهُ عَنْ الْهَدْيِ فَصَحَّ صَوْمُهُ عَنْ غَيْرِهِ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ فَلَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ عَنْ وَاجِبٍ وَلَا تَطَوُّعٍ، وَإِنَّمَا صَحَّ صَوْمُهُ بَدَلًا عَنْ الْهَدْيِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْحَجِّ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَإِنَّهُ يَصُومُهُ مَنْ نَذَرَهُ مُفْرَدًا وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ صَوْمَ ذِي الْحِجَّةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَصُومُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُفْطِرَهُ وَيَقْضِيَهُ وَلَا أُوجِبُهُ وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ صَوْمَ عَامٍ مُعَيَّنٍ فَفِي الْمُخْتَصَرِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَصُومُ الْيَوْمَ الرَّابِعَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصُومُهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَيَصُومُهُ مَنْ شَرَعَ فِي صَوْمٍ مُتَتَابِعٍ وَلَا يَصُومُ الْيَوْمَيْنِ قَبْلَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْيَوْمَيْنِ قَبْلَهُ مُخْتَصَّانِ بِالْأَحْكَامِ فِي النَّحْرِ وَالتَّكْبِيرِ بِأَثَرِ الصَّلَوَاتِ وَلُزُومِ الرَّمْيِ فِيهِمَا لِلْمُتَعَجِّلِ وَكَانَتْ فِيهِمَا أَحْكَامُ الْعِيدِ آكَدُ وَهَذَا لِمَنْ شَرَعَ فِي صِيَامِ شَهْرَيْ التَّتَابُعِ مِنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ فَمَرِضَ أَوْ مَنَعَهُ أَمْرٌ غَالِبٌ حَتَّى وَافَاهُ الْأُضْحِيَّةُ وَأَمَّا مَنْ ابْتَدَأَ صِيَامَ شَهْرَيْ التَّتَابُعِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ صَوْمَهُ سَيَنْقَطِعُ أَوْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ

стр. 423

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ لَا بَأْسَ بِصِيَامِ الدَّهْرِ إذَا أَفْطَرَ الْأَيَّامَ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهَا وَهِيَ أَيَّامُ مِنًى وَيَوْمُ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى فِيمَا بَلَغَنَا وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) . النَّهْيُ عَنْ الْوِصَالِ فِي الصِّيَامِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ الْوِصَالِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّك تُوَاصِلُ فَقَالَ إنِّي لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ قَالُوا فَإِنَّك تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ إنِّي لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ» . ــ [المنتقى] فَإِنْ عِلْمَهُ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَتَرَجَّحَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُجْزِئُهُ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ شَرَعَ فِي صَوْمِهِ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتَتَابَعُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ كَمَا لَوْ نَوَى تَفْرِيقَهُ فِي شَوَّالٍ وَذِي الْقِعْدَةِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ نَوَى التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ مَا يَصِحُّ صَوْمُهُ مِنْ مُدَّةِ صَوْمِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ وَلَا يُفْسِدُ تَتَابُعَهُ الْفِطْرُ فِي مُدَّةٍ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا كَالْفِطْرِ فِي اللَّيْلِ وَفِطْرِ الْمَرْأَةِ فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ لَا بَأْسَ بِصِيَامِ الدَّهْرِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَرُدَّهُ ذَلِكَ إلَى الضَّعْفِ وَأَفْطَرَ الْأَيَّامَ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِهَا. وَقَالَ هَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَمَنْ فَعَلَهُ آثِمٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وَلَمْ يَخُصَّ صَوْمًا مِنْ صَوْمٍ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا عَمَلٌ يُتَقَرَّبُ بِهِ فَجَازَ أَنْ يُسْتَدَامَ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَصِحُّ فِعْلُهُ فِيهِ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ. [النَّهْيُ عَنْ الْوِصَالِ فِي الصِّيَامِ] (ش) : قَوْلُهُ إنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ الْوِصَالِ يُرِيدُ وِصَالَ صَوْمِ يَوْمٍ بِصَوْمِ يَوْمٍ آخَرَ وَظَاهِرُ النَّهْيِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ وَالتَّحْرِيمَ إلَّا أَنَّ الصَّحَابَةَ تَلَقَّوْهُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّخْفِيفِ عَنْهُمْ وَلِذَلِكَ وَاصَلُوا بَعْدَ نَهْيِهِ لَهُمْ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنَّك تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَيّكُمْ مِثْلِي إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ فَقَالَ لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ» كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا فَفِي هَذَا دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى التَّحْرِيمِ وَالْمَنْعِ لَمْ يُخَالِفُوهُ بِالْمُوَاصَلَةِ كَمَا لَمْ يُخَالِفُوهُ بِصَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى لَمَّا كَانَ ذَلِكَ عَلَى التَّحْرِيمِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ وَاصَلَ بِهِمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا وَاصَلَ بِهِمْ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إنَّك تُوَاصِلُ اسْتِعْلَامًا مِنْهُمْ إنْ كَانَ ذَلِكَ حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ أُمَّتِهِ أَوْ لِمَعْنًى مَا يَخَافُهُ عَلَيْهِمْ مِنْ الضَّعْفِ وَيُرِيدُهُ بِهِمْ مِنْ الرِّفْقِ فَقَالَ ﷺ «إنِّي لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» يُرِيدُ ﷺ أَنَّ مِنْ هَذَا غَيْرُ حَالِهِمْ مِنْ طَرِيقِ قُوَّتِهِ عَلَى الصَّوْمِ بِمَا يُطْعِمُهُ اللَّهُ وَيَسْقِيه وَلَمْ يَقُلْ إنَّ الزَّمَانَ مُخْتَصٌّ بِصَوْمِهِ دُونَ صَوْمِهِمْ، وَإِنَّمَا عَلَّلَ ذَلِكَ بِقُوَّتِهِ ﷺ بِمَا يُطْعِمُهُ رَبُّهُ وَيَسْقِيه وَلِذَلِكَ قَالَ حَدِيثُ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَبِيتُ يُطْعِمنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ فَاكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ» فَبَيَّنَ أَنَّ الْمَحْظُورَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُطِيقُونَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ يُطْعَمُ وَيُسْقَى الْكِنَايَةَ عَمَّا يَخْلُقُ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْقُوَّةِ عَلَى الصِّيَامِ الَّتِي تَقُومُ مَقَامَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَلَا يَتَأَذَّى بِالْوِصَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَلَوْ كَانَ طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْمُعْتَادَيْنِ لَمَا كَانَ مُوَاصِلًا وَلَكَانَ مُفْطِرًا

стр. 424

صِيَامُ الَّذِي يَقْتُلُ خَطَأً أَوْ يَتَظَاهَرُ (ص) : (سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِي قَتْلٍ خَطَأٍ أَوْ تَظَاهُرٍ فَعَرَضَ لَهُ مَرَضٌ يَغْلِبُهُ وَيَقْطَعُ عَلَيْهِ صِيَامَهُ أَنَّهُ إنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ وَقَوِيَ عَلَى الصِّيَامِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ وَهُوَ يَبْنِي عَلَى مَا قَدْ مَضَى مِنْ صِيَامِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهَا الصِّيَامُ فِي قَتْلِ النَّفْسِ خَطَأً إذَا حَاضَتْ بَيْنَ ظُهْرَيْ صِيَامِهَا إنَّهَا إذَا طَهُرَتْ لَا تُؤَخِّرُ الصِّيَامَ وَهِيَ تَبْنِي عَلَى مَا قَدْ صَامَتْ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ يُفْطِرَ إلَّا مِنْ عِلَّةِ مَرَضٍ أَوْ حَيْضَةٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فَيُفْطِرَ قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ) . مَا يَفْعَلُ الْمَرِيضُ فِي صِيَامِهِ (ص) : (سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ الَّذِي سَمِعْت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا أَصَابَهُ الْمَرَضُ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَعَهُ وَيُتْعِبُهُ وَيَبْلُغُ ذَلِكَ مِنْهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ إذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ وَبَلَغَ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعَبْدِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَا تَبْلُغُ صِفَتُهُ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ مِنْهُ صَلَّى وَهُوَ جَالِسٌ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ وَقَدْ أَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ أَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ مِنْ الْمَرِيضِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَأَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ أَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ مِنْ الْمَرِيضِ فَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ وَهُوَ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ) . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ» تَأْكِيدٌ فِي الْمَنْعِ لَهُمْ مِنْهُ لَعَلَّهُ لِمَا كَانَ يَخَافُهُ مِنْ الضَّعْفِ عَلَيْهِمْ بِالْوِصَالِ عَمَّا كَانَ أَنْفَعَ مِنْهُ بِالْجِهَادِ وَالْقُوَّةِ عَلَى الْعَدُوِّ مَعَ حَاجَتِهِمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَيْهِ فَلَمَّا سَأَلُوهُ عَنْ وِصَالِهِ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ حَالَتَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ حَالَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ يُطْعَمُ وَيُسْقَى (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْوِصَالُ وَيَصِحُّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُصَامُ زَمَنَ اللَّيْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ لِلنَّهَارِ فَأَمَّا أَنْ يُفْرَدَ بِالصَّوْمِ فَلَا يَجُوزُ. [صِيَامُ الَّذِي يَقْتُلُ خَطَأً أَوْ يَتَظَاهَرُ] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامٌ لِقَتْلِ مَنْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِهِ أَوْ لِتَظَاهُرٍ مَعَ عَدَمِ الرَّقَبَةِ فَإِنَّ الَّذِي يَلْزَمُهُ مِنْ الصِّيَامِ شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤] . ١ - (فَصْلٌ) : فَمَنْ شَرَعَ فِي صِيَامِ شَهْرَيْ التَّتَابُعِ فَعَرَضَ لَهُ مَرَضٌ أَوْ حَيْضٌ أَمْسَكَ عَنْ الصَّوْمِ حَتَّى يُمْكِنَهُ فَيَصُومُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَّرَهُ لِلضَّرُورَةِ فَمَتَى أَخَّرَ بَعْدَ الْإِمْكَانِ بَطَلَ التَّتَابُعُ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ صَوْمِهِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ صَوْمِهِ مِنْ أَوَّلِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ وَلَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ الْعُذْرُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الصَّوْمُ كَالْحَيْضِ وَالْمَرَضِ وَيَجْرِي النِّسْيَانُ مَجْرَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِزَازُ مِنْهُ فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَصِلَ أَيَّامَ الْقَضَاءِ وَالْحَيْضِ بِصِيَامِهِ أَوْ غَلِطَ فِي الْعَدَدِ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَسْتَأْنِفُ صِيَامَ الشَّهْرَيْنِ، وَقَالَهُ الْمُغِيرَةُ فِي خَطَأِ الْعَدَدِ إنْ كَانَ هَذَا عَامِدًا بِخِلَافِ الْمُفْطِرِ نَاسِيًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ صَوْمِهِ وَيُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِزَازُ مِنْهُ وَأَمَّا مَا يُلْحِقُ بِهِ الْمَشَقَّةَ وَيُمْكِنُ مَعَهُ الصَّوْمُ كَالسَّفَرِ فَإِنَّهُ لَا يُبِيحُ الْفِطْرَ، وَإِنْ أَفْطَرَ اسْتَأْنَفَ الصَّوْمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 425

النَّذْرُ فِي الصِّيَامِ وَالصِّيَامُ عَنْ الْمَيِّتِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ هَلْ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ فَقَالَ سَعِيدٌ لِيَبْدَأ بِالنَّذْرِ قَبْلَ أَنْ يَتَطَوَّعَ قَالَ مَالِكٌ وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلُ ذَلِكَ) (ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ مِنْ رَقَبَةٍ يُعْتِقُهَا أَوْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ بَدَنَةٍ فَأَوْصَى أَنْ يُوَفَّى ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ وَالْبَدَنَةَ فِي ثُلُثِهِ وَهُوَ مُبَدَّأٌ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ الْوَصَايَا إلَّا مَا كَانَ مِثْلَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنْ النُّذُورِ وَغَيْرِهَا كَهَيْئَةِ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنَّمَا يَجْعَلُ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ خَاصَّةً دُونَ رَأْسِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي رَأْسِ مَالِهِ لَأَخَّرَ ــ [المنتقى] [مَا يَفْعَلُ الْمَرِيضُ فِي صِيَامِهِ] ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْمَرِيضَ إذَا شَقَّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ وَأَتْعَبَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] تَقْدِيرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَمِقْدَارُ الْمَرَضِ الَّذِي يُبِيحُ ذَلِكَ لَا يُسْتَطَاعُ أَنْ يُقَدِّرَ لِنَفْسِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ﵀، وَاَللَّهُ أَعْلَم بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعَبْدِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَبْلُغُ صِفَتَهُ. وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنَّ الْمَرِيضَ الَّذِي لَوْ تَكَلَّفَ الصِّيَامَ وَالصَّلَاةَ لَأَتَى بِهِمَا بِمَشَقَّةٍ وَتَعَبٍ فَلْيُفْطِرْ وَلِيُصَلِّ جَالِسًا وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَاَلَّذِي يُصِيبُهُ الضُّرُّ بَانَ مِنْ الْخَوَى فِي رَمَضَانَ أَنَّهُ مَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ فَإِذَا بَلَغَ بِهِ مَا يُجْهِدُهُ فَلْيُفْطِرْ فَهَذَا تَقْدِيرٌ مِنْهُمَا وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ وَلَكِنَّهُ تَقْدِيرٌ بِمَا تَيَقَّنَ أَنْ يَئُولَ إلَيْهِ وَذَلِكَ أَنْ يَخَافَ مِنْهُ وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنْ يَزِيدَ فِي مَرَضِهِ أَوْ يُجَدِّدَ لَهُ مَرَضًا غَيْرَ مَرَضِهِ أَوْ يُدِيمَ زَمَنَ مَرَضِهِ فَإِنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ يُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ وَمِثْلُ هَذَا الْمِقْدَارِ يُبِيحُ لَهُ الصَّلَاةَ جَالِسًا لِمَنْ خَافَ مِنْ الْقِيَامِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَلَمْ يَذْكُرْ دَوَامَ زَمَنِ مَرَضِهِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَغْدَادِيُّونَ فِيمَا خَفَّ مِنْ الْأَمْرَاضِ وَأَمَّا الْمَرَضُ الشَّدِيدُ فَلَا يُرَاعَى فِيهِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى مَشَقَّةُ مَا يَتَكَلَّفُ مِنْ ذَلِكَ وَلَعَلَّهُ الَّذِي أَرَادَ أَشْهَبُ فَجَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ ﵀ عَلَى جَوَازِ فِطْرِهِ لِمَشَقَّةِ الصِّيَامِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] قَالَ فَأَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ أَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ مِنْ الْمَرِيضِ الَّذِي يُتْعِبُهُ الصِّيَامُ فَجَعَلَ جَوَازَ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ بِيَسِيرِ الْمَشَقَّةِ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ الْفِطْرِ لِلْمَرِيضِ الَّذِي يَلْحَقُهُ مِنْ مَشَقَّةِ الصِّيَامِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ أَصْلُ عِلَّةِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ الْمَشَقَّةُ وَكَانَ مَشَقَّةُ الْمَرِيضِ أَشَدَّ فَبِأَنْ يُبَاحَ لَنَا الْفِطْرُ مَعَهَا أَوْلَى وَهَذَا احْتِجَاجٌ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْفِطْرَ لِلْمَرِيضِ إلَّا لِخَوْفِ الْهَلَاكِ دُونَ مَا ذَكَرْنَا وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ وَلَكِنَّهُ لَعَلَّهُ خَافَ اعْتِرَاضَ مُعْتَرِضٍ بِهِ فَتَبَرَّعَ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهِ. [النَّذْرُ فِي الصِّيَامِ وَالصِّيَامُ عَنْ الْمَيِّتِ] (ش) : النَّذْرُ هُوَ مَا يَنْذِرُهُ الْإِنْسَانُ وَيُلْزِمُهُ نَفْسَهُ بِالْقَوْلِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالتَّطَوُّعُ هُوَ مَا لَا يَلْتَزِمُهُ بِالْقَوْلِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ اخْتِيَارًا فَيَلْزَمُهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ إتْمَامُهُ وَقَوْلُهُ لِيَبْدَأَ بِالنَّذْرِ قَبْلَ أَنْ يَتَطَوَّعَ كَلَامٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ قَدْ لَزِمَهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ وَالتَّطَوُّعُ لَمْ يَلْزَمْهُ بَعْدَ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ فَمِنْ النَّظَرِ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِمَا قَدْ لَزِمَهُ وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَطَوَّعُ إنْ شَاءَ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ قَدَّمَ التَّطَوُّعَ صَحَّ صَوْمُهُ فِي التَّطَوُّعِ وَبَقِيَ النَّذْرُ فِي ذِمَّتِهِ وَقَدْ أَسَاءَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا يَصِحُّ تَطَوُّعُهُ قَبْلُ إذَا نَذَرَهُ؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ لَا يَخْتَصُّ بِصَوْمِ النَّذْرِ بَلْ يَصِحُّ فِيهِ التَّطَوُّعُ وَغَيْرُهُ وَهَذَا إذَا كَانَ النَّذْرُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَصُومَ فِيهِ غَيْرَهُ فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ نَذْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ صَوْمَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَإِذَا مَضَى زَمَنُ النَّذْرِ وَلَمْ يَصُمْهُ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ تَعَلَّقَ قَضَاءُ صَوْمِهِ بِذِمَّتِهِ وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ النَّذْرِ الَّذِي لَمْ يَتَعَيَّنْ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ. (ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ مِنْ رَقَبَةٍ يُعْتِقُهَا أَوْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ بَدَنَةٍ فَأَوْصَى أَنْ يُوَفَّى ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ وَالْبَدَنَةَ فِي ثُلُثِهِ وَهُوَ مُبَدَّأٌ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ الْوَصَايَا إلَّا مَا كَانَ مِثْلَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنْ النُّذُورِ وَغَيْرِهَا كَهَيْئَةِ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنَّمَا يَجْعَلُ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ خَاصَّةً دُونَ رَأْسِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي رَأْسِ مَالِهِ لَأَخَّرَ الْمُتَوَفَّى مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ حَتَّى إذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَصَارَ الْمَالُ لِوَرَثَتِهِ سَمَّى مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَتَقَاضَاهَا مِنْهُ مُتَقَاضٍ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ أَخَّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ حَتَّى إذَا كَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ سَمَّاهَا وَعَيَّ أَنْ يُحِيطَ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ) .
следующие страницы →